تحميل رواية «لا تشبهين احدا» PDF
بقلم شاهنده سمير
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أمسكت ريم حفنة من الرمال الذهبية ثم تركت ذراتها تنسدل من بين أنامل يديها. أخذت نفساً عميقاً قبل أن تنهض ببطء وتقترب أكثر من الشاطئ. توقفت تغمض عيناها وهي تستمع إلى صوت الأمواج المتلاطمة فترتسم الصورة واضحة داخل أهدابها المغلقة. شمس مشرقة في كبد السماء تطل على زرقة المياه الصافية، قطراتها تصل حدها على هذه الضفاف الفضية فتلامس أنامل قدميها العارية بعد أن تخلت عن حذائها. تمنحها هذه المياه شعوراً لا يوصف من السكينة والهدوء. إنه البحر الجميل، عشقها وعشق والدها رحمة الله عليه. المؤتمن على حديث القلب و...
رواية لا تشبهين احدا الفصل الأول 1 - بقلم شاهنده سمير
أمسكت ريم حفنة من الرمال الذهبية ثم تركت ذراتها تنسدل من بين أنامل يديها.
أخذت نفساً عميقاً قبل أن تنهض ببطء وتقترب أكثر من الشاطئ.
توقفت تغمض عيناها وهي تستمع إلى صوت الأمواج المتلاطمة فترتسم الصورة واضحة داخل أهدابها المغلقة.
شمس مشرقة في كبد السماء تطل على زرقة المياه الصافية، قطراتها تصل حدها على هذه الضفاف الفضية فتلامس أنامل قدميها العارية بعد أن تخلت عن حذائها.
تمنحها هذه المياه شعوراً لا يوصف من السكينة والهدوء.
إنه البحر الجميل، عشقها وعشق والدها رحمة الله عليه.
المؤتمن على حديث القلب وأسراره، صديقها الذي تحضر إليه في كل صباح تشعر فيه بالحاجة إلى البوح.
حين تشعر بالحنين والاشتياق لأوقات قضتها في صحبة أبيها، أوقات من السعادة والطمأنينة سرقتها من الزمن ثم رحلت مع رحيل الأب والصديق.
فتحت عيناها وقد شعرت بحرقة الدموع تغزو مقلتيها.
لم يمضِ على وجودهما بالإسكندرية أكثر من ثلاثة أعوام بعد أن عادا من مدينة الإمارات التي عاشت فيها مع والدها طيلة عمرها.
وها هي حياتها قد تغيرت في هذه الأعوام المنصرمة حتى باتت لا تتعرف عليها.
كانت هناك في المدينة الغريبة فتاة والدها المدللة ووحيدته، يتشاركان كل شيء ويكتفي كل منهما بالآخر.
حتى عادا إلى الإسكندرية في ليلة قرر فيها والدها أنه اكتفى من الغربة وأراد العودة لموطنه رغم أنه لا أهل له فيها ولا أصحاب.
ولكن الوطن هو الوطن، يظل في القلب كعنوان للسكن والأمان وأصالة الجذر حتى وإن طاف الإنسان حول العالم ورأى أجمل بقاع الأرض.
عادت معه مشتاقة لرؤية هذا الوطن من حديث والدها عنه، وقد وقعت في عشقه ما إن مست قدماها أرضه.
لم تخشَ قط عشق والدها لوطنه أو أن يأخذه منها.
ولكن ما لم تضعه في الحسبان هو عشق من نوع آخر.
تعلق والدها بجارتهما الجميلة ثم تزوج منها بسرعة.
فوجدت ريم نفسها فجأة وحدها في بلد لم تألف بعد سكانه ولم تعتد عليه.
فوجدت في الموسيقى كعادتها ملاذاً.
صار الخروج الصباحي بكمانها عادة تسعد يومها وتنير لحظاته.
تأتي باكراً إلى هذا الشاطئ القريب منها تطالع جمال صنع الخالق في ملكوته ثم تمسك كمانها وتعزف فتستشعر كل نغمة وكأنها أحرف وكلمات تصل بها من الشغف منتهاه.
وكما ابتعد عنها والدها ببطء عاد إليها بعد فترة ببطء كما كان قبل زواجه من سندس.
وأصبح يشاركها هذه اللحظات بعد أن اكتشف تسللها ذات يوم وأدرك كم صار بعيداً عنها.
حاول والدها مشاركة زوجته معهما في رحلتهما الصباحية ولكنها لم تكن من النساء اللاتي يحببن الصباح الباكر واستنشاق الهواء العليل.
بل كانت من عشاق الليل، يبدأ يومها مع قرب غروب الشمس.
هذا الشيء البسيط وأشياء أخرى صغيرة جعلت والدها ولأول مرة يشرع في الحديث معها عن والدتها المتوفية بعد أن كان الحديث عنها محرماً لما يجلبه من ألم لقلبه.
وقد كانت توأم الروح وعشق لا يُنسى كما اعتاد أن يقول عنها.
اختلاف والدتها عن سندس جعل والدها يبوح بالكثير.
كانت ذكريات ريم عن والدتها تكاد أن تكون معدومة وقد توفيت وعمر ريم لم يتجاوز الخمس سنوات.
ولكن أباها ومنذ تزوج العمة سندس، جعل والدتها حية في مخيلتها بكثير من القصص عنها.
أخبرها كم تشبهها وكم تحمل من طيب قلبها ونقاء سريرتها ورقة إحساسها وجمالها الكثير.
تشبه والدتها في الشكل والطباع حد التماثل.
وكما رحلت عنها والدتها، فعل هو في ليلة اختفى فيها القمر وكأنه أبى أن يشهد على فاجعتها.
كان والدها قد اصطحبها إلى إحدى الحفلات الموسيقية والتي لم ترغب سندس، زوجة أباها، حضورها وآثرت البقاء في المنزل لإن مثل هذه الحفلات تصيبها بالملل.
وفي طريق العودة أفلت المقود من أبيها فجأة وحين حاول التحكم في سيارته لم يستطع.
فجاءت مقطورة واصطدمت بهم تدفع السيارة إلى الأمام لتنقلب مرتين ثم تستقيم بعد أن تحطمت.
آخر شيء شعرت به ريم عند الاصطدام هو وجع كبير في رأسها وعينيها وقدمها اليسرى قبل أن يسحبها سواد سحيق.
استيقظت منه في المشفى تدرك بكل صدمة أن أباها قد توفي على الفور في الحادثة.
بينما أصيبت هي بكسر في قدمها وجرح في رأسها أدى إلى تضرر العصب البصري مما أدى بدوره لإصابتها بالعمى.
لم تأبه لفقدانها البصر ولم تتألم بسببه قدر ألمها لفقدان والدها.
أصيبت بانهيار عصبي تعافت منه بعد فترة كبيرة حاولت فيها قتل نفسها مرة بقطع شرايينها ولكنهم استطاعوا إنقاذها.
لترى بعدها طيف والدها في المنام يطلب منها الحياة يخبرها أن الفرح قدرها وأنها إن أرادته سعيداً فعليها أن تكون سعيدة.
يعلم الله أنها حاولت كثيراً، تبحث عن الأمل دوماً في جوف الظلام.
تبتسم فقط لكي يشعر بها ويدرك أنها سعيدة فيسعد في لحده.
حتى أنها وافقت على خطبتها من ماجد، ابن أخت سندس، فقط لإنها علمت أن هذه كانت رغبته الأخيرة وأنه أخبر بها زوجته قبيل موته بأيام.
فعلت المستحيل لتنفذ وصيته.
نعم واصلت حياتها في الظاهر ولكنها متوقفة في الحقيقة عند آخر لحظات قضياها معاً، هي وأباها.
تمثلت صورته أمامها فجأة، كان يبتسم لها بحنان.
رفعت أناملها تجاهه ولكنه اختفى كما ظهر من العدم ليصرخ قلبها.
لماذا ذهبت بهذه السرعة؟
تترك لي فقط الذكريات المتلاحقة تخشى البقاء حتى تقصر لحظات الألم.
حياتي صارت فارغة دونك يجثم الألم على أنقاض الفؤاد.
وعدتك بالاستمرار.. بالبقاء حية.. وعدتك بأن أعيش السعادة التي تمنيتها لي.
قاومت عجزي وضعفي، عدت للحياة وعزفي، حاولت أن أكون سعيدة حقاً، حاولت أبي كثيراً وفشلت.
الظلام يحيطني، إنه ظلام دامس لا تنيره القناديل ولو كانت ممتدة على طول البصر.
أعيش في خضم ليل داهم لا أمل في شمس تمحي ظلمائه يقبع فيه السكون وتنتشر وحدة بغيضة وأعصاب تشارف الحافة فتترك الظلمة تفعل بالقلوب والعقول ما تشاء.
تجعلني أوقن أنه من المستحيل أن أكمل حياتي دونك يا من كنت سندي وعضدي ورفيقي، يا من كنت لي كل شيء.
ولكن تنقذني كلماتك وذكرياتي معك.. تُبعد عني كل الأشباح وتمنحني السكينة.
لقد رحلت دون عودة ولكن روحك ستظل دوماً قربي تمنحني الصبر والأمل.
عدني فقط أن تزورني بين الحين والآخر.. ستجدنا هنا دوماً، أنا وأوتاري، نعزف ألحاناً تُحيي الروح فقط لإنها تذكرني بك.
مالت تسحب كمانها وتعزف على أوتاره معزوفة أباها المفضلة.
تغمض عيناها فتتسلل النغمات إلى قلبها وكأنها يد والدها الحانية تربت على خافقها برفق.
تعالت وتيرة المعزوفة تعلن عن حنين صارخ ما لبث أن شابه الشجن ووتيرة المعزوفة تهدأ رويداً رويداً فترق لها القلوب وتبكي ألماً إن استمعت إليها.
لتكون الخاتمة نغمات رقيقة حالمة تحمل نداءً ووعداً أو ربما.. أملاً.
ما إن توقفت عن العزف حتى انتفضت على صوت تصفيق حار يأتي من خلفها.
استدارت بسرعة فتلبكت وكادت أن تسقط ولكن يد امتدت إليها حالت دون سقوطها.
ظهر الارتباك والألم على ملامحها تنظر تجاه صاحب الصوت ذو النبرات الرجولية العميقة التي حملت ندماً وهو يقول:
أنا آسف بجد مقصدتش أفزعك بالشكل ده، أنا كنت بس ببدي إعجابي بعزفك.. لما جيت كنت فاكر إني هكون لوحدي ومتوقعتش أبداً إني ألاقي حد هنا في الوقت ده ولا أسمع اللحن الجميل ده.. اللحن ده اسمه إيه؟
استقامت تبتعد عنه فتركها على الفور تتجاهل سؤاله وهي تقول باضطراب:
محصلش حاجة.. أنا.. أنا كنت لسة همشي حالاً وأسيب لحضرتك المكان.. عن إذنك.
انحنت تبحث عن حذائها ترتديه بسرعة ثم تبحث عن حقيبتها بدورها تشعر بالحنق وقد أدركت أن نظرات هذا الغريب الآن مسلطة عليها.
لابد وأنه أدرك الآن أنها لا تبصر وربما يسخر منها في نفسه.
أمسكت حقيبتها في نفس الوقت الذي امتدت فيه يد الغريب وأمسكت الحقيبة وهو يقول بصوت ظهرت الصدمة في نبراته:
هو انتِ....
ترك سؤاله معلقاً فرفعت عيناها مباشرة إليه ليشعر بعينيها تنفذ إلى نفسه فتصيبه برعشة في جسده وغصة في قلبه اعتصرته بقوة حين قالت بصوت حاد لكنه متشعب بمرارة لم تخفِ عليه:
عامية.. أيوه عامية.. فيها حاجة دي؟
نهضت فنهض بدوره يقول بأسف:
أنا مقصدتش أجرحك.....
قاطعته قائلة بنفاذ صبر:
وأنا منجرحتش ممكن بقي تديني الشنطة عشان أمشي.
ناوله الحقيبة قائلاً:
آه طبعاً اتفضلي وبعتذر لتاني مرة لو كنت ضايقتك من غير قصد.
هزت رأسها تغادر المكان دون كلمة أخرى بينما يتابعها بعينيه وهي تمشي حتى الطريق دون أن تتعثر، تتخطي العقبات وكأنها تألف المكان وتحفظه عن ظهر قلب لتصعد إلى سيارة تنتظرها، توقظ السائق فينطلق بها.
وما إن ابتعدت سيارتها حتى استدار بجسده يطالع البحر الذي كانت تعزف أمامه، يتساءل عن هذه الفتاة والقصة ورائها.
يدرك أنها لا تشبه غيرها من الفتيات.. بها شيء يجذبه إليها.
يوقن أنه لولا هذا المحبس الذي زين إصبعها لبذل قصارى جهده لمعرفة كل شيء عنها ولكن للأسف لا يملك الآن سوى أن يحتفظ بذكرى اليوم في خاطره يعلن أنه في هذا اليوم رأى أجمل عيون لفتاة حملت كل سحر الدنيا بين طياتهما، عيون رغم فقدانهما البصر إلا أنه موقن من أنه لن ينسى نظرة صاحبتهما قط ولا عزفها الذي يسحر الألباب.
ملست على تنورة فستانها بتوتر تقول بارتباك:
إيه رأيك يا ماجد؟
ها.. رأيي في إيه؟
وكزته خالته فترك الهاتف يتطلع إليها متسائلاً.
أشارت إلى ريم بحنق فنهض يقترب من الأخيرة يقول:
إيه الجمال ده كله ياريم! الفستان يجنن عليكي ياحبيبتي.. انتِ أصلاً بتحلي أي حاجة بتلبسيها.
اكتفت بابتسامة رقيقة فأردف قائلاً:
ها.. جاهزة خلاص نمشي ولا لسة؟
مررت يدها على شعرها المنسدل باضطراب تقول:
لأ أنا جاهزة هو شعري مش مظبوط ولا إيه؟
أسرعت سندس تقول:
مظبوط ياقلبي.
بينما قال ماجد:
أنا كان قصدي يعني لو هتحطي ميكب زي باقي البنات.
مبحبوش وانت عارف.
ليه بس؟ ده بيبقى حلو قوي عليكي، عموماً أنا بس قلت أتأكد لإننا رايحين حفلة.
فركت يدها بتوتر وهي تقول:
أنا قلت إني كدة جاهزة ياماجد وياريت نمشي لإننا متأخرين.. بعد إذنك ياطنط.
اتفضلي ياحبيبتي.
استدارت ريم تغادر المكان بينما تطلع ماجد إلى خالته بحيرة يتساءل عما فعل كي تزول الابتسامة عن ثغر ريم ويحل محلها التوتر.
بينما أشارت له خالته بالرحيل وقد نفذ صبرها.
تنوّي عند عودتهما أن تجلس معه وتتحدث قليلاً وإلا أضاع هذا الأبله ريم من يديه إلى الأبد.
هي فتاة رقيقة حساسة وقد زادت حساسيتها منذ هذا الحادث الذي أفقدها بصرها، لذا عليه أن يكون أكثر حذراً في التعامل معها وأكثر رقة وعليه أن يبدي المزيد من الاهتمام.
تتعجب منه وهو المعروف بحنكته مع النساء وبراعته في سحرهن لكن حين يكون مع ريم يظهر كغريب ساذج فقد القدرة على الحديث مع جنس النساء وجذبهن إليه.
قد يفقد خطيبته إن استمر على هذا الحال وهي لن تسمح له بذلك... أبداً.
كانت تسبح بكيانها كله مع نغمات المعزوفة الموسيقية تستشعر كل نغمة تتحدث إلى روحها بأعذب الكلمات.
حين أخرجها ماجد من استغراقها باللحن وهو يميل عليها يهمس في أذنها قائلاً:
أنا هخرج أشرب سيجارة ومش هتأخر.
هزت رأسها بهدوء فغادر لتعود هي إلى أنغامها تنسجم معها وكأنها جزء من تكوينها.
تتحرك أناملها على مسند كرسيها وكأنها هناك، معهم، تعزف أحلى النغمات.
في هذه اللحظة وقعت عيناه عليها هي، فتاة الشاطئ كما أسماها.
رائعة الجمال في هذا الفستان الوردي الرقيق، تبدو ملامحها حالمة وكأنها غارقة في لجة من المشاعر.
لم تغب عن مخيلته منذ رآها بالشاطئ.
لقد تمنى لو رآها مجدداً.. يشعر بشيء كبير يجذبه لها.
وجهها الجميل الخالي من المساحيق البريء كالأطفال المثير حد الهلاك، اهتمامها بالموسيقى وعشقها لسيمفونيات موزارت، رقتها الممتزجة بصلابتها.
كل ما سبق يجبرونه على الاعتراف بأن هذه الفتاة لا تشبه أي فتاة قابلها من قبل.
لهذا تمنى في هذه اللحظة أن يكون لها مكانة في حياته.
ولكن كأن القدر له رأي آخر، ففي هذه اللحظة جاء رجل وجلس جوارها يميل هامساً بشيء ما في أذنها.
أشاح بوجهه عنهما وقد أثار مشهدهما في قلبه غيرة وحنق.
لابد وأن هذا الرجل هو خطيبها الذي نسي أمره في غمرة أمنياته وأحلامه.
وجد عيناه تعود إليهما مرة أخرى رغماً عنه فوجدها تنهض وتتبع الرجل بملامح ظهر عليها الإحباط، وكأنها مجبرة على الرحيل.
انخلع قلبه حين أوشكت على الوقوع ولكنها تماسكت في اللحظة الأخيرة.
يلعن رفيقها الذي يسير أمامها غير منتبه لها حتى اختفيا تماماً.
فعاد بنظراته إلى المسرح حيث تعزف الفرقة الموسيقية، أغمض عيناه يستشعر النغمات فتمثلت له بين أهدابه.
كانت كما رآها آخر مرة.. تقف على الشاطئ حافية القدمين يسترسل شعرها الحريري خلف ظهرها يتطاير مع النسمات بينما تمسك كمانها وتعزف من روحها فتسحر روحه وقلبه وتصل إلى كيانه.
في هذه اللوحة تركت كمانها واستدارت إليه تتطلع بعينين ساحرتين إلى عينيه ثم تبتسم برقة فتشعل وجدانه.
ابتسم بدوره ليفتح عيناه منتفضاً على صوت تصفيق حار، أدرك أن المعزوفة قد انتهت ولكن أحلامه معها باقية.
لن تنتهي أبداً على ما يبدو.
رواية لا تشبهين احدا الفصل الثاني 2 - بقلم شاهنده سمير
كانت تروي الزرع حين التفت ذراعين حول رقبتها، يرتكز صاحبهما بذقنه على كتفها وهو يقول:
صباح الفل يا ست الكل.
ابتسمت قائلة:
صباح الهنا على عيونك يا حبيبي، صاحي من بدري قوي كده ليه؟
مبسوط حبتين.
استدارت تتطلع إليه بحنان قائلة:
يسعد أيامك كلها يا ابني، أخلي فاطمة تجيب لنا الفطار في الجنينة؟
ابتسم قائلاً:
خليكي مرتاحة، قولتلها تحضره وتجيبهولنا الجنينة.. على فكرة نفسي النهاردة مفتوحة على الآخر.
حدجته بنظرة متفحصة قبل أن تقول:
وياترى هتقول لماما السر ورا جمال الصباح ده كله ولا هتخبي عليا؟
وأنا أقدر أخبي برضه؟ بس المهم لما أحكيلك متقوليش عليا مجنون.
مش هقول، احكي بقى.. شوقتني.
تعالي نفطر وهحكيلك على الحلم الجميل اللي طير النوم من عينيا.
حلم!
أكيد حلم، ماهو في الحقيقة الملايكة مستحيل تعيش على الأرض.
اتسعت عينا ريم باستنكار قائلة:
معقول يا طنط عايزاني أعمل الفرح وبابا لسه متوفي مكملش سنة؟ لأ طبعاً مستحيل أوافق على الكلام ده.
ليه بس يا بنتي.. صحيح الحزن على صادق هيفضل في قلوبنا طول العمر، لكن بصراحة أنا خايفة عليكي، حالك مبقاش عاجبني، دايماً وحيدة وسرحانة وحزينة.. أنا شايفة إن الجواز هو الحل، ماجد بيحبك ولما هتتجوزوا ويجمعكم بيت واحد هتلاقي في وجوده جنبك العوض عن غياب والدك.. اهتمامه وحبه ليكي هيشيلوا الحزن من قلبك ويزرعوا الفرحة بدلهم.
يا طنط افهميني، أنا قبلت أتخطب عشان دي كانت رغبة بابا الله يرحمه قبل ما يموت، لكن جواز دلوقتي مش مستعدة ليه نفسياً ولا قادرة أتقبله، ولو قبلت يبقى هظلم ماجد معايا لإني حقيقي مش قادرة أفرح.. وبعدين ماجد أصلاً مش فاضي للجواز زي ما انتِ شايفة.. طول الوقت مشغول، ده إحنا فين وفين على ما بنشوفه.. عموماً، لما تعدي سنة على وفاة بابا على الأقل نبقى نتكلم.
كادت سندس أن تتكلم ولكن ريم نهضت تردف بسرعة:
عن إذنك بقى مضطرة أمشي لإني اتأخرت عن الحفلة.
غادرت ريم، تتابعها سندس بحنق قبل أن تتصل بابن أختها الذي لم يجب هاتفه من أول مرة، ولكنه أجاب حين عاودت الاتصال به لتبادره بغضب:
طبعاً، نايم ولا على بالك.. ما أنا غلطانة اللي بعتمد على واحد مستهتر زيك.
تثاءب ماجد قائلاً:
طب قولي مساء الخير يا سوسو الأول، خير متعصبة كده ليه بس؟
بعيد الشر عنك.. مالك بس فيه إيه؟
قالبة عليا ليه بالشكل ده؟
هو أنا مش قعدت معاك من يومين وفهمتك إزاي تتعامل مع ريم عشان تكسب قلبها.
حصل.
أمال نايم وسايبها تروح الحفلة لوحدها ليه يا سي ماجد؟
أعمل إيه بس يا طنط؟ ما حفلات الموسيقى بتاعتها دي مملة قوي وبتخنقني.
تستحمل يا قلب طنط عشان خاطرها، تيجي على نفسك شوية بدل ما تضيع منك أو حد يلعب بعقلها وياخدها منك.
حد مين ده اللي ياخدها مني؟ ده أنا كنت أقتله وأشرب من دمه.
ياواد يا جامد.. اتكلم يا موكوس على قدك، ده أنا خالتك مش حد غريب وعارفة اللي فيها.
يوه بقى يا خالتي، خليكي دايماً كده تحبطيني وتكسري مجاديفي.
مجاديفك!
معلش يا سيدي.. عايزة مصلحتك يا ابن أختي، وعشان كده بنصحك.. قوم خد شاور وحصل ريم على الحفلة ومن هنا ورايح خليك جنبها.. خليك ضلها.. اشغلها بيك يا خايب خليها ترضى نعمل الفرح ونخلص بدل ما هي كده قافلة دماغها ومش راضية تلين.
هو انتِ كلمتيها عن الفرح؟
أيوة يا أخويا.. ورفضت طبعاً عشان لسه ما فاتش سنة على موت صادق، ولما قلتلها إن الجواز هيمحي الحزن اللي جواها قالتلي إنك أصلاً مش فاضيلها، فضي نفسك يا ماجد واتلم حبتين خلينا نخلص.
