تحميل رواية «لا تشبهين احدا» PDF
بقلم شاهنده سمير
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أمسكت ريم حفنة من الرمال الذهبية ثم تركت ذراتها تنسدل من بين أنامل يديها. أخذت نفساً عميقاً قبل أن تنهض ببطء وتقترب أكثر من الشاطئ. توقفت تغمض عيناها وهي تستمع إلى صوت الأمواج المتلاطمة فترتسم الصورة واضحة داخل أهدابها المغلقة. شمس مشرقة في كبد السماء تطل على زرقة المياه الصافية، قطراتها تصل حدها على هذه الضفاف الفضية فتلامس أنامل قدميها العارية بعد أن تخلت عن حذائها. تمنحها هذه المياه شعوراً لا يوصف من السكينة والهدوء. إنه البحر الجميل، عشقها وعشق والدها رحمة الله عليه. المؤتمن على حديث القلب و...
رواية لا تشبهين احدا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شاهنده سمير
تتجه بخطى مترددة نحو غرفته التي أرشدتها إليها عاملة الاستقبال، تتلمس طريقها ببطء على عكس تسارع خفقات قلبها لهفة لرؤيته. تعدّ الأبواب التي تصادفها، باباً تلو الآخر، حتى تصل للباب المنشود.
تجمدت أناملها على مقبض الباب وهي تسمع صوت رجل آخر يقول:
_ ولحد امتى بس هتفضل تخدعها وتكدب عليها؟
_ مش عارف.
إنه صوت جهاد. هل يخدعها هو بدوره؟ يا الله. هل جمعت كل محتالي الأرض ثم ألقتهم في طريقي؟ لماذا وأنا لم أؤذِ مخلوقاً في حياتي قط؟
_ أنا شايف إن كفاية لحد كده، انت مش قلت لي...
قاطعه جهاد قائلاً:
_ يا سعيد مش هينفع صدقني. على الأقل دلوقتي. لسه شوية أنا لسه معملتش كل اللي مخطط له من البداية ولسه مش متأكد.
تراجعت ريم، تضع يدها على فمها، لا ترغب في سماع المزيد. اغرورقت عيناها بالدموع قبل أن تستدير وتسرع بالمغادرة. ارتطمت بأحدهم فاعتذرت على عجالة وهي تبتعد، وكأن شياطين الدنيا تجري خلفها.
تذهب بأرجلها تجاه شياطين أخرى، ولكنها على الأقل تستطيع التعامل مع هؤلاء. أما هذا الشيطان الذي سلبها قلبها ثم حطمه إلى أشلاء، لن تستطيع معه فعلاً سوى الدعاء له بكسرة قلب تضاهي كسرة قلبها، ولكن لسانها عجز عن الدعاء عليه. لتدرك كم كانت حمقاء، ولازالت.
***
كان لابد وأن أوقن من أن السعادة هي وهم سيؤول إلى سراب. كم من أحلام رسمتها معك تحملني فيها إلى أحلام الشوق، فصارت كوابيس حين تكسرت أجنحتي وسقطت في هوة الألم. كل ما أردته أن تبقى بحياتي للأبد. فأصبحت ألعن قلبي الذي أرادك بكل خفقة من خفقاته التائقة للحب.
أسكنتك خافقي وجعلتك تتغلغل في روحي، فجلبت الشقاء إلى نفسي البريئة من كل إثم. انتظر. لست بريئة بهذا القدر. آثمة كنت حين سمحت لك بجرحي، فلو لم أجعلك قريباً مني ما جرؤت. لم أتخذ الماضي درساً فأمشي وبيدي درع، أخبر ذاتي أن السعادة وهم، وحين تزول لا يبقى منها سوى أعراض الانسحاب القاتلة.
وها أنا أعافر كي لا تذوي روحي كما يذوي قلبي، أقاوم بكل قوة ضعف يعتريني، فلا مجال الآن للضعف. وما زال لدي واجب تجاه أبي وأمي، ونفسي.
كانت تبكي في حجرتها، تفرغ أحزانها على صدر وسادتها بألم عجزت عن مواراته. وقد أنهك الجرح ذاتها وجعلها عاجزة عن فعل شيء سوى ذرف الدموع. ليس من السهل أن ينجبر القلب بعد كسر، فحتى وإن حاولت تجميعه، ستظل الشروخ بارزة تذكرها بكم كانت ساذجة حين سمحت لجهاد بأن يحتل قلبها دون أن توقن من أنه الرجل المناسب لها.
طرقات على الباب جعلتها تستقيم وتمسح دموعها بسرعة، فلا طاقة لها الآن لأن تجد مبررات للعقربة سندس، التي فتحت الباب تتطلع إليها قائلة:
_ لسه ملبستيش يا ريم، أنا مش قلت لك جايلنا ضيف يا بنتي.
_ معلش مش هقدر أقابل حد، خليها مرة.
قاطعتها سندس قائلة بحزم:
_ مش هينفع ده جاي مخصوص عشانك، قومي البسي بقي وحصليني، ومتتأخريش وإلا بجد هزعل منك.
الضيف قد جاء من أجلها؟ ترددت الكلمات في رأسها. وقبل أن تحللها، قالت سندس بفراغ صبر:
_ انتِ لسه هتفكري، قومي وإلبسي علطول.
هزت ريم رأسها لتغادر سندس، فنهضت ريم لتبديل ثيابها وهي تتساءل عن هذا الضيف القادم لأجلها. ليخفق قلبها وفكرة تخطر ببالها. تري هل هو جدها؟ هل حن قلبه وجاء من أجلها؟ جعلتها هذه الفكرة تسرع في تبديل ملابسها وهي تشعر أنها قاربت على الخلاص من كل ألم يعتريها.
***
كانت تشعر بالتيه، وقد اكتشفت أن ضيف العقربة هو هذا المدعو عزت، والذي يدعي كونه ابن صديق لوالدها رحمه الله. تشعر بنفاذ صبرها. وزوجة أبيها تخبرها أنه تقدم لخطبتها، وأن سندس وافقت وقد توسمت فيه طيب الأصل والقلب ورغبته الصادقة في الارتباط بريم.
تسمع بعض الكلمات اللزجة من هذا المدعو عزت عن مدى إعجابه بها وكيف سحرت لبه منذ النظرة الأولى. لتشعر بالاشمئزاز حين ضغط على أناملها عندما مد يده للسلام عليها، وقاربت حد التقيؤ حين مال على أذنها هامساً:
"انتي أجمل بنوتة شافتها عينيها".
كانت تسايرهم حتى هذه اللحظة. توقن أنها لابد وأن ترحل عن هذه العصابة التي تنسج خيوطها حولها لتوقع بها في شباكها. ما إن تتخلص من خيوطهم حتى ينسجون المزيد منها، حتى سأمت وضاق ذرعها، وباتت تخشاهم حقاً. ربما لابد وأن تستمع لأبيها وتذهب إلى جدها. ربما تجد هناك حماية ورحمة ودواءً لقلبها، وربما لا. ستجرب وترى. إن وجدت قسوة تعادل قسوة محيطيها، سترحل وتعود مجدداً إلى الإمارات، حيث كانت سعيدة ورحلت سعادتها مع رحيلها عنها.
أمسكت رأسها بكلتا يديها فقالت سندس:
_ مالك يا ريم؟
_ صداع جامد قوي يا طنط، الظاهر إني خدت ضربة شمس. لو تسمحولي أرتاح ونكمل كلامنا بكرة لإني بجد تعبانة قوي ومحتاجة أنام.
_ آه طبعاً اتفضلي يا ريم، مش تسمحيلي أقولك يا ريم كده من غير ألقاب.
رسمت ابتسامة باهتة على شفتيها قبل أن تنهض قائلة:
_ عن إذنكم.
غادرت الحجرة ووقفت جوارها تستمع إليهم، فوجدت سندس تقول:
_ قلبي مش مطمن، حاسة إنها مش موافقة وبتتهرب.
_ بالعكس، شخصية زي شخصية ريم لو مش موافقة كانت رفضت علطول، لكن هي أجلت الكلام لبكرة. البت وقعت فيا خلاص يا سوسو، بس هي تبان فعلاً تعبانة وشكلك انتِ اللي مش موافقة وعايزة تلاقي أي حجة عشان تفركشي الجوازة.
_ وأفركشها ليه يا أخويا؟ انت مش وعدتني تتجوزها لحد ما تاخد فلوسها وبعدين تتجوزني؟
_ وده كلام يتقال هنا برضه. الحيطان ليها ودان هتفضحينا.
_ ما انت اللي بدأت. وبعدين البت شكلها تعبان بجد وأكيد اتنيلت نامت. المهم هتعمل إيه دلوقتي؟ هترجع على الشقة ولا هتقابل أصحابك؟
قال بعيون تلمع:
_ لو هتيجي معايا الشقة يبقي هرجع الشقة يا روحي.
شعرت ريم بالرغبة في التقيؤ، وقد بدا لها كل ما يحدث فوق طاقتها، لتسرع إلى الحجرة تتظاهر بالنوم حتى يرحل المحتال وتنام الأفعى أو ترحل معه إلى الجحيم، ثم تبدأ هي رحلتها... إلى المجهول.
***
توقفت أمام البحر تودعه لآخر مرة، تشعر به هائجاً كمشاعرها، يلفظ أمواجه كما يلفظ قلبها الحب ويلعنه. يهاب الجميع الآن الاقتراب منه وإلا صار ضحيته، فكما يبتلع البحر في غضبه البشر والسفن وكأنه يريد أن يظل وحيداً دون صحبة. كان قلبها الآن مثله، فجل ما يريده وحدة تجعله قادراً على تجديد خلاياه وتنظيفه من بقايا العشق.
أمسكت الهاتف تترك لصديقتها رسالة مختصرة، ثم عاودت الاستماع للبحر. لا تدري كم لبثت حتى سمعت حمحمة من خلفها جعلتها تستدير بخوف، قبل أن تسمع صوت سائقها يقول بأسف:
_ معلش خوفتك، بس الحقيقة الوقت اتأخر ولازم نمشي.
هزت رأسها قائلة بحزم:
_ توكلنا على الله.
رواية لا تشبهين احدا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شاهنده سمير
____
جدي
اتفضلي يا ست هانم.. نورتي الناحية كلها. سامحيني على فزعتي لمن شفتك، الله في سماه كنك الست ليلى الله يرحمها.. نسخة طبق الأصل منها. أني فكرتك شبحها بس الحمد لله إنك طلعتي بنتها.. الحاج فهمي مش هتتساعه الدنيا من الفرحة لمن يشوفك.
كانت تسير جواره تحاول أن لا تتعثر قائلة بمرح وقد استشعرت طيبة الغفير:
مش باين يا عم مرزوق، ده مش بعيد يطوخك ويطوخني عيارين.
قهقه مرزوق ثم قال بسرعة وهو يوقفها:
حاسبي يا هانم، آهنه نُجرة، بجولك إيه.. هاتي يدك أساعدك.
منحته يدها مُجبرة لا تقوي على رفض المساعدة كعادتها، فلا ترغب في أن تلقي جدها لأول مرة وقد تلطخت ثيابها بالأتربة إن سقطت على وجهها.
عارفة يا ست ريم، لو كان الحاج بصحته وجاله خبر إنك جيتي، كان هيستجبلك بذات نفسه.
هو جدي ماله يا عم مرزوق؟
من يوم ما جاله خبر المرحومة وهو جاتله جلطة جعدته على الكرسي، مبجاش يمشي واصل.
توقفت تقول بصدمة:
انت بتقول إيه؟ جدي اتشل؟
قال بأسف:
إيوة يا هانم.. الحمد لله إنها جت على كد إكده ومراحش فيها. الحاج كان بيحب بنته ويعدها عين من عنيه التانين، ولما جاله خبر موتها جلبه مجدرش يستحمل الصدمة ووجع منها. إحنا أياميها قولنا إنه مش هيقوم منيها الوجعة دي واصل.
سار مجدداً فسارت جواره تشعر بالحزن على هذا الرجل الذي حُرم من ابنته وقعده في ذات اليوم، وكأن خبر وفاة والدتها كان ضربة قاصمة لظهر الرجل فجعلته قعيداً. يتشابه قدرها إذاً مع قدر جدها، وقد فقدت بصرها برحيل والدها. وصلا إلى الباب فدق مرزوق جرسه، فُتح الباب بعد قليل فاستمعت ريم لصوت امرأة تبدو كبيرة في السن تقول:
وه يامرزوق، عتخبط على بابنا من صباحية ربنا إكده ليه؟
معايا ضيفة يا ست نفيسة، وه ضيفة إزاي بس وهي صاحبة بيت؟
عتخرف تجول إيه ياراجل يامجذوب انت؟
البسي النضارة يا ولية وانتِ تعرفي واقفة في حضرة مين؟
ارتدت نفيسة نظارتها لتتسع عيناها بقوة وهي تقول بصدمة:
ست ليلى.. بسم الله الرحمن الرحيم.
ضحك مرزوق قائلاً:
أني بردك ظنيتها شبح الست ليلى، لكن دي مخلوقة زيي وزيك.. تبجي الست ريم بت الست ليلى الله يرحمها.
اغروقت عيناها بالدموع وهي تقول:
بت الست ليلى.. يامراحب يامراحب.. اتفضلي يابتي بيتك وموطرحك.
مين اللي على الباب يا ست نفيسة؟
صوته العميق حزين النبرات، واهن كوهن سنه جعلها تدرك أنه جدها الذي لابد وأنه قد تخطى الستين الآن. تنحت نفيسة جانباً فتقدم مرزوق يجذب ريم إلى الداخل، بينما تقول نفيسة باضطراب:
دي.. دي...
لتقول ريم بحزم وهي تقدم نفسها، يشجعها حديث مرزوق عن جدها وحبه الكبير لوالدتها وحزنه عليها:
أنا ريم.. ريم بنت ليلى فهمي الشبراوي يا جدي.
