تحميل رواية «لا تخبري زوجتي (زهرة)» PDF
بقلم الكاتب اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ب مونت كارلورواية لا تخبري زوجتي الفصل الأول 1لم أكن قادره علي فتح فمي، لقد حذرني بالموت منذ صغري، ترسخت الفكره في ذهني بعد أن وجدو دعاء صديقتي مذبوحه في المصرف القريب منا، بداء الأمر في عمر التاسعه عندما كنت العب ودعاء علي السلم، حينها اغرانا بقطع شيكولاته جميله، اجلسنا علي حجره بالتناوب ووعدنا بمزيد من الايس كريم والشيكولا اذا حضرنا كل يوم دون أن نخبر أهلنا، كنا أطفال ولم نتمكن من مقاومة الشيكولالكن دعاء شعرت بالألم بعد أن قام بقرصها حتي احمر جسدهاحينها قالت لي انها لم تذهب هناك مره اخري، بعده...
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
هناك بعض المواقف التي كنت أشعر بعدها لن أجد نفسي، غير قادرة على التنفس أو السير.
يكبر الإنسان ويفهم أن كل شيء يعبر، بحلوه ومره، حتى تلك الأشياء التي كنا نعتقد أنها ستقتلنا معها، تمضي بنا الأيام وتصبح ذكرى.
لذا أنا لم أطير، لم أحلق بجناحي أو تبتلعني الأرض، مشيت تجاه بوابة الخروج ووجدتني أفكر بتروٍ في ما حدث معي. عوني كان يستحق صفعة، لكم وددت أن أركله على مؤخرته، لمت نفسي، ربما كان علي أن أمنحه ذكرى معتبرة، ذكرى أكبر، لكن بشكل آخر فعلت المتطلب مني، أفحمته في العار ولم يعد يهمني ما سيحدث بعد ذلك.
الدراسة مثلها مثل أي شيء آخر، من الوارد أن أفشل فيها، طالما أنني بذلت الجهد المتوقع مني فلست نادمة ولا حزينة.
اعتبرتها صفحة، طُويت، انتهت، ابتلعها المحيط داخله، محارة وغرقت.
اتخذت قراري بالتحويل لكلية الفنون الجميلة مع نهاية الموسم المنصرم، ولا أعلم لماذا اخترت هذا التوقيت تحديدًا بعد انتهاء امتحانات الترم الثاني مع أنه من المفترض أن أنهي كل شيء فورًا.
لكنني أحيانًا أتخذ بعض القرارات الحمقاء، متوغلة الإبهام، فاقدة الرشد التي تجعلني أضحك، فنحن نعيش مرة واحدة، من حقنا أحيانًا أن نفقد البوصلة وننسى الاتجاهات.
داخل السيارة التي يقودها سائق ضخم الجثة، ثخين، المقعد يئن من تحته، يدندن مع أغنية كاريوكي. السكة شمال في شمال، سرحت بخيالي لمنتصف مخيم الامتحانات حيث أؤدي دوري المنوط بي كطالبة في الصف الثاني بكلية الهندسة، القاعة مزدحمة، لكن ليس بمراقبي الجامعة فقط ولا حتى دكتور عوني وبقية الأوغاد، بل بصحفيين وإعلاميين، قنوات تلفزة، قمت بدعوتهم بنفسي، كطرف محايد لتصويري وأنا أجيب الأسئلة كلها بطريقتي الاحترافية في تحدٍ صارخ لأستاذتي وعميد الكلية. كل إجابة أكتبها ستكون مسجلة ولا يمكن تزويرها، ستتم مراجعة أوراقي عن طريق أساتذة جامعات أخرى يدرسون نفس المواد الهندسية.
حينها سأنال كل الدرجات التي أستحقها، سيتضح كم كنت مظلومة، وإنني أستحق أن يوضع اسمي في لوحة الشرف.
أطلقت ضحكة جعلت السائق يستيقظ من نومه، حملق بمرآة القيادة بعيون تراني وقحة، مجنونة.
انظر أمامك.
قلت بنبرة عنيفة.
كنت قليلة الأدب والحشمة، فليسامحني الله، لأنني حينها كنت في قاعة الامتحانات أجيب على الأسئلة تحت كاميرات التلفزيون المراقبة، وسط تشجيع دكتورة سارة من جامعة أكسفورد التي قمت بدعوتها أيضًا.
الأجرة يا آنسة؟
كانت السيارة توقفت أمام المنزل دون أن ألحظها.
اعتذرت للسائق ومنحته أجرته، أحيانًا أنسى أنني آنسة وأقوم بحركات صبيانية بشعة.
منذ مدة طويلة لم أشغل آدم بمشاكلي، حين اتخذت قراري بأن تكون لي كينونتي الخاصة كنت أعني ذلك.
الاعتماد على النفس لا يعني دفع كلفة غرفة أقيم بها فقط، بل أيضًا أن أحل إشكالياتي بمفردي وأتحمل نتيجتها.
عدت للرسم مرة أخرى، كانت لدي قصة انهزامية ترسمها فرشاتي على لوحة قماش لوجه حزين ووحيد، وجه يبكي بلا دموع، روح تتقاذفها الأمواج وليس هناك أي مرفأ قريب.
على مدى شهر كامل حبست نفسي داخل غرفتي، أرسم أذرع وأيادي، رؤوس، جذوع وآذان ومقل، أفكار مختلطة لأرواح متشابكة، لقد أصبح لدي معرضي الخاص.
لوحات مختلفة متنوعة لمصائر مجهولة، إنها من اللحظات النادرة التي منحني فيها القدر هبتي.
عندما فتحت باب غرفتي كنت متعفنة، أظن رائحة الزيوت والألوان وصلت حدود الشارع، بشعر متلون كقوس قزح استقبلتني سولين بوجه مصدوم.
من أنتِ؟
لصة؟
كيف وصلتي هنا؟
آدم؟
الشرطة؟
إسماعيل موسى؟
ثم حدقت بوجهي.
أنتِ زهرة التي تقطنين غرفة في الطابق العلوي وتعيشين معنا؟
قبل أن أفتح فمي أردفت.
ما الذي فعل بكِ ذلك؟ نقص حجمك النصف، أنتِ تشبهين جرذان مجاري، تعالي هنا، سأحميكِ بنفسي وأغسل أوساخك.
هيه، فنجان قهوة آنسة سولين من فضلك.
تهاويت على الأريكة في غرفة الاستقبال، بين المزهريات البلورية والتماثيل الجميلة وظلال مروحة السقف، مسترخية، ملقية برجلي الطويلتين على المنضدة ببنطالي الممزق وقدمي الملطختين بروث الألوان ومعدتي المنقبضة.
آدددددددددددم!
صرخت سولين.
زهرة فقدت عقلها.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
صراخ سولين كان مرتفعًا، مما دفع آدم، الكسول، لتحريك مؤخرته بسرعة والركض على درجات السلم.
"ماذا هناك سولين؟"
"انظر بنفسك لتفهم!"
حملق آدم بـ "زهره". "ما كل تلك القذارة؟ لحظة، أنت... كنت ترسمين طوال ذلك الوقت؟"
حرك ساقيه النحيلتين نحوها. تناول خصلة من شعرها. جزت أسنانها خشية أن يجذبها على طريق المزاح، لكن آدم لفها حول أصبعه وشم رائحتها. "زيوت رسم؟ من النوع المفضل لدي. سيد آدم، توقف من فضلك، شعري ليس هروين."
فهمت ما فكر فيه آدم عندما نظر تجاه غرفتها. شعرت بقدميه تتحرك. نهضت وكادت تسبقه.
لحقت بهما سولين غير الفاهمة نحو غرفتها. وقف آدم مبهورًا على باب الغرفة. حينها دفعته سولين من ظهرها.
"اسمح لي سيد آدم، ماذا يجري هنا؟"
ظل آدم واقفًا مكانه مثل لوح خشبي، يعاين بانبهار لوحاتها الساكنة.
"يمكنك أن ترحلي سولين. الأمر ليس هزليًا ولا حتى فوضويًا. هناك أعجوبة حدثت هنا، قامت بها زهره أثناء عزلتها الشهر الماضي، وأنا الذي كنت أظن أن لديها حبيب، أو تحاول تعلم المحشي؟"
تلمس آدم طريقه، وجلس في منتصف الغرفة تحيط به مزهرياتها، تحت ثرية نائمة. فتح عينيه على اتساعهما وأشعل سيجاره.
"التدخين ممنوع سيد آدم هنا،" أوضحت سولين القوانين.
"ليس تلك المرة أنسة سولين،" فرك آدم يديه. "هذه الخنفساء..." ورفع آدم يده ونفس الدخان من منخره. "...فظيعة."