حاضر يا سوسو..
عيوني.
تسلملي عيونك يا حبيبي.. عارف هتعمل إيه دلوقتي؟
قال بملل:
هقوم آخد شاور وألبس وأروح لها الحفلة، ومن بكرة هكون زي ضلها.. ملازم ليها في كل حتة.
هو ده الكلام يا حبيبي.. أسيبك بقى تجهز نفسك وافتكر دايماً إن كل شيء في إيدك وإنك وعدتني تخليها زي الخاتم في صباعك في وقت قصير.. وريني الشطارة بقى.
هوريكي.. سلام يا خالتي.
سلام.
أغلقت الهاتف ثم وضعته جانباً فوجدت صورة زوجها الموضوعة على الطاولة جوارها، حملتها تطالعه قبل أن تتنهد قائلة بحنق:
كده يا صادق.. كده تعمل المقلب ده فيا؟ تموت وتحرمني من كل حاجة.. كتبت فلوسك باسم ريم وبخلت عليا بيهم.. تستاهل بقى.. كان ممكن مصيرها يتغير وتتجوز واحد بيحبها بجد مش طمعان في فلوسها، لكن عملتك وقعتها في ابن اختي، صحيح وسيم وشبه ممثلين السينما بس موكوس وخايب.. لا شغلة ولا مشغلة.. فالح بس مع البنات، كازانوفا عصره زي ما بيقولوا.. أكيد مش الراجل اللي حلمت بيه لبنتك.. قلتلك عملتك السودا اللي هتضيع مستقبلها.. هييييه هقول إيه؟
غلطات الآباء بيدفع تمنها الأبناء.. زعلان.. لأ متزعلش.. هي بنتك بوضعها دلوقتي كانت هتلاقي حد أحسن من ماجد؟
كانت هتبور وتقعد في أرابيزي العمر كله.. يلا.. ده أنا خدمتك والله رغم إنك متستاهلش، أعمل إيه بقى؟ قلبي أبيض وبنسى الإساءة بسرعة.. طالعة لماما الله يرحمها.. لما بابا اتجوز عليها بلغت عنه الضرائب وبعدين نصحته يكتب كل حاجة باسمها عشان ما ياخدوهاش منه ولما عمل كده فعلاً خلعته.. الراجل جتله جلطة ومات.. مستحملش الحقيقة.. بس هي سامحته قبل ما يموت على جوازه من واحدة تانية غيرها، مش قلتلك قلبها أبيض.. الله يسامحه بقى جوزي الأولاني وجوز أختي.. ضيعوا كل الثروة اللي سابتهالنا أمي في القمار وبعدين دخلوا السجن وماتوا جواه وسابونا من غير ولا مليم، أختي ماتت هي كمان بحسرتها وأنا عشت وقدرت أعوض خسارتي لما اتجوزتك بس الظاهر إنك عرفت اللي عملته ماما قبل ما تموت وجايز حسيت إن اتجوزتك عشان فلوسك وبس فاستخسرتهم فيا ودي النتيجة.. اشرب بقى.. خلي روحك تتحسر وانت شايف بنتك بتضيع بسبب غدرك بسندس يا صادق.
لتضحك ضحكة شيطانية وهي تضع الصورة على الطاولة مجدداً بينما تلتمع عيناها بقوة... وقسوة.
كان ماجد يقص عليها ما حدث بالنادي ليلة البارحة وكيف استطاع هزيمة صديقه في لعبة التنس ليكسب الرهان ويحصل على سيارة الأخير حديثة الموديل ليوم كامل، بينما تكتفي هي بهزة بسيطة من رأسها وابتسامة باهتة تعقيباً على كلماته، حين حضر النادل ووضع الصينية أمامها يفرغ فنجالاً من القهوة قائلاً باحترام:
القهوة السادة للبيه.
القهوة السادة ليا أنا.
حانت من النادل نظرة تجاه محدثته فتجمد كلية وهو يراها أمامه مجدداً وكأن القدر يسوقها دائماً في طريقه، ليستفيق على صوت ماجد الغاضب وهو يقول:
إيه يا بني آدم انت؟ ما تركز في شغلك، وش القهوة راح خالص ونصها اتكب برة الفنجان.
طالع النادل الفنجال بصدمة قائلاً:
أنا آسف يا فندم مكنش قصدي هجيب للهانم غيرها.....
قاطعه ماجد وهو ينهض قائلاً بعصبية:
تجيبلها غيرها إيه؟ فين مديرك؟
نهضت ريم بدورها تقول بتوتر:
خلاص يا ماجد من فضلك، محصلش حاجة.. قالك هيجيب قهوة غيرها.
قال ماجد بحنق:
اسكتي انتِ، أصلك مش عارفة الأشكال دي كويس.. أنا بقى عارفهم وعارف إزاي أتعامل معاهم.
يا فندم ميصحش الكلام ده أنا.....
قاطعه ماجد قائلاً بغضب:
انت كمان هتقولي إيه اللي يصح واللي ميصحش! فين صاحب المكان ده؟ فين المدير؟
يا ماجد...
قلتلك اسكتي انتِ وسيبيني أتصرف.
جزت ريم على أسنانها بينما جاء إليهم في هذه اللحظة رجل في أوائل الخمسينات يرتدي بذلة رسمية يقول بلهجة رسمية:
تحت أمرك يا فندم.. أنا المدير.
قال ماجد بعصبية:
تعالي شوف سيادتك اللي شغالين عندكم، البيه جايب لنا القهوة وبيفرغها وعينه هتطلع على خطيبتي.. اتفرج شوف المنظر.. فين الجرسون اللي أخد طلباتنا؟ كان على الأقل محترم.. مش ده مستوى الخدمة اللي مستنيينه من كافيه مشهور زي الكافيه بتاعكم؟
وبعدين انتوا مش عارفين أنا مين؟ أنا ماجد الأسيوطي ابن المرحوم حامد الأسيوطي الصديق المقرب من عماد الجمال عم صاحب كافيهات الجمال وبتليفون مني أقطع عيشكم كلكم.
قال المدير باضطراب:
يا فندم إحنا آسفين ياريت تقبل اعتذارنا عن اللي حصل وبنوعدك بعدم تكرار الغلطة دي تاني، معلش ده جرسون جديد وأكيد هيتعاقب......
قاطعه ماجد قائلاً:
يتعاقب؟! انت بتهزر؟ ده يترفد حالاً وقدامي دلوقتي يتطرد برة.
حرام يا ماجد تقطع عيشه عشان حاجة بسيطة زي دي.. الموضوع مش مستاهل.
طالعها بقلب رق لكلماتها المدافعة عنه، يدرك أن قلبها رقيق كملامحها وعزفها، ليقرر أن يدلف إلى حياتها من خلال رقة قلبها، يقترب منها أكثر وقد ارتأى من خلال نظرته النافذة أن هذا الرجل لا يستحق فتاة كهذه، فتاة حملت روحها عبق الماضي حين كانت النساء رقيقات يتمتعن بالأصالة والرقي وطيبة القلب.. فتاة اختلفت عن كل من حوله من الفتيات، لم تكن مرفهة سطحية لا يهمها سوى مظهر فارغ ولم تكن متشبهة بالرجال مطالبة بالمساواة بينها وبينهم، حين صارت لا تشبه أي منهن تميزت في نظره وحين تميزت صار القرب منها واجباً.
عاد بتركيزه إلى الحوار الدائر بين هذا الماجد والمدير وماجد يقول:
أنا قلتلك اللي عندي والقرار دلوقتي في إيدك.
أكيد الزبون على حق، لم حاجتك وسلم عهدتك يا جهاد.
لا يافندم أرجوك بلاش ترفدني، أنا ما صدقت ألاقي شغل، والدتي مريضة وملهاش حد غيري وأنا محتاج الوظيفة عشان أقدر أصرف على علاجها.
شفت يا ماجد؟ والله حرام عليكم.. من فضلك يا حضرة المدير مترفدوش.. اخصم منه يومين بس مترفدوش.
يا ريم....
كان لابد وأن يكون اسمها ريم.. جميلة كغزالة رقيقة وقعت في يد صياد ماهر، لذا وجب على أحدهم إنقاذها، ومن خير منه قد ينقذها؟
من فضلك يا ماجد لو بجد ليا خاطر عندك متقطعش عيشه، عشان خاطر مامته على الأقل.
ربنا يكرمك يا هانم.
نظر ماجد بحنق تجاه جهاد قبل أن يتطلع إلى ريم، يتأرجح بين رغبته في إرضائها ونيل إعجابها كما طلبت منه خالته وبين رغبته في الانتقام من هذا الذي جرؤ على التطلع لشيء يخصه، لتفوز الأولى.
لذا قال بهدوء:
خلاص مترفدوش واكتفي بالخصم.. اخصمله أسبوع مش يومين وبس.. ويا ريت يمشي من قدامي دلوقتي وابعتلي جرسون تاني بالقهوة.
قال المدير باحترام:
تحت أمرك يا فندم، قدامي يا جهاد على المكتب.
سار جهاد يتبعه المدير، بينما عاد ماجد للجلوس مطالباً ريم بالحذو مثله، فجلست على مضض وقد أحنقها تصرف ماجد وإصراره على صرف النادل من العمل ثم إصراره على الخصم من مرتبه، تتساءل كيف سيعوض هذا المسكين المال وهو يحتاجه بشدة من أجل علاج أمه كما أخبرهم منذ قليل؟ لتلتمع عيناها وقد خطر في بالها شيء ستقوم به ما إن تستطيع.
رواية لا تشبهين احدا الفصل الثالث 3 - بقلم شاهنده سمير
___تمسك بذات الراء___
كان يستعد لحمل الصينية والتوجه للخارج حين استمع إلى صوتها الرقيق وهي تقول:
_من فضلك عايزة الأستاذ جهاد.
استدار يتطلع إليها بعيون تتشرب من ملامحها الجميلة. لقد جاءت إلى المطبخ خصيصاً تسأل عنه. هل دق خافقه الآن بقوة كما لم يفعل من قبل؟ تقدم منها بينما يقول زميله:
_هناك أهو.. على بعد تقريباً أربع خطوات منك.
استمعت إلى صوته وهو يقول:
_أنا جهاد ياهانم.. خير.. محتاجة حاجة؟
مدت يدها إليه ببعض المال قائلة:
_دي الفلوس اللي اتخصمت منك.
قال رافضاً:
_مش هقدر آخدها من حضرتك، أنا غلط ولازم أرضي بعقابي.
_ومامتك ذنبها إيه؟ خد الفلوس عشان تقدر تدفع مصاريف علاج والدتك.
تدفق الحنان من عينيه، قلبها الرقيق يجذبه بقوة ليبتسم قائلاً:
_ده كرم كبير من حضرتك لكن حقيقي مش هقدر آخد الفلوس دي منك.. أنا هقدر أتصرف.
راق لها كبرياؤه فأصرت قائلة:
_من فضلك متكسفنيش واعتبرني زي أختك وهي زي والدتي.. اللي حصل كان بسببي، أنا اللي اتكلمت وقتها ولخبطتك وأنت زي ما قالوا لسه جديد في مهنتك، من صوتك وطريقة كلامك حاسة إنك خريج تعليم عالي، يعني مرض والدتك اللي اضطرك تشتغل في غير مجالك عشان تقدر تصرف على علاجها، الحقيقة أنا بقدر الناس اللي زيك وبتمنى أقدر أساعدكم وأقف جنبكم كلكم لأنكم تستاهلوا الدعم.
أخرجت من حقيبتها كارتًا منحته إياه مردفة:
_ده كمان الكارت بتاعي لو احتجت أي حاجة متترددش واتصل بيا وزي ماقلتلك أنت زي أخويا ووالدتك زي والدتي الله يرحمها.
_الله يرحمها.
هل من الممكن أن يخفق القلب بقوة فتسمعه ينادي بحروف من كانت السبب في سحره؟ مابين الخفقة والأخري يصرخ به مطالباً إياه بقوة...
"تمسك بذات الراء فإن قلبها قُدّ من الجنة، لا تتركها أبداً فإن تركتها فلن تجد لها مثيلاً قد ألقت عليك تعويذتها منذ استمعت إلى أنغامها الملائكية فصارت تسري بروحك كما تسري الدماء بشرايينك."
أفاق من تأمله لها على صوتها المرتبك وهي تقول:
_أستاذ جهاد!
_الحقيقة إنك إنسانة بقلب من دهب وقصاد طيبتك وأخلاقك العالية وكلامك اللي بيدل على طيب أصلك هقبل آخد الفلوس لكن على سبيل الدين وبإذن الله في أقرب فرصة هديهملك.
_لكن....
_من غير لكن ده شرطي الوحيد عشان أقبل الفلوس يا آنسة ريم.. قلتي إيه؟
هزت رأسها واعتلى ثغرها ابتسامة رقيقة. كل شيء يخصها يسحره حتى ابتسامتها التي يراها لأول مرة فشعر بالكون حوله يشرق ويبتسم له. أخذ منها المال والكارت شاكراً فقالت بابتسامة:
_مفيش داعي للشكر.. إحنا إخوات زي ماقلت لك.. عن إذنك.
استدارت مغادرة فتابعها حتى اختفى طيفها قبل أن يتنهد وهو ينظر إلى الكارت يقرأ حروف اسمها بقلبه قبل لسانه: "ريم صادق العدل". لقد نقشت الحروف بقلبه وتعمقت مكانتها به ولن يهدأ ويرتاح حتى تكون له. فمثل هذه الفتاة إن وجدتها لا يجب أن تتخلي عنها أبداً، بل تتمسك بها.. تحبها وتهتم بها وترعاها وتمنحها روحك إن أرادت.. فهي كنز ثمين ونعمة مهداة من رب العالمين.
تنهد مجدداً قبل أن ينظر إلى صينية القهوة الباردة ليقرر أن يغيرها بأخرى ساخنة على حسابه قبل أن يقوم المدير بتقريعه مرة أخرى وفي هذه المرة لن يرحمه... أبداً.
***
أسندت خديجة وجنتيها على يديها قائلة بحنق:
_طبعاً هيرفض ما أنتِ عارفة بابا، أهم حاجة عنده إن العريس يكون عنده شقة وطبعاً يحيي لسه ملقاش شقة مع إنه ياقلبي طالع عينه ليل ونهار بيدور عليها عشان يتقدملي بقلب جامد بس هيلاقي منين بس شقة في مكان كويس بابا يرضى أسكن فيه وبالمقدم البسيط اللي معاه؟
_هو معاه كام؟
_٥٠٠٠ جنيه.
_طب إيه رأيك إني لقيتلك شقة في مكان كويس جداً بالمقدم ده؟
استقامت خديجة تلتمع عيونها بحماس وهي تقول بلهفة:
_احلفي ياريم، بجد الكلام اللي بتقوليه ده؟ أوعي تكون اشتغالة.. هروح فيها والله.
ابتسمت ريم قائلة:
_بعيد الشر عنك ياديجا، الشقة موجودة فعلاً وتحت أمرك من الصبح لو حبيتي.
_فين هي دي؟
_في عمارتي اللي في جليم، فيه شقة سكانها سابوها الشهر اللي فات ده، الحقيقة عم ناصر البواب جاب لي كذا زبون ليها بس كان فيه حاجة دايماً تخليني أرفض وكأنها كانت مستنياكي عشان تنوريها أنتِ ويحيي.
اغروقت عينا خديجة بالدموع وهي تمسك بيد ريم قائلة بامتنان:
_أنا مش عارفة أقولك إيه؟ أنتِ أطيب وأحن قلب في الدنيا بس الحقيقة مش هقدر أستغل طيبة قلبك دي وأوافق على عرضك، الشقة دي تجيب لك فلوس كتير قوي ياريم، مش هقدر أكون سبب في خسارتك ليهم.
ربتت ريم بيدها الحرة على يد خديجة قائلة:
_ياعبيطة الفلوس مش كل حاجة في الدنيا.. المكسب الحقيقي هو صاحبة زيك دايماً معايا، واقفة جنبي وفي ضهري، زعلك بيزعلني وفرحك بيفرحني، أنتِ أختي يابنتي، معقولة هبخل على أختي بحتة شقة صغنتتة هتجمعها بحبيب قلبها اللي ليل ونهار مالهاش سيرة غيره؟ مستحيل طبعاً.
قالت خديجة بحب:
_أنا بحبك قوي ياريم.
_وأنا بحبك ياقلب ريم.. يلا بقي قومي نمشي عشان تفرحي يحيي وتقوليله يتقدم بقلب جامد، أنا كمان اتأخرت على درس الموسيقى بتاعي.
_أنتِ مش ناوية تسمعي كلام المايسترو وتعزفي سولو مع الفرقة في احتفالية راس السنة؟
نهضت تحمل حقيبتها وتسير جوار خديجة التي منحتها يدها تستند عليها قائلة:
_لأ طبعاً.. مقدرش أتحمل نظرات الشفقة في عيون الناس، رغم إني مش هشوفهم بس هحس بيهم وهم بيعلقوا على عجزي.
_دي أوهام في دماغك ياريم، محدش هياخد باله.. هيسحرهم عزفك زي مابيسحرني.
_لإنك بتحبيني.
كادت خديجة أن تقول شيئاً ولكنها ضربت على رأسها بخفة قائلة:
_نسيت الشنطة، استنيني هنا هروح أجيبها وآجي.
هزت ريم رأسها فأسرعت خديجة بالعودة لطاولتهما. بينما هبت الرياح فجأة فحملت بعض الأتربة التي صفعت وجه ريم. وضعت ريم يدها على وجهها تتراجع إلى الخلف بفعل الرياح ثم استدارت فارتطمت بأحدهم. تجمدت في مكانها وهي تسمع صوت المياه تدرك أنها أصبحت جوار حمام السباحة. ثم فجأة سمعت أحدهم يصرخ بها قائلاً:
_خبطيني وزقيتيني ووقعتيني في حمام السباحة وواقفة ولا كأنك عملتي حاجة.. يعني مش كفاية اتعميتي لأ قليلة الذوق كمان ومغرورة.. النادي الظاهر بقى بيقبل كل من هب ودب.
شحب وجه ريم كلية مع كلمات هذا الرجل الجارحة ولم تدري كيف تجيبه. أرادت الرحيل على الفور ولكن كيف وهي مهددة بالسقوط في حمام السباحة بدورها إن تحركت. اغروقت عيناها بالدموع الحبيسة التي أبت السقوط أمام إهانات هذا الرجل لها. بينما سمعت صديقتها تقول بغضب:
_إيه يابني آدم الكلام اللي أنت بتقوله ده؟ ماتحترم نفسك.
_أنا محترم غصب عنك أنتِ كمان.. الظاهر إنك مش عارفة أنا مين؟ أنا طاهر الحمصاني.. أظن مفيش حد مسمعش عني.. أو يمكن انطرشتي.. ما أنتِ صاحبتها وأكيد شبهها.
_لأ ده أنت زودتها قوي و.....
قاطعتها ريم تقول بصوت شابته المرارة:
_خديجة من فضلك روحيني البيت.
_ودرس الموسيقى.
_هعتذر عنه.. أنا تعبانة ومحتاجة أرتاح.. من فضلك.. يلا بينا نمشي من هنا بسرعة.
هزت خديجة رأسها قبل أن تتطلع إلى الرجل بحنق وهي توجه حديثها إلى ريم قائلة:
_يلا بينا ياقلبي.. أنا كمان عايزة أمشي من هنا بسرعة لأن النادي بقى بيلم فعلاً وبيقبل كل من هب ودب.
غادرا المكان تستند ريم على يد خديجة بينما تبعهما طاهر بنظراته قائلاً بحنق:
_أهي لولا إنها طلعت عامية بجد كان بقالي شغل تاني معاهم.
_كنت هتعمل إيه يعني أكتر من اللي عملته؟
استدار طاهر يطالع محدثه، عقد حاجبيه وقد ظهرت السخرية على ملامح هذا الرجل الوسيم الذي ظهر من العدم، ليقول بحدة:
_وأنت مالك يابني آدم انت؟ حاشر نفسك ليه في شيء ميخصكش؟
_كل شيء بيحصل في النادي هنا يخصني على فكرة.. عارف ليه؟
قال طاهر متوجساً:
_ليه؟
اقترب منه يقول بغضب:
_لإني صاحب النادي.
اتسعت عينا طاهر قائلاً بصدمة:
_أنت......
_أيوة أنا.. والحقيقة ميشرفنيش وجود عضو بأخلاقك دي في النادي بتاعي.. من النهاردة اعتبر نفسك مطرود منه وقدامك بالظبط.... نظر إلى ساعته مردفاً بصرامة:
_خمس دقايق تلم فيهم حاجتك ومشوفكش هنا تاني وإلا هطلب من الأمن يتصرفوا معاك وأظن واحد بمكانتك اللي فرحان بيها قوي دي مش هينبسط لما أفراد الأمن يجرجروه برة زي الحرامية.. ولا إيه؟
انتفخت أوداج طاهر غضباً وكاد أن يقول شيئاً حين قاطعه الرجل قائلاً بصرامة وهو ينظر إلى ساعته:
_٤ دقايق.
زفر طاهر بقوة وهو يسحب حقيبته الرياضية ويغادر المكان بسرعة خشية أن ينفذ الرجل تهديده ويصير حديث الناس والمجتمعات الراقية، فما سمعه عنه جعله يدرك بكل يقين أنه رجل لا يرحم أعدائه وقد بدا كعدو له في هذه اللحظة ليلعن غباءه وضيق خلقه اللذان جعلاه يخسر عضويته في النادي الذي يتوق العديدين للاشتراك فيه وكان من سوء حظه أن ضُبط بسوء التصرف أمام صاحب النادي ومالكه الوحيد.
***
تأمل جسدها الذي تستره الآن بارتداء ملابسها قائلاً برغبة شعت من مقلتيه:
_ما تخليكي شوية كمان ياسوسو، مستعجلة على إيه بس؟
أغلقت أزرار سترتها وهي تقول:
_ما أنا قايلالك إن ورايا ميعاد مهم مع المحامي اللي رشحته لي ميار عشان أشوف لو أقدر أطعن في الورق اللي سابه صادق وأخلص بقي من المصيبة اللي في البيت دي بدل ما أنا كده قاعدة تحت رحمتها.
أزاح عنه الغطاء وهو ينهض مقترباً منها قائلاً:
_ما أنا قايل لك سيبك منها وتعالي عيشي معايا، أنتِ اللي مرضيتيش.
وضع يديه على خصرها يضمها إلى حضنه فاستندت بيديه على صدره تتنهد قائلة:
_أنت عارف إن اليوم اللي أكون فيه معاك دايماً قدام الناس من غير خوف هو يوم المنا يا عزت.. أنا عمري ماحبيت ولا هحب غيرك أنت.. بس قولي هنصرف منين وهنعيش إزاي؟
_من شغلي.
رفعت أناملها تمررها على وجنته بنعومة قائلة:
_شغلك ده يدوب بيجيب سجايرك ومزاجك وبنزين عربيتك، بقية المصاريف هنظبطها إزاي؟ إحنا اتعودنا على مستوى في العيشة مختلف خالص عن زمان ياحبيبي.
_نرجع زي زمان.
قبلته على وجنته بنعومة قائلة:
_قول للزمان ارجع يا زمان.