لتتسع عينا الجد بصدمة.
___
قالت سندس بعصبية:
يعني هتكون راحت فين بس؟ الأرض انشقت وبلعتها، كل حاجة واقفة في غيابها.. تعرف.. مش بعيد تكون دلوقتي على ذمة الراجل اللي قالنا السواق إنه شافه معاها عند البحر ويوم ولا اتنين وألاقيني مطرودة من البيت وكل ده عشان سمعت نصيحتك، مكانتش مبسوطة، كانت متضايقة وأكيد حاسة إني غاصباها على الجوازة دي.. ياريتني ماسمعت نصيحتك.
قال بسخرية:
مش كانت فكرة حلوة وقتها، دلوقتي بتقولي ياريتني.
كنت غلطانة ياسيدي وأهي البنت طفشت والمصيبة إننا مش عارفين طفشت مع مين وراحت فين؟
سيبك منها دلوقتي واديني ٢٠٠٠ جنيه.
اتسعت عيناها استنكاراً تقول:
انت مسمعتش ولا كلمة من اللي لسه قايلاهم.. طيب مش عايش معايا الفترة دي وشايف الوضع اللي بقيت فيه؟ بقولك الدنيا واقفة من غير ريم، ماهي كل حاجة باسمها وخصوصاً الفلوس اللي في البنك، أنا لولا كنت محوشة قرشين من مصروف البيت كنت دلوقتي أكيد بشحت.
تشحتي! هي وصلت لكدة.. يعني لا مال ولا حتى راضية نريح جوة شوية.. قوليلي بقى أنا قاعد هنا ليه؟
رمقته بحنق قائلة:
والله انت فايق ورايق يا عزت، وهو فيه حد دلوقتي باله فاضي ولا ليه نفس للكلام الفارغ ده؟
وميجيليش نفس ليه؟ ناقص إيد ولا رجل، بقولك إيه أنا مبحبش النكد وبجد اتخنقت وقايم ماشي.
هتروح فين؟
يعني هروح فين دلوقتي؟ هقعد مع كريم ونجيب على القهوة نلعب دومينو شوية زي زمان ولا نسيتي أيام زمان؟ لما تبقي تروقي ابقي اتصلي بيا.. سلام يا سندس.. أشوفك بخير.
تابعه يغادر بعيون حانقة قبل أن تزفر بقوة وهي تنهض تدلف إلى حجرة ريم للمرة التي لا تدري عددها تبحث عن أي شيء يدلها على مكان الأخيرة، فلم تجد كالعادة حتى أنها شارفت على الجنون تتساءل إلى أين ذهبت هذه البلهاء وكيف استطاعت أن تختفي هكذا..... دون أثر؟
___
مالك بس ياحبيبتي، سرحانة في إيه؟
في ريم يا يحيي، مش مرتاحة وقلقانة عليها قوي.. من ساعة ما سابتلي الرسالة الغريبة دي وهي تليفونها مقفول، أنا خايفة تكون عملت في نفسها حاجة.
ليه بس التشاؤم ده يا ديجا؟ هي مش قالتلك إنها مسافرة وإنها أول ما تستقر هتكلمك.. يبقى ليه نقدر البلا قبل وقوعه.
صوتها مكنش طبيعي، كان جواه ألف وجع، دي صاحبتي وأنا عارفاها، اللي مزعلني إني مكنتش جنبها عشان أعرف بيها إيه، انشغلت عنها بالشقة وده محسسني بذنب كبير قوي.
ربت على يدها بحنان يقول:
هوني عليكِ يا قلبي، وكوني واثقة إنها كانت هتلجألك لو الموضوع كبير زي ما بتقولي، هي بس كانت مضغوطة بسبب ماجد وأكيد بعد ما فسخت خطوبتها اكتأبت شوية وحبت تاخد بريك، تلاقيها سافرت يومين تغير جو وأول ما تروق هتكلمك.
قالت بلهفة:
تفتكر؟
اختفت اللهفة من ملامحها وحل الاحباط وهي تتذكر صوت ريم المفعم بالألم لتردف بحزن:
مش عارفة، إحساسي بيقولي إن فيه حاجة كبيرة حصلت معاها ووصلتها للحالة اللي تخليها تسيبلي رسالة زي دي وده عشان بس بتحبني وعارفة إن اختفائها مرة واحدة كدة هيقلقني، بس الظاهر مش عايزة حد يقرب منها وهي في الحالة دي والدليل على كدة إنها سافرت من غير ما تعرفني راحت فين ومن غير ما تعرف طنط سندس اللي قالبة عليها الدنيا ومش قادرة توصلها زي ما قالتلي ودي أول مرة تعملها.. ربنا يستر وميكونش السبب اللي بفكر فيه، عشان وقتها هقلق بجد عليها.. لأن كسرة القلب ملهاش جبر يا يحيي.
قطب يحيي جبينه قائلاً:
قصدك إيه؟ وهو إيه اللي ممكن يكسر قلب ريم؟ انتِ مش قولتيلي إنها عمرها ما حبت ماجد وإنها اتخطبتله بس عشان دي وصية والدها الله يرحمه.
كادت أن تفصح عن سر صديقتها ولكنها تذكرت الوعد الذي قطعته لها لتقول بارتباك:
آه.. فعلاً.. عمرها ما حبته، بس أنا قصدي يعني تكون طنط سندس ضايقتها وكسرت قلبها وعشان كده سابت البيت.
تأملها يحيي يدرك من خلجاتها المضطربة والتي يحفظها عن ظهر قلب أن حبيبته تواري عنه أمراً، يدرك أن هذا الأمر يخص صديقتها ويبدو كسر لن تستطيع البوح به. لم يلح عليها لتخبره، فمن أكثر الأشياء التي جعلته متعلقاً بمحبوبته هو وفائها النادر في زمن قل به الوفاء.
___
حضرتك الآنسة خديجة صاحبة ريم.. مش كده؟
أيوة مين معايا؟
أنا.. أنا جهاد.. جهاد ال....
قاطعته قائلة بلهفة:
أيوة أيوة ريم كلمتني عنك يا أستاذ جهاد؟ هي ريم معاك؟
قطب جبينه قائلاً:
معايا؟ لأ مش معايا.. هو فيه إيه يا آنسة خديجة؟ أرجوك اتكلمي بسرعة.. ريم فين؟
القلق بصوته جعلها تدرك أنه حقاً يهوى صديقتها وأن لا علاقة له باختفائها لتقول بحزن:
مش عارفة يا أستاذ جهاد، فجأة اختفت من غير ما تعرف أي حد هي رايحة فين أو حتى تقولنا على سبب سفرها.
سفرها!
كل اللي سابته رسالة ليا بتقولي إنها مضطرة تسافر عشان تريح أعصابها وإنها أول ما تستقر هتكلمني.. لكن لحد دلوقتي لا كلمتني ولا فتحت تليفونها وأنا هموت من قلقي عليها.
صمت طويل من جانبه جعلها تقول باضطراب:
أستاذ جهاد.. انت معايا؟
معاكِ بس بفكر هي ممكن تكون راحت فين.
صوته المتحشرج جعلها تدرك صدمته لسماعه خبر رحيلها الغامض ذاك.
أنا فكرت الحقيقة يعني إن حصل مشكلة بينك وبينها لكن واضح إنك متعرفش حاجة عن الموضوع.
آخر مرة كنا كويسين جداً، حتى إني كدت أبوح بمشاعري تجاهها..
قالها في سره بينما يردف:
لكن جاله تليفون من الأستاذ حسن المحامي قاطعنا ومن بعدها مقدرتش أوصلها.
حسن المحامي.. آه قصدك آنكل حسن، على الأغلب اتخانق مع مراته وهي راحت تصالحهم كالعادة.
هي قالت كده برضه.
طب تفتكر إيه اللي خلاها تسيبنا وتسافر بالشكل ده؟
مش عارف بس الأكيد إني مش هخلي مكان في إسكندرية مش هدور فيه ولو بجد سافرت فهدور في كل المطارات ومش هرتاح غير لما ألاقيها.
شعرت خديجة بالتفاؤل لتقول بحماس:
وأنا كمان هسأل في كل حتة يمكن نلاقي حد شافها ويا ريت نبقى على اتصال.. وبإذن الله نلاقيها في أقرب وقت.
بإذن الله.
كاد أن يغلق الهاتف ولكنها استوقفته تقول:
أستاذ جهاد..
آفندم.
هو حضرتك جبت رقم تليفوني منين؟
كنت مرة قاعد مع ريم وانتِ رنيتي عليها وأنا مبنساش الأرقام أبداً، اعذريني لو اديت لنفسي الحق وكلمتك بس صدقيني أنا معملتش كده غير لما يئست من إنها ترد عليا أو إني ألاقيها.
ولا يهمك.. بالعكس اتصالك جه في وقته على الأقل اطمنت إن قلبها منكسرش لإن ده كان أكبر مخاوفي، سلام يا أستاذ جهاد.
أغلقت الهاتف قبل أن يسألها عن معنى جملتها الأخيرة. تري هل يتعلق بأمل نطقت به أحرفها أم أنها ظنون من قبلها لم تؤكدها صاحبتها كما هي ظنونه التي ذهبت أدراج الرياح مع رحيل غامض تركه يضرب أخماس في أسداس يتساءل هل كان يعني لها يوماً شيئاً أم أنها أوهام صنعها خياله ليرضي قلبه المغرم؟
___
ياااه يابنتي.. اللي مريتي بيه مش قليل؟ إزاي قدرتي تتحمليه رغم صغر سنك؟
ربنا ودعوات والدي ووالدتي كانوا معايا في كل لحظة.
ونعم بالله.
تعرف يا جدي.. لما جيت هنا أول مرة كنت خايفة.
خايفة؟
أيوة خايفة.. خفت تطردني برة حياتك ومتتقبلش وجودي، ماهو احنا مكناش نعرف إنك يعني.. تعبت.. وعشان كده محاولتش تتصل بينا ولا تقرب مني، تعرف مين اللي شجعني؟
مين؟
بابا الله يرحمه، بعتلي رسالة وصلتني بعد موته تقريباً بسنة يقولي فيها إن عندي جد صعيدي وشهم مستحيل هيتخلي عني لو عرف إني بمر بأزمة.
أطرق الجد برأسه قائلاً بحزن:
الله يرحمه ويرحم ليلى وأمواتنا كلهم.
يارب.
انتِ متعرفيش الروح ردت فيا إزاي اليوم اللي وقفتي فيه قدامي وشفت فيكي شبه بنتي وروحها ودمها وكل حاجة فيها، رجع بيا الزمن أكتر من خمسة وعشرين سنة وحسيت إني اتولدت من جديد.
أنا كمان اتولدت من جديد في المكان ده؟ متتخيلش أنا سعيدة إزاي هنا.. معاك ومع الست نفيسة وعم مرزوق.
الحمد لله ياحبيبتي إن ربنا جمعنا من تاني.. بس قوليلي هتعملي إيه دلوقتي مع المحروقة سندس؟
قست عيناها رغم خلوهما من الحياة وهي تقول:
هرجعها تشحت زي ما كانت قبل بابا، هبيع كل حاجة وأسيبها كده.. لا حيطان تلمها ولا فلوس تسد جوعها.. هضربها ضربة في مقتل تخليها تحرم تتلاعب بمصاير الناس وحياتهم.
جدعة يابتي، طالعة كيف جدك معتسيبيش حقك واصل.
صحيح يا جدي.. انت ليه مبتتكلمش صعيدي؟ يعني جملة هنا وهناك.. مش علطول زي الست نفيسة وعم مرزوق.
عشانك يا ريم.. بخاف متفهميش لهجتنا.
على فكرة بجي يا حاج، أني بعرف أتحدت صعيدي كيف أجدعها بت صعيدية حداكم في الصعيد.
وه وه، صوح الحديت ده؟
أومال بابا كان دايماً حريص يعلمني اللهجة الصعيدية لإنها لهجة أمي الله يرحمها، كان بيحب ماما قوي.. صحيح مكنش بيتكلم عنها كتير لأن الكلام عنها كان بيوجعه ويخليها توحشه لكن كل تصرفاته كانت هي جواها منقوش اسمها على كل أفعاله وتصرفاته.
الله يرحمهم يابتي، ياريتني ما كابرت ورضيت أجوزهم لبعض يمكن.....
قاطعته قائلة:
متندمش يا جدي، كل شيء في الدنيا دي قسمة ونصيب، قدر والحمد لله إنهم قدروا يكونوا مع بعض في الدنيا وأكيد هيكونوا مع بعض في الآخرة.
يارب.
بالمناسبة هو عم مرزوق مختفي فين النهاردة؟ لا جه صبح علينا زي عادته ولا حتى جه عشان ياخدني أرش الزرع معاه زي كل يوم.
عند جاري من الفجر.. النهاردة أول الشهر وبيروح يساعد الجنايني اللي حداهم في توضيب الجنينة أصل مفيش مخلوق بيعرف يظبط الجنينة كيف مرزوق، صوح جواد بجاله فترة مبيجيش بس لازمن لما ييجي تكون الجنينة بتلمع أصله بيحب الزرع جوي.
جواد؟!
جواد الجمال.. صاحب مصانع البن.. أكيد سمعتي عنه، مش إكده؟
جواد الجمال يبقى جارك يا جدي.. اممم.
لتردف هامسة:
آه يا خديجة لو عرفتي؟ خديجة.. خدتني الحياة هنا ونسيت إني لازم أكلمك وأطمنك عليا.. سامحيني ياحبيبتي.
عتجولي حاجة يابتي؟
قالت بمرح:
لع مبجولش حاجة يا جدي.
رواية لا تشبهين احدا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شاهنده سمير
مازلت أمسك قلبي متلبساً بجريمة الشوق لشخص طعنني بسكين الغدر، رُغم أني أسكنته روحي وجعلته أغلي أحبابي.
