تحميل رواية «لحن الحياة» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يقف بعيدًا يجفف دموعه وهو يرى آخر غير والده يحتضن والدته ويقبّل جبينها، ووالدته تبتسم باستحياء وكأنه الرجل الأول في حياتها. الفرحة كانت تعم المكان، فالكل سعيد بهذا الزواج من أقاربهم. ابن العم الأرمل قد عاد ليتزوج بأمه الأرملة، وكأن القدر أراد أن يلتقيا بعد أن افترقا. وبعد وفاة أبيه منذ عامين، عاد الحبيب يدق أبواب حبيبته من جديد، فالفرصة قد سنحت له ولها. ولكن والدته في البداية رفضت بشده، أما الآن هاهي سعيدة وقد نسيت أبيه. دموعه انسابت دون توقف رغم محاولته المُميتة بأن يمنع هبوطها، فوالده ذات يوم...
رواية لحن الحياة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سهام صادق
ظلت كلمته تدور بعقلها دون هوادة، ولم يلجم لسانها من نعته بأبشع الألفاظ، بل وترك ذلك العمل البغيض، إلا ذلك العقد اللعين الذي مضت عليه لعام كامل في سبيل تنازله عن ما اقترفه شقيقها، الذي لا يربطها به إلا الاسم والدماء.
وعندما شعر بهدوئها، أراد أن يستفزها قليلاً:
- الأدب ديما حلو.. وبيريح.
فطالعته بجمود. ليبتسم هو بسماجة وبرود.
وأخيراً، وصلت السيارة إلى أحد النوادي الراقية، ليحييه حارس الأمن.
وبعد برهة، كانت تسير خلفه تحمل حقيبته الرياضية التي تود أن تلقيها بوجهه:
- ليك يوم يا جاسم يا شرقَاوي.
وضغطت على أسنانها بقوة وهي تقف خلفه بعد أن وقف ليصافح أحدهم. وسار مجدداً نحو وجهته. فقد كانت صالة رياضية ضخمة بها كل وسائل الرياضة.
وألتف نحوها مشيراً لأحد الأركان الجانبية:
- هتفضلي هنا تستنيني.
فعضت على شفتيها بقوة، وقبضت على يديها قبل أن تمتد أظافرها وتخدش وجهه الجميل.
ومد يده ليأخذ منها الحقيبة، ليجدها تتركها أرضاً وتبتعد في صمت.
فهتف بحنق:
- حسابك معايا بعدين.
وخطى داخل الصالة الرياضية، لتنظر حولها بضيق. فالكل ينظر إليها بتفحص، وكأنها دخيلة على ناديهم العظيم.
وبحثت بعينيها عن مكان تجلس فيه، فوجدت مصطبة رخامية ملتفة حول حوض من الأزهار، فجلست وهي تخرج أحد كتب القانون، والتي أصبحت تحملها في حقيبتها كي لا تنسى مهنتها الأساسية.
ومرت الدقائق وهي تختلس النظرات تارة في أسطر الكتاب، وتارة أخرى على نظرات البعض وهم يمرون من أمامها أو جهتها.
وقررت أن تنهض من تلك الوضيعه. وسارت نحو الصالة تتأمل كيف يلعبون الرياضة على أحدث الأجهزة الرياضية.
ووجدت هيئتها في الواجهة الزجاجية الخاصة بالمكان.
وتأملت نفسها قليلاً كالعادة، ترتدي أحد القمصان المقلمة والتي تشبه قمصان الصبية، وبنطال من الجينز الباهت، وتعقد شعرها، ونظارتها تضعها على عينيها من أجل إتمام هيئتها التي لا توحي بوجود أنثى.
وزفرت أنفاسها بحنق، فالوقت يمر ببطء، ولا تعلم لماذا أتى بها هنا. أهذا هو عقابها الذي أخبرها به في المصنع؟
وتمتمت وهي تلعنه داخلها. ولمعت عيناها بمرح وهي تنظر حولها:
- ليه مستغلش وجودي هنا.. وأتبسط شوية؟
وتركت لقدميها حرية التمتع بالمكان، مكان مخصص لملعب التنس، وآخر لركوب الخيل، وآخر للركض، وآخر للهو الأطفال، ومساحات خضراء جميلة، إلى أن انتهى بها المطاف عند الجزء المخصص للجلوس وهي كافتيريا النادي.
ونظرت إلى أعين النساء التي بطبيعتها دوماً الفضول. واتجهت نحو إحدى الطاولات وجلست باسترخاء وهي تضع ساقاً فوق الأخرى، ولكن عندما رأت هيئة حذائها،
أنزلت ساقها سريعاً تستمتع حولها بهيئة الجالسين.
حتى أن حديث البعض بدأ يجذبها.
منهن تقص لصديقتها عن ابنتها الجميلة المثقفة، فيبدو أن الأخرى لديها شاب مقبل على الزواج ويريدون توفيق رأسين بالحلال.
فتمتمت ساخرة ومازالت أذناها معهم:
- حتى هنا بيشقطوا عرسان.
ثم لفت انتباهها لحديث أخرى تخبر صديقتيها عن ما فعلته في حفل خطبة حبيبها.
وأخرى تحكي عن رحلتها لباريس.
ورمت أذناها في الجهة الأخرى لتجد عصفورين من الكناريا كما شبهتهم، تخبره بدلع عن إهانة والدته لها أمس لأن فستانها لم يعجبها.
فضحكت بعلو صوتها، فلم تعد تتحمل تلك الأجواء، وقد نظر إليها البعض بنظرات ساخطة.
لتجد أحد عمال الخدمة الخاصة بالمكان يسألها تنتمي لأي من الأعضاء.
فرفعت عينيها بغرور مصطنع تهمس داخلها:
- نستغل اسمك شوية يا ابن الشرقاوي.
وهتفت وهي تعدل من هندام قميصها:
- جاسم الشرقاوي.
لينظر إليها العامل بتفحص غير مصدق أنها من ضيوفه. وعندما لاحظت نظراته تلك، زاد سخطها.
- مالك مش مصدق.. محسسني ولا كأني أعرف رئيس الدولة.
فأبتلع العامل سخريتها، فهو يعلم أن لا أحد يدخل النادي إلا برفقة عضو من أعضاء النادي، ولكن هي برفقة جاسم الشرقاوي لا يصدق.
- يافندم مقصدش.. أنا لازم أعرف انتي تبع مين من الأعضاء.
لتزفر مهرة أنفاسها بقوة:
- ما أنا قولتلك جاسم الشرقاوي.
وأخرجت من حقيبتها كرنيه عملها في شركته.
ليبتسم العامل مرحباً بها:
- منورة يافندم.
لتطالعه مهرة باستياء:
- ما كان من الأول.
وتابعت وهي تنظر إلى الطلبات التي تقدم للجالسين:
- خلينا في المهم.. عندكم إيه يتأكل ويتشرب.
فبدأ العامل يخبرها بما لديهم، لتملي عليه بعض الوجبات وبعض العصائر والمثلجات.
كان العامل يدون ما تطلبه وهو متسع العينين.
- هو في حد جاي مع حضرتك يافندم.
لتستاء مهرة من سؤاله الفظ:
- لاء.
وقبل أن ينصرف العامل هتفت بجوع:
- تجيب الأكل الأول وبعدين نوعين العصير وبعدين الآيس كريم اللي طلبته، وياريت تكون الشيكولاتة أكتر من الكريمة.
وأنصرف العامل وهو ينظر إلى ما طلبته، ثم ألتف نحوها بتعجب واستدار مجدداً ينفذ ما طلبت، فجاسم الشرقاوي عضو مهم ولديه معرفة قوية برئيس مجلس إدارة النادي.
وبعد نصف ساعة، كانت طاولتها تملأها ما طلبته، تأكل وتشرب الماء كي تبتلع الطعام إلى أن امتلأت معدتها، وألتقطت بعض ورقيات المناديل وأخذت تمسح يديها وفمها. لتشير للعامل أن يحمل الأطباق ويأتي بنوعان العصائر الطازجة اللي طلبتها، وأخيراً جاء جاء وقت تناول المثلجات.
ورغم شبعها، إلا أن عنادها معه جعلها لا تفكر بالنتائج.
وتذوقت طعم المثلجات بتلذذ، لتترك المعلقة بفزع عند سماع صوته:
- مبترديش على تليفونك ليه.
وتابع دون أن يترك لها مساحة للرد:
- مفضلتش واقفة ليه في مكانك.
ونظر إلى ما تأكل:
- شايف أنك بقيتي صاحبة مكان.
وازاح أحد الكراسي ليجلس أمامها.
فهتفت متسائلة:
- خلصت أسألتك.
وأخذت تجيب على أسئلته ببرود وهي تتذوق طعم المثلجات:
- مفضلتش واقفة ليه.. انت مش طفل عشان أخاف عليه.
ليحتقن وجه جاسم وأراد أن يضربها بقبضة يده، ولكن.
وتابعت وهي تستطعم مذاق ما تأكل:
- مردتش على تليفوني.. عاملة صامت أصل مبحبش الإزعاج وأنا بستمتع بوقتي.
وتابعت وهي ترى الغضب في عينيه:
- أما بخصوص المكان... من واجب رئيس العمل أنه يرفه عن موظفينه.
لا يعلم كيف يرد عليها، فالكلمات تقف بحلقه وهو يطالعها وهي تتحدث وتستمتع بمذاق ما تأكل.
وألتمعت عيناه وهو يراها هكذا، ولم ينجده من تأمله لها إلا صوت أحد معارفه، وقد كان صديق والده رحمه الله.
- جاسم مش معقول.. أخيراً طرقنا اتصدفت يا ابن الغالي.
ليقف جاسم باحترام ويصافحه بحرارة. لتتابعه مهرة بعينيها متعجبة من تحوله السريع.
ونظر الرجل بعدها نحو مهرة متسائلاً بمرح رغم كبر سنه:
- مين الحلوة ديه.
وأقترب من مهرة يمد يده يصافحها، لتنهض من فوق مقعدها بارتباك، لتصافحه وشعرت بالألفة نحوه.
فأبتسم الرجل وهو يخبرها بهويته، بعد أن أخذ جاسم دور المشاهد.
- أنا عماد الراوي، لواء متقاعد.
لتهتف مهرة وهي تنظر لجاسم الذي وقف يطالعها بجمود كعادته:
- أتشرفنا يافندم.. وأنا مهرة.
وحدقت بجاسم بقوة:
- بشتغل عند جاسم بيه.
فنظر عماد إلى جاسم ببشاشة ومرح:
- وبيعملك كويس الولد ده ولا ديكتاتور.
وعلى الفور ردت مهرة:
- لاء ديكتاتور.
لتتسع عين جاسم من ردها ويضحك عماد بقوة.
وهو يجلس على أحد المقاعد.
وجلسوا يثرثرون، وقد اندمج عماد مع مهرة التي كانت تمرح دون العادة، وهذا ما أثار الدهشة لدى جاسم.
- سيادة اللواء هنا وكمان مين جاسم.
لينهض جاسم مبتسماً، مصافحاً ذلك الشاب.
- أزيك يا مراد.
وأنضم إليهم مراد بعد أن تسأل عن أحوال كريم، وأحوال جاسم في العمل.
وهتف جاسم بعملية:
- مش ناوي برضوه تيجي تشتغل معايا.
فنظر عماد إلى ولده الذي قد تخلى من أسبوع عن وظيفته بسبب عدم نزاهة مديره، رغم أنه يعمل بشركة كبرى.
ليهتف مراد مبتسماً:
- لو لسا عرض شغلك موجود فأنا موافق ياسيدي.
لتتسع ابتسامة جاسم، فأخيراً قد وجد مديراً جديداً لمصنعه يثق به.
وأنتبه مراد لمهرة التي أخذت تطالعهم بصمت، إلى أن رحب بها:
- مش تعرفنا يابابا.
وغمز بمكر لوالده. لينظر عماد لمهرة بلطف:
- ديه مهرة عروستي الجديدة.
فضحك مراد على دعابة والده. ومدام قد مازح والده بتلك الطريقة، فبالتأكيد أنه استشعر طيبتها.
فعمله كوالده جعله يعرف متى يكون حازماً ومتى يكون لطيفاً.
وتوردت وجنتاها وهي ترى الحديث ينقلب عليها، فيبدو أن علاقة عماد بولده علاقة تشبه الإخوة وليس أب وابنه.
وألتقطت عيناها بجاسم الذي أخذ يطالعها بجمود، يضغط على قبضتي يديه بقوة.
وقد ظنت أنه ينفر من وجودها بينهم، ولكن هو كان يطالعها بنظرة لأول مرة يخصها بها، نظرة رجل لامرأة.
.....................................................................
وقعت عيناها دون قصد على هيئته التي تسلب الأنفاس، دون قصد، كأنه رجل بالفعل، وسيم وسامة طاغية.
وأشاحت وجهها سريعاً وهي تخبر قلبها أن يتوقف عن النبض كلما رأه.
اليوم جواد أصر عليها أن يهبطوا لساحة الفندق، فقد مل من جلوسهم في الجناح الواسع.
وألتفت حولها تبحث عن جواد لتجده يقف مع أحد الموظفين يأخذ منه الحلوى.
فأبتسمت لا شعورياً، ولم تلاحظ ذلك الذي أخذ ينظر إليها بعد أن أشاحت وجهها عنه.
………………………………........................................
بعدما أنهت عملها، ذهبت حيث المكان الذي أخبرها فيه أكرم أنه يريد أن يلتقيها فيه.
ووصلت للمكان بأرهاق، وأخذت تبحث عنه بعينيها لتجده يلوح لها بيده.
وأقتربت منه، وجلست على المقعد تنتظر الحديث الهام الذي سيخبرها به، وانتظرت لدقائق وهي ترى أكرم يفرك يديه بتوتر.
- أنت جايبني هنا يا أكرم عشان نقعد ساكتين.
ليرتبك أكرم وهي ينظر إليها، ثم جذب تلك الحقيبة التي هي أسفل قدميه معطياً إياها إياها.
فحدقت مهرة بالحقيبة بقلق متسائلة:
- فيها إيه الشنطة ديه.
ليفتح أكرم الحقيبة، التي يملأها المال.
لتشهق بفزع:
- جبت الفلوس ديه منين.
ليتذكر أكرم التوكيل الذي لديه من والدته، فكل شيء يعد باسم والدته.
- ده حقك انتي و ورد يا مهرة.
لتزيح مهرة الحقيبة بعيداً عنها بغضب:
- انت جبت الفلوس ديه إزاي.
فشحب وجه أكرم.
فعلمت أن الأمر به شيء.
وبعد ضغطها عليه لمعرفة مصدر المال، أخبرها بكل شيء.
لتنصدم من فعلة شقيقها.
- سرقة فلوسهم.
فتمتم أكرم سريعًا:
- أنا مسرقتش، أنا جبتلكم حقكم. ماما عمرها ما هتديكم حاجة.
لتبتسم مهرة ساخرة وهي تنهض.
- وتفتكر أنا وورد كنا بندور على فلوس يا أكرم؟
وتابعت وهي مازالت واقفة أمامه:
- إحنا كنا بندور على الحنان، على السند.
فحدق بها أكرم بألم.
- رجّع الفلوس يا أكرم.
وكادت أن تتابع طريقها وتتركه، إلا أنها وضعت يدها على كتفه تربت عليه.
- أنت مرحب بيك في أي وقت معانا.
وأنصرفت دون كلمة أخرى.
لينظر نحوها أكرم وهو يشعر بالحب القوي نحوها ونحو شقيقته ورد.
***
أنصدمت ورد عندما علمت من معاذ أن وجود جواد مؤقت وفترة وسيعود كنان وجواد لوطنهم.
لم تركز يومًا أن تقدمت للوظيفة أنها فترة عملها مؤقتة، وكل ما ظنته أن تلك الفترة ستكون كاختبار مدفوع الأجر ثم يكون تعيينها.
ونظر لها ياسر متسائلاً:
- روحتي فين يا آنسة ورد؟
فانتبهت ورد لياسر الذي يقف أمامها في بهو الفندق يتحدث معها قليلاً يسألها عن أحوالها بالعمل حتى الآن.
وتسألت ورد بأمل أن ينفي لها ما لا ترغب بسمعه.
- يعني المشروع يخلص وهيمشوا؟
فحرك ياسر رأسه بالإيجاب وهو يتمتم.
- أكيد هيجي السيد كنان زيارات، بس أكيد على فترات متباعدة. هو ليه مشاكله وشركته في تركيا.
لتبتلع ريقها وقلبها بدأ يؤلمها بألم لا تعرف سببه.
***
نظرت مهرة للدعوة التي أعطاها لها السيد مسعود. ورغم أنها لم تكن تفكر أن تحضر، إلا أن اليوم كان مرهقًا على أعصابها فقررت أن ترفه عن نفسها اليوم وهاتفت ورد كي يلتقوا ويذهبوا سويًا، ولكن ورد تعللت بعدم رغبتها في ذلك.
ووصلت لوجهة المعرض وأردفت للداخل تتأمل المكان واللوحات والأشخاص الموجودين.
لتقترب منها رقيه بابتسامة هادئة.
- نورتينا.
فابتسمت مهرة لها، فتلك الفتاة تشبه شقيقتها بابتسامتها.
وأقترب مسعود من ابنته غير مصدقًا من مجيء مهرة.
مرحباً بها.
- ديه مهرة اللي حكيت لك عنها يا رقيه؟
لتصفحها رقيه هذه المرة بود.
- بابا حكالي عنك.. ومعجب جدًا بشخصيتك.
فأرتبكت مهرة، فالمدح هذه الأيام أصبح يتدفق عليها من جميع الناس إلا شخصًا واحدًا تود أكله بأسنانها.
وأستأذنت منها رقيه بلطف، لتذهب لضيوفها.
كما استأذن مسعود مشيرًا لها بأن المكان لها.
وأبتسمت بانبهار وهي تقف أمام أحد اللوحات.
لتسمع صوت أحدهم.
- آنسة مهرة.
لتلتف مهرة نحو مصدر الصوت فقد كان مراد ابن السيد عماد.
- صدفة عجيبة.
لتتمتم مهرة بغرابة.
- فعلًا.
وأقتربت رقيه من مراد بلهفة وحب.
- كبرتي يا رورو وبقي ليكي مشاريع.
وفهمت من حوارهم أنهم أولاد خالة.
وابتسم مراد وهو يطالع رقيه.
- رقيه أختي الصغيرة.
وأنتبهت مهرة وهي تبتسم لهم لملامح رقية التي تغيرت عند سماعها لتلك الكلمة.
فعلمت أن أحدهم واقع بالحب والآخر لا يرى.
***
كان يتفحص بعض أعماله على حاسوبه.
ليشعر بالملل والإرهاق ووجد نفسه يلتقط هاتفه.
يتأمل صورتها معه ومع جواد.
***
كانت دعوة مشيرة لكريم لأحد حفلاتها ما هي إلا بداية لخطتها.
اقترب منها كريم مصافحًا لها بابتسامة لطيفة.
لتسأله مشيرة، والتي هي مصرية من حيث الأب وأردنية من حيث والدتها.
- فين المدام يا بشمهندس؟
وكانت الإجابة كما رغبت.
- زوجته لا تفضل تلك الأجواء، غير أنها منشغلة بطفليها.
***
رفعت مني وجهها نحو مهرة التي يبدو عليها مستمتعة بيومها.
وأخذت تتفحصها بعينيها تتعجب من هيئتها بها شيء مختلف ولكن لا تعرفه.
الملابس كالمعتاد.
نظارتها التي أصبحت تشك بأمرها.
ملامحها كما هي ليس بها زينة.
شعرها.
نعم شعرها هو من به شيء عجيب، رغم أنها مازالت تعقده ولا تظهر طوله إلا أن اليوم تسريحته مختلفة قد أظهرت جمالها الهادئ الذي تخفيه.
وطرقعت أصابعها أمام مني.
- مدام مني، روحتي فين؟
فابتسمت لها مني.
- فيكي حاجة عجيبة النهارده وكنت بحاول أكتشفها.
فخجلت مهرة، فالكل بدأ يخجلها بلطفه.
- بتتهيألك، أنا زي ما أنا.
فضحكت مني على أرتباكها.
- وبقينا نتكسف.
وعندما لاحظت مني أرتباكها وتوترها.
- اتأخرتي كده ليه النهارده؟
لتهتف وهي تبعث في الأشياء الموجودة على مكتب مني المرتب.
- كنت بخلص شوية ورق لموكل عندي.
فابتسمت مني بلطف.
- حظك حلو النهارده إن جاسم بيه مجاش لأنه تعبان شوية.
لتظهر السعادة على وجه مهرة وهي تفرد ذراعيها.
- ياسلام على الأخبار الحلوة.
وتابعت وهي تميل نحوها.
- قوليله ياخد أجازة أسبوع كده عشان صحته.
فضحكت مني وهي تري سعادتها بذلك الخبر.
- أسبوع. روحي يا مهرة على مكتبك.
لتبتسم مهرة وقد وجدت فرصة كي تغتاب جاسم مع مني.
- عشان نرتاح منه شوية.
وأخذت تنعته بمسميات كثيرة.
ومني متسعة العينين وهي تري جاسم يردف للمكتب مشيرًا لها أن تصمت.
ووقف خلفها يضع على أنفه منديلًا ورقيًا.
- انتي إزاي اشتغلتي معاه خمس سنين؟
انتي تستحقي جائزة في الصبر.
وتابعت وهي تلوي شفتيها بامتعاض.
- أنا السنة تخلص بس ومش عايزة أسمع اسمه.
ونظرت إلى مني متعجبة من نظرتها وتحرك حاجبيها.
- مالك يا مدام مني؟
فتنحنحت مني بحرج.
وصدح صوت عطسة قد فلتت من جاسم دون قصد بسبب نزلة البرد.
لتتسع عين مهرة وهي تلتف نحو صاحب تلك العطسة.
رواية لحن الحياة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سهام صادق
كانت الصدمة جالية علي وجهها وهي تراه يقف خلفها يطالعها بنظرات جامده
ورفع يده مشيرا لها بتحذير ولكنه قد يأس منها
وأتجه نحو مكتبه وهو يهتف:
- بعد نص ساعه استدعيلي مدير التسويق
ثم ألتف مجددا ليجدها تقف متسعة العينين من صدمتها فيما سمعه:
- استاذه مهرة لو مش هنضيع وقت حضرتك في استكمال شتيمة صاحب الشركه .. محتاجك دقيقتين
فتنحنحت مهرة حرجا من أسلوبه ... وأتبعته تحت نظرات مني
وأردفت خلفه لتجده يجلس علي مقعده بأرهاق
ويفرك جبهته من اثر الصداع .. وأحني رأسه قليلا
وأنتظرت ان يوبخها كالعاده ولكن:
- اللعبه هتنتهي امتي
فطالعته دون فهم:
- لعبة ايه يافندم
فزفر جاسم أنفاسه بتعب واضح علي ملامحه:
- لعبة الند بالند
فأرتبكت ووقفت تطالع اللاشئ:
- بعترف انى استمتعت بالعبه شويه .. بس الحكايه ابتدأت تمحي الأحترام
وكادت ان تهتف لتدافع عن نفسها وأنه هو السبب في ذلك ..فأشار لها بأن تنتظر الي ان يكمل حديثه:
- مش هنكر ان انا اللي قللت من احترامك الأول واتعاملت معاكي كخصم
ففتحت فاها كالبلهاء .. فيبدو ان نزلة البرد قد فعلت أشياء عجيبه:
- لحد ماالسنه تخلص هتقضي مهمتك كموظفه ليها احترامها
وحدق بها بقوه:
- الفيصل في اي شئ هو شغلك ..
وتابع محذرا:
- وياريت تأجلي مقتك علي صاحب الشركه بعد ما مدة تعينك تنتهي هنا
وحاولت ان تتحدث من هول ماسمعت ولكن أشار لها بحسم ان تنصرف
وانصرفت وقد أصبح عقلها يدور بحلقة واسعه جاسم الشرقاوي شخصية لا تفهم
وتنهد جاسم وهو يدق علي سطح مكتبه بأطراف أصابعه ..فأمس قد علم من أحد مصادره بمن كان يتبع شقيقه وفضح أمره في التشكيك بزيجته ..هو نفس الصحفي الذي اخبره عنه ياسر وقد رأي مهرة برفقته يوما ..ولكن معلوماته كانت عن طريق أحدي رفيقات شقيقه القدماء وليس كما ظن ياسر عندما أخبره بالأمر
وأخذ يزفر أنفاسه بحنق فأول تهمه ظنها بها قد زالت
اما وجودها الذي يذكره بحبيبته القديمه ..فأكتشف أنهم شتان .. مهرة متمرده للدفاع عن حقها لا أكثر
لا من أجل ان تظهر بمظهر الفتاه المتمرده كمن عرفها قديما
غير ان يوم النادي رأي شئ خفي بها ..رأي طفله تخجل من كلمة جميله .. رأي هدوئها مع من يلاطفها
وضحك وهو يتذكر كيف تكون قطة شرسه عندما تشعر بأن من أمامها يقلل من قدرها ويهينها
والقطه لا تظهر الا معه ..
...........................................................................
نظرت ورد للطبق الثالث الذي وضعه موظف الخدمه بعد ان وضع لهم وجبة الغداء
لتجد كنان يردف للجناح وهو يطالعهم ليهتف جواد بسعاده:
- ستأكل معنا اليوم خالو
فأبتسم كنان وهو يقترب منه ليقبله:
- بالتأكيد
ونظر نحو ورد المرتبكه متسائلا:
- كيف حالك ورد
لتتمتم بخجل من حضوره:
- الحمدلله
وداعب شعر جواد:
- سأغسل يداي وأعود ..لا تأكل من غيري
فضحك جواد وهو يحرك له رأسه بأنه سينتظره
وبعد دقائق كان يجلس كنان معهم ..يتناولون الطعام ممازحا جواد ..و ورد تقلب في طبقها بخجل ولم تأكل الا لتداري أرتباكها:
- يبدو ان ورد تخجل من وجودي جواد
فنظر جواد نحو كنان غامزا له بعينيه:
- أغمض عينك قليلا خالو وستأكل هي
فأرتبكت ورد وهي تنظر لجواد بعتاب ..ليضحك بعدها من نظراتها
فأبتسم كنان وهو يري كيف أنسجم جواد مع ورد:
- هل تريدي ان أنصرف ورد لتأكلي براحه
فأشتعلت وجنتي ورد بخجل:
- لا سيد كنان ..لقد شبعت
ليحدق كنان بملامحها الهادئه ..فورد مايميزها هو هدوئها ونظرة عيناها الدافئه ..
ونهضت من أمامه مرتبكه خائفه من ذلك الشعور الذي بدء يسري داخلها جعلا أياها تحلم
.........................................................................