لتزيح يديه من على خصرها قائلة:
_إحنا اتغيرنا يا عزت وبقي صعب نرجع نعيش زي الأول، لا أنت هتقدر تتنازل عن مزاجك ولا أنا هقدر أتنازل عن الوضع اللي بقيت فيه.. الناس دلوقت كلها بتعملي ألف حساب وبتنادي لي سندس هانم بعد ما كانوا بيتهربوا مني، كانوا بيفكروني همد إيدي لهم وأستلف منهم.. منكرش إن أوقات كتير كنت على وشك أعملها لولا قابلت صادق وقررت أوقعه في شبكتي ولما حصل أبواب السعد اتفتحت لي.
_ورجعت اتقفلت من تاني لما مات.. غدر بيكي وكتب ثروته لبنته.
مطت شفتيها قائلة:
_بنت عامية كل مفاتيحها في إيدي رغم إنها عنيدة حبتين لكن قلبها طيب وبتحب باباها قوي وأنا بدخلها من البابين دول ولغاية دلوقت ناجحة وبامتياز في إني أخليها تحت طوعي.
_طب مادام مسيطرة عليها قوي كده رايحة للمحامي ليه؟
_خايفة يا عزت.. خايفة يوم البساط يتشد من تحت رجلي، خايفة في يوم تعرف حاجة عني وتطردني برة النعيم ده كله، محتاجة أطمن وخصوصا إن مشروع جوازها من ابن اختي نتيجته مش مضمونة بعمايله السودة معاها.. الواد مش قادر يكسب قلبها ويخليها زي الخاتم في صباعه.. أنا خايفة في يوم حد تاني يضحك عليها ووقتها هيكون هو الآمر الناهي في حياتها ومش بعيد أكون له زي اللقمة في الزور ويطردني هو كمان أو يتحكم فيا.. ده غير إني مش عارفة أتجوزك وأكون معاك على طول وده خانقني وتاعب أعصابي.
_والحل؟ هنفضل كده كتير؟
هزت كتفيها قائلة:
_أديني بحاول أهو عشان ألاقي حل ولو المحامي اللي رايحة له ده شاطر بجد زي ما ميار قالت لي تبقى هانت ياقلبي وأكون معاك اللي فاضل من عمرنا.
_بجد ياسندس؟
قبلته في وجنته هامسة بنعومة:
_بجد ياقلب سندس.
تمسك بخصرها مجدداً قائلاً بحرارة:
_أنتِ قلتي ميعاد المحامي الساعة كام؟
_سبعة.
_الساعة لسه ستة ياقلبي يعني قدامنا وقت.
كان يحل أزرار سترتها بينما يتحدث يلامس بشرتها العارية بنعومة فأصابها باضطراب في أحاسيسها لتقول من بين أنفاسها اللاهثة:
_وقت لإيه يا عزت؟
ألقى بسترتها جانباً يسحبها لحضنه يمرر يده على ظهرها يثير أعتى المشاعر بكيانها قائلاً برغبة:
_للحب ياقلب عزت.
***
توقفت خديجة بالسيارة أمام منزل ريم ثم استدارت إلى الأخيرة تقول بحزن وقد رأت الدموع التي تسللت من مقلتي صديقتها التي تتطلع إلى الخارج كي لا تلاحظ خديجة ألمها. حساسة هي هذه الفتاة لا ترغب بمشاركة أحد أحزانها مهما كان قريبًا منها وكأنها اعتادت الوحدة وإخفاء الألم. شاردة على ما يبدو فيما حدث اليوم حتى أنها لم تنتبه لتوقف السيارة فنادتها خديجة بصوت خفيض. انتفضت له رغم ذلك ريم تمسح دموعها بسرعة وهي تقول:
_إحنا وصلنا؟
_ريم بلاش تقعدي لوحدك وأنتِ متضايقة كده.. تعالي نقعد في كافيه ونتكلم شوية.
بحثت عن يد صديقتها حتى وجدتها تقول بامتنان:
_متقلقيش عليا أنا هبقى كويسة، مش أول مرة بتعرض لموقف زي ده ولا هتكون آخر مرة، مش مهم.. اتعودت وبقت عندي مناعة، هنام شوية وهصحى زي الفل، أنتِ بقي اللي إتأخرتي على باباكِ وأنا عارفة إنك لسة هتقابلي يحيي عشان تبشريه، روحيله ياديجا ومتتأخريش وبكرة هقابلك عشان تحكي لي كل حاجة.
طالعتها خديجة بعدم اقتناع بينما تغادر ريم السيارة لتناديها الأولى فقالت الأخيرة بحزم:
_يلا امشي بسرعة يا خديجة قبل ماأكلم باباكِ وأقوله إنك رايحة تقابلي يحيي.
شهقت خديجة باستنكار مازح ابتسمت على إثره ريم فابتسمت خديجة بدورها قبل أن تقول:
_ماشي.. سلام يافتانة.
اتسعت ابتسامة ريم بينما تنطلق خديجة بسيارتها لتتجمد الابتسامة على ثغر ريم ثم تختفي وهي تتجه إلى المنزل بقلب مفطور وعيون تتجمع فيها الدموع من جديد، فكيف للمرء أن يعتاد الظلام بعد نور؟
رواية لا تشبهين احدا الفصل الرابع 4 - بقلم شاهنده سمير
استمعت إلى هاتفها الذي يردد رقم ماجد خطيبها.
أغمضت عينيها في حركة لا إرادية تبغي تجاهلاً في جوف ظلام تعيشه بالفعل.
لا تريد وهي في هذه الحالة أن تستمع إلى حوار لا فائدة ترجى منه، هكذا حواراتها الهاتفية مع ماجد، تدور كلها حوله وحول إنجازاته اليومية والتي أكبر إنجاز فيها أنه استطاع تحقيق الرقم القياسي في صد ضربات الجزاء بالنادي، أو كسب رهاناً مع صديقه استطاع فيه حبس أنفاسه تحت الماء لمدة أطول من كل رفقائه.
زفرت بقوة وهي تشعر بالملل الشديد بعد أن ألغت درس الموسيقى لهذا اليوم تأثراً بما حدث بالنادي صباحاً حيث تركت كلمات الرجل القاسية أثراً سيئاً في نفسها وأحدثت جرحاً مازال يقطر دماً.
فتحت عينيها حين تناهى إلى مسامعها صوت هاتفها يعلن عن اتصال جديد من رقم غريب.
كادت أن تتجاهله بدوره ولكنها وجدت في نفسها شعوراً قوياً يخبرها أن عليها الإجابة عليه ففعلت دون تردد.
تناهى إلى مسامعها صوت رجولي عميق النبرات يقول:
_ مساء الخير يا آنسة ريم.
_ مساء النور.. مين حضرتك؟
_ أنا جهاد الجرسون اللي...
قاطعته قائلة:
_ أيوه أيوه.. خير يا أستاذ جهاد؟
صمت من جانبه للحظة قبل أن يقول:
_ أنتِ بخير يا آنسة؟
هل أخبره صوتها بما تمر به الآن من سوء وألم أم أخبرته طريقتها الجافة في الحديث معه؟ هل جرحته؟ أكان يريد منها شيئاً؟ ربما مالاً أو دواءً لوالدته؟
شعرت بالذنب على الفور فأسرعت تقول:
_ أنا بخير الحمد لله.. مامتك كويسة؟ أجيب لها حاجة؟
تسللت نبراته الحانية إلى قلبها وهو يقول:
_ ماما بخير الحمد لله، الحقيقة أنا بكلمك مخصوص عشان أبلغك شكرها وامتنانها ليكي على اللي عملتيه معايا.
_ أنا معملتش حاجة.. الموضوع بسيط متكبرهوش.
_ بسيط بالنسبة لك لكنه كبير قوي بالنسبة لنا.. اللي زيك في الزمان ده بقوا قليلين قوي يا آنسة ريم.. تقريباً يتعدوا على الصوابع.
_ مش قليلين صدقني.. اللي زيي كتير، رسولنا الكريم قال الخير في أمتي ليوم الدين.
_ عليه أفضل الصلاة والسلام.
صمت للحظة أخرى قبل أن يقول:
_ آنسة ريم.
_ أفندم.
_ أنا لو طلبت أكون قريب منك، صديق يعني وقت ما تحتاجيه متتردديش في طلبه أكون بكده طمعت زيادة في كرمك.
_ إنك تعرض عليا صداقتك وخدماتك ده كرم منك أنت يا أستاذ جهاد.
_ آنسة ريم..
_ نعم..
_ ربنا خلق ما بينا ناس بيبقوا مصدر للسعادة والخير لكل اللي حواليهم، الناس دي مش بتشبه حد من البشر.. بيبقوا شبه الملائكة.. وأنتِ من الناس دول اللي ربنا بيحبهم، واللي بيحبه ربنا مفيش حاجة في الدنيا ممكن تسبب له حزن لإنه بيكون متأكد إن أي ابتلاء هو خير من عند ربنا.. عسر بعده يسر، ربنا عايز يقولك إن الدنيا مهما ضاقت بيك يا ابن آدم فأنا جنبك ومش هتخلي عنك أبداً مهما حصل.. فاهماني؟
_ فاهماك.
_ يبقى امسحي دموعك دلوقتي وانفضي عنك حزنك وبكرة لو حبيتي ممكن نتقابل قبل الشيفت بتاعي أو بعده ونتكلم أكتر.
مسحت دموعها لا إرادياً وهي تتعجب من إدراكه أنها تبكي رغم محاولتها المستميتة إخفاء ذلك.
لتقول بهدوء:
_ متشكرة قوي على عرضك الكريم ده بس الحقيقة أنا بكرة مشغولة ومش هقدر أقابلك.
أدرك محاولة تهربها منه فلم يضغط عليها قائلاً بهدوء:
_ مفيش مشكلة.. وقت ما تحتاجيني كلميني.. تصبحي على خير.
_ تلاقي الخير.
أغلقت الهاتف تشعر ببعض الندم على رفض عرضه وقد بدا طيب القلب يبغي رد معروفها دون إلحاح رغم أنها تشعر أنه التصرف السليم، فلا حاجة لها لتعقيدات جديدة بحياتها وقد بدا مهتماً بها حريصاً على راحة نفسها وقلبها على عكس خطيبها الذي لم يعاود الاتصال بها مجدداً وكأن الاتصال بها هو واجب يقوم به على مضض.
انتفضت على صوت رنين هاتفها يعلن عن رقم خطيبها.
في هذه المرة أجابت وياليتها ما فعلت فقد ضج رأسها بحديثه العقيم عن حفلة الليلة التي كان يحضرها وكم كانت رائعة وسؤال الجميع عنها ثم رغبته في اصطحابها المرة القادمة حتى لا يلومه أصدقائهم مجدداً.
اختتم المحادثة دون أن ينتبه لصوتها أو يشعر بحزنها لتعقد مقارنة على الفور بينه وبين النادل جهاد الذي أدرك مابها من أول كلمة.
لتتأكد أنها كانت محقة حين أغلقت الأبواب أمامه فربما أن تعمقت صلتها به وجدت نفسها تقارن بينه وبين ماجد مجدداً ليخسر الأخير دون شك.
***
كان يستمع بكل حواسه إلى هذه المعزوفة الجميلة التي تذكره بها، ليغمض عينيه ويرىها أمامه تمسك كمانها وتقف بشموخ مغمضة العين بدورها كلوحة فنية رائعة تخطف الأبصار.
يغمره دفق أنغامها بارتواء بعد عطش وكأنه يناجي السماء ونجوم الليل.
كم تمنى في هذه اللحظة لو كان إحدى نغماتها التي تبثها بعشق، أو طيفاً يلازمها فتبعث في روحه الدفء.
قد حُفرت أنغامها في قلبه وعقله وروحه فهدهدت كيانه الثائر ليظل وهج ألحانها وعذوبة روحها ورقة ملامحها، ملاذاً يلجأ إليه بعد يوم عصيب.
انتهت معزوفته ولكن صوت ألحانها المليئة بالشجن ظلت تدوي بأذنه وصورتها تسكن بمقلتيه تضمها أهدابه فلم يقو على فتح عينيه وإطلاق سراحها حتى يدوم السحر إلى أن يغرق في سبات عميق.
***
كان يقف في المصعد مع صديقه مؤنس، حين توقف بهما وصعد إليه رجل ألقى التحية على الأخير بود وطلب منه أن يبلغ سلامه لوالده.
قبل أن ينتبه لماجد ويلقي عليه تحية مهذبة ثم يدير لهما ظهره.
مال ماجد على صديقه يسأله عن الرجل فأخبره أنه صديق قريب لوالده.
ما إن خرجوا من المصعد حتى بادره ماجد قائلاً:
_ أستاذ مسعود، أنت مش فاكرني؟
قطب مؤنس حاجبيه بحيرة بينما يقول مسعود:
_ فاكرك طبعاً، خير يا أستاذ...
_ ماجد، الحقيقة الموقف اللي حصل معايا من الويتر اللي شغال عندكم في الكافيه لسه حارق دمي لحد دلوقتي وبصراحة أكتر غيرت رأيي وعايزه يتعاقب على تطاوله عليا.
_ أيوه بس....
تدخل مؤنس في هذه اللحظة يقول:
_ من فضلك ياعمي لو تقدر تحقق رغبة ماجد هبقى مبسوط قوي، مش معقول هتسمح لويتر حقير يتطاول على أسياده يشتغل في الكافيه عندكم ويضر بسمعتكم.. وكمان أنت متعرفش ماجد، ومتعرفش والده من عيلة مين وزعله ممكن يوصلنا كلنا لفين؟ واحنا برضه أكيد هنقدر خدمتك وهنقدم تعويض عن خسارة الكافيه لحد ما تلاقوا ويتر تاني بداله.
حين ذكر مؤنس المال لمعت عينا مسعود بطمع يعرفه ماجد جيداً ليبتسم وهو يشعر أنه على وشك الفوز حين قال مسعود:
_ طب تعالوا أوصلكم في طريقي عشان نتكلم في التفاصيل.
اتسعت ابتسامة ماجد ومسعود يتقدمهم ليميل على صديقه قائلاً:
_ شكراً ياصاحبي.
وكزه مؤنس بابتسامة قائلاً:
_ أي خدمة يا كبير بس متنساش تظبطني مع ميار.
_ اعتبرها تحت أمرك.
التمعت عينا مؤنس بينما يتبعان مسعود بابتسامة شيطانية اعتلت ثغرهما فرحاً بقرب تحقيق الأمنيات.
***
آه والله زي ما بقولك كده.
_ إيناس صاحبتي اللي بلغتني وقالتلي إن صاحب النادي طرده منه وحرمه من دخول النادي هو وأي فرد من عيلته.
_ معقول!
_ معجبوش ياستي اللي عمله معاكي وسمعه كلمتين إنما إيه في الجول، وبعدين طرده.. على فكرة اللي اسمه طاهر ده طلع فعلاً حكاية، فلوس وعلاقات مقولكيش.. إن صاحب النادي يطرده هو وعيلته دي حاجة مش سهلة أبداً لكن قصاد انعدام الأخلاق مترددش ثانية واحدة، النادي كله ملوش سيرة غير الموضوع ده أصلاً.
_ لسه الدنيا بخير زي ماقلت.
ذكرتها عبارتها بحديثها مع جهاد فوجدت نفسها تردد كلماته بعقلها.
ربنا خلق ما بينا ناس مش بتشبه حد من البشر
بيبقوا شبه الملائكة
أنتِ من الناس اللي ربنا بيحبهم
اللي بيحبه ربنا مفيش حاجة في الدنيا تضره أو تسبب له حزن
عايز يقولك إن الدنيا مهما ضاقت بيك يا ابن آدم فأنا جنبك ومش هتخلي عنك أبداً مهما حصل.
عادت من شرودها تستمع لصديقتها التي قالت بحماس:
_ الراجل ده بصراحة الكل بيتكلم عنه وعن أخلاقه وعن فعله الدايم للخير، ماشي على نهج والده الله يرحمه ووالدته المعروفين في المجتمع الراقي بأخلاقهم العالية وكرمهم الحاتمي.
_ مش قصدك جواد الجمال؟ أنا فعلاً سمعت عن والده كتير من بابا الله يرحمه وانه من الأوائل اللي رفضوا استيراد البن أو غشه وعشان كده اشتري أرض في البحيرة وقرر يزرع البن في مصر، ولأن بذور القهوة وأوراقها مبتحبش الشمس عمل حاجة اسمها الزراعة المظللة، يزرع البن يعني تحت شجر المانجا عشان توفر الضل للبن وفعلاً نجح وبدأت الناس تقلده، في توشكى وفي محافظة القليوبية كمان.
_ أهو ابنه بقي مكمل وراه، اتوسع في شغله وخلي اسم عيلته علامة تجارية للي عايز يشرب بن حقيقي مظبوط وبسعر بيضارب بيه كل الأسعار العالمية.. ده غير إن كافيهاتهم مالية البلد وكل واحد فيهم ماشي زي التاني بأعلى مستوى خدمة.. أنا سمعت إنه زارع في كل كافيه عيون ليه بتعرفه لو فيه أي تقصير ووقتها عقابه بيبقى عالمي.
_ ماجد دايماً ياخدني لكافيه من كافيهاتهم.. الحقيقة بشرب هناك فنجان قهوة مشربتهوش في أي مكان تاني.
_ اللي مزعلني إنهم بيقولوا إن الواد مز كده ولا ممثلين السينما ولسه عازب لحد دلوقتي.. مش عارفة أهله ساكتين عليه إزاي مع إنه وحيدهم؟ هي البنات راحت فين طيب؟ مفيش واحدة قادرة توقعه في حبها وتدخله عش الزوجية.. طب يقولولي بس وأنا أتصرف.
ابتسمت ريم قائلة:
_ وإحنا مالنا يا ديجا؟ وبعدين ماتركزي شوية مع يحيي ولا ناوية تغيري؟
اتسعت عيناها باستنكار قائلة:
_ أغير إيه بس؟ ده يحيي اللي في الحتة الشمال.. ساكن ومقيم كمان.. أنا بس نفسي أخدم لو مش لاقي عروسة أجيبله.
اتسعت ابتسامة ريم وهي تهز رأسها في يأس.
***
أصبحت الآن أدرك سر تجنبي الحضور إلى هذا المكان.
أخشى اقتراباً منه يعلقني بروح طيبة توسمتها فيه.
بات اللقاء بشخص كهذا يرعبني وكيف لا أرعب ولم أعد حرة لأكون مع صديق قد يتسلل لقلبي دون إرادة مني؟
لا تنكر أيها القلب ولا تستبعد مخاوفي فلم تره سوى مرة واحدة ولم تتحدث إليه سوى مرتين وها أنت من وقتها ولا يمر يوم دون أن تردد كلماته وتستعيد الحنان والاهتمام بصوته.
تقارن بينه وبين هذا الجالس جوارك فيخسر الأخير وتنتابك الحسرة.
حتى أنك تتساءل عن مكانه الآن وهل يراك؟ أتراه قريباً؟ إذا ما الذي يؤخره؟
أفاقت من أفكارها على صوت ماجد الذي أغلق هذه المحادثة التي كان يجريها وهو يقول بحماس:
_ أهم جايين ياستي، قلتلك هايدي متقدرش ترفضلي طلب.. هنقعد شوية ونقوم نروح النادي نكمل قعدتنا.
_ مش هقدر ياماجد أنا ورايا تدريب.....
قاطعها قائلاً بحنق:
_ تدريب إيه بس اللي يخليكي تفوتي فرصة زي دي؟ أنا مش عارف فايدته إيه التدريب مادام في الآخر مش هتعزفي؟ فلوس بتترمى في الأرض وخلاص وبعدين أنتِ لازم تشوفيني وأنا بكسب أصحابنا كلهم في لعبة الكريكيت.
_ أنا مبشوفش ياماجد.
قالتها بسخرية مريرة جعلت ماجد يقول بسرعة:
_ أنا آسف ياريم أكيد مقصدش.
_ ولا يهمك.
تأمل ماجد المكان قائلاً:
_ تعرفي أحلى حاجة النهاردة في المكان ده إيه؟ إن الجرسون المستفز ده مش موجود.
انتبهت لكلماته تعقد حاجبيها متسائلة عن سر غيابه، كانت تتوقع أن يحمل لها هذا الخبر ارتياحاً ولكنه على العكس جعلها تتوجس خيفة من إجابة سؤالها حين أردف ماجد بنبرات متشفية وهو يقول:
_ إمبارح قابلت مدير المكان، طلع جار مؤنس صاحبي وصديق والده.. عرضت عليه مبلغ عشان يطرد الجرسون ووافق.. عشان تعرفي بس إن محدش ممكن يقف قصادي من غير ما ياخد جزاؤه وإني دايماً بكسب في الآخر.
_ وتفتكر لما قطعت عيش الغلبان ده وخليته دلوقتي بيدور على شغل عشان يقدر يجيب أكل وعلاج لوالدته تبقي كسبت؟ أكيد خسرت وخسرت كتير كمان.
قال ماجد بضجر:
_ وأنا مالي ومال قصصه دي، ياستي غلبان زي مابتقولي كان مشي جنب الحيط وموقفش قدام أسياده، على فكرة ياريم أنتِ قلبك رهيف قوي وعشان كده الناس بتعرف تستغلك.. الحمد لله إن عندي موجود دلوقتي في حياتك عشان أوقف كل واحد عند حده وأحميكي من النصابين دول.
همست بحنق:
_ احمي نفسك الأول.
أشار للنادل قائلاً:
_ بتقولي حاجة؟
نهضت تقول بعصبية:
_ بقول إني لازم أقوم أمشي عشان اتأخرت عن التدريب بتاعي اللي انت شايفه ملوش لازمة لكن أنا شايفاه مهم جداً في حياتي، ابقي سلملي بقى على هايدي وشيري وقولهم كان نفسها تكون معاكم بس قلبها رهيف ومش هتستحمل تشوفني خسران قدام الكل.
_ أنا مبخسرش أبداً.
_ النهاردة هتخسر.. سلام ياماجد.
ابتعدت يتابعه بعيون متسعة من الصدمة قبل أن يقول بحنق:
_ بتقولي إني هخسر في وشي، ريم الظاهر اتجننت.. مش عارف اتعصبت عليا كدة ليه؟ كل ده عشان كنت السبب في طرد الجرسون؟ وإيه يعني؟ ماقلتلها هو اللي وقف قصادي وكان لازم أعلمه الأدب.. مثاليتها دي تخنق والله.. لولا فلوسها وزن خالتي كنت كبرت منها خالص واتجوزت هايدي أو حتى شيري الاتنين فرافيش كده وحلوين.. مش خنيقة زي ناس.. والله ما أنا عارف شايفة نفسها على إيه، أمال لو مكنتش عمية؟
_ بتقول حاجة يابيه؟
_ وانت مين انت كمان؟
_ أنا الجرسون.. حضرتك شاورتلي.
_ آه.. طب روح هاتلي قهوة مظبوط بسرعة، عايز خدمة فوق المستوى.. أنا مش هستنى حضراتكم اليوم بطوله عشان تجيبولي القهوة.. مفهوم؟
هز النادل رأسه قائلاً:
_ تحت أمرك يافندم.