يقيد العقل قلبي حينها ويطالب الجسد بإعدامه، فيصرخ القلب: ما ذنبي أيها الجسد؟ فلتستمع لأسبابي. قد منحت الحب إخلاص خفقاتي، فإن خان الحبيب وفرط في وصالي، إذاً فلتعاقبوا الحبيب واخلوا سبيلي. بالله عليكم دعوني لعذابي.. ألا يكفي أني أنكوي في مراجل الهجر بينما يرفل حبيبي في الحرير لا يأبه حتى لغيابي؟
ألا يكفي أنني صرت غريباً بينكم تطالبون بوأدي وقد كنتم حتى القريب أترابي؟ أخبركم أمراً.. افعلوا ماشئتم، فأنا أذوي منذ الفراق، على شفير الموت سأغدو. لذا، وكما لا يفيد الشاة السلخ بعد الذبح، لن يفيدني القتل بعد الردي، ولن تقدرون منذ اللحظة على إغضابي.
تساقطت عبراتها بينما تنخفض نغمات معزوفتها تعبر عن أنين القلب واستسلامه. توقفت أناملها عن العزف، تفتح عيناها المغروقتين بالدموع، تتطلع إلى الكون المظلم حولها، تشعر به حزيناً لأجلها رغم أنها لا تراه. أخذت نفساً عميقاً تحاول به امتلاك نفسها المبعثرة، فانتفضت على صوت جدها الهامس يقول لها بحيرة:
_ لأول مرة أسمع منك لحن حزين، زيك تمام لقيت الدموع بتنزل من عيوني. اللحن ده بيفكرك بأبوكِ كيف ما فكرني بأمك.. مش كده يا بتي؟
مسحت دموعها وهي تحمد الله أن هذه هي فكرة الجد عن سبب حزنها، وأنه لم يخطر بباله أنها تنعي بألحانها قلبها الذي استسلم أخيراً للردي بعدما حارب طويلاً كي يحيا، تارة من خلال الذكريات وتارة من خلال العشق، فما أصاب سوى الفشل. نحت مشاعرها جانباً وهي تقول:
_ الله يرحمهم.
حاولت أن تلهيه عن الخوض في الأمر قائلة:
_ قولي يا جدي، انت مفكرتش يوم تسيب المكان ده وترجع بلدنا.
نظر الجد لمحيطه قبل أن يتنهد قائلاً:
_ فكرت كتير يا ريم. كنت وقتها عاوز أهرب من حزني على جدتك، بس لقيت أنه ما لوش فايدة الهروب. إن هرب القلب من المكان اللي كان بيجمعه بحبايبه، كيف يهرب من الذكريات؟
لديك كل الحق يا جدي. كيف يهرب المرء من ذكريات حفرها العشق بوجدانه فصارت تطارده؟ لا تكتفي بالأماكن ظهروًا بل صارت تظهر بالصحو والمنامِ.
_ تعرفي يا بتي، لما أمك سافرت وهملتني، فكرت أعود البلد من تاني، بس فضل كل مكان هنا بيفكرني بيها، والأمل في رجوعها حد خلاني أستناها لحد ما جالي خبر موتها. وقتها قولت إني مش ههمل البيت هنا.. على الأقل مش هحس بالغربة وأرواحهم محوطاني. لكن هناك في البلد هعيش غريب، أصل الوطن حضن ضم أحبابنا، مش حيطان خلت من ذكرى واحدة ليهم معايا.
_ الوطن فعلاً بيبقى مكان ضمك مع حد بتحبه، بس أهم حاجة يكون هو كمان بيحبك بجد، من غير أي غرض أو مصلحة، مخلص ليك زي ما بتخلص له، ميغدرش بيك مهما حصل.
حدجها جدها بنظرة فاحصة وهو يقول:
_ كلامك والمرارة اللي في صوتك بتلخبطني يا ريم. كنك اتلدغتي بسم الغدر.. مين بس اللي استجرى يعملها ويخون ملاك زيك؟
انتبهت لنفسها وقد كادت أن تكشف عن مشاعرها لتقول بابتسامة مفتعلة:
_ مين يا جدي اللي هيستجرى؟ وأنا ورايا جد يقدر اللي بيحاول حتى.. أنا حفيدة فهمي الشبراوي مش أي حد إياك.
قهقه الجد قائلاً:
_ براوة عليكِ يا بتي، حفيدتي صح. الله يسعد قلبك ويراضيكي برضاه.
_ يارب.
قالتها بنفس، تدرك أنه لا مجال لسعادة قد تحيي القلب بعد الردي، ولكن القلب همس لها بوهن: "سأرددها طوال الوقت، ولن أقنط من رحمي ربي، فرحمته قد وسعت كل شيء".
***
بعتيني يا سندس مش كده؟
_ إيه سندس دي يا واد؟ انت اتجننت؟
_ لازم أتجنن بعد اللي عملتيه فيا، بتبيعي ابن أختك، جبتي مين يقوم بالدور بدالي، جبت مين يلم قذارتك؟
رفعت يدها تبغي صفعه بغضب، ولكنه أوقف يدها في الهواء قائلاً:
_ لا.. ده كان زمان لما كنتي خالتي اللي شاريني وشاريها، لكن مادام بعتيني....
نفض يدها قائلاً بغل:
_ يبقى اتفرقوا الخالات. بس وعد مني مترتاحيش طول ما أنا عايش. وبكرة تشوفي أنا هعمل إيه فيكِ يا.. يا سندس.
قالها ساخراً، يرفع يده بالتحية قبل أن يغادر. لتتجه سندس إلى الباب المفتوح وتصفعه بغضب قائلة بصوت هادر:
_ غور، الله لا يرجعك. كنت ناقصاك انت كمان، مش كفاية المصيبة اللي أنا فيها. هو فيه إيه بالظبط؟ مين اللي بصلي في حياتي يا ربي وخلاها اسودت قوي كده؟ دي عيشة بقت تقصر العمر.
***
بقى بيت جدك جنب بيت جواد الجمال..
_ آه يا بنت المحظوظة.
_ يا بنتي اتهدي بقى وسيبيني في حالي، أمال لو ما كنتيش أنتيمتي وعارفة اللي فيها.
_ معلش يا قلبي، بكرة الدنيا تروق وتحلى وتبتسم لك.. بكرة تنسي جهاد وسندس وماجد وعمايلهم السودة فيكي، ومش بعيد جواد يشوفك ويقع في سحر جمالك وتتجوزيه. أما لو ده حصل، يبقى أبواب السما اتفتحت لك يا ريمو.
_ أنتِ الظاهر ما فيش فايدة فيكي، أقفل السكة في وشك طيب؟
ضحكت خديجة تقول من بين ضحكاتها:
_ خلاص والله خلاص.. نتكلم جد بقى.. أخبارك إيه مع جدك؟
_ الحمد لله يا ديجا، بعيش أجمل أيام حياتي والله.. إحساسك إنك بين أهلك وناسك إحساس حلو قوي.. بابا الله يرحمه كان معاه حق، جدي راجل بجد، تحس بالأمان معاه، ده غير حبه وحنانه واهتمامه بيا.
_ الحمد لله يا قلبي، طب مش هشوفك قريب؟
_ صعب يا ديجا.. أكيد مراقبينك دلوقتي، وبسهولة لو قابلتك يوصلوا لي.. هانت يا قلبي.. أقص ريشهم بس وأتأكد إنهم مشغولين بمشاكلهم عني، ووقتها هجيلك إسكندرية، أو أقولك هبعت السواق يجيبك لحد هنا.
_ وأشوف جواد الجمال؟
_ أنتِ ما فيش فايدة فيكي. عموماً، انتِ وحظك بقى، لإنه ما بيجيش هنا إلا فين وفين، زي ما جدي قالي.
_ لو على حظي، يبقى هيبيع البيت ومش هييجي عندكم تاني.. حظي بقى وأنا عارفاه.
ضحكت ريم، فقالت خديجة:
_ أيوه بقى، سمعيني ضحكتك الحلوة دي.. بالمناسبة يا ريمو، أنا قابلت المايسترو هادي وسأل عنك. قلت له إنك سافرتي الإمارات لواحدة صاحبتك هناك. قالي: "يا ريت ترجع قبل حفلة ليلة راس السنة اللي عاملينها في الأوبرا، نفسه تشاركي فيها".
_ وأنا قلت له: مش هينفع. أنا مش عارفة مصر على إني أعزف في الحفلة ليه بس؟
_ لإنك موهوبة يا قلبي وعزفك يستاهل الناس كلها تسمعه. وبعدين انتِ مش كنتِ قلتي لي إنك غيرتي رأيك وهتعزفي؟ وإنك خلاص هتكوني زي عمار الشريعي وتخرجي موهبتك للنور بغض النظر عن أي شيء.
ذكرتها خديجة بمن تحاول بكل قوة نسيانه، تجبر نفسها على محو شخص من حياتها كان يعني لها كل شيء. لقد ترك لها وجعاً يكفيها عمراً تحاول التغلب عليه في كل يوم.. دقيقة ولحظة، فتغلبها دمعاتها الساخنة تحرق خفقاتها، تذكرها بألم خديعته لها. أخبرها جدها أن لا تغلق قلبها على الحزن فتمنع دخول الفرح إليه. لا يدري أن ظلام عينيها امتد لروحها وقلبها بسبب حبيب خائن، فباتت الدنيا سوداء في ناظريها، يتخللها بعض النور المتمثل في جدها وخديجة، لتكتفي بهما وتغلق أبواب قلبها دون الآخرين.. فقد اكتفت خذلاناً.
_ روحتي فين يا ريم؟
_ معاكي.. مش هقدر أعزف يا ديجا، عمار الشريعي كان فريد من نوعه ومستحيل أقارن نفسي بيه.
_ ريم....
قاطعتها ريم قائلة بحزم:
_ قلت مش هعزف، وده قراري الأخير. هكلمك تاني.. جدي بينده عليا.
أغلقت الهاتف تزفر بقوة، فانتفضت حين قال جدها:
_ انتِ بتهربي منها ولا من نفسك؟
_ جدي!
_ أيوه جدك.. سامحيني لأني فزعتك. أنا كنت جاي أقعد معاكي شوية، غصب عني سمعت مكالمتك ومش فرحان باللي قلتيه دلوقتي خالص يا ريم.
_ جدي أنا...
_ انتِ إيه يا ريم؟ انتِ بنت ليلي وصادق وحفيدة فهمي الشبراوي.. يعني كل ذرة في دمك فيها قوة تكفي عشر رجالة. مريتي بكتير وقدرتي تفضلي واقفة على رجليكي قصاد الكل. عجزك زي عجزي مش هيمنعنا نعيش حياتنا زي ما إحنا عايزين.. بتقولي إنك مش زي عمار الشريعي، وإن موهبتك أضعف.. دي حجة بتقنعي بيها نفسك عشان خايفة من الجمهور وكلامه، مش كده؟ أنا سمعتك بنفسي كتير وعزفك كان ساحر. كنت بحس دايماً إني بسمع أنغام من الجنة.. خسارة يا بتي موهبة زي دي تضيعيها. موهبة زي دي تستاهل الناس كلها تسمعها.. قولي إنك هتعزفي في الحفلة دي يا ريم.. وافقي بقى وفرحي جدك.
ابتسمت تقول بحنان:
_ موافقة يا جدي.. عشان خاطرك أنت موافقة.
لتردف في حزم:
_ هعزف في حفلة ليلة راس السنة.. قدام الكل.
***
يعني إيه الكلام اللي انت بتقوله ده يا متر؟
_ يعني زي ما قولت لحضرتك قبل كده، ما فيش أي إجراء أقدر آخده من غير موافقة الآنسة ريم. صادق بيه قفل أوراقه كويس وكتب لها كل حاجة بيع وشرا وخلاها المتحكمة الأولى والأخيرة في أمواله بعد ما حطها باسمها في البنك. يعني مش هقدر أسحب لك من البنك أي فلوس من غير إمضتها.
زاغت عيناها قائلة:
_ طيب وهعيش إزاي دلوقتي؟ ما أنت عارف إنها غايبة ومحدش يعرف لها طريق؟
هز كتفيه قائلاً:
_ للأسف ما فيش حاجة في إيدي أقدر أعملها لك.
طالعته بخيبة أمل قبل أن تنهض وتسحب حقيبتها، تغادر المكتب بخطوات ثقيلة كثقل همها.
***
كانت تنتقي ما بين المزهريات حين لفت انتباهها إحدى التحف على شكل كمان. أمسكته تتأمله بحنين لتسمعه يقول بعطف:
_ وحشك مش كده؟
ابتسمت تتطلع إلى وجهه الحاني تقول بتوق:
_ قوي يا يحيى.. أنا كان يومي ما بيكملش من غير ما أشوفها.
_ طب ما تروحي لها.. وأنا هوصلك بنفسي.
همست في نفسها: "لو تعرف مين جارها مش هتقترح الاقتراح ده أبداً، بالعكس هتمنع سفري ومش بعيد تحبسني كمان".
ضحكت للفكرة فقطب جبينه بحيرة قائلاً:
_ هو أنا قولت حاجة تضحك؟
_ ها.. لأ.. أصل افتكرت حاجة قالتهالي ريم. المهم مش هينفع أسافر أصلاً، ورانا حاجات كتير عشان نلحق نخلص قبل الفرح. وبعدين هي قالت لي إنها هتيجي إسكندرية قريب.
هز رأسه ثم قال:
_ التحفة دي حلوة قوي. نشتريها ولما تيجي إديهالها هدية.
_ هي فعلاً حلوة قوي وفكرة تجنن إني أهديها لريم، بس أنا كمان عايزة واحدة في البيت تفكرني بيها. إيه رأيك نشتري اتنين؟
مال يتطلع إلى مقلتيها العسليتين يقول بحب:
_ ده انتِ داخلة على طمع بقى.
اتسعت ابتسامتها تقول بشقاوة محببة إلى نفسه:
_ ده إحنا لسة بنسخن يا باشا، التقيل جاي ورا.