"انظري لكل تلك الروائع التي تشبه عطور باريسية أنسة سولين، هذه الأحبار والزيوت واللوحات والوجوه التي تكاد تنطق. أخبريني بربك كيف فعلتي ذلك زهره؟"
"كنت مكتئبة سيد آدم ورغبت بإحداث ضجة."
"يبدو لي أنك نجحت زهره،" راح يملأ عينيه من الألوان ويبتسم.
شرد آدم، وغرق في تأملاته الفكرية. نسي. حينها غادرت الغرفة وجذبت سولين خلفها.
"اسمعي،" قالت سولين وهما تهبطان درج السلم، "حتى لو كان ما قمتِ برسمه عجائبيًا، دافنشيًا، إنغليزيًا، فان جوخيًا، سأنظفك بنفسي وأنتِ مضطرة للطاعة."
"بعد العشاء،" قالت بإصرار.
"ولا لقمة ستضعيها في فمك قبل أن تنظفي أوساخك زهره، هذا قرار نهائي. انظري لنفسك، أنا أكاد لا أعرفك أقسم بالله."
طاوعت سولين، ولمدة ساعة عملت على تنظيف الزيوت من شعرها وجسدها.
"أخيرًا أصبحتي إنسانية؟" قالت سولين وهي تفحصها.
"اعدي نفسك للعشاء، ارتدي ملابس أخرى. هذه الكيلو جرامات التي فقدتيها أتحمل أنا ذنبها."
"ولكن يا سولين أنا أتبع حمية غذائية؟"
"اللعنة على التخسيس، أنتِ، أنتِ تبدين مثل عصا مكنسة عزيزتي زهره، أستطيع أن أرفعك بيد واحدة."
كانت نحيلة فعلًا، لولا رباط بنطالها لسقط من وسطها. لقد قتلت نفسها في الرسم حتى تبخرت.
"زهره؟ مهما كانت آمالك وطموحاتك لا تنسي هويتك. إذا واصلتي على ذلك النسق ستقتلين أنوثتك، أنا أحذرك. لن يحدث هذا في منزلي."
"اخرجي عزيزتي زهره، صادقي فتيات، تسكعي. نحن لا نعلم ما ينتظرنا."
"الوصايا التسع للأخت سولين التي تقتل نفسها في العمل عوضًا عن البحث عن عريس."
"اصمتي زهره ولا تخلطي الأمور ببعضها البعض. سيحضر ذلك الشخص يومًا ما."
"أم تعتقدين أن علي أن أعرض نفسي في صفحات الجرائد؟"
"آسفة سولين، لم أقصد ذلك. تعلمين أنني أمزح."
عبرت لمحة حزن على وجه سولين، فكل فتاة تحلم بالزواج حتى لو أنكرت ذلك.
احتضنت سولين من وسطها لأنها أطول منها. "نحن جميلات جدًا أنسة سولين وليس ذنبنا أن الرجال أصيبوا بداء العملات."
"تفكرين في الزواج فعلًا زهره؟ أم أنها مجرد خدعة للهروب من المأزق؟"
شعرت بالتيه. طوبة انقذفت في مخها. وجدت نفسها غبية جدًا، حاقدة على نفسها والعالم لإغراقها في متاهات لطالما تحاشت أن تفكر فيه.
"ليس الآن سولين، ليس الآن." فكرت: حان وقت الركض والفرار. إذًا ضعفت، جاشت عواطفي، سأبوح بأشياء كثيرة ترعبني، سأفضح نفسي.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
كان متوسطًا غرفتي، ساقيه مطويتان، يقضم أظافره، مثل بوذا رأيته يغمض عينيه ويفتحها. لم يشعر بوجودي الخفي حتى لكزته.
"هيه يا رجل، استغرقت وقتًا طويلاً في شرودك، أعتقد أنك نسيت، أنت في غرفتي!!"
التفت آدم ناحيتي، كانت عيناه اللوزيتان محملتين بعبق الشهوة. مد آدم يده كي أجذبه لينهض، فعلت. عندما استوى جيدًا، قال آدم الناسك: "لابد أن نناقش بعض الأمور يا زهرة."
"سأهاتف تلا!"
"لدي جون فيلكس."
"جون فيلكس سارق، منذ الآن سأخط لجولاتك، يكفي جون فيلكس ما ناله من قبل، معدته ضخمة من الممكن أن يبتلع."
"لدي عقد احتكار مع جون فيلكس سيد آدم ولا أنوي الإخلال به."
"سأفاوضه،" قال آدم. "اتركي تلك الأمور الغويطة لـ تلا، ستجد الحل."
"تربطني علاقة سيئة مع تلا، لطالما اعتقدت أنها تكرهني رغم أنني حاولت أن أحبها، لكني لم أفلح. وحده الحب لا يمكن إرغامه على شيء."
رحل آدم لغرفته، حينها وجدت الوقت الذي كنت أحتاجه من أجل البقاء مع نفسي بعض الوقت ومراجعة التلفيات التي أصابتني من كلام سولين.
استلقيت على السرير. عمري يقترب من الرابعة والعشرين، طوال عمري لم أفكر برجل. حاولت أن أسترجع أيامي في الجامعة، ذكرياتي الميتة. أتذكر أن كان هناك شخص راقبني أو رمقني باهتمام، ابتسم لي، أو حاول اعتراض طريقي. لا أعني أنني كنت مرحبة بذلك، لكن في تلك اللحظة بالذات بحثت عن ذكرى تشعرني بأنوثتي. لم أفلح. فكرت، "ما رأيك يا زهرة؟ أنت تشبهين زهرة تغكودا، تنمو بمفردها، وحيدة، وإذا شاركتها زهرة أخرى نفس المكان تموت، تفسح لها المجال، لكنها أبدًا لا تقبل بشريك حتى من نفس النوع. تقضي حياتها تبتسم للشمس وللقمر والنجوم. وحده المطر يمكنه أن يقبلها، رغماً عنها."
"لتلك الدرجة أنت متقزمة يا فتاة؟ كيف، ها، ماذا لو اقتحم أحدهم حياتي؟ الأمر ليس سيئًا. أن تبقي وحيدة يمكنك احتماله. أن أربط نفسي بشخص آخر لديه ذهن وأفكار ومتطلبات شعور يمكن أن يوصلني للقتل."
أتذكر الينشا عندما قدم لها دنكور وردة، كانت معجبة به وتحبه لكنها بكل امتعاض رفضت الوردة، سحقتها بقدمها وافترقا بقية حياتهم بحماقة لا تغتفر.
طرق آدم باب غرفتي. حملقت بساعة الجدار، كان قد مضى ساعة وأربع وعشرين دقيقة بالضبط وأنا مستلقية على سريري. "حتى الوقت! الساعة تذكرني بمصيري، أنت وحيدة."
جففت دمعة طرقت باب خدي. "لحظة سيد آدم،" زعقت، "أنا أبدل ملابسي!" لا يمكن أن أسمح لآدم أو أي شخص آخر أن يراني دامعة، فأحزاني كتب لها أن تظل معزولة، محتجبه مثلي!
"أنا جاهزة، فتحت الباب!"
دلف آدم داخل الغرفة في يده لفافة تبغ ويده في جيب بنطاله.
"هاتفت تلا، إنها في طريقها الآن لمنزلنا. اتفقت مع جون فيلكس، المشكلة انتهت."
"ناولني واحدة سيد آدم،" قلت وأنا أجلس على مقعد.
"يعذرًا لم أفهمك زهرة!"
"أقذف إلي لفافة تبغ سيد آدم."
"اصمتي حبًا بالله زهرة، أتحدث عن مستقبلك وأنت تمزحين؟"
"ليس هناك مانع، أنا أحاول إضفاء جو من المرح هنا سيد آدم."
"جو من المرح يا حثالة؟ أقسم بربي إذا رأيت سيجارة في فمك لأعاملنك معاملة سنجاب بري! مودمازيل مثلك عليها أن تهتم بالروائح، العطور، مركبات التجميل، التنانير وتقليم الأظافر. وكيف تجعل فتى وسيم مثلي يقع في حبها."
"تظن نفسك وسيم سيد آدم؟"
"على ما أعتقد، لا بأس بي، إذًا وجدتِ رجلًا مثلي أنت محظوظة يا خنفساء."
"رجل مثلك، كل همه الرسم، متزوج من لوحاته، ألف أنثى وصورة، أنا إنسانة غيورة حضرتك."
"إذا أنت لا تنكرين وسامتي؟"
"وسامتك لا تعنيني سيد آدم، سعيدة الحظ التي لم تظهر في البخت هي التي عليها أن تقلق."