وما إن ابتعد قليلاً حتى قال الجرسون حانقاً:
_ والله لو عليا هجيبلك قهوة فيها ملح ولا سم هاري، مش كفاية قطعت عيش الراجل السكرة اللي ملحقش يتهني بالوظيفة، كمان بتكلمني وكأني بشتغل عندك.. صحيح تيوس معاها فلوس.
رواية لا تشبهين احدا الفصل الخامس 5 - بقلم شاهنده سمير
قدر يسحبها تجاهه.
أمسكت هاتفها للمرة التي لا تدري عددها، تبغي اتصالاً ترغبه وتخشاه في نفس الوقت. تركت هاتفها تزفر بحنق. قلبها مشغول عليه، تتساءل كيف حاله الآن وكيف حال والدته؟ هل وجد عملاً آخر أم مازال يبحث؟ أكان لزاماً على ماجد أن يتسبب في طرد هذا المسكين؟ هل كانت السبب حقاً في طرده؟
ترغب في الاطمئنان عليه، وفي نفس الوقت تخشى اقتراباً يحمل العديد من العلامات الحمراء. ولكن هل ستقف هذه العلامات أمام قلب رحيم كقلبها، لا يتخيل مجرد التفكير في أن هناك سيدة الآن ينتابها الألم ولا تجد العلاج؟ هل ستدير ظهرها عنه لمجرد أنها تخشى ما شعرت به تجاهه حين تحدث معها على الهاتف؟ هل هي ضعيفة إلى الحد الذي لا تستطيع عنده التحكم في مشاعرها وتحجيمها؟
لقد نهضت من كل عثرة بقوة أرادتها، قاومت مخاوفها وعادت لحياتها وهوايتها رغم كل التحديات والصعوبات. لذا لا يجب أن تدع شيئاً، كخوفها التعلق بروح جهاد الطيبة وقلبه الحنون، يقف في طريق الخير الذي انتهجته دوماً. لذا حسمت قرارها وأمسكت هاتفها تبحث صوتياً عن اسمه، تتصل به بسرعة قبل أن تغير رأيها.
رن هاتفه، فارتفعت وتيرة خفقاتها، خاصة حين أجاب على الفور قائلاً بصوت بدت اللهفة في نبراته:
"ريم.. قصدي آنسة ريم.. أنا مش مصدق نفسي."
قالت بارتباك:
"إزيك يا أستاذ جهاد.. أنا آسفة لو باتصل بيك في وقت متأخر."
قاطعها قائلاً:
"انتِ تتصلي في أي وقت."
صمتت للحظة، قبل أن تتمالك نفسها مجدداً بعد أن أربكتها كلماته، تقول بهدوء:
"الحقيقة أنا عرفت إنك اتطردت ظلم وإني كنت السبب في رفدك."
"انتِ السبب؟! إزاي؟ قصدك إيه؟"
"قصدي يعني إن ماجد خطيبي هو اللي كلم المدير عشان يرفدك بعد الموقف الأخير وخناقتك معاه."
"آه بقي هي الحكاية كدة؟ وأنا اللي استغربت قراره الغريب ده رغم إني كنت شغال كويس وتقييمي كان مرتفع. للأسف الدنيا دي بقت ماشية بالواسطة واللي ليه سند محدش بيدوس عليه."
"السند هو ربنا يا أستاذ جهاد. لما البني آدم بيبقى كويس وربنا راضي عنه مبيضرروش. بيبقى له في كل ابتلاء حكمة يمكن إحنا مبنشوفهاش. أكيد شغلك في المكان ده مكنش خير ليك.. وحكمة ربنا إنك تكون في مكان أحسن."
"وفين المكان اللي ممكن يقبل بواحد زيي معندوش خبرة ولا ليه قرايب في مناصب مهمة؟"
"انت خريج إيه؟"
"تجارة وإدارة أعمال وبتقدير امتياز كمان."
"ما شاء الله، وليه متعينتش معيد؟"
"قلتلك ماليش واسطة."
"وأنا قلتلك واسطتك ربنا. هو اللي ممكن يسخر لك اللي يساعدك يا أستاذ جهاد. أنا ليا صديقة عمها عنده شركة استيراد وتصدير، هخليها تكلمه وأكيد هتشتغل بإذن الله. أعتقد شغلك بمؤهلك أفضل كتير من شغلك في الكافيه، ولا إيه رأيك؟"
صمت من جانبه جعلها تعض بأسنانها طرف شفتها السفلي خشية أن تكون جرحت كبرياءه وأهانته دون قصد، لتقول باضطراب وقلق:
"أستاذ جهاد أنا...."
قاطعها قائلاً:
"انتِ مفيش زيك يا آنسة ريم. واحدة غيرك مكنتش اتأثرت باللي حصل ليا ولا فكرت فيه أو قلقت وحبت تساعد واحد زيي."
"قلتلك اللي زيي كتير يا أستاذ جهاد. وبعدين تفتكر هعرف إن والدتك معتمدة عليك ومفكرتش فيها وفي علاجها.. هي صحيح مالها؟ أنا ممكن أدخلها المستشفى تتعالج على حسابي."
"والدتي مستحيل تقبل حاجة زي دي. عموماً حالتها مش مستدعية دخولها المستشفى، بالراحة وبالعلاج بتبقى تمام. أنا هبلغها سلامك وسؤالك عنها. صدقيني ده أكتر من كفاية عشان يسعدها."
"تمام.. هتصل بيك بكرة عشان تروح الشركة وتقابل آنكل رأفت."
"هستنى اتصالك."
"أستاذ جهاد."
"نعم."
هل شعرت بأن حروف الكلمة تضخ في قلبها حناناً تشبع به الأخير، حتى أن خفقاتها باتت دافئة كصوته. نفضت مشاعرها وهي تقول:
"مش محتاج أي حاجة؟"
"لو قصدك فلوس فمستورة الحمد لله. أما بسؤالك واهتمامك جبرت خاطري وأسعدتيني، هحتاج إيه تاني؟"
وكأني أقرأ مشاعري بين كلماتك التي تمنحني شعوراً جديداً نتج عن مزيج من الاهتمام والحنان افتقدتهما منذ وفاة والدي، فعادا إلي مع دخولك لحياتي. تُرى هل أدع قلبي يهنأ بما يشعر أم أحذره للمرة الألف من مغبة الاعتياد ثم الغياب ولوعة الفراق؟
أفاقت من أفكارها على صوته يناديها باسمها، فقالت باضطراب:
"أنا مضطرة أقفل دلوقتي.. تصبح على خير."
"تلاقي الخير."
أغلقت الهاتف وهي تغمض عينيها، ليس تجاهلاً في جوف ظلام تسكنه ككل مرة، ولكن رغبة منها في استرجاع كل كلمة وحرف دارا بمحادثتها معه. تسترجع كل المشاعر التي أحست بها. لم تشعر قط بالراحة والاطمئنان مع أحد كما تشعر بهما حين تتحدث معه. تتمنى لو طال الحديث وطالت تلك الأحاسيس، ولكن دوام الحال هنا محال، والاقتراب لهيب لا ترغب بِلظاه.
***
"أنا مش عارف أشكرك إزاي على وجودك جنبي النهاردة ياريم."
"متشكرنيش.. دي حاجة بسيطة. وبعدين أنا مشفتش آنكل رأفت من زمان وكنت عايزة أجيله وأسلم عليه."
"مش هنسى معروفك ده أبداً."
"متكبرش المواضيع، أهم حاجة تقدر توازن بين شغلك وطنط حورية. صحيح أخبارها إيه دلوقتي؟"
"الحمد لله، والله بتحبك قوي ياريم ودايماً بتدعيلك. حاسبي..."
سحبها بسرعة قبل أن ترتطم بالمقعد، فوقعت في حضنه. تسارعت خفقاتها بجنون كتسارع خفقاته تحت يدها. تسللت إليها رائحته فتغلغلت بكيانها وأسكرتها، تغرقها في محيط لا قرار له، يصدمها شعورها بالرضا وكأن صدره موطنها الحقيقي الذي اشتاقت ليضمها ويبقيها بين أمان ذراعيه.
أبعدها برفق قائلاً بحرج:
"آسف بس كنتِ هتتخبطي."
أجلت صوتها تقول:
"ولا يهمك."
حاول تهدئة خفقاته التي تطالبه بأن يمنحها دفء وجود ريم بين ذراعيه مجدداً، بأن قال بارتباك:
"إيه رأيك نروح نتغدى سوا؟ أنا جوعت قوي وفيه مكان قريب بيقدم فيه سمك إنما إيه يجنن."
هل من الحكمة أن ترضخ لرغبته وتقضي معه بعض الوقت بعدما حدث؟ هل هي على استعداد للمجازفة بمشاعرها التي يثيرها وجوده حدها؟ يطالبها قلبها أن تفعل، بينما يحذرها عقلها من المجازفة. لترضخ في هذه اللحظة لقلبها. حين لعب جهاد على أوتاره يتوسل إليها قائلاً:
"من فضلك مترفضيش. أنا مبحبش آكل لوحدي وللأسف والدتي بتاكل وجبة واحدة في اليوم وأنا مليش أصحاب غيرها."
لتهز رأسها موافقة، فالتمعت عيناه بسعادة لقبولها دعوته. كاد أن يضمها مجدداً ولكنه امتنع في اللحظة الأخيرة، فلا يريد في هذه اللحظة أن يعلن عن مشاعره فيربكها أو يخسرها.
***
"ريم.. إلحقيني ياريم."
"مالك يا خديجة؟ فيكي إيه؟"
"بابا.. قدري ونصيبي اللي مصمم يعنسني ويسيبني جنبه."
"اهدي بس وفهميني، يعنسك إزاي بس؟ هو مش يحيي جه يتقدملك؟"
"ياريته ما جه."
"ليه بس يابنتي؟ ماتنطقي علطول طلعتي عيني."
"بابا ياستي مخلاش حاجة تعجزه ومطلبهاش. مهر شبكة عفش ومن أغلى محلات في البلد، خطوبة وفرح في أرقى نوادي اسكندرية، تقريباً كدة طفشه بالتعجيز. يحيي ياقلبي مستحملش ومشي. وأنا من ساعتها مبطلتش بكا ولقيت ماما من شوية بتقولي إنه نبه عليها متخرجش الفترة الجاية دي، طبعاً عشان مقابلوش، يعني لا ارتبط بيه ولا هشوفه تاني. شفتي بابا عامل فيا إيه؟"
"اهدي بس واسمعيني، هتتجوزي يحيي يعني هتتجوزي يحيي."
"إزاي بس يافالحة؟"
"سيبيها عليا.. ساعة بالكتير وهكون عندك."
"مستنياكِ.. متتأخريش عليا ياريم.. أنا بنهاااار صدقيني."
"مش هتأخر ياحبيبتي، سلام مؤقت."
"سلام."
أغلقت ريم الهاتف تقطب جبينها للحظات، قبل أن تنفرج أساريرها وهي تنهض لتبدل ملابسها وتغادر الحجرة بسرعة.
***
طرقت ريم الباب قبل أن تدلف إلى الحجرة. ما إن رأتها خديجة حتى أزاحت عنها غطاء سريرها وأسرعت إليها تقول بحسرة:
"شفتي ياريم.. شفتي بابا وعمايله.. مش قلت لك قلبي مش مطمن، زي ماقلتلك قاصد يفركش الجوازة، طب والله لو فركشها ماهتجوز أبداً مهما عمل."
ابتسمت ريم تقول بمزاح:
"مش هتجوز أبداً مهما عمل، طب وجواد الجمال؟ مش كانت عينك منه؟"
قالت خديجة باستنكار:
"انتِ بتهزري ياريم؟ وده وقته يعني؟"
"طب اهدي بس واسمعيني.. يابنتي جبتلك الحل في إيدي وأنا جاية."
قطبت خديجة جبينها قائلة:
"حل إيه ده؟ انتِ تقصدي إيه ياريم؟ اتكلمي بسرعة."
"عمك محمود."
"ماله؟"
"روحت وكلمته وفهمته الموضوع كله. وطبعاً انتِ عارفة عمك.. إنسان متدين وميرضوش أبداً التجبر. ده غير إنه عمره ما بص للأمور المادية دي في جوازات بناته. كمان يبقى أخو والدك الكبير وليه كلمة عليه. أكيد هيكون الحل في إيديه ولا إيه؟ هو دلوقت قاعد مع باباكي وبيتكلم معاه.. إيه رأيك بقي؟"
"إزاي مفكرتش قبل كدة في عمي؟ فعلاً محدش هيقدر يقنعه غيره."
لتحتضن ريم قائلة بسعادة:
"أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه ياريم؟ ربنا مايحرمني منك أبداً."
ربتت ريم على ظهرها قائلة بحنان:
"ولا يحرمني منك ياقلبي."
طرقات على الباب جعلتهما ينفصمان ويطالعان زائرهما ترقباً، فأطلت والدة خديجة تقول ببشر:
"مبارك ياديجا، باباكي وافق على يحيي بكل ظروفه، وكل شروطه اتنازل عنها ماعدا شرط واحد."
قطبت الفتاتان جبينهما لتقول خديجة متوجسة:
"شرط إيه ده؟"
"الشبكة.. صمم عليها ورفض يتنازل عنها رغم محاولات عمك كلها معاه لإقناعه. استني كدة، ده باباكي بيندهلي هروح أشوف عايز إيه وأرجع لكم تاني."
ما إن أغلقت الباب حتى قالت خديجة بيأس:
"المنحوس منحوس.. يحيي بس هيجيب منين شبكة بالمبلغ اللي بابا قال عليه ده.. يووووه بقي.. وأنا اللي قلت خلاص فُرجت أهي اتعقدت تاني."
قالت ريم ببساطة:
"هي فُرجت فعلاً والحل المرة دي في إيدك ياديجا."
قطبت خديجة جبينها قائلة:
"في إيدي أنا.. إزاي بس؟"
ابتسمت ريم وهي تمد يدها تسحب بها يد خديجة وترفعها أمامها، فالتمعت عينا خديجة وهي تفهم مغزى حديث ريم، لينفرج ثغرها عن ابتسامة اتسعت لتشمل وجهها بأكمله، فاتسعت ابتسامة ريم بدورها تشارك صديقتها سعادتها لقرب تحقيق حلمها الكبير والزواج من حبيب قلبها.
***
كانت تدلف إلى المنزل تتقدم باتجاه حجرتها، حين تفاجأت بباب حجرة يفتح ثم صوت سندس تقول بسخرية:
"لسة بدري ياريم."
تفاجأت ريم بلهجتها الساخرة لتقول باضطراب:
"أنا آسفة لو صحيتك...."
قاطعتها قائلة بغضب:
"ومين قالك إني نمت أصلاً، أنام إزاي والهانم خارجة من غير إذن؟ لأ وكمان مرجعتش البيت لحد دلوقتي."
قطبت ريم جبينها تقول:
"أنا جيت لحضرتك عشان أقولك بس انتِ كنتِ بتتكلمي في التليفون فسيبتلك رسالة...."
"محصلش، أنا مسمعتش أي رسالة ومش عارفة ليه بتكذبي؟"
لقد محتها كي تستطيع تقريعها قليلاً، فهذه الفتاة لا تخطئ بشكل يثير أعصاب سندس وحفيظتها. تنتظر لها خطأً واحداً كي تمسكه عليها، وحتى الآن لا يبدو أنها ستفعل، لذا فقد سنحت لها الفرصة وستتمسك بها.
"أنا عمري ماكدبت ولا عمري هكدب، بابا الله يرحمه رباني على كدة. أنا لو بكدب كنت كدبت لما سألتيني ليه اتبرعتي بمبلغ كبير لملجأ الأيتام بعد وفاة بابا، كان ممكن وقتها أقولك إن دي وصية بابا ومكنتيش هتزعلي مني، لكني قلتلك الحقيقة وإني دي كانت رغبتي أنا مع إني عارفة إنك هتزعلي وتخاصميني زي ماعملتي."
لم تجد مناص من أن تبحث عن سبب آخر لتقريعها، وقد استطاعت ريم أن تثبت حجتها وأنها لم تكن قط كاذبة، لذا قالت بعناد:
"جايز الرسالة موصلتليش بس كان ممكن تكلمي خطيبك وتستأذنيه."
"كلمته ومردش كالعادة، على الأغلب نايم أو مع أصحابه ومسمعش اتصالي."
تباً لهذا الماجد، يجعل كل محاولاتها لتقريب الفتاة منه تبوء بالفشل لإهماله إياها بهذا الشكل الواضح. عليها أن تشد أذنيه في المرة القادمة وإلا لن ينال منها مليم آخر.
"طيب ممكن أعرف كنتِ فين لحد دلوقت؟ انتِ ناسية إننا اتنين ولايا عايشين لوحدنا وكلام الناس مبيرحمش."
"لأ مش ناسية.. بس دي ظروف، خديجة كانت محتاجاني وكان لازم أروحلها وأفضل معاها لحد ما أطمن عليها."
"يادي خديجة اللي طالعالنا في البخت دي."
"بتقولي حاجة؟"
"لأ مبقولش بس دي آخر مرة تخرجي قبل ما أسمحلك وآخر مرة تتأخري، أنا مش ناقصة قلق. ما انتِ لازم تفهمي إن وضعك دلوقتي مش طبيعي وممكن لاقدر الله حد يأذيكي وانتِ أمانة صادق عندي ولازم أحافظ على أمانته لحد ما تروحي بيت جوزك. مفهوم؟"
زادت غصة حلقها وألم قلبها من لهجتها القاسية بعض الشيء والتي أشارت لعجزها وأوضحت لها أنها ليست سوى حمل ثقيل أو أمانة كما أرادت سندس تزيين وضعها، تتوق للخلاص منها. لتهز رأسها تحبس دموعها بمقلتيها قبل أن تقول بصوت متحشرج:
"مفهوم.. عن إذنك.. محتاجة أرتاح."
"اتفضلي."
تقدمت ريم باتجاه حجرتها وما إن أغلقتها عليها حتى تركت لدموعها الحرية للتعبير عن حزنها وألمها في هذه اللحظة.
***
كانت تُعدل من وضع أوتار كمانها بعصبية بعد أن تشاجرت مع زوجة أبيها. رن هاتفها برقم جهاد الذي حفظته عن ظهر قلب. كادت أن تتجاهله ولكنها وجدت أناملها تبحث عن الهاتف وتجيب الاتصال دون إرادة منها. وصلها صوته الملهوف وهو يقول:
"ألو.. آنسة ريم."
"إزيك يا أستاذ جهاد."
"بخير طول ما انتِ بخير.. أخبارك إيه؟ انتِ كويسة."
قطبت جبينها. يشعر بها هذا الرجل الغريب وكأنه أقرب إليها من أهلها. هزت رأسها بآلية، ثم اكتشفت أنه لا يراها، فقالت بهدوء:
"أنا بخير."
"مش باين صوتك متغير وكأن فيه حاجة مضايقاكي."
"متشغلش بالك انت.. المهم أخبارك إيه وأخبار والدتك؟ ياريت تكون بخير."
"مصممة برضه تخبي عني، عموماً براحتك ياست الكل، في يوم أكيد هتطلبيني وتحكيلي عن كل مشاكلك وتسأليني كمان عن رأيي."
ابتسمت رغماً عنها لمرحه تقول:
"واثق في نفسك قوي بس خد بالك لتوصل بثقتك للغرور."
"أنا واثق في نفسي أيوة بس عمر الثقة ماهتوصل بيا للغرور لإني عارف نفسي ومكانتي ووضعي وحدودي."
"أنا آسفة مقصدتش...."
قاطعها قائلاً:
"عارف.. سيبك مني دلوقتي. وبمناسبة سؤالك عن الست الوالدة فحابب أقولك إنها نفسها تشوفك وتشكرك على الوظيفة اللي شغلتيني فيها وعلي كل حاجة عملتيها عشاني."
"تشوفني وتشكرني؟ أنا معملتش حاجة تستاهل الشكر."
"إزاي بقي، ده انتِ عملتي معايا اللي محدش في الدنيا عمله قبل كدة. عموماً بقي حلم بالنسبة لماما تشرفي بيتنا المتواضع عشان تتعرفي عليكي."
"أيوة بس...."
صمتت لا تدري بما تجيبه وهي تشعر بأن زيارتها لوالدته إن قامت بها ستقربها أكثر منه وهي لا تبغي قرباً كهذا يضعف قلبها أمامه. ألا يكفيها شخصيته الجذابة ومرحه وقلبه الطيب الذي يفيض حناناً واهتماماً؟
"لو بيتنا مش قد المقام أو هنزعجك...."
الانكسار بصوته جعلها تقول على الفور:
"لأ طبعاً.. بيت إيه اللي مش قد المقام، البيت بسكانه يا جهاد. بلغ والدتك إنه يشرفني أزورها.. حدد اليوم بس وأنا..."
قاطعها قائلاً بلهفة:
"بكرة.. هنستناكي بكرة."
"بكرة كدة علطول."
"خير البر عاجله."
كادت أن تؤجل هذه الزيارة ولكنها لحيرتها وجدت نفسها تقول باستسلام:
"يبقي هنتقابل بكرة."
"تحبي آجي آخدك منين؟"
"فيه شاطئ جنب بيتي في العجمي هبعتلك عنوانه....."
قاطعها قائلاً:
"عارفه.. هستناكي فيه الساعة ٥. تصبحي على خير يا آنسة ريم."
"تلاقي الخير."
أغلقت الهاتف وهي تقطب جبينها متسائلة.. كيف عرف عنوانها؟ لتترك إجابة سؤالها للغد، تستسلم مجدداً لقدرها الذي يسحبها بقوة تجاه هذا الغريب عن حياتها ولكنه صار أقرب ما يكون لقلبها. تشعر معه براحة غريبة لا تشعر بها مع أحد عدا صديقتها خديجة. ولن تتساءل الآن عن السبب، فقلبها يخبرها أنها تعرفه جيداً، ولكنها ستتجاهله متعمدة لتحظى بمزيد من هذا الشعور دون أن تفكر بنتائج الاعتياد عليه.
رواية لا تشبهين احدا الفصل السادس 6 - بقلم شاهنده سمير
طرقت الباب ثم دلفت دون أن تنتظر الإذن.
وجدت يحيي جالساً خلف مكتبه، يبدو الحزن على ملامحه.
وما إن رآها حتى انفرجت أساريره ونهض يستقبلها قائلاً:
_ خديجة، إيه المفاجأة الحلوة دي؟
ابتسمت قائلة:
_ إيه رأيك يا سيدي؟ قلت آجي أتفرج على مكتبك اللي مشفتهوش ولا مرة. رغم إننا بنحب بعض من 3 سنين، مش عيب يا باشمهندس متعزمنيش ولو مرة وتقولي أجيلك عشان أتفرج عليه.
شاب ابتسامته بعض الحزن وهو يقول:
_ المكتب لسه صغير ومش قد...
قاطعته تمسك يده قائلة بحزم:
_ المكان مش بمساحته ولا تأثيثه يا يحيي، المكان بالناس اللي فيه. ووجودك في المكان ده خلاه في عيني أحلى الأماكن.
رقت عيناه وهو يقول:
_ على طول بتغلبيني بكلامك الحلو يا خديجة وترفعي من روحي المعنوية رغم كل الإحباط اللي في حياتي.
