تحميل رواية «لحن الحياة» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يقف بعيدًا يجفف دموعه وهو يرى آخر غير والده يحتضن والدته ويقبّل جبينها، ووالدته تبتسم باستحياء وكأنه الرجل الأول في حياتها. الفرحة كانت تعم المكان، فالكل سعيد بهذا الزواج من أقاربهم. ابن العم الأرمل قد عاد ليتزوج بأمه الأرملة، وكأن القدر أراد أن يلتقيا بعد أن افترقا. وبعد وفاة أبيه منذ عامين، عاد الحبيب يدق أبواب حبيبته من جديد، فالفرصة قد سنحت له ولها. ولكن والدته في البداية رفضت بشده، أما الآن هاهي سعيدة وقد نسيت أبيه. دموعه انسابت دون توقف رغم محاولته المُميتة بأن يمنع هبوطها، فوالده ذات يوم...
رواية لحن الحياة الفصل الأول 1 - بقلم سهام صادق
يقف بعيدًا يجفف دموعه وهو يرى آخر غير والده يحتضن والدته ويقبّل جبينها، ووالدته تبتسم باستحياء وكأنه الرجل الأول في حياتها. الفرحة كانت تعم المكان، فالكل سعيد بهذا الزواج من أقاربهم. ابن العم الأرمل قد عاد ليتزوج بأمه الأرملة، وكأن القدر أراد أن يلتقيا بعد أن افترقا.
وبعد وفاة أبيه منذ عامين، عاد الحبيب يدق أبواب حبيبته من جديد، فالفرصة قد سنحت له ولها. ولكن والدته في البداية رفضت بشده، أما الآن هاهي سعيدة وقد نسيت أبيه.
دموعه انسابت دون توقف رغم محاولته المُميتة بأن يمنع هبوطها، فوالده ذات يوم أخبره أن الرجال لا يبكون. رفع صورة والده ببذلته العسكرية وقلبه يتقطر ألمًا، إلى أن شعر بيد جدته الحبيبة على كتفه الصغير.
"مش هتبارك لماما يا جاسم؟"
فرفع عينيه نحوها، فقد كانت تمسك بيدها أخيه الصغير "كريم" الذي يبلغ من العمر أربعة أعوام. شهقت بصدمة وهي ترى هيئته التي تُقطع البدن، وأسرعت في ضمه إليها، تربت على كتفه بحنان.
ليسمع صوت والدته القريبة منهم، والتي ما إن رأت المشهد جثت على ركبتيها أمامه باكية.
"أنا آسفة يا حبيبي، سامحني."
فأشاح وجهه بعيدًا عنها، ثم ترك أحضان جدته وركض نحو غرفته الصغيرة، ولم يخرج منها إلا عندما رحلت هي وزوجها وشقيقه الذي أخذته معها، وتركته طفلًا في الثاني عشر تحت رعاية جدته، وأصبحت علاقتهما مجرد زيارات حين يسمح عمل زوجها.
ومن هنا بدأت حكاية "جاسم الشرقاوي".
***
بدأ الضجيج يعم منطقتها البسيطة الدافئة، وصوت العم إسماعيل يعلو وهو يهتف باسم الصبي الذي يعمل معه في ورشته الصغيرة. ففتحت عينيها ببطء وأخذت تشعث شعرها بحركة معتادة عليها منذ الصغر.
ونهضت من فوق فراشها بمنامتها غير المتناسقة، فكل قطعة من منامة أخرى، وفردت ذراعيها وهي تهتف:
"صباح الخير يا منطقتنا العظيمة."
وسارت نحو تلك المنضدة الصغيرة التي تحمل صورة والدتها.
"صباح الخير يا ماما، وحشتيني أوي."
وسقطت دموعها وهي تتذكر يوم وفاتها، والذي مر عليه أربعة أعوام. والدتها كانت امرأة عظيمة أفنت عمرها عليها وعلى شقيقتها التي تصغرها بعامين. ولكن الغلطة الوحيدة التي اقترفتها في حياتها أنها تزوجت من رجل متزوج يبحث عن زوجة كمجرد وعاء تحمل وتلد، اختارها من قبل زوجته المُحبة وابنة العم الغالية وأم الذكور حاليًا، والتي لم تكن تنجب.
وفور أن حملت والدتها بشقيقتها "ورد"، حملت الأخرى بالتوأمين "كرم وأكرم"، وكانت هذه كالمعجزة، فبعد عشرة أعوام من الزواج قد تحقق ما أملت به.
ومع مرور الوقت، بدأت المشاكل تظهر، إلى أن جاء والدها ذات يوم وهي فتاة في الخامسة من عمرها، وما زالت تتذكر ذلك اليوم بشدة، فقد كانت تقف على أعتاب باب حجرتها تحمل دميتها بيدها، وتنظر إلى دموع والدتها وهي تخبر والدها أنها أحبته وراضية بأن يأتي إليها يوم واحد فقط بالأسبوع.
ولكن والدها العاشق لتراب زوجته الأولى كان رده الذي حفظته عن ظهر قلب.
"الحياة بينا انتهت يا زينب، بناتي هبعتلك فلوس ليهم كل آخر الشهر وهبقى أزورهم من وقت للتاني."
ثم نطق وهو يزفر أنفاسه بقوة:
"أنتِ طالق!"
لتفيق على صوت يهتف باسمها من أسفل البناية التي يعيشون فيها، وقد كانت إرث والدتها من والديها.
"يا ست مهرة، يا ست الأستاذة مهرة... مش هتفتحي محل البقالة عايزين نشتري طلباتنا."
لتتذكر أمر بقالتها وتركض نحو المرحاض، وضحكات ورد تعلو المكان وهي تضع أطباق الفطار على المائدة. وبعد مدة كانت تقضم إحدى اللقم سريعا:
"عندي جلسة في المحكمة بعد الضهر، أبقي اكويلي الروب وحضريلي الشنطة وحطي الأوراق بتاعت القضية جواها."
لتضحك ورد وهي تطالعها:
"حاضر يا حضرة الأفوكاتو."
فضحكت مهرة وهي ترفع خصلات شعرها وتحكم في ربطها، فتبدو وكأنها ناظرة مدرسة.
"أما أنزل بقى أشوف الواد بندق ده."
وكادت أن تلتف بجسدها إلا أنها عادت إلى كوب الشاي خاصتها ترتشف منه القليل، ثم وضعته على المائدة مرة أخرى، ولكن ألتقطته ثانية تحت نظرات ورد.
"لأ تعالا أنت معايا، محتاجة أكملك تحت."
وانصرفت نحو الأسفل بهيئتها التي تشبه الصبية في الملابس، ولكن كملامح، رغم جمودها، إلا أنها تحمل وجهًا ملائكيًا تحاول أن تخفيه، فهي رجل هذا البيت، والرجال لا يحملون تلك الوجوه.
***
تردف بخزي أمام حارس تلك البناية الراقية التي لا يسكنها إلا أصحاب المال، وبعد برهة كانت تغادر المصعد وهي تضم كتبها بذراعيها وتقاوم دموعها. فوالداها أخبروها أن أحدهم تقدم لخطبتها.
وأردفت لداخل الشقة التي شهدت حبهم المحرم، وابتسم وهو يسمع خطواتها بعدما أغلقت باب الشقة التي تملك مفتاحها.
"جيتي ياحبيبتي."
فارتبكت مرام وهي تنظر إليه، فكيف ستخبره اليوم أن يتعجل في إخبار أخيه بحبهم وأن يأتي ليتقدم إليها. سبعة أشهر مروا على علاقتهما ولا جديد يحدث إلا تلك اللقاءات السرية التي تجمعهم.
واقترب منها وقبّل وجنتيها ثم حاوط خصرها بذراعيه مبتسمًا، وبدأ يحرك قمة أنفه على أنفها الصغير مداعبًا إياها.
"مالك يا مرام؟ حد في البيت عندك حس بحاجة؟"
فحركت رأسها بنفي ونظرت لعينيه التي هي سبب في عشقه وتصديق كل وعوده.
"انت هتيجي تتقدملي امتى يا كريم؟"
فابتعد عنها بضيق بسبب تلك الأسطوانة التي أصبحت ترددها يوميًا، وسار نحو المطبخ يعد لنفسه فنجان قهوة لعله يفيق من سهرة أمس.
"قولتلك يا مرام لما أثبت نفسي لجاسم الأول."
فتبعته برجاء وأحاطت خصره بذراعيها.
"ما انت بقالك 3 شهور شغال معاه في الشركة.. حتى قولتلي إنه بدأ يتبسط منك."
وطبعت بقبلة على ظهره وهي تهمس بحب:
"مبقاش ليا مبرر في رفض العرسان.. دي آخر سنة ليا في الكلية."
لِيلتف إليها وهو يزفر أنفاسه ويطالع قسمات وجهها. فقد بدأ يمل من تلك العلاقة ولكنه لا يستطيع أن يتركها. فظن أنه عندما يحصل عليها سينتهي من تأثيرها عليه. ولكن كل يوم يرغب بها بشدة.
وعندما ظهرت الرغبة في عينيه، نظر إلى ساعة معصمه وابتسم وقد أزاح حديثها خلف ظهره.
"مش مهم أتأخر على الشركة ساعتين."
وهتف وهو يسحبها خلفه نحو الغرفة:
"انسى أي حاجة دلوقتي ومتفكريش غير في حبنا."
وضاعت معه في الطريق الذي دخلته هي بإرادتها. فمنذ أن دخلت الجامعة الأمريكية التي حصلت على منحتها من قبل الدولة كونها من أوائل الثانوية العامة، أصبحت نظراتها نحو طبقات الأثرياء إلى أن اقتربت منهم. وفي إحدى أعياد ميلاد زميلاتها والتي تعد ابنة أحد السفراء، تعرفت على كريم وبدأت حكايتهم منذ عام ونصف.
وبعدما انتهت جولة العشق المحرم، أسرع في النهوض من جانبها لتغطي جسدها بأعين دامعة. وبعد دقائق كان يخرج من المرحاض وهو يدندن ناظرًا إليها يتفحص هيئتها أسفل الغطاء، غامزًا لها بمكر:
"كده الواحد يبدأ شغله مع جاسم بطاقة."
لتبتسم إليه بابتسامة ضائعة. تتذكر كريم شقيق ... فمن لا يعرف "جاسم الشرقاوي" في البلد؟ ذلك الرجل الذي أصبح اسمه مميزًا في الوطن، منذ أربع سنوات والكل يتكلم عن الرجل الثلاثيني الذي عاد من خارج البلاد يستثمر أمواله في وطنه بجانب أعماله التي ما زالت بكندا.
***
بحضوره الطاغي يخرج من سيارته الحديثة، ينظر إلى البناء الضخم الذي يحمل اسم الشرقاوي، وبخطى دقيقة يسير نحو الصرح العظيم لمجموعته. يطالعه موظفوه برهبة، وآخرون بحسد، وأخريات بحالمية.
واقترب منه مدير أعماله يخبره ببعض المستجدات، إلى أن وصل للطابق الخاص الذي يقبع فيه مكتبه. فتقف مديرة مكتبه "مدام منى"، تلك المرأة الأربعينية والتي هي مثال للعقل المُحكم المُحنك، فقاعدتها في الحياة العمل ثم العمل.
وبعد دقائق كانت منى تخرج من مكتبه بعدما طالعته على أوراق المناقشة الجديدة. ليرفع عينيه نحو مدير أعماله:
"كريم لسه مجاش."
فيحرك ياسر رأسه بنفي، ليزفر جاسم أنفاسه بقوة متمتمًا:
"برضه لسه مع البنت دي."
فطأطأ ياسر رأسه وهو لا يريد فضح أمر كريم أمامه.
ونهض من فوق مقعده بغضب:
"الوضع ده لازم يتحط له حدود."
وأشار لياسر بالانصراف، ثم التقط هاتفه وبعد ثوانٍ كان كريم يهتف بمرح:
"جاسم باشا."
وقبل أن يكمل باقي عباراته:
"عشر دقايق وتكون قدامي يا كريم... مفهوم."
وأغلق الهاتف، لينظر كريم لهاتفه ثم إلى مرام التي تجلس جانبه تتشبث بكتبها وتطالع الطريق بأعين شارده. وأخيرًا أوصلها كريم إلى جامعتها وانطلق نحو مقر المجموعة.
***
أردفت لداخل محل البقالة خاصتهم، تطالع شقيقتها التي تنظر إلى هاتفها باحثة عن وظيفة لا تطلب خبرة وتناسب شهادتها، ولكن كالعادة، كما هو، لا شيء يناسب مؤهلها. لتهتف مهرة بإرهاق:
"هاتي الكرسي اللي جنبك ده يا ورد."
فتنهض ورد بفزع فهي لم تشعر بقدوم شقيقتها.
"بسم الله الرحمن الرحيم، انتي جيتي امتى؟"
فتقذف مهرة بحقيبة أوراقها نحوها بضجر:
"شايفني عفريت قدامك؟"
فتطالع ورد هيئة شقيقتها في البذلة الرسمية التي تفتقر للأنوثة:
"لأ سمح الله، آسفين يا أستاذة مهرة."
وجلسوا بجانب بعضهم، لتتساءل ورد:
"عملتي إيه في القضية؟"
لترفع مهرة جسدها بفخر:
"طبعًا كسبتها."
فتعاود ورد الضحك، لتنظر إليها مهرة بغضب وهي تضم حاجبيها. وتنهض ورد نحو الطفل الذي جاء يأخذ الحلوى ضاحكة:
"نظراتك دي بتخوفني."
فابتسمت مهرة على براءة شقيقتها.
ورد هي النقيض لها حتى في المظهر، ملابس أنثوية محتشمة وحجاب يغطي شعرها، وابتسامة ودودة دومًا على محياها ودفء يرسم على ملامحها وقلب هش. أما هي، كأمواج البحر، هادئة مع البعض وأحيانًا قطة متوحشة. ولكن كما تخبرها ورد، هي طيبة القلب، حنونة، تظهر عكس ما بداخلها، تساعد وتقدم قدر استطاعتها الخير، ولا ينقصها شيء إلا أن تكمل فرائض دينها وترتدي الحجاب، الشئ الوحيد الذي لم تتخذ فيه قرارًا إلى الآن رغم عمرها الخامس والعشرين.
وتلملمت في جلستها وطالعت شقيقتها التي وقفت ساكنة في مكانها بعد أن باعت الحلوى للصغير. فوقفت بدورها لتجد ما حطم فؤاد شقيقتها، فـ "ماجد" جارهم وكيل النيابة وحب شقيقتها وخطيبها السابق يخرج من سيارته هو وزوجته ابنة المستشار. فمن سيليق به غير تلك كما أخبرتهم والدته منذ عام.
فسخت خطبة ابنها بشقيقتها لكونها لن تنفعه مستقبلًا. فهي تريد لابنها زوجة من عائلة عريقة تليق به وبمكانته وترفع مستواه، وليس هم بنات رجل هجر والدتهم وتركهم يصارعوا الحياة بمفردهم ولا يسأل عنهم إلا كلما رغبت زوجته وأعطته الإذن. حتى الأموال مع الوقت بدأ لا يتكفل بهم، فزوجته رأت أن كل قرش يذهب إليهم من حق أولادها، رغم أن وضع والدهم ليس بسئ، فهو لديه متجران لبيع الأجهزة الكهربائية وأيضًا يعيش في منطقة تعد من المناطق الراقية. ولكن هم ليس من حساباته كما أصبح هو بعيدًا عن حساباتهم.
وربتت على كتف شقيقتها قائلة بدعابة كي تهون عليها:
"حد يزعل على واحد ابن أمه."
"وكمان الواد ده مبينزليش من زور."
فابتسمت ورد بشحوب:
"الواد ده بقى يتقاله ياباشا."
فأمتعض وجه مهرة ومصمصت شفتيها بطريقة مضحكة:
"باشا الله يرحم."
وبدأت تسرد مواقفه المضحكة إلى أن ضحكت ورد ووضعت يدها على فمها:
"بس كفاية."
فابتسمت مهرة وهي تضمها لحضنها:
"أنا الود ودي أروح أضربه بوكس في وشه هو والست أمه اللي بقت في الرايحة واللي جاية أنا أم حضرة المستشار."
وعندما وقعت عيناها على تلك السيدة التي تهتف بصوت عالٍ:
"أهلاً ببنت الناس الأكابر."
لتزيح ورد بعيدًا عنها وترفع أكمام سترتها:
"لأ وسعيلي كده بقى.. عشان هي جابت آخرها معايا هي والنغة ابنها."
لتجذبها ورد هاتفة برجاء:
"الله يخليكي يا مهرة ملناش دعوة بيهم."
فعادت مهرة للهدوء مجددًا تضمها إليها بحب.
"بكرة يجيلك سيد سيده وهقعد وأتشرط وأحط رجل على رجل وفي الآخر هارفضه."
فضحكت كل منهما. لتسقط عين مهرة على مرام التي تقف على مقربة منهم بوجه شاحب. فمرام تقطن معهم في بنايتهم في الطابق الذي يعلوهم، وتحبها مثل ورد شقيقتها، رغم أنها بدأت تبتعد عنهم وتصنع لنفسها عالمًا وسط أناس تخشى عليها منهم.
وتكمل مرام سيرها، إلى أن وصلت لشقتهم فتجد والدتها ووالدها جالسين يحتسون الشاي. وعندما رأوها نهضت والدتها تلك المعلمة الفاضلة. فوالدتها ووالدها يعملون بمجال التدريس، وقد جاؤا منذ أكثر من عشر سنوات إلى القاهرة مبتعدين عن المشاكل بين عائلتهم متطلعين لابنتهم بحياة أفضل. وعاشوا في تلك الشقة التي أعطتها لهم زينب أم مهرة وورد. فوالدتها كانت من أقاربها ويكنون لبعض المودة، وهكذا أصبحوا يعيشون في نفس المنزل كل واحد بشقة يدفعون أجر زهيد قد حددته زينب رحمها الله، فهي تعلم بحال صديقتها وزوجها.
"اتأخرتي كده ليه يا حبيبتي."
وطالعت وجهها بقلق:
"مالك يا مرام."
وشك أصفر كده ليه، وربتت على كتفها بحنان:
"لو على العريس شوفيه بس يا حبيبتي واحنا مش هنغصبك على حاجة."
لترفع مرام عيناها نحو والدها الطيب ليبتسم لها مؤكدًا كلام والدتها.
***
أغلقوا محل البقالة سويًا وصعدوا نحو شقتهم ووقفوا يعدون الطعام معًا إلى أن جلسوا يأكلون بصمت. فتأملت ورد ملامح مهرة الشاردة.
"مالك يا مهرة."
فرفعت عيناها نحوها هاتفة بقلق:
"مرام بعدت عننا أوي يا ورد.. حاسة إن فيها حاجة."
فأشاحت ورد عيناها وهي تتذكر نفور مرام منها ومن صداقتها رغم أنهم كانوا كالأخوة.
"هي اللي اتغيرت وبعدت عننا."
ونظرت كل منهما لطبقها.
"قربي منها يا ورد من تاني... ده انتوا كنتوا أكتر من أخوات."
فحركت ورد رأسها، إلى أن نهضت مهرة قائلة بشبع:
"هدخل أريح شوية عشان أنزل بعدين المكتب بتاعي."
فابتسمت ورد وهي تحمل الأطباق:
"معنى كده إني آخد تلاميذي وأدرسلهم فوق السطوح."
لتومئ مهرة برأسها ضاحكة:
"كلك إحساس والله."
وما من ورد إلا أن ضحكت. لتفتح مهرة ذراعيها بإرهاق:
"جايلك يا فراشي العزيز."
فعادت ورد تضحك على شقيقتها متقلبة الأطوار تتمنى لها السعادة. ونظرت للساعة المعلقة، فالوقت قد اقترب على وصول أبناء الجيران لتذاكر لهم بمبلغ من المال، رغم قلته إلا أنه يسد حاجتهم بجانب محل البقالة وثمن إيجار شقة الأستاذ عادل والأستاذة صفاء والدي مرام وبعض القضايا الصغيرة التي توكل إلى شقيقتها من أهل منطقتها والمناطق المجاورة، وكلها قضايا لا تذكر ولا يخرج منها المال إلا القليل، وها هم يعيشون بسعادة حامدين الله على رزقه ونعمه.
***
جلس باسترخاء يحتسي قهوته ويقرأ أحد الكتب الاقتصادية وهو يضع ساقًا فوق ساق. إلى أن وجد كريم يهبط الدرج وهو يصفر ويعدل من هندام ملابسه. ليزيح نظارته الخاصة بالقراءة عن عينيه ويطالع شقيقه:
"طبعًا سهر وشرب زي كل يوم."
فحرك كريم رأسه بالإيجاب:
"متحاولش تتعب نفسك معايا يا جاسم.. وفر كلامك ونصايحك."
فضحك جاسم بتهكم:
"وياريتك بتعمل حاجة بيهم."
فتنهد كريم بضجر:
"عجباني حياتي كده.. خليك أنت في نجاحاتك وشغلك."
وسار نحو الخارج ليهتف جاسم ببرود:
"تقطع علاقتك بالبنت اللي بتجيبها شقتك.. مفهوم."
ولم يلتفت إليه كريم.
"لأ إلا همنع عنك الفلوس وكل الرفاهية اللي عايش فيها."
فأغمض كريم عينيه، فكل هذا الذي يعيش فيه هو من سنين غربة شقيقه وتعبُه. وشرد في الثلاث سنوات الماضية يوم أن توفت والدته وشقيقته التي أنجبتها من زواجها الثاني وزوجها الذي كان يعده كأب له. كانت لحظة فاصلة في حياته، حولته من كريم المهذب المجتهد إلى مجرد شاب يلهو بالأموال ويشرب المخدرات والخمر.
وقبل أن تهبط دموعه، انصرف من أمام شقيقه وصوت جاسم يعلو:
"البنت دي تنهي علاقتك بيها.. لأ إلا أنا هتصرف."
وزفر أنفاسه وهو يضم قبضتي يديه بقوة.
***
جلست مهرة في مكتبها الصغير الذي كان في الأصل مخزن بضائع للبقالة. ورغم عدم رفاهية المكان إلا أنه كان نظيفًا، تملأه كتب القانون. وخلعت نظارتها بعد أن أنهت قراءة أحد الكتب وأخذت تفرك عنقها.
لتجد مرام تتقدم نحوها بأعين باكية، فكريم بالأمس أنهى علاقتهما وتركها دون رحمة.
وعندما رأتها مهرة بتلك الهيئة، نهضت من فوق مقعدها الخشبي وأقتربت منها بقلق.
"مرام انتي بتعيطي؟ طنط صفاء حصلها حاجة؟ طب عمي عادل؟"
فتعالت صوت شهقات مرام، فازداد قلق مهرة، وكادت أن تركض لأعلى كي تطمئن عليهم إلا أن يد مرام أوقفتها.
"أنا ضعت يا مهرة."
وتابعت وهي تنظر لعين مهرة قبل أن تسقط أرضًا:
"أنا....."
رواية لحن الحياة الفصل الثاني 2 - بقلم سهام صادق
أرتعشت شفتيها وهي جاثية أرضاً لا تقوى على إخبارها بمصابها.
كلماتها انحصرت بين "أنا" وكلمات ضياعها.
وقفت مهرة تُطالعها بخوف دب بقلبها.
وانتبهت إلى جلستها، فأسرعت نحو كأس الماء الموضوع على مكتبها وألتقطته.
وقبل أن تلتف إليها وتعطيه لها، سقط الكأس منها ليتناثر زجاجه تحت قدميها.
"أنا حامل يا مهرة!"
صدمة قاتلة تلقتها.
فمن يصدق أن الفتاة التي تربت معهم، هي وشقيقتها، وكانت كالشقيقة لهم قبل أن تبتعد عنهم، تفعل تلك الفعلة الشنيعة؟
وظنت للحظات أن ما سمعته كان مجرد تهيؤات خلقها عقلها.
ولكن مرام مازالت كما هي، تجلس أرضاً تنتحب وتلطم وجهها وتحكي لها عنه وكيف أحبته وصدقت وعوده وتزوجته زواجاً عرفياً.
ووجدت نفسها تجلس أرضاً جانبها، تمسك كفوفها المرتعشة بكفوفها المتعرقة.
وهزتها بقوة: "قولي إنك بتكذبي عليا... انتي بتكذبي صح؟"
وتذكرت والدي مرام: "قولي إنك بتكذبي يا مرام عشان خاطرهم... قولي إنك بتكذبي ومش هتكسريهم."
فحدقت بها مرام بوجه شاحب، وطأطأت رأسها بخزي: "حبيته وضحك عليا... ساعديني يا مهرة... ساعديني."
