تحميل رواية «لا تخبري زوجتي (زهرة)» PDF
بقلم الكاتب اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ب مونت كارلورواية لا تخبري زوجتي الفصل الأول 1لم أكن قادره علي فتح فمي، لقد حذرني بالموت منذ صغري، ترسخت الفكره في ذهني بعد أن وجدو دعاء صديقتي مذبوحه في المصرف القريب منا، بداء الأمر في عمر التاسعه عندما كنت العب ودعاء علي السلم، حينها اغرانا بقطع شيكولاته جميله، اجلسنا علي حجره بالتناوب ووعدنا بمزيد من الايس كريم والشيكولا اذا حضرنا كل يوم دون أن نخبر أهلنا، كنا أطفال ولم نتمكن من مقاومة الشيكولالكن دعاء شعرت بالألم بعد أن قام بقرصها حتي احمر جسدهاحينها قالت لي انها لم تذهب هناك مره اخري، بعده...
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الحادي والستون 61 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
كيف حالك سولين؟
اه، زهره بربك لا تقولي انك هنا في غرفتي وقت الفجر للاطمئنان علي حالي؟ قالت سولين وهي تفرك العماص في عينيها!
إنطقي، هناك مصيبه؟ أدم لا سمح الله اعترف لك بحبه؟
قطبتي وجهي، سولين لا تمزحي من فضلك، انا وآدم مجرد اخوه.
ثم انا حضرت هنا من أجلك، اعتقد ان هذه ليست طريقة ترحيب معتبره!
تقتحمين غرفتي بعد الثانية فجرا وتطلبي مني أن أرحب بك ترحيب لائق!؟
اسمعي يا فتاه، انا احفظك اكثر من نفسي، والان افتحي فمك اللعين، انا اسمعك!!
كيف ابداء، اسمعي سولين تعلمين انك بمثابة اختي وان همومك تعنيني، لذا اذا كان هناك ما تودين البوح به، فأنا هنا من أجلك.
والذي جعلك تعتقدين يا خنفساتي ان لدي أسرار قد أبوح بها إليك؟
حدقت في عيون سولين، عيون لاتعرف الكذب.
قلت هناك شيء، استطيع رؤيته خلال بؤبؤي عينيك.
زهره، انت لا تتوقفين عن اللف والدوران مثل فأره، ثعلبة ماعز، الشمس ستشرق قبل أن تعلني عن نيتك.
أشرت لسولين ان تبتعد عن حافة السرير، خذي جانب، قلت، استلقيت على السرير جوار سولين.
لقد رأيته!
رأيتي من سيادتك؟
الشاب الذي كان يلاحقك سولين، الذي كان ينتظرك أمام المنزل ثم تبعك من بعيد.
تسأل ما قصته؟
تقصدين الشاب البحار الذي يرتدي بنطال رملي؟
من غيره قلت، انا لم أري سواه في هذه الأنحاء.
وتتعقدين انه يلاحقني؟
انا متأكده أنسه سولين ليس مجرد اعتقاد، كان ينتظرك تحت الشرفه ثم قام بملاحقتك!
وانت، زهره!! استخدمتي حاسة الشم الخاص بك لتتخيلي قصه خرافيه؟
سولين، ألقيت بجانبي ناحية وجهها المنهك من التفكير، احكي!
ليس هناك ما احكيه للأسف، كان بودي ان اتحفك بقصة حب استثنائيه مثل تيتانيك، او عندما تسقط النجوم، لكن صديقتك في تلك اللحظه ترغب بالنوم، تمطت سولين وحدفت يدها فوق جانبي.
حان وقت الرحيل، إلا إذا كنتي تنتوين النوم هنا الي جواري.
حسنا انسه سولين، قلت وانا انهض، إذا رأيت ذلك الشاب يقف مره أخرى تحت شرفتي ستعلمي ماذا سأفعل به؟
قالت سولين وهي تتثأب، أنه يزعجني أيضا، لذا اذا قررتي ضربه، لا تترددي في منادتي.
سولين، حقيقه، ليس هناك حب؟ قلت وانا واقفه علي الباب.
أنت مجنونه زهره، الحب سيء، شرير، يوقعنا في المشاكل، هل أبدو لك غبيه؟
بطريقي نحو غرفتي لم أشعر برغبه في النوم، كانت غرفة ادم مضاءه، فكرت ان اطرق بابه واتسامر معه، لكن الوقت متأخر.
هبطت للطابق الأرضي، صنعت فنجان قهوه وجلست خارج المنزل أمام البحر مع نفسي أدندن وأغني، بقايا قمر حزين تطالعني من عل.
كيف لهم أن يعلمو انه ليس كل من يناجي القمر يشعر بالحب؟
بل ربما يشعر بالوحدة ولا يجد أي شخص يستمع إليه.
تذكرت عوني، تبقي أسبوع من المهلة التي منحتها اياه، فكرت هل سيصلح الوضع فعلا؟ ام انه سيجد مخرج ما، لا يرضيني، حينها سأضطر فعلا لتحطيمه، لا أشعر أني أظلمه، على العكس، ما سأقوم به يستحقه تماما.
سأنتقم لنفسي وكل الفتيات الذين قام بتحطيمهم، رغم اهتمامي بالرسم الا ان فكرة تسريحي من كلية الهندسه بتلك الطريقة المهينه ظلت اتعس لحظاتي.
كنت منطلقه في مسار جيد، لم أرتكب أي خطاء، اسمي بداء يتسلق لوحة الشرف، ثم فجأة بمطرقه قذره سحق عوني أمنياتي وتركني متشققه كل شروخ تنز ذل.
نعم، يا عوني، انت اكبر أعدائي في الوقت الحاضر، تقبع تمامآ في قائمتي تحت الحب!
ضحكت، كركرت، بدا صوتي واضح حتى أن البحر نفسه سمعني ورد على بموجه هائله ارتطمت بالشاطيء وكادت أن تصل قدمي.
أحدث عن الحب كأنني خضت ألف قصه وأنا التي لا تعرفه حقا ولا أؤمن بوجوده.
لست وحيده في ذلك الشأن، ادم نفسه لم يتزوج بعد، لم يحب، او هكذا يبدو لي.
آدم؟ لماذا لم أحاول من قبل أن أسأله عن ماضيه؟ وهل سيمتلك الشجاعة ليتحفني بغراميته؟
علي أن أسأل نفسي أولا لماذا أنا مهتمه بالحب؟ تلك الفتره، رغم انني أقنع نفسي انني لست مهتمه!؟
كائن آخر يشارك طموحاتك وجدول اهتماماتك هل هو موجود حقا!
تبداء القصة بالحب وتنتهي بالأوامر والتحكمات هكذا هو الحب في عالمي.
هنالك، تحرير نفسي من منغصات التصقت بي والقمر ينظرني اخترقت البحر.
اندفعت نحوه، غصت خلاله ليطهرني من اثام الأفكار غير المألوفه التي استحوذت علي.
ضمني البحر، قبلني، احتضنني، حتى منتصفي وداعب جسدي النحيل.
البحر غدار يا زهره مثل الرجال، اوله لين يبهرك، يعجبك وآخره هلاك محبط.
راحت سمكات صغيرة تتحرش بقدمي العاريتين ولطمتني موجه مفزعه بللت صدري، غمرني الماء كلي.
أنتِ، يا خنفساء، يا ضفدعة المجاري، ماذا تظنين نفسك فاعله ذلك الوقت؟
أريد ان أوضح لك ان فكرة الانتحار في البحر ليست مجديه.
اخرجي فورا قبل أن أحضر إليك واحملك فوق ظهري مثل كومة برسيم!
كان ادم واقف في شرفته لا أعلم منذ متى يرمقني بنظره مبهره هكذا.
تصورت، سأخرج، أنا مستسلمه.
ليس لديك حل آخر، أما ان تخرجي، وأما ان أجبرك على ذلك.
لن اسمح بموتك في حياتي.