"اتركي ذلك الهراء خلف ظهرك الآن، تلا على وشك الحضور، ستقيم اللوحات، جهزي نفسك من الآن لجولة طويلة في أرياف أوروبا. حاولي أن تأخذي إجازة من الجامعة، فأنا لا أرغب بتحطيم مستقبلك."
"الجامعة؟ ها ها، لا تقلق سيد آدم، علاقتي بالهندسة، الديناميك والفيزياء انتهت."
"لماذا، ماذا حدث زهرة؟"
"لا أرغب في مناقشة مشاكلي التافه الآن سيد آدم، لا تشغل بالك."
جلس آدم إلى جواري لأول مرة منذ مدة طويلة، لامس كتفي، جذب وجهي ناحيته.
"تعلمي أنني سأستمع إليك في أي وقت ترغبين به زهرة."
"أنت مشغول دومًا سيد آدم."
"لكنك تجيدين إيجاد طريقة لاقتحامي زهرة وتوبيخي."
"هيا، أقسم برأس والدتك أن تخبريني ما حدث، من تجرأ واغضب زهرتنا؟"
"واحد، اثنان، عددت على أصابعي، الكثير سيد آدم."
على مدى نصف ساعة قصصت لآدم ما حدث معي، جعل يتمتم: "اللعنة! عوني القذر، مؤخرة الخنزير البدينة، ضفدعة الترعة، خرطوم المخاط. أوسعه ضربًا، سأنتزع عينيه من محجريهما. أنت لست وحدك زهرة، أنا هنا، لطالما كنت هنا من أجلك، في ظهرك، طوع أمرك."
نهض آدم، نزع قميصه، كان يرتدي تيشرت بلون رغوة القهوة. "أشري بيدك يا فتاة، امنحيني اسمًا، سأقوم بقتله، أنا مستعد لدخول الجحيم للدفاع عنك. هذا العوني، سأختطفه، سأجبره على تقبيل قدمك." عندما لاحظ آدم ضحكي، أردف: "أنا لا أمزح زهرة."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
لن تقتل أحد سيد ادم، أنت فنان ولن أتورطك في الوحل.
لأنني فنان، زهره، كما ذكرت، ولو أنني أشك في ذلك، أشعر بقدر الحزن الذي يتلوي داخلك، حية الانهزامية التي قضمت حلمك، وأين كنت أنا؟
مغيب بين لوحاتي، سارح بعيد عنك، للحظة من الزمن نسيت مهمتي الرئيسية، وعلي أن أصلح كل ذلك.
حتى لو ظننتِ غير ذلك، زهره، من حقك طبعاً، لكن أحلامنا متشابكة، مترابطة أكثر مما تعتقدين يا فتاة، أيتها الخنفساء الجميلة، حلمك هو حلمي، مصيرك جزئياً مصيري.
هذا العوني، صاحب وجه الضفدع المخدر، لابد أن ينال عقابه.
سيد ادم، من فضلك، أرجوك، أؤكد لك أن مشاعرك الرقيقة، الطيبة وصلتني، الآن أدرك أنني لست وحدي أعافر في هذه الحياة، لكن بأي شكل، لن أسمح أن يصيبك سوء بسببي، لذلك اسمح لي، بإذنك طبعاً، أن أتولى هذه المشكلة بنفسي.
محال، زعق ادم وهو يضم قبضته، الماضي لن يعيد نفسه، اتخذت قراري، كما قال دانتي، أشرعة حمراء عند غروب الشمس، منذ طفولتي، أيام الشباب، لم أخض عراكاً، الآن حان الوقت لأستعيد شقاوتي.
امنحني ساعة واحدة، قبل حضور تلا، ستنتهي مشكلة عوني.
أعدك، سيد ادم، بصدق، من قلبي، إذا تعثرت مرة أخرى، إذا اعترضني هذا المتعجرف، ستكون أول من يعلم.
سأوسعه ضرباً، قبل أن تنتهي حياتي الهندسية.
حسناً، خنفسة، قال ادم وهو يرتدي قميصه مرة أخرى، سأرضخ لمطالبك لأنني أثق بك.
من رجل لرجل يا زهره، انزعي عنك هذا الوجه، استعدي لملاقاة تلا.
أشم رائحة مستقبل مشرق ينتظرك.
أنا لست رجلاً، سيد ادم، اسمي زهره، أنا فتاة، جميلة، ناجحة، لكن إرادتي تفوق إرادة الرجال.
ابتسم ادم، ضحك، كنت أمزح طبعاً، سيدتي الكونتيسة الجميلة.
برحيله، سمحت لدموعي أن تنزل، انهمرت كنبع، تغذيه مشاعري، هذا الادم شخص رائع رغم كل تحفظاته.
معظم ملابسي لم تلائمني، كنت نحيلة للدرجة التي جعلتني أبدو خفيفة كالريح، سقط فستاني الواسع فوق جسدي كمسري تذاكر.
في وقت مختلف، مغاير، كنت لأسعد بذلك الموقف، النحافة التي حلت علي خلال شهر.
ارتديت بنطالاً أبيض أخيراً، شددت العقدة على وسطي، تيشرت أحمر، ساعة روليكس، سرحت شعري الذي استطال، ووضعت لوناً برتقالياً على شفتي واكتفيت بحذاء شانيل كاجوال.
رحبت بي تلا فور وصولها، أعني أنها رحبت بي بطريقة محببة، ليس أهلاً زهره، كيف حالك؟ وكل ذلك الهراء.
لقد رحبت بي بطريقة جعلتني أشعر أنها تعني كل كلمة تلفظت بها.
ألقت بحقيبتها على الطاولة وتهاوت على الأريكة.
لم أفلح في منع نفسي من معاينة تلا، هذه الفتاة المتغطرسة خطيرة.
تحسن انتقاء ملابسها بطريقة تجعلها تبدو جميلة وبسيطة.
كانت قد اعتمرت قصة شعر كيري القصيرة حدود الأذنين، قميص أبيض وبنطال ربيعي، حذاء أسود بياقة عنق طويلة، سترة سوداء طويلة، جعلتها تبدو كأحد مصاصي الدماء فيلم اندر ورلد.
شردت رغم أنفي، تلا، تلك الفتاة المميزة لم تحظ بزوج حتى الآن رغم أنها تعيش حياتها بالطريقة التي تحبها.
قارنت عمري بعمر تلا وتخيلت كيف سيكون حالي عندما أصبح مثلها.
يا ترى سأظل كما أنا وحيدة؟ أم هناك تعيس سيخترق حياتي المدببة؟
زهره، قال ادم، رافقِ تلا لغرفتك، أنا لا أطيق صبراً حتى أعرف تقييمها للوحاتك.
قدت تلا نحو السلم، صعوداً نحو غرفتي الفوضوية، كان الباب مفتوحاً.
لذلك لم نطرق الباب.
كانت لوحاتي مبعثرة، موزعة في أرجاء الغرفة الكئيبة.
توقفت تلا، منعتني عندما حاولت ترتيب اللوحات، اتركيها هكذا من فضلك.
أخرجت سيجارة وأشعلتها، ضيقت عينيها، ثم فجأة جلست على الأرض وحدقت باللوحات، مدهش، رائع، آه، لما هكذا، هناك أراه.
هذا، أخ، كيف هبطت عليك فراشة الرسم؟
اتكأت على الجدار غير قادرة على فهم ولا كلمة، زهره من فضلك هناك طية في هذه اللوحة هناك، افرديها.
أخرجت دفتراً وقلماً، راحت تخط على الورق، لحظتها اكتشفت أن تلا تحسن الرسم.
انتهت تلا أخيراً، لن أناقشك في لوحاتك، كنت متأكدة من تقييم ادم.
هذا الادم لديه حس زيتي رائع.
أعلمي أنه لم يدعوني هنا لتقييم لوحاتك على وجه التحديد.
بل لتتأكدي بنفسك أنك أحدثت ضجة هنا، لوحات عظيمة، يتدفق منها الجمال، ادم رغب أن تسمعي ذلك من شخص غيره حتى لا ينتابك أي شك في مهارتك.
علينا أن نقنع معرضاً راقياً لنشر لوحاتك، حيث أنك غامضة، لا يعرفك أحد، سنحتاج مجهوداً لإثبات ذلك.
زهره تعالي هنا.
اقتربت من تلا التي فتحت ذراعيها، حينها شعرت بالدفء يغمرني.
وضعتني تحت ذراعها ونزلنا السلم متلاصقتين وأنا أشعر بالخجل.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
جلست في المقعد الخلفي للسيارة المتوجهة لمطار القاهرة الدولي. أول مرة في حياتي أستقل طائرة. كان عليّ أن أسجل تلك اللحظات التي ربما لن تعود مرة أخرى. أقلعت الطائرة وبدأ كل شيء يصغر، حتى أنا.
