تحميل رواية «لا تخبري زوجتي (زهرة)» PDF
بقلم الكاتب اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ب مونت كارلورواية لا تخبري زوجتي الفصل الأول 1لم أكن قادره علي فتح فمي، لقد حذرني بالموت منذ صغري، ترسخت الفكره في ذهني بعد أن وجدو دعاء صديقتي مذبوحه في المصرف القريب منا، بداء الأمر في عمر التاسعه عندما كنت العب ودعاء علي السلم، حينها اغرانا بقطع شيكولاته جميله، اجلسنا علي حجره بالتناوب ووعدنا بمزيد من الايس كريم والشيكولا اذا حضرنا كل يوم دون أن نخبر أهلنا، كنا أطفال ولم نتمكن من مقاومة الشيكولالكن دعاء شعرت بالألم بعد أن قام بقرصها حتي احمر جسدهاحينها قالت لي انها لم تذهب هناك مره اخري، بعده...
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
بمضي الأيام أصبح لدي روتين معتبر شغل ذهني حتى حوافه، فقد شكلت لي الكتب والروايات التي كنت أقرأها عوالم مختلفة وشيقة. تعرفت على شخصيات تشبهني، مرت بحالتي وأخرى تمنيت أن أكونها. لقد اتضح لي أنني كنت مريضة وأن معظم سلوكياتي بالماضي كانت نابعة من رد فعل لكبت مستوطن بأعماقي. فما تعرضت له من تحرش لسنوات طويلة أصابني بقرح مرضية طفحت في سلوكيات معيبة.
بعد اختفاء آدم كان سهلًا بالنسبة لي أن أحتل مكانه على سطح المنزل. فقد قمت بنقل طاولة ومقعد، هناك أخفيت سري الكبير الذي لن يعرفه أحد لسنين طويلة. لم أتوقف عن الرسم أبدًا، لم أتقبل هزيمتي، طورت موهبتي بالمثابرة على الرسم واستدرار المعرفة من تجارب الآخرين. ولم يمنعني ذلك من امتهان حمية غذائية جبّارة بعد أن لاحظت زيادة وزني في الآونة الأخيرة. كنت أحارب على كل الجبهات لأول مرة من أجل نفسي، لا من أجل الآخرين.
لقد أصبحت قادرة على رسم شخص كامل. منظر طبيعي بلا عيوب. نعم، كانت لي لوحاتي الغامضة التي خصصت بها نفسي، لوحات تؤرخ رحلتي في الحياة، ما عانيته وقاسيته، ما كنت أشعر به مثلما أخبرني آدم مرة نقلته على الورق والقماش. لوحات تعاستي وانكساري وهزيمتي كانت تملأ سطح المنزل.
في تلك الفترة نسيت آدم تمامًا، لم تعد تعنيني رحلته الخارجية ولا ماذا يفعل وكيف يقضي وقته، وإن كنت أتمنى له النجاح بعد ما فعله من أجلي. عندما ألقت لي سولين صحيفة غربية تتحدث عن لوحات آدم لم أبدي اهتمامًا، لكن بعد رحيلها، بشكل موضوعي وجدتني لأول مرة قادرة على اكتشاف براعته فيها، أوجه تفرده، بل وانتقاده. كنت بلغت الحد الذي يسمح لي بتقييمه.
اقترب موعد آدم كما أخبرتني سولين. إنه يطلب مني أن أكتب له قائمة بالأشياء التي أرغب في انتقائها. لقد فكرت طويلًا قبل أن أخبرها ردي بعدم حاجتي لأي شيء.
اصطدم آدم بموقفي وطالب بمحادثتي شخصيًا. اعتبرتها أحد مزحاتي القديمة، لكني في الحقيقة كنت أعني ما قلته، فأنا لا أحتاج أي شيء. لم أرغب بجرحه لكني كنت مكتفية ولا حاجة لدي لأن أثقل كاهله بكماليات لا معنى لها.
حاول آدم إقناعي أن أتخلى عن رخامتي كما وصفها. لقد كان متأثرًا جدًا وهو يصارحني باستيائه من موقفي الذي لا يفهمه. أبدى انزعاجه من طريقتي وطالبني أن أكبر وأتخلى عن صبيانتي المتزمتة.
تمنيت له رحلة آمنة قبل أن أغلق الخط. "سأقابلك في المطار"، قال. قلت: "ربما سيد آدم، ربما."
يوم موعد عودته، الذي كان لا يعرفه السيد آدم، إنه أهم أول يوم امتحانات في حياتي. فحين كانت طائرته تحلق على مهبط المطار كانت ورقة الأسئلة أمامي على البنش.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
بدا أدم منزعجاً عندما نزل من على سلم الطائرة ولم يجدني في استقباله.
كيف تفعل ذلك بي؟
لقد توقع السيد أدم فتاة متهورة تركض نحوه فرحة بعودته لأرض الوطن محملة بإنجازاته.
لاحقاً، أخبرتني سولين بنبرة تهكمية عن زعيق أدم.
"إمتحانات؟ حسناً، ربما نراها رائدة فضاء أو قائدة طائرة."
بحسن نية، أخبرتني سولين عن لقائها العاصف مع أدم. تلا، لم تكن رفقته. تأخرت يومين لإبرام عقود أخرى تجلب مزيد من النقود تضعها في جيبها.
كنت منكبة على دروسي بعد أن أخليت السطح من أجل السيد أدم. كنت متفهمة لردة فعله، ثورته. فهو قبل كل شيء صاحب فضل علي ولا يمكنني إنكار ذلك.
لكن سخريته مني، تقليله من عزيمتي وإلى أي مدى قد أصل، أفزعتني.
مثلما لديه أشياء مهمة، لدي دراستي وليس من حقه ولا من حق أي شخص أن يسخر من اهتماماتي.
أنا لم أوبخه، أو ألومه لاهتمامه بالرسم. ربما كان من الأفضل عليه أن يفعل المثل.
بعد أن أنهيت مذاكرتي، قصدت غرفته. طرقت الباب وانتظرت أن يسمح لي بالدخول.
"من سأل؟"
قلت: "زهره، سيد أدم."
سمح لي أدم بالدخول. رحبت به.
كنت سعيدة حقاً بعودته ونجاحه، لكن أدم كان ينتظر أكثر من ذلك. لأول مرة أرى تأثير مواقفي الصبيانية السابقة على أدم.
"حسناً، كل شيء تغير خلال سفرك."
"تمنيت له ليلة سعيدة."
"هذا كل شيء"، قال أدم. "بعد عام من الغربة والسفر؟"
لم أفهم تسأله. ابتسمت وأغلقت باب غرفته. كان علي أن أواصل مذاكرتي والتي بت أعتقد أنها فرصتي الوحيدة.
اعتقد أدم أن انعزالي في غرفتي من أجل المذاكرة والاستعداد للمادة القادمة، حيلة، تحدي، مناكشة. لم يتقبل أبداً فكرة تغيري. أسر لسولين أن أفعالي غبية جداً وغير متوقعة.
حاولت سولين أن تشرح له عن مقدار تغير حياتي خلال غيابه، لمن أدم العنيد رفض أن يفهم.
لم أرى أدم لأكثر من أربعة أيام. كان قد اتخذ قراره بمقاطعتي، بمعاقبتي بمنعي عن رؤيته.
أنا لم أكن مهتمة أصلاً. كن في وادٍ آخر، في قمة تركيزي، أراجع المادة أكثر من مرة حتى أحفظ الفقرات المهمة.
وصلتني سخرية أدم عن طريق سولين. "إنها تذاكر ليل نهار، تتعمد ذلك. لنرى إلى أي نقطة قد تصل."
