تحميل رواية «لحن الحياة» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يقف بعيدًا يجفف دموعه وهو يرى آخر غير والده يحتضن والدته ويقبّل جبينها، ووالدته تبتسم باستحياء وكأنه الرجل الأول في حياتها. الفرحة كانت تعم المكان، فالكل سعيد بهذا الزواج من أقاربهم. ابن العم الأرمل قد عاد ليتزوج بأمه الأرملة، وكأن القدر أراد أن يلتقيا بعد أن افترقا. وبعد وفاة أبيه منذ عامين، عاد الحبيب يدق أبواب حبيبته من جديد، فالفرصة قد سنحت له ولها. ولكن والدته في البداية رفضت بشده، أما الآن هاهي سعيدة وقد نسيت أبيه. دموعه انسابت دون توقف رغم محاولته المُميتة بأن يمنع هبوطها، فوالده ذات يوم...
رواية لحن الحياة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سهام صادق
ابتسمت وهي مازالت بين الغفوة واليقظة، تظن بأنها بحلم جميل ترى فيه جاسم الحنون الذي تريده، وترى نفسها دون مشاعر مقيدة خائفة.
مدت يداها نحو وجهه تتحسسه، ثم رفعت جسدها نحوه كي تحتضنه.
- الحلم ده جميل أوي، وأنت حلو أوي فيه.
فكتم ضحكاته بصعوبة وضَمَّها إليه أكثر هامساً:
- فعلاً حلم جميل يامهرة، ياريت تفضلي تحلمي كده على طول.
فأبتعدت عنه قليلاً واتسعت عيناها، فالوضع به شيء عجيب. ووضعت يديها على ذراعيه ثم وجهه.
- بسم الله الرحمن الرحيم.
وهنا لم يقدر على كتم صوت ضحكاته التي صدحت عالياً، وطالعته وقد تيقنت أنه ليس حلماً بل حقيقة، وصرخت بكل قوتها:
- اكدب عليا وقول إنه حلم.
وأغمضت إحدى عينيها تنتظر منه أن يخبرها ما ترغب في سماعه، ولكن أملها قد خاب.
- للأسف حقيقة يامهرة.
وضحك بقوة وهو يطالعها، ثم غمز لها بمكر:
- كنت أتمنى أكدب عليكي.
فضاقت عيناها بصدمة مما تفوهت به، فيبدو أن هذا تأثير المسكن الذي تناولته قبل أن تغفو، وتمتمت بأرتباك وتعلثم:
- أنا... يعني... أصلاً... آه، هو الدوا السبب خلاني مش حاسة بنفسي.
وحركت رأسها كي يتفهم الأمر، فابتسم بحنو:
- خلاص يامهرة، أنا نسيت اللي حصل، اعتبريني حلم.
فتنهدت براحة وكأنها اقتنعت، وعندما لمحت المكر في عينيه علمت أنه يجاريها وكأنها طفلة.
وانتفضت من فوق الفراش:
- أنت بتاخدني على قد عقلي مش كده؟
فتنهد بيأس منها:
- مهرة، أنا جاي من السفر تعبان وحقيقي مش فايق ولا فاكر أي حاجة قولتيها، ارتحتي كده؟
فطالعته بصمت إلى أن وجدته ينظر إلى ذراعها متسائلاً:
- حصلك ده إزاي؟
فحركت رأسها وهي تتحاشى نظراته الثاقبة نحوها:
- متأخدش في بالك، ديه حادثة بسيطة.
فزفر أنفاسه بحنق واقترب منها يحاوطها بذراعيه:
- لاما بتروحي للمصايب برجليكي أو هي اللي بتجيلك.
فضحكت رغماً عنها:
- مقدرات كونية.
فضحك على مشاغبتها وتمتم بهدوء:
- سلامتك.
كلمة واحدة منه حانية جعلتها كالضائعة، وكأن قلبها كان مشتاق لمجرد كلمة تسعده.
وطأطأت رأسها عندما شعرت بأن قواها خارت.
ووجدت يده ترفع وجهها كي تعود لمطالعته، فأرتبكت وهي تتمتم:
- هو أنت متأكد إننا مش في الحلم؟
فأبتعد جاسم عنها ضاحكاً بقوة، لتهتف بحنق:
- أنت بتضحك على إيه؟
فتنهد وهو يتسطح على فراشها بعد أن خلع سترته:
- بضحك على غلطة عمري.
لم تفهم مغزى كلماته في البداية، واتسعت حدقتا عيناها بعدما فهمت ما يقصد، واندفعت جانبه على الفراش:
- أنت تقصدني أنا؟
ولينهي هذا الجدال سريعاً تمتم بأرهاق:
- مهرة، أرجوكي، أنا جاي من السفر تعبان ومحتاج أنام.
فأشفقت على حاله، فالإرهاق ظاهر على ملامحه:
- خلاص مش هتكلم أه.
ووضعت بيدها على فاها تطالعه وهو يغمض عينيه على وسادتها:
- جاسم.
ففتح عينيه لتنظر إليه ثم إلى الفراش:
- أنت هتنام هنا؟
فحرك رأسه بنعم وأشار إليها بأن تقترب، فأقتربت منه ببطء:
- تعالي جنبي يامهرة.
فوقعت عيناها على المكان الذي يشير له:
- لاء، هنا كويس.
فتعالى صوته بضيق:
- مهرة، ممكن بلاش عند النهاردة.
وانصاعت لأمره بهدوء، وجلست بالقرب منه لتجده يعتدل في نومته هاتفا:
- عايز أنام في حضنك.
ولم يمهلها الرد، لتجده يجذبها له، وتملصت من ذراعيه فتمتم بنعاس:
- أهدي يامهرة ونامي.
فهتفت بتذمر:
- طب أنا مش عايزة أنام.
ولكي يلهيها قليلاً بدأ يتجاذب معها الحديث:
- احكيلي إيه اللي حصلك في غيابي؟
فأخبرته عما حدث من سرقة، ليهتف بغضب:
- بعد كده تاخدي السواق معاكي، ربنا ستر المرة دي وعدت على خير.
فزفرت أنفاسها ببطء ثم تسألت:
- كريم أخباره إيه وايه اللي حصل في القضية؟
فتنهد بارتياح:
- القاتل اعترف بكل حاجة، كان سكران وحكى لعامل في الملهي الليلي اللي كان سهران فيه، والعامل راح بلّغ عنه.
فحدقت به مهرة غير مصدقة:
- سبحان الله، كويس إن خرج من الحكاية دي بالسلامة.
ونست وضعها هذا بين ذراعيه، ورفعت كفها تداعب خصلات شعره بشرود، غير منتبهة لاستسلامها هذا.
كان يغمض عينيه ويفتحهما متعجباً من هدوئها، بل وأيضاً الدفء الذي يشعر به بين ذراعيها، ووجد نفسه يسألها دون وعي:
- مهرة، إيه رأيك نسافر نغير جو؟
أعجبتها الفكرة بشدة، فالأول مرة تسمع تلك العبارة وأحد يخصها بها:
- نسافر؟
وابتسمت بحماس:
- موافقة، بس فين؟
فضحك على تعبيرات وجهها التي تتغير بتلقائية في دقائق:
- اختاري أنتِ، إيه رأيك؟
فأسترخت في جلستها وأبعدت ومازالت تحرك يدها على خصلات شعره:
- أقترح أنا.
وسألت نفسها:
- عايزة تروحي فين يامهرة؟
- أنا عايزة أروح مكانين، بس ممكن عادي نأجل واحد ونروح واحد دلوقتي.
فأبتعد عنها قليلاً وطالعها وهو يضمها إليه:
- قولي اللي نفسي فيه وأنا موافق، استغلي سحر اللحظة دي.
وضحك مع جملته الأخيرة، فأنتبهت أنه ابتعد عنها وقد حررها من ذلك الحصار الذي للأسف أعجبها بشدة وأشعرها بالدفء.
- عمرة، عايزة أطلع عمرة ياجاسم، والغردقة.
فأبتسم وهو يطالعها، وظنت أنه يرى ذلك استغلالاً منها:
- أنا ممكن اتنازل عن الغردقة.
فداعب ذقنه ومازال يحدق بها:
- نفسك تروحيهم يامهرة؟
فحركت رأسها سريعاً:
- ماما كان نفسها أوي تروح عمرة.
واتذكرت اليوم الذي وجدت والدتها تبكي فيه بعد أن علمت ذهاب والدها وسهير لأداء مناسك العمرة.
كلماتها مازالت صدى في أذنيها:
"كان نفسي أروح أوي يابنتي."
- هعمل عمرة ليا وليها.
وسألته وهي تتمنى أن يوافق:
- موافق صح؟
فلمعت عيناه بحب:
- حاضر يامهرة.
وكادت أن تنهض من فوق الفراش كي لا يعود ويحاصرها بين ذراعيه، فجذبها مبتسماً:
- تعالي هنا، ولا أنتِ بتاخدي حقك قطط وتهربي؟
فضحكت وهي تخلص نفسها من ذراعيه:
- اسمها زي القطط تاكل وتنكر.
فأبتسم بخبث وهو يطالعها:
- مش مهم، المهم العبي في شعري زي ما كنتي بتلعبي من شوية.
فحدقت به بصدمة:
- أنا لعبت في شعرك؟ امتى ده؟
فضحك بصخب وقد طار النعاس من عينيه ونسي إرهاقها:
- لاء، الليلة دي لازم تتكتب في تاريخ حياتنا مع بعض.
وانتهت الليلة وكل منهم يشعر بأنه ليس هو، فيبدو أن القلب أراد أن يستمتع قليلاً دون قيود.
***
انتقلت ريم لفرع الشركة الجديد وهي تشعر بالسعادة لأنها ابتعدت عن تسلط مديرة قسمها السيدة جيهان، وأيضاً تخلصت من حكاية نادين التي لازمتها في عملها وكيف وقفت زوجة صاحب الشركة معها، وكلام كثير بدأ يقال بها.
واتجهت نحو مكتب مدير الفرع الجديد، كل ما تعرفه أنها ستكون سكرتيرة المدير، رغم أنها كانت تفضل أن تبقى في قسم الحسابات، ولكن المرتب والخبرة التي ستكتسبها كما أخبرتها مهرة جعلتها تفكر.
ونظرت لمكتبها فأبتسمت بسعادة، ولكن ابتسامتها لم تدوم وهي تجد ياسر يردف خلفها بعنجهيته، فالذراع الأيمن لجاسم الشرقاوي كيف سيكون.
- أنتِ بتعملي إيه هنا؟
فأبتلعت ريقها بخوف:
- أنا... أنا...
فتنهد ياسر بسأم:
- أنتِ إيه ما تنطقي.
فطأطأت رأسها بتوتر:
- أنا اتنقلت للفرع ده.
فزفر ياسر أنفاسه بضيق:
- وإيه اللي جايبك مكتب المدير؟
وضاقت عيناه بحنق، ثم انتبه توصية جاسم عليها، والتي تعجبها في البداية، ولكن عندما تذكر صداقة تلك الفتاة لمهرة علم لما تمت التوصية.
- أوعي تقوليلي إنك السكرتيرة.
فحركت رأسها له بصمت، ليضغط على يديه بقوة:
- ملقوش غيرك انتي.
وسار نحو غرفة مكتبه الجديدة متمتماً ببعض الكلمات بضيق، فهذه الفتاة بكل ما فيها يضايقه.
لتطالع ريم خطواته بحزن، وسؤال واحد تتسائله:
لما يكرهها هكذا؟
***
حدق بصديقه بصمت وهو يدق بقلمه على سطح مكتبه:
- وجود والدتي معانا يشغلني يا بشير، منذ متى ووالدتي تحب المكوث في البلد دون أن تسافر؟
فحرك بشير رأسه مفكراً:
- حقاً أتعجب من فريدة خانو، فهي تعشق التنقل من مكان لآخر.
ثم ضحك بعبث:
- ولكن يبدو أن عاداتها تغيرت منذ أن تزوجت وأحبت العيش معكم.
فتنهد كنان، زوجته لا تشتكي من شيء بل وتطلب منه أن يحسن معاملتها، ولا تعلم أن تلك تسمى أماً لا تحب إلا نفسها والمال الذي تأخذه منه.
- صحيح بشير، سيلا تريد أن تكون العارضة للمنتج، ما رأيك؟
فطالعه بشير ولم يعجبه عودة سيلا مجدداً في إطار حياتهم، فبراءة سيلا لا تستهويه، صديقه يعطيها فرصة بالعمل ويعرف أسبابه، فهو يشعر بأنه ظلمها بعد فسخ خطبته منها وزواجه من أخرى، رغم أنه لا يهتم بمشاعر أحد، ولكن يبدو أن ورد غيرت به أشياء كثيرة ظاهرياً وخارجياً.
- افعل ما تريد كنان، ولكن احترس قليلاً من نوايا سيلا.
فطالعه كنان بصمت إلى أن صدح رنين هاتفه، لينظر لرقم زوجته، وفور أن فتح الخط هتفت بحماس:
- كنان، والدتك طلبت مني أن أذهب معها للتسوق.
وتابعت بسعادة:
- أنا سعيدة جداً كنان أنها تريد أن تقترب مني.
فوجد كنان بشير ينهض من مقعده مشيراً له بأنه سينصرف ليتابع أعماله:
- كل هذه السعادة لأنك ستشاركين والدتي التسوق؟
فأتاه صوت تنهيداته:
- أجل كنان، أموافق أنت على ذهابي أليس كذلك؟
فتمتم وهو يتمنى أن تنبسط في تلك الجولة مع والدته، ورغم قلقه إلا أنه لم يرد أن يكسر فرحتها:
- اذهبي حبيبتي واشتري كل ما ترغبين به.
فضحكت بصخب ومشاغبة:
- سأجعلك تفلس حبيبي.
فأبتسم بسعادة:
- زوجتي حنونة ولا تفعل ذلك بزوجها، ولكن لكي ما أردتي حبيبتي.
فتمتمت برقة وعشق:
- أدامك الله نعمة بحياتي كنان.
أسعدته جملتها البسيطة وتنهد بعشق، ثم لمعت عيناه بمكر:
- ورد، لا تنسي شراء ملابس للرقص.
وعلى ذكرى تلك الليلة، أغلقت الهاتف بوجه، لتعلو ضحكاته بسعادة.
***
عدت كل شيء بحماس لرحلتهم تلك، فجاسم أخبرها أن رحلتهم ستكون غداً.
ووجدت هاتفها يدق وكان المتصل هو أكرم:
- أيوه يا أكرم، أنت جاي دلوقتي؟ تمام، مستنياك.
وبعد نصف ساعة كان يقف أمامها أكرم وقد طالت لحيته، فنظر إلى ذراعها الملفوف بالشاش الطبي:
- إيه اللي حصلك يامهرة؟
اوعي تقوليلي مصيبة من مصايبك تاني.
فدفعته برفق على صدره.
- انت هتعمل زي جاسم؟
فضحك أكرم وقد نسي الهم الذي به. فوالدته مازالت على رفضها، بل وهددته أنها ستسحب منه كل شيء تحت سلطته من مال وسيارة وإدارة المتاجر خاصتهم، ولن تساعده بأي قرش في زواجه.
- للأسف دي الحقيقة اللي جاسم بيقولهالك.
وتساءل وهو ينظر حوله.
- هو فين جاسم صحيح؟
فقادته نحو غرفة الجلوس وتمتمت.
- لسه في الشركة.. بيحاول يخلص الشغل اللي عليه عشان مسافرين.
فأبتسم أكرم وهو يجلس على أحد الأرائك.
- مسافرين فين.. ومن ورايا يا مهرة؟
فضحكت بتسلية.
- كنت هتصل بيك النهاردة انت وورد ومرام وريم ورقية.. أسألكم عايزني أدعيلكم بإيه.
فاتسعت ابتسامته وقد علم برحلة سفرها واحتضنها.
- فكرة جميلة أوي يا مهرة بجد.. أنا قولت هتسافروا باريس ولا أي مكان سياحي هنا.. بس مكنتش متوقع الرحلة دي.
وأشتد في احتضانه فهتفت وهي تكاد تختنق.
- أكرم أنا كده هموت في إيدك وشكلي مش هسافر أي مكان.
فأبتعد عنها أكرم ضاحكًا وضربها برفق على جبهتها.
- الله يعينك يا جاسم.
وعندما زمّت شفتيها باستياء.. ضحك وهو يهتف.
- آسفين خلاص.. بصي بقى انتي تكثفي الدعوات أوي وأهم حاجة إني أتزوج ضحى يا مهرة.. ادعيلي أتزوجها وماما ربنا يهديها.
فضاقت عين مهرة بضيق عندما تذكرت أن والدة شقيقها هي سهير التي لم تكره أحد مثلها بحياتها.
وحركت رأسها وهو تربت على يده.
- هدعيلك يا أكرم.. وإن شاء الله هتتجوزها.
ورفعت كتفيها بثقة.
- أنا معاك متقلقش.
فأبتسم وهو يحتضنها بحب أخوي.
- جاسم محظوظ بيكي يا مهرة.. مع إنك مصيبة من مصايب الزمن.
وعلى نطق تلك الجملة كان جاسم قد عاد واتجه نحوهم مبتسمًا.
- مقولتش حاجة من عندي حتى أكرم شايفك مصيبة.
لتدفع أكرم عنها.. ووقفت تنظر لهم بغضب وانصرفت من أمامهم بضيق.
- بقي كده ماشي.
فتسأل جاسم بعد أن تخطته.
- خدي هنا رايحة فين؟
فألتفت نحوه.
- رايحة المطبخ أقعد مع هدي وفوزيه هما أحسن منكم.
فأنفجر جاسم ضاحكًا وهو يصافح أكرم الذي هتف بدعاء.
- ربنا يعينك.
فأبتسم جاسم بحنو وزفر أنفاسه بتنهيدة عاشقة وقد تأكد أكرم أنه جاسم حقًا يحب شقيقته وليس ما تظنه شقيقته أنه تزوجها ليرد كرامته وكبرياءه من خطيبته السابقة.
جلست ورد على فراشها تطالع الفراغ الذي أمامها بحزن. فوالدة كنان اصطحبتها للمتجر الخاص بصديقتها التي ظلت تنظر لها بضيق ونقد لملابسها وحجابها وأظافرها التي لا تطليها بطلاء الأظافر وبشرتها الخالية من مساحيق التجميل.
ولولا احترامها لأعمارهم لكانت قد ردت عليهم، ولكن تقبلت كل شيء بصمت، فتركتهم ينتقدوا ما أرادوا. فهي تعلم تمامًا أن ما هي عليه هو الصحيح.
الدنيا التي يظنه خالده ما هي إلا رحلة ستنتهي يومًا ما، قريب أم بعيد ستنتهي ولن يبقى شيء إلا أعمالنا وطاعتنا لله.
ووجدت فريدة تفتح باب غرفتها باندفاع وقذفت بوجهها الملابس العارية التي اشترتها إليها.
- أيُعجبك مظهرك هذا؟
وضحكت ساخرة.
- ما هذه الحشمة التي أنتِ بها يا فتاة؟ كيف زوجة رجل لامع لديه اسم في المجتمع تكون هكذا؟
وزفرت أنفاسها بغضب.
- يا ربي يوم أن يتزوج ابني يتزوج من هذه!
وانصرفت حانقة. لتغمض ورد عيناها بوجع.
هي عكس شقيقتها، لا تتمرد، لا تهين من يهينها.
وتسطحت على الفراش وغفت بملابسها.
وبعد ساعة كان كنان يردف للغرفة، ناظرًا لحقيبة الملابس الملقاه على الأرض ثم إلى ورد الغافية على الفراش بطريقة غير مريحة. فجلس جانبها يداعب وجنتيها بأنامله.
- ورد حبيبتي استيقظي.
ففتحت ورد عيناها واندفعت نحوه تحتضنه بقوة هاتفة.
- كنان ضمني إليك.
فأسعده طلبها وضمه بشدة هامسًا.
- لك كل ما ترغبين به يا صغيرتي.
أردف علي غرفتها وحدق بها وهي تدور هنا وهناك تسأل نفسها بصوت مسموع.
- صوتها لم يعجبني.. يا ترى فيكِ إيه يا ورد؟
فضحك جاسم وهو يجدها هكذا وتأكل أظافرها.
- مالها ورد؟
فحركت رأسها وهي لا تعلم سبب شعورها هذا.
- إحساس عندي.. أصل صوته لم يعجبني.
فأقترب منها جاسم ونظر إلى ذراعها وركبتها.
- جرح ذراعك ويدك خفوا.
فهزت رأسها بيأس من كثرة سؤاله هذا.
- أنت سألتني السؤال ده كتير قوي.
فأبتسم بهدوء.
- يا ربي عليكي، حد يكره الاهتمام؟ أنتِ مش طبيعية يا مهرة، أي ست بتفرح بالاهتمام والدلع.
فلوت شفتيها بامتعاض وهي تضع بكلتا يديها على خصرها.
- أنا استرونج ومان على فكرة.. وبعيش تحت ضغط.
فضحك باستمتاع وهو يطالعها واتجه نحوها.. وهدفه منصب على شيء لا تعرفه. كانت تخطو للخلف بقلق من نظراته الماكرة، إلى أن شهقت بفزع وهي تسقط على الأريكة التي بغرفتها.
- آه يا ظهري.
فمال نحوها جاسم باستنطاع.
- مش شايف الاسترونج فين؟ عارفة يا مهرة، أنتِ بق على الفاضي.. أنتِ ماشية في الحياة دي بستر ربنا.
وحرك رأسه بيأس منها ثم طالعها ضاحكًا.
- قومي يا استرونج ومان.
ونظر إلى الحذاء المنزلي الطفولي الذي ترتديه وأشار نحوه.
- فيه استرونج ومان بتلبس شبشب مقاس أطفال؟
فضاقت عيناها بحنق، وقبل أن تفتح فاها لترد عليه وجدته قد انصرف.
فهو يجيد اللعب والمكر.
وتمتمت بضيق وتذمر.
- زي الثعلب المكار.
دلال أغرقته به، بل وجعلته أسعد رجل بالعالم. لم يعد يفهمها ولكنه سعيد بهذا.
- يا ريت تفضلي كده يا مرام.
فأبتسمت له وهي تقترب لتقبله برقة.
- بحبك.
وكاد أن يغرق معها مجددًا في بحور الغرام والعشق.
فأبتعدت عنه ونظرت له بارتباك.
- كريم ممكن أطلب منك طلب؟
فأبتسم وهو يضمها إليه ويقبلها على عنقها.
- اطلبي يا حبيبتي.
فتمتمت وهي تشعر بملمس يديه على جسدها.
- عايزة أكون مديرة القسم اللي أنا فيه.
ليبتعد عنها كريم، ناظرًا لها بصمت.
- أنا سمعت إن المدير هيتشال وواحد مكانه هيمسك.. إزاي أكون مراتك ومجرد موظفة؟
فلمعت عين كريم بصمت. زوجته تريد النجاح السريع. ورفعت كفيها تضم وجهه نحوها.
- اطلب من جاسم أمر تعيني.. أنا عارفة إنه هو اللي بيختار مديري الأقسام ومش أي حد بياخد المنصب ده.
أيام جميلة قضوها وراحة شعرت بأنها تغللت بروحها. دعت كثيرًا أن يغفر الله لها تأخر ارتدائها للحجاب.
دعت لوالدتها بالرحمة، ودعت لشقيقتها بالسعادة، ودعت لأكرم كما رغب، وأيضًا رقية وريم ومرام.
ودعت لنفسها كثيرًا أن تسير في الطريق الصحيح وتجد سعادتها، ودعت لجاسم كثيرًا لدرجة تعجبت من نفسها. وانتهت رحلتهم في الأراضي المقدسة.
وتفاجأت في المطار بتوجه رحلتهم الجديدة.
- إحنا مش رايحين على مصر؟
فأمسك جاسم يدها وقادها.
- لأ هنروح مكان هادي وجميل.
فتسألت.
- فين؟ عند ورد؟
فضحك وهو يسير بها متشابكين الأيدي، فلا توجد أي ملامح لرحلتهم الجديدة ولم يجيب عليها. واتسعت عيناها وهي تجده ينهي الإجراءات وعلمت بوجهة رحلتهم.
- إيه المالديف!
رغم إرهاقها من رحلة السفر إلا أن عيناها زادت اتساعًا وهي ترى مظاهر الجمال الطبيعي في ذلك المنتجع السياحي الذي يطلع على المياه مباشرة.
ووقفت أمام الشرفة في الكوخ الذي تم حجزه تتأمل المياه الصافية.
لتجد جاسم يقف خلفها.
- الجو هنا جميل جدًا.
فألتفت له بسعادة كالأطفال.
- عمره وجزر المالديف.. أنت الفانوس السحري ولا إيه؟
فضربها جاسم برفق على جبهتها.
- لأ أنا عفريت اللي كان جوه الفانوس.
فضحكت وهي تتثاوب وتعلقت بعنقه.
- بس برضه مش هتنازل عن الغردقة.
فوجده يدفعها عنه برفق ضاحكًا.
- الصبر من عندك يا رب.
ووجدته يخرج ملابسه ويتجه نحو المرحاض. فقذفت بحذائها واتجهت نحو الفراش لتغفو في دقائق معدودة دون أن تبدل ملابسها.
نظرت رقية إلى والدها بصدمة.
- عريس مين اللي متقدم لي يا بابا؟
فأبتسم والدها بسعادة.
- ابن صديق ليا شافك معايا في مناسبة.
لتتجمد ملامح رقية وهي تتمنى في تلك اللحظة مراد.
- اتفقنا إمتى على الميعاد.. شوفي اليوم اللي يناسبك يا حبيبتي.
فصمتت للحظات وهي تتذكر كل ما مرت به وأرادت أن تثأر لكرامتها من مراد.
- شوف اليوم اللي يريحك أنت يا بابا.
فضمها والدها بسعادة غير مصدقًا أن صغيرته قد كبرت.
مدت ذراعيها على الفراش لتنهض بفزع، فجاسم بجوارها بصدر عارٍ. فشهقت وتجمدت ملامحها بعد أن رأت نفسها ترتدي ملابس غير التي غفت بها.
وصرخت وهي توقظه.
- اصحى قولي مين اللي غير لي هدومي.
فأستيقظ جاسم بفزع وتنهد بحنق.
- العفريت يا مهرة، ارتحتي؟
فضربته على صدره.
- مصحتنيش ليه.. وإزاي نايم جنبي كده؟
وأخذت تعول كالأطفال.
- بس خلاص.. اللي يشوفك وإنتي بتصرخي مش يشوفك وإنتي كنتي حاسة وأنا بغير لك هدومك.
فأعتسعت عيناها وهي تحك على رأسها غير مصدقة.
- إزاي ده، أنا مش فاكرة حاجة.
فأبتسم بمكر وهو يعلم أنه كاذب. فهي من شدة إرهاقها لم تشعر به وهو يبدل لها ملابسها.
- زي الحلم كده يا مهرة.
وغمز لها بوقاحة وهو يتناول التيشيرت خاص به ويرتديه.
لترتبك وتشيح عيناها عنه وهي تعصر عقلها بأن تتذكر أي شيء. فذلاتها أصبحت كثيرة معه تلك الأيام.
سارت خلفه وهي تنظر لروعة المكان. كانت تتعثر بخطواتها في الرمال الناعمة من شدة اندماجها في مطالعة جمال الطبيعة. فألتف نحوها وهو يزيح نظارته عن عينيه.
- خدي بالك.
وعلى أثر تلك الكلمة سقطت فوق الرمال لتصرخ بحنق.
- لأ كده كتير.
فضحك جاسم وهو يمد يده لها.
- سبحان الله، كل ما بتزعليني بتحصلك حاجة.
ورفع حاجبيه ضاحكًا.
- أنا بركة.
فدفعت يده بعيدًا ونهضت بمفردها وهي تتمتم داخلها.
- أظاهر كده.
وحدق بها ليجدها تزم شفتيها كالأطفال، ثم أكملوا سيرهم.
ونظرت إلى المنشفة التي يضعها على كتفه.
فهيئته تدل على أنه سيسبح.
- أنت هتعوم.
فنظر حوله بارتخاء وهو يجلس على أحد المقاعد الخشبية الموضوعة على الشاطئ وتسطح قليلاً.
- أكيد يامهرة.
فجلست على المقعد الآخر تطالع جمال الشاطئ. لم يكن بتلك الساعة الكثير من السياح، فكان المكان هادئ.
ورن هاتفها لتجد رقم ورد، فهتفت بسعادة.
- ديه ورد.
ونهضت من جلستها لتسير بعيداً قليلاً لتحادثها وتخبرها
عن بعض المشاعر التي تشعر بها حالياً.
وعادت بعد دقائق لتجد أحدهم يضع أمامها مشروباً تزينه فواكه عند فوهته. وجاسم ليس موجوداً. فألتقطت التشيرت الخاص به ونظرت حولها، ثم جلست تخرج من حقيبتها الصوفية كتاباً وقررت أن تستمتع وتندمج.
واتسعت عيناها وهي تجد البعض بدأ يتوافد على الشاطئ. فتمتمت براحة.
- الحمدلله جاسم مش هنا. الثواب ضاع أه.
ووضعت الكتاب أمام عينيها بحنق واندمجت في القراءة.
وبدأ هواء البحر ينعشها بل وأفاد مزاجها. وشعرت بالاسترخاء وهي تعيش مع سطور الكتاب الذي بين يديها. ولكن هل يترك أحد هذا النعيم وينسجم في القراءة؟ وزفرت أنفاسها بحنق، ثم جذبت كأس العصير الخاص بها وأرتشفت منه بتلذذ.
- بحر وعصير مش عارفه اسمه إيه وف جزر المدليف كمان. أنا أكيد بحلم.
وأرخت جفنيها بمتعة ونسمات الهواء تداعب وجنتيها.
واتسعت عيناها وفتحت فاها كالبلهاء وحدقت بالجسد الذي يخرج من المياه وينفض خصلات شعره. ومع كل خطوة كان يخطوها خارج مياه البحر، كان قلبها يخفق بقوة.
هل هذا الرجل هو جاسم زوجها؟ ولمعت عيناها.
وألتفت نحوها لتجد أحداهن تحدق به بل وتعبث بشعرها الأشقر وتتجه نحوه بجسد رشيق لا يستره إلا قطعتين.
هدفها أصبح باتجاهين، مع تلك التي تتجه نحو زوجها برغبة، ومع زوجها الذي يستعرض وسامته ولياقته دون شعور منه.
لتلطم وجهها كي تفيق. وألتقطت المنشفة التي بجانبها وركضت نحوه تشير له بالمنشفة.
- جاسم... جاسم.
فابتسم وهو يجدها تركض إليه. ووقفت أمامه تحيطه بالمنشفة وعيناها على الشقراء التي طالعتها بضيق فقد خاب آمالها.
- استر نفسك... استر نفسك.
رواية لحن الحياة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سهام صادق
ازاحها عنه برفق وهو يكتم ضحكته بصعوبة على ما تفعله وتنهد بيأس.
- استر نفسك إيه يامهرة.. استري إنتِ لسانك ومتنطقيش خالص.
وابتعد عنها ضاحكًا، ثم عاد لها يأخذ منها المنشفة.
- هتفضلي واقفة كده كتير؟
فعقدت ساعديها بضيق وطالعته بنظرة غاضبة.
- روح شوف طريقك.. وأنا هشوف طريقي بعيد عنك.
وابتعدت عنه تزفر أنفاسها بقوة، وألتفت نحوه.
- وياريت متجيش ورايا.
فضحك بصخب وجذبها نحوه.
- طريق إيه ده يامجنونة أشوفه؟ مهرة إحنا مش في مصر، إنما الإنجليزي بتاعك ماشاء الله مشرف.
وتابع ساخرًا.
- فعقلي كده ياحبيبتي.. وخلي طريقنا واحد لحد مانرجع مصر.
وداعب وجنتيها برفق، لتبتلع ريقها بتوتر وهي ترى مدى التقارب بينهم وأنفاسه تحاوطها، والفظع أنه أمامها بكل تلك الفتنة وبصدره العاري.
- أنا عايزة أتمشى شوية، ممكن؟
فمال نحوها هامسًا.
- عنيا ليكي، تعالي بس نرجع الشاليه بتاعنا.. آخد دش سريع وأعملك اللي إنتي عايزاه.