ثم إن الماء بارد وتدنيسي لحرمته هذه اللحظة ليس من نيتي.
سأصاب بالبرد وأتزكم عليك اللعنه.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثاني والستون 62 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
كيف تكتشف امرأة تكذب عليك؟
لا تقول من نظرة عينها أو طريقة كلامها. لقد عرفت نساء مخادعات، وأستطيع أن أقول لك أنهن بريئات، مسكينات ورائعات. لكن النساء مثل الرجال، لديهن القدرة على الخداع والمناورة. عندما لا يرغبن بقول شيء، يبتكرن الحيل. لكني أضحك، إنهن لا يعرفن القدرة التي حباني بها ربي. فأنا لدقائق قليلة، قبل أن يتحدثن، أكون داخل عقولهن. أعرف ما يفكرن فيه. لذلك عندما يختلقن كذباتهن الصغيرة من قبيل: "أنا لم أحب من قبل." "لم أعرف أي رجل في حياتي." "ليس لدي صديقات." "أنا وحيدة مثل دب قطبي." "أنتحب طوال الليل، والنوم يجافيني." "أكتفي بالصمت." "أرحل." "أقول: اعتذر، إنني خذلتك." "ولا مرة قابلت فتاة بريئة في حياتي."
لكنها من نوعية منقرضة. لقد أدركت ذلك دون أن أتجسس على عقلها. لقد كان في عينيها نظرة مظلمة تخبرك أنها قاست للحد الذي يجعلها لا تحتاج للكذب. واضحة، مباشرة، ليس لديها ما تخسره. إنها زهرة الراحلة لمضارب الغنم في وطني.
لا تنقلب على فراشك. أن تعرف أكثر، يعني أن تتألم أكثر. أراها الآن غارقة في البحر وقت الفجر. ليس لدي رؤية واضحة عن نواياها، لكنني أشعر أنها تعاني من الاضطراب. ليست متزنة، على وشك أن ترتكب حماقة!
في ذهنها أقضي بعض أوقاتي، أتجول بحذر، مرعوب من فكرة أن تقبض علي. ففتاة مثلها لا يمكن أن تتوقع ما تستطيع فعله. لمح لها أن سولين كاذبة. كذبت عليها. إنها حقاً لا تعترف بالحب، لكن ذلك لا يعني أنها لم تتورط في علاقة. إنما رغبت بكتم سرها لأنها تخشى من الفشل. فتاة في الثانية والثلاثين من عمرها، وشمتها الحياة بعشرات الخيبات. لا يمكنها أن تشارك مخاوفها، أحزانها، أحلامها مع أي شخص غير نفسها.
بمرور العمر، نتفهم أن هناك بعض الأوقات والمواقف علينا أن نعبرها وحدنا، دون أن نتشاركها مع إنسان آخر، بغض النظر عن ملامح تلك الحركات، فإنها تظل خفية.
إنني لا يمكن أن أقول إن سولين مخطئة في احتفاظها بسرها، مثلما لا يمكنني تبرئتي من كوني سارق أفكار زهره.
في هذه الحياة، كن قريب من الله، ثم اجعل أيامك تمضي كيف تشاء. أقسم لك أن أوراق الأشجار التي تسقط من جذعها الأم ليست عاقة أو خائنة، إنما قذفتها ريح جافة قوية بعيداً لتسحق بعد ذلك بنعال أحذية متعفنة.
وأنا ألعب في ذهن زهره، أنا اللص البعيد المستلقي على ظهري في بلد بعيد لأكتشف أسرارها. وكلي أمل أن أزف إليها بعض الأفراح، أن أكشف لها سر سولين. وقتي انتهى.
خرجت من البحر - مرتعشة من البرد، غسلت نفسي، مع إشراقة الشمس خلدت للنوم.
شجار، هكذا أفتح عيني في الفترة الأخيرة على عراك بين سولين وآدم. وكأن على زهره التعيسة أن تحل مشاكل العالم، ولا تكتفي بمشاكلها الخاصة.
مترنحة بصداع نما في رأسي منذ الأمس، أفرك عيني، أقول: مرحبًا!!
سأتكفل أنا بالطبخ، الكنس، الغسيل، والكي.
اصمتوا من فضلكم، أنتم تتشاجرون داخل رأسي.
أغسل وجهي بماء بارد. لا أحد يشعر بما يدور في داخلي. أشمر قميصي، أجلي أطباق الأمس، أرتبها.
أمسح الأرضيات المتربة وظهري يكاد يصرخ من الوجع.
أغسل الملابس، أقوم بكيها.
في المطبخ أعد وجبة خفيفة من أجل آدم. رأسي يؤلمني، كأن مجموعة من البجع تسبح داخله.
من قبل لم يحدث لي ذلك. لماذا أشعر أنه غريب؟
أصنع فنجان قهوة وأختلي بنفسي. بعد يومين سنرحل. لدي لوحاتي، عوني، والكثير من الأفكار المرهقة التي تجعلني أضجر.
سولين خارج المنزل، وليس متوقع أن تحضر قبل غروب الشمس.
أحتار، كيف يقضي آدم أوقاته بمفرده دون أن يشعر بملل؟
نسكن منزلًا واحدًا، لكنه لا يحتاج إلينا. لديه حياته الخاصة.
هل من الممكن أن يوقف إنسان كل وقته من أجل العمل دون أن يهتم بشيء آخر؟
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثالث والستون 63 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
اعترف أحيانًا بأخطاء لم أرتكبها لأريح دماغي. حسنًا، لأريح دماغي، سننتهي من تلك القصة!
جمعت لوحاتي، صديقاتي وبناتي، داعماتي وقت المحنة. أجبرنا آدم أن نساعده في جمع أغراضه المبعثرة في كل مكان بشكل فوضوي مقزز. إنه مجرد طفل كبير عندما يتعلق الأمر بالانضباط والتنظيم.
حشرت سولين، التي تراجعت عن موقفها في آخر لحظة، ملابس آدم في الحقيبة وألقت بها بطريقة مهينة في مؤخرة السيارة بجوار اللوحات. جلس آدم خلف عجلة القيادة. اعترضت سولين: "أنا أيضًا من حقي أن أسوق".
"لكن لكنّ أدم رخصة قيادة." رجح موقفه. لابد أن أذكر هنا أننا في الفترة الأخيرة يتم اتخاذ القرارات بالتصويت.
وصلنا المنزل بعد أذان العصر، وعمل كل منا على ترتيب أغراضه. ليس آدم بالطبع. لقد عاد لاتخاذ دوره كسيد المنزل، وبدأت سولين تعامله بطريقتها، تقول "سيد آدم" وهكذا.
كان ينتظرني يوم باهت الملامح. بالغد علي الذهاب للجامعة لأرتطم بوجه عوني وأرى كيف سارت الأمور. ينتابني شعور مقبض تجاه ذلك اللقاء، ضيق في صدري لم أشعر به منذ أيام الطفولة. ذلك الشعور الذي يجعلك تعتقد أن الأمور لن تسير على خير.
استيقظت من النوم حدود الساعة العاشرة صباحًا. أقلني آدم في طريقه ناحية الجامعة. ألح علي لمرافقته لكني رفضت. لم أر ضرورة لذلك.
قابلت بعض الوجوه التي أعرفها، بعضها مرحب والبعض الآخر غير مهتم. كان علي أن أقصد مكتب عوني. هكذا فعلت، لكن المكتب كان مغلقًا. أخبرني حارس الأمن أن دكتور عوني توقع حضوري هذا الصباح وأنه ينتظرني في مدرج رقم ٥، آخر مبنى في الكلية.
عبرت الطريق نحو القاعة التي كان ينتظرني فيها دكتور عوني بمفرده.
بدأ عوني حديثه بالاعتذار. قال إن الأمر سري ولا يحتمل أي سقطات، وإنه أراد أن يكون كلامنا لخطورته في مكان معزول.