رغم ذلك، في إحدى الليالي، طرق أدم باب غرفتي وتمنى لي ليلة سعيدة مع كتبي وأوراقي.
حقيقة، لأول مرة أشعر باليتم. كان أدم قريباً جداً مني. كنت أنتظر مساندته. إنه الشخص الوحيد في العالم الذي تمنيت أن يهتم بي.
فأنا لا أمتلك، أم ولا أب ولا إخوة ولا حتى أقارب ولا حتى أدم.
تذكرت والدتي وكيف كانت تهتم بي. حينها أدركت أنه ليس بإمكان أي شخص مهما كان قربه أن يأخذ مكان الوالدة.
كنت أذاكر بمفردي، أراجع الامتحانات بمفردي من خلال نماذج الإجابة.
أصنع طعامي بمفردي لأنني كنت أسهر لوقت متأخر ولم أرغب بإزعاج سولين.
انتهت الامتحانات. لم يتوقع لي أي شخص النجاح.
لم يكن هناك من يهتم كيف كانت تمضي أحوالي. كنت كالعادة مجرد مهمشة، مجهولة وغير مهمة.
كنت مضطربة جداً خلال تلك الفترة. انتظار النتيجة التي لم يكن أحد يهتم بها غيري. دورتي الشهرية التي زادت من اكتئابي وهذا كان آخر ما ينقصني. كنت أحاول أن أتناسى كل ذلك بالغرق في القراءة والرسم تحت شجرة الصفصاف أثناء النهار. أمسيات الصيف الطويلة التي أمضيها بمفردي. أستلقي في المساء، وأنا أشعر بالإرهاق يتغلغل في جسدي. الأيام الطويلة الخانقة. بوتقة صمت موحش.
يوم الإعلان عن نتيجة الثانوية العامة. كافحت من أجل عدم النوم. اتتبع المواقع الإلكترونية، أي رابط، أي خبر. قبل الفجر نمت رغماً عني. نوم عميق لم أعتده. كأنني لم أنام منذ عام. فتحت عيني على صداع. كان النهار قد انتصف. المنزل صامت جداً. ولأنني كنت متأكدة أن نتيجتي ظهرت وأن ما من شخص طرق باب غرفتي، فقد توقعت الأسوأ. فشلي، سقوطي.
أغرقت وجهي في الوسادة. روحت أبكي حتى بللت المخده. كنت حزينة جداً. بذلت كل ما بوسعي لكنه لم يكن كافياً.
لم أستطع ترك غرفتي ولم أقو على النظر في شاشة اللابتوب.
شعرت بالخزي. بأي وجه أقابلهم؟
أصبح خروجي من غرفتي والنظر في وجوههم أكبر مخاوفي. لن أتحمل أي كلمة لوم أو توبيخ.
أخيراً، عندما غربت الشمس، نزلت للطابق الأرضي. كانت سولين وآدم جالسين في الحديقة، مستمتعان بوقتهما.
لا يمكنني لومهم فهذا طريقي وحدي.
أثناء مرورها جواري، سألت سولين: "ماذا كانت نتيجتي؟"
لقد فاجأتني أنها لا تعرف أن نتيجتي ظهرت، وتعتقد أن أدم أيضاً لم يشغل باله بذلك.
ركضت نحو غرفتي بسرعة، فحصت شاشة الكمبيوتر، أدخلت رقم الجلوس والاسم.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
كانت الساعة الرابعة وعشر دقائق عندما ومض الكمبيوتر بنتيجتي، مرت عيني بسرعة على الدرجات قبل أن أطلق صرخة:
"واو، واو!"
ما حدث بعد ذلك لا أتذكره جيدًا، لقد استمريت بالصراخ والقفز ولكم الهواء. خرجت للشرفة ولوحت لهم وأنا أصرخ:
"نجحت، نجحت!"
صرخت سولين بسعادة:
"مبارك يا زهرة!"
قال آدم وهو يلوح لي:
"ألف مبروك."
ثم همس لسولين:
"ماذا كانت تتوقع غير النجاح؟"
دونت درجاتي بفخر، كان ينقصني ٨ درجات فقط عن الدرجة النهائية. هبطت درجات السلم وأنا أركض، وقفت أمامهم بفخر ولوحت بنتيجتي.
"أستحق هدية، سيد آدم."
"آدم ماذا تعني؟"
قال وهو يحاول الإمساك بالورقة:
"تحصلت على درجات هائلة سيد آدم تمكنني من الالتحاق بأي كلية أختارها."
حدق آدم بدرجاتي ولم يخفِ صدمته:
"أنتِ فعلتِ ذلك؟"
قلت وأنا أضم ياقة عنقي:
"أجل."
"تستحقين هدية فعلًا."
غمروني بالتهاني بعد أن جلست معهم، سألتني سولين عن الكلية التي أنوي الالتحاق بها.
قلت:
"لم أفكر بعد، أنا أكره مظهر الدماء لذا أعتقد أن الطب لا يناسبني، آخر ما ينقصني أن أقضي كل وقتي في الغرز الطبية وتركيب المحاليل."
قال آدم:
"ماذا إذًا؟"
قلت بمكر:
"ربما كابتن طيار، أو رائد فضاء."
أدرك آدم ما أعني حيث ألقى نظرة لوم تجاه سولين. لم يحاول أي منهم مجادلتي أو مناقشتي، كأن كل شيء انتهى هكذا.
"نجحت زهرة، هذا غير مهم."
كانا يتناقشان في أمر ما ورأيت أن من واجبي أن أتركهم بمفردهم. مرة أخرى شعرت بالقهر، الانكسار والوحدة.
"أنتِ غير مهمة على الإطلاق يا زهرة في حياة أي شخص."
دون أن أدري وجدتني أبدل ملابسي، أغادر المنزل لأول مرة منذ حضرت هنا واستقل سيارة أجرة نحو شقة والدتي القديمة.
كانت الشقة غارقة في العتمة عندما وصلت، مصباح يتدلى من مكانه أضاء بالكاد الصالة، الأتربة التي غطت المقاعد والسجاد والأثاث. لوحة والدتي المعلقة على الجدار وهي تحملني، أنزلت الصورة التي التقطت في حديقة عامة، مسحت التراب بكم قميصي، قبلت والدتي وبكيت.
"زهرة كبرت يا والدتي، أصبحت فتاة راشدة لكنها تفتقدك."
شعرت بحاجة كبيرة لحضن والدتي، أن أرى السعادة في وجهها، الفرحة من أجل ابنتها التي حققت درجات رائعة. غمرني الصمت والظلام، استلقيت على الأرض وأنا أبكي بتعاسة.
أسأل نفسي لماذا اختارني الحزن في أسعد يوم في حياتي ليسكن رأسي؟
أطبقت جفوني، نمت. عندما انتبهت كان هاتفي يومض باتصال قادم. عدتُ مرات حاولت سولين مهاتفتي.
"أين أنتِ؟ العالم كله يبحث عنكِ. آدم يبحث عنكِ."
"أنا هنا."
قلت غير واعية أنني نمت لأكثر من ثلاثة ساعات.
"هنا؟"
تساؤلت سولين:
"أنا لا أرى أي حشرة جواري. أنتِ مطلوبة فورًا يا زهرة لا تتأخري."
نهضت، نفضت ملابسي من التراب، احتضنت صورة والدتي وغادرت الشقة.
كان المنزل مظلمًا على غير العادة، غارق في العتمة عندما وصلت حتى أنني شككت أن هناك مشكلة في الكهرباء. أخرجت هاتفي وفتحت الباب، على ضوء الهاتف دلفت للرواق.
"صرخت سولين أين أنتِ؟"
قالت سولين من أحد جوانب الرواق:
"أنا هنا."