بعد أربع ساعات، هبطت الطائرة في مطار لندن. كان جون فيلكس في انتظاري، رغم تخليه طوعاً عن عقد احتكاري. أقلتنا سيارة لفندق لانغهام لندن. كان لدي نصف ساعة لأخذ شاور وتبديل ملابسي من أجل تناول وجبة خفيفة قبل انطلاقنا لملاقاة مدير المعرض الذي وافق على عرض لوحاتي.
كنت متوترة، خائفة من الفشل، لكن تلا أكدت لي أنه لا داعي للخوف وعليّ أن أتحلى بالثقة.
وأنا أسير معهم، كنت كطالبة يقودها أبواها لمقابلة مديرة المدرسة. لكني كنت مأخوذة بشوارع لندن وكل القصص التي سمعتها عنها. هنا كانت تعيش جين أوستن، وشكسبير، وماري جين، والأميرة ديانا التي كنت أحبها. الرداء الذي أجبرتني تلا على لبسه كان يضايقني. لقد بدوت فعلاً مثل فتيات الغرب بتسريحة شعري وتنورتي. من السهل جداً أن يغير المرء مظهره. ليت الحياة تكون بمثل تلك السهولة. لكن الذين يغيرون أنفسهم في العالم أشخاص سيئون، وأنا لست منافقة.
وصلنا. كانت تلا تعرف طريقها جيداً، كأنها تعيش في إنجلترا. حذرتني تلا أن أفتح فمي. قالت: "اتركي الحديث لي، أنا أتقن التعامل مع أولئك الأوغاد. سيحاولون استغلالك، لكن لا تقلقي، سأتصدى لهم."
استقبلنا الرجل المهم بترحاب. دخل في صلب الموضوع مباشرة وطلب ٧٥ في المئة من الأرباح الأولى. قال: "سأتحمل بمفردي نتيجة التجربة. سمعة المعرض على المحك."
"٦٠ في المئة"، أصرت تلا. "أريد أن أوضح لك سيد آرثر أن هناك آخرين مهتمين بلوحات زهرة. قد تعتقد أن هذه مزحة، لكنها الحقيقة." أخرجت تلا إحدى لوحاتي وعرضتها على آرثر فجأة.
دون سابق إنذار، اقتحمت الدكتورة سارة ألحانه. كنت قد أرسلت لها بريداً ولم أعتقد أنها ستحضر. أخذتني بالحضن.
"أنتِ زهرة؟" قبلات وأحضان. كانت بمثل عمر والدتي.
"ماذا تفعلين هنا؟" قلت بخجل.
"من أجل لوحاتي. أنتِ رسامة أيضاً؟" قالت الدكتورة سارة.
جلسنا على طاولة منعزلة. تحدثنا عن البحث، عن الخطط التي تنتظرنا. شربت سارة الجعة وأنا شاي إنجليزي أعجبني.
كان علينا الرحيل بعد أن أنهى آدم وتلا الاتفاق. منحتني الدكتورة سارة عنوانها. قالت إنها ترحب بقدومي في أي وقت.
الأربعاء، الثالث من يناير. أول أيام المعرض.
حضرنا مبكراً أنا وتلا وآدم. استقبلتنا سكرتيرة المعرض بترحاب، رغم أن الصالة بدت خالية من أي إنسان.
"لا تقلقي زهرة، يحدث هذا دوماً."
وقت الظهر لم يحضر أحد أيضاً. "فاشلة"، هذا ما فكرت فيه. "لن يحضر أحد. ربما كان عليّ أن أرفض العرض برمته." مر بعض المهتمين بالرسم، ليس من أجل الشراء بل من أجل المعاينة وتقييم اللوحات.
بحلول الليل، كنت قد فقدت الأمل. الساعة تشير للتاسعة مساءً ولم نبع ولا لوحة.
خرجت للشارع أمام المعرض وجلست على الرصيف بكآبة. كنت شاردة وغاضبة ولم أشعر بالشخص الذي جلس إلى جواري.
"أنتِ زهرة؟ أربعة وعشرون عاماً وشهرين من مصر؟"
حملقت بالشخص الجالس إلى جواري. أربعيني كئيب بملامح عادية، لكن كان فيه شيء أثر.
"من أنت؟" قلت.
"اسمي شكري. مرحباً."
"مرحباً. أنت عربي؟"
"من حدائق القبة، بشمهندسة زهرة."
"كيف تعرف كل ذلك عن حياتي؟ أنت تراقبني؟"
"أنا رسام أيضاً."
"رسام؟"
قال شكري: "رسام مستبصر."
"أول مرة أسمع عن رسام مستبصر."
أشعل شكري لفافة تبغ. "الأمر ضرب من الجنون، لكنني... أنا زهرة، استبصر المستقبل." فكرت في نفسي: "شخص مجنون."
"لست مجنون"، قال شكري. "ولا تنهضي من مكانك، ولا تغادري المعرض. اتركي تلك الفكرة رجاءً."
"كيف عرفت أنني أنوي مغادرة المعرض؟"
"هس"، قال شكري وهو ينظر لساعته. "الأفعال أفضل من ألف كلمة."
بعد دقيقتين، ونظر شكري لساعته. "ستخرج فتاة جميلة متغطرسة وتطلب منك الاستعداد للذهاب للمنزل. ارفضي بإصرار."
ضحكت رغم عني. أول مرة أضحك من قلبي.
"تبقى دقيقة"، قال شكري بثقة.
بعد دقيقة أخرى، خرجت تلا وطلبت مني الاستعداد للرحيل. وأنا أنظر تجاه شكري باهتمام. رفضت.
"أرى أنني بدأت أنال ثقتك، آنسة زهرة."
"ما قصتك؟" قلت.
"ليس الآن"، قال شكري وجذبني من يدي. "تعالي!"
بلا إرادة، استجبت له. طاوعته. سرنا بسرعة على ضفة النهر حتى وصلنا أريكة جلس عليها شكري وأخرج لوحة وأقلام ألوان.
"بانجليزيه مكسره"، زعق. "أستطيع أن أرسم أي شخص دون أن أراه. عليك فقط أن تذكر الاسم. عشرة جنيهات إسترليني فقط. إذا لم أنجح، يمكنك ركلي على مؤخرتي أو في خصيتي، لا مانع."
توقفت أحد الأسر. عائلة متكونة من رجل وامرأة وطفلين.
"إنه كاذب"، قال الطفل وهو يضحك. "عربي كاذب، ها ها ها."
"اصمت يا ريكسون، عليك أن تكون مهذباً. والآن، لما لا تكون طفل مطيع وتطلب من والدك مدير البنك أن يخرج من حافظته المحشوة بالنقود عشرة جنيهات لأرسم لك جدتك التي توفيت قبل ولادتك؟"
بانبهار، توقف الرجل وهو ينظر نحو شكري. "أنت نصاب لعين من بقعه عفنة ما؟"
قال شكري بهدوء: "عليك أن تخرج عشرة جنيهات وتضعها في يدك لتتبين أن كنت نصاباً أستحق السجن أم لا. عشرة دقائق، وتكون صورة والدتك التي كنت تكرهها بين يديك."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
أخرج الرجل الورقة النقدية وبدأ شكري بعد أن شغل عداد الدقائق.
الرسم، شخبطات متفرقة على الورقة، نقط وشدات، وضح لي أن شكري يتقن ما يفعله وأنها ليست المرة الأولى التي يخوض خلالها تحديًا.
لكن ما كنت أنتظره تحديدًا أن يقوم شكري برسم وجه لا يعرفه بكامل الدقة.
مضت ثمانية دقائق وبدأ شكري ينهي اللوحة، كانت العائلة ترقب ما يحدث بتركيز وأنا أحدق مذهولة بسرعة شكري.
أخيرًا أنهى شكري اللوحة ومد يده للرجل، "النقود؟"
بتردد وضع الرجل الورقة النقدية في يد شكري، حينها ناول شكري الوالد لوحته.
حملق الرجل باللوحة رفقة زوجته قبل أن يبتسم: "أنت رجل مبارك يا مستر، قديس، كيف فعلت ذلك بحق الآلهة؟"
قال شكري بلا مبالاة: "منحتك والدتك ورقة رسم لعيني بعشرة جنيهات."
"لكنك لا تعرفها، لم تقابلها،" قال شكري بنبرة أرادها أن تكون مقتضبة.
"يمكنك الانصراف الآن يا سيدي ولا تخبر أي شخص أنني أحضر هنا كل ليلة تمام الساعة التاسعة وتستطيع رسم أي وجه دون أن أراه."
