تحميل رواية «لا تخبري زوجتي (زهرة)» PDF
بقلم الكاتب اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ب مونت كارلورواية لا تخبري زوجتي الفصل الأول 1لم أكن قادره علي فتح فمي، لقد حذرني بالموت منذ صغري، ترسخت الفكره في ذهني بعد أن وجدو دعاء صديقتي مذبوحه في المصرف القريب منا، بداء الأمر في عمر التاسعه عندما كنت العب ودعاء علي السلم، حينها اغرانا بقطع شيكولاته جميله، اجلسنا علي حجره بالتناوب ووعدنا بمزيد من الايس كريم والشيكولا اذا حضرنا كل يوم دون أن نخبر أهلنا، كنا أطفال ولم نتمكن من مقاومة الشيكولالكن دعاء شعرت بالألم بعد أن قام بقرصها حتي احمر جسدهاحينها قالت لي انها لم تذهب هناك مره اخري، بعده...
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
كان يتجنب النظر إلى عيني، هذا ما لاحظت في الدرس التالي. كان آدم جالسًا على المقعد المجاور لمكتبه، بينما أنا منحنية على المكتب أنسخ بعض الرسومات التي طلبها مني.
لقد أمرني أن أنسخ وأنسخ، آدم مدرس قاسٍ وجميل. ظللت أنسخ وأنفاسه بجواري تتصاعد بوتيرة واحدة.
وأنا أنسخ الصور، كنت أتساءل ماذا يفعل خلف ظهري. رغبت بشدة أن أباطئه وألتفت فجأة وأرى ماذا يفعل.
نظر لوجهه وأرى تقاسيمه اللامعة. أخرج آدم سيجارة، دفعها بين شفتيه ونفخ دخانًا.
كان علي أن أفعل أي شيء يخبره أنني هنا. رفعت يدي لوحت بها أطرد الدخان.
"يزعجك دخاني؟ سأخرج للشرفة، وأنت واصلي الرسم."
قلت في نفسي: "جيد، على الأقل الآن يمكنني رؤيته." أولاني ظهره وهو منحني على أفريز الشرفة. شرد لبعيد، نسيني، نسي نفسه، العالم وكل شيء.
تأوهت وأنا أتمطى. "انتهيت،" قلت وأنا أبتسم.
تمشى آدم نحوي، انحنى من فوق رأسي، لفحتني أنفاسه. حدق برسوماتي.
"لا بأس، جيد."
قلت بأدب: "إن كانت هناك ملاحظة، يسرني أن أتقبلها بصدر رحب."
"لا تتوقفي عن الرسم، ارسمي من أجل نفسك، من أجل خيالك، روحك، تحدثي من خلال لوحاتك."
قلت: "شكرًا لك سيد آدم. أنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي سأقوم فيه بالرسم."
انسحب آدم تجاه الشرفة، ظل يحدق بالفراغ المظلم. نظره قاتم، غائم. لوح بيده بعد مدة من الشرود.
"شكرًا لك على تحمّلي، زهرة. يمكنك الانصراف."
لكني لم أكن مستعدة للرحيل الآن، لم أحضر هنا من أجل الرسم. كان مجرد حيلة للاقتراب من آدم.
قلت: "ما رأيك أن أصنع لك فنجان قهوة؟"
قال آدم: "سولين تتكفل بذلك."
أُحبِطت، لكني لم أستسلم. قلت: "ستجدها من يدي مختلفة." أردت أن أثير فضوله، أن أدفعه للكلام.
"هذا يوم حظك،" قال آدم ولوح بيده، "احرصي أن لا تفسديه."
قلت برحابة: "سأبهركم."
نزلت درجات السلم ركضًا. قلت: "سولين، من فضلك اصنعي فنجان قهوة للسيد آدم، سأحمله له بنفسي."
قالت سولين بكسل: "اصنعيه."
"انتقلت من فضلك يا آنسة سولين، أول مرة أقصدك في خدمة."
ابتسمت سولين بخبث، قالت: "مممممم، تطوعتي لصناعة فنجان قهوة وتخشين الفشل؟"
أدركت أنه لا فائدة من الكذب. قلت: "نعم."
جرتني سولين من يدي نحو المطبخ، طلبت مني أن أملأ راكبة القهوة هكذا وأفعل هكذا وأقلب هكذا، ثم ألقت بدلوها حتى إذا أقسمتي أنه من صنع يدك تكوني صادقة.
قبلت سولين من خدها، قلت: "أنتِ صديقة رائعة."
حملت فنجان القهوة للسيد آدم بفخر.
تذوقه، أمرته!
"ممتاز،" قال، "يشبه سولين."
قلت: "أنا من صنعته."
شكرني آدم وطلب مني أن أفعل قرص الموسيقى. حينها سحب مقعدًا وجلس في الشرفة يهز رأسه.
"موزارت مات صغير، لكنه أبهر العالم. تعلمين ما قتله؟"
قلت: "لا."
"الغيرة. لا أحد يترك أحد في حاله يا زهرة. البشر أوغاد، وقحين، جشعين، شريرين."
قلت: "وأنت أي صنف منهم؟"
استدار آدم ناحيتي، حدق بوجهي كأنه سيأكلني. مثل فستقة.
قال: "ماذا تعتقدين أنت؟"
خرست، لم أفتح فمي. قلت بخجل: "أنا لا أعرفك."
"حاولي أن تقرأيني،" قال وهو ينظر تجاه الحديقة.
قلت: "أنت غامض ومثير، لكن هناك شيء لا أفهمه."
سألني آدم: "ماذا؟"
قلت: "كيف تبدو جميل بكل حالاتك؟"
ابتسم آدم. "أنا لا أحرز أن أكون جذاب، ولا أعتقد أنني مبهر. كل ما في الأمر أننا نرى ما نعتقده داخلنا."
قلت: "ها، أنت تقصدني أنا. الأمر مخول بي إذًا. حسنًا، أنا أراك مثلما تقول."
أشاح آدم بوجهه بعيدًا عني، كان يخفي همًا بداخله. رغبت أن أشق صدره وأقرأ ما بداخله مثل كتاب مفتوح، لكنه أقفل بابه بسرعة.
قال: "عليك أن تنصرفي الآن، لدي عمل علي القيام به."
قلت: "سيد آدم،" كانت نبرتي متوسلة، ضعيفة كما رغبت، "هل يمكنني مراقبتك وأنت تعمل؟"
"أقسم أنك لن تسمعي أنفاسي."
قال: "حسنًا."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
جلست على مقعد في خلفية الغرفة، منغلقة على نفسي، حاضنة صدري بيدي. راح آدم يتحرك في الغرفة كأنني غير موجودة. طرح خفته بعيداً وسار حافياً نحو جهاز الموسيقى، اختار موسيقى هادئة قبل أن يضع لوحة جديدة على الحامل.
أخرج الألوان وفرشاة الرسم ووضعها على الطاولة. وقف يحدق في اللوحة الفارغة بتركيز. مضت دقائق وهو يهز رأسه كأنما ينسجم مع الرسمة. أخيراً، سحب فرشاة الرسم ورسم خطاً طويلاً، ثم انسابت يده بلا توقف على اللوحة وأنا أتابع كل حركة يقوم بها، خائفة أن أغمض عيني.
