تحميل رواية «لا تخافي عزيزتي» PDF
بقلم مريم الشهاوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سمع صوت بكاء يأتي من غرفة المستودع. اقترب من باب الغرفة بفضول، وعندما تأكد من الصوت طرق على الباب. "في حد هنا؟" وسرعان ما عم الهدوء ولم يسمع شيئًا من هذا البكاء. مد يده إلى الباب وحاول فتحه، لكن وجده مغلقًا. وتفاجأ بصوت سيدة المنزل. "رحاب هانم": بشمهندس يزن والدتك سألت عنك. توتر يزن وقال متسائلاً: هو في حد جوه المخزن؟ علامات الدهشة أصابت وجه رحاب، وظهر على جبينها آثار الغضب لفضول هذا الفتى. وقالت: لا... بتسأل ليه؟ يزن بشك: سمعت صوته... أو كان بيتهيألي! ابتسمت رحاب وهي تنظر إليه بانزعاج: لا أكيد...
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مريم الشهاوي
هل كنتُ بديلًا مؤقتًا؟|
صلوا على الحبيب
-ولا يا فارس عرفت العربية اللي جات أخدته راحت على فين؟
كان طفل لم يتخطى الثمانِ سنوات نظر لها بخبث ثم قال:
"تدفعي كام يا ديرو؟"
-اللي أنت عايزه يا زفت الطين...ها؟ راحت على فين في شارع من شوارعنا ولا مكان بعيد؟
سمعت صفيرًا يصدر منه ثم قال بتعجب:
"راحت حتة مكان شبه اللي بنشوفه علتلفزيون!"
قالت له بعدم فهم:
"يعني إيه؟... قصدك إيه يا ولا؟؟؟"
-بصي يا هدير شوفتي البيوت الكبيرة أوي والشوارع اللي فيها زرع الاعلانات اللي فيها المناطق دي وييجي يقولك ادفع عشرة مليون وقسط الباقي على أساس معانا عشر مليون في جيبنا !
ضحكت وهي تجيبه بنعم
فأكمل الصغير :
"أهو العربية وقفت عند بيت منهم ونزلت منه الست المزة اللي جات تاخد عمو ده وبعديها جابت رجالة كده كبار شالوه ودخلوه بيت كبيير أوي."
ضمت حاجبيها باستغراب وهي تستعجب أن مصطفى غنيًا !... لمَ أظهر لها عكس هذا؟؟
-أنت متأكد يا فارس ولا بتلف بيا؟
-والله متأكد أنا كنت في شنطة العربية وشايف كل حاجة بس كانت هتحصلي مشكلة وأنا خارج بسبب أمن كده وسألوني أنا ابن مين وبتاع ودخلت إزاي بس عرفت أفلت منهم بطريقتي.
-طب تعرف توصفلي المكان ولا نسيته ؟؟
غمز لها بطرف عينيه بمرح قائلا بفخر:
"عيب عليكِ يا ديرو دنا فارس رويتر المنطقة بيبعتوني لمهمات أصعب من دي بكتير بس كل شيء بتمنه؟"
فضحكت هدير من أسلوبه وقالت:
"هديك اللي أنت عايزه بس عرّفني مكان البيت؟"
-هتروحي إمتى؟
-ممكن بكرة بعد العصر
-قشطة هجيلك... سلام... عايزاني أوصلك؟
-ياخويا اتنيل هتحمي وداني بحجمك ده !... يلا امشي روح.
ضحك فارس وركض متجهًا إلى منزله وعادت هدير إلى منزلها أحضرت طعامًا لأخواتها وجلست معهم هدير، وهي تقدم الطعام لأطفالها، كانت عقلها تعصف به الأسئلة والتساؤلات.
بينما تتناول الطعام مع أخواتها، فكرت هدير في السبب الذي جعله يخبئ عنها حقيقته الحقيقية. هل كان يخفي عنها ثراءه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟ هل كان هناك ماضٍ معقد يرتبط به وهو صغير جعله بهذه الحالة ؟تتساءل هدير، محاولةً فهم كل شيء بينما تحاول التعامل مع الحياة اليومية ومسؤولياتها كأم لأطفالها.
___________________________________
تفاجأت أسيل بالباب يُفتح أمامها، وتصاحب الصوت ضجيج الأطباء الذين يهرعون للخارج بتحريك فراش نحو غرفة العمليات. بينما كانت متأثرة بالمشهد، لاحظ يزن توترها وقرر سحبها بعيدًا عن هذا الضجيج المرهق. وفيما كان يزن يسير بجانبها، وهي تصارع دموع الحزن، اجتاحتها كلمة مفاجئة تصدر من أحد الأطباء:
"نبض القلب بيضعف"
لتعيد إلى ذاكرتها الأحداث المؤلمة التي عاشتها يوم وفاة والدتها.
بينما كانت تحاول التأقلم مع هذه الصدمة، وقفت متلمسة للهواء بعدما انخنقت من البكاء وصرخات الأطباء وضجيج العجل. في تلك اللحظة العصيبة، كان يزن هو الشخص الذي لم يتردد في مواساتها وتقديم الدعم، حيث دفع بذراعيه حولها وعانقها بقوة وهو يهمس بأذنيها قائلاً
"متخافيش... أنا معاكِ"
بدت حاجتها لهذا الدفء والأمان!!
بينما كانت في حضن يزن، بدأ صوت دقات قلبه يلغي صوت الضجيج المحيط بها، وتشعر بالطمأنينة والسكينة التي تنتابها. في تلك اللحظة، وبينما كانت تغمض عينيها، تمنت أسيل أن تبقى في حضن يزن للأبد، لتجد الهدوء والسكينة في ذراعيه، حيث تتمنى أن يكون هذا المكان مسكنها الدائم في اللحظات الصعبة.
وفيما كانت تشعر بالأمان في حضنه، أدركت أنها لا تريد أبدًا أن تبتعد عنه، وفي تلك اللحظة، بادر يزن بخفوت، يدعوها للخروج من هذه اللحظة العصيبة ويطمئنها بصوته الحنين، لكنها أبدت رغبتها في البقاء بجانبه، مظهرة رغبتها في الاحتفاظ بلحظة السكينة والأمان التي يقدمها لها.
أثناء لحظات السكينة، تفاجأت أسيل بهمس وضحكات من البعض ففتحت عينيها لتجد الناس يبتسمون لها بابتسامات دافئة . شعرت بالاستياء والارتباك، وبينما كانت تحاول التصرف بسرعة ابتعدت عن يزن ففتح يزن عينيه وكأن روحه خرجت منه الآن تمنى لو تظل هكذا للأبد.
بينما أسيل كانت تنظر إلى الأرض بخجل، لاحظ توترها وقرر تغيير الموضوع بدعوتها للخروج قائلاً:
"يلا نطلع برا..زينة شوية وهتلحقنا."
وبينما كانت تتجه نحو ممر الخروج، شعرت أسيل بقلبها ينزلق من مكانه بسبب ما حدث، ؛ شعرت بفرحة!
كلمته التي يكررها كلما شعرت بالخوف "لا تخافي" تتردد بذهنها دائمًا كم تخرج منه لطيفة وتشعرها بالراحة.
_________________________________
وبعد أن انتهوا من فحص الطفل وفحص يارا جيدًا ، خرجوا من العيادة ليجدوا مودة وعلي ينتظرانهما خارجًا !
اتسعت أعين كل من يارا وعمر بذهول ونظرا لبعضهما البعض بتوتر.
صاحت مودة بسخرية قائلة:
"طمنيني على البيبي يا يارا، بخير؟"
بلعت يارا ريقها ونظرت لعمر بصدمة وتتساءل هل قام عمر بقصّ لهم هذا السر؟!!
فضحك علي وهو يقول: "لا إن شاء الله بخير. أهم طالعين من العيادة بيضحكوا أهو وإيديهم في إيدين بعض."
نظرت يارا لعمر بخذلان لم تتوقع بأن يكشف سرها لعائلته ولمودة أيضا فهز عمر رأسه برفض وهو يقول ليارا:
"صدقيني منطقتش بكلمة ليهم."
ثم عاود النظر إلى مودة بغيظ قائلا:
"مين قالك..؟ وأنتِ عرفتِ منين؟"
أجابت مودة بإشمئزاز وهي تقترب منه:
"عرفت زي ما عرفت بس مندهشة الصراحة إن اللي كنت باخد منها النصيحة تطلع... استغفر الله مش عاوزة أفتكر."
ملأت الدموع عينيها وشعرت بقلبها ثقيل فانطلقت يارا بسرعة نحو سيارة أجرة لتركب بها، ولكن أوقفها علي وهو يهمس بابتسامة :
"فكرتوا هتسموا البيبي إيه ولا نساعدك فيه؟ "
بينما نظرت يارا لعلي، بكسرة وقهر يجتاح صدرها، لم يكن بوسعها إخفاء حالتها المكسورة. تمزق قلبها من قبل والآن الجرح به يكبر هربت من أمامه وعندما ركبت بسيارة الأجرة، اجتاحتها موجة من البكاء لا تتوقف.
ضحك علي وهو يتتبعها بنظراته ويهمس بخبث لنفسه:
"استني يا يارا استحملي شوية عشان اللي جاي مش سهل عليكِ وعلى.. ابني حبيبي"
تفاجأ برؤية عمر ممسكًا بمودة من ذراعيها ويهزها بعنف ونظراته لا توحي بالخير أبدا فركض علي بسرعة نحوهما يحاول إنقاذ مودة من يد عمر
قال عمر بحدة وهو يبرّق بعينيه ويقول لها بتحذير:
"إياكِ يا مودة توجهيلها أي كلمة أنتِ فاهمة؟.. إياكِ تإذيها بأي طريقة حتى بالكلام مشوفكيش بتتكلمي معاها أصلا فاهمة ؟؟ عشان وربي لو دمعة واحدة بس نزلت منها سببها أنتِ ما هيحصلك طيب."
نزعها من يديه عمر فاندفعت للخلف بضع خطوات وهي تناظره بذهول لا تصدق مدى الحب الذي رأته في عينيه أيعقل أن يكون يحبها إلى هذا الحد؟
ركض عمر إلى سيارته مسرعًا ليلحق بيارا.
شعرت مودة بيدٍ تربت على كتفيها وسمعت صوت علي قائلاً :
"عمر مش هيعملك حاجة ده لإنه ببساطة بيحبك أنتِ."
فنظرت إليه مودة:
"عمر بيحب يارا بجد شوفت ده في عينيه أنا متأكدة ! وهي حامل دلوقتي في ابنه انا دخلي ايه بقصتهم انا هنسحب يا علي"
فتغيرت تعابير وجه علي ليقول:
"مودة الحكاية هي إن يارا خلت عمر يسكر في يوم أنتِ عارفة طبقت يا ا والشرب ده بالنسبة ليهم عادي وساعتها عمر عمل معاها علاقة وهو مش داريان بحاله ووقتها يارا استغلت ده لأنها بتحبه وسابته يعمل معاها ما بداله وهي عارفة إنه مش في وعيه وإن دي فرصتها الوحيدة عشان تكسبه لان يارا بتعشق عمر لكن عمر كانت بيحبك أنتِ وبعد شهور يارا بعتت لعمر إنها حامل وعمر مكانش مصدقها واتخانقوا سوا وفاكر إني سمعت يارا بتهدده على بير السلم بتاعنا وبتقوله إنه لو مسابكيش هتروح المحكمة وتعمل قضية إثبات نسب وإنها هتفضحه لو متجوزهاش وعمر مقبلش على نفسه الفضيحة وقالي إنه ممسوك من إيده اللي بتوجعه ووروتله صورهم وهما مع بعض اللي صورتهم وهو سكران عمر حكالي كل ده بس مقدرش يحكيهولك لإنه شايف إنه هيظلمك معاه ...دورك دلوقتي يا مودة هو إنك تلحقيه من المجنونة اللي اسمها يارا اللي عايزة تاخده منك الحقي حبيبتك لو كنتِ بتحبيه بجد. "
________________________________
خرجت زينة نحوهم ووجهها مشرق بالبسمة، حيث اتجهت مبتسمة نحو أسيل وعانقتها بحب، قائلة:
"سوري يا قلبي اتأخرت عليكِ."
تحدث يزن بنبرة من الاطمئنان، يتذكر المريضة التي كانوا يشاهدونها في المستشفى، كي يطمئن أسيل قائلاً:
"هي المريضة اللي كنا هنشوفها عاملة إيه دلوقتي؟"
فأجابته زينة :
"حالتها كانت خطيرة أوي واتدهورت بس قدرنا نلحقها وعدت على خير إن شاء الله تقوم بالسلامة تاني... يلا بينا."
ركبا السيارة وتوجها إلى متجر الملابس، حيث غادرهما يزن ليتركهما يستمتعان بتجربة اختيار الملابس دون حرج منهم بسبب وجوده.
اختارت زينة لأسيل بضع فساتين، ولكنهما كانا محتارين في اختيار واحدٍ منهم فقالت زينة بحماس:
" إيه رأيك، نجيب يزن ناخد رأيه ويشوفهم عليكِ ويقولك أنهي واحد عجبه؟"
اتسعت عينا أسيل وانحرجت من الفكرة،وشعرت بالخجل من قدومه، ردت زينة بتشجيع تحاول اقناعها بالموافقة :
"يزن هيساعدنا أوي بجد هو ذوقه روعة خليه ييجي وهيساعدنا."
رغم الحرج، وافقت أسيل بترددها، ثم قامت زينة بالاتصال على أخيها ليأتي ويساعدهم في اختيار واحدٍ من الفساتين.
أتى يزن ورأى الفساتين التي اختاروها وعرضوا عليه بأن يختار واحدًا منهم فنظر لأسيل بخبث ما :
"طب مش أشوفهم عليكِ الأول وأختار ؟!"
ازداد توترها واحمرت وجنتيها خجلاً فهتف الجميع :
"فكرة كويسة ادخلي قيسيهم يا أسيل ويشوفهم عليكِ يكون أسهل."
دلفت أسيل إلى غرفة قياس الملابس ودخلت معها زينة لتساعدها بارتداءه
وخرجت أسيل بأول فستان وهي تنظر إليه بتوتر.
فنظر لها يزن وابتسم غير مصدقا أن هذا الملاك سيصير جزءًا من حياته هذا الملاك امتلك عقله و.. قلبه!
قال وهو ينظر بعينها بعمق وعشق:
"ده كويس."
ارتديت الاثنان الباقيين ولكنه أصر أن الأول هو أجملهم فاستقرت عليه واشتروا الفستان وخرجا من المتجر وزينة ويزن يتشاوران على يوم غد كيف سيكون وما الترتيبات بينما أسيل تستمع إليهم وتومئ برأسها فقط وفجأة شعرت بيدٍ تمسكها وتجذبها تجاهٍ ما!
نظرت للشخص وتفاجأة حين وجدته "أمير" !
نظر إليها أمير بعينين تزداد شهوانية وهو يتفحص كل شيء بها بعينيه وقال بابتسامة :
"وحشتيني."
توقف الدم بعروقها منذ أن رأته وحين سمعت كلمته تفاجأة حين رأت يدٍ تخنق أمير ونظرت خلفها وجدته يزن فابتعدت عن أمير ووقفت وراء يزن تتحامى به وأمير يحاول إفلات نفسه وضغط على يد يزن ليترك عنقه ولكن لا فائدة.
تحدث يزن بغضب شديد:
"أنت إزاي تمسكها كده ها؟؟"
-سيبني... أنا.. و.. أسيل... بنحب بعض.
ترك يزن عنقه بسرعة ونظر لأسيل بصدمة ثم عاود النظر إليه:
"بتحبوا بعض إزاي يعني؟؟"
-ودي فيها إزاي بردو... اللي عاوز أقوله إني أنا كنت حاجز قبلك قومت أنت مزنق عليا وأخدتها وهي لما ملقتنيش اتضطرت تاخدك أنت بدالي.
قالت زينة بعدم فهم:
"إيه اللي بتقوله ده وضح وحضرتك تعرفها منين؟ "
ابتسم أمير ونظر لأسيل :
"بحبها من زمان أوي.. وهي كمان بتحبني... بس اليوم ده أنا مردتش على موبايلها فرنت عليك أنت... أنت متعرفش إن أسيل بتلعب بيك لحد مانا أرجع من السفر.. أهي عشان تسكت طنط رحاب اختارت أي شخص ودلوقتي دوري إني أروح أنا وأخطبها أنا الأصل وأنت كنت زينة لحد ما ارجع أنا... معلش عطلناك الكام يوم بس أنا كنت في سفرية وقولتلها اتصرفي وهي اختارت أي حد عشان يقضي معاها الكام يوم ونقفل فم طنط رحاب من حتة إنها تجوزها.. صح يا حبيبتي.. لمؤاخذة يا بشمهندس تعبناك معانا الكام يوم دول بس أنا قولتلها متقولكش الحقيقة عشان مفيش راجل هيقبل إنه يكون لعبة لكام يوم ويترمي مش صح ولا إيه؟ "
كان يسمع كلامه غير مصدقًا هل هذه هي الحقيقة... أسيل تخدعه؟... تنتظر عشيقها ليعود من سفره لكي يتزوجها وأخذته كبديل لبضعة أيام؟؟؟
أسيل تفاجأت من حديث أمير ونظرت ليزن وظلت تحرك رأسها يمينا ويسارا برفض فتحدث أمير وهو يمسكها من ذراعها ويقربها له من جديد:
"خلاص يا أسيل... هو إن شاء الله مش هيزعل أوي... كويس إني جيت قبل الخطوبة قبل ما يتخطبلك ويتخيل أحلام بينكم وبعد كده تيجي تقوليله كل شيء قسمة ونصيب.. متعيطيش بقى هو مسامح أكيد مش هيبعد حبيبين عن بعض عشان ينعم هو !"
تحدثت زينة:
"وحضرتك مين وتعرف عيلتها منين؟"
-أنا الدكتور أمير عروقي دكتورة عيون وأعرف عيلتها من زمان ودي صورة لينا سوا.
ألقت زينة ويزن نظرة إلى الصورة التي التقطت حين تقدم أمير لخطبتها وأصرّت رحاب بأن يأخذوا صورة تذكارية لهذا الحدث وكانت أسيل معهم.
سكتت زينة لا تعرف ما تقوله بهذا الموقف ! وظلت تنظر لأخيها حزينة عليه هل وضع نفسه بتلك الاضحوكة بينما أسيل دموعها تنسال غير قادرة على البوح والقول له بأنها لعبة منه لكي لا تتزوج يزن بل تتزوجه هو... يزن لن يصدقها أليس كذلك؟
أمسكت يده وظلت تنظر إليه تترجاه بأن يصدقها بعينيها ولكن يزن بوادٍ آخر لا يسمع أحدا يمرر المواقف بينهم وهذا اليوم يتكرر بداخله كيف استطاعت خداعه بتلك السهولة... نعم.. هو كان ساذجًا معها بعض الشيء وهي استغلت سذاجته.
نظر لزينة أخته وقال:
"يلا يا زينة."
أفلت يده من يديها وهي تنظر إليه وتبكي حتى تركت يده
ثم تحرك تجاه سيارته ركب بها وركبت زينة بجانبه ونظر آخر نظرة إلى أسيل وقلبه شعر بأنه يعتصر ألمًا وخاف للحظة بأن يكون ظلمها ولو للحظة حتى وجد أمير عانقها بشدة فتحرك بالسيارة مسرعًا بغضب يشعل قلبه المكسور بعد هذا الشعور تأكد بأن أسيل لم تكن فتاة عادية له بل رآها أكثر من ذلك ولهذا هو مجروحٍ الآن.
_________________________________
بعد أن وصلت يارا أمام منزلها هبطت من سيارة الأجرة واتجهت لمنزلها وحينها شعرت بيدٍ تسحبها للخلف وكان عمر الذي أمسك بها وأوقفها ثم هتف بقلق:
"يارا أنا مقولتش لمودة حاجة أقسم بالله ما قولتلها... دي هي شافت رسالتك اليوم اللي...."
قاطعته يارا وهي تصرخ به:
"بس عرفت... هحط عيني في عين أهلك إزاي علي ومودة عرفوا هقابلهم إزاي بعد كده وهما هيبقوا قدامنا طول الوقت... قولي هحط عيني فعنيهم إزاي بعد ما اتفضحت قدامهم !!"
تنفست الصعداء بصعوبة وأكملت بألم:
"بص يا عمر هو أي حاجة هتحصل تاني مش هتكون اسوأ من اللي حصلي فعادي أنا اتعودت روح... روح أنت وسيبني أدخل البيت عشان أرتاح لإني حاسة بارهاق شديد."
أمسك يدها بإصرار:
"أقسملك بالله أنا ما عرفت حد ومش عارف الحوار وصلهم إزاي.. أنا أكتر واحد هكون خايف على فضيحتك يا يارا بدليل إني مسيبتكيش أما عرفت وحاربت عشان أسترك وأساعدك على اللي حصلك.... أنتِ تعرفي عني كده؟"
ابتسمت إليه بصعوبة :
"ماشي يا عمر... مصدقة إنك ملكش ذنب وإنهم عرفوا بالصدفة... خليني أدخل دلوقتي."
-لا تعالي نروح أي كافيه نشرب حاجة وندردش سوا لإنك هتطلعي تدخلي أوضتك أنا عارف هتعملي إيه.
-اعمل اللي أعمله... سيبني في حالي النهاردة أرجوك أنا ساندة طولي بالعافية.
-مش هسيبك وأنتِ كده.. تعالي نتكلم وتريحي أعصابك بكوباية قهوة ولا حاجة شكلك في حالة مش كويسة ومحتاجة...
قاطعته بصراخها الذي رج أرجاء المكان من شدة ارتفاعه:
"وأنااا إمتى كنت كويسة.. إمتاااااا ؟؟"
وفي لحظات مفاجئة، سقطت يارا على الأرض بعد أن انتابها إغماء حاد، مما دفع عمر ليصرخ باسمها بقلق شديد. دون تردد، حملها عمر على ذراعيه ووضعها برفق في سيارته، مخططًا لنقلها على الفور إلى المستشفى.
__________________________________
دخلت أسيل المنزل وهي تبكي وصعدت إلى غرفتها و وراءها أمير الذي حاول التحدث معها ولكنها رفضت فتقابل مع رحاب قائلاً بإنتصار:
"كله تمام... الواد قفل منها ومشي وأوعدك بعد اللي سمعه ده احساسه كراجل هينقح عليه ومش هيقرب من أسيل تاني أبدًا."
ضحكت رحاب بانتصار وهي تقول"طب تشرب إيه بقى؟... ورن على والدتك بلغها إن الخطوبة بكرة. "
-أي حاجة يا طنط والله... وشكرا على مساعدتك ليا بجد مش هنسى فضل حضرتك أنا كنت هموت عليها.
ضحكت رحاب بخبث وبداخلها يتطاير قلبها من السعادة والفرح المختلط بنجاح تخطيطها لتدمير علاقة أسيل ويزن. بينما كانت أسيل تعيش في عالمها اليائس من جديد، لم تدرك أن رحاب كانت تراقبها بعيون متجسدة في رجال أرسلتهم لمراقبتها ذلك اليوم، مترقبة بشغف ما ستقوم به وما ستخطط له.
كانت رحاب تعرف أن أسيل عرضت الزواج على يزن، وهو ما دفعها للتفكير في تلك الخطة الجهنمية التي ستضع حدًا لسعادتهما وتجعل يزن ينظر إليها باستحقار وكره بدل من نظرات الحب والإعجاب، تشعر بالسعادة وهي تتلاعب بخيوط العلاقات هكذا فمنذ أن كانت شابة وهي دائمًا تخرب جميع العلاقات السعيدة تريد أن تسعد هي فقط.
___________________________________
تحدث عمر بتوتر وصوت مرتعش يصف حالتها للطبيب:
"هي حامل... و كانت متعصبة ومرة واحدة وقعت من طولها."
قالها عمر وهو يتلعثم في كلماته من شدة الخوف على يارا، انتقلوا الممرضين والأطباء بيارا بسرعة إلى غرفة الطوارئ.
جلس عمر على كرسي بالقرب من الغرفة، يديه ترتعش بشكل غير طبيعي، لكن رغم كل هذا، رفض أن يفقدها. لم يكن يمكنه أن يتخيل حياته بدونها، لأن يارا ليست مجرد صديقة بالنسبة له، بل هي نبض قلبه، وروحه التي لا يمكنه الاستغناء عنها.
كانت أفكاره تدور حولها، وقلبه ينبض بقوة، يأمل في أن تخرج بخير. ثم وضع يده بلطف على قلبه، لكن الاستقرار الذي كان يبحث عنه كان بعيد المنال. كان يشعر بضغط متزايد على قلبه، ولكن محاولاته البائسة لإقناع نفسه بأن كل شيء سيكون على ما يرام لم تخفف من حدة القلق الذي يعتصر قلبه.
بينما يراوده الخوف، يتوجه بأفكاره الملتبسة ودعواته الملحة إلى الله، يطلب منه بشدة أن يحفظ يارا ويعيدها إليه سالمة.
وبعد قليل صُدم من خروج والدته من إحدى غرف المستشفى!!!
وقف بذهول وهو يقترب منها يتساءلها بفضول:
"ماما أنتِ هنا !"
اتسعت عيناها بدهشة ماذا ستقول له؟؟ توترت ونبتت بعض قطرات العرق على جبينها وابتلعت ريقها بتوتر قائلة :
"أنت اللي بتعمل إيه هنا؟"
ثم قاطعهم صوت الممرضة التي كانت توجه حديثها إلى عمر وتقول له بابتسامة:
"الحمد لله المدام والبيبي كويسين حمد لله على سلامتهم حضرتك تقدر تدخل تشوفها."
اتسعت عينا دعاء من تلك الكلمات ونظرت بشكوك لعمر الذي كان متوترًا للغاية واتجهت دعاء إلى الغرفة التي خرجت منها الممرضة لتفتحها وترى منْ بداخلها؟!
______________________________
تحدثت علا بقلق عبر هاتفها:
"أحمد مش هعرف بجد. "
-يا بنتي هو فيه حد في البيت؟
-لا أنا بس.
-طب تعالي يا ستي وابقي قوليلهم كنتِ بتجيبي حاجة بدل مانت قاعدة في الشقة لوحدك تعالي ندردش سوا.
-طب ما نتقابل برا ؟؟
-افردي حد من اخواتك شافك؟
-أيوة صح بس....
-بس إيه يا علا هو أنا غريب ؟ ده أنتِ حبيبتي يا علا ويعلم الله بحبك قد إيه؟.. تعالي بقى عشان وحشتيني أوي.
-وأنت كمان وحشتني يا أحمد بس أنا قلقانة إني أجيلك البيت وكده.
-يبقى أنتِ كده مش بتحبيني ومش معتبراني حبيبك هو في حد يقلق من حبيبه؟
ابتسمت بحب وهي تكرر:
"لا طبعًا أنت حبيبي وروحي."
!!
ونكمل بكرة
توقعاتكم وعاوزة توقعات لاسباب دعاء انها تعمل كده في يارا؟
دعاء هتشوف يارا؟؟؟
احمد وعلا طلعوا مرتبطين؟؟؟
صعبت عليكم علا ولا هي غلطانة او شامتانين في علي لانها بتتردله في اخته؟!
اسيل ويزن خلصت حكايتهم؟؟؟
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم مريم الشهاوي
-كما تدين تدان|
صلوا على الحبيب
ارتدت علا ثيابًا مهندمة، ونزلت من بيتها وهي تشعر بالتوتر يتزايد تدريجيًا في قلبها مع كل خطوة تقتربها من نقطة اللقاء المرتقبة مع حبيبها. وهي تسيطر على أعصابها في الشارع المزدحم، تترقب حولها بحذر شديد، تبحث عن أي دلالة تكشف وجود أحد من أفراد عائلتها. وفي لحظة من الهدوء، تصيبها صدمة صوته المرتفع الذي طالما أزعجها يناديها قائلاً:
"آنسة علا !"
إلتفتت إليه وهي وجهها عابس من رؤيته ولكن جذب انتباهها قدمه المكسورة فاندهشت قائلة بقلق :
"هي اتكسرت !"
ضحك ساخرا وقال:
"أمال كنتِ فاكرة إيه لما تنزلي بطفاية حريق على رجلي هتفضل سليمة؟"
ردت بصخب وهي محاولة تبرأة نفسها:
"لا بس أنا نزلتها براحة على فكرة. "
ضحك وهو ينظر إليها ظاهرا بعينيه إعجابه بها فتحدثت علا بغضب:
"ثواني بس.. هو حضرتك بتراقبني؟؟"
واجهته موجة كبيرة من التوتر والقلق بسبب سؤالها، فهل سيجيب بصدق؟ هل سيعترف بأنه يراقبها منذ لحظة رؤيته لها أول مرة؟
رد محاولاً الهروب من سؤالها وقال:
"انا عاوزك تديني فرصة بس و...."
قاطعته بقولها بصوت عالٍ:
"مفيش فرص.. قولت لحضرتك لا... مش هرتبط بحد أنا وقسمًا بالله يا آدم لو قربت مني تاني لاقول لاخواتي يشوفوا صرفة معاك... ولو لمحتك تاني في شارعنا هتزعل على نفسك."
ضحك قائلاً بمرح:
" هزعل إيه أكتر من كده على نفسي؟ عربيتي واتكسرت ورجلي اتكسرت و... قلبي هو كمان... ناقصلك إيه تاني يا علا؟ "
-طب عن إذنك.
تركته وذهبت من أمامه ولكن لاحقها ببطء بسبب قدميه وظل ينادي عليها بدون ملل فزفرت بضيق وتوقفت وإلتفت إليه وهي واضعة يدها على خصرها قائلة بتزمر :
"أيوة؟"
-طب قوليلي على سبب رفضك ليا؟... أنا مستعد بكرة آجي أتقدملك بس خايف ترفضيني وتطلعي أهلي شكلهم وحش... اديني سبب عشان أبطل ألاحقك وأنا أوعدك مش هاجي جمبك لو اديتيني سبب مقنع.
تنهدت بقولها:
"بحب شخص تاني ومرتبطة بيه وهو بيظبط أموره وهييجي يتقدملي لما ظروفه تسمح.. أي أسئلة تانية؟"
تكررت هذه الإجابة في عقله مرارًا وتكرارًا، ولكن كان يختار بشكل متعمد أن يقنع نفسه بأنها مجرد خيالات ليس لها أساس من الواقع وأن لابد من وجود حقيقة أخرى تمنعها من التعرّف عليه. الآن، وسط حالة من الارتباك والحيرة، يجد نفسه في مواجهة الواقع، لا يعرف كيف يُعبر أو يتعامل مع تلك الاجابة وظل صامتًا.
حتى تركته ورحلت من أمامه تزفر بضيق وهو مازال واقفًا في مكانه لا يتحرك يتابع خطواتها ببطء وعيناه تحرقه ولكن ليس بكثرة حرق قلبه.
_______________________________
تفاجأت دعاء حين فتحت باب الغرفة ووجدت بها العديد من فُرْشٌ لمرضى متنوعون ولحسن حظ عمر كان فراش يارا هو الأخير فلم تراه دعاء نظرت إليه باستفهام قائلة:
"مين اللي حامل وبقت كويسة؟ أنت جاي المستشفى عشان مين يا عمر ؟"
-مفيش يا ماما هي ست قابلتني في الشارع كنت بشيل معاها الحاجات وفجأة وقعت من طولها وكانت حامل فجيبتها المستشفى وأديكِ سمعتي إنها بقت كويسة حضرتك بتعملي إيه هنا؟
توترت للغاية ولم تتعمق في المزيد من معلومات قدومه لترد بارتباك قائلة:
"ها؟... لا أنا هنا مع واحدة اتبرعتلها بدم وهتطمن عليها وأمشي... أنت ماشي؟ "
-داخل أتطمن على طنط وهخرج بس جيتي لوحدك ليه يا ماما متصلتيش بيا ليه؟
-قولت مزعجكش والمشوار مش بعيد عن بيتنا... طب شوف أنت الست دي وأنا داخلة أتطمن علمريضة ونروح سوا إيه رأيك ؟
-ماشي يا ماما.
-ربنا يبارك فيك يا حبيبي.
تركته وتوجهت لغرفة قمر وهو دخل الغرفة التي بها يارا واتجه لفراشها
اقترب منه وهو قلبه يرتعش وهو يراها نائمة كالأموات بفراش دائمًا ما ينام عليه الأموات ينزعج من فراش المستشفى كثيرًا ويخاف من رؤيته.
جلس على الفراش بجانبها وأمسك يدها قائلاً بصوتٍ موجوع بنتابه الخوف:
" لو أنتِ مش هاينة عليكِ نفسك واللي بتعمليه فيها فأنا بتهون عليا وبخاف عليها أكتر منك كمان..."
زرفت دموعه بالبكاء وأكمل :
"عارف إنك موجوعة... بس أنا بتوجع أكتر منك أما بشوفك كده... أنتِ طول عمرك بتقويني وبتقوليلي إنك مش لوحدك والدور جيه عليا إني أقولك إنك مش لوحدك... إحنا سوا في الرحلة دي سوا ومحدش فينا هيسيب التاني يزعل لوحده... يارا أنتِ لو جرالك حاجة...
صمت للحظة وهو يشعر بنبضة عنيفة تصيب قلبه من شدة الخوف فأكمل قائلاً:
" أنا بموت... أوعدك إن الأيام الجاية هحاول بقدر الإمكان أخليكِ مبسوطة... بس أنتِ ساعديني يا يارا.. ساعدي نفسك إنك تبقي أحسن وارضي... أنا هنا.. موجود معاكِ علطول.. هنتخطى ده مع بعض هنتخطى مشاكل حياتنا سوا... يارا أنا مش متخيل إنك ممكن تروحي مني مش عاوزة أتخيل ومش هتقبل ده."
قبّل يدها برفق وأجهش بالبكاء كمحبوب يخاف خسارة معشوقته الصغيرة كيف لهذا الشخص أن يُحب بتلك الطريقة؟
هو لا يعلم أنه يعشقها حقًا؟
نام بجانبها ووضع رأسه على كتفها ولف ذراعه حولها يعانقها وهو يشعر بالسلام وهو بجانبها ويطمئن باستشاق رائحتها التي حفظها.. منذ سنوات يحفظ تلك الرائحة فللانسان رائحة تميزه عن الباقي تجعلها مميزة بالنسبة له... ليس رائحتها فقط فيارا دائمًا مميزة عن البقيّة في نظره.
وبعد قليل سمع صوت والدته تناديه فنهض من الفراش بقوة واتجهه للخارج فوجدها أمامه تقول:
"الوقت اتأخر.. هي الست دي معندهاش أهل؟"
-اسبقيني أنتِ يا ماما وأنا هكلم حد من أهلها...
-طب خليني أشوفها وأتطمن عليها.
-هي نايمة يا أمي... وأنا اتطمنت عليها وهي بخير روحي أنتِ عشان لازم نروح لإننا اتأخرنا.
حوقلت دعاء على حالتها ودعت لها بالشفاء ثم توجهت إلى خارج المستشفى بينما أخرج عمر هاتفه مسرعًا يجري اتصالاً بمصطفى أخيها ولكن وجد هاتفه مغلق ولم يجب عليه فاتصل برحاب التي أجابته فقال لها:
"طنط رحاب يارا أغمى عليها وهي في المستشفى دلوقتي بستأذن حضرتك تيجي تاخديها لإني اكتشفت إن ماما في المستشفى معايا ومش هينفع أخدها أروحها مش عاوزها تعرف إن يارا اللي في المسشفى وتكتشف أي حاجة."
زفرت رحاب بضيق قائلة:
"أنا تعبت بجد، ياريتها سمعت كلامي ونزلت الطفل ده وخلصنا من كل المشاكل دي !"
-فات أوان الكلام ده .. حضرتك ممكن تيجي تاخديها عشان هي لسه فاقدة الوعي أو تفضلي معاها لحد ما تفوق؟
-أنت عارفة الساعة كام دلوقتي؟؟.. مينفعش أخرج في الوقت ده... وبعدين هي في مستشفى مش في الشارع لو حابب أبعتلك فلوس قعدتها الليلة دي ف.....
قاطعها بقوله بقوة وصرامة:
"تمام يا طنط رحاب... شكرا لحضرتك ويارا لما تفوق هجيبها... مع السلامة."
أنهى المكالمة وهو يأخذ أنفاسه بصعوبة أهذه أم؟ يخجل من امناحها هذا اللقب فهي لا تستحقه.
أخبر ممرضة بالعناية بها حتى قدومه مرة أخرى ونزل لوالدته ليوصلها إلى المنزل
-أنت مش هتيجي تطلع؟
-لا يا ماما أنا هبات عند صاحبي الليلة دي... معلش النهاردة بس عشان هو بايت لوحده وأهله مسافرين فهروح أقعد معاه أونسه وآجي بكرة الصبح.
-ماشي يا عمر خد بالك من نفسك.
-حاضر
صعدت دعاء إلى المنزل وحين دخولها سمعت صوت همس يأتي من غرفة علا فذهبت إليها وفتحت باب الغرفة ووجدت علا نائمة وعلي بجانبها يمسح على جبينها بحنان.
-إيه الحنية دي كلها أنت وهي !... دا أنتو بتناقروا في بعض طول النهار!
ضحك علي وهو يقول:
"دي أختي برضو يا ماما أنا بس جيت من برا قولت أتطمن عليها وداخل أنام."
-طب يا حبيبي محتاج حاجة اتعشيت؟
-أه يا أمي متتعبيش نفسك... بابا راجع من السفر إمتى؟
-بيقول إنه راجع الأسبوع الجاي لو قدر ياخد أجازة كان عايز ياخد عمر معاه بس أنا رفضت... أنت وعمر رجالة البيت وكفاية أنت تمشي هو يبقى موجود وبتبدلوا سوا بدل ما حد فينا يبقى في البيت لوحده... يلا تصبح على خير.
أغلقت الباب وحين سمعت علا صوت إغلاق الباب همّت مسرعة إلى أحضان أخيها تجهش بالبكاء وهو ربت على ظهرها ويبادرها العناق وهو عيناه تتلألأ من الدموع:
"بس يا علا وطي صوتك ماما تسمعنا !"
بكت بانهيار شديد وحاولت إخفاض صوتها بقدر ما استطاعت، وظلت هكذا بحضن أخيها وهي ترتجف وتبكي ولأول مرة تجتمع الدموع بعينا هذا الحقير، عديم النخوة، كانت دموع قهره على أخته، لم يكن لديه علم بأن الكأس سيمر عليه ويشرب منه أيضًا مثلما أذاقه لغيره.
_____________________________
عاد عمر إلى يارا في المستشفى، يقضي ليلته بجانبها، أحيانًا يتحدث إليها وهي مغمضة العينين، وأحيانًا يتغمد الصمت، يقرأ لها آيات الله بصوتٍ هادئ، يرجو أن تجد السكينة والشفاء. وفي تلك الليلة السيئة، لم يكن هناك سوى الدموع التي تخطفها الألم والقلق، فهو يعرف أنه يتعين عليه أن يكون قويًا من أجلها، ولكن بداخله يعصف الخوف والضياع بدونها.
____________________________
كانت أسيل تبكي وللحظة تذكرت كلمات يزن لها فنهضت لتأتي بفرشاتها وتصنع شيئا ينسيها حزنها وما إن انتهت تملكتها الصدمة حيث اكتشفت أنها رسمت عيني يزن دون أن تدري !! لم تكن تعلم أنها ما زالت تحت سحر حضوره، رغم أنهما فصلا أجسادهما، إلا أن روحه كانت محاطة بظلالها.
بكت وبكت وهي تتذكر نظرته لها فكرت كثيرا أن تحدثه عبر الهاتف وتشرح له الأمر ولكن تتراجع بكل مرة قالت لنفسها:
"خلاص يا أسيل ...مشي يزن ومبقاش في حد هينقذك غير الموت خليه يمشي...هو برضو ملوش ذنب إنه يتحملني أنا كنت متأكدة إنه هيعترض ومش هيوافق على عرضي ولإنه ذوق محبش يكسفني بس دلوقتي دي فرصته إنه يخلع من الموضوع فسيبيله الفرصة دي... بس لو رجع....لو رجع !!...هو ممكن يرجع؟"
وضعت رأسها على الوسادة وأغمضت عينيها وهي تتمنى بداخلها أن يعود ،أن يخطئ ظنها ويعود أن يتمسك بها ....عد رجاءًا فقلبي ليس على ما يرام.
__________________________
في صباح اليوم التالي، استيقظت علا وهي محتشدة بالألم والقلق، مشطت خصلات شعرها بينما تتساقط الدموع بلا رحمة، جلست بكوب قهوة أمام نافذة غرفتها، وأغرقت نفسها في تفاصيل ليلة البارحة المروعة. لقد كادت تفقد كل شيء، كان قلبها ينزف الألم والخيبة، فشعورها بالخيانة كان أقوى مما تستطيع تحمله. كانت تتساءل كيف ولماذا؟ كيف يمكن للشخص الذي أحبته بكل مشاعرها أن يتسبب لها في هذا الألم الجارح؟ كيف يمكن للحب الذي بنت عليه أسس حياتها أن يتحول فجأة إلى جرح عميق؟
«عودة إلى وقتٍ سابق»
عندما دخلت علا منزله، وجلست معه على الطاولة، بدأت تشعر بالتوتر والاضطراب وسط محاولات أحمد اللاذعة للاقتراب منها، حيث لم تكن لمساته طيبة بل كانت مقززة وتنم عن شهوته وأفكاره الفاسدة.
رغم ذلك، استمر أحمد في التغزل بها وتقديم الطعام، وبدأوا يتناولونه سويًا في جو من الحب والعواطف، ولكن لم يكن هذا الجو كافيًا لإخفاء غزارة شهوته، التي اشتعلت عندما خلعت علا غطاء رأسها، فوقف وهو يراقب شعرها الأسود المنسدل، مُستَنشقًا جمالها بدقة، مما أظهر الجانب الحقيقي لشهوته وتلهفه.
-طب وهتفضلي لابسة الجلابية برضو... أنتِ لابسة إيه تحتها؟
-بنطلون وبادي بنص.
-طب يعني اقلعيها ده حتى الجو كويس أوي وفي تراوة كده متخنقيش نفسك أنا مش غريب !
بينما سمعت علا كلماته، قررت بالفعل الاستجابة له، وبدأت تخلع عباءتها ببطء، وكلما زادت محاولاتها في الإثارة، زاد أحمد اندفاعًا وشهوة، إذ بدأ يراها كزوجة في بيته، ومع مرور الوقت وازدياد الضحكات والمرح، أمسك أحمد يديها برومانسية وبدأ بقبلهما بشغف، ثم انتقل إلى ذراعها وبدأ يقبلها أيضًا، وبينما حاولت علا منعه، كانت مقاومتها تضعف تحت وطأة شغفه ولهيب رغبته.
قالت علا بتوتر محاولة منعه:
-لا يا أحمد... ابعد إحنا متفقناش على كده...