وصاح آدم من خلف الباب الذي دلفت منه:
"أنا هنا."
أثناء استداراتي لرؤية وجوههم، عادت الأضواء مرة أخرى وقوبلت بصراخ وحفاوة، لقد أقاموا حفلة صغيرة على شرفي. عشرات باقات الورد، تورتة، والعديد من الأطعمة. بكيت، كنت ممتنة حقًا لهم، ظننت أنني وحيدة ويتيمة ولم أتحمل المفاجأة. أحاطوني بينهم وهم يرقصون ويهللون وسرعان ما انطلقت الموسيقى الصاخبة ووجدتني أرقص معهم، أرقص وأنا أبكي من الفرحة وصورة والدتي في حضني.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
كنت ممتنة جدًا لتلك اللفتة الجميلة غير المتوقعة. لقد أعدوا حفلة صغيرة على شرف نجاحي. كنت مخطئة عندما ظننت أنهم نسوني. أشكرهم، فأنا لا أملك غير الشكر في وضعي الحالي.
قال آدم إنه سيساعدني في أي كلية أقرر الانضمام إليها، لكنه لم يمنحني اختيارات. قال: "إنه مستقبلك الخاص يا زهرة".
كان لدي وقت كافٍ لأختار وأقرر بعد أن نحيت الطب جانبًا، لذلك لم أتعجل. أخيرًا أصبحت حرة من المذاكرة ولست مضطرة لأن أدقق وأراجع وأفحص. أخليت غرفتي من كتب الدراسة، كان هذا أول شيء فعلته. قطعت علاقتي بالكتب المدرسية.
واصلت هوايتي في الرسم التي أثقلتها بالمعرفة. اطلعت على سير العديد من الرسامين العظماء: بيكاسو، دافنشي، جوخ، هانس، جيوفاني، ألبرتو. كنت أضع اللوحة أمامي وأدقق فيها بعمق، متتبعة مسارات فرشاة الرسام، محاولة فك أسرارها. فلكل لوحة قصة، ولا يمكنك أن تكون رسامًا قبل أن تعرف القصة بمجرد نظرك للصورة.
سرعان ما غرقت في المتعة اللامتناهية للرسامين القدامى ومدارس الرسم المختلفة. لقد تحول الأمر لأكبر من تحدٍ بيني وبين آدم، لعشق وحب وهواية وشغف. كنت أنام وأنا محتضنة اللوحات، وأحلم بقصصها وكيف رسمت، طبيعة الحياة وقتها، كيف كانوا يعيشون، نوعية الشوارع، الطرق، غرف المنازل، الملابس، الأدوات. بت مسحورة ومأثورة بكل تفصيلة غامضة، ولا يهدأ لي بال حتى أعرف أصلها، من أين أنت، وكيف قامت الفكرة. بل أكثر من ذلك، التغلغل في مشاعر الرسام والشخص الذي يقوم برسمها.
اقتضى ذلك أن أقضي وقتًا طويلاً بمفردي. ابتعدت عن الحياة، العالم، الأمور الاعتيادية التي كنت أقوم بها. متصلبة في شرفتي أمام لوحة، ببنطال رياضي وتيشرت من القطن، متصببة بالعرق وملطخة بالألوان. استلقي على أرضية الغرفة في فوضى عارمة ومزاج رائع.
عندما دلف آدم لغرفتي، وجدني على ذلك الحال. أكوام من اللوحات متكومة بجوار السرير وفي كل مكان.
"ماذا يحدث هنا بالضبط؟" زعق آدم بمزاح. "أنت تقيمين معرضًا من خلف ظهري؟"
أنهضت جسدي بسرعة.
"أعتذر سيد آدم، حولت الغرفة لقبو تحف تذكارية."
لكن آدم سريع الانتباه، توقف عن مزاحه بسرعة. مسح الغرفة بعينه الخبيرة، سرعان ما جلس على الأرض بجواري شاردًا في أفكاره وهو يحدق باللوحات. انقطعت علاقتنا في الفترة الأخيرة، كنت أراه صدفة في طريقي نحو الحمام أو عند التهام طعامي.
ظل آدم محدقًا باللوحات وهو يبتسم حتى ظننته نسي وجودي. ثم نهض فجأة.
"اختار ثلاثة لوحات من القماش حجم ٩٠ سم، وضعها تحت إبطه. قال: "سأتفحص تلك اللوحات بعد إذنك."
لأول مرة يخاطبني آدم كشخص بالغ، شخص له كينونته وشخصية منفردة، شخص حر. ند لند، باحترام.
قلت: "إنها لا تعدو كونها مجرد هراء."
ضحك آدم. "هراء يقترب من الإبداع." حول آدم فك شفرات اللوحات التي اختارها.
كان يحدث نفسه: "أحتاج مزيدًا من الوقت، هذا ليس اعتياديًا."
صفع الباب بجنون وتركني لأفكاري. شعرت بالحرج. اللوحات التي اختارها آدم تؤرخ ماضي التعيس على فترات زمنية مختلفة. قبل التحرش، أثناء التحرش، وبعد أن قام حسني بالتحرش بي. اللوحات تحكي لحظات معينة، لكنها بمشاعر مختلفة ومتناقضة، مع أنه نفس الشخص.
لكن الدوامة التي دخلت فيها بعد ذلك أنستني ذلك الموقف. كنت اخترت كلية الهندسة وأركض بملفي نحو الجامعة من شؤون طلبة، مكتب لمكتب، ثم دوامة اختيار ملابس ملائمة للدراسة وتحضير نفسي لعالم جديد غريب علي.
قبل بدء الدراسة وكنت حينها أستعد لأول يوم بالجامعة، لاحظت استعدادات فريدة في المنزل. كانوا يستعدون لاستقبال تلا مع وفد أجنبي مهتم بالرسم وبعض أصحاب المعارض الفنية من أجل حوار تليفزيوني وآخر صحفي. "بيئة الرسام الحقيقية هكذا صرحت تلا." لم أفلح في إرغام نفسي على التعامل مع تلا، وحمدت الله أن موعد حضور الوفد هو أول يوم في الجامعة، مبرر منطقي لترك المنزل.
قبل حضور الوفد الإعلامي التسويقي، غادرت المنزل وقصدت جامعتي الجديدة، عالمي الكبير الذي علي أن أجتازه.
كانت الساعة تشير للثانية عشر وعشرين دقيقة عندما هاتفي آدم يطلب حضوري للمنزل. لم يوضح لي شيئًا، كان أمرًا مبهمًا. قال: "أحدهم مهتم برؤيتك، من فضلك احضري بسرعة."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
كانت تلا منزعجة، بدت ليست في حالتها الطبيعية. أعني، أنها تبتسم وتضحك، تمزح بلا نفس. عندما لمحتني على باب المنزل، لوحت لي.
"زهره، وصمتت لحظة. زهره حبيبتي، هناك شخص ينتظرك في غرفة آدم. إنه أحد ضيوفنا وقد أبدى إعجابه بإحدى لوحاتك. كان آدم قد نسيها في غرفته، لا أعرف كيف وصلت هناك، لكن المهم أن عينه التقطتها. ظل يحدق بها طويلاً وأبدى اهتمامه بمقابلتك."
رفعت تلا يدها اليمنى بارتباك.
"تتحدثين الإنجليزية؟"
"أجل، نوعاً ما."
"حسناً، دفعتني تلا نحو السلم. إذا احتجتِ مساعدة، فلا تترددي في طلبي!"
"آخر ما أحتاجه مساعدتك"، قلت في نفسي.
صعدت درجات السلم. فاجأتني كلمات تلا، كانت بعيدة عن التعصب، وودودة ومهتمة. ربما علي أن أعيد تقييمها، فقد كنت قاسية عليها في الماضي. حكمي عليها كان نابعاً من اهتمامي بآدم.