تركت يده قائلة بمرح:
_ أومال يا باشا، ده أنا ديجا منبع الطاقة الإيجابية كلها. بس استنى هنا، متوهنيش. قولي كان مالك أول ما جيت؟ شايل طاجن ستك فوق راسك ليه يا باشمهندس؟
اتسعت عينا يحيي بدهشة قبل أن ينفجر ضاحكاً وهو يقول:
_ اسمها طاجن ستك. بقولك إيه يا ديجا، سيبك من الأمثال الشعبية خالص عشان لما بتقولي مثل بتبوظيه.
_ مش مهم، المهم إني بوصل لمعناه وهو المطلوب إثباته. وبرضه مُصر تتوهني وأنا عايزة أعرف مالك يا كابتن؟
طالعها بعتاب قائلاً:
_ يعني مش عارفة مالي؟
ابتسمت قائلة:
_ لأ مش عارفة مالك يا سيدي. نورني؟
قطب جبينه قائلاً:
_ هو انتِ مش كنتِ معانا برضه لما والدك فشل الجوازة ولا أنا بتهيألي؟ خديجة.. أوعي تكوني جاية تقوليلي خلينا أصحاب والكلام اللي بيقولوه لما بيتفارقوا ده.. أوعي تكوني خلاص بتنهي كل اللي بينا لإني وقتها بجد هموت من القهر والوجع.
أمسكت يديه بين يديها قائلة:
_ بعيد الشر عنك يا قلب ديجا وعمرها كله. انت فاكرني جاية أنهي اللي بينا.. أنهي إيه بس؟ ده أنا ما صدقت لقيتك ومستحيل أتخلى عنك مهما حصل. أنا جاية أبشرك.
_ تبشريني؟!
_ بابا اتنازل عن كل شروطه وقبل نتجوز بوضعنا وظروفنا. بس اتمسك بشرط واحد من بين كل الشروط اللي قالها.
بعد أن انفرجت أسارير يحيي إثر كلماتها التي بثت السعادة في قلبه، قطب جبينه بعد سماع جملتها الأخيرة قائلاً:
_ شرط إيه ده؟
_ الشبكة.
اتسعت عينا يحيي لينفض يده من يدها قائلاً باستنكار:
_ ده كان أصعب شرط فيهم. أجيب منين شبكة بخمسين ألف جنيه؟ ده مصمم يعجزني بقي ويفرق مابينا. لأ وانتِ جاية تبشريني.. تبشريني بإيه؟ ماهي هي يا خديجة.
ابتسمت قائلة:
_ لأ يا قلب خديجة، مش هي هي. ديجا لما تقول جاية تبشرك بالفرج وقرب جوازنا يبقى أكيد مبهزرش. الشبكة جاهزة وتحت أمرك من دلوقتي.
قطب جبينه قائلاً:
_ قصدك إيه؟
أخرجت من حقيبتها علبة مجوهرات وفتحتها أمامه ليظهر طقم ذهبي مرصع بالفصوص، يبدو من مظهره أنه غالي الثمن. لينقل يحيي بصره بين الطقم الذهبي وبين خديجة يطالبها بتفسير، فأردفت قائلة:
_ بعت دهبي وجبت الطقم ده. بابا مش هياخد باله أساساً وطبعاً هيوافق لما يشوف الطقم قدامه. وبكدة أبقى حليت مشكلتنا ونقدر نتجوز في أسرع وقت. إيه رأيك بقي؟
تأملها بحب قائلاً:
_ انتِ عملتي كل ده علشاني؟
_ علشانا.. عشان نكون مع بعض. ماهو مش ممكن هاسمّح لحاجة بسيطة زي دي تقف قدام وجودنا مع بعض. وبعدين أنا عملت إيه يعني؟ بعت دهبي وجبت مكانه دهب هيبقي بتاعي برضه.
_ انتِ شايفاها حاجة بسيطة وهي كبيرة قوي بالنسبة لي. واحدة في جمالك وحسبك ونسبك تقدر تكون مع واحد أحسن مني بكتير، يقدر يقدملك كل حاجة ويحقق لك كل أحلامك. لكنك صممتي تكوني معايا ورفضتي تتخلي عني رغم ظروفي الملخبطة وكمان بتتنازلي عن كل حقوقك وبتسهلي الطريق قدامي. تفتكري بعد ده كله أنا ممكن أعملك إيه؟
_ حِبني يا يحيي، على قد ما تقدر حِبني. على قد ما بحبك حِبني. خبيني جوة قلبك واقفل عليا بابه ومتخرجنيش منه غير لقبري.
ضمها قائلاً بلهفة:
_ بعيد الشر عنك يا حبيبتي.
خرجت من حضنه على الفور تقول بارتباك:
_ حيلك حيلك. إحنا لسه مكتبناش الكتاب يا باشمهندس.
قال بخجل:
_ سامحيني يا خديجة، غصب عني. وقت ما جبتي سيرة الموت مفكرتش. كل اللي جه في بالي إنّي أضمك وأحميكي جوة حضني من كل أذى.
ربتت على يده قائلة بحنان:
_ ولا يهمك. أنا مقدرة مشاعرك وعشان كده مش هعاتبك. أنا همشي دلوقتي عشان اتأخرت وهستناك النهاردة بالليل تيجي لبابا وتتكلم معاه عشان تحددوا ميعاد كتب الكتاب والفرح. هستناه ينده لي عشان تلبسني الشبكة بعد ما يقولي إيه رأيك يا ديجا وأنا أعمل مكسوفة وأهز راسي وأقول اللي تشوفه يا بابا.
ابتسم قائلاً:
_ هستنى اللحظة دي بفارغ الصبر.
ابتسمت قبل أن تقول:
_ أشوفك بخير يا يحيي.
_ أشوفك بخير يا قلب يحيي.
لوحت له قبل أن تغادر وتغلق الباب خلفها، بينما أطبق بيده على علبة المجوهرات... بقوة.
***
أمسكه من ياقة قميصه يقول بتهديد:
_ انت عارف أنا مين، مش كده؟ يعني عارف إني أقدر أجيبك لو انت تحت سابع أرض وعارف برضه هعمل فيك إيه؟
قال ماجد بوجل وهو يبعد يد الرجل عن ملابسه قائلاً باضطراب:
_ وليه بس ده كله يا مراد؟ أنا عملت إيه عشان تزعل مني بالشكل ده؟
طالعه مراد بحنق قائلاً:
_ مش عارف عملت إيه؟ أقولك يا فالح، مجيتش زي ما قلتلي من أسبوع وجيبتلي الفلوس. مش اتفاقنا كان إنك تجيلي يوم التلات بالليل في الكازينو عشان تدفعلي الفلوس اللي خسرتها في اللعب؟ مشوفتش وشك ليه؟ ومبتردش على اتصالاتي ليه؟ بتتهرب يا حيلتها.
أسرع يقول:
_ أبداً والله. انت بس مش عارف ظروفي...
قاطعه قائلاً:
_ ولا ظروف ولا جوابات. تجيبلي الفلوس حالاً تبقى صاحبي. مجبتهمش هنده رجالتى يروقوك وبرضه هتدفع الفلوس.
_ استنى بس يا مراد واسمعني، خالتي كانت تعبانة ومكنتش عارف أفااتحها في الموضوع...
_ بلا خالتك بلا زفت. هتجيب الفلوس ولا......
قاطع كلماته هذه الصورة المؤطرة والموضوعة على الكومود جوار الأريكة ليقول بعيون اشتعلت إعجاباً:
_ مين دي؟ متقولش إنها خطيبتك.
طالع ماجد الصورة التي جعلته خالته يضعها حين كانت تزوره مع ريم ليبرهن للأخيرة مدى تعلقه بها، والتي نسي بعد ذلك أن يضعها جانباً. هز رأسه إيجاباً. فتقدم مراد بضع خطوات وأمسك الصورة يتأمل ملامحها بشغف قائلاً:
_ بقي القمر دي خطيبة بـأف زيك؟
_ ماتلم نفسك يا مراد...
قاطعه مراد وهو يقترب منه قائلاً بغضب:
_ اتلم انت بدل ما أشلفط خلقتك. لولا القمر دي كنت روقتك لكن عشانها ممكن أعمل استثناء.
أشاح ماجد برأسه في حنق. فأردف مراد وهو يطالع الصورة مجدداً:
_ إيه رأيك تسيبلي الأمورة ونقطع الشيكات؟ أقولك هديك فيها خلو رجل كمان. أبسط يا سيدي.
طالعه ماجد باستنكار قائلاً:
_ انت اتجن...
قطع كلماته وهو يرى اشتعال مقلتي الرجل الواقف أمامه، ليتمالك نفسه بصعوبة قائلاً:
_ مش هينفع لإني بحبها وبتحبني. وبعدين دي عامية هتعمل بيها إيه بس؟
تطلع إلى صورتها قائلاً بأسف:
_ يا خسارة. بس برضه تلزمني.
_ قلتلك مش هينفع.
_ يبقى تجيب الفلوس. وعشان خاطر المزة هديلك يوم واحد بس عشان تتصرف فيهم. وإن مجيتش وجيبتهملي متزعلش لما آخد خطيبتك اللي بتحبها من حضنك وأبقى وريني ساعتها هتعمل إيه. قولت إيه؟
قال ماجد بغيظ:
_ هجيبهالك يا مراد. هجيبهالك.
_ أحسنلك.
اتجه مراد للخارج. فناداه ماجد قائلاً:
_ الصورة؟
ضمها مراد إلى صدره قائلاً:
_ هخليها معايا تذكار. وبعد كده يا حبيبي لما تيجي تلعب ابقي العب على قدك. ماشي يا أبو الأمجاد.
ضحك بسخرية ثم غادر. ليبصق ماجد بأثره غاضباً يعقد حاجبيه بقوة. يدرك أنه لا مناص من طلب العون من خالته، ستسمعه بضع كلمات مسمومة ثم تمنحه المال على الأقل هذا أفضل من أن ينفذ مراد تهديده. ووقتها لن ترحمه خالته أبداً.
***
لماذا اختارت هذا الشاطئ مكاناً لتلاقيهم؟ ألم تُحرّم هذا الشاطئ على نفسها منذ أن علمت بأن له رواداً غيرها؟ كان أحدهم شاهداً على عزفها الذي أقسمت أن لا يشهده أحد بعد والدها رحمه الله. إذاً، لم العودة لذات المكان؟ ألا تخشى رؤية هذا المتطفل مجدداً؟ سخرت من نفسها. تخشى رؤيته. وهل هي قادرة على رؤية أي مخلوق؟
زفرت بقوة. لقد تأخر جهاد في الحضور. كان خطأ كبيراً منها استسلامها لإلحاحه والحضور لملاقاته كي تزور والدته. هي في غنى عن كل هذه التعقيدات. أمسكت كمانها تستعد للرحيل وهي تغمض عيناها تستمع لصوت الأمواج المتلاطمة لآخر مرة. تقول هامسة:
_ سامحني مش هقدر أعزف قصادك تاني. مش هينفع حد يسمعني غيرك بعد بابا الله يرحمه. لإنك زيه هتسمعني بروحك مش بعينيك. مش هتحاكمني ولا هتتريأ عليا وتقول عامية بتعزف كمان. بتحبني زي ما أنا وأنا بحبك زيك. في كل حالاتك راضية أكون معاك. ويمكن في يوم تكون نهايتي جواك. مين عارف؟
الحياة بقت قاسية قوي يا بحري وحياتي من غير بابا بقت مملة قوي.
أشوفك بقي بخير. جهاد إتأخر وأنا رجعت في كلامي. مش هقرب. ماهو ماينفعش أقرب. ولا أنت إيه رأيك؟ مش قادر تجاوب. محتار زي حيرتي. يبقي همشي. سلام يا بحري وأشوفك دايماً بخير.
استدارت ثم تجمدت فجأة وصوته ذو النبرات الرجولية العميقة يصلها قائلاً:
_ كنتِ هتمشي من غير ما أسمع صوت كمانك أو حتى أتكلم معاكِ؟
عقدت حاجبيها بقوة وهي تربط لأول مرة بين صاحب الصوت ومن كانت تتجنب الشاطئ خشية ملاقاته، لتتأكد من أنهما شخصاً واحداً تجمعهما نبرات الصوت العميقة كالبحر. كيف لم تنتبه لذلك من قبل؟ لتقول بصدمة:
_ جهاد هو انت...
صمتت. فتأمل ملامحها الجميلة بحنان يطوف بعينيه على كل خلجة من خلجاتها قائلاً:
_ أيوة أنا. جيت من بدري واستنيتك وقلت مظهرش قدامك جايز يحالفني الحظ وأسمعك بتعزفي زي المرة اللي فاتت. عزفك كان سحر يا ريم، كل نغمة عزفتيها سكنت قلبي وفضلت في وداني مبتفارقنيش. بسمعها في كل وقت وكأنها معزوفة حياة.
قالت بارتباك:
_ مش للدرجة دي... دي...
لم تستطع تجميع جملتها. فقال هو:
_ لأ للدرجة دي وأكتر كمان. عايز أقولك إنك أحسن واحدة سمعتها بتعزف كمان في الدنيا.
_ متبالغش لو سمحت. وبعدين هتسمع ناس بتعزف كمان فين بس؟
_ قصدك يعني عشان فقير مش هقدر أروح الأوبرا أو أحضر حفلات مهمة. على فكرة بقي حضرت وحضرت حفلات كتير كمان كجرسون فيها طبعاً. وبقولك للمرة التانية إن عزفك كان أحسن من أي حد سمعته بيعزف كمان قبل كده.
أعادت خصلة شعر وراء أذنها قائلة بارتباك:
_ أنا مقصدتش أجرحك بكلامي.
_ وأنا منجرحتش.
يعيد كلماتها التي ألقتها على مسامعه في المرة الأولى التي التقيا فيها على هذا الشاطئ. ابتسمت رغماً عنها لنبرة المرح التي شابت صوته. ليردف قائلاً:
_ ابتسامتك حلوة قوي يا ريم. بتنور وشك زي شمس نورت سما بعد ليل طويل.
أطرقت برأسها في خجل قائلة:
_ هو إحنا مش هنروح لوالدتك؟ الوقت هيتأخر.
_ بما إني يئست من سماع عزفك النهاردة يبقى هكتفي بزيارتك لأمي بس. مش هقدر أوعدك إني أبطل أطلب منك تسمعيني عزفك، غصب عني. أنا واصل لحد الإدمان يا عازفتي.
رفعت رأسها تطالعه بحيرة تهمس مرددة:
_ عازفتك!
_ من النهاردة بحلف يمين ما أسمع كمان غير منك انتِ. هعتزل كل العازفين وتكوني انتِ وبس عازفتي.
_ جهاد!
قال قلبه.. عمر جهاد وروحه. بينما قال لسانه كلمة حملت حنان الدنيا في أحرفها فهزت قلبها وأصابته برعشة قوية ما إن وصلتها.
_ نعم.
تمالكت نفسها قائلة بارتباك:
_ من فضلك لو بجد هنكون أصحاب بلاش تتكلم عن عزفي أو تطلب مني أعزفلك. لإني مش هقدر. ده عهد عاهدته على نفسي ما يسمعني حد وأنا بعزف واعفيني من التفاصيل.
تنهد قائلاً:
_ ولو إنه طلب صعب جداً لكن عشان خاطر عيونك هيكون أمر. فيه حاجة تانية قبل ما نمشي؟
مشت فمشي إليها جوارها تقول هي بابتسامة:
_ عايزاك تحكيلي عن والدتك زي ما حكيتلها عني. أوصفهالي.
شرع جهاد يوصف والدته ويروي لها قصتها فشعرت ريم بحبه الشديد لوالدته. حباً يشابه حبها لوالدها. وكأن جهاد يشبهها حقاً. حين يحب يحب بكل جوارحه ويصبح وصفه للمشاعر حسياً وكأنها تراه وتشعر به.... كلية.
***
قالت سندس بحدة:
_ وأنا أجيبلك فلوس دلوقتي منين يا ماجد؟ ما انت عارف إني خدت مصروف البيت من أسبوعين. طب هقولها عايزة المبلغ الكبير ده ليه بس؟
_ اتصرفي يا خالتي. مراد مش هيستنى لبكرة على فلوسه ومش بعيد يؤذيني. يرضيكي ابن اختك حبيبك يتأذى ويتفضح وبنت صادق ترفض تتجوزه وتتجوز واحد تاني وساعتها تتحرمي من الجنة اللي انتِ عايشة فيها دي؟
رفعت سندس إحدى حاجبيها قائلة:
_ انت بتهددني يا واد انت؟
أخرج ماجد من جيبه علبة سجائره يخرج منها سيجارة ويشعلها قائلاً:
_ عيب عليكي ده أنا ابن أختك من لحمك ودمك برضه. ههددك إزاي بس واحنا في المركب سوا؟ يعني لو غرقتي هغرق معاكي. أنا بس بفكرك بالهدف الأسمى من مساعدتك ليا.
قالت سندس بسخرية:
_ لأ فيك الخير والله. تروح تلعب قمار مع صاحبك وتيجي تترجاني عشان ألحقك وأتصرفي يا خالتي. تروح نايت كلاب وتعمل فيها أبو الرجال وتعزم أصحابك وادفعي يا خالتي. كل مصيبة والتانية إلحقيني يا خالتي وفي الآخر آل إيه إحنا في مركب واحدة وأنا اللي هغرقك. والله ماهيغرقنا غيرك يا فالح.
دعس السيجارة يقول بملل:
_ يوووه بقي. مكنوش خمس آلاف جنيه اللي هتذليني بيهم دول يا سندس.
_ بتستقل بخمس آلاف جنيه. انت نسيت نفسك يا واد انت. ده انت كنت بتتضرب علقة موت عشان 500 جنيه دلوقتي خمس آلاف جنيه مش فلوس. الله يرحم.
نهض يقول بعصبية:
_ خلاص خلاص مش عايز منك حاجة. أنا هتصرف.
طالعته بنظرة نافذة وهي تقول:
_ اقعد يا بابا انت مش قد الطلعة دي. هتتصرف منين يعني؟ حوش الصحاب اللي يتمنوا يخدموك ويسلفوك. هو انت ليك غيري يا موكوس.
_ يوووه بقي.
نهضت تقول:
_ هجيبلك آخر حتة دهب عندي. روح بيعها وادي الفلوس لمراد وخد بالك دي آخر مرة هساعدك فيها. بعد كده مع نفسك. الله في سماه إن اتعوجت تاني لأخلي ريم بنفسها تسيبك وأشوف واحد تاني يقوم بالمهمة دي. مش هيكلفني قدك ولا هيتعبني زيك. مفهوم يا ماجد؟
قال من بين أسنانه:
_ مفهوم يا خالتي.
غادرت الحجرة بينما تهمس بحنق:
_ أنا مش عارفة هلاقيهالك منك ولا من عزت. بيعتوني دهبي حتة ورا التانية. يلا ميهمش. بكرة تتعوض وأجيب كل اللي نفسي فيه.
رواية لا تشبهين احدا الفصل السابع 7 - بقلم شاهنده سمير
هل من الممكن أن يتعلق المرء بأحدهم من صوته، يتوسم فيه الخير وطيب القلب وشفافية الروح، يراه وكأنه يستطيع الإبصار. لا يحول الظلام بينه وبين هذا الشخص بل يستطيع دون جهد أن يصف ملامحه، ينسج له صورة تشبهه حد التماثل وتشوقه بقوة لأن يمنحه الله البصر للحظات حتى يوقن من أنه استطاع رسم خطوط وجهه وببراعة.
هكذا شعرت ريم وهي تجلس أمام هذه السيدة الكريمة التي أحبتها منذ اللحظة الأولى. استقبلتها السيدة حورية بحفاوة أنستها ظلام دنياها وهي تشرق بابتسامة هذه السيدة الطيبة وحماسها. لم تشعر للحظة بأنها سيدة مقعدة كما أخبرها جهاد، بل كانت تتنقل حولها كفراشة جميلة تحضر لها ما بالمنزل من ضيافة وتُعد لها الشاي. يشاركها جهاد في جو عائلي جميل افتقدته ريم كثيراً حتى كادت أن تنساه.
أفاقت من أفكارها على صوت السيدة حورية وهي تقول:
"ايه يابنتي مبتاكليش ليه؟ لو الرز واللبن بتاعي مش عاجبك متتكسفيش.. سيبيه من ايدك علطول."
"مش عاجبني ازاي بس؟ ده يجنن.. تسلم ايدك يا طنط."
"ربنا يجبر خاطرك ياريم، مش ناوية بقي تسمعيني حاجة من عزفك؟ جهاد بيقول انك بتعزفي حلو قوي."
كان جهاد قد عاد في هذه اللحظة بعد أن أحضر العصير. لاحظ انقباض أسارير ريم فقال بسرعة:
"مرة تانية بقي يا ست الكل، ريم يادوب تشرب العصير ونمشي عشان متتأخرش."
ناولها كوب العصير في يدها مردفاً:
"ده عصير الفراولة اللي بتحبيه."
لمسة يده يدها وهو يناولها الكوب ويحيط به أناملها أصابتها برعشة حاولت نفضها وهي تتساءل كيف عرف بعصيرها المفضل؟ هل طلبته حين كانت تتردد على الكافيه الذي كان يعمل به؟ لا تتذكر حقاً. نفضت أفكارها مجدداً وهي تعيد الكوب للطاولة قائلة:
"مش هقدر أشربه الوقت فعلاً اتأخر..."
قطعت كلماتها والكوب يفلت من يدها ويقع على الأرض متحطماً بصوت مدوي. انتفضت تقول باضطراب وخجل:
"أنا آسفة مكنتش أقصد..."
قاطعها جهاد قائلاً:
"ولا يهمك بس خليكي في مكانك متتحركيش عشان متتإذيش، أنا جاي حالاً."
تمنت في هذه اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعها حين سمعت كرسي السيدة حورية يقترب منها قبل أن تمتد يدها وتمسك بها يدها تقول بحنان:
"كلنا ممكن نوقع كوباية العصير ياريم، مش مشكلة على فكرة ولا تستاهل عيونك الجميلة دي تتدمع بسببهم. أنا عايزة أقولك حاجة، ربنا لما بياخد مننا حاجة بيعوضنا بحاجات تانية أجمل وأحسن بكتير لأن اللي عند ربنا أجمل وأحلى من أي شيء."
"لما ربنا خد مني رجلي في الحادثة اللي حصلتلي بعد جوازي علطول، عوضني بجهاد وكان نعم العوض.. زي ما كان باباه أكبر عوض ليا بعد عذابي قبل ما أشوفه ودي حكاية طويلة في يوم من الأيام هحكيهالك.. أنا قصدي أقولك ان ربنا لو خد منك نعمة فليه حكمة والحكمة هتعرفيها لما هيرزقك ربنا بنعمة أكبر منها، وقتها مش هتحسي بالقهر ولا الزعل بالعكس كل ما تفكري في ضعفك هتفتكري نعمه التانية وتحمديه عليها.. ربنا خيره كتير ولو آمنتي ان في كل شيء بيصيبك خير.. هترتاحي يابنتي."
كلماتها كانت كنبع ماء مر على فؤادها الحار فأطفأ لهيبه وأعاد تجديد خلاياه. شعرت بهدوء وطمأنينة لم تشعر بهما منذ أن كان هو حدها والدها رحمه الله يطيب بكلماته جروحها ويشفي بحنانه الألم.