كانت القاعة خالية وهذا ما أراح عقلي، إذًا حاول عوني ارتكاب أي حماقة فأنا قادرة على ردعه.
جلس عوني بعيدًا عني، لكن صوته كان واضحًا رغم انخفاضه. "لقد أخذت تحذيرك على محمل الجد أنسة زهرة. هذا أولًا لأنه حقيقي، لأنك اجتهدتي وتستحقين أن تنالي الدرجات التي تستحقيها."
أخرج عوني كراسة إجابتي وألقاها نحوي. كان قد أعاد تصحيح درجاتي ومنحني الدرجة الحقيقية التي استحقه.
"نحيت المادة جانبًا، وبقية المواد؟"
ضحك عوني. "لم أنس كل ذلك طبعًا. طالبت إخوتي الأساتذة بإعادة تصحيح أوراقك." وأخرج من حقيبته بقية كراسات الإجابة، والتي بمعاينتها أدركت أنني نلت كامل الدرجات. امتياز.
سعل عوني، تنحنح. "هكذا سارت الأمور، أديت جانبي من الاتفاق. الآن دورك بشمهندسة زهرة!"
"ماذا تعني؟" قلت.
"أن تحذفي المحادثة التي قمتي بتسجيلها من فضلك."
"قلق أنت يا عوني؟"
"لماذا علي إلا أشعر بالقلق؟ مستقبلي المهني على المحك، سمعتي، مصيري، وكل شيء."
"لكني لم أعدك بحذف المحادثة. أتذكر ذلك بوضوح دكتور عوني."
"حسنًا، الأمور تغيرت. ثم إنني أعتقد أنه لم يعد هناك بعد أي سبب لابتزازي!"
"أنا لم أبتزك، كنت أطالب بحقي. لكن إذا كان هذا سيريحك، أعدك أن أقوم بحذفها."
"الآن طالبني عوني، كانت نبرته متحذرة، التي تشعرك أن ليس لديه ما يخسره."
"ماذا الآن؟"
"لديك كل الأدلة والحقائق. اخرجي هاتفك من فضلك، أريحي قلبي."
مددت يدي لأخرج هاتفي من الحقيبة لكني شعرت أن نظرة عوني تتغير. بؤبؤي عينيه يدوران وسط عينه بطريقة مريبة.
"نسيته" قلت في آخر لحظة، "لكني أقسم لك أنني سأقوم بحذفه."
"لا أصدقك،" قال عوني وهو ينهض من مكانه. "أريني حقيبتك؟"
"لا،" قلت، "ليس من حقك تفتيشي!"
"إذا كنتي صادقة لماذا كل ذلك الخوف يا زهرة؟"
"قلت لك نسيت هاتفي."
اقترب عوني أكثر، أصبح إلى جانبي، حملق بحقيبتي المغلقة، لمسها قبل أن يحاول جذبها.
"انهريته، قلت ابتعد، لا تحاول لمسي."
"يا زهرة..." تنهد عوني. "أنت تجبريني أن أرتكب أشياء لم أفكر بها من قبل!"
حدقت بباب القاعة، كان قريبًا مني. كل ما علي فعله هو الركض.
أخرج عوني صوت صفير في اللحظة التي بدأت فيها الركض. دلف رجلان من باب القاعة ثم أغلق الباب خلفهما.
"اجلسي،" قال عوني بنبرة آمرة.
شعرت بالرعب، صرخت وحاولت الالتفاف.
"زهرة، اجلسي، لا تدفعيني لأجبارك على أشياء لن تسرّك."
"سنسوي ذلك الأمر، أنا..." اه، يضطر المرء أحيانًا لأرتكاب بعض الحماقات رغمًا عنه. قال عوني: "أنت لا تجعلين الأمر سهل يا زهرة. ادفعي إلي حقيبتك."
تشبثت بالحقيبة، احتضنتها. لوح عوني لأحد الرجلين، قال: "أحضره من خلفي." وحين التففت تلقيت لكمة على وجهي ومعها سحبت حقيبتي.
سقطت على أحد المقاعد الخشبية قبل أن أرتطم بالأرض.
"لنرى ما تخفين هنا،" قال عوني وهو يسقط محتويات الحقيبة على المنضدة. "ربما تخفين فوطة طبية وتخشين أن يفضح أمرك." ضحك عوني.
ها أنا. نهضت وأنا أترنح، شق وجهي الأيمن لا أشعر به. تناول عوني هاتفي المغلق ببصمة الإصبع.
"اقتربي، افتحي الهاتف اللعين." أحاط بي الرجلان بخشونة، أجبراني على السير تجاه عوني.
"ضعي إصبعك القبيح هنا،" وأشار عوني للوحة الهاتف. قبض عوني على يدي، جر إصبعي ووضع عقلته على موضع القفل. انفتح الهاتف.
ضحك عوني، اتكأ بظهره على المقعد وتصفح الاستديو.
"أين تخفيه؟ ليس لدينا اليوم بطولة. انطقي!"
دفعني أحد الرجلين على ظهري بكف يده حتى انحنيت. أشرت للتسجيلات.
فتح عوني التسجيل، استمع له بتركيز قبل أن يقوم بحذفه.
"أترين الأمر سهل أنسة زهرة!"
قلت: "هل انتهينا؟ امنحني هاتفي من فضلك، دعني أرحل."
"لا، لا!" زعق عوني. "أنت غبية جدًا يا زهرة. لقد انتظرت تلك اللحظة أربعة عشر يومًا. أفكر في تلك اللحظة وكيف أحظى بأنتقامي. تعتقدين أنني سأتركك ترحلين هكذا بسهولة؟"
"فعلت ما ترغب به دكتور عوني، اسمح لي بالرحيل،" قلت وأنا أستشعر الخطر.
"زهرة، عزيزتي، أنا لم أنتظر كل ذلك الوقت من أجل تسجيل فارغ. ليس لدي ضمانة أنك لم تقومي بنسخها."
"أقسم أنني لم أنسخه، ليس لدي واحد آخر."
"أنا أصدقك يا زهرة وهذا يريح صدري. هكذا سأفعل ما أنوي فعله ببالٍ رائق."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الرابع والستون 64 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
شعرت زهره ببعض الضجه خارج القاعه، صرخت طالبه للنجده، لكن أحد الرجلين كمم فمها بيده المتعرقه المتسخه.
"حسنًا،" قال عوني وقد شعر بالخطر، "خذوها للداخل!"
انفتح باب داخلي لغرفه خلف منصة الدراسه، اجتروا زهره خلاله، وكان عوني آخر من دخل، وأغلق الباب خلفه.
"قيدوها،" أمرهم عوني وهو يريح مؤخرته على المقعد، ثم لعق طرف أصبعه بلسانه، أحد عادات الطفوله التي لم يفلح في التخلي عنها وكان يتعرض للعقاب من والدتها بسببها.
قيدوا يدي زهره في المقعد، أدركت زهره الخطر المحدق بها، لكنها أخذت نفسًا عميقًا مقاومة مشاعر التوجس والخوف وحاولت أن تفكر بعقلانيه.
أحد الرجلين كان يرتدي قفازات مطاطيه، وكان يقوم بتصرفات ممنهجه حتى الآن، أشار لفم زهره، "الطليق حتى الآن."
لمح عوني الإشارة، قص قطعة من بكرة اللاصق ووضعها على فم زهره.
"ستسير الأمور بخير،" حاولت زهره أن تطمئن نفسها، جلست زهره على المقعد بلا حراك وكان عوني يحدق بساعته، "علينا أن ننتهي الآن،" قال وهو ينهض من مكانه.
"عليك أن تتفهمي آنسة زهره أن ما أقوم به الآن فعل اضطراري من أجل الحماية. كما قلت سابقًا وهذا لا يعني أنني لا أصدقك."