كانت غرفة آدم مكتظة وصاخبة، تشبه مشرحة دجاجات. معدات تلفزيونية، ميكروفون، مقاعد، عصائر، جاتوهات، موسيقى، وجوه غريبة لرجال وفتيات.
"السلام عليكم"، قلت فور دخولي من باب الغرفة المفتوح.
حملقت الوجوه نحوي. لم يفهموا كلامي طبعاً. أشار إلي آدم أن أقترب.
خطوت نحوه وأنا أوزع الابتسامات وأحني رأسي وأنا أرحب به.
كان آدم واقفاً مع شاب أربعيني نحيف يرتدي بذلة إيطالية أنيقة. يضع إحدى يديه في جيب بنطاله والأخرى يدخن بها لفافة تبغ وهو ينظر تجاه لوحتي المعروضة على الحامل بكامل اتساعها.
قال آدم: "السيد جون فليكس صدعني بالحديث عنك. استلمي زهره."
تركني آدم مع الرجل وفر نحو فتاة صفراء تدعي كاتي بيدها آلة تصوير.
قال جون فليكس: "مرحباً زهره."
قلت: "ويلكم سيد جون."
"أنتِ"، وأشار تجاه اللوحة، "هذه رسمتك؟"
قلت: "نعم، رسمتي. إحدى لوحاتي."
"أرى ذلك"، قال جون فليكس. "كيف قمتِ برسم تلك الأعجوبة؟"
"الرسم إحدى هواياتي، كنت أعبر عن نفسي."
"اللوحة رائعة يا زهره، غريبة، بسيطة، عميقة، حزينة، فريدة، غامضة."
حاولت أن أفهم كلماته. ربما فهمت بعضها، لكن إجمالاً أدركت أنه يمدحني.
قلت: "شكراً لك."
همس جون فليكس: "اقتربي يا زهره، قادني نحو الشرفة، أريد أن أبرم معك صفقة."
قلت: "معي أنا؟"
قال: "لما لا؟"
قلت: "ستخسرين يا سيد جون فليكس."
قال السيد جون فليكس: "أنا مستعد للمجازفة، وأنتِ؟"
ابتسمت. "ليس لدي ما أخسره."
التفت جون فليكس نحو غرفة آدم. بحث بعينه عن تلا وآدم قبل أن ينظر تجاه الحديقة مرة أخرى.
"صفقة سرية، TOP secret. سأوقع معك عقد احتكار يا آنسة زهره. سأكون وكيل أعمالك في المستقبل. من حقي وحدي أن أعرض لوحاتك في معرضي، إلى جوار لوحات كبار الرسامين المشهورين."
قلت: "هذا شرف كبير يا سيد جون فليكس."
"لا تتحدثي عن الشرف الآن يا فتاة"، أردف جون فليكس. "اسمح لي أن أعرض لوحاتك، أن آخذها معي عند رحيلي. أعدك أن لا تمس بسوء، وأن لا يتم نسخها أو بيعها إلا بعلمك؟"
أعجبتني طريقة جون فليكس البسيطة. قلت: "موافقة."
"تشيك هاند؟"
"تشيك هاند!!"
"هس"، أمرني جون فليكس بالصمت ووضع أصبعه على فمه. "لا تخبري الثعلبة، أوك؟"
"أوك."
غمزني جون فليكس بعينه، يعني أن لا شيء حدث وعلينا أن نفترق.
ابتعدت عن جون فليكس الذي غطس وسط الصخب مرة أخرى.
وقفت بعيداً أحاول إدراك ما الشيء الذي يميز تلك اللوحات عن غيرها ويجعل شخص مثل جون فليكس يهتم بها.
ليس جون فليكس وحده، كاتي أيضاً صورت لوحاتي. لا أنكر أنني عندما قمت برسم تلك اللوحات كنت أعبر عن حالتي النفسية حينها بالضبط. شخص يتألم غير قادر على الصراخ، متحطم، يقبع في الهاوية القذرة، غير مهم، ولا يتوقع أن يمد له أحد يد لإنقاذه. فتاة شاحبة تتألم بصمت بوجه شاحب وعيون متوجسة. إنها زهره.
مضى وقت طويل قبل أن تنتهي جلسة العمل. كان الوفد مستعجل جداً، حتى أنهم رفضوا عرض آدم البقاء في أحد فنادق القاهرة ليلة أخرى.
رافقهم آدم وتلا نحو المطار. أخيراً حل صمت وسكون داخل المنزل.
قمت أنا وسولين بتنظيف الفوضى التي خلفتها جلسة العمل. لم أتركها حتى انتهينا، ما أعاد الانضباط للمنزل العتيد.
كنت أعمل تلك الفترة من أجل سكني وطعامي. لم يطلب مني أي شخص ذلك، لكني ارتأيت أنه لن تكون لي شخصيتي الخاصة طالما لم أعتمد على نفسي.
رويدا بدأت تأخذ نصيبها في عمل المنزل حتى إذا لم يلاحظ آدم ذلك.
عاد آدم وتلا في غاية السعادة. على ما يبدو أبرمت تلا عدة صفقات ولقاء تلفزيوني مع آدم.
انزويت في غرفتي. تم إفساد يومي الأول في الجامعة بنجاح. لم يسألني آدم عن لقائي بجون فليكس، ولم أبدي غضبي أو اهتمامي.
تعلمت في الفترة الأخيرة أن أعول نفسي بكل مخاوفي وتطلعاتي.
توضأت، صليت العصر واستلقيت على فراشي أطالع رواية "ظل الريح" فلم يكن لدي ما أفعله.
اجتمعنا على طاولة العشاء. كانت ألا حاضرة معنا. وكنت بكامل ملابسي بعد أن اتجهت مؤخراً لتغطية رأسي. لا فائدة من المحايلة ولن تفيدني عدة شعرات أتركها بالخارج تستطلع الطقس.
استمعت بصمت لخطط تلا المستقبلية لآدم. "اصبري، ستري. صورك ستغرق كل الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية."
استأذنت وذهبت لغرفتي ولم أخرج منها حتى الصباح.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
تقابلني لعنة الاختيار في كل مرة أقرر فيها الخروج من المنزل، وليس مستبعداً ولا مستغرباً بالنسبة لي تبديل ملابسي في اللحظة الأخيرة بعد أن أكون قد استقريت ٩٠ بالمائة عن نوعية ملابسي.
ينقذني سولين دائماً.
"هذا رائع يا زهرة، تبدين ككونتيسة أو بطة أو عسولة مثلما اتفقت معها."
وضعت حداً لترددي، اخترت تنورة قشدية وقميص موف، حقيبة لبنية، حذاء أبيض. استقللت سيارة أجرة نحو الجامعة وأجبرت نفسي على سماع الأغاني التي صمت أذني بفارغ صبر حتى وصلنا الجامعة.
ناولته السائق أجرته التي اتفقت عليها، فقد تعلمت ألا أستقل تاكسي قبل أن أفاوض على الأجرة.
استقبلتني بوابة الجامعة، أظهرت بطاقة الجامعة ومررت نحو كلية الهندسة، وجلست في المدرج مثل غيري أنتظر حضور دكتور المادة.
وغمرتني موجة من الاضطراب وأنا أجلس بمفردي، سرعان ما واصل الطلبة حضورهم بوجوه مشرقة وضجت القاعة بأصواتهم.
كان الطلبة والطالبات ينادون بعضهم "بشمهندس فلان" أو "فلان"، لاحظت أن الطالبات ينحشرن أزواجاً، أو مجموعة تعرف بعضها، بينما كنت وحيدة كالعادة، لا أعرف أحداً ولا أحد يعرفني، مما وفر لي بعض الراحة ومنحني مساحة لأتصرف على طبيعتي.