قبل أن تنتفخ أوداجه وهي ترفع ياقتها مردفة بتمثيل:
_ قالوا في الأمثال: "فلسي جوزك جنبك تلاقيه، أما لو وفرتيه فغيرك يا خايبة هيفوز بيه".
اتسعت عيناه باستنكار وهو يقول بفزع مفتعل:
_ تاني أمثال لأ ومثل جديد؟ أنا عمري ما سمعت بيه. فلسي جوزك.. آه.. لأ، أنا بقول ألحق نفسي وأهرب من الجوازة دي أحسن. مالها العزوبية بس؟ ده حتى السنجلة جنتلة.
قالها واتجه إلى الكاشير، لتسحب خديجة تحفة على شكل كمان تشبه التي معها وهي تتبعه قائلة:
_ استني بس يا يحيى، أنا كنت بهزر والله.. يا يحيى.. اسمعني بس.
***
أدارت المفتاح في قفل الباب ثم توقفت متجمدة وصوت ضحكة امرأة تصلها. فتحت الباب لتري عزت يجلس امرأة أمامه، ما إن رأتها حتى عقدت حاجبيها بقوة تتطلع إلى عزت وكأنها تطالبه بتفسير. نهض عزت يتقدم من سندس، فتقدمت منه بدورها تقول بصدمة:
_ مين دي يا عزت؟
أمسك ذراعها يسحبها تجاه الباب قائلاً:
_ انتِ إيه اللي جابك دلوقت؟
نفضت ذراعها من يده تقول باستنكار:
_ إيه اللي جابني؟ جاوبني انت الأول وقولي مين دي يا عزت؟
_ أنا صفاء مراته يا عينيا.. انتِ اللي مين بقى؟ مين دي يا عزت؟
طالعته سندس بصدمة قائلة:
_ مراتك؟!
طالعها بجمود قائلاً:
_ أيوه مراتي، اتجوزنا من يومين.. واحدة قبلت بيا وبظروفي وحبتني زي ما أنا.. مش واحدة اتخلت عني زمان وراحت اتجوزت واحد غني رغم إنها كان معاها فلوس لكنها طماعة وكانت عايزة أكتر. ولما ضحك عليها وسابها، راحت برضه اتجوزت غيره عشان بتحب الفلوس أكتر مني. ولما لقت نفسها محتاجاني.. محتاجة راجل بجد.. رجعت لي. لكن مش أنا يا هانم اللي أنسى حاجة زي دي. مش أنا اللي واحدة زيك توازن بيا وبين الفلوس.. أنا اللي يشتريني عمري ما أبيعه، واللي يبيعني عمري ما أشتريه.. رجعتك حياتي آه بس عشان انتقم منك وأخليكي على الحديدة، آخد كل حاجة وأرميكي بعد كده في الشارع زي ما رميتيني زمان. بنت جوزك قامت بالواجب ده نيابة عني، كتر خيرها بقى.. بس أنا هكمل وأرميكي زي ما رمتك هي من شقتها لما باعتها.. اطلعي بره بيتي يا سندس.
طالعته بعيون زائغة تقول بصدمة:
_ أروح فين بس دلوقت؟ ده أنا كان أملي فيك يا عزت.. ليه تقسي عليا بالشكل ده؟ أيوة غلط زمان لكن.....
قاطعها قائلاً:
_ داين تدان ياسندس وغلطتك ما كانتش قليلة. تروحي فين؟ تروحي فين؟
مط شفتيه مردفاً:
_ معتقدش إنه شيء يهمني. اطلعي بره ياسندس.. مش عايز أشوف وشك تاني.
_ أيوه بس....
_ ما قالك تطلعي برة يا ست انتِ، هي تلاقيها جتت ولا إيه؟
طالعتها سندس بعينين مغروقتين بالدموع، ثم نظرت إلى عزت الذي قست ملامحه لتدرك أنه لا مكان لها هنا وأن عليها الرحيل بأقصى سرعة قبل أن تهان كرامتها أكثر من ذلك. كادت أن تمشي، فقالت المرأة:
_ متنساش تاخد المفتاح منها يا سي عزت.
_ كده كده هغير القفل يا صفاء عشان نبتدي على نضافة.
غادرت بخطى ثقيلة تكاد لا تسمع حثيثها، فقط صوت مفتاح يقع أرضاً هو كل ما يستطيع المرء سماعه.. في هذه اللحظة.
رواية لا تشبهين احدا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شاهنده سمير
لا أريد أن أشتاق
حنين إلى صوتك جعلني أمسك هاتفي بإشتياق
يدق قلبي مع كل رقم تتسارع خفقاته في سباق
فجأة تجمدت يداي.. وأوقفتني ذكريات انبثقت من الأعماق
كلمات أصابتني بغصة في حلقي.. ومرارة لا تطاق
كلمات جعلتني أرحل.. وقد حان وقت الفراق
ذاهلة كنت .. غاضبة.. تفوح من قلبي رائحة الاحتراق
ابتعدت مجبرة أصون كرامتي وأبحث لجرحي عن ترياق
لأعود وأشتاق.. فأمسك هاتفي ولحنيني أنساق
أطلب رقمك .. أسمع صوتك.. ثم أغلقه بدمع يراق
أضم هاتفي إلى جوارحي.. أصرخ بإنسحاق
ياالله.. لا أريد أن أضعف .. لا أريد أن أشتاق
معزوفة حزينة انبعثت من كمانها فتركت الجميع في حالة سكون تام، يشعرون بأنين الأوتار ولوعة النغمات، يتعجبون كيف لملاك رقيق كهذه العازفة أن تقدم مقطوعة بهذا الإبداع؟
بهذه المشاعر التي تدفقت بداخلهم؟ بهذا الكم من الحزن الذي مس شغاف نفوسهم؟
خرت القلوب لمرأي العازفة قد تبللت أهدابها الجميلة تلبية لرغبة مقلتيها في مشاركة صاحبتها مشاعرها فعجزت الأهداب عن حبس الدموع بالمقلتين، تتسلل العبرات على وجنتي صاحبتهما الرقيقتين بتتابع بطيء، وحين انتهت المعزوفة لم تبدو المقلتين هما الوحيدتين المتأثرتين بحزن المقطوعة بل بدا الجميع كذلك وهم يقفون بإجلال للعازفة يصفقون بقوة بينما تزرف العيون الدموع، لتفتح العازفة عيناها الجميلتين تتطلع إلى الجمهور وكأنها تراهم وهم يصفقون ويهتفون باسمها لتتحول دموع الحزن إلى فرح، تبتسم فتخطف القلوب بجمالها يطالبونها بالمزيد فتنحني قبل أن تمسك كمانها وتبدأ العزف فتطرب القلوب مجدداً بسعادة بعد حزن، لا يدرون أن معزوفتها الأولى كانت رثاء لروحها بينما معزوفتها الثانية هي بعث بعد رد.
***
جلس على الشاطئ.. هذا الذي جامعه يوماً بها، هو أكثر الأماكن التي يرتاح فيها، يحيطه طيفها فيغرق في ثناياه لا يشعر أبداً بالزمن.
تغيب الشمس ويسدل الليل ستاره فلا يشعر.. قد بات نهاره ليله وقد غابت شمسه عن السماء فأصبح الكون ظلاماً في غيابها.
لم تكن شمسه فقط بل كانت أيضاً قمراً ينير ظلماء ليله فصار ليله داهماً بدوره لا يستطيع أن يسير في أي درب، توقفت خطاه وتجمدت روحه.
يتساءل بلوعة.. تُرى أين هي الآن وكيف حالها؟
لقد بحث عنها كثيراً.. في كل مكان توقع أن يجدها فيه.. لا أثر لها في أي مكان، وكأن الأرض انشقت وابتلعتها.
ما الذي حدث لتبتعد عنه هكذا؟
لقد أخبرته زميلته نجاة أنها ارتطمت بفتاة بمواصفات حبيبته تغادر مكتبه باكية؟ لماذا جاءت إلى المكتب ولماذا غادرت دون أن تراه؟ ولماذا كانت تبكي؟
مر بيده على شعره، يكاد أن يُجن.. لقد تجرع في فراقها كؤوساً من الحنظل مريرة جداً لا تحتمل، وتبعثرت ثناياه وتشتت لا يدري كيف يجمع شتاتها.
رحلت أفراحه وسعادته مع رحيلها وسيرحل الشتاء بدوره يوماً كما رحلت ويرحل مطر عشقه لأجلها هي.
سيبقي الجرح والحزن والمرارة والأسى والدموع.. أسماء عديدة والمعنى واحد، هو _أسيرها للأبد_.
حنايا القلب تبكي لوعة فراق كان دون وداع.. دون كلمة.. وربما دون أمل.
رن هاتفه ليخرجه من ظلمات أفكاره كاد أن لا يجيبه ولكنه أجاب بملل دون أن ينظر للرقم، لتتسع عيناه بصدمة حين وصلته بضع كلمات أطارت صوابه وجعلته يقفز واقفاً ويسرع في خطواته...
"ريم في مسرح الأوبرا بتعزف.. تعالي حالاً."
***
أمسكت قلب السلسال الملتف حول جيدها بيدها تدعو الله أن يقر قلب ولدها مع حبيبته التي أهدتها هذا السلسال وسكنت بجمال قلبها قلوبهم:
"إهدي ياابني، متعملش في نفسك كدة."
كان يجول كليث جريح يمرر يده في رأسه بعصبية يقول بمرارة:
"أهدي إزاي بس ياأمي؟ بقولك ملحقتهاش، كان بيني وبينها ربع ساعة بس، لو كنت لحقتها كنت لحقت روحي."
"طب مسألتش المايسترو؟ أو أي حد معاها في الفرقة؟ أكيد فيه حد يعرف مكانها."
جلس جوارها يزفر بقوة:
"مفيش حد يعرف عنها حاجة، زي ماظهرت فجأة اختفت فجأة وبرضه مسابتش أثر وكأنها قاصدة تبعدني عنها، أنا لحد آخر لحظة كان عندي أمل تكون بتبعد شوية لأي سبب بس في النهاية مش هتقدر تبعد كتير، هوحشها زي ماهي وحشتني، بس الظاهر اني كنت غلطان واني اتوهمت مشاعر في قلبها ليا مكنتش موجودة أساساً."
"ياابني صدقني، ريم فيها حاجة زي ماقولت ويمكن الحاجة دي خليتها تعتزل الكل، انت بنفسك قولت انها مقالتش لأعز صاحباتها علي مكانها، مش انت المقصود بالبعد وأكيد لما هتروق هترجع من نفسها، لو شوفتها وهي بتعزف هتتأكد من كلامي."
تطلع إليها قاطباً جبينه وهو يقول:
"قصدك إيه؟"
أمسكت الريموت تقول بإصرار:
"أنا مش هقولك، هخليك تشوف بنفسك أصلي سجلت الحفلة كاملة."
وجه كامل انتباهه إلى التلفاز خاصة حين ظهرت حبيبته تتوجه إلى مكانها على المسرح تتعلق عيناه بملامحها الجميلة لتعود الحياة إلى قلبه لمرآها، يخفق بقوة كما لم يخفق منذ غيابها، لتبدأ العزف ومع كل نغمة يسمعها يجد لأنينها صدى في نفسه وللوعتها غصة في حلقه فلم يشعر بأنه يشاركها عبراتها حتى وجد الرؤية ضبابية أمامه ليمد يده إلى عينيه يبغي إجلاء نظره فوجدهما مندتين بالعبرات.
***
كانت تحصي النقود التي معها فوجدتها بالكاد تسد أجرة الحجرة التي تعيش فيها لليوم فقط، نظرت في حسرة ليديها الخالية من المجوهرات بعد أن باعت آخر قطعة لديها لتعيش منها في الأيام القليلة الماضية، تندم لبيعها المجوهرات التي أهداها إياها صادق قطعة تلو الأخرى لأجل الخائن عزت ولأجل الفاشل ماجد، حين خطر الأخير ببالها ترددت للحظة، يبدو أنه لا مناص من أن تطأ كرامتها وتلجأ إليه وقد ضاقت بها السبل رغم أنه نذل حقير سيتلذذ بإذلالها ولكنه بالنهاية من دمها ولن يرتضي بقائها بالشارع، منعها كبرياؤها من أن تفعل، تنوي أن تنزل اليوم في جولة أخيرة للبحث عن ابنة زوجها الغبية، من يعلم فقد يحالفها الحظ وتجدها وحينها ستزرف سندس أمامها الدموع وستصدق هذه الساذجة طيبة القلب دموع التماسيح خاصتها وتعيدها سيرتها الأولى، أما إن لم تفعل فستلجأ للحل الأخير وليذهب وقتها كبرياؤها إلى الجحيم.
***
كان يجمع ثيابه ويضعها في حقيبته.. طرقات على الباب يعرفها جيداً جعلته يأذن لصاحبتها بالدخول، دلفت والدته فوجدته يغلق حقيبة السفر، قطبت جبينها تقول بحيرة:
"انت رايح فين ياابني؟"
وضع حقيبة السفر أرضاً يقول بضيق:
"مسافر ياأمي."
"هتروح فين؟"
"متقلقيش، مش مسافر برة البلد المرة دي."
"تفتكر لما تغير المكان هتنساها."
زفر يجلس على السرير قائلاً:
"ومين قالك اني عايز أنساها؟ اللي زي ريم مستحيل تتنسي."
اقتربت منه تقول بحزن:
"معاك حق.. لسة مفيش خبر عنها؟"
"من يوم ما اختفت من الحفلة قبل وصولي وأنا بحاول أوصلها، سألت الكل عنها مرة واتنين وتلاتة بس محدش عارف مكانها أو يمكن رافضين يقولولي، أكيد منبهة عليهم."
"وليه بس هتعمل كدة؟"
"مش عارف ياأمي وده اللي هيجنني، أنا كنت خلاص هصارحها بكل حاجة وأعرض عليها الجواز بس القدر ما استناش وبعدها عني."