أوقفتها أحدي جارتها علي أعتاب البيت:
- مهرة عايزاكي في موضوع ياحببتي
لتنظر مهرة نحوها بتوجس ..فالسيدة عزيزه تعد الخاطبة الخاصه بحيهم من كثرة توفيقها بين بنات الحي وشباب أخرين لا تعرف من اين تأتي بهم
وفتحت لها مهرة قفل مكتبها وأدخلتها الحجرة الصغيره .. ووضعت لها المقعد لتجلس عليه متسائله:
- خير ياخالتي عزيزه
فأبتسمت عزيزه وهي تتفحصها بعينيها:
- خير ياحببتي ان شاء الله .. هي فين ورد صحيح
فلمعت عين مهرة وأخذت تتفحص هيئة وجهها:
- ورد لسا في شغلها
فتمتمت عزيزه:
- بكره تتهني في بيت جوزها ولا شغل ولا تعب
لتحك مهرة ذقنها وقد فهمت قدومها:
- اه قولتيلي .. ندخل في الموضوع بقي ياخالتي عشان انا تعبانه وعايزه انام
لترتبك عزيزه من نظرات مهرة:
- جايبه لورد عريس انما ايه صنيعي كسيب اد الدنيا
وتابعت:
- و ورد أختك فيها كل المواصفات هاديه ومالهاش حد يقرفه أصل ياعيني جوازته الأولي باظت بسبب حماته وحماه
ونظرت إلي مهرة التي تجمدت ملامحها:
- ها ايه رأيك يامهرة
لتحدق بها مهرة بجمود وقبل ان تنطق بشئ:
- متأخذنيش يامهرة ياحببتي .. بس مين هيبصلكم من ولاد الناس اللي ليهم عائلات ..ابوكم ورميكم وأمكم الله يرحمها ملهاش حد هنا ولا نعرف ليها حد
وتابعت وهي تلوي شفتيها:
- فكري وقوليلي رأيك ياحببتي
لتنهض مهرة من فوق مقعدها وقد لمعت عيناها بغضب:
- طلبك مرفوض... وياريت توفري نصايحك وخدماتك لنفسك
وهتفت بعلو صوتها:
- بره يازوزو .. ولا نسيتي نفسك
لتتسع عين عزيزة وقد ظنت ان أصلها قد محيه الزمن
لتقف مهرة أمامها:
- نورتي يازوزو
وركضت عزيزه بخوف للخارج وهي تتمتم حانقة فهي تفعل خير لتلقي هذا الشر
لتهوي مهرة علي مقعدها مجددا متذكرة والدها:
- انت السبب
.................................................................
ذهبت إلي عملها دون حماس .. لتجد مني تخاطب أحدهم بالهاتف تخبره بألغاء موعد اليوم لعدم وجود جاسم
وأغلقت الهاتف وهي تزفر أنفاسها:
- كويس انك جيتي يامهرة
لتتسأل مهرة وهي تشعر بوجود خطب ما:
- هو جاسم بيه مجاش
فحركت مني رأسها بأيجاب ..ملتقطه بعض الملفات من علي سطح مكتبها:
- الملفات ديه المفروض جاسم بيه يشوفها ويمضيها وللأسف النهارده هو مش جاي لظروف صحيه
وتابعت مبتسمه:
- وانتي اللي هتروحي توديها ليه
فعقدت حاجبيها بتسأل:
- اروح اودهاله فين
فتمتمت مني وهي تطالع شاشة الحاسوب:
- البيت يامهرة
وأبتسمت وهي ترفع وجهها نحوها:
- اكيد عارفه العنوان
فألتقطت منها مهرة الملفات بحنق ..وانصرفت نحو فيلته التي تعرفها تماما وكيف لا تعرفها ولها بها اسوء لحظتان
واخيرا وصلت الي وجهتها لتجد نفس الحارس الذي قد اسقطها أرض هو من يفتح لها البوابه
ليحدق بها الحارس متذكرا ملامحها:
- انتي تاني
لتتقدم منه مهرة بخطوات واثقه وهي تحمل الملفات:
- اه انا .. ووسع كده عشان مش فاضيه
ليضع الحارس بيده أمامها:
- هي وكاله من غير بواب اتفضلي ياانسه
فأغمضت عيناها قبل ان تدفعه بقبضه يدها وتردف للداخل ..مشيرة للحارس الأخر:
- ابعد زميلك ده عني ..عشان شكله بيعصبني
وتابعت وهي تنظر إليهم بتحذير ..رافعة بعض الملفات:
- انا موظفه في الشركه .. واظن انك شوفتني هنا من كام يوم مع جاسم بيه في عربيته
ليتذكرها الحارس:
- ايوه يافندم ..ثواني بس اعرف البيه بوجودك لان ديه أوامر
لتتأفف بحنق:
- داخله لرئيس الدوله انا
ونظرت حولها لتجد مقعد .. فجلست عليه وهي تنتظر الرد:
- جاسم بيه منتظر حضرتك
لتنهض من مقعدها واقتربت من الحارس الذي تفتعل معه شجار دوما:
- قال تتفضل اه يابتاع وكاله من غير بواب
..........................................................................
نظرت سهير الي اكرم وهي تضرب علي صدرها:
- يانهارك مش فايت عايز تسرق أمك ياأكرم
ليطالعها أكرم بضيق:
- انا مسرقتكيش انا بديهم جزء من حقوقهم
وتابع وهو ينظر لفخامة شقتهم:
- احنا مش فقره عشان نسيب أخواتي عايشين كده في بيت قديم بيصرفوا علي نفسهم
لتمتعض سهير من حديثه:
- وهما أشتكولك .. فوق كده ياأكرم انت ملكش غير اخ واحد هو كرم وبس
وتابعت بتصنع وهي تضع بيدها علي قلبها:
- افضل زعلني منك كده لحد ما تموتني وترتاح يابن بطني
ليقترب منها أكرم بفزع يحاوطها بذراعيه:
- خلاص مش هفتح معاكي الموضوع ده تاني بس أرجعي ابعتلهم الشهرية بتاعتهم .. واعزميهم عندنا
وتابع بأمل:
- اقولك علي حاجه أحسن جبيهم يعيشوا معانا
لتنفض سهير ذراعيه عنها بقوه:
- اجيب مين يعيش معانا .. فوق ياابن بطني ومتزعلنيش منك انا كل اللي بعمله ده عشانك وعشان اخوك.. ديه فلوس جدكم اللي هو ابويا
وكويس اووي اني صرفت عليهم طول السنين اللي فاتت
وأنصرفت من أمامه ..تتباطئ في خطواتها:
- اعقل ياأكرم وخليك حبيب أمك يا حبيبي
........................................................................
أصبح يجلس معهم بالجناح يتابع أعماله .. كانت تسمعه وهي يتحدث في هاتفه بحزم فأدركت حقيقة كانت غافلة عنها كنان رجلا ذا أسم قوي في وطنه
ومستثمر له وضعه في بلدها لا تعلم لما شعرت بحرقة بقلبها وعينيها وهي تجد عقلها يخبرها بأن لا تنجذب لهذا الرجل
وتابعت أهتمامها بجواد وهي تعلمه القراءة بالعربيه
ولم تدرك بنظرات كنان لها بعد ان أنهي مكالمته
وعاد يجلس علي الأريكة مجددا يضع حاسوبه علي قدميه وأندمج في أعماله.. ليرفع وجهه بعد برهة نحوهم علي صراخ ورد بآلم .. فجواد دون قصد منه قد طرف عيناها بأصبعه
فترك حاسوبه وتقدم منها بقلق:
- مابكي ورد ..أرفعي وجهك
وجثي علي ركبتيه امامها ..منتظرا ان ترفع عيناها ولكنها نهضت سريعا من أمامه وهي تضع بيدها علي عينها المتروفه:
- انا بخير
ونظرت إلي الصغير مطمئنه:
- لا تقلق جواد .. لا يوجد شئ
فطالعها الصغير بأعين دامعه من خجله ..
ليجد كنان نفسه مازال جاثيًا على ركبتيه. وقد نهضت من أمامه وكأنها تنفر اقترابه. هذا الشعور الذي وصله، ولكن هي تفعل ذلك كما تربت. فهو إلى الآن لم يركز أنها محجبة. واعتدل في وقفته يطالعها بملامح جامدة. لينصرف بعدها دون كلمة. لتحدق هي في خطاه بصمت.
***
جلست مهرة على أحد المقاعد المريحة تحتسي كأس الشاي منتظرة إنهاء جاسم مطالعة وتدقيق الأوراق. ونهضت من فوق مقعدها بملل وهي تنظر لساعة يدها. فجاسم يجلس أمامها مركزًا على الأوراق، يسعل ويضع منديلًا ورقيًا على أنفه. أشفقت على هيئته، ولكن حتى وهو مريض ذو هيبة.
ورفع جاسم عيناه عن الأوراق.
- في حاجة يا مهرة؟
فأجابته بتلقائية.
- زهقت من القعدة الصامتة دي.
فأبتسم بيأس من لسانها الذي لا يراعي مع من تتحدث. وعاد لمطالعة أوراقه. فأخذت تدور حوله بالمكان تزفر أنفاسها بحنق.
- مهرة الفيلا عندك كبيرة. أتسلّي مع نفسك لحد ما أخلص الورق.
لتنظر إليه بتبرم. وانصرفت من أمامه تبحث عن أي شيء يُسليها إلى أن ينتهي من مطالعة الأوراق وترحل.
ومرت ساعة، ولكنها وجدت متعتها في المطبخ مع الخدم. جلست على أحد المقاعد تثرثر معهم وتأكل من طبق الفاكهة الذي وضعوه أمامها.
- بس انتي لازم تطلقي منه يا فوزية. بقي كل يوم علقة وبتصرفي على البيت ويعمل فيكي كده. ده ما يتحسبش في سوق الرجالة بنكلة.
ليمتقع وجه المدعوة فوزية وقد ارتسمت على ملامحها اليأس من حال زوجها.
- بحبه يا أستاذة.
وضربت على موضع قلبها.
- قلبي ده مش عارفة أعمل فيه إيه.
لتحرك مهرة شفتيها بامتعاض وهي تقضم ثمرة التفاح.
- يبقى تستهلي اللي انتي فيه يا فوزية. خليه يضربك بقى.
ونظرت إلى مدبرة المنزل السيدة هدى.
- انتي إيه رأيك يا مدام هدى؟
فنظرت إليها هدى التي لم تشاركهم الحديث.
- معلش يا بنتي أصلي سرحت شوية.
فشعرت بأن هذه السيدة تعاني من خطب ما. وحدقت هدى بمهرة طويلًا.
- انتي فعلًا محامية يا بنتي؟
فابتسمت مهرة لها وهي تحرك رأسها.
- منظري ما يدلش، أنا عارفة.
وضحكت، لتضحك فوزية معها.
وأنقضى الوقت سريعًا. لتسمع صوت جاسم يهتف باسم إحدى الخادمات.
لتركض إليه الخادمة وعادت تنظر لمهرة.
- جاسم بيه بيسأل عنك يا أستاذة.
لتلتقط مهرة إحدى الجزرات وتخرج إليه وهي تقضمها. لتجده يحمل الأوراق التي دققها. ونظر لها وهي تقضم الجزرة.
- الورق خلص خلاص.
ليعطيها جاسم الأوراق وهو يكتم ضحكته بصعوبة على هيئتها.
- خلص يا فندم.
لتحدق به وهي تعلم بسخريته.
وأنصرفت حانقة ومازالت تقضم ما تأكل ولكن بشراسة.
- السواق بره منتظر يوصلك الشركة.
وعندما التفتت لتخبره أنها لا تريد خدماته. وجدته صعد نحو الطابق العلوي بخطوات رشيقة.
***
وقفت أمامه تطالبه بأن تعمل فقد ملت من وجودها هنا.
- كريم أنا زهقت. أنا عايزة أشتغل لأرجع مصر أنا وولادي.
لتضيق عين كريم وهو يسمع تهديدها.
- ولو قلت لأ يا مرام؟
فلم تتمالك نفسها. فالغربة أصبحت قاسية عليها.
- يبقى هنزل مصر. أنا خلاص زهقت من حياتنا.
وضحكت بألم.
- حياة اتبنت غلط. حياة اتبنت عشان تمنع فضيحة عيلة الشرقاوي.
ودمعت عيناها وهي تطالع الرجل الذي أحبته ومازالت تحبه. ولكنها مع حبها كرهت نفسها، فأصبحت لا تشعر بشيء جميل بينهم يفعله.
وأقترب منها ليضمها إليه. ولكنها فاجأته بابتعادها عنه.
***
وقف يطالعها والصداع يضرب رأسه بقوة. فيبدو وجوده مع مهندسي المشروع اليوم في الشمس الحارقة التي لا تشبه حرارة موطنه قد أثرت عليه.
كان معاذ يقف معها وجواد يمسك بيدها. يعلم أن معاذ سيأخذهم ليتجولوا قليلًا في المنتجع.
وعندما لمحها تبتسم بخجل لشيء قد قاله معاذ. ذهب نحو المصعد ليصعد لجناحه.
وهتف معاذ بمرح:
- مستعدين نتمشي شوية في المنتجع؟ جو العصاري دلوقتي حلو أوي.
فرحبت ورد بالفكره. أما جواد كالعادة متحمس لفعل أي شيء.
وتذكرت ورد أنها لم تجلب حقيبتها من أعلى. فهي فور إنهاء تجولهم ستغادر. فلم يتبق على إنهاء عملها إلا ساعتين.
- أستاذ معاذ ثواني هطلع أجيب شنطتي من فوق وراجعة.
فهتف معاذ من أجل أن يريحها:
- استني هبعت حد من الموظفين يجبهالك.
فابتسمت ورد بامتنان.
- أنا هطلع أجيبها. متتعبش حد.
وأنصرفت من أمامه لتصعد لأعلى.
وما إن وصلت للجناح وجدت كنان مسترخي على الأريكة مغمض العينين.
فارتبكت من وجوده. وجالت بعينيها تبحث عن حقيبتها فوجدتها كما تركتها. وتنحنحت بخجل.
- سيد كنان.
ففتح كنان عيناه بإرهاق.
- هل أنت بخير؟
ليحرك كنان رأسه وهو يتحاشى النظر إليها.
ليجدها تقترب منه بقلق.
- لا تبدو أنك بخير.
فتمتم بتعب.
- أنا بخير يا ورد. أعاني فقط من الصداع.
فأشفقت عليه. فهو يبدو بالفعل متعبًا.
وألتقطت حقيبتها لتخرج منها قرص مسكن للصداع الذي تعجله دومًا في حقيبتها.
وأخذت كأس الماء الموضوع على الطاولة هاتفة باسمه مجددًا.
- سيد كنان.
ففتح كنان عيناه ثانية ونظر إلى يدها الممدودة. لتخبره بابتسامتها الهادئة.
- مسكن للصداع.
فتناول منها كأس الماء والمسكن وابتلعه.
- شكرًا يا ورد.
فارتسمت شفتيها بابتسامة ودودة.
- العفو. لم أفعل شيئًا لأشكر عليه.
فابتسم كنان وهو يطالع ملامحها التي تشع خجلًا لم يراه من قبل فيمن عرفهن.
وأنصرفت من أمامه بفستانها البسيط المحتشم.
كل شيء بها يجعله يفتن. وعاد يغمض عيناه.
- يبدو أن قلبي أصبح يريدك يا ورد.
***
أنعشت مهرة جسدها بالماء الدافئ كي تزيل عنها أعباء اليوم. فاليوم كان لديها جلسة بالمحكمة من أجل قضية خلع انتهت بمصالحة الزوج للزوجة. ثم ذهبت لعملها الآخر بعد أن كان لدى منى علم بتغطية تأخيرها. وعندما جاءت للعمل كانت مهمتها أن تذهب لجاسم اليوم أيضًا بأوراق إحدى المناقصات. يومان على التوالي تذهب لمنزله لأنه أراد الراحة بالمنزل.
وتنهدت ساخرة.
- ما هو صاحب الشركة.
وتابعت بحالمية.
- امتى أرجع صاحبة عمل من تاني وأشتغل حرة نفسي.
ووجدت يد ورد على كتفها تكتم صوت ضحكاتها.
- بتكلمي نفسك يا مهرة؟
فطالعتها مهرة باستياء.
- ديما مطلعاني من أحلامي.
ودفعتها بيدها.
- تعالي معايا أودي ملف الصفقة دي. وأوعدك نتمشى شوية في الهواء الطلق.
فضحكت ورد وهي تفرد ذراعيها بإرهاق.
- متحاولش تقنعيني. عرضك مرفوض.
فاحتقن وجه مهرة وهي تجد ورد تتسطح على الفراش. فعلمت أنه لا مفر من الذهاب بمفردها.
وأرتدت ملابسها سريعًا. وانصرفت تحمل الملف متوعدة لمنى لما تضعه عليها من مهام.
وأخيرًا وصلت لوجهتها. ودون جدال كالعادة مع الحارس. أردفت تتباطأ في خطواتها. تستمتع بالهواء المنبعث من الحديقة المصفوفة بعناية.
وفتحت لها مدبرة المنزل السيدة هدى بابتسامة دافئة مرحبة بها. ووجدت جاسم يهبط الدرج ويتحدث بهاتفه بطريقة عملية.
وأنتظرت أن ينهي مكالمته. ولكن يبدو أن المكالمة طويلة. فأشار إليها أن تستريح وتنتظره.
وأردف لغرفة مكتبه. فتأففت مهرة بحنق. فهي تريد أن تعطيه ملف المناقصة وتخبره بالتعديلات التي تمت في الأوراق وتنصرف. فالظلام قد حل.
ووضعت ملف المناقصة على الطاولة التي أمامها.
وخرجت من الشرفة التي تطل على المسبح والحديقة.
لتستنشق الهواء بمتعة.
وفجأة انصدح صوت المفرقعات عاليًا. فألتفتت تتأمل الأضواء في الظلام. فيبدو يوجد حفلة في إحدى الفلل القريبة.
كانت تتابع انطلاق المفرقعات بأشكالها. ولم تدرك أن كلما تحركت قدميها للخلف اقتربت من المسبح.
وأنزلقت قدماها. لتهوي في ماء المسبح.
رواية لحن الحياة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سهام صادق
شهقت شهقات متتالية وهي ترفع رأسها من أسفل الماء. ولخبرتها القليلة بالسباحة ولحظها أن حمام السباحة لم يكن ممتلئًا بالكامل، حاولت أن تخرج دون مساعدة.
لتجد جاسم متسع العينين وقد خرج للتو من الشرفة مصدومًا.
"بتعملي إيه هنا؟"
سؤال كان عبقريًا، فالمواقف تظهر أحيانًا عبقرية عقولنا الخارقة.
وبدأ عقله يستوعب الموقف، فأنفجر ضاحكًا وهو يقترب من حوض السباحة ليلتقط يدها. ولكنها نفرت يده الممدودة وصعدت بمفردها بملابسها المبتلة صارخة بوجهه:
"إنت بتضحك على إيه؟"
فما زاد من صراخها إلا ازدياده بالضحك، فمهرة تقف أمامه يقطر الماء منها ونظارتها في يدها وتمسح عيناها.
"لو سمحت بطل ضحك."
هتفت بنبرة ممتعضة. ليتوقف جاسم عن الضحك متسائلًا بجدية:
"أوعي تقوليلي كنتي نازلة حمام السباحة تعومي بـهدومك."
ليتهكّم وجهها من سخافة الموقف.
"رجلي اتزحلقت ووقعت."
فعاد يضحك مجددًا وهو يتخيل الموقف.
"إنت ما صدقت تلاقي حاجة تضحك عليها."
ونظرت إلى ملابسها بيأس، فكيف ستعود لمنزلها هكذا.
"أنا هروح كده إزاي؟"
وعطست فجأة ليدرك أن الموقف بات سخيفًا وأنها إذا ظلت هكذا ستمرض. وزفر أنفاسه بقوة وهو يهتف:
"يا هدى."
لتأتي هدى إليه مصدومة من هيئة مهرة، ولكن سرعان ما تجاوزت صدمتها.
"خدي مهرة أوضتي فوق، وشوفي لها أي حاجة تلبسها."
وسارت من أمامه تعصر ملابسها الغارقة بالمياه تتحاشى نظراته.
ووقف يطالعها يضرب كفوفه ببعضهم.
"البنت دي مواقفها فظيعة."
وعاد يتذكر هيئتها، فابتسم.
صعدت إلى غرفته مع هدى التي ذهبت تجلب لها شيئًا من ملابسها.
نظرت لغرفته الواسعة ثم ركضت للمرحاض كي تزيل عنها ملابسها المبتلة.
وبعد مرور عشر دقائق كانت جالسة في المرحاض الفسيح تقلب في أنواع الزيوت العطرية والشامبوهات التي لأول مرة تراها.
أعجبها الحمام بكل ما فيه.
"الفلوس حلوة برضو."
وأمسكت إحدى علب الشامبو تشم رائحته.
"ريحته حلوة أوي، أما أسأل مدام هدى على سعره عشان أجيبه ليا أنا وورد."
وطرقت هدى باب المرحاض.
"الهدوم قدام الباب، هنزل أعملك حاجة سخنة وأطلعلك تاني."
وفور مغادرة هدى، التقطت الملابس الموضوعة أرضًا، وأغلقت باب المرحاض لتنظر للملابس فتجدها واسعة بعض الشيء. فالسيدة هدي ذات جسد ممتلئ قليلًا، ولكن طولها قريب منها لا يتعدى الفارق ثلاث سنتي.
كانت الملابس عبارة عن بلوزة قطنية بأكمام وبنطال قطني، يبدو أنها ملابس خاصة بالنوم.
ونظرت لوسع الملابس عليها، وخرجت بعد أن جففت شعرها وعقدته كما كان.
لتجد هدى تردف للغرفة بكوب من الليمون الدافئ.
تناولته لها.
"اشربي يا حبيبتي عشان متتعبيش."
فتناولته منها، ليأتي دور سؤال كيف سقطت. فأخبرتها وهي ترتشف من كوب الليمون.
لتضحك هدى. فتنظر إليها مهرة بامتعاض فالكل يضحك عليها.
"حتى إنتي يا مدام هدى."
فتمتمت هدى باعتذار.
"آسفة يا بنتي، بس الموقف فعلاً مضحك."
وجاهدت على كتم ضحكتها، لتضحك مهرة هي الأخرى.
"يعني هي جات عليكي يا مدام هدي، ما السيد جاسم ما صدق."
فابتسمت هدى وهي تربت على ذراعيها بحنو.
"كلنا معرضين لمواقف زي دي وأسوأ كمان، وكله بيتنسي."
وأنهت مهرة احتساء الليمون متذكرة ما كانت ترغب في السؤال عنه وسألت هدى بالفعل لتبتسم هدى وهي تجيب.
"دي كلها حاجات مستوردة، وبلاش أقولك على السعر."
فطالعتها مهرة بفضول.
"ليه يعني؟ قولي يا مدام هدي أصل ريحته عجبتني."
وفتحت فاها كالبلهاء بعد أن أخبرتها هدي عن سعره.
"يا ريتني ما كنت سألت."
وناولت هدى الكأس الفارغ.
"شكرًا يا مدام هدي."
وتابعت برجاء.
"ياريت تحاولي تنشفي هدومي بسرعة."
فتذكرت هدى أمر ملابسها، ونهضت كي تأخذها لتجعل الخادمة الأخرى تهتم بأمرهم.
وأنصرفت هدى للأسفل، وأخذت مهرة تتفحص الغرفة.
"أوضة مش بطالة."
وضحكت وهي تضرب جبهتها.
"هنكذب على نفسنا."
ووجدت بابًا آخر صغيرًا في الغرفة فذهبت نحوه، ونظرت داخله.
"هي دي بقى الأوضة اللي بيقولوا عليها غرفة الملابس. ياسلام ياسلام على العز."
وتابعت وهي تردف لداخل الغرفة الموضوع بها ملابسه بعناية.
"ماله الدولاب، كل الهدوم فيه فوق بعضها."
وأنبهرت من كم الملابس الأنيقة المتنوعة، ونهرت نفسها.
"إيه اللي أنا بعمله ده."
وخرجت من غرفة الملابس، تجلس على فراشه الواسع منتظرة بملل قدوم هدى لها بملابسها.
ومر الوقت حتى بدأت تشعر بالنعاس، لتنظر إلى الوقت فالساعة أصبحت التاسعة مساء.
ونهضت نحو الأسفل تستعجل هدى حتى لو سترتدي ملابسها مبتلة.
وهبطت تبحث عن هدى أو فوزية التي تعرفت عليها في السابق، ولكن وجدت جاسم يخرج من غرفة مكتبه، ووقعت عيناه عليها فابتسم، فهيئتها اليوم تجعله يقاوم ضحكاته بصعوبة.
"بدوري على مين؟"
فتأففت بحنق.
"مدام هدي، أنا عايزة هدومي عشان أروح."
وزمت شفتيها بضيق، ثم عطست بقوة.
وأقترب منها جاسم وكاد أن يضع يده على جبينها يتحسس حرارتها، فأشاحت وجهها بعيدًا عنه.
فابتسم وهو يشير لها.
"تعالي اقعدي، ارتاحي."
وجلست بالفعل، تنتظر ملابسها وأصبح مشروب ساخن يأتي وراء آخر وجاسم يجلس على مقربة منها تخبره بما أخبرتها به مني عن التعديل الذي تم بعدما أمر هو بذلك.
وعطست بوجهه، ليبتسم قائلًا:
"أنا ما صدقت الدور بدأ يخف من عندي."
فضحكت ولأول مرة تضحك معه دون أن تشعر ببغضها عليه.
"يعني هو الدور جه عليا."
فضحك على تعبيرات ملامحها، ووجدها تنهض بفزع.
"الساعة 11 أنا لازم أروح."
ووقفت تدور حولها، تهتف:
"يامدام هدي، الله يخليكي أنا عايزة أروح هاتي الهدوم حتى لو لسا مبلولة."
لتأتي لها هدى بالملابس وهي تتنهد براحة.
"لأ كل حاجة تمام."
وصعدت درجتين نحو الأعلى ولكنها عادت تنظر إلى هدى بارتباك ونظرات جاسم تخترقها.
"فين أوضتك يا مدام هدي؟"
فسارت هدى أمامها لتتبعها، وجاسم يقف يطالعها مبتسمًا من أفعالها المجنونة.
وعادت إليه بعد أن ارتدت ملابسها، وأخذت حقيبتها وكادت أن تغادر مهرولة كي تلحق مواصلة لبيتها ولكنها وقفت على صوته.
"مهرة السواق بره هيوصلك."
ونظر لساعة يده.
"الوقت اتأخر ومينفعش تروحي لوحدك."
وكادت أن تعترض إلا أنه أشار بحزم.
"ده أمر على فكرة."
ولحاجتها لتلك المواصلة، أرضخت لأمره وأخرجت هاتفها لتجد أن البطارية فارغة فعلمت سبب عدم مهاتفة ورد لها.
***
وقفت ورد بلهفة عندما رأتها تردف من باب الشقة.
"اتأخرتي كده ليه يامهرة، أنا قلقت عليكي."
فزفرت أنفاسها بضيق وهي تتذكر كل ما مرت به الليلة. كانت لا تريد أن تحكي ولكن:
"لأ أنا لازم أحكي، يمكن أنسى."
فأتسعت عين ورد متسائلة بقلق.
"إيه اللي حصل؟"
لتقص عليها مهرة كل ما حدث، لتنفجر ورد ضاحكة.
"أوسكار أنيل موقف، يا كسفتك يامهرة."
وركضت ورد وهي ترى الشر على وجهها لتجد فجأة حذاء يضرب ساقيها.
"ماشي يا ورد."
وضربت على فخذيها بضيق.
"حتى إنتي يا ورد."
وندمت حظها.
"آه يا كسفتك يامهرة قدام الأعداء."
لتتابعها ورد على أعتاب غرفتها ضاحكة:
"كل حلفائك خانوك ياريتشارد."
وقبل أن يضرب الحذاء الآخر وجهها، أغلقت باب حجرتها وصوت ضحكاتها يعلو.