رحب بنا أستاذ المادة وأغرقنا بوصلة من الحكمة والفلسفة والنصائح. كانت محاضرة تعارف لم يتطرق خلالها للمنهج.
أكثر من ساعة من الثرثرة انتهت بوصلة من التصفيق كأننا في برلمان الأمة.
كان يفصلنا ساعة عن المحاضرة التالية، لجأت لكافتيريا الجامعة، طلبت قهوة وسليت نفسي بكتاب كنت أحضرته معي.
علماً أن بعض الطلبة توقفوا عن مراقبتي مثل غيري من الفتيات، يثبتون عيونهم الوقحة التي لا تطرف على وجوهنا وأجسادنا. حمدت الله أنني أحضرت ذلك الكتاب معي فقد منحني بعض الخصوصية وساعدني على الاختفاء.
المحاضرة التالية، أخرت نفسي، لذلك جلست بآخر المدرج. حضر دكتور شاب وضع نظارة طبية على وجهه، أجلس كتبه على المنصة. كتب بالقلم اسمه واسم المادة التي سيدرسها. سارت بعض الهمسات بين صفوف الطالبات وصل إلى بعضها، تتحدث عن مظهر وشكل وطبيعة مدرس المادة واندهاشهم من صغر سنه.
بدأ الدكتور كلامه موضحاً طريقته في شرح منهجه، كان قد مضى عشر دقائق عندما صفع الباب ودلفت منه فتاة نحيلة مرتبكة. كانت سمراء قليلة الجمال، اعتذرت للدكتور عن تأخرها وهي تبحث عن مكان للجلوس. أطلق بعض الزملاء همسات سخرية بينما ظلت تلك الفتاة واقفة في مكانها توشك على البكاء.
جذبتها من تنورتها وزحزحت نفسي سامحة لها بالجلوس. شعرت بارتعاشة جسدها، تذكرت نفسي عندما كنت فتاة صغيرة، تلك الرعشة التي شكلت نواة الترابط بيني وبين سها عبد الفتاح صديقتي الأولى. والتي جلست صامتة لم تنبس بكلمة حتى انتهاء المحاضرة، وحيدتين كشقي محارة نقضم أظافرنا ونشجع بعضنا بإيماءات مقتصرة، خرجنا تحت العيون المتطفلة من المدرج متلصقتين ببعضنا، كل واحدة ترى في الأخرى صد مانع يمكنها أن تحتمي به.
تمشينا في حرم الجامعة وعرفت أنها ابنة وحيدة، يتيمة الأب تعيش مع والدتها. لم تصدق سها أنني أعيش مع شخص يكفلني بعد وفاة والدتي حتى أقسمت لها. حينها فقط أبدت دهشتها.
"تعيشين مع شاب عازب؟ هذا إثم، عارها، السيد آدم مثل والديكِ؟ كيف يكون والدكِ وهو في الثلاثينيات؟"
حسناً، لم أكن مستعدة للشرح ولا التوضيح، لقد أثارت في سها مخاوف المستقبل الذي كنت أحاول نسيانه. فجأة تحولت تلك الصامتة لمذياع، "يمكنك الانفصال، العمل، واو، واو."
أطلبت منها الصمت، ودعتها على بوابة الجامعة بعد أن تبادلنا أرقام الهواتف.
كانت فتاة طيبة، لكن سرعة حكمها على الأمور لم تعجبني، إنها لا تعرف ما قاسيته في حياتي ولا حتى ما قام به آدم من محاولة إنقاذي. ذلك الشاب الذي تتهمه بالآثم هو نفسه الذي أنقذني من التشرد وكفل لي حياة كريمة حتى الآن.
مضى أكثر من شهر، قضيته في محاولة للتأقلم مع حياة الجامعة الغريبة علي، بما تشكله من حرية وفخ التمرد. في السادس من نوفمبر الساعة العاشرة مساءً، وصلني إيميل من جون فليكس، كان مرفقاً به صورة كبيرة لإحدى لوحاتي في المعرض، أمامها ثلاثة فتيات يرفعون علامة النصر.
علق جون فليكس: "آنسة زهرة، لديك معجبون هنا."
كان بريداً مفصلاً حاولت ترجمته.
"جون فيلكس قام بعرض لوحاتي جنباً إلى جنب مع لوحات آدم وغيره من الرسامين. لقيت لوحاتك اهتماماً منقطع النظير من بعض مقتني اللوحات وأصحاب المعارض، كما توقعت،" وضح جون فيلكس، "انتظري أخباراً مفرحة."
احتترت إن كان علي أن أخبر آدم من عدمه، لم أستطع تخيل ردة فعله، وأن كنت سأقع تحت خانة التمرد والخيانة. رغم كل مخاوفي، عرضت بريد جون فيلكس على آدم، فحصه بدقة وتعمق وهدوء.
قلت: "لم أعتقد أن الأمر مهم، عندما قال جون فيلكس إنه سيعرض لوحاتي ظننتها مزحة."
نحى آدم الهاتف جانباً. "زهرة." قال آدم وحدق بي. "ليس عليك أن تعتذري، كنت أعرف أن تلك اللوحات تحمل شيئاً غريباً، رغم أن اتفاقك مع جون فيلكس اللعين تم خلف ظهري، ذلك السافل أوقعك في الفخ. وقع معك عقد احتكار، أليس كذلك؟"
قلت: "نعم."
أخرج آدم جهازه وفتح بريده، كانت هناك عدة محادثات بينه وبين أشخاص مهتمين بالرسم، لوحاتي كانت محور الحديث.
"ربما تعتقدين أنني لا أهتم لأمرك، ربما لا أبوح بالكثير، ربما أبدو صامتاً غير مهتم، لكني كنت أبحث أمرك كل أسبوع تقريباً."
توقع آدم أن يراسلني جون فيلكس مرة أخرى. قال: "سيعرض عليك مبلغاً من المال نظير تلك اللوحات، أعتقد أنه سيكون عدة آلاف من الجنيهات الإسترلينية. وافقي يا زهرة بلا تردد."
قال آدم: "إنها بداية ممتازة، سيلزمك الكثير من الوقت والصبر لرسم لوحات أخرى أكثر قيمة." ضحك آدم. "لم أتخيل في عمري أن يكون منافسون يعيشون معي في نفس المنزل."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
دراسة الهندسة.
بصاق هررة، مفرمة، هذا ما نسميه الوقوع في الوحل حتى الأذن.
أحتسي قهوتي وأصيغ رسومات هندسية تظهر لي وجه نحيل بشفة ناتئة. أجد نفسي أغرق في مظهر جميل، ينتهي بي أن أغلق عيني على هسيس اللوم.
يعتقد المرء أن معاناته انتهت بالمرور من الثانوية العامة، ثم يكتشف أنها بدأت للتو. محاضرات، تحكمات، استكيشات، عملي، نظري، لقب فارغ يفرغ عقلي.
في تلك الشهور التي كانت تقودني نحو امتحانات الترم الأول، تشكلت لدي قناعة أنني لا أصلح للهندسة. رغم ذلك، عبرت بدرجات جيدة جداً.
كنت من الأوائل وبدأ اسم زهرة يلوح في الأفق. كنت في المركز السادس تقريباً. لم أسع لذلك، لم أبذل مجهوداً كبيراً، لكني اسمي ظهر على لوحة الشرف وكبلني بقيود كنت في غنى عنها. فزهرة عليها أن تكون في الثلاث مراتب الأولى من أجل ذاتها.