"لو نصيبكم مع بعض هتتجمعوا من تاني ياابني."
"ادعيلي ياأمي.. ادعيلي تكون ريم نصيبي لإني محبتش قبلها ولا يمكن بعد ماحبيتها أحب واحدة بعدها.. هي غير ياأمي.. هي غير."
أمسكت بقلب سلسالها مجدداً وهي تقول:
"بدعيلك ياابني والله بدعيلك وبدعيلها ليل ونهار."
قبل يدها قبل أن يقول مبتسماً بحزن:
"يبقي أكيد هلاقيها بفضل دعواتك ليا."
ربتت على يده فنهض يمسك حقيبته قائلاً:
"أنا مضطر أمشي عشان متأخرش.. انتِ عارفة اني مبحبش أسافر بالليل.. ايه رأيك تيجي معايا؟"
"مش هينفع.. انت عارف اللي ورايا.. لو خلصت بدري جايز أحصلك."
"هستناكي."
هزت رأسها فقبل جبينها قائلاً:
"سلام ياأمي."
تابعه يغادر تقول بحنان:
"سلام ياحبيبي.. ربنا يوفقك ياابني ويجعل لك في كل خطوة سلامة ويجعل ريم بنت حوا وآدم من نصيبك ويبرد قلبك ويريحك...... يارب."
رواية لا تشبهين احدا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شاهنده سمير
منحته ملعقة الدواء فتناولها منها يبتسم بحب.
فلم يعد يتعجب من قدرتها على القيام بأشياء كثيرة يفعلها المبصرون.
يدرك أنها تواجه ضعفها بالتحدي، بقدراتها التي تكتسبها بجلد وصبر.
تمسح عن العيون الشفقة وتجني كل الاحترام.
"تعرفي ياريم قبل ما تيجي هنا كنت عايش إزاي؟"
"إزاي يا جدي؟"
"كنت فاكر إني عايش مبسوط وراضي. كنت شايف في العزلة دواء لروحي. مدريتش إنها كانت هتأخد روحي وتدفنها بالحياة. كنت بقوم من السرير لأجل إنه لازم أقوم، كنت باكل لأجل إنه لازم آكل. بس دلوقتي عرفت إن الجنة من غير ناس ماتنداس، وإنتي مش ناس، إنتي أغلى الناس. النور اللي هينور عتمة قلبي. إنتي اللي دبّيتي فيا الحياة كيف المطر لما يحيي أرض مهجورة دبل زرعها ومات. وإنتي الشمس اللي دفّت قلبي بعد برد السنين. إنتي السبب اللي بقوم من النوم لأجلها، وإنتي اللي باكل وأشرب لأجلها برديك. لأجل ربنا يطول في عمري هبقى أعيشها معاكي يا غالية.. يا بنت الغالية. وه وه، عتبكي ليه دلوقتي؟"
أمسكت يده تقول بحب غمر ملامحها ونبرات صوتها:
"عايز تقولي كل الكلام الحلو ده يا جدي ومابكيش. دي دموع السعادة يا جدي. دموع مبتخرجش غير مع الناس اللي بنحبهم وبس. تعرف بعد وفاة والدي محسيتش بالأمان وحضن العيلة غير هنا. في بيتك وفي حضنك. لو تعرف قد إيه بحبك كنت اتأكدت إن زي ما إنت عايش عشاني، فأنا عايشة عشانك يا جدي."
"تعالي يا بتي، تعالي في حضن جدك خلينا نبكي سوا."
سحبها لحضنه فنامت جواره، يضمها لصدره. تغمض عيناها بينما يحكي لها عن والدتها وكيف كانت لا تنام حتى يقص عليها القصص. ليبتسم الجد بحنان وقد انتظمت أنفاس حفيدته ليدرك أنها كوالدتها تماماً. وهي لديه عزيزة مثلها بل أعز كما قال السلف.
***
أغمضت عيناها تتعمق في ألحان معزفتها. تراه بين النغمة والأخرى. لا تستطيع نفض صورته أو إحساس بالفقد ملك حواسها. فما بين جرح الغدر العميق وحنين يجتاح الوجدان للحظات شعرت فيها بلذة الحياة وهي حده. يتمزق فؤادها. لا تدري كيف ظل القلب يتوق له رغم جرح أصاب القلب مازال ينزف حتى هذه اللحظة؟ لماذا جعلها تتعلق به وملك عليها جوارحها ثم طعنها بخنجر حاد في صميم قلبها؟ صارت حياتها دونه فارغة الأركان، يسود الصمت جوانبها. بهتت ألوانها ثم صار اللون الأسود الشبيه بظلمات عينيها ظلاً لحياتها. قاتمة دونه ليس بها بصيص أمل. تذرف الدمع على أوقات سعادة لم تعد في متناول يدها بعد أن ذبلت أوراق الحب وتوقف الوقت حين استوطن الحزن القلوب.
لم تدري أنها كانت تبكي، تشاركها نغماتها ألم الفراق ولوعة الحنين حتى تذوقت الطعم المالح للعبرات. فتوقفت فجأة عن العزف لتسمع تصفيقاً حاداً لم يفعل بقلبها ما فعلته ذكرى تصفيق آخر مر بخاطرها للتو فأثار كل ذرة بكيانها. تتذكر تصفيق الجمهور لها أيضاً يوم الحفل وكم أثار مشاعرها وأسعدها. ولكن أيضاً لم يكن له نفس تأثير تصفيق رجل احتل وجدانها وتسلل إلى قلبها فصار يسري بروحها مسرى الدم في الشرايين.
استمعت إلى صوت العم مرزوق يقول بحماس:
"الله أكبر عليكي يا ست ريم. كني بسمع صوت المزمار أو الربابة حدانا في البلد. عتفكّريني بيها وعتشوقيني ليها يا بنت الناس. أني لازم ولابد أسافر لها وأطل على داري هناك والساجية القديمة كماني وأرجع الذكريات."
ابتسمت برقة تقول:
"صحيح يا عم مرزوق مقلتليش إيه اللي خلاك ترضى تسيب دارك والبلد وتيجي مع جدي مرسي مطروح؟"
"أني اتولدت واتربيت في بيت جدك الكبير. كنت ضل الحاج فهمي من صغري سني. وين ما يروح عروح. ولما ماتوا أهله ووجعه وجوده في المكان اللي مليان بذكرياته معاهم وجال لازم يفارجه جيت إمعاه. وإنه لجي نصه التاني كيف ما لجيته. لكن حظه كان أحسن من حظي هبابة.. اتجوز حبيبته وجاب الست ليلي الله يرحمها. لكن أنا نصي التاني ماتت الله يرحمها هي كماني.. كان عندها المرض الخبيث ربنا يحفظك منه. خطفها في عز شبابها ومن ياميها وأني عايش على ذكراها لحد ما ألاقيها عند رب كريم."
"الله يرحمها.. لسة فيه ناس بتحب وبتخلص بالشكل ده؟ والله حيّت فيا الأمل من تاني بعد ما ماتت أمل محروقة يا عم مرزوق."
ضحك مرزوق قائلاً:
"الله يحفظك يا ست ريم وما يحرمناش منك ولا من صوت البتاع اللي في يدك ده."
"اسمه كمان يا عم مرزوق.. متقلقش هتسمعني بعزف على طول.. بتدرب بقى عشان حفلة عيد الحب وانت وجدي والست نفيسة هتكونوا جمهوري الوحيد لحد ما أسافر مصر."
"الظاهر مش إحنا بس اللي حنكون جمهورك.. أني لسه شايف سي جواد واقف هناك كيف التمثال عيتطلع فيكي كنه مسحور بأنغامك."
قطبت جبينها تردد بحيرة:
"انت قصدك جواد الجمال.. جارنا؟ كان واقف يسمعني وأنا بعزف؟"
"آه والله زي ما بقولك كده. الواد محروس الجنايني بتاعه جالي إنه جه من كام ساعة والظاهر إنه كان قاعد في الجنينة وسمعك وإنتِ بتعزفي لإني لقيته جاي اليمة دي وأول ما شافك عيونه كانت عتفرط من وشه. وجف كيف التمثال عيطلع ليكي وبعدين مسك تلفونه ورمح ناحية بيته رمح. الظاهر جاله مكالمة مهمة فملحقش يهنيكي على عزفك."
هزت رأسها بهدوء تحمد الله أنه لم يفعل. يكفيها ما لاقته من الذين يستمعون لنغماتها خلسة.
نفضت أفكارها تقول:
"بالمناسبة يا عم مرزوق أخبار شجرة الريحان إيه؟ أوعى تكون رويتها.. انت مش قلتلي هتخليني أرويها بنفسي."
"مرزوق لا يمكن يرجع في كلمته أصل. شجرة الريحان عتستناكي يا ست ريم ترويها بالمي كيف ما بتروي روحنا بروحك وأنغامك الحلوة."
ابتسمت تقول:
"والله انتوا مدلعيني قوي بكلامكم واهتمامكم.. أنا خايفة أتعود على الدلع ده."
"وتخافي ليه يا ست ريم؟ إنتي بين أهلك وعزوتك واللي بين أهله وعزوته عمره ما يخاف أصل."
كنت بين أهلي وكان الخوف مصاحباً لي كظلي حتى فارقتهم فزال الخوف عني وأدركت أن القرابة ليست بالدم أو العشرة ولكنها بصفاء القلوب. الأهل هم قلوب أحبوك من أول وهلة واهتموا بك لوجه الله لا يبغون جزاءً ثم تمنوا لك الخير وذكروك دائماً في أنفسهم وعلى الملأ وفي دعواهم.
***
"يا يحيى قولتلك بهزر، وحياة ربنا بهزر.. ما إنت عارف إنك ساكن في قلبي ومفيش غيرك، ليه بس اتعصبت وزعلت مني؟ انت معندكش ثقة فيا ولا إيه؟"
طالعها بعتاب قائلاً:
"مكنتش أدّيتك اسمي يا خديجة. فيه فرق بين الثقة وإني أطالبك بالحفاظ على كرامتي."
قالت باضطراب:
"وأنا عملت إيه يعني يمس كرامتك؟ كل اللي قولته لريم في التليفون دلوقتي لما قالتلي إن جواد الجمال جه الفيلا اللي جنبهم "يابختك هتقابليه". ماهو جواد بالنسبة لي زي ممثلين السينما أو المطربين كده، وده زي مطرب الكل بيحبه وبيحترمه لكن دايماً يغني في الراديو والكل حابب يشوف صورته. الناس اللي من النوعية دي بنحب نسمع أخبارهم، نعرف أشكالهم نتصور حتى معاهم لكن مبيسكنوش القلب بالطريقة اللي ممكن تزعلك."
"مجرد كلامك عن راجل غيري يجرحني ويزعلني يا خديجة حتى لو كان مجرد إعجاب بسيط بفنه أو بموقف عمله. بدلي الأدوار وخلينا بنتفرج على فيلم مثلاً وأبديت اهتمام بفنانة من الكرو، إنتِ وقتها مش هتغيري؟ ياريت متتسرعيش لإن لو صارحتِ نفسك ومكدبتيش عليها هتعترفي إن عندي حق."
طالعته بعيون أدرك من خلالها أنها قامت بالفعل بتبديل الأدوار ووجدت أنه على حق. فقد اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول بصوت هامس:
"آسفة."
لم يسمعها فقبض جبينه قائلاً:
"بتقولي إيه؟"
وجدت نفسها تغمره بسرعة دون إرادة منها وقد شعرت بحماقتها التي جعلته غاضباً منها كما لم تره من قبل، تقول بندم:
"آسفة آسفة آسفة، سامحني عشان خاطري، مكنتش آخدة بالي بس دلوقتي عرفت قد إيه جرحتك من غير ما أقصد.. من حقك تزعل مني بس......"
ضمها وهو يقول:
"هشششش، خلاص.. مادام فهمتي واعتذرتي زعلي كله راح في ثواني وبصراحة لو كان فاضل في قلبي أي حاجة فضمتك ليا محتها ومخلتش غير الحب في قلبي وبس."
تجمدت بين ذراعيه تدرك للمرة الأولى أنها بينهما وأنها وحدها معه في المنزل لا تخشاه قدر خشيتها ضعفها وهي بين يديه. لا تبغي خطأ قد يفسد حياتهما فحتى وإن كانا متزوجين بعقد قران تعترف به الدولة والقانون، فهما خطيبان حتى يسلمها والدها ليحيي في عرس يشهده الجميع. انسحبت من ذراعيه فتركها على الفور يدرك أفكارها التي راودته بدورها. ليقول بهدوء لا يعكس خفقاته التي جُنّت لقربها:
"إيه رأيك أعمل اتنين لمون يروقوا أعصابنا؟ إحنا لسه ورانا كتير في الفرش.. ها.. هنبدأ بأوضة النوم."
ارتبك واتسعت عيناه لدي ذكره الحجرة ليردف بتوتر:
"أقولك افرشي الأوضة دي على ما أنزل أجيب لنا لقمة ناكلها. حاولي تخلصي بسرعة قبل ما آجي.. ماشي.. سلام يا ديجا."
لم ينتظر ليسمع منها أي شيء وهو يسحب مفاتيحه وهاتفه، يغادر الشقة بسرعة بينما تتابعه خديجة بابتسامة محبة. قبل أن تهز رأسها وهي تتجه لحجرة النوم كي تنهيها بسرعة. تتمنى لو أغمضت عيناها وفتحتها لتجد نفسها تدلف الشقة معه بفستانها الأبيض ووقتها ستدع كل ما يحول بينهما على عتبة الباب وتمنحه نفسها بسخاء كسخاء مشاعره تجاهها.
***
"حتى إنت كمان بتطردني من بيتك يا ماجد، ده أنا سندس خالتك اللي كان بيتها مفتوح لك ليل ونهار.. خالتك اللي ياما حميتك واديتك فلوسها ودهبها."