ولم تشعر بشيء بعدها إلا صوت يأتي من بعيد يهتف باسمها:
"مرااااام!"
***
جلس كريم وسط رفقائه يحتسي الخمر وهو شارد فيما حدث أمس.
مازال صوت توسلاتها يحاوطه.
مازالت صدى كلماتها تخترق قلبه كالسهام: "انت ضيعتني منك لله."
وأخذ يرتشف من كأسه ببطء، إلى أن وجد أحدهم يأخذ منه الكأس:
"فوق يا كريم، انت كده بتضيع نفسك وبتدمر اللي حواليك."
فرفع كريم عينيه نحوه قائلاً بتهكم وبعقل غائب:
"قول لجاسم باشا أني سبتها زي ما أمر."
وضحك ساخراً وهو يضرب صدره بقوة:
"هي دخلت حياتي غلط."
فأشفق ياسر عليه، وجلس جانبه وهو يتنهد، ولا يعلم بما سيُجيبه.
***
أغلقت غرفة مكتبها بعدما وضعت مرام على الأريكة التي توجد بالغرفة.
وحمدت الله أن ورد في عرس إحدى رفيقاتها.
ونظرت إلى مرام التي تمسح حبات العرق من على وجهها وترتشف من كأس الماء الذي بيدها الأخرى، ومازالت تبكي.
فجذبت مهرة أحد الكراسي وجلست أمامها، وقد أصبحت عيناها جامدة:
"مين اللي عمل فيكي كده؟"
فتعلثمت مرام ولم تستطع إخبارها بهويته، فهو من وهمها.
"انطقي، مين اللي عمل كده؟"
فطالعتها مرام بخوف، ثم طأطأت رأسها أرضاً:
"كريم الشرقاوي... أخو جاسم الشرقاوي."
ثم تابعت بارتجاف ونبرة مرتعشة:
"إحنا مش قدّهم يا مهرة."
فنظرت إليها مهرة بغضب:
"مين جاسم الشرقاوي ده؟"
فهتفت مرام بخفوت:
"صاحب مجموعة الشرقاوي."
لتحدق بها مهرة بقوة وهي تفكر بذلك الاسم، إلى أن اتسعت عيناها فور أن تذكرت اسمه.
وكيف لا تتذكره؟ إحدى جاراتها قد أطلقت زغروطتها المعتادة فور حدوث أي حدث مهم بمنطقتهم، لأن ابنها عمل محاسباً بشركته.
غير شقيقتها ورد التي من أحلامها العمل بأحد فروع مجموعة شركاته.
وعادت بنظراتها نحو مرام الباكية وصوتها المرتجف:
"أنا ضعت يا مهرة... ضعت وكسرت أهلي معايا."
وتابعت وهي تكتم صوت شهقاتها:
"دول ممكن يموتوا فيها."
وكادت أن تصرخ بها مهرة تُخبرها أين كان الندم قبل أن تفعل تلك الخطيئة، ولكن وقت العتاب قد فات أوانه.
وتمتمت بغضب ساحق:
"لو كان مين أخوه... مش هسيبهم وهرفع قضية عليهم."
لتمسك مرام بيدها وهي تشهق بخوف:
"لأ يا مهرة، أنا كده هتفضح."
وأخذت تلطم وجهها بقوة، ثم بطنها:
"يارب أموت وأرتاح."
لتقترب منها مهرة وتهز جسدها بقوة:
"وطّي صوتك... واخرسي خالص، خلينا نفكر في حل للمصيبة دي."
وأبتعدت عنها وذهبت نحو كرسي مكتبها تجلس عليه.
ثم جذبت أحد الأوراق من على مكتبها وقلمًا وبدأت ترسم دوائر.
فهذه هي وسيلة تفكيرها.
إلى أن لمعت عيناها، ورفعت وجهها نحو مرام التي وقفت تطالعها بشفتين مرتعشتين.
***
وقف أمام سيارة شقيقه التي يقودها ياسر بعد أن أوصله للفيلا الراقية التي يعيشون فيها.
ومد يديه نحو كريم الذي لم يقو على الخروج من السيارة، ونظر لياسر بامتنان:
"شكراً يا ياسر."
وأسند كريم وصعد الدرج نحو بهو الفيلا:
"إمتى هتبطل الشرب؟"
فضحك كريم وهو يتطوح بجسده عليه:
"انت ليه محسسني اني عيل صغير قدامك؟"
ودفع ذراعيه ووقف أمامه وهو يشير لنفسه:
"بطل تعيش دور الأب بقي... أبويا مات من أربع سنين."
ليصرخ به جاسم بقوة:
"لأ، أبوك مات من 22 سنة يا أستاذ."
وتابع وهو يضغط على يديه بقوة:
"أبوك الحقيقي."
فدفعه كريم وهو يترنح في وقفته:
"أبعد عني... انت قلبك حجر... انت كنت بتكرههم."
"هي اترجتك كتير عشان تحبها وانت..."
وقبل أن يُكمل باقي عباراته التي لم يشعر بقسوتها على من يقف أمامه... ترنح بجسده للأمام وكاد أن يسقط أرضاً.
ليعود جاسم بإسناده وهو يتمتم:
"مقدرتش أكرهها ولا أكرهه... مكرهتهوش عشانك انت... ولا حتى كرهت شهد."
فهمس كريم اسمها بحنين، وهي يتذكر شهد شقيقتهما التي توفت معهم بالحادثة:
"شهد!"
ووصل إلى غرفته ثم سقط بكامل جسده على فراشه.
لينحني جاسم نحو قدميه يزيل حذائه... ثم عدل من وضع نومته وطالعه بحنان وألم.
ليفتح كريم عينيه، ونظر إليه بعينين يتراكم بهما الألم:
"ماما كانت بتحبك أوي يا جاسم."
وابتسم قبل أن يغفو:
"وأنا كمان بحبك... أنا آسف."
وسقط في بحور ذكرياته مع والدته وشقيقته وزوج والدته الذي أحبه وكأنه أباه.
لينظر إليه جاسم بحب ثم انصرف نحو غرفته هو الآخر.
***
جلست مهرة على فراشها تتفحص المعلومات الخاصة بأحد رموز الاقتصاد بالبلد.
وتمسك مفكرتها وتدون كل معلومة مهمة عن جاسم الشرقاوي.
وقفت للحظات أمام صورة تنظر إلى وقفته التي تليق برجل أعمال مثله.
وأخذت تبحث عن كل صورة والتي لا تخلو من الشخصيات الهامة اقتصاديًا أو إعلاميًا أو سياسيًا.
وزفرت أنفاسها بقوة وهي تتأمل قسمات وجهه:
"لو انت جاسم الشرقاوي... فأنا مهرة بنت زينب."
ورفعت إصبعها نحو شاشة هاتفها تحركه أمام صورته:
"قال رمز يفتخر به قال... كنت ربي أخوك يا أستاذ."
لتدخل ورد عليها في تلك اللحظة دون أن تطرق الباب... وتقترب منها قائلة:
"انتي لسه منمتيش؟"
ثم نظرت إلى المفكرة اللي بجانبها وتسألت:
"انتي بتعملي إيه؟"
فارتبكت مهرة وأغلقت هاتفها ثم وضعت مفكرتها أسفل وسادتها:
"دي مجرد معلومات بجمعها."
فحركت ورد حاجبيها بمكر:
"ومالك ارتبكتي كده؟"
فطالعتها مهرة بجدية مصطنعة تُداري وراءها ارتباكها:
"ورد، الله يخليكي أنا مصدعة أوي وعايزة أنام... اطفّيلي النور وخذي الباب في إيدك."
فابتسمت ورد ثم قفزت فوق الفراش بطريقة طفولية:
"لأ، أنا عايزة أنام جنبك النهارده."
ففردت مهرة أحد ذراعيها وأبتسمت بحنو ليناموا جانب بعضهم، ومهرة تمسح على شعرها بحنان شاردة في أمر مرام.
تتذكر لو أن شقيقتها من حدث معها ذلك.
وعضت على شفتيها بقوة عازمة بأن تساعد مرام مهما كلفها الأمر ومهما كانت نفوذ ذلك من يدعي بجاسم الشرقاوي.
وانتبهت على تأوه ورد:
"مهرة، انتي بتشديلي شعري ليه؟ ولا حنيتي للعبة سيب وأنا أسيب؟"
فطالعتها مهرة دون فهم، ثم نظرت إلى يدها الملتفة حولها خصلات شعر ورد وتضغطت عليها بقوة.
فتركت شعرها، فهي لم تشعر بفعلتها فقد كانت تتخيل ذلك الفاسق "كريم" أمامها.
وأبتسمت وهي تنظر إلى ورد ثم تذكرت تلك اللعبة التي كانوا يقطعون بها شعور بعضهم:
"معلش يا ورد، بس سرحت شوية في الراجل اللي في الشارع اللي ورانا."
فضحكت ورد بأستمتاع:
"هي مراته وكلتك في قضية الخلع؟"
فحركت مهرة رأسها وهي تغمض عينيها بتثاؤب:
"نامي يلا يا ورد... بكرة يوم طويل وعايزة أستعد له كويس."
***
رفعت مرام يديها وهي تدعو الله أن يغفر لها ذلك الذنب ويسترها.
ووضعت بيدها على بطنها تفكر، ماذا سيحدث لو أنكر كريم أبوته بالطفل؟
فهي علمت بحملها في نفس اليوم الذي قطع فيه ورقة زواجهم العرفي.
***
تناولت مهرة طعامها سريعاً وهي إلى الآن لم تجد شيئاً يجعلها تقف نداً أمام ذلك الرجل.
لتنظر إليها ورد بشك:
"انتي في حاجة قلقاكي يا مهرة؟"
لترفع مهرة عينيها عن طبق طعامها الذي تأكل منه ونظرت إلى شقيقتها:
"عليكِ طبق فول يا بت يا ورد... تسلم إيدك."
فابتسمت ورد.
ثم تابعت مهرة عباراتها:
"فكّريني أعمل لك عربية فول."
لتضحك ورد وهي تكمل تناول طعامها:
"تصدقي فكرة حلوة."
وحركت يدها في الهواء وهي تهتف:
"ونسميه فول ورد العظيم."
"زي اسم فيلم محمد هنيدي (فول الصين العظيم)."
لينفجروا ضاحكين.
وأخذت مهرة كوب الشاي خاصتها:
"أنا هنزل المكتب بقى... وانتي افتحي محل البقالة النهارده عشان عندي مشوار مهم بعد ساعتين."
وقبل أن تسألها ورد عن مشوارها... انصرفت من أمامها سريعاً ونظرات ورد تخترقها:
"مش مطمنالك يا مهرة."
ونهضت تجمع الأطباق من فوق المائدة وهي تُدندن:
"الحياة حلوة بس نفهمها."
***
جلست بيأس في مكتبها فالوقت يمر ولم تجد إلى الآن شيئاً مفيداً.
وكادت أن تغلق تصفح هاتفها ورؤية كل ما ينشر عنه.
وفجأة توقفت على أحد الأخبار الحصرية والتي صدرت اليوم.
وكان الخبر ينص على ترشيحه لأحد المنظمات الهامة دولياً وهذا سيكون حدث لم يسبق حدوثه لرجل أعمال بالوطن.
ليتهلل أساريرها.
فبالتأكيد سيخشى على وضعه في عالم المال.
فيبدو أن تلك المنظمة من المنظمات التي لا تسمح بانضمام العرب إلا نادراً.
وبحثت عن عنوان الشركة الرئيسية والتي يتواجد بها دوماً.
وهندمت من ملابسها التي كانت عبارة عن بدلة رمادية اللون وعقدت شعرها كالمعتاد.
ثم ألتقطت نظارتها من درج مكتبها فأصبحت تبدو بهيئة الرجال.
***
جلس على مكتبه بزهو فالخبر الذي أخبره به أحد معارفه خارج البلاد يبدو سيكون حقيقياً.
فالصحف الدولية قد تحدثت على المرشحين الجدد للمنظمة غير الصحف المحلية.
كما أن رجال السياسة بالدولة هاتفه ليخبروه أنهم متوقعين وجوده في تلك المنظمة وأن تلك التنبؤات ما هي إلا حقيقة.
ولكن لابد أن تخفي المنظمة للنهاية اسم أعضائها الجدد، تلك هي قوانينها.
***
وقفت مهرة أمام الشركة الضخمة تنظر حولها تستجمع قواها وتعيد على نفسها الكلمات التي ستهاجمه بها.
ولن تجعله ينطق بكلمة وسيُجبر أخيه على الزواج ويعترف بالطفل.
وزفرت أنفاسها بقوة ثم تقدمت نحو الداخل ليسألها حارس الأمن عن وجهتها.
فنظرت إليه بحنق:
"هو أي حد بيدخل هنا لازم تسأله رايح فين؟"
ليحرك حارس الأمن رأسه:
"دي إجراءات يا فندم."
لتُطالع المكان بالداخل.
فالمكان عريق كوجهته.
وعندما استمعت لسؤال حارس الأمن مجدداً:
"طالعة..."
وقبل أن تكمل باقي عباراتها وجدت فتاتان يخبران الحارس الآخر على وجهتهم فهم لديهم مقابلة عمل.
"يا أستاذة، انتي مش بسألك طالعة لمين."
لتحدق به مهرة لثواني وقد وجدت أخيراً إجابتها.
فلو أخبرتهم أنها تريد صاحب العمل سيصرفوها على الفور أو سيخبروها بأخذ ميعاد مسبق.
"أنا عندي مقابلة عمل."
ليزفر الحارس أنفاسه بضيق:
"وكل ده عشان تقوليلي الكلمتين دول."
"اتفضلي يا آنسة، عطلتيني."
فنظرت إليه مهرة بأمتعاض، مُتمتمة قبل أن تردف للداخل:
"يعني عطلتك على كوباية الشاي مثلاً."
لتسمع صوت ضحكات الحارس الآخر.
أما هو فوقف يطالع أثرها بحنق.
***
مرت بضعة دقائق وهي تبحث عن مكتب رئيس الشركة وقد ازداد حنقها من نظرات الموظفين لها.
فالكل يتفحص ملابسها بطريقة مملة.
وأخيراً وجدت الطابق الذي به مكتبه.
ونظرت إلى مكتبه الضخم:
"وأنا اللي فاكرة الأوضة اللي كلها شبر فشبر ديه مكتب... وفي النازلة والطالعة أقول للبت ورد أنا نازلة المكتب، أنا طالعة المكتب."
ونفضت رأسها سريعاً وهي تهتف داخلها:
"مش وقت الانبهار ده يا مهرة."
وتقدمت للداخل لتجد سيدة مُنمقة ويبدو عليها الوقار.
فترفع منى وجهها نحوها متسألة وهي تتفحصها:
"شكلك تقصدي في أدوار الموظفين يا آنسة."
وأشارت إليها بالخروج وعادت لمطالعة أوراقها مجدداً.
لتضع مهرة يدها على الأوراق التي أمامها بحزم يخفي رهبتها من تلك المقابلة:
"عايزة أقابل صاحب الشركة."
فرفعت مني طرف عينيها من تحت نظارتها الطبية:
"عندك ميعاد سابق."
فهتفت مهرة بحنق:
"لأ، معنديش."
وبنفس الإصبع الذي أشارت به مسبقاً كي تخرج... أشارت به بعد أن علمت إجابتها:
"اتفضلي يا آنسة."
ورفعت هاتف مكتبها حانقة:
"إزاي موظف الاستقبال يطلعك هنا من غير ميعاد سابق."
وتركت مني سماعة الهاتف ونهضت خلفها مهرولة:
"انتي يا آنسة، هطلب لك الأمن."
وانتهت مني من تلك الكلمة عند دخول مهرة مكتب جاسم.
لينهض من فوق مقعده متسائلاً:
"في إيه يا مني؟"
ونظر إلى مهرة وأشار عليها بأستياء:
"مين دي؟"
ليزداد امتعاض مهرة من وقاحته:
"مدام الذوق والاحترام مبيجبوش حاجة... نستخدم قلة الاحترام."
وأشارت على مني مثلما كانت تشير عليها:
"قول لسكرتيرتك تخرج، ولا حابب تسمع فضايح المحروس أخوك كيمو؟"
فتهجم وجه جاسم، وأقترب منها بغضب:
"اتكلمي عدل... بدل ما أطلب لك الأمن."
لتقف مني تُطالع المشهد.
إلى أن وجدت مهرة تجلس على أحد المقاعد بأسترخاء:
"وماله، خلينا نتكلم ونقول فضايحكم على الملأ."
فنظر جاسم نحوها بضيق، ثم إلى مني:
"اتفضلي انتي يا مني على مكتبك."
وعاد ينظر إليها بأشمئزاز.
فابتسمت هي بفخر ووضعت ساق فوق الأخرى ونفخت أنفاسها بالهواء وهي تُطالع نظراته المشمئزة:
"متخافش، مفيش جراثيم."
ليضرب جاسم كفوفه ببعضهم بغضب:
"لتقولي جاية ليها... لتتفضلي تخرجي بره."
ثم تابع بجمود:
"أنا لحد دلوقتي بتعامل معاكي بهدوء... شكلك متعرفيش انتي واقفة قدام مين."
فتعالت ضحكاتها وهي تخبره بهويته:
"جاسم الشرقاوي... حصلنا الرعب."
ليتقدم جاسم نحوها وقبل أن يُبدي ردة فعل... نزلت كلماتها كالصاعقة... فتاة تحمل طفلاً من أخيه.
وبعد دقائق كان يجلس على أحد المقاعد مفكراً في الأمر:
"وإحنا إيه ضمننا إن الطفل ابننا؟"
ثم تابع بتهكم:
"ما يمكن أختك زي ما هي تعرف كريم تعرف رجالة تانية."
لتنتفض مهرة من مقعدها بغضب:
"لأ، أختي وخط أحمر، انت سامع."
فحدق بها جاسم ساخراً وأقترب منها ضاحكاً:
"المطلوب؟"
ثم تابع بعملية:
"عايزة كام... مليون ولا اتنين؟"
فأقتربت منه مهرة وقد ازداد بغضها لفظاظته.
ورفعت سبابتها أمام وجهه:
"وفر فلوسك لنفسك."
وتابعت بنظرات ضيقة:
"كده نجيب بقى حقنا بالمحاكم واه تحاليل الـ DNA تقدر تثبت كلامي."
وألتفت بجسدها.
فسـمعت صوته:
"اتنين مليون ونص... والموضوع ينتهي."
فضحكت وهي تتباطأ بخطواتها:
"مبروك مقدماً على ترشيحك في المنظمة."
وعندما فهم مقصدها:
"استني عندك... انتي فكراني بتهدد؟"
فعادت صوت ضحكاتها تعلو:
"لأ، أنا بتهددش بس... أنا بنفذ على طول."
وتابعت حركتها بمكر:
"كان في صحفي كده بيحبك أوي وماهيصدق الصراحة."
وألتفت نحوه وأخذت تفكر ببرود:
"اسمه إيه يا مهرة... اسمه إيه."
"اه افتكرت... هيثم فؤاد."
وقبل أن يهتف جاسم بحرف... أردف كريم لداخل مكتب شقيقه متسائلاً:
"جاسم، انت فاضي؟"
ثم نظر لمهرة.
لتبتسم مهرة لرؤيته وهي تعلم جيداً بهويته فقد وجدت أحد الصور تجمعهم سوياً وعلمت أنه المدعو كريم.
"مين دي يا جاسم؟"
وفجأة صدح صوت صفعة قوية.
لتتسع عين جاسم وهو ينظر لأخيه الذي وضع بيده على وجهه من أثر الصفعة.
"القلم ده عشان تعرف ازاي تلعب ببنات الناس."
وألقت بنظرة أخيرة على جاسم الواقف يتابع المشهد بجمود.
وأقتربت من طاولة مكتبه ووضعت عليه كارتها الشخصي الذي يحتوي على عنوان مكتب المحاماة خاصتها.
وسارت مرفعة الرأس أمام نظرات كريم:
"قدامك 24 ساعة بعدها انت عارف أنا هعمل إيه."
ثم نطقت ساخرة:
"يا جاسم باشا."
وبعد أن خرجت زفرت أنفاسها بقوة.
لتنظر إليها مني ببرود.
فأقتربت منها ومالت نحوها:
"حسبي ليطق لك عرق يا طنط."
وابتعدت عنها وهي تُصفر بزهو.
رواية لحن الحياة الفصل الثالث 3 - بقلم سهام صادق
وقفوا دون حركة والصمت يخيم المكان.
ليزفر جاسم أنفاسه بقوة وهو يقترب من أخيه بخطوات جامدة:
- تستحق القلم اللي أدتهولك عشان تفوق.
ليعض كريم على شفتيه بقوة، قابضاً على يديه بغضب.
والتفت كي يلحق بمن صفعته:
- بنت ال...
ليجذبه جاسم من ذراعيه بغضب:
- شايف استهتارك يا أستاذ وصلنا لإيه.
لينظر إليه كريم بجمود، فتابع جاسم بحنق:
- البنت اللي متجوزها عرفي في شقة المهندسين...
وصمت للحظات.
- حامل يا أستاذ.
لتلجم الصدمة كريم، فهو قد ظن أن تلك الفتاة إحدى اللاتي يمرح معهن ونسي ملامحها لكثرة من يعرفهن، رغم أن شكلها لا يوحي أنها ترتاد تلك الأماكن التي يذهب إليها.
وهتف بتعلثم:
- مرام حامل.
ثم وضع بيده على خده الذي صفعته عليه مهرة، وهنا علم لماذا استحق هذا.
ليضحك جاسم ساخراً:
- حسيت بالذنب دلوقتي... كنت فاكر مجرد وقت والحكاية هتنتهي.
ودار حوله بجمود:
- بقي في طفل يا أستاذ... شوف بقي مين هيطلعك من المشكلة دي.
ليتأمل كريم ملامحه في صمت، ثم غادر وهو يعلم بضرورة انصرافه الآن، فملامح جاسم لا تبشر بالخير.
***
صعدت مهرة راكضة إلى شقتها والسعادة تملئ شفتيها من نجاحها في إرهاب المدعو "جاسم الشرقاوي".
لتجد مرام جالسة مع ورد في توتر ووجهها شاحب.
لتسألها عن حالها، ثم تنظر لورد:
- ورد حبيبتي محتاجة كوباية شاي من إيدك الحلوة، أصل مصدعة أوي.
فتبتسم ورد بحنان وتقترب من شقيقتها تربت بيدها على كتفها:
- حاضر.
وأنصرفت نحو المطبخ لتعد لها الشاي.
فأقتربت مرام بلهفة منها:
- قبلتيه؟
فتحرك مهرة رأسها بصمت.
فتفرك مرام يديها بتوتر:
- أكيد هددك يا مهرة.
وسقطت دموعها بندم:
- أنا اللي ضيعت نفسي... ولازم أتحمل غلطتي.
وتعالت صوت شهقاتها.
لتقترب منها مهرة سريعاً تضع بيدها على فمها:
- هتفضحينا.
وازاحت يدها عن شفتيها كي تجعلها تخرج أنفاسها:
- قولتلك متخافيش.
لتأتي ورد في تلك اللحظة وتجول بنظراتها حولهم، فقلبها يخبرها بوجود أمر ما بين شقيقتها ومرام.
وقبل أن تسألهم عن شيء، تقدمت مهرة نحوها قائلة بدعابة:
- عايزة تشربيني شاي يا ورد وأنا على لحم بطني من الصبح.
لتتسع عين ورد، فهي من طلبت الشاي.
- ما انتي اللي قولتي عايزة تشربي شاي.
فأخذت مهرة الشاي منها ودفعت مرام نحوها:
- خدي يا مرام وحضروا الغدا... عشان ناكل.
فطالعتها مرام بملامح باهتة قد فقدت بريقها.
لتوكظها مهرة بذراعيها:
- فاكرة نفسك ضيفة... يلا على المطبخ.
وتركتهم وانصرفت نحو غرفتها.
لتطالع كل من ورد ومرام خطواتها، ثم ألتفوا نحو بعضهم.
لتنظر مرام لورد بنظرات أسف لبعدها عنها منذ أن دخلت الجامعة.
وأقتربت منها تحتضنها:
- أنا آسفة يا ورد.
لتحضمها ورد بقوة وحنان تخبرها أنها اشتاقت لجلساتهم معاً وأحلامهم سوياً.
وقطع تلك اللحظة صوت أحدهم:
- يا أستاذة مهرة... يا ست الأستاذة.
لتخرج مهرة من غرفتها وقد بدلت ملابسها:
- هو الواد شيكا بينده عليا؟
ووقفت تحدق بهم بصمت وهم يبكون مُتمتمة بحنق:
- كملوا الدراما كملوا... وسبوني جعانة.