انتظرت شكري أن يتحدث إلي، أن يشرح لي ما قام به.
لكن شكري طلب مني الانصراف: "زهره، عليك الذهاب لمعرضك."
"أستطيع أن أقول لك أنه بعد خمس دقائق المعرض سيكون ممتلئًا بصعاليك الرسم."
"هيا يا فتاة اذهبي، استمتعي بإنجازك، افرحي بنجاحك."
"لكن أنت؟ تعالي معي."
قال شكري: "الرسام عليه الاختفاء الآن، الشرطة الإنجليزية..."
"سكوتلاند يارد تبحث عني، الوداع زهره."
ومد شكري يده: "سنلتقي مرة أخرى؟"
"سألته!"
"أجل، يظهر شكري في الوقت غير المناسب، أعدك أن نلتقي مرة أخرى."
"أنت ساحر شكري؟ نفر من قبيلة جان؟"
"لا يا زهره، أنا مستبصر."
اختفى شكري وتركني في أوهامي.
بطريقي عندما اقتربت من المعرض لاحظت أن هناك أفواج من الناس تدخل المعرض.
عندما دلفت استقبلت بعاصفة من التصفيق، كان المعرض غارقًا بالبشر.
لاحقًا عندما حكيت لآدم عن شكري قال إنني أتوهم ذلك: "كنتِ منومة مغناطيسيًا يا زهرتي، ما تقولينه مجرد حلم."
حاولت أن أقنع آدم بشكري، رسمه، لوحاته، العائلة، لكن لم يكن لدي دليل.
انتهى المعرض على خير، استطعت أن أبيع كل لوحاتي بأسعار معقولة.
بعد عشرة أيام كنت في القاهرة محملة بعملات نقدية كثيرة في حسابي، نقود كثيرة لم أتخيلها، لم أحلم يومًا بالحصول عليها.
رغم كل تلك السعادة، الفرحة، ظل شكري يطوف بعقلي.
الشخص الذي تنبأ بنجاحي ورآه قبل أن يحدث.
هل كان شكري ساحرًا فعلاً؟ نوع من الجان؟ وقعت أنا في لعبة رخيصة؟
حدثي، عقلي كان يقول العكس، طالما حاولت أن أتخيل قصة شكري.
كيف يستطيع أن يرسم أشخاصًا لم يرهم؟
ماذا تعني كلمة مستبصر؟
لقد تركت تلك الفتاة الجميلة رغمًا عني، إنها تذكرني بأيام شبابي.
أعلم الآن أنها مرتبكة وتعتقدني شبحًا لعينًا.
طرقت ليزا باب غرفتي، كانت قد أحضرت الطعام الذي طلبته منها، منحتها إكرامية معتبرة حتى لا تشي بي للشرطة.
صنعت فنجان قهوة وأشعلت لفافة تبغ، شردت في الماضي، ماضي سحيق أيام كنت مجرد شاب لا يعرف كيف يعيش في هذه الحياة المختلطة.
ليزا جالسة بجواري تحتسي الجعة وأنا منحني على دفتري أرسم وأتذكر.
كنت في الثلاثين من عمري ولم تكن لدي أي علاقة نسائية، ثلاثين سنة لم أتحدث لفتاة غير أمي.
أذهب لعملي في مصلحة الضرائب كل صباح بروتين محفوظ، أتناول طعام إفطاري من عربة فلافل يعمل عليها أربعيني سليط، بعدها أحتسي قهوتي وأذهب للعمل.
في تمام الساعة الثانية ظهرًا، أترك العمل وأعود لشقتي، كانت الأيام تعيد نفسها ولا أمل بأي بارقة أمل تحرك المياه الراكدة في شاطئ حياتي.
على غير العادة وأنا أمارس هوايتي في الرسم سمعت رنة هاتفي الأرضي.
صعقت، فمنذ إقامتي هنا وعلى مرور السنين لم يقم أي شخص بمهاتفتي، فأنا لا أعرف أحد.
بأصابع مرتعشة وضعت سماعة الهاتف على أذني المتلصصة، جأني صوت أنثوي ناعم: "الووووو، شكري؟"
تردد الصوت داخل عقلي، لم أفتح فمي، لم أجرؤ على الكلام.
"الووووو، شكري؟"
ارتعشت يدي، ولأنني أعلم أن الحوريات لا تتحدث مع البشر، أغلقت الهاتف وجسدي يترنح.
ظللت واقفًا بجوار الهاتف أكثر من ساعة أحاول استيعاب ما حدث للتو، لكن الهاتف لم يتحدث، لم يرن.
في نوبة من الشك اعتقدت أنني اختلق كل ذلك، أن حاجتي للعنصر النسائي أحدثت صوتًا أنثويًا ناعمًا داخل عقلي.
كالعادة ذهبت لعملي، محاولًا تناسي ما حدث معي.
تأخرت ذلك اليوم في العمل، عندما فتحت باب شقتي سمعت صوت الهاتف.
ركضت نحوه وسمعت: "الووووووووو."
"شكري، اجب من فضلك."
أعرف اسمي ولا أحتاج من أحد أن يذكرني به، ثلاثين سنة من الصمت الأنثوي تفاجئني بذلك الصوت.
"أعلم أنك هنا،" قال الصوت، "رد من فضلك، لن آكلك."
حاولت أن أرد، لكن لساني لم يطاوعني.
أغلق الخط.
لأول مرة أجد نفسي سعيدًا بلا سبب، كانت نبرة الصوت وحدها كافية لإسعادي لإدخال الفرحة لقلبي.
الساعة كانت تشير للثالثة عصرًا موعد هاتفي الغامض.
وضعت لوحة رسم على الحامل، من خلال الصوت حاولت رسم تلك الفتاة التي كانت تتحدث إلي.
نمت على المقعد وأنا أرسم فتاتي الغامضة، أفكر أحجيتها وأتخيل شكلها.
اليوم الثالث.
قبل الساعة الثالثة عصرًا، كنت واقفًا بجوار الهاتف، لم أخطئ، رن الهاتف في موعده.
وصلني صوتها: "الوووو وووووو، شكررررري."
لن أفتح فمي، ظللت أستمع بصمت.
"شكري؟ قد تظن أنني أعاكسك، لا أعرفك، لكني أراك كل يوم."
واصلت الصمت واستمر الصوت.
"تعلم شكري أنك شخص عتيق؟ أعني أنك وسيم لكن تعيش في عصر غير عصرك."
"انظر لسترتك، هاها ها ها، بهتت ألوانها، تتسع لشخصين معك."
"شكررررري؟"
لم أفتح فمي، لم أكن قادرًا على ذلك.
"سأخبرك بفكرة شكري، اسمع، لو أنك سعيت لتغيير نوعية ملابسك، قصصت شاربك، فإنك ستبدو وسيمًا جدًا."
"أرغب برؤيتك، أعني شكري الجديد، لا تحرجني من فضلك."
أغلق الخط، لم يكن حلمًا ولا تخيلًا، إنها فتاة وجميلة أيضًا.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
الأحداث تمر متسارعة في ذهني، وليزا متذمرة لانشغالي عنها، تقول:
"أشركني معك، لا تتركني هكذا بربك شكري، هل فقدت رجولتك؟"
الساعة الثالثة والنصف عصرًا رن هاتفي الصامت مثلي، كنت بانتظار صوتها.
"الووووو."
"شكري، أنا مستاءة منك جدًا. لازلت ترتدي سترة عمال البحر؟ قلت لك اشتري ملابس جديدة واحلق شاربك."
كنت مستعدًا للرد عليها، حضرت نفسي من أجل ذلك، لكنها أغلقت الخط.
تتميز كل أنثى على وجه الأرض بالتسرع عندما ترغب بشيء ما، ولا يهدأ لها بال حتى تنال ما ترغب به، حتى لو كان ضد مصلحتها.
اليوم مختلف، على اللوحة ظهرت لي صفات جديدة لمحادثتي الغامضة. قمت برسمها دون انتظار قبل أن تهرب من ذهني، أصبح لدي تصور كامل عنها.
"شكري، قص شاربك!"
وقفت أمام المرآة بصدري العاري أتأمل شاربي القديم الذي رافقني ثلاثين عامًا، وفي عقلي يرن صوت والدتي وهي تقول لأختي:
"إياكِ ونتف الشعر، لا تحددي حواجبك، الفتاة عندنا لا تتخلى عن خيمة الشعر إلا يوم عرسها."
وضعت يدي على شاربي أتخيل مظهري دونه، لقد قالت إنها مستاءة مني، كان علي أن أتخلى عن صديقي، وهكذا فعلت.