"مكنتيش بتعملي كده لوجه الله يا سندس، كانت دايماً ليكي مصلحة معايا.. ريم.. ولا نسيتي؟ قبل ريم كنتي فين وفين لما تسألي عليا وبرضه كان سؤالك للمصلحة. ولما احتجتيني عشان تسيطري على بنت جوزك بقيت حبيبك فجأة وابن أختك وكل مالك ودهبك تحت أمري. وأول ما انتهت المصلحة وملقتيش فيا رجا بعتيني واشتريتي سي عزت بتاعك.. مش كده ولا إيه؟"
اتسعت عيناها على آخرها تقول:
"انت عرفت؟"
قال بسخرية:
"آه عرفت.. قابلت خديجة صاحبة ريم وكانت شماتة فيا وقالتلي.. قالتلي الحمد لله إن ربنا نجى ريم منك ومن خالتك ومن عزت اللي كانت عايزة تغصبها عليه.. عزت اللي كنتِ عشمانة يقدر على ريم، أهو طفشها وباعك إنتِ كمان وراح اتجوز ونفضلك مش كده ولا إيه؟"
قالت بانكسار:
"انت كمان عرفت دي؟"
"قلتلك يا سندس إني مش هسيبك في حالك، كنت ناوي أعلم عليكي بس جه اللي شال الشيلة عني وعلم.. بس علم قوي لدرجة إن الجرح هيفضل ينزف ومش هيلحم أبداً لحد ما يقضي عليكي."
"انت شماتان فيا يا ابن......"
قاطعه قائلاً بحدة:
"لمي نفسك أحسن لك يا إما والله لا هراعي كبر سنك ولا كسرة نفسك وهفرّج الناس عليكي."
"والله وطلع لك صوت يا ملطشة الفتوات.. فاتح صدرك قوي عليا.. انت ناسي الشيكات اللي معايا؟ انت ناسي أقدر أعمل بيهم إيه؟"
قال بسخرية:
"قصدك الشيكات اللي كانت معاكي قبل الساكن الجديد ما ييجي يتمكن من الشقة ويطردك منها من غير حتى شنطة هدومك وأكيد رمى كل حاجتك في الزبالة. المكان الطبيعي ليكِ ولأمثالك."
رفعت يدها تصفعه فأوقفها قبل أن تمس وجهه قائلاً بغضب:
"قلت لك لمي نفسك يا سندس أحسن لك وامشي من هنا بدل ما أجيب لك البوليس."
دفعها فسقطت أرضاً تطالعه بقهر فأشاح بوجهه عنها. نهضت ببطء وقد اغروقت عيناها بالدموع قبل أن تستدير وتغادر بخطوات سريعة فقال ماجد ببرود:
"في ستين داهية."
قبل أن يصفع الباب خلفها بقوة.
رواية لا تشبهين احدا الفصل السادس عشر 16 - بقلم شاهنده سمير
الفصل السادس عشر
___عريس في الأفق___
_مين ده اللي عايز يتجوزني؟ جواد الجمال؟ جارنا؟!
قال الجد بفرح:
_آه والله يابنتي.. زي مابجولك إكده.. جالي وانتِ مع مرزوق بتجيبوا الشتلات من السوق وطلب يدك مني، قالي انه شاف فيكِ شريكة حياته من اللحظة اللي عينه جت فيها عليكِ وان أنغامك سحرته ومن وجتها لا عارف يهدا ولا يرتاح قبل ماتكوني معاه.. شريكته ومراته طول العمر.
_لأ ده أكيد اتجنن.. شافني مرة واحدة وسمع عزفي علي الكمان فوقع في غرامي.. مش كدة؟ آل وانا اللي كنت فاكراه انسان عاقل وطبيعي من الكلام اللي كنت بسمعه عنه، تعالي ياخديجة شوفي الراجل اللي كنتِ فاكراه عازف عن الجواز ومحتاج حد يشوفله عروسة، ماهو ان عُرف السبب بطل العجب.. البيه طلع أهبل ومحتاج مستشفي أمراض نفسية.
_ليه بس إكده ياريم.. جواد شافك وعجبتيه وعايز يتجوزك.. ايه المشكلة دلوكيت ؟
_انت شايف ياجدي ان مفيش مشكلة! واحد شافني مرة واحدة فجأة شاف فيا مراته وجه يتقدملي من غير مايعرفني ويعرف أطباعي وأفكاري وهل هنتفق أو نختلف ويبقي طبيعي؟ مستحيل طبعاً.
_علي فكرة بقي أني اتجوزت جدتك بنفس الطريجة كنها هي هي.. شفتها عند صاحب محل الموبيليا اللي جبنا من عنديه فرش البيت، كانت بته.. من أول لحظة شفتها فيها وأني حسيت ان هي دي وبس اللي ممكن أعيش وياها.. خجلها طيبة جلبها اللي كانت عتفط من ملامحها.. كل حاجة خليتني من غير تفكير اتقدمتلها طوالي ولحسن حظي وافقت وعشنا أسعد زوجين، أمك كماني الله يرحمها حبت أبوكِ وحبها من اول نظرة وعاشت سعيدة معاه.. جواد برضيك شافك وحبك طوالي.. الظاهر ان احنا عيلة تتحب من أول نظرة.. هنعمل ايه بقي في قدرنا؟
_انت بتهزر ياجدي؟ انا مستحيل أتقبل الفكرة وحتي ياسيدي لو هو حبني من أول نظرة.. أنا بقي مش من البنات اللي ممكن تقبل بوضع زي ده، شريك حياتي لازم أقبله بده وده.
أشارت إلي قلبها وعقلها وهي تردف:
_وبعدين بصراحة كدة أنا مش عايزة أتجوز خالص.
_وه وه عتترهبني إياك؟
انتفخت أوداج الجد واحمر وجهه فأدركت أن عليها الحذر في حديثها كي لا يصاب بأزمة أخري تودي بحياته لتقول بهدوء:
_أكيد لأ.. أنا بس محتاجة وقت عشان أفكر في خطوة كبيرة زي دي محتاجة تفكير وعدم تسرع.
_تفكير ايه يابتي؟ انتِ اللي في سنك اتجوزوا وخلفوا كماني.
_ياجدي افهمني....
قاطعها قائلاً بحزم:
_معاوزش أفهم أيوتها حاجة، هجاريكي في كلامك وأجول انك محتاجة عجلك وجلبك يوافجوا علي شريك حياتك.. يُبجي تجابليه اللول، تديله فرصة مش تجفلي الباب في وشه من غير ذنب.. جواد الجمال راجل زين وأني عحبه وشايفه عريس لجطة خسارة يضيع من يدك لكني مش هغلط غلطتي زمان وأحاول أجبرك تتجوزيه.. بس عترجاكي تديله فرصة.. جابليه مرة واحدة بس مش يمكن تلاجي أحلامك واللي اتمنتيه فيه.
مستحيل ياجدي فالروح قد وجدت شريكها وباتت مفعمة بحبه حتي أنها لا تستطيع عن ذكراه انفصاماً، ان استطاعت ذات يوم أن تبرأ من العشق ربما تمنح الفرص أما الآن....
_جولتي ايه يابتي؟
لا تستطيع الرفض أمام الإلحاح في صوت جدها، ستقابل هذا الجواد لأجل جدها وسترفضه لأجلها هي، وستجعله يقوم بهذه المهمة عوضاً عنها حين ستخبره أنها تحب رجلاً آخر وأنها لن تكون له أبداً.. مهما حدث.
________________
كانت تتأمل هذا الكأس أمامها بعيون التمعت عبراتهما، تتعالي فيه قطرات الصودا ثم تهبط كعلو حياتها ثم سقوطها في القاع تماماً، كيف انتهي بها الأمر هنا؟ في هذا الملهي الليلي تجالس زبائنه كمهنة لها؟ بعد أن كانت سيدة قوم صارت ذليلته وكل هذا لإنها وثقت في بعض الخونة الذين طعنوها بسكين الغدر ثم تركوها تنزف علي قارعة الطريق لينقذها بعض السيارة ثم يستعبدونها رداً للجميل.
هكذا أنقذها _صلاح_صديق زوجها الأول ودفع عنها ديونها ثم صارت مدينة له وحده، ليطالبها بعد ذلك برد دينه والعمل عنده في هذا الملهي الليلي، تبيع نفسها لرواد الملهي كل ليلة دون ثمن.. فالمال يقبضه دائنها ويتركها دون مال.. لا تستطيع الشكوي وإلا أرسلها لغياهب السجن، تُغرق نفسها في الخمر حتي تنسي ماحدث ويحدث لها، لتعود إلي الحجرة التي أجرها لها صاحب الملهي، تغط في سبات عميق ماان تضع رأسها علي الوسادة.. نزلت عبراتها تباعاً فمدت يدها تمسح دموعها بأناملها المصبوغة، رفعت رأسها قليلاً فلاحظت عيون أحدهم تحدق بها، يظهر ثراء صاحبها من بذلته غالية الثمن وساعته الألماسية واهتمام صلاح الشخصي به..مال الرجل علي أذن الأخير يحدثه فحانت من صلاح نظرة لها، أشاحت بوجهها تتظاهر بعدم الاهتمام، جاءها النادل بعد قليل يطلب منها الانضمام لطاولة هذا الرجل بأمر من صاحب الملهي، سألته سندس عن الرجل فأخبرها أنه تاجر عقارات ثري ومعروف.. هزت سندس رأسها تخبره أنها قادمة، تتساءل بداخلها عما أثار اهتمام الرجل بها رغم أنه يستطيع الحصول علي من هي أجمل منها وأصغر سناً، لتدرك أنه علي الأغلب قد تأثر بعبراتها وظن أنها نقية الروح مُجبرة علي العمل هنا.. حسناً إن كانت عبراتها وقصة نسجها بخياله هما السبيل إليه فستبدع في نسج خطوط روايتها وستسكب المزيد من الدموع لعلها تستطيع ايقاعه في شباكها بدوره ثم الحصول علي ماله وفي هذه المرة ستكون حريصة وستجعله يدفع الثمن قبل الحصول عليها.... كاملاً.
_________________
_زي ماسمعتي بالظبط
_يعني ايه الكلام ده؟ جواد اللي قالوا عنه العازب الأشهر في المجتمع المخملي قرر خلاص التخلي عن لقبه والدخول بكامل قواه العقلية لقفص الزوجية من نظرة واحدة ياريمو، سرك باتع ياشيختنا، ماتدينا بركاتك.
_انتِ بتهزري ياخديجة، بقولك جدي محكم رأيه أتجوزه، انتِ عارفة يعني ايه أتجوز واحد طلب ايدي من غير مايعرفني ولا يتأكد اني مناسبة ليه أولأ، من غير مايعرف اذا كان قلبي مشغول بغيره ولا لأ.. راجل فاكر بفلوسه انه يقدر يشتريني واني مستحيل أقاوم جاذبيته واسمه وشهرته.
_حيلك حيلك ياريم، معتقدش راجل سمعته بين الناس زي سمعة جواد وأخلاقه يكون ده تفكيره، وبعدين راجل زي جواد بشهرته وفلوسه اللي بتتكلمي عنهم دول ايه اللي يخليه متمسك بيكي إلا لو كان شاف فيكي اللي كلنا شفناه.
_وهو لحق يشوف مني ايه؟ أنا أصلاً مقعدتش ولا اتكلمت معاه.
_طب ماتقعدي هتخسري ايه يعني؟
قالت بحنق:
_انتِ هتعملي زي جدي؟ طب جدي ميعرفش حاجة عن جهاد لكن انتِ عارفة كل حاجة..عارفة اني لسة بحبه رغم اللي عمله معايا وعارفة اني مش ممكن هبتدي قصة جديدة قبل ماأتأكد اني قدرت أتخطي القصة القديمة ودي مش بسهولة هقدر أنساها.
_لازم تنسيها ياريم، قصتك مع جهاد خلصت خلاص في اللحظة اللي اكتشفتي فيها انه بيخدعك.
_عقلي بيقوللي الكلام ده وبيحاول في كل وقت يقنعني بيه لكن قلبي رافض يصدقه، لسة بيحن ليه رغم اني سمعت بوداني كلامه، لسة بيحاول يخليني أديله فرصة يبرر اللي سمعته، بس خوفي ليردد كلام كدب أصدقه عشان عايزة أكمل معاه هو اللي موقفني ياخديجة، هو اللي مخليني بتعذب وعايشة صراع مفتكرش هينتهي أبداً.
_لا حول ولا قوة إلا بالله.. ياحبيبتي ياريم الله يكون في عونك.
_بقولك ايه سيبك مني وقوليلي عاملة ايه مع يحيي؟
_اسكتي مش كنت هضيع بسبب اللي ميتسماش جارك.
_ميتسماش!
_حرمت أجيب اسمه علي لساني تاني من بعد اللي حصل آخر مرة.
_حصل ايه؟أنا مش فاهمة حاجة.
_هفهمك ياأختي..هفهمك.
______________
_بتتكلم جد ياحبيبي.
_أيوة ياأمي، أنا خلاص مش هرجعلك غير وعروسة ابنك في ايدي.
_الحمد لله ياحبيبي، الحمد لله.
_كل حاجة حلوة في حياتي كانت بفضل دعواتك ياأمي.. ربنا يباركلي فيكي وميحرمنيش منك أبداً.
_ولا يحرمني منك ياحبيبي، خد بالك من نفسك ومن عروستك ومتنساش تبوسهالي.
قال بمرح:
_انتِ عايزاها ترفضني من قبل حتي ماتقبل، استني لما نكتب الكتاب الأول عند عمه المأذون وتطل بالأبيض.
_انت بتهزر ياواد انت.
_سيبيني ياأمي أهزر، أنا ماصدقت الفرحة تدخل حياتي من تاني، ادعيلي بس فرحتي تكمل علي خير ومفيش حاجة تاني تبوظها.
_يارب ياابني يسعدك ويتمم فرحتك ويهنيك انت وعروستك.
_يارب ياأمي.. ياااااارب.