بعد ساعة تقريباً، فتح باب الغرفة وطلب قهوة من سولين قبل أن يعود ليجلس على المقعد. رفع قدميه على الطاولة وظل يحدق في الرسمة. سحب سيجارة ووضعها في فمه، أشعلها وأطلق الدخان.
أحضرت سولين القهوة، دخلت ووضعتها على الطاولة. لم تلوح لي، لم تبتسم. تركت فنجان القهوة وغادرت. ضحكت، بت أعتقد أنني غير موجودة فعلاً.
ارتشف آدم قهوته وهو يدخن لفافة التبغ. ترك مقعده وتحرك ناحية الشرفة، حملق بالظلام لدقيقة. مرة أخرى عاد ووقف أمام اللوحة واندفع يرسم بلا توقف.
لقد غرق في رسمته بكل جزء فيه. عندما بدأت معالم اللوحة تتضح، ابتسم آدم مشجعاً نفسه.
كان ميناء بحري تحلق فوقه النوارس تبحث عن فرائس، مراكب خالية بأشرعة سوداء وصواري ضخمة. هناك نقطة، حيث غاص رجل حتى منتصفه في الماء. على البر، ثم كوخ صغير تجلس فيه امرأة تقلب بعصا خشبية قدراً موضوعاً على النار.
"آه..." أطلق آدم آهة وألقى بجسده على المقعد. كانت مضت ساعتان ربما أكثر وأنا لم أتحرك من مكاني.
"أنتِ هنا؟" قال آدم وهو يستدير نحوي.
قلت: "نعم" وفركت عيني.
"الوقت تأخر، ربما حان وقت نومك."
قلت: "لن أنام الآن سيد آدم."
"ملكتي اكتفيت من الرسم، لن أضرب خطاً واحداً في اللوحة."
قلت: "أنت تطردني سيد آدم بطريقة مهذبة."
رفع آدم يده ولوح بها بقبضة مضمومة، قال: "كما ترين، فعلت ما طلبتِ مني، قمت بالرسم."
قلت: "وأنا كنت مستمتعة، لكني لازلت لا أشعر بالنعاس."
"أنتِ متعبة جداً زهره، قولي لي ما يدور بذهنك" وأشار بإصبعه لجبهتي.
قلت: "لا شيء، سأرحل" ونهضت. كان آدم أطول مني عندما وقفت في مواجهته، وصلت كتفه بالكاد.
انكمش آدم على نفسه، شعرت برعشته وارتباكه عندما اقتربت منه. حضنته، ضمته بقوة، وقفت على أطراف أصابعي وقبلته. انطبعت قبلتي على شفتيه اليابستين، فككت قبضتي، تمنيت له ليلة سعيدة، أغلقت الباب ورحلت.
في الردهة صرخت: "يالي حماقتي، ماذا فعلت؟" لكني كنت مبتسمة، منتشية بابتزازه وعدم قدرته على رفضي. ظلت رائحة عطره عالقة بأنفي حتى بعد أن وصلت غرفتي.
تسلقت السرير، انسلت تحت الغطاء، أطفأت النور ونمت.
عندما استيقظت كان آدم جالس في الحديقة على غير عادته. أمامه فنجان قهوة وضوء الشمس يغرق وجهه. غسلت وجهي، بدلت ملابسي وركضت نحو الحديقة وأنا أحمل مقعداً أتعثر به على العشب.
عندما وصلت كنت ألهث من التعب. رزعت المقعد بجواره وجلست. لم يتحرك آدم، لم يبدِ أي ردة فعل، تركني أقبله على خده، لم يشد بوجهه ولم ينظر نحوي.
أنهى سيجارته وسحق عقبها بحذائه. نظر تجاهي، كانت وجنتاي محترقتين بالحمرة، قال: "أنا حقيقي لا أفهمك."
"كيف تفهم شخصاً لا يفهم نفسه؟"
قال آدم: "زهره، أنا أكبرك بخمسة عشر عاماً ربما أكثر، أنا..."
قلت: "من فضلك سيد آدم، توقف، لا تكمل حديثك."
رفع آدم حاجبيه باندهاش، قال: "ماذا علي أن أفعل؟"
قلت: "جرب أن تصمت، لا تنجرف خلف مشاعرك، لا تتعب عقلك في تصورات فارغة."
ارتبك آدم، احمر وجهه، "ماذا تقصدين زهره؟"
قلت: "أنت أكبر مني بخمسة عشر عاماً وأكثر" ثم صمت كي أربكه أكثر.
حتى قال: "ها؟"
قلت: "لكني..." صمت دقيقة، لساني محمل بكلمات داخل جوفي وآدم ينتظر بلهفة سماع كلماتي بملامح بلهاء، غبية.
"مستمتعة بدروس الرسم سيد آدم، أرجوك لا تحرمني منها."
انفعل آدم، صرخ: "أنت لم تعني ذلك، كنت تودين قول شيء آخر."
"خبيثة، ماكرة، أنت يا زهره."
همست: "هسس، سولين تقترب."
أومأ آدم بالصمت عندما سمع اقتراب خطوات سولين. كنت سعيدة أن لدينا سراً نتشاركه معاً.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
بعد دقيقة من الشرود ضحك آدم.
"أنتِ لستِ كذابة جيدة، هل تعلمين ذلك؟ يمكنني قراءة وجهكِ ككتاب قصير جدًا!"
نظرت نحوه بغباء وبلاهة، فمي مفتوح وعيوني جاحظة.
ظل آدم ناظرًا فوق رأسي حيث وقفت سولين، قال أخيرًا: "لستِ وحدكِ سولين تجيدين اللعب، ها؟"
غرقت في الوحل، ابتلعتني مزحته الماكرة، ثبتني آدم، اعترف.
للحظة ظننت أنه سيفشي سري أمام سولين ويناقشه.
لكنه كسب الرهان دون أن أفتح فمي.
ضحكت سولين هي الأخرى، أومأت برأسها: "تلميذتكِ سيد آدم."
غاظني تواطؤهما معًا ضدي حتى احترقت وجنتاي بحمرة الخجل، ركلت الطاولة حتى اهتز فنجان قهوة آدم وأنا أعتذر وقصدت غرفتي.
رافقتني ضحكات آدم وأنا أخطو على العشب، على باب المنزل، حتى اختفيت.
ظننت أنني أوقعت به، حشرته في الجانب الضيق واتضح أنه يتلاعب بي بطريقة خبيثة بشعة.
في غرفتي لم أستطع لومه، أنا التي بدأت، شعرت بحزن ثم ابتسمت.
"على الأقل لدينا لعبة نتشاركها."
كدت أنال منه، صرخت، لولا وصول سولين لكان............
سمعت اسمي من الردهة، كانت سولين.
"ماذا تريدي؟" أجبت بنبرة مناكشة.
قالت: "لا تنسي درس الرسم الليلة، السيد آدم طلب مني تذكيركِ."
"ها!" يستمر في مضايقتي، يُظهر لي أن اليد العليا له، قلت: "حسنًا."