لتضحك كل من ورد ومرام.
ولأول مرة تكتشف مرام أنها أضاعت دفء وسعادة بسبب سراب وأحلام وردية خرقاء أخذتها لطريق الخطيئة.
وعاد الصوت يعلو ثانية:
- يا أستاذة مهرة.. بضاعة المحل وصلت.
لتركض مهرة نحو الشرفة التي تطل على شارع حيهم:
- واد يا شيكا خليك واقف مع الأستاذ أنا نازلة أه.
وسارت نحو غرفتها تجلب المال لدفع ثمن البضاعة مُتمتمة:
- مبلحقش أرتاح.
***
جالس على فراشه يتأمل صورة والده بأسف لما وصل إليه شقيقه، معتذراً منه أنه لم يحافظ عليه.
ليطرق كريم الباب ويردف إليه يطالعه.
ثم تنهد وهو يُطأطأ رأسه بخزي:
- أنا هتجوز مرام يا جاسم... الطفل اللي في بطنها طفلي.
فرفع جاسم عيناه عن الصورة القابعة بين يديه ثم ألتف برأسه نحوه في صمت.
***
جلست تتصفح الجريدة في الصباح.
تنظر إلى خانة الوظائف لعلها تجد وظيفة تناسب شقيقتها.
ثم قلبت الصفحات حتى وصلت لمبتغاها.
وانكبت على حل الكلمات المتقاطعة.
إلى أن وجدت صبي الحاج إسماعيل الذي يعمل بالورشة التي أمامها يخبرها:
- في واحد بيه عايزك يا أستاذة مهرة... تحسي كده من الناس المهمة اللي بتطلع في التليفزيون.
لتتسع عين مهرة وهي تنهض:
- فين يا حمادة؟
ليبتعد حمادة من أمامها.
لتجد جاسم يقترب من محل البقالة بملابسه المنمقة يغطي عينيه بنظارة سوداء تخفي ملامحه.
ونظر بتفحص إلى محل بقالتها ثم نظر إلى الصبي الذي أشار نحوها:
- أستاذة مهرة أهي يا باشا.
فحدق جاسم بمهرة الواقفة بصمت.
ووقف حمادة بينهم يطالعهم بفضول، ولكنه في النهاية انصرف نحو الورشة التي يعمل بها.
ليقترب جاسم ببضعة خطوات، يتفحص تلك المرة مهرة بقميصها المُقلم الذي يشبه الصبية وشعرها المعقود بأحد الأقلام ونظارتها المائلة نحو قمة أنفها.
هاتفاً بجمود وهو يشير على محل البقالة:
- هو ده مكتب المحاماة؟
لتطوي مهرة تلك الجريدة التي مازالت بيدها.
وقد فاقت أخيراً من صدمة قدومه بتلك السرعة.
لتلتقط حذائها ذو اللون الوردي الخاص بورد، ومن سوء حظها قررت اليوم أن ترتديه.
لتكون أمامه لوحة فنية من الألوان التي لا تلائم بعضها.
وتقدمت منه وهي تلوي شفتيها بأمتعاض.
والتقطت إحدى الحلوى التي تسمي "العسلية" من محل بقالتها.
- لأ متقلقش هنقعدك في مكان يليق بوضعك.
ثم أكملت ساخرة:
- ياباشا.
وسارت لتدخل البناية واتجهت نحو الباب الصغير لتفتحه.
لتظهر حجرة مكتبها التي كانت بالنسبة له عبارة عن جحر فأر.
فطالع جاسم الحجرة قليلاً، وأردف بداخلها.
لتهتف بحنق:
- آسفين أصل المكان مش قد المقام.
فتنهد بسأم وهو يخلع نظارته:
- ياريت نتفاهم وننهي المهزلة دي.
ثم اقترب منها ومال نحوها:
- ومتختبرش صبري.
وقبل أن تهتف بشيء رداً على وقاحته، وجدته يتخطاها ويجلس على أحد المقاعد بأسترخاء.
لتقضم العسلية التي بيدها بقوة.
وتذهب نحو كرسي مكتبها بزهو وتضع ساق فوق الأخرى.
فتجد نظراته الساخرة تحدق بها.
فأخفضت عيناها نحو قدميها لتجد حذائها الوردي ذات الأصبع.
لتزيل ساقيها عن بعضهم متنحنحة بطريقة خشنة:
- التفاهم الوحيد اللي بينا هو الجواز.
ثم تابعت وهي تقضم من الحلوى ببرود:
- أخوك يتجوز مرام.
فنظر إليها جاسم طويلاً وكأنه يدرس الأمر.
وأخيراً هتف:
- الجواز هيتم بعد أسبوعين.
واعتدل في جلسته، وهو يطالعها بجمود:
- الموضوع هيتم من غير فضايح... ومحدش هيعرف سبب الجوازة.
ونهض من فوق المقعد، وأغلق أحد أزرار سترته:
- كلمة واحدة هتوصل للصحافة وحد يعرف بالموضوع... هتعرفي ساعتها مين جاسم الشرقاوي.
وفي لمح البصر اختفى من أمامها وعاد يرتدي نظارته السوداء مجدداً.
لتقف مهرة مصدومة من صمتها أمامه، فهذا الرجل بحضوره يربكها.
وسارت خلفه كي تخبره أنها لا تخاف تهديده.
ولكن وجدتَه يقف أمام سيارته ينتظر انتهاء أحدهم لفحص سيارته.
لتتقدم من الحاج إسماعيل الذي وقف مبهوراً بالسيارة، يضرب بيده عليها:
- لأ عربية أمريكاني متينة.
واقترب من جاسم يمد له يده المشحمة بشحم السيارات كي يصافحه.
فتابعت مهرة المشهد بصمت وهي تعلم أنه سينفر من مصافحته، ولكن جاسم مد له يده يصافحه.
***
كل شيء بدأ يتم سريعاً.
في البداية رفض أهل مرام تلك الزيجة السريعة خاشين على ابنتهم.
ولكن عندما بدأ جاسم يخبر والدها عن أصولهم وقرية والدهم، تذكره والد مرام لأنه من نفس قريته وأخذ يمدح به وبأخلاقه وترحم عليه.
كما أخبرهم جاسم بضرورة رحيل أخيه إلى كندا لمتابعة أعمالهم هناك.
واتفقا والدا مرام أن لا ترحل ابنتهم قبل أن تكمل الشهر ونصف المتبقيان لها بالجامعة أولاً.
فهم ينتظرون تخرجها من الجامعة بفارغ الصبر كي يشعروا أنهم أتموا واجبهم معها.
زيجة كان الضغط يحيط بها والثغرات توضع أمامها.
ولكن مهرة كانت تساند مرام بإقناع السيد عادل والسيدة صفاء بكل شيء حتى يلينوا ويخضعوا للأمر، فارحين أن ابنتهم ستتزوج زيجة لم ينالها أحد من أقاربهم أو معارفهم.
***
وقفت مهرة أمام مخبز الخبز تنتظر دورها لجلب حصة الأرغفة التي يحصلون عليها.
لتسمع بعض الهمسات عن زواج مرام وشطارتها في جلب عريس كهذا.
لتهتف إحداهن:
- مش الحاجة اعتماد كانت بتدور على عروسة لابن اختها... بس إيه ماشاء الله موظف في بنك كبير ومعاه عربية وشقة تقول للخيل ارمح.
وتابعت السيدة وهي تُمصمص شفتيها:
- رشحتلها البت ورد.
وقالت لي هتقول لأختها.
وأكملت ولم تنتبه أن مهرة تقف خلفهم:
- رفضت لما عرفت إن أبوهم رماهم وعايشين لوحدهم.
لتهتف الأخرى:
- عندها حق.
أم ماجد برضو فسخت الخطوبة عشان كده.
مهما كان دول بنتين عايشين لوحدهم ومافيش حد بيراقبهم، إيه ضمننا أخلاقهم.
لتهتف الثالثة والتي كانت تتابع الحوار بصمت:
- حرام عليكم إحنا عندنا بنات... أمهم الله يرحمها كانت ست طيبة وبنت حلال.
كانت الكلمات تخترق فؤادها دون رحمة.
لتعض على شفتيها بقوة وتقبض على يديها تغرز أظافرها في راحتي كفوفها.
تتمالك نفسها بصعوبة حتى لا تُلكمهم في وجوههم.
فلولا أنهم بأعمار والدتها لكانت فعلت بهم ما يستحقوه.
فهم يتحدثون عن ورد، شقيقتها الرقيقة الطيبة التي مازالت إلى الآن تتعافى من صدمتها بما فعله معها ماجد خطيبها السابق.
لو كانوا قد تحدثوا عنها هي، ما شعرت بهذا الوجع.
ولكن ورد لا.
هي تعلم هيئتها التي هي بارعة في إظهارها من خلال ملابسها ونظارتها رغم أن نظرها على ما يرام، وتسريحة شعرها التي تضاعف عمرها.
وأخيراً قد أخذت الخبز.
ونظرت إلى تلك النسوة بنظرة تكاد تقتلهم.
لينكمشوا بأنفسهم وهم يعلمون إنها بالتأكيد سمعت ثرثرتهم.
وأتجهت بخطوات سريعة إلى شقتهم.
لتغلق الباب بقوة.
ثم وضعت الخبز على الطاولة وركضت نحو غرفتها التي بالأساس كانت غرفة والدتها.
وجلبت صورتها وجلست على فراشها تُطالعها ودموعها تنساب على وجهها.
ومسحت دموعها سريعاً بعدما سمعت صوت الباب يغلق.
فيبدو أن ورد قد عادت بعد رفقتها لمرام ل فيلا الشرقاوي التي ستعيش بها مرام قبل أن تُسافر خارج البلاد.
فهتفت ورد باسمها:
- مهرة انتي هنا.
لتخرج مهرة من غرفتها بملامح جامدة.
فتتقدم منها ورد بسعادة تُخبرها عما رأت:
- الفيلا جميلة أوي يا مهرة وفيها جنينة حلوة وحمام سباحة كمان.
وهتفت بدعابة:
- كان نفسي أنزل رجلي فيه وأبلبط زي البط.
لتضحك مهرة على تشبيهها:
- بمناسبة البط... عايزين ننزل السوق نشتري بطة بقالنا كتير مأكلنهوش.
لتضع ورد بيدها أمامها:
- ايدك على الفلوس.. لأحسن مصروف البيت خلص.
لتتسع عين مهرة غير مصدقة:
- لحقتي تخلصي مصروف البيت في أسبوعين.
فهتفت ورد بقلة حيلة:
- كل حاجة بقت غالية أوي.
وتابعت:
- أمسكي انتي بقى المصروف وهتعرفي.
لترفع مهرة يديها بأستسلام:
- لاءءء انتي العقل المنزلي المدبر... نلغي البطة ونشتري فرخة.
فضحكت ورد بأستمتاع:
- وحياتك ولا بطة ولا فرخة.. إحنا هنكمل باقي الشهر من قدرة الفول اللي أنا بعملها ورضي على كده.
وانفجروا ضاحكين.
لتهمس:
- مانطلب فلوس من بابا يا مهرة... مش كفاية بطل يزورنا غير كل كام شهر مرة... وبيجيب الست مراته معاه عشان تشوف هيدينا كام.
لتضحك مهرة ساخرة وهي تتذكر منذ ثلاثة أشهر جاء إليهم في مناسبة العيد.
لتعطيهم زوجة أبيهم عديتهم التي كانت عبارة عن كل واحدة منهم مائة جنيه تخبرهم بكل وقاحة "أنهم لا يحتاجون لشيء... فأولادها بما إنهم الذكور فمتطلباتهم أكثر".
واخدت تحرك بيديها تظهر لهم أساورها التي تملئ معصميها وهم حتى لا يرتدون أقراط بأذانهم.
لتضم مهرة ورد إليها هاتفة:
- مش محتاجين منه حسنة.
فحركت ورد رأسها وهي داخل حضن شقيقتها:
- لو تشوفي يا مهرة نظرة كريم لمرام.
وأبتعدت عن شقيقتها متذكرة نظرات كريم:
- بيحبها أوي ربنا يسعدهم.
ثم تابعت:
- بس شكل مرام زعلانة منه في حاجة.
وانتظرت مهرة باقي عبارات ورد:
- كل ما يجي يكلمها أو يقرب منها تسيبه.
لتبتسم مهرة، فتلك هي نصيحتها لمرام كي يعرف ذنب ما اقترفه بحقها وتركه لها ذليلة.
- آه كمان نسيت أقولك... أني شفت جاسم الشرقاوي.. ورحب بيا.. طلع متواضع أوي وجميل يا مهرة.
لتحرك مهرة شفتيها بأمتعاض:
- متواضع وجميل... ورد فوقيلي كده.
لتنتفض ورد من دفعة مهرة لها، ثم ضحكت:
- يا ساتر عليكي.
براحة... أنا أنثى رقيقة يا ماما.
وفجأه ركضت من أمامها ومهرة خلفها تحمل نعلها تقذفها به:
- لأ فوقي يا بنت زينب.
لتضحك ورد وتقفز فوق الفراش بطفولة وهي ترى مهرة بتلك الهيئة.
***
جاء يوم العرس.
كانت ورد تقف أمام خزانة ملابسها تنظر إلى فساتينها الطويلة التي أصبحت قديمة بعض الشيء.
وزفرت أنفاسها بقوة، فرفاهية الملابس باتت غير متاحة لها ولشقيقتها منذ أن ارتفع أسعار كل شيء.
لتقرر التقاط أفضلهم.
لتقف مهرة على أعتاب باب حجرتها تتأملها بحب.
وهتفت باسمها وهي تحمل حقيبتان:
- ورد.
فألتفت إليها ورد بأبتسامتها الهادئة.
وتخرج مهرة ما بهما قائلة:
- جتلي النهارده قضية... وأخدت نص الأتعاب.
لتركض ورد نحوها وتعانقها بسعادة.
فأمر الملابس قد حل ورفعت يداها بحمد:
- ربنا مبينساش حد.. الحمد لله.
لتبتسم إليها مهرة بحنان:
- شوفي يلا الفستان عشان لو محتاج حاجة... مافيش وقت.
وقبل أن تأخذ منها ورد الفستان، تسألت:
- وانتي يا مهرة جبتي لنفسك حاجة ولا برضو نسيتي نفسك؟
لتحرك مهرة رأسها بنفي وتخرج بلوزة ذات لون هادئ وبسيطة التصميم.
***
وقفت ورد تتابع العرس بأعين لامعة تتخيل لو كان ماجد أحبها بالفعل لكانت الآن زوجته.
ونفضت تلك الأفكار سريعاً من عقلها.
وألتفت نحو مهرة التي تقف تطالع كل شيء بلامبالاة.
تحاول مسح كحل عينيها الذي أصرت ورد على وضعه وقد زاد من جمال عينيها.
لتمسك ورد يدها بتحذير:
- مش هتمسحيه يا مهرة سامعة.
ونظرت حولها.
- مش كفاية موقفانا آخر الجنينة.
فطالعت مهرة الحفل بضيق:
- أنا بقول كفاية كده... ويلا نروح.
لتهتف ورد برجاء:
- لاء أنا عايزة أتصور مع مرام.
وتابعت بألم:
- شايفه أبلة صفاء وأستاذ عادل فرحانين إزاي.
تفتكري هيجي يوم وهنلاقي حد معانا وبيفرح بينا.
لتضغط مهرة على يدها بقوة.
فكلمات شقيقتها تدمي قلبها.
فهي تحزن عليها أكثر ما تحزن على نفسها.
لتجذب ورد يدها تنظر نحو مرام وعائلتها:
- أبلة صفاء بتشاور لنا عشان نروح نتصور.
لتهتف مهرة برفض:
- لاء يا ورد يلا بقي كفاية كده.
وبعد إصرار ورد خضعت مهرة لتوسلاتها.
وتقدمت معها نحو البقعة التي تضم جميع الشخصيات الهامة:
- هقف أستناكي هنا... روحي أتصوري مع مرام.
فحركت ورد رأسها بسعاده وذهبت بخطوات متلهفة نحو مرام التي احتضنتها بقوة.
وألتُقطت الصورة التي تجمع العروسان وعائلة مرام وجاسم.
لتقع عين جاسم على مهرة التي تتلاعب بأصابعها.
ووقف لثواني يتأملها ثم انصرف نحو ضيوفه.
***
تقدمت ورد من شقيقتها بخطوات خجلة.
وتعصرت بحركتها لتنصدم بأحداهن فيسقط بعض قطرات العصير الذي كانت تحمله تلك المرأة على ملابسها.
فتصرخ بورد:
- انتي حماره.
لتدمع عين ورد بحرج وتعتذر منها.
: - أنا آسفة.
وأخذت المرأة تتأفف.
إلى أن اقترب ياسر سريعاً منهم معتذراً:
- حصل خير يا مدام أشكي.
وأخرج منديلًا من جيب سترته وأعطاه لها بابتسامة معتاد عليها.
وقبل أن تلتقط المرأة المنديل، كان كأس ماء ينسكب على ملابسها.
لتشهق المرأة بأعين متسعة وهي ترى الماء يغرق فستانها الباهظ.
لتبتسم مهرة لها:
- كده نضف ومش محتاج حاجة يا مدام.
لتصرخ المرأة بوجهها:
- انتي غبية... انتي متعرفيش أنا مين.
فحركت مهرة رأسها ببرود وألتقطت منها كأس العصير الذي كان أساس كل تلك الضجة وسكبته هو أيضاً عليها.
لينصدم كل من ياسر وورد من تلك الفعلة.
وينظر ياسر حوله فيجد أن البعض أصبح مراقباً للأمر ويجب عليه أن يحتوي ذلك الموقف سريعاً.
وسمع صوت جاسم الذي جاء بعد أن رأى الموقف:
- مدام أشكي.
لتلتف نحوه:
- جاسم تعالا شوف أنا أتهنت إزاي في بيتك.
ليمـسك جاسم يدها برفق:
- أنا بعتذر منك على الموقف السخيف ده.
لتحرك رأسها برفض:
- لاء يا جاسم أنا أتهنت.
وأشارت نحو مهرة:
- البنت دي لازم يجبلها البوليس.
لينظر جاسم بأعين ثاقبة على مهرة التي تقف تمسك يد شقيقتها تطمئنها:
- اتفضلي معايا بس وياسر هيهتم بالموضوع ويجبلك حقك أوعدك.
وأخذ بيدها يقودها داخل الفيلا، يخبرها عن موافقته بعمل لقاء خاص لمجلتها وفستان هدية لها منه من باريس.
اما ياسر وقف ينظر إليهم ثم أشار لأحد الحرس الواقفين على أبعاد متفرقة:
- وصل الأنسات.
لـتضغط مهرة على يد ورد بقوة:
- عارفين طريقنا كويس.
وسارت بشقيقتها تمسك يدها، تطمئنها أنها دوماً معها وبجانبها.
ليقترب جاسم من ياسر مجدداً:
- البنت دي عينك عليها... ترقبيها لي كويس!
رواية لحن الحياة الفصل الرابع 4 - بقلم سهام صادق
يسيران بجانب بعضهما بعد أن غادرا حفل الزفاف التي طُردتا منه للتو.
يداها ترتعشان دون شعور منها، فالغضب يشتعل بداخلها بقوة. رغم أنها أخذت حق شقيقتها، إلا أن شيئًا بداخل قلبها يوجعها وحرقة تقف في حلقها وتريد أن تصرخ.
شعرت بيد ورد تضغط على يدها بقوة.
"أنا آسفة يا مهرة، أنا السبب."
وتابعت بألم:
"أنا اللي أصرت أتحرك من مكاني وأروح أتصور مع مرام."
لتتمالك مهرة غضبها وتتحول نظراتها لحنان ودفء.
ثم ربتت على كفها بحنو وأكملوا طريقهم وهم لا يعلمون أن الطريق ما زال طويلاً.
***
الأيام مرت وكل يوم يحمل شيئًا جديدًا وخبايا لا نعلمها. سافرت مرام وكريم إلى كندا بعد أن قضت مرام امتحاناتها النهائية لسنتها الأخيرة، وأخبرت أهلها بحملها قبل أن ترحل.
حملها الذي لم تشعر بلذة إحساسه بسبب ما اقترفته بحق نفسها أولاً.
***
ضرب جاسم بقوة على مكتبه وهو يتلقى خبر خسارته في عضوية المنظمة. فمبدأ الخسارة لا يستهويه.
لينظر إليه ياسر بتوتر:
"للأسف، صور كريم وسهراته وصلت ليهم."
فنظر إليه جاسم بصمت، وأخذ يزفر أنفاسه بقوة.
"البنت اللي بنراقبها تبقى على معرفة بالصحفي اللي نشر عن كريم سهره وسكره في الكباريهات قبل ما يتجوز."
ثم تابع بتخمين:
"أظاهر إنها حبت تنتقم منك بسبب يوم الحفلة وطردك ليها هي وأختها."
لتلمع عينا جاسم بجمود، وأشار بيده نحو الباب:
"اخرج يا ياسر دلوقتي."
ليجلس على مقعده وهو يطرق على مكتبه بطرقات خافتة مفكرًا في أمرها.
فبعد زواج شقيقه، أخذت الصحافة تعبث في ماضيه، حتى أنهم بدأوا يبحثون عن علاقة شقيقه بمرام قبل الزواج، ووصلوا لحقيقة معرفتهم ببعض ولقائهم بشقة المهندسين.
ولمكانة جاسم وأمواله، كان يجعلهم ينفون تلك الأخبار بعد تصريحها. حتى بدأ الأمر يبدو وكأنه حقد على نجاحه ولم يجدوا له ثغرة، فأصبحوا يتبعون شقيقه الذي لم يكن يومًا تحت الأنظار.
وها الآن كل شيء جاء ضده، ولم يحصل على منصب العضوية في تلك المنظمة لأنها تأخذ الحياة الشخصية على محمل الجد.
ونهض من فوق مقعده وسار للخارج ليجد ياسر يقف أمام مني يحدثها.
فنهضت مني سريعًا لتهتف:
"جاسم بيه في اجتماع بعد نص ساعة."
ليرفع جاسم يده نحوه كي تتوقف عن الحديث:
"ألغى كل مواعيد النهاردة."
وتحرك من أمامهم في صمت لينظر ياسر لمني التي وقفت لا تعلم بما ستقوله.
وتحرك ياسر خلفه بخطوات مهرولة وأقترب منه قبل أن يستقل المصعد:
"هنعنل إيه بخصوص البنت دي؟"
فطالعه جاسم للحظات، لينفتح باب المصعد وأردف داخله:
"اقفل الموضوع ده يا ياسر، لأنه انتهى خلاص."
لينغلق باب المصعد، فيقف ياسر مدهوشًا من قراره ولكن كما أمر.
***
بعد أشهر.
كانت ورد تمسك هاتفها بسعادة وهي تقلب فيه.
"شفتي يا مهرة ولاد مرام؟"
لتأخذ منها مهرة الهاتف وتنظر إلى الصغيرين بابتسامة واسعة:
"دول حلوين أوي يا ورد."
لتنحني ورد نحوها وتكمل تصفح الصور بسعادة.
فتلك الصور بعثتها لها مرام.
وأشارت نحو الصورة العائلية التي بها جاسم وعائلة مرام، فهم ذهبوا إليها برفقة جاسم.
فنظرت مهرة للصورة، ووقعت عيناها على جاسم.
لتجده يحمل أحد التوأمين ويبتسم.
صورة كانت تحكي ألف كلمة وكلمة.
وأبتسمت أكثر وهي ترى كيف يلتصق كريم بمرام، فيبدو أن ثمار نصائحها جاءت بفائدة.
وقلبت في باقي الصور إلى أن وجدت صورة بها امرأة تلتصق بجاسم.
فرفعت عيناها نحو شقيقتها تريد سؤالها عن هوية تلك المرأة، ولكن ورد قامت بالمهمة وأخبرتها عما قالته لها مرام عندما سألتها عنها:
"دي حبيبته وقريب هيعلنوا عن خطوبتهم."
لا تعلم لما إجابة شقيقتها وقعت على قلبها كالحجر، وتمالكت نفسها، ففي النهاية هي تكره منذ آخر لقاء بينهم.
***
يقف وقطرات الجليد تتساقط عليه، ينظر للقبرين بألم، فمنذ ستة أشهر توفت شقيقته وزوجها في حادث.
لتترك له صغيرها الذي قد نجا من الحادث بأعجوبة دون أن يتأذى إلا بكسر وخدوش صغيرة.
ليضع باقة الزهور على قبرهما بجمود.
ثم تحرك نحو سيارته ليقودها بسرعة رهيبة في شوارع "أسطنبول".