بعدها لم أعرف نفسي، شعرت بالعار والخجل. نزلت للشارع، ابتعت ملابس جديدة عصرية، مع لول شعاع للشمس نزل شكري للشارع بهيئته الجديدة.
جعلت أتلفف حولي، اعتقدت أن كل العالم عرف بما فعلته في نفسي، ولكن العالم صاخب، هادر وأنتَ قابع في قوقعتك غير مهم على الإطلاق.
راقبت بتركيز كل الذين مروا حولي، أنا هنا، هناك، حولي، سأعرف مراقبتي الغامضة، لكني فشلت، شعرت بالخيبة.
وحتى موعد عودتي لشقتي كنت بمنتهى الحسرة.
الساعة الثالثة والنصف رن هاتفي:
"شكررررري."
"أنت هنا؟"
"لا تتخيل مقدار سعادتي لتغيرك من أجلي."
"شكررررري؟"
"نعم."
"أخيرًا نطقت؟"
"قلت لك إنني أتابعك دون أن تراني، لماذا كنت تحدق بالماره؟ هل اعتقدت أنك ستعرفني؟"
"كنت وسيمًا جدًا اليوم، لكنك أبدًا لن تراني."
"قلت أنا أعرفك أيضًا؟"
"ماذا تقول؟" زعق الصوت بنبرة غاضبة.
"قلت أنا أعرفك."
"كذب، أنت كذاب يا شكري."
"أنت، أنت، فتاة نحيفة، طولك يقترب من ١٥٨ سم، خمرية، شعرك أسود، عيونك سوداء."
"لديك شامة تحت شفتك السفلي، وقبلة ملائكة أخرى على عنقك."
"كنتِ؟ كيف عرفت؟ وغد، تراقبني؟"
الكثير من الكلام الذي انتهى بإغلاق الخط.
كيف أشرح لها أن عقلي انفتح، وأن هبتي ظهرت على يديها، وأنني أستطيع رسمها دون أن أراها، وأنني لست كاذبًا أبدًا.
لم تتصل صديقتي التي لا أعرفها مرة أخرى، ظل هاتفي صامتًا كل يوم مثل الماضي. في ذلك الوقت كنت سعيدًا بموهبتي الجديدة.
مستعد لخوض تجربة أخرى لإثبات حقيقتي.
أفردت لوحة جديدة، رسمت فتاة من عقلي تركض في درب حديقة بملابس رياضية، حددت كل ملامحها ولون ملابسها، حددت الوقت والمكان. طويت اللوحة، وضعتها تحت إبطي، غادرت الشقة ونزلت الشارع.
مشيت حتى وصلت درب الركض، جلست على أريكة، عيني على ساعتي، حانت اللحظة الحاسمة. الآن سأعلم إن كانت مجرد صدفة، أم أنني مستبصر أستطيع رسم أي شخص من خيالي.
طلبت مني تلا أن أرسم مزيدًا من اللوحات، أن أستغل نجاحي وأتحصل على مبالغ أخرى، أن أقبض على فرصتي ولا أدعها تهرب.
فكرت في كل ذلك، لكن كان هناك شيء علي فعله أولًا.
الانتهاء من قصة الجامعة، حتى بعد كل تلك النجاحات ظللت أشعر بالهزيمة بعد الذي قام به عوني معك.
كنت أسيرة ظلمه، أفكر به بأسي، جزء من حريتي منقوص، ليس لدي ما أخسره.
كأن الجامعة كانت غريبة علي، أول مرة أدخلها، الامتحانات اقتربت ومعظم الطلبة فضلوا البقاء في منازلهم إلا طلاب الهندسة. عمل، مشروع، استيكشات، مزيد من الهراء والضغوط.
عرفت أن عوني في مكتبه، قبل أن ينصرف لأي مكان قصدت مكتبه.
بالطابق الثاني، المجاور لمكتب عميد الكلية.
طرقت الباب مرتين، في المرة الثالثة انفتح الباب وخرجت منه فتاة متوترة، ترتب ملابسها.
كان صوت عوني يلاحقها: "لا تقلقي، ستنالين أفضل الدرجات، اعتمر طريقة عبقرية في مراجعة أوراق الامتحانات حتى لا أضيع مجهود طالبة مجتهدة مثلك."
"لماذا أنت هنا؟" قال عوني بنبرة كريهة.
"اجلس، أمرته، وأنا أجلس على مقعدك."
"كيف تجرؤين على قول ذلك يا فتاة؟"
"قلت اجلس يا عوني لدينا أمر هام علينا مناقشته."
"مهزلة، كيف تحضرين هنا وتلقين الأوامر، من تظنين نفسك؟"
"سأطلب حرس الجامعة، الأمن، الشرطة."
"كيف يمكنني نيل رضاك دكتور عوني، ثقتك!"
بدا أن حديثي صب في الناحية التي يرغب بها، هدأ صوته بعض الشيء.
"اخرجي من مكتبي لا أرغب برؤية ملامحك."
"كيف أرضيك دكتور عوني؟" قلت بنبرة جعلتها رقيقة.
ابتسم عوني، رحل غضبه وتذمره، جلس على مقعده في مواجهتي.
"أخيرًا أدركتِ الحقيقة؟"
"أجل يا رجل، قل ما ترغب به، سأفعله من أجلك."
تفاجأ عوني بجرأتي، دارت عيناه في مقلتيها.
اقترب مني، حاول لمس كتفي.
قلت: "ليس الآن دكتور عوني، تعلم أنني راسبة في مادتك، النتيجة ظهرت، كيف ستصلح كل ذلك؟"
لهث عوني: "سأصلحه بطريقتي، سأمنحك أعلى الدرجات لا تقلقي."
"ترغب بحضني قلت؟"
قبل أن يقول عوني نعم، اقترب مني ليضمني.
صفعته بكل ما أوتيت من قوة على وجهه، جعلته يترنح من الصفعة، صرخ من الوجع، قبل أن ينعدل لكمته في أنفه وركلته على مؤخرته.
"اللعنة، أقسم أن أزج بك في السجن يا عاهرة، أمن، حرس."
"جرب أن تفتح فمك يا عوني، قلت وأنا أخرج هاتفي، أقسم أن أدمر حياتك الرخيصة يا وسخ."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
حاول عوني أن ينزع الهاتف من يدي، كان الأمن حضر على صوت زعيقه، أشرت إليه أن يلزم الصمت وأنا ألوذ بهاتفي.
شعر عوني بالخوف، لم يتوقع ردة فعلي إذا حاول إغضابي.
صرف أفراد الأمن من المكتب وحاول أن يتودد إلي.
"عليك أن تفكر بطريقة تصلح بها ما أفسدته.
امنحك أسبوعين لتعديل كل نتائجي وإعادة تصحيحها، إذا لم تكن لديك رغبة في الذهاب للشرطة وفقد وظيفتك اللعينة."
"حاضر،" قال عوني بسرعة، "أرجوكي. كانت نزوة، أنا آسف."
"أسبوعين يا عوني،" قلت وأنا أغادر المكتب.
انتصرت لنفسي، هزمت عوني. رغم ذلك، بطريقي نحو المنزل لم أشعر بالسعادة. أحيانًا عندما يقتص الإنسان لنفسه، يستخدم طرقًا ملتوية، ينحط لنفس الطريقة التي هُزم بها، لا يشعر بالسعادة.
منذ صغري، عندما كنت طفلة، عندما كان ينشب عراك، صراع أو نزال، لم أكن أستخدم نفس الألفاظ التي ألعن بها. كنت أعتقد أنني جبانة، لأنني عندما كنت أفتح فمي لأرد الإساءة، عوضًا عن قول "يا ابن..."، أجدها "عليك اللعنة".
كبرت وفهمت أنني من النوعية التي لا يمكنها أن ترد اللعنات والسباب بالمثل. ليس ضعفًا مني، لكن طبيعتي مختلفة ولم أفلح بتغييرها.
المنزل هادئ كعادته. الشيء الوحيد المختلف أن آدم كان ينتظرني في الرواق يدخن لفافات التبغ.
نهض عندما رآني. "ماذا حدث؟ كيف فعلت؟"
"أخبريني أنك أدبتِ ذلك الوغد حتى لا تثيري غضبي، حتى أحافظ على كرامتي ولا أضطر لركلة على مؤخرته في منتصف الشارع."
ضحكت. "لا تقلق سيد آدم، زهرة لديها مخالب يمكنها أن تنتزع حقها من عين الجحيم."
حكيت لآدم ما قمت به بخجل، خشيت أن يتهمني بالوضاعة، استخدام أساليب دنيئة كما كان يحب أن يطلق عليه.
لكن آدم بدا متفهمًا لموقفي.