"أنا لا يمكنني نسيان موعد مهم مثل موعد درسي."
أردت أن تصله كلماتي، أعتقد أنه سمعني.
كان صارمًا جدًا في الدرس، لقد أحضر تصاوير أخرى وطلب مني نسخها دون خطأ أو تلكؤ.
قال: "اسمعي عزيزتي، العمل عمل، سأعاقبكِ إذا أفسدتِ الرسومات."
كنت راغبة أن ينالني عقابه.
لكني لا أفهم آدم ولا يمكنني توقع ما سيفعله بي، ربما يؤخر درس الرسم.
أو يعاقبني بعدم رؤيته وأنا ما صدقت اقتربت منه.
ثابرت بصبر على نسخ الرسومات بلا توقف وعينيه ترمقني من خلف ظهري، أنفاسه على رقبتي، منحني فوقي برأسه، كمراقب امتحانات لزج ورخم يطمع في اكتشاف غش طالب مرتبك.
"أوه، هذا سيء جدًا زهرة، لديكِ أفضل." كنت أعلم أنه يمارس ساديته علي وصبرت.
"انسخي هذا مرة أخرى، وهذا،" وطوح صفحات على الطاولة.
من جديد بدأت نسخ الصور، لن أشعره بالنصر، لن يكسرني، لن أسمح له بالتلذذ بتكديري.
جلس على مقعده اللعين، يدخن لفافات التبغ ويدندن مع الموسيقى.
كان سعيدًا جدًا، يهز رأسه، مبتسمًا بوقاحة وأنا أغلي من الغضب.
"انتهيت،" قلت وأنا أضع رسوماتي أمام عينيه، وددت أن يقول كلمة واحدة "لا تعجبني"، فاض الكيل ولن أتحمل.
"هذا أفضل، تتحسنين بصورة مفرطة، والآن قفي هناك من فضلكِ."
فاجأتني نبرته الآمرة، لكني لم أتمكن من الرفض، جررت قدمي حيث قال.
"افردي ذراعيكِ؟"
فردت ذراعي.
"أغمضي عينيكِ."
أغمضت عيني.
"أنتِ الآن وسط حديقة تحفكِ الأشجار، العصافير تشقشق على أغصانها."
"وخرير نبع قريب يصل أذنيكِ."
"دائرة كاملة من فضلكِ؟"
التففت حول نفسي.
قال آدم: "أريدكِ أن تشعري بالمكان."
كنت مغمضة العينين، أتراقص على العشب الندي على شقشقة العصافير.
لفحني نسيم الريح ورفرف طرف ثوبي، نسيت آدم، الرسم، كل شيء.
"توقفي عزيزتي، هذا يكفي،" جاءني صوته من بعيد بالكاد أسمعه.
"هكذا يكون الرسم، عليكِ أن تشعري باللوحة التي تنوين رسمها."
"أنتِ الشجرة."
"أنتِ العشب."
"أنتِ العصفورة."
"وأنتِ غدير الماء وضي الشمس والألوان ونسيم الريح."
عندما فتحت عيني كان آدم يحملق بجسدي وهو يبتسم، لاحظت ذلك.
قلت بخبث: "أعجبتكِ الرسمة؟"
"جدًا جدًا، أكثر مما تتصوري، لقد عزفتِ سيمفونية رائعة وسط الغابة."
وأنا أحدق في عينيه بثبات، قلت: "أسألكِ عن الرسمة،" وقبضت على خصري بيدي.
لاحظت ارتجافة حاجبه، شفته المهتزة.
قال: "ارحلي الآن من فضلكِ؟"
"لما العجلة سيد آدم؟" سرت نحوه، جلست على ساقيه، حاوطت عنقه بذراعي.
"أعجبتكِ الرسمة؟" سألته.
ترنح آدم تحت وقع دلالي، شعرت بأنفاسه تتصاعد بقوة.
قال: "الرسمة؟"
قلت: "أجل هذه،" وأخرجت نسخة لصورة كنت أخفيتها في يدي، وضعتها أمام عينيه.
قال: "حسنًا، فهمت،" أنزلني من فوق ساقيه ونهض نحو الشرفة.
"لا تنسي أن تغلقي الباب خلفكِ من فضلكِ."
قلت وأنا أبتسم: "حاضر."
قلت في سري وأنا مغادرة: "عليك أن تفهم أنني أحب اللعب بتلك الطريقة وأنك لن تستطيع مجاراتي أيها الرسام الوسيم."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
استقبلني يوم منغص بعد أن فتحت عيني، كان مزاجي متعكر وفمي مكشر مثل أوزة حمقاء، لا رغبة لي لفعل أي شيء سوى التقلب على سريري مثل أرنبة.
ولأنني أدرك أنه عندما يتعكر مزاجي بلا سبب، عليّ توقع الأسوأ، شعرت بالخطر وبدأت تحرياتي السرية. كان عليّ أن أكتشف أن آدم لازال في غرفته ولم يغادر المنزل، وأنه تناول طعام إفطاره وشرب قهوته. بعدها تنهدت، قلت: حسنًا، يمكن أن أكون مخطئة.
جلست أطقطق أصابعي في الحديقة، أرمق شرفة السيد آدم التي لم تفتح، وبدا واضحًا أنها لن تفتح طالما أنا بالحديقة.
لم يظهر سيدي آدم وقت الغداء، لابد أن الأطباق المتنوعة التي رصت على الطاولة لم تعجبه، أو أنه يكره البازلاء، أو... أنه يهرب مني.
شربت قهوتي وثرثرت مع سولين حول أشياء لا معنى لها من أجل إضاعة الوقت، لكن المساء تأخر.
في غرفتي المطلة على الشرفة بدلت ملابسي، تزينت، رسمت شفاهي باللون البرتقالي، تكحلت، وتوسدت ضفيرتي الطويلة ظهري.
نظرت لعقارب الساعة المتعانقة، كانت تشير للثامنة، موعدي مع آدم.
صعدت درجات السلم كفراشة محلقة نحو الشمعة.
"زهره تعالي هنا؟"
سمعت نداء سولين، عندها نظرت من فوق السلم نحوها وقلت: "ماذا؟"
قالت سولين: "أين تظنين نفسك ذاهبة؟"
لوحت بيدي، "لدي موعد مع سيدي آدم."
"انتظري!" صرخت سولين، لكني قصدت الغرفة، ربما عليها أن تلحق بي.
قابلتني ورقة "ممنوع الدخول" مرزوعة على باب غرفة آدم.
ولأنني لم أفهم ما يعني ذلك، فتحت الباب قبل أن تلحق بي سولين.
وجدت السيد آدم منتصبًا أمام لوحته بيده فرشاة الرسم. أمامه على مقربة تجلس فتاة جميلة على مقعد، ساندة رأسها بيدها، كان يرسمها.
انتابني غيظ لا محل له. أمسكت سولين بذراعي، بدا أن آدم لم يلاحظني، أو أنه لاحظني ولم يهتم.
ورغم أنني لم ألبث إلا دقيقة واحدة، إلا أن صورة الفتاة حفرت في ذهني.
خلصت ذراعي من سولين، قلت وأنا أشق الهواء بيدي: "سأرحل بمفردي."