***
تحمل قدرة الفول بصعوبة لتخرج بها للواقف أمام باب شقتهم.
"اهي القدرة بتاعت كل يوم يا شيكا."
ليحمل منها شيكا القدرة هاتفا:
"الصراحة يا ست الأستاذة، الست ورد عليها قدرة فول تقولي إيه ملبن."
فتبتسم مهرة وهي تمسك باب الشقة لتغلقه:
"ماشي يا بتاع الملبن أنت، يلا روح شوف المطعم بتاعك."
وينصرف شيكا وهو يحمل القدرة على كتفه.
لتخرج ورد من المطبخ تجفف يديها بالمنشفة:
"شيكا أخد قدرة الفول."
لتضحك مهرة وهي تلتقط حذائها:
"بيقولك عليكي قدرة فول ملبن."
فتبتسم ورد، وتنهي مهرة ارتداء حذائها:
"هنزل المحل بقى."
وانصرفت نحو الأسفل وهي تقفز على الدرج.
فمهما كبرت ستظل تلك العادة الطفولية.
***
نظر إليه مدير أعماله وهو لا يصدق أن أخيرًا سيده سيعود لمباشرة أعماله بعد أن اعتزل كل شيء لأشهر، بل وأيضًا سيسافر لمصر لإكمال ذلك المشروع الذي بدأه زوج شقيقته وشريكه قبل أن يتوفى هو وشقيقته.
"حقًا لا أصدق أنك عدت سيد كنان."
ليرفع كنان عيناه عن الأوراق التي أمامه:
"عزيز، أريد منك أن تخبرهم في مصر بإيجاد مربية لجواد تتحدث التركية. أفهمت؟"
ليحرك عزيز رأسه بنعم، ثم انصرف ليتابع أعماله.
ليتنهد كنان وهو يزيح الأوراق من أمامه ويمد بيده نحو الصورة التي تجمعه بشقيقته التي كانت كل شيء بالنسبة له:
"لا تقلقي على جواد يا هازان."
***
جلست بداخل مكتبها تنظر إلى الفراغ الذي أمامها تزفر أنفاسها بقوة. فمنذ شهران لا قضية قد أتت إليها.
لتجد رقم إحدى صديقاتها يدق عليها:
"أيوة يا شروق بجد، خال خطيبك وافق أشتغل عنده في المكتب."
وتابعت بسعادة:
"مش عارفة أشكرك إزاي."
وأغلقت الخط معها بابتسامة مشرقة.
فخطيب شروق صديقتها يبدو من عائلة ذات وضع.
فوالده رئيس تحرير جريدة وهو يعمل صحفي وقد تعرفت عليه عندما كانت ستجتمع بشروق رفيقتها من أيام الجامعة.
لتتنفس براحة، فيبدو أن الحياة ستبتسم لها قليلاً ولشقيقتها، فهي تعلم أن صاحب مكتب المحاماة هذا لديه اسم عريق ولا يحصل إلا على القضايا الهامة.
ونهضت من فوق مقعدها تدندن بأحد الألحان الشعبية:
"واه لو لعبت يا زهر، واتبدلت الأحوال."
وركضت لأعلى لتخبر شقيقتها، أنها لديها مقابلة غدًا.
***
وجاء يوم المقابلة ولم تسعَ للتأنق كعادتها. فأرتدت ملابسها العملية التي تتكون من قميص وبنطال قماش أسود اللون وعقدت شعرها كالمعتاد وأرتدت نظارتها وحذاء مسطح وحملت حقيبتها.
ووقفت تنظر إلى اليافطة الضخمة التي تحمل اسم المحامي الذي سوف تعمل معه.
وبعد دقائق كانت تقف أمام مكتب السكرتيرة.
لتجد فتاة غاية في الأنوثة ترتدي قميص شيفون أبيض فوقه سترة سوداء وتحته تنورة قصيرة بعض الشيء وحذاء ذو كعب عالٍ.
فنظرت السكرتيرة لمهرة بتفحص ثم تسألت:
"جايه عشان الوظيفة؟"
لتحرك مهرة رأسها بنعم، فيردف بتلك اللحظة المحامي المشهور "أشرف الجمال".
ويشير إلى سكرتيرته:
"مين دول يا نيرة؟"
فأعتدلت نيرة في وقفتها وتمتمت باحترام:
"دول اللي متقدمين للوظيفة يا فندم."
ليلقي أشرف نظراته المتفحصة عليهم.
فهتفت مهرة سريعًا بعد أن شعرت بنظرة رفض منه:
"أنا جايه من طرف..."
وقبل أن تكمل باقي عباراتها جاءها الرفض صراحة:
"أنتي تعالي ورايا."
وكان يشير نحو الفتاة الأخرى، لتذهب الأخرى خلفه.
لتنظر مهرة للسكرتيرة بتسأل:
"يعني إيه مش فاهمة؟"
لتشير إليها السكرتيرة نحو الخارج بابتسامة عملية:
"يعني مع السلامة."
لتبتلع مهرة ريقها بصعوبة وهي تتأمل المكان حولها.
ثم غادرت وهي تجر أذيال خيبتها خلفها.
***
قفزت ورد بسعادة وهي ترى الإعلان الوظيفي.
"جليسة أطفال تتحدث اللغة التركية بطلاقة للأعتناء بطفل أحد المستثمرين الأتراك. العمل سيكون داخل منتجع سياحي مازال يتم إنشاؤه يقع خارج العاصمة بمرتب مجزي."
لتنظر ورد للمرتب وهي لا تصدق. أخيرًا ستمارس عملًا بشهادتها حتى لو كانت مجرد جلسية لطفل.
وعادت تنظر إلى الإعلان ثانية، وهي تخشى أن ترفض مهرة بسبب بعد المكان.
ولكن في النهاية حسمت أمرها وقررت أن تقدم في تلك الوظيفة.
لتسمع صوت الباب يغلق بقوة، فتخرج من غرفتها راكضة:
"عملتي إيه يا مهرة؟ أتقبلتي؟"
فترفع مهرة عيناها نحوها، وتزفر أنفاسها:
"أترفضت."
فأقتربت منها ورد وجلست جانبها، تربت على يدها بحنو:
"هما اللي خسروا محامية شاطرة زيك."
فتبتسم مهرة بشحوب، لتتنحنح ورد بحرج:
"مهرة، أنا لقيت شغل بمرتب كويس أوي وقدمت فيه."
***
كل شيء قد تم بسرعة ولا يعلم كيف أنفتح نور الإضاءة ليظهر أحدهم ثم أتبعه شخص آخر يحمل سلاحًا يصوبه نحوه.
ليهتف به ياسر الذي كان يقف في الأمام:
"اتصل بالبوليس يا معنم."
لترتعش يد كرم الذي سقطت منه الأموال التي كانت بالخزنة القابعة في غرفة المكتب.
ويتقدم منه ياسر وقد أخرج سلاحه:
"وافق بتتترعش ياحلتها."
ووضع السلاح بجانب رأسه:
"بتدور على مين ها؟"
ثم تابع بقسوة:
"هيام اعترفت عليك."
ليدفع الحارس الثالث هيام بقوة، فينظرياسر نحوهم:
"عضيت الإيد اللي اتمدتلك..."
عندها حق نعمه لما كانت بتشك في سلوكك.
تهتف نعمه بخوف من المصير الذي سيحدث لها:
- أنا مظلومة ياياسر بيه.
ليطالعها ياسر ساخراً، فكل شيء سار تحت مراقبته.
فقد علم باليوم الذي خططت فيه مع شريكها من الخادمة الأخرى التي تدعى نعمة.
***
استيقظت من النوم فزعة، وهي تنظر لشقيقتها التي خرجت للتو من غرفتها.
لتهتف ورد بقلق:
- مين اللي جاي لنا في الوقت ده يا مهرة؟
فتقدمت مهرة نحو الباب لترى الطارق.
لتجد والدها أمامها يتنفس بصعوبة:
- أخوكي في القسم يا مهرة.
وتابع وهو يضغط على قلبه:
- سرق فيلا راجل مهم في البلد.
ولم تجد بعدها نفسها إلا في قسم الشرطة، فلم تتحمل كسرة والدها أمام عينيها وترجيه لها.
فقد كانت تظن أن قلبها أصبح متحجراً بسبب تركه لهم، ولكن اكتشفت الحقيقة.
الدماء لا تكون ماء.
ووقعت بعينيها على زوجة أبيها التي تجلس تنتحب وبجانبها شقيقها الآخر أكرم الذي لم تراه منذ سنوات عندما كان مراهقاً.
لتقف زوجة أبيها مقتربة منها:
- أنت رايح تجيب لي بنتك اللي بتكرهنا؟ أنت عايز تضيع ابني؟
لتلتف مهرة بجسدها بعيداً عنها وهي تتمتم بغضب لم يسمعه أحد.
ليجذبها والدها من ذراعها برجاء:
- هتسيبي أخوكي يا بنتي؟
ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيها. فكلمة أخ لم تدركها يوماً كما لم تدرك معنى كلمة أب.
***
كان جاسم يجلس مع ضابط الشرطة بجسد مرهق.
فاليوم عاد من لندن بعد أن أتم أحد الصفقات.
وحينما وقف سائقه أمام فيلته، كانت سيارة الشرطة تقف.
لتنتهي الليلة هنا.
وفرك عنقه بأرهاق، لينظر محاميه الخاص له:
- اتفضل أنت يا جاسم بيه وأنا هكمل المحضر.
ونظر إلى الضابط يطلب منه تأكيداً على كلامه:
- اتفضل حضرتك وبكرة تقدر تيجي نكمل الإجراءات قبل ما يتعرضوا على النيابة.
وكاد أن ينهض جاسم من فوق المقعد، إلا أنه وجد العسكري يخبرهم عن حضور شقيقة المتهم وهي أيضاً محاميته الخاصة.
لتردف مهرة وقبل أن تنطق بكلمة، وقفت مصدومة:
- أنت!
ليقف جاسم ساخراً وهو يطالعها بنظرات باردة:
- طلعتي أخت الحرامي ده.
ثم تابع وهو يقترب منها ونظر إلى محاميه الخاص:
- أنا مش هتنازل عن القضية.. وتحبسهم لي هو والخدامة أكبر مدة تقدر عليها.
وتخطاها ببرود وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة متشفية. فالقدر جاء بها إليه مجدداً كي يعلمها كيف تتلاعب مع "جاسم الشرقاوي". فهو لم ينسى إلى الآن أنها السبب الأساسي في إزالته من المنظمة.
وكيف وقفت تتحداه، بل وأيضاً تعاونت مع أحد الصحفيين في نشر كل ما يسيء لشقيقه دون أن يعلم أنها لم تفعل ذلك. فالقائها بـ "باسم" الصحفي ما كان إلا أنه خطيب رفيقتها.
ولكن كل شيء جاء ضدها ووضعها القدر ذليلة أمامه.
وانصرف دون كلمة. ليحرك لها الضابط رأسه بيأس:
- لازم جاسم بيه يتنازل عن القضية.. انتي عارفة القانون كويس.. أخوكي مسكوه وهو في بيته وبيسرق خزنته بعد ما اتفق مع الخادمة اللي سهلت دخوله للفيلا.
فنظرت مهرة له ثم جلست على أقرب مقعد.
فيبدو أن الطريق لم ينتهِ مع جاسم الشرقاوي.
بل وتلك المرة خيوط اللعبة في يده.
***
في صباح اليوم التالي كانت تقف في وقت مبكر أمام باب الفيلا بخطوات متثاقلة مجبرة.
فأمس عندما التقت بـ "كرم" شقيقها، أخذ يترجاها بأن تساعده.
لم تكن يوماً قاسية كما عاهدت من قسوة الناس.
واقتربت من الحارس تخبره:
- عايزة أقابل جاسم بيه.
فنظر الحارس إلى ساعة يده:
- الساعة سبعة دلوقتي والبه لسه نايم.. ومنقدرش ندخلك غير لما هو يسمح بمقابلتك.
لتزفر مهرة أنفاسها بقوة ثم ابتعدت قليلاً لتقف بجانب البوابة:
- وماله.. نستناه.
ومرت ساعة وهي واقفة، إلى أن تأففت ونظرت إلى البوابة التي أغلقها الحارس لتبقى هي بالخارج. وأطرقت على البوابة بقوة.
ليخرج لها الحارس وهو يحمل كوب شاي يرتشف منه:
- ما قولنا تعالي وقت تاني.
فحدقت به بنظرات غاضبة:
- عدى ساعة والبه بتاعكم لسه نايم.. لأ وسع بقي كده.
فوقف الحارس أمامها يزيحها عن طريقه، ودون قصد منه أسقطها أرضاً.
ليخرج في تلك اللحظة جاسم بسيارته. وعندما وجدها تقف وتنفض يديها.
أوقف سيارته وهبط منها بملامح جامدة:
- قولت مش هتنازل عن القضية.. وياريت تتفضلي.
فطالعته بنظرات محتقنة:
- أنت إنسان معندكش دم ولا ذوق.
ليقترب منها بقسوة وكاد أن يجذبها من ذراعها. فهتفت بضعف لأول مرة يراه فيها:
- متضيعش مستقبله عشان كرهك ليا... أنا عارفة إنك عايز تاخد بتارك مني.
وتابعت برجاء:
- بس أنا كنت بدافع عن الحق.. وحكاية أخوك ومرام انتهت.
فأبتسم ساخراً:
- انتي لعبتي معايا كتير من غير ما تحسي.
وألتف بجسده نحو سيارته:
- تنازلي عن القضية بشرط.. تنفذيه كل حاجة تنتهي.
ثم تابع ببرود وهو يفتح باب سيارته:
- متنفذش.. نسيب القانون ياخد مجراه يا حضرة الأفوكاتو.
رواية لحن الحياة الفصل الخامس 5 - بقلم سهام صادق
طرقت على الأرض بقوة وهي تعض على شفتيها بقهر، فقد وضعها بين خيارين وأصبح هو الآن من يلعب بها.
قبضت على يدها بغضب حتى ظهرت عروقها، وطيف سيارته يختفي من أمامها.
لتلتف نحو بوابة الفيلا، فتجدها قد غلقت فور انصرافه.
وأصبحت كمثيلة أيامها السابقة، تجر أذيال الخيبة خلفها.
فتحت باب الشقة بأرهاق وهي تسترقي السمع.
فيبدو أن لديهم ضيف.
وتقدمت بخطى ثقيلة نحو الداخل، لتجد ورد تجلس مع أكرم شقيقهما.
وقبل أن يشعروا بوجودها، أخذت تطالع وجه شقيقتها المبتسم وهي تحادث أكرم الذي يماثلها في العمر.
تخيلت لو كانت علاقتها بأشقائها طبيعية، ولكن زوجة أبيها هي من بعدتهم عنهم.
فأصبح كل منهما في عالم آخر، وكأنهم ليسوا إخوة.
وزفرت أنفاسها بفتور.
ليرفع كل من أكرم وورد عيناهما نحوها.
لينهض أكرم متسائلاً بأمل أن تكون قد توصلت لحل، ولكن علامات وجهها كانت لا توحي بالخير:
"رفض مش كده؟"
وجلس على مقعده ثانية يهتف بضعف:
"ضيع مستقبله وضيعنا معاه."
وتابع وهو يضع وجهه بين راحتيه:
"قلت لماما بلاش الدلع الزايد والفلوس الكتير. آه سرق عشان يصرف فلوسه على شرب المخدرات والستات."
كانت مهرة تقف تسمعه بوجه جامد. دلع وأموال كثيرة، وهي وشقيقتها يصارعان من أجل أن يعيشا فقط.
وتنهدت بأرهاق أثقل كتفيها.
وسمعت صوت شقيقتها الراجي:
"اعملي حاجة ليه يا مهرة عشان خاطري."
وأتبعها أكرم بتوسل:
"كرم مش وحش يا مهرة صدقيني. حب ماما لينا الزايد هو اللي ضيعه."
لتنظر لهم مهرة طويلاً، قبل أن تتحرك ببطء نحو غرفتها، وهي تفكر هل تذهب إليه وتسمع شروطه، أم تتخلى عن شقيقها كما تخلى عنه أبيهم.
وقف ياسر غير مصدق لما يقصه عليه جاسم ما حدث في الصبح:
"يعني هتتنازل عن القضية بشرط أنك تشغلها هنا سنة كاملة تذلها فيها؟"
فأبتسم جاسم بجمود، وهو يبعد أنظاره عن حاسوبه:
"مسمهاش أذلها. بس هعلمها إزاي تقف قصادي، بداية من حكاية كريم ومرام وتهديدها ليا لحد يوم الحفلة واللي عملته وخسارتي لعضوية المنظمة."
ليطالع ياسر جاسم قليلاً وهو يتنهد:
"جاسم أنا مش متأكد إن هي السبب في المعلومات اللي وصلت للصحافة."
ثم حك فروة رأسه:
"أنا شفتها آه مع الصحفي ده، بس معرفش إيه علاقتهم ببعض."
ليسترخي جاسم بجسده وهو يدور بكرسي مكتبه بظفر:
"مش مهم. لأن خلاص أخدت قراري."
ليتساءل ياسر بعد أن علم أن لا رجوع فيما اتخذه:
"طب وهتشغلها إيه هنا؟ إحنا مش محتاجين محامين."
فضحك جاسم وهو يتوقف بكرسيه عن الدوران:
"أشغلها محامية؟ ده أنا هخليها تنسى المهنة دي."
ثم تابع ببرود:
"هتشتغل كل حاجة. هتكون زي اللبيسة اللي بتكون للفنانين."
فأبتسم ياسر وكتم صوت ضحكته:
"مسمهاش لبيسة. دلوقتي بقي اسمها مساعدة شخصية أو مديرة أعماله."
فحرك جاسم شفتيه ساخراً:
"المسميات النضيفة دي لناس تانية نضيفة."
ثم تابع بقسوة:
"أما دي، لأ."
لتتسع عين ياسر بدهشة:
"انت بتكرها كده ليه يا جاسم؟ إحنا من ساعة ما عرفنا بعض مشوفتكش بتكره حد كده."
وتابع بتشتت:
"أنت حتى يوم ما عرفت مني بلقائها بالصحفي اللي عمل هجوم عليك، سبتها ومفكرتش تعمل ليها حاجة."
فحدق به جاسم للحظات. فهو بالفعل لم يفكر قط بأذيتها، ولكنها هي من تأتي إليه بقدميها، وكأنها تريد أن تذكره دومًا بأحداهن. كانت شعلة من التمرد والقوة مثلها تمام.
كانت زميلته بالجامعة، أحبها بشدة خاصة لطباعها الصبيانية وملابسها التي تشبه ملابس مهرة. ولكن في النهاية كان ردها له:
"أنه ليس من الأشخاص التي تستهويها، أنه هادئ الطباع منطوي، وهي لا تحب هذا النوع من الرجال."
يومها كره ذاته وكرهها بشدة، ليس لأنها رفضت حبه، بل كره تكبرها الذي لم يراه من قبل، أو بالأصح حبه لها هو من أعماه.
وفاق على صوت ياسر الذي كان يهتف باسمه، ليتمتم هو بشرود:
"بكرها لأنها شبهها."
أستيقظ على قبلات دافئة تجول على صفحات وجهه.
وسمع صوت ضحكات يعرفها.
ففتح عينيه ليجد جواد الصغير فوق الفراش بجانبه:
"استيقظ يا كسول."
فأبتسم كنان وهو يمد ذراعيه نحوه كي يجذبه إليه.
ثم أخذ يدغدغه إلى أن احمر وجه جواد من شدة الضحك:
"لن أتركك، إلى أن تقول آسف خالو كنان."
فحرك الصغير رأسه برفض.
ورفع راية استسلامه أخيراً:
"آسف خالو."
فأتسعت ابتسامة كنان التي كان قد نسيها، وضَم جواد إليه بقوة.
ليجد الخادمة التي هي بالأصل من ربته، تطرق الباب وتردف بعدها مبتسمة وهي ترى ابتسامة كنان مع جواد:
"فريدة خانو هنا سيد كنان."
فزفر كنان أنفاسه بضيق. فوالدته بالتأكيد جاءت لهنا ليس لأجله ولا لأجل حفيدها، بل من أجل المال.
إلى الآن يتساءل هل هذه أم حملت وأنجبت؟
لم يشعر قط هو وشقيقته بحبها.
وتنهد بألم وهو يتذكر شقيقته. فهي لم تحزن على ابنتها المتوفية.
فبعد وفاتها بشهران علم بسفرها إلى باريس، والمبرر كان:
"أريد أن أنسى موت صغيرتي."
وشعر بدغدغة جواد له.
فنهض من فوق الفراش وحمله على كتفه مخاطباً من تقف خلفه:
"أريد كأس من الحليب."
ثم تابع وهو ينظر لجواد:
"احرصي بأن يكون أكبر كأس لديكِ عظيمة."
فضحكت المرأة التي رغم سنها الخمسون مازالت جميلة.
لتتسع عين الصغير بشقاوة، ثم أخفى وجهه بين كفوفه الصغيرة صارخاً:
"لااااا."
وهبط الدرج حاملاً جواد وهو يضحك.
إلى أن تلاشت ابتسامته وهو يرى خطيبته تجلس بجانب والدته يتشاطران الحديث.
خطيبة اكتشف معدنها في شدته.
ووضع جواد أرضاً واقترب منهم، وشعره مشعث من أثر النوم:
"يبدو أنكم اتفقتم اليوم على القدوم سوياً."
فنهضت سيلا واقتربت منه تقبل وجنتيه وتداعب عنقه:
"اشتقت إليك كنان."
فأزاحها جانباً واقترب من والدته التي لم تفاجئه بسؤالها:
"صحيح أنك ستذهب لمصر أنت وجواد؟"
نظرت إليها مني بنظرات متفحصة، ثم أشارت لها بأن تردف لمكتبه.
لتسير مهرة من أمامها بوجه جامد.
ودخلت الغرفة التي سبق لها أن دخلتها مرفوعة الرأس، ولكن اليوم هي آتية تسمع شروطه التي ستجاهد على تقبلها كي تخرج شقيقها من ورطته.
ووجدته يتحدث بالهاتف بأسلوب جاد وصارم.
فطالعها بنظرات باردة، ثم أشار إليها بالتقدم والجلوس إلى أن ينهي مكالمته.
وبعد دقائق كان يلقي هاتفه بإهمال فوق مكتبه.
ويرخي من ربطة عنقه التي باتت تخنقه.
وزفر أنفاسه بقوة، ثم حدق بها بصمت:
"شروطك."
فأبتسم جاسم وهو يستمع لنبرتها.
وجلس على مقعده باسترخاء وبنبرة متهكمة هتف:
"يعني مش هتسيبي القانون ياخد مجراه، وهتتحملي أنتِ غلطة أخوكي؟"
فصمتت مهرة للحظات وهي تهدأ من تسارع تنفسها وتمالك غضبها:
"أفتكر إنك قولت تنازلك عن القضية قصاده شرط."
وتابعت بجمود:
"ياريت تقول الشرط."
فحدق بها جاسم قليلاً وهو يطرق بقلمه على مكتبه:
"هتشتغلي هنا سنة كاملة مساعدة شخصية."
وتابع ببرود:
"شايفه كرم أخلاقي؟ هخرج أخوكي من السجن وهديكي شغل في شركة ما كنتيش تحلمي تشتغلي فيها، لاء وكمان بمرتب متوقعش إنك بتاخديه من مكتب المحاماة بتاعك."
وهتف جملته الأخيرة بتهكم.
لتضغط على راحتي كفيها بقوة:
"مش عارفة من غير كرم أخلاقك العظيم كنا عملنا إيه."
فضحك وهو يرى قسمات وجهها الحانقة.
ورفع سماعة هاتف مكتبه:
"اتصل بالمحامي ييجي عشان تمضي على سنة عقد عمل أنا المتحكم فيه، وأتنازل عن القضية ولا..."
وهتف بسخرية:
"نسيب القانون ياخد مجراه ونحقق العدالة."
فحدقت به ببرود وبهدوء قاتل:
"اتصل."
فأبتسم جاسم بزهو وقد ظهرت أسنانه المصفوفة، وأخذ يطالعها وهو يحادث محاميه يأمره بالقدوم إليه.
وقف يتأملها وهي ترضع الصغيران بأرهاق.
واقترب منها يطبع بقلبه دافئه على رأسها.
فنظرت إليه بهدوء تتأمل ملامح وجهه المرهقة من أثر العمل.
فيبدو أن جاسم يعاقبه على طيشه السابق ويحمله فوق طاقته من عمل.
ووضعت صغيريها في مهدهما.