فنظرت حولها بارتباك، وداخلها تعنف نفسها على هذا الضعف الذي أصبح يسيطر عليها أمامه، وسارت معه بهدوء وهو يبتسم على ما وصل به معها إلى الآن.
..................................................................
نظرت فريدة إلى الطعام بضيق، ومسحت فمها بتذمر.
- هل سنظل كثيرًا نأكل من هذا الأكل؟
فنظرت ورد لطبقها بصمت، ليطالع كنان والدته بضيق.
- ما به الطعام فريدة هانم؟ لم آكل مثله في حياتي.
ورفع يدي ورد يقبلهما بحنان.
- سلمت يداكِ حبيبتي.
لتتأفف فريدة بحنق وهي تطالع ابتسامة ورد وسعادتها بتدليل ابنها لها، كنان ابنها الذي لا يعرف معنى المشاعر ولم يفكر يومًا إلا بعقله، أصبح عاشقًا متيمًا بفتاة لا ترى بها شيئًا فاتنًا.
- طعام به دهون كثيرة.. منذ متى وأنت تأكل مثل تلك الأطعمة؟ زوجتك يبدو أنها نست بأنها في مجتمع آخر وبطبقة أخرى.
وعندما رأى نظرة زوجته الحزينة، نهض بعنف من على طاولة الطعام.
- كفى فريدة هانم.. بما أن بيتي لا يعجبك العيش فيه، عودي لمنزلك.
وتابع وهو يقبض على يديه بقوة.
- لا تقلقي، لقد دفعت كافة تكاليف تصليح بيتك.
وتابع ساخرًا.
- بيتك وعشيقك ينتظرونك.
لتتجمد ملامح فريدة وهي تنهض وتمتمت بارتباك.
- عشيق من؟
فأقترب منها بألم بعد أن رأى الصدمة في عين زوجته وسمع شهقتها.
- علاقتك مع الشوفير فريدة هانم.. كنتِ تظنين أنني لا أعلم بالأمر؟
فأشاحت فريدة عيناها بعيدًا، ونظرت إلى ورد التي وقفت لتصعد نحو غرفتها.
- أتطرد أمك من منزلك كنان؟ هذا ما ترغب به زوجتك، أليس كذلك؟
وانصرفت بغضب بعد أن رمقت ورد بعدها بنظرة لائمه، وفور أن اتجهت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، ابتسمت بمكر.
- أعلم أن الغبية ستطلب منك إبقائي.
وفور أن انصرفت، اتجه كنان نحو غرفة مكتبه وأغلق الباب خلفه بقوة، لتنظر ورد حولها بطيبة مترددة.
أتذهب إلى والد زوجها تطيب خاطرها رغم ما تفعله بها؟
أم تذهب لزوجها وتحايله كي لا يغضب والدته ويطردها هكذا؟
وحسمت الأمر سريعًا واتجهت نحو غرفة المكتب بخطوات بطيئة تفرك يديها بتوتر.
واطرقت باب الغرفة ثم اردفت للداخل واقتربت منه هامسة.
- كنان.
فأغمض كنان عينيه بألم، سنين يجاهد نفسه بأن يتحمل فسق والدته، ولكن والدته لا تتغير، لا تحترم سنوات عمرها، إلى الآن يسأل نفسه كيف تكون هذه أمًا.
اليوم خجل من نظرة زوجته وهي تسمع فخر عائلتهم الذي يغطيه بأمواله.
وشعر بيدها على خصره وأصبح جسدها ملاصقًا لجسده.
- مهما فعلت كنان، فهي والدتك. انصحيها بالرفق.. ادعي لها.. الله وحده يحاسب عباده، هي والدتك، أتعلم ما تعني هذه الكلمة؟
وسمعت صوت أنفاسه القوية وضغط يده على يدها الملتفة حول خصره.
- اصعدي غرفتك ورد، أرجوكي.
فألتفت نحوه مبتسمة، ورفعت قدميها لتعانق عنقه بيديها.
- لن أصعد يا زوجي الوسيم.
وقبلته برقة على خده وداعبت وجهه بوجهها، فأبتسم بلين.
- ورد، اصعدي لغرفتك، هيا.
فقبلته على خده الآخر، وهي تحرك شفتيها بامتعاض.
- لن أذهب وأتركك في هذا الظلم.
ورفعت حاجبيها بمشاكسة.
- أشعر بأن هذه الغرفة بها عفريت.
فأبتسم أخيرًا وقربها إليه وهتفت بداعبة طفولية.
- اضحكي للدنيا تضحك لكِ.
فضحك على دعابتها، ومسح على وجهها بحنو.
- ماذا فعلت بحياتي لأتزوجك؟
لتنفجر هي ضاحكة وبغباء هتفت.
- عملت ذنوب كتير.. وادبست فيا.
فطالعها كنان مبتسمًا.
- ما الأمر ورد، تحدثيني بلغتك حين تمزحين؟
فضحكت بمتعة.
- أخبرتك أنني سأعلمك لغتنا بأسرع وقت.
وداعبته.
- سأجعلك مصري أبًا عن جد يا كنان.
فضحك هو بمتعة، فقد أصبحت تعجبه اللغة العامية الخاصة بوطنها ومال نحوها بمكر.
- بمناسبة الأب.. أريد طفلًا ورد.
فخجلت واخفضت رأسها ليرفع وجهها نحوه بعشق.
- هيا نصعد لغرفتنا.
فأشتعلت وجنتاها خجلًا وتمتمت برجاء.
- اذهب أولًا لوالدتك لتطردها من منزلك كنان.. يومًا ما سيصبح لدينا أبناء، هل تريد أن يفعلوا بنا هذا؟
فتلاشت ابتسامته، والدته تصنف أمًا.
- هيا كنان، اذهب لها.. من أجلي.
فعادت ابتسامته ترتسم مجددًا على شفتيها لتلمع عيناه بخبث.
- سأذهب، ولكن بشرط ورد.
فحدقت به منتظرة سماع شرطه.
- ترقصي لي ورد.
..............................................................
منذ أن عادوا من الشاطئ وتناولوا طعام الغداء وهم هكذا، هي تجلس على الفراش بتأفف، أما هو فهاتفه لم يكف عن الرنين، والآن جالس يطالع بعض التقارير والإيميلات على الحاسوب الشخصي.
وتساءلت بهمس، فهو يحادث ياسر على أحد برامج الصوت والصورة.
- هننزل نمشي على الشط امتى؟
فتمتم وهو ينهض من فوق الأريكة.
- ثواني يا ياسر ورجعت لك.
واقترب منها معتذرًا.
- ساعة بس ونخرج.. اطلبي أي حاجة تشربيها واطلعي البلكونة اتفرجي منها، الجو تحفة.
وعاد إلى عمله مجددًا.
لهتف بهمس مرة أخرى.
- خلاص، أخرج أنا لوحدي.
فوجدته يحدق بها بقوة، لتضرب الفراش بحنق.
- إيه التحكم ده بقى؟
فأبتسم رغما عنه على تذمرها الذي يشعرها أحيانًا بأنها طفلة صغيرة.
واندمج في عمله حتى أنها تعجبت من جلوسه دون ملل، ونهضت أخيرًا من فوق الفراش وقررت أن تفعل ما أخبرها به، فالهواء بالشرفة جميل ولا بأس من الاستمتاع بها، وطلبت لنفسها مشروبًا دافئًا.
وقفت تستمتع بالمنظر شاردة، وكلما شردت في لقائها بجاسم، كان تلتف له وتتأمله بابتسامة هادئة.
وقررت أن تحادث كي تخرج من شرودها هذا، ودقت على رقمها لتفتح ورد الهاتف فورًا، ولم تنتبه أنها فتحت الاتصال بخاصية الفيديو.
لتتسع عين مهرة.
- إيه اللي إنتي لابساه ده؟
فأنتبهت ورد لما ترتديه وشهقت بخجل.
- دي بدلة رقص يا مهرة.. وبلاش تتريقي.
وأكملت بارتباك.
- كنان عايز كده.
لتلوي مهرة شفتيها بامتعاض.
- كنان؟ طب إزاي ده، حتى الأتراك مالهمش في الرقص الشرقي؟ هو في تركيا في بدل رقص؟
وضحكت مهرة باستخفاف وهي لا تصدق.
- كنان والرقص الشرقي مش راكبة.. طب ارقصوا سولو مثلًا؟
فأحتقن وجه ورد بامتعاض.
- إنتي متصلة ليه يا مهرة دلوقتي؟ مش إحنا متكلمين الصبح؟
فحركت مهرة حاجبيها بمكر.
- بتصل عشان أشوف مواهب أختي.. بترقصي يا ورد؟
ونظرت للهاتف بصدمة بعد أن وجدت ورد تغلق الهاتف بوجهها، فضحكت باستمتاع.
ولم تنتبه للواقف خلفها يحمل كأس المشروب الخاص بها.
- مين اللي بيرقص؟
فألتفت ببطء وبصدمة.
- محدش.
وألتقطت منه المشروب الساخن سريعًا، واشاحت نظراتها بعيدًا عنه، ليضحك جاسم باستمتاع.
- يابختك يا كنان.. ناس ليها دلع ورقص وناس ليها استر نفسك.
فطالعته باستخفاف، فأقترب منها جاسم وعيناه مركّزة على تفاصيل جسدها.
- مترقصيلي يامهرة.
فأتسعت عيناها وهي تجده يقترب منها، فألتصقت بالشرفة واشارت نحو نفسها بارتباك.
- أنا أرقص؟
وضحكت ساخرة.
- ومترقصيش ليه؟ أشمعنى كنان وورد بيرقصوا له؟
فلعنت حظها أنه سمعها، ولعنت ورد، ولعنت لسانها.
- جاسم إنت مقرب كده ليه؟ ممكن تبعد عشان أدخل جوه، حاسة إني بردت.
فضحك بمتعة وهو يرى هروبها منه.
- بردتي وأنا موجودة.
وفي لحظة كان يأخذ المشروب الذي بيده يضعه على سطح الشرفة ويضمها إليه مبتسمًا وهي تدفعه عنه.
- إنت بتعمل إيه؟
فضحك وقد أعجبته هذه اللعبة.
- بحضن مراتي.
وتابع وقد رسم على ملامحه الحزن.
- مراتي اللي مش موافقة ترقصلي.
ثم أكمل ساخرًا.
- سبحان الله، الجواز ده حظوظ.
فدفعته بقوة بعيدًا عنها.
- إنت مكار على فكرة، وبقيت تحضني كتير.
فأنفجر جاسم ضاحكًا.
- بحضن كتير.. خيبة عليا وعلى اللي أنا فيه.
وتابع وهو يتعجب من صبره عليها.
- معلش يامهرة، أنا زي جوزك برضه.
...............................................................................
جلست مرام على مقعدها الجديد بسعادة، فكريم قد حقق لها ما أرادت واحتلت إدارة ذلك القسم، شعور بالنجاح والزهو كان يمتلكها وهي تدور بكرسي مكتبها، كل شيء تصل إليه بسرعة، فهي الآن مرام الشرقاوي، زوجة شقيق جاسم الشرقاوي، الرجل الذي يومًا كانت ترى صورته في مجلات المشاهير، ثم بعدها تعرفت على كريم شقيقه، لا شك في حبها لكريم، ولكن حبها للصعود والنجاح أكبر.
ووجدت كريم يردف لمكتبها مهنئًا لها.
- مبروك المنصب الجديد.
فأندفعت نحوه تتعلق بعنقه.
- حبيبي يا كوكو.
فضحك كريم وهو ينظر حوله.
- كوكو وفي الشركة؟
وازاح يديها عن عنقه برفق واتجه نحو باب غرفة مكتبها الجديد وأغلقه.
- نقفل الباب بقى.. ونرجع نشوف كوكو دي.
فتجهت مرام نحوه مجددًا وحاوطته بدلال.
- بحبك.
ليغرق كريم معها بعد تلك الكلمة، فحياته معها أصبحت كأمواج البحر.
....................................................................
تجمدت ملامح مراد وهو يطالع رقية بفستانها البسيط وجمالها المبهر، فصغيرته قد كبرت وهو كان كالأعمى، ومع كل خطوة كانت تخطوها بالصنية التي تحمل عليها المشروبات، كان يحترق داخله.
ليجدها تخفض عيناها أرضًا، فأتجه بعينيه نحو العريس المنشود ليجده محدقًا بها بانبهار، فقبض على يديه بقوة وهو يسمع والد العريس.
- تعالي ياحبيبتي قربي مني..
فأبتسمت لها رقية بلطف وطأطأت رأسها أرضا تتحاشي نظرات مراد. فهي تعلم نفسها إذا نظرت إليه ستنهي تلك المهزلة سريعا وستقف أمامهم تخبرهم أن قلبها لم يحب إلا رجلا واحدا وليته يشعر بها.
وطال الحديث ومراد أصبح من يتولي أمر سؤاله بعد أن سمح له مسعود والد رقية بهذا. كانت تحدق بمراد بحنق فهو يعترض على كل شيء.
"سفر؟ لا.. إحنا ما عندناش بنات بتسافر."
كل شيء كان معه اعتراض حتى أن أهل العربي قد نهضوا بحنق ولكن في النهاية أخبروهم بتمنيهم من انتظار الموافقة.
وانصرف الضيوف. لتقف أمامه بقوة لأول مرة.
"انت إزاي تتكلم معاه كده؟ هو انت اللي هتتجوز ولا أنا؟"
فضغط مراد على أسنانه بحنق.
"كبرتي وصوتك بقى يعلى عليا يا رقية."
فأشاحت وجهها بعيدا عنه.
"أيوه كبرت وبقى ليا رأي في اختيار شريك حياتي."
واندفعت بعدها نحو غرفتها وداخلها يتراقص. فهذه هي بداية انتقامها منه.
ووقف مسعود مذهولا بعد أن ودع الضيوف. وطالعه وهو يقف يطالع أثر ابنته بغضب ثم انصرف دون كلمة. ليبتسم مسعود بداخله فهو يعلم بمشاعر ابنته اتجاه مراد ولو لم يكن عيبا بحق صغيرته لطلب منه أن يتزوجها. وتمتم وهو يتجه نحو غرفة صغيرته.
"هنشوف يا مراد إذا كنت تستحق حب بنتي ولا لأ."
***
وضعت ريم الأوراق أمامه بصمت. ليرفع ياسر عيناه نحوها.
"بعتي الإيميلات اللي قولتلك عليها؟"
فحركت ريم رأسها كالعادة دون كلمة.
ليتأفف ياسر بحنق.
"ماتردي ولا انتي خرساء؟"
فتمتمت بصوت هامس.
"لأ مش خرساء."
فينهض ياسر من مقعده بضيق واقترب منها.
"ألغي مواعيد النهاردة. ويا ريت ألاقي الملف اللي أمرت بمراجعته بكرة على مكتبي. مفهوم؟"
وانصرف. لتحدق بخطواته متمتمة.
"مفهوم."
***
نظرت بسمة إلى مرام التي تتباهى أمامها بزوجها وما يفعله لأجلها.
خطت مشيرة قد انتهت. فمشيرة ماتت واندفنت ألاعيبها معه. ولكن لما الخطة أعجبتها؟ ولكن تلك المرة ليس للعب بل لأخذ حنان حلمت به طيلة عمرها.
ونظرت إلى مرام تسألها.
"لدرجادي بيحبك؟"
فهتفت مرام بفخر.
"طبعًا يا بنتي.. كريم بيموت فيا."
لتحدق بها بسمة وعقلها شارد. لما لا تحظى هي أيضا بحنانه؟
***
تفاجأت باليخت الذي قادها نحوه. فتسألت بحماس.
"إحنا هنركب ده؟"
فأبتسم لها جاسم بحنو ومد لها يده.
"شايفك مستمتعتيش بالميه ولا عارفة تنزلي. فهاخدك مكان فاضي تقدري تاخدي حريتك فيه وتنزل الميه براحتك."
فأبتسمت بسعادة. فهو فكر بها وهذا يكفيها.
ووضعت يدها بيده وأبتسم لها بدفئ.
"هنقضي الليلة دي في اليخت. إيه رأيك؟"
فتهلل وجهها وهتفت بحماس.
"موافقة طبعًا."
وصعدت على متن اليخت ذو التصميم الجميل. وكانت المفاجأة الأخرى أن جاسم هو من سيتولى قيادته.
ووقفت تطالع الجزيرة البعيدة المتحهين نحوها وإشاعة الشمس الدافئة تدفئ جسدها بلطف.
وبعد أقل من ساعة.
وصلوا إلى المكان المنشود.
واقترب منها متسائلا.
"إيه رأيك؟"
فألتفت نحوه بسعادة.
"المكان ده جميل أوي وهادي."
فأبتسم جاسم بغرور.
"عارف طبعًا."
فتسألت.
"جيت هنا قبل كده؟"
فحرك رأسه بإيجاب.
"آه مرة واحدة."
وتناول يدها يقودها نحو أحد الغرف.
"يلا غيري هدومك عشان ننزل الميه. الجو دلوقتي دافي وجميل."
فوقفت تحدق به.
"أنا ما جبتش حاجة ألبسها."
فأقترب منها بلطف.
"أنا جبت لك. أنا مجهز للرحلة دي من امبارح. يلا بقى يا مهرة مش عايزين نضيع وقت."
ودفعها برفق نحو الغرفة. ليبتسم وهو يتخيل رد فعلها بما جلبه لها لترتديه.
ولأهل وهي تخرج من الغرفة سريعا تطالعه ثم تطالع الزي الخاص بالسباحة.
"إيه ده؟ أنا ألبس ده إزاي؟ انت ناسي إني محجبة؟"
فأبتسم بخبث.
"أومال أنا جايبك هنا ليه؟ محدش غيرنا هنا."
وداعب وجهها برفق وعيناه تلمع بالمكر.
"مهرة ده مايوه قطعة واحدة ومحتشم خالص خالص يعني."
فنظرت إلى ما بيدها.
"ده محتشم ده؟"
فحدق بالزي وبها.
"بالنسبة لك لأ يا شويش عطية."
فجن جنونها. والقته بوجهه.
"أنا عارفة إن سعادتي معاكِ ما بتكملش."
وزمت شفتيها كالأطفال.
"أنا كده كده ما بعرفش أعوم غير بسيط."
فضحك وهو يتذكر اليوم الذي سقطت به بحمام السباحة.
"ما أنا عارف."
فحدقت به بحنق.
"عارف وسيبني أتحمس زي الأطفال؟"
وطأطأت رأسها بحزن. فهي كانت تتمنى أن تتعلم السباحة ولكن كيف وهي لم تذهب لأي مكان مرتان للبحر وبعدها لم تعد والدتها ولا عائلة مرام قادرة على هذا. فأحتياجاتهم كانت أولى من رفاهيتهم.
ووجدت يده تداعب ذقنها ويرفع وجهها إليه.
"ألبسي اللي عايزة تلبسيه ومتقلقيش أنا معاكي."
ما أجمله حين يكون حنون معها. تشعر بأنها كالمغيبة مع دفء صوته وأبتسمت وحركت رأسها واتجهت مجددا إلى الغرفة.
***
حدق بما ترتديه ضاحكا. فيبدو أن هذا ما كانت ترتديه أسفل فستانها.
بنطال جينز قصير يصل لركبتيها وتيشيرت قطني ذو حمالة. ونظرت له بضيق.
"انت بتبص على إيه؟"
فضحك جاسم وهو ينتظرها بالمياه وغمز لها وما زال يطالعها.
"ولا حاجة. يلا بقى انزلي."
فأقتربت من السطح السفلي بخوف.
"أنا خايفة."
فأبتسم لها ليطمئنها.
"هاتي إيدك ومتخافيش أنا معاكي."
وبعد محايلة منه تنهد بيأس.
"مهرة خليكي في اليخت أحسن."
وكاد أن يسبح ويتركها. فهتفت.
"استني أما هنزل أه. اوعي تغرقني وتنتقم مني هنا."
وأشارت له بتحذير. فضحك بقوة وهو يستمتع بخوفها هذا.
"لأ انتقامي منك لسه مجاش."
قتنهدت براحة وشهقت بفزع وهي تجد نفسه في المياه بعد أن ألتقط جاسم قدمها وأسقطها.
لتدفعه بيديها.
"هغرق. طلعني بسرعة."
وأخذت تدفعه عنها. ليحيطها بذراعيه.
"لو إيدك طولت تاني هسيبك فعلا تغرقي."
وتحاولت في تلك اللحظة لقطة وديعة هادئة وأسبلت جفنيها وتمتمت بهدوء.
"خلاص مش همد إيدي. ممكن تطلعني اليخت تاني؟"
فأبتسم وهو يتحسس ذراعيه وينظر نحو شفتيها.
"دي فرصة وجاتلي لحد عندي يا مهرة."
رواية لحن الحياة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سهام صادق
لحظه انحسر فيها كل شئ مشاعر دفئ دقات رغبه
كانت أنفاسهم قريبة للغايه .. يحاصرها ببطئ وهي كالمغيبة من لمساته خبيره .. عيناه لم تفارق شفتيها ولكن كالعاده انتهت اللحظه وانقضت عليه تعانقه بقوه حتي شعر بالاختناق.
- مهرة انا كده هتخنق.
وحاول ازاحتها عنه ولكنها كانت متشبثه به بشده .. وابتسمت بمكر فعناق اوهن مما كان سيحدث وسيبدء.
- لاء انا كده مرتاحه.
فضحك وهو يجدها ترخي ذراعيها عنه بتمهل.
- انتي مرتاحه بس انا هتخنق .. غير إم الحضن ده مش حضن زوجه لزوجها خالص يامهرة .. ده ولا كأني ماسكه حرامي.
فضحكت وابتعدت عنه فبالتأكيد قد انتهت رغبته مما كان سينوي فعله بعدما تغير الوضع ... لترفع كتفيها وهي تطالع المكان حولها.
- خلاص بعدت اه .. مش هتعلمني العوم بقي.
فتنهد وهو يطالعها فقد ضاعت القبلة بحماقتها ولكنه هتف بمكر.
- و الله انا نفسي أعلمك حاجات تانيه يامهرة.
فحدقت به دون فهم ولكن عندما وجدت نفس النظرة التي رأتها في عينيه منذ قليل .. هتفت سريعا.
- لاء انا عايزه اتعلم العوم بس.
وبدأت رحله تعليمها .. رغم رقاحة جاسم في أغلب الوقت وتذمرها وحنقها الا ان تلك اللحظات ولدت مشاعر جميله بينهم.
- جاسم أبعد شويه .. لاء هغرق مش عارفه.
كان يضحك في كل لحظه معها من قلبه تارة تجعله يتركها وتارة أخرى تطلب قربه وتارة توبخه وأخيرا سمع ما جعلها ينفجر ضاحكا.
- انت قليل الأدب ياجاسم.
فضحك بأستمتاع وهو يجدها تنعته بقلة أدبه.
- كل ده عشان بوسة كتفك.
فأرتبكت وهي تتحاشي النظر إليه .. لتجده يجذبه بعنف نحوه وظل يقبلها علي كتفيها وهو يضحك بشكل وسعاده.
- طب اه يامهرة.
صدمها مايفعله فهل الرجال يفقدون صوابهم ومكانتهم الاجتماعيه في جولتهم الاستجمامية هكذا.
فاليوم تري جاسم آخر عرفته اليوم تري رجلا جديدا ليس اليوم فقط بل منذ فترة زيجتهم.
واخذت تتحرك من محاصرته بتذمر وضيق.
- انت بتعمل ايه.
ليتركها ضاحكا يزفر أنفاسه بقوه.
- لاء ما انا صبري بدء ينتهي ... وبتقوليلي قليل الأدب.
فلم تعلم كيف ابتسمت .. فهيئته فتلك اللحظه وتذمره هذا يشبه الأطفال وهتفت دون تصديق.
- لاء انت غريب اوى النهارده.
وضربت علي المياه بيديها.
- انا شاكه ان المياه ديه فيها حاجه.
فغمز له بعينيه مبتسما.
- فيها مشاعر حلوه .. بس للأسف البعيده مبتفهمش او مبتحسش.
فضاقت عيناها وقد نست بداية جملته وأمسكت في نهايتها.
- تقصد مين اللي مبتفهمش ومبتحسش.
ولم يجد مايفعله فغطس بكامل جسده أسفل المياه .. ليختفي عن انظارها .. فنظرت حولها بقلق.
- جاسم .. جاسم انت فين.
وشهقت بفزع وهي تجده يرفعها من أسفل ويهمس بدفئ.
- مهرة ممكن تسيبي نفسك خالص .. حاولي تستمتعي من غير قيود ... انتي تستحقي تفرحي يامهرة.
صوته الهادئ كان كالسحر ... لا تعلم ما يحدث لها عندما يحادثها برفق ولين تنسي كل عقدها قيودها تنسى كل شئ.
وحركت رأسها ببطئ وهي تبتلع ريقها وعيناها في عينيه .. وتركت له نفسها.
ضحكاتهم أصبحت تتعالا .. لم يتواقح معها لانه أصبح يعلم شفرتها.
وابتسم جاسم داخله ... فكل يوم يفهمها أكثر وأصبح الان هدفه سيجعلها هي الراغبه بأتمام زواجهم.
صدح صوت فريدة بضيق وهي تتحدث بهاتفها.
- اين دورك سيلا .. الي الآن لم أرى منك ردت فعل.
فأبتسمت سيلا وهي تتلاعب بخصلات شعرها .. فلا تعلم لما رغبتها بكنان قد انطفئت واتجهت صوب بشير .. بشير الذي كان من قبل يتمني نظره منها ولكن الآن ينفرها.
هل حياتها الجديده ستسير علي قاعدة " كل مرفوض مرغوب ".
وعندما هتفت فريدة بضيق.
- أبدئي بأغواء كنان سيلا .. اين سيلا القديمه.
فضحكت سيلا وهي تتذكر كيف اوقعت كنان... فسنوات تركض ورائه.
- إغواء من كنان ... كنان والاغواء اضحكتني فريدة خانو .. كنان هو من يغوي النساء الي ان يجعلهم كالخاتم في أصبعه.
توفرت فريدة أنفاسها بضيق.
- اعلم هذا .. لذلك الي الآن لا اصدق كيف اوقعته تلك الفتاه في حبها.
جلس كنان شاردا بين ضيوفه ولكن كان شرود ممتع الي الأن هيئة ورد وهي ترقص له بخجل تحتل عقله .. متعه وحب جارف لم يتوقع ان يجده يوما.
ولكن ورد اعطاته كل مايحلم به اي رجل... زوجته الهادئه البريئة التي أصبحت تتفتح علي يديه.
ووجد بشير يحدق به مستمتعا بشروده ومال نحوه بخبث.
- ما بك كنان لم أراك يوما شاردا وتبتسم في نفس الوقت .. أنظر إلى الضيوف مستعجبين من هيئتك تلك.
فتنحنح كنان بخشونه واعتدل في جلسته ناظرا للشركاء الجدد في صفقته الجديده .. عائدا إلي صلابته.
فأبتسم بشير له .. وهو لا يصدق ان هذا هو صديقه.
سماء مظلمة ونجوم تلمع وليله في وسط المياه وهي وجاسم يتشاكسون وهم يعدوا طعام العشاء.
كان يقف خلفها يحاصرها.
- السلطه بتتقطع كده يامهرة.
فكشرت بوجهها وهي تطالع سرعتها في تقطيع السلطه هاتفه بحنق.
- ياسلام واللي انا بقطعها ايه ديه يعني.
فأبتسم بمشاكسه.
- سلطه برضوه بس انا بعلمك الطريقه الاوربيه في التقطيع.
فأحتقن وجهها وانهي أخيرا التقطيع لترتبك من قربه هذا ف فالبداية اقنعت عقلها أنه اقتراب برئ ولكن جاسم يميل نحوه وانفاسه قريبة بشده .. وانتفضت وهي تجده يحاوط خصرها بذراعه.
وازاحته عنها بتوتر.
- انا سامعه صوت التليفون بيرن .. اكيد أكرم.
رغم علمها ان لا يوجد شبكه هنا وهاتفها لا يرن ولم تسمع شئ الا أنها أرادت ان تهرب .. فهي لم تعد تقوي علي ما يفعله معها... عاشت حياتها كلها دون ان يهتم بها أحد دون ان يشعرها أحد أنها انثي مرغوب بها .. من اخبرها بكلمة أحبك يوما وجعلت قلبها يظن إنه مازال ينبض كانت يقصدها كالشقيقه وليس مافهمه قلبه.
ولكن الآن هي تعيش حاله عجيبه عليها.
وزفر جاسم أنفاسه بضيق .. فكلما أقترب ابتعدت وهربت.
وخرج من المطبخ الصغير الذي يتواجد باليخت ووجدها تعد الطاوله وتبتسم أن بأرتباك.
- الجو جميل أوي.
فبادلها الابتسامه وهي يجلس علي احد المقاعد أمام الطاوله المستديرة.
- فعلا.
فطالعته وهو يجلس هكذا.
- انت قعدت كده ليه .. هي خلاص مساعدتك خلصت.
فحرك رأسه بأماءة صغيره.
- بالظبط كده.
وتابع مبتسما بخبث.
- بس ممكن اساعد لو قدمتي ليا هديه.
فتسألت دون فهم.
- هديه ..
وضحكت بصخب.
- ولما اجي اهادي جاسم الشرقاوي ده اهاديه ب ايه بقي .. عربيه مثلا.
فأبتسم جاسم وهو يتذكر الحلوى التي جلبتها له امتنانا لما فعله معها ولكن هي يبدو ان نسيت ذلك وأراد تذكيرها.
- افتكر أنك جبتيلي شيكولاتة قبل كده وكنت سعيد بيها جدا.
فأرتبكت وهي تنظر لعينيه التي تلمع بوميض عجيب عليها وتذكرت هي أيضا ذلك اليوم.
- هي الهديه عجبتك فعلا ولا كنت بتجملني.
فنهض من فوق مقعده واقترب منها ومال نحو وجنتها يقبلها برقه وهو يخبرها بنفس الوقت.
- عجبتني جدا يامهرة.
فأتسعت عيناها وهي تجد نفسها كالمغيبه امامه وكاد ان يصل لهدفه الا أنها فرت من أمامه.
- الاكل هيبرد ..
فضحك بأستمتاع وهو يحك ذقنه.
- اهربي .. اهربي يامهرة.
جلست ورد تفكر في عرض ليليان لها .. فاليوم وجدت ليليان تهاتفها وتطلب منها لقائها وبالفعل اتت ليليان واكتشفت أنها فتاة لطيفة للغاية فقد ظنت أنها اتت لتذكرها بحماقتها يوم الحفل ولكن ليليان لم تتحدث في هذا الموضوع بتاتا ولكن عرضها كان غريب " ان تعمل معها في مطعمها الخاص وتصنع مأكولات شرقية".. فقد أخبر كنان بشير ان زوجته ماهرة بالطبخ بشده وتتعلم الأصناف سريعا .. فالطعام كما يقولون نفس ثم ذوق و ورود تمتلك الاثنان.
وابتسمت وهي تشعر بقبلات كنان علي خدها ويهمس بدفئ.
- اشتقت لكي حبيبتي.
فطالعته ورد بسعاده وتعلقت بعنقه.
- وانا أيضا.
فمال نحوها يدفن وجهه في عنقها هاتفا تلك المره بوقاحه.
- هل سترقصي لي الليله.
وهنا جاءت الدفعه القويه من يديها.
- لا والف لا كنان.
فضحك كنان بمتعه.
- ألف لا ورد ... اجعليهم مليون أفضل.
فخبأت وجهها بين كفيها.
- كنان أنسي أمر الرقص ارجوك ..
وفتحت كفيها قليلا عن عينيها.
- اريد ان أخبرك شئ.
فأنتبه كنان لجدية صوته ونهض ليبدل ملابسه.
- اسمعك ورد.
وبدأت تسرد عليه وهي تسير خلفه كل ما أخبرتها به ليليان.
ونظر لها بتمهل فهي كانت متحمسه بشده فالأمر لا يروق له ولمكانته.
- لست موافق ورد.
وتخطاها وجلس علي الفراش بجمود.
- افعلي كل الأطعمة التي ترغب بها لي ولكن العمل لا افضله.
فتسألت بحزن.
- لماذا كنان ارجوك لا ترفض ان متحمسه للامر.
وجلست جانبه تمسك يديه بين يديها.
