تحميل رواية «لعنة ال دارو» PDF
بقلم اية محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مين القمر دي؟ دي متجبره لا دي الجبروت نفسه يا أخي.. هي مين دي أصلا؟! داليا النجار، صاحبة العز اللي أنت شايفه دا كله.. دي!!! دي متكملش 30 سنه!! هي دي اللي هعمل معاها المقابلة؟ لا مش هي، أنت هتعمل مع كريم الأسيوطي و دا تاني أكبر راس هنا في الشركة، خزنة الأسرار بتاعت داليا وتقريبا مبتثقش في حد غيره هنا، هيموت ويتجوزها بس هي مش موافقه.. بس ازاي دي في السن دا قدرت تكبر شركة بالحجم دا!!؟ علشان دي تربية أدهم النجار اللي مات من أربع سنين، أدهم كان أقوي بس هي بردو جبروت زي ما قولتلك، أدهم من غير اي حاجه...
رواية لعنة ال دارو الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اية محمد
كريم: أنا مش باخد رأيك، أنا بقولك.. أنت هتتجوز مريم.. ودا قرار نهائي.
الأب: لو سمحت يا بابا، سيبلي مساحة للنقاش واسمعني، يا بابا أنا حابب أكون أخ لمريم، وأنا جبتها البيت هنا على الأساس دا. بالنسبة لصالح فهو أساساً بيته في نفس الشارع وهي شبه موافقة عليه والشاب محترم وكويس. بابا حضرتك لو جوزتني مريم غصب عني أنا مش هكون مبسوط وكمان هي مش هتكون مبسوطة، بلاش تفرض عليا وعليهـا. حضرتك قابل صالح واقعد معاه وأنا متأكد إنك هتوافق عليه.
الأب: بيته في نفس الشارع؟ ابن مين هو؟
كريم: ابن الأستاذ مؤمن المحامي، وصالح كمان محامي وشغال في مكتب أبوه الغني عن التعريف برضه، راجل محترم وعارفينه وعارفين أهله من زمان.
الأب: بس أنا كنت عايزها ليك يا كريم، يا ابني البنت كويسة ليه تسيبها للغريب؟ لو مكانتش حلوة كنت وافقتك بس البت زي القمر ولبسها ساتر ومحترمة ومتعلمة كويس، إيه اللي مش عاجبك فيها بس؟
كريم: يا بابا والله مريم فيها كل الصفات الحلوة، بس هي عندي زي لينا.
الأب: لا حول ولا قوة إلا بالله.. ماشي يا كريم هقابل الشاب بس خليك فاكر إنك كسرتني برفضك دا.
كريم: ليه بس يا بابا، هو أنا لما أكون أخوها يبقى وحش! هخاف عليها وأحميها وأكون سند ليها لو في يوم اتخاصمت مع جوزها، هكون أهل ليها يا بابا مريم مهمة بالنسبالي صدقني.
الأب: ماشي يا ابني اللي فيه الخير يقدمه ربنا.
تحرك خارج الغرفة ولحق به كريم واجتمعوا على طاولة الإفطار فسأل والده بسخرية:
الأب: إيه أي كمية الحراسة اللي برا دي يا كريم؟ دا ولا كأني داخل السفارة الأمريكية!
كريم: في واحد بيهددني وعايزني أسلمه أملاك داليا.
الأب: أملاك داليا؟ وانت مالك بأملاك داليا أصلاً؟
كريم: داليا يا بابا عملتلي توكيلات وتصريحات التصرف في أملاكها لأنها غايبة في سفر طويل.
الأب: وانت إزاي تقبل بحاجة زي دي أصلاً؟ دي مسؤولية يا كريم وانت أصلاً العلاقة اللي بينك وبينها انتهت بموت صاحبك.. ليه عملت كده؟
كريم: عشان بتثق فيا يا بابا وعلاقتي بداليا كانت أقوى بعد وفاة أدهم، طبعاً في إطار الشغل. أنا عارف كل كبيرة وصغيرة في الشركة ف طبيعي بغيابها أكون أنا المسؤول، أنا لازم أحافظ على فلوسها وفلوس صاحبي، حتى لو على حساب حياتي.
تحرك كريم للأعلى تحت نظرات والده المستاءة ثم عاد بعد قليل يسأل باهتمام:
كريم: حد محتاج مني حاجة قبل ما أمشي؟
الأم: متتأخرش، مش هتعشي من غيرك، هعملك الأكل اللي أنت بتحبه.
كريم: مش هتأخر يا حبيبتي إن شاء الله.
لينا: طيب أنا كنت عايزة أخرج مع صحابي يا كريم؟
كريم: الحارس برا هيكون معاكي يا لينا، وياريت متتأخريش ولو حصل أي حاجة كلميني يا قلبي.
لينا: طب شخلل جيبك طيب.
ضحك كريم وترك لها ما قد تحتاجه من مال ثم رحل. نظر لها والدها بأسى وقال بحزن:
الأب: يعني استأذنتي أخوكي وطلبتي منه فلوس يا لينا وأنا كأني مش موجود؟
لينا: أنا.. أنا آسفة يا بابا والله مش قصدي أنا بس عشان متعودة.
الأب: طول ما أنا موجود يا لينا يبقى إذني قبل إذن أخوكي وكمان تطلبي فلوس مني أنا مش هو، وأنا مش هعز حاجة عليكي يا بنتي والكلام ليكي يا مريم.
أومأت الاثنتين برأسهما وبدأ الجميع في تناول الإفطار في جو عائلي جميل.
***
داليا: هو أي السائل اللي شربه دا؟ من ساعة ما فلق وشربها وهو فقد وعيه تاني؟
الممرضة: بالبداية كان فاقداً للوعي، والآن هو نائماً.. ذلك السائل يعمل كمهدئ ومسكن لآلامه، سينام رسلان لبضعة ساعات الآن، ربما يستيقظ بعد غروب الشمس، لن يتحمل آلام ساقه بدون تلك الأدوية.
داليا: كم تبقى لغروب الشمس؟ بضعة ساعات ولكنها لم تعلم بأن تلك الساعات ستصبح أيام. ولا يزال رسلان غافياً على فراشه وهي على الأريكة بجواره وقد أدركت بأنه كان مؤنسها ورفيقها الوحيد خلال تلك الرحلة والآن باتت تشعر بالخوف والوحدة من المجهول.
في غرفة أدهم كانت آفرين أمامه تتفقد يده التي بدأت تتحرك من يومين ولكنه يشعر بها برجفة سببت له القلق من أن تكون دائمة.
آفرين: أعتقد بأنها ستصبح بخير بعد أيام، لا تقلق سيدي أنت تتعافى بشكل جيد للغاية، ربما بالأسبوع المقبل سنجدك تتجول بين أراضي دارو.
أدهم: أدهم.. اندهيلي باسمي لو سمحتي مبحبش كلمة سيدي دي.
آفرين: الألقاب ترسم الحدود بشكل جيد بين الأشخاص.
أدهم: وأنتي حابة الحدود دي، حابة تنكري إنك معجبة بيا زي ما أنا معجب بيكي، مع إني اعترفت من أول مرة شوفتك فيها.
آفرين: تود الانجراف وبشدة خلف مشاعرك، أما أنا فلا.
أدهم: لست أدري هل تداويني من السحر، أم أنتِ من أصبتني به آفرين.
آفرين: ماذا تريد؟
أدهم: عايزك تديني فرصة.
آفرين: أنت لا تعرفني، كل ما تشعر به هو مجرد إعجاب سيزول بعد أيام.
أدهم: أنتي مبتكلميش مراهق! أنا عندي 33 سنة.
آفرين: اللعنة أدهم ماذا تريد!! حسنا أنا لست معجبة بك بل أنا أحبك يا أحمق ولكـن ماذا أفعل، ستترك عالمك وتترك أختك وتبقى معي، أم أترك أنا أبي ودارو!!؟ لما تريد التسبب في العناء لي ولقلبي!!
ركضت للخارج وظل هو بمكانه يطالعها بحزن وضيق وجلس يفكر في حديثها وابتسم تلقائياً عندما تذكر كلمتها التي روت ظمأه.. أحبك يا أحمق فقال بابتسامة:
أدهم: الرومانسية عندها مبدأ.
في الخارج كانت تجلس آفرين، على درجات السلم أمام بيتها وضمت قدميها لصدرها تبكي حتى أتى والدها من خلفها يقول بجدية:
الأب: ربما بعد شفائه سأتحدث معه بأمر الزواج والبقاء بدارو.
آفرين: حقاً أبي!!!
الأب: أجل عزيزتي... رسلان هو الزوج المناسب لكِ، أنتِ لم تنسي أنه وريث دارو، هو من يستحقك لتتولوا أمور دارو من بعدي، أخطأت والدته من قبل وعليه هو إصلاح ذلك الخطأ، كان اتفاقنا من البداية آفرين.
آفرين: لكن... لكني لا أحبه.
الأب: لا ترتكبي نفس الخطأ آفرين، يكفيني أختي وخسارتها.
انهمرت دموعها بغزارة وركضت بعيداً عن أبيها وبعيداً عن منزلها وهي تتذكر أباها وتتذكر ذلك الوعد.
" سيعود ابنها يوماً آفرين، أشعر بذلك وكلي يقين، وذلك السحر الذي دفن بأرضنا يؤكد لي ذلك، سيعود وستتزوجين به، عديني بذلك آفرين."
" سأفعل أبي.. هذا وعدي لك حتى تتوقف نبضات قلبي."
وضعت يديها على صدرها تستشعر دقات قلبها وهمست بضعف:
آفرين: هو ليس ملكي أبي.. اختطفه ذلك المصري صاحب الثلاثة وثلاثين عاماً.. أحبه.. أحبه كثيراً أبي.
***
والدة كريم: عدي يومين يا مريم وصالح مستني الرد.
مريم: حبيبتي محدش بيجبرك على حاجة، هما بيحاولوا يقنعوكي مش بيضغطوكي، بس في النهاية لو قولتي لأ محدش هيعترض.
مريم: هو كويس يا طنط وأنا مرتاحة بس عندي إحساس إن في حاجة ناقصة، حاجة واقفة مش مخلية لساني يقولي إني موافقة.
والدة كريم: يا حبيبتي طبيعي الجواز المدبر بيبقى كده، أنتي لسه مش عارفاه، أنتي طالما صليتي استخارة ومستريحة يبقى اتكلي على الله.
مريم: تمام يا طنط.. موافقة.
ابتسمت والدة كريم بسعادة ثم أطلقت الزغاريد فأجتمع كل البيت حولها يتسألون عما يحدث فقالت بسعادة:
والدة كريم: عندنا عروسة، مريم وافقت.
الأب: مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك.
كريم: مبروك يا مريم.
تحرك كريم للأعلى، ليس لغرفته بل لسطح بيته وجلس يستنشق بعض الهواء لعل تلك الموجة الحارة التي هاجمته تهدأ قليلاً وهو يشعر بالضيق، ضيق لا يدري سببه ولا يعلم مصدره.
أخرج هاتفه ليضع صورة داليا أمامه.. وللمرة الأولى لا تطفئ تلك الصورة غضبه أو حتى يستكين قلبه وتهدأ دقاته، فتأفف بضيق وجلس بموضعه يتذكر حديثه طبيبته النفسية:
الطبيبة: أنت كان لازم تتوصل لدا بنفسك يا كريم بس انت اتأخرت فأنا لازم أنبهك... انت محبيتش داليا أنت كنت بتحب صاحبك، أخوك اللي من أب وأم تانيين وكبرتوا سوا وفجأة لقيته مات وخسرته وبعدين تعرف إنه عايش وحالته أسوأ من الموت، وإحساسك بالمسؤولية هو اللي خلاك تطلب الجواز منها.
كريم: لا يا دكتورة، أنا حبيت داليا بجد.
الطبيبة: اكتشفت مشاعرك دي بعد موت أدهم بس!! ولا بدأت تتواجد جواك أصلاً في الوقت دا، زي ما قولتلك يا كريم أنا مش هاناقشك في الموضوع دا، يكفي إني لفتت نظرك ليه.
كريم: بس... بس أنا عمري ما اتشديت لبنت تانية! جدتي بتجيبلي صور لبنات كتير ودايماً بتلح عليا في موضوع الجواز وأنا برفض، وأنا والله مش ضد المبدأ أنا بس مش قادر آخد الخطوة.
الطبيبة: يمكن عشان لسه مجاتش البنت اللي تجذبك ليها يا كريم؟
كريم: تفتكري!؟
عاد من ذكرياته على صوت آذان الفجر فمسح وجهه بتعب وتحرك للأسفل ليذهب للمسجد وبالفعل أدى صلاته ثم عاد لغرفته وبدل ثيابه، وبدلاً من النوم جلس في شرفته ينظر للسماء وقد بدأت الشمس في ملاحقة القمر وبدء الصباح في مهاجمة ظلام الليل وذلك السكون سمح لصوت الضحكات الخافتة التي أتت من الغرفة المجاورة أن تصل لأذنه التي أرهفت السمع لحديثها ولكنه لم يستطع تبين الكلمات، لم يسمع منها سوى كلمة واحدة.
" صالح "
تحرك كريم غاضباً تجاه غرفتها وقام بدق الباب بغضب لدرجة أنها سحبت حجابها فوق منامتها فقط وخرجت لتجده أمامها يصرخ بغضب:
كريم: انتي بتكلمي مين دلوقتي في التليفون!!؟
الأب: في إيه يا كريم!!؟
كريم: الهانم واقفة تكلم صالح بيه اللي لسه مجمعنيش بيه أي صلة وإحنا وش الفجر.
مريم: لا والله يا خالي والله أنا كنت بكلم سارة صاحبتي.
كريم: صاحبتك أه.. طب وريني التليفون كده!!
الأب: كريم.. الأسلوب دا متتكلمش بيه طول ما أنا موجود، وأنتي يا مريم فهميني إيه اللي بيحصل!!
مريم: يا خالي والله ما في حاجة، أنا بتصل على سارة كل يوم الفجر عشان أصحيها للصلاة وصدفة النهاردة ولقيتها صاحية ففضلنا نتكلم شوية وحكيتلها إني هتخطب لصالح، فجأة لقيت كريم بيخبط على الباب وبيزعقلي.
التفت لكريم الذي وقف ينظر لها بضيق وغضب ثم قال ببعض التحفظ:
كريم: شغلك هيبدأ من بكرة.. الساعة 8 تكوني جاهزة.
تركهم وتحرك لغرفته وأغلق الباب خلفه بقوة بينما اتجه والده تجاهها وربت على رأسها بحنان:
الأب: معلشي يا حبيبتي، هي غيرة وخوف الأخوات بتكون صعبة، هو خايف عليكي تعملي حاجة غلط، معلشي متاخديش على خاطرك منه.
أومأت برأسها بحزن ثم تحركت للداخل وعاد هو لغرفته.
***
شخص: عمي عبد الرحمن... يا عمييي... بيقولوا في بنت جت بيت الأسيوطي وبيقولوا إنها بنت بنتهم اللي هربت من 25 سنة.
فتح عبد الرحمن عينه حيث أراح ظهره قليلاً على كرسي مكتبه و أغمض عينيه فغفى لدقائق ولكن كان وقع تلك الكلمات على قلبه كوقع السحر فهمس بعدم تصديق:
عبد الرحمن: بنتي!!!!
رواية لعنة ال دارو الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اية محمد
داليا... دا.."
"رسلان!! رسلان أنت صحيت؟! أنت كويس!"
قال بضعف: "اه.."
حاول الاعتدال في جلسته ولكن جسده الضعيف لنقص التغذية لم يساعده.
وهي في حيرة من الاقتراب ومساعدته أو ربما عليها الذهاب لطلب المساعدة، ففعلت.
ركضت للأسفل لتبحث عن الحاكم ايوان لتجده يجلس في الخارج مع بعض الأشخاص يتحدث في أمور بلاده.
ولكنه التفت على صوتها: "رسلان.. رسلان فاق."
استأذن منهم ايوان ثم تحرك للداخل ثم للأعلى حيث غرفة رسلان، والذي طالت مدة شفائه.
ساعده الحاكم على الجلوس ثم أعطاه بعض الماء.
"اخبري آفرين بأن تأتي ببعض الطعام له."
أومأت داليا وهي تنظر لرسلان بأعين لامعة لم يتغافل عنها، ثم تحركت للأسفل من جديد.
بينما رسلان أفصح بما اكتشفه بداخل ذلك الكهف.
"الأدوية والأعشاب، الصيد وحاجة غريبة تالتة أنا مش فاهمها، بس كل اللي فهمته إنهم تلات هبات!! تلاته يا حاكم مش واحدة زي ما أنت فهمتني."
"الكلام دا معناه إيه؟"
"هي اختي.. والدتك."
"وليه مقولتش لي؟ خبيت ليه؟"
"تركتك لتكتشف بنفسك، أجبرتني والدتك على موافقتها بترك دارو عندما أتتني تحملُك برحمها. تركتها لتلدك هنا لتأخذ هباتك، ثم بنفسي ودعتها لتبقى مع أبيك بعيدًا عني لكل تلك الأعوام وبقيت وحيدًا. وقد قررت أن أبني بيتًا كبيرًا وأتزوج من سيدة تنجب لي العديد من الأبناء ليكونوا لي حمى. ولكن أعطتني زوجتي آفرين ثم سلمت روحها لخالقها، وحينها ماتت كل النساء بعيني. وبالرغم رغبتي الشديدة بوريث لي، ولكني لم أقو على الزواج من غيرها. فأنشأت فتاتي قوية وربيتها تتعلم كل أمور الحكم والعدل وتولي زمام دارو، ولكنها بالنهاية فتاة. ففكرت لزوجًا لها.. أخبرني من يناسبها زوجًا غيرك!؟"
"يعني إيه زوجًا غيري دي؟ أنت عاوزني أتجوز آفرين وأقعد هنا وأبقى أنا الوريث اللي أنت عاوزه؟!"