وسارت خارج الغرفة يتبعها هو بعدها:
"هتفضلي لحد إمتى باردة كده معايا؟"
فطالعته مرام ساخرة.
ثم اتجهت للمطبخ تسخن الطعام في صمت.
وكاد أن يقترب منها، إلا أنه قرر أن يتركها قبل أن يتشاجرا كالمعتاد.
فهذه هي حياتهم، الماضي مازال عالق بينهم.
جلست مهرة في محل البقالة تتذكر كل ما حدث اليوم معها.
وأخذت تحرك قدميها بغضب وتقزقز حبات اللب وتقذف قشره أرضاً.
لتردف ورد إليها بأكواب الشاي متسائلة:
"من ساعة ما جيتي من عنده وانتي كده، مالك يا مهرة؟ ما الشرط اللي قالوه عادي."
وتابعت مازحة:
"أنا موافقة أروح أشتغل عنده. دي شركته كانت من أحلامي وأحلام شباب كتير."
فأخذت منها مهرة كوب الشاي خاصتها لترتشفه بصمت.
وعادت تهز قدميها إلى أن:
"سنة هقعد في خلقة الراجل ده، سنة."
فضحكت ورد على تعبير شقيقتها.
قذفت مهرة حبات اللب بوجهها:
- نضفي المكان وأقفلي المحل يا ليلى.. عشان تعرفي تضحكي تاني.
وانصرفت بخطوات حانقة وعقلها يفكر بالغد وكيف ستقف ندّاً لجاسم الشرقاوي، حتى بعد أن جعلها تحت رحمته بعقد عمل يتحكم بها.
***
خلع نظارته السوداء بعد أن هبط من سيارته أمام المنتجع الخاص بسلسلة مايملك في مجال السياحة بالكثير من البلاد.
وشرد في بداية إقناع عدي له بأن ينشئوا منتجعاً هنا، وأنه سيشرف عليه هو وهزان. وقد تم شراء الأرض ووضعوا أساسيات المشروع إلى أن وصلوا لإنهاء نصف المنتجع، ولكن الحلم قد توقف بعد أن توفوا.
ألمٌ احتّل صدره، فقد اشتاق لرفيق عمره، شقيقته بشدة.
ووجد جوادٌ يجذبه من يده يحثه على الحركة.
فأخفض رأسه أرضاً يطالعه بحب:
- هل أعجبك المكان؟
فهتف الصغير بحماس:
- أجل أجل!
ليبتسم كنان وهو يلتقط يديه الصغيرتين.
***
أشرقت شمس الصباح لتبعث الدفء.
وقف يحتسي فنجان قهوته في الحديقة ببرود قاتل.
ثم نظر إلى ساعة يده بتمهل.
ليدق هاتفه. فينظر إلى رقم المتصل:
- صباح الخير.
فأبتسم جاسم وهو يستمع لصوتها:
- صباح الخير يا رفيف.
وسألها بدفء:
- استيقظتي مبكراً اليوم؟
فدعبت رفيف عنقها وهي تبتسم:
- لقد اشتقت لك يا جاسم.
فتحرك جاسم للداخل ومازال يحادثها:
- وأنا أيضاً.
رفيف شقيقة أحد أصدقائه من كندا، تعرف عليه وعلى عائلته حتى أصبحوا كالعائلة. فهم من أصول عربية جزائرية الأصل، ولكنهم عاشوا سنين بكندا، فأصبحت كندا وكأنها موطنهم الأصلي.
حتى العربية لا يتحدثون بها إلا والدهم السيد عدنان.
وألتمعت عيناه وهو ينهي حديثه معها.
وتنهد وهو لا يعلم إلى الآن لماذا لم يتزوج برفيف رغم إعجابه الشديد بأنوثتها وعقلها ونجاحها في عملها.
***
ارتدت مهرة ملابسها البسيطة المعتادة عليها، ولم تفكر في نظرة أحد بملابسها التي لا تشير بوجود أنثى. وأخذت تتنفس ببطء تخبر نفسها:
- هي سنة يعني 12 شهراً يا مهرة.
لتسمع طرقات ورد على باب حجرتها، ثم أردفت بعدها تنظر إليها:
- حضرت لكِ الفطور.
ونظرت إلى ملابسها بتقييم:
- هتروحي كده؟
فحدقت مهرة بهيئتها في المرآة، فقد كانت ترتدي بنطالاً من الجينز وقميصاً فضفاضاً:
- آه هروح كده.. ولو مش عاجبهم منظري يطردوني.
فأبتسمت ورد واقتربت منها تقبّل وجنتها.
فبادلتها مهرة الابتسامة، وسارت معها نحو المائدة المعدة بوجبة الإفطار التي تعد هي أساس يومهم الشاق من عمل.
وبعدما أنهوا فطورهم.. تنحنحت ورد:
- مهرة أنا هروح المقابلة النهارده.
فطالعت مهرة قليلاً وكادت أن ترفض، ولكن نظرات الرجاء التي كانت في عين ورد.
- طب مين هيروح معاكي؟ المكان في الصحرا.
فضحكت ورد وهي تنظر لشقيقتها:
- صحرا إيه يا مهرة؟ ده الطريق بقى كله شركات وقرى سياحية.. متقلقيش عليا بقى.
وأخذت تترجاها إلى أن حركت مهرة رأسها:
- أول ما توصلي كلميني، وأول ما تخلصي المقابلة كلميني، وأول ما تركبي عشان تروحي كلميني، وأول ما تيجي البيت كلميني.
فضحكت ورد وهي تضرب لها التحية العسكرية:
- علم وينفذ يا فندم.. أي أوامر تانية؟
فضمتها مهرة إليها بحنان:
- خلي بالك من نفسك.
فأبتسمت ورد في أحضان شقيقتها. فالعالم كله بالنسبة لها يتلخص بين ذراع شقيقتها التي تقضي حياتها بعيداً ولا تفكر بشيء غيرها.
***
وقفت في منتصف حجرة مكتبه تنتظر أن يخبرها بمكان عملها، الذي مازالت تجهله، ولكنها تعلم أنه سيذلها به.
واقتربت من مكتبه حيث كان غارقاً في بعض الأوراق التي يتفحصها.
وطرقعت بأصابعها أمام عينيه:
- أنت يا حضرة المدير.
فرفع جاسم عينيه نحوها بضيق.. فتابعت بحنق:
- فين مكتبي اللي هشتغل عليه؟ ولا هي المساعدة الشخصية ملهاش مكتب؟
فأسترخى جاسم بجلسته وهو يتفحص ملابسها التي لم تغير منها:
- أوعي تكوني فاكرة إن المساعدة الشخصية هتكوني زي بتوع القصص ولا المسلسلات وليكي قيمة.
ونهض من فوق مقعده واقترب منها وأخذ يدور حولها:
- عارفة صبي القهوة.. اللي بيعمل كل حاجة للزباين وبيخدم عليهم.
وتابع بقسوة وهو يقف أمامها يطالع عينيها:
- إنتي هتكوني كده.. مساعدة شخصية ليا ولكل موظفين الشركة.
فأخذت مهرة تحدق به، ثم حدقت بأركان الغرفة باحثة عن شيء تقذفه به، ووقعت عيناها على الأوراق الموضوعة على مكتبه لتلتقطها ثم قذفتها أرضاً وغادرت المكان وهي تسمع صوته الغاضب يهتف باسمها.
***
انقطع حذاؤها وهي تسير بالطريق الطويل بعض الشيء كي تغادر المنتجع الضخم الذي يبدو سيكون مكان كالخيال.
وفي اللحظة التي انحنت كي ترى حذاءها وتخلعه عن قدمها.
سمعت إطار سيارة يحتك بالطريق بقوة. ومن شدة احتكاكه اندفعت ورد أرضاً، فلم يكن يفصلها عن السيارة إلا سنتيمتراً واحداً. فالطريق لم يكن به أي سيارة لذلك كانت تسير بمنتصفه دون أن تدري أن حظها سيضعها بذلك الموقف.
ليخرج كنان من سيارته بفزع ويقترب منها متسائلاً بالعربية التي يتقنها بعض الشيء:
- هل أنتِ بخير؟
لترفع ورد عينيها نحوه.. ثم اتسعت حدقتاها وفتحت فمها كالبلهاء.
***
وجدتهم يضعون لها مكتباً ومقعداً في الحجرة الواسعة التي بها مكتب مني.
وبعد أن جلست بظفر.. وجدت أحد الموظفين يضع أمامها أوراقاً كثيرة:
- رجعيهم.
ثم جاءت إليها مني تحمل بعض الملفات:
- رتبي الملفات دي حسب التواريخ.
وبعدها وجدت موظفاً آخر يضع أوراقاً أخرى.
فانكبت عليهم بصمت تدعو داخلها عليه.
إلى أن سمعت صوت مني:
- مهرة خدي القهوة من عم سعيد ودخليها لجاسم بيه.
فنظرت مهرة للرجل الذي يحمل القهوة ونهضت من فوق مقعدها بهدوء تعجبت منه مني.
وأخذت القهوة.. وسارت بها نحوه ليرفع جاسم وجهه مشيراً إليها بغطرسة:
- حطيها واخرجي.
فوضعت فنجان القهوة بقوة على المكتب وقد تناثرت بعض القطرات منها على الملف الذي يطالعه.
لتتسع عين جاسم بغضب وطالعها بنظرات قاتمة.
ليجدها تفر من أمامه هاتفة:
- سوري يا جاسم بيه.
وأنصرفت من أمامه تبتسم على ما فعلته، فهي كانت تود أن تقذف فنجان القهوة بوجهه وليست بعض القطرات على الورق.
***
كانت مازالت تنظر إليه كالبلهاء إلى أن هتفت:
- أنا دخلت مسلسل تركي من غير ما أحس.
ليسمع كنان همساتها التي فهمها ودون شعور منه ابتسم، ثم اتسعت ابتسامته وهو يراها تضرب جبهتها برفق:
- فوقي يا ورد وركزي.
ووجدته يمد لها يده ولكنها تجاهلته.
ونهضت تنفض ملابسها.. ثم سمعت رنين هاتفها لتجد رقم أكرم شقيقها الذي أتى معها اليوم بعد أن هاتفته تخبره بخجل أنها تريده معها، فهي لأول مرة تشعر أن لديها شقيق، فذلك اليوم الذي جاء فيه إليهم شعرت بحبها له، وأن بعده عنهم هو وشقيقه كرم بسبب والدتهم.
وهتفت بفزع:
- أنا جاية يا أكرم.
وركضت من أمامه، فوقف يطالعها بصمت متعجباً من ركضها وهي ترتدي فردة من حذائها وفردة أخرى تحملها بيدها.
رواية لحن الحياة الفصل السادس 6 - بقلم سهام صادق
فتحت عيناها بأرهاق من كم الأوراق التي أخذت تدققها وأسترخت قليلا تطالع مني المنشغله في عملها.
فرفعت مني عيناها نحوها وطالعتها ببرود، فالأنطباع الأول الذي أخذته عنها جعلها تتحاشاها.
وعادت مني إلى ما تفعله.
لتزفر مهرة أنفاسها بقوه.
فرفعت مني عيناها مجددا نحوها تدق بالقلم على مكتبها.
لتنهض مهرة من فوق مقعدها وهي تضع بيدها على ظهرها بألم:
- منكم لله.
ثم تابعت بحنق:
- وهو بالذات منه لله.
ليخرج جاسم في تلك اللحظة من مكتبه متسائلا وهو يقترب منها:
- هو مين اللي منه لله؟
فحدقت مني بمهرة ضاحكة.
وأنتظرت أن تسمع ردها الذي أدهشها:
- أي إنسان ظالم منه لله.
ثم أشاحت بوجهها بعيدا عنه:
- وعلى رأي المثل اللي على راسه بطحة يحسس عليها.
فكتمت مني صوت ضحكاتها بصعوبة.
لتتسع عين جاسم بغضب فهو يعلم تماما أنها تقصده هو:
- اتفضلي قدامي.
فتسألت بغباء:
- أقف قدامك ليه؟ ماترجع أنت ورا.
وهنا انفجرت مني ضاحكة.
فطالعها جاسم بقوة.
فكتمت صوت ضحكاتها بإحراج:
- الصبر يارب. انتي جايه هنا تشتغلي مش تعرضي علينا غبائك.
وقبل أن ترد عليه أهانته.
وجدته يتركها وينصرف وهو يهتف:
- دقيقة والأقيكي قدام الشركة.
لتنظر مني لمهرة قائلة:
- الدقيقة قربت تخلص.
فحدقت بها مهرة بحنق.
ثم أخذت حقيبتها وأنصرفت خلفه.
وبعد نصف ساعه.
أوقف السائق السيارة أمام أحد المجمعات السكنية الضخمة التي مازالت في طور الإنشاء.
ليترجل جاسم من مقعده وهو يشير لسائقه أن يظل مكانه.
فتعجبت مهرة من فعلته ولكنها ظلت جالسة بمقعدها بجانب السائق.
ليلتف جاسم نحوها وهو يشير إليها بأن تتبعه.
فطالعت مهرة السائق:
- هو بيشاور عليك ولا بيشاور عليا أنا؟
فأبتسم لها السائق بطيبة:
- لا يابنتي بيشاورلك انتي وألحقي أخرجي قبل ما جاسم بيه...
وقبل أن يكمل السائق عبارته.
وجدت جاسم يقف أمام السيارة يزيل نظارته السوداء عن عينيه:
- هو أنا جايبك معايا ليه؟ عشان تقعدي في العربية هانم.
لتدفع مهرة باب السيارة بحنق وطالعت المكان متسائله:
- وأنا هعمل هنا إيه؟ المكان كله عمال وصحرا.
وكاد أن يهتف جاسم بشيء.
فوجد أحد المهندسين يتقدم نحوه:
- نورت يافندم.
فسار معه باتجاه المباني.
وأشار لمهرة بعينيه أن تتبعه.
لتبدأ رحلتها معه في الشمس الحارقة.
رغم أن العمال أعطوهم خوذات يرتدوها للوقاية من أشعة الشمس.
ووقفت تطالعه بفتور وحبات العرق تتساقط على وجهها.
فتمسح وجهها وهي تتمنى أن ينتهي الوقت سريعا.
فلم تعد تتحمل حرارة الشمس.
ووجدته يقترب منها بحنق:
- بقالي ساعة بنادي عليكي.
فتمتمت بوجه محتقن:
- مسمعتش.
وتسألت بأمل أن تحصل على إجابة ترغبها:
- أحنا هنمشي من هنا إمتى؟
فحدق بها جاسم بتفحص وهو يراها كيف لا تستطيع أن تتحدث:
- لما نمشي هتعرفي.
وتسأل ببرود:
- فين المية؟
فحدقت به مهرة بغرابة:
- مية إيه؟ أحنا في صحرا.
ليتهجم وجه جاسم بجمود:
- ارجعي العربية وهاتي إزازة المية.
فأتسعت ابتسامتها وتسألت دون تصديق:
- في مية في العربية؟
وقبل أن يهتف بشيء ركضت نحو السيارة.
فهي كانت تشعر بالعطش بشدة.
وبحثت بعينيها كثيرا كي تجد مكان الماء ولكن ليس شيء.
بعد فها هي زجاجة المياه المعدنية المغلقة.
وروت جسدها وتنهدت براحة.
ونظرت للزجاجة التي ابتلعتها كلها:
- آه أخيرا شربت مية. الحمد لله.
ونظرت إلى العلامة التجارية المطبوعة على الزجاجة هاتفة بتهكم:
- لاء ومن أنضف نوع. بتاعت الوزراء.
وعادت إلى جاسم وهي تجفف وجهها بالمناديل الورقية:
- فين المية يابني آدمة انتي؟
فأتسعت عين مهرة وهي تطالع وجه الحانق:
- هو انت كنت عايز تشرب؟
وأدارت له ظهرها قائلة بأسف وهي تبتسم:
- شربتها.
ولمحت عامل يحمل زجاجة مياه:
- أهي فيه إزازة مية معدية. معرفش كانت فين من زمان.
وذهبت اتجاه العامل وأخذت منه الزجاجة.
فأعطاها لها بحبور:
- اتفضل ياجاسم بيه ولا انت مبتشربش زي عامة الشعب.
فأغمض جاسم عينيه بغضب.
فرؤيتها تزيد من غضبه.
وألتقط منها الزجاجة:
- غوري من وشي.
فأبتعدت مهرة عنه وهي ترفع يدها نحو العامل الذي وقف يتابعهم من بعيد:
- شكرا ياريس.
فأشار لها عامل بيده ثم أنصرف.
لتلتف نحوه فتجده يرتشف من زجاجة المياه.
ثم أعطاها لأحد العمال.
أقترب منه مساعده الشخصي:
- سيد كنان.
فألتف نحوه كنان يشير إليه بأن يمهله لحظة حتى ينهي مكالمته الهاتفية.
وبعدما أنهى المكالمة.
تقدم معاذ مساعده المصري:
- ماذا هناك معاذ؟
ليتنحنح معاذ باحترام:
- لقد أنهيت المقابلة مع المتقدمات للوظيفة.
ثم هتف:
- ووقع الاختيار على اثنتين. فبقي الخيار الأخير لك سيدي.
ليحك كنان ذقنه بتفكير:
- هاتفهم لأقابلهم غدا.
وانصرف من أمامه بخطوات واثقة صاعدا نحو الجناح الخاص به.
أتبعته بصمت وهي تجر أرجلها بصعوبة.
ووجدته يصعد أحد الأبنيه خلف أحد المهندسين.
ونظرت للمبنى الذي مازال في بداية أنشائه:
- كان يوم مطلعلهوش شمس يوم ماطريقنا اتقابل ياابن الشرقاوي.
ووقفت تنظر إلى درجات الدرج التي لا يحاوطها شيء وهو يصعد.
وقررت أن تظل مكانها هنا.
فقدمها قد تورمت ولم يعد لديها جهد للصعود خلفه.
ووضعت بيدها على رأسها.
فالصداع بدأ يدب رأسها من حرارة الشمس خاصة بعد أن تخلت عن خوذتها.
وظلت تنظر هنا وهناك.
إلى أن وجدت أحدهم يقف بجانب طاولة بها بعض الأشياء المخصصة لصنع الشاي.
فأبتسمت وتقدمت منه متسائلة:
- ممكن كوباية شاي.
فأشفق عليها الرجل وأعطاها كأس الشاي خاصته:
- ميغلاش عليكي يابنتي خدي. وأنا هعملي واحد تاني.
فأعترضت مهرة بخجل بعد أن أدركت أن هنا كل منهما يخدم نفسه بنفسه.
وبعد إصرار الرجل عليها أخذت كأس الشاي وأرتشفت منه ووقفت تحادثه.
فبدأ الرجل يحادثها عن البلدة التي يعيش فيها وأنه أتى إلى هنا من أجل لقمة العيش.
إلى أن ذكر زوجته وبناته ووجدته يتحدث عنهم بكل حب.
فتمنت لو كان أبوها مثل ذلك الرجل الذي رغم سنه يغترب من محافظة لمحافظة أخرى كي لا يحوج أسرته لأحد.
وشعرت بألم بقلبها وهي تتذكر والدها.
وبعد وقت أنصرف الرجل.
لتلتف مهرة عائدة من حيث أتت ومازالت ترتشف من كأس الشاي.
ووجدت جاسم يصافح أحدهم.
ثم وقعت عيناه عليها فتقدم نحوها:
- شايف أتأقلمتي على الموقع.
فتذوقت مهرة الشاي ببرود:
- جميل اوى الشاي ده.
لتجد جاسم ينفخ أنفاسه بحنق.
ثم تخطاها عائدًا نحو سيارته:
- حصليني بسرعة.
فأبتسمت وهي ترى حنقه وتركت كوب الشاي:
- كانت كوبايه شاي طعمها حلو اوي.
وخطت بخطوات سريعة كي تلحقه.
فوجدته احتلى مقعده بالخلف وقد خلع نظارته السوداء.
فأردفت نحو مقعدها وجلست باسترخاء تتنفس براحة:
- الحمدلله أخيرا.
فأبتسم السائق وهو يقود السيارة بعد أن أشار له جاسم بالمغادرة.
ولم تشعر مهرة بشيء بعدها إلا عندما وصلت أمام مقر المجموعة وصوت جاسم يخبر السائق:
- صحي الهانم اللي نامت. شكلها فاكرة نفسها على السرير في بيتها.
وانصرف بحنق.
لتفتح مهرة عيناها متمتمة بعبوس:
- اللهي تتكعبل يابعيد وانت ماشي.
لتسمع ضحكات السائق.
وغادرت خلفه حانقة:
- اليوم معاك بسنة.
جلست مرام تنظر إلى صور عرسها بابتسامة منكسرة.
فالكل ليلتها ظنها بأنها أسعد عروس.
ولكن في الحقيقة كانت عروس تداري خيبتها.
وشردت في أول ليلة جمعتها بكريم وهي حلالة:
- تعبتي من الفرح. تحبي نروح لدكتور.
فنظرت إليه وهي تحبس دموعها:
- ليه عملت فيا كده. ليه كسرتني.
فطأطأ رأسه للحظات وهو يعتذر:
- أسف يامرام وجودك في حياتي كان غلط.
ورفع وجهه نحوها فوجدها تبكي بحرقة.
ليقترب منها بهدوء.
- أنت حبتني يا كريم.
وكانت الإجابة هي الصمت.
وفاقت من شرودها على سقوط دمعة من عينيها على يدها.
وأكملت تصفح الصور وهي تنظر إلى ملامحه التي مازالت تعشقها.
تأوهت بألم وهي تتمنى أن تصل لباب الشقة.
واقتربت من البناية التي يقطنوها ونظرت إلى محل البقالة فقد كان مغلقا.
وتذكرت أن اليوم موعد حصص ورد مع تلميذاتها.
وتمتمت وهي تكمل خطاها للداخل:
- أنا لازم أشوف حد يمسك فترة الصبح بدالي. ورد ملهاش في وقفة المحل.
وأخيرا تنفست براحة رغم الألم الذي يحاوط جسدها.
وفتحت باب الشقة بصعوبة دون أن تهتف باسم شقيقتها كالمعتاد.
وجلست على أقرب مقعد قابلها.
وخلعت حذائها بأرهاق ثم نظرت إليه بأسف:
- مش هتكمل يومين مع الراجل المفتري ده.
وزمت شفتيها بحنق.
لتجد ورد أمامها تحمل طبق بيدها تقطع به الخضراوات:
- شكلك ميبشرش بالخير.
ونظرت لهيئتها وأنفجرت ضاحكة.
فلم تتمالك مهرة غضبها وقذفتها بالحذاء.
لتتعالى ضحكات ورد:
- اومال فين الأسترونج ومن والأشعارات الحلوة ديه اللي بتحفظهالي كل يوم.
فنهضت مهرة من فوق المقعد وهي تضع بيدها على رأسها:
- مش هستسلم. لانا لأنت يا..
وقبل أن تهتف بأسمه تأوهت:
- أنا مبقتش عارفة إيه اللي وجعني. ورد حضرليلي الأكل أنا هموت من الجوع.
وتابعت وهي تستنشق رائحتها التي لم تعد تتحملها:
- لحد ما أنقع نفسي في المية.
فضحكت ورد وجلست على أحد المقاعد تقطع السلطة.
وبعد ساعه كانوا يجلسون على المائدة يتناولون الطعام سويا.
ومهرة تستمع إلى ورد عما فعلته اليوم وكيف كانت مقابلة العمل.
وعندما وصلت أختها بالحديث عن جمال أحدهم.
رفعت مهرة حاجبيها بمكر:
- انتي كنتي في الوقعة اللي وقعتيها. ولا في صاحب اللحية الجميلة.
فأبتسمت ورد بحالمية:
- الراجل جميل أوي يامهرة. يابختها.
فأعتدلت مهرة بمقعدها اتجاهها:
- مين اللي يبختها.
فهتفت ورد وهي تسبل بأهدابها:
- حبيبته. خطيبته.
فمالت مهرة نحوها وهي تمسك كأس الماء:
- آه، قولتيلي.
وفجأة شهقت ورد وقد فاقت من هيامها، ونظرت إلى كأس الماء الفارغ الذي انكب على وجهها وملابسها.
- فوقت والله فوقت، ارتحتي.
فضحكت مهرة برضى وهي تسترخي بجسدها على المقعد الذي تجلس عليه.
- أيوه كده يا بنت زينب.
***
حمل كنان جواد الذي نام على قدميه بعد أن تعب من اللعب، وأبتسم عندما وجده يحاوط عنقه، ولكن ابتسامته قد تلاشت عندما وجده يهمس:
"لا ترحلي أمي.."
ووضعه على فراشه وأخذ يطالعها قليلاً بألم وحزن يجاهد على تجاوزه من أجله.