- كنان تعمل أغلب الوقت وانا اجلس هنا بملل.
فمسح علي وجهها برفق.
- ورد جواد قريبا سيأتي وستصبحي منشغلة معه.
فلم تعد تقدر علي تحمل رفضه .. فأبتعدت عنه وأتجهت من الناحيه الاخري للفراش بصمت لتنام.
وسمعته يتنهد بقوة.
- ورد انهضي ... لا تنامي باكية كالأطفال نحن نتناقش.
وعندما لم تتحدث اقترب منها ووجدها تنظر له برجاء.
- اجعلني اجرب الأمر كنان.
فأبتسم لها بدفئ وهو يحرك رأسه بأستياء.
- موافق ورد.
فنهضت بحماس وهي تصقف بيديها وتقبله بسعاده.
- يعيش كنان ابن كمال الدين... يعيش.
فضحك كنان وهو يهتف.
- كنان ابن كمال الدين سيضع شروطه عزيزتي الآن تمهلي.
فجلست بأعتدال وعقدت ساعديها متسائله.
- شروط ماهي.
فنظر لها بتعمق وبدء يسرد لها شروطه.
- لا تهمليني ورد .. راحتك اولا ثم العمل ... ومرة أخري لا تهمليني.
فضحكت وهي تميل نحوه تقبل خده.
- حاضر .. هل هناك شروط أخري زوجي العزيز.
فحرك حاجبيه بمراوغة.
- ارقصي لي.
وهنا انتفضت من جلستها بل وأصبحت أمام باب الغرفة.
- اللعنه علي الرقص ومرام وتلك الحفل كنان.
وخرجت من الغرفة صافعة الباب خلفها بقوة .. لي تسطح هو علي الفراش ويضحك بقوة مصدوما مما فعلته.
جلست علي سطح اليخت بل وكتبت بجسدها ووضعت ذراعيها أسفل رأسها تنظر للنجوم بمتعه.
فوجدت جاسم يتسطح جانبها.
- بتفكري في ايه.
فألتفت نحوه تطالعه.
- في الحياه .. الدنيا غريبه اوي متعرفش امتي هتفرح وامتي هتنتهي فرحتك.
فداعب وجنتها بحنان.
- بلاش تشاؤم ..
ديما عليكي، شايفة النور حتى لو جاي من بعيد.
أسعده كلامه، فأبتسمت وتعمقت في النظر إليه.
- انت غريب أوي.
فأبتسم وهو يطالع ظلام السماء.
- غريب إزاي يعني؟
فعادت لوضعها الأول وأصبحت مسطحة مثله، تطالع السماء.
- بتتغير بسرعة في كل حاجة... ساعات بتبقى بارد أوي.
وضحكت وهي تعتذر.
- مقصدش حاجة.
فطالعها مبتسمًا.
- ولو مبتقصديش، إنتي قولتي خلاص اللي نفسك فيه. كملي كملي عشان في النهاية الليلة هتنتهي بعلقة لطيفة.
فتسألت بجدية.
- إنت ممكن تضربني في يوم؟
وتذكرت إهانة والدها لوالدتها ودفعه لها بقوة حينما طلقها، وكسرت والدته وهي جالسة أرضًا تنتحب.
فعاد يطالعها وهو يشعر أن حياتها لم تكن سهلة.
- عمري ما أمد إيدي عليكي يا مهرة... بس ده مش هيمنع برضه إن أضربك براحة يا روحي عشان أقوم لسانك ده.
فضحكت وهي تضع يدها على بطنها من شدة الضحك، وعادت تعد له أطواره الغريبة.
- آه وساعات بتهزر وتضحك، وساعات يعني...
وأربكت بخجل وهتفت بصوت خفيض.
- بتبقى وقح.
وهتفت بعدها سريعًا.
- مقصدش.
فضحك وهو يجدها أخرجت كل ما بداخلها نحوه.
- خلصتي يا مهرة؟
فحركت رأسها واعتدلت في رقدتها هذه.
- أنا خلاص قولت كل اللي نفسي فيه.
وشهقت بصدمة وهي تجده يسطحها كما كانت ويجثو عليها.
- وقاحة بقى، كل الصبر ده ووقاحة.
فشعرت بسخونة وجهها وحاولت أن تزيحه عنها ولكن...
- قولت مقصدرش... أبعد ارجوك.
فأبتعد عنها بعد أن طبع قبلة على أنفها.
- تحبي تعرفي الوقاحة يا مهرة؟
فهتفت وهي تبتعد عنه.
- لأ... خليك لطيف.
فضحك وهو يراها تبتعد عنه.
- دلوقتي لطيف.
ومد ذراعها لها مناديًا بدفء.
- تعالي نكمل فرجة على النجوم... آه أفضل من مافيش.
وبعد دقائق من التردد، عادت تقترب منه وقلبها يخفق بقوة... ومشاعر جديدة بدأت تتعلمها.
***
هاتفها لا يكف عن الرنين. مراد كل دقيقة يتصل بها يخبزها أنه غير موافق على تلك الخطبة. لا يشعر بالراحة تجاه ذلك العريس. عيوب وعيوب أخرجها وهي تبتسم بسعادة. أخيرًا ذاق من نفس ما أذاقها.
وفتحت الخط بنبرة قوية مصطنعة.
- أنا كده مش عارف آخد قرار... دي حياتي وأنا حرة فيها على فكرة.
وأغلقت الهاتف في وجهه. لينظر مراد لهاتفه ثم ألقاه بعنف على الحائط.
- غبي! الطفلة اللي ربيتها كبرت وهتتجوز أهي... كنت شايفها طفلة وهي بتكبر قدامك.
وحدق بالفراغ الذي أمامه وهو يتخيلها لرجل آخر.
- هتكوني ليا يا رقية.
***
وقف أكرم بصدمة بعد أن سقط هاتفه أرضًا. ضحى ستتزوج ابن عمها. صدمة قوية تلقاها. أنهت محادثتها معه باكية بعدما أخبرته أنه "جبان وضعيف".
كلمتان هزتا رجولته وأدمت قلبه. وطالع المحل والزبائن وكل شيء يحيطه. وقرار يتخذه.
الخروج من بطش والدته حتى لو خسر الرفاهية التي تهدده بها.
***
وقف كريم متعجبًا من الضيفة التي يراها بشركته.
فمدت بسمة يدها بلطف تصافحه.
- آسفة على الإزعاج.
فأبتسم لها كريم بملاطفة ورحب بها. لتأتي مرام له.
- بسمة شغالة معانا في الشركة، أكيد أخدت بالك منها.
فتمتم كريم وهو ينظر لتلك الواقفة بارتباك.
- ممكن.
وتسأل.
- اطمنتي على شهد؟
فتنهدت مرام براحة.
- مش عارفة لولا بسمة كنت هعمل إيه. شهد كانت سخنة أوي وتليفوني كنت نسيّاه على مكتبي عشان كنت في اجتماع مهم بره الشركة. ولولا بسمة أخدت بالها وردت على المربية وجات على طول ليها وودت شهد للدكتور.
فأحتقن وجه كريم بشدة من أعمال زوجته وحاول أن يبتسم لتلك الواقفة تقديرًا لما فعلته مع صغيرته.
- مش عارف أشكرك إزاي يا آنسة بسمة.
فحركت بسمة رأسها وتمتمت بخفوت.
- ما فيش داعي للشكر.
وحملت حقيبتها وهتفت.
- عن إذنكم.
وانصرفت بعد أن عرض عليها كريم بلطف تناولها العشاء معهم.
ليحدق بزوجته الواقفة دون الإحساس بالذنب في تقصيرها بحياتهم.
***
اتسعت عين ريم أمام تلك الوسامة التي تقف أمامها. فخلع ذلك الواقف نظارته السوداء وهو يطالعها. وقبل أن يهتف، خرج ياسر من مكتبه مرحبًا.
- أهلاً ريان بيه... الشركة حقيقي نورت بوجودك.
ليشيح ريان نظراته عن تلك التي تحدق به ببلاهة. وصافح ياسر بحبور.
- أهلين ياسر... كيف حالك؟
فضحك وهو يتذكر جاسم صديقه.
- أرى أن جاسم أصبح مثقل عليك في العمل.
فأبتسم ياسر وهو يشير له اتجاه المكتب.
- الشغل دايما متعب... بس ده ميمنعش تتوسط لي عند جاسم بيه.
فأبتسم ريان وتقدم منه نحو غرفة المكتب. ليلتف ياسر نحو ريم بجمود.
- يا ريت تفوقي من التوهان اللي إنتي فيه. واطلبنا اتنين قهوة.
وسار خطوة للأمام ثم عاد يلتف إليها وبقسوة هتف.
- وإنتي اللي تدخليهم.
***
انتهت الرحلة وعادوا كما كانوا جدال في الصباح.
- مش عاجبني مروحاك كل شوية على الحي.
فتنهدت مهرة بضيق.
- ومكتبي اللي هناك.
فزفر جاسم بحنق.
- يادي أم جحر الفار اللي مسمياه مكتب.
فأشاحت وجهها بعيدًا عنه تزفر أنفاسها بقوة.
- مكتبي وميسموش جحر فار.
وكاد أن يرد عليها ولكن رنين هاتفها جعله يصمت. وهتف بسعادة.
- كده تيجي مصر من يومين وتقابل كمان ياسر امبارح ومعرفش بوجودك.
فضحك ريان وهو يتناول قهوته.
- لم أرغب بإزعاجك صديقي... فأنت كنت في شهر العسل.
فأبتسم جاسم بحنق وهو يطالع مهرة وداخله يهتف بتهكم.
" عسل أسود ومنيل عليا."
- قولي إن الخبر اللي سمعته صح وإنك وقفت تمسك الفرع الجديد مع ياسر.
فصدح صوت ريان مع ضحكة رجولية.
- حقيقي صديقي. سأظل فترة بمصر وأيضًا رفيف ستأتي.
وعندما سمع اسم رفيف، نظر لمهرة التي أخذت تطالعه وتسأل ريان.
- جاسم لا تقلق منها. أنت أخي أيضًا وهذا الموضوع انتهى. ورفيف أخبرتني أنها جاءت لهنا من أجل شيء ما بعيدًا عنك.
فتمتم جاسم بهدوء.
- أنا كل اللي يهمني إنت يا ريان.
وعندما هتف ريان بأن لا شيء أثر على صداقتهم... تنهد جاسم.
- نتقابل في الشركة.
وانتهي الاتصال. وتسألت مهرة بلطافة عجيبة وتنهيدة غريبة عليه.
- اسمه ريان... اسم جميل قوي يا جاسم.
لينهض جاسم من فوق مقعده بحنق منها ومن تصرفاتها. لتضحك بقوة. وفجأة هتفت بألم بعد أن ضربها على رأسها ثم انصرف.
لتضرب كفوفها ببعضها.
- أنا عملت حاجة. وتابعت بحماس.
- أما أكمل فطاري اللذيذ.
***
وقفت ورد بمتعة في المطبخ وبجانبها ليليان وآخرون يعملون. حماس شديد كان يمتلكها في أن تنجح بهذا المجال. وليليان أيضًا كانت تشجعها.
***
أخبرها أنه سيتناول عشائه مع صديقه وأن لا تنتظره. فتناولت إحدى السندويشات السريعة واتجهت نحو غرفتها لتجد هاتفها يدق. فوجدت مني. وفور أن فتحت الخط هتفت مني.
- بالتفاصيل المملة احكيلي عملتي إيه عمره والمداليف... مرات جاسم الشرقاوي.
فضحكت مهرة وهي تجلس على الفراش.
- كل يوم بسأل نفسي فين مني المرأة الجليدية اللي كنت بشتغل معاها.
فضحكت مني هي الأخرى.
- لقد ذابت مع الجليد.
وتابعت مني بأرهاق وهي تخبرها.
- أحلى حاجة جوزها خدمني فيها... إنه جاب مديرة للعلاقات العامة. أنا اتبهدلت الفترة اللي سافرتوا فيها ومحتاجة إجازة.
وتابعت بأنبهار.
- بس مقولكيش يا مهرة بنت هايلة جمال وثقافة وتعليم في لندن. لأ حقيقي جوزك بيعرف يختار الناس الصح اللي يشغلهم عنده.
وصدح صوت خناقة نشأت بين أولاد مني. لتهتف مني.
- مهرة مضطرة أقفل أكيد إنتي سامعة الدوشة.
وأغلقت وهي تصرخ بأطفالها. غير مدركة ذلك القلق الذي احتل قلب الأخرى. ونظرت مهرة لهاتفها.
- جمال وهايلة مدام مني مبتشكرش في حد غير فعلًا لما بيكون كده.
ونظرت أمامها بشرود وقررت أن تنفض تلك الأفكار من عقلها. ولكن ستذهب إليه غدًا في شركته.
***
رفعت مني عيناها على الأوراق لتبتسم بسعادة وهي تجد مهرة أمامها. فنهضت من فوق مقعدها على الفور ترحب بها.
- معرفتش أكلمك تاني امبارح.
فحركت مهرة رأسها بتفهم.
فغمزت لها مني بمكر.
- بس إيه الجمال ده كله؟
فأرتبكت مهرة بشدة. فالجميع يخبرها أنها جميلة اليوم. هي كما هي ملامحها نفس الملامح. صحيح أصبحت ترتدي ملابس منمقة تليق بحجابها ولم تعد ترتدي النظارة إلا أثناء عملها.
وانتبهت على صوت مني الضاحك.
- ارتبكتي كده ليه؟ إنك تحلوي بعد الجواز ده شيء عظيم.
صداقتها بمني أصبح بها عشم شديد. فمني تعدها شقيقة صغرى لها وهي أيضًا كذلك.
فأشاحت وجهها هاربة بعينيها نحو الباب المغلق الخاص بغرفة جاسم متسائلة.
- هو موجود ولا عنده اجتماع؟
فأبتسمت لها مني بود وعادت تجلس على مقعدها لتتابع عملها.
- موجود ومعاه مديرة العلاقات العامة الجديدة الآنسة نرمين.
فحدقت بها مهرة بصمت ثم جلست تنتظر إلى أن تخرج تلك المدعوة نرمين. ومر الوقت وتبادلت الحديث مع مني. ولكن فكرها كان منصبًا على من بالداخل. واتت اليوم من أجل رؤيتها.
ونهضت وهي تزفر أنفاسها وتنظر للوقت في هاتفها.
- عدت نص ساعة وعندي مشوار مهم مع أكرم. أنا هدخله يا مدام مني.
فطالعتها مني باحترام. فهي زوجة صاحب الشركة التي تعمل بها. وأشارت لها مبتسمة.
- إنتي مراته دلوقتي ومش محتاجة تستأذني.
شعور عجيب تغلغل داخل روحها لا تعرف له تفسير. ولكن هي سعيدة به.
وفتحت باب مكتبه لتقع عيناها على جاسم وهو يجلس على مقعده باسترخاء يحادث تلك التي أمامه بابتسامة لطيفة.
وثبت عيناه عليها دون أن ينهض.
- أهلاً يا مهرة... تعالي.
دعاها ببرود قاسٍ. فألتفت الأخرى لهم.
هئيتها دون رؤية وجهها كانت تدل على أنها امرأة رائعة الجسد وغاية في الأناقة والجمال.
وعندما ألتفت بوجهها اتضحت الرؤية أكثر. فهي جميلة حقًا.
وتقدمت منه بصمت فأشار نحوها للجلسة أمامه.
- مدام مهرة مراتي.
فأبتسمت المرأة لها ونهضت تصافحها بحبور. ولشعور بالغيرة اتجهت نحوه بعد أن قرر أخيرًا جلالة الملك جاسم الشرقاوي النهوض من مقعده.
وأتسعت عيناه وهو يجدها تقبله على خده بلطف ونبرة رقيقة.
- وحشتني يا حبيبي.
فتمتم داخله.
" حبيبي ووحشتني..."
ده إحنا لسه الصبح متخانقين كالعادي بتاعنا.
وركز عيناه عليها ليجدها تحدق بنرمين بغل... فضحك داخله فالآن عرف السبب.
لتخجل نرمين من وقوفها هذا وانسحبت بلطف.
- نكمل كلامنا بعدين يامستر جاسم.
وفور أن خرجت وأغلقت الباب خلفها،
دعست بقدمها على قدمه.. ليصرخ جاسم بألم.
- أنا قولت حبيبي والبوسة ديه مش طبيعية.
فأبتعدت عنه لتجده يجذبها نحوه.
- على فين يامهرة هانم... هتدفعي ضريبة رجلي.
وأشار نحو قدمه.. لتدفعه عنها.
- أنا ماشية.
وشهقت بصدمة وهي تجده يدفعها على سطح مكتبه يحاول تقبيلها.. وأنفتح الباب فجأة.
رواية لحن الحياة الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سهام صادق
في اللحظة التي انفتح بها الباب، انغلق فوراً بارتباك وخجل من أغلقه. نظرت مني إلى نرمين المرتبكة، وقد أصبح وجهها كتلة من الاحمرار. كانت عائدة لأخذ الملف الذي تناقشوا فيه وقد نسته.
أما بالداخل، اعتدل جاسم في وقفته وأخذ يحرك يده بتشتت على خصلات شعره. نظر إلى مهرة المبتسمة، التي كانت تكتم ضحكاتها بصعوبة.
حدق بها بضيق.
- عجبك الحرمان العاطفي اللي بقيت فيه.
فضحكت بأستمتاع، فلم تعد تتحمل كتم ضحكاتها.
- جاسم صفر، مهرة واحد.
فطالعها بأستياء وضربها على جبهتها برفق.
- قومي اعدلي هدومك وحجابك، ويلا عشان نخرج نتغدى بره.
وعندما وجدها ما زالت تضحك، ضحك هو الآخر. الوضع كان حقاً محرجاً، وهو يحاول تقبيلها بشتى الطرق. من يراهم في تلك اللحظة يظن أنهم غارقون في نعيم العشق، ولكن القبلة كانت قبلة ظمأ.
- بس كفاية ضحك، بدل ما أعمل اللي نفسي فيه وبزيادة كمان ومش هيهمني إننا في الشركة ولا وضعي حتى.
فهندمت ملابسها سريعاً، وهي متيقنة أنها إذا ازدادت في الأمر، سينفذ تهديده. تذكرت أمر أكرم شقيقها ولقاءهم.
- أكرم عايزني في موضوع مهم، أنا قلت أجي الأول ليك وبعدين أقابله.
فأرتدي جاسم سترته بهدوء.
- عادي، خليه يجي يتغدى معانا.
فابتسمت وأخرجت هاتفها من حقيبتها لتخبر أكرم بوجهتها هي وجاسم.
عادت تتذكر ما حدث بعد أن هاتفت أكرم، فضحكت ثانية وهي تضع يدها على فمها.
لينظر لها جاسم بحنق.
- انتي اللي جبتيه لنفسك.
لم تفهم مقصد كلامه إلا عندما دفعها نحو الحائط. بخطوة واحدة، كان سيأسر شفتيها بين شفتيه، ولكن طرق خافت على باب غرفته جعله يبتعد عنها بحنق هاتفا.
- لأ كده كتير، إيه الحصار ده.
وهتف بصوت جامد.
- ادخل.
لتردف مني إلى المكتب، ونظرت إلى مكان وقفتهم مبتسمة.
- ده الملف اللي أمرت بمراجعته.
فأخذه منها على مضض ليطالعه. فحدقت مني بمهرة التي وقفت مرتبكة تخرج أنفاسها بتوتر. ومع غمزة من مني، كانت مهرة تشيح عيناها بعيداً عنها، فقد أصبحوا مفضوحين وانتهى الأمر.
***
جلس أكرم بحزن يقص لهم عن همه، وأن ضحى قد أعطته فرصة واحدة، إما أن يتخذ قراراً ويقنع والدها، أو ستوافق على طلب ابن عمها في التقدم لخطبتها.
كان جاسم يستمع للأمر بهدوء وهو يرتشف من قهوته بعد أن انتهوا من تناول الطعام. أما مهرة، فتمسك يد أكرم بحنان. كان أغلب الوقت يركز جاسم على ملامحها المتأثرة والحزينة على شقيقها.
وتنهد أكرم وهو يطلب برجاء من جاسم.
- جاسم، أنا بعتبرك أخويا الكبير، ممكن تيجي معايا المرادي؟ بابا مافيش أمل منه طول ما ماما رافضة.
فنظر إليه جاسم للحظات بصمت. فظنت مهرة أنه من الممكن أن يرفض رجاء أكرم، وهو معه كل الحق، ولكن هي تريد الوقوف بجانب شقيقها. فأكرم أصبح قريباً منها لدرجة كبيرة بعدما سافرت ورد.
- جاسم، خلينا نروح معاه المرادي، ممكن؟
كانت نظرات عيناها له تحمل الكثير من الرجاء. فتنهد بعدم اقتناع. ففي النهاية، والد حبيبته معه كل الحق بأنه يريد والدي أكرم. فماذا سيفعل هو في هذا الأمر العائلي.
- خلاص يا أكرم، شوف الميعاد اللي هتحدده وبلغني.
فهتفت مهرة بحماس.
- هاجي معاكم.
فضحك جاسم على لهفتها وتمتم بمشاكسة.
- لأ يا روحي، انتي أي حاجة بتدخلي فيها بتبوظ.
فكشرت بوجهها لتجد أكرم يضحك بعدما كان عابس الوجه.
- انت بتضحك يا أكرم، بدل ما تقوله أختي حبيبتي معايا في أي مكان.
فوضع أكرم يده على قلبه بدراما.
- إلا المشوار ده يا مهرة، لو ضاع الأمل الأخير، قلب أخوكي حبيبك هيكسر.
فحدقت به بأستياء، ثم نظرت لجاسم الذي يطالعها مبتسما وكأنه يقول لها: أسمعتي. وكانت ستدفعه بقدمها وتكرر نفس الأمر وتدهس على قدمه أسفل الطاولة، ولكن وقعت عيناها على مشهد حميمي دافئ. امرأة تطعم زوجها بشوكتها وزوجها يبتسم لها، وطفلتهما ذات العامين تطالعهم بتحديق وكأنها تفهم ما يدور بين والديها.
جاسم وأكرم كانوا يتحدثون في الأمر مجدداً، وهي كانت غارقة في جمال هذا المشهد، ولم ينتبهوا لسبب صمتها وعدم مجادلتها في الأمر مرة أخرى.
***
جلست فريدة بالنادي الرياضي تثرثر مع صديقاتها من نفس طبقتها الاجتماعية. تنظر من حين لآخر للوقت، منتظرة قدوم ورد للنادي، لتدمجها مع وسطهم. ففي النهاية، اكتشفت أن لعبتها ستجعلها تخسر كنان وأمواله. ففي آخر لقاء بينهم، أخبرتها أنه مدرك لألعابها، حتى أنه علم أنها من وضعت المخدر لزوجته. ولكن لا يمانع أن تلعب معها قليلاً وتهينها وسط صديقاتها وتقلل من شأنها.
وأخيراً، لمحتها آتية من بعيد، لتشير لها بملل.
فأقتربت منها ورد بأرتباك وهي تأمل أن تتحسن علاقتهما.
وعندما أصبحت ورد أمامها، هتفت فريدة بضيق.
- لماذا تأخرتي هكذا؟
فهتفت ورد بخجل وهي ترى نظرات صديقات فريدة لها ويتهمسون مع بعضهن.
- كان لدي عمل كثير اليوم.
فضحكت فريدة بسخرية وهي تنظر لأصدقائها.
- عمل ماذا بالطهي وسط الأواني.
لتهتف إحداهن دون تصديق.
- ماذا وكيف كنان يوافق على ذلك يا فريدة؟
وأخذوا يلقونها لبعض بالكلمات الجارحة. ومنهم من تخبرها بالأعمال التي تليق بوجاهتهم وعراقتهم الاجتماعية، ومنهم من تعلق على ملابسها، ومنهم من تعلق على جسدها، وفريدة تجلس بزهو وانتصار.
فقلبها يتراقص وهي تراها هكذا.
كانت ورد تقف حزينة ولا تعلم لما فريدة تحب إهانتها أمام صديقاتها.
وسمعت صوت ليليان التي أوصلتها للنادي، ولكن ذهبت لتبديل ملابسها بملابس رياضية.
- ورد.
وفور أن وقفت ليليان بجانبها، سألوها عن والدها ووالدتها ومدحوا في مطعمها والأطعمة التي تطهوها. فما الفرق بينها وبين ليليان؟
لتهتف فريدة بخبث.
- جسدك رائع يا ليليان.
فتمتمت ليليان بهدوء.
- أشكرك على إطرائك يا فريدة خانوم.
ونظرت فريدة نحو ورد بتهكم.
- يعجبني المرأة التي تحافظ على رشاقة جسدها.
وتابعت بعد أن رأت تغير ملامح ورد. فجسد ورد ليس مثالياً ك ليليان، ولكن ليست سمينة.
- انظري يا ورد وتعلمي.
لتدرك ليليان خبث فريدة، فضمت ورد إليها بمحبة صادقة.
- ورد لا تحتاج لأحد ليعلمها، هي فقط تحتاج للإرشاد.
وضحكت وهي تنظر لورد وهتفت بدعابة لطيفة ولكن بمكر.
- مدام كنان يرغب بهذا، ف لنفعل، ولكن كما أعلم، كنان يحب ورد هكذا ومهما أصبحت.
فابتسمت وهي تسمع كلمات ليليان التي أصابت هدفها. ف فريدة أشاحت بوجهها بحنق. أما أصدقاؤها، ابتسموا على حديث ليليان، ففي النهاية هم نساء ويفضلون الزوج الذي يحب زوجته بكل حالاتها.
***
غادر أكرم منزل ضحى بسعادة لا توصف، وكل لحظة يعانق جاسم بحب ويشكره.
- أنا مش مصدق نفسي يا جاسم، باباها وافق، انت فعلاً عظيم يا راجل.
فابتسم جاسم، فأكرم أصبح الآن وكأنه يمتلك العالم كله، وكأن حياته كانت تقف على موافقة والد ضحى.
وربت على كتفه بأخوة.
- انت زي كريم يا أكرم، وأنا سعيد أن والد ضحى وافق واقتنع أخيراً.
فاتسعت ابتسامة أكرم بفخر.
- وجودك كان فعلاً ليه تأثير كبير النهارده. أوعدك أول طفل ليا لو كان ولد هسميه جاسم.
فضحك جاسم بصخب وفتح سيارته المصطفة جانباً.
- هتيجي معايا تطمن مهرة؟
فأحتضنه أكرم وما زال لا يصدق الأمر.
- لأ، أنا هروح أقابل صديق ليا محتاجني في موضوع خيري هنعمله.
ليسأله جاسم.
- إيه هو الموضوع، وأنا ممكن أساهم معاكم.
لتتسع ابتسامة أكرم وهو ينظر له دون تصديق وعاد يحتضنه. فضحك جاسم وهو يربت على كتفه.
- ده انت حضنتني أكتر ما أختك حضنتني يا أكرم، كفاية أحضان وشكر.
فأبتعد عنه أكرم ضاحكاً.
- انت هتقولي دي مهرة، كان الله في عونك.
ثم تابع بحب.
- بس حقيقي مهرة طيبة وحنينة جداً، مش عشان هي أختي، إحنا سنين كنا بعاد عن بعض، انت محظوظ بيها يا جاسم.
فابتسم جاسم بهدوء وهو يعلم ذلك.
- تعالا بقي اركب معايا أوصلك لصاحبك وتفهمني إيه موضوع المشروع الخيري اللي هتعملوه.
***
فور أن عاد من مشواره مع أكرم، وجدها تندفع نحوه وأخذت تتساءل دون توقف.
- ها، طمني، عملتوا إيه؟ وافق؟ لأ شكلك بيقول موفقش، أنا قلت لو كنت أخدتوني معاكم كنت هقنعه، بس انتوا اتهونتوا بقدراتي.
كانت تصعد خلفه الدرج وهو يسير دون أن يعطيها إجابة واحدة. ووصل إلى غرفته وجلس على الفراش بأرهاق وهي ما زالت تتحدث.
- شايف وجودي كان هيفرق.
لينظر لها جاسم مبتسم بتشفٍّ بها.
- وافق يا مهرة، وقرينا الفاتحة كمان والخطوبة بعد شهر، وكويس إننا وفرنا قدراتك العظيمة لحاجة تانية أكبر.
ونهض من فوق الفراش واقترب منها يربت على إحدى وجنتيها برفق.
- مخلينك للتقيلة يا وحش.
وهنا انتفضت بسعادة، حتى أنها نسيت تهكمه عليها وأحتضنته بأمتنان.
- بجد يا جاسم وافق؟ أنا مش عارفة أشكرك إزاي.
ولم تكتفِ بالأحتضان، بل قبلته على خده، ثم ابتعدت عنه تهتف بحماس وسعادة.
- هروح أتصل بأكرم.
وأنصرفت نحو غرفتها، لتتركه واقفاً كالهائم في فعلتها مبتسماً.
***
تفاجأ كريم بالأمر الذي تخبره به مرام، وقد اتخذت قرارها بل وأيضاً رتبت لكل شيء.
- كريم، في مؤتمر أسبوع في أمريكا، ومهم جداً.
فطالعها كريم بأستياء.
- عارف بالدعوة دي واتكلمنا قبل كده إن سفر لأي مكان لأ، إنتي ناسيه مسؤوليتك اتجاه أولادك.
فحدقت به مرام بحنق.
- أيوه لما كنت لسه موظفة مبتدئة في الشركة، أما دلوقتي مديرة القسم اللي أنا فيه، ولازم أسافر وأحضر مؤتمرات.
واقتربت منه بدلال وقد نسيت مسؤولية صغيريها.
- كريم، إنت وعدتني هتساعدني أوصل لأحلامي.
فأشاح كريم عينيه عنها بضيق.
- أحلامك دي هتدمر حياتنا يا مرام، أنا مبقتش فاهمك.
فابتسمت وهي تقبله على شفتيه.
- ده اسمه طموح يا حبيبي، ودلوقتي أنا مرات كريم الشرقاوي، أخو جاسم الشرقاوي، يعني لازم أكون حاجة تشرف.
لم يعجبه حديثها، ولكن مع لمساتها المغوية بدأ يلين قليلاً، إلى أن هتف بهمس بعدما عانقته.
- افتكري إن انتي اللي عايزة الحياة دي يا مرام.
***
وقف كنان مصدوماً وهو يرى نسخة من شقيقته المتوفاة، وكأن هازان عادت من جديد في ملامح تلك الفتاة.
نفس العينين، نفس لون الشعر والملامح البريئة.
وحدق بخطواتها ليجدها تخطو نحو مكتب الموارد البشرية، فيبدو أنها متقدمة لطلب وظيفة في شركته.
***
وقفت ريم تخبره عن ميعاد ذهابه لمصنع الإنتاج الخاص بالشركة.
رفع ياسر عيناه نحوها وهو يشفق على تعثّم صوتها، فقد أصبحت تخشاه بشدة. هو لم يكن يفعل معها ذلك إلا ليجعلها تتعلم كيف تواجه الحياة وتدافع عن نفسها، ولكن نسي أن الفقير يخاف على مصدر رزقه حتى لو داس على كرامته.
وعندما طالعها وجدها تخفض رأسها سريعاً. فتنهد بيأس، فيبدو أن ريم لن تتغير مهما عاملها بجمود وقسوة.
"اقعدي ياريم وأهدي وبلاش خوف."
فرفعت عيناها نحوه ونظرت إلى المقعد الذي أشار نحوه، وعاد يهتف:
"اقعدي."
فجلست سريعاً. ليضحك ياسر، فتعجبت منه، بل واتسعت عيناها دون تصديق.
ليغلق ياسر الملف الذي أمامه وهو يزفر أنفاسه.
"هتفضلي في عدم الثقة والارتباك ده لحد امتى؟ ريم، انتي مش بتشتغلي في شركة عادية. أي فرع من فروع مجموعة الشرقاوي ليها اسم ووضع في البلد."
فطأطأت رأسها بخزي من حالها.
"أنا عارفه إن مكاني مش هنا.. بس غصب عني أنا بحاول اتعلم."
واتجهت بعينيها نحوه.
"لو حضرتك شايفني مش واجهة إني أكون سكرتيرة مكتبك، انقلني أي قسم تاني، معنديش مشكلة."
فزفر ياسر أنفاسه بضيق.