-أنا بحبك أوي يا علا... أنا بعشقك.. بموت فيكِ... أنتِ حبيبتي يا علا وروحي وعقلي وكل حاجة حلوة في حياتي... أنا مش بشوفك بنت بحبها بس لا أنا بشوفك مراتي وليا حق عليكِ... بحبك يا علا بحبك...
ثم عانقها أحمد بقوة، مستمتعًا بملامسة جسدها بتلك الطريقة، وفيما تحاول علا الابتعاد عنه والتماسك، يخفق شيطان الشهوة والمشاعر الضعيفة في داخلها، يقنعها بأن هذا هو الحب الحقيقي، وأن القبلات الرقيقة لن تؤدي إلى شيء غير ذلك.
لكن فاجأها أحمد بالاقتراب منها بشكل غريب، وأمسكها من وجهها، واقترب من شفتيها ليقبلها، وعلى الرغم من محاولتها الابتعاد بقوة، إلا أنها استطاعت أن تبتعد عنه بشدة، رافضة تلك اللحظة الغير مرغوبة والمرهقة ووقفت بغضب وهي تقول :
"أحمد الحاجات دي بعد الجواز عشان محدش فينا يضعف لحاجة وحشة بعدين."
فوقف هو الآخر وضمها إليه بشغف :
"طب وهو يعني إحنا مش هنتجوز؟... لا طبعًا يا علا هنتجوز أنا بتمنى اليوم اللي تبقي جمبي في الكوشة وتبقى مراتي قدام الكل أنا مش شايفك غير مراتي يا علا... أنتِ مش حاسة بالنار اللي جوا قلبي؟... يرضيكِ؟"
إلتفتت إليه وهي تقول بلهفة:
"سلامة قلبك يا عمري."
-يبقى تسيبينا نستمتع يا علا بجو رومانسي ولطيف جايبلك شموع ومشغلك موسيقى رومانسية و ورد عايزة إيه تاني؟
ضحكت علا وهي تبتعد عنه :
"بس أنا مبسوطة كده... "
عض أحمد شفتيه بغيظ، وشعر بمفعول الحبيبة يشتعل بداخله، دفعه ذلك للتقرب من علا بشكل أكبر، مصممًا على أن يقضي على شرفها في ذلك اليوم بغض النظر عن موافقتها أو رفضها.
لقد قنعها وأثار فيها الشكوك لفترة طويلة، حتى بدأ يشعر بالملل والاستياء، فانفعل بصوت عال، مبديًا استياءه وضجره من محاولاتها الدؤوبة في إقناعه لسبب رفضها أن يحدث ذلك الأمر الشنيع قائلاً بصخب:
"يعني إيه مينفعش ها؟!"
-أيوة يا أحمد مينفعش ده بيحصل بعد الجواز أنا جيتلك عشان وحشتني لكن إحنا متفقناش إنك هتقرب مني... يا حبيبي أصبر بعد الجواز ومفيش حاجة في الدنيا هتقدر تمنعنا عن بعض.. بس أنت تعالَ اتقدملي وأنا وأنت هنبقى أسعد زوجين في الدنيا.
بدأ أحمد يغصب بشدة، محاولًا التغلب على حرارة جسده التي أثارها المنشط الذي تناوله قبل وصول علا، ويخاف من زوال مفعوله دون أن يحدث بينهما أي شيء !
-بقولك إيه يا علا... أنا مبحبش الخنقة دي... ما كنا نتكلم في التلفون أحسن.. إيه اللي يخليكِ تيجي لحد بيتي وتقلعي وتقعدي معايا غير إن أنا وأنتِ نعمل اللي في دماغنا !!
بلعت علا ريقها من صوته خائفة نوعًا ما وأردفت بقولها:
"وأدينا اتبسطنا أهو يا أحمد ! اتفرجنا على فيلم وكلنا سوا ورقصنا... مش لازم الحاجات التانية دي...لما أبقى مراتك ابقى اعمل اللي أنت عايزه ومش هقولك ليه حتى بس دلوقتي مينفعش ده أنت حتى مش قاري عليا فاتحة ولا شابكني بحاجة والواد اللي قولتلك عليه ده بيلحقني في كل حتة لسه.
-بقولك إيه يا علا أنا مليش دعوة بالكلام ده... متضيعيش كيفي بالكلام الاهطل ده !... هتيجي بالذوق ولا أجيبك بالعافية؟
اتسعت عيناها بدهشة من كلمته ورددتها بخوف:
"بالعافية ! "
وجد نفسه قد أخافها بتلك الجملة وهو يريدها بإرادتها فحاول أن يلطف معها بقوله:
"مهو أنتِ مش راضية تخلينا مبسوطين.... "
اقترب منها محاولاً تهدأتها بصوته الحنين قال :
"يا روحي مش قصدي... بس بقول إن اللي بيحب حد مش بيرفضله طلب... وأنا عاوز الليلة دي تبقى أجمل ليالي حياتنا ومش هنعرف نكررها تاني لإن دايما البيت بيبقوا أهلك فيه ومش بتعرفي تخرجي ومرواحك ومجيك بيبقى بمواعيد فدي الطريقة الوحيدة اللي ينفع نشوف بعض فيها وإحنا مرتاحين وأنتِ عاوزة تبوظيها."
اعترضت على قوله فأردفت قائلة بعند:
"فين اللي بوظتها ده يا أحمد؟... ما القعدة لطيفة وكويسة أهي ؟هو لازم يعني يحصل اللي في دماغك عشان تبقى قاعدة حلوة... مقدرش أعمل كده كله بأوانه لو اديتك اللي أنت عايزه دلوقتي هديك إيه بعد الجواز ! وأنت عارف إني كل اللي بعمله ده مش من طبعي أساسا بس بعمل كده عشانك وعشان بحبك لا عمري روحت شقة راجل ولا قلعت حجابي قدام راجل بس كل ده عشان حبيتك فمتعملش حاجة ممكن نندم عليها بعدين لإن...."
جذبها نحو جسده بقوة وقد وصل إلى حد الغضب ولا يرى أمامه شيء سوى الاعتداء على تلك الفتاة العنيدة قائلاً بغضب:
"أنا ميهمنيش الكلام ده يا علا... كل اللي عاوزه شيء واحد وهاخده الليلادي يعني هاخده وشوفي مين هيوقفني؟"
أخذ أحمد يقبّل رقبتها بشدّة، بينما كانت علا تحاول بكل قوتها التخلّص من قبضته، ولكنه كان يمسكها بقوة من خصرها، وسط دموعها وصرخاتها، حاولت علا الفرار نحو الباب، لكن أحمد أمسك بها من قدمها وأسقطها أرضًا بقسوة، وبدأ بتمزيق ملابسها بطريقة وحشية.
بينما كانت تحاول علا الدفاع عن نفسها بكل قوة، ضربته بقدمها في وجهه بشدة، ولكن عندما سمعت صوت الطرق على الباب، حاولت علا الفرار وفتح الباب، لكن أحمد أمسك بها من شعرها وسحبها للوراء بقوة.
فاجأته بلكمة قوية على وجهه، ثم أمسكت بسكين من الطاولة وجرحت وجهه بجرح قرب عينيه، مما أدى إلى شعوره بألم حاد، بينما كانت علا تفتح الباب مستغيثة، ولكنها تفاجأت عندما رأت أنه "علي"، أخوها، الذي كان وراء الباب يطرقه !!
وسرعان ما ارتمت علا بحضن أخيها، تبكي بشدّة،في حين كان علي غير مصدق لما رآه، فقد جاء إلى صديقه أحمد ليستمتعا معًا بقطعة المخدّرات التي جلبها للتو، والآن يرى أخته خارجة من منزله بتلك الملابس الممزقة وهي تبكي بشدة بهذا الحدّ !
«العودة إلى الحاضر»
فاستفاقت علا من شرودها على يدّ علي، الذي مسح قطرات دموع عينيها بيديه قائلا بوجع:
" كفاية عياط يا علا...عدت على خير... مش عاوز أضغط عليكِ بس أنتِ إيه اللي ودّاكِ بيته في وقت زي ده؟!! "
عانقته بشدة وهي خائفة من ردة فعله إن علم بأنها تحبه و تتحدث معه بالسر دون معرفتهم لان هذه كانت رغبته إلى أن يكون جاهزًا ثم يتقدم لخطبتها و تتقابل معه بالخارج كثيرًا ولكن ترتعب من كشف الحقيقة أمام أخيها قائلة بخوف:
"مش قادرة أحكي ولا أتكلم يا علي دلوقتي أرجوك..."
________________________________
استيقظت يارا من نومها ووجدت فطور أمامها وعمر جالسًا بجانبها يقول:
"صباح الخير إيه النوم ده كله؟!"
ابتسمت حين رأته فأكمل وهو ينظر للطعام :
"أنا مبحبش أكل العيانين ده.. بس أنتِ لازم تاكليه."
ضحكت يارا بألم :
"ولا أنا بجد شيله من قدامي."
أمسك بلقمة وهو يوجهها نحو فمها ويقول بترجي:
"شوية بس لقمتين بس عشان خاطري أنتِ ما كلتيش من إمبارح ..يلا عشان خاطري."
نظرت إليه ووجدت نفسها تأكل من يديه مستمتعة باهتمامه بها حتى لو لم يكن اهتماما مصدره اعجابا أو حبا يكفي أنه يهتم بها فقط.
ثم تسائلت عمر بفضول قائلة:
"هو أنا هنا من إمبارح؟"
أجابها عمر مؤكدًا بقوله:
"أيوة جبتك المستشفى وبتّ معاكِ الليلة دي. "
قالت بألم يظهر بعينيها قائلة:
"وماما؟ "
-فالحقيقة أصرّت جدا إنها تيجي.. بس أنا قولتلها متتعبش نفسها وإن المستشفى بتسمح بجلوس شخص واحد مع المريض وبدل ما تفضل طول الليل برا أنا أحسن واخد بالي منك أكتر طول الليل.
لم تقتنع بإجابته ولكن تغاضت عن التفكير في هذا الأمر .
-يلا عشان تروحي... عرفت إن خطوبة أسيل النهاردة ألف مبروك ليها وصلي لها سلامي ولو عرفت آجي إن شاء الله هاجي.
-الله يبارك فيك... أنا عارفة يا عمر إنك مشغول النهاردة... بس ممكن تيجي النهاردة الخطوبة؟... أنا معرفش ظروفك هتسمح ولا لا.. بس أنا فعلاً محتاجاك جمبي النهاردة.
ضحك وهو يغازلها :
"لا ده إحنا نلغي أي حاجة ده لو هقابل رئيس الدولة هلغي معاه قصاد إني أفضل جمب القمر ده... بس قوليلي يا يارا.. هما الحوامل بيحلووا؟.. أنا اسمع إن مناخيرهم بتكبر هالتهم بتكتر إنما الحلاوة دي أول مرة أشوفها في ست حامل و العينين زي ما هي حلوة أوي كده ! "
صمت عمر لدقائق متأملًا في تلك العيون الجذابة، وكأنه يستنشق كل تفاصيلها بدقة وعمق، وفي هذه اللحظة، شعر بأنه لم يلاحظ جمال عينيها طوال تلك الفترة الطويلة. والآن، وهو ينظر إلى عينيها، كأنه يراهما للمرة الأولى في حياته، كمية الإعجاب بجمالهما أثرت فيه بشكل عميق، مما جعله يتساءل: هل هذه عيون إنسان أم ملاك؟ بالفعل، يبدو أنهما خلقا بأناقة وجمال لا يصدق، وكلما اعترفت عينيها بحبها وإعجابها به، زادت عينيه بريقًا وعمقًا يجعل قلبه ينبض بقوة.
وفي تلك اللحظة، كانت نظرات يارا تكشف كل مشاعرها تجاهه، كانت تنظر إليه بحب صادق وإعجاب لا يخفى، وكانت تلك النظرات تعبر عن كل مشاعرها المتدفقة نحوه، بينما كان عمر يحاول فهم هذه النظرات العميقة والتي تحمل في طياتها كل حبها واهتمامها به. لم يكن عمر يدرك كل هذا الوقت الطويل الذي مر بها أنها كانت تحمل مشاعر الحب نحوه بشكل متواصل وعميق، حتى وصلت إلى حد العشق.
وبعد أن انتهوا من تناول الطعام، قاما بالتوجه سويًا إلى المنزل،وقبل رحيله سأل عمر عن مصطفى، فأخبرته رحاب أنه سافر في رحلة ولم يعود حتى يعاود الدراسة وينضم لجامعته هو ويارا.
واتفق عمر مع يارا بأنه سيأتي على موعد الخطبة ولن يتركها.
____________________________
ذهبت هدير إلى منزل مصطفى بمساعدة من "فارس"، وقبل دخولها، طُلب منها بطاقتها الشخصية من قبل الأمن. أوضحت لهم أنها جاءت لخدمة عائلة شريف الجوهري، فوافقوا على دخولها، حيث كان يومًا مزدحمًا لرحاب بسبب زيادة الخدم المستدعاة.
استقبلتها خادمة وبدأت بتناول بعض الأشياء لنقلها ومساعدتهم. وأثناء عملها، نادتها "سعدية" كبيرة الخدم، وسألت عن هويتها فتقدمت هدير لتعرفها بنفسها وبعد أن انتهت ألقت سعدية أوامر المنزل وحذرتها بأن هناك كاميرات تراقب تحركاتها وإنها يجب أن تكون أمينة لتكسب ثقة المكان . وتم توجيهها للعمل بيومية محددة، وتم التأكيد على أهمية الأمانة وضرورة إحضار بطاقتها في حال الشك.
بدأت هدير بارتداء زيّ الخدم والمشاركة في تجهيزات الخطبة، وخلال عملها، بدأت تفكر في لقاء مصطفى. لكن لماذا لم يظهر؟ وسألت واحدة من الخادمات عن هوية أفراد العائلة. فشرحت لها أن رحاب هي صاحبة المنزل، وأن مصطفى، أخو يارا، في رحلة ولن يحضر الخطبة. وأكدت أن أسيل، ابنة شريف،صاحب المنزل والتي خطبتها اليوم .
بينما كانت هدير تعمل، شعرت بالحزن لعدم وجود مصطفى وسفره المفاجئ فقدت الأمل في رؤيته في تلك اللحظة، لكنها أصرت على متابعة عملها حتى نهاية الخطبة. كانت تعتقد أنها لم تخسر شيئًا، فسوف ترى مصطفى في يوم آخر أكيد، تشعر بالاشتياق له كثيرًا ولكن تحاول معارضة شعور قلبها.
_______________________
وقفت تتأمل الفستان بحزن لا تريد تلك الخطبة وإذا قالت هذا الرأي فلن تسمع له رحاب... لا تريد خطبة أمير هذا... فهي تقرف منه.... ولا ترتاح معه مطلقا... أين أنت يا يزن.. قد اشتقت إليك... لا أعلم ماذا فعلت بقلبي ليصبح متعلقا بك إلى هذا الحد ويكره الليالي التي تكون لست بها، كيف لك أن تصبح جزءا مهما بحياتي بوقت قصير كهذا ثم تختفي فجأة ؟!
ارتدت الفستان وجاء موعد الخطبة وتفاجأت بأنوار المنزل قد أغلقت تماما خافت بشدة وذهبت إلى هاتفها لتضيء كشافه الشخصي ولكن وجدت شخص يفتح نافذة غرفتها ويقفز بداخل غرفتها فرفعت الضوء عليه برعب وتفاجأت بهوية هذا الشخص !!
إنه يزن !
كان يزن يكفكف يديه وهو يقول بفخر ومرح:
"المرة دي كانت أسهل من المرة اللي فاتت... بعتقد إني مع التدريب هبقى محترف الدخول من شبابيك الغرف ولا أنتِ إيه رأيك؟"
رأيكم بالبارت يهمني
توقعاتكم هيحصل اي
دعاء ليه عملت كدا في يارا؟
هدير هتشوف مصطفى؟
يزن كان فاهم لعبة رحاب ولا حد وضحله الحقيقة؟
علي هينضج بعد ما شاف حالة اخته والي جرالها ولا هيفضل زي ما هو؟
علا هتقدر تتخطى الي حصلها؟
عمر هيعرف بلي حصل لاخته؟؟؟
مواعيد الرواية سبت واتنين وأربع
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم مريم الشهاوي
|-رأيت ابنتي|
صلوا على الحبيب
ثم جاءت الكهرباء واضاءت الغرفة، ودهشت أسيل من وجوده والطريقة الذي دخل بها وابتسمت بسعادة قبل أن تركض لتعانقه. اندفع يزن للخلف من قوة اصطدامها به وتعلقها برقبته وعندما أدرك ما فعتله حاوطها بذراعيه باشتياق وهو مبتسم ويستنشق رائحة شعرها.
شعرت بأن روحها انعشت بوجوده بجانبها. ثم رفعت رأسها، نظرت له بعيون مليئة بالفضول والحب، تسأله عما دفعه للحضور، وهل كان يصدقها فعلاً؟
يزن أمسك بذقنها وأجاب بنبرة مليئة بالحنان والصدق:
"لو في الفترة دي مكنتش عرفتك وقدرت أعرف طنط رحاب كويس... كان ممكن أصدّق فعلًا... لكن أنا حافظك يا أسيل، وبعدين تخيلي مني أي حاجة غير إني أبعد عنك... دنا وصلتلك بالعافية متخيلة هبعد بالسهولة دي!"
واستمر بالنظر إليها بعيون تعبر عن الحنين والحب ثم قال مازحًا:
"يلا ننزل ونجيبلهم جلطة."
ضحكت ثم أمسكت دفترها وكتبت به:
"وعملت إيه في أمير؟"
شرد يزن وهو يتذكر مكالمته الأخيرة مع مازن الذي دبر معه الخطة بشكل مضبوط ثم نظر إليها وقال بصوت يملؤه الحنين:
"مش مهم... المهم إني أنا اللي موجود بداله.. ولا أنتِ إيه رأيك؟ "
ابتسمت بخجل وانتبه يزن لفستانها البنفسجي، أعجبه كثيرًا، فأخرج صفيرًا ليعبر عن إعجابه بها
ورجع خطوات للخلف وهو ينظر لثوبها الجميل الذي كان به بعض الورود الزرقاء عند الخصر والكتف
لم يكن جميلًا إلى حد ما ولكن بمجرد أن ارتدته هي أصبح أجمل ثوب على الإطلاق.
_________________________
وقفت رحاب متألقة بين صديقاتها، تنثر الضحكات بكل فخر وثقة. عرّفتهم على عمر، الذي كان يبدو كرجل أعمال بامتياز، حيث يعمل بجد مع والده في شركة مرموقة في مجال الهندسة المعمارية. تألقت مظاهره بأناقة، فكانت بذلته تضفي عليه جاذبية لا مثيل لها. أما يارا، فلم تلجأ لكميات كبيرة من مستحضرات التجميل، لكن جمالها الطبيعي كان يفتن الأبصار، واعتمدت تسريحة شعر بسيطة بتجميع خصلاتها للأعلى، وكان فستانها واسعًا ليخفي أي ملامح لبطنها التي بدأت تَكبُر من الحمل. كانت هادئة وثابتة في وجود عمر بجوارها، ما يعكس راحة وثقة لا تضاهى.
وفجأة اشتعلت الموسيقى وتفاعل الجميع بفرحة، عند قدوم أسيل ويزن من الأعلى فالتفتت رحاب وأصابتها صاعقة مما رأته !!
ووقفت رحاب بدهشة لا تصدق بأنهما هما المتواجدان. بحثت عن أمير وعائلته بلا جدوى، ووجدت عائلة يزن تقف بجانبه بينما رمقتها يسرى بنظرة ساخرة. استمرت في مشاهدة يزن وأسيل وهما يستقبلان التهاني، مشعرة بالارتباك والحيرة. حاولت الاتصال بأمير وعائلته، لكن وجدت هواتفهم مغلقة، ما أثار انزعاجها وقلقها. كانت تتساءل لماذا لم يخبرها أمير برفضه الزواج منها، وكيف يحدث كل هذا دون علمها. تتخيل مصير أسيل مع يزن، وتشعر بالقلق من أن تنعم بمصير مشابه لوالدتها، قبل أن يقاطع أفكارها صوت شريف زوجها قائلًا:
"أنتِ مش قايلة إن أمير اللي جاي؟"
أجابته بتوتر:
"مهو أنا مش فاهمة حاجة يا شريف... أنا اتفاجئت بيزن زيك كده... مش عارفة إيه اللي حصل وإزاي وليه أمير مش بيرد !!"
-طب مفيش وقت دلوقتي لكل ده يزن ، أمير مش هتفرق المهم أسيل هتتجوز شخص وخلاص... تعالي عشان تسلمي وتباركي ليهم ونستقبل الناس.
خرج شريف يرحب بصديقه عبد الله والد يزن وعائلته. وبارك لابنته كالغريب حتى إنه لم يعانقها!
أردفت معه تهنئ مثله ورمقت يزن بنظرات مريبة منذ لقائهم الأول لم تسترح لهذا الكائن ظلت تراقبهم وهي ترى يزن يضحك مع أسيل ويهمس لها في أذنيها كثيرًا وكانت تغار كثيرًا من أسيل وكأنها حبيبة يزن سابقًا او شيءٍ ما ولأن أسيل أجمل منها،تشعر معها بالنقص فهي تحاول أن تخرب حياتها مثلما فعلت مع قمر التي كانت تجذب جميع الناظرين بجمالها الخلاب وبينما كانت رحاب أيضًا جميلة ولكن لا ترى ذلك في نفسها و لا تعلم.
إنك تكون جميلًا حينما ترى نفسك جميلًا تتحول نظراتك لنفسك إلى نظرات الجميع إليك فإذا رأيت نفسك قبيحًا وتحتاج لبضع تعديلات بجسمك أو بوجهك فسترى الجميع يلاحظون تلك الاشياء وستوهِمُ نفسك بأنهم لاحظوا هذه العيوب حتى وإن لم يبينوا لك ولكن النقص الذاتي يجعلك تتوهم ذلك ارضى بشكلك أيًا كان وثق بأن شكلك دون تعديلات أو إضافات منك هو خلقُ ربك والله خلق الجميع في أحسن تصوير .
جلست أسيل مع يزن والجميع يرقص أمامهم فتوجه مازن إليه وهي يضحك قائلًا:
"أنا عمري ما تخيلت إن دماغي أنا وأنت لو اتجمعت سوا هنعمل الهباب ده !!"
ضحك يزن مردفًا:
"المهم اوعى تكون اتقفشت ؟"
-عيب عليك... دنا يدوبك حطيب عليه السكينة وصورته كام صورة بعتهم لأهله وقولتلهم اللي قولتهولي لقيتهم بايعين وبيقولولي إنهم مش راضيين بأسيل أصلا بسبب إنها مش بتتكلم وإن أمير اللي كان مصرّ و أقنعهم بالعافية وأمير أول ما شاف السكينة قالي توبت والله ومش هتلمحني في البلد دي أصلا وإن كل اللي قاله كدب وإن طنط رحاب اللي قايلاله يقول كده.
ضحكوا سويًا بإنتصار خطتهم وظهرت زينة من الخلف وهي تقول ليزن :
"مبارك ياخويا.. ولو إني مكنتش راضية على اللي بتعملوه ده بس أهو طلع كلامك صح."
قال مازن :
"كنتِ عاملة الماسك ضيق أوي !"
-أعملك إيه ؟؟واحد داخلي في نص الليل يقولي هعدي عليكِ الصبح تكوني عملالي ماسك بتوع الناس اللي بتخطف عشان متعرفش.. يعني جوزي عايز يخطف وعاوزني أشاركه في الجريمة.. والأكبر لما عرفت إن أخويا اللي عارض الفكرة ودبروها سوا أنا دكتورة محترمة ولو بإيدي كنت رمتكم في السجن.
قال يزن :
"إيه يا زينة اهدي كده ماهو دكتور برضو وخطف !"
قال مازن مازحًا :
"بس تعرف يا واد يا يزن... أنا طول عمري نفسي أعمل كده أنا جوايا جين إجرامي لو طلعته مش هعتق حد !"
صرخت زينة بوجههم:
"لا أنا مش قادرة أسمع...أنا هتجنن منكم خلاص..لو اتكرر تاني والله لابلغ عنك و أدخلك السجن وأنت أرفع عليك قضية خلع وأرميك وراه !"
ذُهل يزن وقال:
"خلع يا زينة !...خلع !!...ما أه رجعتي مصر بوظتي تاني."
أردف مازن قائلًا :
"لا مصر مش بتبوظ أختك بايظة من الأول !"
رمقه يزن قائلًا بصخب:
"أنا أقول أنت لا دي أختي أنت تعرفها عشان تهزر معاها؟"
-مراتي مثلًا!
قالت زينة بغيظ:
"بايظة !...طب يا حبيبي روح اتجوز السليمة...مرضاش تتجوز بايظة."
عانقها مازن بحب :
"يا قلبي وأنا أروح لمين يصلحني؟ مانا بايظ أنا كمان وياه بقى لو نجيب عيال بايظين(تنهد بقوله) أجيبهم بس البايظين دول أشمهم بس أخوكي مش رايد يكون خال أبدًا !!"
نظرت زينة لأخيها بتوتر:
"طب يلا من قدامه أحسن ما يطلقني منك بجد!"
ركضوا الاثنان بعيدًا عن يزن
ضحك يزن وبحث بطرف عينيه عن أسيل، ليجدها تضحك مع يسرى والدته. استغل هذا الانشغال وصعد إلى الأعلى، مستهدفًا غرفة مكتب شريف مجددًا. فتح الباب، ودخل الغرفة ثم أغلق الباب ببطء يراقب بأن ليس هناك أحدًا يراه. كانت نافذة غرفة أسيل بجوار شرفة مكتب شريف في الجهة اليمنى، بينما كانت شرفة غرفة مصطفى في الجهة اليسرى وأثناء انتقاله لغرفة أسيل لمح بعينية زجاج الشرفة وَمن بداخل الغرفة فوجد مصطفى بها رغم معرفته بأنه قد سافر مثلما يقولون بالأسفل، مما أثار فضوله وقرر حل أمور أسيل والعودة إليه. تشبث بالحائط وتحرك ببطء حتى وصل إلى سور الشرفة، أدخل قدماه وهبط بها، ثم نظر إلى باب الشرفة وفتحه بسرعة، ونظر لمصطفى مكبلًا بالسرير مربطًا بتلك الأحبال وهو يتساءل عن هيئته وسبب ربطه، متسائلاً عن الفاعل؟؟
اقترب منه ورآه نائمًا فأصابه القلق من أن يكون قد حدث له أمر ما هز كتفه بيديه لينتفض مصطفى بفزع وخوف وينظر إليه مرددًا اسمه بصدمة :
"يزن !"
تحدث يزن بقلق وهو يتفحصه بعينيه:
"مصطفى !! أنت إيه اللي رابطك كده؟! وليه مش معانا تحت؟ ليه قالوا إنك مسافر وأنت هنا مربوط...!"
انتابته دموع الحزن واليأس، فبكى بشدة، وهو يشعر بالقهر، حزنًا على نفسه، مشاعره متخبطة ولا يدري كيف يخبره بأن والدته هي من حبسته وربطته بتلك الطريقة، بهدف منعه من النزول للأسفل، مخافةً أن يظن رفاقها بأنه مجنون.
فشعر يزن به كونه رجلًا مثله ولم يضغط عليه بالحديث، فبدأ بتحرير يديه وقدميه من الأحبال. بعد ذلك، عانقه يزن بكل حنان، وظل يواسيه دون أن يعرف سبب هذا الحزن العميق. كان مصطفى يشتاق لصديق يعانقه ويواسيه، تمامًا كما كان يفعل شهاب في الماضي.
_______________
وسط الأجواء المحفلة بالأغاني والرقصات، شعرت أسيل بالنقص والإحباط لكل من تحدث معها دون أن تستطيع الرد أو التعبير عن مشاعرها في دفترها. وفجأة، ظهر يزن أمامها بعد غياب قصير، لتشعر بالارتياح لوجوده.
وأثناء رقصها مع يزن، وهي تنظر إليه بابتسامة متوهجة، كانت تشعر بسحر نظراته الجاذبة إليها.
همس بأذنيها قائلًا بلطف وتمني صادق:
"ياريتني بقدر آخد عينيكِ معايا وأنا مروح."
ضحكت بخجل فأكمل يزن :
"أنا مش مصدق إني أخيرا حصلت عليكِ.... مكنتش مصدق إني في يوم من الأيام هحط دبلة في إيدك !... أنتِ كنتِ أبعدلي من نجوم السما ولكن أقدارنا كانت مكتوبة وكل اللي كنت بتمناه جوايا حصل وبسرعة... أنا دلوقتي واقف قدامك بالبدلة وأنتِ قدامي بالفستان وعقبال ما يبقى الأبيض."
كلمات يزن، وهو ينظر إليها بعيون ملتهمة، كانت كالسحر يسحرها ويجعلها تخفق قلبًا بشدة، مما أثارت فيها مشاعر غريبة ومختلطة.
هل كان هذا الشعور الذي يراودها دليلاً على أن علاقتها بيزن ستتطور؟ هل ستقع في حبه يومًا ما، أم أنها قد وقعت بالفعل في حبه دون أن تشعر؟
وبعدما انتهوا من الرقص، ارتديا بعضهما خواتم الخطبة بسعادة غامرة، فنسيا لحظةً أن جوازهما صوري، وغمرتهما فرحة الاعتقاد بأن كل ما حدث حقيقي، وكأنهما على وشك البدء في حياة جديدة معًا.
_____________________
وقف مصطفى في المطبخ، يشرب ليهدأ أعصابه، مخافةً من خروجه وحدوث أمر مريب، أو من رؤية شهاب فيجن مرة أخرى. كان يتساءل إذا كان صحيحًا أنه طاوع يزن ونزل للحفل؟
وبينما كانت جميع الخدم حديثين في المنزل، لم يعرفه أحد، وكان المقيمين منشغلين فوق. فوقف يتنهد وهو يراقب الحفل من بعيد، وفجأة تعلقت عيناه بـ هدير التي وقفت أمامه مذهولة من وجوده.
هتفت باسمه، فابتسم وردَّ قائلاً:
"هدير، أنتِ هنا؟"
تحدثت هدير بعفوية تخرج منها:
"جيت عشان برن عليك مش بترد، قلقت ليكون جرالك حاجة، وعرفت آجي بيتك."
اقترب مصطفى منها بسعادة تملأ وجهه، وقال:
"أنا مبسوط أوي إنكِ موجودة، حاسس براحة بعد ما كنت قلقان... خليكِ يا هدير هنا، متمشيش."
ابتسمت هدير وقالت له:
"مش همشي... أنا جمبك."
نادت عليها أحد الخدم، فاسرعت متجهة للعمل معهم، بينما تحرك مصطفى نحو صالة الحفل. دخل على أسيل ويزن ليبارك لهم، تحت ذهول أسيل لأنها كانت تعلم بأنه سافر، ولكن متى عاد؟
____________
كان عمر يسير بالممر بعدما كان بالمرحاض ومتجه عائدا ليارا التي تنتظره بصالة الحفل، لكن فجأة شعر بشخص يسحب يديه للوراء ويقفه أمامه. حين التقت عيناه بعينيها، اندهش:
"مودة بتعملي إيه هنا؟"
أجابت:
"جاية عادي، اتعزمت فجأة... عمر، انت قابل تكون علاقتنا انتهت كده؟"
أوضح عمر:
"ما كانش فيه علاقة أصلاً يا مودة... دي مكانتش علاقة، دي كانت خناقة، وماكناش مكملين مع بعض يومين من غير خناق... مودة، أنتِ مش نهيتي اللي بينا، جاية تتكلمي معايا ليه؟"
ردت مودة بدموع:
"جاية عشان بحبك... عشان عرفت كل حاجة ومستعدة أساعدك تتخلص من المصيبة اللي أنت فيها ونشوف حل سوا وإحنا مع بعض وحبنا يدوم أنا عرفت إن مكانش ذنبك أي حاجة."
-عرفتي إيه؟؟
روت له كل ما قاله علي فأردف عمر غاضبا:
"ومين اللي قالك كده !!!"
همست بحب :
"مش مهم مين قالي...المهم إني عرفت الحقيقة."
انعقد حاجبيه مستفسرا:
"اللي هي؟"
أمسكت بياقته وقربته إليها واقتربت منه بوجهها وداعبت أنفها بأنفه قائلة بشوق:
"إنك لسه بتحبني وبتموت فيا."
نظر عمر إليها وقلبه يدق بعنف وظل ثابتا مكانه ينظر بعينيها.
تراقبت يارا المشهد من بعيد، وقلبها يتألم بسبب مشاهدتهما. سمعت آخر نقاشهما وأسرعت للخارج، تاركة قلبها يثقل بالأسى أكثر من السابق.
أمسك عمر بيدها وأفلتها من قميصه ثم رمقها بنظرة لم تفهمها وغادر من أمامها فأوقفته مودة باستغراب:
"أنت خايف منها ،خايف تفضحك صح...يا عمر ...عمر."
أجابها وهو معطيها ظهره قائلا :
"أنا بحبها."
أخرستها كلماته واتسعت عيناها ودمعة حارقة نزلت منها بينما أكمل عمر سيره بعيدا وهي عيناها متسعتين بذهول هذا ليس عمر...لا ينظر إليها بشغف مثل قبل نعم ،هي لم ترى حبه إليها بعينيه رأت حبا آخر ولكن ليس لها ليارا.
قبل خروجها من المنزل، أوقفتها رحاب. "إيه يا مودة.. بتعيطي ليه؟"
بكت وهي تصرخ بوجه رحاب:
"أنتِ مقولتيش ليه إنه حبها... عمر بيحب يارا... ومادام بيحبها مفيش حاجة هتقف قصاده."
-مانا عارفة إنه زفت... ومن زمان كمان... لكن أنا مش عاوزة العلاقة دي تكمل... استحالة أناسب عيلته اعملي أي حاجة يا مودة... رجعيه ليكِ ده الرجالة بتقع بسهولة بيكونوا متجوزين وستات بتلعب عليهم ينسوهم مراتاتهم."
"بس مش عمر ....اعفيني يا مدام رحاب من اللعبة دي... أنا هنسحب ومش هرجع تاني..."
تركتها وذهبت للخارج، فضمت رحاب يديها بغضب قائلة:
"وبعدين بقى في شغل العيال ده."
بكت مودة بسيارتها :
"أكيد علي دارى على أخوه....والحقيقة هي إنه خاني معاها وبيحاولوا يداروا الموضوع...أنا بكرهك يا يارا بكرهككك...وعمر كمان كلكوا مقرفين."
رن هاتفها وكان علي فحذرت رقمه وجميع أرقام عائلة عمر وانهتهم من حياتها لتبدأ من جديد بعيدا عن كل تلك الأكاذيب.
_____________
ذهبت رحاب لتكمل الحفل، وبينما كانت أغاني الحفل هادئة وراقية ، تفاجأت بصوت أغاني عالي وصاخب لأقصى درجة يهتز بين جدران المنزل، وبدأ مازن وآدم يقفزان بحماس ويشعلان جو الحفلة برقصهما وبالرغم من كسر قدم آدم إلا إنه لم يجعله عائقا لاستمتاعه بالحفل وقفز على قدم واحدة. انضم الجميع إلى هذه الفرحة، وسرعان ما انضمت أسيل وزينة إلى صفوف الراقصين، متحولةً بذلك من جانب الاستمتاع إلى جزء من الفعاليات.
تحدث يزن بدهشة:
"يالهوي، مازن مشغل مهرجانات في حفلة زي دي... فضحتونا !"
ضحكت يسرى وأجابت:
"وهو اللي بيدي في الحفلة، روح غير الأغاني دي... دول كانوا مشغلين أغاني ننام عليها."
فقال يزن بتنبيه:
"طيب متضغطوش على أسيل عشان انطوائية وملهاش في الكلام ده، يعني لو اتكسفت ترقص متضغطوش عليها."
-منضغطش عليها؟... طب بص عليها هي وزينة كده.
نظر يزن برفق إلى أخته ولأسيل، وذُهل حين رآهما يقفزان ويرقصان بفرحة، وأسيل تبتسم وترقص بإنتعاش .
ضحك عبد الله وقال: "يا عيني ده البت عندها كبت، يلا يلا روح أرقص مع خطيبتك وخلي الواد مازن يخف هيبرة هو وأخوه شوية عشان اتفضحنا، ولا أقولك... ده الصالة كلها هيبرت المعازيم، ما صدقوا حاجة ترد الروح بدل العزاء اللي كنا فيه."
ضحك يزن وتوجه لأسيل بسعادة، وكان سعيدًا للغاية بأنه جزء من هذه الفرحة التي أدخلها إلى قلبها، لم تكن صلبة أو حادة في التعامل كما ظن البعض، بل كانت لطيفة للغاية، فقد عانت الكثير وتريد الخروج من هذا السجن وتفريغ طاقتها السلبية التي استمرت لسنواتٍ.
وفي نصف هذا الضجيج والفرحة والأصوات العالية كان مصطفى يبحث عن مكانٍ هادئ لأنه يخشى الأصوات الصاخبة فذهب خارج المنزل بسرعة وركض بعيدًا عنه وتفاجأ برؤية هدير جالسة على الأرض تبكي.
ذهب إليها بقلق وسألها:
"هدير، أنتِ بتعيطي ليه... حد ضايقك؟"
أجابت بحزن:
"لا، أنا كويسة... عن إذنك."
أوقفها:
"لا يا هدير، مش هتمشي... أنا كنت بدور عليكِ... أنتِ بتعيطي ليه... أنا ضايقتك في حاجة؟ حد ضايقك؟"
صاحت بوجهه تتهمه:
"أنت بتحضن بنات عادي؟؟ أه مانت حضنتني ساعتها ليه مشكش إنك بتعمل كده مع كل البنات !"
انعقد حاجبيه غير مستوعبا:
"حضنت مين... أنا مش فاهم بتقولي إيه؟"
توجهت للرحيل:
"مبقولش يا مصطفى... وعاوزة أمشي."
وقف أمامها لمنعها من السير وقال:
"لا استني مش هتمشي إلا لما تقوليلي وتفهميني.. أنا حضنت بنت؟... أنا مبحضنش حد ولا أعرف بنت غيرك أصلا."
صاحت:
"وكمان كداب!"
فبرر بقوله :
"والله ما كداب... أنا فعلا معرفش بنت غيرك... شوفتيني فين وامتى وأنا لسه خارج من..."
صمتت هدير للحظة ثم قالت:
"أنا شوفتك بعيني دي وأنت بتحضن واحدة... هتكدب عيني؟.. قابلتها في الحفلة وحضنتها وكمان ضحكت معاها... هو أنت عشان غني يعني فيبقى ده عادي بالنسبالك معندكش دين؟"
فهم مصطفى ما قالته وضحك، ثم قال:
"قصدك يارا؟...."
فصرخت به بذهول:
"بتعرفني اسمها!!!"
"يارا دي أختي."
صمتت هدير للحظة ثم فهمت ما قاله وقالت بذهول: "يعني.. يعني إيه أختك؟"
فضحك:
"هو إيه اللي يعني إيه أختك!... هو مين فينا عاوز يتعالج؟"
هدير بدأت تفكر بعمق، تحاول تصور ما قاله مصطفى، وبدأت تتضح لها الأمور بشكل أكبر وتذكرت تعريف كبيرة الخدم للعائلة فقد نسيت تماما أن مصطفى لديه أخت تدعى يارا لعدم تركيزها بالكلام أثناء ما كانت تحدثها سعدية.
فقالت بحرج:
"أه صح ده كبيرة الخدم سعدية قالتلي إن ليك أخت إيه الغباء ده !!... طب طب يلا نرجع للحفلة عشان محدش يلاحظ غيابي."
لكن مصطفى لم يكن على استعداد للرجوع بعد.اقترح مصطفى وهو يحمل نظرة طموحة وودية:
"لا تعالي نتمشى شوية؟"
ابتسمت هدير وسارت بجانبه، وساروا معًا في الهواء الطلق، يتحاورون بأشياء ظريفة ويضحكون بحماس، وبينما كانوا يتجاوبون بالكلمات، كانت النظرات بينهما تعبر عن الكثير من المشاعر العميقة التي لم تعترف بها بعد.
لم يكن أحدهما يجرؤ على البوح بمشاعره، لكن الوقت الذي قضوه سويًا كان كافيًا لتعمق العلاقة بينهما ولتنمو بينهما حب أكبر وأعمق، وهما يخجلان من البوح به رغم معرفتهما بصحة هذه المشاعر.
وبهذا الشكل، تابعا مصطفى وهدير مشوارهما معًا، وسط أجواء من الفرح والترقب لما قد يحمله المستقبل لهما.
___________________________________
بعد أن دخل المرحاض أمسكت علا بهاتف أخيها وذهبت لسجل المكالمات تسمع المكالمة الأخيرة الذي اجراها مع أحمد، لأن خاصية هاتفه تسجل جميع مكالماته. أخذت الهاتف وذهبت إلى غرفتها تركض وفتحت سجل الصوت لتسمع المكالمة التي دارت بين أخيها وأحمد منذ قليل....
(دا تجسس وربنا نهانا عنه ماشي وحرام تمام يعني منروحش نعمل كده عشان بس الأطفال اللي بيقرأوا ليا)
-أنت بني آدم ***** كنت عايز تغتص ب أختي يا بن*****
-متشتمش عشان أنا كمان عندي لسان وممكن أشتم زيك... أه يا علي كنت عاوز أنام معاها ليك شوق في حاجة؟!
-يا بجاحتك يا أخي... لو بطل ودكر كده كنت تفضل في شقتك.
-مانا بطل ودكر غصبًا عن عين أهلك وأجيلك يابن****** أعرفك بتتكلم مع مين كده؟
-دنا هجيب أخويا ورجالة المنطقة ونيجي نفشفشلك عضمك بس أنت جرب تدخل المنطقة كده ولا تعتب فيها تاني.
-لا أجرب وماله؟... طب ما نعرّف أخوك اللي فارحانلي بيه ده ها؟... نعرّفه أخوه المحترم كان بيعمل إيه؟.. أنت ناسي يلا إنك كنت بتعت دي علبت كل مرة، أنت وأمك ال****** بتنيموها والله أعلم أمك بتعمل إيه هي كمان؟... لو ناسي أفكرك.
صمت علي للحظات فتحدث أحمد
-إيه سكت ليه؟ وهو اللي في بطن يارا ده مش ابنك؟ ولا شكلها مدوراها؟
-أنت عارف يا أحمد لو فتحت بوقك بكلمة والله ما تصحى تاني يوم وأنت عارفني مجنون.
-طب ما نفضها سيرة وأنت تكتم اللي حصل مع أختك وأهي لسه بنت بنوت ملحقتش ألمسها وأنا أكتم عليك مع إن كتماني أنا أكبر لإنك خليتها حامل منك.
-خلاص اتفقنا.
-لا لا بس أنا مش مبسوط كده... أنا كده طيب أوي وأنا مش بتتاخد على قفاية وأنت متتضمنش بصراحة !