***
في غرفة يحاوطها الظلام، كانت رقية تغمض عيناها بألم. لا يراها إلا كشقيقه. ما زال يذكرها بالحلوي التي كان يجلبها لها وهي طفلة. وزفرت أنفاسها وهي تتمتم اسمه بأمل.
"أمتى يا مراد هتحس بمشاعري."
وتذكرت زواجه منذ ثلاثة أعوام، وانفصاله عن زوجته بعد أشهر، يومها عاد الأمل يتدفق إليها من جديد.
***
منديلًا وراء آخر تلقي به في السلة الصغيرة التي بجانب مكتبها. وعطست بقوة.
جعلت مني ترفع رأسها من على الأوراق.
"يرحمكم الله."
وضحكت وهي تعد لها كم عطسة عطستها.
"دي المرة العشرين."
فوضعت مهرة المنديل على أنفها تجاهد أن تكتم العطسة الحادية والعشرون كما تحسب مني.
ولكن خرجت عطستها.
وأستنشقت الهواء متبرمة متذكرة ما حدث أمس.
وعلى طيف ما تذكرته، عطست للمرة التي تنسى عددها.
"يرحمكم الله يامهرة."
فأتسعت عيناها وهي تجده أمامها مبتسمًا، يطالعها غامزًا بعينيه.
"سلامتك."
***
أنشغل الصغير في لعبته الإلكترونية، وخرجت ورد للشرفة التي تطل على منظر ساحر تتأمل صفاء السماء والهواء يداعب وجهها.
ولم تشعر بكنان الذي وقف خلفها يسمع تنهيداتها القوية التي تخترق صدره. وتقدم منها ليقف جانبها.
وقد فزعت من وجوده ولكنها تمالكت نفسها.
"الجو رائع أليس كذلك."
فتمتمت ورد ومازالت نظراتها مصوبة للأمام:
"سيكون مكان جميل جدًا جدًا."
فأبتسم وهو ينظر إليها.
"إنتي أيضًا جميلة يا ورد."
فأتسعت عين ورد، وقد سكن جسدها من الحركة.
فوجدته يميل نحوها.
"لماذا تخجلين من عبارات المدح يا ورد."
فابتعدت عنه بصدمة.
"ماذا؟"
فأتسعت ابتسامة كنان.
"أنا رجل لا يخفي مشاعره إذا رأى شيئًا جميلًا أو أعجبه شيء، ولا أخجل من أن أعبر عن ما يدور بعقلي."
فأشتعلت وجنتا ورد حرجا.
"أعلم أنك منجذبة لي يا ورد."
لتنظر إليه بصدمة فقد لاحظ نظراتها نحوه. وفركت يداها بتوتر وهي تنظر لجواد المنشغل بلعبته ثم اتجهت نحوه بخطوات سريعة.
"عن إذنك سيد كنان."
***
صافح جاسم مراد بعد أن انتهى من إمضاء عقد عمله فقد أصبح مدير المصنع بدلًا من السيد شوقي.
وخرج من غرفة جاسم بعدما فهم منه أخطاء شوقي.
ليقع عيناه على مهرة وهي تعطي لمني بعض الأوراق المطبوعة.
فحين جاء لم يقابلها.
- أنسه مهرة.
فالتفتت مهرة نحو الصوت، متذكرة مراد ووالده السيد عماد، الرجل الضحوك.
- ازيك يا أستاذ مراد؟
فابتسم مراد بحبور.
- كويس إنك لسا فاكرة اسمي.
فطالعته مهرة وهي تتساءل.
- حضرتك هتمسك المصنع مش كده؟
فحرك مراد رأسه بنعم.
- جاسم حكالي على اللي انتي عملتيه، وإنك اكتشفتي الفساد اللي فيه.
وتابع بفخر.
- انتي شخصية تستحقي الاحترام يا مهرة.
فتوردت وجنتاها من إطرائه. لتجد جاسم يخرج من مكتبه، فيبدو أنه لديه اجتماع بالخارج.
وتفاجأت من وقوف مراد معها، متسائلة.
- انت لسا هنا يا مراد؟
فنظر مراد نحو مهرة التي حاشت نظراتها عنهم.
- كنت بسلم على مهرة.
وسار مبتعداً بخطواته.
- يلا مع السلامة.. عشان ألحق أوصل المصنع.
ووقف جاسم يطالع مهرة بعينين متفحصة. فابتسامتها كانت تنير وجهها مع مراد، ولكن عندما جاء هو تلاشت. وانصرف خارج المكتب، بل الشركة بأكملها.
***
أسند أكرم شقيقه كرم، الذي يترنح من أثر الشرب.
شقيقه يأتي كل يوم هكذا، ووالديه في غفوتهم، أما في محلاتهم التي يزداد عددها، أو نائمون لا يبحثون وراءهم.
كانت الساعة الثالثة، وهو يضع شقيقه على فراشه.
- تاني يا كرم، رجعت للشرب تاني والسهر في الكباريهات؟
فتمتم كرم وهو بعالم آخر.
- هش، هضيع الكيف اللي متكيفه.
لينظر أكرم لشقيقه بلوم.
- طب المرة اللي فاتت مهرة نجدتك من السجن.
ولكن كرم كان قد غفا دون أن يستمع لشيء.
ليزفر أكرم أنفاسه بضيق.
- محدش ضيعك غير دلع ماما.
***
دفن وجهه في عنقها، وهو يستنشق رائحتها التي افتقدها. فأخذت تبتعد عنه.
- موافق على شغلك يا مرام؟
فجففت دموعها. فمنذ ساعات أخبرته أنها لن تتراجع عن قرارها، وحدث شجار بينهم، وترك لها المنزل، وها هو يعود يراضيها.
- وحشني حضنك أوي.
تذكرت المرات العديدة التي منعته عنها برفض صريح. فكلما اقتربوا من بعضهم ليلة، تستيقظ كارهة لنفسها وله، متذكرة زواجهم العرفي وما فعلته معه في الحرام.
***
يشعر بالغيرة كلما رآها تقف مع معاذ يتحادثان، وتبتسم له.
شعور الغيرة لم يجربه يوماً مع سيلا. أما ورد، كل شيء معها مختلف.
منذ لقائهما بالشرفة، وهي تتحاشى نظراته، وكأنها تخاف من شيء.
تتحدث مع معاذ، الذي يخبرها بسعادة عن خطبته لجارته الجميلة التي يحبها. رغم سعادتها بحديث معاذ عن خطيبته، إلا أن قلبها يوجعها وهي تتذكر ماجد، من كان يوماً خطيبها.
واستأذن معاذ منها ليتابع عمله. لتلتف حولها تبحث عن جواد، فتجده بجانب كنان، وتلاقت عيناهما.
***
أنهى جاسم حديثه معها في الهاتف، ولم يعد كما كان يشعر بالهفة في حديثهم. وأخرج العلبة الأنيقة، التي بها خاتم من الألماس ذو فص أزرق يليق بها وبعينيها الزرقاء. رفيف هي الزوجة المناسبة له في كل شيء، عائلة ومستوى وثقافة. ولكن، لماذا أصبح متردداً بعلاقتهما؟
وجاءت صورة مهرة أمام عينيه، بموقفها اليوم عندما أخبرها برحلتهم غداً مع المستثمرين الإيطاليين. وكان ردها.
"قول لهم شكرهم وصل، أنا أديني اليوم ده إجازة، وكده تبقى عملت معايا الواجب يا ذوق."
كانت تحادثه بتلقائية، ولم تدرك آخر جملتها إلا عندما سمعت صوته المتهكم.
- يا ذوق، انتي فاكرة نفسك فين يا مهرة؟
وعاد من شروده، وابتسم.
***
وقفت أمام مرسى البواخر، حانقة من تلك الرحلة التي دُعيت إليها من قبل المستثمرين الإيطاليين.
فهم أرادوا قبل رحيلهم أن يدعوها مع جاسم، كشكر لها عما فعلت معهم.
ونظرت إلى فستانها الصيفي الطويل، بمقت على شقيقتها.
فورْد قد أصرت عليها بارتدائه، حتى نظارتها حاولت أخذها منها، ولكن في النهاية نجحت بأن تخبئها في حقيبتها من أجل أن ترتديها. ووضعت بيدها على خصلات شعرها المعقودة، وتمتمت بضيق.
- أنا ماليش في الأجواء دي، لأ أنا لازم أمشي.
وكادت أن تلتفت. فسمعت صوت جاسم وهو يهتف باسمها، ويبدو أنه قادم اتجاهها.
وتذكرت نظارتها التي تعطيها عمراً أكبر من عمرها.
وفتحت حقيبتها سريعاً لتخرجها، ولكن أين النظارة؟
وظلت تبحث وتبحث، ولكن دون فائدة.
وزفرت أنفاسها بقوة، وهي تعلم هوية من فعل بها ذلك، فبالتأكيد ورد هي من أخذتها.
وألتفت بأرتباك. لتجد جاسم يقترب منها، ويخلع نظارته السوداء ويرتدي قميصاً أبيض وبنطالاً من نفس اللون وحذاء رياضياً.
كان يسير وكأنه عارض أزياء، فيبدو أن للمال مميزات كثيرة، منها أن تجعلك كالنجم اللامع.
- كويس أنك جيتي يا مهرة.
فأشاحت بوجهها نحو البواخر المصفوفة بالمرسى.
- ورد السبب، هي اللي أقنعتني ما أرفضش الدعوة.
فابتسم وهو يطالعها، ولم ينتبه لفستانها، ولا أنها اليوم لم ترتدي نظارتها.
- طب كويس أن في حد ليه تأثير عليكي.
وأشار لها نحو الباخرة التي سيصعدون عليها.
- اعتبريه يوم ترفيهي.
وسار أمامها لتتبعه في صمت، إلى أن صعد على الباخرة، ليستقبله أحد المستثمرين مرحباً.
ونظر إلى مهرة التي لم تصعد. فمد لها يده كي يساعدها للصعود.
لتنظر مهرة حولها، وهواء البحر يداعب وجهها. وأرادت أن ترفض مساعدته، ولكن عندما رأت المسافة الصغيرة الفارغة بينها وبين الباخرة، جعلتها تمد يدها بأرتباك له.
فابتسم جاسم خلسة، وقد فهم نظراتها، ولم يعلق.
وبدأت الباخرة تتحرك، وأندهشت بأن جاسم يجيد الإيطالية ببراعة. كانت امرأة واحدة غيرها معهم، ويبدو أنها رفيقة أحدهم. ولعدم فهمها للغتهم، لم يتشاركوا الحديث.
أخبرها جاسم بسعادتهم لقبولها الدعوة، فهم إلى الآن لم ينسوا ضيافتها لهم، ولا طبق الكشري الذي أكلوه.
ليندمج جاسم بعدها معهم. فمشروعهم قد وضعت أساسياته، وجاسم هو المسؤول عنه هنا، وهم سيعودون لوطنهم.
وأبتعدت عنهم إلى أن يأتي موعد الغداء أو العشاء.
فالشمس قد قاربت على الغروب.
كان الجو مشحون بطاقة جميلة، جعلتها تنسى حنقها من تلك الرحلة. وتقدمت لحافة الباخرة، وتركت لرئتيها حرية التنفس باستنشاق الهواء، وتمتمت براحة.
- الجو جميل بشكل، ورد كان عندها حق.
ونظرت حولها لتتأكد من خلو المكان إلا بها، فهبطت للجزء السفلي من الباخرة.
وقررت أن تطلق لخصلات شعرها العنان.
وأخذت تفرد خصلاتها الطويلة المموجه بأيديها.
ولم تدرك بوجود جاسم، الذي هبط من أعلى باحثاً عنها. فاليوم لأول مرة يرى خصلاتها الطويلة ذات اللون البني.
فهي دوماً تعقد شعرها، تخفي طوله. عيناه اليوم كانت ترى مهرة الأنثى.
وفاق من شروده، وهو يجدها تحني جذعها العلوي على حافة الباخرة، وتمد يدها نحو المياه الجارية.
رواية لحن الحياة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سهام صادق
كانت علي وشك أن تصل كفة يدها لملامسة المياه ولكن صوته جعلها تتراجع سريعا متذكرة خصلات شعرها التي قد تركتها حرة.
- المرادي إحنا في النيل .. مش في حمام السباحة.
فارتبكت وهي تلتف نحوه تجمع خصلاتها، تطالعه بأعين متوترة.
ليقترب منها جاسم متفحصا هيئتها.
- أول مرة أشوفك لابسة فستان.
ونظر لعينيها التي تشبه لون خصلاتها.
- فين النضارة؟
يبدو أن اليوم هو يوم رؤيتها وكأنها ليست هي.
وعقدت شعرها برابطته ثم مسحت عليه ترتبه.
- مجرد تغيير.
وضيقت عيناها وهي تتذكر فعلة ورد بأمر نظارتها.
- أما موضوع النضارة .. نسيتها.
فأبتسم جاسم وهو يطالعها.
- بس باين أن نظرك كويس .. ميستهلش أنك علطول لبساها.
فأشاحت وجهها بعيدا عنه، تنظر إلى مجرى المياه.
- ممكن نسميها تعود.
وابتسمت وهي تشعر بملمس الهواء يداعب وجنتيها.
- الجو جميل أوي.
فخطي خطوة لجانبها، متنهدا براحة.
- فعلا.
وتابع وهو يطالع ما أمامه بأعين ثاقبة.
- الجو الجميل والراحة النفسية بتجدد الطاقة.
فزفرت مهرة أنفاسها ببطء.
- حيث كده من واجب صاحب الشركة على موظفينه رحلة كل فترة عشان نجدد طاقتنا.
وألتفت نحوه، فوجدته يطالعها وهو يعقد حاجبيه متذكرا يوم أن سألها صديق والده في النادي الرياضي إذا كان ديكتاتورا في عمله أم لا.
- للأسف أنا ديكتاتور.
علمت من رده الساخر أنه يتذكر نعتها له بذلك فيما مضى.
- ياخسارة .. كلها أحلام موظف غلبان.
فأتسعت ابتسامته، وهو يحدق بها.
- أنتي غلبانة يامهرة .. أي حد يقول الكلام ده غيرك.
وتابع وهو يتذكر مواقفها.
- قوانين عمل وبتطبقي اللي يعجبك .. جدال وبتجادلي معايا أنا شخصيا .. قرارات وأخدتيها.
فكشرت بوجهها بطريقة مضحكة.
- هو قرار واحد اللي أخدته وكان صح.
فطالعها جاسم بهدوء وهو يرى أصبعها أمامه.
- كويس أنك كنتي بتشتغلي حرة نفسك.
وتابع ضاحكا.
- أنتي مديرة نفسك يامهرة .. دماغك ديه مينفعش معاها رئيس ومرؤوس.
رغم أنها تعلم أن كلماته لم تكن مدحا، إلا أنها شعرت بفخر.
- أوعدك بعد تجربتي العظيمة في شركتك .. مش هكرر تجربة الشغل مع مدير يؤمر وينفش ريشه عليا ولا كأنه ..
وأتسعت عيناها وهي تجد أن كلماتها قد فهمها عليه وحده، فهي تتحدث بالمجمل وقد أخذت راحتها في الحديث معه كونهم الآن خارج العمل.
- احم .. هو انت كنت جاي ليه؟
ليزفر جاسم أنفاسه بحنق وهو يبتعد عنها صاعدا لأعلى.
- أنتي لسانك ده محتاج تحجيم.
وتابع دون أن يلتف إليها.
- ياريت تحصليني.
لتنظر إليه وهو يصعد لأعلى متمتمة بحنق.
- الراجل كان لطيف معايا.
وأتبعه وهي تحادث نفسها.
- بس ده طلع بيضحك وبيبتسم وبيتعامل ببساطة.
وقبل أن تكمل باقي حديثها مع نفسها، وجدته يقف أمامها لا يفصل بينهم إلا خطوة واحدة، ومال نحوها.
- عدي السهرة ديه على خير وبلاش تحرجيني.
فأتسعت عيناها، وهي تجده يكمل سيره.
.................................................
جلست بأرهاق على فراشها وكادت أن تغمض عيناها.
- مهرة أنتي هتنامي قبل ما تحكيلي التفاصيل.
فتأوهت مهرة بأرهاق وأخذت تتثاوب.
- بكرة يا وردة هحكيلك كل حاجة .. مش كفاية يوم الإجازة ضاع.
لتتمتم ورد بإلحاح.
- عشان خاطري يامهرة.
وازداد إلحاحها، إلى أن وجدت مهرة تدفعها بيدها عنها.
- بس خلاص.
وزفرت أنفاسها وقد عادت ذكرى اليوم بكل ما فيه.
- الباخرة كانت جميلة أوي يا ورد .. ولا الأكل تحفة.
فحدقت بها ورد بملل.
- أكل يامهرة .. أنا عايزة أسمع تفاصيل مواقف.
وغمزت بعينيها وهي تتنهد.
- مثلا الإيطاليين كانوا بيتعاملوا إزاي .. جاسم بيه تعامله معاكي بره الشغل وفي الهواء الطلق كان إزاي؟
فأبتسمت وهي تتذكر ما حصل بينهم.
- جاسم بيه والهواء الطلق .. ورد حبيبتي جو الأفلام والروايات بتاعتك إنسيها.
وتابعت وهي تأخذ وسادتها بين ذراعيها وتعطيها ظهرها.
- وعشان أريحك أنا مجرد لجاسم الشرقاوي حتة موظفة لا راحت ولا جات .. وهو بالنسبالي بلاء مستنية أخلص منه وأرجع لحياتي ومكتبي الصغير والقضايا بتاعتي.
وغفت وهي تحلم بإحدى مرافعاتها أمام القاضي وصوتها يزلزل المحكمة.
..........................................
أرتدت ثيابها الرسمية بسعادة وهي تتأمل هيئتها أمام المرآة لتجد كريم يقف خلفها مبتسما.
- مبسوطة؟
فحركت رأسها بفرح، وأكملت وضع زينتها ثم خرجت من الغرفة.
دون أن تعطي له أي ردة فعل كما ظن.
فقد ظن أنها ستعانقه كما كانت تعانقه.
أو ستطبع قبلة امتنان على وجنته.
ولكن كل شيء أصبح في الماضي، مرام تبتعد عنه تريد أن تأخذ فقط، تعاقبه على ما اقترفه بحقها رغم أنه ندم.
يريد الفتاة التي أحبها ولكن أين هي.
ونفض تلك الأفكار وخرج من الغرفة، ليجدها في حجرة صغيرة تقبلهما وتخبر المربية بأمر طعامهما.
فأبتسم وداخله يحادثه.
"أعذرها وتحمل".
.......................................
دمعت عيناها وهي تستمع لاشتياق جواد لوالديه.
وضمته إليها وهي تتمتم.
- لا تبكي جواد .. سأبكي وسنغرق المكان.
فأبتعد عنها جواد وهو ينظر لعينيها الدامعة ووجنتيها المبتلة بدموعها، ثم نظر لأرضية المكان متسائلا.
- مازالت الأرض نظيفة ورد، ولم يغرق شيء.
وبعد أن كانت تبكي، انفجرت ضاحكة وانقضت عليه تقبله وتدغدغه.
- أريد أن آكلك.
فضحك جواد بشقاوة.
- لا تأكليني ورد.
فأكملت دغدغته بطفولة.
- يا لك من لذيذ .. هممم.
كان كنان يقف يطالعهم مبتسما فقد جاء للتو من جولته من مطالعة أعمال المنتجع ومتابعة المهندسين.
حول الفترة المتبقية من اكتمال كل شيء قبل افتتاح المنتجع.
ولم ينتبهوا لوجوده إلا عندما اقترب منهم، وقد رآه جواد.
- خالو.
وركض نحوه، ليحمله كنان بحب، وعيناه على ورد التي وقفت تطالعهم بارتباك تفرك يديها بتوتر كعادتها.
...............................................
حملت بعض الأوراق من أجل توزيعها على مدراء الأقسام لتتفاجئ برقية تقف أمامها مبتسمة.
- صدفة جميلة يامهرة.
فأبتسمت مهرة لشقاوتها وصافحتها بود رغم أنهم لم يلتقوا إلا مرة واحدة.
- إزيك يا رقية .. أكيد كنتي عند أستاذ مسعود.
فمالت رقية نحوها بمشاغبة.
- لازم كل فترة آجي أشوف أحواله مع لطيفة.
فضحكت مهرة.
- لتمتعض رقية.
- شوفتي أهو انتي أخدتي بالك من نظراتها .. إلا هو عامل مش شايف.
فهتفت مهرة بتعجب.
- أنتي موافقة يتجوز؟
فحركت رقية رأسها له.
- مش عارفة .. بس أنا نفسي أشوفه سعيد.
واقتربت منهم لطيفة بوجه مبتسم وصوت كعب حذائها يطرق الأرض.
- أنتي لسه هنا يا حبيبتي.
ورمقت مهرة بنظرات ممتعضة، لتلتقي عين رقية بمهرة فتبتسم.
وكادت أن تتصرف مهرة بعد أن وجدت أن وجودها ليس له داعي.
- مهرة ممكن رقم تليفونك.
وتابعت بود.
- عايزة نكون صحاب.
.................................................
تفاجئ كريم من وجود مشيرة مع شركائه الجدد في الصفقة الضخمة التي ستدخلها شركته.
وصافح المدعوين، ثم صافحها متعجبا، لتبتسم مشيرة له، فدخولها في تلك الصفقة ما هو إلا للاقتراب منه.
.........................................
وقفت مهرة أمام مكتبه تضع بعض الأوراق بعنف.
لينظر لها ياسر بتعجب ونظر لجاسم الذي أخذ الأوراق مبتسما ببرود.
- شكرا يامهرة .. اتفضلي على مكتبك.
فأنصرفت من أمامه بحنق، ليتساءل ياسر.
- أنا حاسس أن في المدة اللي سافرت فيها حاجات كتير اتغيرت.
فأبتسم جاسم وهو يعود لمطالعة الأوراق التي أمامه.
- تقدر تقول أني اتعودت على تصرفاتها.
وضحك وهو يعلم سبب ضيقها منه.
فعندما علمت بالمصادفة بالإعلان الوظيفي عن طلب موظفة للشؤون القانونية ورغبت في التقديم للوظيفة أخبرها أنها ليست مؤهلة لتلك الوظيفة.
.......................................
جلست على مكتبها بحنق وهي تزفر أنفاسها بقوة، فجاسم الشرقاوي بغروره وبروده لن يتغير.
وأخذت تلقي الأوراق التي على مكتبها بعصبية في درج المكتب.
فرفعت مني عيناها نحوها متسائلة.
- في إيه تاني؟
فنظرت إليها مهرة بجمود ثم تلاشى جمودها وهي تتساءل.
- ليه بيقلل من قيمتي يامدام مني؟
فلم تفهم مني سؤالها.
- تقصدي مين؟
فتمتمت مهرة بحنق.
- السيد جاسم الموقر.
فأبتسمت مني وهي تنظر للملف الذي أمامها.
- من ساعة ما اشتغلت معاه مشوفتهوش بيعامل حد كده غيرك أنتي.
ونظرت لمهرة التي تهكم وجهها.
- وشي مثلا بيعفرتوا؟
فضحكت مني وقد بدأت تتعاطف معها.
- مع الأيام أكيد هنكتشف السبب يامهرة.
وأبتسمت وهي تجدها تلوي شفتيها بامتعاض.
- السنة تخلص ولا عايزة أكتشف حاجة ولا عايزة أسمع اسمه تاني.
...........................................
أبتسمت ورد بسعادة وهي ترى شقيقها أكرم أمام شقتهم ويحمل معه بعض الأكياس، فقد أتت للتو من عملها.
وأشتمت رائحة الطعام متسائلة.
- هو أنا اللي جعانة .. ولا أنا شميته صح؟
فرفع أكرم الأكياس صوب عيناها.
- لأ بتشمي صح.
وتابع ضاحكا.
- هفضل واقف على الباب كده كتير.
فتحركت ورد جانبا وهي ترحب به.
- يا خبر .. البيت بيتك طبعاً.
فأبتسم أكرم بحب، وتسأل.
- هي فين مهرة صحيح؟
وسمع صوت مهرة خلفه تجر أقدامها بأرهاق.
- مهرة جات أهي.
فألتف نحوها أكرم بعد أن أعطى أكياس الطعام لورد.
- اتفضل ولا أمشي؟
فدفعته مهرة بيدها.
- يا ورد تعالي خدي أخوكي من قدامي .. أنا تعبانة وجوعانة.
لتأتي ورد من المطبخ تحمل طبقين بهم صنفين من الأسماك.
- أكرم هو اللي جايب أكلة السمك.
فنظرت مهرة للطعام بحماس ونظرت إليهم.
- عشر دقايق وجاية .. تقعدوا على السفرة محترمين.
وفجأة صدح صوت شيكا.
- يا أستاذة مهرة .. يا ست الأستاذة عربية البضاعة وصلت.
لتحدق مهرة بالطعام، فأقترب منها أكرم يربت على كتفها بحنان.
- هنزل أنا أشوفه وأستلم بضاعة المحل .. تكوني غيرتي هدومك.
وأشار إليهم بدعابة.
- أوعوا تاكلوا من غيري.
وانصرف من أمامهم لتهتف ورد بحب.
- حنين أوي يامهرة.
فحركت مهرة رأسها وهي تسير نحو غرفتها وشعور جميل داخلها.
لم تعد وحيده هي و ورد
ضحكت ورد بسعاده وهي تري جواد يقفز في حمام السباحه المغلق ويسبح بمهارة. لم تكن تتوقع انه بارع هكذا.
- ألن تقفزي ورد؟
فأبتسمت ورد وهي ترتشف من كأس العصير.
- ورد لا تعرف كيف تسبح.
لينزل الصغير رأسه أسفل الماء كاتما أنفاسه ثم يصعد ثانية.
و ورد تتابع حركاته أما بقلق أو أندهاش. فيبدو أنه كان يتمرن من وهو رضيع.
وضحكت علي تخيلها لتلك الفكره. ونظرت للقاعة المغلقه بأنبهار.
- كل حاجه في المنتجع جميله اوي.
وشهقت بفزع وهي تسمع صوت كنان.
- يسعدني رأيك بالتأكيد ورد.
وألتفت نحوه بفزع.
- فزعتني.
فتعجب كنان من الكلمه. رغم فهمه وتحدثه بالعربيه الا أنه لا يفهم التعبيرات العامية.
وضحك وهو يري نظراتها الهاربه منه.
- أنظري الي ورد.
فنظرت إليه ثم اشاحت وجهها عنه بخجل. تنظر لجواد وهو يسبح ويبتسم لهم.
- جواد بارع في السباحه.
فأبتسم كنان لتهربها منه.
- شقيقتي كانت تهتم بتعليمه.
وضاقت عيناه وهو يتذكر شقيقته. فطالعته ورد بعد ان علمت من نبرة صوته عن آلمه.
- سيد كنان.
فنظر إليها كنان مبتسما.
- انا بخير ورد.
وصدح صوت الصغير يهتف.
- اريد انا اقول لك شئ خالو.. أقترب.
فأقترب كنان من المسبح وجاثي علي ركبتيه كي يستمع إليه ولكن جواد جذبه لداخل المسبح بشقاوة.
ولحب كنان له الذي يطغي علي أي شئ. ضحك وهو يقذف قطرات الماء علي وجهه.
و ورد تنظر لهم بأعين لامعه. وقلبها يخفق بجنون. فكنان رجلا يمتلك جاذبية طاغية تجعل أنفاسها تتسارع. فتأملها وهو يبتسم وليته لم يبتسم.