وانحنى يطبع قبلة صغيرة على جبينه، ثم أغلق الأنارة وغادر الغرفة، بل الجناح بأكمله.
***
كانت ورد تتقلب في فراشها تتذكر ماجد وخطبتهم وكيف كان يخبرها بأنه يحبها ولا يرى غيرها أم لأولاده.
وسقطت دموعها وتنهدت بألم وهي تنفض عقلها من تلك الذكريات.
***
أما مهرة كانت في سبات عميق تحلم بكل ما تمنت فعله بجاسم في الصباح.. تضربه في الحلم وتقذفه بالرمال وتخنق بأيديها.
***
أما جاسم بعدما أنهى مكالمته مع رفيف التي بدأت تغدق عليه باهتمامها ومكالماتها الهاتفية، وضع هاتفه على المنضدة الصغيرة التي بجانب فراشه وتمدد على الفراش، ولا يعلم لما صورة مهرة وهي تركض من أمامه نحو السيارة عندما علمت بوجود الماء، اقتحمت عقله.
وأرتسمت ابتسامة على شفتيه، ثم غفا بأرهاق بعد أن طرد صورتها من عقله.
***
جلست مهرة على مقعدها بعد أن ألقت التحية على منى.
ونظرت إلى جهاز الحاسوب الذي لم يكن موجوداً بالأمس.
وتطلعت للأوراق التي لم تكملها وتنهدت بسأم.
لتجد منى تخبرها عن بعض الإيميلات التي ستبعتها، ثم ذهابها إلى أحد المدراء لجلب بعض التقارير منه.
لتضع بوجهها بين راحتي كفيها، ثم دفنت وجهها بين الأوراق.
وبعد ساعة نهضت من مقعدها وأقتربت من منى تمد لها يدها:
- أنا مهرة.
فأبتسمت منى بعد أن فهمت أنها تريد أن تبدأ معها صفحة غير مشوهة.
- وأنا منى، أو مدام منى.
فجلست مهرة على المقعد الذي أمامها:
- أول انطباع أخدتيه عني كان وحش.
فهزت منى رأسها وهي تضحك وتركت ما كانت تطالعه:
- بالعكس.
فرفعت مهرة عينيها نحوها بدهشة.
لتتابع منى حديثها:
- شخصيتك عجباني جداً يا مهرة، بتفكريني بنفسي قبل ما أتجوز.
فأتسعت عين مهرة من ردها وعدلت من نظارتها.. لتبتسم منى:
- لو اتجوزتي الراجل الصح، هتعرفي.
وعادت تنظر إلى الملف الذي كان أمامها وأكملت بجدية:
- يلا على شغلك.
فنهضت مهرة من أمامها وفاقت على صوت رنين هاتفها.. فأخرجته من جيب سروالها:
- أيوه يا ورد.
وأنهت حديثها مع ورد بعد أن أخبرتها أن لديها مقابلة ثانية اليوم وسيتحدد لها إذا كانت ستعمل أم لا.
كما أخبرتها أن أكرم سيذهب معها أيضاً.
***
جلست ورد بتوتر تفرك يديها وهي تنتظر دورها لمقابلة والد الطفل كما ظنت. وجدت الفتاة تخرج بابتسامة متسعة، فيبدو أن الاختيار سيقع عليها.
فأزداد توترها، فالأختيار بينها وبين تلك الفتاة بعد أن كانوا سبعة متقدمين لتلك الوظيفة.
وطرقت الباب بطرقات خافتة.. ثم أردفت وهي تهتف:
- السلام عليكم.
فرد كنان عليها بلكنته التركية السلام، وفعل ذلك أيضاً معاذ مساعده.
فرفعت ورد عينيها نحوهم.. وأتسعت حدقتيها غير مصدقة أن الرجل الذي يجلس أمامها الأن هو نفسه من التقت به أمس.
فحدق بها كنان للحظات وأشار إليها بأن تجلس.
فتقدمت ورد نحو المقعد وجلست عليه وبدأ يتحدث معها بالتركية.. فكانت تجيب عليه بتوتر.
إلى أن انتهت المقابلة وشعرت من نظراته الجامدة أنها لا تقبل في تلك الوظيفة.
وانصرفت وهي تطأطأ رأسها أرضاً. ونظرت إلى الفندق الذي قد أنتهي تجهيزه بإبداع.
وكادت أن تغادر الفندق.. لتجد صوت معاذ يهتف بأسمها:
- أنسة ورد.
فوقفت تنتظر قدومه نحوها.. فابتسم معاذ مهنئاً:
- مبروك على الوظيفة.
فأرتسمت السعادة على وجه ورد غير مصدقة:
- يعني أنا أتقبلت.
فحرك معاذ رأسه بالموافقة:
- بكرة تكوني هنا الساعة تسعة بالظبط..
وتابع بابتسامة عملية:
- أهم حاجة مواعيدك تكون مظبوطة.. سيد كنان دقيق أوي في مواعيده.
فهتفت ورد بسعادة:
- متقلقش حضرتك، تسعة بالظبط هكون هنا.
وأنصرفت من أمامه وهي تخرج هاتفها كي تخبر أكرم أنها قادمة إليه.
***
وقفت مهرة أمام مكتبه تطالع الغرفة الواسعة بتفحص.. ثم نظرت إلى الأوراق التي أعطتها لها منى قبل أن تسبقها لاستراحة العمل كي تضعها على مكتبه.
ووقعت بعينيها على مقعده وألتمعت عيناها:
- من زمان وأنتي نفسك تقعدي على كرسي زي ده يا مهرة.
ورغم أن مقعد مكتبها بالخارج مريح، إلا أن هذا المقعد له هيبة خاصة أرادت أن تجربها.
ووضعت الأوراق على المكتب.. وأتجهت نحو المقعد الجلدي ولمسته:
- هجربه عشان أشتري واحد للمكتب بتاعي زيه.
وجلست على المقعد باسترخاء:
- لأ، عنده حق، ميتعبش من القعدة.
وظلت تطالع المكتب الفخم المرتب بعناية وحاسوبه الذي يحمل ماركة عالمية بأستياء متذكرة أفعاله معها:
- شوف معاك فلوس إزاي.
وتابعت وهي تشير نحو موضع القلب:
- بس مش نضيف من جوه.
وأخذت تدور بالمقعد بمتعة.. إلى أن أصبح ظهرها لباب الغرفة وعيناها نحو الشرفة التي تطل على منظر مريح للنفس.
وزفرت أنفاسها ببطء.. ثم بدأت تقلد صوته وتقمصت شخصيته.
ولم تشعر بوقوفه خلفها إلى أن وجدت المقعد يدور للأمام.. فأتسعت عيناها وقد أخرستها الصدمة.
وهي تنظر إليه وجاسم يحدق بها.
رواية لحن الحياة الفصل السابع 7 - بقلم سهام صادق
أبتلعت ريقها وهي ترى نظراته الجامدة تحدق بها.
ابتسمت بشحوب والتفتت حولها لعلها تهرب من نظراته وتجد لنفسها مخرجًا من تلك الورطة الحمقاء التي أقحمت نفسها بها.
ولأول مرة شعرت بشعور الفأر الواقع بالمصيدة.
عادت لابتلاع ريقها مجددًا وهي تجده يعتدل في وقفته ويعقد ساعديه أمام صدره متسائلًا:
- بتعملي إيه هنا؟
فأعادت سؤاله عليه كي تلهيه قليلًا إلى أن تجد فكرة تخلصها من هذا الحصار:
- بعمل إيه هنا؟
وداعبت ذقنها بتفكير وهي تضم حاجبيها ببعضهما:
- بتعملي إيه يا مهرة هنا... بتعملي إيه؟
ثم ضربت جبهتها ونهضت من فوق المقعد متسائلة:
- هو أنا قعدت هنا إزاي؟
وتابعت دون أن تترك له فرصة للرد، والتقطت الأوراق التي أتت بها لمكتبه:
- كنت جايبالك الورق ده.
وعندما وجدته ينفخ أنفاسه وسيتكلم، وضعت الأوراق بين يديه.
وفرت هاربة من أمامه، فأسلم حل هو الهروب.
لينظر جاسم لطيفها، ثم نظر إلى الأوراق التي بيده متذكرًا تقليدها له بصوت خشن، متوعدًا لها.
***
كانت السعادة ظاهرة على وجه ورد وهي تقف أمام شقيقها أكرم تخبره عن قبولها في تلك الوظيفة.
ليسيروا معًا يتحاكون.
وفجأة رن هاتفه، ليقفا عن السير.
لينظر أكرم إلى الرقم بتوتر، ثم هتف بتعلثم:
- أيوه يا ماما... لأ، أنا مش في المحل، أنا في مشوار كده.
وتابع وهو ينظر لورد:
- ساعة وهكون في المحل.
وبعدما أغلق هاتفه، نظر إلى ورد التي تحولت ملامحها للانكسار.
وتقدمت منه وهي تشفق على حالها هي وشقيقتها.
هم ابنتي المرأة المنبوذة التي لم تتقبلهم زوجة أبيهم يومًا، رغم أنها هي من زوجة والدتها لوالدها.
ليقترب منها أكرم بأسف:
- متزعليش يا ورد... أنا عملت كده منعا للمشاكل، إنتي عارفة ماما.
فابتسمت بفتور وهي تتذكر زوجة أبيها:
- آه، عارفاها... حتى بعد اللي مهرة عملته عشان ابنها، برضه بتكرهنا.
وتابعت بألم:
- وأنا اللي افتكرت إن تضحية مهرة بسنة من عمرها تشتغل تحت رحمة واحد، وهي عمرها ما حبت حد يتحكم فيها... هيتغير حاجة؟
لينظر إليها أكرم بأسف وهو لا يعرف بما سيجيب.
فالإجابة معروفة، والدتهم هي من تتحكم بكل شيء.
ووالدهم لا يكسر لها كلمة.
***
عادت مهرة من عملها بإرهاق وهي تسير بخطوات بطيئة.
لتنظر إلى محل البقالة، ثم اقتربت منه:
- إزيك يا شيكا؟
فنهض شيكا من مقعده، وجذب لها مقعدًا وبدأ يخبرها عن إيراد اليوم:
- كل حاجة تمام يا ست مهرة.
ووضع مفتاح محل البقالة أمامها:
- كده الفترة بتاعتي خلصت.
وانصرف نحو مصدر رزقه الثاني.
لتبتسم مهرة وهي تلتقط المفتاح، متمتمة:
- جدع وأصيل الواد شيكا.
***
أردفت مهرة لداخل الشقة تستنشق رائحة الطعام بمتعة، ودبدبت على معدتها بتلذذ:
- ريحة الأكل حلوة أوي.
وهتفت باسم ورد، لتخرج ورد من المطبخ وهي تمسك بأحد المعالق:
- اتأخرتي كده ليه يا مهرة؟
لتستنشق مهرة الطعام مجددًا، وهي تتخيل أصنافه:
- عديت على المحل وأخدت المفتاح من شيكا.
فحركت ورد رأسها بتفهم.
لتتسائل مهرة وهي تقترب من المطبخ:
- إنتي طابخة إيه النهاردة يا ورد؟
فضحكت ورد على مظهر شقيقتها:
- اشتريت البطة اللي نفسك تاكليها من زمان وعملت...
وظلت تتباطأ في الحديث إلى أن اتسعت عين مهرة:
- عملتي محشي؟
فتعلت صوت ضحكات ورد:
- كل الأنواع... قولت أدلعك قبل ما أبدأ الشغل.
لتبتسم مهرة وتقترب منها تحتضنها:
- مع إني مش عايزيكي تتبهذلي، بس عمري ما هقف في طريقك.
فضمتها إليها ورد أكثر، إلى أن شهقت بفزع:
- صنية البسبوسة!
وركضت نحو المطبخ.
لضحك مهرة وهي ترقص حاجبيها:
- يارب كثر من احتفالات ورد.
***
جلس جاسم يتناول طعامه بمفرده دون شهية.
فبعد رحيل كريم وأصبح شعوره بالوحدة يزداد.
ليجد هاتفه يدق.
فنظر لرقم المتصل، وكل يوم فكرة ارتباطه برفيف تقتحم عقله.
فبعد أشهر قليلة سيكون في منتصف الثلاثين.
وأشار للخادمة كي تزيل الطعام الذي لم يمس منه إلا القليل.
وابتسم وهو يعاود الاتصال بها، صاعدًا نحو غرفته.
***
وضعت مهرة بيدها على معدتها بعد أن أنهت آخر قطعة من طبق الحلوى:
- عندي شعور إني هنفجر.
فابتسمت ورد هاتفه بسعادة:
- أحطلك تاني؟
لتزيح مهرة يد ورد عن طبقها:
- خدي صنية البسبوسة بتاعتك والطبق ده وامشي من قدامي.
وتنفست بصعوبة وهي تنهض من أمامها:
- بطني بتتقطع.
فضحكت ورد وهي ترفع الأطباق، متجهة نحو المطبخ:
- يا سلام عليكي يا شيف ورد.
وتابعت حديثها من داخل المطبخ:
- مهرة، أنا لازم أوصل الشغل الساعة تسعة.
والطريق بياخد ساعة ونص.
لتهتف مهرة بآلم بمعدتها:
- أنا مش عارفة إيه لزمته الشغل ده... ما أنا بشتغل أه.
لتضحك ورد من داخل المطبخ:
- إيه أخبارك مع جاسم الشرقاوي؟
ليتحول وجه مهرة للحنق:
- ليه السيرة اللي تسد النفس دي؟
ووجدت ورد تقف أمامها:
- نسيت أقولك حاجة مهمة.
فأنتظرت مهرة أن تكمل عباراتها، فوجدت علامات الارتباك ظاهرة على وجهها.
- فاكرة الراجل اللي حكتلك عنه؟
فلمعت عين مهرة بخبث:
- أبو لحية حلوة وعيون ملونة؟
فارتبكت ورد وهي تتذكره:
- طلع صاحب المنتجع.
لتصمت مهرة وهي تتابع ملامح شقيقتها، إلى أن تنهدت بقوة:
- ورد، اسمعيني كويس... الموقف ده تنسيه خالص، ولا كأنه حصل، كده كده هو مش هيفتكره، ولو افتكره عادي، مجرد صدفة وانتهت.
وتابعت وهي تربت على يد شقيقتها بحنان:
- يلا ننام عشان نعرف نصحى بدري.
***
جلس كنان على الأريكة الموجودة بالصالة التي يحتويها جناحه الفاخر، يتابع أعماله عبر الحاسوب.
ليجد هاتفه يدق برقم خطيبته.
فنظر لرقمها، ثم أغلق الهاتف بوجه جامد ومشاعر قد اختفى منها الحب.
***
صباح جديد.
استيقظت ورد فوجدت مهرة تعد لها وجبة الإفطار بعد أن ذهبت للمخبز مبكرًا لجلب الخبز.
وأبتسمت وهي تقبل مهرة على وجنتها:
- صباح الخير على أحلى أخت في الدنيا.
فضمتها مهرة إليها:
- يلا استعدي بسرعة عشان مافيش وقت.
لتومئ ورد برأسها بسعادة، وتتجه نحو المرحاض.
وبعد نصف ساعة، كانت تتناول ورد الطعام سريعًا، فالوقت اقترب من السابعة.
ووجدت مهرة تضع لها بعض السندويتشات في حقيبتها.
لتنظر إليها ورد بصدمة:
- مهرة، إنتي بتعملي إيه؟
فابتسمت مهرة وهي تغلق حقيبتها:
- خليهم احتياطي معاكي يا ورد... إنتي لسه متعرفيش نظام المكان هناك.
فاتسعت ابتسامة ورد واقتربت منها تحتضنها باكية:
- ربنا يخليكي ليا يا مهرة.
لتربت مهرة على ظهرها بحنان هامسة داخل نفسها:
- يارب تفرحي يا ورد.
وبدأوا طريقهم في المواصلات سويا.
وقد أصرت مهرة على الذهاب معها اليوم كي يطمئن قلبها.
***
أردفت مهرة لداخل الشركة بخطى سريعة، فمنى قد هاتفتها أكثر من مرة.
ووصلت إلى الطابق الذي تعمل به، تتنفس بصعوبة إثر ركضها.
لتقف مني متسائلة:
- كنتي فين كل ده يا مهرة؟
فوضعت مهرة بيدها على قلبها وهي تتنفس:
- كنت بوصل ورد شغلها.
فنظرت مني إلى ساعة يدها:
- إحنا داخلين على الضهر.
وأكملت وهي تنظر لغرفة جاسم:
- جاسم بيه سأل عنك، ومبشركيش بصراحة.
فضحكت مهرة باستياء، ونظرت لمني بامتنان.
فمنى أصبحت تعاملها بهدنة، رغم أنها ما زالت متحفظة تجاهها.
وجلست على مكتبها تتابع عملها المتراكم الذي لا ينتهي.
إلى أن أردفت مني داخل مكتب جاسم تخبره بوجود اجتماع لديه مع شركائه الجدد بعد ساعة.
ليسألها جاسم عن مهرة، فتخبره أنها جاءت من نصف ساعة.
- تروح تحضر غرفة الاجتماعات، وأي غلطة يا مني إنتي المسؤولة قدامي.
فنظرت إليه مني بصمت، ثم غادرت لتقف أمام مهرة قائلة:
- مهمتك الجديدة يا أستاذة مهرة.
فأنتظرت مهرة أن تخبرها مني بمهمتها.
وأتسعت عيناها، فهو بالفعل يتفنن في التحكم بها.
وزفرت أنفاسها بحنق.
لتخبرها مني قبل أن تنصرف:
- روحي البوفيه وافهمي منهم النظام، لأنهم المسؤولين عن الحكاية دي.
لتنفخ مهرة أنفاسها بقوة.
وقبل أن يتوافد شركاؤه الجدد، كانت قد أنهت مهمتها.
وتذكرت أنها نسيت جلب زجاجات المياه.
فركضت لجلبهم.
وعندما جاءت بهم، كان جاسم يرحب بضيوفه، ناظرًا إليها بضيق.
لتضع مهرة الزجاجات على الطاولة في أماكنهم المخصصة.
وكادت أن تنصرف من أمامه، لتجده يخبرها ببرود:
- استني عندك.
وتقدم نحوها وبصوت خافت:
- بعد كده تخرجي خالص من غرفة الاجتماعات قبل ما الضيوف يجوا.
وأشار لهيئتها باستنكار وتابع:
- مش لازم يشوفوا إني مشغل صبي قهوجي عندي.
لتدمي جملته قلبها، ولكنها تجاوزت إهانته وانصرفت في صمت.
***
جلست ورد بملل، فالصغير لا يعيرها أي اهتمام.
يجلس يلعب بجهازه الإلكتروني.
وشعرت باليأس من نجاحها في كسبه، فهو ليس كأطفال منطقتها.
وكيف ستقارن أطفال حيها بطفل مثل جواد.
ولمعت في عينيها فكرة، واقتربت منه تنظر إلى ما يفعل:
- أحب تلك اللعبة بشدة.
فطالعها الصغير هاتفا:
- إنها للصغار فقط.
فابتسمت ورد وهي تزم شفتيها كالأطفال:
- ما أنا أيضًا صغيرة.
فعاد الصغير يطالع لعبته.
لتنظر هي حولها:
- ما رأيك أن نبني بيتًا صغيرًا لنا بالوسائد؟
فلمعت عين الصغير تلك المرة ونهض من جلسته هاتفا بسعادة:
- هل تحبين لعبة البيوت مثلي؟
وتهلل بفرح.
لتنظر إليه ورد غير مصدقة بأنه فرح بتلك اللعبة.
وبدأوا يعدون بيتًا بالوسائد، وجلب جواد ألعابه جميعًا، وجلسوا في بيتهم الصغير خلف الأريكة والوسائد تحاوطهم.
ولعبت ورد معه كل الألعاب التي تتذكرها من طفولتها.
وبعد مدة شعرت ورد بالجوع، فأخرجت السندوتشات خاصتها.
ونظرت إلى الصغير متسائلة:
- تأكل معي؟
فحرك الصغير رأسه بنعم، لتعطيه أحد السندوتشات ليأكل مستغرباً من طعمه:
- ماذا سنأكل؟
لتضحك ورد وهي تراه يأكل متعجباً من طعمه:
- إنه فول.
ليهتف الصغير بعربية ركيكة:
- فول.
فتعالت ضحكات ورد على نطقه، إلى أن انفتح باب الجناح ليردف كنان وخلفه معاذ.
لتتسع عين الصغير بسعادة ويخرج من خلف الأريكة:
- انظر خالي ماذا أكل.
ليأخذ منه كنان ما يأكله، وارتبكت ورد من نظرات كنان لها بعد أن خرجت هي أيضاً من خلف الأريكة.
ونظر كنان إلى معاذ بغضب:
- ما هذا؟
وبدأ يتحدث مع معاذ الذي ارتبك هو أيضاً.
وكل كلمة كان ينطقها كانت تفهمها هي، فيبدو أنه قد نسي أنها تتحدث وتفهم لغته.
وأوجعته كلماته عن ما تأكله وتطعمه بصغيره.
وسقطت دموعها وهي تخفض رأسها أرضاً.
وخرج كنان من الغرفة، والصغير وقف ينظر إلى ردة فعل خاله الغريبة.
ليقترب منها معاذ بإشفاق:
- آنسة ورد، أنا آسف على الذي سمعتيه.
فرفعت ورد عيناها نحوه:
- والله يا أستاذ معاذ، أنا أكلت منه قبل ما آكله له، وأنا اللي بعمله في البيت.
فأبتسم معاذ وهو يرى طيبتها في الحديث:
- اليوم كلنا مسلمناش من غضبه، لازم نستحمل مديرنا شوية.
فطأطأت ورد رأسها بحزن:
- بس أنا متعودتش على كده، متعودتش أتهان.
فضحك معاذ وهو يطالعها:
- مدام بتشتغلي عند حد لازم تتحملي.
وشعرت بيد الصغير جواد تمسك يدها:
- لا تبكي ورد.
فمسحت ورد بقايا دموعها، وانحنت نحو الصغير تقبله هاتفة داخلها:
"أنتي كنتي فاكرة إيه يا ورد، إنك هتتعاملي زي البرنسيسات؟ مهرة كان عندها حق لما قالت مالناش دعوة بالناس اللي عايشة ومش حاسة إن في غيرها بيجري ورا لقمة عيشه عشان يعيش بس."
جلست مهرة بحنق على مكتبها تدق أقدامها أرضاً وهي تتذكر إهانته لها.
فنظرت إليها مني بصمت، وبعد مرور ساعة ونصف كان جاسم يردف لداخل المكتب وخلفه أحد مدراء الأقسام.
ليهتف باسم مني، التي أتبعته على الفور، وما إن خرجت مني من عنده هتفت:
- هتروحي تشرفي على الأكل في مطعم كذا اليوم في عشاء مع الشركاء الجدد.
فقبضت مهرة على القلم الذي كان بيدها بقوة، وزفرت أنفاسها ببطء إلى أن لمعت عيناها.
لتكمل مني:
- احنا متفقين على نوع الأكل، مجرد إشراف بس يا مهرة.
فأخذت مهرة حقيبتها، لتهتف مني باسمها:
- رايحة فين؟ لسا ساعة على الميعاد.
لتنصرف مهرة من أمامها:
- رايحة أشم شوية هوا.
وغادرت مهرة الشركة وسارت بلا هوادة تدفع الحجارة الصغيرة بحذائها، إلى أن وقفت أمام المحل التجاري الضخم المعلق عليه اسم والدها وأشقائها كرم وأكرم.
فيبدو أنه افتتح محل آخر بتلك المنطقة الراقية.
ووقفت أمام وجهة المحل تطالع الزبائن وهم يردفون، لترى زوجة أبيها جالسة على أحد المقاعد ومعها والدها، والعمال يقفون بجانب الزبائن.
فضغطت على يدها بقوة:
- عمري ما هسامحك، وقفت مع ابنك عشان ما يضيعش شبابه في السجن.
وحدقت بزوجة أبيها التي يهتز ذراعيها من كثرة الأساور الذهبية:
- مع إنكم ما تستاهلوش.
وأبتعدت بخطوات سريعة عن المحل، لتصطدم بأحدهم، فتجده شقيقها كرم الذي انصدم من وجودها:
- مهرة!
لتتركه وتتخطاه، فوجدته يهتف بامتنان لما فعلته معه:
- شكراً على اللي عملتيه معايا.
فسارت مهرة دون أن تلتفت إليه، فهو صادفها في أكثر لحظاتها حقداً عليهم وعلى من أنجبهم.
ووصلت أخيراً إلى المطعم الفخم وقد لمعت عيناها بمكر.