"بالضبط، آن الآوان أن تدفع أنت ثمنًا لحرية والدتك كل تلك الأعوام."
"لا أنت فاهم غلط، أنا لا عاوز آفرين ولا عاوز دارو ولا عاوز أفضل هنا أساسًا. أنا عندي حياة وشغل وبيت وعندي أمي هناك مستنياني. أنا جيت هنا لهدف واحد وحيت لسبب لما أمي قالت لي إنهم ميقدروش يجوا من غيري وعلشان خاطر أدهم داليا، لكن أنا مليش دعوة."
"إذا خذ صديقيك وارحل وانسى تلك المجرفة التي ستنزع السحر من أرضي ومن جسد صديقك."
"دا تهديد بقي؟!"
"يمكنك اعتباره تهديد أو تحذير رسلان، ولكني أب وحاكم."
تركه ايوان ورحل ليشدد رسلان على رأسه في حيرة وغضب من كل ما يحدث ويمر به.
ولأجل إنقاذ أدهم عليه الزواج من آفرين.
مضى اليوم بأكمله وهو لا يزال يفكر.
وعلى عكازه تحرك تجاه غرفة أدهم واجتمع الكل بها.
ليقول رسلان بهدوء: "يا حاكم.. أنا عاوز أطلب إيد بنتك آفرين للزواج."
التفت الجميع تجاهه بصدمة.
داليا، أدهم، آفرين.
بينما ايوان ابتسم بهدوء، ابتسامة زالت ببقية حديث رسلان.
"وقبل ما توافق، أنتم كلكم هنا عرفتم إن الحاكم ايوان يبقى خالي، وإن آفرين هي بنت خالي وأنا هاخدها من هنا على الأساس ده وهتجوزها في مصر.. الكلام ده طبعًا في حالة الموافقة. وفي حالة حدوث حمل قبل ما تكون في الشهر التاسع هنرجع هنا تاني ونكمل حياتنا هنا."
سأل ايوان بجدية: "وإن لم تعد؟"
"مأعتقدش إن صعب عليك تلاقيني يا حاكم."
"إذا تزوجها وارحل... الزواج أولاً."
"مش تسأل بنتك الأول إذا كانت موافقه ولا لأ؟!"
نظروا جميعًا تجاهها وهي نظرت لهم بأعين دامعة.
نظرت لأدهم وعيناه التي أخبرتها بكل صراحة بأنه يريدها ولن يتحمل أن تكون لغيره.
ولكنها خير من يعرف أباها فقالت بخفوت: "أنا.. لا أخالف لأبي رأيًا."
ابتسم ايوان ثم نظر لرسلان وقال بجدية: "الزواج أولاً ثم ارحل بها.. ثم سأنتظرك لتعود مجددًا."
قال رسلان بضيق: "موافق، بس بالنسبالي مش هيكون جواز رسمي، مش هيكون جواز غير لما أرجع لمصر وأتجوزها بالشكل القانوني اللي بتعترف بيه بلدي."
"موافق.. وغدًا سيتم زواجكم."
تحرك ايوان للخارج وتبقت الأربعة بمفردهم.
وقد تبددت أحلامهم بطلب رسلان وموافقة آفرين.
نظرت له داليا بحزن ثم تحركت لغرفتها قبل أن تبكي أمامه.
وتحرك رسلان خلف الحاكم مستندًا على عكازه.
وبقيت آفرين التي اختطفت نظرة حزينة لأدهم وتحركت بهدوء.
ولكنه أوقفها قائلًا بقوة: "ارفضي.. ارفضي مرة واحدة وأنا هاخدك معايا ولو بالقوة."
قالت آفرين بخفوت: "لا يمكنني ترك أبي، أو معارضته."
ثم التفتت له تقول بدموع: "ليتك لم تأت يومًا لدارو."
ركضت آفرين للخارج وظل أدهم ينظر للمكان الذي تركته فارغًا.
وفي الخارج وقف رسلان أمام أيوان يسأله بجدية: "فين المجرفة، عاوزها.. مش هنام النهارده قبل ما أنهي أمر السحر ده."
قال ايوان بهدوء: "سنفعل سويا يا بني."
تحرك أيوان ببطء ليتوازن مع حركة رسلان الضعيفة بسبب قدمه.
حتى أصبحا أم تلك النقطة السوداء، وإن كانت كل الأرض سواء في ذلك الوقت المتأخر من الليل.
"اذهب، هي هناك خلف تلك الشجرة، شق بها الأرض وأخرج ذلك السحر ثم اغمره بتلك المياه بالسطّل بجوارك وسينتهي أمر ذلك السحر للأبد."
فعل رسلان وضرب الأرض بها ليشعر بقوة غريبة تدفعه للخلف، ولكنه استمر رغم معاناته.
حتى وجده فرفعه على المجرفة ثم تركه بداخل السطل وغمرته الماء.
وبدأت بالغليان فجأة.
"يا حفيظ يا رب."
اقتـرب ايوان ينظر لذلك السحر الذي بدأ بالتبخر.
وتنفـس براحة.
وأخيرًا سأله رسلان: "مين أناهيد؟! أنت أكيد عارفها."
..............................................
صرخ أدهم بألم: "داليـــا....."
دلفـت داليا لغرفة أخيها ووجدته يتلوي ألمًا.
حتى قدمه الساكنة كل تلك المدة كانت تضرب الفراش بقوة.
فصرخت داليا باسم آفرين لتأتي للمساعدة.
وهي لم تستطع سوى الإمساك بيد أخيها المتألم.
دلفـت أفرين لتري حالة أدهم فركضت تجاهه خائفة تجهل سبب معاناته تلك وحتى لا تعرف كيف تداويه.
بكت عينيها بإستمـرار وهي تنظر له وتألم قلبها بشدة لرؤيته.
وبداخل نظراتها علم بأنها لن تقدر على مساعدته.
فأشار لها بيده لتقتـرب فأقتـربت وجلست بجواره.
وهو اكتفى بجلوسها بجواره ولم يتحدث.
وشعر كأنه ينازع الموت.
فأخذ يردد الشهادة.
حتى رأى الاثنان هالة سوداء تخرج من قدميه تتبخر في الهواء.
ومعها استكان جسد أدهم وفقد وعيه.
ارتجفت داليا تصرخ به: "أدهم!! أدهم قوم يا حبيبي متخوفنيش عليك.. أدهم متسبنيش لوحدي علشان خاطري أنا مقدرش أعيش من غيرك، أنا مليش غيرك أصلا، بالله عليك يا حبيبي متسيبنيش."
بكت داليا ترمي بنفسها على جسده.
أما آفرين فكانت بالقوة الكافية التي تجعلها تمد يدها على رقبته تتفحص نبضه.
لتكتشف بأنه فاقدًا للوعي فقط.
فجـذبت زجاجة من العطر ثم نثرت منها على يدها ووضعتها أمام وجهه وهي تبكيه خوفًا من أن تكون مخطئة.
ثم وأخيرًا انزعج أدهم من الرائحة وفتح عينيه بتعب.
فقالت آفرين بصوت مرتجف: "رسلان أكيد اتخلص من السحر، أنت بقيت كويس يا أدهم."
ابتسم بوهن: "حبيت اسمي أكتر دلوقتي."
ابتسمت بحزن ثم تحركت تجاه الأدوية ووضعت منها بفمه.
ثم ساعدته ليشرب الماء وقال بهدوء: "الدواء ده هيساعدك تنام كويس للصبح، أكيد اللي مريت بيه مكانش سهل."
تحـركت آفرين للخارج.
بينما نظرت داليا لأخيها بحزن كبير.
ففتح ذراعيه لها لترتمي بين أحضانه وتفضى بما في داخلها ببكائها فقط.
ربت على ظهرها بحنان حتى استسلم لمفعول الدواء وغفا.
وغفت هي أيضًا بجواره.
........................................................
"سندس هتقعد معاكي و تفهمك كل حاجة."
اقترب منها يهمس بهدوء: "ولو احتاجتي حاجة متتردديش أنا موجود."
ابتسمت بهدوء وهي تتجنب النظر له، فهي تشعر بالسوء لما فعله فجر اليوم.
تحركت مع سندس وعاد هو لمكتبه ليتابع أعماله.
وظل به يعمل بكل طاقته وبكل تركيز حتى يعود صديقه ليجد أعماله في ازدهار وتقدم.
بالتأكيد أخبرته داليا بأنه ستذهب لدارو وستعود بأخيها من جديد.
ولكنه لا يعرف أي تفاصيل جديدة.
في استراحة الغداء خرج ليجد مريم تجلس بمفردها وقد ذهب الجميع لتناول الطعام.
فسألها: "مروحتيش تتغدي ليه يا مريم؟"
"هما.. بصراحة... هو سندس وزمايلها رايحين يتغدوا في مطعم قريب من هنا."
"ومروحتيش معاهم ليه؟!"
"بصراحة المطعم غالي أوي عليا."
"طب تعالي يلا نروح نتغدى أنا وأنتي هعزمك النهارده بمناسبة أول يوم شغل ليكي، وأهو.. يبقى اعتذار عن سخافة الصبح."
"عادي يا كريم بقي، الأخوات يبلعوا لبعض الزلط."
"بس أنا بجد آسف."
"لا اعزمني ومتقوليش أسف، يلا بقي قبل ما الاستراحة تخلص."
"ولا يهمك بقي أخوكي المدير، خلينا نستمتع بالصلاحيات دي قبل ما داليا ترجع وتحسبها علينا بالدقيقة."
ضحكت مريم ولكن ارتفعت صوت ضحكاتها دون إرادة منها.
فنظر لها غاضبًا وقال بحده: "صوتك بدل ما أديكي على وشك.. امشي قدامي عدل."
ابتسمت مريم تهز رأسها بيأس على غيرة هذا الأخ المبالغ بها وذهبت خلفه.
حيث مطعم صغير بجوار الشركة.
"المطعم ده صغير على قد حاله بس أكله حلو ونضيف، اطلبي اللي انتي عاوزاه واعملي حسابك ساعتين بعد الاستراحة وهخلي السواق يرجعك البيت علشان تلحقي تجهزي."
سألته بتعجب: "أجهز على إيه؟!"
قال بهدوء: "علشان صالح جاي نتفق على كل حاجة ونقرأ الفاتحة ونحدد معاد الخطوبة."
نظرت له مريم بصدمة فتعالت ضحكاته عليها.
ضحك بشدة وهو يحاول تغاضي ذلك الشعور بالضيق الذي يثقل قلبه.
قال بهدوء: "اتخضيتي ليه؟! انتي وافقتي ولازم يجي علشان يبقى في بينكم شيء رسمي. عامة هخلي الخطوبة بعد أسبوعين لو حابة علشان تلحقي تجيبي الفستان اللي تحبيه. صالح عليه الفستان وأنا عليا أحجز لك أحلى قاعة في القاهرة كلها."
"لا لا أنا مش عاوزة قاعة يا كريم، أنا عاوزاها في البيت."
"اللي تحبيه، هجيب حد يعمل ديكور في البيت يناسب الخطوبة وهنعمل أكل كتير علشان يتعشى معانا هو وعيلته، أعتقد بيعملوا كده."
أومأت له برأسها وشرعت في تناول طعامها.
بينما هو لم يعد يشعر بالرغبة في تناول الطعام فقط تابعها شاردًا في كل ما يمر به.
وفي المساء وقفت مريم أمام المرآة تنظر لنفسها برضى بعدما ارتدت ثيابها الجديدة ورتبت حجابها.
وظلت بالغرفة تنتظر انتهاء الجميع من اتفاقيات الزواج.
والتي أعلنت عنها زغرودة لم تعلم مريم مصدرها.
وآتت والدة كريم لتأخذها للخارج، فألقت السلام وصافحت النساء.
ثم أرشدها كريم للجلوس على المقعد المجاور لصالح الذي اكتفى بالابتسام لها.
ثم أعطاها الورود التي ابتاعها لأجل إسعادها.
فأخذتها بهدوء وخجل.
ولكن ذلك الهدوء لم يستمر إذ احتل جلستهم رجل يبدو عليه الثراء والهيبة.
وبرغم ذلك كان بسيطًا ونظرته صافية.
يهمس بإبتسامة: "مريم... أنا أبوكي يا مريم."
....................................................
في الصباح التالي فتحت داليا عينيها المـرهقة أثر البكاء.
لتجد نفسها على فراش أخيهـا.
ولكن كان أخيهـا وللمرة الأولى مفقودًا.
فشعرت بالخوف وهي تعتدل لتصطدم به يقف أمام النافذة يوليهـا ظهره وهو ينظر حوله يستكشف تلك الجزيرة الغريبة.
فنـادته بسعادة: "أدهم!!"
ألتفت لها أدهم وابتسم براحة.
فتـحركت تجـاهه تقول بحماس اختلطت به دموعها: "أنا مش مصدقة نفسي، أخيرًا الكابوس ده خلصنا منه!!؟ أخيرًا رجعت لي يا أدهم؟"
قال بهدوء: "الحمد لله.. ايوان جه من شوية وقالي إن بعد زواج رسلان وبنته هنرجع النهارده.. فاضل ساعة جهزي نفسك."
انقبض قلبها وسرى الحزن بداخلها من جديد.
ولكنها تماسكـت وأظهرت قوتها وأومأت بهدوء: "ماشي يا حبيبي هروح ألبس هدومي اللي كنت جاية بيها، هصلي بس الأول."
أومأ لها بهدوء فرحلت لغرفتهـا وبدلت ثيابهـا.
وهي تسير جسد بلا روح.
حتى وجدت نفسها بجوار أخيهـا وأمام الجميع أعلن الرجل آفرين زوجة لرسلان.
ونفذ ايوان وعده لرسلان والجميع.
وها هو يتحرك بهم لنفس المكان حيث ظهر رسلان وداليا للمرة الأولى.
فودعت آفرين أباها بدموعها.
ثم سحبها رسلان يمسك بيدها.
وهي أمسكت بيد داليا التي أمسكت بيد أخيهـا.
ومرر ايوان يده على الصخرة ليظهر بدلاً منها بابًا كبيرًا.
ومن بعده شعروا بإهتزاز الأرض تحتهـم و انجذابها لداخل الباب.
ثم شعورهم بجسدهم على أرضية نفس الغرفة التي أتوا منها.
بمنزل أدهم وداليا.
نظر أدهم حوله بتعجب مما مر به للتو وكأنه بأحد الأفلام الخيالية.
وسلان الذي لم يصدق بأنه وأخيرًا انتهت تلك الرحلة.
فقال بهدوء: "الحمد لله على السلامة يا أستاذ أدهم.. مستني خبر رجوعك اللي هيهز الدنيا كلها، ان شاء الله نتقابل قريب في الشركة.. يلا يا آفرين."
تحـرك رسلان وآفرين بجواره.
وأدهم ينظر لها بعجز يرعب في مناداتها أو سحبها لأحضانه.
ولكن بأي حق.
وداليا خلفه لم تشعر بالغضب سوى من قلبها الذي قرر الاستسلام ليقع في ذلك الشخص الذي بدد كل أحلامها.
وكل ما تبقى منه مغازلة أو اثنتين.
ظنته يعبر بهم عن مشاعره تجاهها.
ولكنها كانت حمقاء غبية.
تحـرك أدهم ليجلس على الأريكة وسحب الهاتف الأرضي يحاول تذكر رقم المنزل الخاص بكريم.
ولكنه لم يستطع.
فجلست داليا بجواره وسحبت الهاتف تقول بإبتسامة هادئة: "كريم دلوقتي في الشركة، زمانه قاعد في مكتبك و عمال يزعق ويشخط في الموظفين. هتصل على التليفون الأرضي الخاص كنت برد عليه بنفسي ف أكيد هيرد."
طلبتـه داليا وآتاهم صوت كريم بعد دقائق: "الو؟!"
"في حد مستنيك... أعتقد إنك عاوز تشوفه."
قال كريم بصوت مرتجف: "داليا!!! أنتي رجعتي!!.. أدهم بقي كويس؟"
قالت بإبتسامة: "تعالى شوف بنفسك."
قال بلهفة: "مسافة الطريق."
أغلقت داليا الهاتف وجلست تنتظر.
ثم نظرت لأدهم وقالت بإقتراح: "ما تقوم تغير هدومك بدل ما أنت هتقابله بلبس ايوان ده... قوم يا حبيبي خد شاور كدا، حاجتك في أوضتك زي ما هي وكمان كنت بنضفها كل أسبوع متقلقش."
"ربنا يخليكي ليا يا داليا."
"هأتصل بالطباخة تيجي علشان تحضر لنا الغداء ودلوقتي هطلب أي فطار من برا.. يلا قوم متكسلش."
"حاضر."
تحـرك أدهم للأعلى وأخذ حمامًا باردًا لعله يهدئ من نيران قلبه.
ارتدى ثيابًا منزلية مريحة ورتب شعره بعناية.
ثم تحرك للأسفل وجد داليا تستقبل كريم.
"هو فين يا داليا!؟ قوليلي إنه بقي كويس!!"
"أنا هنا يا كيمو.."
تطلع أدهم ينظر له بدهشة وتعجب وسعادة صاخبة ملأت قلبه الحزين.
وركض لصديقه يأخذه بأحضانه يضمه لصدره بكل حب صادق يقول بأعين دامعة: "الحمد لله يا صاحبي، الحمد لله... وحشتني يا أدهم أنا من غيرك كنت وحيد وضعيف ومليش حد.."
قال أدهم بحب: "عارف إنك مش مستني مني شكر، بس شكرًا يا كريم، شكرًا علشان خليت بالك من أختي ومن شركتي، شكرًا علشان وقفت جنبي في كل يوم، شكرًا علشان خبيت ضعفي ده وكنت عارف إن إعلان الموت أهون بكتير عندي من إن الناس كانت تشوفني بالمنظر ده، شكرًا علشان كنت فاهمني وأنا مش قادر لا أتكلم ولا أتحرك، كنت سندي ولا زلت يا صاحبي."