رزعت الباب، الغريب أن الفتاة الجالسة على المقعد لم تتحرك من مكانها.
ركضت نحو الحديقة، تركتني سولين على راحتي، جلست على المقعد تحت شجرة الصفصاف وسقطت دمعة من عيني بللت يدي.
أغمضت عيني، أطلقت آهة، نظرت نحو شرفة السيد آدم، قلت:
"من فضلك صدقني أنني أتهاوى أشلاء! فأنا لا أتكلم بالرمز، كما أن هذه ليست مناورة استهلاكية لمناشدة وضعية ميلودرامية أقصد من ورائها استدرار الشفقة. بل إنني أعني، وبكل بساطة، أنني بدأت أتصدع من كل جانب مثل إبريق عتيق. أقصد أن جسدي المفرد الكريه المثقل بصدمات ماضٍ طويل جدًا، والذي تعرض للتجفيف من أعلى ومن أسفل، جسدي الذي بترته الأبواب وسحقت رأسه المباصق، أنني باختصار أتفكك بكل معنى الكلمة، أتفكك بصورة بطيئة. الآن وأنا لا أسألك إلا أن تقبل كما قبلت أنا."
انفتحت الشرفة وطل منها سيدي الوغدي آدم، بين أصابعه سيجارة ترتعش مثل جسدي.
لوحت له قلت: "هاي؟"
لوح لي آدم بيده التي تمسك السيجارة: "مرحبًا."
اقتربت من الشرفة حتى أصبحت أسفله، قلت: "كان بيننا موعد؟"
"العمل عزيزتي زهره لا ينتظر."
قلت: "أنت مدين لي باعتذار سيد آدم."
"حسنًا، إذا كان سيرضيك، أنا آسف."
ابتسم آدم وأطلق دفعة من الدخان.
"لماذا تفعل ذلك؟"
فتح آدم عينيه، "أفعل ماذا؟" قال.
"تبتعد عني!!"
قهقه آدم، "أنتِ مشكلة، صغيرة لعينة، لا تكفين عن المزاح."
"تعتقد ذلك؟" قلت، "مجرد حمقاء صغيرة تركض خلفك؟"
قبل أن يرد، ظهرت من خلفه تلك الفتاة بإطلالتها الأنيقة، سحبت السيجارة من بين يده ووضعتها في فمها، ثم نظرت إليّ وهي تضع يدها على كتف آدم وهمست في أذنه...
كنت أقل جمالًا منها، لا مجال للمقارنة، شعرت بداخلي يتحطم وخشيت أن يسخر مني آدم.
وهو يوليّني ظهره قال آدم: "حسنًا، آنسة زهره، إن مدين لك باعتذار. سأعوضك عن هذا الخطأ الجسيم بعد أن ترحل تولا."
اختفى آدم من نظري. "تولا؟" قلت؟
ظللت جالسة في الحديقة أقطع العشب حتى رحلت تلك المدعوة تولا.
حينها ركضت نحو غرفة آدم، اندفعت وفتحت الباب، وجدت آدم جالسًا على طرف سريره ينظر تجاه اللوحة.
"زهره؟"
جلست إلى جواره على السرير، كنت ملتصقة به، لكن عندما نظرت للوحة التي كان يعمل عليها ولم أجده خط بها سوى خطين.
انزعجت، نهضت ومشيت نحو اللوحة.
"أنت لم تفعلي شيئًا." قلت، "اللوحة فارغة."
فتح آدم فمه، "الرسم عزيزتي زهره يحتاج..."
قلت: "توقف عن كل هذا الهراء، أنت لم ترسم شيئًا، ماذا كنت تفعل كل ذلك الوقت؟"
"ليس من شأنك زهره، اجلسي على الضفة من فضلك، أنت لا تفهمين أي شيء."
نزعت لفافة التبغ من يده، سحقتها بعنف تحت حذائي.
انصدم آدم وبدا على وشك قول شيء ما.
جذبته نحوي.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
أفلت آدم قبضتي، فتح يدي على اتساع يديه، نعتني بالمعزة المتهورة. وعندما التقى جسدانا، دفعني للخلف، سقطت على السرير. ضحك آدم: "أيتها الإوزة الكسولة". وأشار لشفتي بلونها البرتقالي: "لو استخدمتي تلك الألوان في إحدى لوحاتك، ربما كنتِ رسمتِ لوحة بديعة".
"كل ما يهمك الرسم؟" سألته بنبرة لا تخلو من تحدي. "لم تسألي نفسك ماذا كنت أود قوله لك عندما اقتربت منك؟"
"ظننت أنني أتحرش بك؟ اسمح لي، سيدي آدم، تفكيرك محبط جدًا."
صرخ آدم: "ماذا تعني سيادتك؟ كنتِ ستغني في أذني مثلاً؟"
"كنت سأخبرك شيئًا ما، سيدي آدم، شيئًا ما يستدعي أن تقبض علي بيديك، زهرة؟"
"تلك الطريقة لن تنجح معي، أنا لست الشخص الذي تعتقدينه. انتبهي لدروسك، ذاكري، انجحي، حققي أحلامك، ارسمي مسار حياتك. منذ اليوم ليس هناك دروس رسم."
"هذا كلامك؟"
"أجل." وحدق آدم بعيني.
قلت: "حسنًا، لن أزعجك مرة أخرى. أنا مضربة عن الطعام." ركضت خارج الغرفة وأنا أبكي.
توقعت أن يراجع نفسه، أن يطرق باب غرفتي ويصالحني. لكن عندما خرجت الموسيقى من غرفته نحو الرواق، فهمت أن ذلك لن يحدث.
لم أتراجع عن قراري، أضربت عن تناول الطعام رغم إلحاح سولين. لم أتناول ولا لقمة، اكتفيت بشرب الماء، وكنت أسأل نفسي: إلى متى سأصمد؟
وإن كان آدم يعرف أنني توقفت عن تناول الطعام، لمحت لي سولين أن آدم على علم بإضرابك عن الطعام وطالبني بإيجاد حل.
صرخت: "لن أتناول الطعام حتى أموت وتنتهي حياتي لأتخلص من تلك الحياة المقرفة."
شرحت لي سولين عشرين مرة أنني فتاة محظوظة وأن علي أن أنتهز الفرصة. كنت أفهم ذلك، لكن كيف أشرح لها ما يدور بداخلي؟
"قال لي معزة متهورة، سولين، تصوري؟"
تأسفت لي سولين: "ماذا حدث ليقول ذلك؟"
قلت: "اسألي سيدي آدم، لا تسأليني أنا."
توترت الأجواء داخل المنزل. مضت ثلاثة أيام وأنا مضربة عن الطعام. بدأ جسدي ينحف فعلاً واختفت غمازتي التي كنت أتباهى بها، ولم يلن سيدي آدم.
"هذا الوغد ينتوي قتلي فعلاً." كنت في غرفتي أفكر ماذا سأفعل لاحقًا. عدا اللقمات التي كنت أسرقها، لم آكل طعامًا ومعدتي تؤلمني. كدت أبكي جراء تهوري، كان بإمكاني معاقبة نفسي بشيء آخر، لكن ذلك ما حدث.