أنهت ورد عملها أخيراً وسارت في الممر الطويل المؤدي إلى الطريق السريع كي تستقل مواصلة لداخل المدينة.
لتقف على الطريق تنظر إلى السيارات وهي تسير سريعاً، وأخذ الوقت يمر حتى شعرت بوجع قدميها.
ووجدت إحدى السيارات السوداء الفخمة تقف أمامها، فأبتعدت عن السيارة خوفاً، إلى أن وجدت صاحب السيارة يغلق بابها بقوة:
- ماذا تفعلين على هذا الطريق في مثل ذلك الوقت؟
لتتحاشى ورد وجوده بعد أن علمت بهويته.
ليزفر كنان أنفاسه حانقاً وهو يعبث بشعره:
- تعالي لأوصلك للمدينة.
فطالعته ورد بجمود:
- شكراً يا فندم، ما طلبتش مساعدة من حد.
لينظر إليها كنان متحدثاً بالعربية:
- هيا آنسة.
وتسأل وهو يجاهد على تذكر اسمها:
- عفواً، ما اسمك؟
لتضحك ورد ساخرة:
- ورد.
وتخطته لتجد فجأة يد كنان تجذبها، لتلمع عيناها بغضب وهي تنفض ذراعيه.
فيقف كنان يطالع ما فعلته بدهشة، إلى أن وجدت ورد سيارة أكرم الصغيرة أمامها.
فاتجهت نحوه سريعاً، تاركة كنان في دهشته من تصرفها.
لتجلس ورد بجانب أكرم الذي جاء لأخذها خوفاً عليها:
- خوفت عليكي، قولت أجي أجيبك وأصالحك من طريقة كلامي معاكي امبارح.
فأبتسمت ورد لطيبة أكرم.
- مين ده اللي كان واقف معاكي يا ورد؟
فأخبرته ورد بهويته، إلى أن أخبرها بحب أخوي قد شعرت به:
- خلي بالك من نفسك يا ورد، لو احتاجتيني هتلاقيني ديما جنبك.
فارتسمت السعادة على شفتي ورد وحركت رأسها بحب.
جلست مهرة في محل البقالة تنفخ في أظافرها بظفر متذكرة ما فعلته في المطعم، فقد أخبرتهم بوضع شطة حارقة بالطعام:
- نفسي أشوف منظره دلوقتي.
ووضعت ساقاً فوق الأخرى وأخذت تهز قدميها:
- بكرة مش بعيد.
أما جاسم كانت عيناه تشع غضباً وهو ينظر لضيوفه وهم يتمتمون بحنق عن الطعام ويرتشفون الماء.
وصدح صوته بغضب على ياسر بأن يتصرف بهذا الأمر ويحله.
وبالفعل تصرف ياسر سريعاً معتذراً أنها غلطة أحد العمال، وتم تقديم طعام لهم آخر مشهور لدى دولتهم وقد نال استحسانهم وهم يرون إتقان صنع طعامهم.
كانت سهرة طويلة لجاسم، فقد رافقهم أيضاً في نزهة نيلية على يخته.
وانقضى اليوم، ليقترب ياسر من جاسم مخبراً إياه عن هوية من فعل تلك الفعلة.
رواية لحن الحياة الفصل الثامن 8 - بقلم سهام صادق
تأملتها مني مبتسمة وهي تراها تمسك إحدى قطع الشوكولاتة تأكلها بمتعة. كل يوم أصبحت تكتشف فيها شيئًا مختلفًا يذهلها.
رفعت مهرة عينيها نحوها تشير إليها إذا أرادت.
فابتسمت مني وهي تعود لعملها:
- أنا عاملة حمية غذائية.
ثم تساءلت وهي تطالع بعض الملفات:
- اللي يشوفك النهاردة ما يشوفكيش امبارح.
فابتسمت مهرة وهي تأكل آخر قطعة. واسترخت بعد أن انتهى مذاق طعمها في فمها:
- هو ده حال الدنيا، يوم نزعل ويوم نبسط.
فضحكت مني على تعبيرها. لتضحك مهرة وهي تعلم حقيقة اننبساطها وتغير مزاجها.
وانشغلت كل منهما بعملها، إلى أن أردف جاسم لداخل المكتب مطالعًا مهرة بوجه محتقن. ثم نظر إلى مني التي وقفت تحمل بعض الملفات كي تتبعه:
- صباح الخير يا مني.
لتجيب مني على تحيته كالمعتاد.
وأختلست مهرة النظرات إليهم هاتفة داخلها:
- وأنا إيه هوا، ما فيش صباح الخير.
وأندمجت في مطالعة الحاسوب، تنقر بالموس على أي شيء إلى أن ينصرف.
وشعرت بأقتراب خطواته منها. ورفعت عينيها خلسة نحوه لتجده يحدق بها بجمود. وبدأت رائحة عطره تغزو رئتيها. لتبتلع ريقها بتوتر وهي متيقنة أنه علم بهوية الفاعل.
وأنحنى نحوها، لترتبك هي أكثر إلى أن أعتدل في وقفته.
كانت مني تتابعهم بعينيها دون فهم.
- عشاء العمل بتاع امبارح يا مني يتخصم من مرتب الأنسة مهرة.
وتابع وهو يسير نحو غرفته:
- اتصلي بشئون العاملين عرفيهم، كلامي يتنفذ مفهوم.
لتتسع عين مهرة وكذلك مني التي لم تفهم سبب لهذا القرار العجيب.
فتنهض مهرة من فوق مقعدها، متسائلة:
- وهيتخصم مني كام بقي؟
فنظرت مني إلى هيئتها ضاحكة وأخبرتها بجدية عن ثمن ذلك العشاء. لتفتح مهرة عينيها على وسعهما:
- ده تمن شهرين شغل.
وتابعت وهي تتجه نحو غرفته حانقة:
- هو فاكر نفسه مين، أنا مش هشتغل ببلاش ومش هدفع حاجة.
وأردفت لغرفة مكتبه دون أن تطرق الباب. لتجده واقفًا في منتصف الغرفة يعبث بهاتفه باحثًا عن رقم ما.
وألتف نحوها بغضب:
- انتي فاكرة نفسك فين؟
وتابع وهو يشير إليها نحو الباب:
- بره، ولا أعيد تاني.
ليحتقن وجه مهرة وهي تتقدم منه:
- الخصم هيتلغي، وأنا مش هدفع تمن عشا ضيوف جنابك.
لتتجمد ملامح جاسم وهو يطالعها بتفحص:
- قراري هيتنفذ، هتدفعي تمن اللي عملتيه امبارح.
لاء وكمان هتقابلي المستثمرين وتفسحيهم في شوارع القاهرة.
وتابع بتهكم:
- أصلهم عايزين يشوفوا حياتنا العادية، وانتي أنسب واحدة للمهمة دي بما إنك عايشة في السيدة زينب.
لتبتسم مهرة وهي تمرر له سخريته. وطالعته كيف يقف بشموخ. وأعتدلت في وقفتها كي تصبح مثله:
- ومش خايف أكسفك معاهم تاني؟
فلمعت عين جاسم بقسوة وهو يرفع أصبعه بتحذير:
- حذاري يا مهرة تعملي تصرف ما يعجبنيش.
وتابع وهو ينظر لهاتفه الذي بدأ يدق:
- اللعب معايا فيه خسارة، وانتي جربتي قبل كده.
وأبتسم بسخرية قبل أن يشير إليها بالانصراف:
- ياحضرت الأفوكاتو.
.....................................................................
أرتشفت ورد من كأس العصير الذي أمامها وهي تتأمل تفاصيل البهو الواسع الخاص بالفندق. فمنذ وصولها من ساعة وهي تجلس تنتظر جواد الذي خرج في نزهة مع السيد كنان كما أخبرها معاذ. واليوم علمت من معاذ صحة ما سمعته أمس بأن كنان خال جواد وليس والده.
ونظرت في ساعة يدها ذات اللون الطفولي بتنهد. إلى أن وجدت صوت جواد يعلو ويمسك بيد خاله ويقفز بسعادة. فأبتسمت لهيئة الصغير الحماسية في كل شيء يفعله.
ووضعت كأس العصير على المنضدة التي أمامها. ووقفت تهندم فستانها البسيط، منتظرة أن يلمحها جواد.
وبالفعل قد رآها الصغير وتقدم نحوها مهللاً بحماس:
- ورد.
وأشار لها بأصبعه أن تنحني نحوه. لتفعل ورد ذلك بحب. لتجده يهمس بأذنها:
- لقد أكلت فول اليوم.
لتضحك ورد على كلماته التي لها متعة خاصة. وهمست مثله:
- وأنا أيضًا.
ليرفع جواد حاجبيه بطفولة:
- هل صنعت لكِ شقيقتك طعام مثل أمس؟
لتحرك ورد رأسها بنعم. لتتسع عين الصغير متسائلاً:
- ماذا صنعت؟
كان كنان يقف يتابعهم بعينيه ولا يعلم بما يتهامسون فيه، ولكنه شعر بالراحة لأندماج جواد مع ورد. فأعماله ستبدأ تتراكم ولن يصبح متفرغًا للصغير.
وسمع ضحكات جواد وهو يمسك يد ورد:
- هيا بنا لبيت الوسائد خاصتنا.
قالها بطفولة، جعلت ورد تضحك من قلبها:
- سنلعب لعبة السنافر.
وسارت ورد معه بعد أن ألتقطت عيناها بعين كنان. فأشاحت وجهها سريعًا.
ليقترب معاذ من كنان متسائلاً:
- ما رأيك بها سيد كنان؟
لتظل نظرات كنان على ورد جامدة:
- مازالت تحت الاختبار يا معاذ.
وأنصرف وطيف ضحكتها يقتحم مخيلته.
.........................................................................
جلس أكرم بجانب والدته يخبرها عن واجب ذهابها لمهرة وشكرها عما فعلته لشقيقه كرم.
فأمتعض وجه والدته وهي ترتشف من كأس الشاي:
- لاء وقولي كمان نعزمها ونجبلها هدية.
فنظر أكرم إليها:
- وفيها إيه يا ماما، من حقهم علينا حاجات أكتر من كده.
ليزداد حنق والدته والتي هتفت بعلو صوتها:
- يا عزيز تعالا شوف ابنك عايز إيه.
ومصمصت شفتيها بضيق، وهي تضرب فخذيها بكفوفها.
- في إيه مالك يا سهير؟
واقترب من زوجته يجلس جانبها يطالع ابنه متسائلاً:
- زعلت أمك في إيه يا أكرم؟
ليزفر أكرم أنفاسه بقوة منتظرًا رد والدته:
- ابنك عايز يركبني جميله مع بنت زينب، ويقولي أروح أشكرها.
وتابعت وهي تنظر لزوجها:
- هو كرم ده مش أخوها، ولا إيه يا حج؟
فنظر إليها عزيز بأرتباك. ثم رفع عيناه على أكرم الذي نظر إليه بأسف. فالكلمة الأخيرة كالمعتاد وكما اعتادوا أيضًا لوالدتهم:
- اللي أمك تشوفه يا أكرم أحنا هنعمله.
ليتهلل أسارير سهير. وأرتشفت آخر رشفة من كأس الشاي وهي تنظر لابنها:
- عشان خاطرك أنت بس يا أكرم هروح أنا وأبوك ليهم. ثم تابعت بمكر:
- لتفتكر إن أمك وحشة يا حبيبي.
وتمسكنت في جعل صوتها يبدو ضعيف:
- طول عمري طيبة وقلبي حنين، ولا انت إيه رأيك يا عزيز؟
لينظر إليها عزيز بخنوع ثم ينقل نظراته إلى أكرم الذي تمنى داخله أن يرى والده يومًا يخالف والدته الرأي. ولكن الإجابة كانت كالعادة:
- طبعًا يا أم الولاد.
لتبتسم سهير بزهو وهي تربت على كتف زوجها.
...................................................................
ودعت ورد جواد الذي بدأ يتعلق بها ونظرت إلى ساعتها بأمل أن تجد مواصلة على الطريق في ذلك الوقت. وعندما وصلت لبهو الفندق هتف معاذ باسمها:
- أنسة ورد.
لتلتف إليه بابتسامة هادئة. فأقترب منها معاذ مبتسما:
- في عربية هتوصلك لداخل المدينة عند أقرب موقف للمواصلات.
فأتسعت عين ورد دون تصديق. فأمر العودة قد حل وتنفست براحة:
- شكراً يا أستاذ معاذ، حضرتك متعرفش حلتلي مشكلة الرجوع إزاي.
فأبتسم معاذ وهو يتذكر أوامر كنان صباحًا. بتوفير لها سيارة وسائق.
وقادها نحو الخارج. لتجد السيارة تنتظرها وسائق بعمر والدها يقف أمام السيارة. فزاد ذلك من راحتها أكثر.
وأردفت داخل السيارة في المقعد الأمامي وتنهدت.
وأسترخت في جلستها وصوت مذياع السيارة يعلو بالقرآن الكريم.
..........................................................................
وقفت تنظر إليه خلسة وهو يلاعب الصغيرين بسعادة ويدغدغهم بلحيته على أوجههم والصغيران يبتسمان وكأنهم يشعران بحب والدهم.
فرفع كريم عينيه نحوها بصمت ثم عاد للهو مع صغيريه. لتتذكر مرام آخر حديث دار بينها وبين مهرة منذ أيام:
"لو بتحبيه يا مرام كملي حياتك معاه واتخطي الماضي مدام اتغير، الغلطة كانت غلطتكم انتوا الاتنين."
وزفرت أنفاسها بألم. فكلما تذكرت تفاصيل زواجها منه وكيف أرغمته على زواجها. تستيقظ جروحها.
........................................................................
عادت ورد من عملها تبتسم على كل أفعالها مع جواد وألتقطت عيناها بآخر شخص تتمنى رؤيته.
- أزيك يا ورد؟
فنظرت إليه ورد طويلًا إلى أن وجدت والدته تخرج من منزلها متأنقة:
- يلا يا ماجد يا ابني.
وحدقت بورد الواقفة أمام ابنها وأقتربت منها قائلة بلؤم:
- ازيك يا ورد يا حبيبتي.
وأكملت وهي ترسم ابتسامة واسعة على شفتيها:
- مش تباركي لماجد؟
وتابعت وهي ترى نظرات ورد نحو ابنها الذي وقف يداعب شعره بيده التي تحمل دبلة زواجه:
- مراته حامل.
فقتلت الكلمة ابتسامتها. لتجد عين من كانت يومًا أم خطيبها تتفرسها بملامح ثاقبة.
- مبروك.
تعلثمت في نطق حروف كلمتها كما تعلثمت خطواتها وهي تسير مبتعدة عنهم نحو بنايتها. ثم ركضت لداخل شقتهم تداري آلامها ودموعها تتساقط. لتجد مهرة أمامها تحدق بها بفزع ودون كلام فتحت لها ذراعيها.
......................................................................
أردفت مهرة لداخل الشركة وهي تعدل من الكاب الذي ترتديه. لتنظر إليها مني ضاحكة:
- انتي طالعة رحلة ولا إيه يا مهرة؟
فطالعت مهرة غرفة مكتب جاسم حانقة:
- حاجة زي كده.
لتبتسم مني. ورن هاتف مكتبها وبعد أن أخذت الأوامر من جاسم. أشارت لها بصمت أن تردف له.
فتقدمت مهرة من غرفة مكتبه وأردفت دون أن تطرق الباب.
ليرفع جاسم عينيه عن مطالعة الأوراق التي أمامه:
- في حاجة اسمها أستأذن.
لتنظر مهرة حولها ببرود:
- أظن أنك طلبتني، فمش محتاجة أستأذن.
ليحتقن وجه وهو يزفر أنفاسه بحنق:
- العربية اللي هتوصلك الفندق جاهزة وهيكون معاكي مترجم. وأي تصرف يا مهرة.
وقبل أن يكمل باقي عباراته:
- مبحبش حد يسمعني الكلام مرتين. المرة التالتة بقى لو قولت تهديدك، هعمل اللي أنت خايف منه.
ولمعت عيناها بتحدي. ليهتف هو بجمود:
- اتفضلي يلا، وياريت الناس تتبسط.
فضحكت وهي تلتف بجسدها متجهة نحو الخارج:
- متقلقش، ده أنا هبهرك.
لتتسع عين جاسم من كلمتها الأخيرة:
- أبهرك؟ ربنا يستر.
.......................................................................
كانت تتجول وسطهم في شوارع القاهرة وهي تخبرهم عن كل شيء.
وشعرت بتخدر قدميها وتمتمت:
- هما مبيتعبوش زينا ليه؟
ونظرت إلى أعينهم المتحمسة لكل شيء يسمعوه منها.
وجاء أحدهم يسألها عن أحد المساجد الأثرية، وذلك بعد أن ترجم لها المترجم محتوى الكلمات، فالشركاء الجدد كانوا إيطاليين.
لتحدق مهرة بالرجل الذي ينتظر إجابتها. ثم المترجم:
- ماتقول أي معلومة يا أستاذ معتز، ولا أنت أبيض؟
وكالعادة رد معتز منذ أن بدأوا الجولة:
- الثقافة عندي بعافية حبتين يا أستاذة مهرة.
لتحدق به مهرة بحنق:
- لأ دي مش بعافية، بس دي ماتت وأتدفنت.
لينظر إليها معتز متسائلاً:
- هي مين اللي ماتت؟
وضحك وهو يجدها تبعده عن طريقها:
- ثقافتك يا أستاذ معتز.
وبدأ الرجل يسأل مجددًا هو ورفقاؤه الآخرون، فقد كان عددهم ثلاثة:
- يا أستاذة مهرة قولي أي معلومة... اكدبي ياستي في معلوماتك التاريخية.
لتتسع عيناها وهي تفكر في بعض الحكايات التي أتت بها من حصيلتها التاريخية. وبدأت تدمج المعلومات التي لا ترتبط ببعضها وسرحت فيما تقوله.
ليحدق بها معتز وهو يكاد ينفجر من الضحك.
وأعين المستثمرين تلمع بذهول مما يسمعوه وكل ما كان ينطقوه:
"يالها من حضارة عظيمة".
وأخيرًا انتهت الجولة، وكان في نهايتها لابد من حسن الضيافة، وحسن الضيافة لا يكون إلا بعشاء فاخر كما أخبرها معتز.
ووقف معتز مذهولاً من المكان الذي أصطحبتهم إليه:
- إيه ده يا أستاذة مهرة... هناكل الإيطاليين كشري؟
لتتقدم مهرة من المكان بفخر:
- وماله الكشري يا أستاذ معتز.
ونظرت إلى المستثمرين وهم يحدقون بالمكان:
- قولهم يجوا ورايا... وأنت كمان.
وحجزت طاولة لهم. وهي تحذر صاحب المكان:
- دول سياح، أوعى تفضحنا يا معلم.
ليقف صاحب المحل مرحبًا بهم:
- أهلاً أهلاً... لأ يا أستاذة ده إحنا عنينا لمصر والسياحة.
ونادى على أحد عماله:
- واد يا زيكو أحلى كشري ينزل على طربيزة الأستاذة وأتوصى بالشطة.
لتهتف مهرة بسرعة:
- بلاش شطة.
وبدأ المستثمرون يأكلون بتلذذ ويتساءلون عن مكونات الطبق الذي أمامهم، ومعتز يأكل ويجيب عليهم.
ومهرة مندمجة في طبقها.
ورن هاتفها فجأة.
لتخرجه من حقيبتها الصغيرة المعلقة على أحد كتفيها.
ونظرت لرقم المتصل غير المسجل لديها.
فتركت هاتفها على المنضدة وأكملت تناول طبقها.
ولكن هاتفها عاد لرنينه مجددًا.
لينظر إليها معتز:
- خير يا آنسة مهرة.
لتفتح مهرة الخط وهي تشير لمعتز بأن ينتظر لتري من يهاتفها.
وأتسعت عيناها وهي تسمع صوت جاسم الغاضب:
- انتي فين؟
ليهتز الهاتف من يدها هاتفه داخلها:
"حتى التليفون اتفزع من صوتك".
ونظرت أمامها على الطاولة وهي تحدق بالمستثمرين وهم يأكلون:
- إحنا بنتعشى.
فسألها جاسم بضيق:
- وبتتعشوا في أنهي مطعم يا أستاذة؟
لترفع مهرة عيناها نحو يافتة المحل البسيط:
- مطعم كده وخلاص.
وتابعت قبل أن تغلق الهاتف بوجهه:
- سلام يا جاسم بيه عشان مش فاضية.
كان معتز يستمع إلى المكالمة غير مصدق بما تفوهت به مع صاحب الشركة.
ووجد معتز فجأة أحد المستثمرين يهتف باسم مهرة يشكرها بعربية ركيكة على كل شيء وعن سعادتهم بهذا اليوم.
لتسترخي مهرة بجلستها وهي تضع ساق فوق الأخرى مبتسمة ببلاهة.
رواية لحن الحياة الفصل التاسع 9 - بقلم سهام صادق
ألقى هاتفه بعنف على الطاولة التي أمامه، وعينا ياسر تطالعه بفضول.
- قالت لك هي فين.
ليزفر جاسم أنفاسه بقوة.
- ليلتها سودا، بكرة معايا... أنا تقفل في وشي التليفون.
وأخذ يفرك عنقه بغضب. ليكتم ياسر صوت ضحكاته بصعوبة.
عادت مهرة من جولتها بأرجل منهكة، وقد خلعت حذائها قبل أن تصعد الدرج.
لتجد والدة مرام تخرج من شقتهم وورد تتبعها.
- كويس إنك جيتي يا مهرة، يلا عشان نتعشا سوا.
لتنظر مهرة لهم بأرهاق.
- اتعشيت قبل ما أجي يا أبلة صفاء.. أنا دلوقتي بحلم بالسرير.
فضحكت صفاء وهي تربت على ذراعها بحنان.
- ربنا يعينك يا بنتي.
لتشفق ورد على شقيقتها وكادت أن تعتذر من صعودها لأعلى.
- روحي إنتي يا ورد.. وسلمولي على أستاذ عادل.
وتابعت مبتسمة.
- وحشتني القعدة معاه.. يوم إجازتي هطلع ألعب معاه طاولة.
لتبتسم صفاء وهي تخبرها أنهم ينتظرونها في أي وقت.
وأردفت مهرة لداخل الشقة، راكضة نحو المرحاض.
أنهت ورد سهرتها مع والدي مرام، وذهبت لغرفة مهرة تطمئن عليها، لتجدها غارقة في النوم.
فذهبت لغرفتها ونظرت إلى المال الذي أعطاها لها والدها وزوجته اليوم عندما جاءوا يسألون عن مهرة.
فوالدها لم يكلف نفسه ويسأل عنها وكأنها ليست ابنته. واتجهت نحو فراشها تتسطح عليه.
وقد قررت أن تخبر مهرة بمجيئه في الصباح.
نظرت مهرة إلى المال الذي تضعه أمامها ورد قبل أن ترحل إلى عملها.
- إيه ده يا ورد؟
لتنظر ورد لشقيقتها وهي تزفر أنفاسها بألم.
- بابا ومراته امبارح كانوا هنا وسألوا عنك وسابوا الفلوس دي.
لتنظر مهرة للمال باستنكار، ثم وضعته بيد شقيقتها.
- اشتري بيه لبس ليكي يا حبيبتي.. فساتينك قدمت وبقيتي محتاجة لهدوم جديدة عشان مظهرك في الشغل.
وكادت أن تهتف ورد وتخبرها أن هي التي بحاجة لملابس جديدة، ولكن نظرت مهرة القاتمة جعلتها تصمت.
ذهبت مهرة للعمل بحنق وهي تتذكر المال الذي بالتأكيد مقابل تضحيتها بسنة من عمرها تعمل وكأنها خادمة لجاسم الشرقاوي.
وتقدمت من مكتبها دون أن تطالع منى أو تلقي عليها أي كلمة. لتتعجب منى من أحوالها، ولكن عادت إلى
ما كانت تطالعه.
وفجأة وجدت جاسم يخرج من غرفة مكتبه حانقًا.
- مهرة!
فنظرت إليه بعبوس متمتمة بصوت قد سمعته منى وسمعه هو.
- مش وقتك خالص.
ونهضت من فوق مقعدها، تتبعه إلى أن وقف في منتصف الغرفة.
- بتأكلي المستثمرين كشري؟
أنتهى الصغير من نطق أحد الكلمات بالعربية، لتضحك ورد على طريقة نطقه. ليقفز على أحد الوسائد بفرح، وفي تلك اللحظة أردف كنان ونظر إليهم بصمت، ثم اتجه لغرفته التي يحتويها الجناح الواسع وكان يبدو عليه الإرهاق.