"بس ياض أنت شكر إيه وهبل إيه.. مفيش الكلام ده أنا عملت واجبي، مكنتش بتفضل عليك عشان تشكرني. المهم احكولي عملتوا إيه هناك ووصلت إزاي للمكان ده أصلًا يا داليا؟!"
قالت داليا بتعب: "لا أنا تعبانة أوي بجد ومش قادرة أحكي حاجة، أنا هطلع أنام وعندك صاحبك تقوله أوضاع الشغل، أنا إجازة، يا ريت لما الأكل يوصل تبعتولي سندوتش مع حد من الخدم... يلا تصبحوا على خير."
نظر لها أدهم بآسي وهو يعلم بأنها لن تستطيع الصمود أكثر من ذلك وستصعد لغرفتها لتبكي.
فهو ليس أحمق ليغفل عن حقيقة مشاعرها لأرسلان.
وعند رسلان نفسه.. دق باب منزله بهدوء.
وبعد ثواني وجدها تقف أمامه تهتف بسعادة واشتياق: "رسلان!!"
وبرغم غضبه منها إلا أنه اشتاق لها.
فضمهـا بحب ثم تحرك بها للداخل وخلفه آفرين.
جلسوا ثلاثتهم في غرفة الصالون.
وسألته فيروز: "مين دي يا رسلان؟!"
قال بسخرية: "دي آفرين.. بنت أخوكي ومراتي."
شهقت فيروز وهي تنظر لتلك الفتاة.
تمعنت في وجهها وملامحها وسألته مجددًا: "يعني إيه مراتك؟! وجبتيها هنا إزاي وإيوان وافق إزاي أصلًا؟!"
"اتجوزتها عشان أخوكي أجبرنا إحنا الاتنين عشان كان عاوز يقعدني أحكم في الفدانين اللي حيلته، عشان معندوش الوريث اللي يحكم من بعده."
سألتها فيروز بتعجب: "ليس لك إخوة؟!"
هزت آفرين رأسها نفيًا.
فربت رسلان على يدها وقال بجدية: "البيت بيتك بس أنتي هتفضلي هنا كبنت خالي مش مراتي أبدًا.."
نظرت له بتعجب.
فقال بجدية: "أنتي طالق.."
إلى لقاء قريب..
آية محمد..
رواية لعنة ال دارو الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اية محمد
"البيت بيتك بس أنتي هتفضلي هنا كبنت خالي مش مراتي أبدا."
نظرت له بتعجب، فقال بجدية: "انتي طالق."
فتحت آفرين عيناها بصدمة، فقال رسلان بهدوء: "مكنش عندي حل تاني يا آفرين، وأنا عارف إنك مش عاوزة الجوازة دي وأسف لو ده هيضايقك، بس أنا مش عاوز أسيبك على ذمتي لو ليلة واحدة."
تنهدت بتعب وهو ينظر لوالدته بحرج: "علشان مأسيبش أي مجال إن يحصل أي تطور بيني وبينك، والإسم إنك مراتي. إنت هنا في بيتك ومسؤولة مني، لكن بالطريقة اللي هتريحني وتريحك، ولا أنا قلبي معاكي ولا إنتي قلبك معايا، وأظن إنك فاهماني كويس."
سألت بصوت خافت: "لما أسيبك؟"
قال بابتسامة: "يا بنتي إنتي في عالم تاني وحياة عمرك ما شفتيها، اعتبريها فسحة طويلة شوية وبعدين نبقى نشوف حجة نقولها لأبوكي."
ابتسمت تتنهد براحة، فهي كانت بدأت في التفكير في طريقة لرفضه ورفض علاقتها به، والآن يمنحها الفرصة للعيش بحرية في عالمه، نفس العالم الذي يضم الشخص الذي تحب وتعشق.
قال بهدوء: "ماما آفرين هتشاركك الأوضة معلشي بقى، أنا هغير هدومي وأنزل أشتري أكل من بره، ولا أقولكم يلا ننزل نتغدى بره."
قالت فيروز بحماس: "طيب أنا هاخد آفرين أجيب لها حاجة تلبسها، وإنت ادخل غير هدومك، تعالي يا حبيبتي."
تحركت آفرين معها، وقد بدأت غيمة الحزن في السير بعيداً عنها، وتسرب الحماس لداخلها لرؤية عالمه وحياته، بالتأكيد ستلتقي به مجدداً.
ارتدت ثياب فيروز المحتشمة، ثم تحركت لتجد رسلان ينتظرهم، لتسأله بجدية: "هناخد تلك العربة المتحركة مجدداً؟ كنت على وشك أتقيأ بداخلها رسلان."
هز رأسه بيأس وقال بهدوء: "لازم تتعودي عليها، وسائل المواصلات أساسية لأن مدينة القاهرة مساحتها واسعة وكبيرة، فلازم نستعين بالمواصلات."
أومأت برأسها وقد تفهمت حديثه، وقد رأت بنفسها حجم تلك المدينة وازدحامها، وقد اعتادت هي على المساحات الواسعة وأمامه المحيط الواسع.
أخذهم رسلان لمطعم على النيل، لتبتسم وهي تنظر للماء الجاري أمامها، أما رسلان فقد انشغل بهاتفه الذي تلقى عليه الكثير من الرسائل من أصدقائه وزملائه بالعمل وغيرهم، وانشغلت هي بالحديث مع فيروز التي لم تتوقف في السؤال عن أخيها وأرضها دارو.
طلب لهم رسلان الطعام وجلسوا في صمت لبعض الوقت، وظلت شارده بالماء الجاري حتى استمعت لصوت تعرفه، بل تحفظه وتشتاق له. تعالت دقات قلبها وهي ترى أدهم يقف بجوارهم ويرتدي ثيابه المكونة من بنطال أسود وقميص بنفس اللون وصفف شعره بعناية ووضع عطره المميز، فزاد كل ذلك من جاذبيته الغير معهودة بالنسبة لها حينما كان مريضاً لها يعالجها.
طالت نظراتها له، فحمحم رسلان ودعا أدهم للجلوس: "اتفضل يا أستاذ أدهم."
غمز أدهم وجلس، ليكتم رسلان ضحكاته وهو يتذكر اتفاقه معه.
"الراجل ده مش هيسكت وهيصمم ننفذ اللي في دماغه، رسلان إنت هتعمله اللي هو عاوزه، بس قوله إنك هتاخد آفرين وترجع مصر تتجوزها هناك عشان والدتك أو أي حجة من عندك، والنهاردة تاخد المجرفة وتخلص موضوع السحر. ورسلان متنساش تعرف منه مين اللي عمل فيا كده... تمام؟"
"يعني عاوزني أعملك ده كله كده لله؟ من غير مقابل؟"
رفع أدهم حاجبه وسأله بضيق: "عاوز أي مقابل يا أستاذ رسلان؟"
قال بابتسامة واسعة: "لما نرجع مصر هبقى أقولك يا أدهم بيه."
قالت آفرين بتلعثم: "أدهم؟"
وضع رسلان يده على خده ينظر لهم بابتسامة وهو يرى عصافير الحب أمامه. نظر لها أدهم بحب وسألها بجدية: "تتجوزيني؟"
ارتبكت وتراجعت، وعلت دقات قلبها وبدأت تفرك يديها بتردد، فأكمل أدهم بجدية: "رسلان عرفني إنه ناوي يعمل كده، آفرين أنا بحبك وعاوزك معايا، صدقيني مفيش حل غير إننا نتجوز قبل ما والدك يشك في أي حاجة، فكري في نفسك دلوقتي وهنحلها معاه بعدين."
نظرت بتوتر تجاه رسلان وفيروز، فأومأ لها رسلان برأسه يشجعها على الموافقة، فقالت بصوت خافت: "موافقة."
ابتسم أدهم بسعادة، وكاد يقترب منها حتى وجد رسلان يقول بحدة: "عندك... أي يا حبيبي رايح فين؟ اسمعني، أنتم هتخطبوا دلوقتي، لأن لازم آفرين يكون ليها أوراق شخصية وبطاقة واسم ليها. أول ما تحل كل ده هتتجوزوا إن شاء الله."
أومأ أدهم برأسه بابتسامة واسعة وقال بجدية: "خلاص هجيلكم بكرة بليل وننزل نشتري الدهب ونعمل حفلة خطوبة على قدنا، متنساش إني ميت بالنسبة لكل الناس."
قال رسلان بهدوء: "بكرة صعب، خليها بعد أسبوع يا أدهم."
نظر كلاهما أدهم وآفرين له بضيق، فتعالت ضحكات رسلان يقول بسخرية: "لسه يا آنسة آفرين في ترتيبات لازم أعملها، والأستاذ لازم ياخدك يجيبلك فستان، وكمان مش لازم تعلن إنك عايشة ولا أي؟"
قال أدهم بجدية: "بكرة في مؤتمر وهعلن فيه الموضوع وهوضح جزء من اللي حصل، طبعاً الجزء اللي ميتصدقش ده مش هتكلم فيه. أنا أصلاً من بكرة هبقى في الشركة إن شاء الله."
سأله رسلان بتردد: "والآنسة داليا؟"
قال أدهم بخبث: "داليا خلاص مهمتها انتهت، هترتاح بقى وأجوزها لواحد يستاهلها وأنا اللي هشيل الشغل من تاني."
تمتم رسلان بضيق: "كان لازم أفكر في كل ده وأنا بضحي بحياتي عشانك."
قال أدهم بجدية وهو يعتدل في وقفته: "بكرة الصبح تبقي في الشركة، الشغل مفيهوش صحوبية."
سأله رسلان بدهشة: "وأنا صاحبك؟"
قال أدهم بامتنان: "وأكتر كمان."
اتجه بنظراته لآفرين وقال بحب: "أنا هجهز كل الأوراق عشان كتب الكتاب، ورسلان أنا مش عاوز حاجة غير آفرين، أنا اللي هتكفل بكل حاجة."
قال رسلان بضحك: "ليه يا عم فاكرني كحيان أوي كده؟ آفرين زي أختي وجهازها عليا."
قال أدهم بهدوء: "أنا الفيلا عنده كاملة من كل حاجة، مش عاوزها غير بشنطة هدومها."
ابتسم رسلان وقال بهدوء: "ماشي يا صاحبي."
ابتسم أدهم له، ثم ودعهم عائداً لمنزله، وشعرت آفرين أخيراً بالسعادة تأخذ مكانها بقلبها من جديد، فتناولت طعامها بشهية كبيرة وأصرت بأن تسير على قدميها قليلاً بالمدينة لتكتشف الحياة وتكتشف الناس من حولها.
"إنتي كويسة دلوقتي؟"
سألها صالح على الهاتف بهدوء، فسألته بصوت خافت: "إنت رأيك إيه في كل اللي حصل؟"
قال بهدوء: "أنا حاسس إنه شخص صادق، نظراته ليك امبارح يا مريم بتدل إن فعلاً كل اللي حكاه كان حقيقة، وإنت يا مريم حتى لو مش متقبلاه فلازم تكوني رسمي، اسمك على اسمه وتثبتي لكل اللي طعن في نسبك وطعن في شرف والدتك إنها كانت عفيفة."
ابتسمت بهدوء وأومأت برأسها وكأنه يراها، فقالت بهدوء: "شكراً يا صالح إن كل ده مش فارق معاك."
"ميفرقش معايا غيرك يا مريم، ارجعي شغلك من بكرة، إنت لسه مبتدئة معقولة تاخدي إجازة من تاني يوم! خليكي قوية."
"حاضر، مع السلامة."
جلست على فراشها بغرفتها التي لم تفارقها منذ الأمس تتذكر اليوم الماضي.
سأل والد كريم بتعجب: "إنت! إنت يا عبد الرحمن تبقى أبو مريم؟"
قال عبد الرحمن بلهفة: "أيوا أنا... أنا حبيت شيرين واتجوزتها، اتجوزتها على سنة الله ورسوله، الخلاف اللي بيني وبينك خلانيش أتجرأ وأطلبها ولا هي قدرت تقولك، مكنش قدامنا حل تاني، وبعد جوازنا بكام شهر أبويا أجبرني أسافر السعودية وانقطعت أخباري عنها. والله يا مريم يا بنتي كنت راجع وناوي أعلن جوازنا ولا كنت أعرف إنها حامل غير أما رجعت، معرفتش حاجة عنها غير إنها ماتت وهي بتولدك ومعرفتش أوصلك ولا بأي طريقة، بس كريم قدر يوصلك، أنا أبوكي يا مريم."
تحركت تجاهه بعين غائرة وهي تشعر بانقطاعها عن العالم حولها، اقتربت منه وهي تبكي بشدة، تبكي الأيام التي اضطهدها بها الجميع، تمسكت بثيابه وهي تجاهد لإخراج صوتها لمعاتبته، ولكنها لم تشعر سوى بغيمة سوداء تسحبها حتى سقطت بجسدها على الأرض فاقدة للوعي، ولم تعاتبه ولم تراه من حينها ولم تسأل حتى عنه.
سمعت دقات خفيفة على باب غرفتها وصوت كريم بالخارج وقد عاد من عمله للتو، لا تعلم بأنه ترك أعماله وعاد ليطمئن عليها، قال بصوت هادئ: "أنا كريم يا مريم، ممكن تنزلي نتكلم أنا وإنتي شوية."
قالت بهدوء: "حاضر."
بعد دقائق كانت تجلس أمامه على المقعد بحديقة منزله، فقال بهدوء: "أنا عارف إني اللي حصل إمبارح كان صعب عليكي، بس محتاج أسمع ناوية تعملي إيه!"
قالت بهدوء: "صالح قالي إنه لازم رسمي أكون بنته، عاوزة أتكلم معاه وأتأكد من صدقه يا كريم."
جز على أسنانه بضيق، فقال بصوت حاد: "أولاً ياريت نخف كلام مع صالح لحد ما تبقي خطوبة، دي يدوب قراية فاتحة... ثانياً هو كده كده همشي في الإجراءات دي، ده بديهي يعني... عامة أنا اللي طلبت منه ميجيش لحد ما أعرف منك ناوي إيه، بس خلاص هتواصل معاه يجي النهاردة بالليل وتتكلمي معاه."
"هو بس كان بيطمن عليا يعني."
"قومي يا مريم اطلعي أوضتك.. يلا قبل ما ألخبطلك ملامحك.. قومي."
نظرت له بتعجب وهي تتحرك للداخل من جديد، ولكنها قررت البقاء مع جدتها ولينا بدلاً من البقاء بمفردها. ابتسم وجلست بجوار جدتها، فأخذتها فاتن في أحضانها وربتت عليها بحنان: "كده تقلقيني عليكي! عاملة إيه دلوقتي؟"
"الحمد لله يا تيتة، أنا المفروض كنت أفرح مزعلش، أفرح إنه مكانش سايبني أنا وماما بمزاجه وأفرح بالحب اللي شوفته في عينه ليا.. الحمد لله ربنا أنعم عليا اليومين دول بحاجات كتير أوي، رجعلي عيلتي ورجعلي والدي وكمان اتخطبت لشخص محترم والحمد لله اشتغلت في وظيفة محترمة، حياتي اتبدلت ويمكن ده اللي لخبطني."
"معلشي بكرة تتأقلمي يا حبيبتي."
ابتسمت براحة بين أحضانها، وابتسمت تلقائياً وهي تقول بحب: "بس مهما يحصل أنا هفضل عايشة معاكي هنا لحد ما أتزوج، أنا مأضمنش إني هلاقي زي الحضن ده تاني."
ضحكت فاتن وهي تربت على ظهرها بحنان، نظرت مريم تجاه لينا بتعجب وسألتها باهتمام: "مالك يا لينا؟! شكلك قلقان ليه؟"
قال لينا بدموع: "النتيجة هتظهر، خايفة أوي يا مريم أنا تعبت أوي والله."
"إن شاء الله ربنا مش هيضيع تعبك."
ابتسمت لينا ولا زالت عيناها معلقة على حاسوبها، ثم أخيراً صاحت بسعادة: "جبت 92 في المية يا تيتة."
ابتسمت مريم بسعادة وأطلقت الزغاريد العالية، فأجتمع كل من بالبيت وتشاركوا جميعاً في تلك الفرحة، حتى أن كريم ضم لينا بسعادة ورفعه يدور بها، هي تصرخ بسعادة وحماس: "أنا حققت حلمي يا كريم وأخيراً."
"حققتي حلمنا يا روح قلبي... يلا يا جماعة جهزوا نفسكم عازمكم على العشاء بالمناسبة القمر دي."
اقترب والده يضم ابنته وقال بفخر: "لا طبعاً العزومة عندي أنا."
ابتسم كريم ولم يرد عزومة أبيه، فتحركوا جميعاً ليبدلوا ثيابهم، ثم اجتمعوا بالسيارات بعد قليل. تحرك والد كريم ووالدته ومعهم الجدة بسيارة ومعهم أحد الحراس، بينما تولى حازم قيادة السيارة الثانية وجلس كريم بجواره وبالخلف الفتاتان، فقال حازم بابتسامة: "مبروك للهانم الصغيرة يا كريم باشا."
"الله يبارك فيك يا حازم."
"ومبروك الخطوبة للآنسة داليا."
نظر له كريم بضيق وقال بصوت خافت: "الله يبارك فيك يا حازم."
انطلقوا بالسيارات وبعد دقائق توقفوا أمام أحد المطاعم، كادت مريم تفتح بابها ولكن وجدت من يفتحه ويبتسم وهو يشير لها بيده بالترحيب، فأبتسمت وهي تخرج تسأله بتعجب: "إنت عرفت إننا هنا إزاي يا صالح؟"
بينما كريم على الجهة الأخرى ينظر له بغضب وهو يسأل أخته بحدة: "مين اللي عزم الواد ده!"