"كل أنثى يا زهرة، إذا تركت نفسها لرغباتها، يمكنها أن تصبح عاهرة، ينحني تحت قدميها أعِتية الرجال، فلا يمكننا بأي شكل أن نلوم مدعيات الحشمة."
"لا يمكنني لومك على الطريقة التي أخذت بها حقك، بل إنني الآن في ذلك الوقت أحاول تخيل مظهر وجه ذلك العميء الذي يشبه عنق البصل."
"أخبريني أن أذنيه احمرت مثل ذكر أوز، رجاء؟"
ضحك آدم مرة أخرى.
"أنتِ مشكلة يا زهرة."
"رسامة، بارعة في الميكانيك، باحثة، شرسة، ماذا تركتِ لنا يا زهرة؟"
احمرت وجنتاي من الخجل. "أنا لست بمثل براعتك سيد آدم، أنا أسير على خطاك فأنت ملهمي."
بدا آدم مسرورًا بمدحي، حلق بكتفيه عاليًا. "ماذا الآن!؟"
تنهدت طويلًا. "حقيقة، أرغب بعزلة، منزل بعيد، خضرة وماء، موسيقى وفناجين قهوة حتى يمكنني الرسم."
صباح اليوم التالي طلب آدم من سولين أن تخبرني أنه ينتظرني في السيارة وأن علي بكل سرعة أن أعد حقيبتي، أن أحشر فيها ما أحتاجه فقط ولا أضع الدولاب كله بداخلها.
"بماذا يفكر آدم؟" سألت زهرة.
"كيف لي أن أعرف؟" قالت وهي تجر حقيبتها خلفها نحو السيارة.
"الحقي بي يا زهرة، لا تتأخري من فضلك."
أعددت حقيبتي بسرعة، سرعان ما انطلقت بنا السيارة نحو الإسكندرية.
بعد ثلاثة ساعات وصلنا منطقة الهانوفيل المجاورة للبيش.
توقفت السيارة أمام منزل موازٍ للبحر، كان بيتًا منعزلًا. أقرب بناية لنا تبعد مائة متر.
جر آدم حقيبته وطلب منا أن نتبعه. زعقت سولين "أن تساعدني؟"
"اعتمدي على نفسك أنسة سولين، لست خادمك أو خادمها،" وأشار إلي بمزاح.
تمتمت سولين، "وغد، منحط، لذلك لا أرغب بالزواج أبدًا، كل الرجال تنكشف حقيقتهم بسرعة عندما يستولون."
تابعت سولين وأنا أضحك، "بصورة ما حالها مثل حالي، كلانا عازبتين."
"حالتنا تدعو للرثاء."
صرخ آدم، "فليحفظني الله، الرجل الذي سيقع تحت فكك أنسة سولين والدته تكرهه."
كان آدم قد سمع ادعاءتها بلا تذمر.
كان كلاهما يكن للآخر احترامًا وودًا وصداقة، ليس فقط مجرد خادم ومخدوم، بل روحين إنسانيين يعيشان في توافق.
"اخترت تلك الغرفة، لقد حضرت أولًا." كان آدم قد اختار غرفة شمالية بشرفة واسعة تطل على البحر.
"هذا ليس عدل،" تذمرت سولين، "معك فتاتين رقيقتين عليك أن تتمتع بالحشمة سيد آدم."
تركتهم يتناحران واخترت غرفة بعيدة تمتلك شرفة صغيرة تطل على البحر أيضًا.
رتبت أغراضي في خزانة الملابس، فرشت لوحاتي، ألقيت بنفسي على السرير وأغلقت غرفتي من الداخل.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
من الشرفة المشرعة، حل بحر شاسع غطته الزرقة، تلاطمت أمواجه وتشابكت حتى ضربت الشاطئ تحت نظر الشمس الشاهدة على جماله.
وضعت أول لوحة على الحامل، لفحتني نسمة باردة أنعشتني. حقيقة أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن كل شيء في الحياة مهما كان سهلاً فإنه يحتاج للمثابرة. في حياتك لا تنكر أي تقدم ولا تقزم أي خطوة تقدمية حتى لو كانت بسيطة. خطوة، خطوة. اليوم كنت هنا، بالغد سأكون هناك.
اجتاحتني أصوات صاخبة قادمة من الطابق الأرضي. آدم، سولين يصرخان في بعضهما. فتحت باب غرفتي.
صرخت: "رجاءً، من فضلكم، الصوت! لا أستطيع التركيز، يا عالم!؟"
"قلت إننا في نزهة؟ أنا لست مضطرة لخدمتك! اقضِ مصالحك بعيداً عني!"
أطللت من على السلم. سولين ترتدي ملابس البحر، تعتمر قبعة صياد وفي يدها مذياع قديم، سنارة وحقيبة تستعد للخروج.
"ما المشكلة؟" قلت.
"آدم، سولين لم تحضر طعام الإفطار."
"سولين، كررت أكثر من مرة أنني تخليت عن وظيفتي عندما وضعت قدمي في هذا البيت!"
"قلت إن هذه نزهة، هذا كان كلامك."
كان علي أن أتدخل حتى أتخلص من الجلبة التي صدعت ذهني.
"سأفعل. إن كل شيء... هل يمكنكم الصمت والتوقف عن العراك والزعيق؟"
سولين بلا اهتمام وهي تزرع الباب: "آفاق كبير، رسام عاهرات، برجوازي متعفن."
"آدم، تفضلي سيادتك، المطبخ ينتظرك."
هبطت درجات السلم، عبرت آدم بلا اهتمام. حقيقة أن الرجال يظنوننا أقل منهم تزعجني، لكن الوقت ليس وقت حوارات فكرية!
بيض، جبن، فول، طماطم. إفطار. رحت أضحك. منذ مدة طويلة لم أصنع طعامي بنفسي. معها كل الحق سولين لتتذمر. ربما تشعر بالضيق. إنها نفس، روح مثلنا لديها آمال وأحلام ربما تحطمت. إنها ترانا نسرع الخطى نحو المجد بينما هي قابعة في مكانها. لا يمكنني أبداً أن ألومها إذا شعرت بالغيرة.
"أسهل شيء طبق بيض مع جبن وطماطم. تفضل سيد آدم إفطارك."
رمق آدم الطبق بأمعان، نظرة غندروسية متفحصة.
"ما هذا؟"
"إفطارك سيد آدم."
"أين طبقك؟"
"سأنتظر الأسماك التي تصطادها سولين."
انغمست في الرسم حتى ارتفعت الشمس في كبد السماء الصافية حتى شعرت بالإرهاق. نال مني التعب.
بدلت ملابسي وخرجت أبحث عن سولين. كانت الساعة تشير للثانية ظهراً. الشاطئ خالٍ وصامت. الهم من صوت البحر الهادر.
تبعت حدثي نحو الجهة التي اعتقدت أن سولين ذهبت إليها. بعد مسافة من السير، لاحظت شاباً يجلس على مقعد في مواجهة البحر.
إلى جوار منزل قشي، بدا أنه بيته. وكانت هناك امرأة تعمل داخل المنزل.
"عفواً، كيف يمكنني مساعدتك؟"
انتبهت للصوت. التفت، كان الشاب قد ترك مقعده وأصبح قريباً مني.
"قلت: أبحث عن صديقتي، ربما عبرت من هنا؟"
تأملته وهو يفكر. شاب بمثل عمري، ملابسه رثة ولديه لحية غير مشذبة تركها تحتل وجهه.
"آه، تلك التي تعتمر قبعة قراصنة البحر؟"
"قلت: نعم، أعتقد ذلك."
أشار بيده لمكان بعيد.
"رأيتها حدود الساعة العاشرة تتجه لهنا."
"هل تود مني مرافقتك؟"
"لا،" شكرته. "أعرف طريقي بنفسي."
وجدتها أخيراً جالسة على صخرة. المذياع القديم إلى جوارها. سنارتها التي لم تصطد ولا سمكة في الماء.
جلست إلى جوارها بصمت بعد أن ربت على كتفيها.
"أين الأسماك؟"
سولين بتذمر: "البحر يعاندني. زهرة، أو أن الغماز لا يعمل."
كانت السنارة تحت قدمي سولين. أستطيع رؤيتها.
"كيف تتوقعين من الأسماك أن تزحف تحت قدميك؟"
"ألقيها في العمق هناك."
ألقت سولين السنارة في العمق بقرف.
"تعتقدين أنك صيادة ماهرة يا زهرة؟"
لم تكمل سولين سخريتها. غطس الغماز!
اصطدنا أول سمكة. استقبلتها سولين بفرحة عامرة حتى كادت تقبلها.
"آه لو تعلمي كما خشيت سخرية آدم!"