-يعني إيه مش فاهمك؟
-يعني واحدة بواحدة.
-أنت بتقول إيه يا أحمد وضح كلامك ؟؟
-يعني تنيملي أختك وتجيبهالي زي ما كنت بتعمل في يارا هعمل ويبقى إحنا الاتنين متصافين وليك عندي حتة(مخد رات) من برا مصر هتعجبك قصاد أختك إيه رأيك؟
________________
دخلت دعاء الحفل وبيدها تجر كرسي متحرك جالسة عليه امرأة منتقبة
همست دعاء لها بأذنيها:
"هتشوفي كل اللي أذوكِ هنا؟ متفتحيش بوقك يا قمر وهوريكِ بنتك زي ما وعدتك بس أرجوكِ ما تتكلمي أنا هفهمهم إنك خرسا عشان عارفاكِ لو فتحتي بوقك مش هتعرفي تتمالكي نفسك."
أجابت قمر من تحت النقاب:
"حاضر"
ألقت أنظارها لأسيل قائلة لها لتعرّفها بها:
"بصي أسيل هناك أهي اللي لابسة فستان بنفسجي واللي جمبها ده خطيبها."
نظرت لابنتها وسالت دموعها بوجع الفراق تريد أن تركض إليها تعانقها فقد مرت سنين وقد كبرت ابنتها الصغيرة المدللة♡.
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم مريم الشهاوي
|24-قلبه يبوح بصدق|
صلوا على الحبيب
توجه عمر يبحث عن يارا بجنون، مدفوعًا بحبه العميق لها ورغبته الملحة في أن يعترف بمشاعره قبل فوات الأوان. كان يشعر بضرورة أن تعرف يارا كم هو يعشقها، وأن تتوقف عن التفكير بأنه يشفق عليها ويتزوجها فقط لمساعدتها.
رن على هاتفها مرارًا لكنها لم تجب. ازداد قلقه وركض يبحث عنها بجنون، وكأنه فقد جزءًا منه. سأل الخدم وقالوا له إنها خرجت من المنزل، فاندفع للبحث عنها في الخارج. وأخيرًا، وجدها تسير تضم نفسها بذراعيها وتنظر بعيدًا. ابتسم بفرحة عندما رآها.
ثم ركض نحوها مسرعًا ووقف أمامها وهو يبتسم. نظرت إليه يارا بوجع، وقبل أن تتفوه بكلمة واحدة، تفاجأت به يعانقها بقوة وهو يستشقها بعشق مكتوم. بعد لحظات من الدفء بينهما، أبعدته يارا بهدوء فنظر عمر الى عينيها بفرحة وحب ومشاعر كثيرة تغمره.
استغربت من فرحته الهائلة ولكن بادلته بنظرات باردة وقالت:
"عمر، نسيت أقولك، أنا وافقت على أني أعمل عملية إجهاض للطفل، يعني أنت مبقتش مجبور تتجوزني زائد إني هفهّم ماما كل حاجة دارت وكل شيء يرجع زي ما كان. أنت ترجع لمودة وأنا كلها كام يوم وأرجع للجامعة ون..."
قاطعها عمر بذهول:
"إجهاض إيه اللي بتتكلمي عنه؟؟ لا طبعًا مفيش إجهاض هيحصل خطر عليكِ، أنت اتجننتي؟... أنا كنت هكلم بابا إنها تبقى خطوبة وكتب كتاب."
تحدثت بتعب:
"عمر، متتعبنيش عشان خاطري. أنا هبقى مستريحة كده... أنا موافقة وده كان القرار الصح في الأول. وبعدين مفيش أي حاجة تثبت إنه اعتدى عليا، أنا مش ببات برا ولا بسافر وأوقات ببات عندكم وبنبقى طول الوقت سوا، فإمتى حصل ده؟ فبدل ما يبقى عندي وسواس وفي النهاية أنا عارفة وأنت عارف وكلنا عارفين إن محدش هيجيب لي حقي مادام مفيش أي أدلة ولا حتى في حد مشكوك فيه، فسهلت عليا الطريق إني هجهض الطفل ده وأكمل حياتي وكأن شيئًا لم يكن."
ضحك عمر قائلاً بمرح:
"دي تخاريف الحمل دا ولا إيه؟ هما الحوامل بيخرفوا؟"
صرخت بوجهه:
"عمر، أنا مبهزرش!"
-ولا أنا بهزر، انت فعلاً بتخرفي. بتقولي إيه؟ من شوية كنت كويسة، إيه اللي جرى لك؟ وبعدين...
دموعها كشفتها ونزلت دون إذن منها. نظرت بعينيه وهي تقول بوجع معتاد:
"عمر، أنت كده بتإذي نفسك وبتإذيني معاك. أنت بعدت عن مودة غصب عنك عشان فهمتك غلط مع إنكم كنتوا بتحبوا بعض، وبتأذيني أنا بإني هفضل شايلة ذنب إني حرمتكم من بعض عشان أنانيتي. أنا مستعدة أفهمها كل حاجة وأقولها الحقيقة، بس ترجعوا لبعض وتكملوا حياتكم."
برر لها بقوله:
"لا أنا ولا مودة بقينا نفع نكمل مع بعض، لاني اكتشفت إني مكنتش بحبها وكنت هظلمها معايا."
زفرت بقوة قائلة:
"طيب مش هترجع لمودة، دي حاجة ترجع لك. سيبني، أنا مش عاوزة أكمل معاك. أنت ملكش ذنب في كل ده. روح شوف لك بنت تانية تحبها وتعيشوا سوا حياة مستقرة، أنا الحياة معايا هتبقى أسوأ من عيشتك مع مودة. فريح نفسك وريحني، أي حاجة بينا انتهت، روح عيش حياتك. أنت لو كملت معايا هتكون بتدمر حياتك بالبطيء وبتخسر كل حاجة."
أمسك عمر بذراعيها وقربها إليه حتى شعرت بأنفاسه تلامس خديها بلطف قال بصوت دافئ:
"لو أنا كنت متمسك بيكِ زمان بنسبة خمسين في المية عشان صاحبتي وعشرة عمر ومتربيين سوا، فأنا دلوقتي متمسك بيكي مليون في المية عشان حطي على كل دول إنك أصبحتي 'حبيبتي'.
اتسعت عيناها بصدمة ونظرت إليه بذهول، لا تصدق ما سمعته أذناها. ابتسم عمر وقال بهمس هادئ :
"أنا بحبك يا يارا، بحبك من زمان أوي بس أنا كنت مغفل ومعمي. مكنتش شايف إن كل تصرفاتي معاكِ دي حب، كله كان ملاحظ عدا أنا."
تبدلت مشاعرها وتشابكت، لا تعرف كيف تنظمها وتعيدها كما كانت. هل قال لها "أحبك"؟ هل أحبها مثلما أحبته طوال عمرها؟ هل شعر بمشاعرها أخيرًا وقرر الآن أن يبادلها هذا الحب؟ هل قال لها "أحبك"؟
لم تصدق أنها في حقيقة، فاردفت قائلة:
"أنت لي مصمم تكسرني؟ أنا لسه شايفاك أنت ومودة سوا وكنتوا بتقولوا....
صمتت وأكمل هو:
"كنا بنقول إيه؟"
كان خائفا من أن تكون سمعت الحكاية المزيفة التي روتها مودة لها فتشعر بالخجل والعار وتنجرح أكثر.
أجابت وهي تنظر بعيدا ولا تجد كلمات:
"قربت منك..و..كانت ماسكة..وقربتك منها وبعدين...ااا..
وفجأة شهقت بقوة حينما شعرت بيده تلتف حول خصرها ويجذبها نحوه بقوة يهمس بقوله:
"وبعدين..."
تلجمت حركتها ونظرت بعينيه لتتفاجأ به ينظر إليها بهيام غير العادة رأت...رأت حبا !
بلعت ريقها وهي تقول:
"شدتك من ياقتك وقربتك عليها..."
ظهرت عليه ملامح الاستغراب:
"إزاي؟"
فامسكت بياقة قميصه وقربته أكثر منها حتى أصبحت المسافة بينهم أقصر
-كده هو.
فابتسم بمكر أكبر وقلبه يرفرف من السعادة وهو يشعر بغيرتها فهذا يعني بأنها تحبه أيضا:
"وبعدين؟"
أغمضت يارا عينيها بخجل وهي تتخيل ما فعلته مودة وكيف داعبت أنفه شعرت بغصة بقلبها وبمجرد أن شعرت بلمسة رقيقة بأنفها أذابت كل شيء أذابتها هي شخصيا فتحت عينيها إذ بها ترى عمر مقتربا منها ويداعب أنفه بأنفها برقة فأبعدت رأسها بخجل وهي تهمس بأسمه:
"عمر"
-عيونه.
ابتسمت بخجل قائلة:
"ابعد عني."
فنظر لها بهيم قائلا:
"وأنا اعيش ازاي؟...أنتِ سحرالي يا يارا شكلك وعاملة العمل في كلب ميت في البحر."
فضحكت يارا ليكمل هو بخبث:
"يلا أكملك...مودة عملت إيه؟"
ونظر لشفتيها وأخذ يقترب منهما بمهل فاتسعت عينا يارا لتدفعه بعيدا عنها:
"وهي مودة عملت كده !"
فاعترض بقوة وقد استوعب الأمر هذا الغبي:
"لا والله...وحياتك ما حصل ...بس أنا قليل الأدب وبستغل اللحظة الصراحة."
فضحكت فاقترب منها من جديد وأمسك يديها وضعهما على شفتيه وقبلهما بشغف ثم نظر إليها:
"وأنتِ مسمعتنيش وأنا بقول لمودة إني بحبك أنتِ؟"
فنظرت إليه:
"اوعى توجعني يا عمر...أنا شوفت كتير أوي....ومش هستحمل أنت كمان تكون سبب في أذيتي زي ناس كتيرة."
فجذبها إلى صدره وضمها بقوة وهو يهمس لها:
"استحالة يا يارا...استحالة."
أغمضت عينيها وهي الابتسامة لى تفارقها لتسمع دقات قلبه المسرعة وهو ضمها بذراعيه يخبئها بداخله أكثر ، كان العناق ساخنًا، دائمًا ما تعانقه تشعر ببرودة، ولكن هذا العناق كان ساخنًا للغاية وبه حب لم تشعر به من قبل. وبينما عمر مستمتعًا بالعناق ويستنشق خصلاتها بغرام، سمع أصوات بكائها، فزفر بملل:
"يا لهوي على النكد، أشجيني يا نكدية يلا."
ضحكت يارا وهي تصرخ به بلوم:
"أنا مش نكدية يا عمر، أنا بس مش مصدقة إن الحياة ابتدت تضحك لي تاني."
ابتعد عنها ووضع يده حول وجهها، ونظر بعينيها بعشق:
"ومن هنا ورايح، الحياة هتضحك لك، أنا هحارب عشان حبنا. مفيش شيء في الدنيا دي يهمني غيرك أنتِ يا يارا، ولو مفيش فرصة لينا إننا نكمل، إحنا هنعمل فرصتنا بإيدينا. خليكِ قوية ومتستسلميش، إحنا هنكمل سوا وهنموت سوا. مفيش حد فينا بيقدر يكمل من غير التاني."
ابتسمت له، وهي تدرك الآن أنها في الحقيقة، وأن هذا هو حبيبها "عمر" الذي سيعوضها عن كل شيء. وضعت رأسها على صدره مرة أخرى فحاوطها بذراعيه بقوة حتى شعرت بأن قدماها لا تزال على الأرض، التف بها وهو يحملها معبرًا عن فرحته بصراخه المبهج، وهي أيضًا تضحك بفرحة من هذا الحدث الذي لن تنساه أبدًا.
اتجه الاثنان للمنزل الذي كان ضجيجه عالٍ من أغاني مازن التي أشعلت جو الحفلة. رقصا الاثنان في سعادة كبيرة، والاثنان يضحكان من قلبهما. وأخيرًا، خرجت ضحكة حقيقية من يارا، ضحكة تذهب جميع أحزانها. نظرت بعيني عمر، الذي كانت فرحته لا تقل عنها بشيء، ورأت حبه الصادق، وحمدت ربها على هذا العوض.
_______________________________
سار مصطفى هو وهدير يتحدثان سويًا و روى لها مصطفى قصته بأنه كان يحمل عبءًا ثقيلاً من الألم والهموم، فحياته كانت مليئة بالظلم والقهر. منذ نعومة أظافره، كان يعاني من عنف والده الذي لم يعرف للرحمة طريقًا. تربى في جو من الخوف المستمر وعدم الأمان، حيث كانت الضربات واللكمات تملأ أيامه. دخل الجامعة وهو لا يمتلك حريته الشخصية، بل كان يعيش حياة يديرها الآخرون له، والسبب والدته السيطرية التي لم تترك له فرصة للتعبير عن رأيه أو اتخاذ قراراته بحرية. أصبح مصطفى كالآلة الخاملة، تتحكم فيه الأوامر كما تشاء، ولا يمتلك نفسه حتى يتمكن من النهوض بذاته. أصبح ضعيفًا وجبانًا، مليئًا بالخوف من كل شيء من حوله، حتى الأصوات العالية أصبحت مصدر قلق وخوف بالنسبة له. يتوق للسكينة والهدوء، يخشى التواصل مع الناس ولا يثق بهم إلا بعض القليل، مثل صديقه شهاب الذي كان يمثل له نقطة ضوء في عتمة الظلمات. لكن عندما رحل شهاب، عادت هذه الظلمة بكل قسوة، فأصبح يتخيل وجوده والآن هو مازال عقله الباطن يرى شهاب وليس شهاب فقط وإنما جدته أيضًا والدة رحاب كانت بالنسبة له أم بدل رحاب وحينما خسرها لم يتقبل هذا وظل فترة كبيرة وهو صغير يتخيلها ويتحدث معها، إنه يعاني من الانفصام منذ صغره ولكن رحاب كانت لا تهتم وتظنه يمازحها ولا تتعمق فيما يمر به مادام يأتي لها بدرجات عالية بالجامعة وذو مكانة مرموقة الأشياء الأخرى بالنسبة لها جانبية فهي تظن أن الحنية منها ضعف وسيتمادى طفلها إن مازحته قليلًا وإن لم تكن صلبة معه سيعتاد على هذا ولن ينفذ لها ما تقوله،وحكى لها أيضًا عن "معاذ" أخيه الصغير الذي لم يكمل من العمر سبعة أشهر واختفى من حياتهم دون علم من أحد بما حدث له فقد استيقظت رحاب لم تجده بفراشه ومنذ تلك اللحظة ازدادت قسوة فهي تشك بالجميع ولا تأمن لأحد حتى نحن أطفالها تضع بيننا وبينها حدود في التعامل والتصرفات .
تحدثت هدير بحزن مما رواه قائلة بتشجيع:
"أنت لازم تاخد قرار إنك تتعالج عند طبيب نفسي، وأنا معاك لو فترة العلاج هتسببلك مشاكل فأنا جمبك وهشجعك."
أجابها بملل:
"أيوة يا هدير بس أنا مش هعرف أتعالج !"
-ليه بس؟!
-عشان أمي يا هدير... أمي شايفاني مجنون وبتستعر مني، هدير أنا محبوس بقالي يومين واللي خرجني يزن خطيب أسيل، أنا اتحبست في أوضتي فوق واتقال إني سافرت واللي حبستني وربطتني في السرير كانت أمي.
صدمت هدير من كلامه كيف، كيف والدته تبي أن تفعل به هذا!!! أين الأمومة التي نمت بداخلها منذ ولادته؟!
لا تصدق ما قال ولكن حاولت أن تجد بعض التبريرات لفعلتها قائلة:
"يمكن خايفة عليك تنزل وتشوف شهاب وتحصلك نفس الحالة اللي حصلتلك في الجامع يوميها، خلي دايمًا نظرتك تبقى للجانب الايجابي عشان قلبك يكون مرتاح، أنا اعتمدت إني اشتغل عندكم في الفيلا وممكن لو مش هتعرف تروح لدكتور نفساني أنا أعرف من واحدة كنت أعرفها في الحضانة إنها كانت مش معاها فلوس يعني تروح لدكتور فكانت بتعمل جلسات اونلاين عن طريق النت وكمان الحلو فيه إنك مش هتحكيله أسرارك لان فيه ناس مش بتقبل إنها تقول أسرارها لحد فالطريقة دي مناسبة ليك ومحدش هيعرف ممكن في فترة وجودي في البيت بعد الشغل أدخلك وتعمل الجلسة دي وأساعدك إنك تستمر ومتوقفش ومتقلقش لكل شيء حل متستسلمش، إحنا هنتخطى سوا. "
نظر إليها بعمق يعجبه قولها بصيغة "نحن" ثم همس بهيام:
" هدير أنا بحب...
توتر للغاية فنظر للسماء بسرعة:
"بحب شكل القمر."
نظرت للقمر بسعادة قائلة:
"وأنا برضو حتى بص النجوم مالية السما النهاردة شكلها جميل أوي."
كانت تنظر لقمر السماء وهو ينظر لقمر الأرض يتعمق ملامحها الجميلة الهادئة يدعو ربه بأن يجمعهم بيتًا واحدًا بيوم ما.
(。◕‿◕。)
___________________
اصطدم يزن بكرسي متحرك فقال معتذرًا:
"أه أنا آسف لحضرتك... حضرتك كويسة؟"
نظرت إليه وتفحّصت ملامحه بانتباه، إلى أن تعرّفت عليه.
نزل يزن على ركبتيه أمامها، احترم تلك اللحظة بتواضع معبرًا عن تقديره لها. وبينما انعقدت أجفانها في نظرة امتنان سمعته يقول لها:
"حضرتك قريبة عيلة الجوهري اتشرفت بمعرفتك، مشوفتش حد منتقب من عيلتها قبل كده !"
أجابته قائلة:
"انا قريبتهم لكن من بعيد شوية، ما توريني عروستك يابني ملحقتش أشوفها من الزحمة."
ابتسم يزن وهو ينظر لعينيها الخضراء التي بها بعض التجاعيد بسبب كبر سنها يا لها من صدفة فإن عيون محبوبته أسيل مثل عيون تلك المرأة !
أدارت قمر حول نفسها لتبحث عن دعاء، بينما كانت تطلب النصر في صمت لاهث تود أن تتأخر دعاء قليلًا لترى ابنتها وتتحدث معها.
كانت أسيل ترقص مع زينة فسحبها يزن بهدوء لتنظر إليه بفرحة عارمة وتتسائله ماذا يريد؟
قال يزن بصوت عالٍ لتسمعه:
"في واحدة من قرايبكم عايزة تسلم عليكِ بتقول ملحقتش تشوفك منتقبة كده وشكلها قريبتك."
أردفت معه لتلك المرأة ووصلت أسيل إليها وكانت واقفة وراء يزن تابع يزن الحديث مع قمر قائلًا:
"جيبت لحضرتك أسيل أهي."
أدركت قمر بأن اللحظة المنتظرة قد حانت. خرجت أسيل ببطء من وراء يزن وهي تبتسم بخجل، وعندما إلتقت عينيها بعيني قمر، ارتسمت على وجهها ابتسامة تعبيرية، تنطق بالسلام والترحيب.
لكن بينما كانت تنظر قمر إلى أسيل ببهجة، فاجأتها أعينها بدموع متسارعة تتساقط دون رحمة. انهمرت دموعها بحرية، مصحوبة بشهقات همهمة تختلط مع صخب الحفل.
تعجلت أسيل لتكون إلى جانب قمر، تربت على ظهرها برفق في محاولة لتهدئة عواطفها المضطربة. وسط زخات الضجيج والفوضى التي انتابت الحفل.
ذهب يزن ليحضر لقمر بعض الماء، في حين انغمرت أسيل وقمر في لحظة من الحنان الصادق. حاولت أسيل تهدئتها دون علم منها لمَ تبكي؟
ففاجأتها قمر بعناق قوي، كانت دموعها تغمر وجنتيها، تبللها بلطف مع كل شهقة.
في تلك اللحظة، تمزجت أصوات البكاء مع أصوات الناس والموسيقى، مما جعل العالم يبدو وكأنه عاصفة مضطربة. ومع ذلك، كانت الحنان الذي يتبادله الاثنان يعطي الدفء في قلب هذا الإعصار .
كان هذا العناق لا مثيل له إنه عناق من نوع آخر شعرت أسيل بضربات قلبها تتسارع وهي تشم رائحة ليست بغريبة فلكل منا رائحة مميزة !
لم تكن هناك كلمات تستطيع التعبير عن العاطفة العميقة التي كانت تتدفق بينهما، بل كانت اللغة الصامتة للحضن هي التعبير الأصدق عن ما يدور في أعماقهم.
كلمات خرجت من قمر في وسط شهقات بكاءها:
"وحشتيني يا عمري، وحشتيني، كانوا سنين تقال أوي يا عمري، كبرتي يا روح قلبي وبقيتي قمراية، كبرتي يا أيسو."
توقفت أنفاس أسيل لدقائق حين سماع اسم "أيسو" !
لا أحد يناديها به غير يزن و... والدتها، والدتها فقط التي كانت تناديها بذلك المسمى!
مهلًا مهلًا أنا لا أفهم شيء، ك.. كيف لتلك العجوز بأن تعرف هذا الاسم، ومَن هي؟
ابتعدت أسيل عنها وبوجهها علامات استفهام كثيرة تنظر لعينيها بدقة وقلبها يرتعش هل من الممكن أن تكون والدتها مازالت على قيد الحياة؟
قالت قمر بدموع:
"كل ده كان متدبر يا أيسو، كله كان متخطط ليه مفيش حاجة جات صدفة أبدًا..بعدوني عنك قصدًا."
تتكرر تلك الجمل بذهنها وتحاول ضبط أفكارها وقلبها وضعت يدها على قماش النقاب وكادت أن ترفعه ولكن جاءت دعاء وهي تضحك بتوتر لأسيل قائلة:
"مبروك يا حبيبتي... (نظرت لقمر)أنتِ هنا وأنا بدور عليكِ... دي قريبتنا يا أسيل جات هنا عشان معرفتش أسيبها في البيت لوحدها، مبروك تاني يا حبيبتي عن إذنك. "
ثم سحبت كرسيها بيدها وهي تجرّه بسرعة بعيد عنهم
جاء يزن إلى أسيل وهو ممسكًا بكوب الماء ويقول:
"إيه يا أسيل فين طنط؟"
نظرت إليه أسيل ودموعها تترقرق بعينيها فقلق يزن محدثًا إياها مرة أخرى:
"في إيه مالك؟ أسيل!"
ركضت أسيل نحو دعاء في نصف زحمة المعازيم تحاول الوصول لتلك المرأة بقلبها شيء يخشى البوح به إلا حينما يرى وجهها.
فركض يزن ورائها يلاحقها ليفهم ما بها
كانت دعاء تسرع بجرّ الكرسي نحو باب الخروج وتهمس بأذن قمر:
"لو عاوزة تمو تي قولي، لو عاوزة تتحرمي من بنتك للابد كنتِ تقولي، انا مش قولتلك مينفعش تعرّفي أسيل دلوقتي، ده أنتِ في بيت رحاب دي كانت تقت لك وتدفنك في بيتها."
صرخت قمر بوجع:
"أنا عاوزة بنتي يا دعاء ومش بفكر في كل ده."
وفجأة تقابلت دعاء مع رحاب التي نظرت إليها بإعجاب قائلة:
"دعاء! أنتِ جيتي إمتى؟"
ثم نظرت للمرأة التي على الكرسي المتحرك بتفحص وتلاقت نظراتهم وعاودت النظر لدعاء قائلة باستفسار:
"ومين دي؟"
وضحت دعاء بتلعثم بكلماتها:
"دي... دي صاحبتي.. صاحبة عزيزة عليا وجبتها معايا يعني عشان مينفعش أسيبها في البيت وكانت....."
تفاجآه الاثنان بنوبة هلع تصيب قمر وترتعش بشدة
فوقفت الموسيقى و اجتمع الكل حولها وتقدمت أسيل تراقب تلك المرأة ويزن خلفها وحينما رأى حالة قمر علِم بأنها نوبات الهلع فقد رأى صديقه من قبل يعاني منها، صرخ بصوته ينادي مازن لكي يحضر فأتى مازن ووقف أمام قمر وقمر بدأت أصوات أنفاسها تعلو وتشهق بعنف.
اقتربت منها زينة وهي تهتف لدعاء بصوت عالٍ وتقرب ذراعيها نحو نقاب قمر قائلة:
"طب شيليلها النقاب عشان تتنفس."
أبعدت دعاء ذراع زينة بقوة وهي ترفض بشدة من نزع نقاب قمر و لاحظ عمر وجود والدته مما أثار فضوله ليعرف مَن المرأة التي معها؟
نظرت رحاب للمرأة بلا مبالاة ونفخت بضيق من ضجيج أصواتها فقالت:
"خديها يا دعاء للمستشفى ولا شوفي مالها برا الفيلا."
بدأت قمر تصرخ وتبكي وتتحرك بعنف بالكرسي لعدم ضبط أنفاسها
وقف مازن أمامها يحاول تهدئتها:
"اهدي، خدي نفس عميق شهيق زفير."
كانت حالتها تسوء أكثر فأمسك مازن بالكرسي وجره نحو غرفةٍ ما وأغلق بابها.
فصرخت دعاء وهي تجري لباب الغرفة وتطرقه بقوة:
"طلعها، طلعها بقولك أنا هاخدها وأوديها المستشفى."
توجه عمر إلى والدته يحاول تهدئتها:
"اهدي يا ماما، ده دكتور نفسي هو هيعرف يتعامل معاها جوا يمكن الصوت والدوشة مخليين حالتها تسوء أكتر."
نظرت دعاء لرحاب بتوتر فازدادت شكوك رحاب من تصرفات دعاء واخفاءها لهوية تلك المرأة تقدمت أسيل نحو الباب لتفتحه حاولت مرارًا ولكنه كان مغلقًا من الداخل.
أمسكها يزن من ذراعها ليبعدها: "أسيل اهدي، هو عارف شغله معاها هيعرف يهديها دي نوبة هلع وبتحتاج لهدوء عشان المريض يقدر يرجع لحالته الطبيعية."
حين دخلت قمر مع مازن للغرفة رفعت نقاب وجهها مسرعة لتأخذ أنفاسها حاول مازن أن يعلمها كيفية النهوض من تلك النوبة بقدراته الخاصة كطبيب وبقيَ معها بعض الوقت حتى تعود لحالتها من جديد.
________
همس بأذنيها:
"مين دي يا رحاب؟"
-معرفش يا شريف جابتها دعاء من أنهي داهية؟
-طيب الناس ابتدت تتكلم وبتتفرج وأنا معايا ناس مهمين واللي عملته الست دي أثار فضولهم يشوفوا حالتها.
-أيوة يعني أعمل إيه دلوقتي أديك شايف الكل متجمع إزاي وأسيل كمان واقفة مستنية الست تفوق من النوبة.
-أي حاجة بس تصرفي نظرهم عن اللي بيحصل مش عاوز فضايح بقول معايا ناس مهمة.
نظرت إليه رحاب تطمئنه بأنها ستدبر كل شيء ثم عاودت النظر للجميع تحاول إشغالهم وأن المرأة بخير وأن يعودوا من جديد إلى حفلتهم وشغلت بعض الأغانى وأقامت فقرات للرقص لكي تلهيهم عن حالة المرأة تلك ولكن بعض الأفراد تبقت لتطمئن على قمر.
وبعد طول انتظار خرج مازن أخيرًا من الغرفة و لم ينظر لأحد سوى "أسيل" تقدمت دعاء إليه لتدخل ولكن منعها مازن وهو يقول:
" أسيل بس اللي ممكن تدخل.. "
انقبض قلب دعاء ونظرت لأسيل بتوتر ثم عاودت النظر لمازن وهي تقول:
"لو سمحت متدخلش، سيبني أدخل وأخدها ونروح أنت مش فاهم حاجة."
مالَ مازن على أذني دعاء وهو يقول بهمس مسموع:
"أنا فعلًا مش فاهم إيه اللي يخلي حضرتك عارفة إنها والدة أسيل ومش عايزة أسيل تشوفها؟"
اتسعت عينا دعاء وبلعت ريقها بتوتر وانعقد لسانها عن الحديث مرة أخرى.
ضم يزن يدي أسيل بأصابعه حيث كان يمسك يديها ليهدئها، نظر إليها وشجعها بالدخول إلى الغرفة واطمأنت أسيل من نظراته واستجمعت قواها لتدخل الغرفة.
تقدمت أسيل نحو الباب وخرج مازن وابتعد عن باب الغرفة ثم دخلت أسيل ببطء داخل الغرفة وأغلقت الباب وراءها.
فتقدم مازن نحو يزن وهو يقول :
"اهدا متقلقش عليها."
-مين دي؟
همس:
"دي والدتها."
اتسعت عينا يزن بصدمة! هل والدة أسيل مازالت على قيد الحياة؟!
____________________________________
بعد أن سمعت مكالمته مع أحمد ارتجف قلبها وعلى الفور عادت إلى غرفته لتعيد هاتفه وبينما هي تضع هاتفه كان علي قد خرج من المرحاض نظر إليها واستغرب من نظراتها إليه وقطرات العرق التي نبتت على جبينها ما بها لمَ خائفة هكذا تحدث معها:
"في إيه يا علا؟... مالك؟"
تلعثمت وهي تجيبه محاولة ضبط انفاسها:
"م... مفيش... كنت بس عايزة أرن على... ماما من عندك عشان موبايلي فصل."
وافقها بلا شك وأعطاها هاتفه ثم توجه للمرآة ليمشط شعره فاستغلت فرصة انشغاله و أرسلت إليها المقطع الصوتي تبع مكالمته مع أحمد إلى نفسها ثم مسحته من عنده لكي لا يظهر له بأنه قد أرسل هذا المقطع إليها وخرجت من تطبيق "الواتس" لتهاتف والدتها ولكن هاتفها كان مغلقًا فأغلقت هاتف علي و أعادته على الفراش كما كان وهي تقول له:
" موبايلها مقفول، تلاقيها مشغولة ولا حاجة، شوية وتيجي.... أنا همشي أنا عشان عاوزة أنام... ماشي... تصب... تصبح على خير. "
خرجت من غرفته مسرعة وهي قلبها يدق بشدة أغلقت باب غرفتها وراءها من الداخل، تخاف من أن يفعل بها أخوها اي شيء مثلما اقترح عليه صديقه، لهذه اللحظة هي لا تستوعب بأنه قد اعت دى على يارا هل تقول لعمر؟
نعم، يجب أن يعلم كل شيء وماذا يدور حوله ويارا أيضًا عليها أن تعرف من كان يؤذيها تلك الفترة... فتحت هاتفها وأرسلت المقطع إلى أخيها ثم نهضت للمرحاض لتتوضى كي تقيم الليل دعت ربها بأن يسامحها مما فعلت وأن ينجيها من مكر أخيها وصاحبه وأن يظهر الحق وينصر المظلوم.
___________________________________
خرجت اسيل من الغرفة وعيناها منتفختين من كثرة البكاء تقدم إليها يزن بقلق ولهفة:
"أسيل أنتِ كويسة؟"
نظرت إليه فتعمق عينيها وقرأ ما بهم هي الآن تحتاج للاحتواء عانقها بحب وهو يمسح على خصلاتها بحنان:
"كله هيبقى تمام، ثقي بإن تدابير ربنا غير توقعنا بكتير أوي...."
كان الباقي واقفًا لا يفهم شيئًا عدا مازن ودعاء .
دخلت دعاء للغرفة ونظرت لقمر التي كانت تبكي مسحت دموعها وقالت لها:
"شوفتيها خلاص اتكلمتي معاها قالتلك إيه؟"
قالت بوجع:
"بنتي مش بتتكلم يا دعاء."
كتمت دعاء فمها بيدها:
"اسكتي حد يسمعنا... طب قولتيلها إيه؟"
-زي ما قولتيلي، إن مش وقته الكل يعرف إني عايشة وإن هييجي الوقت اللي أخدها في حضني قدام الكل وأقولهم إنها بنتي منغير ما أخاف إن حد يعرف إني لسه عايشة.
أمسكت دعاء يدها:
"أوعدك الموضوع ده مش هيطول.... بنتك هترجع لحضنك في أقرب وقت ثقي فيا يا قمر... يلا نروح."
أنزلت قمر نقابها، وغادرت الغرفة وهي دعاء تجر كرسيها للخارج توقفت دعاء لبضع دقائق لتشبع قمر من النظر إلى طفلتها قليلًا، ألقت نظرة أخيرة على أسيل. تلك النظرة كانت مليئة بمعاني الفراق المرير، نظرات تعانق بعضها البعض بصمت، تفيض بشجن السنوات التي فصلت بينهما.
كيف لتلك السنوات القاسية التي باعدت بينهما أن تجعلهما يكتفيان بالنظر من بعيد؟ كيف لعناق الروح أن يمنع عنهما عناق الجسد أمام الناس؟ كم هو مؤلم ذلك الشعور، خاصة لأسيل التي كانت تشاهد والدتها بعد أن فقدت الأمل بكونها لا تزال على قيد الحياة.
كان الموقف أشبه بتمزق نسيج القلب، حيث كان اللقاء مشوبًا باللوعة والعجز عن التعبير الكامل عن المشاعر. لقد كانت قمر تجسد الحنين الذي تراكم عبر السنوات، بينما كانت أسيل تقف كصورة للأمل الذي تحقق فجأة، وسط دوامة من الألم والعجز.
لم يكن ثمة كلمات قادرة على وصف ما يدور في أعماقهما؛ فقط نظرات تتحدث بلغتها الخاصة، لغة لا يفهمها إلا من ذاق مرارة الفراق وعذاب الانتظار. كانت تلك النظرات آخر ما تبقى لهما في تلك اللحظة العابرة، كنجوم تضيء سماءً حالكة السواد، تلمع للحظة قبل أن تبتلعها الظلمة من جديد.
(عيني دمعت والله وانا بكتب المشهد دا قد ايه صعب اوي 😥)
تحدث عمر مع والدته قائلًا:
"تعالي يا ماما اركبي معايا وأوصلك للبيت أنا كده كده كنت مروح."
تحركت مع ابنها الذي ودع يارا والجميع ثم توجه معهم للخارج لتركب دعاء والمرأة السيارة ويتوجها إلى منزلهم .
كانت رحاب منشغلة بضيوفها فلم تلاحظ رحيل المرأة وكان عقلها مشوش لأسباب أخرى.
______________________________
تقدمت يسرى نحوهم وهي تنظر لابنها متسائلة:
"هو إيه اللي حصلها جوا عشان تخرج معيطة كده ! عملتلك حاجة الست دي يا أسيل؟"
تحدثت زينة معها:
"مين كانت، وعايزة منك إيه؟"
وبدون مقدمات، ارتمت أسيل في حضن يسرى، والدة يزن، باحثة عن قليل من الحنان الذي افتقدته. كان قلبها المثقل بالشوق والحزن يحتاج إلى دفء الأمومة، إلى لمسة تداوي جراح الفراق الطويل. بادلتها يسرى حنانًا صادقًا، وأشفقت عليها من أعماق قلبها، محاولة أن تمنحها بعض الطمأنينة التي تفتقدها. كانت تلك اللحظات أشبه ببلسم يداوي جروح السنين، حيث وجدت أسيل في حضن يسرى ملاذاً مؤقتاً يعوضها عن الحنان الذي حُرمت منه طويلاً.
كانت زينة لا تفهم شيئًا ولكن ترى أن زوجها يعلم كل شيء ستسأله حين يعودان للمنزل.
وقف يزن يضم ذراعيه بأستعجاب فنظر إليه مازن قائلًا بتساؤل:
"بتفكر في ايه؟"
أجابه يزن وهو ينظر لأسيل بشك:
"أسيل شافت مامتها!"
-أيوة!
-وهي فاقدة النطق بسبب صدمة فقدانها لمامتها!!
-وبعدين؟
-مازن... أسيل مرجعتش تتكلم تاني لازالت فاقدة النطق؟؟
اتسعت عينا مازن وقد انتبه لتلك الثغرة التي تجاهلها تمامًا فتابع يزن بقوله:
"بحثت عن الصدمة العصبية وإن في بعض من الناس بتفقد النطق فعلًا لو خسرت بني آدم وبتترواح من شخص لشخص على حسب المدة و اللي عرفته إن معظمهم بيرجع صوتهم بعد كام شهر أو أكثر ولكن أسيل بقالها سنين ولما بحثت أكتر عرفت إن مجموعة قليلة اللي بتقعد بالسنوات مش بتتكلم بسبب الصدمة وعدم تقبلها للحقيقة فقولت أسيل واحدة منهم ولكن لو شافت الشخص اللي فقدته بترجع تاني تتكلم توقعت إنها ترجع تتكلم أول ما تشوف والدتها ولكن أسيل لازالت فاقدة النطق!...ده يعني...."
أكمل مازن بتفكر:
"يعني إن أسيل مش فاقدة النطق عشان صدمة موت والدتها وإنما حاجة تانية؟!!"
نظروا الاثنان لأسيل بتعمق وهم يفكرون فيما يحدث كم قصة تلك الفتاة عجيبة من الذي يفعل بها كل هذا هل يمكن أن يكون فقدها لنطقها أيضًا مدبر من شخص ما؟
________________________________
انتهى الحفل وعاد الجميع إلى منازلهم وودع يزن أسيل بصعوبة كان لا يريد أن يتركها تلك الليلة ولكن مضطر.
عاد مصطفى ورجعت هدير إلى منزلها وأطعمت أخواتها ثم نامت وهي تفكر بمصطفى كعادتها تلك الأيام، وعاد عمر مع والدته إلى المنزل وقد استقبل قمر كضيفة بأنها تقيم معهم بالمنزل لفترة قصيرة ونظفت دعاء لها غرفة لتقيم بها.
ذهب عمر لغرفة أخته أطرق الباب فلم يجد جوابا فأيقن بأنها قد نامت، عاد لغرفته وأبدل ملابسه ثم استلقى على فراشه وفتح هاتفه وجد رسالة من يارا فطمئنها بأنه عاد للمنزل بخير، ثم فتح رسالة علا التي كانت مقطع صوتي لا يعرف ما مُجمله ولكن فتحه ليسمع ما به؟؟
........
_______________________________
اتفقت يارا مع والدتها على أن تكون خطبتها وعمر في الغد، نزولاً عند استعجال عمر لهذا الأمر. كانت والدتها على دراية تامة بسبب هذا التعجل؛ فقد بدأ بطن يارا بالانتفاخ جراء الحمل. لذا، سارعت رحاب إلى تدبير الخطبة دون أن تتساءل عن التفاصيل أو ما سيحدث لاحقًا، فالأهم بالنسبة لها هو أن تتم خطبة يارا سريعًا ويتفقوا على موعد الزفاف في أقرب وقت ممكن. كان الهدف الأسمى هو تدارك الأمر قبل أن تظهر علامات الحمل بشكل لا يمكن إخفاؤه.
________________________
دخلت أسيل غرفتها وهي أكثر شحوبًا من أي وقت مضى. كيف لها أن تعلم أن والدتها موجودة ولا تستطيع أن تنام في حضنها؟ كانت هذه الليلة ثقيلة للغاية على قلبها. صنعت لنفسها كوبًا من الحليب بالقرفة لتُهدئ من أعصابها قليلًا، محاولةً أن تجد في هذا المشروب البسيط بعض السكينة التي افتقدتها، وتذكرت بعض اللحظات اللطيفة التي كانت بينها وبين والدتها باللحظة الاولى التي رأتها بها........
_______________________________
دخل غرفته وحين أغلق الباب فتح حاسوبه وأخذ يبحث عن ما يحدث لأسيل وبعد ساعة تقريبًا وصل لمراده فاتصل بيزن مسرعًا ليجيبه يزن قائلًا بفضول:
"عرفت حاجة؟"
أجابه مازن بشك:
"يزن، أسيل أكيد معندهاش القدرة على النطق مش عشان افتقدته لأنه لو فقدته كان هيرجع أول ما تشوف والدتها زي مانت قولت...."
-طب إيه عرفت حاجة سبب إيه اللي يخليها مش قادرة تنطق لحد دلوقتي حتى بعد ما شافت مامتها؟
- بص عندي سببين يا إما أسيل فعلًا كانت في صدمة نفسية خلتها تفقد النطق وأول ما شافت مامتها دخلت في صدمة جديدة مع عدم تصديقها بإن والدتها لسه عايشة، يا إما......
-يا إما إيه؟؟؟؟
-يا إما أسيل بتاخد دوا بيضعف أحبالها الصوتية فعملها إلتهابات أدت بإنها مش قادرة تتكلم !
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم مريم الشهاوي
-سمع المقطع الصوتي|
صلوا على الحبيب
عاد إلى غرفته متعبًا، وبمجرد دخوله، قام بتبديل ملابسه سريعًا واستلقى على فراشه. شعر براحة غامرة وهو يفتح هاتفه ليطمئن على رسائله. وجد رسالة من يارا، فطمأنها بأنه عاد إلى المنزل بخير. ثم لاحظ رسالة من علا كانت عبارة عن مقطع صوتي، لم يكن على علم بما يحتويه، لكنه قرر فتحه والاستماع إليه.
فجأة، سمع طرقات على باب غرفته. نهض بتثاقل من فراشه ليفتح الباب، ووجد علا واقفة هناك. فور أن فتح الباب، اندفعت إليه وعانقته بشدة، فبادلها العناق وهو يمرر يده على خصلاتها برفق، محاولًا تهدئتها:
- "مالك يا علا؟ من امبارح وانتِ مش على طبيعتك، في حاجة حصلت؟"
ابتعدت عنه قليلًا، بلعت ريقها بشحوب وقالت بصوت مهزوز:
"أنت صحيح خطوبتك من يارا بكرة؟"
ابتسم عمر بفرحة عارمة، تراجع خطوات إلى الخلف وجلس على فراشه وهو في قمة سعادته، ثم تحدث بفرحة مبهجة:
"أيوة... أخيرًا يا علا، أخيرًا."
- "بتحبها؟"
- "بعشقها."
تجمعت الدموع في عينيها، غير مصدقة أن أخيها سيواجه كل هذا وحده. الفتاة التي يحبها، إنها حامل بطفل أخيه!
استلقى على السرير وفتح ذراعيه بسعادة ومبتسمًا:
"يارا مش مجرد صاحبتي يا علا... يارا طلعت حاجة كبيرة أوي، أنا مش واخد بالي منها."
نهض بسرعة ليعتدل في جلسته وقال:
"تخيلي، مكنتش واخد بالي إنها جميلة كده غير لما حبيتها... أو يمكن لما نظرتي ليها اتغيرت لنظرة حب. كل حاجة فيها حلوة... حاسس إني مراهق وأنا بتكلم كده."
تقدمت نحوه وجلست بجانبه، تحاول أن تبتسم بصعوبة:
"كان باين عليك من الأول، بس أنت كنت معاند."