"مالك يا رسلان؟"
"تعبان أوي يا ماما.. مش عارف أعمل إيه ولا إيه، لما كنا هناك مكنتش حاسس بالفرق اللي بيني وبينهـا، بس أول ما رجعت حسيت بيه، إني أجوز آفرين لأدهم سهل، إنما إني أتزوج داليا وأخدها لمستوى مادي أقل بمراحل عن اللي هي عايشة فيه هيكون صعب أوي.. ومن جهة تانية مش عارف هقول لأدهم إزاي إن اللي عملت فيه كده تبقي عمته أخته أبوه، اللي رقدته كل السنين دي وشوهته تبقي أخته أبوه، من لحمه ودمه.. تعبان أوي ومحتار."
"ليه! إيه اللي ممكن يوصل واحدة إنها تعمل كده؟ النوع ده من السحر مبيتعملش بسهولة، دي بتقدم وبتتنازل عن حاجات كتير أوي.. حاجات فظيعة في عالم تاني ربنا يحفظنا منه، وكون إن السحر ده يؤثر في أرض دارو معناه إنه أكبر من كارثة، يا ابني دارو معناها الدواء أرضها خصبة بالأعشاب اللي بتداوي الجروح في ثواني، وعشان كده الأرض بتقاوم أي سحر بيدفن فيها وبتدوبه وبتمنع أثره، فتخيل إن السحر اللي هي عملته يعمل كده في الأرض!! أدهم عمل إيه عشان الست دي تكرهه كده وبالشكل ده!!!"
"لا حول ولا قوة إلا بالله، مش عارف والله يا ماما."
"طب سيبك من الموضوع ده، وخليني في موضوع داليا، إنت هتعمل اللي عليك وتتقدم لها وهي يا حبيبي لو بتحبك وشارياك هتوافق من غير ما تفكر في كل اللي إنت بتفكر فيه ده."
"هعمل كده يا ماما والإختيار ليها هي."
بعدما انتهى رسلان من حديثه مع والدته عاد لغرفته واستلقى على فراشه وأخذ هاتفه يجيب رسائل أصدقائه، ثم تركه لينام بتعب بعد يوم مرهق.
في الصباح التالي تحرك رسلان لداخل الشركة، وأخيراً وبمجرد دخوله للمصعد وجد الحارس خلفه يناديه: "سيب الأسانسير للست هانم... اتفضلي يا داليا هانم."
أتت داليا من خلفه، فأبتسم رسلان بحزن، ثم تحرك بهدوء، ولكن قبل خروجه قالت بهدوء: "لا خليك يا رسلان... هنطلع سوا."
دلفت للداخل، فنظر لها الحارس ببلاهة، فهي كانت ترفض رفضاً تاماً بأن تبقى بالمصعد مع الموظفين، ليس تكبراً منها ولكن خوفاً من أن يصيبها سوء بأي شكل.
ما عاد للحديث بينها وبينه هدف، لن يهمه أمرها بعد الآن، وربما بعد بضعة أيام سينسى تلك الرحلة بكل ما بها. حاولت التحدث كثيراً ولكن توقفت الكلمات في حلقها، أما هو فبقي صامتاً يتطلع لاضطرابها، حتى شعر بما تمر هي، وقبل أن يفتح باب المصعد اقترب ليقفله، فنظرت له بتعجب، فأمسك بيدها يسحبها تجاهه يجول بعينيه على عينيها وقال بهدوء: "يا من توهمت أني لست أذكره.. والله يعلم أني لست أنساه.. إن غاب عني فالروح مسكنه.. من يسكن الروح كيف القلب ينساه!"
"هاه!"
ضحك رسلان وهو يبتعد عنها، وهي تابعته بعينيها ولا زالت مسحورة بوقع كلماته، لا تستطيع إنكار تأثير ذلك الرجل أمامها.
اقترب منها مجدداً وسأل بصوت عاشق: "تتجوزيني يا داليا؟"
إلى لقاء قريب.
آية محمد.
رواية لعنة ال دارو الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اية محمد
"تتجوزيني يا داليا؟"
"زوجة ثانية؟! لا شكراً."
قال بهدوء: "زواجي من آفرين كان تذكرة خروجنا من دارو بسلام، أيوان خيرني يا أخرج بأدهم من غير ما أفعل السحر، يا أتزوج آفرين ونرجع بسلام. وأنا طلقتها امبارح. داليا أنا مش عايز غيرك."
امتلأت عيناها بالدموع وقالت بصوت منخفض: "طب وآفرين هتروح فين؟"
غمزها بمشاكسة: "هجوزها لواحد اسمه أدهم النجار."
فتحت عيناها بصدمة: "أدهم أخويا؟!"
"أخوكي كان متفق معايا على كل حاجة، إلا أنا كان رافض موضوع الجواز دا خالص، بس هعمل إيه؟ كان قدامك أيوان أصر. ولو كنت عارضته كتير كان هيشك فيا، فأضطريت أعمل كدا."
ضربته في صدره بقوة وغضب: "طب وليه اتفقت مع أدهم وأنا لأ؟ وسيبتني أموت من كتر العياط والوجع."
ابتسم بخبث: "طب دا واضح بقى إن الشعور متبادل."
نظرت له بغضب وقد قررت بداخلها معاقبته على تلك الليلة التي قضتها في البكاء، فالتفتت تضغط زر المصعد وتحركت للخارج تجاه مكتبها تاركة إياه ينظر لها بتعجب: "يعني موافقة ولا لأ؟"
قالت بثقة: "مش بالسهولة دي يا أستاذ رسلان."
حياها الجميع باحترام، فرسمت ابتسامة هادئة ثم تحركت لداخل مكتبها حيث يجلس على مكتبه بكل وقار: "بردو صممت تيجي المكتب؟ افرض حد شافك يا أدهم!"
"إنتي اللي بتعملي إيه هنا؟ أنتي مش قولتي مش هتيجي وتاخدي إجازة؟"
"مهو فكرت وعرفت إنك المفروض تشوف هنعلن إزاي إنك عايش، وبعدين أبقى آخد إجازة براحتي."
"المؤتمر بعد ساعة يا داليا، أدهم على وصول وهنعلن كل حاجة. بس هو في حاجة عرفتها عاوز أفهمها."
"حاجة إيه؟"
"ابن عمتك بيعمل إيه في السجن؟"
"صباح الخير يا بابا."
"صباح النور يا حبيبي. مريم كانت بعتالي صفحة بنت بتعمل ديكور للخطوبة في البيت وقالتلي أقولك عليه."
"وهي فين مريم؟"
"راحت تزور مامتها."
"حد من الحراس بيوصلها أكيد؟"
"لا، صالح معاها."
نظر له كريم بصدمة وسأل والده بغضب: "نعم! يعني إيه صالح معاها؟ يعني خرجت معاه لوحدها؟ هو ينفع كدا يا بابا؟"
"يا ابني دا خطيبها. وبعدين لينا معاهم وهي عاوزة تعرفه على أهلها اللي ربوها. هو استأذن مني وأنا وافقت. وبعدين هتروح لوالدها محتاجة تتكلم معاه وهيتغدوا ويرجعوا."
"يا حلاوة! يعني هتقضي اليوم كله مع الأستاذ!! عال أوي؟ لأ يا بابا الكلام دا مينفعش."
"لأ يا حبيبي ينفع. أي قل نفعه. إنت بقى متضايق وغيوران وهتولع من جواك دي مشكلتك إنت."
"أنا غيوران!؟ مريم أختي."
"غبي! إنت غبي وهتفضل عمرك كله غبي ودايماً فاهم مشاعرك غلط وضيعت البنت من إيديك. مريم مش أختك ولا عمرها كانت. إنت حطيتها في المكانة دي كرد اعتبار ليها مش أكتر، إنما إنت حبيتها."
"لأ يا بابا الكلام دا مش صح. هو خطيبها على عيني وعلى راسي، عاوز يقابلها يجي هنا، إنما ميخرجش معاها. وبعدين دي لسه حتى ملبستش دبلة."
قال والده بغضب وتحدي: "خلاص، هكلمه بدل الخطوبة يبقى كتب كتاب علشان تبقى مرتاح، وأهو ياخد راحته معاها."
"كتب كتاب إيه؟ هو إحنا لسه لحقنا نعرفه!! بابا دا جواز صالونات يعني هي لسه متعرفوش."
"يبقى ناخد رأيها ونشوف."
"حتى لو وافقت أنا مش هوافق يا بابا. الموضوع منتهي."
تحرك للخارج قبل أن ينفجر غضباً من حديث والده الذي استفزه بشدة. صعد لسيارته وانطلق بأقصى سرعة، سرعة وضوضاء عالية للتغلب على ضوضاء قلبه وعقله، وأصبحت هي أمامه بدلاً من الطريق وكلمات والده تتسابق لتشوش عليه أصوات السيارات بجواره ولم ينتبه حتى لتلك السيارة التي تتخذ الملف لتبدل بين الطريقين حتى اصطدم بها بقوة وتوقف الزمن عند تلك النقطة وأغمض كريم عينيه متألماً وهو ينازع لأجل البقاء على قيد الحياة.
"إيه دا؟! العربية دي ورانا من ساعة ما طلعنا."
"لأ مهي عدت أهي... إيه دا."
استدارت تلك السيارة لتقف أمامهم مباشرة، فأوقف صالح سيارته ونظر تجاههم بتعجب ثم التفت للفتيات وقال بجدية: "محدش ينزل من العربية."
أومأت مريم برأسها وهي تنظر لينا بقلق، ثم سريعاً أخرجت هاتفها لتتصل بكريم، ولكن لم يأتيها رد بعد عدة محاولات، فلم تجد سوى خالها فأخبرته سريعاً بما يحدث معهم ثم أرسلت له موقعها.
وضعت هاتفها في حقيبتها ثم نظرت أمامها بتمعن لتفتح عينيها بصدمة عندما وجدت خالد يقف أمام صالح وخلفه العديد من الرجال، وحتى لم يعطوه الفرصة بالحديث فاجتمعوا عليه أبرحوه ضرباً بكل قسوة وقاومهم صالح بكل قوته فهو شاب قوي البنية ولكن الكثرة تغلب الشجاعة.
نظرت مريم ولينا برعب لما يحدث وتماسكوا ببعضهم، لم يعلموا بأن لهم نصيباً مما أصاب صالح.
اقترب الرجال منها وسحبوهم بالقوة للخارج وبدأ الأمر بصفعة قاسية على وجه لينا التي بكت برعب وهي ترى مصيرها البائس على أيديهم، وقبل أن يمس الرجل مريم اقترب خالد يمنعه، فقال الرجل بقسوة: "لأ يا حلو... البنتين قبل الواد دا أصلاً ميهمناش في حاجة. الباشا قال ياخدوا علقة محترمة."
ابتعد خالد بضيق وهو يرى ذلك الرجل اقترب منها وبدأ في ضربها بكل قسوة ومعها لينا حتى سقطت الفتاتين أرضاً ولينا فاقدة للوعي، أما مريم فكانت تنازع للبقاء على قيد الحياة.
"المؤتمر انتهى يا سادة، وأتمنى أكون جاوبت على كل أسئلتكم. بعد إذنكم."
انتهى المؤتمر بإعلان أدهم بتعرضه لوعكة صحية شديدة ألزمته الفراش لأعوام. الصدمة احتلت ملامح الجميع عندما وجدوا ما وصفوه "بالشبح" يتجول بينهم في أركان شركته حتى استوعب بعضهم بالنهاية، عدا قلة، فتبدلت مشاعرهم من التعجب للفرحة الشديدة بعودة مديرهم.
قال أدهم براحة: "أنا كدا تمام. اتفضلي بقى اقعدي احكيلي أي حوار سجن معتصم دا!"
قالت بتوتر: "كل الحكاية..."
قبل أن تجيبه رن هاتفه برقم والده كريم. تعجبت فكل ما تعرفه عنه بأنه سافر منذ سنوات ولم يعد.
أجابته بقلق: "السلام عليكم!"
"داليا... اطلعي بسرعة على مستشفى الشفاء، كريم عامل حادثة هناك. ومريم اتصلت بيا من شوية وبتقولي في ناس اتهجمت عليهم ومعاها لينا، وكل واحد في مكان ومفيش غيرك هيعرف يتصرف."
سألت بصدمة: "كريم!!! حـ... حاضر يا عمي أنا رايحاله حالا."
أغلقت هاتفه فسألها أدهم بخوف: "ماله كريم يا داليا؟"
"حادثة... كريم عامل حـ..."
قبل أن تكمل حديثه تحرك أدهم للخارج فركضت هي خلفه، تحت نظرات رسلان الذي وقف يستشعر قلقهم فتحرك خلفهم حتى سيارة أدهم يسألهم: "داليا إنتي كويسة؟"
قال أدهم بحدة: "معندناش وقت للأسئلة، اركب."
أعطته داليا مقعدها بجوار أخيها وتحركت تجلس بالخلف وهي تكاد تموت قلقاً لأجل كريم حتى أنها بدأت في البكاء لتخفف من قلقها ورسلان يطالعها بحزن بعدما أخبره أدهم بما حدث: "متقلقيش يا داليا خير إن شاء الله ميكونش حصله حاجة."
سألها أدهم: "داليا هو والد كريم مقالكش أي حاجة تانية؟"
"قالي إن لينا مع بنت اسمها مريم وفي ناس اتهجموا عليهم وهو رايلهم. هو غالباً عرف الخبرين في نفس الوقت. أنا هكلم حازم دا الحارس بتاع كريم، هخليه يدور على عمي والبنات وياخد معاه ناس."
أخرجت هاتفه وعلي الفور أجابها حازم: "أيوة يا هانم."
أجابته بصوت حاد: "إنت كنت فين وكل دا بيحصل!!!"
"يا فندم الأستاذ كريم خرج الصبح بسرعة وكان باين عليه متعصب ورافض أي حراسة، والأستاذ صالح قالي إنهم عندهم مشوار عائلي ومش عاوزين حرس."
قالت بحدة: "تجيبيلي الكلاب اللي عملوا كدا في البنات وترميهم في المخزن لحد ما أفضالهم، وحادثة أدهم تعرفلي إذا كانت مقصودة أو لا. كل دا يخلص خلال ثلاث ساعات يا حازم، فاهم!!"
"حاضر يا فندم."
أغلقت هاتفه بضيق وعلامات الذهول على وجه كلا من رسلان وأدهم الذي سألها بتعجب: "إنتي مين؟ معقولة داليا؟"
قالت بقهر: "كريم كان سندي الوحيد في غيابك يا أدهم، بس كان لازم أعمل حسابي برجاله ولاءها ليا ميتغيرش لو حصل لكريم حاجة، وحازم منهم. أنا واجهت حاجات كتير أوي أنا وهو."
"إن شاء الله هيكون كويس."
سألها رسلان بتعجب: "لأ قوليلي إنتي هتعملي إيه لما تفضيلهم في المخزن!! معلشي عشان أنا مستقبلي بيضيع هنا."
نظرت له بغضب فأعتدل في جلسته ينظر للأمام: "دا شكلها أيام زي الفل."
وأخيراً تحرك أدهم سريعاً في طرقات المستشفى يبحث عن صديقه حتى وجده في إحدى الغرف متسطح على فراش مغمض العينين وكل جسده مضمد تقريباً. اقترب أدهم منه بلهفة: "كريم!! إنت كويس!؟"
"لينا هانم!! إنتي كويسة؟"
كانت تجلس في طرقات المستشفى وحيدة غارقة في دمائها، كل ما تشعر به هو الخوف فقط حتى ظهر هو أمامها.
نظرت لينا له بأعين دامعة ثم ركضت تجاهه لتستقر بين يديه تبكي بخوف وهمس هو بقلق: "لينا!"
رواية لعنة ال دارو الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اية محمد
"كريم!! أنت كويس!؟"
"مش هيفوق دلوقتي، لسه شوية."
قالتها الممرضة. فنظر أدهم لها يسألها بقلق: "هو كويس صح!! إيه كل الشاش ده!؟"
"دي كانت حادثة موت يا أستاذ، اللي كان في العربية التانية متخربش خالص، هو يدوب عنده شوية كدمات."
نظر لها أدهم بضيق ولطريقتها السوقية في الحديث. ثم نظر حوله ليجد العديد من الأشخاص يتشاركون معه بالغرفة. قال أدهم بجدية: "هروح أشوف عربية إسعاف ننقله مستشفى كويسة."
أومأت له داليا بهدوء. ثم تحركت لتجلس بجوار أدهم. وخلفها رسلان يتابعها باهتمام، وقد استراح قلبه قليلاً لرؤيتها أفضل حالاً.
أقترب ليقف خلفها وقال بهدوء: "الحمد لله إنه بقى كويس."
"الحمد لله."
كان يرغب في قول الكثير بتلك اللحظة ولكنه فضل الصمت حتى تصبح الأمور أفضل.
وعلى مقربة منهم في مستشفى أخرى، خرجت لينا من بين يديه وهي تشير تجاه غرفة العمليات ببكاء: "مريم حالتها صعبة أوي وصالح كمان، ضربوني وأنا مش عارفة حتى مين دول وعايزين منا إيه!؟"
قال بغموض: "أنا عرفتهم ووصلتلهم.. متقلقيش والدك على وصول والكلاب دول حسابهم معايا."
قالت ببكاء: "أنا عايزة كريم… عايزاه هو اللي يجيبلي حقي."
قال بهدوء: "كريم لو عرف هيرتكب جناية، سيبيني أنا أتصرف.. تعالي نخلي حد من الممرضين يربطلك جرحك ولا نشوف دكتور يطمني عليكي."
بالفعل بعد قليل أخذتها إحدى الممرضات وأجلستها في فراش ثم أعطتها محلولاً به أدويه لتهدئتها. "يلا بقى احكيلي بالظبط إيه اللي حصل."