ابتسمت بحب تردد هامسة:
"اللهم لك الحمد والشكر."
***
"مش عارفة يا خديجة، من زمان محسيتش براحة نفسية زي اللي حسيتها وأنا بينهم، وكأني في بيتي.. وسط أهلي.. احساس محستوش غير مع بابا الله يرحمه ومعاكي."
"سامعة في صوتك قلق غريب ياريم، ايه المشكلة لما تحسي الاحساس ده معاهم؟"
هل تخبرها أنها تخشى التعلق بهم ثم الرحيل مجبرة عنهم؟ لقد شعرت اليوم وهي تغادر منزلهم يُوصلها جهاد إلى أقرب سيارة أجرة أنها تترك روحها هناك، معهم داخل جدران هذا المنزل. فماذا لو اقتربت أكثر؟ لاحترقت بلهيب الفراق. ثم ما الذي قد يربطها بهم في يوم من الأيام؟
أقصى ما تستطيع تقديمه إليهما هي صداقة لا أكثر؟ ترى هل سيتقبلها ماجد بعد زواجها منه؟ بالطبع لا.
زواجها منه...... نفور عجيب في روحها ينبثق ما إن تخطر الفكرة على بالها. هل يجب عليها أن تمعن التفكير مرة أخرى في قرارها الزواج من ماجد أم ترضخ لرغبة والدها قبل أن يذهب لمثواه الأخير؟
أفاقت من أفكارها على صوت خديجة تقول بقلق:
"ريم.. روحتي فين؟ قوليلي بس ايه اللي قلقك بالشكل ده؟"
حاولت ريم أن تُبعد خديجة عن الخوض في هذا الأمر وليس لديها حتى الآن أي تفسير لمشاعرها الجديدة عليها، لتقول بمرح مصطنع:
"سيبك مني وقوليلي فين الباشمهندس.. اتأخر كده ليه؟ أوعي يكون عامل فيكِ مقلب ومش هييجي.. وقتها هيعلقك باباكي من رجليكي ويمدك زي مستر فوزي، مدرس الرياضة في ابتدائي.. فاكرة ولا نسيتي؟"
"بس ورحمة باباكي ياريم.. ده نفس كلام ماما اللي بتقولهولي، طبعاً عمي صفوت الجواهرجي بتاعنا قالها عن اللي عملته ومن وقتها وهي بتقولي هياخد دهبك ومش هتشوفيه تاني يافالحة ووقتها باباكي مش هيرحمك لما يعرف."
"ما انتِ هبلة.. حد برضه لما يحب يغير دهبه يروح للجواهرجي بتاعهم؟ ما الطبعي انه يبلغ أهلك."
أشاحت بيدها قائلة:
"أهو اللي حصل بقي.. مندفعة و متهورة و مبفكرش عارفة بس بتعلم وواحدة واحدة تصرفاتي هتظبط، ما انا مش هفضل هبلة طول عمري."
"لأ هتفضلي."
"ريم!"
"خلاص ياستي متتعصبيش هنسيب الهزار ونتكلم جد حبة."
لتعتدل قائلة بجدية:
"هسألك سؤال وتجاوبيني عليه بصراحة.. انتِ من جواكي مقتنعة بكلام والدتك؟"
"لأ طبعاً يحيي مستحيل يعمل كده.. معنديش ذرة شك فيه، بالعكس انا واثقة فيه ثقة من غير حدود."
"يبقى اهدي واستني والغايب حجته معاه زي ما بيقولوا."
"عارفة إنه أكيد معذور وان تأخيره بسبب لكن برضه متغاظة، مفيش تليفون يعتذر بيه عن التأخير ويقول أسبابه."
"ما جايز مفيش عنده شبكة أو تليفونك اللي فاصل شبكة، وبعدين متصلتيش انتِ بيه ليه؟"
"خفت يقول مش واثقة فيه وبتأكد انه جاي ومش هيهرب بدهبي."
"خايبة.. زي ما ثقتك في يحيي من غير حدود أكيد ثقته فيكي من غير حدود ومستحيل يفكر بالطريقة دي.. أكيد لما حبك عرفك وفهمك زي ما انتِ فهمتيه ومستحيل يشك انك بتفكري بالأسلوب ده، وبعدين اللي تآمن واحد على روحها وتقف جنبه زي ما وقفتي معاه مستحيل هتبص لشوية دهب وتخاف عليهم منه.. مستحيل طبعاً ولا إيه؟"
"معاكِ حق ياريم.. أنا هتصل بيه حالاً."
لتمسك هاتفها وتفتحه ثم تضرب رأسها بخفة قائلة:
"الموبايل فاصل شحن."
"مش قلتلك."
وضعت الهاتف على الشاحن بسرعة وفتحته وما إن فعلت حتي جاءها اتصالاً منه على الفور لتهتف بحماس وقد علت خفقات قلبها وتسارعت بقوة:
"يحيي ياريم.. يحيي."
ابتسمت ريم بينما تردف خديجة بلهفة:
"أيوة يايحيي.. انت فين؟"
"معلش ياقلبي اتأخرت عليكي، العربية عملتها معايا وبقالي ساعتين بحاول أشغلها، كنت خلاص قربت أيأس وأسيبها وأركب تاكسي بس الحمد لله اشتغلت أهي وانا في السكة.. حاولت أكلمك كتير بس الشبكة مكنتش بتجمع وفي الآخر لقيت تليفونك مقفول وتليفون والدك برضه خارج التغطية."
"ديجا."
"عيون ديجا."
"عاملك مفاجأة حلوة قوي.. ثواني وأكون عندك.. بحبك ياديجا.. بحبببببك."
"أنا كمان بحبك ومستنياك.. سلام ياحبيبي."
"سلام ياقلب حبيبك."
أغلقت الهاتف تضمه إلى صدرها بقوة قائلة بسعادة:
"يحيي جاي ياريم.. جاي."
اتسعت ابتسامة ريم تسعد لسعادة صديقتها وتدعو لها في سرها بأن يتم سعادتها ويزيد من أفراحها دائماً وأبداً.
***
"كانوا معي.. يشاركوني أمواج بحر الحياة، يرشدوني سبيل النجاة ويمسكون بيدي وكأنهم طوق يحميني من الغرق، ثم رحلوا فصرت أتخبط بين أمواج البحر العاتية، أعافر كي لا يجذبني التيار.. أحاول الصمود بكل قوة ولكن البحر هائج وقواي تخور أمام قسوته وظلماته التي لا تتخللها الأنوار."
"لقد أصبحت هزيلة بعد رحيل أحبتي وصارت الحياة لا معنى لها ولا لذة، وفي حنايا القلب استقرت لوعة طالبتني بالاستسلام فكدت أستسلم وأرحل بدوري إلى حيث ألقى الأحبة، وما كدت أفعل حتى ظهر فجأة أمامي شعاع من نور انتشلني من يأسي ومنحني بعض الأمل، خشيت أن يكون وهماً فلم أحاول الاقتراب ولكنه هو من اقترب وأضاء ليلي الداهم فانبثق الأمل بالقلب ساطعاً وتسرب في شراييني، يتبدد الحزن من قلبي رويداً رويداً ويحل محله شعوراً بالطمأنينة والثقة في النجاة أرفض أن أرفع راية الاستسلام وأطالب روحي بالحياة."
"ربما أخشي هذا الأمل ولكني رغما عني أتمسك به، ينساق قلبي له وكأنه قدري الذي خلقت لأجله.. وكأنه كُتب علي الخوض بين أيام الحياة ولياليها أعيش كل مشاعرها.. فحياة تنبض بالمشاعر أفضل ألف مرة من حياة فقدت النبض تحتضر دون شعاع من أمل."
أفاقت من أفكارها على صوت مدربها وهو يقول:
"لأ ياريم.. انتِ مش معايا خالص النهاردة.. مش مركزة بالمرة.. ياتري ايه اللي شاغلك بالشكل ده؟"
قالت بارتباك:
"آسفة يا آنكل هادي.. أنا فعلاً مش مركزة وياريت نأجل التدريب ليوم تاني بعد اذنك.. لو يعني مش هيسببلك تأجيلي أي تعب."
"تعب ايه يابنتي؟ ده انتِ بنت صديق عمري ورفيق الغربة.. صادق الله يرحمه.. يعني بنتي.. تقدري تأجليه طبعاً زي ما انتِ عايزة، المهم انك تراجعي قرارك وتفكري بجدية تعزفي في الحفلة الجاية، بجد هنبسط قوي لو غيرتي رأيك.. انتِ موهبة جميلة وقوية وحقيقي خسارة متظهرش للنور."
ظهر الأسف على ملامحها الجميلة وهي تقول:
"كان بودي والله يا عمي بس غصب عني.. مش هقدر اعزف قصاد الجمهور وأنا....."
تركت جملتها معلقة فربت هادي على يدها قائلاً بحنان:
"مفيش حاجة في الدنيا تمنع عازف انه يعزف قصاد جمهوره ويخرج موهبته للنور، الحواجز احنا اللي بنحطها بينا وبين الجمهور ياريم، واحنا بس اللي نقدر نشيلها لو آمنا انها مش لازم تكون موجودة."
نهضت تقول بتوتر:
"من فضلك يا آنكل، لو بجد بتحبني زي بنتك يبقي بلاش نتكلم في الموضوع ده.. على الأقل في الفترة دي."
طالعها هادي للحظات قبل أن يهز كتفيه بقلة حيلة، يقول بهدوء:
"أنا هسكت بس هدعيلك تخطي حواجزك وتقدري تخرجي من الدايرة اللي قفلتيها على نفسك لإنك لو مقدرتيش هتبقي خسارة كبيرة للناس وليكِ انتِ كمان ياريم."
"أنا.. أنا مضطرة أمشي.. عن إذنك."
غادرت بسرعة تحمل آلتها الموسيقية تتخبط قليلاً وهو يتابعها بعينيه حتى غابت عن ناظريه قبل أن يهز رأسه بيأس ويعود لنوتته الموسيقية.
بينما جلست هي في السيارة تلتقط أنفاسها بصعوبة، تشعر بالإختناق، ترغب من كل قلبها أن تلبي طلب مدربها بل تلبي رغبة قلبها بالعزف أمام الجميع ففي العزف أمام جمهور لذة لا تضاهيها لذة، ولكن يمنعها عجزها الذي ولد بداخلها ضعف وخوف من تنمر الناس عليها كما فعل هذا الرجل بالنادي وغيره ممن شاهدت منذ إصابتها بالعمى، فنفوس البشر مريضة كما اكتشفت وهي لن تسمح لهم بأن يمارسوا عقدهم عليها.. لن تسمح لهم بجرحها مجدداً كما فعلوا في السنة المنصرمة أكثر من مرة.
وجدت نفسها تمسك هاتفها وتبحث صوتياً عن رقمه.. تترك له رسالة حتى يلاقيها عند الشاطئ ثم تغلق الهاتف وتطلب من العم مصطفى أن يوصلها إليه بأقصى سرعة لديه.
***
"هل اختلف المكان باختلاف الصحبة؟"
"نعم بكل تأكيد.."
"فقد عبق المكان بجمال حضورك وكأنني في عالم أسطوري صفت سماؤه بعد خريف عاصف وتجملت أركانه حتى صار جنة الله في الأرض."
"دعيني أخبرك عن شعوري وأنتِ حدي.. ولكن في البداية دعي عيناي تصفك؟"
"كيف أصف جمالاً تعجز عن استيعابه خلاياي؟"
"انتظري قليلاً.. سأحاول..."
"لا.. لن أستطيع.."
"لا يمكنني وصف روعة تفاصيلك.."
"أقولها بيقين قلبي.. لا تشبهين أحداً.."
"أكتفي بها وصفاً وتعبيراً."
تأمل جهاد ملامحها الجميلة يتحدث قلبه بما عجز عنه لسانه..
"هل أخبرك جميلتي عن مشاعري نحوك؟"
"من نغماتك بدأت قصتي وثورة أحاسيسي وسحر خلب لبي حتى صار عشقاً.. وحين تطلعتي إليّ بمقلتيكِ الحائرتين المضطربتين صرت لكِ عبداً لن يتزحزح عن محرابك أبداً.."
"ظلك الذي يخشي عليكِ من نسمات الهواء وقطرات المطر.."
"مجنونك الذي لن يهدأ حتى تصبحين ليلاه.."
"أما أنتِ فصرتي لي زهرة لن تذبل قط أوراقها أرشف منها حد الإنتشاء.."
"وليل عشقته أشاركك فيه ظلمائه بنور من لهيب قلبي يشعله دون احتراق فيصير الليل نهاراً لازوال له.."
"أتعلمين؟"
"في قربك أتمنى أن أضمك بين أضلعي ثم يتوقف الزمن فأحتفظ بك بين جوارحي حية حتى تقوم الساعة فأطالب بكِ عروساً لي وأكتفي."
"نعم أكتفي.. لا تتعجبين.. إنه اليقين.."
"خلقك ربي أجمل من حور العين.. وزرع بروحك طيب الأصل والنقاء وحب الخير والمساكين.. خلقك ربي من نور كالملائكة.. فصرتي حبيبتي في قلبي وعيني.."
"لا تشبهين أحداً."
رفعت أناملها تعيد خصلة من شعرها خلف أذنها باضطراب أثار خفقاته ولهًا وهو يتأمل تفاصيلها الرائعة، تقول بتوتر:
"جهاد.. ساكت ليه؟"
"عايزة الحقيقة؟"
"أكيد.. ومش مستنية منك غيرها."
ابتسم لثقتها فيه قبل أن يقول بصوته عميق النبرات:
"مدربك معاه حق.. أنا سمعتك.. يعني عارف قد إيه حجم موهبتك وعايز أقولك ان عزفك لما سمعته طيرني فوق هناك.. عند السحاب.. حسيت اني بسمع معزوفة من الجنة، العزف مش نوتة ونغمات وبس.. العزف روح بيحطها العازف جوة نغماته فبيديها حياة.. نبض ومشاعر بتسحر وتخلينا احنا مخلوقات ربنا عاجزين عن الحركة أو حتى الرمش بعيونا لغاية ما تخلص المعزوفة ووقتها بنقول من كل قلوبنا الله.. وبنتمنى نعيش التجربة من تاني.. انتِ في ايدك نعمة حرام تضيعيها عشان أوهام في دماغك ملهاش أي أساس من الصحة.. الناس لما بتسمع معزوفة جميلة من عازف مبيبصوش على شكله ولا بيهتموا بطوله وقصره أو لون بشرته وملامحه قد اهتمامهم بموهبته وقد إيه بجمالها وروعتها وحجمها قدر يوصل لقلوبهم، عندك مثلاً بيتهوفن.. هل وقف صممه قدام موهبته؟ بالعكس محصلش وقدر يقدم أعظم أعماله لجمهوره رغم انه مكنش قادر يسمعها.. وليه نبعد؟ عمار الشريعي الله يرحمه.. أعظم ملحن وناقد وعازف.. هل وقف أي شيء بينه وبين تقديم موهبته للجمهور وتحقيق نجاحه؟ لأ طبعاً.. وانتِ كمان ياريم متخليش وهم في دماغك يهيأ لك ان الناس مش هتتقبل تسمع نغماتك أو حتى هتتنمر عليكي لإن ده مش هيحصل، صدقيني وقت ما هيسمعوكي مش هيشوفوا غير اللي شفته فيكي يوميها."
"شفت إيه؟"
"حورية بحر كانت واقفة قدامي بتعزف مقطوعة من الجنة، احترت يومها وأنا بسأل ياتري هي مين؟ حورية بحر فعلاً ولا ملاك من الجنة؟ ولحد دلوقتي لسة ملقتش لسؤالي إجابة."
أعادت مجدداً خصلة شعرها الثائرة خلف أذنها وهي تمسح لسانها بشفتيها وتبتلع ريقها بصعوبة قائلة:
"مش للدرجة دي ؟"
مال يهمس حتى لفحت أنفاسه الحارة وجهها قائلاً:
"مشكلتك انك مش شايفة نفسك بعنينا، لو حصل صدقينا هتعزفي قدام الكل من غير تردد."
تراجعت رغماً عنها تشعر بالضعف بعد أن بدأ جسدها يميل نحوه وكأن كلماته عانقتها بفيض من مشاعر فتمنت لو احتوتها ذراعيه بذات الفيض.. لتقول بارتباك:
"أوعدك بعد الكلام ده أفكر بس ده لو وعدتني انت كمان بوعد."
"أؤمريني ياريم."
يا الله بالله عليك لا تزد فأنا بالكاد أتمسك بكل ذرة تعقل في كياني كي لا أقر أمامك الآن وأخبرك أنك تتسلل إلى قلبي كتسلل كلماتك إلى عقلي وروحي، أخشي أنك تحتلني رويداً رويداً وتهدم دفاعاتي دون جهد لأعلنك قريباً ملكاً على قلبي.. دون منازع.
"عايزاك توافق إني أخرج الست حورية من البيت وأوديها لدكتور أنا متأكدة انه هيقدر يساعدها ويخليها تمشي من تاني على رجليها."
صمت طويل من جانبه جعلها تقطب جبينها باضطراب قائلة:
"جهاد.. أنا ضايقتك؟"
"بالعكس."
ذبذبات صوته التي نضحت بمشاعر كثيرة أثارت القشعريرة بقلبها وهو يردف:
"ولو إني متأكد ان مفيش دكتور يقدر يساعد والدتي على المشي مرة تانية لإني حقيقي مسبتش دكتور مروحتلوش.. قصدي يعني مسألتوش على النت.. لكن قصاد طيبة قلبك دي وحبك للخير وخصوصاً إني وعدتك بالموافقة على طلبك قصاد تفكيرك في طلبي.. حددي اليوم وإحنا معاكي ياريم."
قالت ريم بحماس:
"أنا مش عارفة أشكرك ازاي على موافقتك دي.. وصدقني هتفرق كتير بين سؤال على النت وحضور والدتك قدام الدكتور ومعاينته لحالتها."
صمت مجدداً فقالت:
"سكت تاني ليه؟ أوعي أكون ضايقتك.. أنا مش قصدي أقلل من مجهودك وتعبك ومحاولتك مساعدة مامتك.. أنا...."
قاطعها قائلاً بنبرة حب جائتها واضحة لأول مرة خالصة لا ريب فيها:
"انتِ مفيش منك ياريم ويابخت اللي هتكوني من نصيبه."
شعرت باضطراب في كل كيانها، حاولت الهرب من هذه المشاعر التي أحاطتها في هذه اللحظة إثر كلماته ونبراته المشبعة بالحب فوجدت نفسها تتصرف كطبيب وجد في بتر ساق المريض إنقاذًا له لتقول بنبرات حاولت جعلها مرحة قدر الإمكان:
"مش قصدك ماجد؟ خالته داعياله بقى.. المهم هنتغدى فين لإني جوعت قوي."
أتذكره بالتزامها أم تذكر نفسها؟ في كلتا الحالتين هناك مرارة بالحلق وغصة بالقلب ظهرت بنبرات صوتها رغماً عنها فوجدت صداها بصوته وهو يقول:
"صدقيني مش مهم المكان، المهم حاجة تانية خالص."
لم تسأله عنها ولم يوضح أكثر والمقصد كان واضحاً كالشمس.. المهم هو أنهما معاً حتى وإن كان الوضع... مؤقتاً.
***
"ريمو ياريمو.. انتِ فين يابنتي بكلمك بقالي يومين وتليفونك مقفول؟"
"مواويل ياديجا لما أشوفك هحكيلك، بس قوليلي وش صوتك بيضحك وكأنك كسبتي اليانصيب."
"يحيي ياريمو كان عامل لي مفاجأة إنما إيه فرحتني بشكل."
"خير ياقلبي."
"خير طبعاً يا وش الخير، يحيي ورث أرض من عمه اللي مات، فاكراه اللي قولتلك عليه من أسبوعين كده."
"أيوة اللي كان عايش في أمريكا ومكنش يحيي يعرف عنه حاجة."
"هو ده.. عمه ده بقى الله يرحمه ويبشبش الطوبة اللي تحت راسه مكنلوش ولاد وساب لوريثه اللي هو يحيي يعني مزرعة وبيت بفلوس كتيرة والمحامي باعهم وحول له الفلوس، فيحيي راح للصايغ ورجع دهبي واشترالي فوقهم كمان، أنا مبسوطة قوي ياريم، مش عشان الدهب رجعلي، لأ.. عشان يحيي مبسوط، أول مرة ألاقيه مبسوط قوي بالشكل ده."
"مبارك ياقلبي أنا، ربنا يسعدكم كمان وكمان."
"ويسعدك يا أحلى ريمو يارب، يلا بقى انتِ كمان فرحيني وقوليلي كنتِ غطسانة فين بقالك يومين.. أنا بقول تديني الموجز لإني مش هقدر أستنى لبكرة والحكاية شكلها فيها حاجة حلوة، صوتك انتِ كمان بيقولي كده."
"الحكاية كبيرة قوي ياديجا مش هينفع أحكيلك عنها في التليفون."
"قلقتيني، هقوم ألبس وأجيلك حالاً."
أسرعت تقول:
"لا لا لا.. مش هينفع هنا، أقولك قابليني في الكافيه اللي جنب البيت قدامك قد إيه؟"
"نص ساعة بالكتير."
"هستناكي.. سلام."
"سلام ياحب."
أغلقت ريم الهاتف ثم نهضت لتبدل ملابسها لا تدري ما الحجة التي ستقولها لسندس عن سبب خروجها، لتوقن أنها ستجد واحداً ما إن تنتهي بكل تأكيد، تدرك أنها ستكذب لأول مرة في حياتها ولكن زوجة أبيها هي السبب فلا تلوم سوى حالها.
رواية لا تشبهين احدا الفصل الثامن 8 - بقلم شاهنده سمير
اقتربت منه تسحب السيجارة من فمه قائلة:
- روحت فين ياحبيبي.
سحبها إلي حضنه يمرر يديه علي جسدها الناعم الذي يرفل في الحرير قائلاً بعيون التمعت بنظرات الرغبة:
- ما أنا جنبك أهو.
نفثت دخان السيجارة في وجهه تقول بنعومة:
- معايا بجسمك لكن روحك.....
صمتت فسحب السيجارة من يدها وأطفأها في منفضة السجائر قبل أن يسحبها من يدها، يجلس ثم يجلسها علي قدميه قائلاً:
- ريم.
كادت أن تنهض وقد اكفهرت ملامحها لذكر اسم غريمتها ولكنه أعادها لحضنه قائلاً:
- استني بس، رايحة فين؟ اسمعيني الأول.
قالت بحنق:
- عايزني أستني وأسمعك وانت بتتكلم عنها، مش كفاية صورها اللي مالية المكان ودبلتها اللي في ايدك مش هيبقي مكتوب عليا أتحمل كل ده وكمان سيرتها، ده كتير علي أي ست في الدنيا.
لتضم وجهه بين كفيها تتأمل ملامحه قائلة بحب امتزج بالمرارة:
- انت مش عارف بحبك قد ايه واللي بيحب بيغير علي حبيبه من أي حد ممكن يقرب منه أكتر وهي قربت كتير قوي ياماجد.. قوي.
أمسك كفها يقبل باطنه قائلاً:
- مش اكتر من قربك مني، ده انتِ في حكم مراتي يابت.
- بس لابينا ورقة ولا عقد، وكمان في السر مش قصاد الناس زي ماخطوبتك ليها قصادهم.