- "كنت غبي... إزاي ضيعت السنين دي كلها."
- "بس مش حاسس إنك اتسرعت؟"
- "بالعكس، أنا اتأخرت أوي. بحاول أسرع بالخطوبة والجواز عشان نبقى سوا بأسرع وقت... بصي، نقيتلي البدلة النهاردة، بكرة هستلمها. وكمان أنتِ وماما عاوزين لكم سواريه. انزلي معايا بكرة عشان تجيبي دريس ليكِ ولماما عشان الخطوبة."
- "معنديش حاجة بكرة... أوكي هاجي معاك."
سمعا الاثنان طرق والدتهم على باب الغرفة المفتوحة وهي تقول بضجر:
"علي لسه مروحش يا عمر، شوفه فين. علا حبيبتي، تعالي معايا بنحضر العشاء لخالتك قمر."
سألتها علا بفضول:
"مين طنط اللي جات معاكِ؟"
أجابها عمر:
"دي يا ستي صاحبة ماما الروح بالروح. متفتكريهاش أنتِ، بس أنا فاكرها. اختفت سنين ودلوقتي ظهرت، معرفش كانت فين كل ده، بس ماما تعرف."
نظر الاثنان إلى والدتهم بتساؤل، فتحدثت دعاء بارتباك وهي تتوجه إلى المطبخ:
"مش وقته الكلام دلوقتي. عاوزين نتعشى عشان بكرة ورانا هم ما يتلم. لسه هنعزم العيلة وأبوك جاي بكرة."
توجهت دعاء إلى المطبخ، ثم نظرت علا إلى عمر بحزن:
"عمر، كنت عايزة أقولك على حاجة مهمة، خايفة تعرفها بعدين وتلوم عليا إني مقولتلكش... حاجة بخصوص يارا."
وقف عمر بسرعة وركض نحو الباب ليغلقه وقال لها بهمس:
"وطي صوتك... حاجة بخصوص يارا إيه؟"
استجمعت قواها لتقول وهي حزينة: "يارا... يارا..."
- "حامل."
اتسعت عيناها بدهشة ونظرت إليه بصدمة:
"أنت عارف؟"
- "طبعًا عارف. وهي يارا هتخبي عليا حاجة زي كده وإحنا خلاص هنبدأ حياتنا؟ استحالة تبدأها بكذبة. قالتلي إنها حامل من أول شهر."
- "أنا مش مصدقة يا عمر... أنت عارف إن يارا حامل ومع ذلك هتتجوزها؟!"
- "هتجوزها لأني بحبها، مش عشان أستر عليها. أرجوكِ، متفهميهاش زي ما الكل فاهمها. خليكِ أنتِ بس اللي تفهميني صح."
نظر إلى أخته وهو يضغط على يديها:
"علا، مش عاوز أي مخلوق يعرف."
صرخت به:
"أنت عارف إنها حامل من شخص وهتتجوزها؟ أنت اتجننت؟"
- "عشان... عشان هي ملهاش ذنب يا علا. يارا متعرفش حتى مين عمل فيها كده، ووالدتها..."
روى لها القصة كاملة، بما كانت تريده رحاب، فنظرت علا إليه وملامح الشفقة ظاهرة على وجهها. كم يارا فتاة مسكينة، ما ذنبها لتواجه كل تلك المشاكل والسبب هو أخوها الحقير.
نزلت دموعها حين تخيلت نفسها في مكان يارا، ماذا كانت ستفعل إن اغتصبها أحمد ذلك اليوم وصارت حامل منه... بل يارا لا تعرف حتى من الذي فعل بها هذا.
بكت بحرقة على قصتها، فعانقها أخوها وهو يربت على ظهرها:
"اهدي يا علا... ماما ممكن تسمعك."
- "أنت ويارا مينفعش تبقوا سوا يا عمر."
أبعدها بهدوء:
"ليه بتقولي كده؟"
- "أنت تعرف مين أبو الطفل ده؟"
هز برأسه نافيًا، فبكت علا وهي تقول:
"أبو الطفل يبقى..."
قاطعها صراخ دعاء من الخارج:
"علااااا يا بنتي، تعالي حضري معايا العشاء. يا عمر، رن على علي شوفه فين."
مسح دموعها بهدوء وهو يبتسم لها:
"نبقى نتكلم في وقت تاني. روحي لماما دلوقتي وأنا هرن على علي."
قبلها في خدها بلطف وهو يمزح معها:
"عايزك تبقي قمر بكرة، متعيطيش عشان بشرتك."
ابتسمت علا بخفة، ثم نهضت لتذهب إلى والدتها في المطبخ، وكانت طوال الوقت تفكر ماذا تفعل. هل سمع عمر السجل الصوتي؟ بالتأكيد هو لم يسمعه.
استلقى عمر على فراشه مرة أخرى وهو يدندن بفرحة. حين فتح هاتفه، وجد المحادثة بينه وبين علا التي تنتهي بهذا السجل الصوتي. فتحه ليسمع ما به، وحين سمعه، تبدلت تعابير وجهه وصار وجهه لونه أحمر من كثرة الغضب. فجأة نهض من فراشه ليبدل ملابسه بسرعة وخرج من غرفته.
هاتفته دعاء قبل أن يخرج: "رايح فين يا بني في عز الليل كده؟"
- "نازل أجيب علي، وانتِ" (شاور على علا) "حسابك معايا بعدين."
فتح باب المنزل وأغلقه وراءه بعنف، لينزل بسرعة على السلالم ويركب سيارته متجهًا إلى مكان ما.
____________________________________
وتذكرت أسيل بعض اللحظات اللطيفة التي كانت بينها وبين والدتها باللحظة الأولى التي رأتها بها.
عودة إلى وقت سابق:
كانت أسيل تقترب من الغرفة بخطوات مترددة، قلبها يخفق بشدة وهي تضع يدها على مقبض الباب. لم تكن تتخيل أنها ستعيش هذه اللحظة، تريد الآن التراجع فهي غير مستعدة لتواجه مصير لم تتخيله عقلها لا يستوعب تقبل أي شيء في هذه اللحظة.
دخلت أسيل الغرفة ببطء، ورأت والدتها تنظر لها، نعم هذه قمر والدتها ملامحها لم تتغير تلك النظرة التي بعينيها لون عينيها الذي يشبهها بالملي كل شيء بها كأنها ترى نفسها وهي عجوز كل ما تغير هي بعض التجاعيد التي ملئت وجه والدتها بسبب كبر سنها ركضت أسيل نحو والدتها وألقت بنفسها في حضنها، تحتضنها بشدة وكأنها تحاول تعويض سنوات الفراق في لحظة واحدة. بكت الاثنتان بصوت مسموع، وسط ضجيج الحفل الذي كان يدور في الخارج. حاولت أسيل التعبير عن مشاعرها، ولكن عدم قدرتها على النطق جعلها تعبر فقط بالدموع والعناق.
"أمي لم تمت"
"لقد كانت على قيد الحياة طوال هذه المدة"
"أنا الآن أعانقها هي وليست صورتها الفوتوغرافية"
"الآن أعانق أمي الحقيقية جسدها ألمسه وليست بورقة أبكي وأنا أعانقها طوال الليل"
كانت لا تصدق نفسها فقط تبكي وقمر التي خفق قلبها بشدة من هولة الموقف لم تتخيل بيوم أن ابنتها ستبعد عنها كل تلك السنوات.
قمر بدأت تتفحص وجه أسيل بيديها، تمسح دموعها وتقبل جبينها، وتقول بصوت مختنق:
"وحشتيني يا أسيل، وحشتيني أوي. أنا كنت فاكرة إني مش هشوفك تاني. إزاي حصل كل ده؟ فين كنتِ كل السنين دي؟"
أسيل، وهي تواصل البكاء، رفعت يدها لتكتب على الهواء بإصبعها، محاولةً التعبير عن مشاعرها وطرح أسئلتها. كانت حركاتها تعبر عن الحيرة والألم والاشتياق.
-"إنتِ مش قادرة تتكلمي؟" سألت قمر وهي تتفحص عيون أسيل بقلق. "يا ربّي، إيه اللي حصل لك يا حبيبتي؟ مين اللي عمل فيكِ كده؟"
أخذت أسيل نفسًا عميقًا وأشارت إلى نفسها ثم إلى قلبها، محاولةً إخبار والدتها بأن كل ما حدث لها كان بسبب الألم الذي مرت به. حاولت بقدر ما تستطيع أن تشرح بإشارات اليدين أن الفراق وفقدان الأمل كان السبب في فقدانها القدرة على الكلام.
قمر، وهي تبكي بشدة، قالت:
"يا روحي، يا حبيبة قلبي، أنا هنا دلوقتي. مش هسيبك تاني أبدًا. إحنا مع بعض وهنتخطى كل ده سوا. أنا جنبك، وهنكون كويسين وهترجعي تتكلمي تاني وأسمع صوتك اللي وحشني أوي نفسي أسمع ماما منك ."
احتضنت أسيل والدتها مرة أخرى، وهي تشعر بدفء لم تشعر به منذ سنوات طويلة. كانت تلك اللحظة بداية لشفاء جراح القلب التي سببها الفراق، وأدركت أن الحب الحقيقي لا يموت أبدًا، مهما كانت الظروف قاسية.
حاولت قمر إخبارها بأنها لا يجب أن تظهر الآن هناك أمور كثيرة يجب أن تحدث قبل البوح بأنها مازالت على قيد الحياة ومن تلك اللحظة إلى أن تنكشف الحقيقة لا يجب على أسيل بأن تخبر أحدًا بأن والدتها مازالت على قيد الحياة ، كان هذا صعبًا على أسيل ولكن قمر استطاعت إقناعها بأنها فترة قصيرة ويعود كل شيء مثلما كان.
~~~
العودة الى الواقع:
كانت تتذكر ما حدث و عيناها مليئتين بالدموع ولكنها ابتسمت من قلبها لأول مرة منذ زمن طويل.
رن هاتفها معبرًا بقدوم رسالة جديدة ففتحتها بسرعة ورأت كلماته اللطيفة التي تغنيها عن كل شيء:
"أنا سعيد عشانك يا أسيل. ده اليوم اللي كنتِ بتستنيه طول حياتك عاوزك تكوني أقوى من كده أنتِ لازم تواجهي ومتخافيش اشكري ربنا إنه رجعهالك بعد المدة دي كلها لما شافك صابرة وراضية عوضك بعوض مكنتيش متخيلاه حتى كوني متأكده إن ربنا عمره ما بيحطنا في أزمات غير لما بيكون عارف إننا قدها وهنقدر نتخطاها وبيستنى مننا الصبر والرضا عشان يجازينا فوق ما كنا نتمناه، تصبحي على خير يا أجمل أيسو ♡."
عانقت الهاتف بفرحة، بينما غاصت في بحر ذكرياتها مع يزن. كل لحظة بينهما كانت محفورة في قلبها، منذ أول لقاء بينهما أمام جامعتها حين كان يتوسل لها لإعطائه فرصة للحديث، وحتى اليوم الذي عانقها فيه مطمئنًا إياها بأن كل شيء سيكون على ما يرام. كان وجوده في حياتها بمثابة الشعلة التي أضاءت كهفها المظلم. أحبت مزاحه الخفيف وضحكته التي كانت تملأ الأجواء بالبهجة.
حنانه الدائم كان يلفها كوشاح دافئ في ليالي الشتاء الباردة. لم تتذكر يومًا أنه أخافها أو رفع صوته عليها في أي موقف. كان يتحدث إليها بهدوء وسكينة، كأنه يخشى أن يكسرها أو يجرحها بكلمة. كان يخاف عليها ويحرص على سلامتها، وينقذها من كل محنة.
كان يزن تجسيدًا لكل ما هو جميل ونبيل في حياتها. كل تصرف قام به كان يعكس نقاء قلبه وروعة شخصيته. في عينيها، كان هو البطل الذي جاء لينقذها من ظلمات الوحدة والحزن، وكل يوم يقضيهما معًا كان كأنه قطعة من الجنة.
__________________________________
كان جالسًا برفقة زملاءه الفاسدين يتعاطى معهم المخد رات وفجأة جاء ظل ضخم من بعيد وقف واحدًا منهم ممسكًا بعصا حديدية كبيرة وهو يتساءل بمن هناك؟
ولكن لم يجيبه أحد تقدم الظل نحوهم حتى ظهر عمر بقامته الضخمه حينما رآه علي اتسعت عيناه بخوف ونهض بسرعة من جلسته
-أنت تعرفة يا علي؟
أجابه علي بصوت مرتعش:
"ده... ده عمر أخويا."
همس بأذنه صديقه:
"تحب نصنفره؟"
قال معترضًا بقوة:
"لا طبعا ده أخويا بقولك ملكوش دعوة أنتو أنا هتفاهم معاه."
تقدم علي نحوه ووقف أمامه وقبل أن يتحدث أمسكه عمر من ذراعه يجره لخارج الجراج
فتفاجأ عمر بتقدم زملاء علي نحوهم.
ولكن أوقفهم علي وهو يهتف:
"لا لا ملكوش دعوة أنتو ارجعوا ده أخويا وأنا هتعامل معاه محدش يقربله."
خرجوا من هذا المكان حتى وصلوا لسيارة عمر
فتح عمر باب سيارته وألقى بعمر بداخلها مثل حقيبة النفايات ثم أغلق الباب بقوة وركب بجانبه من الناحية الأخرى
قال بخوف بنتاب حواسه:
"عمر أنا كنت هقولك."
-شششششش ولا كلمة
أوقف عمر السيارة في مكان هادئ كل ما يضيئه نور القمر وضوء سيارته بالمصابيح الأمامية.
أخذ نفسًا عميقًا يحاول أن لا يتهور برَدة فعله.
نظر إليه علي بقلق:
"عمر اتكلم معايا قول أي حاجة صمتك ده بيقلقني أكتر."
ضربه عمر لكمه قوية على وجهه
صرخ عمر بتآوه ثم نظر إليه معبرًا عن استسلامه:
"والله كنت هقولك."
أمسكه عمر من ثيابه وهو يصرخ به بخوف وقلق يزداد بداخله على أخيه الصغير:
"يعني إيه كنت هتقولي يعني إييهه ؟! هو لو كنت قولتلي يعني مكنتش هزعل كنت مستنيك تيجي تقولي؟؟؟ إيه اللي ناقصك عشان تتعا طى الزفت اللي بتشربه مين لمك على صحاب الجراج إياهم هما دول اللي ضيعوك؟؟ من ساعت ما صاحبتهم وأنت حالتك في النازل ! شايل نص المواد الترم ده والله أعلم هتعمل إيه في باقي السنة!"
صرخ علي به بقوة:
"أنت بتزعق كده ليه ! "
اجتمعت الدموع بأعين عمر وهو يقول:
"أنا خايف عليك يا غبي كده هتضيع نفسك. "
تفاجأ عمر بدموع علي المشحونة بالضعف وقلة الحيلة وهو يقول:
"أنا ضيعت أصلًا يا عمر معدتش فيه طريقة أرجع بيها تاني علي بتاع زمان ضاع مني أنا مش عارف أعمل حاجة حاسس إني تايه يا عمر ومش عارف أنا بعمل إيه دي الحاجة الوحيدة اللي لقتها بتخليني فرحان ومبسوط وبدخل عالم تاني وبخرج من العالم اللي أنا فيه واللي دايمًا بدعي إني أخرج منه للأبد مش لمجرد ساعات."
لم يجد عمر كلمات ليقولها بذاك الموقف فعانقه وهو يربت على ظهره ودموعه نزلت على خديه بقهر:
"متخافش... أنا معاك... لسه باقيلك وقت تتوب صدقني كله هيبقى بخير، متخافش"
أبعده عمر وامسك بوجهه بيديه الاثنين وقال بحنين أخ:
"أنت راجل يلا، والرجالة مبتعيطش اجمد كده وعافر عشان تعدل نفسك ولا أنت عاجبك اللي أنت فيه ده؟"
-لا مش عاجبني، انقذني يا عمر أنا عاوز أبقى بني آدم كويس خايف من كل حاجة وخايف من اللي جاي، خايف من عقاب ربنا.
منذ أن تملكه الإحساس بأن الرب قد ينتقم منه بأخته كما حدث مع يارا، تغلغلت في أعماقه مشاعر خوف وقلق لا تنتهي. أدرك فجأة أن ما وقع لم يكن مجرد صدفة، بل كان إنذارًا إلهيًا وتحذيرًا واضحًا من عقاب قد يكون قادمًا لا محالة.
قال له عمر محاولًا طمأنته:
"متخافش يا علي طول ما أخوك في ضهرك أوعى تخاف وربنا بيسامح هترجع وهتكون أحسن من الأول."
عانقه عمر مرة أخرى ومازال يبكي:
"حقك عليا يا عمر لو كنت زعلتك في يوم أو ضايقتك متزعلش مني."
-مبزعلش منك يا عبيط... ياض أنت ابني قبل ما تبقى أخويا ده أنا اللي مربيك.
ضحك على كالطفل الصغير ثم أشعل عمر السيارة من جديد وتوجه للذهاب إلي "المصحة".
-إحنا فين يا عمر؟
-انزل يا علي واسمع اللي هقولك عليه.
نزل عمر من السيارة وهو ينظر للمبنى الضخم أمامه أمسك عمر يديه وتقدما إلى المبني وقبل أن يدخلا المبني نظر إليه عمر بحزن وقال :
"أيًا كان اللي هيحصلك جوا فده لمصلحتك، أنا خايف عليك وعاوزك تتعالج من اللي أنت فيه توب وارجع لربنا وثق إنه جمبك وهيسامحك."
كان لا يفهم شيئًا حتى وجد عدة أطباء يلتفون حوله ويمسكونه فحاول علي تحرير نفسه بعنف وهو يصرخ بإسم أخيه الذي أدار ظهره عنه وخرج من المبني، بكى علي وهو يتذكر آخر كلمات سمعها من عمر يطمئن بها نفسه.
أدخلوه غرفة خالية من أي شيء فقط فراش ينام عليه فطلب منهم بأن يغتسل فحققوا له رغبته بادخاله للمرحاض ليغتسل ثم خرج منه وحينها أدخلوه لتلك الغرفة من جديد تقدم وجلس على الفراش يفكر فطلب منهم بأن يأتوا إليه بسجادة صلاة ومصحفًا ليقرأ منه .
وبعد قليل جلبو إليه السجادة والمصحف وعرّفه الطبيب كيف اتجاه القبلة ليُصلي.
ثم فرد علي سجادة الصلاة ليقيم الصلاة عليها، وبدأ يبكي بحرقة في صلاته، طالبًا المغفرة بصدق عما اقترف من ذنوب، ومستغيثًا بربه أن يمنحه القوة لتجاوز هذا الطريق الشاق بسهولة. التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والله غفور رحيم. كلما جالت في خاطره فكرة التعا طي، كان يلجأ إلى كتاب الله، يتلو آياته الكريمة ليبدد بها وساوسه ويهدأ بها روحه. كانت تلك الليلة شديدة الوطأة عليه، لكنه كان مؤمنًا بقدرته على الصمود، وخاصة أن أخاه يقف إلى جانبه، يدعمه ويسانده في تجاوز هذه المحنة.
_________________________
عاد عمر إلى منزله وجلس على فراشه، ودموع الأسى تنهمر بحرارة على خديه حين يفكر بحال أخيه. كانت أفكار إلغاء حفل الخطبة تتلاطم في عقله، لكنها تلاشت أمام ذكرى فرحة يارا التي لا يمكن أن يمحوها بتلك السهولة لهذا القرار. لم يكن يريد أن يطفئ تلك البهجة التي زرعت في قلبها. قرر ألا يخبر أحدًا عن وجود أخيه في المصحة، إيمانًا منه بأنه سيتعافى ويعود بعافية إلى حضنهم. علم تمام العلم أن عليه أن يخفي حزنه وضعفه، حتى لا يُلقي بظلال الشك والتساؤلات على قدرته على التغلب على المحنة. في هذه اللحظات المؤلمة، كان يتحمل عبء مشاعره بقوة، متعهدًا بالبقاء صامدًا ومتين العزم أمام الصعوبات، لأجل حماية أسرته وإبقائها في أمان وسلام.
_______________________________
باليوم التالي استيقظ مصطفى على فطور هدير التي كانت تضعه أمامه بسعادة كبيرة جلست بجانبه وهي تتحدث معه وتحاول أن تنسيه ما حزنه
-وبقيت شغلك عملتي فيه إيه ؟
-صراحة الراتب هنا أضعاف ما كنت باخده فكرت كتير إني أروح أشتغل في البيوت بس كنت بخاف لإن معظمهم بيبقى فيهم شباب لكن البيت هنا ريحني ومعظمه ستات ويعتبر أنت وباباك اللي موجودين وساعات باباك بيكون مسافر فمفيش حاجة أخاف منها وفيه كتير خدم موجودين فأنا مش لوحدي كنسلت الباقي وبقيت معتمدة الشغل ده.
-وأخواتك؟
-ياسين ودارين بيروحوا الصبح الحضانة وبعد العصر هما عارفين بيت طنط فردوس جارتنا ساكنة جمب الحضانة بيروحوا يقعدوا معاها الشوية دول لحد ما بخلص هنا وبرجع أجيبهم ونروح والاجازة قربت تخلص شوية ويرجعوا تاني فترة الصبح في المدرسة وأجيلهم على آخر النهار.
-طيب كويس...وبالنسبة لباباكِ قابلك تاني؟
نظرت إليه بحزن:
" بابا مشوفتوش تاني من ساعت ما قابلك آخر مرة هو عادةً ما بيظهر وأديك شوفت ظهر لما أخرّت عليه الفلوس بتاعت أول الشهر . "
ظلّا يتحدثان في مواضيع شتى، بعضها لا يحمل أهمية تذكر، لكنهما كانا يستمتعان بكل لحظة يمضيانها معًا. كان مصطفى يتنقل بين تأملها وهي تتكلم وبين الاستماع إليها. كثيرًا ما كانت تتشتت أفكاره بسبب سحر جمالها الطبيعي، الخالي من أي مستحضرات تجميل. كانت ملامحها نقية، حاجبها بسيط، وعفويتها تأسره. كان يعشق فيها تلك الطبيعة البسيطة غير المتكلفة، وطريقتها الصادقة في الحديث. لم تكن تتصنع، بل كانت تتحدث ببساطة وعفوية تامة، مما جعله يشعر بعمق صدقها وجمال روحها.
قاطع حديثهم رحاب التي كانت تسير بممر غرفة مصطفى واستغربت من وجود هدير بالغرفة معه بل وجالسة بجانبه أيضًا تتحدث وتضحك ما علاقة تلك الفتاة بابنها؟
-من إمتى وإحنا بنقعد نضحك ونهزر مع الخدامين؟!
شعرت هدير بالاهانة من بحة صوتها ونهضت مسرعة لتخرج من الغرفة تنظر للأسفل باحراج
وقف مصطفى بغضب مما سمعه:
"ماما هدير مش خدامة."
-اوو... هدير! كمان عارف اسمها دي لسه جاية إمبارح؟ ومن إمتى وإحنا بنصاحبهم ونقعد نضحك معاهم.
-عشان هدير مش خدامة زي مانت متخيلها أنا مش شايفها خدامة أنا أعرفها من قبل كده و....
كان سيفشي بسره ولكنه تراجع بسرعة قبل أن يخرب كل شيء.
تقدمت تجاهه وأمسكته من ذراعه لتدفعه خارج الغرفة وهي تقول له:
"بص تحت كده هدير بتكنس مع بقيت الشغالين... تبقى خدامة."
شعر مصطفى بوجع داخله وهو يراها ثم نظر بالجهة الأخرى ليقول لوالدته باستسلام:
"أنتِ عايزة إيه يا ماما؟ "
-عايزاك تفوق... أختك ضاعت من إيدي عاوزاك تنصح شوية وتبقى اختياراتك صحيحة وفوق لنفسك.
دخل مصطفى الغرفة وهو يرفع رأسه للأعلى وياخذ نفسه بعنف فجاءت رحاب من خلفه وهي تهتف بتساؤل:
"مين خرجك إمبارح؟ "
-يزن.
-ودخل إزاي؟
-معرفش المهم إنه خرجني من الأوضة اللي كنت حبساني فيها !
قالها بصوت مشحون بالوجع وكتمان دموعه واهتزاز صوته بتلك الكلمات جعلت رحاب تشعر بشيء كغصة ما بقلبها من سماع صوته بهذا الضعف!
-ماما أنا تعبان أوي ممكن تسيبيني أريح شوية قبل حفلة خطوبة يارا؟
خرجت رحاب من غرفته وأغلقت الباب ومرت على غرفة يارا فرأت أسيل وراءها تضحك معها وتختار معها المجوهرات التي سترديها يارا اليوم.
فابتسمت رحاب قليلًا وهي ترى يارا سعيدة هكذا ما يرضيها هو أنها ترى ابنتها سعيدة حقا من قلبها بتلك الزيجة.
نزلت بالأسفل لتشرف على إقامة الحفل والترتيبات.
___________________________
-عمر أنا مش مصدقة اللي قولته لماما وإن علي سافر...أنت سمعت الريكورد صح ؟
-انزلي يا علا الاتيليه أهو انزلي مش وقته الكلام دلوقتي.
-مش هنزل إلا لما تجاوبني، أنت زعلان مني.... س... سمعت الريكورد اللي بعتهولك... علي كويس وديته فين ؟
-أه كويس يا علا في مكان أحسن.
صرخت علا بقلق: "مات؟؟."
أنكر عمر بسرعة: "مات إيه بس لا.. اهدي أنا وديته مصحة يتعالج."
ابتسمت علا وأخذت نفسًا مريحًا ثم سألته: "ويارا؟"
-سيبنا من يارا دلوقتي نركز عليكِ.
بلعت ريقها بخوف: "أنا؟"
-جيبتي الريكورد ده منين؟
-من موبايل علي.
-وجبتيه من موبايل علي إزاي قولتيله هاخد منك ريكورد مكالمة بينك وبين صاحبك، ده تسميه إيه؟
-أنت بتقول إيه يا عمر !... لولا اللي عملته كان زمانك متعرفش أي حاجة عن اللي علي عملها.
-كان فيه كذا طريقة تعرفني إلا الطريقة دي اللي أنا متقبلهاش أبدًا ده اسمه تجسس فاهمة يعني إيه تجسس اللي عملتيه غلط وميتكررش تاني.
-حاضر يا عمر، بس متنكرش إن اللي عملته ده كان لازم عشان تعرف كل حاجة علي بيعملها، أنت سمعت الريكورد؟
-سمعته بالحرف.
-طب شوفت هو اتكلم عليا إزاي وفي الآخر صاحبه قاله إيه عليا أنت شايف علي بيعمل إيه؟؟؟
قال باستغراب:
"اتكلموا عليكِ؟؟.... الريكورد كان بين علي وصاحبه وبيتفقوا هيروحوا ويجيبوا المنيل اللي بيتعا طوه ده إمتى وهيتقابلوا فين."
اتسعت عيناها من الصدمة وقالت:
"لا أكيد مش ده."
أخرج هاتفه من جيب بنطاله وفتح السجل الصوتي لتسمعه:
"مش ده إيه أهو الريكورد اللي بعتيه."
سمعت السجل الصوتي الذي كان يدور بمحادثة صوتية حول علي وصديق آخر إنه ليس هو،ليس السجل الذي سمعته، إنه السجل الخاطئ!
وتذكرت ما حدث في لحظة من التوتر، وهي تقوم بإرسال السجل الصوتي لنفسها، ضغطت عن طريق الخطأ على السجل الخاطئ وأرسلته دون التحقق من صحته، فقد كانت مشغولة بالخوف من أن يكتشف علي ما تقوم به. والآن، تجدها تندم على حماقتها، فقد أرسلت شيئًا دون أن تكون واثقة مما إذا كان هو السجل الصوتي المناسب أم لا. عمر لا يزال غافلاً عن كل ما يجري، وهي تشعر بالقلق المتزايد حيال ما قد تسببت فيه هذه الخطوة السريعة والخاطئة.
وضعت يديها على جبينها بندم
فسألها عمر: "في إيه مالك؟"
فتحت عينيها ونظرت اليه: "عمر أنت لازم تعرف.....
-المهم متكرريش الحركة دي تاني يا علا إحنا اخوات وكل واحد ليه خصوصيته.
-حاضر... بس أنت لازم تعرف إن علي اتفق مع صاحبه إنهم......
-استني بابا بيرن
ابتسم وهو يفتح المكالمة:
"حمد لله علسلامة دقايق وأكون عندك."
أغلق المكالمة ونظر لعلا وهو يضحك:
"خلاص ننسى كل حاجة عشان النهاردة هو أسعد يوم في حياتي."
أخرج مال من حافيته وأعطاه لعلا:
"خدي دول بزيادة عشان لو لقيتي حاجة عجبتك متنسيش ماما عاوزة سواريه اسود مبتحبش الألوان هروح أجيب بابا من المطار وأوصله وبعد كده آجي أجيبك وبعدين هروح هظبط نفسي بقى."
ضحك ضحكة جميلة نقية مليئة بالفرحة الصادقة وهذا ما أقلق علا أكثر.
نزلت من السيارة ثم أسرع عمر بالتوجه إلى مطار ليستقبل والده الذي نزل خصيصًا ليحضر خطبة ابنه ويعود مرة أخرى ليكمل عمله.
_____________________________
تألقت يارا بفستانها الأخضر أحب الالوان إلى قلبها، بدت يارا وكأنها زهرة نضرة تنمو في وسط حديقة خضراء تفوح بعطر الأزهار وجمال الورود. تصميم الفستان كان يتناغم بشكل مثالي مع قوامها الرشيق، مع تفاصيل دقيقة تضفي عليه لمسة من الأناقة والسحر.
وأيضًا لا ننسى عمر، بوسامته الساحرة وأناقته في البذلة، كان يتميز بلقب "الجنتل مان"، فعندما يرتدي بذلة، يتحول شكله بشكل ملحوظ، مُلبّيًا القيم الرفيعة والأناقة الراقية. تتحول مئة وثمانون درجة، ليصبح مظهره يعكس الأناقة والرزانة التي تتلاءم مع كبار الشخصيات في المجتمع.
كانت يارا سعيدة وقلقه بنفس الوقت ولكن عانقتها أسيل بحب وهي تطمئنها بعينيها بأن اليوم سيمر بخير فهو يوم خطبتها من الشخص التي كانت تنتظره طيلت عمرها...ثم خرجت أسيل من الغرفة وتقابلت مع رحاب التي دخلت الغرفة ورأت ابنتها كم هي جميلة حقًا وكم هي حمقاء أيضًا!
جمالها خلاب يذهب عقل مليونير وليس عمر هذا كانت تتمنى بأن تزوجها من رجل غني لتعيش حياة مريحة، ولكنها اختارت طريقًا خاطئًا والآن تدفع ثمن خطأها.
عانقتها ببرود ثم نظرت إليها وقالت:
" إيه مالك ما تهدي شوية ارسي كده."
-يا ماما فرحانة.
ردت عليها بقسوة:
"فرحانة على إيه دي فرحة دي بس نقول إيه كان فين مخك وأنتِ بتعملي كده معاه وأنا اللي غلطانة إني مراقبتكيش وعرفت بتروحي وبتيجي فين."
نظرت إليها يارا بترجي ووجع:
"ماما أرجوكِ مش عاوزة أتضايق النهاردة سيبيني أفرح يوم."
قالت بتذمر وهي تقلدها بسخرية:
"سيبيني أفرح يوم...محسساني إن حياتك كانت جحيم... أنتِ بنفسك اللي بتوديها للجحيم بإيديكِ... بس أنتِ حرة كل واحد بيتحمل نتيجة غلطته يلا عشان المعازيم مستنية وأهله جم."
كانت أسيل بانتظار يزن وأرسلت إليه رسالة عبر هاتفها:
"أنت مش قولت هتيجي خلاص هتبدأ الحفلة !"
أرسل لها رسالة نصية:
"خلاص أنا في مسافة السكة."
___________________
نزلت يارا بخطوات خجولة، وكأنها تُرى لأول مرة بعيني عمر. كانت تتجنب نظراته التي كانت تتبعها بإعجاب وشغف.
نظر عمر إلى يارا، وتسارعت دقات قلبه، وكأن سحرها قد سيطر عليه، فلم يعد يرى سوى يارا، واختفى الجميع من حوله. تقدم نحوها بخطوات واثقة، متأملاً جمالها الذي ظل غافلاً عنه طوال تلك السنوات، وكأنه يكتشفها من جديد.
أمسك بيديها الاثنتين، ونظر في عينيها بصمت، مستشعرًا في تلك اللحظة تدفق مشاعر غير منتظمة. كانت يارا تخجل من نظراته العميقة، ولكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من النظر في عينيه، حيث التقت أعينهما، محملة بكلمات كثيرة لا يستطيع أي منهما البوح بها. وحين طال نظره إليها قالت في توتر وخجل:
"عمر، قول حاجة اتحرك أنا ابتديت أقلق."
قال بهيام واضحًا على تعابير وجهه:
"أنا إزاي كنت مغفل كده إزاي مشوفتكيش كل ده إزاي روحتي عن بالي، أنا غبي."
ضحكت قائلة: "للأسف اه."
ضحك عمر وهو ينظر إليها متعلقًا بعينيها لا يقدر على النظر لشيء آخر:
"أنا مش مصدق إنك حبيبتي مش مصدق إنك قدام عيني بصفتك حبيبتي،أنا اسعد إنسان في الكوكب وأكتر إنسان محظوظ...بحبك."
عانقها بقوة وصفق الجميع في فرحة عدا رحاب التي كانت تؤدي بالواجب وكانت تمَل من تلك الحفلة الزائفة لولا أناقة عمر لما كانت عرفته على أصدقائها وما كانت صنعت حفل من الأساس.
لاحظت إحدى صديقاتها شرودها فسألتها بفضول:
"مالك يا رحاب؟"
-مش قادرة أصدق نفسي... بجد مش ده اللي توقعته من يارا أبدًا.
-إيه مالها يارا حبت شخص كويس ومحترم ومهندس وكمان....وسيم.
-أيوة بس مش دي الطبقة اللي كنت عايزاه تفضل فيها أنا عليت طبقة وكان نفسي أحطها في طبقة أعلى من كده هيعيشها في شقة... شقة !! مش قادرة أتخيل إنها هتعيش اللي عيشته تاني.
-هي بتحبه وده أهم حاجة.
لم تكترث رحاب بتعبير صديقتها، وحدّقت في المشهد أمامها بنظرات تحمل نية تخريب تلك الزيجة، ولكنها كانت تعلم أن ما باليد حيلة. كان لا بد أن تتزوج ابنتها بمن اقترفت معه تلك الجريمة، وإلا ستُفضح هي وابنتها ويُطردان من المنزل. لو علم شريف بالأمر، لما أبقى عليهما لحظة واحدة، حرصًا على سمعته.
وعلى الجانب الآخر، نظرت إلى أسيل التي كانت تستقبل يزن بابتسامة ملؤها الفرح. منذ ظهور يزن في حياتها، تغيّر حالها وبدأت ترى ضحكتها تزين وجهها بشكل متكرر.
كان قلب رحاب يشتعل بنيران الغيرة والحقد، وهي ترى مصطفى واقفًا مع هدير، يضحكون بسعادة. شعرت بأن أحلامها تتبخر أمام عينيها. كل ما كانت ترتب له يسير عكس ما توقعت. ترى أولادها يضحكون مع من هم أقل منهم مكانة اجتماعية، وترى أسيل تضحك مع يزن الذي يفوقهم ثراءً.
تمنّت لو كان يزن من نصيب يارا، ومصطفى لفتاة غنية مثلهم، وأسيل لأي شاب عادي يبقيها تعيسة وتُدمر، بينما يبقى أولادها الآخرون في أرقى حالاتهم وأفضل إطلالاتهم. لكنها الآن ترى أحلامها تتهاوى واحدة تلو الأخرى، وكل شيء يحدث بعكس ما خططت له. كانت تلك اللحظات تلتهم قلبها حسرة ومرارة، وهي تشهد انقلاب الأمور رأسًا على عقب.
____________________
تحدث يزن مع أسيل يسألها :
"أسيل هو أنتِ بتاخدي دوا بتاكلي حاجة بتشربي حاجة واجبة لازم تعمليها قبل ما تنامي؟"
كتبت له بدفترها:
"طبعًا مبعرفش أنام غير لما أشرب كوباية قرفة بلبن معرفش أنام غير لما أشربها بتريح أعصابي وبتساعدني علنوم. "
تعمق كلماتها وأخذ يفكر إن كانوا يضعون لأسيل شيئًا بكوب الحليب هذا قبل أن تشربه أم هي نالت صدمة أخرى عليه أن يتأكد أولًا.
ثم استأذن منها ليذهب للمرحاض فاوقفته هدير
-بعد إذن حضرتك ممكن نتكلم شوية؟
-أه اتفضلي طبعًا عاوزة حاجة؟
-أنت خطيب أسيل مش كده شوفتك إمبارح عاوزة أقولك على حاجة بتخص أسيل هانم.
انتبه يزن للحديث وقال:
"أكيد اتفضلي."
-أنا سألت أستاذ مصطفى وقالي مفيش غيرك اللي أقدر أقوله بعيد عن مدام رحاب...
-قلقتيني، خير؟
-خير إن شاء الله بس كنت إمبارح بنضف المطبخ بعد ما الكل مشي وحد من الخدم الكبيرة بتاعتنا مشرفتنا قالتلي إني أحضّر حليب وأغليه وأطلعه لأسيل هانم و وأنا بصبه وبحطه في الصنية وبحط جمبيه بطرمان قرفة لإني عرفت إنها بتحب القرفة باللبن قبل ما تنام لقيت مشرفتنا سعدية بتديني شريط دوا آخد منه حباية وبتقولي أدوبه في اللبن أنا الصراحة حاولت استفسر منها ده ليه قالتلي ده علاج ليها... بس لما طلعت وسألت أسيل هانم عشان أعرف عندها معرفة بده ولا لا، لإن ممكن إنها كانت تاخد الحباية لوحدها بشوية ماية ليه أدوبها في اللبن مكنتش مقتنعة الصراحة وحسيت إن فيه إنّ ولما سألتها كتبتلي في الدفتر إنها مش بتعاني من حاجة ولا بتاخد علاج ومكنش عندها دراية بإنهم بيدوبلها حباية في اللبن اللي بتشربه أنا قولت لمصطفى إني عاوزة أقول لرحاب هانم ولكن مصطفى منعني وقالي أقول لحضرتك الأول وإن رحاب هانم أكيد عندها دراية بده لإن الشغالين مش هيعملوا كده من نفسهم.
صُدم يزن مما سمعه، وتيقن بأن أسيل لا تتحدث بسبب مؤامرة خطيرة وراء ذلك، رحاب هي من تسعى لإخماد صوتها وإسكاتها إلى الأبد لجعلها خرساء عن قصد. كان يزن يشتعل غضبًا، ويفكر في الذهاب إلى رحاب وخنقها حتى الموت بسبب ما تفعله بصغيرته البريئة. أدرك حجم المعاناة التي مرت بها أسيل، والتي ما زالت تعاني منها تحت وطأة هؤلاء البشر القساة. ولكن الآن، طفح الكيل. لم يعد يزن مستعدًا للسماح لأي شخص بأن يقترب من أسيل أو يؤذيها. قرر أن يحميها بكل قوته، وأن يكون الدرع الذي يصد عنها كل أشكال الأذى. مشاعر الحماية والغضب تغلي في صدره، وتملأ قلبه بتصميم لا يلين على الدفاع عن من يحب، مهما كلفه الأمر.
________________________
كان علي يحتفظ بصورة ليارا في جيب بنطاله الخلفي، وعندما أخرجها وتأمل ملامحها، انهمرت دموعه بغزارة. بكى مثل الأطفال، فالحب الذي يكنه لها كان عميقًا وصادقًا. أحبها بصمت، وأخفى هذا الحب في أعماق قلبه. الآن، يتساءل كيف سيواجهها بعدما تسبب في إيذائها. هل ستسامحه على ما فعله؟
كانت مشاعره متضاربة، بين الحب العميق والشعور بالذنب، يهمس لنفسه: "أرجوكِ، سامحيني يا يارا. لقد أخطأت بحقك، وأطلب منك العفو."
كانت دموعه تعبر عن ندمه العميق وألمه، وكأنها تروي قصة حب مختبئة وصراع داخلي لا يهدأ. كلما نظر إلى صورتها، تمنى أن يجد في قلبها مكانًا للمسامحة، وأن تمنحه فرصة جديدة ليكفر عن أخطائه ويعوضها عن الألم الذي سببه.
__________________________
أمسك عمر بيد يارا برفق، وعيناه تتأملان وجهها بابتسامة تعكس سعادته العميقة. عندما ألبسها خاتم الخطبة، شعرت يارا بنبض قلبها يتسارع من فرط الفرح، وكانت نظراتهما تحمل الكثير من الحب والتفاؤل. كان كل منهما يشعر بأن هذا الخاتم ليس مجرد قطعة من المجوهرات، بل رمزًا لوعدٍ أبدي يجمع بين قلبيهما.
رقصا معًا وسط الحضور، محاطين بنغمات الموسيقى الرقيقة، وضحكاتهم الطريفة تتعالى بين الحين والآخر. كان الحب يغمرهما بشكل لم يعرفاه من قبل، يتمنيان أن تتوقف عقارب الساعة ليعيشا في تلك اللحظات للأبد. كانت عيونهما تلتقي بين الحين والآخر، مليئة بالشغف والأمل، وكأنهما يرسمان مستقبلًا مشرقًا معًا.
لكن، بالرغم من السعادة الغامرة التي عاشاها، كان القدر ينسج في الخلفية خيوطًا لم تكن في الحسبان. كانت هناك أحداث قادمة تنتظرهم، مجهولة المعالم، قد تهز أساسات تلك اللحظات السعيدة. وفي أعماق قلب كل منهما، كان هناك إدراك خافت بأن الحياة قد تخبئ لهم تحديات جديدة، لكنهما كانا مستعدين لمواجهتها معًا، مستمدين القوة من حبهم العميق.
______________________
باركت أسيل ويزن ليارا وعمر في سعادة وبارك مصطفى ليارا وعانقها بقوة وهو يشعر بسعادة أخته التي طالما تمناها وأخيرًا يراها سعيدة.
قال مصطفى بحب وهو ينظر لأخته:
"مش عاوز الفرحة دي تختفي من وشك تاني طلع لايق عليكِ الفرحة أكتر بحس إن كل ملامح وشك بتضحك معاكِ."
قال عمر بتأكيد:
"أيوة فعلًا شايف فرحتها عاملة إزاي."
تحدث مصطفى بمرح:
"لو كنت أعرف إن اللي هيخلي ضحكتك من الودن دي للودن دي عمر كنت أجبرته يتجوزك من زمان."
أجابه عمر بتمني:
"ياريت كنت عملت كده علأقل كنت شوفت صح بدل ما كنت مغفل ساعتها كده."