قصت له لينا وهي تكافح النوم. ولكنها امتلكت الوقت الكافي لتخبره بكل ما حدث. ثم ذهبت في نوم عميق. فقال للممرضة بجدية: "خليكي معاها شوية نضفي لها جروحها."
أعطاها مبلغاً من المال ففعلت الممرضة مع ابتسامة رضا. وتحرك حازم للخارج ليصطدم به والد كريم وقد كان في موقف لا يحسد عليه.
قال حازم بهدوء: "اهدي يا باشا، الآنسة لينا بخير، أخدت مهدئ وجروحها سطحيه، الآنسة مريم والأستاذ صالح في العمليات، كلمت الأستاذة داليا من شوية وطمنتني إن كريم بخير، عنده شوية كدمات ولسه فاقد وعيه لكن هي هتنقله مستشفى خاصة وهيبقى أحسن."
"مريم حالتها إيه؟! يعني إصابتها خطر ولا إيه؟!"
"لسه محدش عارف، إيه رأي حضرتك تقعد جنب الآنسة لينا، حالتها النفسية مش كويسة، وأنا أول ما أعرف معلومة هبلغك."
"لا.. لا أنا هفضل هنا لحد ما مريم تخرج وأطمن عليها."
جلس بإنتظارها. وحازم عيناه منشغلة يراقب المكان حوله باحترافية. وينظر لساعته الذكية من حين لآخر. أخرج هاتفه وأجرى اتصالاً هاتفياً. وأتاه الرد بعد ثواني: "تمام يا باشا.. مسكناهم."
"روقوهم على ما آجي.."
"تمام يا باشا."
بمجرد انتهاء المكالمة خرج الطبيب من غرفة العمليات: "مين مع الآنسة مريم!؟"
"أيوا احنا يا دكتور." أجابه حازم.
"في اعتداء عنيف بالضرب، حصل نزيف في الكبد قدرنا نسيطر عليه لكن الحالة مش مستقرة ومنقدرش نقول حاجة قبل 24 ساعة، هي هتتنقل العناية دلوقتي.. طبعاً إحنا لازم نبلغ البوليس."
قال محمد بغضب: "طبعاً هنبلغ."
سأله حازم بهدوء: "والحالة التانية يا دكتور اللي كانت جاية معاهم!؟"
"لسه في العمليات، والحالة مع دكتور إيهاب هو هيطمنكم بنفسه."
ربت حازم على ظهر محمد وقال بهدوء: "خير يا باشا إن شاء الله."
..................................
"لا تصدقي فرق كبير بين المستشفيات الحكومية والمستشفيات الخاصة."
"أكيد.. المهم كريم يكون كويس."
"خايفة عليه أوي!"
"أيوا طبعاً."
"يعني لو اتخربشت زيه كده هتخافي عليا برضه؟"
نظرت له بتعجب وقالت بصوت مختنق: "بعد الشر عليك يا رسلان، ليه بتقول كده!؟"
قال بضيق: "لا أبداً ولا حاجة."
تحولت نظرة التعجب لضحكات عالية. وسألته بدهشة: "أنت غيران!؟"
"ومغيرش ليه؟ مش راجل وإنتي البنت اللي بحبها وعايز أتجوزها واللي خايفة عليه ده راجل غريب."
"بس كريم مش غريب."
"بالنسبة لي غريب."
قالت بهدوء: "كريم زي أخويا يا رسلان."
هز رأسه رفضاً بضيق: "لا.. مفيش حاجة اسمها زي أخويا، هو مش أخوكي مش من دمك ولا حتى راضعين على بعض، أنا عايزك تبقي هنا علشان جدعنته معاك مش أكتر."
تأففت بضيق: "التحكمات بدأت بدري أوي يا أستاذ رسلان."
"بالعكس يا داليا مش تحكمات، بس الشخص اللي إنتي بتقولي عنه أخوكي ده الشركة كلها عارفة إنه بيحبك وعايز يتجوزك."
"وأنا مبحبهوش هو ومش عايزاه هو."
سألها بخبث: "أومال عايزة مين؟"
أشاحت بوجهها عنه بضيق وأخفت ابتسامتها الخجلة. دلف أدهم الغرفة وجلس أخيراً بجوارها براحة: "حالته كويسة، الدكتور قال ممكن يخرج بكرة الصبح."
قالت داليا بهدوء: "لينا حالتها كويسة، البنت التانية وخطيبها هما اللي لسه وضعهم مش مستقر، عايزة أروح لعمي محمد يا أدهم وأطمن على لينا."
قال أدهم بجدية: "وجودك ملوش داعي يا داليا، وبعدين ما إنتي الأخبار بتوصلك أول بأول."
"مش هتصدقي مين اللي عمل كده فيهم وليه."
"مين!؟"
"منير."
"منير ابن عمتي!؟ ليه وبعدين هو مش في السجن!! إنتي مقولتليش لسه هو محبوس ليه."
"محبوس في.. محاولة اغتصاب."
فتح أدهم عينيه بصدمة. ولكن ارتباك داليا الواضح جعل رسلان يسألها بشك: "مين البنت!؟"
أغمضت عينيها بألم وقالت بصوت خافت: "أنا."
صرخ أدهم بصدمة: "إيه!!"
قالت بصوت خال من الحياة: "كريم هو اللي لحقني على آخر لحظة، وعمل فيه اللي لو إنت كنت موجود كنت هتعمله."
نظر لها أدهم بحزن. ثم أقترب منها يجلس أرضاً أمامها وقال بضعف: "آسف.. أنا آسف إني سيبتك."
ضمت وجهه بيدها وقالت بابتسامة حزينة: "بس أنا لسه مستنياك تعلمه الأدب بطريقتك، بطريقة أدهم النجار."
ابتسم أدهم بشر وحقد: "ورحمة أبويا وأمي، ليلعن اليوم اللي فكر فيه يبصلك بس."
قال رسلان بصوت مختنق: "هو وأمه."
نظر الإثنين له بتعجب: "أمه هي اللي سحرتلك يا أدهم.. عمتك تعرف واحدة اسمها ناهد بتاعت أعمال وسحر، والست دي أصلها من دارو اسمها الحقيقي أناهيد و طبعاً الست دي هي اللي دفنت السحر هناك."
سأل أدهم بصوت منكسر خافت: "ليه!! ليه ممكن تعمل فيا كده!؟"
"علشان الدنيا مفيهاش أمان، المفروض إن اللي من دمك هو اللي كان يحمي أختك في غيابك، بس العكس اللي حصل، الناس بتحقد على بعضها يا أدهم بشكل متتخيلوش."
قال داليا بهدوء: "موجود في المخزن يا أدهم هو خرج من السجن من يومين، حازم قالي إنه من حوالي أسبوع بعت شريكه لكريم علشان يساومه على الشركة وكريم مدلوش أهمية، ومنير خرج عمل كده قرصة ودن يعني لكريم."
سألها رسلان بتعجب: "هو إنتي لحقتي تعرفي كل ده إزاي يا داليا!؟"
"سيدة الأعمال الناجحة لازم تكون عينيها مفتحة مع كل اللي بيحصل حواليها يا رسلان."
قال أدهم بجدية: "المهم، أنا رايح المخزن.. لو حصل أي حاجة كلموني فوراً، وإنت يا رسلان أوعي تخليها تخرج من الأوضة دي، أنا مأضمنش أي اللي ممكن يحصل تاني."
ابتسم رسلان وهو ينظر لها بخبث لم يلاحظه أدهم. وهي بدلته نظرتها بغضب وضيق.
قال رسلان بهدوء: "متشيلش هم يا أدهم."
تحرك أدهم للخارج. وجلست هي على الأريكة تتحاشى النظر له. فأقترب تجاهها يتسأل بجدية: "هو إنتي كنتي بترفضى الجواز بسبب تأثير التجربة دي عليكي!؟"
"أنا قولتلك يا رسلان أنا كنت برفض لأني محبيتش حد من اللي اتقدمولي، أنا مكنتش ضعيفة نفسياً يا رسلان كنت بس ضعيفة جسدياً قصاده ولما لقيت كريم أنا وقفت وأخدت حقي منه وبعدها حبسته، أخدت حقي وكريم عمل معاه الواجب وأهو أدهم هيكمل عليه."
"بس رعشة إيدك دي متقولش كده… داليا إنتي بني آدم مش إنسان آلي."
تنهدت بتعب ثم قالت ببعض الحرج: "ممكن منتكلمش في الموضوع ده دلوقتي."
أومأ برأسه يحترم رغبتها. ثم ابتعد مجدداً يجلس في زاوية الغرفة. وظلت هي تعبث بهاتفها.
حتى استمعت لصوته: "أيوا يا ماما.. لا أنا كنت هتأخر شوية، اتغدي إنتي وآفرين، وقوليلها معلشي المشوار بتاع النهاردة هناجله بكرة، حاضر يا ست الكل هاخد إجازة علشان خاطرها، لا متقلقيش عليا أنا مع واحد صديق ليا في المستشفى.. ماشي سلام."
زادت نظراتها له حدة وغضب وغيره. وهو لاحظها وتعمد تجاهلها. وكانت هي أكثر عناداً منه. فأخفت غيرتها تحت قناع البرود. واستندت بظهرها على الأريكة حتى غفت بمكانها.
نظر رسلان لها بابتسامة. ثم تحرك تاركاً لها الغرفة لتشعر بالراحة. وجلس بالخارج لم يغمض له جفن خوفاً عليها من أي حدث غير متوقع تزامناً مع الأحداث الحالية.
..................................
"مريم.. مريم فاقت يا بابا."
وقبل أن يتحدث هجمت سيدة على الغرفة تقول بحدة: "الحمد لله على السلامة يا أختي، مش كان واجب برضه تعرفي ابن الناس اللي مخطوباله إن كان ليكي حبيب قلب قديم هيعمل فيكي كده!! منك لله كان وشك غم علينا."
تجمعت الدموع بأعين مريم. ورغم حزنها الشديد لسماعها تلك الكلمات المؤلمة إلا أنها سألت باهتمام: "صالح جراله إيه!؟"
"ابني هيعرج العمر كله بسببك يا ست الحسن، منك لله كانت معرفة الشؤم، أنا هسافر بابني بكرة الصبح، إنسي إنك كنتي تعرفيه، واوعي تفكري تتواصلي معاه بأي شكل."
تحركت السيدة لخارج الغرفة. ومريم تنظر تجاهها بحزن وشفقـة جراء ما حدث لإبنهـا بسببها هي.
قالت مريم بحزن: "أنا مكانش قصدي والله.. منه لله خالد هو اللي مصمم يدمرلي حياتي."
سألت لينا بحيرة: "بس هو مش كان اتقبض عليه!؟"
أجابها حازم بجدية: "بس كريم باشا كان حاسس إنه وراه حد وإنه هيخرج، وفعلاً ده اللي حصل."
ربت محمد على مريم بحنان. ثم تحرك لخارج الغرفة وخلفه حازم. فقال محمد بتعب: "أنا لازم أروح المستشفى لكريم.. خلي عينك مفتوحة أوعي تغفل عن البنات."
"متقلقش يا محمد باشا، في الحفظ والصون."
"متقولش ل لينا حاجة عن كريم، كفاية اللي هي فيه."
"حاضر."
بالفعل اتجه محمد للمستشفى الأخرى. فأنتظر حازم خارج الغرفة لبعض الوقت. حتى انتبه على مريم تخرج. فأتى لها يسألها بهدوء: "محتاجة حاجة يا هانم!؟"
"عايزة أروح أطمن على صالح."
"خرجوا من المستشفى يا آنسة مريم.. لو سمحتي اتفضلي ارتاحي وضعك لسه مش مستقر."
"لا أنا كويسة، عايزة أمشي هو فين خالي!؟"
انزعج حازم ونظر لداخل الغرفة ليجد لينا قد غفت. سحب الباب ليغلقه. ثم قال بحذر: "خالك عند كريم باشا في المستشفى، عامل حادثة."
سألت بصدمة: "إيه!! وحالته إيه!؟ خدني وديني عندهم."
"يا هانم مينفعش، متنسيش الآنسة لينا حالتها النفسية مش هتسمح إنها تسمع حاجة زي دي، لازم نتصرف طبيعي، بعد إذنك ارجعي سريرك وارتاحي أستاذ كريم مفيش عليه خطر مستنيينه يفوق بس."
قالت بدموع: "يا رب قويه."
........................................
"أدهم!!"
ابتسم أدهم بخيبة أمل وهو يجلس أمام ابن عمته المقيد. وخلفه رجاله. فضحك بسخرية: "شفت.. رجعتلك من الموت بمجرد خروجك من السجن علشان أكون في استقبالك، خرجت علشان أبقى موجود قبل ما تفكر تأذي أختي تاني يا كلب، أختي اللي هي من دمك، اللي حماها الغريب منك أنت، بدل ما تحميها بنفسك."
قال منير بحقد: "أحميها من إيه!! أحميها وهي حواليها حراس زي الجيش من إيه!! إنت وأختك فلوسكم تغنيكم عن الحماية."
"الله يخربيت الفلوس الله تعمل كده، إنت إيه يا أخي مفيش في حياتك غير الفلوس وبس!!."
"أنا برضه!! أنا يا ابن خالي اللي واكل ورث أمي وسابنا نشحت!!."
"أبويا مأكلش ورث أمك يا منير وإنت عارف كويس، عارف إن أبوك هو اللي أخد نصيب أمك من الوريث وضيعـه، مترميش اللوم علينا وإنت عارف مين الغلطان، وبرغم كده أخدتك في بيتي إنت وأمك.. أمنتك على أختي في وجودك ومخوفتش عليها منك، بس إنت كنت حيوان وهتفضل كده.. فاشل وطماع زي أبوك، ولا أقول زي أمك!! الست الطاهرة اللي عاملة فيها شريفة ومكسورة الجناح اللي راحت للسحرة والدجالين علشان تسحر ابن أخوها… أمك فين يا منير!!."
"ماتت.. البيت اتحرق وهي فيه، علشان كنا عايشين في منطقة بيئة متليقش بينا أبداً."
"أهون موته بعد اللي عملته فيا طول الأربع سنين، وإنت هتدفع التمن يا منير."
"ليه! مش كفاية فيا التلات سنين اللي اتحبست فيهم!!! أختك كان لازم تتعلم الأدب، مكانتش شايفاني راجل، موافقتش تسلمني الشركة وكأنها هسرقها منكم، وبرغم كده عاملة توكيل عام للي اسمه كريم… كريم اللي كان بيدخل ويخرج على كيفه والله أعلم كان بينه وبينها إيه!! كنت بتأكد إنها."
صرخ به أدهم يسحبه من ثيابه. ثم لكمه بعنف. وأنقض فوقه يكيله باللكمات انتقاماً لأخته. حتى تكسرت عظام وجهه. فأبتعد عنه بعصبية وصرخ برجاله بغضب: "البوليس قدامه نص ساعة وهيجي يلمهم تاني… ربوهم كويس مش عايز البوليس يلاقي فيهم حتة سليمة… أما إنت فأنا قرفان حتى إني أبص في وش واحد زيك يقبل إن راجل يمد إيده على اللي بيحبهـا لمجرد الفلوس أو انتقاماً منها."
نظر خالد أرضاً بندم وقال بقلة حيلة: "كنت فاكر هعرف أمنعهم يلمسوها بس خوفت."
"خاف.. خاف لما تعرف إن اللي إنت بقيت في ضهره ده يبقى تاجر مخدرات قد الدنيا والبوليس مسك عليه أدلة جديدة، وكلكم هتتخدوا في الرجلين."
نظر له خالد بصدمة. فهو قبل مساعدة ذلك الشخص عندما أخبره بأن عداوته مشتركة مع كريم. لم يعرف عنه الكثير ولا حتى بما ورط نفسه. وقضيته بالتعدي ستصبح سلسلة من القضايا. وها هو يخسر نفسه لسيره خلف انتقامه الغبي.
تركهـم أدهم وخرج عائداً للمستشفى محاولاً لتخفيف غضبه. سيعود لرؤية أخته. فألتقى برسلان في الخارج: "كريم فاق!؟ خرجت ليه!؟"
"لا لسه مفاقش، وداليا عينيها غمضت قولت أخرج علشان مسببلهاش حرج."
ربت أدهم على كتفه بإمتنان: "متشكر يا رسلان على وقفتك معايا."
قال رسلان بغباء: "طيب بالمناسبة السعيدة دي بقى أنا كنت عايز أتجوز داليا!! جوزهالي.. بالله عليك."
رواية لعنة ال دارو الفصل السادس عشر 16 - بقلم اية محمد
"متشكر يا رسلان على وقفتك معايا."
قال رسلان بغباء: "طيب بالمناسبة السعيدة دي بقى أنا كنت عاوز أتـجـوز داليا!! جوّزيهالي.. بالله عليك."
نظر له أدهم بصدمة ثم سأله بضيق: "هي فين؟!"
سأله بحماس: "مين داليا؟!"
"لأ يا حبيبي، المناسبة السعيدة اللي أنت بتتكلم عنها وإحنا في نص المستشفى!! أنت عبيط يعني؟!"
نظر له رسلان بضيق، فتجاهله أدهم ثم تحرك للغرفة ليجد كريم قد عاد لوعيه وأخيراً يجلس مكانه بصمت، بينما داليا كانت غافية على الأريكة لم تنتبه له.
اقترب أدهم من كريم باهتمام يسأله بجدية: "أنت كويس يا كريم؟ حاسس بحاجة؟!"
ابتسم كريم بخفوت وربت على يده: "كويس يا أدهم الحمد لله، اللي في العربية التانية جراله حاجة؟!"
"لأ متقلقش كويس، هو بس إصابته كانت أشد منك بس أنا على تواصل مع المستشفى وقالولي إنه فاق كمان وبقى أحسن."
قال كريم بضعف: "أنا اللي غلطان يا أدهم، بلّغه وبلّغ أهله إن تكاليف العلاج وتصليح العربية عليا."