تجلس في مكتبه تدون علي الحاسوب الشخصي بعض الملفات. تنظر إلي كل ملف وتري عدد صفحته ثم تكمل عملها بفتور.
كانت في عالم روتيني تبغضه ولكن عليها الصبر. العام لن يظل طويلا.
وزفرت أنفاسها بقوه. جعلته يرفع وجهه عن الأوراق التي أمامه. ودون شعور منه أخذ يتأملها وهي في تلك الحاله. وأبتسم عندما رآها تضغط على لوحة المفاتيح الخاصه بالجهاز بقوه.
وأسترخي بجسده علي مقعده. وبدأت عيناه تجول في تفاصيل ملامحها المتمرده.
وكاد ان يضحك وهو يري أتساع عيناها نحو الملف الذي امسكته للتو كي تشرع في كتابته علي الحاسوب.
وألتفت نحوه فوجدته يطالعها بنظرات عجيبه لم تفهمها. وتنحنحت حرجا فجعلته ينتبه لأمره.
- جاسم بيه.
فأبتسم جاسم بطريقة ساحرة لم تعتادها منه. فيبدو أنه عندما قال لها أنه قد مل من لعبة القط والفأر هذه التي لا تناسب طباعه لم يكذب.
- مافيش مهرب من الشغل. الملفات تتكمل للنهايه يامهرة.
وبنبرة حازمة أنهي كل شئ وعاد لعمله. فتحولت نظراتها الهادئه الي نظرات حانقة. وضعطت علي أسنانها بقوه وهي تقبض علي يديها بغضب.
ليرفع عيناه نحوها بعد ان عادت لما كانت تفعله وأبتسم وهو يستمتع برؤية حنقها منه.
لمعت عين مراد وهي يستمع لرقية التي تخبره عن صداقتها بمهرة. الي الأن لا يعلم سبب أنجذابه لها. ولكن أكثر شئ متأكد منه انه يكن لها مشاعر لم يفسرها قلبه.
- مراد انت معايا؟
فطالعه مراد مبتسما.
- معاكي ياستي.
ونهض من فوق المقعد الخشبي في الحجرة التي تخصها لرسوماتها.
- انا مش عارف ايه اللي شيفاه في شكله.. عشان تقرري ترسميني.
فأبتسمت رقية بعد ان مسحت يدها من الألوان.
- بكره لما اللوحه تخلص هتعرف السر.
فضحك مراد وهو يطالعها بحنان.
- ماشي يالمضه هانم.
أتسعت عين مهرة وهي تري فتاة كعارضات الأزياء بأعين زرقاء وشعر أشقر ترتدي ملابس علي صيحات الموضه. فوقفت مني مرحبة بها.
- سيدة رفيف أهلا بحضرتك. نورتي مصر.
فأبتسمت رفيف لها وهي تطالع مهرة.
- ميرسي مني.
وهتفت وهي تتجه نحو غرفة جاسم.
- جاسم منتظرني.
فتمتمت مني وهي تطالع مهرة التي تتفحص رفيف.
- اكيد يافندم.
وأردفت لغرفة جاسم. فأقتربت مهرة من مني متسائله.
- مين ديه؟
فضحكت مني.
- رفيف هانم أخت صديق جاسم بيه.
وتابعت وهي تنظر لمهرة.
- حلوة مش كده؟
فحركت مهرة رأسها.
- ولا كأنها طالعه من مجله.
فكتمت مني صوت ضحكاتها.
- مش معقول يامهرة.. اول مره أشوف ست تقول كده علي ست تانيه من غير ماتغير.
فنظرت مهرة لهيئتها وتذكرت هيئة الأخرى.
- اغير.
ورفعت كتفيها بفخر وأشارت نحو عقلها.
- الجمال هنا.
ثم اشارت لجسدها.
- مش هنا.
لتزداد ضحكات مني وهي تعود لعملها.
- رفيف هانم سيدة أعمال ومتخرجه من أشهر الجامعات في أميركا.
وأخذت تعد لها مميزاتها الي ان.
- شكرا يامدام مني.. انك بتفوقيني من غروري.
وعادت علي مكتبها تنظر للحاسوب ومازالت رائحة رفيف تملئ المكان.
ووجدتها تخرج من الغرفه تتباطئ في ذراع جاسم مبتسمه.
لتقع عين جاسم على مهرة التي أخذت تحدق بهم بذهول.
ونظر إلي مني يخبرها.
- رفيف هتمسك قسم التسويق لفترة في الشركه يامني عشان حملة الدعاية الجديده.
كانت مهرة تتفحص جسد رفيف وهي تلتصق بجاسم بأعين ثاقبة ولم تنتبه للفنجان الخاص بها الموضوع علي مكتبها. وأنزلق الفنجان ليتحطم.
فألتفت اعين ثلاثتهم علي أثر صوته إليها.
رواية لحن الحياة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سهام صادق
أرتبكت من نظراتهم وتمتمت وهي تنحني لتجمع الفوضى التي أحدثتها.
- مافيش حاجة، ده مجرد فنجان اتكسر.
فأمتقع وجه جاسم وهو يراها تلتقط الزجاج بيدها.
- مهرة، اطلبي أي عامل من النظافة، هما عارفين شغلهم.
فأمتعضت رفيف من اهتمامه، وضغطت على ذراعه بتملك.
- ألن تريني مكتبي يا جاسم؟
فأبتسم لها وهو يبعد ذراعها عنه، مشيراً لها بأن تتقدم أمامه.
- أكيد.
ثم ألقى بنظرة أخيرة على مهرة التي لم ترضخ لأمره وأكملت جمع الزجاج.
فالفنجان قد انكسر لقطع كبيرة مرئية.
ولوّت شفتيها باستياء.
- كان هدية من ورد.
فابتسمت لها منى بخبث.
- لو ما كنتيش مركزة أوي معاهم ما كانش ده حصل.
لترفع مهرة عينيها نحو منى.
ونهضت من جلستها بعد أن أنهت التقاط شظايا الزجاج.
- كنت بتابع الحوار يا مدام منى.
وأنصرفت خارج الغرفة وهي تتمتم بحنق من نفسها.
- لازم أركز وأفحص في شكلي، غبية يا مهرة.
***
انقضت الأيام كما تنقضي بنفس الوتيرة.
مهرة بعملها الذي تمقته، وورد في عالمها الوردي وعملها الذي أحبته بل عشقته.
ولم يكن حب عملها إلا لقربها من كنان.
وقفت مهرة بملل تطالع رفيف تردف لغرفة جاسم بعد أن ألقت عليهم تحية الصباح.
- هي إيه الحكاية بالظبط يا مدام منى؟
فابتسمت منى وهي تغلق الملف الذي أمامها.
- مالناش دعوة، إحنا هنا مجرد موظفين.
فأحتقن وجه مهرة وهي تقترب منها، متذكرة عجرفة رفيف معها الأيام الماضية.
- طب أنا خلصت كل الشغل المطلوب مني، أقدر أمشي بقى؟
فأشارت لها منى نحو غرفة جاسم.
- وأفرض سأل عنك؟
فأحتقن وجهها وهي تطالع غرفته، تضرب كفوفها ببعضهم.
- أدخله دلوقتي أنا إزاي؟ والليدي رفيف هانم جوه.
فضحكت منى وهي تتذكر امتعاض مهرة من تعامل رفيف معها بكبر.
- يبقى استني لما تخرج من عنده.
فقطّبت مهرة حاجبيها بضيق.
- واستنى ليه؟ أنا هدخله، من حق أي موظف ياخد إجازة مش انصراف مبكر من العمل.
فطالعت منى الأوراق وهي تبتسم.
- الطريق لجاسم الشرقاوي فاضي قدامك، ادخلي له.
ففردت مهرة جسدها بثقة، ووقفت أمام غرفته وطرقت الباب وأردفت.
وسقطت أرضاً بعد أن تعثرت قدماها.
لتصدح صوت ضحكات رفيف.
فنهض جاسم من مقعده فزعاً واقترب منها يمد لها يده.
- انتي كويسة يا مهرة؟
فرفعت عيناها نحوه ونظرت ليده الممدودة، وكالعادة نفرت مساعدته.
ونهضت وهي تنظر لرفيف بغضب.
- خلصت كل الشغل المطلوب مني، ممكن آخد باقي اليوم إجازة.
فنظر جاسم ليده الممدودة بحنق من أفعالها وزفر أنفاسه وهو ينظر للوقت.
فوجد الساعة تقترب من الثانية عشر ظهراً.
وعندما شعر برغبتها في المغادرة بعد حرجها من سقوطها.
- مافيش مشكلة يا مهرة، تقدري تروحي.
وأنصرفت دون كلمة بعدما رمقت رفيف بنظرات حانقة.
لتنهض رفيف من مقعدها.
- لا أصدق أنك تجعل هذه الفتاة مساعدة لك يا جاسم.
ألا ترى هيئتها؟
ولوت شفتيها بامتعاض وهي تعبث بخصلات شعرها.
- رفيف، أنا في الشغل بأحترم موظفيني بذكائهم مش شكلهم ولا لبسهم.
وتخطاها وهي يعود لمكتبه.
- روحي كملي شغلك.
فابتسمت وهي تقترب منه، تجلس على حافة مكتبه.
- سنسهر سوياً اليوم، أليس كذلك؟
فابتسم جاسم.
فرفيف ذات سحر طاغي بأنوثتها.
ووجدها تنحني نحوه تطبع على وجنته قبلة سريعة ثم ابتعدت عنه.
- إذاً أراك بعد دوام العمل.
***
كل شيء في المنتجع أصبحت تجربة هي وجواد.
ما يريده جواد ينفذ على الفور.
نظرت إلى القاعة الضخمة وشاشة العرض.
وتقدم أمامهم أحد الموظفين باحترام.
فأخذت ورد تجول بنظراتها في المكان.
جواد أمس أراد أن يذهب للسينما ويحضر أحد أفلام الخيال العلمي ويأكل الفشار.
وعندما أخبره كنان أنه يستطيع أن يرى الفيلم في الجناح على شاشة التلفاز ويصنعوا له الفشار.
رفض بطفولة وأصر أن يرى الفيلم بالسينما.
وكانت القاعة المخصصة للسينما في المنتجع لأول مرة تفتح بعد أن تم تجهيزها.
وابتسمت ورد بارتباك بعدما جذبها جواد من يدها كي تنتبه.
ووصلوا للصف الثالث وجلس جواد بسعادة على المقعد المريح وقدميه لا تصل للأرض.
يحركهما بمتعة ويصقف بيديه بحماس منتظراً عرض الفيلم والفشار والكولا.
وابتسم كنان بحنان وهو يراه بتلك السعادة.
ونظر إلى ورد فوجدها تفرد المقعد ثم جلست بخجل على يمين جواد.
- اجلس هنا يا خالو.
وأشار الصغير نحو جهة اليسار.
فجلس كنان وهو يشير للموظفين بأن يبدئوا العرض.
وانطفأت الأنوار وبعد دقائق بدأ الفيلم يعرض.
أحد الموظفين اقترب بعلبتين من الفشار بجانب الكولا.
كنان أعد كل شيء من أجل جواد.
وهذا ما كان يجعل ورد تغرق بحبه أكثر.
حنانه جميل وعجيب.
يصبح كالطفل مع جواد.
رغم أنها تعلم شخصيته الجامدة وتعامله الصارم مع موظفينه.
ولطافته التي يخصها بها ماهي إلا.
وابتسمت وهي تجد قلبها يرسم الأحلام.
وقد نسيت أنه قديماً قد رسم وحلم وانكسر.
وحدقت بالفيلم واسترخت بجسدها.
فالمكان رائع بشدة.
واختلست النظرات نحو جواد.
فوجدته يأكل حبات الفشار ومندمج مع الفيلم.
وتمتمت داخلها.
- طفل وبيتفرج على أفلام خيال علمي.. وأنا اللي بتفرج على برامج الأطفال.
وفاقت على يد جواد يربت على يدها يحثها على الانتباه.
- انظري يا ورد، أريد أن أصبح رائد فضاء مثل هذا.
فابتسمت على حماسه المحبب وتمنت أن يكون لها طفل مثله ذات يوم.
ونظرت نحو كنان بعد أن حاربت كثيراً رغبة قلبها في النظر إليه.
فوجدته يعبث بهاتفه وكأنه ليس معهم.
فشعرت بالإحباط وعادت تركز في مطالعة الفيلم.
ولا تعلم أن كنان يركز معهم.
وابتسم وقد رأى نظرتها الأخيرة نحوه.
فقد قرر أن يلعب قليلاً معها.
- سنرى يا ورد إلى متى الهروب.
كان يحادث نفسه وهو يبتسم.
وعادت ورد تختلس النظرات نحوه.
فوجدته يبتسم وهو يعبث بهاتفه.
فأصابها الإحباط مجدداً.
فيبدو أنه لا يطيق تلك الجلسة ومندمج مع شيء آخر.
ومر الوقت واندماجت ورد مع الفيلم وقد أزاحت فكرها عنه.
وأخذت تأكل من علبة الفشار بتلذذ.
وتستمع إلى حماس جواد.
ونهض كنان من مقعده بعد أن رن هاتفه وهتف بالمتصل.
- دقيقة وسأكون معك.
وصعد الدرجات برشاقة نحو باب الخروج.
فالتفتت ورد تنظر لأثره ثم عادت تطالع الفيلم وهي تزفر أنفاسها بفتور.
ومرت الدقائق إلى أن وجدت يد بجانب يدها داخل علبة الفشار.
فسحبت يدها سريعاً ونظرت إلى من يجاورها.
فوجدت كنان يأكل حبة الفشار متمتماً.
- رائع.
فأرتبكت ورد ومدت له علبة الفشار ليأخذها.
- تفضل.
فابتسم كنان وهو ينظر لوجهها المتورد من الخجل.
- سنأكل سوياً يا ورد.
فأزداد ارتباكها ونظرت نحو جواد فوجدته مندمج بمطالعة أحداث الفيلم.
- ورد.
فالتفتت نحوه بخجل ثم وضعت علبة الفشار على حافة المقعد بينه وبينها.
ليضحك كنان بمتعة.
- لا أفضل تلك الأفلام.
فابتسمت وهي تخبره.
- وأنا أيضاً.
فسألها كنان باهتمام عن نوع الأفلام المفضلة لها.
وقد ظن أنها تفضل الأفلام الرومانسية ولكن.
- أحب الأفلام التاريخية.
وتابعت بحماس.
- الحروب والخيل والسيوف.
فأتسعت ابتسامة كنان وهو يتأملها بمتعة وشغف.
***
أنهت مهرة لقاءها مع المرأة التي جاءت إليها توكلها في أمر زوجها.
وجلست على مقعدها باسترخاء ثم تأوهت بألم.
- انتي فاكرة الكرسي الخشب بتاعك زي كرسي جاسم الشرقاوي؟
وأعتدلت في جلستها تسجل عنوان الشركة التي كان يعمل بها زوج تلك السيدة.
وقد حدثت له إصابة عمل ولم يحصل على تعويض وطردوه من عمله.
ليردف إليها شيكا كأس الشاي وهو يتساءل.
- هتساعديها يا أستاذة؟
فابتسمت مهرة وهي تأخذ منه كأس الشاي تتذوقه بمتعة.
- تسلم إيدك يا شيكا.
وجلس شيكا أمامها وهو يخبرها بظروف تلك المرأة.
- متقلقيش يا شيكا، هساعدها.
ليتساءل شيكا بقلق من أمر المال.
- بس هي معهاش فلوس.. ديه ست على حد حالها.
لتنظر مهرة لعنوان الشركة متمتمة.
- قولي لها متقلقش من حاجة.
فطالعها شيكا بارتياح بعد أن علم أنها ستتولى الأمر دون مقابل.
***
تعجبت منى من سؤال مهرة على اسم تلك الشركة المعروف صاحبها بجشعه وسمعته السيئة.
وأخبرتها بالمعلومات التي تعرفها.
فتحتجرت عين مهرة وهي تعلم أن المهمة ليست هينة.
وأردف جاسم وهو متعجب من جلوس مهرة تدق على الأوراق بتركيز.
- مهرة.
فلم تنتبه لندائه وأخذ يهتف باسمها مجدداً ولكن لا حياة.
لتفزع من صوت الضربة التي ضربها على مكتبها ونهضت بحنق وقد نسيت أنها بالعمل.
- هو الواحد مايعرفش يفكر؟
ونظرت حولها لتتذكر أنها بالشركة وجاسم يقف أمامها ومنى تطالعها بدهشة.
ومسحت على وجهها.
وهي تشيح عيناها عن جاسم الذي وقف يطالعها بجمود.
عاقداً ساعديه أمام صدره.
- آسفين لحضرتك.
تحبي تدخلي مكتبي تقعدي مع نفسك وتفكري كويس.
فاحتقن وجهها من تهكمه، فهي قد نسيت وجودها بالشركة.
ولم ترد على سخريته.
ليعتدل في وقفته ثم سار نحو مكتبه.
"ورايا يا أستاذة."
وأتبعته وهي تنظر لمني التي تحدق بها.
"عايزني في إيه ده؟"
فضحكت مني، فكل يوم أصبحت تكتشف بها أشياء كثيرة، رغم تهورها إلا أنها علمت معدنها الطيب.
وقف جاسم يزفر أنفاسه بحنق، ثم التفت لها بعد هدأت أعصابه وقبل أن يوبخها أو يسخر منها.
"من غير تجريح، بس أنا عندي قضية وبفكر فيها."
وتابعت وهي تضبط من وضع نظارتها.
"أكيد بتمر بلحظات زي دي وبتحتاج هدوء."
فضحك جاسم بتهكم وهو يطالعها.
"أحجزلك في فندق خمس نجوم، تستجمي يومين وتفكري كويس في القضية."
فتنهدت بأمل وحلم.
"ياريت، ولو كسبت القضية هعزمك على كوباية عصير قصب."
وعندما وجدت ملامحه قد تبدلت، زفرت أنفاسها بتأفف، فكل شيء معه بحساب.
"قولي عايزني في إيه عشان نخلص بدل ما أنا..."
وقبل أن تكمل كلامها صرخ بوجهها.
"مهرة!"
فهمست بخوف.
"أفندم."
ليحدق بها جاسم للحظات ليلقي عليها أصعب مهمة في حياتها وهي مرافقة رفيف في البحث عن قاعة تلائم فكرها وتصلح لحملة التصوير للدعاية عن المنتج الجديد.
***
نظرت سهير لزوجها وهي تفكر في كيفية تزويج مهرة لأحد التجار.
"إيه رأيك يا عزيز في الحاج صبحي؟"
فابتسم عزيز وهو يرتشف من قهوته.
"راجل جدع وابن سوق وجزار، ليه مركزه."
فاتسعت ابتسامة سهير وهي تقترب منه بمكر تهندم له عباءته.
"طب إيه رأيك نجوزه لمهرة."
***
ارتسم الحزن على محياها ومعاذ يخبرها أن المنتجع لم يتبق عليه إلا شهر ونصف ويصبح مجهزًا، وهنا سيرحل جواد وينتهي عملها.
حقيقة جاهدت على نسيانها كي تستمتع بيومها.
ولكن لا مفر من الحقيقة مهما كان.
"بجد يا ورد، إنتي من الناس اللي متتنسيش."
وتابع بتفكير.
"إيه رأيك تشتغلي في خدمة العملاء بعد عقدك في الوظيفة الحالية ينتهي؟"
فابتسمت ورد بشحوب وهي تنظر لبهو الفندق.
ولم تجد ما تقوله.
***
القاعة التاسعة ولم يعجبها شيء، كانت مهرة تحادث نفسها بحنق وهي تتبع رفيف ومعها سكرتيرتها.
وجلست على أقرب مقعد قابلها تنتظر أن تنتهي رفيف من تفحص المكان مع المشرف.
وزفرت أنفاسها وهي تتمنى أن ينتهي هذا اليوم.
فأقدامها قد تورمت، فهي من تأتي لهم بالمسؤول وترشدهم على الأماكن التي أخذت قائمتها من مني.
وتساءلت داخلها وهي تنظر لعلو كعب حذاء رفيف.
"هي مبتتعبش؟"
لتجد سكرتيرة رفيف تركض نحوها بتعب.
"أنا هنقل نفسي من قسم السكرتارية خالص، ماله الرد على التليفونات؟"
فابتسمت لها مهرة وأشارت للمقعد الآخر.
"اقعدي يا نشوى لحد ما الليدي تخلص، فاكرة نفسها في..."
وكانت أن تكمل باقي عباراتها، إلا أن صوت رفيف أفزعها.
"نشوى!"
لتنظر نشوى للمقعد ومهرة وذهبت نحو رفيف فهي سكرتيرتها وقد تم نقلها من أجلها.
وبعد دقائق كانت رفيف تخرج من المكان ترتدي نظارتها السوداء وتهندم من خصلات شعرها المصففة بعناية.
وتأملت مهرة المكان قبل أن تغادر.
"والله حلو المكان، مبتفهمش في فن الاختيار."
واتجهوا نحو السيارة المخصصة بالطبع لرفيف.
وصعدت مهرة بجانب السائق تتمنى أن تنال القاعة العاشرة مواصفات السيدة رفيف.
وبالفعل حدث ما تمنت وانقضى اليوم.
وعادت للمنزل لتجد السيد عادل والد مرام يصعد أول درجة من الدرج بتعب يحمل بعض الطلبات.
"هات يا أستاذ عادل عنك."
فالتفت عادل لها بابتسامته الطيبة.
"إزيك يا مهرة يا بنتي."
وتابع بعتاب.
"كده الشغل ينسيكي عمك عادل؟"
فتناولت مهرة منه ما يحمل.
"غصب عني، إنت عارف غلاوتك عندي إنت وأبلة صفاء."
وصعدت معه لشقته وهي تحمل الأغراض ويسألها عن حالها. ففتحت لهم صفاء باب الشقة تنظر لمهرة مرحبة.
"تعالي يا حبيبتي، ده أنا النهارده عاملة كيكة الجيلي اللي بتحبيها وكنت هنزلك نصيبك إنتي وورد."
فوضعت مهرة الأغراض أرضًا، وقد نسيت إرهاقها مع كعكة السيدة صفاء.
***
نظر كريم إلى مشيرة التي تجلس معه في مكتبه يشرح لها بعض الأشياء في الصفقة الجديدة.
لا يعلم لما اختارته هو، فالصفقة بها شركاء آخرون.
وأخرجت سيجارتها تدخن.
"مسموح أدخن؟"
وضحكت بأنوثة، ليتمتم كريم باستياء وهو يرسم ابتسامة مجاملة على شفتيه.
"أكيد."
***
أطرحوها أرضًا، فتأوهت بألم وهي تنظر للرجلان ذو الأجساد الضخمة يتجهون نحو الشركة التي أتت لها لتتحدث مع صاحبها بخصوص مستحقات الرجل الذي لم يهتموا بأمره ولا بأمر أسرته.
وتذكرت كيف كان لطيفًا معها عندما علم أنها مندوبة من شركة جاسم الشرقاوي.
ولكن بعد أن عرف سبب قدومها إليه كانت هذه هي نهايتها، تفترش الأرض تتأوه بألم من ذراعها.
وأشفق عليها أحد المارة وساعدها في النهوض.
"ربنا ينتقم منهم يا بنتي."
***
انصدمت مني من ذراع مهرة الملفوف برباط وتعلقه برابطة على عنقها.
"إيه اللي حصلك؟"
فنظرت لها مهرة بوجع وهي تتذكر ما حدث.
"ماتخديش في بالك، حادثة بسيطة."
وتساءلت وهي تتمنى ألا يكون قد سأل عنها جاسم واكتشف تأخيرها.
"سأل عني؟"
فحدقت بها مني بأسف.
"للأسف، وقال عايزك أول ما توصلي."
فأتجهت نحو مكتبه وهي تزفر أنفاسها بقوة تدعو على
الرجلان وصاحب الشركة.
وأردفت لغرفته لتجده يطالع بعض الأوراق.
"مدام مني قالتلي إنك عايزني."
فلم يهتم جاسم بالرد عليها، فقد أخبرته رفيف في الصباح أنها سيئة في عملها ولم تنفعها بشيء غير سلوكها، وما ساعد كلام رفيف من حنقه منها أنها أيضًا لم تأتِ للعمل في وقته المحدد حتى أنها لم تخبر مني بأمر تأخيرها.
"جاسم بيه."
رواية لحن الحياة الفصل السادس عشر 16 - بقلم سهام صادق
أندفع واقفا وهو يرى حالتها تلك ونظر لذراعها بقلق.
- إيه اللي حصلك؟
فأرتبكت مهرة من نظراته، ومسحت على ذراعها برفق.
- مجرد حادثة بسيطة.
وأقترب منها وهو يحرك رأسه بيأس.
- حادثة ولا مصيبة عملتيها يامهرة؟
فأتسعت عيناها ثم أشاحت وجهها بعيداً عنه متمتمة بحنق.
- أنا بعمل مصايب.
وأبتسم وهو يمسك ذراعها يفحصه برفق، فتأوهت وهي تسحب ذراعها.
ليطالعها جاسم بضيق وهو يبتعد عنها.
- من ساعة معرفتك وإنتي يا إما بتدخلي للمصايب برجلك أو هي اللي بتجيلك.
ولم يجد منها رد إلا نظرة الأستياء التي ظهرت على ملامحها.
- ردي عليا، غلطان أنا؟
فهمهمت بصوت هامس لم يسمعه، فمال نحوها متسائلاً وهو يرفع أحد حاجبيه.
- سمعيني صوتك.
فأزداد حنقها وهي تشعر بوجع جسدها.
- مدام مني قالتلي إنك كنت عايزني.
ونسي توبيخها حتى حنقه منها، لا يعلم لما تحول مقته وغضبه منها لشعور آخر عجيب، شعور يترجمه عقله أنه ليس إلا تقدير وفهم لنواياها.
- احكيلي الحادثة دي حصلت إزاي.
فلمعت عيناها وهي تتذكر كيف في البداية وصلت لمكتب صاحب الشركة باسمه وأقحمته في الأمر.
وشحب وجهها وهي تتخيل الرجل يخبر جاسم باستغلالها اسمه.
- هحكيلك بس.
وحدقت به قليلاً وهي تود أن تتراجع، ولكن جاسم اعتدل في وقفته منتظراً أن يسمع ما ستخبره به.
واستدارت بجسدها لتهرب من نظراته.
- ولا أقولك بلاش.
ليهتف جاسم بقوة جعلت جسدها يرتعد.
- مهرة.
ففركت يداها بتوتر وهي تلتف إليه مجدداً، تنظر إلى ملامح وجهه لترى إذا كان هادئاً أم لا.
وبأنفاس سريعة أخبرته كل شيء، ثم وضعت بيدها على قلبها، تنتظر إعصار غضبه، ولكن ما حدث عكس ذلك، فرغم تبدل ملامحه ونظرته الجامدة، إلا أنه اتجه نحو مقعده وجلس عليه، ينظر أمامه ولا تعلم إذا كان ينظر إليها أم لشيء آخر.
وأخذت تدور بعينيها في المكان متسائلة وهي تشير للباب.
- أمشي.
ولم تجد منه رداً، فقررت أن تغادر من نفسها، فيبدو أنه لا يطيق وجودها حالياً.
- أنا سمحتلك تمشي.
فتجمدت في وقفتها من نبرة صوته الغاضبة.
- ردي.