قالت يارا بابتسامة وحب بداخلها:
"ربنا كاتبلنا نتخطب في اليوم كذا الساعة كذا فدي تدابير مش هندخل فيها ولو اتأخرت فده عشان ربنا مخبيلنا الخير."
ابتسموا الثلاثة بفرحة عارمة، وتقدم عمر بخطواته ليكمل رقصته مع يارا. كان مصطفى يراقبهم بعينين ملؤهما التأمل، حتى وقعت عيناه على هدير التي كانت واقفة أمامه ولكن بعيدة عنه حيث كان بينهم عمر ويارا يرقصون كانت مثله تمامًا تتأملهم بصمت وهي مبتسمة .
تلاقت أعينهما وتخيل كل منهما أنهما يرقصان سويًا مثل عمر ويارا، إذ اختفى العالم من حولهم وبقيا هما الاثنان فقط. تقدم مصطفى نحو هدير ببطء، ووضع يده بلطف على خصرها ليجذبها نحوه برقة. استسلمت هي لنظراته الساحرة، ولفّت ذراعيها حول عنقه بحب. أخذوا يرقصون بإنسجام تام، غمرهم الحب وملأت الضحكات وجهيهما. فجأة، توقفت أحلامهم وعادوا إلى الواقع حين تغيرت الموسيقى إلى نغمة جديدة ألهبت أجواء الحفل. ضحكوا بخجل على تخيلاتهم، وانسحبت هدير من أمام ناظري مصطفى بخجل واضح، وكأنها شعرت أن مصطفى قد اكتشف ما كانت تتخيله. ثم انطلقت لأداء واجباتها.
رفع مصطفى شعره بتأمل، ونظر إلى البعيد وهو يضحك بمحبة، فرأى شهاب أمامه يشاركه الضحك. نسي مصطفى كل شيء في لحظة، وعانق شهاب بشوق عميق، ورقصا معًا وسط ضحكات تملأ المكان.
_______________
قال شريف بانبهار:
"أنا شايف سعادة عارمة على وجوه كل اللي في الحفلة النهاردة مصطفى يارا أسيل كلهم مبسوطين."
أجابته رحاب:
" طبيعي يفرحوا شوية ويحزنوا شوية دي الحياة متتخيلش إنك تفضل فرحان دايمًا لو فرحت اعرف إن فيه حزن مقبل عليك دايمًا ترقب الحياة لإنها غدارة. "
نظر شريف إليها باستعجاب:
"يا ستار عليكِ ! ده بدل ما تقولي الحمد لله لإن كنت ملاحظ تعاسة أولادك الفترة دي وأهم سعداء كلهم."
نظرت إليه رحاب ووافقته الرأي وحمدت ربها بتأدية واجب فقط.
________________________
بحثت أسيل عنه بشغف وأخيرًا رأته يقف ويتحدث مع دعاء. أثار الفضول في قلبها تساؤلات عما يدور بينهما من حديث.
قادها الفضول للاقترب منهما. وعندما اقتربت، لاحظ يزن اقترابها وحاول تغيير الموضوع قائلاً:
"أسيل، كنا لسه بنتكلم عنك."
نظرت أسيل إلى دعاء، ثم أخرجت دفترتها وكتبت:
"ماما كويسة؟"
قرأت دعاء ما كتبته وأجابتها بابتسامة مطمئنة:
"أه يا حبيبتي، كويسة الحمد لله."
ثم نظرت دعاء إلى يزن وقالت:
"يلا."
أمسك يزن بيد أسيل ليتوجها الثلاثة بالخروج من المنزل، وركبوا جميعًا في سيارة يزن. كانت أسيل تشعر بالحيرة والارتباك، فسألت يزن بعينيها التي تعكسان تساؤلاتها. أدرك يزن ما يجول بخاطرها، فابتسم وقال:
"هتعرفي لما نوصل."
وصلوا أمام عمارة كبيرة، ونزلوا جميعًا من السيارة. عندما نزلت أسيل، نظرت إلى يزن بتساؤل. تفاجأت به يضع قماشة صغيرة على عينيها. أظهر القلق والخوف في ملامحها حين فقدت رؤية ما حولها، فطمأنها يزن بإمساكه بيدها وهمس في أذنها بدفء قائلاً:
"لا تخافي عزيزتي، أنا هنا ولن يصيبك أي مكروه ما دمتُ معك.♡"
ابتسمت أسيل من سماع تلك اللهجة، فهي طالما أحبّت سماعها. أمسك يزن بيديها وتقدما معًا داخل العمارة. لم تكن أسيل تعلم إلى أين يذهبون أو بمن ستلتقي، لكن إحساس الأمان الذي منحه إياها جعلها تتابع خطواتها بثقة.
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم مريم الشهاوي
|سأتزوجك لأنني أُحبك|
صلوا على الحبيب
صعد يزن ودعاء وأسـيل المصعد الكهربائي، وما أن توقف المصعد عند طابقٍ معين وفتح بابه، حتى أحاطت يدٌ دافئة ذراع أسيل بلطف، قادها بحذر للخروج من المصعد. وقفت أمام شقةٍ لا تعرفها، ولكنها امتثلت صامتة، تترقب ما سيحدث.
وفي لحظة غير متوقعة، انطلقت كلمات من غناء رقيق:
"سنة حلوة يا جميل، سنة حلوة يا جميل، سنة حلوة يا إيسو سنة حلوة يا جميل."
وقبل أن تستوعب ما تسمعه، كان يزن قد أزال القماشة من على عينيها، لتفاجأ بوالدتها جالسة أمامها على كرسي متحرك، تحمل كعكة عيد ميلاد مضاءة بالشموع، تغني لها بإبتسامة دافئة لم تفارق وجهها. بدأت الدموع تزرف من عيني أسيل، فقد كانت مشهدًا مؤثرًا للغاية، وحتى قمر والدتها، لم تستطع الثبات على دموعها، لكن استمرت في الغناء مبتسمة.
نظرت أسيل إلى يزن، الذي كان يراقبها بابتسامة تعبر عن فرحته بسعادتها. كانت تشعر بمشاعر عميقة تنبت بداخلها تجاهه؛ يزن يفعل كل شيء ليجعلها سعيدة. انحنت على ركبتيها أمام والدتها، اقتربت من الشموع، ونفختها لتنطفئ. ابتسمت قمر وقالت:
"اتمني حاجة."
همست أسيل في داخلها: "لم يعد هناك شيء أتمنى أكثر مما أملكه الآن."
يزن كان يقف متأملاً، قلبه يضحك لرؤية فرحتها، وقد تمنى أن تبقى سعيدة دائمًا. نظرت إليه أسيل، وتلاقت أعينهما. تلك النظرات حملت في طياتها الكثير من الشكر، فقد جعل هذا اليوم من أسعد أيام حياتها، بفضل ذكرياتها الطيبة مع والدتها.
دخلت دعاء المنزل، وتبعتها أسيل، تضحك مع والدتها. وقبل أن تغلق دعاء الباب، رأت يزن يقف بالخارج، فقالت:
"ادخل يا بني."
ابتسم يزن معتذرًا بوضوح: "لا يا طنط، ما ينفعش أكون معاكم. أنا غريب عنكم، هستأذن."
ابتسمت قمر حين سمعته، زادت مكانته في نظرها أضعافًا. استأذن يزن للمغادرة، وأغلقت دعاء الباب. ولكن بعد لحظات، ركضت أسيل نحو الباب، فتحته بسرعة، نزلت السلالم لتلحق بيزن قبل أن يغادر. حين وصل المصعد إلى الطابق الأرضي وفتح بابه، فوجئ بأسيل تقف أمامه، تتنفس بصعوبة. نظر إليها بقلق:
"أسيل، انتِ كويسة؟ في حاجة حصل..."
وقبل أن يكمل جملته، عانقته أسيل بقوة ودون سابق إنذار. ارتخى جسده واستند على باب المصعد، وحين أدرك ما يحدث، احتضنها بذراعيه بشغف، اشتاق لرائحة شعرها، وشعر بقلبه ينبض بشدة وجسده يرتجف حين أحس بأنفاسها الدافئة على رقبته، مما جعله يشتد في حضنها، وكأنه يريد أن يخفيها بداخله.
كان عناقًا غير عادي، فالشغف تجاه الآخر كان متبادلًا، والإحساسات القلبية كانت متشابهة. كلاهما كان يدرك ما في قلبه، ولكن يخشيان الإفصاح.
بعد دقائق طويلة، ابتعدت أسيل عنه ببطء، نظر إليها بنظرات جائعة، يتمنى لو أن العناق يدوم للأبد. ابتسمت له أسيل بخجل، وتعمقت عينيها في عينيه. كانت النظرة مختلفة هذه المرة، توحي بشيء آخر. تلك النظرة تشبه نظراته لها، وكأن شعورها تجاهه بدأ يظهر بوضوح في قلبها أيضًا. ظلت أعينهما معلقة ببعضهما، هو لا يزال يضع ذراعيه حول خصرها، وهي لا تزال يديها حول عنقه. لم يكن هناك كلمات، فقط أعينهما التي كانت تتحدث.
ثم سمعا صوت المصعد يوحي بنزول شخص ما، فابتعدت عنه بسرعة وودعته بابتسامة، ثم ارتقت السلالم وهي تضحك بسعادة تغمرها، وضعت يدها على قلبها لتهدئه قليلًا، وأمسكت هاتفها وأرسلت له رسالة:
"كنت حابة أشكرك على كل اللي عملته معايا♡."
رن هاتفه معلنًا بقدوم رسالة جديدة، فتحها ووجد أن أسيل هي التي أرسلتها، نظر إلى الرسالة مبتسمًا، ووضع يده أيضًا على قلبه ليهدئه. يا ليته يأتي اليوم الذي يستطيعان فيه الإفصاح عن مشاعرهما المختبئة بقلوبهما.
____________________________________
صعدت أسيل إلى شقة دعاء للاحتفال بعيد ميلادها، وقد اجتمعت سعادة غامرة باللقاء بين الأم والابنة بعد طول اشتياق. قضت أسيل وقتها ترقص مع والدتها وتشاركها لحظات من الفرح الخالص، وقد شعرت أن اللحظات تحتضنها بحنان كان مفقودًا لسنوات. جلست أسيل بجوار والدتها، وبدأت تكتب في دفترها عن يزن، تحكي كيف تعرفت عليه وكيف كان دائمًا منقذها في اللحظات الصعبة.
بعد أن أنهت سردها، نظرت قمر إلى ابنتها بحنان، وضعت يدها على خدها برفق وابتسمت قائلة:
"أتمنى أن يكون يزن الزوج المناسب لكِ، يا حبيبتي، وأنه يحبك ويُسعدك طول العمر. يظهر أنه بيحبكِ وأنتِ ظاهر عليكِ نفس الشعور."
اتسعت عينا أسيل بسرعة لتنفي، وكتبت لوالدتها: "إحنا الاتنين مش بنفكر في الحاجات دي خالص، وهو عمره ما هيعمل كده لأننا..."
كانت على وشك أن تخبرها عن الاتفاقية المزيفة بينهما بشأن الزواج، لكنها تراجعت عندما رأت سعادة والدتها. فكتبت لها: "ربنا يتممها على خير، وإن شاء الله تحضري جوازنا وانتِ واقفة على رجلكِ وترقصي كمان."
ضحكت قمر، واحتضنت ابنتها بحنان. دخلت دعاء في تلك اللحظة، قائلة:
"ضحكوني معاكم."
تحدثت قمر، مبتسمة: "مافيش، أنا فرحانة بأسيل، ربنا بعت لها يزن لينتشلها من كل اللي كانت فيه ويدخل البسمة إلى قلبها. ربنا يسعده دايمًا."
كتبت أسيل: "احكي لي عن أولاد رحاب."
ابتسمت قمر وقالت: "يارا في كلية الهندسة، ودي آخر سنة ليها. دايمًا كانت تبدو زعلانة أو متضايقة، لكن لما عمر خطبها، عادت البسمة لوجهها. مصطفى أصغر منها بسنتين، في تالت سنة في كلية طب الأسنان. ما بيعملش حاجة غير إنه بيذاكر، ما بيخرجش من أوضته. الاتنين ماشيين على أوامر طنط رحاب، تقدري تقولي إنهم بالنسبة لها مجرد آلات تعمل إيه وتسوي إيه. أنا كنت بعارضها، فكانت تحبسني..."
مسحت أسيل آخر جملة كتبتها وأكملت: "بس، وعشنا كده لمدة عشر سنين. بروح جامعتي، وأرجع أكمل يومي في أوضتي مع لوحاتي."
أشعرت قمر بسعادة حين رأت رسومات ابنتها الرائعة، وفخرت بأنها قد حققت حلمها في أن تصبح فنانة. كانت أسيل تبتسم وهي تتحدث عن رسوماتها، لكن قمر قاطعتها بسؤال مؤلم:
"وأبوكي فين؟"
كتبت أسيل بصعوبة، محاولةً ألا تبكي: "بابا ميعرفش عني حاجة غير إني صاحية وبتنفس، ومدي المسؤولية كلها على طنط رحاب. نادرًا ما بيسألها عن حالي، ونادرًا ما بشوفه، رغم إننا في نفس البيت. هو بيجتمع مع أولاد رحاب عشان ياكلوا، وأنا ما بآكلش معاهم بقالى سنين، حابسة نفسي في أوضتي، ما بخرج إلا للجامعة."
قالت قمر بحزن: "ليه كده يا بنتي؟ هي دي حياتك طول العشر سنين؟ حابسة نفسك ليه؟ ليه تبوظي حياتك ونفسيتك بالشكل دا؟ الحياة موقفتش."
اجتمعت الدموع في عيني أسيل قائلة بداخلها : "لا، وقفت عندكِ. لما ما بقيتش بحس بحنانك حواليا، لما اختفيتي من حياتي فجأة. اللي كنت مستنياه من بابا إنه يحتويني، لكن محصلش. جاتله سفرية بعد موتك على طول، وسابني في البيت مع شوية خدامين، وأنا عندي عشر سنين. كنت بعيط كتير لوحدي، ومحدش بيسمعني. كنت فاقدة النطق ومش عارفة أتكلم، بمسك صورتك وأحضنها وأطبطب على نفسي كأنها إنتِ. لما نزل من السفر، جريت عشان أحضنه وأقوله لو هيسافر تاني ياخدني معاه، لكنه رفض، وفضل شهر سايبني لوحدي في البيت. بعد شهر، جاب طنط رحاب وعيالها، وقال لي إنه اتجوزها وإنهم هيعيشوا معايا ويبقوا إخواتي. من يومها، ما شفتش ولا يوم حلو. تخيلي، يا ماما، دا أول عيد ميلاد أحتفل بيه. نسيت تاريخه من كتر السنين اللي عدت ومحتفلتش بيه. كنت بشوفه بيحتفل مع أولاد طنط رحاب بعيد ميلادهم، ويعمل لهم عيد ميلاد كبير، وأنا حتى ما بيفتكرش إن ليا عيد ميلاد ولا يفتكر تاريخه. كنت نكرة بالنسبة له، وكل ما كان بيبصلي، كان يدور وشه الناحية التانية."
صمتت أسيل وهي تخشى البوح بكل هذا كي لا تحزن والدتها عليها وحاولت تغيير الموضوع حيث تفهمت قمر هذا وعاودت الضحك معها في أمور عادية.
في روايتنا، نحن أمام ثلاثة أنواع مختلفة من الآباء. أولهم، والد أسـيل الذي نسي أن لديه ابنة، تركها مع زوجته معتقدًا أنه قد أدى واجبه بتوفير رعاية زوجة جديدة. كره ابنته لأنها تذكره بوجه زوجته الأولى، وجه اهتمامه إلى أولاد زوجته، يلاعبهم ويضحك معهم، بينما تجاهل ابنته كليًا. يتساءل في نفسه: هل تأكل؟ نعم. هل تشرب؟ نعم. إذن كل شيء على ما يرام، وأنا أب رائع. هذا النوع من الآباء يتصور أن الأبوة تنحصر في توفير الطعام والتعليم، وماذا بعد؟ لا شيء. يعتقد أن دوره ينتهي عند تعليم ابنته وإطعامها، دون أن يفكر في أن يظهر لها حنانه أو أن يعمل بصفته أبًا.
كان هناك أيام تمر دون أن يراها، يسمع فقط أخبارها عن بُعد.
أهذا أب؟ يؤسفني أن أقول لك، لا.
أريد أن أعرف آرائكم في شخصية شريف. هل يستحق لقب الأب بالنسبة لكم؟
________________________________
بعد انتهاء الحفل، وتلقي يارا التهاني من المعازيم في خطبتها، انصرف الجميع تاركين وراءهم أجواء الفرح والأمل. طلب عمر بلطف أن يصطحب يارا لعشاء رومانسي، وهو ما وافقت عليه رحاب بعد تردد واضح. لكن ذهن رحاب لم يهدأ؛ بدأت تبحث عن أسيل التي كانت غائبة عن الأنظار منذ ساعات.
______________________
بعد ساعاتٍ مرَّ يزن على بيت دعاء ليأخذ أسيل ويعيدها إلى منزلها كما اتفقا. عندما نزلت إليه، أشرقت على وجهها ابتسامةٌ خجولة وهي تتجه نحوه بخطواتٍ بطيئة. لاحظت فوراً أن يزن في وضع غير اعتيادي؛ فقد كان يخفي شيئاً خلف سترة بذلته، مما أثار فضولها. اقتربت منه بترددٍ، وعيناها تتابعان ما يخبئه، ثم نظرت إليه بتساؤلٍ صامت. بادلها نظراتها بابتسامةٍ خفية وقال:
"ماينفعش يكون عيد ميلادك وماجبلكيش هدية. بعد خطوبتنا، الصراحة معرفتش أجيب إيه. بحب الهدايا تكون لها معنى وتكون حاجة إنتِ محتاجاها فعلاً. وكنت ملاحظ حاجة وبتمنى تكون ملاحظتي صح. لقيت إن دي الحاجة الوحيدة اللي هتسعدك إن شاء الله."
ظلت تنظر إليه بعينين تائهتين، لم تستوعب تمامًا ما يقصده. قرر يزن إنهاء حيرتها، فأخرج قطة صغيرة لم تبلغ الشهر من وراء سترته. بُهِتت أسيل عندما لمحت القطة، ثم انفجرت ضحكًا من أعماق قلبها، كانت تضحك بفرحة عارمة. التقطت القطة بسرعةٍ من يده، واحتضنتها بحماسٍ، قافزةً في مكانها وكأن أمنياتها تتحقق واحدة تلو الأخرى، وكل ذلك بفضل يزن. شعرت بأن السعادة تتدفق في قلبها مجددًا مثل نهرٍ عارم. أخذت تداعب القطة بلطفٍ، بينما كانت القطة الصغيرة تلهو بخصلات شعرها. نظرت إلى يزن بامتنانٍ عميق، وركبت سيارته وهي منشغلة تمامًا بالقطة، وكأن العالم اختزل في تلك اللحظة. ضحك يزن على حالتها المتغيرة والطفولية نوعًا ما، وابتسامة رضا تملأ وجهه. وقبل أن يركب السيارة هو الآخر، لفت انتباهه وجود قمر في شرفة المنزل، تراقبهم من علٍ. كانت تنظر إليهما بنظراتٍ مفعمة بالسعادة والامتنان، وكأنها تشكر يزن على السعادة التي أدخلها على قلب ابنتها. بادلها يزن الابتسامة برقة، ثم ركب سيارته وتحرك بها نحو منزل أسيل. خلال الرحلة، كانت أسيل غارقة في انشغالها بالقطة، لم تستطع الالتفات عنها ولو للحظة. قال يزن ممازحًا، بنبرة مقتضبة:
"لو كنت أعرف إن القطة هتشغلك عني للدرجة دي، مكنتش جبتها."
ضحكت أسيل ضحكة رقيقة، صوتها الخفيض كأنه لحنٌ رقيق لكنه لمس قلبه بعمق. استمرت في تقبيل القطة بحبٍ، وفي تلك اللحظة تمنّى يزن لو كان هو القطة، لينال تلك القبلات الرقيقة التي تهطل على وجه القطة. تساءل في نفسه بصمت: "آه يا أسيل، ماذا تفعلين بي؟ كيف لكِ أن تأسريني بهذا الشكل، تجعلينني لا أفكر إلا بك؟ وأفكر بأشياء ليست من طبعي بتاتًا !"
اتفق معها على أن يوصلها إلى جامعتها لترى والدتها لبضع ساعات، ثم تعود مرة أخرى. سألها عن سبب إخفاء والدتها لهويتها رغم أنها ما زالت على قيد الحياة. أجابته بأنّها، كحالِه، لا تعرف السبب وتنتظر ما تخطط له والدتها وصديقتها دعاء.
وصلوا أمام منزلها، وتوقفت السيارة. انتظرها يزن لتنزل من السيارة، لكنها بقيت جالسةً تفكر في شيءٍ ما، عيناها تغرقان في تأملٍ صامت. حدق فيها يزن لوهلة، وكأنه قرأ ما يدور في عقلها. مد يده إلى الخلف وأخرج كيسًا يحتوي على مستلزمات القطة.
"خدي، دا كيس فيه أكلها ورملتها. ما تنسيش تدفيها كويس عشان الجو بارد. تصبحين على خير."
ابتسمت أسيل وأخذت الكيس، لكنها توقفت عندما سمعت كلماته التي أشعلت نبضات قلبها:
"تعرفي إنّي بحبك."
ثم أضاف بضحكة خفيفة، لطيفة:
"آه والله، طلعت بحبك... وقعت على بوزي زي ما بيقولوا."
تلاقت أعينهما، وعينيها مليئة بالدهشة والفرحة في آنٍ واحد. شعرت بقلبها ينبض بفرحٍ غامر، لا تعرف كيف ترد أو تتصرف، لكنها بقيت صامتة، تتأمل عينيه التي تغازلها برقة. أكمل يزن حديثه، ابتسامته تملأ وجهه وعيناه تتحدثان بلطف:
"وان جينا للحق... أنا موقعتش كده، ومحدش سمى عليا غير بسبب عيونك. أنا بحب عيونك بشكل غير طبيعي، وهما السبب إني أحبك."
لم تستطع أسيل أن تنطق بكلمة، بقيت تتأمل نظراته التي كانت تغرقها في عالمٍ آخر. تابع يزن كلامه، محاولًا أن يخرجها من صمتها:
"أنا بقولك كده عشان تعرفي إني هتجوزك لأنّي بحبك. مش بمثل على أهلي. لا، أنا بحبك فعلاً، وعشان كده هتجوزك. أي أسباب تانية بترجعلك، لكن أنا سببي واضح: هتجوزك عشان بحبك وبموت في عيونك."
ثم أضاف مازحًا:
"أنا ليه بقولك دلوقتي؟ عشان أنا ضد مرحلة الاستعباط. هتسأليني إيه هي مرحلة الاستعباط؟ هقولك: إنّي أكون بعمل كل حاجة الحبيب بيعملها، بس لسه معرفتكش إني بحبك. وده اللي بيجيبلي شلل. فقررت أفرغ كل اللي جوايا عشان مندخلش في المرحلة دي."
ضحكت أسيل بخفة، غير مصدقة ما سمعته. قلبها لم يستوعب بعد اعترافه بالحب، مما جعل وجنتيها تشتعلان حمرةً خجلاً وارتباكًا. في لحظة غمرتها الحيرة والفرح معًا، لم تجد أسيل ما تقوله أو كيف ترد. اكتفت بنظرة خاطفة إليه، عيناها تلمعان بخجلٍ واضح. شعرت أن حرارة الكلمات قد أضاعت عليها القدرة على التفكير السليم. كسرت حاجز الصمت فجأة، وفرَّت هاربة من أمامه، نازلة من السيارة بسرعةٍ، تركض نحو منزلها وهي تحمل القطة بين يديها، وقلبها يدق بعنفٍ لا تستطيع السيطرة عليه. تابعها يزن بنظراته وقال لنفسه:
"شكلي اتسرعت؟"
ثم أجاب نفسه:
"لا، لا، متسرعتش. دا الوقت المناسب. وأظن إنها حست بمشاعري طيلة الفترة دي. بعد ما حضنتني النهارده، اتأكدت إنّي لازم أصارحها. مهو مش تحضني وتسلب كياني كده وتسيبني وتمشي. دا اسمه استعباط وهي بتستعبط. ماشي يا أسيل، ادينا مستني. مش مستعجل تقوليهالي، بس اللي واثق منه إن مشاعري مش من طرف واحد. شعوري متبادل، لكن هي خجولة شوية، ساكتة حبتين، منعزلة شوية كتير، جميلة، مميزة، وفنانة، وشعرها ريحته حلوة، وعينيها... يا الله من عينيها. لو اتكلمت للصبح، مش هوفي قد إيه هما بيسحروني. لسه فاكر اليوم اللي قعدت أدور عليها، وأول ما لقيتها فضلت متنح زي الأهبل في عينيها. هيكدبوني لو قلت لهم إني حبيتها من اللحظة دي. أنا بحبها أوي، ولو حصلها حاجة، حاسس إنّي مينفعش أكمل حياتي من غيرها. هي امتلكتني من أول يوم شفتها فيه، ومعرفتش أفكر في غيرها. حاسس إني مجنون وأنا قاعد بتكلم مع نفسي كده، والحراس بدؤوا يبصولي. فلازم نتحرك يا يزن."
ثم أشعل محرك السيارة وانطلق بها نحو منزله، وبينما هو يفكر في حبيبته وروح قلبه، تذكر حديثه مع هدير بالحفل.
____________________________
تعشى عمر ويارا معًا في أجواءٍ من الرومانسية الحالمة، تصاحبها موسيقى راقية تلامس الروح، وتأخذهم إلى عالمٍ من السحر والجمال. بدأوا في الرقص على نغماتها، بينما السعادة تتصاعد في أرواحهم ومشاعرهم تتزايد أكثر من أي وقت مضى، وكل منهما يعتقد بأن حبّه يفوق حب الآخر.
أنهيا عشاءهما ومع مرور الوقت شعر عمر بالحاجة لإعادتها إلى منزلها. نزل من سيارته ليفتح لها الباب، فترجلت يارا من السيارة بلطف. أغلق عمر الباب واقترب منها ليعانقها بشغف، احتضنها بقوةٍ كما لو أنه يخشى أن تنفلت من بين ذراعيه. ثم ابتعد قليلاً، ناظراً في عينيها بعمق، وقال بصوت يملؤه الحب:
"مش عاوزك تروحي. مش عايز اليوم يخلص."
أجابته يارا بنبرة مشبعة بنفس الحب الذي يملأ حديقها:
"ولا أنا كمان عاوزة أروح. حاسة إن فيه حاجة هتحصل بكرة. خايفة اليوم يخلص."
"ياريتني بقدر أخدك دلوقتي بيتي ونفضل سوا طول العمر."
زفرت يارا بعمق وهي تبتسم، مستسلمة لأفكارها التي راحت تتخيل حياتها معه. هذا التخيل جعلها تشعر بسعادةٍ غامرة، وقالت بصوت يملؤه التمني:
"ياريت."
نظر عمر إلى شفتيها، وأخذ يقترب منها بلهفةٍ، عينيه تغمض شيئًا فشيئًا مع تصاعد نبضات قلبه. أوقفه صوت يارا، وهي تبتعد عنه قليلاً بمرحٍ لتقول:
"كده أنا لازم أروح، يظهر بقينا في خطر."
ضحك عمر وهو يجيبها بتأكيدٍ:
"أنا فعلاً بقيت في خطر من ساعة ما بقيت شايفك، حبيبتي."
ابتسمت يارا، ثم اندفعت نحو صدره، تغمر نفسها في دفء حضنه، وهي تشم عبير عطره، وتسمع نبضات قلبه المتسارعة. أغمضت عينيها، تستمتع بشعور الأمان الذي يغمرها وهي في أحضانه. تمنت أن يبقى معها للأبد، وأن لا يكون للقدر رأي آخر.
ابتعدت عنه قليلاً، ناظرةً إلى عينيه الهائمتين بها، وقالت:
"أنا واخدة بالي إنك طالع باد بوي."
ضحك عمر بخفة وأجاب:
"يا ستي، أيوة، أنا باد بوي، وبعترف بكده."
ردت يارا بمرحٍ:
"ما عنديش مشكلة تبقى باد بوي، بس لما نتجوز. حالياً مش مسموح لك تبقى باد بوي معايا، ميصحش."
ابتسم عمر وقال بصدقٍ:
"طب أعمل إيه؟ مش قادر أكون إنسان طبيعي قصاد جمالك وخصوصًا انك احلويتي في نظري اوي بعد ما بقيت بحبك."
فجأة، بدأت الأمطار تتساقط بغزارةٍ على رؤوسهم، فركضت يارا نحو منزلها، محاولةً الاحتماء من المطر. لكن عمر، بلمحةٍ سريعة، أمسك بيدها في اللحظة الأخيرة. التفتت يارا إليه، عيناها مليئتان بالدهشة، لكنها لم تستطع فهم ما يريد. فجذبها عمر نحوه بقوةٍ، مما أدى إلى التصاقها به. شعرت بيده تلف خصرها، فأحاطت عنقه بذراعيها، وبدأا يرقصان بانسجامٍ تحت المطر. كانت موسيقى الهواء والأشجار وقطرات المطر تصنع لحنًا خاصًا، أطرب أرواحهما وأذهبهما إلى عالمٍ لا يعرفه إلا العاشقون.
______________________
-كنتِ فين كل دا وليه اختفيتي من الحفلة وايه القطة دي كمان؟؟!
ابتسمت اسيل وكتبت بدفترها: "النهاردة عيد ميلادي ويزن خرجني وعملي مفاجأة برا وجابلي القطة دي هدية."
شعرت رحاب بالغيرة من فرحة تلك الفتاة كيف لها أن تفرح منذ متى وهي تحتفل بعيد ميلادها هذه السنة هي السنة الاولى التي تتذكر بأن اسيل لديها عيد ميلاد مثل باقي البشر!
يزن يحقق لها امانيها ويسعدها كثيرًا كل هذا عكس ما تخيلته... كانت تتمنى لها حياة مليئة بالتعاسة مع زوج لا يهتم بها ولكن أتى يزن من حيث لا تدري وظل يهتم بأسيل ويخاف عليها حتى طلب بأن يتزوجها والظاهر بأنه قد أحبها ايضًا
فقالت باستهزاء محاولة إخفاء غيرتها:
"قطة!!فيه حد يجيب قطة هدية؟ هو بخيل ولا ايه مجابش عقد الماس او خاتم سوليتير دا من عيلة كبيرة وغني ازاي يجيب هدية زي دي رخيصة؟!"
ابتسمت اسيل بهدوء وكتبت بدفترها"ليس المهم نوع الهدية، بل مدى اهتمام الشخص برغباتك واحتياجاتك. يزن فهم دا وجاب لي شيئًا يعبر عن حبه واهتمامه بيا، ودا عندي أهم بكثير من أي هدية ثمينة ."
لم تستطع رحاب إخفاء استياءها، فصعدت أسيل إلى الطابق العلوي بعد ما قرأت رحاب ما كتبته، مما أثار غضبها الداخلي حيال تصرفات هذه الفتاة.
__________________________
كانت هدير ستعود إلى منزلها ولكن تفاجأت بالأمطار تهب صرخةً واحدة فقررت بأن تذهب بسيارة أجرة توصلها لمنزلها ولكن مصطفى كان خائفًا وقلقًا عليها في هذا التوقيت من ايجاد سيارة مناسبة توصلها بأمان فقرر بأن يوصلها بسيارته إلى منزلها ولم تعقب رحاب على هذا القرار، فاعصابها أرهقت اليوم لما يكفي فصعدت إلى غرفتها لتحتسي كوبًا من الليمون بالماء الدافئ لتهدئة أعصابها مما يفعله بها أولادها.
في تلك الأثناء، جلست أسيل في غرفتها تحدق في المطر الذي يتساقط خلف النافذة. لم يكن بإمكانها سماع صوت المطر، لكن رؤيته ذكرتها بيوم مشؤوم مر عليها، مما جعلها ترتجف خوفًا. أثناء تفكيرها، رن هاتفها ليعلن عن مكالمة واردة من يزن. شعرت بالخجل من محادثته بعد ما قاله لها، لكنها أيضًا كانت بحاجة إليه الآن. فتحت المكالمة بسرعة، وظهر يزن في مكالمة الفيديو، ينظر إليها بقلق قائلاً:
"لو سامعة صوت المطر، هاتي سماعات وحاولي تشغلي أي أغنية تشتتك عن الصوت."
ابتسمت أسيل بخجل وكتبت له رسالة نصية: "لا، الشباك معزول عن الصوت. أنا بس شايفاها من الشباك وحاسة بالخوف شوية."
قرر يزن أن يلهيها عن مخاوفها قائلاً:
"والقطة عاملة إيه؟"
نقلت أسيل الكاميرا نحو القطة التي كانت نائمة بأمان بجانبها على الفراش، وكتبت له: "زي الفل، أكلتها ونامت زي ما أنت شايف. بجد يا يزن، شكرًا على كل حاجة عملتها النهاردة. حسيت أني أسعد إنسانة على الكوكب."
ابتسم يزن وأجابها: "أوعدك، مش هتلاقي أي يوم يزعلك طول ما أنا معاك. صدقيني يا أسيل، هحاول بقدر الإمكان أخلي البسمة دايمًا على وشك، ومش هيجي يوم تحزني فيه طول ما أنا معاك. متخافيش."
استمر الحديث بينهما طوال الليل، وكل منهما يغمره إحساس جميل وصادق. حاولت أسيل أن تتجاهل ما قاله في المكالمة السابقة، وأن تتعامل معه بشكل طبيعي، فتبادلوا الأحاديث والضحكات، وعاشا لحظات من الدفء والطمأنينة، مما جعل الخوف يتلاشى ببطء.
_____________________
عندما انطلق مصطفى وهدير بالسيارة، لاحظا يارا وعمر يرقصان بعيدًا، فابتسمت هدير وقالت: "باين بيحبوا بعض، ربنا يكمل فرحتهم على خير."
فأجابها مصطفى بدهشة: "أوه، يعني بتفهمي في الحب؟ تعرفي إيه عن الحب؟"
ردت هدير بثبات وهدوء: "ايوة حبيت قبل كده، بس حب من طرف واحد مظنش انه كان واخد باله مني وهو دلوقتي متجوز وعنده أطفال."
سألها مصطفى بفضول: "طب وليه مفكرتيش تقوليله او تصارحيه بِحُبك؟"
أجابت هدير بعمق حزين قائلة: "عشان هو دا اللي كان مقدر انه يحصل... مكنتش طمعانه بانه يحبني ونجتمع ونتجوز... انا احلامي على قدها والحب دا مش للي زيي."
تساءل مصطفى بإسغراب: "ليه بتقولي كده؟؟"
أجابت هدير : "عشان انا أم لطفلين يا مصطفى ومفيش راجل هيقبل ان اخواتي يبقوا معايا في نفس البيت اللي هتجوز فيه كل واحد هيقول انا عاوزك بس وانا مش هرمي اخواتي في الشارع دول ملهمش حد غيري... دول عيالي مش اخواتي."
ابتسم مصطفى وقال: "يعني هي دي مشكلتك بس؟ "
أجابت هدير بثبات: "ايوة واعتقد ملهاش حل غير اني احافظ على اخواتي لحد ما اكبرهم واعلمهم ويكونوا احسن ناس."
-طب وأنتِ يا هدير مش بتفكري في نفسك ليه؟
أجابت هدير وهي تبتسم باستسلام: "عشان انا كبرت وضاعت حياتي فمش عايزه حياتهم هم كمان تضيع بتمنى يعيشوا احسن مانا عيشت."
انتهى حديثهم بشرود مصطفى وهو يفكر بها بتمعن ويرى نقاءها بالداخل كم هو محظوظ لانه احبها لقد اختار الانسانة الصحيحة.
في تلك الليلة العاصفة، حينما وصلوا إلى بيت هدير، ساد صمت مهيب قطعته قطرات المطر التي كانت تهطل بغزارة. قبل أن تهم هدير بالنزول من السيارة، أوقفها مصطفى برفق. نظر إليها بابتسامة دافئة وأخرج مظلة، ناولها إياها بحذر لكي تحتمي بها من المطر الغزير. تحركا معًا نحو بيت مدام فردوس، جارتهم الطيبة، حيث كان إخوتها الصغار ياسين ودارين ينتظرونها.
بينما عادت هدير مع أخوتها، غاب مصطفى لدقائق ثم عاد حاملاً أكياسًا بداخلها بعض الحلوى. استقبله ياسين ودارين بفرحة طفولية، تضاعفت عندما اكتشفوا ما يحمل. انعكست الفرحة على ملامح هدير، إذ شعرت بالدفء من سعادتهما، وشكرت مصطفى بنظرة معبرة. وعندما وقفوا جميعًا أمام باب منزلها، همّت هدير بإعادة المظلة له. مدّت يدها لتسليمه إياها، إلا أن مصطفى بحركة مقصودة وناعمة، أمسك بيدها الممسكة بالمظلة. تعلقت أنظارهم لبرهة، تلك اللحظة كانت تحمل في طياتها كلمات غير منطوقة، مشاعر خافتة لكنها واضحة. استيقظت هدير على صوت دارين الذي جاءها من الداخل، فانسحبت يدها بتوتر وحيّت مصطفى بنظرة أخيرة قبل أن تغلق الباب.
بداخل المنزل، استندت هدير على الباب المغلق، تحاول تهدئة نبضات قلبها المتسارعة. وضعت يديها على صدرها، وأخذت شهيقًا عميقًا، ثم زفرت ببطء، محاولة تنظيم أنفاسها.
في الخارج، ركب مصطفى سيارته وأدار المحرك، والابتسامة لا تزال مرسومة على وجهه. تلك الذكرى، ذكرى لمسة يديها، عادت به إلى اللحظة التي تعانقا فيها عند محطة القطار، حين أنقذه الناس من الموت. تذكر كيف كانت خائفة عليه، وكيف دعمته عند قدومها للعمل في منزله ومساعدته على الشفاء من مرضه. كل تلك اللحظات، كل تلك المشاعر المختلطة، جعلته يدرك بوضوح أنها تبادله الحب بنفس القوة التي يشعر بها تجاهها. قرر أنه لا يمكنه التأجيل بعد الآن؛ عليه أن يصارحها بمشاعره. كانت نيته أن يتقدم للزواج بها، ليخفف عن كاهلها الأعباء، وليؤمن لها ولإخوتها حياة هادئة ومستقرة. فكر في أنه لن يمانع بقاء ياسين ودارين معهم، إذ أنه يحبهم ولا يريد أن يفرق هدير عنهم، فهي الوحيدة القادرة على رعايتهم والاعتناء بهم، وهو يريد أن يكون جزءًا من تلك العائلة الصغيرة، محاولًا أن يقدم لهم جميعًا الحياة التي يستحقونها.
_______________________________
دخلت يارا المنزل أخيرًا بعد صراع طويل مع عمر. شعرت بثقل البلل الذي تركه المطر على خصلات شعرها، فطلبت منشفة من الخدم لتنشف شعرها الذي تساقطت منه قطرات الماء كحبات اللؤلؤ. صعدت إلى غرفتها، وجلست على فراشها، تحاول أن تجد لحظات من الراحة.
لم تمضِ لحظات حتى فتحت والدتها باب الغرفة ودخلت، وأغلقت الباب خلفها بحركة حازمة. التفتت إليها بنظرة تحمل مزيجًا من القلق والغضب.
"ما لسه بدري "
عندما رأت يارا والدتها، هرعت نحوها لتعانقها وهي مفعمة بالسعادة، قائلة: "ماما انا فرحانة اوي بجد مش قادرة اتخيل ان حياتي هتبقى حلوة مع الشخص اللي بحبه"
ردت والدتها بنبرة مشككة: "باين انك بتحبيه اوي!"
أجابتها يارا بحماس: "اه يا ماما وهو كمان بيحبني مش مصدقة ان هيجمعنا بيت واحد في يوم ونعيش سوا طول العمر."
نظرت والدتها إليها بنظرة متجهمة وقالت: "بس متبقيش تزعلي بعدين"
استغربت يارا كلمات والدتها وسألتها: "ازعل؟ ليه ازعل؟"
أجابت والدتها بحدة: "عشان بعد الجواز الفرحة اللي في عينيك دي هتختفي."
ضحكت يارا، معارضةً، "لا يا ماما انا متأكدة ان عمر بيحبني وبعد الجواز حبه ليا هيزيد اكتر."
نظرت والدتها إليها بجدية قاسية وقالت: "وانتِ عمرك شوفتي واحد خد اللي عايزه من واحدة ورجع حبها هو بيتجوزك وهيرميكي في بيته واحتمال يشوفله واحدة تانيه ولو نطقتي هيرميكي انتِ وابنك."
ارتعدت يارا قائلة: "ايه يا ماما اللي بتقوليه دا عمر بيحبني."
قست نبرة والدتها: "هيحب فيك ايه ما تفوقي بقا فاكراه واقع في حبك انت ناسية اننا اغنى منه وهو عمل كده عشان يتجوزك وياخد كل فلوسك."
صرخت يارا غاضبةً: "يا ماما ليه لما بتشوفيني فرحانة لازم تعكنني عليا هو بيصعب عليكِ تشوفيني فرحانة؟"
ردت والدتها ببرود: "انا بفتح عينك على اللي انت مش شايفاه عمر مش بيحبك لانه لو بيحبك كان اتجوزك قبل ما يعمل عملته ولو افترضنا انه حبك في الوقت دا فهو حاليا الحب دا اختفي من بعد ما سلمتيله اغلى ما عندك وعمره ما......"
قاطعتها يارا بصرخة حادة: "بس بقى بس بقى يا ماما انت مش فاهمة اي حاجة.... انا مسلمتش نفسي لحد ارجوكِ كفاياا."
اشتعلت عينا والدتها بغضب مفاجئ وسألت: "يعني ايه؟ اغت صبك؟؟؟؟
انهارت يارا بالبكاء وقالت: "لا يا ماما، لا."
هبت والدتها كالعاصفة، أمسكَت بها بقوة وصرخت: "اومال ايه الطفل دا جيه ازاي انطقي"
جلست يارا على الفراش، مغلوبةً على أمرها، تبكي بمرارة وبدأت تسرد كل ما حدث بينها وبين عمر منذ أن عرفت بحملها. قالت لوالدتها عن كذب عمر وخططه، وأنه ادعى أبوته للطفل ولكنه ليس والده الحقيقي، وهي لا تعلم من يكون والد هذا الطفل.
استمرت يارا في البكاء بينما احتضنتها والدتها بحنان لأول مرة، وقد اجتمعت الدموع الساخنة في عينيها، تتوعد بالانتقام لمن أوقع هذا الظلم بابنتها. ابتعدت يارا قليلًا عن حضن والدتها وسألتها رحاب، بنبرة تخفي بين طياتها ألمًا عميقًا:
"وليه مقولتليش ليه خبيتي عليا ومثلتي معاه في نفس تمثليته؟"
أجابت يارا بحزن: "عشان مكنتيش عايزة تسمعيني انت كنت فكراني غلطت لكن انا والله ما غلطت يا ماما."