طرقت سولين باب غرفتي، قالت: "السيد آدم يطلبك لتناول الطعام." كنت أنتظر أي تلميح أو حتى إشارة، لكني كرامتي أبت الاستجابة.
قلت: "لا، شكرًا لك."
احتضنتني سولين وجرتني نحو السلم، تبعتها بلا كلام حتى وصلنا الطاولة. جلست على مقعد بعيد. كان آدم يتناول طعامه. لم أحرك يدي، جلست بصمت حتى قال: "كلي."
قلت: "لن آكل، شكرًا لك."
صرخ آدم: "كلي!"
قلت: "حاضر." اخترقني صوته حتى وصل أعماقي، حينها أدركت أن ذلك المتعجرف امتلكني.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
كان لها عينان عميقتان، لسان مكبل وبقايا قلب.
ظللت أرمقه من طرف عيني بغيظ واستمتاع، وكان نيشان النصر على شفتيه.
أضع لقمه وأنظر، عينه مثبتة على المائدة وأنا فيهم تائهة.
كان واثق ومتباهي، أنا جعلته كذلك.
أنا التي منحته ذلك الشعور، حتى وهو يتحكم أنا المسيطرة.
كل ما يفعله آدم رد فعل، في الحقيقة آدم مجرد دمية، أتساءل حتى متى سيصمد.
كلي، أمرني آدم مرة أخرى، الجرعة التي منحتها له أحدثت مفعولها.
قلت: حاضر سيدي!
كنت أراقبه بعد كل كلمة، الابتسامة التي تطفح على شفتيه، امتلاكي الذي ينتشر داخله مثل السم وأنا ترياقه.
تأمرين بشيء آخر سيد آدم؟
سولين المندهشة كادت تصرخ من الحسرة، ترفع حاجبها غير مصدقة.
لكنها الآن تفكر، ماذا حدث بالضبط؟ كيف للجفاء أن يتحول في لحظة؟
تناولي طعام فقط.
أمرني آدم.
تحت أمرك سيد آدم، ملأت فمي بالطعام، ماذا أيضاً؟
كنت أفكر في، مجرد فكرة!
تركت سولين طاولة الطعام، وظل آدم يكافح، يقتطف ويأكل بهدوء وأنا في الناحية الأخرى.
انتهيت.
قلت وأنا أمسح فمي.
حدق آدم في وجهي.
أم، الإوزة مطيعة اليوم؟
أعتقد أن هناك مصيبة ستحدث!
أكتفيت بتثبيت عيني في عينه هناك، دون كلام، دون دفاع، بوجه مكشوف.
وجدتني أتربع، ابتسمت ورفعت حاجبي.
تهشم الجدار الذي نصبه آدم، سمعت فرقعته، كان هش ومتردد، مرعوب وخائف ولا يعرف ما عليه فعله.
قلت: درس الرسم!
مابه؟
قال آدم بسرعة.
في موعده.
قلت: لن أقبل أعذار.
وقبل أن يرفع كتفيه أو يلوح بيديه أضفت: مفهوم؟
انبعج آدم وانعوج على أثر الكلمة.
نظر حوله.
ماذا، ماذا تقولين؟
درس الرسم في موعده!
لماذا تعتقدين أنني مضطر لذلك عزيزتي زهرة؟
قلت: لأنك لن ترفضي لي طلب، أنا بمثابة ابنتك!
تدحرج آدم في بركة اللخمة.
حسناً، حسناً، قال بسرعة ونهض من مكانه مزعور كأني سآكله.
تابعته وهو يصعد درجات السلم.
أنا حقاً لا أعرف لماذا أفعل ذلك.
وصل آدم باب غرفته، استدار وهو يفكر.
زعقت: زهرة؟
أمرك سيد آدم!
الدرس في موعده و...
قلت: سأفعل أي شيء تطلبه، أي شيء.
قال: لا شيء، الدرس في موعدها.
علمت.
قلت: الدرس في موعده، وسيكون في موعده حتى أقرر أنا شيئاً آخر.
صفع آدم الباب بغيظ واختفى داخل جحره.
لا أستطيع أن أصف قدر المتعة التي شعرت بها، مثل قبلة أخذت مني عنوة وأنا أقاوِم.
أعدت في ذهني الأحداث التي مررت بها منذ الصباح وحتى الآن.
أعجبتني الطريقة التي عاملني بها آدم، أن يأمر فأطيعه، نبرة صوته، صراخه، حملقته، غضبه.
في الدرس سأمنحه أكثر من ذلك، سأجعله يتورط في تملكي حتى أذنيه، سأكون أفيونته المطيعة.
حينها سرحت بخيالي ماذا سأفعل به؟
سأجبره على التعافي، سأشاهده وهو يتألم، يترجاني، يتمنى قربي، ويحب مكاني.
في الدرس كنت مطيعة جداً، حرصت أن أرد على قدر الكلام.
أنا أتناسى وأتغاضى عن كلامه حتى ينهَرني أو يأمرني.
أردته أن يفهم الطريقة التي أحبها وأعتقد أنه في أول الطريق.
حيث بدأ يطلق أوامره: أنت أيتها البشعة، الحمقاء، الرعديدة الصغيرة، ذات العيون التي تشبه صحن القهوة، الإوزة المتبرمة، المتصابية الخطيرة، الوغدة المتعالية، الرسّامة الفاشلة، فتاة السكاكر، بلعوم الخنزير، بعوضة المطرب، بصقة الجدة.
لقد استمر يغمرني وينعتني حتى جعلني أبتسم.
كان يقول كل ذلك بنبرة تجعلك تضحك، تجعلك تتمنى أن يستمر في إطلاق ذلك الهراء المدهش من فمه المتيبس.
وحينما انتهى الدرس لم أقترب منه، لم أقبله، تمنيت له ليلة سعيدة ورحلت.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
استقبلني صباح شاحب، ادم في الحديقه يجري مهاتفه مهمه، يوميء برأسه.
أنا في شرفتي افرك العماص من عيني مستنده علي الافريز اراقب ادم.
ليس من عادة ادم ان يستيقظ مبكرا الا اذا كانت هناك مصيبه.
علمت بعدها من سولين النمامه دون أن اكتشف نيتها بذلك الإعلانان ادم يتحدث مع وكيلة اعماله.
كان مكبر الصوت مفعل، سمعتها عندما اقتربت تزعق:
"انت لم تنتهي من اي لوحه سيد ادم، لم يتبقى سوي شهرين، هل تفهم ما يعني ذلك؟"
"مجرد شهرين لعينين لن تتمكن خلالهم من فعل شيء."
"لا تجبرني ادم علي القدوم عندك بنفسي، قلت لك ان تلك الخنفساء ستفسد حياتك."
"انا تلك الخنفساء، أدركت ذلك."
"زهره الخنفسائيه تفسد حياة الرسام الشاب."
"عنوان لافت لصحيفه صفراء."
"لا تقلقي، الرسم يجري في دمي، لا مطلقآ، انا ملزم بكل شيء، قبل الموعد طبعا."
"اه سأبهرك، انسى كل شيء، ساقبع في صومعتي لن اخرج منها ابدآ."