فتمتمت بضيق.
- لأ.
ليتنهد جاسم بيأس منها ومن حماقتها.
- مني قالتلك عن ناصر ده إنسان سيء، روحتِ شركته ليه؟
وكادت أن تبرر سبب ذهابها، إلا أنه تابع بقسوة.
- هتفضلي متهورة لحد إمتى؟ مب تفكريش في النتائج اللي ممكن تحصلك؟
فحدقت به بضيق، هي تعلم أن حساباتها هذه المرة أخطأت بها، فلم تجمع المعلومات الكافية عن خصمها ولم تملك السلاح القوي لمواجهته.
- عارفة إني اتسرعت، بس دي مشكلتي أنا، هقدر أحلاها.
فنهض جاسم من مقعده وهو ينظر إليها من رأسها لقدميها.
- مهرة ناصر المحمدي راجل تاجر سلاح، شركته دي مجرد غسيل أموال.
وتابع وهي يتذكر اقحامها لاسمه.
- هنسى إنك قابلتيه باسم شركتي وهعدي الحكاية دي.
وتابع وهو ينظر إليها.
- بلاش عند وسيبي القضية دي.
فتهجم وجهها وأخذت تنظر إليها بجمود.
- مش هتخلي عن القضية دي، ذنب إيه أسرة تتشرد عشان راجل معندوش ضمير؟
وأقتربت وهي تحدق به بنظرات متحدية.
- وشكراً على نصيحتك.
وخطت خطوة مبتعدة عنه، إلا أنها وجدت يده تجذبها بعنف.
- دماغك دي هتقضي عليكي في يوم.
فدفعت مهرة يده عنها، وهي تضغط على أسنانها بقوة.
- مش مهم، المهم يوم ما أموت أموت وأنا قضيت حياتي صح.
ونظرت نحوه لتجده مغمض العينين وأنفاسه تتسارع من شدة مجادلته معها.
- يبقى مش هتتصرفي خطوة إلا وإنتي مع أستاذ فؤاد المحامي.
قالها وهو يمسح على وجهه بفتور.
- أكيد عارفاه طبعاً.
فلمعت عيناها بسعادة، فؤاد منصور أستاذها الجامعي الذي أحبت مهنتها بسببه، أشهر وأنزه محامي في البلد، تمنت لو أن تصبح مثله يوماً.
وعندما وجدها صمتت علم بموافقتها، فزفر أنفاسه بإرهاق.
- روحي ارتاحي ولو عايزة إجازة معنديش مشكلة.
وعاد يجلس على مقعده يتابع عمله، وفاقت من شرودها وانصرفت لتنصدم بياسر الذي كان على وشك الدخول لجاسم.
- مالك يامهرة؟
سألها ياسر متعجباً من هيئتها.
- حادثة بسيطة يا أستاذ ياسر، متقلقش.
فحرك ياسر رأسه بتفهم، ثم أردف لجاسم.
فنظرت لها مني متسائلة.
- هتروحي ولا هتقعدي؟
فأتسعت ابتسامة مهرة وهي تتذكر أجازتها.
- لأ، أنا إجازة.
وأشارت لمني بيدها.
- سلام يا مدام مني.
فضحكت مني وهي تطالع طيفها ثم عادت لعملها.
رفع جاسم عيناه عن الأوراق بعد دخول ياسر.
- مهرة مش عاجبة رفيف خالص.
وضحك وهو يجلس على المقعد الذي أمامه.
- النهاردة الصبح فضلت تسألني إزاي بقيت مساعدة ليك وبتشتغل في مكتبك إنت مش حد تاني من مدراء الأقسام.
فطالعه جاسم بحنق من تصرفات رفيف.
- رفيف مش عارف ليه حاطة مهرة في دماغها.
فأبتسم ياسر وهو يخبره.
- بتغير منها.
فتعجب جاسم من رد ياسر، رغم أن ياسر موظف لدى جاسم إلا أن خلال فترة عمله جعلت بينهم ود واحترام متبادل، فأصبح ياسر عقل ومستودع أسرار جاسم، كما أن ياسر قد رشحه السيد عماد له مما زاد ثقته به.
- رفيف بتغير من مهرة إزاي؟
وضحك بتعجب.
- طب تغير من أي حد تاني، أما مهرة عجيبة.
فطالعه ياسر وهو يحرك رأسه باقتناع.
- أنا فهمتها وجود مهرة فترة في الشركة وعقد عملها هيخلص.
فتجمدت ملامح جاسم عندما تذكر ذلك الأمر، فوجود مهرة جدد بداخله أشياء كثيرة.
وأنتبه لسؤال ياسر.
- الذكرى الخامسة لافتتاح مجموعة الشرقاوي بعد أسبوعين.
أتسعت عين ورد بصدمة وهي ترى ذراع شقيقته تربط الرباط عليه برفق بعد أن دلكته بالمرهم.
- مهرة إيه اللي حصلك؟
فنظرت مهرة إليها تطمئنها بعد أن أحكمت ربط رباط الضغط عليه.
- متقلقيش يا ورد، ده شرخ بسيط، أسبوع وهبقى تمام.
فأقتربت منها ورد تحتضنها بقوة وقد نست أمر ذراعها، فتأوهت مهرة بألم، لتبتعد عنها ورد بقلق.
- أنا آسفة يامهرة، مأخدتش بالي.
فأبتسمت مهرة بحنان وهي تفتح لها ذراعها الآخر تضمها إليها.
- احكيلي إيه اللي حصل؟
وقصت لها ما حدث، فورد إن لم تعرف، ستنقلب إلى مذياع قد علقت بطاريته.
ففزعت ورد بما حدث لشقيقتها.
- إزاي يرموكي كده؟ هما فاكرين نفسهم مين؟
فتمتمت مهرة بضيق وهي تتذكر كيف ألقوها.
- رموني ولا كأنهم بيرموا كيس زبالة.
وتابعت وهي تنظر لقبضة يديها.
- بس عارفة يا بت يا ورد أنا اللي مريحني نفسياً إني ضربت واحد فيهم بوكس في بطنه.
فضحكت ورد على سعادة شقيقتها الحنقاء من ضربها لأحدهم وقد نست ما فعلوه بها.
كان يبتسم مع كل كلمة تنطقها، يتناول الطعام بمتعة.
طعام رائع، موسيقى هادئة، واطلالة على مياه النيل ووجه حسن كرفيف.
كل شيء بها يفتنه، قدومها جعل اضطرابه يزداد.
ففي الفترة الماضية شعر بأن لهفته بها انطفئ بريقها، أما الآن العين والعقل يرغب، أما القلب به شيء راقد لم يعد يخفق.
ومسح شفتيه بالمنديل بعد أن أنهى طعامه، ونظر لساعة يده.
فمسكت رفيف كفه بنعومة.
- ما زلنا في العاشرة جاسم.
ونظرت لساحة الرقص الفارغة.
- أريد أن نرقص.
وبعد إلحاح منها، نهض معها على مضض.
ووضعت رأسها على صدره بعد أن شعرت بتجمد جسده قليلاً، ومدت يدها نحو عنقه تداعبها بإغراء.
ليجد نفسه دون شعور يسترخي ويحاوط خصرها وقد انبعث سحرها يزلزله.
نظر أكرم بصدمة لوالدته وهي تخبره بأنها جلبت عريساً لمهرة، والعريس ما هو إلا صبحي صديق والده ويماثله في العمر.
- إنتِ بتقولي إيه يا ماما؟
وتابع بقسوة.
- مش كفاية رمينهم كمان عايزة تتحكمي في حياتهم؟
فأمتعضت سهير من صراخه بها.
- أبوك موافق على الجوازة، وأه نسترها.
وتابعت وهي تحرك يدها على أساورها الذهبية.
- وبعدين مالك زعلان كده ليه؟ هو الحج صبحي في حاجة تتعايب؟ ده جزار أد الدنيا.
فتنهد أكرم بيأس قبل أن ينصرف من أمامها.
- ده عمر أبوها.
الشاطئ الخاص بالمنتجع قد تم تجهيزه، فأصبح المكان كلوحة فنية، نظرت ورد للمكان بانبهار وهي تمسك يد جواد.
- المكان جميل أوي.
فتمتم معاذ وهو يتناول كف خطيبته حسناء.
- كل التجهيزات دي بملايين، المشروع ده يمتلكه السيد كنان ومستثمر تاني إماراتي.
فطالعته ورد وهو يحادثها وكيف يحدق بخطيبته بهيام، فمعاذ اليوم أتى بها هنا بعد أن أخبر كنان بالأمس بالأمر.
وبعد أن علم كنان بخطبته كانت السعادة واضحة على وجهه.
- هيا جواد نلعب ونترك العصفورين مع بعضهم.
فأبتسم معاذ على حديث ورد، ليهتف جواد بطفولة.
- مين هما العصفورين ورد؟
ليضحك معاذ وحسناء على فكاهة الصغير، فتبتسم ورد له بحب وهي تسحب يده خلفها.
- لما تكبر، هتفهم لوحدك.
وبدأوا يفترقون، ورد مع جواد يركضون على الشاطئ برماله الناعمة، ومعاذ مع حسناء يلتقطون بعض الصور هنا مبتسمين لبعضهم بحب.
وكلما التفتت ورد حولهم يزداد تمنيها لهم بالسعادة.
ومر الوقت وهم هكذا، ويأست من قدوم كنان رغم أن جواد أخبرها أنه سيأتي فور أن ينهي عمله.
ولم تنتبه للحفرة الصغيرة التي فعلتها هي وجواد فور أن بدأ مرحهما، فتعثرت قدمها بها، لتسقط على وجهها.
كان كنان قادم، يبحث عنها بعينيه فقد لمح جواد مع معاذ وحسناء يصورهم، وأتسعت عيناه بعد أن لمحها منكبة على الأرض.
فأسرع راكضاً نحوها وهو يهتف.
- ورد.
وأصبح أمامه فوجدها تتألم قليلاً.
- مابكِ ورد؟
فتمتمت ورد بارتباك.
- أنا بخير لا تقلق.
فجثى على ركبتيه، وقد وجد بعض التراب على وجهها، ومد يده يمسحه لها، فأنتفضت من لمسته.
- سيد كنان لا يصح هذا.
فلم يعد كنان يفهم نفورها.
لمعت عيناه باتساع وهو يجدها تربت على حجابها.
ففهم أخيراً وابتسم.
وكاد أن يتحدث، إلا أن اقتراب معاذ وخطيبته وجواد جعله يتراجع.
نظرت مهرة إلى شقيقتها وهي تعرج على قدمها.
"أيه اللي حصلك انتي كمان؟"
فضحكت ورد وهي تجلس على الأريكة تفرد قدمها.
"التواء بسيط، متتخديش في بالك."
وسمعت طرقات على باب الشقة.
فنظرت مهرة لورد.
"طبعاً هفتح أنا."
فابتسمت ورد وهي تسترخي بجسدها على الأريكة.
"أكيد مش هقوم وأنا بعرج."
وازداد طرق الطارق.
فذهبت لتري من وجدت حمادة، صبي الحاج إسماعيل.
"المعلم بيسأل مين اللي كان بيوصل ست ورد."
وتابع بانبهار وهو يتذكر ماركة السيارة.
"هو إنتوا وصلتوا ولا إيه يا ست مهرة؟"
فالتفتت مهرة نحو شقيقتها تحدق بها بجمود.
فهي تعلم أن الشركة توصلها إلى أقرب موقف، ثم تكمل هي بعدها حتى تصل إلى حيهم.
فألسنة الناس لا ترحم، وخاصة هم.
وتمالكت نفسها بعد أن وجدت ورد تنهض بصعوبة من على الأريكة.
"دي عربية الشركة يا حمادة. رجلي اتلوت ومكنتش عارفة أروح."
فنظر لها حمادة، ثم تمتم قبل أن ينصرف.
"معلش يا ست الأستاذة، إنتوا عارفين المعلم بيحب يعرف كل حاجة، وبالذات لو شاف نوع عربية لسه نازل السوق."
وهبط الدرجات بحنق من معلمه الذي حين يرى سيارة تعجبه يتلهف في فحصها.
وأغلقت مهرة الباب لتنظر لورد التي أخفضت عيناها أرضاً.
"أنا آسفة يا مهرة.. أنا والله طلبت من السواق ينزلني على أول الشارع، بس السيد كنان أمره أنه ينزل عند البيت."
لتتنهد مهرة بضيق.
"متصلتيش بأكرم ليه يجيبك؟"
فضاقت عين ورد بألم.
"تليفونه كان مقفول."
وعندما وجدت دموع ورد تنساب، اقتربت منها بلهفة وضمتها إليها.
"إنتي عارفة أنا بثق فيكي إزاي يا ورد.. بس غصب عني يا حبيبتي."
وربتت على ظهرها بحنان وهي تقضم على شفتيها بقوة.
"أنا اللي يجيب سيرتك بحاجة وحشة أقطعه."
فرفعت ورد عيناها الدامعة وهي تبتسم لشراسة شقيقتها حينما يتعلق الأمر بها.
نظرت مهرة إلى هاتفها وهي لا تصدق أن من كان يحادثها منذ قليل يطمئن عليها جاسم الشرقاوي.
وفاقت من مطالعة هاتفها على جرس الباب.
فنهضت بملل.
فورد بعملها رغم أنها طلبت منها أن تستريح، ولكنها أصرت على الذهاب.
أما هي، قررت أن تجلس بالبيت وتأخذ أجازتها.
وفتحت الباب لتتسع عيناها وهي تجد زوجة أبيها وأباها أمامها.
ودخلت سهير دون أن تنتظر منها أن ترحب بوجودها.
لينظر عزيز لـ مهرة.
"إزيك يا بنتي."
فطالعته بجمود وقد تجمدت مشاعرها نحوه.
"بخير طول ما إنتوا بعاد عني وعن أختي."
لتشهق سهير وهي تلوي شفتيها.
"شوف بجاحة البت.. حد يقول لأبوه كده."
ثم تمتمت ساخرة.
"فعلاً زينب عرفت تربي."
لتلتف نحوها مهرة وهي تضغط على أسنانها بقوة.
فتتراجع سهير بخوف.
وكادت أن ترد عليها، فسمعت صوت أحدهم.
"هي دي العروسة يا عزيز؟"
رواية لحن الحياة الفصل السابع عشر 17 - بقلم سهام صادق
تجمدت ملامحها وهي تنظر للرجل الذي سمعت صوته للتو يتسأل عن عروسه. كان رجلاً أصلع الرأس، بديناً الجسد، ذا شارب ضخم. اقترب الرجل منها يتفحصها وهي مازالت في صدمتها، وصوت سهير يهتف بتهليل:
- هي دي العروسة يا حج صبحي.
لتحدق مهرة بوالدها الذي ارتبك من نظراتها. حسرة تملكت قلبها وهي لا تصدق أن هذا الرجل الماثل أمامها أبيها. شعرت بيد الرجل على وجنتها، فنفضت يده عنها وابعدت بفزع.
- انت اتجننت يا راجل انت.
ونظرت إلى زوجة أبيها.
- عروسة مين دي اللي جايين عشانها.
وأقتربت من والدها وهي تضحك ساخرة.
- دلوقتي افتكرت إن ليك بنات يا سيد عزيز.
فابتلع عزيز ريقه بخنوع، فهو زوج الست. وكاد أن يتكلم إلا أن سهير قامت بواجبها.
- لا انتي لازم تتجوزي عشان تتربي.
وتابعت بتهكم.
- لتكوني يا بت معيبة وخايفة من حاجة.
ولم تشعر بنفسها إلا وهي تدفع سهير بكل قوتها نحو صبحي.
- اخرسي.
وجاءت على صوتها السيدة صفاء، تنظر لهم بفزع واقتربت من مهرة تحتضنها.
- عايزين إيه منهم، مش كفاية راميناهم.
وأخذت سهير تهلل وتضرب على صدرها.
- شايف بنتك يا عزيز، شايف قلة أدبها.
ونظرت إلى صبحي الذي طالعهم بحنق.
- معيبة أخص.
وأنصرف الرجل. ليعلو رنين هاتف عزيز. وصرخ بانفعال في العامل الذي يعمل في أحد متاجر.
- حريقة إيه دي اللي حصلت.
فاتسعت عين سهير، وقد نست ما جاءت إليه.
- حريقة، حريقة إيه يا عزيز.
فاندفع عزيز للخارج وهي تركض خلفه تهلل وتعول.
فابتسمت السيدة صفاء وهي تضم مهرة إليها.
- سبحان الله، ربك كريم. فطالعتها مهرة بأعين شارده.
- هو ده أب إزاي، ده كان جاي يعرضني على راجل قد أبويا.
فدمعت عين صفاء وهي تحتويها في أحضانها بحزن.
- يمهل ولا يهمل يا بنتي.
***
أخفى سعادته سريعاً عندما وجدها تجلس على مكتبها تدون الملف الذي بيدها على الحاسوب وتضع كل تركيزها عليه. سمعت صوته وهو يلقي عليهم تحية الصباح، ثم أردف إلى مكتبه وشعور الراحة تسلل لقلبه حينما رآها.
وأندمج في عمله ليجد رفيف تقتحم عليه مكتبه تخبره بضيق.
- لا أحد يستجيب لأوامري يا جاسم.
فتعجب جاسم من اقتحامها لمكتبه متسائلاً.
- إيه تاني يا رفيف.
وتابع بحنق.
- أنا بدأت أتخنق من حملة التصوير دي.
فجلست على حافة المكتب بالقرب منه، تتأفف بدلال وقد انزاحت تنورتها القصيرة لأعلى.
- المصور اعتذر عن وجوده اليوم، بعد ما حجزنا المكان وأكدنا على العارض.
وألتفت بملل وهي تسمع طرقات على باب الغرفة، ثم أردفت مهرة وهي تتحاشى النظر إليهم.
- جاسم بيه، ده الورق اللي طلبته من السيد أشرف.
فوقف جاسم واقترب منها يأخذ الملف الذي قد طلبه من مني، وتفحص محتواه، ثم نظر إليها باهتمام.
- دراعك بقى أحسن دلوقتي.
فابتسمت مهرة وهي تحرك رأسها، وقد أسعدها سؤاله.
كانت أعين رفيف تخترقها، فأندفعت نحوهم بدلالها.
- جاسم، لم يتبق على موعد التصوير إلا ساعتان.
فاستأذنت مهرة منهم، ولكن عند الباب سمعت جاسم وهو يخبرها أنه سيتصرف في أمر المصور.
لتعود إليهم.
- أنا عندي مصور، هو صحيح مش مشهور بس هينفع.
ورغم اعتراض وحنق رفيف، إلا أن جاسم وافق على اقتراحها.
وأنصرفت من أمامهم سريعاً، تبحث عن رقم أحدهم.
***
وقفت بعيداً تنظر إلى رقية بسعادة وهي تلتقط الصور. فالمصور لم يكن إلا رقية. فبجانب هواية الرسم، أخبرتها رقية عن حبها وعشقها للتصوير.
وأعطتها حسابها الشخصي لتنظر لأعمالها تخبرها عن رأيها. علاقتهم لم تصبح قوية للغاية، ولكن نشأت صداقة بينهم حتى أن رقية زارتها في منزلها عندما علمت بإصابة ذراعها.
كانت رفيف تقف حانقة من موافقة جاسم على كل ما تقوله مهرة. لم يعجبها ثقته بها بذلك الشكل.
وأتجهت بعينيها نحو مهرة بملابسها التي لا تعرف من أين تأتي بها، فهي تشمئز منها.
ثم أنتقلت إلى ملامحها الصغيرة الهادئة، وهي تعلم أن مهرة إذا اهتمت بمظهرها ستصبح فاتنة. صحيح لن تكون مثلها، ولكن تشعر أنها منافسة لها.
***
أردف جاسم بهيبته الطاغية وهو يطالع القاعة المخصصة لحملة تصوير المنتج الجديد.
ودار بعينيه ليقع على ضالته وابتسم وهو يراها كيف تقف وتحمل علبة عصير ترتشفها وتسند ظهرها على الحائط تتابع ما يحدث بحماس.
ووجد يد رفيف على ذراعه تهلل بسعادة.
- سعيدة أنك أتيت يا جاسم.
فابتسم وهو يتحرك معها، يسألها عن أمور الحملة الدعائية.
ووقعت عين مهرة عليهم وهي تلوي شفتيها بامتعاض.
- ولا كأنها خايفة يهرب منها.
وعادت لأندماجها مع رقية كيف تقف وتلتقط الصور باحتراف.
وأنهت رقية التصوير وصافحت جاسم الذي لم يصدق أنها ابنة السيد مسعود وأثنى على عملها بتقدير.
وأندفعت بعدها لمهرة تحتضنها بحب.
- أنا كنت خايفة أوي يا مهرة، شكراً بجد عشان اديتيني الفرصة دي ووثقتي فيا.
فابتسمت مهرة وهي تربت على وجهها بحب.
- انتي موهوبة يا رقية، أنا بس دلتهم على طريقك.
وغمزت بعينيها ضاحكة.
فضحكت رقية بسعادة.
- أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إني اشتغلت في حملة دعائية كبيرة كده.
وتابعت وهي تتذكر والدها.
- بابا هيتفاجئ بالإنجاز ده، لسه ما عرفش إني مضيت عقد عمل في شركة الشرقاوي.
لتتقدم مهرة منها وهي تضحك على حماسها الطفولي.
وحدقت مهرة بالعارض وهو يقف مع جاسم متسائلة.
- هو مش العارض ده ممثل من الممثلين اللي لسه ظهرين.
فابتسمت رقية وهي تطالع العارض، ثم أخبرتها باسمه.
فأتسعت عين مهرة وهي تتذكر هوس شقيقتها بذلك الممثل.
- دي ورد معجبة جداً بتمثيله.
ونظرت لرقية ثم له بعد أن صافح جاسم وانهى حواره معه.
- تعالي نتصور معاه.
وأخرجت هاتفها الصغير ذات الكاميرا الخلفية فقط.
لتبتسم رقية وتشير لكاميرتها.
- تعالي أصورك بالكاميرا أفضل.
وتقدمت مهرة نحو العارض هي ورقية، ليرحب بهم. وألتقطت رقية لهم صورة ثم نظرت لمهرة.
- تعالي صوريني معاه أنا كمان.
فنظرت مهرة للكاميرا.
- بلاش أنا، ممكن أطلعك بالمشقلب.
فضحكت رقية وهي تخبرها بوضع الكاميرا، ناظرة لذراعها.
- لو دراعك لسه وجعك، قوليلي وأشوف حد.
ورغم ألم ذراعها، إلا أن التجربة كانت بالنسبة لمهرة ممتعة.
وألتقطت الصورة بسعادة لهم، وأخذوا يضحكون.
لتقع عين جاسم عليهم بجمود وكاد أن يتقدم خطوة نحوهم، إلا أن رفيف كالعادة تلتف حوله.
***
نظرت ورد إلى الهاتف الذي جلبه جواد للتو يخبرها بهمس.
- سأريك الصور التي أخبرتك عنها.
فحركت ورد رأسها وهي تطالع الصغير بحب. فقد أخبرها أنه سيرى صور والديه.
وجلسوا على الأريكة لتظهر بعض صور كنان، فأدركت أن الهاتف خاص بكنان.
ثم نظرت إلى أعين الصغير المشتاق لوالديه.
وضمته إليها تخبره بحب.
- تشبههم كثيراً.
فلمعت عين الصغير بسعادة.
وصوره وراء صورة إلى أن جاءت صورة لامرأة بجانب كنان تحتضن ذراعه وملتصقة به بشدة. ليعلو صوت كنان باسم جواد، فنظر الصغير إلى ورد بفزع.
- سينكشف أمرنا يا ورد.
كانت ورد شاردة في الصورة تريد أن تسأله لمن، ولكن اندفاع الصغير خلف ظهرها جعلها تضحك.
ثم نظرت لكنان الذي ضحك هو الآخر.
- من الفأر الذي خلفك يا ورد.
فابتسمت ورد وهي تحرك رأسها بنفي.
- لا شيء.
ووجدت يد جواد تتشبث بظهرها بقوة.
- لست فأر يا ورد.
فتعلت ضحكات ورد لينظر لها كنان وقد نسي كل شيء وغرق في ضحكتها وكأنها أعزوفة.
***
اندفع أكرم لداخل الشقة بأسف وهو ينظر لمهرة.
- أنا آسف يا مهرة.
وطأطأ رأسه أرضاً.
- أغلب الأجهزة اللي في المحل اتحرقت.
فنظرت إليه مهرة وهي تربت على ذراعه.
- تفتكر إني هشمت فيكم يا أكرم.
وتابعت بأسف على حالها وحال شقيقتها.
- كل اللي عايزاه منك تبعدهم عننا، أنا مبقتش عايزة أعرفه خلاص.
فحرك أكرم رأسه بتفهم ونظر لذراعها.
- دراعك بقى كويس.
فابتسمت له وهي تتذكر يوم أن علم بما حدث لها، أخبرها أنه سيجمع أصدقاءه ويذهب لهؤلاء الرجال ليقتص منهم، وبعد محايلة كثيرة منها هي وورد هدأ وتراجع عن اندفاعه.
***
جلست رقية بسعادة مع والدها ومراد تقص لهم ما فعلته مهرة معها. فضمها والدها بحنان.
- بنت جدعة والله، وبتتحمل شغل كتير أوي في الشركة.
فتسأل مراد عما تفعله، لتتسع عيناه.
- ماله جاسم بيتعامل معاها كده.
فحرك مسعود رأسه وهو لا يعلم.
فهتفت رقية وهي تتذكر كيف استجاب جاسم لاقتراح مهرة لأمرها.
- بس أنا اللي لاحظته إن جاسم بيه بيسمع ليها ويقدرها.
وساد الصمت للحظات، فنهض مراد معتذراً وهو ينظر لساعة يده.
- الوقت اتأخر وعندي إشراف على العمال بكرة في المصنع.
فابتسم مسعود داعياً له بالتوفيق. لتدفع رقية عن أحضان والدها وهي تتبع مراد بحماس تخبره أنها ستصبح مصورة ورسامة مشهورة.
فالتف إليها مراد يحتوي وجهها بين راحتي كفيه بحنان أخوي.
- أنا فخور بيكي يا رورو.
وانصرف لتقف وراء الباب تتنفس بسرعة وهي تحلم باليوم الذي سيكون لها.
***
حفلة أخرى من حفلاتها تدعوه لها. ورغم هروبه منها ومن اتصالاتها، إلا أن مشيرة تلتف حوله كالعلقة.
خناقة أخرى حدثت بينه وبين مرام جعلته يستجيب لدعوة مشيرة.
وعندما التقت عين مشيرة به، اندفعت نحوه تحتضنه.
- مبسوطة أنك جيت.
وداعبت لحيته الخفيفة ثم قادته نحو ضيوفها تعرفه عليهم.
- تيجي نرقص.
فتمتم كريم بأعتذار، ولكن يدها سحبت يده نحو ساحة الرقص، وبيد خبيرة كانت تحاوطه تنظر له بعينيها المرسومة بدقة تشبه أعين القطط، ثم لفت يداها على عنقه.
***
وضع جاسم هاتفه بضيق بعد أن أنهى مكالمته مع مرام بعدما نهرها بأخوة على فعلتها.