قالت والدتها بحزم: "بس كده مينفعش تتجوزي عمر الا لما تولدي عشان الولد ميتنسبش لاب تاني."
"هو كان هيتجوزني لغرض حمايتي من عيون الناس لو عرفوا اني خلفت وانا لسه متجوزتش وكان خايف انك تخليني اجهض غصب عني كان هيبقى جواز على ورق عشان الكل يعرف اني متجوزة لكنه كان بعد كتب الكتاب هيروح يشوف الطفل دا من انهي واحد وهيعمل بلاغ للشرطة وكله كان هيبقى في المتداري لحد ما نعرف ابو الطفل."
نظرت والدتها إليها بتفكر وقالت: "ولما تعرفوه؟..... هتسيبي عمر وتتجوزي ابو الطفل؟"
فكرت يارا لبرهة ثم قالت: "لا مش هتجوزه بس هكتب الطفل باسمه ونربيه انا وعمر وهو هيتعاقب."
نظرت والدتها إليها بعينين دامعتين وقالت: "بس انتِ كده بتظلمي عمر معاكِ."
سألت يارا: "يعني ايه؟"
قالت والدتها بحزن: "يعني سيبيه يا بنتي يشوف حاله وانا اوعدك اني هاخدلك حقك من اللي عمل كده ومش هنعمل اجهاض وهنعرف مين اللي عمل الجريمة دي بس سيبي عمر هو ميتساهلش منك كل دا هو اه وقف جمبك ومرضيش يساعدك لان انا كنت رافضة اساعدك بس انا دلوقتي بقولك انا هاخدلك حقك من اللي عمل فيكِ كده ومش هسكت بس سيبيه هو يشوف حياته متربطيهوش بيكِ. "
قالت يارا بدموع: "بس انا بحبه. "
قالت والدتها بحدة: "بس هو مبيحبكيش يا يارا اللي بيتنازل عن كل دا يبقى طمعان مش بيحب مفيش راجل هيقبل على نفسه اللي عمر عامله سيبيه يا يارا انا اللي بقولك هسيبك تنامي مرتاحة النهاردة وفكري في اللي قولتلك عليه تصبحي على خير."
خرجت رحاب من الغرفة، تمسح دموعها، ودخلت غرفتها لتلقي بجسدها بجانب شريف الذي كان نائمًا. لكن دموعها لم تتوقف. تساءلت في صمت، هل تُعاقب الآن على ما فعلته في الماضي بابنتها الوحيدة؟
________________
استيقظ الجميع في ذلك الصباح ليجدوا أن يارا ليست في غرفتها. هَرَع الجميع ينادونها في أرجاء المنزل، ورحاب كانت في قلق شديد عليها. تساءلت إلى أين ذهبت، فأخبرهم الحارس بأنها غادرت المنزل بسيارتها في الصباح الباكر. حاولوا تتبع مسار السيارة عبر الكاميرات، لكن دون جدوى؛ إذ كانت قد سلكت طريقًا خاليًا من الكاميرات.
في ظل قلقها الشديد، اتصلت رحاب بعمر
أجابها عمر وقال بود: "ازي حضرتك يا طنط كنت متفق مع يارا اننا نخرج النهاردة بعد ما اخلص شغل هعدي عليها هي قالت لحضرتك مش كده؟"
قالت رحاب ببكاء:
"يارا مش في البيت يا عمر ومحدش عارف هي راحت فين.... اول مرة اطلب منك طلب انا عاوزة بنتي يا عمر انا عرفت كل حاجة ومستعدة اساعدها ومش هخليها تجهض الطفل بس ترجع وانا هجيبلها حقها خليها ترجع يا عمر هاتلي بنتي..."
أغلق عمر الهاتف بسرعة ثم غادر عمله مبكرًا، وأخذ يبحث عنها بالشوارع كالمجنون، لا يصدق ما حدث. الأمس كانت يارا أسعد إنسانة، واليوم اختفت!
تساءل في نفسه بحرقة وألم شديد على فقدان حبيبته: "أين أنتِ يا يارا؟"
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم مريم الشهاوي
صلوا على الحبيب
بعد مرور يومين، استنفرت الشرطة جهودها للبحث عن يارا، فيما كان عمر يرافقهم بقلق متزايد لا يبارحه لحظة واحدة. كان هاتفها ما يزال مغلقًا، مما عمّق في نفسه إحساسًا مؤلماً بالفقدان، وكأن جزءًا من وجوده قد انتُزع منه.
علا، في محاولات بائسة لتهدئة روعه، وجدت نفسها عاجزة أمام إصراره العنيف على البحث. بالكاد كان يبيت في المنزل لساعات قليلة قبل أن يخرج مجددًا، مدفوعًا بأمل متعثر في العثور عليها. تراجعت محاولات علا للتحدث معه أمام صموده الصارم؛ فقد كان يتجنب أي حوار، متحصنًا في معاناته.
كان قلق علا يتفاقم، وهي تدرك أن احتفاظها بالحقيقة قد يؤدي إلى ما هو أسوأ. وفي تلك اللحظات المشحونة، أضحت الحقيقة ثقيلة على صدرها؛ شعرت بأنها إذا لم تبوح لعمر بما تعرفه، فإن الأمور ستزداد تعقيدًا.
تنامى في نفسها قرار حاسم: إذا لم تستطع التحدث مع عمر، فعليها مواجهة أخيها الأخر. عزمت على مطالبته بأن يعترف بمسؤوليته حيال يارا، أو أن يتزوجها.
_____________________________
عادت الدراسة، وكان مصطفى يذهب إلى جامعته بينما عقله مشغول بأخته يارا. بعد انتهاء محاضراته، كان ينضم إلى عمر للبحث عنها. الجميع كان يشعر بالقلق، خاصة رحاب، التي كانت تبكي كل ليلة على فقدان ابنتها.
في لحظات بكائها، كانت رحاب تسترجع أخطاءها الماضية: "أعيد التفكير في كل شيء الآن، أشعر أنني أدفع ثمن أخطائي القديمة. لو تعود يارا، لن أقسو عليها مرة أخرى. لن أدعها تبكي مجددًا. سأبذل كل جهدي لجعلها سعيدة، سأهتم بسعادتها فقط. عودي، يا حلوتي، وسأواجه من أساء إليك. عودي، يا يارا."
كانت رغبة رحاب في عودة ابنتها قوية، وكانت مستعدة لفعل أي شيء لإصلاح ما فات وضمان سعادتها.
_____________________________
كان شريف لا يبدي أي اهتمام بالوضع، روتينه اليومي لم يتغير: يذهب إلى عمله، ثم يعود لينام، متجاهلًا قلق الآخرين. كان يجد في دموع رحاب مصدر إزعاج، وعندما تبكي بجواره، كان يرد ببرود: "اخرجي وابكي في مكان آخر، أحتاج للنوم."
في تلك اللحظات، كانت رحاب تندب حظها، تشعر بالمرارة بسبب اختيارها لهذا الرجل(آسفة).... اقصد لهذا الذكر اخجل من انتسابه لبقية الرجال.
تتساءل في صمت عن سبب ارتباطها به، وهي مغمورة بخيبة أمل كبيرة.
وكانت تعيش في ندم مستمر، متحسرة على حياتها معه، وهي ترى في تصرفاته انعكاسًا لقسوة الأيام وخيبة الأمل في الشريك الذي خذلها في أصعب الأوقات.
____________________
بعد أن استقصى يزن حول الدواء الذي أعطته له هدير، اكتشف أنه غير مرخص ولا يُباع في الأسواق. أدرك أن هذا الدواء الضار لا يمكن الحصول عليه من مصادر مشروعة، مما أثار في نفسه تساؤلات ملحة: "من أين تحصل عليه رحاب؟ وكيف أمكنها التسبب في صمت حبيبتي لعشر سنوات بسبب تلك الحبة؟"
غمره الغضب وهو يستوعب خطورة الموقف، كان يزن يشعر أن الحقيقة التي اكتشفها تضعه على أعتاب مواجهة حاسمة، وهو عازم على كشف ما وراء هذه المؤامرة التي عانت منها حبيبته.
________________________
كانت أسيل تتوجه إلى منزل والدتها بعد الجامعة، بعدما حذرها يزن من شرب أي شيء قبل النوم. لكي لا تثير الشكوك، نصحها بسكب الحليب الذي يقدمه الخدم في حوض المرحاض، مدعية أنها شربته. ذات يوم، أخبرها أنهم سيزورون الطبيب قريبًا.
قال لها: "لازم تروحي لدكتور يشوف الالتهابات اللي حصلت لك ويعالجها."
كتبت له مستفسرة: "انت مش مفهمني حاجة، فهمني الأول إيه اللي حصل وليه قلتلي متشربيش اللبن اللي بيطلعوه الخدم قبل ما أنام."
رد عليها بصوت مفعم بالألم: "لأني اكتشفت إن رحاب بتحط لك حباية بتدوبها في اللبن اللي بتشربيه دا كل يوم."
"حباية إيه؟"
"حباية بتعمل التهابات، وهي السبب في إنك لحد دلوقتي مش قادرة تتكلمي."
صُدمت أسيل، وغرقت في مشاعر مختلطة من الغضب والحزن: "ألم يكفها ما فعلته بأمي؟ الآن تنتقم مني بهذا الشكل؟ ألم يكفها حياتي التي دمرتها في لمح البصر، فقررت أن تحرمني نعمة الله؟ الله لا يسامحها على ما فعلته بي وبأمي. لكن الحق سيظهر قريبًا."
ذهبت أسيل للطبيب، الذي فحص حنجرتها بدقة، وأوضح مشكلتها. قال: "هي فعلاً عندها التهاب، بس مش في الحنجرة. المشكلة في العصب المسؤول عن حركة اللسان."
سأل يزن بقلق: "وده من إيه يا دكتور؟ وهل له علاج؟"
رد الطبيب: "طبعًا له علاج. السبب إن أسيل عانت من فقدان النطق بسبب صدمة عصبية بعد فقدان والدتها، مما جعل لسانها يتشنج. التشنج كان ممكن يخف بعد شهر أو اثنين، لكن فيه حاجة زادت التهاب العصب. هفحص الشريط دا في المعمل، ولو طلع ضار، ممكن يحصل بلاغ على الشركة المنتجة. هكتب لك علاج تمشي عليه، وتحتاج لجلسات تخاطب عشان اللسان يرجع طبيعي تاني. الحمد لله، العصب مش مشلول، إنما عندها التهاب وضعف بسيط، وإن شاء الله تتعالج بسرعة وترجع تتكلم أحسن من الأول."
رد يزن بامتنان: "الله يسلمك يا دكتور، شكراً جزيلًا."
خرجوا من العيادة، ويزن يطمئن أسيل بأنه سيتولى أمر علاجها وسيظل بجانبها حتى تتعافى تمامًا. كعادتهما، ذهبا إلى منزل دعاء، حيث استقبلتهما دعاء وعلا بفرح، وبعد الزيارة، أعاد يزن أسيل إلى منزلها.
في تلك الأثناء، كانت علاقة مصطفى بهدير تتطور، وبدأت الثقة والراحة تتعمق بينهما. هدير كانت تدعمه في معركته ضد المرض، تشجعه بأنه سيتعافى ويعود أفضل مما كان، ولن يرى شهاب وجدته ثانيةً. كان اهتمام هدير يعزز مشاعر الحب في قلب مصطفى، ويتزايد حبه لها مع مرور الوقت، إذ وجد في اهتمامها ما يبحث عنه معظم الرجال: الحب الحقيقي الذي ينمو بالاهتمام والعناية.
___________________________
بعد مرور خمسة أيام، كانت الأحداث تراوح مكانها. بينما كان عمر يتجول في الشوارع بحثًا عن يارا، فوجئ بسيارتها متوقفة أمام عمارة. هرع إلى بواب العمارة، متلهفًا يسأله عنها ويظهر له صورتها.
أجابه البواب متعرفًا عليها: "أيوة، دي آنسة يارا ساكنة هنا في العمارة."
هدأ قلب عمر، وابتسم براحة وقال: "طب، هي في الدور الكام؟ عايز أطلع لها."
رد البواب: "لا، هي لسه طالعة من شوية تشترى طلبات من السوق."
قال عمر بلهفة: "طب... ممكن تدلني على السوق؟ أنا مش عارف المنطقة."
وصف له البواب عنوان السوق، فهرع عمر يجري على قدميه، يطوف المكان بحثًا عنها. ظل يبحث بلهفة بين المتاجر، حتى وقف ليلتقط أنفاسه بعنف، لكنه لم يستسلم. تابع البحث حتى لمحها من بعيد، تتناول أكياساً من بائع الخضار. كانت تأخذها وتمشي في طريق ما.
لم يصدق عمر عينيه؛ أخيرًا وجدها. ركض نحوها بسرعة، وكل نبضة في قلبه وكأنها تعيده للحياة. وصل إليها، وقف أمامها وأمسك بذراعيها، يبتسم ويأخذ أنفاسه بعنف قائلاً بلهجة مفعمة بالحنين: "أخيرًا... أخيرًا لقيتك يا روحي... وحشتيني."
نظرت إليه يارا بصدمة؛ كيف عثر عليها هنا؟ هذه المنطقة بعيدة، كيف وجدها؟ فوجئت بعناقه القوي، حتى شعرت بأنها تكاد تطير عن الأرض. دفن وجهه في رقبتها، يتنفس ببطء كأنه استعاد روحه، ثم أبعدها عنه وامتلأ بالغضب والخوف وهو يصرخ: "أنت فين كل دا؟ بقالي أسبوع بدور عليك! عايشة فين وبتاكلي إيه؟ جامعتك بدأت، وموبايلك مقفول! بتعملي كده ليه؟"
نظرت إلى عينيه بضعف ولم تجبه. حاولت الابتعاد، لكنه تابعها مرة أخرى بلهجة يغلبها الحنين والغضب: "يارا، لازم تروحي معايا دلوقتي. أنا ما صدقت لقيتك. يلا، كفاية تصرفات الأطفال دي."
أمسكها من يدها، لكنها دفعته بقوة وركبت أول سيارة أجرة مرت أمامها. هرع عمر إلى سيارته، تابع سيارة الأجرة. بعد دقائق، توقفت السيارة أمام مبنى ضخم، نزلت يارا، دفعت الأجرة، وصعدت إلى شقتها.
وصل عمر بعد لحظات، هرع نحو العمارة، لكن البواب أوقفه قائلاً: "رايح على فين يا باشا؟ مين حضرتك؟"
رد عمر وهو يلهث والعرق يتصبب منه: "أنا خطيبها... خطيب الآنسة يارا. سيبني أطلع لها."
قال البواب بلهجة حذرة: "ثواني، ناخد الأمر منها الأول. إيش عرفني إنها تعرفك أصلاً؟"
رفع عمر يده، مظهرًا خاتم الخطوبة: "الدبلة أهي، وهي كمان لابسة دبلة خطوبتنا. سيبني أطلع، دي غايبة عن بيتها بقالها أسبوع، وما صدقنا لقيناها."
بعد محاولات كثيرة، وافق البواب بشرط الاتصال بيارا للتأكد. أعطى عمر الهاتف الأرضي للبواب، الذي تحدث مع يارا وأغلق المكالمة بعد قليل قائلاً: "اتفضل، آنسة يارا بتقولك إنها هتستناك فوق السطح تتكلموا، عشان ميصحش تدخل بيتها."
صعد عمر بسرعة إلى المصعد، ثم إلى السطح على السلالم. وما أن وصل، حتى صُدم بما رآه أمامه.
_________
نظر عمر بقلق شديد إلى يارا وهي تجلس على حافة السطح، وقد بدا عليها علامات الحزن والتردد. صرخ بها بصوت مليء بالقلق: "يارا، ايه اللي مقعدك هنا؟"
ابتسمت يارا بحزن، ولكن لم تستطع إخفاء ملامح الألم التي تعتريها، ثم عاودت النظر إلى الأسفل بلا كلام، ونهضت ببطء، ووقفت على قدميها محاولة للحفاظ على توازنها.
صرخ عمر بلهفة: "حاسبي، انزلي يا يارا، هتقعي."
ردت يارا بتفاؤل مرهف: "متخافش... مش هموت نفسي، يعني اكون خاسرة دنيا وآخرة؟ لا، خلينا نطلع منها كسبانين بحاجة."
نزلت يارا إلى الأرض، ثم توجهت نحو عمر ووقفت أمامه، وسألته بصوت متألم: "جيت ليه؟"
رد عمر بحنان: "عشان قلقت عليكِ، قافلة موبايلك ليه ومش بتردي عليا... يارا، هو أنا عملت حاجة غلط، انت باعدة نفسك عني ليه؟"
أخذت يارا نفسًا عميقًا، محاولة لتهدئة أعصابها المتوترة، ثم قالت بصوت هادئ ومؤثر: "الحمل بس تاعبني يا عمر... ها عايز اي؟."
قاطعها عمر بقلق: "عايزك."
لكن يارا تابعت بحزن: "بس انت بتكدب... زي ما عرفت تقولهم انك هتتجوزني عشان بتحبني، هو دا نفس اللي قولته ليا عشان اكمل معاك وتسترني، زي ما امي بتقول."
رد عمر بغضب متحكم: "انا مش بكدب يا يارا... انا عاوز أبقى جمبك وأساعدك و..."
اندفعت يارا نحوه بغضب، وهي تضربه بصدره بقهر، وتبوح بكلمات مؤلمة: "يا سيدي، انا مش عايزاك تساعدني... انا مش عايزة شفقة، انا مش عايزة حد يساعدني فيكم... مكتفية بربنا خلاص... امشي بقا... ابعد والله يا عمر، مبقيت قادرة أتحمل والحمل لوحده تاعبني، فارجوك ابعد... انا بقالي اسبوع قاعدة هنا لوحدي وكنت مرتاحة، فانا هعيش لوحدي انا وابني ومش محتاجة حد يساعدني شفقة."
أجاب عمر برفض: "لا، انا مش بشفق عليكِ... انا بحبك... مش بساعدك عشان شفقة بساعدك عشان تهميني.. مفيش علاقة بين بنت وولد وبتتسمى صداقة لا، احنا كنا بنضحك على بعض...وبنحب بعض لكن محدش فينا قال للتاني او الشجاعة اتمالكته انه يعترف بكده.. انا بحبك فعلاً ومش هسيبك يعني مش هسيبك وهتجوزك."
ردت يارا بحزم: "وانا قولت لا... مش هتجوز حد انا... انا اكتفيت بذاتي وابني."
أقترب عمر ببطء من يارا، تلك الشخصية التي اصبحت محور حياته، وهو يحمل في قلبه عاصفة من المشاعر المتضاربة.
أنفاسه لامت خدَّاها جعلتها تشعر بالتوتر من اقترابه ليهمس لها بكلماته يائسة:
، "يعني أنتِ مش بتحبيني؟"
نظر لعيناها بعمق، حاولت يارا التعبير عن مشاعرها من خلال عينيها،التي كانت تنطق بالعشق والحب العميق له. فأبتسم عمر حين ابدى شكوكه وقال، "عينيكي فضحتك."
دفعته يارا بقوة وهي تصرخ قائلة:
"انت مش بتحبني يا عمر، خليك صريح ارجوك... اللي بتعمله دا مش حب، فمتضحكش عليا... مش حلوة اللعب بمشاعري... أنا إنسانة و..."
وضع يده على فمها ليسكتها، فابتعدت عنه بقوة وقالت بصراخ موجوع معربة عن ألمها وغضبها من عدم فهمه لمشاعرها، "انت متعرفتش ولا حاسس اللي أنا بحس بيه دلوقتي... أنا جوايا نار في قلبي من كل حاجة في حياتي، فمتزودهاش انت بحب بتخدعني بيه عشان بس تنقذني من عيون الناس.. روح لحال سبيلك يا عمر."
القت يارا كلماتها المؤلمة تعبر عن احتراق قلبها وتوقها للبعد والتخلي عن كل شيء.
ولكن فاجأها بهتافه بكلمات تعبر عن حبه الشديد لها
"انت سبيلي الوحيد عشان أوصل لراحة قلبي... يارا أنا مبرتاحش غير معاكِ، يمكن يكون اللي ظهر فالأول مكنش حب،بس كانت راحة... الحب كان متنكر فيكِ بصفة راحة يا يارا.. ودا وصلني لنقطة مهمة، أنه كان حب وتغلغل جوايا تجاهك وأنا مش حاسس."
ضحكت بسخرية محاولة اخفاء ألمها قائلة، "وانا مش بحبك يا عمر... ولا برتاح معاك.. ولا هتجوزك مش غصبانية هي."
"لا غصبانية وهتجوزك يا يارا."
"انت هتجبرني اتجوزك!"
صاح بتأكيد: "اااه... عشان عارف إنك بتحبيني ومع ذلك بتكابري... بتكابري على إيه؟"
نظرت لعينيه وتغرغر الدمع بعينيها، قائلة بصعوبة، "عشان خاطري أبعد عني... سيبني يا عمر."
"يعني أنا لما أسيبك هتكوني مرتاحة كده وأنت لوحدك؟"
"اه."
نفخ بإرهاق من برودها الزائد وهي ظلت تنظر إليه بعينين مليئتين بالدموع وزرفت دموعها بألم قاتل، فانقلبت نظراته للقلق، قائلاً، "طب اهدي طيب... بتعيطي ليه دلوقتي... اهدي خلاص انا آسف اني زعقت انا..."
قالت ببكاء معلنة استسلامها امامه، "عمر... متسيبنيش ارجوك... أوعى تسمع كلامي وتسيبني يا عمر."
هتف بسرعة: "ياروحي... مش هسيبك تعالي يا روحي."
فعانقها عمر بشدة وحاول دمجها بين ذراعيه
ظلت تبكي بشدة وحاوطت ذراعيها حول ظهره، قائلة بضعف وقلة حيلة، "انا بموت من غيرك... اوعى تسيبني يا عمر."
كاد عمر أن يبتسم، ولكنه بكى من صوتها المجروح، فعانقها بقوة أكبر، يريد إخفاءها داخله عن ذلك العالم البشع الذي يلوث حلوته الصغيرة ويجعلها رديئة عن الأكل همس بحب
"مش هسيبك ابدًا... انت روحي يا يارا، مستحيل الإنسان يتخلى عن روحه."
وبعد لحظات توقفت عن البكاء، فابتعد عمر قليلاً، وحاوط يديه على وجهها وابتسم، قائلاً، "انت مش لوحدك... زي ما محتجاني أنا كمان محتاجلك... انت بتكمليني يا يارا، ومش هتخيل حياتي من غيرك."
نظرت يارا لعينيه ودققت بهم ورأت صدقهم جيدًا، فانتابتها الشعور بالسكينة فبدأت تؤمن بأنها ليست وحيدة وان عمر هو رفيقها الدائم وحبيبها الصادق.
نظر عمر إلى دموعها التي لا تزال تنساب على وجنتيها، فاقترب منها برفق وقبّل دمعتها بدفء، وهي تغمض عينيها لتشعر بقلبها يخفق من لمسة شفتيه على خدها. قبّل دموع وجنتيها يمينًا ويسارًا، ثم ابتسم لها قائلاً:
"مش عايز دموع ورايح، انسي كل حاجة ونبدأ أنا وانت حياة جديدة نستنى فيها فرد جديد ينضم لينا."
ضحكت يارا وهي تقول: "حاضر."
ثم سألها بفضول: "بس قوليلي... هو انت مش بتتوحمي ليه زي بقيت الناس؟"
ابتسمت يارا وابرزت شهيتها لنوع طعام : "نفسي في مشويات أوي وحمام وكفتة طرب."
وضع عمر يده على كتفيها وجذبها نحوه، ثم تقدم معها خطوات للأمام يردد بابتسامة : "دحنا نروح لأجدعها حاتي ونقوله هات المنيو كله لام عز."
رددت بإستغراب: "عز!!"
أجابها عمر وهو يبتسم بتأكيد: "ما أه، انا سميته على اسم جدي، الله يرحمه."
لكن يارا عبرت عن رغبتها: "لا يا عمر، عز وحش أوي، أنا عاوزة يونس."
فأجاب عمر بحماس: "طب يلا قدامي علعربية بس، ونبقى نحل مشكلة الأسامي دي بعدين، عاوزين ناكل دلوقتي عشان انا كمان جعان."
____________________
في المطعم، كانت الأجواء مرحة حيث جلسا يتناولان الطعام ويضحكان. حاول عمر بلطف أن يخرج يارا من حالتها النفسية بحديثه المزاح. روت له يارا آخر حوار دار بينها وبين والدتها، قائلة: "زواجنا لن يكون صحيحًا إذا لم أُنجب هذا الطفل أولاً لكي لا يُنسب لأب آخر." تقبل عمر كلامها بهدوء، إذ كان كل ما قالته صحيحًا.
قال عمر: "لكن أنا مش عاوز الناس تبصلك بنظرة مش كويسة... مقدرش أخليك تحسي الشعور ده. إحنا هنعمل كتب الكتاب بشكل محدود ومش هنعرف حد، وإحنا مش هنتجوز حقيقي إلا لما تخلفي. لكن قدام الناس، هنكون متجوزين."
تساءلت يارا: "طب ولو عرفنا مين أبو الطفل دا؟ هتعمل إيه؟"
سكت عمر، محاولاً تمالك أعصابه، وقال: "وحياتك، ما هخليه ينام في بيته ثانية واحدة. هرميه في السجن والطفل هيتكتب باسمه. بعديها، أنا وانت هنتجوز ونربي الطفل ده."
"طب والناس هتعرف."
أجاب عمر: "محدش هيعرف أي حاجة. الكل هيعتقد إن الطفل ده ابني، ومحدش له الحق يعرف تفاصيل غيري أنا وأنت ومامتك... يارا..."
أمسك يديها قائلاً: "صدقيني، حقك هيجي. أنا مش هاجي عليك في يوم من الأيام. مقدر إنك فكرتي في كلام طنط رحاب وإنه منطقي، لكن ده لو أنا لسه عارفك امبارح أو لسه بحبك. يارا، إحنا بقالنا سنين مع بعض ومستحيل أوجعك. ابنك هو ابني، وأنا هبقى فرحان أكتر منك بيه لأنه حتة منك. ومش هاممني أبوه لأنه كده كده هيتجاب وهيتعاقب. أنا كل اللي يهمني أنتِ... أنتِ واثقة فيا؟ واثقة إني هسعدك؟... انتِ مشتتة وأنا مقدر، بس أنتِ حاسة إنك مرتاحة لي. أنا محتاج أعرف ده منك يا يارا، عشان أنا وانت نقف قدام كل الناس، لازم نكون واحد، ومحدش فينا يكون شاكك في التاني، حتى لو واحد في المية."
ابتسمت يارا وضمت أصابعها على باطن يديه، قائلة: "اللي أعرفه إني بحبك وده كفاية عندي يخليني أسلم حياتي كلها بين إيديك وأنا مغمضة عيني. أنت كنت أخ وصديق قبل ما تكون حبيبي."
عمر ابتسم بفرحة وهو يسمع تلك الكلمات، وقال لها: "يبقى توعديني دلوقتي إنك متختفيش كده تاني، وإن أي حاجة تشغل بالك تيجي ونتناقش فيها... وتوعديني إنك مش هتفكري إنك جايه عليا تاني، ماشي؟"
"أوعدك."
قال بتأثر وقد بدا عليه الحزن: "يارا... أنت مش عارفة أنا محتاج لك قد إيه. طنط رحاب فاكرة إنك محتاجاني، بس هي مش شايفة مدى المعاناة اللي أنا هعانيها لو بعدتي عني... أنا من غيرك أموت. أنتِ متعرفيش إيه اللي حصل فيا طول الأسبوع... مكنتش بنام أصلًا ومش عارف أكمل حياتي عشان بس أنتِ اختفيتي وسيبتيني من غير ما تفكري فيا... كنتِ أنانية أوي يا يارا."
نزلت دمعة من يارا وقالت: "أنا آسفة."
عانقها عمر وهو يقول ببكاء: "أنا اللي آسف يا روحي... آسف إني أخذت وقت كبير عبال ما استوعبت حبي ليكِ. يمكن لو كنت معاكِ من بدري كان زمانا متجوزين ومكانش كل دا حصل... آسف يا يارا، آسف إني اتأخرت وللأسف تأخري دا أنتِ اللي اتحاسبتي عليه."
نظرت اليه ومسحت دموعه بحب: "دي تدابير ربنا، ومفيش يمكن عند ربنا... دا اللي مكتوب لنا، وأنا راضية لأنه عوضني بيك بعد ما كنت فاقدة الأمل إننا نبقى لبعض بعد ما اكتشفت إني حامل."
ضمها أكثر إليه وهو يقول: "آه يا روحي، متتخيليش وحشتيني قد إيه، بس قوليلي صحيح، من امتى وأنتِ عندك شقة؟"
"دي شقة أجرتها بالفلوس اللي محوشاها كان ليا واحدة صاحبتي اما كلمتها بعد ما خرجت من البيت قالتلي ان ليها شقة بتأجرها كل شهر وانها حاليا فاضية فوافقت اني اروح واعيش فيها... قولت إني هقعد فيها وأكمل لوحدي بعيد عن أي حاجة تتعب أعصابي، وخططت إنها تكون بعيد عشان محدش يوصل لي... بس مرة واحدة لقيتك في وشي."
ضحك عمر وهو يقول: "دايماً توقعي إني مش هستغنى عنك مهما كان."
_________________
بعد أن انتهوا، أعادها عمر إلى المنزل. وحين رأتها رحاب، ركضت نحوها لتعانقها بقوة، كم اشتاقت إليها خلال هذا الأسبوع. ضربتها بكتفها ، لتعبّر عن غضبها المتحفظ: "إزاي تمشي كل المدة دي، وكنتِ فين؟"
أجاب عمر: "كانت في شقة في عمارة، قاعدة فيها لوحدها."
نظرت رحاب إليها: "أنتِ اتجننتي؟ افردي حد اتهجم عليكِ."
"لا يا ماما، محصلش حاجة. أنا كويسة قدامك أهو بس كنت تعبانة ومحتاجة اقعد لوحدي شوية وك......"
صفعتها رحاب بقوة وهي تقول: "الظاهر إنك اتدلعتي كتير أوي عشان تاخدي خطوة زي دي. نسيتي إنك في مصر، فاكرة نفسك في بلاد برة عشان تستقلي لوحدك؟ لو عمر مكنش لقاكي كان هيحصل إيه؟ ها؟ كنتِ هتكملي لوحدك وتسيبيني؟ كنتِ..."
وفجأة رأى الجميع دموع رحاب تنهمر، واحتضنت ابنتها بقوة، تبكي بقهر. كانت هذه المرة الأولى التي يرون فيها رحاب بهذا الضعف. كم أهلكتها قسوتها حتى باتت غير قادرة على تمثيلها، أو أنها لينة القلب حقًا وتمثل تلك القسوة؟
رأتها أسيل من فوق وهي مصدومة بأن رحاب تبكي. اعتقدت بأن تلك الأحاسيس التي بداخل كل إنسان عند رحاب معدومة ولم تخلق بها وهي صغيرة. كانت تشك بأنها بكت حين كانت طفلة!
رآها مصطفى حين عاد من جامعته، وسط ذهول الجميع وصمتهم على بكاء رحاب الذي هز أرجاء البيت. نحيبها أوجع قلوب من بالمنزل، وأولهم يارا التي أوصلتها لتلك المرحلة. لم تكتفِ بأنها أوجعتها عندما علمت بأنه تم اغتصا بها من قبل شخص لا تعرفه، والآن تركتها وذهبت. لقد قست عليها يارا كثيرًا، وهي مهما كانت فهي والدتها.
ابتعدت يارا بصعوبة عنها، ومسحت دموعها، واقترب مصطفى ليحتضنها، يربت عليها. كم كانت رحاب هزيلة وضعيفة في ذلك الوقت. تقدم عمر للخروج من البيت مودعًا يارا بعينيه، لأنه يجب أن يترك لهم مساحتهم العائلية.
أخذت يارا رحاب إلى غرفتها وظلت معها طوال اليوم، لأن رحاب ظهر عليها التعب الشديد بسبب كبر سنها. هذه الأيام لم تواظب على دوائها. ظلت يارا معها، خائفة أن يصيبها أي مكروه. كان مصطفى أيضًا قلقًا، وكانت هدير تعتني برحاب، وتحضر لها الدواء والطعام عند سريرها.
___________
عادت أسيل إلى غرفتها وقد تملّكها شعور غريب بأن قلبها بدأ يرق لرحاب حينما رأتها بتلك الحالة. كانت تود الاطمئنان عليها، لكن الذكريات المؤلمة كانت تثقل خطاها. في لحظة من التردد، استدارت إلى الهاتف وكتبت رسالة إلى يزن على تطبيق "واتساب":
"هي دلوقتي في أوضتها وبتكح جامد، سامعة صوتها وهي بتعيط وصعبانة عليا. عاوزة أروح أتطمن عليها... أروح؟"
تأمل يزن رسالتها وابتسم برقة، مدركًا عمق التغيير الذي يطرأ على مشاعرها. شعر بفخر لأن أسيل تلجأ إليه في قراراتها، مما جعله يشعر بأهميته في حياتها. أجابها بلطف:
"متنسيش إنها كانت جنبك وقت ما كنتِ تعبانة، وأنها هي اللي اعتنت بيكِ لما باباك كان مسافر. نعم، كانت بتؤذيك، لكن ولا تنسوا الفضل بينكم. روحيلها، اتطمني عليها. مشاعر الرحمة والإنسانية عمرها ما بتروح ولو كثرت الاوجاع هنظل فينا الرحمة. زوريها بنية العمل الصالح وزيارة مريض، وهيتكتبلك الثواب."
قلبت أسيل نصيحته في عقلها وشعرت بأن في كلماته حقيقة عميقة. بعد لحظات من التأمل، قررت الذهاب إلى غرفة والدتها. طرقت الباب برفق قبل أن تدخله بحذر. في الداخل، وجدت يارا ومصطفى جالسين بجانب والدتهم رحاب، التي كانت مستلقية على الفراش ونائمة، شاحبة الوجه كظل باهت .
أخذت أسيل دفترها وكتبت ليارا:
"هي عاملة إيه دلوقتي؟"
ردت يارا بصوت منخفض ومليء بالحزن: "الدكتور قال إن الضغط عندها واطي شوية بسبب تقصيرها في العلاج الفترة دي. بس إن شاء الله هتقوم بالسلامة."
أحست أسيل بوخز في قلبها وهي ترى الحزن في عيني يارا التي مثل أختها. عانقتها وكأنها تواسيها، مستشعرة الألم المشترك الذي يجمعهما أمام مرض والدتهما. بدت الحياة وكأنها تتهاوى عندما ترى الأم، مركز الدفء والعطف في البيت، عاجزة .
أبتعدت أسيل قليلًا، ثم كتبت ليارا:
"هتتعافى إن شاء الله، ادعي لها."
قرأ مصطفى ما كتبته، فنظر إليها بتعجب وقال: "إزاي خايفة عليها وبتطمني على صحتها بعد كل اللي عملته فيكِ؟!"
أجابته يارا بدهشة واضحة: "إيه اللي بتقوله ده يا مصطفى؟! ده وقته؟!"
رد مصطفى وقد بدا عليه الاستعجاب: "عشان أنا بس مش قادر أفهم. هي أذتك كتير، إزاي تروحي تتطمني عليها؟!"
ابتسمت أسيل برقة، متذكرة نصيحة يزن التي أثرت في نفسها، وكتبت:
"ولا تنسوا الفضل بينكم. في يوم من الأيام كنت أنا تعبانة، وهي فضلت جنبي، تعتني بيا واهتمت بأكلي وشربي ."
تركتهم بعد ذلك وغادرت الغرفة، تشعر بسلام داخلي. دخلت غرفتها وأرسلت رسالة ليزن تطمئنه بأن رحاب بخير، وشكرته بامتنان على نصيحته التي ملأت قلبها بالسلام. شعرت بأن وجود يزن في حياتها هو بمثابة هدية من القدر.
نظرت يارا إلى مصطفى وقالت: "ياريت ماما كانت صاحية وشافتها وهي قلقانة عليها كده، كانت هتبطل تتعامل معاها وحش تاني. أسيل قلبها أبيض جدًا، ونقاءها هو اللي خلا ماما تيجي عليها."
وافق مصطفى وهو يهز رأسه: "معاكِ حق. هي فعلًا طيبة وتستاهل كل خير. ربنا عوضها بيزن عشان يعوضها عن كل اللي شافته. كل إنسان بياخد نصيبه، مهما تأخر، ربنا دايمًا عادل."
في هذه اللحظة، طرقت هدير باب الغرفة ودخلت حاملة صينية تحتوي على أطباق الطعام. لاحظ مصطفى دخولها، ونهض من مكانه ليتابعها بنظرات مليئة بالاهتمام.
نظرت يارا إلى هدير وقالت: "أنا أكلت مع ماما لما اتغدت، لأنها مكانتش بتحب تاكل لوحدها فكلت معاها."
قالت هدير بخجل ملحوظ: "بس... أستاذ مصطفى مأكلش."
نظرت يارا إلى مصطفى بنظرات تحمل الكثير من المعاني وقالت بابتسامة ماكرة: "يا عيني، انت لسه مأكلتش؟ كويس إنك افتكرتيه. كل يا مصطفى."
وضعت هدير الصينية أمام مصطفى، وعيونهما التقت بتوتر واضح. شعرت يارا بأنها يجب أن تتدخل لكشف هؤلاء الاثنان فواضح من نظراتهم ان بينهما شيء، قالت: "استني ما تمشيش، مصطفى قايلي إن إيده وجعاه وأنا مش هعرف أكله. ممكن تأكليه إنتِ."
اتسعت عيون هدير بالصدمة ونظرت لمصطفى بدهشة.وكذالك مصطفى ايضا نظر لأخته بدهشة متى اشتكى من ألم في يده؟ لكنه بعد أن رأى غمزتها له السريعة فهم ما قصدته يارا، فتأوه قائلاً:
"فعلاً، إيدي اليمين وجعاني ومش هعرف آكل بيها."
تقدمت هدير نحوه، مترددة ، بينما كان مصطفى سعيدًا باللحظة. جلست بجانبه على بعد قليل بينهم وأخذت الملعقة تضع بها الطعام وتطعمه بفمه وهو ينظر إليها مبتسمًا وسعيدًا بهذا الشعور كم كانت اخته ذكية وفهمت كل شيء من نظراته فقط، أعطت يارا لهم ظهرها لكي يكونوا على راحتهم.
كان مصطفى بعالمٍ آخر يتأملها وهي تخجل من رفع عينيها بعينه كم يعشق تلك الفتاة دقق بملامحها لاول مرة عن قرب كم هي جميلة حقًا وملامحها تتناسق مع وجهها بشكل رائع هام بعينيها البنيتان كم كانت عينيها تسحره ومازال سحرها دائم ورفعت عينيها بعينه اخيرًا حتى اصابها شيء جعلها تثبت مكانها وتكمل النظر اليه دون التفات منها او حركة ظلوا الاثنان بتلك الوضعيه لثوانِ حتى رأت يد مصطفى امامها ممسكة بالمعلقة ويوجهها نحوها ليطعمها بيديه مثلما تفعل فعادت الى الواقع من جديد ونظرت ليده وهي تبتسم بخبث قائلة:
"أعتقد إيديك بقت كويسة، تقدر تكمل الأكل بيها."
فضحك مصطفى حين علم بأنها كشفته وذهبت هدير من الغرفة تحمد ربها بأن صوت قلبها لم يسمعه أحد عيرها فقد كانت دقاته قوية تصدر صدى قوي بداخلها.
ابتسم مصطفى وهو يراقبها تغادر الغرفة بسرعة. كان يعرف أنها تشعر بشيء تجاهه، ولكنها كانت تخفي مشاعرها.
استرخى مصطفى على الكرسي مبتسمًا كالأبله، ينظر إلى السقف وهو يغرق في أفكاره عن هدير و يتخيل ملامحها التي حفرها بقلبه. لاحظت يارا مظهره وصاحت بالضحك بصوت عال حين رأت هيأته: : "يا عيني، دا انت واقع أوي كده."
رد مصطفى بصوت حالم: "بقالي سنين يا يارا سنين وانا واقع كده، وما فيش حد شالني."
قالت يارا بجدية: "مادام بتحبها، روح قولها. مش لازم تفضل مخبي مشاعرك."
أجاب مصطفى بتردد: "هي عندها مشاكل وظروف، وانا..."
قاطعت يارا: "مصطفى، مينفعش تخبي مشاعرك أكتر من كده. دي من العائلات اللي أول ما يشوفوا عريس مناسب، هيجوزوها ليه. الحق نفسك قبل ما تضيع منك."
اعتدل مصطفى بخوف وقال: "تضيع مني؟ لا، أنا ما صدقت إني بقيت بتكلم معاها تقوليلي تضيع مني؟!"
قالت يارا بنبرة تأكيد: "بتصرفاتك دي هتضيعها. لو بتحبها، روح قولها واتجوزها. لازم تكونوا في علاقة واضحة، لأنها تستحق ده."
تساءل مصطفى بقلق: "تفتكري ماما هتقبل إني أتجوزها؟"
أجابت يارا بثقة: "لو بتحبها بجد، هتواجه الدنيا كلها عشان تبقى معاها في بيت واحد. مفيش أعذار في الحب."
ابتسم مصطفى وهو ينظر إليها وقال: "معاكِ حق، مفيش أعذار في الحب."
ثم عانق يارا بقوة، ممتنًا لنصيحتها الصادقة. أدرك أن الحب لا يقبل الأعذار، ومن يحب يجب أن يضحي بكل شيء ليكون مع من يحب. يشعر بثقة أن هدير تبادله مشاعره، وسيعترف لها بمشاعره قريبًا.
_____________________
وبعد يومين رجع شريف من سفرته القصيرة ووجد رحاب قد بدأت بالتحسن لم يقلق عليها البته وانشغل بمشاريعه وهو لا يهتم بمن في البيت او ما الذي يحدث ولكنه تلك الايام كان يرى يزن دايما يوصل اسيل الى المنزل بساعة متأخرة غير ميعاد رجوعها من جامعتها وهذا كان يشغل باله كثيرا.
_________________
قررت علا أنها يجب أن تذهب إلى مصحة "علي" وتواجهه بما تعرفه، بعد أن حصلت على عنوان المصحة من عمر. شعرت بأن المواجهة باتت حتمية، فأعدت نفسها لمقابلة شقيقها.
ما إن دخلت المصحة حتى رأى علي أخته وتقدم نحوها، ابتسامته العريضة تشي بشوقه لها. عانقها بحرارة وقال: "وحشتيني أوي يا علا."