- كلمتي عقد ياحنون، وبعدين خطوبتي لريم خطوة بضحي بيها عشان خاطرنا، هتجوزها بس لحد ماتآمنلي وبعدين هديها صابونة هي وخالتي وكل حاجة هتبقي ليا أنا وانتِ.
- ياخوفي لتديني أنا الصابونة دي ياماجد.
- عيب عليكي ياحنونة، ده انتِ العشق كله.
- وهايدي وشيري..
- دول ييجوا ايه جنب منك؟
- بجد ياماجد.. يعني بتحبني بجد؟
- بموت فيكِ.. تحبي أثبتلك.
ضحكت بخلاعة فنهض يحملها قائلاً:
- إلعب.
تمسكت به بينما يتجه بها إلي السرير، يمارسان الرزيلة فأمثالهم يتخذون الحب مبرراً لإرضاء شهواتهم ويلقون بأخطائهم علي عاتق المجتمع.
***
خلاص بقي ياستي فكي التكشيرة دي عشان خاطري، أمال انا جايبك هنا ليه؟ مش عشان أصالحك، اختاري الهدية اللي تعجبك مهما كان تمنها.
قالت بمرارة:
- مش كل حاجة بتتحل بالفلوس ياماجد وبعدين انا عايزة أعرف انت جايبني هنا دلوقت ليه وبتقولي المحل قدامك اختاري منه اللي انتِ عايزاه، علي أساس اني بشوف؟ امتي بقي هتحس انك خاطب واحدة عامية وتبدأ تتصرف علي الأساس ده؟
- يعني برضه مهما عملت لك غلطان، انتوا كدة ياستات مبيعجبكوش العجب.
- روحني ياماجد.. بقولك روحني.
- خلاص خلاص هروحك.
سارت بعصبية للخارج يتبعها ماجد فارتطمت ريم بأحدهم الذي أمسكها بسرعة حتي لا تسقط، كادت أن تعتذر منه ولكن صوت ماجد الجهوري أفزعها حين قال بعصبية:
- انت برضه، احنا مش خلصنا منك واتطردت من الكافيه.. جاي ورانا ليه؟ انت بتراقبنا ولا إيه؟
قالت بصوت مرتعش:
- جهاد.
- متقوليش اسمه علي لسانك.. مفهوم؟
انتفخت أوداج جهاد واحمر وجهه غضباً وهو يقول:
- انت ازاي تكلمها بالأسلوب ده؟
وجدت يدها طريقاً إلي صدره وكأنها تعرف دربها فاستقرت علي قلبه الخافق، تقول متوسلة:
- أرجوك ياجهاد بلاش فضايح من فضلك امشي.
- وبتترجيه كمان؟ ده حشرة أفعصها برجلي.
- لأ ده انت عايز تتربي بقي.
- عشان خاطري ياجهاد.. عشان خاطري امشي.
شعر بارتعاشة جسدها واضطراب قسماتها فآثر الرضوخ لأمرها، لأجلها هي رغم أنه أكثر من قادر علي التعامل مع هذا الجبان الذي يتخذ أسلوب الهجوم ليواري به ضعفه ودونيته.
ليقول بهدوء يتطلع إلي ملامحها:
- همشي همشي ياريم بس اهدي.
هزت رأسها علي الفور ليحدج ماجد بنظرة قاتلة ارتعش لها قلب الاخير ولكنه لم يظهر ذلك قبل أن يستدير جهاد علي عقبيه ويغادر المكان ليقول ماجد بحدة:
- عاجبك ياهانم اللي حصل ده نتيجة عنادك؟ لأ وحاطة ايدك علي صدره وبتترجيه يمشي، احمدي ربنا اني مصورتش قتيل في المحل ده.
- كفاية بقي انت ايه ياأخي؟ الظاهر اتجننت، أنا ماشية لوحدي وإياك تيجي ورايا.. مفهوم؟
غادرت المكان بعيون دامعة بينما ينظر في إثرها بحنق قبل أن يمسك زجاجة جواره ويلقيها أرضاً بعنف فانكسرت وانسكب محتواها، نظر إلي عيون البائع الغاضبة يقول بسخط:
- شوفها بكام وضيفها علي الحساب.
***
انت يازفت الطين، عملت ايه تاني؟ البنت من ساعة ماروحت البيت وهي قافلة عليها الأوضة ومبطلتش عياط، انت مش كنت واخدها تصالحها ياموكوس؟
- يوه بقي ياخالتي، زفت الطين وموكوس، وبعدين ماهي السبب.. استفزتني مشوفتش قدامي أعمل ايه يعني؟
- لأ تعمل وتعمل، قولتلك طول بالك لحد ماتبقي مراتك وتديك الأمان ووقتها ابقي اعمل فيها مابدا لك، لكن طول ماهي علي بر الأمان يبقي تتطاطي ياروح خالتك، روح اختارلها هدية حلوة وتعالي بوس راسها واعتذرلها، احنا مش ناقصين وجع دماغ.. مفهوم؟
صمت من حانبه جعلها تقول بحنق:
- ماتنطق ياواد.. مفهوم؟
- مفهوم ياخالتي.. مفهوم.
- روح بقي خليني أطيب خاطرها بكلمتين وأسهلك الطريق والله ماانا عارفة آخد لقب دنجوان علي ايه؟
- أقولك ومتزعليش؟
- غور ياابن مايسة أحسنلك، عيل معندوش خشا صحيح.
لتغلق الهاتف وهي تتطلع إلي الهاتف بصدمة قبل أن تبتسم علي قلة حياء ابن أختها ليزداد يقينها أنه من صلب العائلة.
***
كانت تجول بعصبية في المكان يتابعها بملامح خالية قبل أن يقول:
- ماتهدي ياسندس وتقعدي كدة، وترتيني.
توقفت تطالعه بحنق قائلة:
- وترتك.. آه ماانت ولا علي بالك، مش حاسس بالمصيبة اللي احنا فيها.
مط شفتيه قائلاً:
- مصيبة ايه بس؟
اتسعت عيناها باستنكار تقول:
- انت ياراجل عايز تجنني، بقولك المحامي قالي ان صادق مظبط ورقه كويس قوي وان مفيش أي أمل يقدر بيه يطعن في الورق، تقولي مصيبة ايه؟
صب لنفسه كأس من زجاجة الخمر أمامه بينما يقول:
- عادي جداً.. هنعيش زي ماكنا عايشين قبل ماصاحبتك تدلك علي المحامي ده.. في خير الست ريم.. يعني مش قضية.
- لأ قضية.. قلتلك قبل كدة مفاتيح البنت كانت في ايدي، وكنت هجوزها الواد ماجد ابن اختي عشان أضمن انها تفضل في ايدي.
تجرع كأسه مرة واحدة فانتفخت أوداجه وسعل بقوة، أسرعت تضرب علي ظهره ضربات قوية فهدأ سعاله وهدأت ملامحه قبل أن يقول:
- طب ايه بقي اللي جد عشان تتعصبي بالشكل ده؟
جلست علي الأريكة جواره قائلة:
- البنت حالها مش عاجبني اليومين دول، علطول سرحانة ومش مركزة.. علي وشها تسهيمة كدة مش عاجباني.. فيه حاجة شغلاها أو علي الأصح فيه حد شاغلها والبيه خطيبها ولا علي باله، مش عارف يتعامل معاها ومش فالح بس غير يدبسني كل تدبيسة والتانية ويسحب مني كأني البنك اللي سابتهوله الست الوالدة.
- هي البت دي حلوة؟
أخرجت من حقيبتها الهاتف تفتحه وتناوله اياه قائلاً:
- اتفضل ياسيدي.. آدي صورتها.
تأمل عزت صورة ريم بعينين اتسعت علي آخرها، جف حلقه وتسارعت خفقاته رغبة بها وبجمالها الفاتن، ليبتلع ريقه وهو يتمالك نفسه يناولها الهاتف قبل أن تلاحظ شيئاً وهو يقول:
- البت صحيح حلوة بس باين عليها ذكية، مش هينفع واحد زي ماجد يلعب عليها و يوقعها في حب، دي عايزة واحد محترف يقدر يوقعها في شبكته ويسيطر عليها كمان.
- وأجيب منين المحترف ده اللي مخافش يلهف مني البت ان شاء الله؟
- مش عيب ياسوسو تدوري علي حد يخدمك وأنا موجود.
طالعته بصدمة قائلة:
- قصدك ايه؟ انت عايز....
قاطعها يرفع يديه مدعياً البراءة قائلاً:
- أنا عايز أساعدك.. انتِ عارفة اني أقدر أوصل للبت دي بسهولة وأخليها زي الخاتم في صباعي وكمان عندك ثقة فيا تخليكي متخافيش مني.
قالت بتردد:
- بس لو اتجوزتها انت مش هنتجوز.. مش معقول هنفضل مع بعض في السر ده أنا كان عندي أمل إن.....
قاطعها يقول بلسان معسول:
- والأمل مش هيروح ياروحي، ده هيكون وضع مؤقت.. هتجوزها وآخد فلوسها وبعدين أرميها في الشارع وأتجوزك انتِ.. ها.. قلتي ايه؟ متتردديش.. ده الحل الوحيد اللي قدامك دلوقتي أو كل حاجة هتضيع من ايديكي.. العز والفلوس.....
قاطعته قائلة بجزع:
- لأ فلوس ايه اللي تضيع؟ أنا مستحيل أرجع أعيش زي زمان.. أنا موافقة ياعزت بس ماجد هنعمل فيه ايه بس؟
لمعت عينا عزت وهو يقول:
- متقلقيش.. أنا هتصرف معاه.. قومي بقي البسي حاجة حلوة علي ذوقك وتعالي نحتفل بالمناسبة دي جوة.. أنا وانتِ والشيطان ياسوسو.
ابتسمت ولكن رُغما عنها جاءت الابتسامة باهتة، نهضت وتوجهت إلي الحجرة لكنها توقفت ورنت إليه بنظرة فوجدته يصب لنفسه كأساً من الخمر مجدداً وفي عيونه استقرت نظرة شاردة جعلت قلبها يتوجس.... خيفة.
رواية لا تشبهين احدا الفصل التاسع 9 - بقلم شاهنده سمير
مكنش ينفع تتعبي نفسك يابنتي.
تعبك راحة ياطنط وبعدين أنا عملت ايه يعني؟ دي حاجة بسيطة.
أمسكت حورية يد ريم قائلة بحنان:
كفاية انك لما عرفتي ان النهاردة عيد ميلادي صممتي تيجي تهنيني وتجيبيلي كمان تورتاية، دي أول مرة حد يعمل معايا كدة.
ربتت ريم علي يد حورية قائلة بحب:
ومش هتكون آخر مرة، ربنا يعلم انتِ بقيتي بالنسبة لي ايه.
وأنتِ كمان ياحبيبتي، بقيتي بنتي اللي مخلفتهاش ربنا يسعدك ياريم ويجبر قلبك.
دلف جهاد في هذه اللحظة يحضر العصير ليقول بمرحه المعتاد:
هي دي الدعوات ياأمي، مفيش أحلي من ان القلب ينجبر وقتها بياخد من الدنيا السعادة اللي يستحقها.
أتأخرت كدة ليه ياابني؟ أنا قلت انك نمت في المطبخ.
ملقيتش الكوبايات ياأمي وبعد حيرة وصراع مع أفكاري قولت أجيب الكانزات بحالها كدة.
وده برضه اسمه كلام حاسب كدة لما أروح أدور عليهم بنفسي.
ملوش لزوم أنا.....
سيبيها ياريم، مش هترتاح غير لما تجيب الكوبايات، دي أمي وأنا عارفها.
شاطر ياابن أمك.
ابتسم الجميع بينما حورية تغادر المكان، لتقول ريم بارتباك:
جهاد أنا ملحقتش أجيب لطنط حورية هدية بس بصراحة من يوم ماقابلتها وأنا نفسي أهاديها بحاجة وخايفة متعجبهاش.
أي حاجة منك هتعجبها.
قالها بلهجة حانية جعلت خفقاتها تدوي في أذنها لتتمالك نفسها وهو يردف قائلاً بمرح:
بس مكنش ليه لزوم حقيقي تجيبي أي حاجة، كفاية انك تعبتي نفسك وجيبتلها تورتة.
مفيش تعب ولا حاجة..
لتخرج سلسلة ذهبية من حقيبتها وتردف:
الحقيقة دي سلسلة أمي الله يرحمها زي السلسلة بتاعتي تمام،ده قلب مقسوم نصين واحد مكتوب فيه لا إله إلا الله وقلبي مكتوب فيه محمد رسول الله.
عليه أفضل الصلاة والسلام.
بابا قالي ان ماما طلبت منه قبل ماتموت اني مقلعش سلسلتي أبداً، واني طول ما أنا لابساها هتفضل معايا في قلبي وفي دعواتي، أنا مشوفتش حد وحسيته يشبه أمي قد مامتك ربنا يديها الصحة وعشان كدة نفسي أهاديها بيها بس خايفة تزعل عشانها يعني كانت لحد تاني.
كانت حورية تجلس علي كرسيها أمام الباب تتساقط دموعها علي وجنتيها بينما تتطلع إلي ريم بنظرة حب خالصة لتقول في هذه اللحظة:
ده شرف ليا يابنتي إني ألبس سلسلة مامتك وتعتبريني زيها.
لتتقدم تجاهها حتي توقفت بكرسيها أمامها تمسك يدها قائلة بحب:
انتِ متعرفيش فرحتيني النهاردة قد ايه ياريم والله أنا ببكي من فرحتي بيكي.
مدت ريم يد حانية تجاه وجه حورية تتلمس وجنتيها برقة تمسح عبراتها فمد جهاد أنامله يمسح بدوره عبرات سقطت علي وجنتيه رغماً عنه وقد أيقن أن هذه الفتاة ملاكاً أرسلها الله للأرض لكي تنشر الحب والسعادة والطيبة أينما حلت، وأنه صار متيماً بملاكه حد الجنون، تتسارع خفقاته تطالب بها، فجلّ مايريده الآن أن يضمها إلي صدره ويبقيها في حضنه للأبد.
انتِ فين ياهانم؟
ألقي ماجد سؤاله بعصبية فضمت ريم الهاتف إلي أذنها تقول بحيرة:
في النادي....
لم تكمل جملتها حين أقفل الخط في وجهها لتترك الهاتف وهي تقول بحنق:
قفل السكة في وشي.. ماجد الظاهر جرا لعقله حاجة.
هو لسة هيجرا؟ ده لاسع من زمان.
مال يحيي يهمس لخديجة قائلاً:
صاحبتك متعصبة متزوديهاش ياديجا.
همست بدورها:
أكدب عليها يعني؟
سامعاكوا علي فكرة، انتوا ناسيين ان حاسة السمع عند الأعمي بتقوي.
قالتها بمرح فقالت خديجة بمرح مماثل:
وأنا اللي ظلمتك وقلت بتلمعي أُكر ياريمو.
ضحكت ريم مع الجميع ثم انتفضت وصوت ماجد الغاضب يصلها قائلاً:
يعني مش كفاية قاعدة مع راجل غريب لأ كمان بتضحكي وصوتك جايب آخر النادي.
انت اتجننت يابني آدم انت.....
قاطعها يحيي قائلاً بملامح متجهمة:
ملوش لزوم ياخديجة.
قال ماجد بسخرية:
ليه ماتسيبها تقل أدبها.
نهص يحيي يمسك ماجد من تلابيبه قائلاً بغضب:
لأ ده انت اللي قليل الأدب وعايز تتربي كمان.
ظهر الجبن علي ملامح ماجد بينما اغروقت عينا ريم بالدموع وهي تنهض قائلة برجاء:
من فضلك يايحيي، وانت ياماجد بلاش فضايح.. النادي هيتلم علينا.. أرجوكم كفاية.
ترك يحيي ماجد علي الفور فأخذ ماجد أنفاسه وهو يقول بحنق:
مش عايزة فضايح بجد يبقي تمشي قدامي من غير كلام.. لينا بيت نتحاسب فيه قدام خالتي.
هزت رأسها تقول:
خلاص خلاص جاية معاك.
مش هتمشي.....
قاطعتها ريم قائلة برجاء:
عشان خاطري ياخديجة سيبيني أمشي، هكلمك بالليل......
قطع كلماتها وهو يجذبها من يدها سائراً معها بينما تطلعت خديجة في إثرهما بغضب تقول:
حيوان وميستاهلهاش.. مش عارفة ازاي هتتجوزه وتعيش معاه؟والله اللي بيحصل ده حرام.
قال يحيي:
معاكي حق بس هنعمل ايه؟كل واحد في الدنيا بياخد نصيبه ياحبيبتي.
أطرقت برأسها قائلة:
ربنا ينجيها منه ويرزقها واحد يحبها زي مابتحبني يايحيي.
يارب ياقلبي.
نظرت في إثرهما بقلب يتقطع ألماً بينما وقف هذا المشاهد بدوره ينظر في إثرهما بقلب استعرت نيرانه وقبضة ضمها بقوة يرغب في تلقين هذا الجبان المتعجرف درساً لن ينساه مدي الحياة ولكنه مكبلاً بقيود يأمل أن يتحرر منها.... في أقرب وقت.
لآخر مرة بحذرك تعاملني بالأسلوب ده، لا بيني وبينك ولا قدام أي حد.
انتِ شايفة ياخالتي البجاحة بتاعة الهانم.
احترم نفسك.
قالت سندس بحنق:
حلو قوي اللي بيحصل ده.. مش عاملين ليا أي احترام وكأني هوا قدامكم.
أشاح ماجد بيده بينما قالت ريم بعيون دامعة:
أنا عشان بحترمك ياطنط سكت كتير علي تصرفات ماجد الغريبة.. لا مبالاته بيا وعدم اهتمامه..عصبيته اللي بتظهر فجأة لما يشوفني واقفة مع أي راجل غيره رغم اني مببقاش لوحدي، يامعايا زمايلي في الأوبرا يازي دلوقتي لما كنت قاعدة مع خديجة وخطيبها، من غير مايسأل بيبعدني بطريقة وأسلوب يحرجني بيه قدام الكل، يعني مش كفاية معندوش ثقة فيا لأ كمان بيقلل مني ويجرحني بأسلوب أنا مستحيل أتحمله.. أنا مش عارفة مشكلته ايه معايا؟ ليه مش قادر يتقبل إني ممكن أبقي في موقف أتواجد فيه مع زمايلي من الشباب أو حتي حد زي يحيي خطيب خديجة مع إني مجبرة أتقبل إن أصحابه تقريباً كلهم بنات هايدي وشيري وسوزان ونفين وحنان.. أنا بجد اتخنقت ومبقتش قادرة أتحمله ولا أتحمل تصرفاته والأفضل لو ننفصل و كل واحد فينا يروح لحاله.
انخرطت في بكاء حار تجلس علي أقرب كرسي وقد عجزت قدماها عن حملها بينما قال ماجد بغضب:
شايفة كلامها ياخالتي.
اسكت خالص متكلمش.
اقتربت من ريم تجلس جوازها وتربت علي يدها قائلة:
خلاص ياريم متعيطيش، حقك عليا امسحيها فيا المرة دي.
قال ماجد بحنق:
انتِ كمان هتتذليلها؟
رمقته بنظرة رادعة تقول بحنق:
قلتلك اسكت خالص مسمعش صوتك.
نهضت ريم تقول بحزن من وسط دموعها:
أنا خلاص قلت اللي عندي ياطنط، أنا مبقاش فيا طاقة أتحمل وحقيقي زهقت.. الجوازة دي مش ممكن تتم، صحيح دي كانت رغبة بابا الله يرحمه بس أكيد بابا لو كان شافني مش سعيدة معاه كان هو بنفسه هيفسخ الارتباط ده.. دبلة الأستاذ أهي.. وأنا تعبانة ومحتاجة أرتاح في أوضتي، عن اذنكم.
غادرت بينما يقول ماجد في إثرها بصدمة:
دي فسخت الخطوبة، البت دي اتهبلت ولا إيه؟ عايزة تسيبني؟
ليردف بحدة:
هي مين أساساً عشان تسيب ماجد الأسيوطي؟ نفسي أعرف شايفة نفسها علي ايه؟ ده أنا ست ستها تتمناني.
طب يافالح ماتروح لست ستها، لسة واقف هنا ليه؟
طالع ماجد خالته بحنق قائلاً:
عشان خاطرك ياخالتي.
نهضت سندس تقول بسخرية:
لا والله كتر خيرك، خلاص استغنينا عن خدماتك وورينا يلا عرض أكتافك.
قطب جبينه قائلاً:
قصدك ايه؟ انتِ هتمشي ورا كلام البت دي؟
والله أنا مقدرش أغصبها علي حاجة، قلتلك ميل قلبها وعقلها واكسبها تكسب كل حاجة بس انت بغبائك ضيعتها منك، دلوقتي ايه المطلوب مني؟ ألوي دراعها عشان تتجوزك.. مش هتتجوزك تعرف ليه؟ لإنها جابت آخرها وإلا مكنتش فسخت الخطوبة وهي عارفة انها رغبة باباها وانت عارف صادق بالنسبة لها ايه.. وأنا مقدرش ألوي دراعها.. بالعكس هي اللي تقدر ورقابينا كلها تحت جزمتها طول ما كل حاجة مكتوبة بإسمها.
يعني ايه ياخالتي؟ هتتخلي عني بالسهولة دي؟
مش انت اللي لسة كنت واقف هنا من دقايق تقول انك مش عايزها وان ست ستها تتمناك؟روح ياأخويا هاتها وأدخل عليا بيها وفرحني.
أيوة بس انتِ هتعملي ايه معاها؟
هتصرف.. ملكش دعوة.
عقد حاجبيه قائلاً:
اوعي تكوني شايفة لها شوفة تانية، ده أنا أطربق الدنيا علي دماغك ودماغه ودماغ المحروسة اللي جوة دي.
بس ياماجد واتكلم علي قدك، انت ناسي أنا مين وأقدر أعمل فيك ايه؟ ولا ناسي الشيكات اللي خدتها من صاحبك منير واللي أقدر بيهم أوديك في ستين داهية.
هي بقت كدة؟ ماشي ياسندس.. اشبعي بيها وبالفلوس بس وربنا ماهسيبك تتهني بيهم لو عملتي اللي في دماغك حتي لو كان فيها سجني، ماهو موت وخراب ديار.
قال كلماته وأسرع بمغادرة المكان يطرق الباب خلفه بقوة بينما تتابعه سندس بعيون اتسعت علي آخرها تقول بهمس:
الواد اتجنن.. هتعملي ايه ياسندس؟ تدخلي عزت اللعبة ولا تقصري الشر.. يلا بقي.. هدخله واللي يحصل يحصل، علي رأي الموكوس.. خربانة خربانة ويا تظبط يايبقي موت وخراب ديار.
مساء الخير ياطنط.
مساء النور.. اتفضلي يابنتي ادخلي.. واقفة كدة ليه؟
دلفت ريم إلي المنزل تقول:
معلش جيت من غير ميعاد.
وده اسمه كلام ياريم، البيت بيتك ياحبيبتي.
ابتسمت ريم لتدعوها سامية للجلوس بينما تقول ريم:
آنكل حسن سابلي رسالة صوتية علي التليفون وقالي أجيله البيت.