ابتسم أدهم وأومأ برأسه: "حاضر، دلوقتي هروح أشوف الدكتور يطمنا عليك.. رسلان! رسلان!! أنت يا ابني!!!"
كان مبتسماً ببلاهة وهو يتابع تلك النائمة، فنظر له أدهم بغضب وصرخ باسمه من جديد ليفزع رسلان وينظر له بدهشة: "في إيه هو أنا في نهاية العالم!! عاوز إيه؟!"
"عاوز إيه!!؟ يا ابني احترمني شوية أنا مديرك في الشغل!!"
تأفف بضيق: "عاوز إيه يا أدهم خلصني!"
"تعالى نروح نشوف الدكتور."
"لأ ونسيب داليا لوحدها!! افرض حصل حاجة."
نظر له كريم بتعجب يسأله بعدم فهم: "هيحصل إيه مش فاهم!! وبعدين هتسيبوها لوحدها فين ما أنا موجود أهو!!"
قال رسلان بضحك: "ده أنت مفيش فيك حتة سليمة.. يدوب لو حد هجم عليك تنطق الشهادة."
قال أدهم بضيق: "خلاص يا خفيف، روح أنت هات الدكتور وأنا هفضل معاهم."
"أوف.. حاضر."
تحرك رسلان للخارج، فتحرك أدهم تجاه داليا وبدأ في إيقاظها برفق، ففتحت عينيها بتعب لتستوعب المكان بعد دقائق: "إيه ده أنا نمت!؟ أنا محسيتش بنفسي خالص!"
ابتسم أدهم يقول بهدوء: "هنطمن على كريم وبعدين هاخدك البيت ترتاحي.. الدكتور جاي فقولت أصحيكي."
"كريم فاق؟!"
التفتت تجاه الفراش لتجده ينظر تجاهها بابتسامة، فتحركت سريعاً تجاهه: "الحمد لله إنك بخير.. قالولي إنك كنت سايق على 140 وده تصرف متهور يا كريم بجد متوقعتش منك كده!!"
"أنا بس.."
"كريم؟"
التفتوا جميعهم على صوت محمد يدلف للغرفة، ثم اتجه لكريم وضمه برفق وهو ينظر له نظرات متفحصة يسأله باهتمام: "أنت كويس يا ابني؟!"
"متقلقش يا بابا أنا كويس."
"معلش يا حبيبي أنا مكنتش معاك بس.. مريم ولينا في مستشفى تاني.. ناس اتهجموا عليهم."
فتح كريم عينه بصدمة يسأل بغضب: "إيه!! ناس مين؟ وهما كويسين ولا لأ؟!"
اقترب أدهم يصحح ما فعله محمد ولكنه لا يعلم بأن كريم استعاد وعيه للتو، فقال بهدوء: "كريم اهدى.. الآنسة مريم ولينا كويسين وكمان هيخرجوا النهاردة، واللي عملوا كده هما منير والواد اللي كان خطيب الآنسة مريم.. قطعوا عليهم الطريق وضربوا البنات وكان معاهم خطيب الآنسة مريم دلوقتي يعني، بس متقلقش حازم فهمني كل حاجة وداليا قالتلي اللي منير عمله، وعلمتهم الأدب وسلمتهم للبوليس."
قال كريم بامتنان: "مش عارف أقولك إيه يا أدهم، أنت دايماً بتثبتلي إن أنا وأنت واحد."
"أنا!؟ أنا معملتش ربع اللي أنت عملته يا كريم."
عاد رسلان وأخيراً مع الطبيب الذي قام بفحص كريم، فقال بابتسامة: "لأ حضرتك كويس وتقدر ترجع البيت كمان، بس لازم ترتاح الفترة الجاية وتستمر على العلاج عشان جروحك تلم."
بالفعل ساعده رسلان وأدهم للخروج من المستشفى وتحرك به محمد بسيارته، ولحقه كلا من أدهم ورسلان وداليا بسيارة أدهم الذي قال باهتمام: "داليا شكلك تعبان، هروحك البيت الأول."
"لأ لأ يا أدهم عاوزة أروح أطمن على لينا، ممكن أبقى أفضل هناك وخلاص."
التفت لها رسلان بضيق ينظر لها بغضب، حتى إنها خافت نظراته تلك، فقالت بصوت خافت: "أو مفيش داعي يعني هتطمن وأروح."
نظر أدهم لرسلان وقال بجدية: "خلاص هوصلك أنت يا رسلان أنت تعبت معانا النهاردة… و.. بكرة تشرفني أنت ووالدتك عشان نشوف موضوع الطلب اللي أنت طلبته ده."
ابتسم رسلان بسعادة وهو ينظر لأدهم يتساءل بجدية: "بجد؟!"
غمزه أدهم يقول بابتسامة: "ده أنت أبو نسب برضه، بس في الآخر الرأي المهم مش رأيي أنا."
نظر الاثنان للخلف، لتنظر لهم بتعجب وتسأل بحدة: "مالكم بتبصوا لي كده ليه؟!"
ضحك أدهم وانكمش رسلان مبتعداً عن صوتها الحاد ينظر للأمام مجدداً: "دي شكلها هتبقى جوازة فل الفل."
***
كانت تبكي بحرقة على أبناءها، وفاتن تحتضنها ولم يكن حالها أفضل لتقول بقلة حيلة: "لو نفسي أفهم بس هما حابسينـا ليه؟! عاوزة أشوف الولاد أطمن عليهم."
نظر سلوي الجالسة على الأريكة المقابلة وقالت من بين دموعها: "طب وأنا حابسينـي معاكم ليه طيب.. قلبي واكلني على بنتي دي لسه يدوب خارجة من حادثة من كام أسبوع."
دلفـت مريم ولينا تستند كل منهما على يد الأخرى، وخلفهم حازم يحمل أغراضهم، فركضت لكلا منهما أمها وضمتها بحنان، فأقترب حازم من سلوي يقول بحذر: "الهانم صحتها تعبانة، لو سمحتي تطلعيهـا أوضتها والممرضة داخلة حالاً هتفضل معاها."
أومأت سلوي برأسها وهي تتمسك بابنتها، ثم أخذتها وصعدت للأعلى. قالت والدة لينا بقلق: "لينا أنتي لو لسه تعبانة نرجع المستشفى عادي؟!"
قال حازم بابتسامة: "لأ الآنسة لينا كويسة، هو بس للأسف الآنسة مريم كان عندها نزيف داخلي لكن الدكاترة قالوا إنها هتبقى كويسة وكانوا بيرجحوا إنها تفضل يومين لكن هي رفضت واستكتفت بالممرضة، والدكتور هيجي يومياً يطمن عليها."
وقبل أن تجيبه بقلقها على مريم، رأت كريم يدلف للمنزل، يقترب منها فضمته باكية وربت هو على ظهرها ليطمئنها، ثم خرج من أحضانها ينظر لأخته بلهفة يضم وجهها بيديه: "أنتي كويسة؟!"
قال بمزاح: "ده أنا خدت علقة، مخدهاش حمار في مطلع."
كانت تمـازحه ولكن كانت كلماتها مؤلمة بالنسبة له، فضمها بحنان يمسد على حجابها: "لولا إن أدهم اتصرف خلاص لكنت خليتك ضربتهم بدل الكف عشرة."
قالت بضحك: "قولتلكم من زمان أدهم ده خطيبي محدش صدقني."
ضحك كريم وهو يتذكر مزاح أدهم الدائم لينا منذ كانت طفلة، ولكنه قال ببعض الحدة: "يا بت اتلمي بقى كبرتي على الكلام ده."
ضحكت وقالت ببعض الحرج عندما رأت نظرات حازم النارية تجاهها: "بهزر يا كريم ما أنت عارف."
ابتسم لها كريم ثم سأل باهتمام: "أومال مريم فين؟"
قالت لينا بتعب: "فوق، وطلعوني أنا كمان أوضتي مش قادرة أقف أكتر من كده."
اتجه كريم ليحملها ولكن حذره والده قائلاً بحده: "أنت تعبان يا كريم.. تعالى يا لينا أنا هسندك."
مدت يدها لوالدها ولكنها فاجأته حينما حملها بين يديه وصعد بها لغرفتها، وهي لفت يدها حول رقبته تستشعر ذلك الحنان الأبوي الذي افتقدته لسنوات. وبعدما دثرها في فراشها خرج ليجد كريم على وشك الدخول لغرفة مريم، فأقترب منه وأخذه لغرفته المجاورة ليستريح، ربما سيطول حديثهم وأخبره بكل ما حدث من عائلة صالح.
سأله كريم بهدوء: "وصالح موقفه إيه؟!"
"مش عارف والله يا كريم أنا مكنتش فاضي أدخله، بس روحت لأهله وقولتلهم ألف سلامة ووقفت جنبهم كتير بس هما اتجاهلوني وأنا اتلهيت فيكم باقي اليوم، ويمكن مصدوم من موضوع الإعاقة اللي حصلت معاه دي، هما قالوا هيسافروا في أسرع وقت ومستبعدش إنهم دلوقتي يكونوا خرجوا برا مصر أصلاً."
"ومريم موقفها إيه من اللي حصل؟!"
"هي طلبت تشوفه أكتر من مرة، بس بيني وبينك أنا حاسس إن مريم حاسة بس بالذنب ناحيته، مش إحساس الخوف على شخص بتحبه والمفروض خطوبتهم كانت خلاص.. مريم ملحقتش تحبه أو تتعلق بيه وهتنساه طول."
"خلاص يا بابا أنا هحاول أوصل لصالح وأعتذر عن اللي حصل مع إن ملناش ذنب، بس أنا فعلاً عاوز أطمن عليه… أفوّق بس من اللي أنا فيه ده."
"طيب ارتاح بقى وتبقى تشوف مريم بعدين، أنت تعبان… يلا مدد على سريرك ونام وأنا كمان هروح أرتاح شوية."
أومأ له كريم بابتسامة ثم قال بألم استطاع وأخيراً معرفة سببه: "بابا.. لو مريم عاوزاه أنا هسافر ليه ولأهله وأتكلم معاهم."
قال محمد بأسى: "ربنا يقدم اللي فيه الخير، فوقوا أنتوا من اللي فيكم الأول وبعدين ربنا يحلها من عنده، تصبح على خير يا حبيبي."
***
بعدما ارتدت بيجامتها الحريرية وتمددت أخيراً على الفراش وعلى قدمها طبق مليء بالطعام، وجدت أدهم يطرق الباب، فسمحت له بالدخول، فأقترب وجلس جوارها يقول بابتسامة: "طبعاً عرفتي إن آفرين ورسلان اتطلقوا، وإني هتجوز آفرين قريب."
"أه عرفت، عرفت من الغريب يا أخويا، أو يا اللي كنت فاكراك أخويا."
"بطلي رغي واسمعيني، رسلان طالب إيديكي للجواز."
احمرت خجلاً وحاولت تمثيل صدمتها بالأمر، فقال أدهم بتقزز: "بطلي استعباط، أنا عارف إنك عارفة… ها قلتي إيه!! بس قبل ما تقولي رأيك لازم تفهمي إن رسلان وضعه المادي غيرنا، في حاجات كتير هو مش هيقدر يعملها لك.. لازم تشوفي الأول هتقدري على حياته ولا لأ وكمان لازم تحسي إن موضوع إنك أغنى منه مش فارق معاه ولا عامله أزمة كرامة زي ما بتحصل لرجالة كتير."
قالت بهدوء: "أنا.. متأكدة إن رسلان مش هيفرق معاه حجم ثروتي، زي ما أنا مش فارق معايا هو معاه كام.. المهم رأيك فيه واللي أنت شايفه يا أدهم."
ضحك أدهم يقول بمشاكسة: "بقي هي كده.. ماشي يا داليا أهو هييجي بكرة ونشوف."
"طب قوم يلا اتكل على الله عشان أنام عشان بشرتي تبقى مرتاحة."
ضحك أدهم وتحرك للخارج حيث غرفته واستلقى على فراشه يفكر في محبوبته هو، تلك التي لا تفقه في هذا العالم شيء واختارتها ليكون هو عالمها، ابتسم يغمض عينه براحة بعدما انتهت أيام المشقة وبدأت أيام الراحة.
***
في الصباح التالي.
فتحت مريم عينيها بتعب على حركة أحدهم بجوارها، لتجده هو، أبيها الذي فقدته من سنوات، سألته بتعجب: "أنت بتعمل إيه هنا؟!"
"مكنتش أعرف إنك عملتي حادثة، قابلت محمد في صلاة الفجر في الجامع وقالي، واستأذنت منه إني آجي أقعد جنبك، أنا مش عاوز حاجة غير إني أفضل بس شايفك قدامي كفاية السنين اللي اتحرمت منك فيها."
"أنا مش زعلانة منك، أنا فاهمة إزاي الظروف بتحكم أوقات كتير بالفراق والبعد."
قال بدموع: "والله يا بنتي فعلاً الظروف والزمن هو اللي حكم علينا، أنا تعذبت سنين لما عرفت إن شيرين كانت حامل وإنهم مش عارفين مكانها، وسنين عمري بدور على مراتي وبنتي بس مكنش في أي سبيل ليكم."
"وأنا مش زعلانة منك يا… بابا."
بكى عبد الرحمن واقترب منها يضمها بحب لصدره برفق، ثم ابتعد عنها لتقول بخفوت: "والدي اللي رباني برضه كان اسمه عبد الرحمن، هو أكتر حد حبني في الدنيا هو وماما سلوي.. أنا بحبه أوي بس أنا عاوزة اسمي الحقيقي."
قال بدموع: "طبعاً هتكوني على اسمي أنا… وحبك ليه على دماغي كفاية إنه رباكي وكبرك بالأخلاق والأدب ده، وصدقيني أنا نويت من ساعة ما عرفت عنه وعن كرمه معاكي، جواز بنته التانية مسؤوليتي أنا وهتكفل بيها."
ابتسمت براحة وهي تتمسك بيده وقالت بخفة: "طيب إيه.. ما تجرب تاخدني في موعد على الفطار."
"بس أنتي تعبانة، لما تخفي هاخدك مكان ما تحبي، يا سلام هو أنا كنت أطول؟!"
"لأ أنا كويسة أنا تعبت من الرقدة في السرير."
"معلشي استحملي كام يوم وبعدها هخرجك في المكان اللي تحبيه، والله أنا عاوز أكتر منك بس صحتك أهم بكتير."
سألته مريم بخفوت: "طب إيه.. أنا معنديش إخوات؟!"
هز رأسه نفياً وقال بحزن: "محبيتش غير شيرين ومقدرتش لا أحب ولا أتـجـوز غيرها، كان عندي أمل ألاقيكم بس صدمتي بموتها وجودك هون عليا.. الحمد لله."
"ربنا يرحمها."
"يارب…. آه صحيح أنا عرفت موضوع خطيبك ده، هو يا بنتي لو متمسك بيكي وبيحبك هيرجع."
"إحنا كنا لسه في بداية تعارف يعني لسه مكنش خطيبي، أنا بس زعلانة إنه اتأذى بسببى وحابة أعتذرله، وعموماً هو لو قدر يقنع مامته ويرجع أنا مش هركز في اللي حصل واللي قالته ليا."
"متفكريش كتير دلوقتي في الموضوع، خلاص اللي حصل حصل."
دقت سلوي باب الغرفة ودلفت تطمئن على ابنته: "يلا يا حبيبتي تعالي افطري.. أنا كنت هجيبلك هنا بس قولت تتمشي كده أحسن وتنزل تحت، كريم ولينا نزلوا هما كمان عشان يبقوا أحسن."
أومأت برأسها: "حاضر يا ماما، هغير هدومي وأجي."
قال عبد الرحمن بابتسامة: "أنا همشي دلوقتي وهجيلك تاني، خلي والدتك تساعدك ومتتعبيش نفسك.. سلام."
ابتسمت له حتى ترك الغرفة، وتقبلت المساعدة من والدتها وبعد قليل كانت تخطو لمقعدها على سفرة الإفطار. سألها كريم باهتمام: "أنتي كويسة دلوقتي؟! الدكتور قدامه نص ساعة هييجي يشوفك! الممرضة كويسة معاكي؟!"
قال محمد بضحك: "براحة يا كريم، واحدة واحدة وسؤال سؤال يا ابني."
قال كريم باضطراب: "أنا بس عاوز أطمن عليها."
قالت مريم بابتسامة: "أنا كويسة يا كريم."
بعد طعام الإفطار كانت مريم بالحديقة الخارجية تتناول كوباً من العصير وبجوارها محمد يحتسي الشاي وينظر لها بابتسامة. قال بهدوء: "مريم أنا عاوز أقولك حاجة.."
نظرت له بتساؤل فأكمل حديثه بهدوء: "كريم بيحبك، بس هو أصله كريم طول عمره مشاعره مضطربة ومبيفهمش نفسه بسهولة."
ابتسمت تجيبه بنفس الهدوء: "أنا عارفة."
سألها بتعجب: "طيب ليه يا بنتي كنتي هتتجوزي صالح؟!"
"أولاً يا خالي أنا عارفة إن كريم بيحبني بس أنا مقلتش إن مشاعري متبادلة، هقول لحضرتك أنا أول ما بدأت ألاحظ كنت مبسوطة علشان كريم شخص محترم وكويس بس هو كان موافق تماماً على صالح فأنا قولت أكيد أنا فهمته غلط ولأني مكنش عندي مشاعر ناحيته وافقت على صالح لأنه شاب محترم، وبعدين بدأت غيرة كريم تظهر فعرفت إن كريم شخص بطيء في فهم مشاعره."
"ودلوقتي مفيش صالح."
"مين قال كده!! أنا مستنية صالح يفوّق من أزمته ويكلمني، هو بنفسه اللي يقولي مش هكمل أو يقولي لأ كلام والدته كان من عصبيتها مش أكتر وهو هيرجع تاني، أنا مقدرش أتلعب بمشاعر صالح عشان كريم."