أغلق ادم الهاتف، بعدها جري كل شيء بسرعه.
سولين تقترب من ادم، يتوشوشا بصوت خافت، ترفع يدها وتلوح، ادم يستمع بصمت.
ينظر تجاهي، ثم تجاه شجرة الصفصاف العجوز، ثم نحوي مره اخري.
سار ادم وسولين متجاورين نحو غرفته غير عابئين بتلك المتطفله الخنفسائيه التي تحملق بهم.
شعرت اني غريبه عنهم، لا اعرفهم، مجرد طالبه غبيه لا محل لها من الإعراب.
انغلق باب الغرفه، سمعت صياح، كانت سولين منفعله، لأول مره اعرف ان لديها شخصيه قويه حتي علي ادم نفسه.
خرجت سولين اخيرا متجهمه، صنعت فنجان قهوه، اوصلته لغرفة ادم وهي تسب وتلعن.
كنت جالسه في ركن الصاله مثل المقعد الذي تحتي.
قالت سولين اخيرا:
"علي في كل مره ان اتلقي اللوم عنه، لست والدته، اجل."
ونظرت نحوي:
"انت أيتها الفتاه."
خاطبتني بتلك النبره كأنها لا تعرفني.
قلت:
"انا؟"
"من غيرك؟"
اقتربت منها، أشارت نحو المخزن، زعقت:
"افعلي شيء مفيد، بدل تسكعك الا نهائي في المنزل."
"احملي اللوحات واوصليها غرفة السيد ادم."
حملت اكداس من اللوحات المعده للرسم فوق كتفي مثل عتال قطار.
دلفت غرفت ادم، كومتها على الأرض جوار الحامل مثلما طلب.
"حضري اللوحات القديمه أيضا، لن أقع في نفس الخطاء مرتين."
"اخر ما ينقصني ان أكرر رسمه قمت برسمها من قبل."
"اين سألته؟"
رفع ادم كتفيه، كان علي وشك قول شيء.
في المخزن نطق اخيرا:
"احملت تلك اللوحات واحده وراء واحده ورغم تعبي كنت مسروره لاشراكي في تلك الفوضى الخلابه."
"ضعي مقعد علي سطح المنزل زهره."
وانا انفض عرقي، قلت:
"حاضر."
وضعت مقعد علي السطح، ثم طاوله، حامل لوحات، مره ثانيه قمت بنقل اللوحات للسطح.
مزهرية ورد.
جهاز موسيقي.
بين الطابق الثاني والسطح تسابقت قدماي علي تلبية طلباته.
وضع ادم كل شيء في مكانه، مسح المكان من بعيد لدقيقه ليتأكد من جودة التنسيق.
ثم قال:
"حسنا، لا بأس، اعتقد ان هذا جيد."
"فنجان قهوه!"
كان ادم قد أعتاد مؤخرآ ان يلقي اوامره هكذا.
هبطت درجات السلم مره اخري، صنعت فنجان قهوه وتسلقت السلم وانا الهث.
جلست فنجان القهوه مكانه، كان ادم قد بداء العمل، يمشي تجاه اللوحه يرسم خط او يلون نقطه ثم يبتعد مجددا وفي يده لفافة تبغ.
"يمكنك أن ترحلي الأن."
نهضت من مكاني كنت متعبه وأرغب بالنوم.
أضاف ادم:
"اجعلي اذنيك مفتوحه أيتها الفأره، لا ترغمين علي طلب شيء مرتين؟"
"حاضر."
قلت، عندما لأمس جسدي الاريكه لم اتحمل النعاس.
فكرت، فأره، خنفساء، قرده علي ان أنام.
"زهره؟"
"زهررررررررررة."
"زهررررررررررررة."
كم مره كرر اسمي؟ كم مره دوي صوته في المكان؟
"اصنعي فنجان قهوه."
لكزني ادم في كتفي حتي استيقظت.
"حاضر سيد ادم."
ثم تعثرت في السجاده وسقطت على وجهي بكل قوه على الأرض.
لم أشعر بفكي، او سحنتي.
ضحك ادم:
"انهضي هيا."
ناولني ادم يده وساعدني على الوقوف.
"لا تتأخري."
قال وهو ينطلق صوب السطح.
كانت الساعه تشير لمنتصف الليل عندما صعدت بفنجان القهوه وكلي حذر الا اهشمه.
"ضعيه هنا."
أمرني ادم.
تركت فنجان القهوه وجفوني مطبقه على بعضها.
"اعتقني سيد ادم."
"ترغبين بالنوم؟"
خشيت ان اقول اجل، تأخذ سولين مكاني.
قلت:
"لا سيد ادم."
قال:
"حسنا يمكنك النوم."
"انسيد ادم؟"
"من تلك المرأه التي نعتتني بالخنفسائه؟"
"ليس الآن يا فأره، النعاس يتساقط من عينيك مثل حبات المطر."
"اذهبي لسريرك قبل أن ابدل رأي."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
بالكاد كنت أتحدث مع آدم، كان مشغولًا دومًا، غارقًا في رسوماته وكانت وظيفتي أن ألبي خدماته. لقد أصبحت خادمته الجديدة بمحض إرادتي، كنت راغبة بفعل أي شيء يجعلني قريبة منه. لقد منحني وظيفة جديدة: ترتيب وجباته، تذكيره بمهامه، وتنظيم وقته.
شيء آخر، كان يسألني عن رأيي في لوحاته ويستمع لملاحظاتي باهتمام. أصبحت شيئًا مهمًا في حيزه الضيق وتخليت عن فكرة السيطرة عليه لبعض الوقت.
كنت أنتظر أول يوم في الدراسة بقلق. كنت متشككة من قدرتي على الجمع بين مذاكرتي وخدمة آدم، خاصة أنه منحني الحرية. بعد تفكير مطول، وجدت الحل.
حملت كل كتبي لغرفة آدم. أعددت طاولة بجواره. بتلك الحيلة تمكنت من المذاكرة ومساعدة آدم، الذي كانت طلباته محدودة: فنجان قهوة، منفضة تبغ، وأحيانًا كان يقوم بذلك بنفسه.
كان يجمعنا مكان واحد، لكن كل واحد منا في عالمه الخاص. لكني كنت راضية بذلك، حتى تبدل كل شيء.
في ظهيرة كدرة، هبطت علينا من بحور الجحيم وكيلة أعماله سولين. حضرت مع حقائبها قاصدة الإقامة والإشراف على أعمال آدم.
أعددنا من أجلها غرفة خاصة تجاور غرفتي. وقبل أن أتحدث عن طبيعة علاقتي بسولين، لابد أن أذكر كيف كانت تبدو تلك اللعينة الجميلة.
كان لها جسد عارضة أزياء، معدة مسطحة بلا بروز، شعر طويل أصفر، عنق مرمري أبيض، عيون واسعة عسلية، متوسطة الطول. تنتقي ملابسها بعناية فائقة، شديدة التنوع، ونبرة صوت ساخطه متعالية. تتحدث بطريقة درامية مثل كونتيسة.