"آه، اللي بيخليني أعاملك بأسلوب قاسي ضعفك ده.. أنا مبحبش اتعامل أو اشتغل مع حد ضعيف."
كانت نبرة صوته قاسية، فهو يكره الضعف الذي منعه يوماً من أخذ حق زوجته وطفله الذي كان في أحشائها، فقد قتلت في إحدى الحوادث المدبرة بعد أن نشر كطبيعة عمله كصحفي عن فضيحة تجارة الأعضاء وصرح بأسماء مهمة ودلائل.
لاحت الذكرى أمام عينيه، ليغمض عينيه قليلاً كي يهدأ.
"هحاول إني مبقاش ضعيفة.. بس ممكن حضرتك متهنيش."
فأبتسم ياسر على حديثها الطفولي وتنهد بهدوء يتخلله بعض الجمود.
"دلوقتي عندك مهمة جديدة وياريت متخذلنيش قدام مستر ريان."
فنظرت له برهبة من مهمتها الجديدة.
"كل ملفات المشاريع اللي في مكتبك تروح لبشمهندس ريان وتفهميه كل حاجة اتوصلنا ليها والاتفاقات.. كل حاجة تخص المشاريع الجديدة بشمهندس ريان يطلع عليها."
لترتبك ريم قليلاً، ثم حركت رأسها له بتفهم. فعملها الجديد سيكون مع المدير الجديد الآخر.
***
أردفت مهرة معه بداخل المطعم الفخم، ولأول مرة تظهر معه وسط معارفه. لم تعلم بأمر العزيمة إلا منذ ساعات، لتشعر بالتخبط داخلها، فهي لا تحب تلك الأجواء ولا الرسميات والتحفظ في الحديث.
ووصلوا للطاولة المعدة لاستقبالهم، وكانت الصدمة لها رفيف هنا، وريان صديقه الذي أتى منزلهم أمس من أجل التحدث مع جاسم في بعض أمور العمل، وقد تعرفت عليه وعلمت أنه صديق جاسم وشقيق رفيف.
وما زاد الأمر سوء سماعها لصوت نرمين أيضاً، التي أتت معتذرة عن تأخيرها.
"بعتذر عن التأخير."
فطالعها جاسم بابتسامة ودودة، وهو ما زال واقفاً هو وهي.
"مافيش تأخير ولا حاجة يانرمين.. هما بس اللي جايين بدري."
فضحك كل من الضيوف وريان، الذي هتف بمزحة:
"هذا هو جاسم الشرقاوي."
ونظر نحو مهرة مخاطباً:
"أشفق عليكي مدام مهرة من هذا الزوج."
فعادت ضحكاتهم تصدح مجدداً، إلا رفيف، التي كانت ترمقها بكره، فهي من انتصرت عليها، ولكن هي الآن بمصر من أجل شيء آخر، من أجل أحد رجال جاسم.
"عمار."
وجلسوا على مقاعدهم ليبدأ العشاء والحديث في العمل. وهي تجلس بينهم بملل، لا تفهم في مشاريع البناء ولا التسويق شيئاً، رغم عملها بالشركة.
ومر الوقت، ورفعت أطباق العشاء ليأتي دور التحلية واحتساء القهوة. ونظرت نحو جاسم تريد أن تسأله متى سيرحلوا، ولكن جاسم كان مندمجاً بشدة بالحديث مع نرمين.
حتى أن ريان لاحظ ذلك وأخذ يتحدث معها قليلاً.
ولكن ريان أتاه اتصال، فأعتذر ونهض.
لتجلس رفيف باسترخاء، تطالعها بابتسامة خبيثة، وكأنها تقول لها: أنتِ لا شيء ولن تستمر زيجتكم تلك.
نظرات متحدية كانت بينهم، وطالعت مهرة زوجها الغارق بالحديث مع نرمين، التي تحادثه بكل لباقة.
***
تسطحت ورد بجانب كنان واقتربت منه كي تنام على صدره، وأخذت تخبره بسعادة عما فعلته اليوم في العمل.
"ليليان فعلت لي عضوية بالنادي ياكنان.. وسألعب رياضة لأحافظ على جسدي."
ورفعت جسدها وبدأت تحادثه عن المناطق التي شعرت بزيادتها، ولكن كنان كان في عالم آخر، كان مع تلك الفتاة التي أمر شخصياً بتوظيفها بعد أن علم أي وظيفة بشركته تقدمت لها. وكانت الدهشة أنها تقدمت بوظيفة المساعدة الشخصية له.
وشعر بيد ورد على وجهه.
"مابك ياكنان؟ يومان وأنت شارد هكذا."
فأبتسم لها كنان وتمتم وهو يغمض عينيه.
"مرهق ياورد.. هيا للنام."
فحركت رأسها بتفهم، وعادت تنام على صدره، ثم رفعت رأسها قليلاً لتقبله على خده قبلة دافئة.
***
قفزت مهرة على الفراش بسعادة وهي تهلل من فكرتها العبقرية بادعاء المرض. فور أن أخبرته بصداع رأسها وعدم تحملها ذلك العشاء الذي أثار حنقها وغيرتها، استجاب لطلبها واعتذر من شركائه وانصرف، واهتمامه كله منصب عليها.
ووقفت على الفراش بأنفاس متقطعة، وهي تجده يفتح الباب، وكان سيسألها عن شيء آخر تريده من أسفل مع المسكن، ولكن وجدها تتقافز على الفراش وكأنها كالقرد. وعقد ساعديه أمام صدره مبتسماً، وهو يرفع حاجبيه متسائلاً.
"شايف إن الصداع خف وبقيتي زي الحصان؟"
فأرتبكت، وهي ما زالت بوضع الانحناء، فقفزتها لم تكتمل. إلى الآن لا تعرف أتجلس على الفراش أم تقف معتدلة. ووضعت بيدها على رأسها بألم مصطنع.
"أصل قالوا عشان الصداع يخف لازم تتنطط شوية.. قولت أجرب النظرية."
فضحك جاسم بأستمتاع واقترب منها ببطء.
"تصدقي ديه نظرية عظيمة."
فحركت رأسها سريعاً وهي تؤكد كلامه.
"فعلاً نظرية هايلة.. الصداع بدأ يخف أه."
وأنفتح فاها بشهقة قوية، وأتسعت عيناها بعدما دفعها على الفراش بيده.
"وحياتك لهعرفك النظريات الصح النهارده عملي ونظري.. وهركز على العملي يامهرة."
وغمز لها بوقاحة، لتبتلع ريقها بخوف وهي تراه ينحني نحوها ببطء قاتل.
كانت على وشك الاستسلام له، فهي أصبحت تحب ما يفعل بشدة، جعلها مدمنة لكل شيء يفعله، لمساته وأنفاسه، وأيضاً تهديداته. لعب لعبته بهدوء وجعلها كالمدمنة لجرعاته.
"جاسم... أنا..."
كانت ستخبره أنها لا تستطيع أن تتنفس وأن قلبها يخفق بقوة، ولكن
رنين هاتفه قطع كل شيء. ليبتعد جاسم عنها زافراً أنفاسه بغيظ، وألتقط هاتفه ليجد رقم نرمين، فتذكر أنه طلب منها أمر ما تفعله.
"جاسم بيه أنا بعت البيانات اللي طلبتها على إيميل حضرتك."
فنظر نحو مهرة التي ما زالت مسطحة على الفراش تجمع شتات نفسها.
"تمام يانرمين.. أنا هشوف الإيميل دلوقتي."
وخرج بعدها من الغرفة، وما زال يتحدث مع نرمين في الهاتف.
لتعتدل في رقدتها، وحدقت أمامها بأعين شارده، وداخلها يتآكل من نيران الغيرة التي لأول مرة تعرفها. ثم ضربت على الفراش بقبضتي يديها بقوة، وعقلها يعود إلى ذلك العشاء واندماجهم معاً.
***
نظرت رقية إلى مراد الجالس، وكان متأنقاً بشدة، ثم تساءلت.
"فين العريس؟ بابا قالي أنه طلب يقعد معايا مرة تانية عشان نعرف ناخد قرار."
فأبتسم مراد وهو ينتظر إجابة زوج خالته السيد مسعود، الذي كان يقف يتابعهم بعينيه.
"مراد طلب إيدك مني يارقية.. وأنا موافق."
فحدقت بهم رقية بتحدي، وقبل أن تخطو نحو غرفتها هتفت.
"وأنا مش موافقة."
لتتجمد عين مراد عليها. فنظر مسعود باتجاه ابنته التي انصرفت بعد أن أخبرتهم بردها، ثم نظر إلى مراد الواقف مصدوماً، فقد ظن أن رقية ستطير من السعادة عند سماعها ذلك الخبر.
"الدور عليك دلوقتي يامراد.. جيه الوقت اللي تجري وتتعب أنت شوية عشان توصلها."
قالها مسعود وهو يجلس على الأريكة مطالعاً مراد الذي ما زال واقفاً يطالع أمامه بصمت.
فصغيرته قد كبرت.
***
نظرت إلى الملابس المبعثرة أرضاً، في الآن لم تجد شيئاً ليس فاضحاً. كل الملابس التي لم تفكر يوماً النظر إليها، الآن تفكر كيف سترتديها.
كانت تنظر لكل قطعة وهي تخبر نفسها.
"لازم أملي عينه.. رفيف ونرمين أحسن مني في إيه."
ونظرت للقطعة التي بيدها بانبهار، رغم أن النظر لها مخجل، إلا أن لونها جذب عيناها وحرك فيها رغبة أن ترى نفسها بذلك الثوب الحريري القصير، وهتفت لنفسها.
"أنا هلبسك أجربك بس.. بعدين أرجع تاني لهدومي المحترمة.. لحد ما بكرة أجيب حاجات طويلة ومؤدبة.. مش زي اللي هو جايبها."
وضحكت وهي تسبه داخلها بقلة الحياء.
وبعد دقائق، كانت تقف تنظر لنفسها بصدمة.
هل هذه من تقف؟ مهرة ذو القمصان الصبيانية والنظارة وعقدة الشعر.
فشعرها الآن كان متحرراً من ربطته، وملست على الثوب الناعم القصير ومدحت نفسها.
"قمر يا ناس."
ونفضت رأسها سريعاً، ثم لطمت وجهها كي تفيق من تلك الحالة.
"لأ أنا لازم أقلعك بسرعة كده هتعود على الحاجات ديه وعيب."
ومجرد أن مالت أن تلتقط منامتها ذو الأكمام الطويلة، وتجمع بعض الأغراض من الأرض.
وجدت جاسم يردف للغرفة، فقد كانت غير متوقعة قدومه بذلك الوقت.
وأنحبس الهواء في رئتيها. أما هو، كان يقف مذهولاً مبهوراً مما يرى. واقترب منها بهدوء، وأعين تحدق بكل تفاصيل جسدها بجراءة.
وكانت هيئتها هذه دعوة صريحة منها ببدء زواجهم قولاً وفعلاً، هذا ما ظنه.
لتهتف بتعلثم وخجل وهي تغطي جسدها بالملابس التي بيدها.
"أنا كنت بجربه بس...ارجوك غمض عينيك."
رواية لحن الحياة الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سهام صادق
قبلها بعمق على جبينها ثم ضمها بقوة إليه مبتسمًا وهو يتذكر كل ما حدث.
بعد أن رآها بتلك الهيئة، نسي صبره ونسي حتى تعقله. في البداية تعامل معها برغبة واشتهاء، ولكن ارتجافها ورجائها بأن يتركها جعله يتوقف. وكلمة واحدة خرجت من بين شفتيه أنهت كل شيء، بل وجعلتها تترك له نفسها. أرضى قلبها بكلمة تمنت سماعها: "بحبك يامهرة".
وهنا سقطت حصونها وحصونه، وبدأت تلك الليلة التي كان فيها هو المعلم وهي التلميذة.
فتحت عينيها ببطء بعد أن شعرت بيده على كتفها العاري ثم أنفاسه الدافئة على عنقها.
- عارف أنك صاحية.
فضمت نفسها لأحضانها وهي إلى الآن لا تصدق ما حدث. هي وجاسم أصبحا زوجين حقيقيين، وسألت بتشتت:
- هو ده حصل إزاي؟
فضحك من كل قلبه وهو يستمع لسؤالها العجيب، ورفع وجهها نحوه بمكر:
- لو حبه نعيد.. نعيد من تاني، معنديش مانع.
فدفعته عنها وهي تتحاشى نظراته. فماذا سيعيد؟ إلى الآن هي في حالة مشتتة، ولكن هناك شيء بداخلها ينبض بقوة وبجنون ومتعة.
وشعر بتشتتها ليبتسم وهو يضمها إليه أكثر بحنو:
- يوم ما جيتيلي مكتبي أول مرة تدافعي عن مرام وضربتي كريم بالقلم، مكنتش شايفك غير إنك واحدة عايزة ترسمي الدور وتاخدي شوية فلوس. ويوم حفلة جواز كريم ومرام شعوري ناحيتك اتحول لمقت، ولما بدأت طرقنا تتقابل تاني اتحول شعوري لكره.
كانت تسمعه بصمت، أما هو كان شاردًا يعبث بخصلات شعرها ويتحدث بابتسامة مرسومة على شفتيه. وأكمل حديثه عن مشاعره التي تغيرت بمراحل نحوها:
- بقيتي تتمردي عليا، بس تمرد كان ممتع ولذيذ، تمرد الضعف.
وشعر بتجمد جسدها بين ذراعيه عندما اكتشف سرها. فهي بالفعل ضعيفة.
- ضعفك نابع من خوفك على اللي حواليكي.. بس عينيكي كانت بتصرخ بالاحتياج.
وعند نطقه لتلك الكلمة، مال عليها ينظر لها بعمق ومشاعر هائجة:
- جاسم الشرقاوي مكنش هينفعه غيرك انتي.
ولم تشعر بعدها إلا وهي غارقة معه بعالم جديد تتعلم فيه فنون العشق.
ضحك على ارتباكها وهي جالسة بجانبه تتناول فطورها. يعلم أنها تخجل من نظراته، فقد أصبحت ملكه وله وامرأته.
- لاء، جو الصمت والهدوء ده مش متعود عليه منك.
فتساءلت بأنفاس متعلثمة:
- أنا.
فضحك جاسم بمتعة وهو يغمز لها بوقاحة بارع فيها، ولكن كان يؤجلها إلى أن ينهي جولة صبره معها أولًا.
- إيه الرقة دي؟ أنا بقول يولع الشغل وتعالي يلا.
فتجمدت عيناها وهي تطالعه، ووقفت اللقمة التي تمضغها بحلقها.
- يلا فين؟
فهتف مبتسمًا باستمتاع:
- أوضتنا ياحبيبتي.
فأخذت تسعل بقوة. ليلتقط كأس الماء الذي أمامها ويعطيه لها ضاحكًا:
- اصفرّيتي واخضرّيتي وشنقتي وكل ده عشان شوية كلام.. أومال لما نراجع على ليلة امبارح إيه اللي هيحصلك؟
وهنا انسكب الماء من فمها وعاد السعال، لتنهض من فوق مقعدها.
- بس كفايه، انت لو قاصد تحرجني مش هتعمل كده.
فنهض خلفها ليجذبها من مرفقها قبل أن تهرب، واحتوى وجهها بين كفيه بابتسامة متسعة:
- أحرجك إيه ياعبيطة؟ سيبي نفسك ياحبيبتي واتعودي على كلامي عشان لو فضلتِ كده هتموتي ياسوسو.
لتدفعه عنها وهي لا تصدق من هذا الرجل الذي أمامها. فجاسم أصبح رجلًا عابثًا.
- لاء، أكيد انت شربت حاجة.. أو سخن.
وعادت تقترب منه لتتأكد من سخونته لتجد لا شيء.
فتساءلت وهي تنظر إليه:
- لاء مش سخن.. انت شربت إيه غير القهوة؟
فانفجر ضاحكًا وهو يطوق خصرها بذراعيه:
- شربت المر كله على دماغي منك.
وانحنى ليقبلها، ولكن لم يجد إلا الهواء فقد تملصت من بين ذراعيه.
ووجدها تركض نحو الأعلى.
- مهرة تعالي هنا.
وكاد أن يركض خلفها ليجد هدى أمامه تقف تطالع مهرة الراكضة، ثم جاسم الذي وقف يحرك يده على شعره بيأس متمتمًا بغيظ:
- ماشي يامهرة.. أما حبستك يوم كامل في الأوضة.
وانصرف نحو الخارج، ووقف بجانب سيارته ونظر لأعلى ليجدها تطالعه من الشرفة. فغمز لها، فابتعدت عن الشرفة سريعًا تضع بيدها على قلبها الذي يدق بعنف.
وقف أكرم مصدومًا وهو يرى شقيقه الذي لم يفكر يومًا بالعمل يجلس على مكتبه ويتحدث بالهاتف، ويمدد ساقيه على المكتب. لينتهي كرم مكالمته ويهتف باسم والدته وهو يحادث شقيقه:
- سهير قلبت عليك.. معلش بقي يا أكرم لازم أنفذ أوامرها وأمسك مكانك بدل ما تقلب عليا أنا كمان.
فجلس أكرم على أقرب مقعد غير مصدق. لينهض كرم متجهًا إليه:
- اعقل يا أكرم واسمع كلامها.
وهنا جاءت سهير تنظر نحو أكرم بغضب. فكلما تذكرت حديثه معها أمس بأنه حدد موعد خطبته تكاد تنفجر من شدة غضبها. فوالده لا يعصي لها أمرًا، فكيف يفعل ذلك هو؟
وحدقت بكرم بغيظ:
- اقعد على المكتب.. ومن هنا ورايح انت الكل في الكل.
فتأفف كرم بحنق، فهو لا يهوى هذا العمل ومتابعة الزبائن. حياته كلها لهو وعبث.
ولكن ما بيده شيء إلا أن يطاوع والدته قليلًا حتى لا يخسر الأموال التي تعطيها له كما يشاء دون أن تحاسبه.
وعاد يجلس على المقعد الذي كان لأكرم، فأكرم هو من يدير كل شيء مع والده ووالدته. وقرر أن يأخذ دور المتفرج.
لتربت سهير على كتف أكرم الجالس ينظر لشقيقه بحزن، فقد تمنى دعمه كما فعلت مهرة، ولكن تربية والدته ماذا سيكون؟
- دي قرصة ودن بس بسيطة مني عشان تعرف إزاي تعصاني.
وفتحت كفها:
- هات مفاتيح المحل.. وعربيتك.
تحجرت عيناه وهو يحدق بها غير مصدق أن والدته تفعل به ذلك، بل وأهانته ونسيت كل ما يفعله من أجلها. ونهض وهو يعطيها ما أمرت مع ضحكة ساخرة:
- دي ضريبة عصيان سهير هانم.. الخروج من جنتها العظيمة.
وتابع وهو ينظر لها بأسف:
- يا خسارة ياما.
وانصرف من أمامها بعد أن تملك دموعه بصعوبة، لتنظر سهير نحوه بوجع.
وسمعت صوت كرم يهتف بملل:
- ما تسبيه يتجوز البنت اللي بيحبها ياسهير.
فالتفت سهير نحوه بغضب:
- قوم فز يازفت انت من كرسي أخوك.. أقوم أمشي من وشي.
فوقف كرم ضاربًا كفوفه ببعضهم:
- عالم توجع الدماغ.
ونفض يده بضيق وترك لها المكان، وهي مازالت لا تستوعب أن أكرم رحل، فقد كانت تظن أنه سيخضع لها كالعادة.
نظرت رفيف نحو ضالتها وهي تبتسم بسعادة. فأخيرًا وجدت الرجل، فلم يعد "عمار" يعمل مع جاسم، بل أصبح يعمل كحارس شخصي لرجل أعمال آخر.
وألتمعت عيناها بمتعة، وهي تشير نحوه للجلوس بجانبها في سيارتها:
- أريد كل شيء عنه.
ليومئ لها الرجل برأسه بصمت.
أنهت مهرة دوام عملها في مكتب السيد الفؤاد واتجهت نحو حيها لتطمئن على والدي مرام ومحل البقالة وتنظف الشقة وترى مكتبها الصغير الذي ينعته جاسم دومًا بجحر الفأر.
حدق ريان بجاسم الجالس بجانبه يناقش معه مشروعهما الجديد، وسيكون هو المسؤول عنه.
ليتساءل ريان متعجبًا من رغبة جاسم في إنهاء العمل سريعًا ومطالعته من حين لآخر لساعة يده:
- ما الأمر جاسم؟ أراك وكأنك متعجل على المغادرة.
فطالعه جاسم بهدوء، وداخله يتوق أن ينهي أعماله سريعًا ويذهب إليها يغرق معها في النعيم الذي ذاقه معها أمس.
وتنحنح جاسم بجمود عملي:
- خلينا نكمل مراجعة الأوراق والمشروع، أنت عارفني مبحبش الأخطاء في شغلي.
ذهبت مرام لرحلة العمل التي تطمح بها، وتركت طفليها تحت رعاية المربية وبسمة. فالفرص أصبحت تتقدم لبسمة دون جهد. ومرام غائبة في عالم الصعود سريعًا دون النظر لطفليها وزوجها.
جلست بسمه بإرهاق على أحد الأرائك بعد أن اهتمت بتحميم الصغيرين. لتجد كريم يردف لداخل المنزل منهكًا. وفور أن رأته وقفت، فهي أصبحت تشعر نحوه بمشاعر حقيقية، تريد أن تنعم بحنانه الذي يغدقه على زوجته التي لا تشعر بشيء.
- مكنش في داعي تيجي تطمني على الولاد.. مربيتهم موجودة.
فأقتربت منه ببطء وهمست برقة:
- مرام وصتني عليهم، وحقيقي أنا مبسوطة بوجودي معاهم.
فأبتسم كريم وداخله يشعر بالحنق من زوجته التي فضلت السفر عن صغيريها، فهم بالغربة ومن سيرعاهم غيرها. وهمت بسمه بأن تنصرف، إلا أن كريم أخبرها:
- استني أوصلك.
فرفضت الأمر وهي تتمنى داخلها أن يصر، وبالفعل فعل كريم ذلك وأوصلها.
هبط جاسم من سيارته وهي يتمنى خنقها. فكان ينهي عمله سريعًا من أجل أن يجدها بالمنزل، ولكن جاءت إلى حيها. فرفع عينيه نحو شقتها ليجدها مضاءة، ومن ثم سمع صوت حسين المرحب:
- أهلًا أهلًا المنطقة نورت يا أستاذ جاسم.
فألتف إليه جاسم بهدوء مصافحًا إياه:
- إزيك يا أستاذ حسين؟
فتمتم حسين بالحمد ثم دعاه لورشة والده في أمر هام جعله يقلق قليلًا، ولكن زالت جميع مخاوفه وهو يستمع لطلب حسين ويرى نظرات الحاج إسماعيل له بانبهار. فحسين يريد استثمار ماله في مشروع صغير.
- يعني انت شايف أمشي في مشروع العقارات أحسن دلوقتي؟
فحرك جاسم رأسه بالموافقة:
- بس أهم حاجة تكون أنت حابب الموضوع ده.
فتنهد حسين بيأس:
- الصراحة أنا خايف الفلوس تضيع.. انت شايف حال البلد، ودي تحويشة عمري.
فربت جاسم على ذراعه بتفهم ثم نهض معتذرًا منه:
- شوف انت هتقرر إيه وأنا هساعدك في حكاية الدعاية والتسويق.
لتتهلل أسارير حسين واحتضنه سريعًا وهو يخبره أنه رجل نبيل وكريم.
فتحت له باب الشقة بعد أن تأكدت بهوية الطارق.
لينصدم جاسم من مظهرها المبلل وأغلق الباب سريعًا خلفه:
- انتي مجنونة؟ إيه اللي عملاه في نفسك ده؟
وأشار نحو ملابسها المبتلة:
- ولو تعبتي دلوقتي ياهانم.. روحي غيري هدومك ويلا بينا.
فأتسعت عينا مهرة وظلت واقفة أمامه تتساءل داخلها:
- هو خايف عليا لدرجادي؟ أنا مهمة كده عند حد؟
وشعرت بيد جاسم على وجهها وينظر لها بحنق:
- مش وقت سرحان وغيري هدومك.
فحركت يدها على شعرها بتشتت.. ثم فرت من أمامه.
ووقف يطالع المكان حوله إلى أن ارتدت ملابسها، وفور أن وصلت أمامه عطست بقوة.
ليصفق بيديه حانقًا:
- شوفتي؟ أهي البداية.
فرفعت عيناها نحوه:
- في إيه يا جاسم؟ ما أنا متعودة على كده.. عادي يعني.. الشقة كانت عايزة تتمسح وتتنفض.. وطبيعي أعطس.
فضاقت عيناه وهو يطالعها بمراوغة:
- وطبيعي تبقي حلوة كده النهارده.
فأرتبكت وأشاحت عيناها عنه، ووضعت كفوفها على وجنتيها تتحسس سخونتهما.
ووجدته يضمها إليه:
- وحشتيني.. وبعد الدقايق اللي نرجع فيها البيت و..
وقبل أن يكمل باقي عباراته هتفت:
- لاء كفاية كده.
رجع جاسم اللي بيشخط من تاني.
وصاحت بصوتها عاليا:
- أنا مش متعودة على الكلام ده.
وانتحبت بطريقة الأطفال ولكن باصطناع. فأنفجر ضاحكًا:
- يا مجنونة.
فابتسمت وهي تتمايل بين ذراعيه:
- جاسم أنا جعانة أوي.
فتمتم وهو يضبط لها وضع حجابها:
- تحبي ناكل برة قبل ما نرجع البيت؟ مع إننا هنضيع وقت يعني.
فوكظته برفق على ذراعه:
- بس بقى.. بدل ما أفضل هنا وأنت تروح لوحدك.
فلمعت عيناه وهو يبتسم:
- أبقى كده.. طب يلا قدامي عشان لسانك بدأ يتعوج.
فتشبثت بذراعه وأخذت تترجاه كالأطفال:
- عايزة أكل كشري من محل الحج زعتر.
فرفع حاجبيه باستياء:
- زعتر يا مهرة.. الصبر يا رب.
***
نظرت ورد إلى كنان الصامت ويتناول طعامه بشرود. وفريدة من حين لآخر تطالعهم بسعادة، فهي سعيدة ببعدهم عن بعض.
فوضعت ورد يدها بحنو على يد كنان متسائلة:
- ما بك يا كنان؟
فطالعها كنان بهدوء:
- أنا بخير يا ورد، لا تقلقي.
وعاد يشرد ثانية في الصباح عند لقائه بالفتاة بغرفة مكتبه. لم يسألها عن مؤهلاتها، بل كل أسئلته كانت عن عائلتها وحياتها وأصولها، حتى أن الفتاة تعجبت من أسئلته، ولكن كانت ترد عليه من أجل ألا تخسر تلك الوظيفة التي لم تظن أن تحصل عليها بمؤهلاتها البسيطة.
وفاق على تحريك ورد مقعدها ومغادرتها بحزن. ليزفر أنفاسه وينهض هو الآخر.
فحدقت بهم فريدة، التي فورًا أخذت هاتفها تهاتف سيلا.
- ما الأمر يا فريدة خانو؟
عالم بها سيلا ببرود، لتخبرها فريدة عن فتور علاقة كنان وورد.
- سيلا اسمعيني جيدًا، هذا هو الوقت المناسب لتعودي لكنان.
وضحكت بصخب، ثم عادت تتحدث بهمس:
- قريبًا سيمل منها ويطردها.. كنان بدأ يرى نواقص زوجته.
لتتنهد سيلا بيأس من ذلك الأمر. فهي قد نسيت أمر كنان والآن تمنح نفسها فرصة القرب من بشير، فالفرصة قد أتت بعد أن تم نقلها ونقل بشير لأحد الأفرع الخاصة بالشركة.
وظلت تستمع لخطط فريدة دون مبالاة إلى أن أنهت فريدة المحادثة.
***
نظرت ريم إلى هاتفها الذي يدق برقم ياسر. فشعرت بالأمل، ففي الصباح علمت بأمر نقلها نهائيًا إلى مكتب ريان. ريان ذلك الرجل الذي تهابه مثل جاسم. وفور أن فتحت الخط سألته:
- هرجع أشتغل مع حضرتك من تاني صح؟
فضحك ياسر من قلبه، فهي منذ أن علمت بأمر نقلها وهي تترجاه أن تعمل مؤقتًا كما أمر من قبل مع ريان ثم تعود للعمل معه.
- للأسف لأ يا ريم.. أنا متصل أبلغك تهتمي بتعليم السكرتيرة الجديدة لمكتبي نمط الشغل معايا والملفات اللي تم مراجعتها.. عايزك تفهميها الشغل تمام.
فهتفت ريم بحزن وهي تنظر لهاتفها:
- حاضر.
وأغلق ياسر بعدها متنهدًا وهو يتذكر طلب ريان بأن تعمل ريم معه.
***
ضحك جاسم من كل قلبه وهو يتنافس معها في وضع الشطة. رغم أنه أصبح يعتاد على طريقة طعام معينة، إلا أنه قرر أن يفعل لها ما ترغب. وأنهت مهرة طبقها قبله وضحكت بسعادة وهي تصفق لنفسها:
- كسبت.
فترك جاسم معلقته وهو ينفخ بقوة داخل فمه كي يبرد قليلًا:
- نافستيني على حاجة للأسف مبحبهاش.
فضحكت بمتعة:
- في حد مبيحبش الشطة؟
فأرتشف الماء لينظر لها بامتعاض:
- آه أنا.
فابتسمت وهي تعطي له المنديل ليمسح فمه. فسعادتها اليوم لا توصف.
***
أغلقت بوجهه الهاتف مبتسمة. لتجد بعد مدة والدها يعطيها هاتفه:
- ردي على مراد.
لتأخذ منه الهاتف بتأفف وهتفت بضيق مصطنع:
- نعم.. خير.
فتنهد مراد بضيق، فهو يود قتلها على أسلوبها البارد هذا. وتمنى داخله لو تعود قطته الوديعة له.
- ده رد واحدة على خطيبها.
فابتعدت عن والدها ولوت شفتيها بامتعاض:
- أنا ما وافقتش على خطوبتنا.. ومش هوافق.
فقبض مراد على يديه بقوة وهمس لنفسه:
- أهدي يا مراد واصبر عليها.
وهتف بهدوء:
- طيب ممكن نتقابل بكرة يا رقية في المطعم؟
فصمتت رقية للحظات وهي تفكر:
- للأسف مش فاضية.
فعاد يقترح ميعاد آخر وهي تتعلل بالحجج إلى أن صدح صوته بغضب قبل أن يغلق الهاتف:
- بكرة هعدي عليكي الساعة خمسة يا رقية ولو مخرجتيش من البيت وقابلتيني هجيب المأذون وأتجوزك.
لتنظر رقية للهاتف بعينين متسعتين. وابتسمت وفردت ذراعيها بتهلل. واعين والدها عليها بسعادة، فهو يتمنى لها مراد كي يطمئن عليها.
***
أردف جاسم للمطبخ فور أن عادوا يطلب من هدي كأس من الحليب البارد، فلم يعد يحتمل ألم معدته.
لتعطيه هدي الكأس متسائلة:
- أحضر العشا يا جاسم بيه؟
فأعطاها الكأس الفارغ بعد أن ارتشفه أملًا أن يهدأ ألم معدته وتذكر ما أكله.
- لأ يا هدي.. إحنا اتعشينا بره.
وخرج من المطبخ متجهًا لمكتبه يطالع الملف الذي سيناقشه غدًا مع ريان. ومنه يتركها تحادث ورد.
فوورد هاتفتها وهم عائدون، ولكن لم تعرف تتحدث معها، فطلبت منها عندما تصل تهاتفها.
***
نظرت مهرة لهاتفها بحنق، فهاتف شقيقتها أصبح مشغول. وجلست على الفراش تبتسم بسعادة.
ونهضت من فوق الفراش نحو المرآة تنظر إلى وجهها الذي يلمع لمعان عجيب.
وانتبهت لشرودها واتجهت بعدها نحو المرحاض تنعش جسدها ثم تهاتف ورد.
وبعد خمسة عشر دقيقة كانت تخرج من المرحاض راكضة بثوب الاستحمام وهي تسمع رنين هاتفها يعلو. وفتحت الخط سريعًا، وكان هذه المرة حديثهما صوتًا فقط، فورد لم ترغب في رؤية مهرة ملامحها الحزينة.