____________
تحسست القفل علي الباب بحسرة، تدرك أن قاطني الشقة قد غادروها ربما للأبد، تتساءل بوجل.. هل رحلا كليهما أم رحل أحدهما بعدما انتقلت والدته إلي الرفيق الأعلي؟ نفضت هذه الفكرة علي الفور وقد أصابتها بغصة مريرة بالحلق لا تبغي التفكير في رحيل هذه السيدة الطيبة إلي الأبد، تؤمن بطيبة قلبها لا تريد أن تجمعها مع ولدها في خدعته، ربما ورطها بالأمر دون علمها فمن المستحيل علي امرأة أن تخدع أخري بمشاعر الأمومة، فحين تشعر يتيمة الأم بأمها تُبعث من جديد في صورة أخري، لا يمكن لهذه الأخري أن تكون سوي ملاك بعثه الله ليمنح الحب لأيتام الأرض.
اذاً ماالذي جعله يرحل هكذا مع والدته ويغلق المنزل، كما أغلق هاتفه سابقاً.. تُري هل وجد عملاً في بلد ما؟ أم ربما وجد أخري ليخدعها وانتقل مع والدته للسكن معها؟ أصابتها الفكرة الأخيرة بالحزن والمرارة فنفضت الفكري لا تبغي أن تدينه مرة أخري قبل أن تراه وتستمع إليه، سيخبرها عقلها ان كان صادقاً أم يخدعها وحينها ستمنحه غفراناً أو تمحوه من قلبها للأبد.
هبطت الدرج بحذر وتوجهت إلي سيارتها تركبها وتستند برأسها إلي الكرسي تغمض عيناها علي دموع ربضت بمقلتيها تقول بحزن لسائق جدها:
_علي بيت جدي لو سمحت.
•تابع الفصل التالي "لا تشبهين احدا " اضغط على اسم الرواية
رواية لا تشبهين احدا الفصل السابع عشر 17 - بقلم شاهنده سمير
كانت تجلس في مكانها بالحديقة، تنتظر مقابلة هذا العريس المزعوم الذي ظنت خديجة أنها مجنونة لرفضها إياه وحذرتها من التفوه بهذه الترهات علي حد قولها عند الجلوس معه.
ولكنها انتوت أن تخبره الحقيقة كاملة وليحدث مايحدث.
تتذكر كيف كان شعورها وهي تتهيأ لمقابلته وكم تمنت من كل قلبها لو كان جهاد مكانه الآن.
لتدرك أنها مازالت تحب خائنها رغم كل شيء وأنها حتي تتخلص من حبه لن تستطيع أن تكون لأي رجل آخر حتي لو كان جذاباً ورائعاً كما أخبرتها صديقتها.
أغمضت عيناها تستحضر صورة حبيبها الخائن تعاتبه بصمت علي مافعل وتطالبه بتوبة.
تمنحه أعذاراً لخداعها بينما لم تمنح الباقين من مستغليها.
تدرك أنه قلبها الخائن الذي يعشقه من يمنحه عذراً لن يمنحه لسواه.
يصرخ قلبها قائلاً: ربما كان يحتاج المال لعلاج والدته.. ربما كان ليصارحك بعد حين.. وربما لو اقترب منكِ أكثر لأحبك وصار الخداع حقيقة.
ورغم أنها أعذار واهية إلا أن حبها الكبير له وإيمانها بأن قلبها لا يمكن أن يعشق خائن جعلاها تقرر أنها لن ترتبط بأحد حتي تقابله ولو لمرة أخيرة.
لذا ستبحث عنه في كل مكان وحين تجده ستعرف مصيرها.
سمعت خطوات تقترب منها ففتحت عيناها ليصدح صوت مرزوق وهو يقول باحترام:
جواد بيه ياست هانم.. اتفضل اجعد يابيه.
سمعته يجلس دون كلمة فقالت:
سيبنا لوحدنا ياعم مرزوق من فضلك.
ابتسم جواد يومئ برأسه لعم مرزوق فابتعد عم مرزوق بينما قالت ريم بهدوء:
أنا آسفة لو بدعوتك لمقابلتي اديتك أمل في إني ممكن أوافق علي ارتباطنا لإن الأمل ده مستحيل.
الحقيقة أنا مستحيل أرتبط بيك...
صمتت تنتظر منه كلمة ولكنه ظل صامتاً.
فقطبت جبينها تردف:
مش عشان انت مش مناسب ليا لا سمح الله.. لأ.. أنا اللي مش مناسبة ليك.
مع الأسف قلبي مشغول بغيرك.. ومش هقدر أرتبط بحد طول ماصورته محفورة جوة قلبي.
صحيح مش هقدر ارتبط بيه لانه غلط في حقي غلطة كبيرة لكن طول ماالقلب لسة شايله جواه يبقي هفضل من غير ارتباط.
ومعتقدش ترضاها ليا أو لنفسك ارتباط يجمعنا في ظل الحقيقة اللي صارحتك بيها دلوقتي.
صمتت مجدداً تنتظر أي تعقيب منه علي كلماتها ولكن لا كلمة.
شعرت بالحنق فأردفت ببرود:
أنا عارفة انك مستغرب وبتسأل نفسك ليه بقولك الكلام ده ومقولتوش لجدي ووفرت علينا القعدة الغريبة دي.
بس الحقيقة ان جدي مكنش هيقتنع لو قلتله اني بحب جهاد وانه رغم خداعه ليا لسة بحبه.
أكيد هيزعل مني وانا ماصدقت لقيت جدي بعد السنين دي كلها ومش عايزاه يزعل مني.
لو انت اللي رفضت الجوازة هتبقي خدمة أشكرك عليها زي ماكان نفسي أشكرك علي دفاعك عني في النادي وطرد اللي اسمه طاهر من هناك.
نهضت تردف قائلة:
الوقتي مضطرة أستأذن من حضرتك واعذرني لو مستنيتش منك اجابة.
أعتقد لو كنت حابب تتكلم كنت قولت أي حاجة بدل الصمت المريب ده.
عن اذنك.
استدارت ثم توقفت متجمدة، تشعر بهزة أثارت كل كيانها وصوته يصلها قائلاً:
وحشتيني.. وحشتيني قوي ياريم.
استدارت ببطئ تقول بعيون زائغة ونبرات مضطربة تائقة تشع بالحنين:
جهاد!
هز رأسه نفياً وهو يقول:
جواد.. جواد ياريم.
قطبت جبينها في حيرة فاقترب منها يقف أمامها قائلاً بحنان:
يا سيدتي..
أنتِ خلاصة كل الشعر..
ووردة كل الحريات.
يكفي أن أتهجى إسمك..
حتى أصبح ملك الشعر..
وفرعون الكلمات.
يكفي أن تعشقني امرأةٌ مثلك..
حتى أدخل في كتب التاريخ..
وتُرفع من أجلي الرايات.
أدمعت عيناها وهو يتلو عليها قصيدة نزار قباني_شاعرها المفضل_.
توقن مع كل لحظة تمر عليها أنه هو_حبيبها جهاد_ولكن لماذا يطلق علي نفسه اسم جواد؟
كيف من الممكن أن يحدث هذا؟
جائتها إجابته تشفي غليلها وتهدئ من روعة قلبها وهو يقول:
البداية كانت في يوم زهقت فيه من حياتي وجمود أيامها وفراغها رغم كل الفلوس اللي بملكها لكني كنت مليت منها ومبقتش أهتم بأي حاجة.
لقيتني بوقف عربيتي في شاطئ بعيد وبنزل أتمشي علي رمله وأفكر ايه ممكن يعيد الشغف لحياتي؟
وقتها سمعت نغمات سحرتني خليتني زي المجنون بدور علي مصدرها ولما لقيتك حسيت اني وقعت تحت سحرك.
قربت منك واتمنيت تكوني حقيقة مش حورية بحر رسمها خيالي وجسّدها.
ولما اتفزعتي واتأكدت من انك انسية زيي فرحت وخصوصاً لما بصيتيلي بعنيكي، وقتها وقعت في الحب لكنك صديتيني ودبلتك وقفت بيني وبينك.
سيبتك تمشي مع خيبة أمل كبيرة ويقين انك هتفضلي شاغلة بالي لإني شفت فيكي اللي مشفتوش في حد غيرك.
جمال ساكن الملامح، القلب، اختلاف خلاكي مميزة في عيني مش شبه أي بنت عرفتها أو ممكن أعرفها.
بعدها شفتك مع خطيبك في الأوبرا لقيتني بغير عليكي قوي منه وبتمني لو قدرت أبعده عنك وأعلن اني الوحيد اللي يستاهلك.
بس برضه وقف القدر بيني وبينك واختفيتي.
ولما قابلتك في الكافيه، كنت وقتها في عملية سرية بقوم بيها كل شهر في كافيه من كافيهاتي، بغير شوية من ملامحي واسمي وبدخل الكافيه كعامل عشان أشوف مين صالح ومين فاسد، مين مأخر الشغل ومين بيشتغل بذمة عشان أجازي اللي يستحق وأقدر أخلي كافيهاتي كلها بنفس المستوي.
لما شفتك حسيت ان القدر واقف معايا وعشان كدة كل شوية بيجمعني بيكي.
ولما حسيتك بعطفك عليا عشان غلبان عرفت ان السر لقلبك هو الدخول ليه من باب الطيبة والإحسان.
كملت التمثيلية مش عشان أخدعك لأ عشان بس تديني فرصة أقرب منك وتحبيني.
ولما حكيت لوالدتي عنك صممت تقابلك عشان تشوف ايه السر ورا تنازل ابنها عن حريته اللي كان شايف فيها حياة.
قابلتك في بيتها القديم_بيت عيلتها قبل ماتتجوز بابا الله يرحمه_ ولما شافتك عرفت السبب وقالتلي بالحرف الواحد انك تستاهلي تشاركيها قلبي.
لما طاهر إذاكي بكلامه كنت عايز أقتله بايدي مش أطرده من النادي وبس.
ولما ماجد شدك من ايدك في النادي كانت دي هي القشة الأخيرة.
كنت هلوي دراعه وأخليه يسيبك غصب عنه بطريقتي، مش هكتفي بقرصة ودن زي ماعملت معاه قبلها.
وكنت بخلي الجرسون في الكافيه عندي يحطله في قهوته ملين كل ما كان ييجي مع واحدة غيرك مع اني كان نفسي أحطله سم.
ماجد وملين.. كان هذا شيئاً ليثير ضحكاتها في وقت آخر لكنها الآن تتوق لسماع المزيد.
ازاي طاوعه قلبه يخون واحدة زيك وازاي قدر يعاملك بالشكل ده؟
شيء كان دايما فوق طاقتي و مجنني واللي كان بيخليني غصب عني مجيش جنبه هو خوفي تكوني متعلقة بيه.
لكن بعد انفصالكم اتأكدت ان قلبك فاضي ومش مشغول بيه.
كان نفسي أصارحك بالحقيقة وقتها لكن خفت تفتكريني بخدعك واستغليت انك مش شايفاني ومش ممكن تعرفيني.
خفت تفتكري انك كنتي بالنسبة لعبة بتسلي بيها فقلت أأجلها لحد ماأتأكد انك بتحبيني.
ولإني واثق ان حبي ليكي هيقربك مني استنيت وياريتني مااستنيت.
فجأة اختفيتي.. قلبت الدنيا عليكي وبرضه ملقتكيش، حسيت ان القدر قاسي قوي عليا وخدك مني بعد مااتعلقت روحي بيكي وأصبحتي بالنسبة لي أنفاس حياة.
لحد ماجيت هنا هربان من أحزاني فسمعت عزفك.. مصدقتش وداني.. قلت بحلم.. عايش في وهم او سراب.
لكن لما شفتك اتأكدت اني مش بحلم وانك حقيقة.. اجمل حقيقة.
وقتها مستنتش لحظة واحدة كلمت جدك وطلبتك منه وكان باقي بس أقابلك عشان أعرف.. ايه الغلط اللي عمله جهاد خلاكي تسيبيه وتبعدي عنه عشان جواد ميكررش الغلط ده، لإني مستحيل هسمحلك تسيبيني تاني أو تبعدي عني ياريم.
رق صوته وهو يردف بحنان:
لقيتك بتصارحيني بحبك لجهاد وبترفضي جواد رغم كل فلوسه وده خلا حبك في قلبي يزيد أضعاف وأضعاف، رغم اني مش عارف ازاي زاد وحبك في قلبي مكانه القلب كله.
اللي محيرني كلامك عن خداع جهاد وايه قصدك بيه؟
قالت من بين أنفاسها اللاهثة لسماعها اعترافه العاشق لها والذي مس كل ذرة من كيانها فأثار براكين من المشاعر:
لما ضاقت بيا الدنيا بعد ما وصلت ليا رسالة والدي اللي حكالي فيها عن جدي.. جيتلك المكتب وسمعتك بتتكلم مع حد وبيسألك ليه مصر تكدب عليا وبيطالبك بانك تعترفلي بالحقيقة وانت قلت ان لسة شوية عشان تنفذ كل اللي مخططله من البداية.
انا دلوقت بس فهمت كلامكم لكن وقتها افتكرت انك...
صمتت تخبره دموعها عن ظنها وقتها.
ليقول بحب:
ده سعيد صاحبي ابن عمي رأفت صاحب بابا وصاحب الشركة اللي اتوسطيلي فيها عشان أشتغل بطيبة قلبك.
انا جاريتك عشان تثقي فيا وفي اني حقيقي محتاج عطفك وطبعا كنت ملتزم بشغلي عشان خفت تمري علي المكتب في أي وقت وكان لازم تلاقيني.
مابين مكتبي هناك ومكتبي هنا كنت حاسس اني هتجنن لكن كله يهون عشان خاطرك.
قالت من وسط دموعها:
سامحني ياجواد لاني خليتك تمر بكل ده وكمان شكيت فيك وفي مشاعرك ناحيتي.