ضحك عوني، "إنه ليس هناك ضمانة على أنه ليست لديك نسخ أخرى من التسجيل الصوتي. لذا، سأقوم بالتقاط بعض الصور الجميلة لأحتفظ بها في هاتفي في حال سول لك عقلك ابتزازي مرة أخرى! ولأن علي الصور أن لا تكون عادية سأقوم بنفسي بشق ملابسك وتصويرك."
زمجرت زهره واهتز المقعد أسفلها.
"اهدئي من روعك زهره، أعدك أن لا أقوم بنشر صورك على الانستا أو في مواقع مشبوهة. وهذا من أجل الذكرى آنسة زهره."
أمسك عوني بطرف القطعة البلاستيكية ونزعها تاركًا ندبة حمراء ناجمة عن انسلاخ الجلد عنها.
صرخت زهره مدفوعة بألم لا يطاق، ألم بها فجأة وارتعش جسدها تحت ثقل الماضي الذي راحت ذكرياته تنجرف نحوها بسرعة إعصار مذبذبة داخلها كل ذكرى من الثقة بنتها على مدى عشرين عام تاركًا إياها ممزقة!
"لستِ كما تبدين - على الأقل،" قال عوني وهو يسمع اصطكاك أسنان زهره! التي انزلقت دموعها المالحة على خدها الناعم.
"اتركيني من فضلك!"
ضحك عوني، "الآن بدأنا،" أردف وهو يكركر من الضحك، "القطة لديها ماضي سيء."
أمسك عوني بشحمة أذن زهره، "حان وقت الاعتراف، أخبريني آنستي ما الذي حدث معك وأنتِ صغيرة وتذكرتيه الآن."
شهقت زهره من الحزن واليأس، "في هذه الحياة لا أحد يتركنا في حالنا أبدًا."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الخامس والستون 65 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
زهره...
وعض عوني شفتيه بطريقة مقززة: "تعلمين أنني مضطر لفعل ذلك، حتى لا تثيري البلبله مرة أخرى. أنا أستاذ جامعي ولدي مكانتي. أتفهمين ما يعني أن تكون دكتور جامعي مرموق؟ لن أسمح أن يُلطخ اسمي بالوحل، المكانة التي أتبوؤها، لقد بذلت مجهود خرافي للوصول إليها."
"لذا عزيزتي..." وشق عوني قميص زهره: "بداخلك ستجدين المبرر لما أقوم به الآن."
التقط عوني عدة صور متنوعة في أوضاع مختلفة لزهره، وحدق بهاتفه.
"ليس كافٍ." لعق عوني شفتيه مرة أخرى.
رفع يده، وتعرضت زهره للطمة أفقدتها وعيها لبعض الوقت. عندما فتحت زهره عينيها، وجدت عوني جالسًا يراقبها.
"لم أرغب بالرحيل قبل أن أودعك زهره." رمق عوني ساعته: "كلفني ذلك نصف ساعة كاملة."
اقترب عوني من زهره المكبّلة، لعق رقبتها بلسانه، قبلها وهي تحاول التملص من قيودها.
قبل أن ينهض ويوجه أوامره للرجلين: "أخرجوها من هنا، لا تجعلوا أحدًا يراكم، انقلوها بعيدًا عن الجامعة قبل أن تقوموا بتحريرها."
أولاهُم عوني ظهره ورحل.
قال أحد الرجلين: "علينا أن نتصرف بسرعة." ثم حدق بزهره بنظرة تهديدية: "إياكي أن تفتحي فمك."
قال الآخر والذي بدا متمرسًا: "علينا أن نفقدها وعيها."
ثبّت أحدهم ذراع زهره، حقنوها بإبرة منومة وحملوها ملفوفة بقماش لخارج القاعة، ألقوا بها في سيارة التموين بين البضائع المرتجعة الرابطة خلف القاعة.
رغم إرهاقه وتوقعه أن ينام عشرة ساعات على الأقل، تلوى شكري على فراشه غير قادر على غلق جفونه. كان هناك شيء غامض يمنعه عن النوم، شيء يتفهمه شكري ويعرفه، هناك شخص يعرفه في خطر لكنه غير قادر على تحديد شخصيته. ثم إن في عقله العديد من البشر الذين يعرفهم، وفي حال رغب في تحديد الشخص المقصود، عليه أن يستحضرهم في عقله، لمحة سريعة من واقعهم البعيد، من أجل ذلك.
أعد فنجان قهوة، جلس في الشرفة مغمض العينين، وسرعان ما راحت الصور تتدافع على عقله في متوالية هندسية عبقرية.
كان شكري يكتفي بلقطة صغيرة قبل أن يبدل الصورة بأخرى.
لقطات من حياة أكثر من مائة شخص تتصارع في ذهنه، كان يكفيه أن يرى أحدهم نائمًا أو مبتسمًا أو يتناول طعامه ليبدل اللقطة بسرعة.
بعد أن وصل العدد لخمسين شخصًا وكان شكري على وشك اليأس والإقلاع عن الفكرة، ظهرت زهره.
كانت مقيدة في مقعد يحيط بها رجلان جلفان، وأمامها رجل خمسيني نحيل بدا وكأنه يستجوبها وهو يسقط محتويات حقيبة نسائية على الطاولة.
فتح شكري عينيه: "زهره إذًا؟"
تلك الفتاة الطيبة في ورطة؟ كان يعلم أنها في مصر وأن وصوله إليها مستحيل، فهو لا يعلم كيف ستؤول له الأمور في موقفها الصعب.
أخرج هاتفه واتصل بمالك المعرض الذي وضعت فيه لوحات زهره الأخيرة، كان يعلم أنه في مكتبه يراجع بعض الصفقات.
عرّف شكري بنفسه وطلب منه رقم زهره لأنها واقعة في مشكلة، لكن صرح أنه لا يمتلك أي أرقام هاتفية لزهره.
لكن لديه رقم هاتف مديرة أعمالها وتدعى تلا، دون شكري الرقم في ذهنه واتصل بتلا التي كانت حينها نائمة وقت العصر ولم يتوقف هاتفها عن الرنين حتى جاءه صوت تلا.
طلب منها شكري رقم هاتف زهره لأنها واقعة في مشكلة ووضح أنه سيشرح لها كل شيء في حينه لأن الوقت ليس في صالحهم.
ارتعبت تلا من كلمات شكري الذي لا تعرفه، حتى اضطر شكري أن يذكر لها بعض حالات زهره التي تعرفها تلا وحدها.
لكن هاتف زهره كان مغلق حين اقترحت تلا أن يتواصل شكري مع آدم.
ومنحته رقم هاتفه.
عندما سمع شكري صوت آدم، أمره أن ينطلق بسيارته الكيا بأقصى سرعة نحو الجامعة التي تدرس فيها زهره لأنها في ورطة، وإذا تأخر ربما يصيبها مكروه. خلال قيادته للسيارة، شرح شكري لآدم موقع القاعة، ومواصفات الرجال الذين كانوا يعذبونها.
أنهى آدم المهاتفة وقاد لداخل الجامعة قبل أن يترك سيارته على مقربة من القاعة ثم تابع ركضًا طريقه لداخلها.
كانت القاعة خالية، لا وجود لأي شخص فيها، لكن حقيبة زهره وبقايا محتوياتها كانت مبعثرة على الطاولة.
توقف آدم للحظة يفكر قبل أن يهاتفه شكري مرة أخرى ويطلب منه اقتحام الغرفة المتوارية خلف منصة التدريس.
اندفع آدم بكل سرعة نحو الباب المغلق ونجح في فتحه في نفس اللحظة التي ألقى فيها الرجلان بجسد زهره فاقدة الوعي في السيارة.
عندما فقدت زهره وعيها، انتفت قدرة شكري على معرفة مكانها لبعض الوقت، مما اضطر آدم لترك الغرفة والركض مرة أخرى للبحث عن عوني وكان شكري قد دله على مواصفاته ومكانه.
اقتحم آدم مكتب عوني الذي كان حينها يطالع صور زهره التي قام بالتقاطها وعلى وجهه ابتسامة ساخرة.