- معلش يا مهرة كنت بكلم ليليان صاحبتي اللي حكتلك عنها.
فتنهدت مهرة براحة:
- صوتك مش عاجبني، مالك يا ورد؟ كنان مزعلك؟
فتمتمت وهي تزفر أنفاسها:
- بالعكس، كنان بيعملي كل حاجة نفسي فيها، بس أنا تعبانة يا مهرة، عندي ديمًا إحساس بالنقص في شكلي وجسمي.
لتتسائل مهرة بقلق:
- حماتك السبب مش كده؟
فصمتت ورد. لتتنهد مهرة بضيق:
- المهم جوزك يا ورد، ركزي مع جوزك سامعاني يا حبيبتي؟ وإياكي تخلي حد يقلل منك أو تحسي بالنقص أبدًا. كنان اختارك وعمل المستحيل عشان ياخدك.
واسترخت مهرة على الفراش ومدت ساقيها، وقد نسيت أنها بثوب الاستحمام. وأخذت تخبر ورد ببعض النصائح.
- خليكي ناصحة وواثقة من نفسك، سامعة؟
فلمعت عين ورد بحنين وحب:
- حاضر.
فابتسمت مهرة وهي تلوي خصلات من شعرها على أصابعها:
- روحي تظبطي وألبسي كده حاجة حلوة لـ كنان، ولا أقولك ارقصيله، جوزك شكله بيجي بالرقص.
فنهرتها ورد بخجل، لتضحك مهرة على شقيقتها وأغلقت بعدها الهاتف.
لتنسى نفسها وتتسطح على الوسادة وغفت دون شعور.
وبعد ساعة كان جاسم يردف للغرفة ووقعت عيناه عليها فأبتسم. وأبدل ملابسه ثم اندس جانبها وأخذ يتأملها وهي غافية، ليعبث بيده على وجهها ثم مال عليها يقبل عنقها ويهمس باسمها.
- مهرة اصحي.. ما هو أنا مفضلش صابر طول اليوم وفي الآخر تنامي.
ففتحت عيناها وطالعته ثم طالعت نفسها وشهقت بصدمة:
- أنا نمت كده إزاي؟
وحاولت دفعه ولكنه كان يحاصرها بذراعيه وينظر إليها بنظرة عابثة.
رواية لحن الحياة الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سهام صادق
يداه اخذت تتخلل شعرها الرطب ببطء .. وانتقل من لمس شعرها للمس وجنتيها وهي مازالت ثابتة في وضعها تنظر لعيناه وكأنها كالمنومة ... مشاعر غريبة بدأت تسير داخلها لا تعلم لما تنسي نفسها وهي معه.
جاسم وضع قوانين لعبته بهدوء وتمهل وفي النهايه انتصر ليصل لهدفه ..اضعف خاسر هو القلب.
ومال نحوها أكثر حتي أصبحت أنفاسهم قريبة للغاية.
ليصدح رنين هاتفها جانبها فأنتفضت من أسفله وألتقطت هاتفها سريعا لتنظر للمتصل.
- ده أكرم.
وفجأة وجد يداه انزلقت لينبطح علي الفراش داعيا عليها بحنق.
- ربنا يسامحك يامهرة.
فنظرت إليه ثم للهاتف ضاحكة من هيئة جاسم بعد ان انبطح علي الفراش عندما تملصت من قبضتي يديه وردت علي أكرم بقلق.
- مال صوتك ياأكرم ..انت فيك حاجه.
ليهتف أكرم بحزن وهو ينظر حوله ..فقد كان يسير بأحد الطرق هائما فيما حدث له من والدته في الصباح.
- مهرة انا محتاجك.
فشعرت بوجود خطبا ما حدث له وزاد قلقها عليه.
- قولي انت فين وانا اجيلك.
فصدح صوت جاسم بحنق فقد كان يتابع الحوار بصمت إلي ان نطقت بعبارتها الأخيره.
- قولي لاكرم يجي ..خروج من البيت مافيش.
فطالعته بضيق ووجدت أكرم يهتف.
- انا جاي ليكي ده لو مش هيضايق جاسم.
فسريعا اجابت وهي تنظر لجاسم.
- اكيد لاء ..هستناك.
وبعدما أغلقت الخط مع أكرم ووقفت تطالع جاسم العاقد ساعديه امام صدره وقد تسطح علي ظهره فوق الفراش وقفزت جانبه بطريقة مضحكه بهيئتها التي أطاحت عقله.
- وفيها ايه لو خرجت.
فنظر لها بضيق.
- أنتي مش واخده بالك الساعه كام دلوقتي.
فهتفت بحنق ولامبالاة.
- عادي.
فأستفزه حديثها.. ليجذبها من خصلات شعرها.
- عادي ده لما كنتي عايشه لوحدك ..اما دلوقتي انتي متجوزه الساعه 11 ياهانم.
فتألمت من قبضت يده علي شعرها.
- اه سيب شعري.
فأقترب منها بعد ان ترك شعرها وحرك خده علي خدها.
- لسانك ده حقيقي محتاج ضبط من اول وجديد.
وضمها إليه بدفئ.
- مهرة ياحببتي نعقل كلامنا قبل ما ننطقه ..واوعدك كل ماتسمعي الكلام ليكي هدية عندي.
مشاعر الابوة كانت طاغية عليه في تلك اللحظه ورغم أنها هدأت عندما لمس جزء مفقود داخلها فهي لم تعرف تلك المشاعر من قبل ..وابتعدت عنه تنظر الي عيناه ..فأبتسم وهو يعلم أنها تعقل كلامه داخل عقلها بتمهل ومد كفه نحو عنقها يلامسه فأغمضت عيناها بأسترخاء ثم تذكرت أمر أكرم ف كالعاده لحظات السحر تنتهي.
- أكرم قرب يوصل.
وابتعدت عنه وهبطت من فوق الفراش نحو غرفة الملابس لترتدي ملابسها.
لينظر جاسم نحوها زافرا أنفاسه بقوة.
- لاء كده كتير.
وهبط برأسه علي الوساده مغمض العينين كي يهدء قليلا متوعدا لها بعد ان ينصرف أكرم.
جلس أكرم بأرهاق والحزن ظاهر علي ملامحه مما فعلته والدته معه .. كان دوما المطيع الهادئ لا يطلب منها شئ والشئ الوحيد الذي طلبه منها ان توافق علي خطبته من حبيبته ولكن الإجابة كانت طرده من عمله فضغطت عليه من أكثر الجوانب قسوة.
كان جاسم يجلس معهم بهدوء ويستمع إلي مايقصه أكرم ..وعندما شعر بحاجه أكرم الي شقيقته.
نهض معتذرا.
- هسيبكم تتكلموا براحتكم.
ونظر الي أكرم الذي وقف علي الفور.
- لاء انا همشي خلاص ..واسف أني ازعجتكم.
ليقترب منه جاسم رابتا علي كتفه بأخوه.
- عيب تعتذر وانت في بيت اختك ياأكرم .. البيت بيتك وتيجي في اي وقت.
فطالعته مهرة بهدوء وسعاده مما فعله مع شقيقها .. ونظرت إليه بأمتنان حقيقي وهتف قبل ان يصعد لاعلي.
- بات الليله ديه هنا وارتاح.
وبعدما انصرف نظر نحوه أكرم بحب ثم نظر الي شقيقته.
- حقيقي كل يوم بحترم وبتعلم من جوزك يامهرة ... انا بعتبره أخويا الكبير.
فأبتسمت ومدت ذراعيها لشقيقها كي تحتويه بحنو متمتمه.
- اوعي تزعل لو علي الشغل امره سهل.
وهتفت بجمود.
- انا اسفه اللي هقولهولك في حق امك بس هتستني ايه من واحده خلت جوزها يرمي بناته ولما يفتكرهم يجي يرمي ليهم ملاليم.
فأبتعد عنها أكرم قليلا فحزن علي حقيقة ما فعلته والدته في حق شقيقتيه .. وشرد في الماضي فكانت والدتهم تخبرهم دوما ان زوجة ابيهم امرأه لعوب وبناتها مثليها .. ولكن ها هي الحقيقه تظهر وتربية المرأة اللعوب نتج عنها شقيقة حنونه مثل مهرة صادقة بحبها وشقيقة أخري عطوفه لا تقل عنها حنانا.
- عندك حق يامهرة ماما ظلمتك انتي و ورد اوي.
وعاد يرمي نفسه بين أحضانها .. لتربت بيدها علي ظهره تطمئنه بأنها معه.
اخذ النوم يداعب جفنيها ومازالت تنتظره ..فقد أعدت نفسها له وارتدت ثوب قصير يظهر مفاتن جسدها وتزينت كما أخبرتها مهرة ولكن ساعه جاءت ورائها اخري وأخري وكنان مازال بحجرة مكتبه.
وقررت ان تذهب إليه فقد ملت من الانتظار وربطت روبها بأحكام وهبطت للاسفل ووقفت أمام غرفة مكتبه تأخذ أنفاسها بتوتر ثم طرقت الباب بطرقة خافته وأردفت بعدها ..لتجده ممدد علي الأريكة مغمض العينين فأقتربت منه وهي تهتف بأسمه.
- كنان.
ففتح كنان عيناه وطالعها بتفحص وسط ضوء الغرفة الخافت ثم عاد يغمض عيناه.
- ما الأمر ورد.
قالها ببرود أثلج قلبها .. فأقتربت منه وجثت على ركبتيها أمامه ومسكت يده بحنو.
- انت ما الأمر كنان ..مابك حبيبي.
ففتح عيناه ونظر لعينيها التي تعكس ما بداخلها فوجدها علي وشك البكاء فرفعها من الارض وفسح لها مكانا جانبه.
- تعالي جانبي.
فأشرقت ملامحها وتمددت جانبه تمسح علي وجهه برفق.
- ما بك كنان .. أشعر بأنك بعيد عني هذه الأيام.
فحدق بها كنان للحظات صامتا ثم ضمها إليه.
- مشاكل بالعمل ليس أكثر ورد.
وعاد يغمض عيناه متذكرا تلك الفتاه وعقله شارد لا تشبه شقيقته بالمثل ولكن الشبه بينهم كبير للغاية.
فتحت الغرفة بنعاس لتجد جاسم مازال مستيقظا ..فأقتربت منه تتسطح فوق الفراش بجفون متثاقلة.
- نام أكرم.
فتمتمت مهرة بثاوب.
- آه ..نام في اوضه كريم.
فحرك جاسم رأسه ومال نحوها بعد ان اغلق الكتاب الذي كان بيده.
- انت منمتش ليه.
فأبتسم بخبث وهو يجذبها اليه.
- مستنيكي ياحببتي.
فطالعته ومازالت تتثاوب بكثرة.
- فكرني بكره أشكرك علي اللي عملته مع أكرم ..تصبحي علي خير بقي.
ومع نهايه تلك الجمله لا تعلم ما حدث سوا انه هتف.
- تصبح علي خير مين ياختي.
وقفت تهندم حجابها بخجل من نظراته العابثه التي تحاوطها فكان يقف خلفها يمشط شعره الاسود وينثر عطره .. وحاوط خصرها ضاحكا.
- هتتظبط ازاي وانتي بالتوتر ده.
وقرص وجنتيها بخفة فهتفت بحنق.
- ما انت طول ما بتبصيلي كده وبتغمزلي انا بتوتر.
فضحك بمتعه على خجلها.
- حقيقي انتي تهبلي يامهرة.
وقبلهاعلي احدي وجنتيها.
- شكرا علي السعاده اللي لقتها معاكي.
وتركها وانصرف لتنظر لأثره بذهول من تصرفاته ..حتى بعد كل علاقه بينهم يقبلها علي جبينها يخبرها بسعادته وحبه لها.
- انا كده هموت في ايدك يا ابن الشرقاوي.
وضحكت على نفسها وقلبها الذي بات يدق سريعا بوجوده.
وقفت ريم بأرتباك أمام ريان الذي كان منشغلا في مطالعة الأوراق التي أمامه.
- الملف اللي طلبته يافندم.
فرفع ريان عيناه نحوها ببطئ متأملا خجلها وارتباكها الذي يحبه ومد يده إليها لتعطيه الملف وهي تتحاشا النظرات اليه.
- شكرا ياريم.
وأبتسم لها فأنصرفت سريعا من أمامه ..ليسترخي ريان بمقعده.
- هذه من ابحث عنها فتاة ضعيفة هادئه ..انجب منها فقط.
وفور ان خرجت ريم اتجهت نحو الممر الذي به مكينة القهوة ..لتجد ياسر يقترب منها بعد ان اعطي لأحدهم بعض الاوراق.
- مبسوطة في شغلك مع مستر ريان.
فتنهدت ريم بعبوس وهتفت بصدق.
- مستر ريان لطيف اوي ...بس انا حابه أرجع اشتغل مع حضرتك.
فأبتسم ياسر لها رغم مافعله بها تريد العمل معه.
- والله انتي عجيبه ياريم عايزه تسيبي مدير لطيف وتيجي عند مدير كشري ورخم.
فهتفت سريعا وبتلقائيه.
- لاء حضرتك مش رخم بس عصبي شويه.
وأكملت وهي تحرك يدها.
- شويتين تلاته كده يعني.
فصدحت ضحكات ياسر التي تعجبت منها وطأطات رأسها بخجل فيبدو انها تجاوزت بحماقة ولكن ياسر وقف يطالعها ولاول مره يكتشف انها رائعه ببساطتها حتي خجلها وارتباكها ولكن عاد ما بداخله يذكره ان قلبه قد مات منذ زمن.
ضحك كريم من قلبه وهو يري صغيرته تلطخ وجه بسمه بطعامها ..فنظرت بسمه بعبوس مصطنع.
- كده ياشهد.
ليعطيها كريم الصغير ويأخذ شهد معنفا لها بحنان.
- حببتي عيب كده.
فمدت الصغيره يديها لبسمه تعانقها وتداعبها.. فلمعت عين بسمه بوجع وهي تعلم أنها لن تكون اما يوما .. واغمضت عيناها وهي تكاد تبكي علي ذكرى كلما تذكرتها شعرت بكرهها للحياه.
ووضعت الصغير علي مقعده المخصص له وابتعدت راكضه نحو الشرفه .. فوق يطالعها بحيرة من أمرها ونده علي المربية لتأتي اليه علي الفور ثم ذهب نحوها.
ليجدها تضع وجهها بين كفوفها تبكي بحرقة.
- بسمه.
وعندما هتف بأسمها ألتفت إليه تنظر له وعيناها غارقة بدموعها مرت الدقائق وهي تطالعه هكذا الي ان وجدها تقترب منه تحتضنه بآلم.
- أرجوك احضني.
طلبها لم يكن رغبه بل كان خوف من ماضي قتل روحها ..وعاد الماضى وصوت صراخها يقتحم عقلها وهي تطلب الاستغاثه ولكن في النهايه.
أصبحت ضحية ذئب مغتصب.
وجدها تجلس علي مقعده في غرفة مكتبه تطالع أوراق ما فتسأل.
- اوراق قضية.
فرفعت مهرة عيناها له وابتسمت بسعاده.
- أستاذ فؤاد أخيرا اداني قضيه لوحدي...بس صعبه اوى.
فأبتسم لها بتشجيع ثم وقف أمام المكتبه التي تضم الكثير من الكتب.
- اكيد شايف انك ادها ياحببتي.
فأخذتها قدميها نحوه ووقفت امامه لتقبل أحدي وجنتيه بشكر.
- ديه عشان اللي عملته مع أكرم امبارح.
وطبعت بقبلة أخرى.
- وديه عشان انا عايزه اعملك كده.
فأتسعت أبتسامته وهو يضمها إليه هامسا.
- هي القضيه مهمه أوي كده.
فحركت رأسها بخجل ليضحك علي ارتباكها فور ان بدء بحرجها.
- روحي كملي شغلك.
فرفعت عيناها نحوه بأمتنان.
يحمد الله على ما هو فيه الآن.
عادت إلى المقعد متسائلة:
- مش مضايق إني قاعدة مكانك؟
فطالعها وهو يجلس على الأريكة التي تقبع في إحدى جوانب الغرفة:
- ركزي يا حبيبتي في شغلك وبطلي هبل.
فضحكت وهي تعود إلى مطالعة أوراق القضية الغامضة. مر الوقت، ومن حين لآخر، جاسم يتأملها ويضحك. فتارة تمد ساقيها على سطح المكتب، وتارة أخرى تضم ركبتيها لصدرها. وأخرى تضرب جبينها بيدها. وتارة تحادث نفسها.
فنهض من جلسته واقترب منها هاتفا:
- مهاة، يلا ننام عشان انتي لو قعدتي مع نفسك أكتر من كده هتتجني.
فحركت رأسها باقتناع. فأبتسم لها غامزًا:
- ياسلام على الهدوء يا ناس.
وتسأل بمغزى:
- أكرم فين صحيح؟
فأجابته على الفور:
- خد مفتاح شقة ماما وهيِقعد هناك. مرضيش يبات تاني هنا.
فعاد يتسأل وهو يحاوطها بذراعه:
- واتصلتي بورد؟
فهزت رأسها بإرهاق:
- آه، كلمتها.
فلمعت عيناه وفي لحظة كان يحملها بين ذراعيه:
- لاء، ديه فرصة عظيمة.
وفور أن نطق بتلك الجملة، صدح رنين هاتفه في جيب سرواله. لتعانقه بمشاكسة:
- تليفونك بيرن يا أستاذ عظيم.
فطالعها بحنق وهو يسطحها على الفراش وأخرج هاتفه ليرى من يتصل به. وكانت نرمين من تهاتفه كي تذكره بموعد المناقصة صباحًا.
- ديه نرمين.
وعندما سمعت مهاة اسمها، ألتقطت الهاتف ووضعته أسفل الوسادة وجذبته إليها وأسبلت أهدابها. فضحك وهو لا يصدق أن الغيرة تجعلها تنسى خجلها منه:
- يعني انتي الجرأة بتجيلك على سيرة نرمين؟
ومال نحوها يغرقها بين ذراعيه:
- طب نرمين.. نرمين بقي.
***
نظرت ليليان إلى ورد التي جلست شارده بعد أن أنهت عملها بالمطبخ. لتسألها ليليان:
- ما خطبك يا ورد هذه الأيام؟
فتنهدت ورد بحزن متسائلة:
- ليليان، أخبريني عن علاقة كنان بـ سيلا.. ولما كرهها وابتعد عنها؟
فنظرت لها ليليان بعدم استيعاب لسؤالها، ولكن أجابت عليها لعلها تريحها:
- ما أعلمه أن سيلا هي من اقتربت منه إلى أن جعلته يرتبط بها. واهتزت علاقتهما مع موت هازان. كنان كان يعشق هازان بشدة. كان يعدها وكأنها ابنته.
فطأطأت ورد رأسها بحزن وهي تخشى أن يكون كنان قد فاق من مسكن حبه لها، والذي أتى في وقت ضعفه واحتياجه لشخص ينسيه ما مر به.
***
وقف بشير متعجبًا من المساعدة الجديدة لكنان. وبعد أن انصرفت، تسأل دون تصديق:
- من هذه يا كنان؟ إنها تشبه هازان كثيرًا.
فحرك كنان رأسه بموافقة. ليجلس بشير متمتمًا:
- أنت متأكد أن فريدة خانو لم تنجب توأمًا لهازان؟
وعندما شعر بأن مزحته ليست بمحلها:
- كنان، لا تعود لانتكاستك مجددًا وانعزل.
***
زفر مراد أنفاسه بحنق وهو ينتظر رقية بجانب سيارته. وسألها بضيق وهو يفتح باب سيارته لها:
- ما كنتيش محتاجة تأجلي ميعاد مقابلتنا تاني.
فطالعته رقية ببرود مصطنع:
- كان عندي ميعاد مهم امبارح.
فأبتسم مراد وهو يضغط على أسنانه:
- ماشي يا برنسيسة رقية. هحاول أصدق إن بقي عندك مواعيد مهمة.
فدفعته رقية بحنق من أمامها:
- انت بتتريق عليا؟ لو سامحت أبعد. مش عايزة أخرج.
فحدق بها مراد بقوة:
- رقية، اتعدلي وبطلي شغل الجنان اللي بقيتي ماشية عليه ده.
وكلمة منه ومنها، عادت راكضة إلى منزلها. ليفتح والدها الباب متعجبًا:
- انتي مش كنتي هتقابلي مراد؟
فخطت للداخل بتأفف:
- اتخنقت أنا ومراد.
وعلى نطقها لتلك الجملة، جاء مراد خلفها حانقًا من تصرفها:
- رقية، اعقلي ويلا.
فوقفت خلف والدها:
- أنا عاقلة على فكرة. ومش عايزة أخرج مع واحد همجي زيك.
لتتسع عين والدها. فنظر لها مراد بعتاب وأصطنع الحزن. وعندما وجده سينصرف حزينًا:
- خلاص، أنا جايه.
فزفر أنفاسه بتعب محدثًا نفسه:
- هتتعبيني معاكي يا رقية. بس ديه غلطتي ولازم أتحمل نتايجها.
***
ذهبت مهاة مع إحدى زميلاتها في مكتب السيد فؤاد إلى أحد المطاعم. كان مطعمًا فخمًا وكان ملكًا لزوج زميلتها هذه. التي بمجرد أن وصلوا، اعتذرت منها وذهبت إلى غرفة زوجها وأخبرتها أنها ستعود لها سريعًا.
فجلست على إحدى الطاولات مع ترحيب لطيف لأنها أتت برفقة زوجة صاحب المطعم.
وجلست تنتظر قدومها.
ومرت دقيقتان لتجد جاسم يردف للمطعم بصحبة نرمين وكان يتحدث بهاتفه ولم ينتبه لإشارة يدها نحوه. فهي فور أن رأته، وقفت تلوح له بيدها.
ووجدت نرمين تقترب منه تخبره بشيء ما. فأنصرفوا من المطعم قبل أن يختاروا طاولة يجلسوا عليها.
ظنت أنه رآها ولم يعيرها أي اهتمام. فحملت حقيبتها. وقبل أن تغادر، وجدت زميلتها تسألها:
- مهاة، رايحة فين؟
فأجابتها وهي تتحرك صوب الباب:
- معلش يا هالة، تعبانة شوية. نعوضها مرة تانية.
لتقف هالة متعجبة ووجدت زوجها خلفها يسألها:
- فين صاحبتك؟
فالتفتت إليه مع ابتسامة هادئة:
- مشيت.
***
كان كرم يجلس مع رفيقه يشم البودرة التي أمامه ثم استرخى بسعادة:
- الواحد حاسس إنه مبسوط.
فضحك رفيقه:
- الفلوس بقي يا كرم.
فأخرج له كرم المال.
فأبتسم صديقه. وبعد أن نظر للمال، تسأل وهو يحك ذقنه:
- هي مش أختك برضوه مرات جاسم الشرقاوي؟
فمسح كرم على أنفه متعجبًا من سؤال صديقه:
- أختي ومش أختي.. بس بتسأل ليه؟
فطالعه صديقه بمكر:
- إزاي أختك ومش أختك؟
فهتف كرم وهو يميل برأسه على ظهر الأريكة:
- خلافات عائلية.
ليبتسم نادر صديقه وهو يجلس جانبه:
- لاء، خلافات إيه؟ انت لازم تستفاد من جواز أختك ديه.
***
وجدها تجلس على الفراش عاقدة ساعديها بصمت أمام صدرها وتضغط على أسنانها. وأنفاها وجفونها احمرا. ليتسأل وهو يخلع سترته:
- مالك يا مهاة؟
فطالعته بشر. فمال للخلف بظهره ضاحكًا:
- لاء، كده يبقى في حاجة جامدة.
ووجدها تقف فوق الفراش:
- قولي، عملت إيه من ساعة ما خرجت لحد ما جيت؟
فضحك جاسم على طريقة سؤالها:
- مهاة، أنا تعبان وأكيد انتي عارفة إني في الشركة.
فحدقت به بجمود:
- انت كداب.
سقطت الكلمة على أذنيه. فوقف ثابتًا بمكانه.
واقترب منها بهدوء غير مبشر:
- كداب.. أظاهر إني اتهونت كتير، فـ لسانك مبقاش عارف يفهم ويستوعب اللي بيقوله.
ووقف أمامها محذرًا:
- أنا بعاملك بما يرضي الله، لكن بلاش تشوفي قلبي. يا مهاة، هتكرهيني؟
وعندما رأت عينيه تلمع بالغضب، وجدت نفسها تخبره أنها رأته وقد أشارت له ولم يعيرها أي اهتمام.
فوقف للحظات يتذكر وجوده وسبب انصرافه السريع من ذلك المطعم.
- تعرفي إنك غبية.
وجذبها من لياقة منامتها. لتهتف ببكاء:
- أنا غبية عشان حبيتك.
فاتسعت ابتسامته وهو يسمع اعترافها بحبها له.
رواية لحن الحياة الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سهام صادق
كلمة نطقت في أوهج لحظات حنقه منها.. فرفع كفيه يمسح علي وجنتيها بهدوء متنهدًا بيأس
- سبحان الله حتى يوم ماتنطقي وتعبري عن مشاعرك.. مختارة أكثر لحظة أنا عايز أخنقك فيها.
فنفضت كفيه بعد سماعها عبارته، وأشاحت رأسها بعيدًا عنه تتنفس بغضب.
فأمسك جاسم يدها لينزلها من فوق الفراش، ثم ضمها إليه رغم اعتراضها.
- هش خلاص.
وربت على ظهرها بحنو.
- مهرة حياتنا لازم يبقى فيها ثقة أكثر من كده.
وعندما أرادت أن تبتعد عنه.. ضمها أكثر إليه.
- يعني إزاي أشوفك في المطعم وأسيبك وأمشي؟ أنتي مراتي يا مهرة، عارفه يعني إيه؟ يعني لو أنا مش عايزك في حياتي هتجوزك ليه؟ هكمل جوازنا ليه؟
فرفعت عيناها نحوه تتساءل.
- روحتوا فين بعد ما سيبتوا المطعم؟
فضحك وهو يعلم أنها تنتظر تلك الإجابة فقط، وأخذ يخبرها بتوضيح كي يريح عقلها وقلبها من الغيرة.
- نرمين نسيت ملف المناقصة في العربية.. ولما خرجنا نجيب الملف جاني اتصال من منى بلغتني إن الوفد الإيطالي غير مكان اللقاء، ده كل حاجة حصلت.
ولطم خدها برفق ثم ضرب جبهتها.
- فهمتي يا أم عقل خارق.
فلمعت عيناها بغل من تذكرها اقتراب نرمين منه، ثم أشاحت وجهها بحنق وهي تهتف.
- هي لازم نرمين دي تكون على طول معاك.. فين ياسر أو جيب أي راجل وخلاص.
فضحك بمتعة وهو يرى غيرتها المفضوحة.
- أنت بتضحك على إيه؟
فعادت تتعالى صوت ضحكاتها، فتمتم وهو يشاكسها بمتعة.
- بضحك عليكي يا حبيبتي.. قولي إنك بتغيري وخلاص.
فعادت تطالعه بحنق وهتفت بصياح.
- مبغيرش.
وكلمة منه ثم منها إلى أن صرخت بتأفف.
- أيوه بغير، ارتحت.
فابتسم جاسم ثم جذبها إليه لتشهق وهي تجده يقبلها بلطف ويخبرها.
- بحبك يا مجنونة.
بعد ساعة كان يتمدد على بطنه معطيًا لها ظهره العاري هاتفا بإرهاق.
- خففي إيدك شوية يا مهرة.
فدلكت ظهره بقوة.. فتأوه بألم.
- ماله النادي الصحي والناس المتخصصة؟
فدبت على ظهره بعند.
- سيبني أركز وبلاش توجيهات.. ده مساج.
ولمعت عيناها بحماس.
- أوعى تنسى إنك هتعلمني السواقة.
فضحك باستمتاع وهو يرفع عيناه نحوها.
- مستغلة يا حبيبتي.
فحركت كتفيها بزهو.
- ده مش استغلال.. ده اسمه هات وخد.
وهنا انفجر ضاحكًا بقوة حتى بدأ يسعل.
- يعجبني فيكي مصطلحاتك يا حبيبتي.
وتأوه مجددًا.
- أنتِ بتعجني عجين يا مهرة.
لتنظر إلى موضع يديها ثم إليه.
- شوف بتتريق عليا إزاي... بدل ما تقول تسلم إيدك.
فابتسم باستياء.
- كملي يا مهرة بس بحنية.. ها حنية.
وبالفعل وضعت كل تركيزها على عضلاته المتشنجة وأخذت تدلك بزيت عطري مخصص.. إلى أن هتفت أخيرًا.
- حلو كده.
فأعتدل من وضعه ونظر إليها مبتسمًا.
- تسلمي يا حبيبتي على أسوأ مساج اتعمل لي في حياتي.
فاتسعت عيناها وهي تجده ينهض من فوق الفراش ويرتدي قميصه.
- أسوأ مساج.
ورفعت يداها نحوه.
- أنا يتقال لي كده.. طب إيه رأيك إنك هتعلمني السواقة النهارده؟
فضحك بمتعة ومد أنامله نحو وجنتيها.
- هجيب لك مدربة تعلمك يا حبيبتي.. يا بتاعت هات وخد.
وخرج من الغرفة دون كلمة أخرى متجها لأسفل نحو غرفة مكتبه مبتسمًا.
ابتسم كريم بلطف وهو يرى سعادة بسمة مع طفليه.. فبعد ما حدث لها وعلم قصتها تعاطف معها بشدة.. وأخذ يزفر أنفاسه بقوة وهو يتخيل مرام بين أولادهم.
فرحلة أمريكا طالت لبضعة أيام أخرى ولم يلاحظ أي حزن أو اشتياق منها إليهم، كل ما لاحظه اشتياقها إلى أحلامها أن تكون سيدة أعمال يومًا.
مرام حبيبته أصبحت امرأة أخرى، امرأة لم يتمناها.
وسمع ضحكات بسمة مع صغيريها، لتستمر ابتسامته واقترب منهم يشاركهم ما يفعلونه.
لتنظر إليه بسمة بلمعان وتمني لو كانت هي زوجته.. أما كريم كان ينظر لها بالشكر والامتنان لاهتمامها بصغيريه.
نظر كنان إلى عائشة وكيف تتصرف معه وهو غارق في متابعة كل تفاصيل حركتها، لا يعلم هل انجذابه لها كشقيقة لما تحمله من ملامح شقيقته أم حب.
وهنا تجمدت عيناه، هو لا يتخيل حياته من دون ورد، من دون رقتها وطيبة قلبها.
وفاق على صوت عائشة.
- سيد كنان لديك موعد بعد ساعة.
فحرك كنان رأسه وهو يتساءل وقد تجاهل ما أخبرته به.
- أليس لديك إخوة يا عائشة؟
فلمعت عين عائشة بوميض يحتلها الماضي، لتحدق به وهي تريد أن تصرخ به تخبره.
- أنه شقيقها.. أنها شقيقة هازان.. إنها ابنة كمال الدين وابنة الخادمة التي أقام معها علاقة نتج عنها طفلتين، إحداهن أخذتها فريدة وعاشت في ترف وحياة يحلم بها الكثير، وأخرى عاشت في ضيعة نائية وحياة قاسية.. ماضٍ مر بتفاصيله ولم تعلم حقيقته إلا من خالتها قبل أن تتوفى.
- عائشة.
خرج صوته منبهًا لها، لتفيق من شرودها معتذرة.
- معذرة سيد كنان.. هل أستطيع الانصراف مبكرًا اليوم؟
ليطالعها كنان بهدوء ثم أشار لها بالموافقة وهو يحدق بالفراغ الذي تركته.
لتنصرف، فتلمع عيناها بكره.. فهي أتت لتعمل معه كي تجعله يقع بحبها ثم تلقي عليه الحقيقة الصادمة أنها شقيقته.
وقفت ليليان تطالع ورد بعد أن صبغت شعرها وأعطاها مظهرًا مبهرًا وهتفت بحماس.
- التغيير جميل يا ورد.
فتساءلت ورد بأمل أن يكون شكلها أصبح جيدًا.
- ما رأيك يا ليليان؟
فهتفت ليليان بدفء.
- رائعة.. بل فوق الرائعة.