تراجعت قليلاً ونظرت إلى وجهه بينما هو سألها بإهتمام: "أنت عامله إيه دلوقتي؟ كويسة؟... الكوابيس لسه بتجيلك؟... أحمد أذاكِ تاني أو اتصادفتي معاه؟"
ابتسمت علا محاولة أن تبدو مطمئنة وقالت: "أنا كويسة يا علي، ولا أحمد ما شفتوش تاني. بعد اللي حصل، عرفت إنه اتقبض عليه لما حاول يسرق حد من المنطقة وبلغوا عنه. دلوقتي في السجن. متقلقش عليا، أنا بخير."
أظهر علي ارتياحه لكنه سرعان ما عاد القلق إلى ملامحه: "الحمد لله... و... يارا، عندك أخبار عنها؟ هي عاملة إيه؟"
رمقته علا بنظرة حادة وقالت: "أنت فعلاً عايز تطمن على يارا، ولا على ابنك اللي جاي؟"
ابتلع علي ريقه بصعوبة وأجاب بصوت متردد: "أنا عارف إنّي غلطت، ومستعد أصلح غلطتي."
انفجرت علا بصوت مشحون بالغضب: "كنت هتصلح غلطتك إزاي؟ كنت هتفضل ساكت وجبان؟ كنت هترميني لصاحبك أحمد؟ كنت هتفضل مخبي وانا كنت هبقى الضحية عشان يفضل سرك معاه وما يفضحكش؟"
تسمرت عينا علي واتسعت بصدمة: "أنتِ عرفتي الكلام ده منين؟"
نظرت إليه علا بعينين تلمعان بالغضب والألم: "سمعت مكالمتكم يومها... أنت مش فاهم انت عملت فيا إيه يا علي. مخوفتش عليا وانت بتعمل كده في بنت ملهاش ذنب. ما فكرتش أن ربنا كان ممكن ينتقم منك فيا أنا؟ يارا دي كانت زي أختك، تربينا احنا التلاتة سوا. ازاي يجيلك قلب تعمل كده؟!"
امال علي رأسه ينظر للأض وهو يبكي بصوت ضعيف: "ماكنتش في وعيي، من الهباب اللي بشربه. كنت شايف يارا بشكل مختلف، مبقتش شايفها كأختي. أنا حبيتها يا علا، بجنون. وكنت متضايق إنها شايفاني مجرد أخوها الصغير. أنا بحبها أوي ونفسي تسامحني. مستعد أتجوزها، ونربي ابننا مع بعض. هتعالج وهبقى إنسان كويس، وأب لطفلنا."
انكسرت علا أمام صرخة قلبه، لكنها ظلت متماسكة وقالت بمرارة: "مفيش حاجة هتتصلح، الدنيا هتخرب أكتر."
قال علي بإعتراض: "ليه بتقولي كده؟ أنا بقولك إنّي مستعد أصلح غلطتي واتجوزها. أنا لسه بحبها وهفضل أحبها طول عمري، وهطلب منها السماح. هي إن شاء الله هتسامحني لما تشوف حبي."
لم تستطع علا أن تمنع دموعها، تذكرت عمر الذي اعترف لها بحبه ليارا أيضًا. قالت وهي تبكي: "بس أخوك بيحبها... عمر كمان بيحبها."
ارتجفت عينا علي وهو ينفي بقوة: "عمر مش بيحبها، هو بس عايز يستر عليها لأنها حامل أنا فاهم أخويا وهو جدع ومقبلش ان الناس تنظر ليها نظرة مش كويسة انها حامل منغير جواز . بس لما يعرف إن أنا أبو الطفل، هيوافق ويبعد عنها. أنا اللي بحبها يا علا، مش عمر. أنا أبو الطفل، وأنا أولى بيها إني أتجوزها. "
بكت علا وقالت بحزن عميق: "بس عمر هيكتب كتابه عليها بعد يومين. اتحدد الموعد، والشقة بتاعته خلاص جهز معظمها."
انقطعت أنفاس علي وهو يستمع إلى كلماتها. صمت مذهولًا، غير مصدق لما سمع. استجمعت علا شجاعتها وأكملت: "أنت لازم تحل الموقف ده. أنا مش قادرة أقول لأخوك إن الشخص اللي بيتوعد ليه في كل لحظة وكل ثانية ده يبقى أخوه. لازم تقوله إنك أنت السبب، أنا مش عارفة أقول له أو حتى أقدر أقول حاجة زي دي. لازم يسمعها منك أنت. اتصرف."
صمت علي طويلًا، وعيناه تائهتان في الفراغ. شعر بثقل الذنب يسحق قلبه. كان عليه أن يواجه الحقيقة، لا مفر من ذلك. نظر إلى علا بحزن وقال بصوت متهدج: "هقول له... هقول له كل حاجة."
_______________________
كانت جالسة معه بغرفته حين استدعاها ليتحدث معها بخصوص شيء معطيا حجته لكي يتحدث معها وكان يسألها عن اشياء بلهاء ولم تعد تفهم ماذا يريد ان يقول وكان يتلعثم كثيرا حتى قال بسرعة البرق
-تتجوزيني يا هدير؟؟
ذهلت هدير مما قاله وشعرت بأن دقات قلبها تزداد ولم تصدق ما سمعته فاكمل بقوله
-انا بحبك وبقالي سنين بحبك جوايا وساكت حبيتك وحلمت بيك سنوات كتيرة انت كنت مباراة انا واثق اني هخسرها لان مكنتش اتخيل اني اصرح بمشاعري ليك في يوم بس الشجاعة خدتني لما حسيت ان ممكن اخسرك او تتجوزي حد تاني حسيت وقتها ان ممكن يجرالي حاجة لو روحتي لغيري..... انا بحبك يا هدير بحبك بجنون ومش متخيل نفسي مع اي واحدة غيرك.
وقفت هدير بقوة ثم تركته وتوجعت للباب لتخرج منه ولكنه لحقها واغلق الباب ووقف وراءه وهو خائفا: "قولي حاجة ارجوك متمشيش منغير ما تقولي حاجة."
نظرت بالارض ثم رفعو عينيها بعينه بغضب مزيف "طيب عاوز رد؟.... ردي هو الرفض... انا مش موافقة اتجوزك يا مصطفى ممكن تفتح الباب عشان اروح لاني اتأخرت."
صُدم من ردها الذي لم يكن يتوقعه فهو كان يتوقع بأنها تبادله المشاعر مثله!
"ليه..... ليه!."
اقتربت منه لتفتح الباب ولكنه صدها ونظر بعينيها وهو لهيب يخرج من عينيه ويكرر "ليه؟"
"بعد اذنك خليني اخرج مينفعش نبقى في اوضة واحدة سوا."
صرخ مصطفى بصوت عال"ليه"
-"ليه ايه؟؟"
"ليه قربتي مني"
كان بكل جملة يقترب منها وهي تبتعد خطوة
"ليه موقفتينيش "
"ليه شوفتي مشاعري ومحاولتيش تبعدي"
"ليه كنتِ ساكتة وحسستيني انك انت كمان بتحبيني"
"للدرجة دي مشاعري كانت لعبة في ايديكِ استهونتي بمشاعري وانت شايفاني بتعلق بيك كل يوم اكتر من اللي قبله كنت ناوية تعلقيني بيكِ وتبعدي؟"
"ليه انت في اوضتي دلوقتي؟؟"
ظلت هدير تبتعد عنه وهو يقترب الى ان التصقت بحائط منعها من الرجوع فبلعت ريقها ونظرت اليه واجابته
"دا مش معناه اني بحبك..... انت فهمت غلط"
ضحك مصطفى وهي دمعة تنزل من عينيه تحرق خديه بسماع تلك الجملة وقال "بجد مش بتحبيني.... انت متأكدة من اللي بتقوليه؟"
"ايوة مش بحبك يا مصطفى.... انت وهمت نفسك بدا بس احنا مش هننفع نبقى مع بعض لاسباب كثيرة اوي احنا في غنى عنها."
ضعف مرة اخرى بقوله "عشان اخواتك صدقيني موافق يعيشوا معانا هشتغل مع الجامعة واصرف علبيت هتعالج وهكون انسان سوي نفسيا هقنع ماما وهنقف انا وانت قصادها مادام بنحب بعض صدقيني كل المشاكل اللي في بالك هنتخطاها سوا وانا هقنع ماما لاني مش مستعد اني اخسرك..... مش مستعد ابدا انك تضيعي مني... لاني بحبك."
كانت تتحدث معه وهي تنظر بالاسفل تخشى من رفع عينيها فتكشف على حقيقتها: "خلصت كلامك..... انا مش موافقة اتجوزك والسبب واضح.... لاني مش بحبك... سيبني امشي يا مصطفى ارجوك عشان اتأخرت على اخواتي."
"مش بتحبيني؟...... بتعملي ايه في بيتي مادام مش بتحبيني؟.... بتعملي ايه في اوضتي مادام مش بتحبيني..... بتساعديني اتعالج ليه لحقتيني ليه في محطة القطر حضتنيني وانت خايفة عليا خوفتي عليا ليه مادام مش بتحبيني.... انطقيييي"
صرخ بها بآخر جمله قالها ففزعت هدير واتنفضت من مكانها وتسللت الدموع عينيها تحاول حبسهم ولكنهم اجتمعوا دون أمر منها فقالت بصعوبة محاولة ضبط انفاسها
"دي كانت انسانية مني بس مش حب."
نزلت الجملة مثل الصاعقة على اذنيه وسمعوا الاثنان طرق على الباب فابتعد مصطفى عنها وجلس على السرير بينما توجهت هدير بسرعة لتفتح باب الغرفة وحين فتحته وجدت رحاب امامها وحين رأتها رحاب بغرفة ابنها اتبعت عيناها بغضب شديد وقالت
"انت بتعملي ايه هنا"
مسحت هدير دموعها وقالت"كان طالب مني حاجة وبعتهالوا والباب اتقفل بالغلط... انا اسفة يا هانم "
"اتفضلي.... مش دا معاد مشيانك.... اتفضلي"
خرجت هدير بسرعة للنزول والرحيل عن المنزل بينما وقفت رحاب على باب الغرفة وهي تقول بسخرية "رفضتك؟"
"نظر اليها مصطفى بوجع وقال بصوت مبحوح" اه"
"وانت كنت متخيل انها هتوافق بيك؟"
"ماما ارجوك انا فيا اللي مكفيني ليه بتقولي كده."
"انا لو منها هرفضك طبعا... انت عايز واحدة متكونش عارفة ماضيك ومتكونش عارفة مرضك وانك... مجنون... متخيل انها هتوافق تعيش مع واحد بتجيله هلاوس وبيشوف ناس ميته دنا اخاف على نفسي منك."
"يا ماما كفاية بقا... كفااااية."
"هتخلص الترم دا وهتروح مصحة نفسية تتعالج متبليش الناس بيك.... وحرام عليك تعرض عليها حاجة زي دي.... زي ما بتحبها كده..... ابعد عنها عشان حبك دا.... ابعد عنها وانساها عشان انت مترضهاش لاختك انها تتجوز واحد مجنون."
"ارحميني بقاااا.... كفاااية يا امي."
فزعت من صراخه الذي هز ارجاء البيت وجاءت يارا بتوتر وهي تنظر اليه بخضة "فيه ايه.... فيه ايه.... مصطفى مالك؟؟"
نادت رحاب على حراس البيت ليأتوا اليه وامرتهم بأن يربطوه بالسرير ومصطفى يبكي وهو يصرخ من شدة المه وتحول اجمل ايام حياته الي كابوس عميق بقتت كيانه.
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم مريم الشهاوي
|28-إعتراف كارثي|
صلوا على الحبيب
عادت هدير إلى منزلها بعد يوم مرهق، مثقلة بالهموم والأفكار المتشابكة. حملت على عاتقها رعاية أخوتها الصغار، فتوجهت فورًا إلى المطبخ لتحضير الطعام لهم. أطعمتهم بحنان، محاولًا إخفاء حزنها خلف ابتسامة دافئة. بعد ذلك، جلست معهم لتساعدهم في حل واجباتهم المدرسية، وكأنها تحاول بذلك أن تنسى مشاعرها المعقدة ولو للحظات.
بعد أن انتهت من تلك المهام ونيمتهم بحنان، شعرت بالوحدة تلتهمها. دخلت المرحاض، توضأت، ثم وقفت للصلاة، لتجد في صلاتها ملجأً من ألمها الداخلي. ما إن بدأت بالصلاة حتى انهمرت دموعها بغزارة، وفي خلوة مع ربها، انفجرت بمشاعرها المكبوتة، مستجيرةً بالله:
"يا رب... أنا بحبه يا رب. شيلوا من قلبي يا رب، عشان هو ميستاهلش مني دا. حياته هتتقلب لجحيم لو اتجوزني... وبابا هيستغله أشد استغلال. أنا عارفة يا رب، شيلني من قلبه وشيله من قلبي. يا رب، أنا حبيته غصب عني، بس احنا مننفعش لبعض... احنا الاتنين مختلفين."
انهمرت دموعها بحرارة على وجنتيها، تحمل كل دمعة معها ألمًا وشوقًا وخيبة. كانت تحاول أن تطهر قلبها من هذا الحب الذي لا يمكن أن يزهر إلا شقاءً. شعرت كما لو أن قلبها يكاد ينفجر من تناقض المشاعر، بين رغبتها في الحب وإدراكها للعواقب التي قد تترتب على هذا الحب.
كانت تعلم أن رفضها لتلك العلاقة ليس فقط لأجلها، بل لأجله أيضًا، لحمايته من عالمها المعقد الذي قد يمزقه. كانت كل لحظة في صلاتها كأنها تسليم لله، محاولةً البحث عن السلام الداخلي وسط العاصفة العاتية التي تجتاح روحها.
جلست هناك طويلًا، تهمس دعواتها بصوت متهدج، باحثةً عن ملاذ في بحر من الدموع والصلوات، متمنيةً أن يمنحها الله القوة لتجاوز هذه المحنة، وأن يساعدها على تحمل ذلك الحمل الثقيل الذي يضغط على قلبها.
__________________________
كانت يارا تجد في زياراتها للطبيب مع عمر ملاذًا من صراعاتها الداخلية. كل فحص يُظهر صحة الطفل الجيدة كان بمثابة شعاع من النور يُبدد مخاوفها ويزيد من يقينها بحب عمر الصادق. لم تعد تعطي أهميةً لتحذيرات والدتها أو تهديداتها؛ فقد قررت أن تستمع لقلبها وترى الحقيقة بعينيها. عمر، بابتسامته الدافئة واهتمامه العميق، كان يعشقها بصدقٍ لم تعهده من قبل. شعرت أنها لا تحتاج لأكثر من هذا الحب المتبادل، الذي يملأ حياتها بالأمان والدفء.
في الجهة الأخرى من البيت، كان مصطفى يعيش في كابوس مستمر. والدته، رحاب، كانت تسعى جاهدة للسيطرة عليه بوسائل قاسية. تنازع يارا والدتها دائمًا، محاوِلةً أن تمنعها من ربط أخيها وتقييده، لكن رحاب كانت ترفض الاستماع لأي صوتٍ غير صوتها. كانت تهدد مصطفى بربطه إلى السرير إذا لم ينصع لأوامرها، مستغلّةً ضعفه وصراعه الداخلي.
مصطفى، الذي وجد نفسه مقهورًا تحت وطأة هذه المعاملة، كان يشعر بألمٍ يعتصر روحه. في بعض الأحيان، كان يستسلم للعزلة، يبقى في غرفته، معانقًا أفكاره التي تزدحم في عقله، حيث يتكرر عليه صوت والدته وهي تردد أنه "مجنون". هذا الإحساس كان يمزقه، فهو كالرجل المقهور، مقيدٌ بجدران من الخوف والإحباط، ويفقد طعم الحياة شيئًا فشيئًا.
كان ينظر إلى العالم من نافذة غرفته، يحلم بالحرية والهروب من هذا السجن النفسي. كان ألمه مزدوجًا: جسديًا من قيود والدته، ونفسيًا من الوصمة التي تلصقها به. القهر الذي يعيشه جعله يتساءل عن قيمته وعن معنى وجوده. استعاذ بالله مرارًا وتكرارًا من "قهر الرجال"، ذلك الشعور الذي يجعله يختنق في صمت، بينما صراخ روحه يظل مكتومًا بين جدران غرفته الباردة.
في كل لحظة يقضيها بين تلك الجدران، كان مصطفى يحاول إيجاد مخرجًا، يتمنى بصيص أمل يعيده للحياة. كان يدرك في أعماقه أن عليه مواجهة والدته، ولكن كيف يواجه من زرعت فيه شعور العجز والخوف؟ كل مرة يواجه فيها هذا السؤال، كان يجد نفسه يعود لنقطة الصفر، عاجزًا عن الفعل، مكتفيًا بالحلم في ليالٍ مظلمة تتكرر فيها معاناته يومًا بعد يوم.
________________________
مرَّ يومان ومصطفى في غرفته، عزل نفسه عن الجميع، وكأنه يختبئ من ضغوط الحياة. هدير، التي اعتادت رؤيته كلما جاءت إلى المنزل، باتت قلقة عليه. شعرت بغصة في قلبها مع كل يوم يمر دون أن تراه، وتساءلت عن السبب الذي يجعله يتجنب الخروج من عزلته. لكن مع كل خطوة كانت تخطوها في المنزل، كانت تواجهها نظرات رحاب المتفحصة. تلك النظرات الباردة كانت تملأ قلبها بالرهبة، تخشى منها على عملها، الذي كان بمثابة طوق نجاة لها بأجره المضاعف مقارنة بأعمالها السابقة.
في البداية، حاولت هدير أن تتجاهل قلقها على مصطفى، مفضلة الصمت والامتثال أمام رحاب لتفادي المشاكل. لكن مع مرور الوقت، زادت مخاوفها على حاله، لم تعد تستطيع تحمل رؤية حالته تتدهور دون أن تفعل شيئًا. شعرت أن واجبها الإنساني يتطلب منها أن تطمئن عليه، مهما كانت العواقب.
مع غروب اليوم الثالث، شعرت هدير أن الصمت لم يعد خيارًا. قررت أن تزور مصطفى في غرفته. وقرارها أجسمته حينما رأت كل من بالمنزل قد خرج والخدم فقط الموجودين ومصطفى بغرفته وحده فوق كانت قد أخذت القرار وصعدت للأعلى.
تقدمت هدير نحو غرفة مصطفى بخطوات ثقيلة. طرقت الباب بخفة، عندما لم تسمع ردًا، ازدادت دقات قلبها. حاولت مرة أخرى، طرقة أخف هذه المرة، وهمست بصوت متردد: "مصطفى... أنت هنا؟"
لم يأتِ رد، فتسللت بهدوء إلى داخل الغرفة وأغلقت الباب ورائها لكي لا يراها أحد. وتفاجأت بأنه ليس هناك أحدٌ بالغرفة!
"مصطفى..." نادت هدير بصوت مشوب بالقلق.
ومن بعدها سمعت صوت ضجيجًا يأتي من المرحاض وصوت صراخ مصطفى.
طرقت بشدة على باب المرحاض، صائحةً باسم مصطفى ليفتح الباب، لكنه استمر في تحطيم كل شيء حوله، وسط صرخاته العاتية،بيأس قائلاً:
"اخرج من حياتي بقا... انت السبب في هلاكي... مش عاوز حد... امشي يا هدير... امشيي"
في الوقت نفسه، أمسك مصطفى بزجاجة صغيرة، مستعدًا لقطع شرايينه والانتحار!، ولكن سمع صراخ هدير الموجوع قائلة
"مصطفى افتكر ربنا... انت يَئِست من رحمته!"، .
أردف مصطفى بعدم إيمان وسيطر شيطان نفسه عليه قائلاً "ربنا مش رحيم بيا"
حاولت هدير تهدئته واسترجاعه للوثوق بربه وبرحمته"ازاي تقول كده، هو بس بيختبرك... ان الله اذا احب عبدًا ابتلاه يا مصطفى وانت ان شاء الله هتتعالج وتبقى كويس..."، .
قاطعها مصطفى بحزن وألم: "تعبت يا هدير... تعبت من الدنيا والناس وتعبت من عقلي... وهو... هو كمان تاعبني... انا معدتش بني ادم طبيعي يا هدير" .
سمعت هدير تكسيرًا جديدًا، فبكت بحزن وهي تقلق عليه من ايذاء نفسه، وحاولت بكل ما أوتيت من قوة إقناعه بالتفاهم قائلة،
"اطلع يا مصطفى طيب ونتفاهم... صدقني كل حاجة هتبقى كويسة بس خلي ايمانك كبير وصبرك اكبر ربنا هيجازيك حق صبرك وهتشوف.. اخرج بس عشان خاطري اخرج برا ومتعملش في نفسك حاجة".
نظر مصطفى نحو الباب وهو يُقرب الزجاجة من يده اكثر ويصرخ بوجع يحتال قلبه، "مفيش طريقة تانية غير دي... خلاص معدتش قادر اكمل في حياتي"، كان مستسلمًا لنفسه الأمارة بالسوء!
صرخت هدير بقلق أكبر، وادركت أنها تحتاج الي التحدث بسرعة لانقاذه: "لا فيه... فيه.... انا محتاجاك يا مصطفى!"،
قال بقهر وهو دموعه تتدفق بشكل هائل"مفيش حد محتاجني... أمي نفسها مش محتاجاني! "
"أنا.. أنااا محتاجاك... أنا عايزاك متموتش نفسك"
قالتها مسرعة، وكأنها تعلم بأن مصطفى يقترب من الانتحار.
ظل مصطفى صامتًا، فارتعبت هدير أكثر وقلقت على حياته، فقالت بصوت مرتجف تلقي بكلمتها التي خبئتها دائمًا بقلبها ولم تكن قادرة على البوح بها ولكنه الوقت المناسب ليعلم مشاعرها تجاهه،
"أنا بحبك يا مصطفى... محتجاك لأني بحبك.. مش هتخيل حياتي منغيرك.. لأني بحاجة ليك".
لكن مصطفى لم يستجب، بل وضع الزجاجة وبدأ بجرح نفسه وهو يضع حدًا لحياته، فتحدث بوجع قاتل وحزن،
"انت بتقولي كده عشان مموتش نفسي واطلع".
صرخت هدير بقوة، "يا مصطفى لا عشان خاطري متعملش كده.. أنا بحبك بجد ومش عاوزاك تروح مني".
بحنيّ ودموعه تتدفق، قال مصطفى بألم، "شخص زيك هيحبني ليه ها... متعرفيش اني مجنون وبهلوس... ليه تبتلي نفسك بواحد زيي جبان وضعيف... انا مستاهلكيش يا هدير..".
"أنااا... أنا حبيتك زي ما مانت حبيتني حبنا مختلف لأننا احنا الاتنين مختلفين عن بعض... ناسي اننا مختلفين اجتماعيًا... انا ليه مسألتكش انت بتحبني على اي ها... لا شكلي حلو ولا لبسي ولا متعلمة كويس ولا اسلوبي ولا أي حاجة... الحب يا مصطفى مش بيمر بكل الابواب دي... الحب ليه باب مخصص بيفتح ويسمحلك بدخوله مهما كانت الظروف قلبي وقلبك اتعلقوا ببعض رغم اختلافاتنا! ".
تراجع عن قراره بعد اختراق تلك الكلمات قلبه فأحيته من جديد بعد ان كان مُهلكًا ثم اقترب مصطفى من الباب وجلس وراءه وهي أيضًا جلست وأسندوا هما الاثنان رأسهم على الباب. قال بعشق وحب، "انا حبيتك لان انت الي قلبي اختارك مسألتش نفسي كل دا لانه مكانش هاممني غير ان الانسانة الي احبها اكون مش شايف غيرها ومتأكد اني مش هلاقي زيها تاني ابدًا".
أجابت هدير بدفء وحنان "طب وعاوز تفرقنا عن بعض ليه؟؟ ليه مش هتحارب معايا عشان حبنا يفوز واستسلمت من اول جولة قوم اقف وانا معاك هسندك.. مصطفى، أيًا كان عندك أيه خليك متأكد أنك أجمل شخص في العالم كله ومفيش حد في طيبة قلبك... انت تستحق كل حاجة حلوة عشان قلبك الطاهر النقي... بلاش يا مصطفى بلاش تضيع نفسك، الحياة فيها حاجات كتيرة حلوة بس احنا الي مصريين على النظر ليها بعدسة معينة...
همست بآخر كلماتها ترجو بأن ترجعه عن قراره
"خليك مطمئن إن ربنا مش هيخليك لوحدك، وأنا هنا معاك ومش هسيبك ابدًا، لأني ببساطة بحبك يا مصطفى"
وبينما كانت تتحدث بكلمات الحب والإخلاص، وجدت باب المرحاض يُفتح، وخرج مصطفى، ورغم دموعه المتساقطة، إلا أن البسمة كانت مشرقة على وجهه، فأبتسمت هدير بفرحة ووقفت على قدميها وأخذت تنظر اليه تتأمله وتحاول تهدئة روحها من التوتر وتقنع قلبها الذي كان يتمزق خوفًا بأنه بخير الآن وبينما تنظر الى جسده بالكامل تتفحصه لاحظت جرح يده فسارعت لتضع الضماد وتنظف الجرح، وفي صمت يملؤه الهدوء،هو ينظر اليها مبتسمًا وهي تداوي جرح يده قال مصطفى بصوت هادئ ينبض بالراحة،
"معاكِ حق، ربنا رحيم بيا جدًا عشان جعلك في حياتي.. ♡"
________________________
في كل يوم، كانت أسيل تلتقي بيزن بعد انتهاء يومها الجامعي، فيأخذها إلى والدتها. وفي الأيام التي كانت فيها مواعيد جلسات التخاطب، يصطحبها الطبيب للعلاج دون علم أحد. لكن في أحد الأيام، عادت أسيل إلى منزلها متأخرة، وكانت الساعة تشير إلى التاسعة مساءً. كان والدها شريف ينتظرها، عيناه تشتعلان غضبًا، مما دفعها إلى ابتلاع ريقها خوفًا، مدركة أن تلك النظرة لم تكن تُنذر بخير أبدًا.
تساءل شريف بصوت صارم: "كنتي فين؟"
أسرعت أسيل في كتابة إجابة على دفترها لتشرح له: "مع يزن."
عندما قرأ شريف ما كتبته، انفجر في الصراخ: "مع يزن فين؟"
تزايدت وتيرة توترها، وأدركت أن الجميع كانوا منشغلين عنها، خاصة والدها الذي لم يعرها اهتمامًا طيلة حياتها. كتبت وهي ترتجف: "روحنا نشتري أدوات لجوازنا."
لكن شريف لم يقتنع، أمسك بخصلات شعرها بشدة وصرخ بغضب: "بتكدبي عليا وانا شايفك بعيني بتطلعي معاه عمارة! بتكدبي عليا وانا شايفك كل يوم بترجعي متأخرة ودلوقتي بتقولي بشتري حاجة لجوازك؟ هي حاجات الجواز بتتباع في الشقق؟!"
ثم صفعتها بقوة، فسقطت على الأرض، تضع يدها على خدها بصدمة، جسدها يرتعش من شدة الضربة. يارا، التي كانت تراقب المشهد من الطابق العلوي، أرادت التدخل، لكن رحاب أوقفتها بقولها إن تدخلها لن يجلب الخير أبداً.
انحنى شريف على ركبتيه، ورفع وجه أسيل بيديه، صرخ فيها وهو يستشيط غضباً: "كلك أمك... حتى وشها وطبعها، كلك هي... أكيد أخدتي الطبع ال.... منها، هتجيبيه من برا! كان لازم اخد حذري منك، ناوية تفضحيني مع اللي اسمه يزن، بتطلعي معاه الشقق، وتبقي طول الليل معاه يا..."
كان يضر بها بوحشية، وأسيل لا تستطيع التفوه بالحقيقة، تبكي بحرقة، مستسلمة للضربات التي تنهال عليها، عاجزة عن الدفاع عن نفسها أمام قوة والدها العاتية.
وقف شريف، بينما كانت أسيل تتأوه على الأرض، وجسدها ينزف من عدة جروح. لم يتوقف عن ضربها، بل أخذ يركلها بعنف، مستذكراً جراحه القديمة من زوجته الأولى قمر، التي اكتشف خيانتها. كان يتخيل قمر أمامه، ويضرب أسيل بعنف ليشفي جراحه التي لم تلتئم بعد.
جرها من شعرها إلى القبو ورماها بداخله، وأمر أحد الخدم: "هاتي مفتاح الزفت دا وأقفليه عليها... رحاب!"
التفتت رحاب بخوف، وسألته: "نعم؟"
أمرها بحدة: "متخرجش برا القبو ولا يدخلها أكل لحد ما تتربى من أول وجديد، فاهمة؟ بنت قمر... كنت غافل عنك السنين اللي فاتت، دلوقتي فوقتلك وهربيك من جديد."
ثم صعد إلى غرفته، بينما نظرت رحاب إلى الخدم الذين كانوا يشاهدون ما يحدث بعيون مليئة بالخوف والحزن على الفتاة البريئة. صرخت بهم رحاب: "بتتفرجوا على إيه؟ يلا كل واحدة تشوف شغلها... يلاااا!"
هرول الجميع إلى عمله، وقفت هدير بجانب إحدى زميلاتها في العمل، وسألتها: "هو ليه كله كان ساكت وهو بيضرب فيها كده؟"
أجابتها الزميلة: "دي أول مرة يضربها بالطريقة دي. كان آخره يضربها بالقلم أو يزعق فيها، لكن ما شفناهوش بيضربها بوحشية كده قبل كده."
أضافت الثالثة: "يا هدير، إنتي لسه جديدة. لما الأستاذ شريف بيعمل أي حاجة، محدش يقدر يوقفه، عشان كده محدش فينا يقدر يتدخل، ولا حتى مدام رحاب تقدر تتدخل."
قالت هدير والدموع في عينيها: "ايوة بس البنت هتقعد من غير أكل وشرب، وهي كمان عيانة!"
أجابتها بحزن: "دي الأوامر، وعلينا تنفيذها، وما نتدخلش في اللي ملناش فيه."
ردت هدير بتلقائية: "فين الإنسانية اللي فينا؟ إنتو مش شايفين ضرها إزاي؟ دا ممكن يكون كسر لها حاجة في جسمها من كتر الركل برجله."
أجابت زميلتها بفتور: "إنتي لو عايزة تمشي ، روحي ساعديها، لكن احنا محتاجين الشغل دا. يلا نكمل العشا."
ـــــــــــــــــــ
دخلت هدير المرحاض، وأخرجت هاتفها، وأرسلت رسالة ليزن على تطبيق الواتساب: "إزي حضرتك يا بشمهندس يزن؟ حضرتك لازم تيجي وتشوف أسيل... هي محتاجالك، الحقها بسرعة. الأستاذ شريف ضربها جامد."
بعد أن استلقى يزن على فراشه، رأى رسالة هدير، فقفز من سريره بسرعة، وخرج من بيته مجددًا وسط ذهول عائلته. لم يكن لديه الوقت ليشرح لهم، فأشعل سيارته وانطلق بسرعة نحو منزل أسيل.
ــــــــــــــــــ
أمسكت يارا الهاتف لتتصل بيزن، لكن رحاب أوقفتها قائلة: "لو رنيتي عليه هتحصل مشكلة... شريف باين عليه متعصب. ما تجيبيلناش الكلام. ملكيش دعوة."
ردت يارا باكية: "طب الحقوها طيب... البنت أغمى عليها، حد يدخل يفوقها."
رفضت رحاب بحدة: "دي أوامر صاحب البيت، ومينفعش حتى أنا أتدخل فيها. وبعدين دي بنته، هو حر يعمل اللي عايزه فيها."
رفضت يارا النزول لتناول العشاء، بينما كان مصطفى نائمًا بغرفته، لم يسمع شيئًا مما حدث، فغفوته كانت ثقيلة لا تُعكرها الأصوات.
جلست رحاب مع شريف على مائدة العشاء، كان شريف يزفر بغضب، آثار الحنق لا تزال واضحة على وجهه. سأل عن مصطفى ويارا، فأجابته دعاء: "جم من جامعتهم النهاردة ولسه نايمين، تعبوا جامد."
كانت هدير تراقب الباب كل دقيقة، تنتظر يزن بفارغ الصبر لينقذ أسيل المغمى عليها في القبو، والله أعلم بما حل بها وماذا يحدث الآن.
ــــــــــــــــــ
سمعوا طرقات قوية على الباب، فتحت الخادمة، وعندما فتحته، فوجئت بدفع الباب بقوة أمامها، ودخل يزن المنزل غاضبًا، نظر للجميع بعينين متقدتين، وهتف بأعلى صوته:
"أسيل!"
_____________________
شعر عمر بقلق بالغ حين علم بهروب علي من المصحة. وبينما كان يهم بالخروج من غرفته للبحث عنه، سمع طرقًا على الباب. كانت دعاء وقمر وعلا خارج المنزل، وكان عمر الوحيد المتواجد في البيت إذ كان والده في سفرية للعمل.
فتح عمر الباب، فوجده علي واقفًا أمامه، يلهث بشدة. اندفع علي إلى الداخل ليعانق أخيه، جسده يرتجف ووجهه شاحب.
جلس الاثنان على أريكة غرفة المعيشة، وصاح عمر بغضب: "أنا كنت غلطان لما فكرتك راجل! بتهرب من المصحة ليه يا علي؟ هو احنا مش متفقين ومديني وعد؟"
رد علي بصوت مهتز: "خرجت لما عرفت إن البنت اللي بحبها هتتجوز بعد يومين من أخويا."
تغير وجه عمر، وضم حاجبيه بدهشة: "انت مبتحبش يارا."
قال علي بوجع واضح: "ولا انت كمان بتحبها."
اندفع عمر بكلمات ثقيلة: "أنا بحب يارا من زمان، وهتجوزها عشان بحبها. اللي انت فيه دا مجرد فترة مراهقة... انت لسه في تانية جامعة، وكنت من سنتين في ثانوي... لسه صغير، وقدامك الحياة طويلة، هتحب كتير."
تأوه علي بغضب مكتوم: "عمر، أنا بحب يارا، وأنا اللي طلبتها للجواز الأول... مين اللي لما عرف أني اتجوزها، سابني أسافر وراح طلب إيديها؟ انت ليه مصمم تخلق عداوة بينا؟ سيبلي يارا."
رد عمر بحزم: "انت اللي بتخلق العداوة... انت لسه صغير ومتعرفش يعني ايه حب. أنا بحب يارا أكتر منك، مش بحبها وبس، أنا بعشقها، وهتجوزها."
أمسك علي بياقة قميص عمر، وقال: "عمر، متخلينيش أخسرك... انت أخويا."
أبعد عمر يديه بقوة قائلاً: "روح اتعالج يا علي... ولما تخرج من المصحة أكيد هتلاقي واحدة تحبك... يارا مش بتحبك يا علي... دور على واحدة تكون بتحبك. هتحس بإيه لما تتجوزها وهي بتحبني وقلبها معايا أنا؟"
أصر علي بعينين يملؤهما الأمل: "هي هتحبني لو انت بعدت عن طريقنا... لو بعدت عنها وشافت حبي ليها، هتحبني. ابعد عنها يا عمر عشان خاطري، وخليني أتجوزها... انت مش عارف أنا بحبها قد إيه."
رد عمر بغضب: "انت اللي تبعد عنها يا علي وتفوق لنفسك. ظبط حياتك، وبعدها فكر تتجوز. ولو كانت واحدة تانية غير يارا، مكنتش هجوزها لك لو اطربقت السما على الأرض. عارف ليه؟ عشان مبليش واحدة بأخويا المدمن... لما تتعالج، أخرج واتجوز."
احتد علي: "طب متتجوزهاش انت... ليه عاوز تتجوزها بأقرب وقت كده؟"
أجاب عمر بعصبية: "عشان... عشان حامل، وانت عارف دا كويس."
قال علي بصدمة: "طب مش سألت نفسك مين أبو الطفل دا؟"
تشنج عمر وزادت ضربات قلبه، وقال بغضب: "هعرفه قريب، وهرميه في السجن مع الزبالة اللي زيه..."
رد علي بصوت متهدج: "ولو الراجل اللي عمل كده طلب يصلح غلطته ويتجوز يارا ويربي ابنهم؟ هتعمل ايه؟"
صاح عمر بحدة: "لا، طبعا مش هوافق! هو ميستحقش الطفل دا."
أجاب علي بتحدٍّ حزين: "وافرد كان يستحقه وهو غلط؟ انت ايش عرفك اللي جواه؟ هتبعد طفل عن أبوه عشان أنانيتك؟ تتجوز أمه وتبعده عن أبوه طول حياته؟ هتقول للطفل لما يسألك عن أبوه الحقيقي؟ هتقوله رميته في السجن عشان اتجوز أمه؟ هتقوله إنك بعدت عنه لما طلب السماح وإنه يربيه؟ هتفرق ابن عن أبوه لأنانيتك دي؟"
شعر عمر بوخزة في قلبه، وتسارعت دقاته. تساءل باضطراب: "انت بتتكلم كده ليه؟ انت تعرف مين أبوه؟ حاسك عارف حاجة ومخبي عني... انطق، انت تعرف مين أبوه؟"
انهمرت دمعة من عين علي، وقال بصوت مختنق: "أنا أبو الطفل دا يا عمر."
تجمدت ملامح عمر، وانعقدت الصدمة على وجهه، بينما كانت الحقيقة تنقض عليه بثقلها المدمر.
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم مريم الشهاوي
|29-لا تخافي عزيزتي|
صلوا على الحبيب
"يارا، انت عارفة إني بحبك؟"
ارتبكت يارا، ناظرة إلى عمر الذي كان منشغلًا، وأجابت بحزم: "وانا كمان يا علي بحبك زي اخويا ،انت اخويا الصغير زي مصطفى."
قال علي:
"لا يا يارا،أنا بحبك كحبيبة وعايز اتجوزك."
تبدلت تعابير وجه يارا لغضب قائلة:
"عيب اللي بتقوله ده انا هبقى مرات اخوك كمان كام يوم !"
استرسل علي بعاطفة جارفة: "لكن أنا اللي بحبك يا يارا. تتجوزيني أنا بداله، صدقيني هسعدك. يارا، أنا مجنون بيكِ، حاولي تديني فرصة."
بدت الصدمة واضحة على وجه يارا، فقالت بحدة: "إنت إيه اللي بتقوله دا؟ بقولك هتجوز أخوك بعد كام يوم. ليه مصمم تبوظ العلاقة بينكم؟ علي، فوق لنفسك، انت لسه صغير و..."
قاطعها علي بنبرة مليئة بالإصرار: "برضو هتقوليلي صغير زي ما قال، الحب مفيهوش صغير ولا كبير يا يارا. صدقيني، أنا أولى بيكِ أكتر منه، أنا بحبك أكتر منه."
ردت يارا بتساؤل واستنكار: "بس أنا مش بحبك. ليه تتجوز واحدة قلبها مع شخص تاني؟ ترضاها على نفسك؟"
أجاب علي بمرارة: "بس أنا عايزك تحبيني."
استجمعت يارا شجاعتها وقالت بوضوح: "مش هحبك، ولا عمري هحب شخص تاني غير عمر."
أصر علي بشدة: "بس انت ممكن تحبيني. لو عمر كان اتجوز مودة كنتِ هتعيشي طول حياتك مفتقداه؟ كنتِ أكيد هتتجوزي شخص تاني. أنا هو الشخص دا، أنا جيت قبله وطلبت إيدك قبله، وعرفت بمشاعري قبله. وبقولك، ممكن تحبيني لما تعاشريني، انتِ بس مش مدياني فرصة. متعرفينيش، ومتعبتيش نفسك إنك تعرفيني وتعرفي قد إيه أنا بحبك."
ردت يارا بحسم: "وهو كمان بيحبني."
قال علي بوضوح: "لا، مش زي ما أنا بحبك. أنا مجنون بيك، بحلم بيك كل يوم. بصي..."
أخرج صورتها من جيبه، ممسكًا بها كما لو كانت كنزًا ثمينًا: "أنا بنام وانا حاضن صورتك، على أمل إن في يوم تبقى حقيقة ونجتمع أنا وأنتِ في بيت واحد."
وضعت يارا يدها على رأسها بوجع وقالت: "علي، انت لازم تعرف إني بحب عمر بنفس حبك ليا، ومقدرش أتخيل حياتي مع شخص تاني غيره. ولو متجوزتش عمر، مش هتجوز طول عمري. حاول تنسى، صدقني هتتعب أوي لو حافظت على مشاعرك دي. أنا حقيقي مش عايزة أخسرك، ولا عايزاك انت وعمر تخسروا بعض بسببي. قدر إني أنا وأخوك بنحب بعض."
بدأت يارا بالابتعاد، ولكن علي أمسك بذراعها بغضب، قائلًا: "مش هتتجوزي حد غيري يا يارا، أنا أولى بيكِ أكتر منه."
صاحت يارا بألم، وهي تحاول تحرير ذراعها من قبضته: "اوعى يا علي، دراعي بيوجعني."
-سيبها أحسن لك.
صرخ بها عمر بصوت عالٍ، مما جعل الجميع يلتفتون.
تقدم عمر بسرعة نحوهم، ثم لكم علي بقوة على وجهه، مما جعله يترك ذراع يارا ويمسك بفكه، يحاول الوقوف بثبات. تجمّع الجميع، يحاولون إمساك عمر الذي كان يشتعل غضبًا، بينما يارا كانت مذهولة من نظراته وتصرفاته تجاه أخيه!
ابتعد علي عنه، جالسًا على مقعد بعيد عنه، غارقًا في أفكاره المعقدة والمتداخلة. في الوقت نفسه، جلس عمر يراقبه من بعيد، وملامحه مشوبة بالغضب . في هذه الأثناء، عم الصمت بين الجميع، صمت ثقيل يعبر عن مزيج من الحيرة والترقب، وحتى دعاء، التي كانت تشعر بأن الحقيقة باتت قريبة من الانكشاف.
مرت الساعات ثقيلة، وفي النهاية خرج الطبيب من غرفة العمليات، مما جعل يزن يقفز من مكانه، متلهفًا للاطمئنان على أسيل.
قال الطبيب بصوت مطمئن: "الحمد لله قدرنا نتخطى مرحلة الخطر.... بس للأسف وجدنا ضلع مكسور عملنا شرائح ومسامير وفي غضون كام شهر الجرح هيلتئم... الف سلامة عليها... وتقرير الطب الشرعي هيطلع بس اظن... انها مش محتاجة لتقرير طب شرعي غير على كسر الضلع فقط لكن الضرب ظاهر قدامنا زي وضوح الشمس... الشرطة هتيجي وهتشوف بنفسها الكدمات دي وهتستجوب بمين السبب.... حمد لله على سلامتها."
سأل يزن بلهفة وقلق يدفعه للإطمئنان على حبيبته: "طب يا دكتور، بعد إذنك، ممكن أدخل وأشوفها؟ أرجوك، عايز أطمئن عليها."
استغرب الطبيب من نظراته المشبعة بالعشق ولهفته الواضحة، ووافق على دخوله، بشرط أن يكون الوحيد المسموح له بالدخول بعد العملية.