في تلك الفترة، اعتبر البعض نجاحي ووجودي في لوحة الشرف محض صدفة وتوقعوا فشلي في الاستمرار. لذلك، آليت على نفسي أن أفحمهم وفعلت خطتي السرية: انتزاع مكانتي بمخالبي. زهرة ليست خنفساء ولا حتى نكرة، وإن كانت يتيمة. غير مهم، فإنها قادرة على انتزاع مكانتها كما فعلتها من قبل.
مرة أخرى، رحت أذاكر حتى الصبح، مقسمة وقتي بين الرسم، الصلاة، المذاكرة. وساعدني أنني كنت وحيدة وليس لدي اهتمامات أخرى.
هسيس عبد الدايم، التي كانت تعتبرني صابئة ولا تتشرف بمعرفتي، كانت صديقتي الوحيدة. أليس هذا من حسن حظي؟
لا تلجأ إلي إلا عندما تحتاج محاضرة، أو تصعب عليها إشكالية في المنهج. لقد نجحت بالكاد، وكانت تتهمني بالكذب عندما أخبرها أنني لا أذاكر.
"أنتِ خائنة يا زهرة. تقولين أنك غير مهتمة، لا تذاكرين، ثم أجد اسمك على لوحة الشرف؟ خيانة!"
أرسل لي جون فيلكس أول دفعة من بيع لوحاتي، ثلاثة آلاف جنيه إسترليني. مبلغ ضخم بالنسبة لي، أن أدم أكد لي أن مكاسبه أضعاف ما أرسله لي. قال ربما ثلاثين ألف جنيه إسترليني.
فجأة أصبح لدي 45000 جنيه مصري دفعة واحدة. وضعتها في حسابي.
أستطيع أن أقول إنها المرة الأولى التي فكرت فيها بالاستقلالية. فإما لن أقضي كل حياتي عالة على أدم.
كنت أستبعد فكرة رحيلي عن المنزل في الوقت الحالي، لم تبدو لي صائبة. لكن أن أشارك في مصاريف المنزل، لما لا؟
تحدثت مع أدم على انفراد ووضحت له فكرتي. قال: "هذه حماقة يا زهرة. أنا لا أحتاج نقودك."
قلت: "لكني مصرة يا سيد أدم. سأستأجر غرفتي أو سأترك المنزل."
"هذا جنون!" صرخ أدم. "أنتِ بمثابة ابنتي يا زهرة."
قلت: "سيد أدم، أرجوك. من فضلك، طاوِعني؟"
أنهى أدم حوارنا بانفعال: "افعلي ما يريحك يا زهرة."
أعدت رسم لوحاتي القديمة، مثقلة بشجن وحنكة. كان لدي مخزون يسمح ببعض الإضافات المهمة.
يقول البعض ليس من الجيد أن يعيد الرسام نفسه، لكني نجحت. كان باللوحة بعض أوجه القصور التي كنت أعرفها، لكني حينها لم أعرف كيف أسد تلك الفراغات. ثم إن الألوان لم تكن تعجبني. أعدت رسم مأساتي مرة أخرى وتجرعت نفس الألم.
أرسلت كروكي لجون فيلكس. لم يتأخر، طالبني بإرسال اللوحة فوراً.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
لدي ست مرايا أرى فيها نفسي، منعكسة، بالحجم الحقيقي، في المنزل، في الشارع، الجامعة، لكني لا أعرفني. ملامحي جافة، يعرفها الناس، أما أنا الحقيقية، رحلت منذ مدة طويلة.
تمضي أيامي مسرعة هذه الأيام، أنا لا ألاحق على الحياة، أشعر أنني في دوامة. سرعان ما اقتربت الامتحانات ووجدتني في سكنة عسكرية إجبارية، اختيارية، فأنا لا أترك غرفتي إلا للضرورات. أحياناً أتساءل ما جدوى تلك الحياة؟ لكني لا أبحث عن إجابة. أقتل نفسي في المذاكرة، المطالعة. لا أكتفي بما في يدي من مذكرات، أستعير مجلدات ضخمة أدرسها وأسهر عليها.
إذا رغبت في شيء بشدة يمكنك تحقيقه ولا يمكن لأي قوة أن توقفك. ستكون دومًا ما ترغب أن تكونه، ما ستكونه سيخضع لك. حللت مئات الامتحانات السابقة، كنت أقزقزها مثل السوداني. على وقت الامتحانات كنت واثقة أنني سأعبر بعلامة كاملة هذا الترم، فأنا لم أسمح لأي شيء أن يعيقني عن تحقيق هدفي.
رغم ذلك، لأكون صريحة، كنت مطمئنة ومرتاحة. بذلت كل ما في وسعي وأي كانت النتيجة سأكون راضية، فلن يحدث إلا ما قدره الله.
جلست على طاولة الامتحان في مخيم في الجامعة. طالعت ورقة الأسئلة ونحيت نموذج الإجابة جانبًا لمدة عشرة دقائق. تنهدت حتى سكنت ارتعاشة يدي فهي لا تفارقني، ثم سميت الله وبدأت في الإجابة.
عندما زارنا دكتور المادة في منتصف الوقت ليطمئن على سير الامتحان، كنت أنهيت ورقة الإجابة. رفعت يدي وخرجت لأسلم الورقة لمراقب الامتحان. لاحظني دكتور المادة، انتزع ورقة الإجابة من يدي وفحصها. جعل يتصعب، يتمتم، يهمهم.
ما اسمك، قال؟
اسمي زهراء.
بحَلقت في ورقة الإجابة، خفت أن أكون نسيت تسجيل اسمي.
حللت الأسئلة بمفردك؟
سؤال سخيف كاد أن يعصبني، قلت نعم، الامتحان سهل.
نحِّ الورقة جانبًا. كبرياؤه نقح عليه، مستحيل، صرخ.
أشار بيده، أستاذة؟
حضرت مراقبة فتاة كانت في اللجنة.
فتشي المهندسة، أخرجي لي ورق الغش، انظري إن كانت تحتفظ بهاتف، أو سماعة بلوتوث.
وأنا منذهلة، رفعت يدي وسمحت للفتاة أن تفحصني.
نظيفة.
أكدت أخيرًا. لم يقتنع الدكتور، طلب عميد الكلية في الهاتف. لدي حالة غش هنا لكنها بارعة ولا ترغب بالاعتراف.
انتظري هنا من فضلك، لا تثيري الشغب حتى أعود إليك.
وقفت مكلومة جانب صوان المخيم، دموعي تكاد تغرقني. أحاط بي عميد الكلية، حرس المخيم، دكتور المادة.
اسمعي يا فتاة، أقسم لك أنني لن أجعلك تعيدي المادة، لكن أخبرينا كيف تمكنتِ من الغش.
قلت، توقف عن الهراء سيادة الدكتور، ما تفعله، تقوم به، أسلوب مهين لن أقبله أبدًا.
قال عميد الكلية، لدي مشاغل أخرى، ثم أردف بنبرة غاضبة، خلصينا من فضلك.
قلت، أنت أيضًا رغم أنني أكن لك الاحترام، طريقتك لا تعجبني.
فحصوني مرة أخرى، ملابسي، حقيبتي، كل شيء.
هل انتهينا هنا؟ صرخت بنبرة غاضبة.
قال دكتور المادة، لا لم ننتهي، أريد أن أعرف اسم الدكتور الذي سرب إليك الأجوبة.
قلت، لدي حل آخر، أفضل من ذلك يريحنا كلنا.
انطقي، قال عميد الجامعة المنشغل.
ابتلعت إهانة عميد الكلية الصفيق الغبي، الثخين.
قلت، ليس هنا في مكتبك بعد إذنك.
حسنا.