لم أنتبه لكلمات سولين، لأن ذلك الشاب نفسه كان قد أحضر نفسه على مقربة منا وبدأ بالصيد.
"لقد تتبعني حتى هنا. إنه لم يحضر للصيد أكيد. ربما يحاول مضايقتي، معاكستي، مضايقتي؟"
"وجدتني أنا الفتاة البريئة التي لم أعرف شاباً من قبل."
أفكاري تتلاطم بفرضيات غير معقولة منبتها الفراغ وعدم الفهم.
شخص آخر يصطاد السمك.
"ربما علينا أن نرحل. لقد قضينا وقت طويل هنا يا سولين. الشمس توشك على الغروب."
لملمنا حاجتنا ورحلنا.
من بعيد، حيث يمكنك الرؤية، كان الشاب يتبع خطواتنا. الأمر غير مهم. حينما يصل منزله سيختفي.
لكن خطواته تبعتنا إلى حدود المنزل قبل أن يستدير ويعود أدراجه.
ليس هناك أي سبب يدفعني للخوف لكنني خفت، ارتعبت من فكرة أنه يلاحقني وينوي إيذائي، وارتعشت أكثر من تصور أنه معجب بي ويحاول لفت انتباهي. حتى لو لم يكن، فأنا لا أعرف كيف أتصرف.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الستون 60 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
قامت سولين بحفلة شواء ضخمة تتويجًا لجهودها في الإيقاع. بعدت سمكات بحرية وارتفعت غيمة من الدخان فوق شرفة أدم المتربص، الذي لاذ بالصمت منتهزًا الفرصة للانقضاض على الغنيمة.
"هل انتهيتِ يا سولين؟"
"أشعر بالجوع!"
"انتظروا، ليس بعد، امنحوني بعض الوقت، ما بكم؟"
هكذا قضينا ليلتنا الأولى ملتفين حول سولين، لا أستطيع أن أنكر الأمر كان يستحق.
بعد العشاء كان سريري ينتظرني، لكن النوم عاندني، فأنا لا يغمض لي جفن حتى أصعد للقمر، أعبر البحار، وأحل كل مشكلات العالم. تتنازعني الأفكار ولا تتركني إلا قريب الفجر.
كانت اللوحة في يدي عندما لاحت الفتاة التي قمت برسمها، تركض نحوي مثل مهرة متمرّدة وشعرها يرفرف خلفها. كان لدي لحظات لأعاينها، ولا غلطة، رسمتي متقنة. كانت هي كما تخيلتها، ورغم أن ذلك الأمر سيوقعني في المشاكل لاحقًا إلا أنني لم أخفِ فرحتي.
انتظرتها حتى عبرتني ثم أوقفتها. رمقتني باستنكار.
"نكرة، حثالة، ذكر أوز، متطفل، قلت تفضلي هذه من أجلك."
ناولتها اللوحة وهربت.
في الأيام اللاحقة، أنا شكري الذي لم يتحدث طوال عمره لامرأة غير والدته وأخته، كنت أختار مرافقاتي كل ليلة. سمراء، بيضاء، قصيرة، طويلة. أفرش لوحتي، أرسم مرافقتي، أسامرها طوال الليل. وعندما يفتح الصبح فمه أكون مستعدًا لملاقاتها في المكان الذي قمت بتحديده.
شكري في عالم العلاقات النسائية أصبح لديه عالمه الخاص، عالم حُرم منه في الواقع الحقيقي، عالم غير مضطر خلاله لتقديم تنازلات.
شقشقة العصافير على شجرة قريبة، أغصانها الوارفة من حسن حظي تقبل فم شرفتي الصغيرة حتى أنني أستطيع لمسها بيدي ومضغ نغمها في ذهني.
فردت ذراعي بكسل، تقلبت على السرير ربع ساعة كاملة قبل أن أُنهض.
الشمس ناعمة، أشعتها لطيفة، ساعدتني على الوقوف في شرفتي دون إزعاج.
تحت الشرفة على مقربة أربعين مترًا كان ذلك الشاب يقف، وجهه للبحر مولياً ظهره للطريق. بدا أنه واقف منذ مدة طويلة، يراقب المنزل؟ يراقبني؟ لكنه لم يلتفت عندما سعلت، ظل محدقًا في البحر حيث كانت تمر مركبة صيد صغيرة.
بدلت ملابسي. كان غرضي أن أطرده. قبل أن أنزل للطابق الأرضي من الشرفة لمحت سولين تخرج في زي البحارة، تحمل حقيبتها على ظهرها مثل طالبة مدرسة ثانوية، سنارتها في جانبها وفي يدها الأخرى المذياع القديم.
كانت قد ابتعدت عن مرمى صوتي الهادئ، قبل أن أصرخ عليها كانت قد عبرت الشاب الذي ما إن لمحها حتى تخلى عن شروده المصطنع وتبعها. وأنا التي كنت أظن أنه يقف هنا من أجلي؟ يراقبني، يلاحقني، معجب بي؟
اتضح أنه يتبع سولين. ضحكت. منذ متى وهناك أحد يهتم بي؟ أدركت أنني أختلق كل شيء. أصوغ تهيؤات في عقلي وأنه ليس من الوارد أن يلاحقني أحد مثل سولين.
حتى هناك في بلاد الغرب، في المعرض، كان الكل منبهرًا برسوماتي. لوحاتي التي تكاد تنطق وتتحدث عن نفسها. كنت أسمعهم يتهامسون من حولي بلكنتهم الغربية. أولئك المتطلعين لعلاقة معي لا بأس بها، لا تخلو من الجمال، معتبرة. "جرب أن تصطحبها لسريرك."
هذه كانت نظرتهم تجاهي. يصافحوني، يتحدثون من خلفي ولا يعتقدون أنني أفهمهم. ولا أحد فيهم فكر فيّ كإنسانة تستحق.
بدا لي أن حياتي الغير مهمة ستمضي بي لنهاية تراجيدية مؤلمة مثل قصتي الحزينة. فتاة من ملايين الفتيات سيئات الحظ الذين يباعون كسلعة تحت مسمى الزواج!
اختفت سولين عن نظري، رأسها، وسطها، كلها. وأنا أفكر لماذا أشغل نفسي بتلك الحوارات الفارغة؟
حتى الفتاة المؤدبة، غير المبالية، التي تنظر للعلاقات خارج إطارها الشرعي على أنها محرمة، تحب أن تُرمق بعين الحب والاهتمام. ليس معنى ذلك أن تنجرف خلف نزواتها أو حتى أن تكون فتاة لينة، لا، على الإطلاق، بل بعمق ستظل في مكانها بكامل حشمتها وبهائها. لكن مهمة، مرغوبة، وليس كهنة مهملة، فضلات طعام، كتاب على الرف.
أعلم أنني لست فتاة مذهلة، خارقة، استثنائية. لقد تمرغت في الوحل، مررت بتجربة شريرة كادت أن تقتل روحي. علي أن أسعد بما وصلت إليه الآن، هذا يعجبني أن لا أتوقف.
آه قبل أن أنسى، قلت إنني لست فتاة مذهلة لذلك لا تطلبوا مني أن أبهركم كل مرة، فأنا أمر بأيام سيئة أحيانًا.
عندما أشعر بالإحباط والاكتئاب اقتل نفسي في الرسم. أغلقت غرفتي على...
إذا كان العالم لا يهتم بي، فلماذا علي أن أهتم به أيضًا؟
أسمع صوت البحر يضرب الشاطئ بأمواجه. إنه رفيقي خلال سهرات الليل، يؤنسني وأنا أرسم.
معتكفة في غرفتي، أحتسي فناجين القهوة وأستمع للموسيقى. أرسم. أجلس في الشرفة، قدمي ممددة على طاولة واطئة في آخر أنفاس الليل، أقزقز اللب والسوداني الذي سرقته من أدم دون أن يشعر.
أدم الذي نسيني مثل غيره منذ حضرنا هنا. هو الآخر لديه عزلته التي يحبها ولوحاته.
وحيدة في غرفتي لا أخرج منها. يدي ملطخة بزيوت الرسم، ملابسي ملونة بلطخ الألوان. كلما طرأت على ذهني فكرة ركضت لأرسمها على لوحة.
آه لقد نسيت سولين، ماذا حدث معها؟ هل تجرأ ذلك الشاب وأفصح لها عن حبه؟ أم أنني كعادتي أختلق قصص مبتكرة حتى لا تشعروا بالملل؟ ربما علي أن أسألها.
الساعة على الجدار تشير للثانية صباحًا، وقت غير مناسب لزيارة شخص، وتطلب منه أن يبوح لك بحكاية.
لذلك طرقت باب سولين النائمة وانتظرت حتى قالت "ادخل".