فنظر جواد إلى ورد وهو يضع يده على فمه.
- هنلعب بعد أن يخرج.
لتضحك ورد هامسة.
- اتفقنا.
ومر الوقت وقد نسوا وجود كنان بغرفته، وجاء وقت طعام الغداء ليتناولوه سويا، وورد سعيدة من متعتها مع جواد الذي يسبق عقله سنوات عمره الخمس.
وبعد مدة كانوا يجلسون يلعبون لعبة لحل الألغاز.
ليمل جواد من تلك اللعبة ويقف يضع بيديه الصغيرة على خصره.
- هيا نلعب لعبة أخرى يا ورد.
فابتسمت ورد وهي تزيل لعبة الألغاز من أمامها.
- اختار أنت تلك المرة.
فداعب الصغير ذقنه مفكرًا.
- وجدتها!
كانت ورد تجلس أرضًا حتى تكون بمستواه وهو يعصب لها عينيها.
- سوف أطرق لك بأصابعي لتتبعي مكان وجودي، اتفقنا؟
فحركت ورد رأسها ضاحكة، وأتبعت طرقعة أصابعه، وكلما اقتربت من مصدر الصوت كانت تجد نفسها تحتضن الهواء.
وفتح جواد غرفة خاله فوجده مسطحًا بالعرض على الفراش نائمًا بعمق بسبب إرهاقه. وركض نحو الشرفة مختبئًا خلف
الستار ومازالت أصابعه تطرق، ولكن بصوت خفيض.
- جواد أين أنت؟
كانت تتقدم بخطواتها داخل الغرفة إلى أن وقفت في منتصفها تستمع لصوت الطرقعة حتى تحدد اتجاه خطواتها.
وأصبحت تتقدم باتجاه الفراش ولا تدري بأن خطواتها اقتربت.
رواية لحن الحياة الفصل العاشر 10 - بقلم سهام صادق
وقفت أمامه بزهو وهي تتباطئ في خطواتها وأقتربت من أحد المقاعد تجلس عليه كي تسترخي من أرهاقها المفعم بالفخر. وأخذت تطالعه وهو يدقق بعض الأوراق التي أمامه منتظره منه أن يبدأ الحديث.
ففور أن وصلت من المصنع أخبرتها مني أنه يريدها.
ليرفع جاسم وجهه عن الأوراق التي أمامه:
- أنا أذنت لكِ تقعدي.
لتعتدل مهرة في جلستها بعد أن أحرجها بعباراته الفظة:
- لأ، ما أذنتيش.
ثم تابعت بعلياء:
- أظن بعد المجهود الجبار اللي عملته، تجيب لي عصير وتديني إجازة يومين كده.
وسرحت بخيالها قليلا:
- ويا سلام لو تحجز لي في الساحل.
وشهقت بفزع وقد أخرجها من طور أحلامها. فقد تخيلت البحر والهواء ولكن:
- أنا لو أطول أنفيكِ لهنفيكِ وأرتاح منكِ.
ونهض من فوق مقعده وأقترب منها:
- انتي إيه اللي هببتيه ده؟
فرفعت عيناها نحوه:
- بدل ما تشكرني إني حليت لك المشكلة والعمال فضلوا يدعوا لك، أنا قولت خيراً تعمل شر تلاقي.
وأبتعدت بجسدها بخوف بعدما مال عليها، وألتصقت بظهر المقعد:
- أنت مقرب مني كده ليه؟
وتابعت بقلق:
- يا مدام مني.
فمال نحوها أكثر وقد أرتكز بكفيه على مقعدها. وأصبحت عيناه كالشرر:
- حد أذن لكِ تاخذي قرارات من غير ما ترجعي لي؟
لتبتلع مهرة ريقها بتوتر وهي تحدق به. ثم حركت رأسها:
- أيوه.
وصم صراخه أذنيها، لتدفعه بعيداً عنها:
- أنت قلت لي أحُل المشكلة، وأنا حلتها من وجهة نظري.
وتابعت وهي تنهض من فوق المقعد، وأخذت تمسح وجهها المتعرق:
- مش ذنبي إني مش بيزنس ومن وبدور على مصلحتي زيكم.
لتجده يطالعها بنظرات ثاقبة وقد هدأت وتيرة غضبه قليلا، فمن متى وهو يحل مشاكله هكذا؟ ولكن معها كل شيء يأتي بالعكس.
وبدأت تسرد له مشاكل العمال وكل ما يحدث. إلى أن تنفست براحة:
- تقدر تطردني، زي ما تقدر تلغي القرار.
وألقت عليه نظرة أخيرة فقد وقف معطياً لها ظهره دون كلمة:
- ابقي شوف مشاكل عمالك، قبل ما تقعد تحت التكييف وفي مكتب مساحته مساحة الشقة.
وقبل أن تخطو لخارج الغرفة هتفت ساخرة:
- قرفتونا بفلوسكم.
لتتسع عين جاسم بعد أن سمع سبابها، وألتف سريعا نحوها ولكنها أغلقت الباب بوجهه.
ليضم قبضتي يديه بقوة محتقن الوجه:
- ماشي يا مهرة.
نظرت مني لمهرة بفزع بعد أن وجدتها تندفع من غرفته بتلك الحالة، ثم أقتربت من مكتبها لتأخذ حقيبتها وخرجت. وكان من نصيبها أن تنصدم بأحد الموظفين الذي وقف يطالعها وهو يتساءل:
- مالها دي؟
عادت من عملها شاردة في تلك الدوامة التي دخلتها بقدميها. لتتقدم من محل البقالة وقد كان شيكا جالس أمام المحل يتفحص أحد الجرائد. وعندما رآها طوى الجريدة سريعا ونهض من فوق مقعده:
- جيتي بدري النهاردة يا أستاذة.
لتهتف مهرة بفتور:
- هات لي الكرسي اللي جوه ده يا شيكا وتعالى كمل قراية.
ليفعل شيكا ما أرادت وجلس يكمل قراءة الجريدة بصعوبة، فهو لم يكمل تعليمه بعد الابتدائية.
وألتقطت مهرة أحد أكياس الحلوي تأكل منها وهي تضغط على الكيس بعنف. إلى أن أنهته لتأخذ آخر.
وكيس أصبح يليه كيس وكلما أنهت واحد نفخته بأنفاسها ثم طرقعته بغل.
لينتبه شيكا لما تفعله بقلق:
- مالك يا أستاذة؟ مين بس اللي زعلك؟
لتحدق به مهرة بجمود وهي تتخيل جاسم أمامها. ومن سوء حظ شيكا كانت صورة جاسم مطبوعة بالجريدة ولم تراها إلا بعد أن أخذ شيكا يتصفح الجريدة.
لتلتقط مهرة منه الجريدة بعنف وتقرأ ما كتب عن جاسم ومشروعه القادم ودعمه للشباب:
- قال جاسم الشرقاوي قال.
ومزقت صورته وهي تنظر لشيكا الذي أخذ يطالعها بذهول:
- سيرة وشكل الراجل ده بتعصبني.
ونهضت من فوق مقعدها، ملتقطة عدد من الجرائد التي يجلبوها في المحل:
- الطبعة دي فيها صورته مش كده؟
ليحرك شيكا رأسه. إلى أن وجدها تشير نحو الجرائد:
- صورته تتعمل قراطيس لب، ولا أقول لك يتحط عليها طعمية عم فلفل.
ليقف شيكا متسع العينين إلى أن وجدها تسير من أمامه حانقة تضرب الأرض بحذائها الرياضي.
لأول مرة تشاركه حفل من الحفلات التي ينضم إليها.
كانت تقف بينهم تشعر وكأنها غريبة عنهم. وسرحت في المكان إلى أن وجدت كريم يحوط خصرها بحب يعرفها على البعض. لا تنكر أن كريم قد تغير معها، ولكن التغير كان من أجل أطفاله. وتذكرت صغيريها بشوق وقلق على وجودهم مع مربية كانت ترفض وجودها ولكن الضرورة قد حكمت.
وظهرت إحداهن تتباطأ في خطواتها وكل نظراتها تتفحص ذلك الواقف بجانب زوجته الشاردة يضمها لصدره.
لتهمس لمن يقف جانبها:
- شكله مش غريب عليا.
ليبتسم الرجل وهو يطالع سيدته:
- كريم الشرقاوي أخو جاسم الشرقاوي.
لتتفحصه بأعين راغبة. فمن يعجب مشيرة الشناوي لا بد أن يكون لها.
جلست ورد بأرتباك بجانب مهرة التي أندمجت مع أحد المسلسلات الدرامية وأخذت تبكي وكأن لديها واجب عزاء. لتنظر إليها ورد بتأفف من إلقائها المناديل الورقية عليها.
وتنحنحت بحرج:
- مهرة.
لتكمل مهرة المسلسل بأندماج:
- عايزة إيه يا ورد؟ قاعدتك دي فيها حاجة؟
لتبتسم ورد على فهم شقيقتها لها:
- من غير لف ودوران سيد كنان عزمني معاه هو وجواد على فسحة.
لتترك مهرة علبة المناديل جانبا وتلتف نحوها تطالعها:
- ويفسحك بمناسبة إيه يا بنت زينب؟
فأرتبكت ورد وهي تنظر في عين شقيقتها ثم أخذت تسرد لها سبب وجودها معهم:
- دي من مهام وظيفتي.
لتتأفف مهرة بحنق:
- أنا الشغلانة دي مكنتش داخلة دماغي. قال جليسة أطفال.
روحي ربي نفسك الأول.
لتضحك ورد بعلو صوتها، فشقيقتها اليوم بغير طبيعتها.
وقبل أن تسألها ورد عن مابها، كان صوت حمادة صبي الحج إسماعيل يعلو بصياح:
- يا أستاذة مهرة، يا أستاذة.
لتنظر مهرة لشقيقتها:
- أنا قولت اليوم ده باين من أوله.
وذهبت نحو الشرفة تحت نظرات ورد:
- شيكا اتقبض عليه في القسم في خناقة.
لتلتف مهرة نحو شقيقتها بحنق:
- شايفه الليلة باظت.
فطالعتها ورد وهي تتجه نحو غرفتها. ثم أنفجرت ضاحكة.
كان جاسم جالس في مكتبه يفكر في كل ما أخبرته به مهرة. فرغم حنقه منها ومن أفعالها إلا أنه لن يترك الأمر وسيفهمه. ليعلو رنين هاتفه.
فلم تكن إلا رفيف التي أصبحت تغزو عقله في الآوان الأخيره. فيبدو أن الرجل حين يرغب بالمرأة يرغب بمن يجدها الجزء الجميل الناعم بحياته.
جلست على مقعدها بأسترخاء ثم فتحت صفحات الجريدة التي جلبتها اليوم معها. فاليوم قررت ألا تعمل.
لتسألها مني بأبتسامة هادئه:
- خلصتي شغلك مع الأستاذ مسعود؟
لتحرك مهرة رأسها بصمت. فحدقت بها مني للحظات ثم أكملت عملها.
فيخرج جاسم من غرفته، ناظرا إليها ثم نظر إلى ساعته:
- تأخير ساعتين.
لترفع مهرة عيناها نحوه:
- ساعتين ونص وتلت دقايق وثانيتين.
فلم يجد جاسم ما يقوله. فلو تحدث الآن سليفظ ألفاظ لم يلفظها من قبل.
كانت مني تتابع عملها وهي تكتم صوت ضحكاتها.
ليقترب جاسم منها وأخذ الجريدة من يدها:
- مش وقت ثقافة دلوقتي.
وتابع وهو يخطو نحو الخارج:
- حصليني عشان هنروح المصنع نشوف العمال.
لتتسع عين مهرة بغير تصديق وحملت حقيبتها وركضت خلفه.
لتنظر مني نحوها وهي تبتسم.
وقفت ورد تتأمل مدينة الألعاب بأنبهار. فلا تتذكر أنها حصلت يوماً على نزهة هكذا. كانت جميع نزهاتها كأي أسرة بسيطة تقضي نزهتها في الحدائق العامة. وكلما كبرت هي وشقيقتها مع مرض والدتهم رحمها الله وقلة المال الذي يبعثه لهم والدهم.
كانت المسؤولية تثقل عليهم فأصبحت حياتهم تدور في كسب لقمة العيش.
ليتأملها كنان بعد أن وضع جواد في أحد الألعاب وأطمئن عليه. وأقترب منها:
- لأول مرة تأتي لهنا يا ورد.
فحركت رأسها كالأطفال وهي تنظر حولها بأستمتاع.
ليبتسم كنان على هيئتها:
- هل من حدثتك في الهاتف منذ قليل شقيقتك؟
لتنتبه ورد لسؤاله:
- نعم، شقيقتي مهرة.
فتعجب كنان من الاسم قليلا ثم صمت وهو يتابع جواد الذي يمرح.
ووجد ورد تبتعد عنه، فتابعها بعينيه.
ليجدها تجلب أحد الألعاب التي تمثل شكل زهرة عباد الشمس.
وعادت إليه وعلي وجهها ابتسامة سعيدة.
وما كان منه إلا أن أبتسم. لينهي جواد لعبته ويركض نحوهم مطالباً بصعود لعبة أخرى ولكن معهم.
وقد تم ما أصر عليه الصغير رغم خجل ورد وعدم رضى كنان. ولكن مع جواد يتغير كل شيء.
وصعدوا لأحد الألعاب العائلية. وجواد يخفي رأسه في حضن كنان مستمتعاً. أما ورد كانت تجلس مرتبكة خائفة:
- خالو التقط لنا صورة هيا هيا.
ليضحك كنان وهو يقبله على رأسه. ونفذ له ما طلب بكل سرور.
حاولت ورد الأبتعاد عن الصورة وقد ظنت أنه لم يلتقطها ولكن كنان ألتقطها معهم. متأملاً أرتباكها.
وعيناها الهاربة منه.
تفاجأ جاسم بتجمع العمال مرة أخرى. ولكن هذه المرة يطالبوا بتنفيذ ما قالته مهرة.
كل شيء كان يأتي إليه في مكتبه بصورة مجملة. ولكن اليوم اكتشف الفساد الذي يعانيه هذا المصنع.
وعندما أنتبه السيد شوقي لوجوده، تبدلت ملامحه. فجاسم يخبره دوما بقدومه قبل أن يأتي. ولكن اليوم لم يظن أنه سيأتي. وانصدم من وجود مهرة التي كانت تتبعه.
وأرتبك عندما وجد نظرات جاسم الجامدة نحوه.
وصفق جاسم بيديه بقوة من أجل أن ينتبه إليه البعض.
ليصبح بعدها المكان ساحة ضخمة من العمال وقد أخذوا يخبروه بكل شيء غير خائفين:
- القرار اللي اتخذ امبارح مظبوط واتمضي عليه.
وتابع بصوت قوي:
- المصنع ده مصنعكم انتوا بتعبكم. وبعتذر من كل شخص فيكم على اللي حصل. رغم أني كنت فاكر إن كل حاجة ماشية تمام.
وأخذ ينظر إلى شوقي بجمود ولأعوانه.
ليتهلل أسارير العمال. وتقف مهرة متعجبة من طريقة سيطرته وإقناعه. ففي لحظة أصبح العمال ملتفون حوله بحب.
"هاتفين بأخلاصهم للمصنع وحبهم للعمل."
لتهمس وهي تطالعه:
"سبحان مغير الأحوال. امبارح كنت رافض قراري، النهارده واقف بتأيده."
وتابعت بفخر:
"عشان تعرف قراراتي ديما صح."
ليلتف نحوها جاسم وقد كانت خلفه مباشرة وقد سمع جملتها الأخيرة:
"هما هيتكفؤا، أما انتي هتتعقبي."
وتركها وانصرف نحو الأعلى حيث غرفة شوقي.
منذ فترة طويلة لم يشعر بتلك السعادة. سعادة خلقتها فرحة جواد وشعور آخر بدء يتغلل داخل قلبه. وكلما كان يلتف كان يجد ورد أمامه تضحك كالأطفال، تضع بيدها على فمها تكتم صوت ضحكتها.
وانقبض قلبه وهو يرى أحدهم يصدمها دون قصد لتتعرقل قدمها في طرف فستانها، لتجد نفسها تهوي على الأرض بيديها التي انجرحت.
ليقترب منها كنان بلهفة، جاثيا على ركبتيه أمامها:
"ورد هل انتي بخير؟"
وألتقط يديها لينظر إلى تلك الخدوش، وأخرج منديلا من سترته ليمسح الدماء البسيطة من على يديها.
كانت ورد تنظر إلى مايفعل كالمغيبة، إلى أن وجدته يهتف باسمها مجددا:
"تؤلمك.. هل نذهب للمشفي؟"
فأتسعت عيناها ونظرت حولها، وشهقت بفزع.
ليطالعها كنان متسائلا:
"مابكي ورد؟"
لتنهض من أمامه وتبتعد عنه بخجل، تحت نظراته المتعجبة. ولم يقطع تلك اللحظة إلا جواد الذي أنهى لعبه وركض نحوها.
أنهى نقاشه بحزم مع شوقي وأتباعه، وقد أخبرهم أن من سيمسك الإدارة شخص جديد.
كان شوقي يتبعه وهو يخبرها بحسن نواياه.
ونظر جاسم حوله يبحث عنها، ليجدها تجلس وسط بعض العمال تأكل معهم وتضحك، فقد كان وقت استراحتهم.
فوقف يطالعها وهو لأول مرة يراها هكذا، مهرة تضحك وجنتيها تصبح وردية، غمازتها اليمنى تظهر بوضوح.
شعور عجيب في تلك اللحظة بدء يسير داخله. وعندما رأته اختفت ضحكتها وعادت إلى الوجه الذي اعتاده، فضاع سحر تلك اللحظة.
وسار من أمامها بوجه جامد، بعد أن ألقى بتعليماته على شوقي وأن مهامه قد زالت.
لتضع مهرة كأس الماء الذي ترتشف منه، وشكرت العمال بلطافة وكأنهم أصبحوا أسرة واحدة.
وخطت بخطوات سريعة للخارج نحو السيارة.
لتجدها قد أوشكت على الحركة، لتهتف بحنق:
"أنت هتسبني في الصحرا ديه."
وتابعت وهي تضرب كفوفها ببعضهما ولكن بصوت خافت:
"يعملها أنا عارفاه."
وصعدت السيارة بجوار السائق تزفر أنفاسها بحنق:
"الواحد يقول هنمشي.. أي حاجة ولا أنا هوا."
ليميل جاسم بجسده نحوها:
"بالظبط انتي هوا شئ مش مرئي."
ليحتقن وجهها، ليعتدل هو في جلسته، ممسكا بهاتفه يتفحصه ببرود يجيده.
وعادت لوضعها تنفخ أنفاسها بقوه، إلى أن رن هاتفها:
"ايوه ياحماده.. مين ده اللي عايزني أرفعله قضيه؟"
وأسترخت في جلستها بزهو، وأخذت تعلو من نبرة صوتها:
"طب اديله ميعاد على بليل كده، أكون خلصت أعمالي المهمه."
كان جاسم يستمع لمحادثتها ساخرا، إلى أن أنهت المكالمة.
"هايل شغل الصبح وشغل بليل في الكشك الصغير اللي اسمه مكتب ده."
لتلتف نحوه مجددا بحنق:
"محدش طلب وجهة نظرك في مكان شغلي."
وأتسعت عين السائق وهو يتعجب من ردها وأستمتاع رئيسه بذلك، فقد رأى بعينيه نظراته حتى أنه تعجب.
ونظرت له بأحتقار، وعادت لوضعها تسبه.
فأبتسم بمتعة وهو يرى حنقها.
عادت ورد من عملها تنظر إلى خدوش يديها. ووجدت مهرة تجلس تنتظرها بقلق:
"اتأخرتي كده ليه ياورد؟"
فأبتسمت ورد وهي تتذكر تفاصيل اليوم، وتنهدت بسعاده جعلت مهرة تحدق بها بقوة.
ثم نهضت من مكانها، لتنظر ليديها:
"مالها ايدك ايه اللي حصل؟"
فأزالت ورد حجابها، وجلست على الأريكة بأسترخاء تقص عليها تفاصيل اليوم.
كانت تري السعاده بعين شقيقتها كلما تحدثت عن لطافة ذلك المدعو كنان معها.
وهذا مالم يسعدها، فورد دوما تبهر من لطافة الأشخاص كما كان ماجد يبهرها.
لتربت على ذراعها قائلة:
"طب قومي ناكل عشان جعانه."
ورفعت يداها وهي تتذكر جاسم:
"منك لله."
لتتسأل ورد بجوع رغم أن كنان قد أخذها هي وجواد لأحد المطاعم ولاحراجها لم تأكل إلا القليل:
"معقول مهرة عملت اكل؟"
ووضعت بيدها على بطنها:
"هناكل ايه؟"
لتذهب مهرة نحو المطبخ بصمت. ثم تعود بعلبتان من الكشري وترفعهم بزهو وهي تحرك أهدابها:
"كشري وجبه سريعة ومضمونة."
لتنفجر ورد ضاحكة وهي تنهض نحو غرفتها:
"ياريتني كنت أكلت مع جواد.. كان لازم الواحد يتكسف."
أخذ يجفف شعره بعد أن أنعش جسده بحمام دافئ.
وجلس على فراشه يتذكر تفاصيل يومه بأبتسامة.
ونظر لموضع هاتفه، ليتأمل الصور التي ألتقطها لها مع جواد وصور قد ألتقطها وهي معهم، ولكن كانت تبتعد عن الصورة كي لا تظهر فيها.
يتعجب من أفعالها، ورغم ذلك يشعر بالشغف نحوها.
وتمدد على فراشه، لتقطع رنين هاتفه تلك اللحظة.
متأملا رقم سيلا:
"نعم سيلا."
وتنهد بملل وهو يستمع لعبارات الشوق التي هي بارعة فيها.
"كما تحبي."
واغلق الهاتف بعد أن أخبرته برحلة سفرها.
تنفست براحه بعد أن علمت من مني أن جاسم سيغادر اليوم مبكرا.
"كده انا اقدر أروح بدري، وافاجئ ورد واعملها اكل."
وتابعت وهي تخطط لما ستفعله:
"وأنضف الشقه.. ورتب ال."
لتجد جاسم يقف أمامها، ومازالت تفتح فمها لتكمل عبارتها:
"يلا."
لتغلق فمها وتطلق للسانها العنان:
"يلا ايه؟"
وتابعت بأمل:
"اكيد يلا عشان اروح.. شكرا يافندم بجد كلك."
وضغطت على شفتيها وهي تخرج الكلمة:
"ذوق."
وأخذت حقيبتها وخطت بخطوات سريعه من أمامه ولكن:
"انا أذنتلك بالأنصراف.. انتي ناسية انك المساعده الشخصيه بتاعتي."
وتابع بتهكم:
"قدامي ياأستاذه وقتك يخلص في الشركه لما انا أسمح بكده."
ومن صوت همهمتها علم بأنها تسبه كالعاده.
وتحركت خلفه، ليءبدأ مشوار جديد معه.
وتعجبت من دخول السيارة منزله دون أن يخبرها لما هي هنا.
"لو حابه تدخلي تشربي حاجه اتفضلي.. لو مش عايزه براحتك."
وانصرف من أمامها، لتهتف بحنق:
"شكرا علي ضيافتك اللي ملهاش لازمه.. إنسان عديم الدم."
وظلت تنتظره إلى أن وجدته يأتي نحوها بملابس رياضيه. وأتسعت عيناها لمظهره الشبابي الذي تداريه ملابسه الرسميه.
لتجده يقف أمامها ملوحا بيده أمام عينيها:
"مش معقول اكون عجبتك ياحضرت الافوكاتو."
فنفضت رأسها سريعا وهي تشيح وجهها بعيدا عنه.
وشهقت بفزع وهي تجده يرمي حقيبته الرياضيه اليها.
وسار نحو سيارة أخرى حديثة الطراز بيضاء اللون.
كي يقودها هو بنفسه.
لتنظر مهرة للحقيبه بغل وكادت ان ترميها إلا أنه أشار إليها بتحذير:
"هفضل مستنيكي كتير."
واقتربت منه بحقيبته وألقتها في المقعد الخلفي وهي تعلم أن اليوم ستنفذ طاقتها معه:
"مش محتاجه اروح نادي رياضي انا."
ليبتسم جاسم وهو يلتف نحوها:
"ومين قالك اني واخدك عشان تلعبي رياضه او معجب برفقتك في الأماكن اللي زي ديه."
ونظر لجسدها بوقاحه:
"انتي رايحه للخدمه."
وغمز بعينيه عندما رأى نظراتها الجامدة نحوه:
"خدمتي انا وبس."