لا بأس أن تسير خلف الكذاب حتى المكتب، ستكون قصة رائعة أقسم على ذلك.
تحركنا نحو مكتب عميد الكلية، دلفنا للداخل وأغلق الباب. جلس عميد الكلية على مكتبه وجلس دكتور المادة وانتظر أمن الجامعة خلف الباب.
جلست في مواجهتهم.
أنا لم أسمح لك بالجلوس. نهرني دكتور المادة.
قلت، ستعاملني باحترام منذ تلك اللحظة. رمقني الدكتور بنظرة ممتعضة وأشار له عميد الكلية بالصبر.
ما السبب الذي دفعك لاتهامي بالغش وتحدث كل تلك الزوبعة؟
إجابتك مثاليه، نموذجية لا يكتبها إلا دكتور منافس لي يرغب بإحراجي. هناك مؤامرة، ضغينة سيادة العميد، أريد اسم؟
تنهدت بعمق، أخبرت حضرتك سابقًا أن امتحاني سهل.
ضرب دكتور المادة الطاولة بيده، توقفي عن الكذب، ألأعيبك اللعينة.
هذا أصعب امتحان مر علي الجامعة من عشرة سنوات وهناك من سرب الإجابة لك.
حدقت بعيني دكتور المادة بتحدٍ وسخرية، ثم قلت.....
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
نظرت تجاه عميد الكلية، متجاهلةً دكتوري الأرعن الذي يرمقني بعيني طحلب بحري.
قلت: "لدي دليل براءتي!"
اتكأ عميد الكلية على مقعده وصلب قدميه.
قال: "ماذا تنتظرين؟"
قلت: "كيف أنتظر أي شيء بعد الذي حدث! اسمع سيادتك، يتهمني دكتوري بالغش وأنا مصرة كما قلت سابقاً أن امتحانه سهل. لأثبت لك ذلك الآن، وأنت - وأشرت لدكتور المادة - تدين لي باعتذار. أستطيع حل كل المسائل التي وردت في الامتحانات بطريقة مغايرة وأحصل على نفس النتيجة."
وقبل أن يشرع أي منهم بالكلام، أردفت: "المسألة الأولى وفصلت لها شرحاً مختلفاً عن المنهج تماماً."
بدأ دكتور المادة مصعوقاً، بينما تابعني عميد الكلية بانبهار وأنا أتابع شرحي حتى انتهيت.
"حلت المشكلة؟" قال عميد الكلية وهو يهم بالوقوف. "لدينا نابغة تحت يديك دكتور عوني."
مصدوماً، متزعزعاً، غير قادر على تقبل الهزيمة، هز عوني رأسه.
قال: "كيف فعلتي ذلك يا زهرة؟"
"راجعت مجلدات ودوريات في مجلات عالمية دكتور عوني، قضيت الشهر الأخير في المكتبة."
"هل يمكنني الرحيل الآن؟"
"أجل، بالطبع"، رد عميد الكلية دون انتظار.
"زهرة، أنا آسف." لاحقتني كلمات دكتور عوني خلف ظهري، حط شال البراء على عنقي.
رغم ذلك، كنت في أتعب حاله ممكنة. اهتزت صورتي أمام زملائي، وجدتني منكسرة مرة أخرى، في طور التقزم الذي يحجمني. قصدت المنزل فوراً وفي رأسي فكرة واحدة للخروج من هذه المهزلة، لاستعادة كبريائي وحفظ صورتي. لن أنقص ولا درجة واحدة في كل المواد التالية.
طبقت يومين بلا نوم. اليوم الثالث خلدت للنوم مجرد ساعات أستعيد فيها تركيزي.
عندما ذهبت للامتحان التالي، اتضح لي أن دليل براءتي لم يتم إعلانه حفاظاً على مكرور وجه دكتور عوني.
أحاط بطاولتي اثنان من المراقبين. خضعت لمراقبة شخصية بعد أن وصل لمسامع دكتور خالد ما حدث معي في مادة دكتور عوني.
قبل أن ينتصف الوقت، سلمت ورقة الإجابة. استلم دكتور خالد الورقة بنفسه، وطلب مني أن أنتظر دقيقة.
حدق بكراسة الإجابة، فحصها وهو يبتسم، قبل أن يضحك.
قال: "من حقه دكتور عوني أن يجن." ثم همس: "هذا سرفي."
في كل مادة كنت حريصة ومصممة على السير في خطتي لاستعادة كرامتي.
انتهت الامتحانات أخيراً، استطعت بعدها أن أتنفس بحرية. بدأ واضحاً أن كل أساتذتي يعتبروني عدوة، متواطئين مع دكتور عوني. بغيت اكتشاف خطأ واحد بكل ذلك العلم الذي يحفظونه في عقولهم، لم يستطيعوا تقبل أن هناك فتاة نكرة تضاهيهم.
كنت أعتقد أن أصعب انتظار يتعلق بنتيجة الثانوية العامة، لكني وجدتني مشدودة الأعصاب، غير قادرة على تناول طعامي. أيامي مرتبكة تمشي على غير هوى. كان كلي متعلقاً بيوم ظهور النتيجة.
هاتفتني سها عبد الدايم على غير عادتها، أخبرتني أن النتيجة ظهرت. أدركت حينها أن هناك شيئاً خاطئاً. هرعت نحو الجامعة واخترقت زحام الطلبة.
كنت ناجحة بالتأكيد، لكن درجاتي متدنية جداً. دكتور عوني منحني "مقبول".
دكتور خالد "جيد".
باقي المواد كانت تتراوح بين "مقبول" و"جيد".
تنهدت على أريكة قريبة. اتنهد بصعوبة. لقد توقعت الأسوأ، لكن ما حدث لم يخطر لي على بال.
على مكتب عميد الكلية، منعني الحرس من الدخول لتقديم احتجاج. أخبروني أن عميد الكلية في اجتماع هام.
كادت ساقاي ألا تحملاني بطريق عودتي. مشيت في ممر الكلية شاردة حتى وصلت المكان الذي علقت فيه النتيجة.
سها عبد الدايم نالت تقدير أفضل مني. كدت أن أنهار، أن أبكي. لكني لمحت دكتور عوني وسط مجموعة من الطلاب وبدأ أنه رآني.
سارعت خطواتي لأغادر الجامعة، لكنه ناداني باسمي.
قال: "زهرة؟"
توقفت حتى لحق بي.
قال: "وصلتك النتيجة؟"
قلت: " أجل."
قال: " وفيت بوعدي، لم أسقطك."
زهرة، بل أعلم لماذا رغبت بصفعه على وجهه لأمسح ابتسامته الساخرة، لكني اكتفيت بقول: "غير مهم دكتور عوني" ورحلت.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الخمسون 50 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
كانت الدنيا تدور بي في طريق عودتي للمنزل.
صامولة في عجلة سياره، ريشه في مروحة سقف.
أمشي أكاد لا ألمس الأرض، عيني التعيسه تفتش في وجوه الماره عن سلوى، وأعناق أشجار الصفصاف على الرصيف أعداء تقف لي بالمرصاد.
ورغم تحطمي، تهالكي، لم أرَ أن أحدًا يشعر بي.
لم ألمح نظرة حزن في وجه العالم الصاخب.
الحياة تسير.
حينها أيقنت مرة أخرى أن عليّ أن لا أنهار، فلا أحد يهتم أو سوف يهتم لما حدث معي.
لديهم القدرة ليخسفوا بدرجاتي الأرض، أن يسقطوا حقي في التفوق.
حسنًا أيها الأوغاد، سأمنحهم شيء أقوى، شيء يجعل مؤخراتكم ترتعش أمامه.