قبل أن يعي عوني ما يحدث، أغرقه آدم في وصلة من اللكمات والركلات التي أدمت جسده وتركته على الأرض كتلة من اللحم مسجاة بالدماء.
حطم آدم هاتف عوني مائة قطعة وهو يصرخ بهيستيريا تقترب من الجنون مطالبًا عوني أن يدله على مكان زهره.
عوني الذي شعر بدنو أجله وأن ذلك الشاب على وشك قتله، اعترف أن رجلين تحت إمرته يقومان تلك اللحظة بنقل زهره خارج الجامعة.
طلب منه آدم أن يهاتف الرجلين فورًا ويطلب منهم التوقف حتى يلحقوا بهم.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل السادس والستون 66 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
بصق عوني لعابه المختلط بالدم، ولديه شعور بائس أن معدته تفسخت من ركلات ذلك الشاب المجهول، وربما كسر أحد أضلاعه. وهو يعتدل، أطلق أنينه عميقًا وطويلًا. أخرج من جيب سترته هاتف ٣٣١٠ ماركة نوكيا، حدق بسجل المكالمات قبل أن يضعه على أذنه بصعوبة.
راح الهاتف يرن، وأطلق عوني سبه: "رد يا ابن..."
لكن رسالة مسجلة وصلته جعلت جسده يقشعر. فعل عوني ميكروفون الهاتف ليسمع آدم الرسالة: "الهاتف الذي تحاول الاتصال به قد يكون مغلقًا."
ركل آدم يد عوني، طوح بالهاتف لبعيد.
"أتظنها لعبة؟"
وأطبق على عنق عوني بكلتا يديه. نخر عوني مثل خنزير، وخرج لسانه اللعين المرطب بقبلة زهرة. أدرك أن عليه أن ينطق قبل أن يفقد حياته.
"أقسم لك أيها السيد، أنها ليست لعبة، وأن هاتفهم اللعين مغلق."
اعترف ورفع عوني راحة يده وهو يتنفس بصعوبة: "إنني احتجزت زهرة، لكني أمرتهم بإطلاق سراحها خارج أسوار الجامعة."
قبض آدم على ياقة عنق عوني وجره لخارج المكتب.
"سنبحث عنها معًا، أقسم أن أصابها مكروه أني سأقتلك."
استسلم عوني ليد آدم القوية وسار خلفه محاولًا أن يبدو بصورة طبيعية حتى لا يثير الشبهات. حينما وصلا سيارة آدم، جلس عوني في المقعد بلا مقاومة، يفهم تلك اللحظة وهو يشعر بالإهانة أن حياته أهم من كرامته. لطالما التف حول المواقف البايخة جاعلًا إياها في صالحه.
هاتف آدم شكري وطلب منه أن يحاول أن يخبره بمكان زهرة، رغم أنه حتى الآن لم يفهم إن كان شكري ساحرًا أو عرافًا.
"أنا أحاول"، قال شكري وهو يتنهد بصعوبة، "لكن كما تعلم، زهرة فاقدة للوعي. عندما تصلني منها أي إشارة سأخبرك."
انطلق آدم في الطريق الذي توقعه عوني أن يكونا الرجلان قد اختاراها لإطلاق سراح زهرة، وكلاهما يرمق السيارات المتوقفة والماره حتى قطعا مسافة طويلة قبل أن يعرج لطريق آخر. هكذا دواليك والوقت يمر دون أن يلمحا أي أثر لزهرة أو للسيارة التي كانت داخلها.
خلال كل ذلك، كان عوني يحاول الاتصال بهاتف رجليه دون فائدة. حتى عندما استعان عوني بأحد أصدقائه الذي يعمل في شركة اتصالات، أخبره أن الرقم الذي يحاول الاتصال به مغلق ولا يمكن تحديد مكانه، لكن آخر مكالمة صدرت منه كانت في منطقة وسط البلد تحديدًا شارع المتولي.
قاد آدم السيارة نحو الشارع المعني، وطلب من عوني أن يفتح عينيه وينظر صوب كل اتجاه حتى لا يفوته الرجلين. ورغم قيادته ببطء وهو يحرق ألف سيجارة، لم تظهر سيارة الرجلين أو أي سيارة قريبة منها.
بعد أن ابتعدا عن الجامعة، قال أحد الرجلين وكانا قد وصلا لشارع خالٍ:
"دعنا نلقي بها هنا؟"
قال الآخر، وكان يدعى بانجو، وهو يحدق بـ زهرة المخدرة:
"ليس بعد، علينا أن نتركها خارج المدينة."
قاد السيارة على الطريق الدائري مبتعدًا عن العمران حتى راحت المباني تقل وتنعدم.
قال الرجل لبانجو:
"هنا، دعنا ننهي تلك المهمة اللعينة ونستمتع بالمال قبل أن..."
يضحك ويردف:
"شوشو تنتظرني على أحَر من الجمر."
حدق بانجو بوجه صديقه، وكانت لديه نظرة قاسية:
"سنتخلص منها بعد أن نستمتع بها ونقضي معها بعض الوقت."
اعترض صديقه:
"هذه مخاطرة، طلب منا عوني أن نطلق سراحها."
زعق بانجو بزمجرة:
"اللعنة على عوني، ذلك النحيل النذل! لن أتركها حتى أستمتع بها."
كانت السيارة قد وصلت لمنطقة خالية وتوقفت على جانب الطريق.
هبط الرجل من السيارة وقال بعصبية:
"ما الشيء المميز بها حتى تعرض مهمتنا للخطر؟"
تنحنح بانجو:
"طوال عمري أحلم بمضاجعة فتاة بنت ناس، وهذه طالبة في كلية الهندسة، سيكون لها مذاق مختلف عن تلكم الحمقاوات التي نجمعهن من تحت الكباري ومحلات الملابس الوسخة."
اعترض زميله:
"امنحني حصتي من المال، هنا نهاية رحلتي معك، لن أتقدم خطوة. افعل بها أنت كما تشاء، لكني لا أبادل شوشو بأي امرأة على وجه الأرض."
صمت بانجو لبرهة، قطب جبينه وظهرت سجّة طويلة على كامل خده الأيمن:
"حسنًا، سأمنحك حصتك من النقود."
وضع يده في جيب بنطاله وأخرج مسدسًا صغيرًا، صوبه على جمجمة زميله وأطلق رصاصة اخترقت العظم، ثم نفخ في فوهة المسدس ودسه في جيبه مرة أخرى.
"يمكنك الآن ملاقاة عاهرتك شوشو في الجحيم."
ترنح الرجل قبل أن يسقط بكل ثقله على الأرض. راقب بانجو الطريق الخالي لدقيقة قبل أن يحمل جثة زميله ويلقي بها في مؤخرة السيارة إلى جوار زهرة المخدرة.
بعد أن اطمأن، عاود القيادة مرة أخرى حتى وصل مزرعة مهجورة على الطريق الصحراوي، انعطف بالسيارة نحوها وسرعان ما اختفت في الصحراء. تسير على درب غير ممهد جعلها تتأرجح وتهتز بشدة حتى ارتطمت رأس زهرة بمعدن السيارة واستعادة وعيها جزئيًا.
عندما فتحت عينيها، وجدت نفسها محشورة في مؤخرة السيارة، منطوية على نفسها، والى جوارها جثة رجل بدا ميتًا.
حركت زهرة جسد الرجل الملتصق بها لتبعده بعيدًا عنها، حينها التصقت بمادة لزجة جعلت زهرة تشعر بالقرف.
أبعدت زهرة يدها بسرعة وقربتها من عينيها على ضوء بسيط تسلل من مؤخرة السيارة غير محكمة الغلق، شاهدت الدماء تلطخ كل يدها.
وأطلقت صرخة مهولة من الرعب.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل السابع والستون 67 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
سمع بانجو صراخ زهره في مؤخرة السيارة.