الرسالة دي من امتي؟
أكيد الأسبوع اللي فات مش كدة؟
فعلاً هو بعتهالي من أسبوع بس للأسف كنت مشغولة ومش متابعة الرسايل والنهاردة بس سمعتها بس انتِ عرفتي منين؟ هو قالك حاجة عن الرسالة دي؟
الحقيقة مقاليش حاجة بس انتِ عارفة عمك، كتوم ومش أي حاجة بيقولها، عرفت ازاي بقي فده لإنه مسافر مصر يترافع في قضية بقاله تقريباً أسبوع.. هو علي وصول، يوم أو يومين بالكتير وهيكون في اسكندرية وأكيد وقتها هيطلبك.
نهضت ريم تقول بابتسامة:
ييجي بالسلامة ياطنط.. هستأذن أنا دلوقت عشان.....
قاطعتها سامية تقول:
مستحيل تمشي قبل ما تتغدي معايا، أنا مشوفتكيش من زمان وبجد واحشاني.
هجيلك تاني وهقعد معاكي بس للأسف مش هقدر أتأخر عندي بروفة.
يبقي تيجي بكرة.. هستناكي.
اكتفت ريم بابتسامتها الرائعة تعلن بها موافقتها، قبل أن تستأذن وتغادر حائرة كما جاءت لا تدري لمِ بدا صوت عمها حسن وكأن هناك شيء يقلقه بينما بدا هو و العمة سامية بخير ولا خلاف بينهما كما ظنت ريم، لتؤجل إجابة أسئلتها للغد لعل عمها قد يعود من السفر ليطفئ لهيب فضولها.
رواية لا تشبهين احدا الفصل العاشر 10 - بقلم شاهنده سمير
ياااه قد إيه منظر غروب الشمس من هنا جوه البحر ساحر.
تصدق يجنن.
رمق الجالسة جواره علي الرمال ليري الألم علي وجهها رغم سخرية صوتها، لينفض ألمه لألمها وهي لا تستطيع رؤيته وهو يقول بحماس:
إيه رأيك أوصفهولك؟
توصفهولي!
أيوة.. أنا شاطر قوي علي فكرة في وصف أي حاجة، وتحت أمرك يافندم في أي وقت.
ابتسمت ريم تشاركه مرحه قائلة:
طب إيه رأيك نشوف مؤهلاتك.. أوصف المشهد لو سمحت ولو عجبني الوصف أوعدك تاخد الوظيفة.
إذا كان كدة اسمعي ياستي..
تعرفي لما ببص علي الشمس وهي بتغيب عن البحر في الوقت ده بحس بإيه، باتنين أحبة بيتقابلوا بميعاد وبيتفارقوا بميعاد وميعاد فراقهم المغرب، الشمس بتبقي مجبرة تمشي، لونها بيبهت من حزنها علي فراقه لكن البحر بيتمسك بيها لآخر لحظة مش عايزها تسيبه وفي لحظة بيفترقوا رغم كل محاولاتهم فبيفقد البحر لونه الأزرق من حزنه عليها وبيستني الفجر بفارغ الصبر والأمل عشان يتلاقي بحبيبته من تاني ويرجع اللون لكيانه.
وصفك جميل قوي بس حزين برضه قوي، ليه بس شايفهم بالطريقة دي؟
يمكن عشان اتعودت أشوف أي علاقة بين اتنين بيحبوا بعض لازم تنتهي بالفراق لأي سبب من الأسباب بس في نفس الوقت بيبقي عندي أمل انهم يتلاقوا بعد الفراق لمايعرفوا ان هم الاتنين مكتوبين لبعض واتخلقوا بس عشان بعض.. لإني بآمن ان طول ماالحب موجود الأمل هيبقي موجود.. ولا إيه؟
ابتسمت للذكري، كم يسحرها بكلماته ونبرات صوته الرجولية العميقة ومرحه الذي يرسم علي ثغرها بسمة لا تزول، تري أن هناك مشاعر انبثقت في قلبها بعد أن ظنت أن الحب ليس قدراً قد تناله وأنه سيظل حكايتها الخيالية حتي آخر العمر ، ولكن ماإن شعرت به حتي أيقنت دون ريب أن هناك أمل لأن تحظي بقصتها الخيالية رغم كل شيء خاصة وقد تخلصت من العائق الذي كان يفرق بينهما وأصبح الطريق ممهداً لحبها كي يظهر للنور رغم هذه العقبة الصغيرة لكنها واثقة أنهما يستطيعان تخطيها سوياً.
دلف إلي شقتهما معصوب العنين تمسك خديجة بيده بينما يقول هو بحيرة:
ليه بس ده كله؟ أول مرة تبقي بالغموض ده ياديجا.
قولتلك عاملالك مفاجأة، افتح عيونك وقولي بقي إيه رأيك فيها؟
رفع العصابة عن عينيه فتفاجئ بالردهة وقد فُرشت بالكامل، تأمل المكان بعيون شع فيهما الإعجاب قبل أن يستدير مواجهاً إياها يجيب لهفة ملامحها بابتسامة رائعة وهو يقول:
مفاجأة تجنن طبعاً، قدرتي تعملي كل ده امتي؟
قالت بحماس:
النهاردة الصبح، بصراحة لقيت معرض الموبيليا اللي اشترينا منه أوضة النوم عامل عرض يجنن علي مفروشات الصالة وان العرض ده لأول خمس مشتريين، طبعاً مكنش فيه وقت أكلمك، خدت شنطتي وفوريرة علي هناك، كنت تالت واحدة اشترت وفزت بالجمال ده كله عشانا.. والحقيقة انا فرحانة قوي ان الفرش عجبك.
اقترب يمسك يديها قائلاً بحنان:
أي حاجة منك بتعجبني، بس مكنش فيه لزوم تتعبي نفسك، أنا قلتلك ان ربنا فرجها علينا ونقدر نفرش الشقة كلها من أي مكان يعجبك.
طالعته بحب قائلة:
مفيش حاجة اسمها تعب بينا، إحنا بنعمل اللي علينا عشان يجمعنا بيت يكبر فيه حبنا، ومش معني ان فيه رزق من ربنا جالنا يبقي نهدره علي حاجات ملهاش لزوم، إحنا داخلين علي تكوين بيت وأسرة ومحتاجين كل قرش عشان نقدر نعيش وولادنا كمان يعيشوا صح.
اتسعت ابتسامته يتأمل ملامحها الجميلة بعشق قائلاً:
أنا عملت إيه عشان أستاهل ملاك زيك؟
زي اللي أنا عملته بالظبط عشان أستاهل راجل زيك، ربنا يباركلي فيك ياحبيبي.
قوليها تاني.
انت حبيبي وقلبي وروحي يايحيي.
طب كفاية بقي عشان كلمة كمان وأنا مش مسئول عن رد فعلي واحنا الاتنين لوحدينا والشيطان تالتنا ياروحي.
انتبهت لوجودهما وحدهما للتو فقالت باضطراب:
إيه ده إحنا لوحدنا بجد؟
ابتسم بينما تتراجع هي قائلة:
آه إحنا لوحدنا صحيح بس متستقلش بيا، ده أنا معايا الحزام البني في الكاراتيه.
وأنا معايا الإسود.
استدارت علي عقبيها تهرول مغادرة المكان قائلة:
يبقي إجري يامجدددي والهروب نص الجدعنة علي فكرة.
هرول خلفها يضحك ملئ شدقيه وهو يغلق الباب بسرعة قائلاً:
طب استني بس هوصلك.
قابلني عند العربية.
ليضرب يحيي كفاً بكف وهو يتبعها قائلاً:
البنت معندهاش ثقة فيا خالص، عملت إيه يايحيي عشان خديجة تتجنن بالشكل ده لما عرفت إنكوا لوحدكم.
لتمر بخاطره بعض الذكريات حين كانوا يطلون الحوائط بالألوان المختلفة والتي كانت من اختيار حبيبته ينتهز كل الفرص للاقتراب منها واختطاف قبلة أو عناق، جعلته يقول بمرح:
لأ عملت كتير الصراحة، بس إحنا كاتبين كتاب ياديجا، انتِ قولتي لما نكتب الكتاب، استني بس وأنا أفهمك.
وهتعملي إيه دلوقتي ياريم؟
مش عارفة ياخديجة؟ محتارة أواجه سندس باللي سمعته ولا أعمل عبيطة.. طب هقولها إيه؟ إني فهمت من كلامها إنها كانت متفقة مع ماجد عليا؟ هتقول إن اتجننت وبقيت بتوهم ومش بعيد تحبسني في مصحة نفسية مستغلة تقارير الصدمة العصبية اللي حصلتلي بعد وفاة بابا ومحاولة انتحاري.
واحنا يعني هنسكتلها؟
مش هنسيبك وهنخرجك منها.
علي ماتعرفوا مكاني هتكون قدرت تحولني لمريضة نفسية فعلاً بمساعدة دكاترة لا عندهم قلب ولا ضمير.
طب والحل؟
مش عارفة.. هصبر شوية وأشوف الدنيا هتمشي معايا إزاي.
ولحد مانشوف هتفضلي عايشة معاها في بيت واحد؟ خطر ياريم، الست دي بقت خطر كبير عليكي.
بالعكس.. طول ماهي حاسة اني مش عارفة حاجة واني زي ما أنا هكون بأمان، لو اتصرفت طبيعي هقدر أخدعها لكن لو اتغيرت معاها يبقي وقتها بجد مش هكون بأَمان.
وهتفضلي كدة لحد امتي؟
أطل بخاطرها فرقّ صوتها وهي تقول:
لحد ماأتأكد من حاجة، وقتها هخلص من سندس وابن أختها للأبد.
حاجة إيه دي؟
هقولك ياخديجة بس اوعديني الأول محدش يعرف حاجة عن الموضوع ده.
أوعدك.
دلتفت إلي المنزل ففوجئت بصوت رجل غريب يتحدث مع العمة سندس، ماإن رأتها الأخيرة حتي رحبت بها بشكل مبالغ به بعض الشيء وهي تقول:
تعالي يابنت الغالي، ده أنا مستنياكي من بدري.. اتأخرتي ليه؟
متأخرتش ولا حاجة، أنا لسة مخلصة البروفة وجيت علي هنا علطول.. هو إحنا عندنا ضيوف؟
هنا تدخل عزت الذي تابع بصمت، يتطلع إلي جمال هذه الفتاة الملائكي ورقتها التي عبرت عنها خلجاتها بعيون تكاد تلتهمها لم يستطع سوي ارخاء أهدابه بعض الشيء حين وكزته سندس حتي لا تدرك مااعتراه الآن من رغبة في هذه الفتاة لا يعادلها أي رغبة في سواها فقال علي الفور:
عزت عبد المجيد، ابن صاحب والدك محمود عبد المجيد الله يرحمهم ويرزقهم الجنة، كان صاحبه الروح بالروح لحد ما سافر الامارات وبعدها انقطعت أخباره.
الله يرحمهم.
قطبت سندس حاجبيها بينما تردف ريم:
بس أنا أول مرة أسمع الإسم ده، يعني بابا عمره ماجابلي سيرته انت متأكد انه كان صديق والدي؟
طبعاً متأكد، ده والدي بنفسه الله يرحمه قبل مايموت طلبني ووصاني أدور عليه.
قطبت جبينها قائلة:
تدور عليه؟
طالعت سندس عزت بحنق فهز كتفيه قبل أن يقول بارتباك:
كان موصيني أبلغه السلام يعني، وأقوله ان عمره مانسيه وإنه دور عليه كتير بس الظاهر إنكوا كنتوا مسافرين.
فعلاً ورجعنا من فترة.
للأسف ملحقتش أبلغه السلام، الله يرحمهم هيتقابلوا في الجنة بإذن الله.
بإذن الله.
بس أنا مكنتش أعرف ان للمرحوم بنت جميلة بالشكل ده.
آفندم.
أنا مش بعاكس والله، أنا بس متفاجئ ان عمي صادق كان ليه بنت لإنه مجبش سيرة لبابا عنك.
انت مش بتقول ان أخبار بابا انقطعت عنه من يوم ما سافر الامارات يبقي هيقوله إزاي بس؟
مطت سندس شفتيها تطالعه بنظرة "ألم أخبرك عن ذكائها؟"
تشرفنا ياأستاذ....
عزت.. عزت محمود عبد المجيد.
هزت رأسها قبل أن تقول:
سلامك وصل وياريت لو بعد إذنك تمشي لإننا زي ماانت عارف اتنين ستات لوحدنا وميصحش يعني....
آه طبعاً.. احمم.. عن إذنكم وفرصة سعيدة جداً ياآنسة ريم.
اتجه للخارج ترافقه سندس حتي توقف علي عتبة الباب لتقول له الأولي بحنق:
مش قولتلك الموضوع فاشل، بس انت اللي مصدقتنيش.
هو الموضوع صعب بس مفيش حاجة مستحيلة علي عزت حبيبك.
ماشي ياحبيبي، لما نشوف آخرتها معاك.
آخرتها قشطة ياسوسو.. سلام.
غادر المنزل بينما أغلقت الباب خلفه تستند إلي ظهره وهي تهز رأسها بيأس.
كانا يقفان متواجهين، شعرت به قبل حتي همسه باسمها، دفء محيطها واضطراب خفقاتها أخبراها بأنها تقف في حضرته، لتنظر إليه وكأنها تراه، ينادي قلبها...
دعني أنل حلمي فأكون لك بكل جوارحي وتكون لي إدماناً كفنجال قهوتي الذي لا يحلو يومي قبل ارتشافه.
بينما نادي قلبه..
لم تستطع أذرعي عناقك فاكتفيت بعناق عيني تحتضن تفاصيلك لا أدري هل أردت به سكوناً لخفقاتي أم جنوناً؟
أراك وكأنك خُلقت لتسكن مقلتي عوضاً عن نورهما.. حمداً لله أن رزقني إياك نوراً.
أسرتي فؤادي فصار مسكنك وحروف اسمك بين الجدران منقوشاً.
ليتني أكون لكِ كل شيء.
كما صرتي لي أنفاس حياة دونكِ أصير موءوداً..
أقولها بيقين قلبي..
لاتشبهين أحداً..
وقد صرت بكِ حبيبتي مسحوراً.
تحدثت الشفاه بعد القلوب فقالت بحيرة:
ليه صممت تاخد إذن من الشغل وتقابلني؟
كان لازم أشوفك بنفسي وأطمن عليكي.
للدرجة دي بتحس بيا؟
وأكتر.. صوتك كان ماليه حزن ومرارة، مس ألم قلبك قلبي.. فكان لازم أشوفك عشان تحكيلي همك.
زفرت قائلة:
همي كبير قوي ياجهاد.
معايا هيهون.. احكيلي.
أبتدي منين الحكاية؟ من أول ماجيت مع بابا مصر ولا من ساعة ماشفتك ولا لحظة ماقررت أسيب ماجد...
قاطعه بلهفة قائلاً:
انتِ سيبتي الحيوان ده؟
لم تخفي عليها لهفته فابتسمت تهز رأسها قائلة:
كان لازم أسيبه.
كان بيعاملك وحش.. مكنش يستاهلك.
أنا مسيبتوش عشان كان بيعاملني وحش.. أنا سيبته عشان....
صمتت وهي تشعر بالخجل، احمرت وجنتاها وجف حلقها لا تدري كيف تعبر عن مشاعرها في هذه اللحظة، استحثها يشعر بخفقات قلبه علي حافة الجنون، يقول بتوق:
سيبتيه ليه ياريم؟
بللت شفتيها تقول:
سيبته عشان....
صمتت وقد بدأت قطرات المطر في الارتطام بوجهها فأردفت بصدمة:
هي بتمطر؟
ابتسم قائلاً:
أيوة بتمطر في أغسطس، تخيلي؟ المطر خير زي الخير اللي هيملا حياتنا من النهاردة بإذن الله.
انت عندك شنب؟
قطب جبينه بقوة، لقد تغيرت نظرة عينيها، تحدق في مقلتيه مباشرة ثم تطوف علي ملامحه فتبعث في قلبه بركاناً يثور، أتُراها.......
أيوة شايفاك.. متفرحش قوي، أنا لسة عامية لكن بشوف صورة بالأبيض والأسود لما المطر بينزل.
يعني بجد انتِ شايفاني؟
هزت رأسها تبتسم بسعادة تطفر من عينيها الدموع حين رأت لمعان عينيه لتدرك أنه سعيد بدوره تعبر الدموع بمقلتيه في هذه اللحظة عن مشاعرهما العميقة.
قال بصوت أجش:
ريم أنا....
قاطعه صوت رنين هاتفها يردد اسم "حسن أبو علي" باستمرار.. قطب جبينه فرفعت هاتفها أمامه وقد هدأ المطر ثم توقف تقول بمرح:
الأستاذ حسن فاروق المحامي، صاحب بابا الله يرحمه ومربيني زي بنته ودي النتيجة.. حسن أبو علي.. ثواني بس هرد عليه.
أجابت الهاتف تقول بمرح:
آنكل حسن....
صمتت تقطب جبينها قائلة:
خير ياآنكل.. آه طبعاً.. امتي؟ دلوقتي علطول.. طيب مينفعش كمان ساعة.. طيب.. طيب.. أنا جاية حالاً.
أغلقت الهاتف فقال جهاد بقلق وقد لاحظ ملامحها المضطربة بعد هذه المحادثة:
خير ياريم؟ فيه حاجة؟
مطت شفتيها تقول بحيرة:
مش عارفة.. صوت آنكل حسن مش مريحني.. ده غير رسالته، عموماً هو طلب يشوفني دلوقتي حالاً.. أكيد فيه حاجة خطيرة.
أنا جاي معاكي.
مش هينفع.. افرض عايزني في حاجة تخصه أو تخص طنط سامية مراته، انت وراك شغل دلوقتي وأنا أخرتك أكيد، روح علي شغلك وأنا هروح لآنكل حسن ولو فيه حاجة هكلمك.
وعد.
وعد.
موافق بس بشرط.
قطبت جبينها فأردف بمرح:
أوصلك لحد باب آنكل حسن أبو علي.. إيه رأيك؟
انفرجت أساريرها وهي تقول:
اتفقنا.
كانت تضع هذا السي دي _الذي منحها إياه العم حسن_ في جهاز اللاب توب، تري وصية أباها الأخيرة لها والتي وجدها حسن في خزانة تخص والدها، اكتشفها مؤخراً حين وجد في أوراقه رسالة من صادق تدله عليها، تسلمت زوجته هذه الرسالة منذ ما يقرب من العام ثم اختلطت ببعض الأوراق فلم ينتبه لها سوي البارحة، بدأ الفيديو لتستمع إلي صوت أباها يلقي عليها التحية، لقد افتقدته بقوة يإنّ قلبها الآن لسماع صوته، تود لو اخترقت الشاشة وأسرعت إليه ترتمي في حضنه تخبره كم اشتاقت لأمان وحنان وكنف وجدتهم فقط.. في حضرته.
بدأ والدها الكلام يقول بنبرات حزينة تعجبت لها..
بنتي ريم.. لو بتشوفي الفيديو ده يبقي أنا خلاص توفاني الله وروحت لمكان أحسن من هنا بكتير.. روحت لمامتك.. حبيبتي ليلي اللي عاشت طول عمرها في قلبي وهتفضل في قلبي لآخر لحظة في حياتي، أنا مش خايف من الموت ولا بفكر فيه حتي، لكن مامتك زارتني امبارح في المنام والحلم كان غريب فقلت لازم أسجلك الفيديو ده يمكن ملحقش أعمل حاجة من اللي ناوي أعملها وعشان كدة لازم أحذرك، هبعت الفيديو لحسن عشان أضمن انه يوصلك و لإنه الوحيد اللي هيقدر يساعدك.
قطبت جبينها تردد هامسة:
قصدك إيه يابابا؟
متستغربيش.. هفهمك كل حاجة.. أنا اكتشفت من كام يوم حاجات كتير، أولها ان سندس اللي اتجوزتها عشان تاخد بالها منك اتجوزتني بس عشان الفلوس لا حبيتني ولا حبيتك ولا نفرق معاها أصلاً، ده غير ان هي وعيلتها شبكة نصابين ومستعدين يعملوا أي حاجة عشان خاطر الفلوس.
أخذ نفساً عميقاً قبل أن يردف:
أنا كتبت كل حاجة باسمك، مش عارف في اللحظة دي الخطوة دي كانت صح ولا غلط لان لو جرالي حاجة المجرمين دول ممكن يعملوا أي حاجة عشان خاطر الفلوس.
قالت في نفسها:
متخافش يابابا.. أنا هاخد بالي من نفسي.. متقلقش عليا.
اسمعيني كويس ياريم لو حصلي حاجة سيبي البيت وروحي لجدك.
قطبت جبينها بقوة تقول:
جدي؟
أيوة جدك.. والد مامتك، الحاج فهمي الشبراوي.. عنوانه في مرسي مطروح.. مكتوب علي السي دي، أنا عارف انك دلوقت حيرانة ومتلخبطة وبتسألي، لما أنا ليا جد عايش علي وش الدنيا ليه معرفش عنه حاجة، الموضوع طويل لكن هختصرهولك، أنا كنت مهندس زراعي بسيط اتعينت في بداية حياتي في مرسي مطروح، قابلت هناك والدتك.. حبيتني وحبيتها، كانت مخطوبة لابن صديق جدك، حاولنا نقنعه بحبنا رفض طبعاً وصمم يجوزها لابن صاحبه، هربنا واتجوزنا ومن بعدها سافرنا الإمارات ولما جيتي الدنيا بعتنا رسالة لجدك تطلب فيه والدتك السماح لكنه رد علينا بكلمتين "بنتي ماتت من اللحظة اللي خرجت فيها عن طوعي" ولما والدتك ماتت بجد وبعتله رسالة أبلغه فيها مردش عليا وعرفت وقتها انه لسة مصمم يقطع أي صلة بينا وبينه.
وازاي عايزني أروح لواحد موت بنته بالحيا عشان حبت؟ مفتكرش راجل زي ده ممكن يساعدني أو حتي يهتم بيا.
وكأنه يحفظها ويحفظ تفاصيلها يجيب عن كل تساؤلاتها:
ريم اسمعي كلامي.. جدك رغم كل شيء راجل صعيدي يعني مستحيل يتخلي عن حفيدته لو لاقاها في ورطة، روحيله ياريم لإنه الوحيد اللي هيقدر يحميكي.. وسامحيني يابنتي.. لولا سوء تقديري مكنتيش اتورطي الورطة السودة دي.. أنا آسف بجد وكل اللي في أيدي دلوقتي اني أدعيلك من كل قلبي عشان تكوني بخير.
انتهي الفيديو ولم ينتهي سيلان فيض دموعها، لهذا بدا والدها شارداً في أيامه الأخيرة ولهذا بدا متردداً يوم وفاته وكأنه يريد الافصاح عن مكنون صدره ولكن شيء ما وقف حائلاً بينه وبين ذلك، استطاعت بصعوبة تمالك نفسها لتخرج السي دي من مكانه و تضعه في حقيبتها ثم تخرج من الباب الخلفي فلا طاقة لديها الآن للخوض في حديث مع العم حسن حول فحوي وصية والدها الأخيرة ترغب فقط في الذهاب لجهاد وحينها ستستطيع أن تدلي بمكنون قلبها فترتاح... كلية.