فضحكت ورد على كلماتها.. لتنظر لها ليليان هاتفة.
- سينبهر كنان اليوم.
وقف كنان مبهورًا وهو يرى ورد بهيئتها التي سرقت أنفاسه.. ليجد ورد تقترب منه بدلال تخلع له سترته تخبره بصوت رقيق.
- اشتقت لك حبيبي.
حفظت خطواتها بدقة، ورغم خجلها إلا أنها من أجله قررت أن تسيطر على كل شيء وتعيد شغفه بها.. وهذا كان بفضل ليليان التي أخبرتها بأن أعين الكثير على زوجها ولا بد أن تجعله يجن بها كل ليلة.
ووقفت على أطراف قدميها وتعلقت بعنقه.
- ما رأيك بلون شعري الجديد؟
فأمسك كنان خصلاتها ثم نظر إلى ما ترتديه متسائلًا.
- ما الأمر يا ورد؟
فعبست بطفولة.
- هل يوجد دائمًا أمر إذا تدللت الزوجة على زوجها؟
فابتسم لها كنان وقد نسي كل تشتته ليجذبها إليه معتذرًا.
- أعلم أنني ابتعدت عنك الأيام الماضية.
ومسح على وجهها ليجدها تدفن وجهها بصدره.
- لا تؤلم قلبي يا كنان.
تنهد بشير بسأم وهو يرى تصرفات سيلا من إغرائها له.. وانتفض من فوق مقعده بعدما وجدها تميل نحوه تخبره.
- كفي عقاب يا بشير.
ليدفعها بشير عنه بضيق.
- سيلا أنا وأنتِ انتهينا منذ زمان.
وتابع بجمود.
- سأخبر كنان بأن لا عمل لنا معًا.
لتتجمد ملامح سيلا نحوه وتقترب منه تعانقه، ولكن كما اعتادت منه.. ينفرها ويدفعها بعيدًا عنه.
- لم تحصلي على كنان.. فقلتِ أعود لبشير المغفل.
لتهتف سريعًا وهي ترى نفوره المؤلم لقلبها.
- كانت غلطة يا بشير وندمت عليها.
فضحك بشير ساخرًا.
- لا يوجد غلطات في الحب يا سيلا.. وياليت تعودي لمكتبك فأنا أشمئز من رؤية وجهك حولي كثيرًا.
فوقفت مصدومة مما سمعته.. هل هذا هو بشير الذي أحبها بشدة فيما مضى؟
وعادت تتقدم منه.
- بشير أعطني فرصة واحدة.
وصعقت من رحيله من غرفة مكتبه.. تاركًا لها المكان كله.
خرجت من السيارة تضحك على وجه جاسم الذي وقف يحدق بها.
- أنتِ تحاوليش تسوقي أو تفكري في الموضوع ده تاني.
لتزداد ضحكات مهرة.
- أنت اللي مبتعرفش تعلم.
فأقترب منها جاسم زافرًا أنفاسه بضيق.
- لأ حقيقي إيه كمية الذكاء اللي عندك دي يا مهرة؟
فوضعت إصبعها على موضع عقلها قائلة بفخر.
- ذكائي ذكاء خارق.
ليضمها إليه بحنان وهو يضحك.
- هصبر وأعلمك تاني.. بس هو شهر يا مهرة وبعد كده خلاص.
فابتسمت بمتعة وهي بين ذراعيه ليتساءل.
- أنتِ قولتيلي إنك كنتي بتسوقي قبل كده صح؟
فرفعت عيناها نحوه ضاحكة وهي تعلم أن إجابتها ستصدمه.
- آه كنت بسوق العجلة بتاعتي.
فوقف جاسم مصدومًا مما يسمعه.
- ما شاء الله.. لأ كل يوم بتبهر إني اتجوزتك.
فصدح صوت ضحكاتها عاليًا.. ليدفعها جاسم أمامه بحنق.
- الصبر يا رب.
لتتحرك أمامه وهي تضحك.. وأردفوا داخل المنزل فوجدت هدي تستقبلهم بوجه حزين لاحظته مهرة.
انصدم كنان من فعلت عائشة وهي تهندم له قميصه وسترته قبل أن يخرج لغرفة الاجتماعات.
وابتسمت له وهي تبتعد عنه تنظر لعيناه الغائمة في مطالعتها.
- لم أقصد شيء سيد كنان.
فأبتسم لها كنان بحنو وتخطاها متمتما:
- لا عليكي عائشة.
لتقف عائشة تنظر لخطاه بلمعان ورغبة في الصراخ وهي تريد تخبره بالماضي وما فعله والده ووالدته السيدة فريدة بوالدتها.
ثم عادت تشرد في حياة كنان فهي تعلم أنه متزوج.
***
جلست ورد يراودها الشك، كنان عاد يغدقها بحنانه ولكن لا تشعر أنه معها وكأنه واجب يؤديه. لتتذكر خطوبة شقيقها أكرم فأبتسمت وهي تظن أن كنان بالتأكيد سيأخذها حتى لو لم تطلب هذا.
لتقف فريدة أمامها تنظر لها بتشفي:
- أرى أنكِ أصبحتي زوجة تعيسة يا ورد.
وانصرفت من أمامها وهي تهتف بسخرية:
- انتبهي لحالك عزيزتي.
وانصرفت فريدة نحو وجهتها حيث طبيب التجميل الذي حدثتها عنه إحدى صديقاتها وقد وقعت في غرامه.
***
جلست رقية تقص لمهرة ما تفعله مع مراد. لتضحك مهرة بصخب:
- كده انتي هتشليه قريب، كفايه عليه.
لتهتف رقية وهي ترتشف من كأس العصير خاصتها:
- لازم أنتقم منه.
فضحكت مهرة بلطف واقتربت منها تنصحها وكالعادة تنصح وتنسى نفسها.
- بس لعبة القط والفار ساعات بتبوظ يا رقية، وإيه مراد اعترف بحبه وإنه كان غبي وأعمى.
فحركت رقية رأسها مؤكدة على كلامها:
- آه غبي وأعمى.
لتطالعها مهرة مبتسمة ثم ضحكت:
- لأ، إحنا عايزين نرجع لرقية الهادية الرقيقة وبعد ما تتجوزيه إنتي حرة.
لتضحك رقية في تلك اللحظة ناظرة حولها:
- هو جاسم في مكتبه صح؟
وأشارت لمهرة كي تقترب منها. فأقتربت منها مهرة متسائلة:
- مالك بتبصي حواليكي كده؟
لتهتف رقية بهمس:
- هو إيه النظام بينك وبين جاسم؟ زي الأفلام والمسلسلات؟
كده ولا الطبيعي بتاعنا؟
وغمزت لها رقيه لترتبك مهرة. فضحكت رقية على ارتباكها مصفقة:
- لأ شكلك أستاذة يا مهرة، اديني يلا نصايح.
وبدأت مهرة تنصحها ورقية مندمجة معها، ولم ينتبهوا لاقتراب جاسم منهم والذي التقطت أذنيه تلك الجملة:
- خليكي أنثى رقيقة.
وهنا انتفضوا هما الاثنان ولم تكمل مهرة باقي حديثها. لتنهض رقية فوراً هاتفة بخجل:
- معلش ديما عاملالكم إزعاج.
ليحدق جاسم بمهرة التي وقفت مرتبكة:
- تنوري في أي وقت يا رقية.
وأشار نحو مهرة:
- ممكن دقيقة بس يا حبيبتي.
فسارت مهرة خلفه. ووقفت رقية تنظر لهم بحالمية ثم ابتسمت وهي تتذكر مراد.
وقف جاسم يحدق بمهرة بصمت لتتسأل:
- في حاجة ولا إيه يا جاسم؟
فهتف جاسم بهدوء:
- لأ، متقلقيش بس كانت عايز أقولك إن ريان جاي يتعشى معانا النهارده.
فحركت رأسها بتفهم:
- تمام، هبلغ مدام هدى وفوزية.
وكادت أن تنصرف. ليجذبها إليه هامساً بمكر:
- أنثى رقيقة يا مهرة، طب انصحي نفسك يا حبيبتي واشفقي على جوزك الغلبان.
لترفع اصبعها نحو صدره:
- إنت غلبان.
وانصرفت من أمامه ولكنه عاد يجذبها مجدداً:
- طب أنا عايزك كده، دلعيني شوية بدل ما كل الناس بتتدلع إلا أنا.
فعادت تحدق به ثم رفعت يدها نحو جبينه تتحسسه:
- لأ مش سخن.
فأبتسم وهو يجذبها إليه مرة أخرى:
- جاسم إنت هتعمل إيه؟
لتلمع عين جاسم بمكر:
- وحشتيني.
فدفعته عنها ثم انصرفت لتذهب لرقية التي تنتظرها. فوقف جاسم يحدق بها مبتسماً:
- مراتي بتنصح وهي محتاجة اللي ينصحها.
***
عادت مرام من رحلة عملها ولم تفكر أن تسأل عما فعله صغيريها في غيابها، كل ما فعلته أنها أخذت تقص له عن انبهارها.
- مؤتمر كان رائع يا كريم، وقابلت فيه شخصيات كتير مهمة.
وظلت تثرثر وتثرثر إلى أن مل وهتف:
- مرام ممكن تنسي شغلك شوية في البيت، المفروض ده وقتي ووقت أولادنا.
فأقتربت منه بدلال وعانقته:
- ما أنا متحمسة أوي وعايزة أشاركك حماسي.
فمسح على وجهها برفق:
- أنا مبسوط أنك بتنجحي يا مرام، بس ده ميمنعش إني مفتقدك.
فلمعت عيناها وهي تدفن وجهها بصدره:
- أوصل لحلمي بس يا حبيبي وأبقى سيدة أعمال وأنا كلي ليك.
***
وقفت سهير أمام أكرم في بيت غريمتها، ورغم حنقها من وجودها هنا إلا أنها أتت كي تعيده لها. فعندما علمت بمساعدة مهرة له اشتعلت الغيرة داخلها وخشيت أن تسرقه منها وقررت أن تتقبل هزيمتها تلك المرة على أن يبتعد عنها أولادها.
- كده يا أكرم تهون عليك أمك حبيبتك؟
جاءه صوتها ضعيف منكسر مما جعله يتراجع للخلف. لتدخل الشقة تنظر حولها بأمتعاض ولكن أخفت امتعاضها كي تعود به.
- اتفضلي يا ماما.
لتجذبه سهير لأحضانها سريعاً وهي تبكي:
- موافقة يا حبيبي خلاص على جوازك من البنت اللي بتحبها، مدام ده هيريحك.
ثم هتفت بقلة حيلة وهي تتمنى أن لا تتم تلك الخطبة.
لتتهلل أسارير أكرم بحبور:
- بجد يا ماما؟
لتلوي سهير شفتيها وهي ترى مدى سعادته:
- مالك فرحان أوي كده يا ابن بطني، هي البنت دي عاملالك إيه؟
فضمها إليه، فمهما كان هي أمه حتى لو بها جميع خصال الدنيا السيئة.
- بحبها يا ماما.
فظهرت الغيرة على وجه سهير ولكن تمالكت نفسها ومسحت على شعره وهي تهتف داخلها:
- كانت فاكرة بنت زينب أنها تقدر تاخد ابني مني، وتبقى هي الشهمة الحنينة.
***
وقفت ريم في غرفة الاجتماعات تعطي ريان الأوراق المطلوبة وعيناها صائبة على ياسر الذي تجلس جواره رفيف تحاوره بعملية محكمة. كانت تنظر إليه بهيام وشرود، وعندما رفع ياسر عيناه نحوها، حدق بها للحظات ثم أشاح عيناه بعيداً عنها معنفاً نفسه عما فعل.
وفاقت ريم من شرودها على طرقعت أصابع ريان:
- ريم.
لتنتبه ريم له وأرتبكت وهي تتسأل:
- أفندم ريان بيه؟
فأبتسم لها ريان معطياً لها الملف:
- انسخي منه نسخة من فضلك.
لتنصرف من أمامه سريعاً. فألتف ياسر نحو ريان الذي أخذ يحرك يده ببطء على ذقنه وهو لا يفهم سبب لرقة تعامله مع ريم، رغم تعامله القليل مع ريان إلا أنه يعلم أنه ليس لين في طباعه مع أحد وخاصة لو كانت موظفة لديه.
***
جلست مهرة بجانب هدى الباكية تستمع لقصتها مع ابنها العاق الذي طردها من شقتها من أجل زوجته. فربتت مهرة على يدها لتسمع صوت فوزية الحزين:
- كل النار دي جواكي يا ست هدي.
ولوت شفتيها بأمتعاض وهي تقلب الطعام:
- اللي يعيش ياما يشوف.
أما مهرة كانت تنظر لها بتعاطف لا تعلم كيف تساعدها. فترجتها هدى:
- نفسي أشوفه أوي يا مهرة، سمعت أنه باع الشقة وأخد شقة تاني.
فطالعتها مهرة بحنو:
- بعد كل اللي عملوه معاكي، عايزة تشوفيه؟
فأخفضت هدى رأسها بحزن:
- بكرة لما تبقي أم هتعرفي يا بنتي.
فأخذت تحدق في هدي إلى أن سمعت صوت جاسم يهتف باسمها. وفور أن خرجت من المطبخ، وجدت معه نرمين تحمل حقيبة بها حاسوبها، فيبدو أنها سترافق جاسم لهنا أيضاً.
فأقترب منها جاسم وعانقها بحب:
- لسه تعبانة؟
فحركت رأسها بنفي. ليتمسح على وجهها بدفء.
إلى أن تنحنحت نرمين بخجل. فهتف جاسم:
- اتفضلي يا نرمين لغرفة المكتب.
فوقفت مهرة تنظر إلى نرمين التي نفذت ما أمر به:
- حبيبتي في أوراق مهمة لازم أراجعها.
فأمتعضت مهرة منه:
- وإيه جاب الآنسة نرمين؟
فضحك جاسم عليها:
- شغل يا حبيبتي.
واتجه نحو غرفة مكتبه هاتفا:
- بلغي هدى تعمل اتنين قهوة.
وترك الباب مفتوحاً وبدأت نرمين تعطيه بعض الأوراق وتناقشه فيها وهي وقفت تنظر لهم إلى أن انصرفت عائدة للمطبخ تطلب من هدى صنع القهوة.
ولكن ثلاث فناجين وليس اثنان، فهي سترافقهم.
وبعد عشرون دقيقة كانت تتقدم بفنجانين القهوة. لينظر جاسم للفنجان الثالث وقبل أن يتسأل وجدها تجلس على الأريكة وتهتف ببراة:
- معلش هقعد معاكم أشرب قهوتي وأقرأ كتاب.
فأبتسم جاسم على غيرتها ثم طالعتها نرمين بأرتباك.
ومر الوقت إلى أن انصرفت نرمين. ووقف جاسم يحدق بمهرة التي وضعت أحد الكتب أمام عينيها كي تداري نظراتها نحوهم.
فجذب منها الكتاب ضاحكاً:
- طب ما كنتي أخدتي قهوتك وقعدتي في الجنينة.
فلمعت عيناها ونهضت بهدوء:
- لأ، القاعدة هنا كانت لطيفة.
فطالعها جاسم مبتسماً وطاوق خصرها:
- أي مكان إنتي قاعدة فيه يا حبيبتي لازم يبقى لطيف وجميل.
فأتسعت ابتسامتها وطاوقت عنقه بدلال:
- النهاردة درس السواقة بتاعنا.
فأبتعد عنها جاسم هارباً:
- كان أسوأ عرض عرضته عليكي، وأنا اللي بدفع تمنه.
فضحكت وهي تضرب كفوفها ببعضهم:
- إنت مش بتصبر عليا، يومين وزهقت مني مع إني بفهم بسرعة.
فطالعها جاسم غامزاً:
- بتفهمي بسرعة والعربية اللي دمرتيها، نسيتي ولا أفكرك؟
فطأطأت رأسها وهي تفكر في حيلة:
- كنت مرهقة ومش مركزة.
فصدحت ضحكات جاسم بعلو وهو يعانقها:
- تعالي نأجل درس السواقة، وناخد درس تاني مهم ومفيد.
وعندما فهمت مغزى حديثه دفعته عنها بخجل:
- جاسم.
فأبتسم بمكر:
- عيونه.
***
إلى الآن لم يحادثها كنان بأمر ذهابهم لخطبة شقيقها التي ستتم بعد أسبوع من الآن، فقررت أن تسأله وهي نائمة على صدره:
- كنان أريد أن أذهب لخطبة أكرم.
ليهتف كنان بهدوء مخبراً إياها:
- لن نسافر يا ورد، فأنا سأسافر لإيطاليا وسأظل شهر هناك.
لتتسع عين ورد:
- شهر وأنا كنان؟
وكانت إجابته ما لم ترغب في سماعه بل وصدمتها:
- ستظلين هنا يا ورد مع والدتي.
***
هبطت مهرة من البناية التي يعيش بها ابن السيدة هدى وهي تعرج، فقد دفعتها زوجته من باب الشقة فالتوى كاحلها على الدرج. وعندما لمحها السائق، اقترب منها سريعاً يعطيها هاتفه:
- جاسم بيه عايز حضرتك يا مدام.
وناولها الهاتف لتتذكر أن هاتفها قد انتهى شحنه فور أن هاتفت هدى وأخبرتها عن عنوان ابنها الحالي.
كان أملها أن يرق قلب ذلك العاق، ولكن مثل والدها يسير خلف زوجته.
وألتقطت الهاتف من السائق. فصدح صوت جاسم الغاضب:
- إنتي فين؟
فأرتجف جسدها ونطقت بخوف:
- أنا كنت في مشوار كده.
ليهتف جاسم بجمود:
- تيجي على البيت حالا.
وأغلق الخط بوجهها. لتقف تنظر للهاتف برجفة داخلها.
ثم نظرت للسائق لتجده يتقدم أمامها.
وبعد نصف ساعة كانت تصعد بعض الدرجات وتمسك حذائها بيدها وتعرج على قدمها بألم.
لتردف للداخل.
فوجدت جاسم ينتظرها في بهو المنزل، يضع كلتا يديه في جيب سرواله ويحدق بها بهدوء شديد. عيناه مركزة على خطواتها وهيئتها غير المرتبة.
رواية لحن الحياة الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سهام صادق
وقفت تحدق بنظراته المبهمه والتي فهمت سببها فور أن جاءت هدي مطأطأة رأسها أرضًا، فيبدو أنها أخبرته عن وجهتها بعد أن سألها عنها. ولكن الحقيقة، في الوقت الذي كان يهاتفها ويزفر أنفاسه بحنق عند سماعه الرسالة الصوتية المسجلة بأن الهاتف الذي يطلبه غير متاح، كانت هدي تضع أمامه قهوته في غرفة مكتبه. قلقت عليها، فأخبرته عن مكانها، وها هم الآن يقفون ثلاثتهم. ولكن هدي انسحبت عندما اطمأنت على قدومها، وحزنت لما أصابها وسيصيبها من بطش جاسم.
- كنتي فين؟
سألها بهدوء وعيناه معلقتان على قدميها. اقتربت منه ببطء بسبب قدمها وأخبرته الحقيقة كاملة.
- كان نفسي أقدر أساعدها يا جاسم.. وأوصل رسالتها لابنها.
وتابعت وهي تنظر إلى ملامحه الجامدة.
- انت أكيد فاهمني.
فطالعها هو ساخرًا.
- انتي فاكرة نفسك إيه بتهورك ده؟ انتي ليه ديما بتنسي أنك زوجه وإنسانة مسؤولة؟
ثم تابع بتهكم.
- طب اتصلي بجوزك المغفل اللي قاعد قلقان عليكي.. واحكيله عن بطولتك العظيمة يا أستاذة.
وربت على وجهها ببرود.
- مهرة ياريت تختفي من قدامي حالًا.
فهتفت برجاء وهي تعلم أنها أخطأت، ولكنها قد اعتادت على تلك الحياة.
- جاسم أنا مغلطتش.
فأشار لها بأن تصمت. يكفيه قلقه عليها، يكفيه رؤيتها بتلك الهيئة. يكفيه تخيل الكثير من السيناريوهات وهي في بيت أناس لا تعرفهم، بل وذاهبة من أجل رجل. والآن تخبره أنها لم تخطئ.
- مهرة اطلعي أوضتك ممكن.. ولا أقولك حاجة أحسن، أنا خارج.
وانصرف من أمامها، لتطالعه بعدم تصديق أنه تركها.
فوجدت هدي تقترب منها بخجل.
- صدقيني يابنتي غصب عني.. لما لقيته قلقان عليكي اضطريت أقوله.. أنا كمان قلقت عليكي.
ونظرت لهيئتها.
- واهي النتيجة.
كانت مهرة مازالت تنظر للفراغ الذي أمامها وكيف تركها جاسم هكذا. ومدت هدي يدها إليها كي تساعدها، فصعدت معها لأعلى وعقلها مشغول معه.
***
عاد ليلًا بوجه مرهق ومازال حقده من فعلتها لم يذب. وأردف للغرفة بوجه عابس، ليجدها تمد قدمها المصابة على الوسادة وتنتظره. وأول ما رأته اعتدلت في جلستها.
- جاسم انت اتأخرت كده ليه؟ قلقتني عليك.
لم يرد على سؤالها وأخذ يزيل سترته ثم بدأ يفك أزرار قميصه بصمت.
- انت لسا زعلان مني؟ خلاص أوعدك هقولك كل حاجة قبل ما أعملها.
صمته زادها إحباطًا وحزنًا. فلو كان الأمر في الماضي ما كانت حزنت، ولكن قلبها الآن معه. نهضت من فوق الفراش وحيلة ظريفة لمعت بعقلها سريعًا.
رغم أن قدمها ووجعها قد هدآ، إلا أنها قررت أن تسقط نفسها من فوق الفراش وهي تنهض.
- آه.
كان يوليها ظهره متجهًا لغرفة الملابس، ولكن عندما سمع تأوهها التف سريعًا نحوها بقلق.
وبخطى سريعة كان يجثو أمامها.
- انتي إيه اللي خلاكي تقومي من على السرير؟
فهتفت بعبوس.
- عشان أصالحك.
فابتسم ثم عادت ملامحه للجمود مجددًا، فهو يريد أن يعاقبها على تهورها الذي يخاف عليها منه. وحملها برفق ووضعها على الفراش متسائلًا بحنان.
- بتوجعك أوي؟
فحركت رأسها كاذبة وداخلها يتراقص من الفرح لاهتمامه.
- أوي أوي.
فمسح على وجهها معاتبًا.
- ومدام بتوجعك أوي كده متصلتيش عليا ليه؟
ثم مسك يدها.
- تعالي غيري هدومك نروح المستشفى.. يمكن يكون كسر.
كانت سعيدة بل وتريد أن تقفز من السعادة بأن حيلتها قد خالت عليه.
- لاء أنا كويسة متقلقش.. ده التواء ومع المرهم والراحة هيخف بسرعة.
فرفع قدمها إليه وبدأ يدلك برفق وهي تجلس منسجمة مما يفعل.
- آه براحة يا جاسم.
لحظة دلع ودهاء قررت أن تسير بهم. فيبدو أن فوائدهم تأتي بثمار رائعة. ووضعت بيدها على يده التي تدلك قدمها بلين.
- خلاص أنا بقيت كويسة.
فنهض من جانبها ونظر لها وكأنه يخاطب طفلة.
- شوفتي آخرت تهورك.
فطأطأت رأسها وأخذت تحركها بأن الحق معه.
وكل ما عاتبها على شيء، تحرك رأسها دون كلمة. فلعبة الشد الآن لن تأتي بشيء، والهدوء والصمت والدلال حقق كل شيء.
وابتسمت وهي تشعر بملمس شفاه على جبهتها.
- اللي عملته ده من قلقي وخوفي عليكي يا مهرة.
ومسد وجهها بدفء، لتنظر إليه بحب يزداد كل يوم داخلها نحوه.
***
أبدل ملابسه وعاد يتسطح جانبها ضاربًا بكل قراراته عرض الحائط واحتواها بين ذراعيه.
- مرتاحة كده؟
فابتسمت بسعادة.
- مرتاحة جدًا جدًا.. ومبسوطة انبساط.
تعجب جاسم من سعادتها وطريقة حديثها وضمها إليه وقرر أن يشاكسها.
- بس أنا مش مبسوط يا مهرة.
فحدقت به بقلق.
- ليه؟ انت لسا زعلان؟
فحرك رأسه ببطء. لتمد أناملها تمسح على وجهه ثم قرصت وجنتيه بخفة.
- متزعلش ياحبيبي.
وعندما مال عليها كي يقبلها، صدى رنين هاتفه. لتنظر إليه متسائلة بشك.
- مين اللي بيتصل بيك دلوقتي؟
فضحك وهو يبتعد عنه وفكر بأن يلعب على وتر غيرتها من نرمين.
- أكيد دي نرمين.
وفي لمح البصر وألم قدمها البسيط الذي لم يكن يستحق كل هذا الدلال والألم، انتفضت من فوق الفراش للجهة الأخرى والتقطت هاتفه من فوق منضدة الزينة.
ليحدق بها جاسم للحظات وهو يرى حركتها وكأن ليس بها شيء. لم يكن المتصل نرمين، فقد كان ريان.
ونهض من فوق الفراش يحرك يده على خصلات شعره وينظر لها ولقدمها. لتبتلع ريقها بتوتر وعرجت على قدمها.
- آه بتوجعني وبعرج آه.. شوفت.
وتابعت بصدق.
- هو المرهم سكن الوجع والوجع بسيط.. بس بتوجعني.. خد بالك مبكدبش أنا.
كان مع كل كلمة تنطقها، يقترب منها بتمهل ثم التقط منها هاتفه وأغلقه.
- بتمثلي عليا يامهرة؟ لاء مهنة المحاماة طلع ليها فايدة آه.
وقبل أن تهتف باسمه، حملها من خصرها وألقاها على الفراش.
- جنيتي على نفسك النهارده.
- اسمعني بس.
وخرج صوتها الذي ضاع وسط عقابه الممتع.
***
نظر بشير إلى كنان الجالس يطالع بعض الأوراق بجدية ومازال حانقًا من عمل سيلا معه. فرفع كنان عيناه نحو بشير.
- أنت خائف أن لا تكون نسيت حبها بشير؟
فانصدم بشير مما تفوه به كنان.
- كنان أنت تعلم؟
فحرك كنان رأسه بالإيجاب متنهدًا.
- وحزنت أنك لم تخبرني بالأمر. علمت حكايتكم قبل ذهابي لمصر من أجل إتمام مشروع المنتجع.
فجلس بشير على أقرب مقعد واضعًا رأسه بين كفيه.
- أعلم أنك انسحبت من أجلي.
ثم نهض كنان من فوق مقعده ليجلس على المقعد الذي أمامه رابتاً على فخذيه.
- أنا لم أحب سيلا وهي هكذا. كل منا اكتشف مشاعره الحقيقية نحو الآخر بعد أن تم ارتباطنا.
وتنهد بأسف.
- أنا لم أعرف الحب إلا مع ورد بشير.
فابتسم بشير وهو يرى حب صديقه لزوجته. رغم أنه لم يتقابل مع ورد غير مرات قليلة، إلا أنه يتعاطف معها بشدة ودومًا تخبره ليليان عن طيبة قلبها وبرآتها التي لا يستحقها كنان، الذي كان فيما مضى رجلاً عابثًا. فكيف لرجل عابث من نظر شقيقته يقع بحبه ملاك مثل ورد.
- كنان أنا انتهيت من عشقي لسيلا. سيلا لا تحب غير المال.
فزفر كنان أنفاسه بقوة وهو يعلم أن سيلا مثل والدته، عاشقات للثراء.
***
ضاقت أنفاس ورد من كثرة البكاء. لم يشك أحد من عمال المطبخ بالأمر لأنها كانت تقطع البصل، فقد وجدت فرصة بأن تبكي. كانت تتخيل أن قصة حبها مع كنان لن تكتمل وستعود لشقيقتها امرأة مطلقة تحمل همها وتدفع ثمن إصرارها على قبول الزواج وعدم الاستماع لمخاوف شقيقتها من اختلاف الأوطان.
***
نفض كنان يده سريعًا بعد أن وضعت عائشة بيدها على يده. فحدق بها بجمود.
نعم هو منجذب لها، ولكن ليس انجذابًا جسديًا أو رغبة. انجذاب سيعرفه قريبًا، فالمحقق الذي طلب منه كافة المعلومات عن عائشة بدأ عمله في التحري عنها.
- آسفة سيد كنان.
فتنهد كنان بضيق.
- لا تفعلي هذا الأمر مجددًا هازان.
ناداها باسم شقيقته، لترتبك هي خائفة من أن يعرف الحقيقة بتلك السرعة وعادت لثبوتها.
- هازان.. من هذه هازان؟
ليشعر كنان بالشوق إلى شقيقته التي كانت كالأبنة بالنسبة له. فحين ولدت هازان كان بعمر العاشرة، ولم يعلم بأن أصبح لديه شقيقة إلا عندما عاد من عند جديه لوالده واللذان كانا لا يحبان والدته ولا يحبان ذكر اسمها.
- إنها شقيقتي عائشة.
فشعرت عائشة بحزنه الحقيقي على توأمها. وكم يحبها ابن فريدة التي قهرت والدتها وطردتها من المزرعة وهي في نفاسها.
***
ابتسم مراد بسعادة وهو يرى رقية تنتقي شبكتها.
فأخيرًا رقية وافقت على الخطبة. كانت كالطفلة وهي تختار ومراد كان تارك الأمر لها ولوالدته التي كانت سعيدة للغاية.
واقتربت منه رقية تريه ما اختارته.
- إيه رأيك يا مراد؟
فابتسم لها مراد بحب لا يعلم أين كان مختبئًا.
- جميل ياحبيبتي.
فأرتبكت ثم نظرت لخالتها التي تطالعهم مبتسمة.
- أنا اللي هختارلك دبلتك.
فتمتم مراد برفض.
- بس أنا مبحبش ألبسها يارقيه.
فحدقت به رقية بشراسة. أيقول لها أنه لا يحب أن يرتدي خاتم زواجهم، وصك ملكيتها له والذي ستطبع عليه اسمها من الداخل.
- لاء هتحبها عشان خاطري يامراد.
وضغطت على أسنانها بغيظ. ليضحك على أفعالها.
- ولما أقول عليكي طفلة بتزعلي.
فكشرت بوجهها. فأتسعت ابتسامته.
- معتذرين لجانبك يا ليدي رقية.
فعادت ملامح رقية للرقة وبصوت رقيق تسألت.
- هتلبس الدبلة.. صح؟
فتنهد بيأس.
- أمري لله.
***
اتسعت عين ريم وهي تستمع لأمر ريان في الذهاب معه لرؤية المشروع الذي يُنشئ في شرم الشيخ.
- بس أنا يافندم مينفعش أسافر.
فطالعها ريان بجمود. فهو اختارها لتكون قريبة منه ويستطيع إغواءها بأحكام، والآن هي ترفض ذلك.
- أنسة ريم ده أمر.. ولا بد أن يُنفذ.. نحن لا نلعب بالشركة.
فأخفضت ريم عيناها وهي لا تعلم كيف تشرح له أنه أمر يستحيل عرضه على والديها. وهتف بصوت حازم وجاد.
- عودي لمكتبك.
وفور أن خرجت من غرفة مكتبه وجدت ياسر يردف.
- باشمهندس ريان موجود ياريم.
فوجدت ريم الفرصة بأن تترجى ياسر أن يجعل ريان يختار غيرها.
- مستر ياسر ارجوك قول لريان بيه إن مينفعش أسافر معاه.
فحدق بها ياسر بصمت وهو يعلم أن من كانت ستسافر مع ريان واحدة غيرها. فياسر أزالها من ذلك الموضوع لأنه يعلم ظروفها ورفض أهلها للأمر.
***
نظرت بسمة نحو مرام التي أخذت تمسد كف كريم بدلال وتارة تطعمه بشوكتها وتقص لها عن زواجهم وحبهم.
كانت بسمة تسمعها بقلب يتقطر ألمًا، تخبرها عن حياة تمنتها ولكن تبخرت كل أحلامها على يد ذئب لعين اغتصبها.
ابتلعت غصة بحلقها ثم أخفضت رأسها نحو طبقها وهي تتمنى أن تنتهي تلك العزيمة سريعًا، وتفر هاربة تختبئ خلف جدران منزلها وتبكي.