ولأن المجرمين لا يتركون شيئًا للحظ، ورغم علمه أن المزرعة مهجورة، إلا أن بانجو ألقى بقية سيجارته من نافذة السيارة قبل أن يضغط على الفرامل.
ضربت السيارة حين توقفت فجأة، معترضة على الطريقة الهمجية التي تم بها الأمر.
قفز بانجو من السيارة محملًا بكميات من الغيظ والضيق.
ما إن فتح صندوق السيارة حتى ضرب زهره على خلفية رأسها بكوعه وهو يصرخ: "اصمتي يا عاهرة!"
فقدت زهره وعيها مرة أخرى، وسقط رأسها على صدر الرجل الميت المجاور لها، لينغمس في بقعة دم كبيرة.
في تلك اللحظة التي استعادت فيها زهره وعيها، سمحت لشكري بتحديد مكانها، لكن بصورة مرتبكة.
كل ما استطاع قوله أن زهره في صندوق سيارة داخل مزرعة مهجورة على الطريق الصحراوي.
حدد مكانًا افتراضيًا حتى يسهل على آدم البحث، وطلب منه مخابرة الشرطة، لأنها مساحة كبيرة ولن يستطيع آدم بمفرده تطويق كل المنطقة، حيث توجد عشرات المزارع في ذلك المكان.
اتصل آدم بالنجدة عن طريق أحد أصدقائه من الضباط، والذي وعده بالتحرك بأقصى سرعة.
كانت سيارة آدم تقطع الطريق بلا توقف، منعطفًا تجاه كل مزرعة تقابله في طريقه.
احتاجت كل مزرعة أكثر من نصف ساعة من التفتيش.
هنا شعر آدم باليأس لأول مرة في حياته منذ وفاة والدته.
وألقى باللوم على نفسه لعدم مرافقة زهره نحو الجامعة، لكنه لوم متأخر لن يساعد في إيقاف جريمة شنيعة على وشك الحدوث.
حاول بشتى الطرق أن يمنع تلك الصور التي غزت عقله، تصور زهرة مهشمة الرأس ملقية على الأرض ميتة.
لكن أبشع الصور هو مظهر زهره عارية، مغتصبة، محطمة.
لكم عجلة القيادة بقوة حتى كاد يفقد السيطرة عليها.
"لن أسمح بذلك"، ردد بصوت صاخب.
كان بانجو قد وصل أخيرًا لعش قش خالٍ.
قيد زهره فاقدة الوعي وألقى بها داخله، قبل أن يعمل على نقل جثة زميله إلى عرض الصحراء، وتركها للكلاب لتنهشها.
كان يعلم أنه مجرد مجرم مهمل مثله، ولن يبحث أحد عنه.
بعد مضي نصف ساعة، عاد مرة أخرى لعش القش.
هناك سمح لنفسه، وهو يتأمل زهره، بتدخين لفافة تبغ محشوة بالحشيش، تحوطه صور فاخرة لزهرة الجميلة في حضنه، تتأوه من الوجع.
لكن الصور العجائبية من إبريق الشهوة سرعان ما رحلت عندما سمع صافرة سيارة الشرطة تصرخ في المزرعة المجاورة له.
حمل زهره على كتفه، بعد أن أخفى السيارة بين مجموعة من الأشجار الكبيرة وغطاها بقماشة كبيرة، قبل أن يقوم بثقب إطارها ليوهم من يحضر بعد ذلك أنها مجرد سيارة كهنة غير صالحة للاستخدام.
انطلق حاملًا زهره خلال كتل الرمل، مقتحمًا عمق الصحراء، موقنًا أن الطريقة الأمثل أن يختفي بين تلال الرمل والصخور حتى ترحل الجلبة وييأس الشرطة من البحث عنه.
بخبرته الإجرامية، أدرك أن الشرطة ستطوق كل الطرق.
لذلك حرص على الابتعاد عن الطريق العام.
غاص بانجو خلال الصحراء، يحوطه ظلام حالك، على نغمات نباح الكلاب وعواء الذئاب.
بعد كيلو تقريبًا، ألقى بزهره على الأرض وجلس ليسترد أنفاسه.
كانت فرق الشرطة تفتش المزارع، آدم أيضًا يساعد في عمليات البحث رفقة عوني.
وصلت إحدى فرق الشرطة إلى المزرعة التي كانت فيها زهره، لم تجد سوى سيارة قديمة متهالكة.
لم يشك أحد أن ملكيتها تعود لبانجو.
ثم إن عوني لم يكن حاضرًا ليؤكد أنها نفس السيارة التي اختطفت فيها زهره، بعد أن تحفظت الشرطة عليها.
خيرًا، قبل الصباح، كانت الشرطة قد فتشت كل المزارع المجاورة للطريق الصحراوي، ولم يتم العثور على زهره.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثامن والستون 68 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
كان هذا أقصى ما تستطيع الشرطة تقديمه من مساعدة. رسميًا، لا يتم البحث في بلاغ اختفاء شخص إلا بعد أربع وعشرين ساعة، لكنها كانت مساعدة سرية من ضابط صديق.
مضى ليل طويل على آدم. الضابط الذي كان على وشك آدم وهو يواسيه قال: "كأن الأرض انشقت وابتلعتها. فتش رجالي كل المزارع ولم يجدوا إلا سيارة متهالكة."
حين انتصب آدم في مكانه، مرددًا: "سيارة؟"
الضابط: "أجل."
"من أي نوع؟" سأل آدم بسرعة.
"أعتقد ٥٠٤ ماركة بجو."
ضرب آدم الطاولة. إنها هي نفسها التي أخبره شكري عنها. كيف فاته ذلك؟ كان عليه أن يخبر صديقه عن السيارة.
دون انتظار، قاد آدم سيارته رفقة الضابط نحو تلك المزرعة. كانت السيارة في مكانها عندما وصلوا. الإطارات مثقوبة. مرر الضابط يده.
"لقد تعمد أحدهم إتلاف الإطارات."
فتح صندوق السيارة ليفاجأ بلطخة من الدم التصقت بكل معدن السيارة.
انهار آدم في مكانه، فاقدًا القدرة على الحركة. استمر صمته طوال أربع ساعات، حتى أكد تحليل الدم أنه يعود لشخص آخر وليس زهرة.
حينها فقط استطاع أن يبتلع أنفاسه ويدخن سيجارة. لم يتخيل أبدًا أن يصل الحال إلى هذا الحد. إذا كان ذلك الشخص الذي يختطف زهرة قام بقتل أحدهم، فلن يتراجع عن قتل زهرة أيضًا.
أصبحت قضية رسمية الآن. وعده الضابط أن يبذل كل جهده للعثور على المجرم.
في منتصف النهار، تمكنت فرق البحث من العثور على جثة ممزقة ملقاة بجوار المزرعة على بعد نصف كيلو.
كانت الظلمة كالحة عندما فتحت زهرة عينيها. مقيدة من كلتا يديها وقدميها. إلى جوارها، تكوّم جسد بانجو منتشٍ بجرعة أفيون زائدة.
حاولت زهرة أن تعاين المكان، لكن عينيها لم تسعفها. وأحتاجت لأكثر من عشرة دقائق صامتة حتى تستطيع رؤية الرمال والصخور.
حرصت أن لا تصدر أي صوت. بانجو ليس غريبًا عنها، تعرف وجهه، وتعرف أيضًا أنه ينتوي قتلها، بل ربما اغتصابها أيضًا.
إلى جوار بانجو، إبرة طبية ساقطة على الأرض.
حاولت زهرة أن تفك قيد يديها، لكنه كان محكمًا. راحت تفك بقدميها حتى ارتخت العقدة.
بمساعدة من يديها، تخلصت من القيد. نالت قدميها حريتها واستطاعت النهوض من مكانها.
سارت بخطوات بطيئة بعد أن تخلصت من حذائها، مبتعدة عن بانجو الذي كان يتخيل أشياء ويهلوس في نومه.
الصحراء ممتدة أمامها، بحر من الرمال الناعمة المختلط بحبات الصخر التي راحت توجع راحة قدميها.