"عندك حق يا مريم.. عداكي العيب يا بنتي."
بعد ذهابه ظلت مريم بالخارج وهاتفاتها سارة صديقتها، وشاركتها مريم ما يحدث معها، فقالت سارة بهدوء: "معاكي حق في كل حاجة يا مريم إلا حاجة واحدة."
"إيه هي؟!"
"إنك مستنية مكالمة من صالح، مع إني شايفه إن إنتي اللي تاخدي الخطوة وتكلميه."
"كنت بفكر فعلاً أتصل بيه، صحيح خايفة من رد فعله بس لازم أكلمه."
"حبيبتي إنتي ملكيش ذنب وصالح لازم يفهم ده كويس، إنتي مخبيتيش عنه إنك كنتي مخطوبة وإن خطيبك كان شخص مش كويس، بالعكس ده هو اللي كان ماسك القضية، إنتوا بالاتفاق قررتوا متقولوش لأهله وإنتي مليكيش ذنب هو اللي المفروض يتصرف معاهم في حاجة زي دي."
"عندك حق، بقيتي تتصرفي بعقل أهو من ساعة ما رجعتي لخطيبك، هو غيابه اللي كان مطيرلك عقلك ولا إيه."
"بنت عيب كده.. اسكتي أنا أساساً مش مطمنة، ربنا يستر، ابقي قوليلي عملتي إيه وكلميني."
"حاضر، يلا سلام."
"لأ لحظة، عاوزة أسألك سؤال الأول.. قوليلي إنتي محبتيش ولا واحد فيهم! ولا حتى قلبك مايل لواحد منهم؟!"
"يلهوي سؤالك ده محسسني إني مدوراها بجد."
ضحكت سارة وقالت بأسف: "أسفة والله، هو فعلاً اللي ميعرفش الحكاية ويسمع من بعيد هيفكر كده.. أنا بس عاوزة أعرف بجد، قلبك لمين في النهاية إنتي مش حجر ولا بتفكري بعقلك بس، أكيد قلبك بيقولك كلام تاني."
"قلبي عاوز اللي يحارب عشانه يا سارة."
***
في منتصف اليوم.
كانت تقف خارج المبنى الذي يعمل به رسلان كما أخبرها السائق، وقفت تنتظره وهي ترى ذلك المبنى الشاهق الارتفاع بأعين مذهولة، تتابع المارة وترى الثياب الغريبة المتنوعة التي يرتديها الأشخاص، تأففت بعدها بملل وهي ترى ذلك الجهاز معها يضيء وينطفئ مراراً ولكنها لم تستطع التعامل معه كما علمها رسلان، فجلست تشعر بالضيق حتى فتحت عينيها بصدمة وهي ترى أدهم يسير بكل هيبة وشموخ وحولها الكثير من الحراس، فابتسمت بسعادة تنادي اسمه: "أدهم!!"
انتبه أدهم لذلك الصوت ولكنه ظن بأنه يتخيلها، فهو حقاً اشتاق لها، وبرغم ذلك التفت حوله ليجدها تنظر له بابتسامة من بعيد، فتحرك تجاهها آمراً رجاله بالالتزام مكانهم واقترب يسألها بتعجب: "آفرين!؟ أنتي جيتي هنا إزاي؟!"
"لم أتوقع رؤيتك، أخبر رسلان السائق أن يأتي بي لهذا المكان، لا أعلم ربما هو يعمل هنا، ماذا تفعل أنت؟!"
"آه مهو رسلان بيشتغل هنا، مهو المكان ده بتاعي أنا."
فتحت عينيها بصدمة: "أنت!! يبدو عليك الثراء حقاً."
ضحك بخفة وأومأ برأسه: "أيوا أنا غني، إيه الصدفة القمر دي بقى تعالي نروح نشرب حاجة."
"أنتظر رسلان هنا كما أخبرتك، سيذهب معي لشراء بعض الثياب."
عبس أدهم يقول بضيق: "وهيساعدك رسلان إزاي يعني.. أنا هخلي داليا تروح معاكي.. تعالي."
تحرك لداخل الشركة، فوقف الموظفين باحترام له، حتى رسلان الذي نظر بدهشة لتلك التي يحاول الاتصال بها منذ دقائق وهي الآن تسير بجوار أدهم وجميع الأعين تعلقت بها لجمالها غير المألوف، ليلاحظ أدهم ذلك ليقول بحدة: "اتفضلوا اقعدوا وركزوا في الشغل.. رسلان تعاليلي عاوزك."
انتبهت آفرين له، وقبل أن ترفع يدها لتحيته سحبها أدهم للداخل بضيق قبل أن ينتبه لها الموظفين.
رحبت بها داليا بحفاوة وضمتها تقول بسعادة: "وحشتيني اتعودت على وجودك بجد."
"وأنا اشتقت لكِ عزيزتي."
دق الباب فدلف رسلان، فأنتبهت له داليا وابتسمت بخفوت وخجل.
قال أدهم بضيق: "أنت إزاي تسيبها برا الشركة كده يا رسلان وهي متعرفش حد ولا تعرف حاجة هنا؟!"
"أهدى، أنا اتفقت مع سواق من الشارع عندنا هيجيبها بنفسه وقولتلها أول ما توصل تكلمني."
نظر لها أدهم بضيق وسألها: "وحضرتك متصلتيش بيه ليه أول ما وصلتي."
مدت يديها الاثنتين بالهاتف وقالت بضيق: "لم أعرف كيف أستخدمه!"
أخذه رسلان وفتحه ليظهر لأدهم عدد المرات التي هاتفها به، وبرغم ذلك أخذ نفساً عميقاً وقال ببعض الهدوء: "معلش حصل خير، هبقى أعلمك تاني عليه يا آفرين، يلا بينا."
سأله أدهم بغيظ: "على فين؟!"
"واخد إجازة نص يوم، عشان هاخدها تشتري شوية لبس وبعدين هروح أغير عشان عندي مشوار مهم بليل أعتقد يعني حضرتك عارفه كويس."
قال أدهم باستفزاز: "وتسيب الشغل لمين!! أنا مش موافق على الإجازة واتفضل على مكتبك، وبالنسبة لآفرين فداليا هتروح معاها تشتري اللي هي عاوزاه."
نظر رسلان له بضيق ثم تحرك تجاه داليا وأعطاها الفيزا الخاصة به وأخبرها برقمها السري وقال بابتسامة: "هاتي لها كام طقم خروج على كام طقم بيتي وكده يعني، بس بالله عليكي متخرميش الميزانية عشان أنا واحد داخل على جواز."
ضحكت داليا وهي تأخذها منه وابتسمت له: "حاضر، إحنا برضه تهمنا مصلحتك يا أستاذ رسلان."
غمزها رسلان يقول بابتسامة: "ما أنا قولت كده برضه."
سحبه أدهم بيأس ليبعده عن الفتاتين وقال بحده: "على شغلك.. وابقى تعال في استراحة الغداء."
نظر له رسلان بغضب وخرج وهو يلعنه، حتى استراحته سيحرمه منها. التفت أدهم لآفرين ولأخته وقال بجدية: "لو اللبس كان مكشوف أو ضيق هرميه في الزبالة، هاتوا حاجة ساترة ومحتشمة، لحد ما أحجبكم أنتوا الاتنين.. يلا اتفضلوا امشوا عشان متتأخروش."
قضت الفتاتان يوماً رائعاً بالخارج، تعرفت به آفرين على القاهرة ورأت العديد من المباني التاريخية الفخمة واشتروا الكثير من الملابس، ثم بالنهاية أخذتها داليا لمنزلها، فقد أخبرها أدهم أنها ستعود مع رسلان ووالدته بعدما تنتهي زيارتهم له.
قالت آفرين ببسمة هادئة: "تبدين في غاية الجمال، سيذهب عقل رسلان عند رؤيتك."
ابتسمت داليا براحة ثم التفتت تجاه الباب عندما وجدت صفير ينبئها بوجود أخيها، فوقفت تنتظر رأيه بمظهرها المرتب الأنيق: "ربنا يحميكي يا حبيبتي."
قالها وهو يطبع قبلة رقيقة على جبهتها، فنظرت آفرين له بتأثر وحب من حنان ذلك الرجل الذي اختاره قلبها، ليس لفعله ولكن لأجل تلك المشاعر التي عبرت عنها عيناه وحدها ونظرات الحب والفخر والحنين التي حملها لأخته في ذلك الوقت. لن تندم يوماً بأنها اختارته هو، لن تندم يوماً بأنها لم تعترض على فعله واتفاقه مع رسلان وقررت إكمال ما خطط له لأجل البقاء معه، في عالم لا تعرف به سواه.
قال أدهم بهدوء: "متقلقيش أنا مش هزودها معاه ولا هضغط عليه، أنا عارف إنه شاريكي ودا بالنسبة لي كفاية."
ابتسمت له بحب ثم تحركا للأسفل واستقبلهم أدهم مرحباً بهم بكل احترام.
جلست داليا بجوار أخيها وبدأ أدهم في الحديث المعتاد، ورسلان يجيبه بصدق عن وضعه المادي والاجتماعي، وبالنهاية ابتسم أدهم يقول بابتسامة: "أنا معنديش اعتراض يا رسلان، المهم هو رأي داليا."
نظروا جميعاً تجاهها فشعرت بالخجل واحمر وجهها، ليبتسم رسلان فهي نادراً ما تصل لتلك الحالة من الخجل، لتقول والدته بابتسامة: "والله أنا شايفة إن السكوت علامة الرضا."
ضحك أدهم وأمسك بيد أخته فأشارت له بالموافقة، فقال بهدوء: "يبقى نقرا الفاتحة، والخطوبة تبقى معانا أنا وآفرين."
ابتسموا جميعهم بسعادة، وها هي أخيراً البداية لحياتهم سوياً برابط يجمعهم أمام الجميع.
***
"صالح! رد عليا، أنا بس عاوزة أطمن عليك."
قال بصوت خافت: "أنا كويس يا مريم الحمد لله."
"أنا.. آسفة، أنا والله…"
"مريم متعتذريش ومتشيليش نفسك ذنب حاجة إنتي ملكيش أي دخل فيها أساساً، أنا عارف إن ماما قسيت عليكي بالكلام بس هي كانت موجوعة علشاني."
"أنا مش زعلانة منها، أنت سافرت على فين؟!"
"مش مهم أنا فين، مريم أنا اتشرفت فعلاً بمعرفتي ليكي، بس أهلي ضاغطين عليا ومش موافقين على جوازنا بعد اللي حصل والموضوع كبر لفكرة إنهم مكنوش عارفين إنك مخطوبة، وشايفين إن اللي حصل باب لمشاكل كتير، أنا عندي مشوار علاج كبير محتاجهم جمبي، يعني أنا في اختيار بين أهلي اللي أكرموني العمر كله وبينك و…."
قالت بهدوء: "مفيش حاجة فوق الأهل يا صالح، صدقيني أنا تعبت أوي من بعدهم عني ومرضاش ليك التجربة.. على العموم كل شيء قسمة ونصيب وأنا اللي كان ليا الشرف بمعرفتك."
أنهت المكالمة وهي تزفر براحة وتبتسم برضا، ربما يأتي بعد الأشخاص لحياتنا ليكونوا سبباً في تحولها، مثلما حدث لصالح، فها يخوض درباً جديداً في حياته بعيداً عن بلاده، حيث نصيبه من حياة جديدة.
وقف بالشرفة المجاورة لشرفتها يستمع لحديثها، يراها ولا تراه، للمرة الأولى يشعر بمدى جمالها، عينيها وبشرتها الناعمة، خصلاتها المتـمردة من أسفل حجابها وتنهيداتهـا وهي شاردة، كيف لم ينتبه لها من قبل! وهي تسكن معه في نفس داره بل بالغرفة المجاورة لغرفته، بل حتى أنها وإن كان لسبب آخر قد عرضت عليه الزواج منها وهو الغبي رفض ذلك العرض.
أخذ يصرخ كالأحمق ويردد بأنها أخته، هو وضع لتلك العلاقة مسمى قبل أن يفكر لثواني، وكأنه فرض على ذاته وعقله شيئاً لم يجده القلب منطقياً فتمرد وأبى إلا أن يكون عاشقاً، والآن هو يقف جوارها يندم على تسرعه في القرار وتأخره في اكتشاف مكنونات قلبه.
بعد مرور أسبوع.
ارتدى ثيابه الأنيقة للذهاب لخطبة أصدقائه، كلاهما للشخص الذي يحب.
خرج ليجد الفتاتين بانتظاره ووجدها تعترض من جديد: "أنا مش فاهمة أنا هاجي أعمل إيه، أنا معرفش حد هناك."
"كل البيت رايح يا مريم مينفعش تفضلي هنا لوحدك."
قالت فاتن بابتسامة: "غيري جو يا مريم ده إنتي بقالك أسبوع مخرجتيش من البيت.. يلا بينا عشان منتأخرش."
استسلمت وتحركت معهم، تحركت فاتن مع ابنها وزوجته وتحرك كريم بسيارته معه الفتاتين.
***
ارتفعت أصوات الزغاريد بعد أن وضع كل خاطب دبلته بيد معشوقته، ابتسم أدهم بحب تجاه آفرين التي طالعته بخجل، بينما غمز رسلان داليا التي ضحكت على فعلته وأخذت دبلته الفضية ووضعتها بيده، ثم التقط لهم المصور العديد من اللقطات العفوية.
راقبهـم كريم بابتسامة وأخذ التفاتة سريعة تجاهها ليجدها تبتسم، لتزداد دقات قلبه، فتحرك ليقف جوارها وقال بهدوء: "عقبالك."
"تفتكر؟!"
سألها بتعجب: "أفتكر؟!"
"آه يعني حاسة إني مليش نصيب في الموضوع ده، عاوزة آجي الشركة، لسه ليا مكان؟"
"طبعاً ليكي مكان جوه الشركة.. وجوه قلبي."
ابتسم لها لتنظر له بصدمة وهو يتحرك عائداً لموضعه، لم تتوقع يوماً أن تتأثر بحديثه، وبرغم أنها كانت تعلم بحقيقة مشاعره ولكنها لم تتوقع منه تلميحاً أو اعترافاً ربما!! هي لم تنتظره منه ذلك حتى.. وكانت كلمته لطيفة حقاً.
وعلى جهة أخرى كان يراقبها بابتسامة خفيفة يخفيها حتى لا يخسر هيبته بين رجاله، فهو معروف بين رجاله بالقوة والحزم، فماله أمام تلك الصغيرة يُهزم.
تنهد حازم بحيرة وهو يملي على قلبه الانتظار حتى تنتهي من دراستها، سينتظرها وسيكون جوارها حارساً لها، وقد قرر بداخله أن يقتل كل من يفكر بالوقوع في حبه سوا.
بكل بساطة.
كان ينظر لها وكأنها مكافئته من ذلك العالم، هي جائزته التي ربحها بعد سنوات فقدها. ابتسم أدهم وهي تضع بيده تلك الدبلة بسعادة وهي تشاركه عادات عالمه التي لا تفقه عنها شيئاً.
وهو تحرك لأحد الزوايا ثم عاد لها مجدداً وهو يقدم لها زهرة الحب الذابلة بعض الشئ، فنظرت لها بأعين دامعة ثم رفعت عينيها له في دهشة، فقال بلهجتها: "أتذكر عندما أخبرتِ داليا عن أمر الزهرة بكل حماس، وقد أتيت بها لهنا منذ قدومنا وأردت الاحتفاظ بها حتى يوم زفافنا ولكنها بدأت بفقد بريقها لذا قررت أن أعطيها لكِ اليوم آفرين."
همس لها بحنين: "أعلم بأنك تشتاقين لبلادك ولوالدك وحتى أنك لا تفضلين العامية في الحديث، ولو كل الناس شافوني مجنون علشان بتكلم كدا، إذا أنا مجنون."
ضحكت عليه لتهرب تلك الدمعة من عيونها وهي تراه يجمع بين العامية والفصحى في حديثه فقط لأجل راحتها، فقالت بابتسامة: "أنا لا أريد سواك.. فأنا أحبك."
***
"أنت لو مش عاوزني أشتغل بعد الجواز مش هشتغل."
"ليه مش هعوزك تشتغلي!! أنتي ناجحة ومتميزة في شغلك، لو حابة تكملي براحتك ولو عاوزة تقعدي فأوعدك مش هينقصك أي حاجة."
"هبقى مديرتك؟!"
"طب وإيه يعني ما أنتي مديرتي دلوقتي في اللحظة دي، داليا أنتي نجاحك فخر ليا، أنا حقيقي بحترم ده فيكي، أنا حبيت قوتك قبل ما أكتشف باقي جوانب شخصيتك، أكتر حاجة حبيتها إني بحسك معايا حد تاني غير الكل، معايا بحسك البنت البسيطة اللي مليانة رقة وأنوثة، وبحسك مع الكل داليا عادي، وأنا بصراحة حبيت الاتنين."
"أنا فعلاً معاك اكتشفت حاجات كانت اتدفنت خلاص تحت الشخصية اللي الكل بيشوفني بيها، أنا بس خوفت موضوع الشغل ده يضايقك."
"لأ أبداً.. نجاحك ده يزيد مني مش العكس، أنا عيني بتكون مليانة بالفخر لما بشوفك والكل بينفذ أوامرك وبيحترمك، وبيكون فيها شوية حب في الخباثة كده."
ضحكت وهي تقول بسخرية: "في الخباثة آه، ده إحنا أسبوعين قاريين فاتحة والشركة كلها شهدت على نظراتك ليا يا أستاذ، أومال لما نتجوز بقى."
"ساعتها هحط صباعي في عين التخين، اللي عنده كلمة يقولها، هتبقى مراتي بقى، أتمنى بس الخطوبة دي متطولش."
"يعني سنة ونص كده على ما ندوب الشقة."
قال بصدمة: "سنة ونص!! إنتي اتجننتي؟ كتير أوي."