"بسمة، أنا حقيقي مش عارف أشكرك قد إيه على اهتمامك بالأولاد، بس أكيد انتي بقيتي فرد من العيلة."
هتف بذلك كريم وهو يطالع مرام التي تمضغ طعامها مؤكدة على كلامه.
"أكيد يا حبيبي، بسمة بقت واحدة منا."
فطالعتهم بسمة وهي تحاول رسم ابتسامة على شفتيها.
"أنا معملتش حاجة لكل الشكر ده يا أستاذ كريم."
وتابعت بهدوء تداري به ما بقلبها.
"ده شيء يسعدني أن يبقالي أخوات زيكم في الغربة."
فابتسم كريم بلطف وكل يوم يشعر بالتعاطف معها أكثر، وأصبح ينظر لها بأنها امرأة عطوفة حنونة.
أما مرام كانت تأكل سارحة في الإنجاز الذي حققته وسيسعد جاسم وسيجلعها دومًا بالمقدمة لديه.
نظر جاسم لمهرة وهي تجلس تتناول عشائها بصمت فسألها بقلق.
"سكوتك ده إما مصيبة بتفكري تعمليها أو قلقانة على ورد."
وضحك وهو يجدها تمط شفتيها بتذمر.
"أنا بعمل مصايب يا جاسم."
فابتسم بحب.
"مالك يا مهرة."
فتنهدت بشوق لشقيقتها.
"ورد مش هتيجي خطوبة أكرم، وحشتني أوي."
فتناول كفها بحنو ونظر لعينيها الدامعة.
"أكيد يا حبيبتي، كنان مشغول، وكمان دي خطوبة يعني مش مستاهلة، أوعدك قريب آخدك تركيا بس لما أخلص من المشروع الحالي اللي أنا فيه."
فاتسعت ابتسامتها وقفزت من فوق مقعدها تعانقه وتقبله.
"بجد يا جاسم، قول بجد."
فصدح صوت ضحكاته.
"بجد يا قلب جاسم."
فخجلت من عبارته وتمتمت برقة.
"انت طلعت طيب وجميل أوي."
فضحك على تلقائيتها التي أصبحت تتحدث بها معه دون قيود، مهرة كان ينقصها أن تشعر بالحب والاهتمام الحقيقي وأنها ذات قيمة لدى أحد ثم تعطيه كل شيء داخلها، وها هو بدأ يحصد ما زرعه معها، فقد كان مزارعًا ماهرًا.
وعبس بوجهه قليلًا.
"يعني أنا مكنتش جميل وطيب."
فابتعدت عنه وطالعته بمشاغبة.
"عايز الحقيقة ولا بنت عمها."
فضحك باستمتاع.
"لاء بنت عمها."
فطالعته بمكر اكتسبته منه.
"كنت شرير."
ثم فرت بعدها هاربة منه، لينهض من فوق مقعده راكضًا خلفها.
"مهرة استني عندك، أنا شرير."
وصعد الدرج خلفها، لتقف فوزية تطالعهم بمعتبة.
"ياسلام يا ولاد، ييجي المنيل على عينه جوزي يشوف."
وأنتفضت فوزية على صوت هدى وهتفت بتساؤل.
"بس هو بيجري وراها ليه."
ورفعت إحدى حاجبيها.
"عيب يا فوزية."
وصدح صوت هدى اليائس منها، لتركض لها فوزية حانقة.
جلست ورد على الفراش بحزن، إلى أن انفتح الباب ودخل كنان الغرفة بإرهاق من كثرة العمل وتفكيره في ربط ما وصل به المحقق، فوالدة عائشة من نفس الضيعة التي كان بها أحدى مزارع والده وتم بيعها قديمًا.
ووقعت عيناه على ورد الجالسة.
"ما زلتي حزينة يا ورد، حبيبتي سأبعث لأكرم هدية بمناسبة خطبته لا تقلقي."
فرفعت عيناها نحوه.
"أنا لست حزينة على هذا الأمر يا كنان، أنا حزينة لأنك ستسافر شهر وستتركني بمفردي."
وبكت بحرقة، سيتركها مع والدته التي لا تحبها وتتفنن في إذلالها، سيسافر بنفس الليلة التي ستكون بها خطبة شقيقها.
فشعر بالألم لما وصلت به حياتهم، ولكن كل شيء سيعود عندما يعود من سفرته ويريح عقله قليلًا ويفهم ما تريده نفسه، فهو أصبح يشعر كأنه مريض نفسي.
وتعالت صوت شهقاتها، ليسرع في ضمها.
"لا تبكي يا ورد، حبيبتي ارفعي عيناكِ لي."
فرفعت عيناها المخبئة بين كفيها، فأبتسم لها.
"حتى وأنتي باكية ملاك يا ورد."
فخجلت من مغازلته التي تشعرها بأنه ما زال يحبها.
وأخذ يمسح دموعها بشفتيه، لتسقط حصونها بين دفء قبلاته.
وقفت مهرة تطالع شقيقها وسعادته بخطبته للفتاة التي اختارها قلبه، وسهير تسير بالشبكة الفخمة التي جلبتها أمام المدعوين حتى أتت نحوها.
"محدش يقدر ياخد ابني مني يا بنت زينب."
وعندما لمحت جاسم قادم نحو مهرة ابتسمت بخبث.
"منور يا جاسم بيه."
فبارك لها جاسم واحتوى خصر مهرة مبتسمًا بعدما رحلت سهير ممتعضة، وإلى الآن لا تصدق كيف أوقعت ابنة زينب رجلًا مثل هذا.
"مالك يا حبيبتي مكشرة كده."
فخبأت سبب عبوسها عنه وابتسمت.
"أنا مبسوطة بس حاسة إن معدتي وجعاني."
شعر بالقلق عليها ولكن طمأنته.
"أنا بخير متقلقش."
وسقطت عيناها على والدها الجالس بجانب والد ضحى ولم يفكر للحظة أن يرحب بها، وكأنها ليست ابنته، تشعر باليتم رغم أنه على قيد الحياة.
وسمعت صوت خلفها فألتفت هي وجاسم نحو كرم، الذي فور أن رآه جاسم لم يرتاح له، فهو ما زال يتذكر فعلته، ولكن مهرة ابتسمت له بلطف، ففي الآونة الأخيرة أصبح يهاتفها ويطمئن عليها بعد أن أخذ رقمها من أكرم.
"إزيك يا كرم."
وتفاجأت من رد فعل كرم الذي احتضنها تحت نظرات جاسم وسهير التي كانت تشعر بالغل داخلها، أما أكرم ابتسم بسعادة.
تركها في صالة المطار، ليحادث المحقق بعد أن بعث له برسالة بضرورة مهاتفته.
كانت عائشة سعيدة بأنها ستسافر معه ذلك الشهر، وهنا ستحاوطه بشدة وتنفذ ما رغبت به عندما عملت لديه، وها هي الفرصة أتت بعيدًا عن زوجته.
ستجعل شقيقها يحبها حب رجل لامرأة، ثم.
وارتسمت السخرية على شفتيها وهي تتخيل هذا اليوم.
ولمحت كنان عائد نحوه ووجهه يطالعها بنظرة غامضة لم تفهمها.
حضرت له حقيبة سفره بتعب وهي تتذمر على سفرته تلك.
"يا مهرة يا حبيبتي هما يومين بس."
وجذبها نحوه يمسح على وجهها الشاحب.
"أنتي مش عاجباني من امبارح، فيكي إيه."
فدفنت وجهها بصدره.
"هو ضروري تسافر الإمارات."
فتنهد وهو يربت على ظهرها.
"لازم يا حبيبتي."
ووجدها فجأة تدفعه وتركض نحو المرحاض تتقيأ.
فخطى خلفها بقلق.
"لاء قومي البسي أوديكي للدكتور قبل ما أسافر وأطمن عليكي."
ورن هاتفه في تلك اللحظة، ليتحدث مع شريكه في الإمارات وضرورة قدومه.
فوجدت نفسها تمسد ذراعه بعد أن أغلق الهاتف وزفر أنفاسه بضيق.
"سافر ومتقلقش عليا."
ليضمها إليه بحب يخبرها بشوقه له وأنه لولا ضرورة ذهابه ما كان تركها وهي هكذا.
نظرت إلى نتيجة التحاليل بسعادة، وخرجت من المشفى وهي تعلم أنه سيأتي اليوم من رحلة عمله الذي غاب فيه أربعة أيام.
ورن هاتفها لتجد رقم مني، فتعجبت وكأن مني شعرت بشوقها، فأخبرتها أنه أتى الشركة أولًا لمطالعة بعض الأوراق.
فقررت أن لا تنتظر قدومه للبيت وستذهب له الشركة.
ووصلت للشركة أخيرًا بعد أن كانت تعد الدقائق.
لم تكن مني موجودة بمكتبها، فاتجهت نحو مكتبه وفتحت الباب دون أن تطرقه من شدة شوقها له.
ضحكاتهم كانت عالية ونرمين تخبره أنها أجمل رحلة عمل ذهبت إليها.
رواية لحن الحياة الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سهام صادق
تجمدت عيناها على هذا الموقف وصوت ضحكاتهم مازال يتردد في أذنيها.
وقفت نرمين من فوق مقعدها عندما رأتها.
أما جاسم، نهض بشوق ظاهر في عينيه وفتح ذراعيه لها.
"مهرة... تعالي يا حبيبتي."
الغيرة كانت تحرقها من الداخل حتى قدميها. أبت أن تتحرك من مكانها كعيناها التي مازالت تحدق بهم بصمت. صحيح أن الوضع ليس به شيء مريب، ولكن هي تغار بشدة عليه.
وأخذت تتفحص نرمين المرتبكة من قمة رأسها لأسفل قدميها.
وتحركت ببطء نحو جاسم حتى أصبحت أمامه، فضمها بشوق هامساً:
"وحشتيني... لولا أن كان لازم آجي على الشركة ضروري، كنت جيت فوراً على البيت."
وطبع بقبلة دافئة على جبينها.
ونرمين مازالت تنتظر أمر جاسم، هل تظل ليكمل مطالعة العقود أم تنصرف.
كانت مهرة تختلس النظرات نحوها بحنق وتتفحص ملابسها ورقة وجهها. نرمين مثال للأنثى ذات الوجه الرقيق الذي يجذب الأعين.
وتنهدت داخلها: ستستخدم دهاءها الأنثوي النابع من غيرتها.
"وأنت وحشتني أكتر يا حبيبي... مقدرتش أستنى لما مني قالتلي إنك وصلت."
وقبلته على وجنتيه ثم داعبت عنقه بلطف.
ليبتسم جاسم.
وهتفت بدهشة مصطنعة بعدما ابتعدت عنه وركزت بنظراتها على نرمين:
"أوه، ما أخدتش بالي إن آنسة نرمين موجودة معانا يا حبيبي."
كان جاسم يحتوي خصرها ويكاد أن ينفجر من شدة الضحك. فعيناها ستقتلع نحو نرمين وهي تقول له أنها لم تنتبه لوجودها.
وشعرت نرمين بالخجل من وجودها بينهم، وخاصة بعد تلك الجملة. فتمتمت معتذرة وهي تمد يدها نحو مهرة لتصافحها:
"منورة الشركة يا فندم."
ونظرت لجاسم برقتها الطبيعية:
"أستأذن أنا يا فندم... وهفضل موجودة في مكتبي أكمل الشغل اللي طلبته."
فحرك جاسم رأسه باعتراض، واحدي ذراعيه كانت تضم تلك التي وقفت تطالعهم بملامح هادئة عكس ما بداخلها.
"لأ، روحي ارتاحي... المفروض كنتي رحتي من المطار طول. حقيقي بشكرك يا نرمين، انتي اثبتي جدارتك في وقت قصير."
وابتسم وهو يطالعها بتقدير.
"هتبقي سيدة أعمال ناجحة."
فابتسمت له نرمين بخجل. فأطراؤه كان فخراً لها.
وكادت أن ترد عليه، ولكن نظرات مهرة المتفحصة نحوها أربكتها.
فأخذت الأوراق التي كانت تناقشها معه وتمتمت وهي تنصرف:
"شكراً يا فندم."
وأخيراً انتهى المدح والابتسامات اللطيفة، وانغلق الباب.
لتنفض مهرة ذراع جاسم الذي يحاوطها متسائلة:
"هو سؤال واحد وتجاوب عليه."
فابتسم جاسم وهو يعود لمقعده:
"اسألي يا حبيبتي... أنا برضه كنت شاكك في هدوئك واللطافة اللي كنتي فيها من شوية."
فقبضت على يديها بقوة ثم طرقت على طاولة مكتبه بغضب:
"نرمين كانت معاك."
فطالعها ثم عاد يطالع الأوراق التي أمامه:
"آه كانت معايا... وأكيد مش واخدها نتفسح، ده شغل يا مهرة."
فتذكرت مديح نرمين للرحلة وسعادتها.
فرفعت حاجبيها بضيق وقلدت صوتها بحنق:
"دي أجمل رحلة أنا روحتها."
وتابعت بغيره:
"دي كانت رحلة عمل ولا فسحة بتستجموا فيها."
فرفع جاسم عيناه نحوها بملل:
"تعرفي أنا بقالي يومين مبنمش... ومش مستحمل يا مهرة."
وسألها بجمود:
"انتي جيتي الشركة ليه؟ مش المفروض تستنيني في البيت زي أي زوجة بتستنى زوجها، ولا جاية تحقق معايا."
وقبض على الأوراق التي أمامه بغضب.
فارتخت أهدابها وقاومت دموعها وهي تتذكر سبب قدومها. أتت لتخبره عن حملها، عن الجنين الذي داخل رحمها، عن سعادتها وترى سعادته بالخبر.
وحملت حقيبة يدها بصمت ونظرت له وهو يحرك يده على وجهه بإرهاق.
"صح، أنا جيت ليه... معلش قطعت شغلك المهم."
وكادت أن تنصرف من أمامه.
فنهض يجذبها إليه بحنان:
"مهرة يا حبيبتي، بلاش التسرع اللي انتي فيه ده... نرمين موظفة عندي لا أكتر ولا أقل. وجودها كان لازم معايا، ده شغل يا مهرة. الرحلة عجبتها فده رأيها هي... نرمين إنسانة هايلة وعملية. غيرتك منها ديه ملهاش داعي ولا أسباب."
وأبعدها عنه برفق وابتسم ثم مسح على وجهها العابس:
"روحي على البيت يلا، وأنا هخلص شوية حاجات في الشركة وهاجي وراكي."
بعد أن كان حديثه لطيفاً وأهدأ غيرتها، انقلبت ملامحها مجدداً. فهو يمدح نرمين أمامها.
ونظرت له طويلاً، ولم تجد شيئاً تخرج فيه غضبها.
فالتقطت قلمه الموضوع جانباً وكسرته بغل.
ورحلت.
ليقف يحدق بها بيأس ثم انفجر ضاحكاً:
"يامجنونة."
وتنهد بحب وعشق حقيقي.
***
خرجت من الشركة نحو السيارة التي خصصها لها جاسم حانقة منه وقد انطفأت فرحتها. نرمين تلك التي تشغل بالها دوماً، وخاصة بعد مشكلة إحدى زميلاتها في مكتب السيد فؤاد وما فعله زوجها وزواجه من أخرى تعمل معه.
طيلة الطريق عقلها شارد وهي تقضم أظافرها بضيق وتحادث نفسها:
"هفضل أحرق في دمي كده كتير... لأ، والبه بيمدحها قدامي."
وضغطت على شفتيها بحنق ثم عادت تقضم أظافرها.
والسائق يطالعها من مرآة السيارة مندهشاً.
إلى أن وصلت الفيلا ووجدت هاتفها يعلو رنينه برقم أكرم.
"مهرة محتاج منك مساعدة... بس عشان خاطري، وافقي."
فتنهدت وهي تردف لداخل المنزل وتصعد الدرج:
"أنت مختار اليوم اللي أنا مش تمام فيه وتطلب مساعدتي."
ثم زفرت أنفاسها وهي تسقط بجسدها على الفراش:
"قول يا أكرم."
فشعر أكرم بضيقها:
"مالك يا مهرة؟ حد زعلك؟ سيبك مني أنا خالص دلوقتي."
فابتسمت لإحساس شقيقها بها وتمتمت بحب:
"لأ، قول محتاجني في إيه... متقلقش عليا، أنا كويسة."
فخجل أكرم من الأمر، ولكن لا أحد سيخدمه في ذلك الأمر إلا هي. فقد كان طلبه رفقتها ليوم كامل في منتجع كنان. فقد أهداه كنان يومان يفعل فيهما ما يشاء هناك هو وخطيبته التي فور أن علمت بالأمر رحبت به بشدة. فتلك فرصة ليلتقطوا صور خطبتهم هناك ويستمتعوا. ولكن والد ضحى رفض الأمر. فطلب منه أن ترافقه شقيقته كي تكون معهم ويطمئن قلبه. فلو ضحى كانت لديها شقيقها لأخذها.
استمعت للعرض بصمت. لم يروق لها الأمر في البداية، ولكن عندما تذكرت جملة نرمين وسعادتها بالرحلة، قررت أن تأخذ هي أيضاً رحلة لنفسها تستجم بها حتى لو ليوم واحد.
"مهرة، انتي معايا؟ جاسم مش هيوافق صح؟ أنا عارف إن جاسم لسه مسافر الإمارات."
لم يكن يعلم أكرم أن زوج شقيقته قد عاد من سفره اليوم.
"لأ، متقلقش. أنا بس بفكر... خلاص، عدي عليا يا أكرم، أنا جايه معاك."
فتهللت أسارير أكرم وضحي التي كانت تجلس بجانبه تنتظر كلمة الموافقة.
***
وضع النادل الطعام أمامه ثم اتجه لعائشة التي كانت تطالع ماحولها بسعادة. هذه هي حياة الترف التي حرمت منها وتمتع بها غيرها.
كان كنان يطالعها بسعادة حقيقية. كانت تظن أنها وصلت لهدفها لاهتمامه بها الشديد هذه الأيام، ولكن لا تعلم أن كنان بات يعلم بكل شيء، ولكن أراد أن يعوضها ثم يخبرها أنه لو كان علم بأمرها لبحث عنها.
صحيح هو ابن فريدة، ولكن تولى تربيته "جديه".
"مبسوطة يا عائشة؟"
فاتسعت ابتسامة عائشة وحركت رأسها سريعاً:
"أنا لسه لا أصدق أنني عملت كمساعدة شخصية لك سيد كنان."
فوضع كنان بيده على يدها وأراد أن يقول لها ناديني بأخي، ولكن تراجع عن الأمر.
"كنان فقط يا عائشة."
لترتبك عائشة من الوضع. وأبتسمت داخلها بأن خطتها بدأت تنجح على شقيقها وطأطأت رأسها متمتمة:
"سيد كنان، لا يصح هذا."
فأبتسم لها كنان بهدوء ورفع يده عن يدها ليشرع في تناول طعامه.
"نحن الآن أصدقاء يا عائشة ولسنا بالعمل."
وبدأ يأكل، مخاطباً لها:
"هيا تناولي طعامك."
فطالعته عائشة مبتسمة وبدأت تتناول طعامها ومن حين لآخر تختلس النظرات نحوه.
***
بعثت له رسالة تخبره أنها سترافق أكرم وخطيبته للمنتجع الخاص بكنان. ثم أغلقت هاتفها وابتسمت براحة. تعلم أنها ستقلب عليه حين تعود.
وصعدت سيارة أكرم وصافحت ضحى التي كانت سعيدة بالأمر. ليسألها أكرم قبل أن يقود سيارته:
"جاسم وافق؟"
فأشارت له بأن يتحرك:
"اطلع يا أكرم ومتسألش كتير."
فنظر لها أكرم للحظات ثم تحرك بسيارته.
"أنا قلقان منك... بس نطلع وماله، حد يلاقي استجمام ويقول لأ."
***
نظر جاسم لهاتفه بغل وبغضب. يعلم أنها فعلت ذلك عناداً به وضغط على أسنانه بقوة.
"مش هتتغيري يا مهرة بأفعالك المتهورة."
وخرج من مكتبه بخطى سريعة ويهاتفها، ولكن الهاتف أصبح مغلقاً.
وقبض على هاتفه يتوعد لها بالعقاب. وقرر أن يهاتف أكرم، ولكن هاتفه لا يعطي إشارة.
***
نظرت ليليان لورد التي تأكل طعامها بشرود، ثم نظرت لشقيقها الذي يتناول طعامه بضيق من أفعال صديقه. فماذا كان سيحدث إذا أخذه زوجته معه.
"ورد."
فانتبهت ورد لصوت ليليان التي تسألت بداعبة كي تجعلها تخرج من شرودها هذا:
"لم يمر سوى أيام على سفر كنان وأنتي أصبحتي هكذا. لهذه الدرجة يا ورد... المرة القادمة علقي بعنقه كالطفلة ولا تتركيه."
فأبتسم بشير. لتبتسم ورد هي الأخرى:
"تفعليها أنتِ ليليان مع زوجك مستقبلاً."
فحركت ليليان كتفيها بمشاكسة ونظرت لشقيقها:
"نعم، سأفعلها حتى لو دخلت داخل حقيبة سفره."
فضحكوا ثلاثتهم. فليليان تستطيع تغيير الأجواء بلطافتها. وأخذوا يثرثرون وقد اندمجت معهم ورد وهي تعد الساعات لتعود للمنزل وتحادث كنان الذي لا يكلمها سوى دقائق، ولكن هذا يكفيها. فهي تعذره، فالعمل بالتأكيد شاق عليه.
***
تجولت مهرة في المنتجع مع أكرم وضحي التي اكتشفت اليوم أنها ذات طبع فكاهي وبشوشة الوجه. الشمس قد اقتربت على المغيب والظلام بدأ يسدل ستائره.
وبدأت تنسى حنقها من جاسم. ومع المعاملة الرائعة التي يتعاملوا بها، كان كل شيء يروق لهم.
"أكرم، أنا تعبت من المشي. تعالوا نقعد ونتغدى... انتوا مش جايبني عشان أجوع."
فضحك أكرم عليها وضمها له:
"عنينا ليكي ولا إيه يا ضحى."
فابتسمت ضحى لهم هاتفة بسعادة:
"طبعاً، ده لولا وجودها معانا بابا مكنش وافق على الدعوة ديه."
واتحمست ضحى بشدة عندما وجدت عروس تزف في المجتمع ويبدو أنها ستلتقط هنا صور عرسها. فالمكان فخم ورائع.
وبعد دقائق كانوا يجلسون بالمطعم وأتى معاذ مخصوص لهم يرحب بهم وأخبرهم أن الغرف معدة لهم. وانتبه أكرم لهاتفه الذي يرن برقم جاسم. وعندما نطق باسمه، ارتجفت مهرة بخوف:
"أيوه يا جاسم... آه، مهرة قاعدة قدامي أهي."
مش عارف تليفوني ماله، الظاهر إنها من الشبكة.
- انت رجعت مصر النهارده؟
ونظر إلى شقيقته بعتاب.
- أنا مكنتش أعرف إنك هتوصل النهارده، لو كنتِ عارفة مكنتش أخدت مهرة.
كان الحديث يدور بين جاسم وأكرم، الذي استشعر بوجود خطب ما بين شقيقته وزوجها. وضع أكرم هاتفه جانباً بعد أن أنهى مكالمته مع جاسم.
- جاسم جاي المنتجع ربع ساعة ويوصل.
فاتسعت عين مهرة ونهضت فزعا.
- إيه! جاسم جاي!
وأخذت تلتف حول نفسها. فنظر لها أكرم بشك.
- مهرة، في إيه بينك وبين جاسم؟ وعملتي مصيبة إيه؟
فأستاءت من آخر جملة نطقها شقيقها.
- أكرم، أنا عايزة أروح أوضتي أرتاح.
وسارت من أمامه متجهة نحو الفندق، وهي تتخيل ردة فعل جاسم لها.
وحركت يدها على عنقها، وهي تهتف داخلها:
- أكيد هيخنقني.
فوقف أكرم يحدق بها متمتماً بحنق من تصرفاتها وينظر إلى خطيبته.
- أكيد في بينهم مشكلة.
...........................................
تفاجأت ورد بالضيوف الموجودين بالمنزل والموسيقى الصاخبة وصوت الضحكات تتعالى. كانت تمر بجانبهم وهي تنفر من الحياة التي تعيشها والدة كنان والتبرج الذي لا ترى فيه الحرام.
ووقعت عين فريدة عليها، فاقتربت منها بضيق.
- لا أريد رؤيتك في الحفل، مفهوم ورد؟
فأشاحت ورد عينيها بعيداً عنها. فهي تمقت الحياة التي تعيشها وتمقت حفلاتها وأصدقائها. ولولا خوفها من الله لكانت هاتفت كنان الآن وأخبرته عن كل صغيرة وكبيرة تفعلها والدته، ولكنها تكتم داخلها حتى لا تزيد الفجوة بينه وبين والدته.
- أنا أكره حفلاتك فريدة خانو، فلا تقلقي لن أخرج من غرفتي.
فابتسمت فريدة بزهو وتركتها لتذهب إلى أحد ضيوفها وتعلقت بذراعه. والرجل كانت يده تعبث في جسد فريدة التي أخذت تضحك.
فوضعت ورد بيدها على فمها تكتم صوت شهقتها وصدمتها، وصعدت راكضة لأعلى وأغلقت غرفتها عليها لتنهار بعدها في البكاء من تلك الحياة التي دخلتها بقدميها.
وبعدما جفت دموعها، قررت أن تهاتف كنان تطمئن عليه وتتحدث معه قليلاً.
- ورد حبيبتي، ما به صوتك؟
فتنهدت ورد بضيق متذكرة مشهد فريدة المقزز.
- لا شيء كنان، اشتقت لك كثيراً.
كان كنان يقف يحادثها وعيناه على عائشة التي تبتاع أحد الأشياء لها، ولكن أحدهم اقترب منها وحدث بينهم صدام.
- سأغلق وأهاتفك بعد قليل.
وأغلق دون أن يسمع ردها، لتنظر ورد للهاتف بقلق.
وقررت أن تنتظر مكالمته.
..................................
فتحت له باب الغرفة سريعاً ثم ركضت نحو الفراش تتسطح عليه وتسحب المفرش الذي يعلوه وتغطي به كامل جسدها.
- أنا تعبانة وهنام.
وازاحت الغطاء قليلاً عنها.
- هنام تمام.
فنظر لها جاسم بصمت ثم تقدم من الفراش وأزاح عنها الغطاء بقوة صارخاً:
- قومي اتعدلي! بقي أنا يا مهرة تعملي فيا كده وتخليني آجي لحد هنا!
وتذكر رسالتها.
- تبعتي الرسالة وتقفلي تليفونك، ومفهمة أخوكي إن الطرطور جوزك لسه مسافر.
وجذبها من ملابسها والشر يتطاير من عينيه.
- أنا حالياً نفسي أرميكي في صندوق زبالة، ولا أقولك أرميكي من البلكونة وأرتاح منك ومن عقلك اللي بيفكر زي الأطفال.
نسيت توبيخه وكل شيء حتى تهديده، وأشارت نحو نفسها.
- أنا عقلي زي الأطفال.
فدفعها نحو الفراش، لتسقط عليه متألمة من دفعته القوية.
- عملتي كده ليه؟
فنظرت إليه ثم أشاحت وجهها عنه.
- كنت مخنوقة ولقيتها فرصة.
فسأم من ردودها التي تظنها تهدئ الوضع.
- لأ، رد مبهر الصراحة، ومستنتيش أرجع ليه من الشركة واختارتي اليوم اللي رجعت فيه من السفر تعملي كده فيه.
وتابع بتهكم.
- وطبعاً عشان تعاقبيني.
وكادت أن ترد عليه إلا أنه أشار لها بأن تصمت.
- مش طايق أسمع صوتك، كل مبرراتك وتصرفاتك سخيفة، انتي متنفعيش تبقي زوجة يا مهرة.
ضغط على كلمته الأخيرة كي يوجعها، وبالفعل ظهر الألم على محياها.
- أنا مينفعش أبقى زوجة، طب اتجوزتني ليه وانت عارف شخصيتي كويس؟
فزفر أنفاسه بحنق وهو يطالعها.
- كان عندي أمل إنك تتغيري، بس كل يوم بكتشف إنه مستحيل تتغيري، حياتك لسه في إطار البنت اللي عايشة دور الراجل.
وألتف بجسده ليرحل وهو يهتف بجمود.
- خليكي مع أخوكي واتبسطي على قد ما تقدري.
لم تكن تصدق أن فعلتها ستصل بهم إلى هذا الأمر، كانت تظن أنه سيتغاضى عما فعلت كما يفعل كالمعتاد.
وفتح الباب، ولكن كلمة واحدة أوقفته ليقف يلتقط أنفاسه ويغمض عينيه وهو يستشعر تلك الكلمة.
- أنا حامل يا جاسم.
.................................
كانت ريم تتأكد للمرة العاشرة عبر الرسائل من ياسر هل حقاً سيذهب برفقة السيد ريان أم ما سمعته خطأ.
وياسر يضحك على تصرفها الطفولي ويرد عليها بلين غريب عليه.
وبعث رسالته الأخيرة والتي انتهت بجملة بالنسبة لها ككلام العشاق:
"المعلومات اللي وصلتك صح، أنا هكون معاكم في رحلة شرم وهناء السكرتيرة بتاعتي واستاذ رحيم المحامي، تصبحي على خير يا ريم."
نسيت كل ما كتبه وأخبرها به، وأخذت تردد بحالمية وهيام.
- تصبحي على خير يا ريم.
وضمت بعدها الهاتف بالقرب من موضع قلبها، وانتفضت بعدها. فإلى الآن هي لم تخبر والديها ولم يتبق سوى ثلاثة أيام على رحلتهم تلك التي تم تأجيلها من قبل، وقد فرحت كثيراً حتى تجد حلاً، ولكن عندما علمت بالموعد الجديد وأن السيد ياسر سيكون برفقتهم تحمست للأمر وقررت أن تخوض تلك التجربة وتترجى والديها حتى لو بكت لهم وتوسلت.
.....................................
توسدت مرام صدر كريم الذي ضمها إليه بحب، ثم طبع بقبلة دافئة بالقرب من شفتيها.
- بشتقلك حتى وأنتي في حضني.
فابتسمت مرام ودفنت وجهها بصدره.
- وأنا كمان يا كريم.
وطبعت قبلة على صدره، فأبتسم بحب وهو يداعب خصلات شعرها.
- إيه رأيك ننزل مصر أسبوع تشوفي أهلك وأنا أشوف جاسم؟
فأعتدلت من وضع نومها ونظرت إليه برفض.
- لأ، أنا مش فاضية الفترة اللي جايه، ما أنت عارف وضعي حالياً في الشركة يا كريم.
وأتسعت ابتسامتها بزهو.
- الأول كنت موظفة في القسم، دلوقتي أنا مديرة قسم.
انقلبت مرام المرأة التي كانت منذ قليل بين ذراعيه مغرمة بلمساته وهمساته، إلى مرام العملية التي أصبحت تفضل عملها عن رؤية والديها.
وألتف بجسده فأصبح ظهره لها.
- اللي يريحك يا مرام.
فعادت تتسطح جانبه تتلاعب بخصلات شعرها.
.....................................
تسطحت على الفراش جانبه بعد أن أنعشت جسدها بالماء الدافئ من هذا اليوم الطويل الذي كان بدايته حماس وترقب ثم شوق وسعادة وتحول لغضب وحنق وعتاب كان سينتهي بخصام.
- جاسم، أنت لسه زعلان مني؟
فتنهد بأرهاق وهو يطالعها بهدوء.
- هبقى كداب لو قلت إني نسيت، بس مش هضيع فرحتنا بالخصام والزعل.
وجذبها نحوه برفق وحب.
- أنا سعيد جداً يا مهرة فوق ما تتخيلي.
وقبل رأسها بدفء ثم ضمها إليه ويده تتحسس موضع بطنها.
- عيشت أغلب حياتي لوحدي، نعمة جميلة يكون للواحد أسرة وعيلة.
شعرت بنبرة حزنه وهتف بصدق.
- هعوض ولادي كل المشاعر اللي اتحرمت منها.