تركت الرسم بعض الشيء، يمكن للوجه الحزين الذي أعمل على رسمه أن ينتظر.
عملت على دراسة مقارنة في نظريات قديمة وأخرى تقبع تحت الجدل.
عملت على دراسة فريدة من نوعها بالاستعانة بالإنترنت في علم الفيزياء بعد أن تحصلت على لينك جامعة أكسفورد، وراجعت الأبحاث العلمية التي يقوم بها الطلبة في علم الطاقة والذرة.
ثابرت على المتابعة بتصميم نملة تجمع طعام الشتاء، حتى التحقت بفريق بحثي تقوده دكتورة سارة برين.
كان لي الحظ أن انضم إليه، ودارت مراسلات طويلة بيني وبين أعضاء الفريق.
دكتورة سارة عن طريق الكونفيرنس روم حيث كنا نعمل.
الطبيعة المزدوجة للضوء والمادة – Wave Particle Duality.
قبل امتحان النصف الأول من العام الدراسي الثاني، تم نشر الدراسة في أحدث المجلات الدورية التي تهتم بعلم الفيزياء، وظهر اسمي كباحثة مصرية مشتركة في البحث الذي قررت شركة تي كي تمويله.
ورغم أنني ذاكرت جيدًا، فقد كنت أعرف نتيجتي مسبقًا.
ناجحة بمقبول في أحسن الاحتمالات.
لكن دكتور عوني كان له رأي آخر.
فقد فشلت في اجتياز مادته.
ضعيف جدًا كانت نتيجتي.
لقد أثبت دكتور عوني لنفسه ولبقية الزملاء أنني مجرد فتاة عادية.
حالفني الحظ مرة.
أقسم أنني أجبت على كل الأسئلة بسهولة، أنني قفلت الامتحان كله.
كدت أدخل في نوبة اكتئاب وانهيار، لكن الله كان في عوني.
البحث الذي قدمته دكتورة سارة نال إعجاب العديد من المؤسسات البحثية ولاقى قبول كبير بين المهتمين.
حتى أنها طالبتني بالحضور للندن بعد أن وجهت دعوة رسمية لجامعتي برغبتها بمنحي منحة علمية لتكملة الدراسة في لندن.
سقط الخبر على رأس دكتور عوني كالدبشة، مطرقة هشمت خصيتيه اللعينة.
الطالبة التي قام بإسقاطها في مادته ومنحها ضعيف، جدارتها في علم الضوء والمادة.
ولأننا في مصر نرتجف أمام أصحاب القبعات الأجنبية، سرعان ما سرت همهمة بين أعضاء مجلس الكلية ومطالبات بإعادة تصحيح مادة دكتور عوني.
والذي سرعان ما وجد حل للمشكلة قبل أن تصبح رسمية.
أخطاء في تجميع الدرجات الخاصة بـ "زهره".
على مضض رغم عنه.
وحتى لا يقع تحت المساءلة، منحني نتيجة جيد.
قال عميد الكلية: "طالما أن جامعة أجنبية تطلب زهره، فلابد أنها جيدة. جامعتنا، كليتنا، ولادة، فلدينا أفضل طاقم تدريس يضاهي أعظم الجامعات العالمية. سمح لطالبة مثل زهره أن تظهر نبوغها ودعمها في حياتها العلمية."
وجدتني فجأة، أنا الوحيدة، الضعيفة، مدعومة بعلاقتي بجامعة أكسفورد.
وقبل أن يفكر عميد الكلية أو أحد الدكاترة بمراجعة البحث الذي اشتركت به، شهدوا لي بنجاحه.
وجه لي عميد الكلية دعوة للحضور في مكتبه للاحتفاء بي وشكري.
رفضتها.
ورفضتها، ليس قبل أن يعاد تصحيح أوراق إجابتي في العام المنصرم ومراجعة سبب إخفاقي في تحقيق نتيجة عادلة.
"مغروه، دماغ فاسد، تستحق أن تسحق كجرزان، ها، قلت لكم!" زعق دكتور عوني.
"هذه الطالبة غشاشة لعينة، تتحدانا جميعًا كشرذمة من المشردين."
باستمالة بقية الدكاترة في صفه، وخشية من الفضيحة، تم ركن طلبي على الرف وتوجيه تحذير شديد اللهجة للمدعوة زهره لسوء الأدب في التحدث مع أستاذتها الذين يكونون لها كل التقدير.
ونلت إنذار بالفصل.
كنت مدركة لكل ذلك.
عوني وبقية الأساتذة قاموا بضربة استباقية في حال قررت تصعيد مطالبي.
لكن ذلك آخر ما فكرت به.
كنت أرغب باستعادة حقي، كرامتي التي أُهدرت.
شعرت ببعض التعاطف من دكتور خالد، لكنه نأى بنفسه جانبًا عن الدخول في تصادم من أجلي.
لقد واساني ببعض الكلمات التي شعر أنها كفيلة براحة ضميره.
وجدت نفسي أجر على بطني لمتاهات في غنى عنها، فأنا بطبيعتي إنسانة هادئة، مسالمة، أكره النزاعات والخلافات.
اختفيت، هذا ما قمت بفعله.
ظننت أنني إذا قررت الابتعاد ستختفي مشكلاتي.
لكنها زحفت خلفي، مثل كلب ضال يركض خلف طفل متشرد بالشارع.
ذات نهار قائظ، لا غيوم في السماء تحجب الشمس التي تغلي الشارع.
طلبني دكتور عوني لمكتبه عن طريق طالبة في الدفعة كانت المقربة لديه.
نصحتني زميلتي الرعناء المتلجلجة ألا أسعى لمعاداة دكتور عوني ولا أحاول الوقوف في وجهه.
أن بإمكاني ببضع كلمات ناعمة أن أنال دعمه.
كانت زميلتي ضخمة، حيث عرفت أنها من النوع المحبب لعوني.
"هيا، إنه ينتظرك في مكتبه. بوسعك أن تحلّي تلك المشكلة. دكتور عوني، وهذا سر أخبرني، أنه على استعداد لشطب إنذار الفصل في ملفي، بل ومنحي الدرجات التي استحقها."
قصدت مكتب دكتور عوني رفقة زميلتي النصوحة، والتي ما إن بلغنا مكتبه حتى اختفت بسرعة.
ذبابة.
جلست أمام دكتور عوني المبتسم.
"زهره،" رحب بي عوني وهو يحدق بملف ورقي موضوع أمامه.
"لما تختلقين المشكلات؟"
"البحث عن حقي والمكافحة لنيله لا يعتبر مشكلة."
"دكتور عوني، هل تعتقدين أن ثرثرتك ستعيد لك حقك؟"
"استيقظي، أفيقي من نومك يا فتاة، مستقبلك هنا بين يدي. أنا الذي أستطيع منحك حقك إذا رغبت."
"والدك؟"
"زهره؟"
"والدي متوفى."
"ووالدتك أيضًا، أليس كذلك؟"
قلت: "أجل."
تحرك دكتور عوني ووقف إلى جواري.
حينها شعرت أن جسدي يرتعش، وأن الماضي يعيد نفسه.
الماضي الذي قمت بدفنه مع حسني خرج من قبره ويقف أمامي متمثلاً في دكتور عوني.
وضع يده على كتفي.
لم أدري بنفسي إلا وأنا أدفه بكل ما أوتيت من قوة بعيدًا عني.
"اياك أن تقوم بلمسي مرة أخرى!"
اندفعت تجاه الباب.
اعترض طريقي.
حدق عوني في عيني.
"دعني أخرج،" قلت.
"حياتك بكلية الهندسة ستنتهي زهره، أعدك بذلك."
رفع يده بمعني يمكنك الرحيل.
زرعت الباب خلفي ورحلت.