"إيه يا رسلان هو أنت ناسي إن الشقة لسه على الطوب الأحمر؟! وانت يا حبيبي مجبتش لسه قشاية في جهازي، وبعدين متنساش إن أنت المسؤول عن جواز آفرين، أي احسب المصاريف هتلاقي السنة ونص قليل، وأنا عن نفسي هجيب جهازي بالهداوة كده واحدة واحدة عشان أجيب حاجة حلوة."
"يا ستي إنتي مالك بجواز آفرين قولتلك أنا معايا فلوس، والله أبويا سايبلي فلوس كتير قبل ما يموت وفي محلّين باسمي أساساً دخلهم بيكفي وزيادة، حبيبتي أنا مش على البلاطة خالص زي ما انتي فاكرة."
"آه بس أنا محتاجة وقت أستوعب فيه إني هتجوز."
"إنتي مغيبة ولا إيه، أومال الخطوبة دي ما هي بداية التخطيط للجواز."
قالت بتوتر: "بصراحة.. الدكتورة النفسية قالتلي إن أجل الفرح المدة دي."
نظر لها بتعجب ثم سحب يدها يتحرك بها بعيداً عن الجميع يسألها باهتمام: "ليه دكتورة نفسية؟!"
قالت بتوتر: "أنا مريت بتجربة سيئة خلتني أخاف، قصدي قضية محاولة الاعتداء، بص يعني أنا بحبك والله بس محتاجة وقتي يعني أنا بس حتى لو سنة واحدة."
قاطعها رسلان يسألها باهتمام: "إنتي كنتي بترفضى الجواز عشان كده؟!"
أومأت برأسها وهي تنظر أرضاً، فسألها بحنان: "وليه روحتي دلوقتي."
"عشانك.. عشانك وعشاني ولأني…."
قاطعها يقول بابتسامة: "تعرفي إني بحبك أوي… خدي وقتك يا داليا، سنة أو اتنين أو عشرة معنديش مانع.. ولو وصلت بيا نكتب الكتاب ونقضيها زي المخطوبين كده والله ما يفرق معايا غير إنك جنبي."
ابتسمت له وقالت بدموع: "لأ أنا هتعالج وهبقى كويسة، طول ما أنت معايا هبقى كويسة."
"طب بتعيطي ليه بس أخوكي يقول عيطها من دلوقتي وده مديري في الشغل وبعيد عنك ده مدير مفتري."
ضحكت وقال بين ضحكاتها: "متقولش على أخويا مفتري، ده قمر أهوه وجايب لخطيبته زهرة الحب اللي لا تقدر بثمن، وأنت ولي عهد دارو كلها ولا شوفت منك حزمة كزبرة حتى."
قال بضيق: "والله وصيت على بوكيه ورد بس نسيت أعدي على الراجل أجيبه وأنا جاي."
"وهي دي حاجة تتنسي!! ده أنت أمرك عجيب والله، بتنسى في الخطوبة!! أومال بعد الجواز هتعمل إيه!! هتجيبلي شلل."
تعالت ضحكاته عليها ليزداد استفزازها، فتحركت للداخل وهو خلفها ليجلسوا بجوار بعضهم البعض ويعودوا لمشاغبتهم من جديد.
***
كانت شاردة في السيارة لولا سؤال لينا الذي نبه كل خلايا عقلها.
"محسيتش إنك زعلان يعني عشان داليا يا كريم."
نظر كريم لها وقال بهدوء: "أوقات إحساسك بالمسؤولية بيخليك تدي مسميات غلط للعلاقات، وأنا كان دايماً عندي المشكلة دي، إن بحكم بدري على علاقتي باللي حواليا.. تعب أدهم وتوافدي المتكرر على بيت داليا تحت أنظار الناس هو اللي خلاني أطلب منها الجواز، ومع الوقت بدأت أحس إن طلبي ده كان نابع من جوا قلبي، وبتتابع السنين قلبي وعقلي صدقوا إني حبيتها."
"طب ودلوقتي إيه اللي حصل؟!"
"دلوقتي.. اممم، إيه ده إنتي مالك إنتي يا بت إنتي لسه صغيرة على الكلام ده."
ضحكت وتبادلت معه الحديث في مواضيع أخرى، ومريم بالخلف تشعر بالضيق، توقف عقلها لسماع تلك الإجابة ولكنه أبى أن يتحدث.
تحرك الجميع لغرفهم ولكن توقفت مريم أمام محمد تقول باحترام: "لو سمحت يا خالي أنا كنت عاوزة بكرة أروح أقضي اليوم عند بابا وهو قالي بليل هيرجعني."
ابتسم محمد: "ماشي يا حبيبتي براحتك."
بالتدريج ستطلب منهم الانتقال لمنزل أبيها، هكذا فكر كريم وهو يصعد الدرج متجهاً لغرفته عندما استمع لحديثها، هو اعتادها واعتاد وجودها بل أصبح يحب وجودها، عليه فقط إخبارها بذلك قبل أن يفقدها.
فاق من شروده على يد والده تربت على ظهره: "بس بالطريقة دي يا حبيبي هتقولها وهي عندها عيلين."
انتبه لوالده فنظر له بغضب ليضحك محمد على تصرفات ابنه: "يا ابني اتلحلح شوية، واه اللي بتفكر فيه صح، أبوها هياخدها ودا حقه ما هي بنته، وساعتها بقى مش هتعرف إذا كان متقدم لها حد ولا لا، ده أنا وأنت هنتعزم على الخطوبة على طول."
"بس يا بابا أنا خايف تكون لسه متعلقة بصالح، أنا بس مستنياها تكون أحسن وبعدين هكلمها."
"لأ هي أحسن أهي وزي الفل… انجز أنت بس، أنت مش شايف سرعة الأداء بتاعت صاحبك!! جاب البت في تلات أسابيع وحبها وخلاها تحبه وخطبها.. وحتى رسلان ده بيقولوا لسه جاي الشركة من شهرين، وأنت البت قاعدة معاك في نفس البيت ومش عارف تتصرف."
جاءت فاتن من الخلف تقول بحدة: "ريح نفسك يا محمد، عروسة كريم عندي ومعادنا عندها بكرة، جهز نفسك يا كريم."
صرخ كريم بصدمة: "آآآآي؟! لأ مستحيل يا تيتة.. أنا مش هروح أنا لعرايس."
قالت بحدة: "جهز نفسك بكرة الساعة 6 هنمشي.. محمد عقل ابنك وعرفه لو مسمعش كلامي إيه اللي هيحصل."
نظرت لهم بغضب حتى إن محمد خافها وأومأ برأسه بطاعة، وبعد رحيلها التفت لابنه يقول بجدية: "اسمع كلامها وبعدين ابقى ارفض براحتك."
تأفف كريم بضيق وتحرك لغرفته غاضباً دون أن يجيب والده، وقضى ليلته يفكر بحديث والده، هو يخشى التسرع ووالده يخشى التأخير.
وفي مساء اليوم التالي كانت جدته تعقد له جرافيت على رقبته وهي تنظر لها بضيق وهو يتأفف يشعر بها تخنقه: "خلاص كفايا يا تيتة روحي هتطلع، أساساً كل ده من غير فايدة، أنا مش هتجوز غير مريم."
قالت بغضب: "دلوقتي عرفت قيمة مريم!! اسمعني كويس تتكلم مع البنت بلطف ووشك ده يتفرد."
"ما أبوسها كمان أحسن؟!"
ضربته بخفة على وجهه وقالت بضيق: "بطّل استفزاز، أنت عنست وعديت التلاتين وبتتأمر كمان، دي كفاية إنها هترضي بيك."
"وعلى إيه تضحيتها الهانم، أنا هروح أنام أنا أساساً تعبان من الشغل."
"انزل تحت يا كريم اخلص بدل ما أتعصب عليك."
"أوف بقي، حاضر يا تيتة."
تحرك للأسفل وتحركوا بسياراتهم. نظر للخلف لمكانها الخالي منها، اشتاق لها خلال بعض الساعات فقط، فقال بجدية: "كلمي مريم قولي لها إننا وإحنا جايين هنعدي عليها."
"حاضر، بس أنت مش حاسس إن مريم هتحب إنها تفضل مع باباها خصوصاً إن علاقتهم اتصلحت خلاص، لما كلمتها النهاردة الضهر كده قالتلي إنها مبسوطة ومرتاحة مع باباها، وطبيعي هي اتحرمت منه كل السنين دي إنها تفضل معاه، وكمان قالتلي إنه مينفعش انت تتحمل مصاريفها تاني وهي والدها موجود."
قال بحدة: "وهو أنا كنت اشتكيت لها، عرفيها إنها مش هتسيب البيت يا لينا، وأنا مش هقبل إن ده يحصل."
"ليه يعني هتحبسها."
قال بغضب: "لأ هتجوزها."
ابتسمت لينا بخبث ثم فضلت الصمت لبقية الطريق. توقف كريم بضيق خلف سيارة والده وهو ينوي إنهاء تلك الزيارة في أسرع وقت حتى يذهب لمريم، لإختطافها إن أبت العودة معه.
استقبلهم رجل يبدو في الخمسينات من العمر، فصافحه كريم باحترام وجلس يحاول تهدئة نفسه وتمرير ذلك اليوم على خير.
بعد قليل دلف رجلاً آخر عرفه كريم على الفور ووقف يسأله بصدمة: "عمو عبد الرحمن!!"
ابتسم عبد الرحمن وقال بهدوء: "تعالي يا مريم سلمي على الضيوف."
نظر له بعدم فهم ثم نظر لجدته ينتظر منها شرحاً، فضحكت وهي تقول بابتسامة: "ما أنا نسيت أقولك صحيح من العروسة."
نظر لها بصدمة ثم اتسعت ابتسامته بسعادة وهو يتجه لها ويضمها وقد علت صوت ضحكاته واتجه لعبد الرحمن يصافحه بحفاوة: "أهلاً، أهلاً وسهلاً بحضرتك."
قال محمد ببعض الهدوء: "تعالي يا كريم اقعد يا حبيبي، اقعد واهدي."
عاد ليجلس جوار والده يسأله بجدية: "أنت كنت عارف إنها مريم؟!"
قال محمد بثقة: "أنا اللي ظبطت الليلة دي كلها يا حبيبي، أنا لقيتك خرع كده وموالك طويل قولت أتصرف قبل ما بنت اختي تروح من إيديا."
"ومريم موافقة؟!"
"أقنعتها بصعوبة، البنت خايفة وقلقانة من عدم فهمك لمشاعرك، بس فرحتك دي طمنتها دلوقتي، مريم عارفة من بدري إنك بتحبها يا كريم، بس اعمل فيك إيه بقى."
"ولا حاجة أنا مش عاوزها تقلق أنا ممكن نكتب الكتاب على طول."
"يا ابني هي مش عاوزة تضمن وجودك قد ما عاوزة تضمن حبك ليها، ولذلك هي طلبت فترة خطوبة طويلة."
أتت مريم بعد قليل وأخبرها والدها أن تجلس بجوار كريم، فتركت مسافة بينهم ثم جلست بهدوء وهو ينظر لها بسعادة لا يصدق عيناه. فسألته بقلق: "إيه رأيك في التدبيسة دي؟!"
"أحلى وأجمل تدبيسة في حياتي كلها، صدقيني أنا بحبك يا مريم أنا بس دايماً عندي إحساس بمسؤوليتي عن كل اللي حواليا، والموضوع عمل عندي خلل في العلاقات وبجد باخد وقت في فهم مشاعري."
"طيب وأخيراً خلاص فهمت مشاعرك يعني؟!"
"أيوا، وقلبي دلوقتي بيصرخ وبيقول مريم وبس."
ضحكت بخجل وهي تنظر أرضاً وهي ترى حماسه بها، هي في البداية رفضت مخطط والده وبقوة وشعرت بأن الأمر يمس كرامتها حتى ولكن والده أقنعها بالنهاية وهي لا تندم بهذه اللحظة.
***
بعد مرور أربع سنوات.
جلست داليا على الأريكة ببطنها المنتفخ وهي تتنهد بتعب، وبجوارها رسلان الذي سأل كريم باهتمام: "كلمت الطباخ نبهت عليه ميتأخرش؟!"
قال كريم بضيق: "المفروض كان يبقى هنا من نص ساعة، هروح أتصل عليه."
ظل رسلان مكانه يقوم بتقطيع الفاكهة ووضعها بفم زوجته التي تحمل جنينها الأول وهي تنظر له بحب وحنان، فكم صبر لأجلها ذلك الرجل ولم يعترض يوماً، لم يعترض امتداد خطبتهم لعامين بل إنه قضى معها ببيتهم عاماً بأكمله لم يمسها حتى وتقبل ذلك بصدر رحب، اقتربت منه وطبعت قبلة رقيقة على خده، فأبتسم لها يقول بخبث: "لأ ده إحنا اتجرأنا واتطورنا خالص."
قالت بضيق: "لأ كده عاجب ولا كده عاجب، واسكت بقى عشان ابني مش راحمني النهاردة، أنا تعبت يا رسلان هو أنا مش هولد بقى وأرتاح؟!"
التفت الاثنان على صوت ضحكات عالية وهي تقترب منهما وتحمل صغيرها وخلفها طفلة أخرى تتمسك بثيابها، فقالت بضيق: "بس بقى يا شيرين روحي العبي برا مع أيوان، وخليني أقعد أتريق على طنط داليا بهدوء."
نظرت لها داليا بضيق وقالت بتأفف: "بقولك إيه أنا قابلة بأي حاجة بس أخلص من البالونة دي، يا رب أولد بقى وأخلص تعبت يا ناس."
ضحكت مريم وقالت بين ضحكاتها: "طب بس اسكوتي لتولدي النهاردة في خطوبة لينا، هتخلي حازم ياخد البت ويمشي ده ما صدق يا عيني تعب كتير عشان ما أقنع كريم بالخطوبة تقوم تيجي إنتي تبوظيها."
قالت بتعب: "لأ لأ مش هبوظ متقوليش كده."
دلفت آفرين وهي تركض خلف ابنها وتحمل حذاءه بيدها، ثم قذفته به ليسقط أيوان أرضاً، فأقتربت منه وأمسكته من ذراعه تقول بغضب: "أنت أيها الأحمق، إن لم تفعل كما أخبرتك ورب الكعبة لأكون مديالك حتة علقة، كن مهذب وإلا أخبرت والدك."
ضحكت داليا وقالت بين ضحكاتها: "الواد يا عيني متشتت بين الفصحى والعامية ومش فاهم لغة أمه إيه بالظبط."
جلست آفرين جوارها وهي تتنهد بتعب، ثم أتى أدهم يأخذ الفاكهة من أمام رسلان وتناولها ثم جلس بجوار زوجته: "أخبار بنوتي القمر إيه؟!"
أجابته بابتسامة: "أنا كويسة يا حبيبي."
"لأ مش أنتي أنا بتطمن على بنتي."
وضع يده على بطنها المنتفخة قليلاً فهي في بداية الشهر الرابع، فنظرت له بغضب وقالت بضيق: "طالما بتحبها أوي كده ما تاخدها تشيلها في بطنك يومين، لعلي أستريح قليلاً."
ضحك أدهم على حديثها ثم قبل رأسها بحنان، فأستراحت هي على كتفه.
عاد كريم من الخارج يقول بجدية: "كده كل حاجة تمام، يدوب نلبس بقى عشان نبقى في استقبال الناس."
سأله أدهم: "ومين هيجيب لينا؟!"
أجابه كريم بهدوء: "هلبس وأروح أجيبها أنا، قايل لحازم إني أنا اللي هجيبها من الكوافير وهما ناوين يتصوروا كام صورة قبل ما الدنيا تضلم في الجنينة، ف يدوب أطلع ألبس عشان ألحق الشمس."
بالفعل ارتدى الجميع ثيابه من أجل تلك المناسبة وذهب كريم ليأخذ أخته، وأخيراً بدأ حفلهم المنتظر.
طالعها حازم بحب فهي ليست خطبتهم فقط بل عقد قرانهم وأخيراً ستكون زوجته بعد انتظار لأعوام، ابتسم له بحب وهو يجلس على الجهة المقابلة لأخيها وهي بجوار أخيه، وبدأ المأذون في عقد القران.
تعالت الزغاريد احتفالاً بهم، واقترب منها حازم يطبع قبلة على جبينها ثم ضمها بحب له، وأخرج دبله ذهبية ووضعها بيدها: "إنتي أحلى وأرق حاجة حصلتلي يا لينا."
نظر لها كريم بحنان وحب، أصبحت صغيرته عروس، أتت شيرين لتمسك بيده فحملها يقبلها يقول بحب: "عقبالك يا صغنن."
كان حفلاً هادئاً استمتع به الجميع، وفي النهاية جلست كل عائلة طاولة تمزح وتضحك لبقية الليل وهم يتناولون الطعام.
وخيّمت السعادة عالمهم في النهاية.
وعلى باب منزلهم وقف يتطلع لها باشتياق، دققّت آفرين النظر لتفتح عينيها بصدمة: "أبي!"
اقتربت منه آفرين بأعين دامعة فضمها بحب واشتياق، ثم قال بغيظ: "لقد خدعني ذلك الأحمق."
التفتت تبحث عن صغيرها لتجد أدهم يحمله ويقترب، فأخذته لأبيها وقالت بأعين دامعة: "أيوان صغيري أبي."
حمله أيوان يقبله بحب، ثم نظر لأدهم بضيق، فقال أدهم بقلق: "أنا آسف والله بس يعني مكنش عندنا حل تاني."
قال أيوان بهدوء: "لقد راقبت صغيرتي لسنوات وأيقنت أنها لن تجد سعادتها سوي معك، وإلا لم أكن لأتركها أبداً."
"طيب الحمد لله، تعالي يا حمايا اتعشى معانا، يلا تعالي أهلاً وسهلاً بيك."
تمت.