هاتفاته تخبره عن رفض كريم ثانية للعمل بعد أن مرض أحد الصغار، ولكنها ترى أنه حقها. تتذكر لشقيقه خذلانه لها في الماضي، رغم إطرائه لشقيقه عن ذكاء زوجته في آخر لقاء بهم. ولكن اليوم أدرك أن زوجة شقيقه متشبثة بالماضي وستهدم حياتهم بسببه. ووجد الخادمة تخبره بقدوم رفيف له.
ليجد رفيف تتطوح في خطواتها. تندفع نحوه تحتضنه.
"لا أحب تلك الفتاة يا جاسم."
فنظرت لها جاسم بضيق وهو يساعدها على الوقوف بثبات.
"إنتي إزاي تشربي يا رفيف؟"
فتعلقت بعنقه.
"اطردها من عملها."
يعلم أنها غائبة عن وعيها. ليسندها وهو يصرخ باسم الخادمة.
"هاتيلي مفتاح العربية بسرعة."
وتمتم وهو يضرب بكفه على وجهها.
"فوقي يا رفيف."
كانت تتشبث به بقوة وعقلها كالغائب. وأسندها برفق بعدما أعطته الخادمة مفتاح سيارته المصطفة بالخارج. ووضعها في المقعد المجاور لمقعده.
"إلى أين يا جاسم؟"
فالتف إلى المقعد الآخر وهو ينظر لها.
"هوديكي الفندق يا رفيف."
وأمتعضت وهي تضم يديها لجسدها. لِتندفع السيارة لخارج الفيلا نحو الفندق الذي تقيم فيه.
جلست ورد شاردة على فراشها تتذكر تلك الصورة وداخلها ألف سؤال تريد معرفة من هي تلك المرأة الفاتنة.
وشعرت بيد مهرة على ظهرها تسألها بقلق.
"مالك يا ورد؟ انتي مخبية عني حاجة؟"
فارتبكت ورد وجاهدت أن تداري ارتباكها عن شقيقتها. فلو علمت مهرة أنها غرقت في حب صاحب العمل ووقعت في نفس تلك التجربة اللعينة، فلن تتهاون معها.
وأبتلعت غصة بحلقها ورسمت ابتسامة هادئة على ملامحها.
"أنا كويسة يا مهرة متقلقيش."
فطالعتها مهرة بشك.
"أنا بس زعلانة شوية عشان الأيام بتمر وعقد العمل بتاعي هيخلص وجواد هيرجع بلده."
فأرخت ملامح مهرة بعد أن علمت السبب، والذي كان مقنعاً بشدة كي يرتاح قلبها.
"بكرة إن شاء الله تلاقي شغل أفضل منه."
فابتسمت ورد وهي تحتضنها بقوة.
"أنا بحبك أوي يا مهرة."
فداعبت مهرة خصلاتها وهي تضمها إليها.
"طب ما أنا عارفة يا عبيطة."
لتتعالى ضحكاتهما وكل منهما تخبر الأخرى بحبها.
اندفعت مهرة لغرفة جاسم بعد أن رحل مراد وهو يخبرها بأسف رفض جاسم لانتقالها معه للعمل في المصنع.
"إنت ليه رفضت نقلي من هنا؟"
فرفع جاسم عينيه نحوها بعدما أغلق الملف الذي أمامه وحدق بها بقوة.
"اطلعي بره وادخلي زي البني آدمين."
فوقفت مكانها وهي تحدق به بغضب.
"ولو مطلعتش؟"
فصرخ بها وهو ينهض عن مقعده ويقترب منها.
"مهرة متختبريش صبري."
وطالعها بجمود.
"عقد عملك هنا في مكتبي فاهمة."
فتنهدت بهدوء وهي تنظر حولها.
"وأنا مش عايزة أشتغل هنا.. عايزة أشتغل في المصنع مع أستاذ مراد لحد ما مدة عقدي تخلص."
وقطبت حاجبيها باستياء.
"إنت مش هتحتكرني لنفسك يا جاسم يا شرقاوي."
وصدرت شهقة مستنكرة من رفيف وهي تنظر لمهرة.
"كيف تحادثك ذلك يا جاسم؟"
ليمتقع وجه جاسم بغضب.
"لو سمحتي يا رفيف روحي على مكتبك."
وأشار لها بأن لا تجادله وتنصرف. فأنصرفت رفيف وقد تجمدت ملامحها من طرده لها.
وتقدم جاسم من مهرة التي التفت لتطالع رفيف تتمتم بكلمات مبهمة.
وأنتفضت من صوته القوي.
"على شغلك."
وضعت مني الدعوات أمامها وهي تنظر لها.
"إنتي اللي هتوزعي دعوات حضور الحفلة السنوية الخاصة بالشركة."
فتناولت منها الأظرف وهي تعلم بأن هذا هو عقابه.
وأبتسمت بتهكم وهي تطالع الدعوات.
وأخذت حقيبتها وانصرفت وهي تتمتم.
"الصبر.. بكرة أمشي من وشك يا جاسم يا شرقاوي."
فضحكت مني عليها وهي تدق على مكتبها بقلمها.
نسيت أمر الفتاة ونسيت كل شيء. وهي تنظر له وهو يعد لها ولجواد أكله إسبانية طلبها منه جواد وبالطبع هي تشاركهم.
كانت تشاهده وهو يشمر أكمام قميصه لأعلى ويبتسم لهم بعد أن أعدوا له المسؤولون المطبخ وانصرفوا ليتركوا سيدهم في مهمته.
ونظر إلى ورد وجواد المسترخين على مقاعدهم منتظرين تناول الوجبة التي يريدها جواد بحماس لأنه تذوقها منه من قبل، أما ورد أرادت أن تستكشف الوجبة الجديدة.
وأبتسم وهو يناول ورد السكين.
"لا تخبريني أنك لا تعرفي تقطيع الفلفل."
فضحكت ورد وهي تنهض من مقعدها.
"أنا من أطهو لي ولشقيقتي."
فرفع كنان حاجبيه بخبث.
"كان الله بعونها.. بالتأكيد تمرض من طعامك."
فحدقت به ورد بغضب وهي تحرك السكين أمامه. ليهتف كنان متصنعاً الخوف.
"أمزح يا ورد."
واندمجوا فيما يصنعوه وجواد يمازحهم منتظراً الطعام.
وانتهوا من مهمتهم لينظر كنان لورد بحب.
معها نسي كل شيء. نسي أنه رجل خاطب لأخرى. هدأت حزنه قليلاً على شقيقته وكأن وجودها في حياته كان كالبلسم.
وجلسوا يتناولون الطعام والذي حفظت ورد كل مقاديره وطريقته كي تطهوه لمهرة وأكرم، بل وستعلمه للسيدة صفاء أيضاً.
نظرت مهرة بضيق إلى الملابس التي تعطيها لها شقيقتها كي ترتديها. هي تحب قمصانها وستراتها وبناطيلها والبذلات الرسمية التي تجعلها كالناظرة.
ولكن ورد اليوم انتقلت لها تنورة طويلة ملونة بألوان هادئة وبلوزة شيفون مبطنة ذات أكمام طويلة تهبط بوسع من عند معصميها. ملابس محتشمة ذات ذوق رفيع.
ولم تترك ورد مهرة إلا بعد أن ارتدت تلك الملابس مخبرة إياها بضحك.
"ده أنا دفعت فيهم دم قلبي."
وأبتسمت بسعادة وهي تنظر لشقيقتها بحب متمنية داخلها أن ترتدي وتكمل فرضها وترتدي الحجاب الذي سيجملها.
ولعلمها أن مهرة ستفعل ذلك يوماً هو من يجعلها لا تخاطبها في الأمر بل تدعو لها.
واقتربت منها ورد وأحاطت وجهها.
"زي القمر يا حبيبتي."
وألتقطت منها النظارة وهي تضحك.
"هي دي لتكملة الديكور ولا إيه؟"
فاندفعت مهرة نحوها.
"هاتي النضارة مش هروح الحفلة غير بيها."
ومع ورد كل شيء يتحول للرضوخ. وعقدت شعرها كالمعتاد تحت نظرات ورد التي لمعت عيناها وهي تجذبها نحو الفراش تجلسها عليه.
"استني أما هعملك تسريحة حلوة شبه تسريحة أبلة نظيرة."
فدفعتها مهرة برفق وهي تضحك.
"أنا تسريحتي شبه أبلة نظيرة."
فحركت ورد رأسها وهي منشغلة فيما تفعل.
ومر الوقت ليستعدوا سوياً ولم تنس ورد الحذاء الذي يلائم ملابسها.
ونظرت مهرة لورد التي وضعت دبوس حجابها وحملت حقيبتها.
"تعالي معايا وهاتي أكرم والبنت اللي بيحبها كمان واه اتعرف أنا كمان عليها."
فابتسمت ورد وهي تحرك رأسها برفض.
"لا إحنا ملناش في الجو الممل ده."
فأستاءت مهرة منها وتأففت بحنق.
"خلاص أجي معاكم.. أنا برضوه بتخنق من الحاجات دي."
فلوت ورد فمها بامتعاض.
"دي حفلة الشركة اللي انتي شغالة فيها يا مهرة.. يلا يا حبيبتي أكرم هيموتنا بقاله ساعة مستنينا."
وتابعت بحماس وهم يغادرون.
"هنوصّلك الأول."
نظرت مني لمهرة بسعادة على تغيرها لنمط ملابسها.
"طالعة جميلة ورقيقة يا مهرة."
وتابعت بود حقيقي لها.
"ديما البساطة في الشكل والهيئة هي اللي بتكسب."
لم تتكلف مهرة بوضع أي شيء على وجهها إلا كحل العين الذي أصرت ورد لها بوضعه.
ملابس جديدة منمقة وحذاء ذو كعب بسيط وتسريحة شعر ليست مختلفة كثيراً عن تسريحتها وكحل لعينيها. بدأت تتمعض من نظرات البعض لها وكأنها لم تكن ذات ذوق.
ووجدت ياسر يقترب منها غير مصدق.
"مش معقول يا مهرة."
فتمتمت باستياء جعلت ياسر يضحك بقوة وهو يهتف.
"الاختلاف ديما بيميز.. وبصراحة إنتي مميزة النهارده."
وابتعد عنها عندما لمح سيارة جاسم تصطف بالخارج. فهي وياسر وقفا ينتظروا قدومه وبالطبع لكونها مساعدته الشخصية ولكون ياسر ذراعه الأيمن، حتى مني كانت تنتظر قدومه ولكنها دخلت للقاعة مع أحد الضيوف.
ونظرت لجاسم الذي خرج من سيارته ورفيف معه بفستانها القصير العاري. ثم اقتربت منه تتباطأ في ذراعه بتملك.
وبدأ عقلها يخبرها وهي تراهم يتقدمون نحوها.
"زوج وزوجة رائعين.. فمن سيليق بجاسم الشرقاوي غير رفيف."
ونفضت رأسها سريعاً من تلك الأفكار عندما سمعت صوت رفيف الساخر.
"مهرة.. لا أصدق."
كانت عين جاسم تجول عليها بتفحص. كل شيء بها بسيط وهادئ. وشعر بلمسة رفيف على ذراعه.
فالتف إليها وسار معها للداخل.
فتأففت مهرة من نظراته وكأنه يخبرها أنها مهما فعلت لن تصل للأناقة. هذا ما ظنه عقلها.
وسارت بجانب ياسر الذي أخذ يحادثها وهم يسيرون في الممر الطويل المفروش بالسجاد الأحمر.
كانت إحدى الفتيات العاملات تسير بهرولة نحو القاعة ويبدو أنها خرجت للخارج لأمر ما وتركض لتعود لخدمتها.
ودون قصد منها انزلقت قدماها فأنصدمت بجسد رفيف.
"أنا آسفة يا فندم."
ونظرت إلى مهرة وياسر الواقفين بالخلف تستنجد بهم لأنهم بالتأكيد لاحظوا انزلاق قدمها.
"ذراعي أيتها الغبية."
فنظر جاسم لرفيف التي تتأوه.
"خلاص يا رفيف."
فأمسكت رفيف يده تضعه على موضع الألم.
"أنظر يا جاسم.. لابد أن تحاسب من وظفها."
فنظرت الفتاة لداخل القاعة ومديرها يشرف على المكان.
"أنا آسفة يا هانم."
وقبل أن تتمتم الفتاة باعتذار آخر.
اندفعت مهرة وهي تنظر لهم.
"ما قالتلك خلاص..."
"ايه تموت نفسها يعني؟"
حدقت برفيف، ليشرع ياسر في شرح ما رآه، ولكن رفيف لم يعجبها الأمر، فهتفت بغضب:
"كيف تتحدثي معي هكذا؟"
فأقتربت منها مهرة وهي تعض على شفتيها بقوة، لتجد يد جاسم تجذبها بعد أن ابتعد عن رفيف ومل من شغل النساء هذا.
"خذ رفيف وادخل الحفلة يا ياسر."
ونظر للفتاة برفق:
"وانتي ادخلي كملي شغلك."
فتمتمت الفتاة بشكر. لتنظر رفيف لياسر ثم جاسم الذي أخذ مهرة بعيدًا يجرها خلفه، وهي تجاهد أن تنزع يدها عنه، ولحسن الحظ لم تكن يدها التي لم تشف بعد.
ووقف أخيرًا وهو يزفر أنفاسه، يحدق بها:
"أعمل فيكي إيه؟"
فطالعته بتحدي:
"انت سكت، وياسر سكت، وانتوا شايفينها بتهين البنت إزاي، مع إن الحكاية مش مستاهلة."
وتابعت بحنق:
"بس عشان خاطر رفيف هانم لازم تسكتوا وتراضوها."
فلمعت عين جاسم وهو يتأمل تفاصيل وجهها:
"وتفتكري إني كنت هظلم البنت وأطردها من شغلها عشان اللي حصل؟"
فحركت مهرة رأسها بامتعاض وهي تلوي شفتيها بتهكم:
"تعملها عادي."
فأبتسم وهو يطالعها كيف تحرك شفتيها، وحدق بها بمتعة:
"طالعة تجنني النهاردة، بس لسانك ده بيهدم كل حاجة."
وابتعد عنها وسار نحو القاعة كي يلقي كلمته مرحبًا بضيوفه وموظفينه.
لتنظر هي لخطاه مبتسمة.
رواية لحن الحياة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سهام صادق
وقفت وسط الحضور تنظر للمكان حولها وكيف الجميع يضحك ويثرثر مع بعضهم.
عرفتها مني علي زوجها الذي قد جاء لتلبية رغبتها بأن يكون جانبها اليوم بالحفل.
كانت تتمني ان تعرفها علي أولادها ولكن المكان لا يسمح بهذا ووعدتها يوما ان تعرفها عليهم.
اليوم مني أخبرت زوجها أمامها انها تعدها شقيقتها الصغري.
ثم انشغلت مع زوجها مندمجين مع بعضهم.
وقعت عيناها علي رفيف وهي تصافح البعض بجانب جاسم.
قد جاء ياسر يهمس له بشئ ليعتذر لضيوفه ويصعد للمنصه كي يلقي كلمته المرحبه ويرد علي الصحفين أصحاب الأسئلة الفضولية عن حياته.
أنطفأت الأضاءة ولم تتبقي الا الاضاءة المسلطه علي المنصه.
كانت بداية حديثه الترحيب بضيوفه الكرام والشكر والأمتنان لكل موظف يعمل معه.
كلماته كانت مرتبة ومتقنة مع انه لا ينظر لشئ الا لهم.
اليوم علمت من حديثه أنه لم يكن من الطبقة العليا.
وانما نشأته كانت في طبقة متوسطه ربته جدته المرأة العجوز.
لم يدخل في تفاصيل أكثر عن تربيته وأين كان والديه.
ولكن بعد برهة عندما صمت ثم عاد يتحدث عن عائلته كان يتحدث بفخر عن والده الذي استشهد في أحدي المداهمات العسكرية.
وكانت المفاجأة الأخرى التي لا تعلمها ولم تتوقعها رغم أنها من قبل بحثت عن معلومات عنه قبل اول لقاء لهم.
جاسم طبيب صيدلي كان هذا حلمه قبل الجامعه.
الا أنه اكتشف أنه لم يكن شغوف بالأمر كما توقع.
شغفه كان بعالم التسويق مع ان شخصيته كانت هادئه انطوئيه بعض الشئ إلا انه كان عبقريا في هذا.
ثم هاجر لكندا ومع مساعدة احد أقاربه هناك.
بدء جاسم الشرقاوي يصعد سلم نجاحه ويبني كيانه في عالم آخر غير الذي درسه.
الاغلب كان مبهورا بالأمر ف القليل من يعرف حياته.
لأنه لا يحب التطفل علي حياته الخاصه.
العمل والنجاح بالنسبه له شئ وحياته وكيف كانت وكيف ستكون شئ آخر.
وضحك وهو ينهي حواره.
- النهارده الذكرى الخامسة لمجموعة الشرقاوي.
- ويمكن لأول مره بتكلم بأستفاضه عن تفاصيل حياتي.
- وده لان أسئلة الصحافه بدأت تكتر عن غموض شخصيتي.
وتابع وهي يزفر أنفاسه.
- نجاحنا مش بنحتاج نتكلم عنه كتير.
- بس ديما ورا كل نجاح حقيقي حلم انت كنت مؤمن بيه وفي الأول والأخر ده توفيق وفضل من ربنا عليا.
تصفيق الحضور صدح عاليا.
فأبتسم وهو يهتف بعلو ويخص كلمته لموظفينه.
- احتفال الشركه مش احتفال لمؤسسه.
- ده احتفال ليكوا انتوا بتعبكم وجهدكم.
وتابع بفخر وحب.
- النهارده بنحتفل بنجاحنا كلنا.
ولم يجد كلمه أخرى يقولها بعد كل هذا التصفيق.
فهبط من علي المنصه وبعض الكاميرات تلتقط له الصور.
وشعرت مهرة بيد أحد علي كتفها.
فألتفت وهي تسمع صياح رقية.
- مهرة.
فأبتسمت وهي تري رقية وبجانبها مراد الذي وقف يطالعها بنظرات لم تستطع تفسيرها.
- السيد مراد العظيم ساعه بتحايل عليه يجي.
وتابعت رقية بتذمر وهي تنظر اليه ثم لمهرة.
- قال ايه مبحبش جو الحفلات.
فتعالت ضحكت مهرة وهي تجد مراد يدفع رقية أمامه.
- كبرت وبقيت زنانه اوي البنت ديه.
فطالعت مهرة رقية التي تفضحها نظراتها نحو مراد.
اما مراد كالعاده لا يري رقية الا الفتاه الصغيره التي تربت أمام عينيه وعلى يديه.
وتقدم مراد من جاسم يصافحه.
وعين جاسم على مهرة التي تتحول لأنثي تضحك ويتورد وجهها مع الجميع الا هو.
لا يري منها الا الوجه الجامد والمناطحه.
ووجد نفسه يريد ان يتقدم منها وهي تضحك مع رقية.
الا ان رفيف كانت ملتصقة به.
تحتوي يده بيدها وأصابعها تتخلل أصابعه وصوتها يهمس بأغراء.
- كنت اريد ان اغضب منك واخاصمك وارحل.
ثم أبتسمت وهي تنظر لعينيه.
- ولكن لم استطع جاسم.
- قلبي لا يغضب منك.
كلماتها كانت كالسحر تجعل عقله يغيب معها.
عقله يضع له رفيف في المرتبة الأولى كزوجه حتي لو سيتزوجها كأعجاب ورغبه ليس أكثر.
اما قلبه لا يعلم لما انطفئت لهفته عليها.
فأبتسم وهو يضغط على يدها التي مازالت في يده.
- تعالى أعرفك علي بعض الضيوف.
فأبتسمت رفيف وداخلها يتراقص.
أنتهت الحفله أخيرا وعقلها شارد في تفاصيل بعض الأشياء بالأصح شارد بشخصين.
جاسم ورفيف الثنائي الذي يليق ببعضهم.
رجل وسيم وغني مع امرأه حسناء تليق به وبعالمه.
كانت تقف خارج القاعه تنتظر اكرم و ورد.
عرض عليها مراد ورقية توصيلها ولكنها رفضت حتي السيد مسعود ومني وزوجها.
ووقفت سيارة سوداء حديثه تعرفها تمام فقد كانت سيارة جاسم.
جاسم بالخلف مع رفيف وسائقة بالامام.
- تعالى يامهرة اوصلك.
فنظرت مهرة له وعيناها على رفيف التي تأففت من رؤيتها وأخذت تلعب بخصلات شعرها وكأنها تخبرها صراحة انها لا تطيق وجودها.
- شكرا.
- مافيش داعي.
ولمحت سيارة أكرم الصغيره تصطف في الناحية الأخرى علي الطريق.
فأشارت له هو ورد.
- عن أذنكم.
فألتف جاسم نحوها وهي تخطوا الطريق نحو من أشارت لهم بيدها.
رأي شقيقتها من قبل ويتذكرها ولكن الشاب الأخر لا يتذكر أنه رأه او من المحتمل رأه ولكن قد نسي ملامحه.
وشعر بيد رفيف علي يده ثم اقتربت منه تلتصق به وتهمس بهدوء.
- ايه رأيك نسهر مع بعض.
وطالعته بحماس.
- وافق جاسم.
- أرجوك.
فضحك جاسم علي تعبيرات ملامحها المتوسله.
- للأسف مش موافق يارفيف.
فأمتعضت بدلال وهي تدفن وجهها بصدره.
- رفيف هتزعل.
- انت المفروض تصالحني.
وبدلالها المحنك حدث ماأرادت وذهبوا ليكملوا سهرتهم.
ذهبت للعمل بحماس وقد عادت لملابسها العاديه ولم تعد مهرة التي كانت بالأمس بالحفل.
اليوم هي سعيده بشدة بعد ان اخبرها شيكا وهو يفتح محل البقالة عن آخر مايعرف من اخبر حيهم.
ف حسين سيأتي بعد شهر من الآن.
حسين جارهم واول حب لها حب طفولتها ومراهقتها حتي عمرها هذا.
حبها له نابع من أمتنانها لكل لحظه كان يقف بجانبها وهم صغار حينما كانوا الأطفال يسخرون منها ومن هيئتها التي لا تشبه الفتيات.
حتى الي ان كبروا كان يدعمها ويساعدها.
لم تصرح له بمشاعرها ولكنه قبل رحيله إلى خارج البلاد أخبرها بحبه لها في جواب صغير مازالت محتفظه به بين طيات ملابسها.
وصعدت بعض الدرجات نحو بهو الشركه وهي لا تري أمامها لتشهق بآلم.
فوجدت فتاة بعمرها او تصغرها بقليل ترتدي السواد وقد وقعت منها بعض الأوراق ويبدو عليها اليأس.
- انا أسفه.
فأبتسمت مهرة بود.
- مافيش داعي للاسف انا برضوه غلطانه ماشيه مش شايفه قدامي.
فأرتسمت أبتسامة شاحبة علي وجه الفتاه وأنحنت تجمع الأوراق التي بيدها.
فأنحنت مهرة تجمع معها الورق.
ونظرت في أحد الأوراق لتجدها شهادة جامعية.
فأعطتها الشهادة وهي تتسأل بفضول.
- انتي جايه تقدمي في وظيفة هنا.
فأبتلعت الفتاه غصة بحلقها وهي تضع اوراقها في ملفهم.
- انا جيت اقدم ورقي بدل أخويا.
- اتعين هنا من شهر وكان حلم حياته يشتغل في الشركه ديه بس.
ودمعت عيناها وهي تتذكر شقيقها.
- مات.
لم تجد مهرة ما تقوله لها.
فربتت على كتفها بحنو.
- ربنا يرحمه.
ولشدة رغبتها في ان تفهم سبب وجودها هنا تسألت.
- طب هم وافقوا علي طلبك.
وعندما حدقت بها الفتاه بصمت.
- مش قصدي حاجه.
- انا بسأل عشان لو في أيدي أساعدك.
فلمعت عين الفتاه بأمل ولكن هيئة مهرة لا توحي بأنها موظفه مهمه بالداخل.
ولكن اخبرتها بكل شئ لعلها تستطيع مساعدتها.
وفهمت مهرة منها ان وظيفة شقيقها هي حلم عيلة تتكون من اب وام مسنين وشابان وفتاه.
شاب سعي بشده بعد تخرجه ليحصل علي تلك الوظيفه كي يريح والده الذي يعمل في النجارة.
وأم تعمل فراشة بمدرسة.
شقيقه تعلم ودرس بجد وتخرج من كلية الهندسه ولكن الحياه لا تعطي كل شئ.
وانتهت حياة شقيقها الاكبر.
لتبقي هي من عليها ان تتحمل مشقة الحياه عن والديها كما كان يفعل شقيقها.
ولأملها ان يعطوا لها فرصة بدلا من شقيقها.
ولكن لا فرصة هم شركة لا تقبل الا بالأشخاص المميزين ولا بديل لديهم.
فأبتسمت لها مهرة وهي تطيب خاطرها.
- هو صعب أنك تشتغلي بداله انتي خريجة تجارة واخوكي كان مهندس.
فتنهدت الفتاه وقد عاد اليأس إليها.
- كان عندي امل يشغلوني في قسم المحاسبه.
- ديه شركه كبيره وليها فروعها ومركزها مش معقول مافيش وظايف فيها.
فضحكت مهرة وهي تشعر بأن نسخ شقيقتها ورد بكل مكان.
- ماهي عشان شركة كبيره ف التعين فيها بيكون صعب وكله بالكوسه.
ووضعت بيدها علي فمها تنظر حولها.
- او حظوظ برضوه عشان منظلمش صاحب الشركه.
وتذكرت جاسم لو سمع مانطقت به للتو.
وعندما وجدت الفتاه تتحرك للمغادره.
- انتي رايحه فين.
فتمتمت الفتاه بحزن.
- همشي خلاص مدام مافيش امل اني اشتغل.
لتمسك مهرة يدها نحو الداخل.
- لاء ان شاء الله هتشتغلي تعالي بس معايا.
لتشتغلي لأطرد انا واخلص من هنا خالص.
وضحكت ساخرة علي الحياه وهي تحادث نفسها.
- سبحان الله الناس بتدور علي فرصه تشتغل هنا.
- وانا بدور علي اي فرصه اطرد منها قبل السنه ماتخلص.
نظرة مني الي ساعة يدها ثم لمهرة التي أردفت وخلفها فتاه.
- اتأخرتي كده ليه يامهرة.
وأبتسمت وهي تتذكر حفلة أمس.
- اكيد راحت عليكي نومه.
فأقتربت منها مهرة ضاحكه.
- مش المفروض الشركه كانت أدتنا أجازه.
فحركت مني رأسها بيأس.
- قولي الكلام ده لجاسم بيه.
فطالعت مهرة باب غرفته ثم نظرت للفتاه.
- هو فاضي.
فنظرت مني للفتاه بفضول.
- رفيف هانم جوه عنده.
وتسألت مني وهي تنظر للفتاه التي تقف مرتبكة.
- مين ديه.
فأتجهت مهرة نحو غرفة جاسم متمتمه.
- لما اخرج من عنده هفهمك كل حاجه.
- ضيفيها من النسكافيه بتاعك يامدام مني.
فضحكت مني وهي تطالعها.
- حاضر يامهرة.
لتطرق مهرة الباب وتدخل بعدها.
لتجد جاسم يجلس علي مكتبه بأسترخاء ويدور بمقعده يطرق بالقلم علي المكتب ويحادث رفيف ويبتسم لها.
رفيف تجلس على المقعد الذي أمامه، تضع ساقاً فوق الأخرى، وتتحدث بحماس وتضحك.