في كل خطوة كانت زهرة تقطعها مبتعدة عن بانجو، كانت روحها تعود إليها. بحثت عن الأضواء في كل مكان بلا فائدة. ليس لديها أي علامة تستطيع الاستعانة بها.
ارتفع عواء الذئاب. ارتجف جسد زهرة. ذئاب الصحراء لا ترحم، ستمزقها بقسوة!
وقفت زهرة في مكانها لدقيقة، تفكر بعمق، متأملة الظلام والصمت. الرعب الذي راح ينهشها.
بعدها، مشت زهرة عائدة مرة أخرى للمكان الذي كانت فيه، على بعد عشرة أمتار من بانجو. جلست على الأرض متكئة على صخرة صغيرة.
تنتظر أن يفتح بانجو عينيه ويستعيد وعيه، محاولة بشتى الطرق التخلص من قيود يديها قبل تلك اللحظة الحاسمة.
اقترب صوت عواء الذئاب. تمتلك الذئاب عيون خارقة وقوة شم لا غبار عليها.
خلال ربع ساعة ستصل لمكانها، حينها لا تعلم ما يمكن أن يحدث.
دق هاتف آدم. كانت الساعة تشير للحادية عشر مساءً. حدثه شكري بصوت لاهث.
"زهرة حية، في عمق الصحراء مقيدة، ليس بعيدًا عن المزرعة التي تركت فيها السيارة. عددت كيلومترات على الأكثر."
حضر آدم مسدس مرخص كان يخفيه في خزانة ملابسه. خلال لحظات، انطلق بسيارته وحيدًا بكل سرعة نحو المكان المتوقع.
بعد خمسة وأربعين دقيقة من قيادة متهورة، وصل المزرعة.
عرج خلال الدرب الذي يصل إليها. استمر آدم بالقيادة حتى تقطعت به السبل. في كل مرة كان يهاتف شكري، والذي كان يدله على الطريق حتى وصل للنقطة التي اضطر فيها أن يوقف السيارة ويكمل طريقه سيرًا على الأقدام، مستعينًا بكشاف كهربائي.
فتح بانجو عينيه بكسل. راح يتمطى لدقيقة ويهز جسده. وصل إلى مسامع عواء الذئاب القريب. بحث عن مسدسه وأخرجه من جيب بنطاله.
نهض جسده، لكن ظل جالسًا على الأرض. إلى جواره، عندما التفت، لم يجد زهرة.
"اللعنة!" زعق بانجو وهو ينهض. حدق بساعته. كلفته جرعة الأفيون أكثر من ثلاثة أرباع الساعة. على حسب توقعاته، زهرة لم تبتعد. إذا كانت أفلحت في فك قيودها مع وجود الظلام وتهديد الذئاب، ستسير ببطء.
مسح المكان بعينه. مشى عدة خطوات في كل اتجاه، وفي كل مرة كان يقف ويحلق في الجوار. لاحظ آثار خطوات زهرة المبتعدة عن مكانه. تقصى أثر الخطوات أكثر من مائة متر قبل أن يتوقف أثر القدم المطبوع في الرمال. احتار بانجو في تحديد المسار.
عاد مرة أخرى للمكان الذي كان راقدًا فيه. بداية أثر أقدام زهرة كان يشير تحديدًا للمكان الذي كانت ملقاة فيه على الأرض على مقربة منه.
ضرب بانجو رأسه بمؤخرة المسدس قبل أن يقرر أخيرًا أن يمشي خلف أثر قدمي زهرة الذي انقطع على بعد مائة متر.
كانت زهرة قبل أن تقرر العودة إلى مكانها، مشت في اتجاه المزرعة. ولو أنها واصلت السير في نفس الاتجاه، ربما مائتي متر أخرى وتظهر أضواء الطريق الصحراوي.
في الجهة المقابلة، كان آدم يقطع الطريق، مقلصًا المسافة التي تفصله عن المواجهة بينه وبين بانجو إلى مائة وخمسين مترًا.
لمح بانجو ضوء الكشاف المتجه نحوه من بعيد. دون تفكير، كمَن خلف إحدى الصخور راقدًا على بطنه، شاحذًا مسدسه، متأكدًا أنه محشو بالرصاص ويده على الزناد.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل التاسع والستون 69 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
كان آدم يقطع الطريق بحذر خلال الظلمة الحالكة التي تحيط به، متوخياً أقصى درجات الحذر بعدما تناهى لسمعه عواء الذئاب القريب.
على بعد خمسين ياردة من البقعة التي كمن فيها بانجو، اهتز الهاتف في جيب بنطاله. أجاب آدم المهاتفة المقتضبة التي وصلت إليه بغتة، ثم أطفأ كشافه.
كان بانجو قد سمع همسات من حديث الشخص الغريب المتوجه نحوه، ورغم اختفاء الضوء، فقد حذر أنه تفصله عنه أربعين ياردة الآن.
أدار المسدس في يده، وعلى وجهه ارتسمت ابتسامة ابتلعها الظلام. سيقتل ذلك الشخص اللعين الذي يتقصى خطواته حتى لو كان لواء شرطة، سيمزق جسده ويهشم جمجمته بصخرة، ثم يتركه للكلاب والذئاب تنهش لحمه، ثم يعاود البحث عن زهرة. لازالت أحلامه قابعة بين ذراعيها وصرختها نغمات تطرب ذهنه.
قتل بانجو شروده، مركزاً على الوضع الحالي. فكر أن ذلك الشخص ربما شعر بوجوده وأنه الآن يحاول الالتفاف من خلفه. شعر برعشة في مؤخرة ظهره، أو ببساطة رحل من حيث أتى، لكنه في مأمن تحت تلك الصخرة ولن يغادر مكانه حتى يتأكد تماماً من اختفاء الخطر.
يحمل آدم مسدس 9 ملم روسي الصنع لديه بكرة بعشرة طلقات، لكنه ليس بارعاً في التصويب. أعلمه شكري أن الخطر يتربص به، ليس بعيداً عنه، لكنه لا يعلم ما عليه فعله في تلك اللحظة، حتى إذا حاول الاتصال بالشرطة فإن صخبها سيحدث جلجلة وسيهرب المجرم.
مدفوعاً بروح الانتقام، قرر آدم خوض غمار ملاحقته مهما كانت العواقب.
عندما وصلت زهرة للمكان الذي تركته على بعد عشرة ياردات، كان بانجو لا يزال قابضاً تحت جرعة الهيروين. تحت صخرة قريبة، حفرت قبراً خلال الرمال لنفسها. عملت بسرعة وحذر وهدوء حتى استطاعت أن تخفي نفسها تحت الرمل، تاركة فسحة صغيرة لفمها وأنفها.
مع استيقاظ بانجو المرتبك من عواء الذئاب، مسح بانجو المكان بسرعة قبل أن يتقصى آثار أقدامها لأكثر من مائة متر.
في طريق عودتها، كانت زهرة قد مسحت آثار قدميها بالوشاح الذي كان على عنقها. الظلام كان في صالحها، نجحت خطتها. لقد فكرت أن المكان الأكثر أمناً للاختفاء قرب بانجو.
تنهدت بعدما ابتعد بانجو، وكانت على وشك الخروج، لكنه عاد مرة أخرى للبحث. اقترب منها للحد الذي استطاعت أن تسمع أنفاسه. ظلت زهرة تردد "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" في صمت حتى رحل بانجو.
هذه المرة سمعت خطواته تبتعد إلى ما لا نهاية، حين قررت ترك مكانها والهرب في الاتجاه المعاكس. نفضت الرمال عن نفسها، ركضت بكل ما أوتيت من قوة حتى اعترضتها الذئاب. كانت قريبة جداً منها وأدركت أن نهايتها حلت.
التجأت لصخرة، ارتقاها بصعوبة، لكنها ليست كافية للبعد عن الخطر المتربص بها. في تلك اللحظة، انطلقت رصاصة، شقت صمت الليل. تبعتها طلقتين، ثلاثة. اختفى صوت الذئاب المرعب.