كانت تشعر به، فهو افتقد حنان والده الذي كان يبدو أب رائع عكس والدها.
وافتقد حنان والدته حين تخلت عنه وتزوجت وأخذت معها كريم.
مشاعر تفهمها لأنها عانت منها بسبب والدها ثم فقد والدتها الحنونة.
وابتسم وهو يجدها تبكي، ثم انحنت تقبل خديه بحب.
- أنا آسفة. ثم اتبعت عبارة أسفها.
- أنا بحبك أوي.
............................................
نظرت بسمة نحو كريم الذي تتعلق بذراعه مرام وتمشي بجانبه بزهو وتباهي. لم ينتبهوا لها لأنها كانت تسير خلفهم على بعد لا بأس منه.
هيئتهم كانت تجعلها تتحسر على حالها.
أرادت العودة للوطن ولكن جملة قالتها لها والدتها أمس زالت كل شوقها لوطنها.
"هترجعيلنا هنا بفضحتك، إحنا مصدقنا الناس تنسى حكايتك، وبصراحة كده يا بسمة جوزي يا حبيبتي ممكن يطلقني."
كلمات كانت كنصل السكين، زوج والدتها الذي تخشى عليه أمها هو من دمر حياتها، وياليتها استطاعت أن تخبرها بالحقيقة وتصرخ بوجهها أنها هي من أضاعت حياتها.
.........................................
أخذ كرم المخدر يستنشقه بلهفة، إلى أن استرخى جسده وأغمض عينيه وهو يتلذذ من المتعة التي تسير بجسده من ذلك المخدر اللعين. كان نادر يقف يطالعه مبتسماً وجلس جانبه.
- ارتحت دلوقتي؟
فهتف كرم براحة.
- جداً.
وكاد أن يخرج له المال ولكن نادر أوقفه يعرض عليه طلباً يريده.
- اعتبر الأسبوع ده كله عليا ومش عايز تمن البودرة.
فطالعه كرم منتظراً سماع طلبه، فهتف نادر مبتسماً.
- أختك تتوسط لي عند جوزها يشغلني في فرع من فروع شركات، مش معقول يبقى صاحبي أخته متجوزة جاسم الشرقاوي ومش لاقي شغل.
.........................................
تنهد بشير بضيق بعد أن كانت البسمة تعلو شفتيه مع شقيقته وورد، وأشاح عينيه بعيداً عن سيلا التي تقدمت نحوهم مبتسمة.
- لا أصدق أنكم تتناولون العشاء هنا.
ونظرت إلى ورد.
- أصبحتي تتعرفين على مجتمعنا ورد.
ونظرت إلى ليليان التي استاءت من وجودها.
- كنان سيشكرك بالتأكيد يا ليليان لاهتمامك بزوجته في غيابه وانشغاله مع مساعدته الشخصية.
ونظرت إلى بشير الذي حدق بها بقوة، ولكن أكملت.
- اتعلمي ورد، مساعدته الجديدة تشبه هازان شقيقة زوجك بشدة.
ثم طالعت ليليان التي لم تكن تعرف بالأمر.
- حقيقة لم أراها غير مرة واحدة، ولكنها فتاة رائعة.
كنان هكذا سيعود لنفسه وذكرياته مع شقيقته، وربما تصبح حبيبته.
لم يتحمل بشير ما تنطقه سيلا وصدى كلماتها ظهر على ملامح ورد التي أخذت تطالعه وكأنها تسأله أحقيقة هذا أم كذب.
وجذب بشير سيلا من يدها بقوة هاتفا.
- هيا سيلا، يبدو أنكِ لستِ بوعيك.
وألتفتت عينا ورد وليليان نحو بشير الذي غادر المطعم بسيلا. وارتعشت يد ورد وعيناها تجمدت نحو باب المطعم وهي لا تصدق ما سمعت.
...............................
وقفت مهرة بعيداً بعض الشيء عن الحفل التي تحضرها مع جاسم ترتشف العصير وتطالعه بصمت وهو يقف وسط بعض الرجال ونرمين تقف معه تتحدث بلباقة وتلفت أنظار الرجال لها بجمالها.
وتقدم نحوها ياسر غير مصدق أنها أخيراً قررت الظهور مع جاسم واعتذر منها كي يحادث أحد الأشخاص. ثم ظهرت رفيف التي كانت عيناها مركزة على أحد الأشخاص ويبدو أنهم رجال صاحب الحفل.
كانت تطالع كل فرد بملل وداخلها يكاد ينفجر، ولكن قررت أن تعقل.
وسمعت صوت إحداهن الساخر.
- أنتِ.
لتلتف نحوها مهرة وتذكرتها، فقد كانت نفس المرأة التي أسكبت عليها العصير بعد أن أهانت شقيقتها في عرس مرام.
عاد شريط الذكريات يمر أمامها والأخرى تقف تحدق بها بمكر.
كل منهم أخذت تطالع الأخرى بضيق.
إلى أن قررت مهرة أن تبتعد عنها وتذهب لجاسم، فقد ملت.
وخطت مهرة خطوة للأمام لتسقط بعدها أرضاً، والأخرى تقف تبتسم بزهو.
رواية لحن الحياة الفصل الأربعون 40 - بقلم سهام صادق
وقف ياسر يحدق بمهرة والسيدة أشكي التي أخذت تطالعها بعلياء وكأنها تخبرها أن هذا هو مكانها.
اندفع ياسر نحوهم بقلق.
كان المشهد بالنسبة للبعض شيئاً مثيراً للغاية، والبعض الآخر كان مندمجاً بالحفل ولم يشاهد الأمر.
شعر جاسم بإحساس عجيب جعله يلتف حوله يبحث عنها بعينيه. وعندما لمحها هكذا وياسر يقف أمامها يمد لها كفه كي يساعدها على النهوض، اندفع من وسط من يحادثهم واتجه نحوها بخطوات سريعة.
عين نرمين تطالعه بدهشة لرؤيته بهذا الاندفاع.
شرارات كانت تخرج من عينيها، ووقفت دون مساعدة ياسر. ابتعدت عن ذلك الصخب حتى لا تفتعل أي مشاكل، ولكن المشاكل أتت إليها بقدميها.
لا تحب تلك السيدة التي لا تتذكر اسمها. فلقاء واحد جمعها علمت أنها ليست إلا من هؤلاء الذين يخفون عيوب روحهم بأموالهم ومكانتهم الاجتماعية.
كانت ستمد كفها وتصفعها، إلا أن اقتراب جاسم واحتوائه لها أضاع كل شيء.
"انتي كويسة ياحبيبتي؟"
ووضع بيده على بطنها بقلق ثم ضمها أكثر إليه.
"لو فيكي حاجة قوليلي."
وبدأ يهدئها كأنها طفلة صغيرة. وأعين ياسر والسيدة أشكي عليهم، ولكن ياسر انتقل بنظراته لأشكي التي وقفت تطالع المشهد بغيظ.
وعندما التفت نحوها جاسم ونظر بنظرة تفهمها تماماً، ابتلعت ريقها بتوتر.
"مش عارفة وقعت إزاي."
وتبدلت ملامحها بوداعة مصطنعة.
"لازم تاخدي بالك بعد كدة.. بلاش كعب عالي مدام مش مناسب ليكي."
كانت مهرة تنظر إليها وداخلها يهتف: "بتمثلي البراءة دلوقتي.. مكنتيش انتي اللي موقعاني بقصد."
وكادت أن تهتف وترد عليها، إلا أن ياسر قام بالأمر.
"مدام أشكي أنا شايفك بنفسي وانتي بتوقعيها بقصد.. يعني بلاش كدب من سيدة محترمة زيك."
تلك كانت شخصية ياسر، لا يحب الاصطناع وأكثر شيء يكره الكذب. ومع وجود جاسم أراد أن يوضح له كل الحقيقة.
اتسعت عين أشكي بصدمة من صراحة ياسر، ونظرت لجاسم الذي أخذ يحدق بها للحظات بصمت.
ثم اتجه بعينيه نحو مهرة فقبل جبينها بدفء وهمس: "يلا ياحبيبتي.. وحقك أنا هعرف آخدهولك كويس."
فحركت رأسها باعتراض.
"لأ.. خدهولي هنا.. أو سيبني أنا آخده."
فأبتسم لها ثم نظر لأشكي التي أخذت تستدعي بنظراتها شقيقها والذي جاء نحوهم.
"عارف إنك تقدري تاخدي حقك.. بس سيبني أنا المرة دي أرد اعتبارك."
وفور أن وصل شقيق السيدة أشكي السيد إكرامي.
"خير يا جاسم مالها المدام؟"
ليركز جاسم نظراته نحو السيدة أشكي.
"اسأل مدام أشكي وهي هتجاوبك."
وسار بمهرة التي كانت تتملص من قبضته، تخبره بضيق وتمرد: "أنا عايزة آخد حقي يا جاسم دلوقتي."
ولكن جاسم لم يكن يسمع إليها، لأن حقها جدير أن يأخذه لها وهو جالس بمنزله. فيكفي أن يسحب تمويله للمجلة التي تديرها أشكي، غير مسانداته الأخرى.
كان شقيق أشكي ما زال ينتظر الإجابة، ولكن ياسر رد بدلاً عنها، فهي أصبحت تقف بينهم مطأطأة الرأس بعد أن حسبت أبعاد الأمر الذي لم تفكر فيه.
فهي عندما رأتها تذكرت ما فعلته فيها في الحفل، ولكن لم يكن هذا الشيء فقط ما دفعها، فقد كانت تطمح بتزويج شقيقتها لجاسم، ولكن انتهى الأمر وتزوجت تلك التي تراها دون مستوى.
وفاقت على صوت ياسر وهو يقص على شقيقها الأمر.
"مدام أشكي.. أظاهر نسيت إن مدام مهرة زوجة جاسم الشرقاوي وإنها ضيفة في حفلتكم.. فحبت توريها مقامها بعد ما وقعتها على الأرض.. بس بلاش أقولها إنها لعبتها غلط وجاسم مش هيسكت على الإهانة دي."
وانصرف ياسر حانقاً من تفاهة ما فعلته أشكي برعونتها. ليحدق السيد إكرامي بشقيقته بضيق.
"إيه اللي أنا سمعته ده.. انتي بعد طلاقك عقلك خاب.. عنده حق مصطفى يطلقك ويتجوز غيرك."
وقبل أن ينصرف أشار لها بتحذير.
"بكرة تروحي لجاسم تعتذري منه ومن مراته."
ووقف على صوتها المتعالي.
"أنا أعتذر من البتاعة دي.. جاسم أوكي أعتذر منه.. أما دي لأ."
فنظر لها شقيقها ساخراً.
"البتاعة اللي بتتكلمي عنها مراته.. عارفة يعني إيه مراته؟ وعلى العموم انتي حرة.. بس متجيش تشتكيلي في الآخر لأن أنا مش هخسر جاسم بسبب أفعالك."
وتركها واتجه نحو ضيوفه حانقاً من أفعال شقيقته، فقد جن جنونها منذ أن طلقها زوجها.
وقفت نرمين تحدق بما يحدث من بعيد.. لا تعلم لما رؤيتها احتضان جاسم لزوجته بتملك ولهفته عليها أثار شيئاً بداخلها. ونفضت رأسها من تلك الأفكار وانصرفت من الحفل، فلم يعد لها وجود الآن.
..............................
تنهدت ليليان براحة بعد أن أقنعت ورد أخيراً أن ما سمعته من سيلا ما كان إلا هراء. فسيلا كانت مخمورة ولا تعي ما تقوله. لم تقتنع ورد بالأمر، ولكن قررت أن تكون زوجة عاقلة. وفي الحقيقة كانت زوجة محبة لا تريد خراب بيتها وضياع كنان منها. فلن تستطيع تحمل صدمة كهذه.
وبدأت تخدر قبلها بحب كنان وكل ما فعله من أجلها حتى يتزوجها. وشعرت بالحنين لتلك الأيام التي لا تعلم لما ضاعت ولما لم تعد تشعر بشغف كنان كما كان من قبل.
ستجلس مع كنان جلسة مصارحة حين يعود لتعلم فيما أخطأت هي ولم تفكر أن تضعه في خانة أنه هو المخطئ.
"ورد.. أين شرد عقلك؟"
فانتبهت ورد لصوت ليليان متنهدة.
"أقنع نفسي أن كنان ما زال يحبني.. ولن يخذلني."
فحزنت ليليان عليها وداخلها حانق من كنان الذي يظن نفسه دوماً أن ما يفعله هو الصواب. كنان هذا الرجل الذي لا تروق لها شخصيته. وتوعدت داخلها إذا أحزن تلك المسكينة ستقف هي أمامه.
وربتت على يد ورد بحنو.
"أنتي طيبة القلب يا ورد.. كنان لن يجد زوجة جميلة ورقيقة مثلك.. أنتي جوهرة يا ورد."
كانت تمدحها ليليان بلطف، فأبتسمت لها ورد وهي لا تعرف كيف تشكرها، فليليان الوحيدة من تشعرها أنها ليست غريبة في هذا الوطن ولا تلك الطبقة التي لا تشعر بكيانها فيها.
.............................
دفعته بقبضة يديها بقوة على صدره تهتف باسمه.
"جاسم اصحى.. انت نمت وأنا سيبني.. هموت من الغيظ."
ففتح عينيه بنعاس ينظر لها.
"مهرة ياحبيبتي نامي وخليني أنام."
فطالعته بغضب ثم حملت الوسادة التي بجانبها وقضمتها بغضب.
"مش قادرة أنسى يا جاسم."
ثم عادت تتذكر أنه السبب، فلولا خوفها على مظهره لكانت أخذت حقها.
"انت السبب.. انت السبب."
وتركت الوسادة لتنحني نحو كتفه تقضمه، فصرخ بصوت عالٍ.
"ياربي أنا عملت إيه في حياتي عشان أتعاقب كده."
كانت تخرج غيظها بكتفه، فجذبها من شعرها برفق، دافعاً إياها على الفراش. وقبل أن تتعدل كان يحاصرها بذراعيه.
"اهدّي واعقلي كده وياريت تنامي.. وبلاش التوحش اللي بيطلع عندك فجأة وبيقلب عليا جامد."
فزمت شفتيها بحنق وعبوس.
"انت ليه مش حاسس بيا؟"
وأخذت تبكي كالأطفال لتجعله يدللها. فهي أصبحت تدرك نقاط ضعفه معها. فعندما يشعر بضعفها لا يتحمل.
"اهدّي ياحبيبتي.. قولتلك هاخدلك حاجة، وانتي عارفة لما بوعد بنفذ."
فتعلت صوت شهقاتها وأشاحت عينيها بعيداً عنه.
"لأ.. أنا كنت عايزة تاخديلي حقي في الحفلة."
فأبتسم بلين وهو يتنهد ومال نحوها يدفن وجهه بعنقها.
"هنعرف ناخد حقنا بالعقل ياحبيبتي.. ومش جوزك اللي ياخد حقه من ست بالدراع ولا أسيب مراتي يقولوا عليها ست همجية.. أنا عارف هعمل معاها إيه كويس وهرد لك اعتبارك متقلقيش.. طول ما أنا عايش خليكي عارفة ومتأكدة إني عمري ماهسمح لحد يهينك أو يأذيكي."
كان يخبرها بحنان كأنه يخبر طفلته. وشعرت بأنفاسه على صفحات وجهها. كل كلمة كان يقولها كانت ترى صدقها في عينيه ومدى ضيقه مما حدث لها. ولكن جاسم غيرها يعالج الأمور بحكمة وهدوء.
وابتسمت وهي تشعر بلمس قبلته على خديها.
"جاسم.. أنا عايزة أخرج."
فأبتعد عنها بعد أن كان سينتقل بشفتيه نحو شفتيها.
"مهرة.. انتي عارفة الساعة كام دلوقتي؟"
فحركت رأسها بالإيجاب. ثم عانقته بدلال وجذبته نحوها مجدداً.
"عايزة أشم شوية هوا ياحبيبي."
نظرة رجاء منها جعلت ملامحه تتحول، فحرك رأسه.
"حاضر.. قومي البسي."
فأتسعت ابتسامتها وقبلته على خده هاتفة بسعادة.
"حبيبي يا جاسومي."
وفور أن سمع دلعها له.. أزاح يديها عن عنقه.
"بعد جاسومي دي.. مافيش خروج يامهرة."
فجذبته سريعاً من ملابسه.
"لأ.. خلاص."
وظلت تحايله لدقائق، إلى أن نهض من فوق الفراش يضحك على أفعالها.
"خلاص بدل ما تقلبي قرد."
وكادت أن تتقافز فوق الفراش، فلحقها وثبتها بيديه.
"مهرة.. اعقلي كده وبلاش شغل القرود ده.. انتي ناسيه إنك حامل.. انتي نسيتي تحذيرات الدكتور."
وتنهد بيأس منها.
"أنا عارف إني هعاني معاكي الشهور دي."
فضحكت على تعبيراته وما تفعله معه، ولكن كل هذا كان يزيد داخلها عشقاً له.
..............................
بعد ساعة كانت تجلس بالسيارة تأكل البيتزا بنهم وترتشف من مشروب الكولا الذي اعترض عليه، ولكن معها لا يوجد اعتراض. وفي النهاية حقق لها مطلبها لعلها تهدأ، فيبدو أنها ستكون ليلة طويلة إلى أن تنسى ما حدث بالحفل.
"طعمها جميل أوي البيتزا."
هتفت والطعام بفمها وجاسم يجلس يحدق أمامه بإرهاق وسأم، متوعداً لأشكي، فبسببها دفع ثمن تلك الليلة التي كان يخطط لها بأمور أخرى.
"جاسم."
فنظر لها متمنياً أن تكون أنهت طعامها وارتاحت نفسيتها الغالية التي ستنهي حياته مبكراً.
"مش هتاخد تدوق؟"
وقضمت قطعة بنهم، وحركت لسانها على شفتيها كالقطة بتلذذ، فأبتسم متنهداً.
"مهرة.. مش كفاية كده.. فاضل ساعة على الفجر وأنا تعبت."
فأستاءت مما يطلب، واقتربت منه تدفع إحدى القطع بفمه، فزم شفتيه بحنق.
"مهرة.. بتعملي إيه؟"
فضحكت بمتعة وهو يغلق شفتيه بقوة كي لا يأكل.
"بأكلك ياحبيبي."
وأكل ما وضعته بفمه بملل.
"انتي مش بتأكليني.. انتي بتخنقيني يامهرة."
فتعلت ضحكاتها وهي تأكل.
"براحتك.. هاكل أنا.. بقولك إيه.. أنا عايزة.."
وقبل أن تكمل طلبها وضع بكفه على فمها.
"مسمعش ليكي صوت.. عض وعضتيني لحد ما كتفي ورم.. خروج وخرجتك نص الليل وأنا عندي اجتماع الصبح.. أكل وجبتلك.. هوا وشميتي.. أنا لو سمعت كلمة عايزة دي في الليلة اللي مش طالع ليها صبح هرميكي في النيل وأخلص."
وتأوه بألم بعد أن قضمت باطن كفه.
"طب عايزة.. عايزة.. عايزة."
لم يجد شيئاً يفعله إلا أنه التزم الصمت زافراً أنفاسه بقوة. وأخيراً سمع كلمة الإفراج.
"عايزة أروح عشان تعبت وعايزة أنام."
فطالعه بجمود زافراً أنفاسه هذه المرة براحة.
........................
جلس بشير في مكتبه متذكراً حديث شقيقته بالصباح وإلحاحها بأن تعرف هل كلام سيلا حقيقي أم لا. ولكنه هرب من حصار أسألتها، فهو لا يعلم كيف يفكر صديقه.
ونظر لهاتفه فقرر أن يحادثه. وانفتح الخط وانتظر سماع صوته، ولكن سمع صوت ضحكات كنان مع عائشة التي تخبره بسعادتها، فهي لم تعش مثل هذا من قبل.
الخط انفتح دون قصد.
ولكن الرسالة قد وصلت لبشير. كنان يستمتع بوقته مع عائشة، وهنا زوجته تنتظره، تلتمس له الأعذار، وتعاني من بطش والدته.
وهو يبحث عن شقيقته في تلك الفتاة.
أشفق على ورد، فالمسكينة من وطن آخر.
تزوجت برجال ليس من موطنها، بعادات وتقاليد مختلفة، وفي النهاية يكون هذا جزاءها.
عاد يدق على كنان مرة أخرى. ليهتف كنان:
"كنت سأتصل بك يا بشير... ورد لا ترد على هاتفها. هل حدث شيء؟ أنا قلق عليها."
فضحك بشير ساخراً:
"وأخيراً تذكرت زوجتك... ورد بخير يا كنان، المهم أنت تكون بخير."
شعر كنان أن نبرة صوت بشير ساخرة، وتنهد بهدوء:
"بشير، أنت لا تفهم شيئاً... وسأخبرك بكل شيء عندما أعود. هات ليليان كي تجعل ورد ترد على هاتفها، فبالتأكيد هي معها الآن بالمطعم."
وبعدما انتهت المكالمة، نظر بشير إلى هاتفه بحنق من أحوال صديقه.
.......................
ابتسمت رفيف بعد أن لمحت عمار يقترب منها.
كانت تدور حوله في الأيام الماضية إلى أن مل من ملاحقتها وقرر أن يقابلها ليفهم ما تريده منه.
نظر لها بضيق، فهو يبغض أنواع رفيف، ويفهم سبب ملاحقتهم للرجال، فهم لا يريدون إلا المتعة.
"خير."
فأشارت له رفيف بأن يجلس:
"أجلس يا عمار، سنتحدث."
ومدت كفها تضعه على كفه:
"لا تنظر لي هكذا وكأنك مغصوب على مقابلتي."
فأبتسم عمار بعد أن فهم أنه بالفعل مغصوب على مقابلتها:
"ياريت تقولي لي الموضوع المهم اللي خلاكي تدوري عليّ وتلاحقيني في كل مكان."
فنظرت له رفيف بهيام، لتنطق بعبارتها التي ألجمته من الصدمة:
"أريد أن أتزوجك يا عمار."
..............................
نظرت ريم للفندق الذي سيقومون فيه بإنبهار. كانت تلتف حوله وكأنها طفلة صغيرة، فلم ترَ مثل هذه الأماكن إلا على شاشة التلفاز. لم تلاحظ عين ريان التي كانت تطالعها بنظرات ماكرة. ها هو الانبهار الذي يجلب النساء، أضع المال أمامهم وأغدق عليهم به، ستجدينهم أمامك يلهثون.
كان هذا معتقد ريان، الذي حكم به على جميع النساء بسبب طليقته.
أما ياسر، كان يقف يطالعها بحنان، فهو يعلم معيشة ريم، وهذا ما يجعلها تنبهر بسهولة.
التفتت ريم نحو ياسر، لتنظر إليه مبتسمة، ثم طأطأت رأسها أرضاً.
ومن حظها أن انشغل ريان في الحديث مع أحدهم، ولم يلاحظ الشغف الذي تطالع به ريم ياسر.
.......................................
صعدت ليليان لغرفة ورد بقلق. ظنت تغيبها عن العمل لأمر عادي، ولكن عندما صعدت لغرفتها وجدتها تخرج من الحمام وتضع بيدها على فمها وتمسح وجهها بإرهاق. فأقتربت منها ليليان:
"ما بكِ يا ورد؟ لقد قلقت عليكي."
فأبتسمت لها ورد بشحوب:
"أنا بخير، ولكن يبدو أنه من طعام أمس."
فأجلستها ليليان على الفراش وأخرجت هاتفها:
"سأستدعي الطبيب لأطمئن عليكي."
ولكن يد ورد أوقفتها باعتراض:
"لا داعي للطبيب يا ليليان، فالسيدة عظيمة ستحضر لي الأعشاب التي قالت عليها وسأطيب، لا تقلقي."
ومع إلحاح ورد، تنهدت ليليان متمتمة:
"لكن إذا لم تشفي لغد سنذهب للطبيب."
ودخلت عظيمة بالمشروب الساخن مبتسمة.
فحملقت بها ورد بنجدة، وألتقطت الكأس الساخن منها ناظرة ليليان. فضحكت ليليان لهروبها من أمر الطبيب والدواء.
.............................
نظر كريم لهاتفه بحنق بعد أن حادث مرام للمرة الخامسة. يوم العطلة الذي خصصوه للجلوس مع أطفالهم، تعمل به. وقذف هاتفه على الأريكة بحنق:
"ما أنا عندي شغل وحاجات كتير مهمة... ماشي يا مرام."
توعد لها داخله، فصبره بدأ ينفذ، ولكن سيسير معها للنهاية.
ولاحت أمامه بسمة بابتسامتها الحنونة وحبها لصغيريه، فأبتسم وهو يتذكرها. ليتجه نحو هاتفه ويلتقطه باحثاً عن رقمها.
..................................
ابتسم كريم بسعادة حقيقية وهو يرى صغيريه مندمجين مع بسمة التي تلاعبهم وطفولتهم وكأنهم طفليه. وجاء يقترب منهم يلاعبهم هو الآخر.
فاصطدم جسد بسمة بجسده، فقد أصبح ظهرها ملاصقاً لصدره، ليتنفس رائحة شعرها العجيبة، مغمضاً عيناه. لتشعر بسمة بأنفاسه القريبة.
فارتعش جسدها بشعور لذيذ، وسمعت صوته الهامس:
"ريحة شعرك حلوة."
.............................................
نظرت ريم بحرج وهم يتناولون طعام العشاء. فقد تهربت من الغداء، ولكن لم تستطع أن تتهرب من العشاء الذي يجمع مديريها وباقي طاقم العمل الذي جاء معهم. تلك الرحلة التي ستستمر لخمسة أيام.
الكل مندمج بطعامه ويتحدث ويأكلون بالشوكة والسكين، وهي لا تعرف كيف تمسكها مثلهم.
وأخذت ترتشف من العصير، لعله يسد حاجة جوعها.
وقد لمح هذا الأمر ريان:
"ما بكِ يا ريم؟ لماذا لا تأكلين طعامك؟"
فارتبكت ريم من ملاحظته لها، فهي تريد أن تأكل ولكن تخشى أن لا تعرف تأكل مثلهم، تخشى أن تظهر أمامهم بأنها ليست فتاة عصرية.
"أصل مش جعانة."
هتفت بحرج. فنظر لها ياسر وهو يعلم أنها تكذب.
لم يرد ريان أن يسأل مرة أخرى، حتى لا يفتضح أمره باهتمامه بها عن باقية الموظفين.
الكل كان يأكل بصمت ولا يتدخل فيما لا يعنيه.
وعندما نهضت ريم معتذرة، نظرت سكرتيرة ياسر لها ساخرة:
"أصلها بتتحرج."
.............................................................
مدح مراد بالطعام الذي يعلم أن من صنعه زوج خالته وليست رقية، ولكن زوج خالته كان يقوم بدور الأم، ويخبر مراد كاذباً أن رقية التي صنعت هذا. ومراد يحرك رأسه ضاحكاً، فكيف ستتوه معدته عن طعام زوج خالته.
"تسلم أيدك يا رقية على الأكل الجميل، كده أنا ضمنت إن معدتي مش هيحصل لها حاجة بعد ما نتجوز."
نطقها بتهكم. لتحدق به رقية بضيق:
"قصدك إيه؟"
فضحك مراد وهو يمسح فمه بالمنديل:
"مقصديش حاجة."
وخاطب زوج خالته:
"شايف بتعاملني إزاي؟ بقت متوحشة أوي."
فضحك مسعود وهو يطالع صغيرته:
"عندك حق يا مراد."
فنظرت لهم رقية وهي تشعر وكأنهم أصبحوا حلفاء عليها، وهتفت بحنق:
"امتى هنعمل الخطوبة عشان أعزم صحابي؟"
فطالع مراد زوج خالته:
"انت مقلتلهاش على اتفاقنا؟"
فنظر مسعود لرقية وهو يعلم أنها لن تصمت على هذا القرار:
"بصراحة لأ."
ليفهم مراد أنه ترك له الأمر مع قطته التي أصبحت متوحشة.
"انتوا مخبين عليا إيه؟ قلبي مش مرتاح."
فأبتسم مراد وهو يطالعها، ثم فجر قنبلته:
"إحنا مش هنعمل خطوبة يا رقية... إحنا هنتجوز على طول."
وتابع دون أن ينتظر سمع ردها:
"والفرح هيكون آخر الشهر."
وادار مسعود وجهه عن ابنته، التي نهضت من فوق مقعدها تحدق بهم صارخة:
"نتجوز وآخر الشهر اللي فاضل عليه أسبوعين؟"
واقتربت من مقعد مراد الذي أخذ يطالعها بابتسامة واسعة، مستمتعاً بقطته:
"مش هتجوز يا مراد وشوفلك عروسة لعبة اتجوزها، عشان لو اتجوزت حقيقي هقتلك انت وعروستك."
.......................................
تسحبت خلفه لغرفة المكتب بخطوات بطيئة كي تحتضنه على غفلة كما ترى بالأفلام.
ولكن سمعته وهو يخبر نرمين بعد ساعة سيلتقي بها، ليفهم منها ما بحثت عنه بخصوص الصفقة الجديدة التي سيدخلونها.
فوقفت مهرة في مكانها ساكنة تحدق بظهره وعيناها تلمع بنيران الغيرة. فألتف جاسم بعدما أنهى مكالمته:
"اتأخرتي ليه؟"
واقترب منها يضمها بحب:
"بترهقي نفسك وده مش كويس عليكي دلوقتي."
ومسح على بطنها برفق، وكأنه يستشعر بطفلة بتلك الحركة. كل ما تبدي أي ردة فعل بسبب لقائه بنرمين. تعلم أن اللقاء بمكان عام وأنه عمل، ولكن هي تغار منها بشدة وهو لا يفهم ذلك.
"انت خارج تاني؟"
فقبلها على وجنتيها برقة مبتسما:
"أيوه يا حبيبتي، هقابل المحامي."
ولم يكمل جملته حتى لا يضايقها، ولكن هي أكملت:
"ونرمين صح؟"
فحرك رأسه بيأس:
"ده شغل يا مهرة... شغل، فاهم؟"
وطرق على عقلها بيده، ثم تخطاها ليصعد لغرفته كي ينعش جسده من إرهاق العمل بحمام بارد قبل خروجه.
فوقفت تحدق بالفراغ الذي أمامها إلى أن لمعت عيناها وصعدت خلفه.
أنهى حمامه وخرج ينشف شعره، يبحث عنها بالغرفة ولكن لم يجدها.
فاتجه نحو غرفة الملابس لينتقي ما سيرتديه.
ثم عاد يقف أمام المرآة يتأنق كعادته، متسائلاً:
"راحت فين دي؟"
أصبحت هيئته مكتملة. وألقى بنظرة أخيرة على نفسه بالمرآة، وأخذ يحرك يده على خصلات شعره، متجهاً نحو الباب. يقبض على المقبض، يحركه بعنف، وقد فهم سر عدم وجودها.
"مهرة افتحي الباب."
فهتفت بعند من خلف الباب، وكانت تجلس على الأرض تستند بظهرها عليه، وتحمل بيدها طبق به فصوص برتقال وتأكل بنهم:
"مش هفتح يا جاسم."
وعاد يهتف بغضب:
"افتحي يا مهرة وبلاش شغل العيال ده، انتي عارفة إني أقدر أفتح الباب كويس، بس ليلتك هتبقى سودة لو أنا اللي فتحته، فاعقلي وافتحي."
فارتجف جسدها خوفاً من تهديده، ولكن عادت لعنادها ومضغت ما بفمها:
"مبهددش أنا."
وظلت تخبره عن عدم خوفها إلى أن وجدت الباب يفتح بكل سهولة، فمن سوء حظها أنها لم تجعل المفتاح في الباب من الخارج، بل أزالته.
لتجد نفسها منبطحة على الأرض بظهرها، وجاسم يقف يحدق بها من علو بنظرات عابثة، يحرك أمام عينيها سلسة مفاتيح لا تعلم من أين أتى بها، ولكن يبدو أن للغرف نسخ بغرفتهم.
وانحنى بجسده نحوها، وهي مازالت منبطحة على الأرض، والطبق الذي كان بيدها على بطنها، وفص برتقال بفمها:
"مبتخافيش... وعاملة نفسك هيرو. تعرفي أنا بقى هلغي العشا ده... وليلتك سودة مخططة برُمادي يا حبيبتي."