مد أنامله يمسح دموعها بحنان يردد:
يا سيدتي
لا تضطربي مثل الطائر في زمن الأعياد.
لن يتغير شيءٌ مني.
لن يتوقف نهر الحب عن الجريان.
لن يتوقف نبض القلب عن الخفقان.
لن يتوقف حجل الشعر عن الطيران.
حين يكون الحب كبيراً..
والمحبوبة قمراً..
لن يتحول هذا الحبل
حزمة قشٍ تأكلها النيران.
تسارعت خفقاتها بجنون ترغب في أن تلقي بنفسها بين ذراعيه لتستوطنه إلي الأبد.
انتفضت تشعر بقطرات المطر تسقط علي صفحة وجهها لتدرك أنها تمطر.
انتظرت بشغف أن تري ملامحه التي اشتاقت إليها فوجدته يقول بصوت أجش عميق النبرات:
عزف الكمان.. الشعر.. المطر اللي كان بيخليكي تشوفيني.. كل حاجة كانت بتفكرني بيكِ وتعذبني بلوعة فراقك ياريم.
تجسدت ملامحه الحبيبة أمامها فشرعت تتأملها بلهفة تقول بحيرة:
انت حلقت شنبك؟
هو كما كان بيفكرني بيكي، كنت كل ماأبص في المراية أشوفك وأسمع صوتك وانتِ بتسأليني بلهفة طفلة عنه..
كنت بشتاقلك أكتر وبيعذبني شوقي وأنا مش عارف مكانك ولا قادر أشوفك.
رفعت أناملها بتردد تجول بيدها علي ملامحه بحب فأغمض عيناه يقول بتوق:
يا سيدتي
لا أتذكر إلا صوتك
حين تدق نواقيس الآحاد.
لا أتذكر إلا عطرك
حين أنام على ورق الأعشاب.
لا أتذكر إلا وجهك..
حين يهرهر فوق ثيابي الثلج..
وأسمع طقطقة الأحطاب.
قالت بهمس ينضح حباً:
بحبك... ياجواد بحبك.
فتح عيناه الغائمتان بالمشاعر يسحب أناملها ويقبلهم بنعومة ثم يردف قائلاً:
يا سيدة العالم
لا يشغلني إلا حبك في آتي الأيام
أنت امرأتي الأولى.
أمي الأولى
رحمي الأول
شغفي الأول
شبقي الأول
طوق نجاتي في زمن الطوفان..
يا سيدتي
يا سيدة الشعر الأولى
هاتي يدك اليمنى كي أتخبأ فيها..
هاتي يدك اليسرى..
كي أستوطن فيها.
قولي أي عبارة حبٍ
حتى تبتدئ الأعياد.
تخصرت قائلة:
انت رايح فين ياناجي؟
أكيد رايح لمراتك الأولانية.. مش كدة؟
تليفون صغير منها وقمت تجري من جنبي عشان تروحلها؟
للدرجة دي بتخاف منها.
اقترب ناجي منها يقول بابتسامة:
مسمهاش بخاف منها، اسمها بخاف علي مشاعرها.
وبعدين ممكن أعرف ايه اللي مضايقك دلوقت؟
ماأنا قايلك من الأول اني متجوز وانتِ قبلتي بده في مقابل اني كتبتلك الشقة وجبتلك عربية وكمان حطيت حساب في البنك باسمك..
ايه اللي جد؟
لم تدري بم تجيبه ولديه كل الحق فيما قال.
ربما كان جل مايهمها بالماضي هو المال، أما الآن وبعد أن تركت مشاعرها تتعلق بهذا الرجل أرادت المزيد ولكن كيف تحصل عليه وقد أخبرها أنه يعشق زوجته ولن يستطيع عنها انفصالاً وأنه تزوجها رغبة لا أكثر في أن يبتعد معها عن ضغوط الحياة اليومية.
قد توسم فيها منذ اليوم الأول روح نقية أراد انتشالها من الضياع كما انتشلته زوجته بالماضي.
سخرت من نفسها في هذه اللحظة.
روحاً نقية! هكذا وصفها فماذا لو عرف بماضيها، هل كان ليمنحها اسمه أم كان سيدير وجهه في اتجاه آخر ويرحل؟ تاركاً إياها في بئر الرزيلة حيث وجدها.
ساكتة ليه ياسندس؟
ماتتكلمي.
ها.. لأ خلاص ملوش لزوم، انت معاك حق، روح ياناجي لمراتك.
رتبت علي وجنتها قائلاً بلطف:
هجيلك بكرة عشان أعوضك.. ها.. ايه رأيك؟
لسة زعلانة؟
ابتسامة باهتة أطلت بثغرها ليميل مقبلاً وجنتها قبل أن يغادر.
ظلت تتطلع إلي الباب المغلق للحظات قبل أن تتنهد وتقرر العودة لسريرها ولكن طرقاً علي الباب منعها، لتبتسم وهي تتجه إلي الباب وتفتحه ظناً منها أنه عاد ليمكث معها ضارباً خاطر زوجته الأولي عرض الحائط فإذا بها تتسمر أمام الباب وهي تري رجلين ضخمين يقفان علي عتبة الباب وقبل أن تصرخ كان الأول يكمم فاهها دافعاً إياها بالداخل بينما الآخر يغلق الباب بهدوء خلفهم.
كانت تمزح مع خديجة التي جاءت خصيصاً من الإسكندرية لحضور حفل زفاف صديقتها الصغير المقتصر علي الأهل وبعض الأصدقاء المقربين كما أراد العروسين للحفاظ علي خصوصيتهما اللتي يعتزان بها.
تقول خديجة:
بقي أحب وأتخطب قبلك وتتجوزي انتِ قبلي؟
بقي ده اسمه كلام ياريم؟
أنا أكيد جوازتي عاملة زي البطة العجوزة مش هتستوي إلا أما تطلع عينينا.
قهقهت ريم قائلة:
انتِ يابنتي مش هتبطلي تجيبي سيرة الأكل في كل كلامك، حرام عليكي ياشيخة فصلتيني ضحك، وعيوني دمعت أهي والماكياج أكيد باظ.
ولا باظ ولا حاجة، علي فكرة ياريم طالعة زي القمر النهاردة.
أهو انتِ ياديجا.
كادت أن تقول شيئاً ولكن صوت التلفاز الذي ذكر اسم زوجة أبيها جذب انتباهها يقول المذيع:
"ومازال التحقيق مستمر في قضية السيدة سندس والتي عُثر عليها مقتولة بعدة طعنات في جسدها بمنزلها بالمعمورة، وهناك شائعات عن تورط زوجة ثري معروف بالقضية وأن الجريمة كانت بدافع الغيرة لزواج الأخير بالمجني عليها ولكن حتي الآن لم يُثبت صحة هذه الادعاءات، كان هذا هو الموجز وإليكم الأنباء بالتفصيل".
أغلقت خديجة التلفاز تقول لريم:
نهاية طبيعية لواحدة زي سندس، الله يرحمها بقي ويغفر لها.
يارب.
حاولت خديجة إلهاء ريم عن ذكريات تدفقت بخاطرها وظهرت علي ملامحها لتقول بمرح:
إلا قوليلي ياريم، فين خطيبك اللي ميتسماش؟
نفسي أشوفه.. أكيد وسيم زي نجوم السينما.. مش كدة؟
نجحت بالفعل وعيون ريم تشع بالحماس وهي تقول:
وأحلي كمان، تعرفي انه حلق شنبه عشان بيفكره بيا.
والله لسة لحد دلوقت مش قادرة أصدق ان جهاد يبقي جواد، شيء لا يصدقه عقل.
مش مهم الإسم، المهم انه بيحبني وأنا كمان بحبه.. بحبه قوي.
حبيه ياأختي وأنا أتخانق مع سي يحيي عشان يرضي يجيبني فرحك، ياريتني ماقولت اني معجبة بالمحروس خطيبك، مكنش ده بقي حالي.
هيبقي جوزي ياديجا ووقتها انسي.
مش مهم أنا اللي أنسي، ياريته هو ينسي، اكتشفت انه غيور قوي ياريم ورغم اني هعاني من غيرته دي بس حبيتها قوي وحسيت انها تعبير عن قوة حبه ليا.
ربنا يحببوا فيكِ كمان وكمان.
لأ.. أبوس ايديكِ لحد كدة وكفاية، أكتر من كدة هموت في ايده، ماهو من الحب ماقتل.
طرقات علي الباب ودلوف الخادمة تقول باحترام:
فهمي بيه بيطلبك تحت ياست ريم.
هزت ريم رأسها وهي تنهض ويظهر عليها الاضطراب، لتمسك خديجة يدها قائلة بحب:
مش عايزاكي تخافي ولا تقلقي، قولتلك طالعة زي القمر وأي حد هيشوفك النهاردة هيحسد جواد عليكي، انتِ هدية ربنا لأي حد ياريم وخصوصاً لو بتحبيه زي مابتحبي جهاد، يوووه.. قصدي جواد.
اغرورقت عينا ريم بالدموع فأسرعت تمسح دمعتها قبل أن تسقط علي وجنتها وتفسد زينتها وهي تحتضن خديجة قائلة:
أنا بحبك قوي ياديجا.
وأنا بحبك ياقلب ديجا.
لتخرجها من حضنها وتعدل طرحتها قبل أن تزغرد وهي ترافق العروس التي تنطق ملامحها بالسعادة والفرح.
تمنحني كل شيء بسخاء.. العشق الحنان، المودة والاهتمام
تجعلني أحلق في سماء السعادة دون قيود تكاد قدماي لا تلمسان الأرض
تحقق أمنياتي وكأنك تقرأ أفكاري وتبعد مايعكر صفو أيامي
لم أشعر معك يوماً أنني عاجزة عن رؤية العالم من حولي وقد منحتني عيناك لأري بهم جمال الكون وروعة تفاصيله
ثم أهديتني قطعة منك تحمل كلا روحينا وتضفي البهجة علي حياتنا
جعلتني أتمني لو عرفتك منذ الأبد وحتي الأبد
أدرك أنني أكثر النساء حظاً حين حظيت بك رفيقاً وحبيباً... وزوجاً.
يدان أحاطتا بخصرها تقربانها إلي صدر صاحبهما الذي تعشقه يتكئ بذقنه علي كتفها قائلاً:
سرحانة في إيه ياحبيبتي؟
فيك ياقلب حبيبتك.
قبل وجنتها قبل أن يديرها لتواجهه دون أن يخرجها من محيط ذراعيه قائلاً بعشق:
عارفة ياريم، كل أما بخرج من البيت ببقي زي المجنون اللي عايز يخلص كل اللي وراه ويرجعلك، وكأن فوبيا الفراق ملكتني والوقت اللي فارقنا بعض فيه بقي بيخوفني أبعد عنك ولو حتي دقايق.
رفعت يديها إلي وجنتيه تحيط وجهه، تقول بحب:
انسي ياحبيبي الماضي بوجعه وآلامه وخلينا في الحاضر اللي بيقول ان مستحيل نفارق بعض من تاني، احنا أرواحنا مش ممكن تتفارق بعد ما عرفنا قد ايه بنحب بعض.
كاد أن يقول شيئاً ولكن صوت طفلته التي استيقظت للتو من قاطعه ليبتسم وهو يتجه إليها يمسك بيد حبيبته حتي المهد، ليحمل طفلته الجميلة التي تشبه أمها في كل شيء حتي في لون العينين وتقطيبة الجبين، يضمها برقة إلي صدره قائلاً:
مساء السكر علي أحلي لولو في الدنيا، وحشتيني ياقلب بابي.
داعبته الصغيرة بأناملها فاتسعت ابتسامته لتقول ريم متذمرة:
آه طبعاً لازم ليلي تنسي مامي لما تشوف بابي، مش بابي جواد الجمال اللي مجنن الستات.
رفع يدها يقبل أناملها قائلاً:
بس فيه واحدة بس هي اللي جننت جواد وخليته يستحمل حاجات كتير بس عشان يكون جنبها، واحدة أول ماعينها جت في عينه سحرته وخليته ليل ونهار مش شايف غيرها وبس، تعرفي لما حملتي في ليلي وعرفت انها بنوتة اتمنيت ايه؟
طالعته بتساؤل فأردف بحب:
اتمنيتها تشبهك والحمد لله ربنا حقق أمنيتي.
هي بجد شبهي ياجواد؟
عايزة تعرفي؟
قطبت جبينها بحيرة وهو يردف ساحباً إياها:
تعالي معايا.
دلفا إلي الحمام فأجلس ريم ثم جرد الصغيرة من ملابسها يعدها لتأخذ حماماً بينما ريم لا تدري ما الذي يفعله حتي فتح الصنبور برفق وبدأ يضع الصغيرة تحته لتتضح لها صورة طفلتها_ ملاكها الصغير_كيف لم يخطر ببالها أن تراها تحت الماء؟ ربما لانشغالها باكتساب الخبرات من أجل ابنتها فتركت مهمة تحميمها للمربية.
كم تشبهها حقاً صغيرتها.. مدت أناملها المرتعشة تمررها علي ملامحها، اغرورقت عيناها بالدموع تتساقط علي وجنتيها فمد أنامله يمسحها برفق قائلاً بمرح:
بتعيطي ليه بس دلوقت مش كانت أمنيتك تشوفي ملامحها؟ أهو كل لما تحبي تشوفيها حميها ياقلبي.
لتقول بمرح مماثل:
كدة هتبوش المسكينة.
قهقه جواد يضمها إلي جواره بينما تلعب الصغيرة بالماء وتشاركهما بابتسامة رائعة تظهر غمازتيها الشبيهتين بأمها، لتبتسم ريم بدورها تغمض عيناها وهي تحمد الله علي نعمه الكثيرة عليها فحتي وإن ابتلاها بفقدان البصر فقد منحها ماهو أغلى_ زوج محب وطفلة رائعة _لتدرك أن فضل الله عظيم ونعمه لا تعد ولا تحصي.