رفع جاسم عينيه عليها، وهو يشير لها بأن تقترب.
أم رفيف تأففت كالعادة من وجودها.
"في حاجة يا مهرة، عايزة تقوليها؟"
نظراتها المرتبكة جعلته يعلم أن وجودها في مكتبه لشئ مهم.
ونظر إلى عينيها المتجه نحو رفيف، ففهم أنها لا تريد أن تحادثه أمامها.
"اتكلمي يا مهرة قدام رفيف، رفيف مش غريبة."
فاتسعت ابتسامة رفيف بزهو.
لتنظر لهم مهرة بضيق، وهي تهمس داخلها وتقلّد صوته:
"اتكلمي يا مهرة قدام رفيف."
وزفرت أنفاسها، وهي تتذكر أمر الفتاة وأخبرته عنها وعن شقيقها الذي عمل هنا لشهر.
ونظرت رفيف نحو جاسم الذي كان يستمع بصمت، وانتظرت أن يرفض طلبها من توظيف الفتاة.
ولكن جاسم...
"تمام يا مهرة، خليها تقدم أوراقها في شئون العاملين. وأنا هوصي عليها بنفسي."
فاتسعت ابتسامتها، وهي لا تصدق أنه لم يعترض على توظيف الفتاة.
"شكراً."
وانصرفت سريعاً من المكتب، لتخبر الفتاة بأمر عملها.
أما رفيف، حدقت بمهرة وهي تغادر، وقلبها يشتعل بنيران الغضب. وألتفت إلى جاسم الذي لمعت عيناه لسعادتها.
***
كنان، الذي كان أهم شيء بحياته هو عماله، يضع العمل في المقدمة فوق كل شيء. ولكن الآن أصبحت رؤيتها هي الأهم.
أختلس النظرات لها، وهي تتابع أحد برامج الكرتون مع جواد.
وأبتسم وهو يسمع تعليقها مع جواد على اسم أحد الشخصيات الكرتونية، ويبدو أن كل منهم يشجع شخصية.
كان جالس كالمراهق على الأريكة الأخرى، يتابع الأوراق التي بيده تارة، وتارة أخرى ينظر لهم.
وسمع شهقتها بعد أن جذب جواد السلسلة التي بعنقها دون قصد، فكان هدفه أن يراها، ولكنه قطع السلسال خاصتها.
"ماذا فعلت جواد؟"
فدمعت عين جواد بخوف من صوت كنان، ونظر لورد وهي تحدق بسلسالها.
تحب تلك السلسال لأنها من والدتها، أهدتها لها حينما دخلت الجامعة، لأنها كانت دوماً تخبرها أنها تريد سلسال ذهب كصديقتها.
أما مهرة كعادتها، لا تطلب ولا تتدلل.
وفاقت على اعتذار جواد وهو يبكي وقد عنفه كنان. لتنظر له بفزع معتذرة.
"لا تبكي يا جواد حبيبي."
دارت حزنها وهي تحتضنه، وهمست بأذنه بحنان.
"سأصلحه لا تقلق."
فلمعت عين جواد وهو يطالعها.
"أنا أحبك يا ورد، أنتِ لا تغضبي مني مثلما كانت ماما."
أوجعته كلماته، فضمته إليها أكثر تحت نظرات كنان الذي وقف متعجباً من تصرفها.
صادف الكثير، ولكن كمثال ورد باحتوائها لغيرها لم يصادف.
نظرتها لسلسالها كانت تدل على أنه ذكرى غالية.
ومد له يده وهو يطالع جواد الذي يتشبث بها.
"أعطيني إياه يا ورد، سأصلحه لك."
فرفعت ورد عينيها نحوه بخجل، وقد نسيت وجوده تماماً.
"لا تتعب نفسك سيد كنان."
واشاحت وجهها، فعلم أنها لن تقبل منه خدمته، رغم أنه هو من يجب عليه تصليح ما أفسده جواد.
***
أرضخ كريم لرغبة مرام للعودة للعمل بعد أن اطمئنت على صحة صغيريها.
ونظر لفراشهم الذي جمعهم سوياً ليلة أمس بابتسامة حالمة. فمرام ليلة أمس كانت كمرام التي عشقها.
ولكن بعد ليلتهم، طلبت منه أن تعود للعمل. فعلم أنها تسير على مبدأ أعطِ وأخذ المقابل.
تقبل الأمر برضى، لأنه يريد حبها مجدداً وتصليح ما اقترفه بحقها قديماً.
***
نظرت مهرة للأوراق التي أمامها بسعادة. فاليوم عملت ريم بالشركة، هذه الفتاة التي تعرفت عليها منذ أيام. فتأملتها مني بشك.
"وشك بيضحك النهارده لوحده."
فنهضت مهرة من فوق مقعدها واقتربت منها وهي تبتسم.
"ريم اشتغلت في الشركة، والنهارده استلمت الشغل."
فتذكرت مني أمر الفتاة وقد سعدت هي الأخرى بالأمر، وفاقت على سؤال مهرة الذي فاجأها.
"هو جاسم بيه بيفضل إيه من الهدايا؟"
فتعجبت مني من رغبة مهرة بإهدائه شيئاً.
"هتجيبي هدية ليه؟ مش معقول."
فقطبت مهرة حاجبيها بحنق. لتضحك مني وهي تفكر.
"على العموم هساعدك، بس الهدية ممكن تكون غالية شوية."
لتتسع عين مهرة وهي تتذكر شامبو الاستحمام الذي لديه، وكانت تريد أن تجلب مثله.
"لأ، أنا معاكي من كذا لكذا في الفلوس. غير كده، كفاية عليه كلمة شكراً."
فضحكت مني وهي تضع يدها على فمها.
"اللي أعرفه أنه بيحب نوع شوكولاتة جداً، هي مستوردة بس النوع ده بيفضله."
وتابعت وهي تنظر للحاسوب الذي أمامها.
"ومتقوليش عرفت منين، ديه سر المهنة."
لتلمع عين مهرة وهي تردد اسم نوع تلك الشوكولا.
***
لمعت عين ورد بسعادة وهي ترى شقيقتها تردف نحوها ومعها علبة شوكولاتة. وركضت إليها دون تصديق.
"أخيراً أمنيتي اتحققت وحد جبلي هدية حلوة كده بتتاكل."
وتابعت بحماس.
"عقبال الورد."
فأخفت مهرة منها العلبة وراء ظهرها.
"انتي بتخبي العلبة مين يا مهرة؟ آآه قلبي."
فأبتسمت مهرة لشغب ورد. وأخرجت من حقيبتها نوع آخر من الشوكولاتة المعتادة عليها هي وشقيقتها.
"خدي ديه بتاعتك انتي."
فنظرت ورد للعلبة ثم لقطعة الشوكولاتة خاصتها.
"لأ، أنا عايزة من ديه شكلها غالية ونضيفة."
فضحكت مهرة على تذمرها الطفولي. وصدح صوت ورد عالياً وهي تلتقط منها العلبة مهللة بحماس.
"إنسي خلاص، ديه بقت من ممتلكاتي."
***
أعطت ورد جواد قطعة من الشوكولاتة خاصتها، تقص له عما فعلته شقيقتها بها وتفضيلها لصاحب الشركة عنها.
فقضم الصغير قطعته ضاحكاً وهو يخبرها.
"مهرة شريرة يا ورد."
كان كنان يردف للجناح وهو يحمل علبة حمراء بها سلسال جديد من الذهب الأبيض.
وعندما سمع حديثهم، خبئ العلبة سريعاً في جيب سترته، وقد لمعت عيناه بفكرة يضع بها هديته.
ومنه يسعدها. وأقترب منهم، وقد انتبهوا لقدومه. فاعتدلت ورد في جلستها بارتباك.
"كيف حالك يا ورد؟"
فتمتمت ورد بهدوء.
"الحمدلله."
وفتح ذراعيه لجواد يسأله عن يومه. هو يعلم أن الصغير سيحكي كل شيء بأستفاضة.
وجاء إلى الشوكولاه التي أخذتها مهرة ولم تعطي منها لورد.
فاتسعت عين ورد وأشاحت وجهها بخجل وهي تهمس.
"ماشي يا جواد، مبتسترش على حاجة."
فتعالت ضحكات كنان. فأقامته هنا قوة فهمه للغة العربية، بل وفهم بعض العامية المصرية.
"ما نوع تلك الحلوي يا ورد؟ أريد أن أجلبها هدية لصديق عزيز لي يعشق الحلوي."
فنظرت إليه ورد وأخبرته عنها، وبتلقائية اقترحت.
"وممكن مع الشوكولاتة... ورد."
وتمتمت بأرتباك.
"لو كان الصديق ده بنت."
فطالعها كنان مبتسماً وهو يتفحص حركتها المعتادة.
تفرك يديها كلما توترت وأرتبكت.
"شكراً يا ورد، اقتراح رائع."
***
نظرت مهرة لمكتب مني الفارغ. فمني أخبرتها أنها ستتأخر لساعة ثم ستأتي.
وفتحت حقيبتها لتخرج العلبة المغلفة. ودخلت مكتبه لتضع له العلبة. وأبتسمت بحماس.
وأستدارت بجسدها قليلاً. لتقف ساكنة وقد تجمدت أقدامها بعدما سمعت صوته.
"واقفة كده ليه يا مهرة؟"
لتتنهد بأحباط. فلم تكن تريد أن تكون موجودة وهو يرى هديتها.
وتنحنحت وهي تستدير بكامل جسدها له.
"كنت بنضف المكتب، برتبه وكده يعني."
فضحك جاسم على ارتباكها وهي تتحدث وتقدم منها. فأاتسعت عيناها وهو تراه يقترب.
"لأ، اقف عندك."
فتعجب جاسم منها.
"مالك يا مهرة؟ أوعي تكوني عملتي مصيبة تانية."
فحدقت به بغضب.
"ليه؟ هو أنا مكتوب عليا يا مهرة مصايب؟"
فعلت ضحكته وهو يتفحصها.
"حاشا لله."
وتابع بجدية.
"وقفتك ديه مش مريحاني، في إيه ورا ضهرك؟"
فركزت حول نقطة خلفه.
"جاسم بيه بص كده ناحية الباب."
فألتف جاسم نحو ما أشارت إليه. ليجدها تركض من امامه وأغلقت الباب خلفها.
فوقف جاسم يحدق بفعلتها مندهشاً.
"مجنونة."
وألتف بجسده ثانية. لتقع عيناه على العلبة المغلفة وعليها كارت صغير مدونة به كلمة واحدة.
"شكراً."
فمد يده نحو الهدية يلتقطها وازال تغليفها. لتقع عيناه على نوع الحلوي التي يفضلها.
وأبتسم بسعادة يلتقط واحدة كي يتناولها.
يتلذذ بمذاقها داخل فمه، وانفتح باب الغرفة. فأغمض عيناه وهو غارق في عالم آخر وهمس بصوت لا يسمعه إلا هو.
"هتجننيني يا مهرة."
رواية لحن الحياة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سهام صادق
لم يكن الشخص إلا ياسر، وقف يخبره عن اجتماع اليوم الذي سيكون خارج الشركة. انصرف ياسر متعجبًا من صمت جاسم ووقوفه هكذا.
ثم أغلق الباب خلفه.
تنهد جاسم ببطء وهو يبتسم على تلك الحالة العجيبة التي أحدثتها مجرد هدية بسيطة من الحلوى.
تأمل ياسر مهرة المنكبة على الحاسوب، تداري وجهها في الشاشة، فتمتم وهو يكمل طريقه:
- هو في إيه النهاردة؟
وبعدما انصرف ياسر، تنفست مهرة بتوتر ونظرت للغرفة المغلقة، وعادت مجددًا لعملها.
ولكن بعد دقائق، وجدت جاسم يفتح باب مكتبه ويهتف باسمها:
- مهرة تعالي.
فأتبعته بارتباك وهي تتساءل: أيعقل أن هديتها لم تعجبه؟
وقفت خلفه تتساءل بخيبة:
- هي الهدية معجبتكش؟
فالتفت لها وهو يحمل العلبة مبتسمًا، يناولها واحدة:
- بالعكس يامهرة.
فنظرت إلى العلبة وهو يمددها لها، يحرك رأسه بأن تشاركه في مذاقها.
وابتسمت وهي تلتقط واحدة بخجل.
ليأتيها سؤاله:
- دلوقتي طعمها قبل كده؟
فحركت رأسها وهي تمضغها بتلذذ:
- الميزانية متسمحش بالنوع ده من الترفيه.
فضحك جاسم.
لتنظر إليه ضاحكة:
- في أنواع تاني بتكفي بالغرض وفي متناول الجميع.
فازدادت ضحكاته.
لتكتشف مهرة لأول مرة أنه جميل بصدق إذا ضحك وخرج عن جموده.
فأرتبكت من نظراته، فتمتمت وهي تغادر مسرعة من أمامه:
- عن إذنك.
ليحدق بها جاسم وهي تغادر بأعين شاردة.
***
نظر كريم بصمت نحو مرام الجالسة تطالع بعض الأوراق بتدقيق. العمل قد انتقل أيضًا للمنزل، وأصبح بعدها عنه لحجة أخرى من قبل خذلانه لها، ثم انشغالها بالطفلين، وبعدها رغبتها في بناء كيان لها منفصل.
وتنهد بيأس من تلك الحياة التي يعيشها، فقد بدأ شيطانه يجره لحياته السابقة: الشرب والسهر.
ولكن نظرة واحدة في وجه صغيريه تجعله يتراجع عن كل شيء. فهو يريد لأطفاله حياة سوية يجمعها أب وأم متفاهمين.
ونهض من مقعده ليقترب من مرام يحتضنها بحب:
- إيه رأيك نخرج نسهر؟
فرفعت عيناها نحوه بتملل من محاصرته، وبدأت تتثاءب:
- أنا تعبانة ومرهقة، هخلص الورق اللي معايا.. وهدخل أنام.
لينظر لها بصمت، ثم ابتعد متجهًا إلى الشرفة، لعله يجد في الهواء تخفيفًا لأفكاره وما يجثم على روحه.
***
لمعت عين ورد وهي تجد علبة جميلة متوسطة الحجم وفوقها باقة أزهار. هدية في بداية الصباح، يا له من يوم جميل.
وألتفت خلفها لتجد كنان وجواد، ولا تعلم من أين ظهروا، فعندما دلفت للجناح لم ترَ أحد.
- هدية مني ومن جواد، ورد.
فحدقت بهم ورد بفرحة لم تخفيها عيناها. ليحرك الصغير رأسه وكأنه يخبرها بإجابته.
فنظر لها كنان يتأمل نظراتها نحوهم ونحو الهدية.
وتيقن أن لولا إخباره لها أن الهدية منه ومن جواد، ما كانت قبلت الهدية إذا علمت أنها منه وحده.
***
عادت ورد من عملها تحمل هديتها بفرحة طفلة صغيرة. ورغم فرحتها، خشيت من ردة فعل مهرة، خاصة عندما ترى السلسال.
واردفت لداخل الشقة لتجد مهرة تخرج من المطبخ تحمل بيدها المعلقة الخشبية، ويبدو أنها جاءت مبكرًا من عملها.
وحدقت مهرة بالهدية متسائلة:
- أوعي تقوليلي إنك قررتي تهادي نفسك وتبسطي نفسك.
فضحكت ورد وهي تحرك رأسها بنفي.
لتتساءل مهرة مجددًا:
- يبقى دي هدية عيد ميلادي مش كده؟
لتزداد ضحكات ورد، محركة رأسها بلا:
- مهرة، عيد ميلادك لسه فاضل عليه شهور.
فأقتربت منها مهرة ونظراتها مصوبة نحو أعينها:
- مفضلش غير احتمال تاني، يابنت زينب.
فعلمت ورد فهم شقيقتها لأمر الهدية بشيء آخر، فأسرعت بإخبارها:
- جواد والسيد كنان هما اللي جابولي الهدية... أنا رفضت في الأول بس.
فضحكت مهرة ساخرة:
- بس إيه، عجبتك الهدية؟
والتقطت منها العلبة تنظر إلى ما بداخلها. فبلعت ورد ريقها من تسليط مهرة نظراتها على العلبة الحمراء:
- إيه دي؟
فأشاحت ورد عيناها وهي تتمتم:
- سلسلة.
فلوت مهرة شفتيها لتفتح العلبة.
فاتسعت عيناها من شكل السلسال الذي يبدو عليه أنه غالي الثمن، فهو من الذهب الأبيض:
- ودي بمناسبة إيه؟ أوعى تقوليلي عشان جواد قطع سلسلتك.
فحركت ورد رأسها بارتباك.
لتنظر إليها مهرة بهدوء، وعيناها التي انطفأت لمعتها بعد أن كانت سعيدة بالهدية:
- بصي ياورد، الشوكولاتة والورد أنا معنديش اعتراض فيهم.. هنعتبرهم هدية بسيطة ونقدر نردها لجواد قبل ما يسافر بتذكار بسيط مننا.
وتابعت وهي تقترب منها بحنان وترفع الهدية الأخرى ذات العلبة الحمراء:
- أما دي، تفتكري هنقدر نردها؟
فحركت ورد رأسها بخجل، متمتمة:
- عندك حق.
وأسرعت ترتمي في حضن شقيقتها وهتفت بحالمية:
- السلسلة حلوة أوي يامهرة.
فضربتها مهرة بخفة على ظهرها:
- آه حلوة.. نبقى ندخل جمعية مع الحجة كوثر وأبقى أجيب لك زيها.
وانفجر الاثنان ضاحكين.
لتشم مهرة رائحة الطعام المحروق:
- الأكل.
وركضت نحو المطبخ، ثم عادت بحلة الطعام.
لتتعالى ضحكات ورد مجددًا.
***
دخلت لمكتبه بعد أن أمرها بأن تتبعه، وأنتظرت ما سيخبرها به:
- إنتي وورد معزومين يوم الإجازة على الغدا عندي يامهرة.
وقبل أن تبدي أي اعتراض، وجدته يتابع حديثه:
- السيد عادل والسيدة صفاء معزومين.. وأنا بلغتهم بحضوركم معاهم، بس قولت أعزمك برضوه بنفسي.
وفتحت فمها لتخبره باعتذارها، ولكن أشار لها:
- مافيش اعتراض يامهرة.
فحركت رأسها بصمت وغادرت مكتبه وهي مغلوبة على أمرها من تلك العزيمة.
***
وضعت ورد العلبة على الطاولة أمام كنان، الذي جلس ينظر لبعض الأوراق منتظرًا قدومها ليترك لها جواد ويباشر أعماله:
- مش هقدر أقبل الهدية دي يا سيد كنان.
فنظر كنان لهديته، ثم نظر لها:
- لماذا ورد؟
فتنحنت حرجًا وهي تطرق رأسها أرضًا:
- اعذرني يا سيد كنان.. أنا قبلت الورد والشوكولاتة.
لم يجد كنان شيئًا يقوله لها، فأخذ هديته وجمع أوراقه وانصرف بصمت.
***
عزيمة رائعة ضمت عائلة مرام، ومهرة التي أتت بعد إصرار السيدة صفاء عليها. أما ورد، فسعدت بذلك الشيء كثيرًا.
كان جاسم يتعامل مع أهل مرام ببساطة وود، جعلت مهرة تنظر لذلك متعجبة من الأمر.
ولكن في النهاية، أدركت أنهم أصبحوا أهلًا.
لو تعكر صفو الجلسة، إلا قدوم رفيف التي انضمت معهم على طاولة الغداء.
فتصافحهم رفيف ببرود.
فتنظر ورد لمهرة مقاربة منها، تهمس بتساؤل:
- مش دي البنت اللي شوفنا صورتها قبل كده في الصور اللي بعتتها لينا مرام؟
فأرتشفت مهرة من كأس عصيرها وهي تطالع رفيف كيف تضحك وتقرب جسدها من جاسم، إذ تجلس بجانبه مباشرة:
- آه هي.
فحدقت ورد بهم:
- شكلهم مرتبطين.
لتنظر مهرة للطعام ثم لها وصمتت.
فأخذت ورد تتأمل رفيف، وقد خاب حلمها بأن يقع جاسم في حب شقيقتها ويتزوجها، ولكن يبدو أنها تعيش بعالم الأحلام.
***
أردفت إلى مكتبه بوجه جامد، تتذكر ما أخبرها به السيد فؤاد عن القضية التي قرر جاسم أن يتولاها هو. ولكن فؤاد اليوم أخبرها أن القضية لا تجدي نفعًا لأن العامل يعمل بعقد يتجدد سنويًا، وهذه السنة لم يتجدد عقده، فبالتالي حقه قد ضاع.
ووجدها جاسم تقف أمامه بتلك الهيئة التي لا تبشر بالخير:
- خير يامهرة؟
فانفجرت به تخبره عما قاله فؤاد.
ليزفر جاسم أنفاسه وهو يسترخي بجسده على مقعده:
- أكيد الأستاذ فؤاد مش هيقول كده من عنده يامهرة.. وإنتي أكتر واحدة عارفة خبرته ونجاحه في أي قضية بيمسكها.
فتمتمت بضيق، فهي تعلم أنهم على حق، ولكن رغبتها في مساعدة المرأة التي قصدتها بأمل لا تريد خذلانها:
- بس ده ظلم.
فابتسم جاسم وهو ينهض من مقعده، واستدار نحو الشرفة ليطالع الطريق:
- هو ده عالم الفلوس يامهرة، المصلحة أهم.. ومافيش عواطف.
وعندما سمع صوت تنفسها السريع، التفت لها بجمود.
وعاد يجلس على مكتبه يطالع حاسوبه بتركيز:
- هاتيلي بيانات الأسرة دي وأنا هتكفل بيهم.
قراره ألجمها، وظهرت السعادة على محياها.
ولم تعرف كيف تشكره.
ولكن جاسم الشرقاوي كل يوم معها يأخذ طريقًا آخر لقلبها، ربما إعجاب أو احترام، أو ربما شيء مجهول.
***
مرت الأيام وقد اقترب كل شيء. اقترب مجيء حسين، واقتربت رأس السنة وحفل افتتاح المنتجع، ورحيل كنان وجواد.
أما رفيف، فمازالت تسعى إلى مبتغاها، ومشيرة كالعلقة حول كريم.
***
تأنقت مشيرة كعادتها في عشاء العمل الذي ضمه وضم البعض.
وأقتربت من هدفها الأساسي وهي تمشي بدلالها، ثم جلست بجوار كريم ووضعت يدها على فخذه:
- ليه بتهرب مني؟
فنفض يدها عنه برفق، ثم نهض معتذرًا منهم، وهو يطالع هاتفه من أجل إجراء مكالمة.
***
جالس شارداً في قراره الأخير. أيسلك سلوك الكثير ويبحث عن الزوجة التي يتوقعها الجميع، أم يتمهل في قراره ويترك لقلبه حق الاختيار؟
وأخرج العلبة المخملية التي تحتوي على الخاتم المميز، وأخذ يطالعه بهدوء.
***
الحج إسماعيل يخبر الصبي خاصته عن سعادته أن حسين ولده سيأتي أخيرًا.
كلما نطق اسم حسين ازدادت ضربات قلبها.
وضعت ورد بحزن هديتها لجواد، فالأيام تمر وموعد رحيله اقترب، فالمنتجع أصبح على أكمل وجه.
كان جواد يتشبث بعنقها، يخبرها أنه سيحادثها كل يوم وسيأتي لمصر دوماً لرؤيتها.
ونظر إلى كنان الذي وقف يحدق بهم بهدوء، يعقد ساعديه أمام صدره.
"أليس كذلك خالو؟"
فتمتم كنان بهدوء.
"نعم جواد."
رده الهادئ أوجعها، وعلمت أن النهاية قد سطرت.
وأن ما حلم به قلبها ما هو إلا خيال.
أرادت أن تبكي، ولكن تحملت على نفسها ونظرت نحوه بشحوب، وأعين باهتة.
فتراقص قلب كنان لأن خطته الأخيرة اقتربت، ويوم الحفل سيعترف لورد بحبه، ولن يرحل إلا بها زوجة.
فعلاقته بسيلا انتهت، حتى لو لم تصدق سيلا إلى الآن أن طرقهم قد انقطعت.
التقط اسم رجل وهو يخرج من غرفة مكتبه.
مهرة تخبر مني بسعادة عن قدوم رجل اسمه حسين، نبرة صوتها اليوم كانت مختلفة، بها شوق عجيب.
كصوت المحبين.
ليأتي سؤال مني قبل أن ينتبهوا لخروج جاسم من غرفة مكتبه.
"هو ده حسين جارك حب الطفولة يا مهرة؟"
فأرتبكت مهرة وهي تنتبه لجاسم الذي طالعهم بصمت وانصرف دون أن يخبرهم بشيء، كالمعتاد.
جلس مراد في مكتبه بالمصنع يفكر بمهرة، وهو ينظر لرقم هاتفها، يريد أن يحادثها، يطلب لقائها، ولكن شخصية كمهرة لن تقبل بهذا الشيء.
ووجد رقم رقية يدق، فأبتسم وهو يحادثها.
"أهلاً بالمشاغبة."
فصدحت ضحكة رقية عبر الهاتف تسأله.
"هتخرجيني فين في حفلة رأس السنة؟"
فداعب مراد لحيته مفكراً.
"المكان اللي تختاريه يا رقية."
الكل يستعد لسنة جديدة.
مهرة تعلم أن قدوم حسين سيكون في هذا اليوم.
وورد تريد أن ترى كيف يحتفل الناس كما تشاهد في التلفاز.
أما جاسم، صراع قوي أصبح فيه منذ أن علم أن مهرة لديها حبيب من الطفولة، وكأن هذا الخبر هو الفيصل لقراره.
اتسعت عين ورد بصدمة وهي تنظر إلى عائلة كنان العريقة.
ومعاذ يخبرها أن تلك السيدة الأنيقة التي يقف معها جواد هي جدته، والدة السيد كنان.
وأن الأخرى ذات العينين الخضراوين والجسد الطويل الممشوق "سيلا" خطيبته.
أزاح المقعد قليلاً لتجلس عليه.
فأبتسمت رفيف بسعادة وهي تطالعه، تشعر أن اليوم به شيء مختلف.
وسألها جاسم بهدوء.
"تحبي تطلبي إيه؟"
فأخبرته رفيف عما ترغب، ثم وضعت يدها أسفل ذقنها وطالعت من يرقصون بحالمية.
أنهوا طعامهم ووضع النادل المشروبات التي طلبوها.
ومع دقات عقارب السنة الجديدة كان جاسم يخرج من جيب سترته علبة مخملية وفتحها أمام رفيف دون مقدمات.
لتلمع عين رفيف بسعادة.
"موافقة بالطبع يا جاسم."
ونهضت من فوق مقعدها تطبع قبلة رقيقة على شفتيه.
وقفت مهرة تنظر من الشرفة تنتظر مجيئه بعد سنين الغربة.
وتمللت في وقفتها من كثرة الانتظار وتخيل كيف أصبح حسين.
وتنهدت بحالمية وقد رتبت شعرها.
اليوم ورد تعجبت من اهتمامها بنفسها وبشرتها، ولكن لم تسألها عن السبب، فقد كانت منشغلة بحفل افتتاح المنتجع وقد رافقها أكرم.
وصدح صوت سيارة، وخرج السيد إسماعيل من ورشته، ووالدة وشقيقات حسين خرجوا من الشرفة.
ثم هبطوا لأسفل مشتاقين لشقيقهم.
فرقص قلبها وهي تجده يخرج من السيارة، ولم تلمح إلا نصف وجه.