أول شيء قررته سولين ضرورة نقل طاولة مذاكرتي لغرفتي. "آدم يحتاج للهدوء، لسنا مدرسة مشاغبين." يا ربي، أين كان عقلك يا آدم عندما فكرت في ذلك؟
لذلك، من أول لحظة، اعتبرتها عدوتي اللدودة التي أبعدتني عن آدم.
"هذا هراء. يا آدم حبيبي، إذا كنت حقًا مهتمًا بتلك الزهرة، امنحها الوقت لمتابعة دروسها حتى لا تفشل في دروس الرياضة!"
تمنيت لو أركلها على مؤخرتها، تلك السلعوانة النحيفة. أذكر عندما همست لآدم: "كيف تتحمل تلك الوغدة المتغطرسة؟" فطس من الضحك.
لكنه أشار لي بالتزام الصمت. "إنها ضيفتنا يا زهرة، كوني فتاة مؤدبة."
ابتعدت عن آدم. هكذا، بين يوم وليلة، طُردت لغرفتي وعدت وحيدة مرة أخرى. أعترف، لم يكن أمرًا بالغ السوء. المرة الوحيدة التي جمعتني غرفة آدم مع الكونتيسة سولين، لم أطق البقاء ولم أتحمل تعليقاتها الحشرية.
"آدم، ما رأيك أن نغير لون تلك الشجرة؟"
"آدم، أكاد أبكي من جمال ذلك الوجه الذي رسمته والذي يتساقط منه الحزن."
"آدم، آدم."
"راحت تتغوط."
آدم، حتى قررت الرحيل بلا رجعة. آدم الذي أعرفه وأتمنى قربه ليس هو نفس الشخص الجالس معه. آدمي أنا شيء آخر، مختلف، وحتمًا سأقبض عليه.
خرجت من حياة آدم، هكذا بدا الأمر. لا أراه، لا يسأل علي أو يطمئن على أخباري. عادت سولين تعد فناجين القهوة، وركنت أنا على الدكة.
كخادمة احتياطية إذا حصل شد عضلي لسولين. لكني زهرة ولا أقبل بالهزيمة ولا أن أكون كمالة عدد.
مضت أيامي مملة، كئيبة مثل حياة عانس تخدم أهلها الساخرين وإخوتها المتحكمين. حتى مرضت سولين. حينها استدعاني آدم.
"يا زهرة، حانت لحظتك."
"قلت: ماذا تعني؟"
"قال: لدينا ضيفة."
"قلت: أعلم أن لدينا ضيفة لعينة تتسكع في أروقة المنزل بشورت قصير وقميص ضيق."
"صرخ آدم: زهرة، عيب. أرغب منك الاعتناء بها."
"محال، أنا لا أطيق تلك المتغطرسة يا سيد آدم."
"هكذا تجيب آنسة مؤدبة، مثقفة على طلب أخيها الأكبر؟"
"قلت في نفسي: وهذا سبب آخر يدفعني للرفض، لست أختك وأنت وغد مثلها."
"سيد آدم، لدي دروس مهمة. أنت لا ترغب مني أن أفشل؟ اطلب من تالا أن تخدمها."
"قال: تالا لديها أعمال المنزل."
"وسولين ليس لديها قرحة في المعدة يا سيد آدم، مجرد يومين وستنهض مثل ثورة."
"حسنًا، قال آدم بغيظ طفولي، لا أحتاج شيئًا منك."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
لزمت غرفتي، لا أخرج إلا للضرورات. تلميذة نجيبة تذاكر دروسها بكل تفانٍ من أجل تحقيق غايتها التي لا تعرفها في الوقت الحالي.
واصلت تلا سيطرتها على ربوع المنزل تحت ذريعة مساعدة آدم الذي لا يرفض لها طلباً، وتوفير جو صحي يساعده على الإبداع. كانت القطيعة قد حلت بيننا بعد أن نعتتني بالخنفساء الصغيرة، أعتقد أنكم تذكرون ذلك. فلم أحاول التحدث معها رغم أنني فُتنت بطريقتها، مجرد "صباح الخير"، "مساء الخير"، وابتسامة صفراء.
لا أعلم لماذا تناصبني تلا العداء. من أول يوم كانت نواياها واضحة: التخلص من زهرة وإبعادها عن آدم. آدم المسكين يحتاج للهدوء والسكينة والموسيقى، وتلا حتى ترتفع معنوياته ويبدع. كنت أدعو في سري أن تحل عليه لعنة الرسم وتتوقف يده عن تحريك الفرشاة، أو أن يصاب ساعده بتمزق أربطة يمنعه عن الرسم.
لكن حال آدم بدا جيداً جداً. وجهه مشرق أربعة أشبار. كل أربعة أيام ينتهي من لوحة جديدة.
اعتقدت أن أحلامي الصغيرة انتهت. كانت لدي أمنية أن يتعثر آدم ويرحل شغفه، فيقوم بطلب زهرة، أنا، من أجل التغيير. حينها كنت سأبذل كل جهدي حتى يعود للرسم مرة أخرى.
لكن منذ صغري وقد كُتب عليّ أحلامي أن لا تتحقق، أن تُقتل في المهد. وأن عليّ انتزاع سعادتي بنفسي. من أجل ذلك، طرقت باب غرفة السيد آدم. كانت تلا جالسة على السرير بتنورة قصيرة حمراء، وقصة شعر قبعة صياد المجارير، وعيناها اللعينة تلمعان بالجمال.
"مساء الخير"، قلت وأنا أدلف للداخل تحت وقع عيون تلا المتربصة.
تنهد آدم. "إيه زهرة، كيف حالك؟"
"بخير سيد آدم"، جلست على ساقي آدم أمام اللوحة. داعبت شعر لحيته وقبلته برفق في خده.
تصلب آدم من الصدمة. آخر مرة تركني وهو يغلي من الغضب.
"هذه لوحة جميلة سيد آدم"، أردفت وأنا متشبثة بعنقه.
هزني آدم ليحركني من فوق ساقيه، كأنه استعاد وعيه بعد جرعة كوكايين.
نهضت بهدوء ووقفت جواره. لاحظت توتره فقد كانت تلا تراقبنا.
"أدرك أنك منشغل جداً من أجل المعرض، لكني اشتقت لمزاحنا سيد آدم".
همس آدم. "أجل مزاحنا، ها ها ها".
"إذا احتجت لأي شيء، من فضلك اطلبني. سولين مريضة كما تعلم؟"
"نعم أعلم"، نطق آدم بصعوبة.
قرصني آدم في ذراعي. همس في أذني: "الآن تفعلين كل ذلك؟"
ضحكت. قلت: "أنا في خدمتك دوماً سيد آدم".
"وأنتِ سيدة تلا، أرجوكي إن كان ينقصك أي شيء أخبريني!"
"طبعاً"، قالت تلا وهي تنظر تجاه آدم باحتقار.
تسللت بهدوء، أغلقت الباب ولصقت أذني بالخشب.
"تلا، أنا لا أصدق ما رأته عيني آدم. ما الذي حدث للتو؟ ماذا فعلت تلك الخنفسائية؟"
"آدم"، بضحك، "زهرة تعتبر نفسها ابنتي يا سيدتي. في كل ليلة لابد أن تقبلني في خدي وتتمنى لي ليلة سعيدة".