بعد تلقيه مكالمة أخرى من شكري، بدا آدم متيقناً مما عليه فعله. أطلق رصاصة تجاه مكان بانجو، والذي رد عليه بطلقتين سريعتين كادتا أن تصيبه. في يد بانجو المتمرسة لا تخطئ هدفها حتى في الظلام.
ظل بانجو كامناً في مكانه بتربص، متحينًا اللحظة التي سيقترب فيها مطارده المجهول.
على بعد مائتي متر، لمح ضوء الكشاف مصوباً نحوه من بعيد. لاحظ أنه في وضعية مثالية، مميزة لقنص مطارده. الضوء في صالحه، ليس ضده. راح يزحف على بطنه بهدوء، حية، متوقفاً كل دقيقة ليتأكد أن الكشاف في مكانه.
بعد تركه الكشاف، ركض آدم مبتعداً عن المكان، راكضاً تجاه زهرة. لم يتوقف عن الركض، حريصاً كل الحرص أن لا ينادي باسم زهرة. معتمداً ومتمنياً صدق نبوءة شكري التي لم تخطئ حتى الآن.
ساعده بقاء زهرة في مكانها وعدم تحركها قيد أنملة. تابع آدم ركضه حتى اقترب من زهرة. عينه التي اعتادت الظلام لمحت طيفاً متكوماً على نفسه فوق الصخرة.
همس: زهرة؟
لم يأتيه رد.
همس مرة أخرى: زهرة أنا آدم.
آدم؟ زعقت زهرة. أنت حقاً آدم؟
أجل، اخفضي صوتك من فضلك.
وصل آدم للصخرة وساعد زهرة على النزول، محذراً إياها أن ترفع صوتها.
ألقت زهرة بنفسها في حضنه، كانت ترتعش، غير قادرة على الكلام.
علينا أن نتحرك بسرعة وهدوء، هل تفهمين ذلك؟
أحنت زهرة رأسها.
سمع آدم صوت طلقات رصاص. طلب من زهرة أن تركض. بعدها تحرك ضوء الكشاف وأدرك آدم أن المجرم أدرك حيلته.
كانت تفصلهم مساحة آمنة عنه، ببعض الحظ، بمساعدة شكري سيصلون للطريق العام قبل بانجو.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل السبعون 70 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
إسمه بانجو، قالت زهره وهي تسند نفسها بالكاد.
هزيله، مضطربه، لم تخرج من صدمتها بعد.
"قام بقتل أحدهم، أفرغ رأسه، رأيت مخه بعيني."
"اهدئي يا زهره، حاولت إدم طمأنتها. الشرطة في طريقها نحونا. الطريق العام على بعد خطوات، لن يستطيع مهاجمتنا هنا."
"أنت لا تعرفه يا آدم، بانجو، لا أعرف ما أقول، لكنه مرعب و متهور."
ظهر أمامهم الطريق الصحراوي وتمكنوا من رؤية السيارات العابرة بسرعة.
"اركضي، أمرها آدم، علينا أن نغادر هذا المكان."
وقفوا على جانب الطريق العام يلهثون من التعب، ينز عرق من أجسادهم، مولين الصحراء ظهورهم يلوحون للسيارات المارة بعدما أبْعد آدم فكرة المغادرة بسيارته.
تصلب بانجو صوب مسدسه وهو مختفٍ خلف دغل من الأشجار. أطلق ابتسامة مقيته.
"انتظر لحظة."
لم تغير زهره مكانها.
"إذًا، حاول إصابة آدم."
"هناك احتمال كبير أن تصيب الطلقة زهره."
أطلق لعنة كبيرة قبل أن يرفع فوهة المسدس. كانت هناك سيارة قد توقفت على جانب الطريق. ساعد آدم زهره على ركوب السيارة ثم جلس بجوارها.
انطلقت السيارة مبتعدة، بينما جلس بانجو على مؤخرته وأشعل سيجارته. ضيق حاجبيه وهو يراقب السيارة تبتعد. سحب سحبة مديدة من سيجارته مستغرقًا في تفكير عميق.
"لماذا هذه الفتاة بالذات؟ لديك العشرات غيرها؟"
دوي صوت زميله في أذنه. آخر كلماته قبل أن يقوم بقتله. تذكر تصويبه المسدس على رأسه وتفجير جمجمته.
لا يزال يحاول أن يقنع نفسه لماذا أقحم نفسه في المشاكل بسبب زهره. كان بإمكانه أن يؤدي المهمة، يبتعد عن المشاكل. لكن هناك شيء بداخله كان يطالبه بزهره بالذات.
استلقى بانجو على الرمال وسمع صافرة سيارة الشرطة.
"هؤلاء الأوغاد لا يتوقفون عن إزعاجه، كأن البلد تعيش في سلام وهو الشيطان الوحيد داخلها."
انهض بانجو جسده واختفى في الظلام يدندن بأغنية قديمة وصورة زهره تسير إلى جواره مبتسمة.
وصل آدم وزهره المنزل. اشتاقت زهره لغرفتها، كل ما رغبت به أن تلقي بنفسها على السرير وتستغرق في نوم عميق لا آخر لها.
أخذتها سولين في حضنها.
قبلتها تالا بابتسامة وهي تقول: "حمدًا لله على سلامتك."
ثم بنبرة ماكرة مازحة أردفت: "ما حكاية هذا الشكري أيضًا؟"
لم ترد زهره. تركت نفسها لسولين التي أخذتها نحو الحمام لتنعم بدش طويل وبارد.
تركت زهره المياه تنساب فوقها، مطهر يزيح كل الرعب الذي حل بها.
كانت تنتظرها مائدة عامرة. عندما خرجت، التهمت زهره الطعام. لم تكن تدرك أنها جائعة لهذا الحد، حتى أنها استخدمت يديها متخلية عن آداب الطعام التي تدربت عليها.
"على رسلك يا زهره،" قال آدم وهو يطوي ذراعيه. "أخشى أن أمد يدي لألتهمك."
لكن فم زهره كان ممتلئًا للحد الذي لم يمكنها من الرد.
"تلقى عوني العقاب الذي يستحقه، تم فصله من الجامعة في انتظار التحقيقات الجارية على ذمة القضية. ثم هناك خبر سعيد ينتظرك يا زهره؟"
"ما هو؟" قالت زهره وهي تمضغ الطعام.
ضحكت تالا: "قررت الجامعة إعادة تصحيح كل أوراقك بعدما تبين التلاعب فيها. اعترف عوني بذلك."
"رئيس الجامعة سيقدم لك اعتذارًا رسميًا يا زهره."
"جيد،" قالت زهره وهي تبتلع الطعام بصعوبة.
لكمها آدم على ظهرها.
"كي لا تختنقي يا زهرتي."
تعصبت زهره ولطخت وجه آدم بالجبن.
ساد جو من المرح والضحك عندما تجمعت الأسرة مرة أخرى. إنها اللحظات النادرة التي ندرك فيها نعمة اللمة والطمأنينة وراحة البال.
استأذنت زهره، كانت متعبة حقًا وكان عليها أن تذهب للنوم. بعد ذهابها لغرفتها، جمعت سولين، تالا وآدم جلسة جادة حول الأوضاع التي سادت خلال اليومين الماضيين.
في غرفتها بعد أن تخلت عن ملابسها، وجدت زهره نفسها تبكي. عليها أن تكون سعيدة، لكن دموعها غلبتها. هاجمها الإرهاق، قلة الحيلة والحزن، إنها أشياء لا حيلة لنا في ردعها وتأتي غالبًا دون موعد أو إنذار.
مسحت دموعها بساعد يدها العارية. لا يمكنها أن تفسر أبدًا شعورها بالوحدة رغم كل الأشخاص الذين حولها، هؤلاء الذين يعملون على راحتها ويتمنون سعادتها.