وارتبكت من وقفتها، فقررت أن تهبط لأسفل متعللة بأي شيء.
"هنزل أتحجج إني واقفة أستنى ورد عشان قلقت عليها."
وهبطت درجات الدرج سريعاً وفتحت باب المنزل بكل حنين.
الجار قد عاد وحب الطفولة ها هو.
لتقف كالصنم وهي تسمع والدة حسين.
"دي مراتك يا حبيبي."
وكان رد حسين أن احتضنها وهو يخبرهم بهوية زوجته العربية التي تعيش مغتربة بهولندا.
خرجت من المنتجع راكضة بعدما استطاعت قدماها أن تتحرك وتهرب.
فأتبعها كنان بلهفة، فلم يكن يعلم بقدوم والدته ولا سيلا، وقد تفاجأ بحضورهم منذ ساعات قليلة.
"ورد انتظري."
فأكملت ورد ركضها.
ليجذبها من مرفقها.
فطالعته بأعين دامعة، فلم تستطع إخفاء دموعها.
"إترك يدي يا سيد كنان."
فحرك كنان رأسه بنفي، ناظراً لعينيها بعمق.
"لن أتركها يا ورد بعد أن وجدتك."
لتقف سيلا خلفهم بأعين قاتمة.
"هذه من فضلتها على كنان."
وتابعت بحقد.
"هذه من خنتني معها."
لتنهمر دموع ورد، وأرخت يد كنان عنها.
واقترب من سيلا محدقاً بها بجمود.
"أخبرتك يا سيلا من قبل، فلا داعي تمثلي دور الضحية الآن."
وعاد يلتف نحو ورد التي سارت مبتعدة عنهم.
وصدح صوته عالياً.
"ورد."
ولم تلتفت إليه.
فأسرع بخطواته نحوها، وأعين سيلا تتابعهم.
ووقف أمامها يتنفس ببطء.
"تزوجيني يا ورد."
رواية لحن الحياة الفصل العشرون 20 - بقلم سهام صادق
الماضي مر أمامها. حسين يعطي لها الحلوى، يضرب أطفال الحي من أجلها، يسألها عن أحوال دراستها، يطبطب على كتفها وهي تبكي بعد صراخ والدها على والدتها، ككل مرة يأتي إليهم ويطالبه بحاجتهم إليه.
يواسيها في أحزانها، يفرح ويبتسم معها وقت سعادتها ونجاحها.
ذكري وراء ذكري تمر، ودموع وقفت في مقلتيها متحجرة وهي تطالع والدة حسين تحتضن زوجته مرحبة بها.
وارتعشت شفتاها، وحركت قدماها بضعف حتى لا تكون متطفلة أكثر من ذلك، فمع فرحتهم تلك لم تكن مرئية.
وقفت ساكنة وقد تجمدت حركتها وهي تسمع صوته غير مصدق.
"مهرة مش معقول."
وتقدم منها يسألها عن حالها.
"إزيك يا مهرة؟ متغيرتيش."
فرسمت ابتسامة باهتة على ملامحها وهي ترى أعين زوجة حسين عليها.
"حمدلله على سلامتك."
فابتسم حسين وهو يلتف نحو زوجته.
"الله يسلمك."
ثم نادى على زوجته التي تراقب الموقف، وأخوات حسين يخبرونها أنها جارتهم وتربوا معاً.
"تعالي يا مريم أعرفك على مهرة صديقة طفولتي."
فاقتربت مريم تصافحها بود وابتسامة لطيفة.
"مرحباً مهرة."
فمدت مهرة يدها تصافحها بملامح باهتة، وصمدت وصمدت إلى أن انتهى ذلك الجمع وانصرف حسين وزوجته إلى بيت والديه.
نظرت ورد إلى أكرم الجالس جانبها يقود السيارة بصمت. فلم يسألها عن شيء بعد أن جاء إليها راكضاً بعدما وجدها تبكي وكنان يقف ينتظر إجابتها.
لم تعطي لكنان إجابة، فهي مازالت في صدمتها من كل ما حدث.
وفركت يدها بتوتر متسائلة بارتباك.
"هو انتوا اتكلمتوا في إيه؟"
فطالعها أكرم بهدوء متذكراً الحديث الذي دار بينه وبين كنان في طلب زواجه منها، وأنه يريد رقم هاتفه ليتواصلوا معاً. فأخبره أكرم أن طلبه ليس هيناً وأنه من بلد أخرى وهذا سيصعب الأمر، ولكن في النهاية احترمه أكرم لأنه حين أراد شقيقته أرادها زوجة دون أن يتلاعب بها.
"ورد متتكلميش مع مهرة في حاجة النهارده، قبل ما اتكلم معاها أنا. اتفقنا."
فحركت ورد رأسها بتفهم وطالعت الطريق وهي هائمة فيما سيحدث.
أوصل جاسم رفيف للفندق الذي تقيم فيه، فأقتربت منه تعانقه وتقبل خديه.
"مبسوطة كتير جاسم."
فابتسم جاسم لسعادتها بعرض الزواج الذي اتفقوا بأن يكون الزواج بعد عام، والخطبة ستتم في كندا وسط عائلتها حسب الأصول.
وخرجت من سيارته تودعه. لينظر جاسم لها وهو لا يعلم لماذا عقله يصنع السعادة وقلبه لا يخفق بها.
ونفض تلك الأفكار، فبعد يومين سيسافر لكندا من أجل طلب يد رفيف رسمياً من عائلتها وامضاء بعض الوقت في كندا لمطالعة أعماله هناك، ويطمئن على شقيقه وكيف تمضي حياته.
انكمشت على فراشها تضم ساقيها ببعضهما، تنظر للقطع الصغيرة الخاصة بالرسالة التي عاشت بها سنوات غربة حسين منتظرة أن يأتي.
وسمعت غلق باب الشقة، فعلمت أن ورد قد أتت. فنظرت للساعة جانبها، فالساعة الثانية صباحاً.
ولولا أنها تعلم بأن أكرم معها وأنها حفلة افتتاح للمنتجع الذي بعد أيام سينتهي عملها فيه، ما كانت وافقت على هذا التأخير. ولكن تأخير ورد جاء بصالحها ولم يرى أحد لحظة ضعفها.
نظرت ورد نحو غرفة مهرة لتجدها مظلمة، فعلمت أن مهرة قد غفت. فتنفست براحة، فهي الآن ليست مستعدة لتحكي تفاصيل ما حدث ولا عرض زواج كنان، فمهرة بالتأكيد سترفض.
أعدت ورد طعام الإفطار بارتباك وهي تنظر لمهرة التي تجلس أمام الطاولة تقلب في كوب الشاي خاصتها. تعجبت من صمتها وعدم سؤالها عن الحفل ولا حتى عملها. ذهبت إليه ولم تسألها لماذا لم تذهب هي أيضاً لعملها الذي سينتهي عقده بعد أيام، ولكن ما حدث وتر الأمور.
وقررت أخيراً أن تسألها.
"مالك يا مهرة؟"
فأوقفت مهرة الملعقة عن التقليب وتمتمت.
"مافيش حاجة... أنا هنزل المحل."
فازداد تعجب ورد.
"طب وشغلك مش هتروحي؟"
فأكملت مهرة طريقها نحو الباب ووقفت ترتدي حذائها.
"أخدت إجازة يومين."
لتقف ورد في مكانها وهي تنظر للباب الذي أغلقته، وانتبهت لرنين هاتفها، لـ تتعجب من الرقم الذي يرن عليها للمرة الثانية.
"صباح الخير ورد."
فأتسعت عين ورد وهي تنظر للهاتف وتسمع صوته.
"سيد كنان."
فابتسم كنان وهو يسمع صوتها العذب.
"كنان فقط ورد."
رفعت مني عينيها نحو رفيف التي وقفت أمامها تعبث بخاتمها الألماس. فـ تعلقت عيني مني على الخاتم.
"ألن تقولي لي مني مبارك على خطبتي بجاسم؟"
فتعجبت مني ووجدت عين رفيف تبحث عن مهرة وكأنها تريد أن تخبرها هي أيضاً عن خطبتها.
"مبروك سيدة رفيف."
وجاء جاسم على صوت مني، لتقف مني تهنئه بحبور.
ونظر جاسم لمكتب مهرة الفارغ ولم يسأل بشيء.
ليردف لمكتبه ومعه رفيف تخبره عن التهنئة التي وصلت إليها عبر حسابها الشخصي فور أن أعلنت خطبتهم.
وقفت مهرة تنظر إلى أكرم وورد بعد أن حكى لها أكرم عرض كنان ورغبته في مقابلتها هي ووالدهم لعرض الزواج وإتمامه في أسرع وقت حتى يعود إلى وطنه من أجل أعماله المعلقة.
"انت بتقول إيه؟ جواز إيه وكمان تسافر بلد تانية وتعيش مع ناس غريبة عننا في كل حاجة."
وحدقت بورد الصامتة.
"قوله طلبه مرفوض... ولا هو فاكرنا ماهنصدق."
فابتلعت ورد ريقها وأطرقت رأسها أرضاً بحزن، لتنظر مهرة نحوها وقد تيقنت أن شقيقتها عاشقة لهذا الرجل لذلك تصمت.
ليقف أكرم وحرك رأسه بتفهم.
"معاكي حق يامهرة... بس ده ميمنعش إنك تقابليه وتتكلمي معاه."
فعادت مهرة تنظر نحو شقيقتها وجلست على المقعد وهي تزفر أنفاسها.
"موافقة أقابله، بس مش موافقة على القرار ده."
وبعد أن كان الأمل عاد لورد، انقطع الأمل مجدداً.
أخذ جاسم يجمع بعض الأوراق المهمة من على مكتبه وبدأ يخبر مني عن مهامها مع ياسر إلى أن يعود بعد شهر من كندا.
كانت مني تقف تحرك رأسها بتفهم.
وقرر أخيراً أن يسألها عن مهرة، فيومان الإجازة قد انقضوا.
"مهرة بكرة هتكون على مكتبها مش كده؟ أظن اليومين خلصوا."
وتابع بجمود وهو يتخيل أن سبب إجازتها ما هي إلا أن تكون بجانب جارها المدعو حسين.
"ياريت مهرة تلتزم شوية ومافيش إجازات تانية."
لـ ترتبك مني من رد فعله.
"مفهوم... أي أوامر تانية؟"
ليشير لها بالانصراف ويجلس على المقعد القريب منه.
زافراً أنفاسه بضيق.
تمعنت مهرة في النظر إلى كنان الذي جلس أمامها بطريقة استقراطية تدل على مكانته.
فأبتسم لها كنان بتفهم.
"أعلم أنكِ قلقة مني على ورد يا مهرة."
فتعجبت مهرة من إتقانه للعربية.
"صدقيني يا مهرة أنا أريد ورد زوجة لأني أحببتها حقاً."
فتنهدت مهرة بقوة وهتفت باندفاع.
"حبيتها في الكام شهر دول؟"
فحرك كنان رأسه وهو يسترخي في جلسته.
"بضعة أشهر غيرت داخلي أشياء كثيرة يا مهرة..."
وتابع بصدق.
"كنت ضد دوماً أن يتزوج الرجل من امرأة ليست من موطنه... ولكن لا أعلم ماذا حدث، وكأن الحب يخبرنا لا يوجد مكان ولا زمان له ولا حتى معتقد."
أعجبها صدقه في الحديث، ولكن خوفها على شقيقتها كان أكبر.
"ما يمكن حبك لورد مجرد انبهار وهيروح مع الوقت."
فضحك كنان وهو ينحني للأمام قليلاً.
"انبهار مع رجل في عمري؟ أنا في الثالثة والثلاثون يا مهرة."
فحركت رأسها باستياء.
"النضوج مش بالسن."
فابتسم كنان وهو يحك ذقنه.
"معك حق... أخبريني يا مهرة بمخاوفك مني."
فضيقت مهرة عينيها للحظة... وأنفجرت به تخبره.
"ما يمكن تتجوز ورد نزوة وبعدين ترميها."
"عاداتكم وتقاليدكم مش زينا، صحيح أنت مسلم بس عادات الأوطان بتختلف."
وتابعت وهي تطالع صمته.
"أهلك رأيهم إيه؟ أكيد هيرفضوا زي ما أنا رافضة."
لـ لحظات صمت كنان ونظر بعمق إليها وهو يقدر شعور الخوف لديها.
"أحترم مخاوفك يا مهرة، ولكن لن أتخلى عن ورد لمجرد أوهام وعواقب يفترضها القلب. عرضي ما زال قائم يا مهرة."
رغم شعورها بالراحة تجاه كنان، إلا أن شعور الخوف كان أكبر.
تفاجأت مني من ملامح مهرة وصمتها الذي أصبح دائم، وما يجعلها تجد سبب لصمتها هذا، لأنها علمت بأمر شقيقتها وهذا الأمر الذي جعلها تغيب عن العمل لأربعة أيام.
ولكن لا أحد يعلم السبب الأساسي الذي حطم قلبها.
لو لم تكن تنتظر وتحلم بقدومه
لو لم تعيش على الذكريات التي جمعتهم قبل أن يرحل
لو لم تكن تنظر لكلمة "أحبك" كل يوم وهي تعلم أن أحدهم يحبها وراضي بها هكذا بهيئتها وعقدتها وظروفها، ولكن كل هذا كان كالسراب.
- النهارده خطوبة جاسم بيه في كندا.
وتابعت مني وهي تدقق الأوراق التي أمامها.
- الخبر محتل مجلات المشاهير.. غير صفحات التواصل الاجتماعي.
فرفعت مهرة عيناها عن الحاسوب وما كانت تسجله به، فهي علمت بسفر جاسم ومدته عندما عادت للعمل. كانت آتية ترغب أن تسأله عن كنان ومعلومات تخصه، فبالتأكيد جاسم بعلاقاته ومكانته سيفيدها.
ولكنه سافر من أجل أن يتم خطبته برفيف رسميًا.
تقبلت الخبر بملامح هادئة وحركت رأسها.
فنهضت مني بقلق عليها.
- مهرة مالك فيكي إيه؟
وتقدمت منها تضم رأسها إليها.
- الحكاية مش حكاية ورد يامهرة، أحكيلي اعتبريني أختك.
فنظرت لها ورسمت على شفتيها ابتسامة باهتة.
- أنا بخير متقلقيش.
فتنهدت مني ولم ترغب بأن تضغط عليها أكثر من ذلك.
.......................................................
عادت من عملها لتجد حسين يجلس مع والده الحج إسماعيل أمام الورشة، ثم وقعت عيناها على زوجته مريم تتجه نحوهم بفستانها الجميل. وعندما لمحها حسين نهض من جانب والده ليحتوي كفها بكفه.
- إيه الجمال ده ياحبيبتي.
الجملة اخترقت أذنيها، فخطت بخطوات سريعة نحو بنايتها ثم صعدت لشقتهم متجه إلى غرفتها تنفرد بنفسها قليلاً قبل أن تنهار وتري ورد انهيارها.
ولكن قررت أن تتغلب على أحزانها وتتجه لغرفة ورد، فمنذ عودة كنان لتركيا من أجل مشاكل هناك وهي تعتكف في غرفتها أو شارده.
وتنهدت بيأس فهي لا تريد إحزان ورد والوقوف أمام سعادتها، ولكن تخاف عليها بشدة حتى أنها اليوم طلبت من مراد لو استطاع بعلاقاته وعلاقات والده أن يعرف لها حياة كنان وهل تستطيع تصديق حبه لشقيقتها.
واقتربت من غرفة ورد لتسمع صوتها وهي تحادث أحدهم ويبدو أنه كنان.
وسمعت طرقات على باب الشقة، لتتجه نحو الباب لترى من الطارق.
وألتوت شفتيها بضيق وهي تجد سهير زوجة أبيها.
- إزيك يامهرة.
فطالعتها مهرة بهدوء.
- خير.
لتبتسم سهير وهي تتقدم للداخل ببطء.
- أومال فين ورد.
لتخرج ورد في تلك اللحظة لتطالعهم سهير بنظرات طويلة.
- سمعت أنه جالك عريس غني لاء وكمان تركي.
ومصت شفتيها.
- لاء وقعتي واقفه يابنت زينب.
لتحدق ورد بمهرة تنتظر منها أن تتكلم.
- آه شوفتي عشان تعرفي شطارة بنات زينب.
ألقت جملتها الأخيرة بتهكم، جعلت ياسر تضحك.
- عقبال ما تطلعي شاطرة انتي كمان وتلاقي واحد يشيل الشيلة كلها ولا يقولنا جهاز ولا جيب وهات.
ياخدك كده من إيدك.
لتلمع عين مهرة بجمود.
- قولتي الكلمتين اللي جايه عشانهم.
لتمضغ سهير العلكة ببرود.
- أبوكم موافق على العريس...
ونظرت لورد واقتربت منها.
- متسمعيش كلامها وتمشي وراها زي الخيبة وتضيعي جوازة لقطة من إيدك.
وعادت تحدق بمهرة التي تقف أمامها ببرود، ثم انصرفت كما أتت.
لتركض ورد نحو مهرة.
- مهرة أنا عمري ما هعمل حاجة انتي رافضاه حتى لو كنت بحب الحاجة دي أوي.
ورمت نفسها في أحضانها، لتجد مهرة تبكي في صمت.
- وأنا عمري ما هقف قدام سعادتك ياورد.
....................................................................
استيقظت مهرة تمسح على وجهها تتذكر ابتسامة والدتها في الحلم وهي تعطيها فستان زفاف أبيض.
................................................................
تأكدت من حب كنان لشقيقتها فور أن علم بموافقتها ترك كل شيء وجاء من بلاده.
ركض الصغير جواد نحو ورد يحتضنها بشوق، فلم يرى ورد منذ ليلة الحفل، فقد رحل مع جدته.
- اشتقت إليكي ورد.
وهمس بخفوت وهو يدور بعينيها نحو مهرة وكنان وأكرم.
- صحيح ستكوني عروس لخالو.
فأرتبكت ورد وتوردت وجنتيها ليضحك كنان وأكرم، وأبتسمت مهرة بحنان وهي ترى السعادة عادت لشقيقتها.
..........................................................
أرتبكت مهرة في تحضير عرس ورد والكل يتعجب كيف ستتزوج ورد بهذه السرعة ومن من رجل وسيم غني من بلد أخرى.
أغدق عليها بكل الهدايا القيمة وأخبرها أنها تريدها هكذا، ولكن مهرة أصرت أن تجلب لشقيقتها ملابسها ومتعلقاتها الشخصية حتى لو كان هو قد جلب لها كل شيء.
كانت رقية تشاركهم تلك الفرحة ومراد أيضًا الذي اقترب من مهرة أكثر منذ أن جمع لها كل المعلومات عن كنان وحياته، فعلمت أنه كان خاطبًا لأخرى ولكن كنان وضح لها كل شيء وأنه انفصل عنها قبل أن يعرض الزواج على ورد.
احترمت مهرة كنان مع الأيام، فكل ما تخبره به يتقبله بصدر رحب. أرادت فرح هنا لشقيقتها فوافق.
يتقبل تقلبات مزاجها بهدوء بل ويخبرها أنه يشعر بها ويقدر سبب قلقها.
وشعرت باندفاع شيء داخل ذراعيها فضحكت وهي تضم جواد إليها.
- خضتني.
الصغير رغم أنه لا يتكلم إلا القليل من العربية إلا أنه أصبح يفهمها.
- هيا لنفتح محل البقالة ونجلس به ونأكل الحلوى.
لتنظر مهرة للوقت فتجد أن الساعة تخطت العاشرة.
- مبتعرفش مهرة غير عشان ديه.
وربتت على معدته فضحك جواد بشقاوة، وجذبها من يدها.
- هيا مهرة.
لتتسائل مهرة وهي تتحرك معه.
- فين ورد.
فأشار لها جواد أن تهبط لمستواه ليهمس بخفوت.
- تحادث خالو بالهاتف.
وأصبحت هذه هي حياتهم تلك الفترة وكان أجمل شيء فعله كنان أنه ترك لهم جواد وأصبح هو بين المنتجع وبينهم وبين ذهابه لتركيا.
وها شهر ونصف يمر ولم يعد جاسم بعد من كندا.
.....................................................................
اردفت مرام لغرفة جاسم في الشركة التي ضمن مجموعة شركاته وكانت هي بداية صعوده.
- أنت طلبتني يا جاسم.
فأشار لها بأن تجلس، ليننهض من فوق مقعده وأقترب منها ليجلس على المقعد الذي أمامها.
- أنت وكريم حياتكم وتصرفاتكم مش عجباني يامرام.
فتمتمت مرام بأرتباك.
- أنت شوفت كل مشاكلنا دلوقتي عشان الشغل.
فنظر إليها جاسم وهو يتنهد بيأس منهم ومن أفعالهم، فأقامته معهم تلك الفترة جعلته يكتشف أشياء كثيرة.
- الحكاية مش حكاية شغل بس يامرام، لأن كريم فكره مش راجع إنه يقضي على طموحك.
وكادت أن تبرر له إلا أن جاسم نهض من أمامها.
- حياتك هتدمرها يامرام بنفسك وافتكري كلمتي دي.
لتقف مرام أمامه تفرك يديها بتوتر.
- كريم هو السبب.
لينظر إليها جاسم ساخرًا.
- برضوه الماضي واقف بينك... انتي السبب هو السبب كل حاجة بقت في الماضي.
وتابع بجمود وهو يطالعها.
- كريم بيحبك، فبلاش تخسري حبه بتمردك وتعيشي نفسك جوه الماضي وأنه هيتخلي عنك في يوم.
فأرتبكت بشدة ورغم حديث جاسم الجامد لها إلا أنها تقدره وتعده كشقيق فهي إلى الآن لا تجد منه أي شيء مسيء لا هي ولا عائلتها.
وهمست بخفوت.
- أنا قلقانة من مشيرة وقربها من كريم.
ليعود جاسم إلى مقعده خلف مكتبه بهدوء.
- مدام خايفة على جوزك وحياتك، احفظي عليهم.
وأنصرفت من أمامه بتوتر ثم وقفت وهي تمسك مقبض الباب قبل أن تخرج من الغرفة.
- هترجع مصر إمتى.
فتمتم وهو يطالع الأوراق.
- آخر الأسبوع.
واغلقت الباب خلفها لينظر جاسم إلى هاتفه، وتنهد بيأس من رفيف، فقد ذهبت لباريس رغم اعتراضه والإجابة أنها تريد أن تستمتع بكل شيء قبل الزواج.
الذي حدد موعده بعد أشهر وليس عام.
ونظر إلى دبلته وأخذ يحركها في أصبعه.
ولا يعرف لما شرد بمهرة فطيلة الأيام الماضية أبعد تفكيره عنها ولم يسأل ياسر أو مني عن أحوالها أو كيف تبدو في عملها حتى ظن أنه قد نسيها.
ولكن الحنين عاد عندما اقترب موعد عودته.
..........................................................
ورد عروس أمامها وقد أصبحت زوجة كنان، دموعها انسابت دون شعور لتترك ورد ذراع كنان بعد أن سلمها له أكرم.
واقتربت من مهرة تحتضنها بقوة.
- كفاية عياط يامهرة لاحسن أعياط.
فأبتعدت عنها مهرة قليلاً لتحتوي وجهها بين كفيها.
- لاء خلاص مش هعيط وانتي متعيطيش.
فأبتسمت مهرة لتجد كنان يقترب منهم، يضم ورد له بحب.
- أوعدك مهرة سأحافظ عليها.
فحركت مهرة رأسها له بصمت، ليبدأ العرس.
عرس ضم معارف كنان وأصدقاء وجيران ورد.
ونظرت مهرة نحو والدة كنان التي تطالع كل شيء بهدوء أقلقها.
لتجد جواد يمسك يدها ويقفز بسعادة.
- ستأتي معنا مهرة أليس كذلك.
لتضحك مهرة وهي تمسح بقايا دموعها.
وسمعت صوت رقية خلفها ومعها والدها السيد مسعود ومراد وأيضًا مني وزوجها وأطفالها والسيد عماد والد مراد.
فأبتسمت مرحبة بهم.
- أكيد اتفقتوا تيجوا سوا.
وعبست قليلاً وهي تضرب رقية على ذراعها برفق.
- كان لازم تروحي وتسبيني أنا وورد عشان تجهزي في البيت.
ورغم أن مهرة تعلم السبب الأساسي لرحيل رقية لتحضر نفسها بعد أن قضت أغلب اليوم معهم، فهي تريد أن تأتي مع مراد الذي كانت نظراته تتابع حركة مهرة بفستانها الأزرق الطويل وخصلات شعرها المنسابة على وجهها برقة.
وضحكوا جميعهم ليقترب عماد من مهرة بأبوة.
- إيه الجمال ده، ده أنا افتكرتك انتي العروسة.
فأبتسمت مهرة بخجل من لطفه.
وجذب يدها قائلاً.
- تعالي عرفيني على ورد وجوزها.
فتحركت معه مهرة وهي تكتم ضحكتها، فالسيد عماد هو من يجعلها تبتسم وتضحك بحق.
الكل يرقص وسعيد ومستمتع بالقاعة الفخمة.
وسهير تقف مع عزيز الذي وقف كالغريب وكأنه ليس عرس ابنته.
كانت سهير تنظر على أولادها.
فكريم منشغل في معاكسة الفتيات، وأكرم يقف بجانب إحداهن وقد عرفها عليها ليهمس بعدها أن هذه هي الفتاة التي يريد خطبتها.
ولوت شفتيها بضيق.
- خيبة على خلفتك ياسهير.
....................................................
وقف مراد بجانب مهرة بعد أن استطاع الانفراد بها، فقد حسم قراره وسيخبرها اليوم بحبه لها.
- مهرة.
فألتفت نحوه بعد أن كانت منشغلة برقص ورد مع رقية وأصدقائها.
- في حاجة يا أستاذ مراد.
فتنهد مراد بيأس.
- بلاش أستاذ دي يامهرة.
فأبتسمت له بلطف.
- بلاش أستاذ، نعم يامراد.
وطال صمت مراد، لتنظر مهرة إليه ثم إلى رقية التي تطالعهم من حين لآخر.
- بص قدامك هتلاقي اللي بدور عليه.
وغمزت له وأبتعدت عنه، ليجد مراد رقية تقترب منه.
............................................
اتسعت عيناها وهي تجد جاسم يردف للحفل بكامل أناقته وذهب مباشرة نحو كنان وورد.
علمت من كنان عندما أخبرته أنها تعمل في شركة الشرقاوي.
كان يعرف جاسم معرفة سطحية ليس أكثر.
وها جاسم عاد وتلقى دعوة كنان.
فنظرت مهرة لمنى:
- وصل النهارده الصبح.
فحركت مهرة رأسها بتفهم.
فأخذ جاسم يبحث بعينيه عنها ليجدها تقف بجانب منى.
ثم اتجهت نحو رجل وامرأة ترحب بهم.
قلبه الذي كان كالبحر الهادئ، أخذ يدق بعنف.
وهو يراها بفستانها وابتسامتها.
وتقدم منها دون شعور، فسبب قبوله للدعوة هي رغم أنها لم تأتِ منها.
واقترب منها:
- مهرة.
لتلتف إليه مهرة بعد أن رحبت بحسين وزوجته.
وأشارت لجاسم تعرفهم عليهم:
- السيد جاسم صاحب الشركة اللي بشتغل فيها.
ونظرت لحسين:
- حسين جاري ومريم زوجته.