"ليس بهذه الطريقة آدم، أنا أحذرك. هذه الضفدعة الصغيرة لا تعي ما تفعله من تصرفات. عليك أنت أن توقفها".
آدم بمزاح: "الأمر لا يستحق كل ذلك، زهرة مجرد طفلة".
"طفلة في السابعة عشر من عمرها؟ ألا يكفي أنك لملمتها من الشوارع رغم معارضتي؟"
"قلت لك تعلقك بها يفوق شعور الأبوة".
"إنها لا تعتبر نفسها ابنتك، أنا أفهم ذلك. ألم تلحظ نظرة عينيها؟ أقول لك شيء، هذا الفتاة فعلت ذلك من أجلي أنا".
"تلك الوغدة تريد أن تشعرني بالغيرة. تفكير شوارعي تشردي غير منضبط".
"تفكير شوارعي أيتها المتغطرسة اللعينة؟" كدت أن أقتحم الباب وأجرجرها من شعرها. عوضاً عن ذلك ابتسمت.
آدم وهو يواصل الرسم: "لا تقلقي تلا، لست شبل متهور. أنا أعرف حدودي جيداً".
تلا بسخرية: "أصبحت أنا الملامة الآن؟"
آدم بنبرة حاسمة: "تلا، اهدئي. أنت تهولين الموقف. ركزي معي من فضلك. هذه الرسمة عميقة جداً".
تلا بضيق: "حسناً آدم".
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الأربعون 40 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
انتهى آدم من لوحاته، وكان موعد المعرض اقترب، وكان عليه في ما يبدو السفر في جولة خارجية حيث ارتبط اسمه بمجموعة من المعارض المحلية في عدة مدن أوروبية يعمل عليها مجموعة من المثقفين العاشقين لنوعية لوحاته.
ذكر هنا أن تلا أخبرت آدم بصوت واضح أن الطلب متزايد على لوحة أميرة وأن عليه القيام بنسخها بنفسه. في ذلك الوقت لم أعرف لما تلك اللوحة تحديداً؟
فكل ذكرياتي عن أميرة أنها امرأة سيئة السمعة وأن لآدم جانب خفي معها، ولولا علاقتي الملطخة مع تلا لسألتها عن السبب. فمعرض آدم يعج بالعديد من اللوحات لفتيات جميلات، بل إن أميرة كانت أقلهم جمال. لقد ظل ذلك سر يؤرقني مدة طويلة من الزمن.
لكن ما كان يشغلني حينها بصورة أساسية اقتراب رحيل آدم مع تلا.
لقد ترجيت السيد آدم عدة مرات أن أرافقه في تلك الجولة الخارجية، لكنه تعلل بدراستي.
حينها قصدت مديرة مدرستي السيدة فردوس، ضئيلة الحجم، لقد توسلتها هي الأخرى حتى كدت أقبل يديها الطويلة، لكنها رفضت.
"فتاة شقية، ماذا تقصدين بسفرك للخارج؟ لديك دراسة هنا. أنت لا تعلمين ما يوجد هناك يا فتاة، فتيات غربيات حقيرات ومتهورات قليلات الحشمة، لن أسمح بذلك. لا، ليس في زمني، انتبهي لدروسك."
هكذا أغلقت السيدة فردوس بابها في وجهي.
ولأنني كنت أعلم أن المتحكمة الرئيسية في تلك القضية هي تلا، لمحّت لها بعد أن عصرت على كبريائي برقوقة أن تقنع آدم باصطحابي معه.
حينها، تلك المتغطرسة، وبعد أن شرحت لي عدم اهتمامها بآدم كشخص، رفضت مساعدتي.
كنت أتوقع ذلك منذ البداية، تلا تكرهني.
لذلك حينها، وفي نفس الوقت، صعدت شجرة الصفصاف وأسقطت نفسي من فوقها ورحت أصرخ. ولأمسك بقدمي، كنت أختلق سبب لعدم ذهابي للمدرسة.
لكن الحيلة انقلبت فوق رأسي بعد أن كسرت قدمي وإصرار آدم على عدم تركي لسريري حتى يتم شفائي.
كنت في الشرفة عندما راح آدم ينقل لوحاته بمساعدة سولين لشحنها للخارج، قبل أن تدلف تلا المتألقة لسيارة BMW رفقة آدم.
لوّح لي آدم من خلف زجاج السيارة، بادلته التحية قبل أن ألقي بجسدي على سريري.
لقد ظللت أياماً غير راغبة بترك غرفتي، لم يكن هناك شيء بالخارج يجذبني، أي شيء، فقد كان العالم بالنسبة لي فوضوي أسود.
تلك الليالي الطويلة التي قضيتها بمفردي، أفكر، أبكي، أنتحب، جعلتني أعيد ترتيب أولوياتي. آدم ليس لي على الأقل في الوقت الحالي.
بالنسبة له، أنا مجرد فتاة مهمشة، أنقذها من الضياع.
فتاة شقية تلقي بنفسها عليه بتهور، ولا يوجد أي مبرر يدفعه للتفكير بي كرفيقة درب أو حبيبة، وأن علي أن أهتم بدروسي وأحفر طريقي الخاص خلال دروب الحياة المستعصية.
كل واحد منا يعرف الحقيقة، يعرف ما يتوجب عليه فعله، لكن للأسف ننكر ذلك.
لقد قتلني الحنين إليه، رؤيته، مشاكسته، افتقاده، لكن ما الجدوى من كل ذلك؟
تمكنت من السير بمساعدة حامل معدني قبل أن يتسنى لي السير دون مساعدة. بمضي الوقت أدركت مقدار الحماقة التي ارتكبتها في حق نفسي بتعمد إصابتي، وأن علي أن أستعيد ما فاتني من دروس كثيرة.
لقد أعدت شحذ همتي وثابرت لجمع ما خلفته ورائي، تلك المرة كان لدي هدف، ألا وهو النجاح في دراستي، تحقيق ذاتي.
لم أهتم إن كان آدم يسأل عن أخباري أم لا، فقد كان واضحاً جداً أنه يستمتع بوقته وآخر ما ينقصه أن أنغص عليه تلك المتعة، مع تلا، آدم لا يحتاج إلي.
تغيب آدم عام كامل خارج البلاد، عام تغيرت خلاله حياتي لدرجة كبيرة، فبعد نجاحي كانت تنتظرني المرحلة الأخيرة من الثانوية العامة.
خلال تلك الفترة لم تجمعني بآدم إلا بعض المحادثات العادية، تمنيت له خلالها النجاح والتوفيق. حين كان آدم يحلق في أضواء النجاح بالخارج، كان اهتمامي به يخبو.
أخذت الأمر بكل جدية، من أول يوم في الإجازة الصيفية بدأت متابعة دروسي ومراجعتها مع مدرسي بكل همة ودون كسل، بعد أن تحول اهتمامي عن آدم وجدت كل الوقت الذي مكنني من المذاكرة، المطالعة، التثقف. فقد آليت على نفسي كل ليلة قبل نومي أن أنهي فصلاً في رواية أو كتاب بصورة دائمة ومستمرة.