بخطوات بطيئة، تقدم يزن نحو سريرها. كانت أسيل راقدة، شاحبة وكأن الحياة قد غادرت وجهها الجميل، تحيطها الضمادات، جمالها غائب لكن روحها لا تزال موجودة، ونبضات قلبها لا تزال ترسل الحياة إلى وجوده. جلس على كرسي بجانب سريرها، ودموعه بدأت تنهمر بلا توقف، خاطبها بألم مكبوت:
"أسيل..... متسيبينيش أرجوكِ..... اول مرة اعرف اني بخاف اوي كده... اول مرة يغمرني احساس الخوف... انا كنت خايف اني اخسرك النهاردة... شايفة إيدي بترتعش إزاي؟ ودقات قلبي مش قادر أسيطر عليها وأنا شايفك في الحالة دي...انا حاسس ان حياتي كانت على وشك الدمار لو انت مشيتي منها....مكنتش هسمحلك تسيبيني....انتِ فاهمة؟
وبدأ ينظر إليها بحنين وهو يبتسم بصعوبة:
" قومي يا عمري، أنتِ أقوى من كده. قومي، وأنا مش هخليكِ تغفلي عن عيني ولو للحظة. أنا كنت فاكر إني سايبك مع أهلك، بس طلع الأهل يتخاف منهم أكتر من الغريب."
أمسك يدها برفق، وقبّلها بدفء، ثم ربت عليها بأصابعه هامسًا بداخله: "لا تخافي عزيزتي."
خرج من الغرفة، مطمئنًا الجميع على حالتها، وأكد أنها بخير. سأل عن قمر، ليجد أنها لا تزال تحت تأثير المخدر بعد حقنة مهدئة. جلس بجانب والده، عبد الله، الذي رأى في ابنه شيئًا جديدًا؛ عشقًا حقيقيًا لفتاة لم تكن مجرد عابرة في حياته، بل أصبحت نبض قلبه وملاذ روحه.
جاءت الشرطة لاحقاً لإجراء التحقيقات، وتحركوا نحو منزل شريف الجوهري، حيث كان الصمت في المستشفى بداية لعاصفة أخرى تنتظر في الخارج.
_________________
-الو.... مركز الشرطة.... كنت عايزة أعمل بلاغ..... ضد جوزي
ثم التفتت الى الخدم وقالت: "تقولوا كل اللي حصل مش عاوزة حاجة تستخبي كل اللي شوفتوه يتقال في التحقيق."
بينما كانت هدير تراقب رحاب بعينين تملؤهما الدهشة، غارقة في استغراب سلوكها المتقلب. كيف يمكن لإنسانة استمتعت بمشهد ضرب أسيل بكل شغف أن تخون شريف، زوجها، وتبلغ عنه الشرطة ببرود؟ لقد كانت حقًا ماكرة ومتلاعبة، تلعب على كافة الحبال دون أن يظهر عليها أي تردد أو شعور بالذنب.
في تلك اللحظات، كان شريف مستغرقًا في نوم عميق، غافيًا في فراشه، يشعر براحة الجسد والروح. كان واثقًا تمامًا أن أهل البيت لن يشهدوا ضده أبدًا، وأنه سيتمكن من تلفيق التهمة لأي شخص آخر بسهولة، في ظل إحساسه المتضخم بالقوة والنفوذ. لم يخطر بباله أبدًا أن هذه الليلة قد تأتي محملة بخيانة مباغتة.
لكن فجأة، شُرِبَ نومه الهادئ برنين القيود الباردة التي أحاطت بمعصميه، رجال الشرطة يقيدونه دون سابق إنذار. كان ارتباكه جليًا، ملامح وجهه تمتلئ بالذهول والصدمة، وهو يحاول إدراك ما يحدث حوله. متى جاءوا؟ وكيف علموا؟ وفي لمح البصر، التفت بعينين جاحظتين نحو رحاب، يبحث عن إجابة أو تفسير، ليجدها تضحك بخبث، عيناها تتوهجان بتلذذها بالانتقام الذي كانت تخطط له منذ فترة طويلة.
في تلك اللحظة، انفجرت الحقيقة في ذهنه كقنبلة، وأدرك حجم المأساة. كم كان مغفلًا أو غبيًا، لقد اطمأن إلى هذه الحرباء الماكرة، التي لطالما عرف خبثها وسمها الداخلي، لكنه لم يتخيل يومًا أن تكون قادرة على استخدام هذا السم ضده. فكان يظن أنها ستظل مخلصة له، رغم كل ما يعرفه عنها. لكن الآن، وهو مقيد ومذلول، لم يعد هناك مكان للثقة أو الأمان، فقط إدراك مرير بأنه كان لعبة في يد تلك الكائنة الخبيثة، التي أعدت له هذا الفخ ببرود متقن.
_____________________
عندما عاد عمر إلى المنزل، جلس أمام أخيه علي، وقلّب نظره بين جروح وجهه التي بدت وكأنها سطور مكتوبة بلغة الألم والندم. شعر بقلبه يرقّ قليلاً وهو يرى آثار الجروح على وجه علي، لكن الغضب المستعر بداخله سرعان ما أطفأ تلك الرحمة العابرة. نظر علي إلى أخيه، مستشعرًا في نظرته خليطًا من الحزن والانكسار، وقال بصوتٍ متهدج: "اضربني تاني لو لسه غليلك متشفاش."
رد عمر ببرودٍ يقطر حقدًا: "ولا هيتشفي... طول ما أشكالك لسه على وجه الأرض."
تابع علي محاولًا كبح دموعه التي تجمعت في مقلتيه: "عمر، أنا مكدبتش عليك... مخليتهاش تحمل ورميتها... مبعدتش نفسي بعد ما عرفت إني ورطت نفسي بطفل... أنا جايلك وبقولك إني غلطت وندمان... وعاوز أتجوزها من غير أي شوشرة."
تفجّر غضب عمر من جديد، فصاح: "بس إنت متعرفش إن اللي عملته دا جريمة ولازم تتعاقب عليها؟"
انخفض صوت علي، وتحوّل إلى نبرة مملوءة بالاستسلام: "عارف... صدقني عارف... بس يا عمر، ارجوك ليه أدخل السجن واتعذب وهي تولد طفل قدام الناس وهي مش متجوزة؟ وابني يتربى لوحده؟ لما ممكن أتجوزها ونربي ابننا سوا والحياة تستقر."
ظل عمر صامتًا للحظات، كانت كلمات علي تتردد في ذهنه كأنها أصداء في كهفٍ عميق. شعوره بالخيانة والخذلان يكاد يخنقه. قال بحدةٍ متزايدة: "يا أخي أنا لحد الآن مش مستوعب اللي إنت عملته، عملته إزاي وفين وامتى... وليه بتقول إن ماما السبب... احكيلي يا علي كل حاجة."
أخذ علي نفسًا عميقًا، وكأن الهواء يثقل على صدره، وقال بصوتٍ مثقل بالاعتراف: "حاضر... هحكيلك...ماما بتشتغل في الاعمال والسحر يا عمر... وانا لما اكتشفت باقت بتشغلني معاها وكان كل اللي بتعمله على الطاير بنحتاج صورة بس وبتعمل منها العمل... انا كنت عارف وللأسف ساعدتها في دا وبقيت انا الي بدفن الاعمال دي..... بس الموضوع كبر عندها لما حبت تنتقم من طنط رحاب... انا الحقيقة معرفش هي عملتلها ايه... كانت عاوزة تعمل سحر متعلق بقراءة الطلا سم السحر ية على بني ادم..... وعرفت بعدها انها مستقصدة يارا لان دا اللي ماما كانت عاوزاه كانت عايزة تدمر بنت طنط رحاب عشان هي اللي تتإذي وبعد ايام لقيتها قالتلي اني انزل علساعة اتنين بليل اروح لبيت يارا واستنى راجل هيجيبهالي واللي عرفته انها كانت متفقة مع خدامة من خدامين البيت بتخليها تحطلها منوم فيه وحد من الحراس بيجيبهالي لاني بكون مستني بعيد عن البيت بشوية وانا باخدها للمكان بتاع الشيخ بيخلص عليها الطلاسم بتاعته منغير اي حاجة يعني مش بيقرب منها هو بس محتاج روح قدامه تكون عايشة يقرأ عليها ويإذيها بالقراءة عليها مش اكتر ودا انتج عنه ان يارا هتحلم بكوابيس مش كويسة وهتكون مطارداها كل ليلة وعلطول هتكون حاسة بحزن ونفسيتها هتبقى تحت الصفر ودايما هتكون حاسة بإن جسمها واجعها علطول والم في مناطق متغيره يعني مش كل يوم هتحس بنفس الالم في نفس المنطقة بتتغير كل يوم بعد كل جلسة هي بتبقى نايمة قدام الشيخ وبيبدأ يقرأ عليها طلا سم سحر ية....... ومرة مع مرة انا ابتديت احب يارا ساعتها وكنت ساعتها بشرب مخد رات وفي يوم وانا برجعها البيت وهي كانت لسه نايمة... كان مكان الشيخ دا وسط صحرا وبعيد فاستغليت هدوء المكان وانه خالي من الناس و..... اغتص بتها في العربية بدون رحمة مني...... والمشكلة ان كان بيغمرني السعادة بس ومكنتش حاسس بأي ندم على اللي بعمله ساعتها وكررتها مرة واتنين لحد ما طلبت اني اتجوزها من امي لكن هي رفضت ودا كان اليوم اللي جيت فيه وقالتلك اني طالب ايديها وعايز اتجوزها وانت ساعتها رفضت."
كانت صدمة عمر طاغية، ضربت صميم روحه كضربة موجعة لا شفاء لها. مشاعر متضاربة تشابكت في عقله، بين العجز والغضب والذهول. شعر بجسده يتنمل، وكأنه فقد السيطرة على أطرافه. تخيل يارا، تلك الروح البريئة التي وقعت في شراك هؤلاء الذين تجردوا من الرحمة. وأمه، المرأة التي طالما وضعها في مرتبة القداسة، كيف لها أن تُمارس هذا القسوة على فتاة كانت كابنتها؟
أحسّ بأن قلبه يثقل بعبء لا يُطاق، نبضاته تُدقّ كأنها طبول حرب تُعلن عن معركة ضارية داخله. حاول النهوض من الأريكة، لكن قدماه خانتاه، فتهاوى أرضًا وأخذ يستفرغ بشدة، وكأن جسده يحاول طرد الألم الذي ينهش روحه. لحقه علي، يائسًا، دموعه تتساقط كالمطر، وأمسك بذراعه، لفّها حول عنقه ليُساعده على الوقوف. قاده نحو المرحاض، أوقفه أمام الحوض، وغسل وجهه برفق. لكن عمر لم يكن يسمع شيئًا سوى صدى صفيرٍ حاد يملأ أذنيه، وعيناه، في انعكاس المرآة، تتخيل يارا تبكي وتصرخ به، صرخاتها تتردد في أعماق قلبه:
"حرام عليكم تعملوا كده فيا دنا كنت واحدة منكم... اتربيت معاكم... منكوا لله... حسبي الله ونعم الوكيل."
انهارت مقاومة عمر، واندفعت دموعه بحرارة، يبكي بقهر يكاد يُمزق أوتار قلبه. شعر أن كل ذرة في جسده تصرخ حزنًا وألمًا على ما حدث بحبيبته. أدرك أن هذا العالم مظلم، لا مكان فيه للأبرياء، وأن قسوته لا تترك مجالًا للرحمة، تُفسد كل ما هو طاهر ونقي مثل يارا.
____________________________
عندما عاد مصطفى ويارا إلى المنزل، كان الجو ملبدًا بالشكوك والتوتر. وجدا رحاب جالسة في الصالة، ضاحكة، تغمرها سعادة كبيرة وهي تشاهد فيلمًا على التلفاز. ابتسمت لهما، داعية إياهما بلهجة خالية من القلق: "تعالوا، تعالوا يا ولاد، دا فيلم حلو أوي، موتني ضحك."
تقدم مصطفى ببطء وسأل، مترددًا: "ماما، هو بابا شريف فين؟"
قفزت رحاب من مكانها بحركة نابضة بالحياة، وقالت بنبرة مليئة بالانتصار: "بح، خلاص... هي دي التهمة اللي كنت مخططالها... وطبعا أملاكه هتكون ليا، وهو هيفضل في السجن مدة تتراوح بين الثلاث للعشر سنوات."
وقفت يارا مذهولة، قلبها ينبض بسرعة وهي تحاول استيعاب ما سمعته للتو. صاحت بصوت متقطع: "يعني إيه التهمة اللي كنتِ مخططاها... هو إنتِ كنتِ قاصدة كل اللي حصل دا؟!"
رفعت رحاب حاجبيها بفخر، وتحدثت وكأنها تكشف عن مخطط مُحكم: "دنا بحضر فيها بقالي كتير، وامبارح بالليل تخيلتها زي ما حصلت بالظبط... هنعيش أنا وإنتو بسلام، ممكن نسافر ونقعد برا مصر... مش مصدقة إني اتخلصت منه."
كان مصطفى يشعر بدمائه تغلي، فسأل بصوت مشحون بالتوتر: "عملتيها إزاي؟"
نظرت رحاب إلى مصطفى بتعابير تحمل الزهو والغطرسة: "إنتو فاكريني عبيطة ولا إيه؟... مش عارفة إن أم أسيل لسه عايشة؟... كنت بشوف أسيل بتروحلها في بيت دعاء وتقضي معاها اليوم... وطبعا أنا عارفة إن شريف شاكك فيها بسبب تأخرها... وكمان هو ميعرفش بيت دعاء فين، قمت وسوست في ودانه إنها بتروح مع يزن الشقة وإنها ممكن تكون واخدة طبع أمها... وبس أنا قلت الجملة دي وهو شاط وكسر عضمها ."
كانت يارا غير قادرة على السيطرة على انفعالاتها، شعرت بالغثيان من كلام والدتها، صرخت وهي ترتجف: "كنتِ عارفة إنه هيضربها بالشكل دا ومع ذلك سيبتيه؟؟"
ردت رحاب بلا مبالاة، وكأنها تتحدث عن لعبة: "دنا كنت عاملة في الحسبان إنه يموتها وينعدم... ولكن الموضوع باء بالفشل، فحلوين الكام سنة دول، هظبط فيهم أموري وأجمع شوية فلوس."
انهارت يارا بالبكاء، تكاد لا تصدق أن أمها يمكن أن تكون بهذه القسوة، صاحت بصوت يختنق بالدموع: "ماما، إنتِ إزاي تعملي كده... إزاي بجد مخفتيش على أسيل... إنتِ متعرفيش خافت عليكِ قد إيه لما كنتِ تعبانة... إنتِ متعرفيش إنك بتؤذي واحدة مالهاش أي ذنب... ليه بتعملي كده ليه؟؟"
تقدمت رحاب بخطوات ثابتة نحو يارا، نظراتها جامدة، وأجابت بحدة: "إنتِ هتعلميني يا بت ولا إيه؟... يلا روحوا لأوضتكم، إنتو الاتنين عندكو جامعة الصبح."
توجه مصطفى ويارا إلى غرفتيهما، مشاعر الحزن والألم تخيم عليهما كظل ثقيل. مشيا ببطء، وكأن كل خطوة تأخذ منهما جهدًا عظيمًا، مثقلين بواقع لا فرار منه. كانا يشعران بأن الأرض تهتز تحت أقدامهما، وكل ما عرفاه عن الحب والأمان يتلاشى أمام القسوة الباردة لوالدتهما. في عمق عيني كل منهما، كانت هناك نظرة مشتركة من الخيبة واليأس، إشارة إلى أنهما قد وقعا ضحية لاختيارات لم تكن أبدًا في أيديهما، وأن قلبهما قد تحطم تحت ثقل الحقيقة القاسية.
__________________________
استيقظت أسيل في الصباح التالي، شعرت بأطرافها تتنفس للحياة مجددًا بعد ليلة طويلة من الألم والكوابيس. عندما فتحت عينيها بتثاقل، وجدت يزن نائمًا بجانبها، رأسه مستند إلى سريرها ويده ممسكة بيدها. نظرت إليه بحنانٍ، ثم حرّكت يدها الأخرى بحذر وبدأت تلامس خصلات شعره بأصابعها بلطف، تراقب تعابير وجهه التي كانت مشوبة بالقلق حتى في نومه.
تململ يزن واستيقظ فجأة، عينيه اللامعتين تلتقيان بنظراتها المتلهفة. حين أدرك أنها قد استيقظت، انبسطت ملامحه بفرحة لا يمكن وصفها، وقال بصوتٍ متهدج من فرط السرور: "أسيل... صحيتي أخيرا... الحمد لله على سلامتك... أنا هروح... هروح أبلغ طنط قمر... هي جات وكانت عايزة تطمن عليكِ."
عندما همّ يزن بالقيام، شعرت أسيل بيدها تتحرك بشكل غريزي لتمسك بيده، عيناهما التقتا في نظرة مملوءة بالحب والتعلق. جذبت يديه لتقترب منه، وابتسمت له بابتسامة حانية قبل أن ترفع يدها اليمنى لتجفف دموعه التي انحدرت على خديه كأثر للقلق الذي عايشه. مسحت دموعه برفق، وابتسمت له بحبٍ خالص.
شعر يزن بالدفء يغمر قلبه، اقترب منها أكثر، ثم طبع قبلة ناعمة على جبينها، بينما أغمضت هي عينيها، مستسلمة للحظة، شعرت بشفتيه الحانيتين تمسدان جبينها وكأنها تعهدٌ صامت بالمحبة الأبدية. اقترب برأسه منها، حتى تلامست أنفاهما ببعضها البعض، وظلا هكذا لثوانٍ، عيونهم مغلقة، كأن الزمن توقف، ليتحدثا بلغة القلوب التي تتبادل نبضات الحب والوفاء.
بعد بضع دقائق، نهض يزن من الغرفة وهو لا يزال تحت تأثير المشاعر العميقة، ليذهب ويستدعي قمر. هرعت دعاء ومعها قمر وعلا إلى غرفة أسيل فور علمهم باستيقاظها. التفوا حول سريرها بقلوبٍ مفعمة بالحنان والفرح، وعندما رأت أسيل والدتها وحبيبها بجانبها، شعرت بسعادة غامرة، دفء الحب يملأ المكان.
بعد قليل، وصلت كل من زينة ويسرى لزيارة أسيل، يجلبان معهما أجواء من الدعم والطمأنينة. عرفهم يزن على قمر، التي انسجمت سريعًا مع عائلة يزن، بانطباعها الطيب وأخلاقها الراقية التي تنضح بالهدوء والمحبة، ما أضفى جوًا من الألفة والاحترام المتبادل.
في غضون يومين، جاء عبد الله بأخبار هامة. أعلن بوجهٍ مفعم بالجدية والتوتر: "تم القبض على شريف الجوهري بتهمة التعنيف المنزلي. وقد قدم الطب الشرعي تقارير تثبت أنه ألحق بأسيل إصابة تسببت في عاهة مستديمة، مما أدى إلى إصدار حكم المحكمة بحبسه مدة لا تقل عن خمس سنوات."
كانت كلمات عبد الله مثل رصاصة في قلب الجميع، تفاعلت معهم المشاعر المتضاربة بين الارتياح والقلق. أحست أسيل برعشة خفيفة، تطلعت إلى يزن بعينين تغشاهما الدموع، وأدركت أن هذه العقوبة قد تجلب بعض العدالة، لكنها لن تمحو الألم الذي عانت منه. تطلع الجميع إلى المستقبل بتفاؤل حذر، عالمين أن هذه اللحظة لم تكن إلا بداية لرحلة طويلة نحو الشفاء والتعافي.
_________________
أمسكت دعاء بالمصحف بيدٍ ترتجف، ووضعت يد عمر عليه، عينيها متوسلتان مشبعتان بالحزن والتوبة. قالت بصوت متضرع: "احلف عالمصحف إنك مش هتؤذي أخوك."
نظر إليها عمر باستهزاء، تملؤه مرارة السنين الماضية، وقال بسخريةٍ مشوبة بالألم: "مصحف يا أمي... وهو اللي بيشتغل في السحر ب..." لم يكمل جملته، شعر وكأن الكلمات تخنقه.
تحدثت دعاء، ودموعها تنساب كالجمرات: "أنا توبت من بدري... من ساعة ما أخوك طلب إنه يتجوزها وأنا بطلت إني أذيها، لأن أذيتها هتيجي على ابني أنا..."
ضحك عمر بسخريةٍ عميقة، ضحكة تقطر مرارة وحسرة، فقال علي بهدوءٍ محاولا ضبط نفسه: "أنا وماما غلطتنا يا عمر... وهي تابت وأنا تبت... استر علينا أنا وهي... واعتبر كإن محصلش حاجة... إحنا مش غرب، أنا أخوك وهي أمك."
جلس عمر على الأريكة، رأسه بين يديه، وكأنه يحمل عبء الكون كله. تحدثت دعاء بتوسلٍ يقطع القلب: "سيبه يتجوزها يا عمر... وأنا هعاملها كويس وهنسى أي حاجة، صدقني... بس اقبل إنها تتجوز أخوك... خلي ابن أخوك يتربى في حضنه... متبقاش أناني... لو خلصنا الموضوع في السر صدقني هيبقى أحسن ليا وليك وليارا كمان... محدش هيصدق إن تم اغتص ابها... كلهم هيفتكروها ست وحشة وشرفها هيضيع... إنت كدا بتستر يارا وأنا وأخوك وربك بيسامح وسامحنا لما توبنا، إنت مش هتسامح؟"
صرخ عمر بألمٍ يخترق الأعماق: "مش مشكلة أسامح... المشكلة إني مش مصدق إنكم طلعتوا كدا... أنا وعلا مصدومين فيكم... علا لما عرفت راحت لستي وقاعدة معاها بقالها يومين لأنها تعبانة من اللي سمعته عن أمها... إنتِ عارفة يا أمي عملتي إيه فينا؟؟؟؟ "
بكت دعاء بحرقة، واندفعت لتعانقه، وكأنها تحاول أن تعيد إلى قلبه بعض الدفء المفقود: "حقك عليا يا ابني... دا أنا الندم بياكل في لحمي من ساعة ما عرفت اللي حصل لاختك، حسيت إن ربنا هيردها في بنتي الوحيدة... أنا خايفة عليكم أوي بسبب كل حاجة وحشة عملتها... عشان خاطري يا عمر، عشان خاطر أبوك، عشان خاطرنا كلنا... وافق إن علي يتجوز يارا ومتجبلهاش سيرة غير إن علي بس هو أبو طفلها عشان توافق، وحاول تقنعها إنها متعملش حاجة، إنت الوحيد اللي هتقتنع معاك... أرجوك يا عمر، أنا عمري ما طلبت منك حاجة، بس أرجوك متضيعش أخوك، هو غلط وهيصلح غلطته... احلف عالمصحف إنك مش هتؤذي علي..."
نظر عمر إليهما، رأى فيهما صدقًا قد ينفذ من بين طيات الغدر والخداع. بكى عمر، دموعه تنهمر من عينيه، مرارة وقلة حيلة، وكأنه يتحدى كل مقاوماته الإنسانية ليقرر أن يسامح. كان يجد في قلبه شظايا من الرحمة، رغم كل ما عاناه من ألم وخيانة، ولم يكن أمامه سوى أن يرضخ لهذه المشاعر المتضاربة، التي تجعل من القرار عبءً يحمله بكل ثقله.
رفع يده ببطء على المصحف، عيناه تلتقيان بعيني أمه وأخيه، وقال بصوتٍ خافت لكنه يحمل وعدًا: "حاضر يا امي والله العظيم ما هأذي علي."
كانت هذه اللحظة مريرة، تقطر بالندم والدموع، كأنها طعنة في قلب عمر، لكنها كانت أيضًا شعلة أمل وبدءًا جديدًا، يحاول فيها الجميع أن يلملموا أشلاء ما تبقى من علاقة أسرة مزقتها الأخطاء والخيانات، ليبدؤوا من جديد مسارًا صعبًا نحو التصالح والشفاء.
قبل أن يغادر عمر المنزل متجهًا إلى يارا، نادى عليه علي من الخلف، بصوت يحمل قلقًا وإلحاحًا: "عمر، استنى...يارا بتحبك اكيد وهيكون صعب عليها انها تتجوزني لانها لسه بتحبك فأنا عندي فكرة!"
توقف عمر في مكانه، ظهره متوترًا، واستدار ببطء، عينيه تحملان خليطًا من الإرهاق والانكسار. قال بصوت متعب، يشوبه إحباطٍ واضح: "قول فكرتك إيه؟ عايزها تكرهني؟"
نظر علي إلى أخيه بعينين غارقتين في جديّة لم تُعهد فيه، وأجاب بتأكيدٍ مشوب بألمٍ: "بالظبط... هو دا اللي عاوزه. عاوزك تخليها تكرهك، عشان تسيبك."
توقف الزمن للحظة، عمر تملكه الذهول والاضطراب، استمع لتلك الكلمات وكأنها وحي قاسٍ، يستهدف كسر قلبه المحطم بالفعل. لم يكن الأمر مجرد فكرةٍ، بل كان خطة خبيثة تحمل في طياتها أملًا في تحقيق ما قد يبدو مستحيلًا - أن يُبعد يارا عنه بحبها الدفين، ليكون لعلي فرصة في تصحيح خطيئته، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
تابع علي بنبرةٍ تحمل مرارةً: "يارا بتحبك، ومهما حاولت، هتفضل مش قادرة تتجاوز اللي بينكم. لكن لو قدرت تخليها تكرهك... تشوفك وحش في نظرها، هيكون سهل عليها إنها تسيبك وتقبل إنها تعيش حياة جديدة معايا ومع ابنها."
تملّك الصمت المكان، وكأن الكلمات قد استنزفت كل قطرة من الطاقة لدى عمر. نظر في عيني أخيه، محاولًا أن يستوعب ما يُطلب منه، وهو يعلم أن هذه الفكرة، رغم قسوتها، قد تكون الخلاص الوحيد لهم جميعًا.
قال عمر بصوت مختنق بالحزن: "يعني، كل اللي عليّ أعمله... إني أخليها تكرهني؟"
أومأ علي برأسه، وعينيه تملأهما الرجاء والقلق: "بالضبط، لازم تشوفك بعيون تكرهك، عشان تقدر تبدأ من جديد، من غير ألم، من غير ما تشعر إنها ضحت بحبها ليك. لازم تصير بالنسبة لها ذكرى سيئة، حاجة تفتكرها وتقرر إنها مش عاوزة ترجع لها وبكده قلبها هيقدر انه يتفتحلي بعد ما يتقفل من ناحيتك."
تسرب الألم إلى قلب عمر كما لم يفعل من قبل. وقف هناك، يشعر بأن الأرض تنزلق من تحت قدميه، وعليه أن يتخذ قرارًا قد يحطم قلبه وقلب يارا، ولكنه ربما يكون السبيل الوحيد لإنقاذها من مستقبلٍ مظلم، يحمله خطأ أخيه.
وافق عمر بصوتٍ بالكاد يسمع: "ماشي... هعمل اللي بتقول عليه."
اندفعت الدموع في عينيه، لكن عزيمته لم تهتز. كان يعلم أن ما سيقوم به الآن هو أقسى ما يمكن أن يُطلب من عاشق، لكنه أيضًا كان يدرك أن التضحية بحبه من أجل حياة أفضل ليارا ولطفلها هو الخيار الوحيد المتبقي.
خرج من المنزل، يحمل في قلبه نارًا مشتعلة، مستعدًا لأن يواجه يارا بحقيقة مؤلمة، يدفعها لأن تكرهه بكل ما أوتيت من قوة، عله يكون هذا الفراق المرير هو الطريق الوحيد نحو مستقبلٍ أقل ظلمة.
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الثلاثون 30 - بقلم مريم الشهاوي
|30-رفع قناع النقاء|
تحرك عمر إلى منزل يارا، يحمله الترقب المشوب بأشباح الانتظار. ووقف هناك، متسمّرًا بجانب السيارة، كتمثالٍ يحرس بوابة التلاقي. كان قد وعدها بخروجٍ لطالما حلمت به، بعد غيابٍ أضناه وأضناها، غيابٍ ترك فراغًا عميقًا امتزج بمزيج من الشوق واللوعة.
في الداخل، كانت يارا تتهيأ بعناية، تتزين وكأنها تستعد لحفلٍ طال انتظاره. احتضنت الفرحة روحها، وكانت ملامحها تتراقص تحت انعكاس المرآة، كلما فكرت في لقائه. أخيرًا، خرجت من البيت، تنساب خطواتها بهدوء ووجل، حتى أبصرت عمر واقفًا ظهره نحوها، متجذرًا في مكانه، منتظرًا بترقب. لم تستطع مقاومة رغبتها في مفاجأته، فركضت نحوه بخفة وعانقته من الخلف، ضحكت ضحكة ملأها الشوق، وقالت بفرحٍ لا يخلو من حزن:
"وحشتني أوي يا عمر."
حين شعر بلمسة ذراعيها تحتضنه، تدفق شعور مؤلم كالسهم إلى صدره، طغى عليه وجع عميق لم يستطع الهروب منه. أغلق عينيه بقوة، محاولًا أن يستجمع ما تبقى من صبره، وأن يحبس أنفاسه المتقطعة. أمسك يدها التي كانت على صدره وأبعدها عنه برفق، ثم التفت ببطءٍ كمن يحاول مواجهة حقيقة مرة. عينيه السوداوان كانت تسبح في ظلال حزنٍ قاتم، نظراته تروي حكايات من الوجع لا تجد سبيلاً للنسيان، وكأن كلماتها أشعلت داخله حرائق تأبى أن تخمد.
قالت يارا بحماس، وجهها مشرق بابتسامة تحمل العتاب اللطيف:
"هتوديني فين النهاردة؟ خلي بالك أنا زعلانة منك، عشان بقالك يومين غايب عني. يلا، صالحني."
ظل عمر يتفحص ملامحها، عينيه تسبح في تفاصيل وجهها، تلتقط كل نظرة وكل ابتسامة. بداخله نزاع مرير، قلبه يرفض بعنف القرار الذي أقرّه عقله. لقد كان قراره أن يجعلها تكرهه، ثم يسافر بعيدًا إلى والده، كي لا يرى أخيه يحتضنها في يومٍ من الأيام،لن يستحمل مشاهدتها مع شخص آخر غيره!
نعم، خطأ أخيه وأمه كان فادحًا، لكنه كان عاجزًا عن تدمير بيتهم بالكامل. من أجل حق يارا فقط؟وهذا الحل مناسب لهم ولها أيضًا..إنها عائلته فكيف يمكن أن يرمي عائلته في الجحيم؟
ركبت معه السيارة، وهي تروي له بحماس تفاصيل الأيام الماضية طوال الطريق، لكن عقله كان في مكان آخر، تائهًا في دوامة أفكاره، لا يستطيع سماعها. كانت الأفكار تتصاعد بداخله، تعلو على أي صوت خارجي، تعزله عن اللحظة.
"عمر... عمرر... انت مش معايا."
استفاق من شروده، التفت إليها بعينين غارقتين في صراع داخلي، وقال: "معاكِ، معاكِ... بس كنت بفكر في حاجة كده. يلا، وصلنا."
نظرت يارا من النافذة، وارتسمت على وجهها ملامح الدهشة والسعادة، عندما رأت المراكب والسفن. صرخت بفرح طفولي، هرولت خارج السيارة كأنها طفلة وجدت كنزًا. ركضت نحو المراكب، وعندما التفتت إليه، رأت عمر واقفًا، ذراعيه معقودتان أمام صدره، ينظر إليها بعمق. ركضت نحوه ثم قفزت عليه، فاحتضنها عمر بسرعة، خائفًا أن تقع. احتضنته بشدة، وكأنها تريد أن تذيب كل جراحها في تلك اللحظة.
بعد قليل، ابتعدت قليلاً ونظرت إليه بسعادة خالصة، وقالت: "أنت وديتنا محافظة تانية عشان عارف إني بحب المكان ده؟"
أمال عمر رأسه بإيجاب، نظر إليها بعينيه قائلاً بعشقٍ ممزوج بجروح قلبه: "ولو بتحبي القمر يا يارا، هاخدك بصاروخ ونطلع عليه."
ضحكت يارا بخفة، وقالت: "بطل فشر بقى... المهم، يلا بينا قبل ما المركب دي تتحرك."
قال عمر مبتسمًا، رغم الألم الذي كان يخفيه: "لا، لا، أنا مأجرلنا مركب نتغدى عليها ونحضر غروب الشمس."
"ليه يا عمر؟ بس دا بفلوس كتير و..."
قاطعها عمر، وعينيه تفيض بحب لا يستطيع كبته: "يلا بلاش هبل. فلوس إيه؟ مفيش حاجة تغلى عليكي."
صعدا إلى المركب، وجلسا بجانب البحر، وظلت يارا تطعم الطيور، وسعادتها تغمر المكان. بدأت المركب بالغوص في وسط البحر، ويارا في قمة الفرح، شعور لم تعشه منذ سنوات. عمر، طوال الجلسة، كان يتأمل ملامحها، يحفر تفاصيل وجهها في ذاكرته، وكأنها آخر مرة سيرى فيها تلك الملامح. لم يستطع مقاومة الرغبة في الاستماع إلى حكاياتها، تمنى لو يسجل صوتها ليحتفظ به في أوقات فراغه. كان يعشق نبرة صوتها، ملامحها أثناء التحدث، ابتسامتها، عينيها. كل تفصيلة بوجهها كانت محفورة في قلبه، ولن تنزاح أبدًا.
بعد أن تناولا الغداء وأخذت الشمس في الانحدار، اقترب المركب من العودة إلى المرسى. جلس عمر في مواجهة يارا، وقلبه يغلي بالألم. قرر أن يفتح الباب على الجراح، ويبوح بما كان يحترق في صدره.
قال ببطء، بصوت متهدج، محاولًا تجميع شتات قوته:
- "انت ليه خبيتي عليا يا يارا؟"
التفتت يارا نحوه بعيون متسائلة، تبحث في ملامحه عن تفسير:
"خبيت عليك إيه؟"
حاول أن يضبط غضبه المصطنع، كأنما يضع قناعًا من الفولاذ يخفي هشاشته الداخلية:
"إنك كنتِ على علاقة بعلي من زمان... يارا، أنا صدقت أنك حامل من شخص متعرفهوش بجد! إزاي لعبتي بدماغي كده ويطلع الطفل ده من علي، وأنتو مرتبطين وخبيتي عليا؟"
وقفت يارا، وكأنما تلقت صفعة غير مرئية، ذهولها يلف المكان، وقالت بصوت مختنق من المفاجأة:
"علي؟ علي مين اللي مرتبطة بيه؟ الطفل ده من علي؟ إيه اللي بتقوله ده يا عمر؟"
نهض عمر وواجهها وحاول أن يضفي على غضبه طابعًا دراميًا، مع أنه كان يتآكل من الداخل:
"أنا مش عايز أخسرك، بس عايز أفهم إزاي هونت عليكِ تبوظيلي دماغي كده؟ كنت هتجوزك، وأخويا أبو الطفل؟ إزاي قبلتي أتجوزك وأنتِ عارفة أن علي هو أبو الطفل؟ إزاي اتصنعتي عليا الحب؟ ليه مقولتليش كل الحقيقة؟ ليه يا يارا؟ ليه؟"
أمسكت يارا بقميصه بشدة، ودموعها تتدفق بحرقة كأنها تنزف من قلبها، صرخت بصوت مبحوح:
"انت عرفت أن أخوك اللي عمل فيا كده وجاي تلومني! بتلومني أنا بدل ما تلومه هو؟ هو ده وعدك ليا؟ انت كده هتاخدلي حقي؟"
أبعد عمر يديها عن قميصه برفق قاسٍ، ونظراته تنظر بعيدًا، هاربًا من مواجهة عينيها الجريحة:
"كان ممكن أساعدك لو فعلاً طلعتي مظلومة، لكن أنتِ وهو كنتوا مرتبطين، واللي حصل ده حصل بإرادتك. أنا كنت غبي لما صدقتك يا يارا... إزاي واحدة متفتكرش مين عمل فيها كده؟"
وبدون سابق إنذار تلقى عمر صفعة قوية من يارا، جعلته يغمض عينيه، ويحاول ابتلاع مرارته، مواصلًا تمثيل دوره:
قالت بمرارة: "أخوك حيوان، وانت حيوان زيه عشان صدقته."
حاول عمر تمالك أعصابه، كان يحاول أن يحافظ على خيط دقيق من التماسك، وقال بصوت مليء بالتعاطف المكبوت:
"أنتِ لازم تتجوزي علي، وإلا محدش هيصدقك. الطفل باقيله كام شهر وينولد، مفيش حل غير أنك تتجوزي علي وتصلحي غلطتك."
صرخت يارا بوجع، قلبها يكاد يتمزق من هول الموقف:
"أصلح غلطتي؟ بتقولي غلطتي؟ أنا اللي غلطت! يعني خلاص كده مش هعرف آخد حقي؟ انت كده مسامح نفسك وانت عشمتني أنك مش هتسيب اللي عمل كده فيا. انت راضي عن اللي بتعمله وانت بتداري على غلطة أخوك؟"
حاول عمر أن يتماسك، صوت قلبه يخفق كأنه يدق أجراس الخطر، وقال بهدوء قسري:
"علي قالي أنكوا لما غلطتوا سوا كنتِ ندمانة وخوفتي تقولي لحد أنك غلطتي معاه. وفضلتي مخبية على الكل. صلحي اللي عملتيه يا يارا واتجوزيه. ده حل أفضل ليكِ وللطفل."
كان الدموع تلمع في عيني يارا، وكأنها ترى شبحًا مكان عمر، همست، وكلماتها تتدفق كموجات ألم:
"وصدقته طبعًا لأنه أخوك... وكدبتني أنا لأني... لأني... لأني إيه؟... أنا ولا حاجة، أنا ولا حاجة في حياتك وده اللي اتأكدت منه دلوقتي... انت كداب ومخادع وكمان خاين... خنت ثقتي فيك... أنا مش هتجوز علي... ولو خيروني بين موتي أو أتجوزه، هختار أموت أحسن... أنا دلوقتي كرهت ابني اللي في بطني من قبل ما أشوفه، لمجرد أن علي أبوه... أنا قرفانة منك أوي يا عمر... انت طلعت جبان... جبان أوي... بكرهك، بكرهكم كلكم... الله لا يسامحكم."
تركته، متجهة نحو باب الخروج من المركب التي أرست منذ دقائق.
وقبل أن تذهب، خلعت خاتم خطوبتها، ورمته على الأرض. نظر عمر إلى الخاتم، وانحدرت دموعه دون سابق إنذار، تراقبها وهي تبتعد.
قالت يارا بصوت متحشرج، تخفي بكاءها بصعوبة، وهي توليه ظهرها:
"أي حاجة بينا انتهت من اللحظة اللي شكيت فيا وصدقت تأليف أخوك... بتمنى تكون آخر مرة أشوفك فيها وندمانة أني حبيتك. بجد، أنت متستاهلنيش."
خرجت من المركب، تبكي بحرقة، وعمر ظل في مكانه، يتابعها بعينين مغرورقتين بالدموع. كان قلبه يتمزق، شعر بثقل الدنيا ينزل عليه. سمع رنين هاتفه، أخرجه من جيبه ومسح دموعه بيد مرتعشة. نظر إلى الشاشة، كان علي المتصل. أجاب بصوت مهزوم، مختنق بالبكاء:
"قولتلها... وعرفتها أن الحل هو أنها تتجوزك... موافقتها دي تعود عليها... أنا مش هجبرها عليك."
أغلق المكالمة، واتصل بشخص آخر، صوته مبحوح:
"أيوة... احجزلي طيارة بكرة... هبعتلك كل الأوراق اللي هتحتاجها. عاوز تذكرة في أقرب وقت."
ظل بالمركب، يبحر به نحو البحر المفتوح، ينظر إلى السماء وكلمات يارا ترن في أذنيه كصدى الجراح. كان يشعر أن كل شيء انهار، وأنه خسر يارا للأبد، بجرح لا يمكن أن يندمل، ولا قرار يعيده.
____________________
يزن، الذي أصبح بمثابة حارس أمين لأسيل، كان يعتني بكل جوانب حياتها بقلق الأب وحرص الحبيب. اهتمامه بها تجاوز الحد المعقول، كأنه يتعامل مع جوهرة هشة يخشى عليها من أقل نسمة ريح. الليالي كانت تمر طويلة عليه، متقطعة النوم، يقضيها بجانبها، يطعمها بيديه، وأحاسيسه تتوهج حنانًا. كانت رعايته لها في فترة مرضها انعكاسًا واضحًا لعشقه المستتر؛ رقة لم تظهر لأحد سواها.
كانت يديه تمسح جروحها، كأنها تضميد روحها المكسورة أيضًا، محاولًا تعويضها عن قسوة الحياة بنظرته التي تنضح بالتعاطف. كان يشكل ملاذًا دافئًا في عالمها المضطرب. كانت قمر، والدتها، تشعر بالامتنان العميق لقدوم يزن في حياتهم، مثل شعاع أمل ينير أيامهم القاتمة. يزن، صديقها، أصبح ركيزة أساسية في حياة أسيل، ينشر الأمان حولها كعباءة واثقة.
في آخر نهار اليوم، حين كانت أسيل تغط في نوم هادئ بعد يوم شاق، قرر يزن أن يأخذ قمر في جولة قصيرة أسفل المستشفى، محركًا كرسيها، ويتبادلان الحديث في هدوء. كانت السماء زرقاء صافية، والشمس تتسلل بلطف بين الأوراق الخضراء، تملأ المكان بسكينة عابرة.
بينما كان يزن يحرك كرسي قمر، توقف فجأة، ونظر إليها بعينيه المفعمتين بالاهتمام الصادق. قال بصوت منخفض، لكنه يحمل في طياته رجاء حار:
"طنط قمر، أنا عايز أعرف عن ماضي أسيل… مرت بإيه، وإيه اللي وصلها للمرحلة دي؟ وحضرتك ازاي غيبتي كل السنين دي إيه اللي حصلك؟عايز أفهم كل حاجة، كل تفصيلة من الألم اللي عانته هي وإنتِ..وعلاقة طنط رحاب بيكم يخليها تإذيكم بالشكل ده!!"
أخذت قمر نفسًا عميقًا، وكأنها تتأهب للعودة إلى ذكريات مؤلمة، لكنها شعرت برغبة في مشاركة يزن الحقيقة، لأنه الشخص الوحيد الذي أظهر لأسيل الحنان الذي تستحقه. بدأت تتحدث بصوت مختنق من الذكريات التي تغمرها:
" بص يابني الحكاية بدأت من ساعت ما اتعرفت على رحاب... كنت انا ودعاء صحاب جدًا لاننا كنا جيران وانا اتصاحبت على رحاب من الكلية كنا في نفس الكلية فشيء طبيعي اني عرفت رحاب على دعاء وخليتهم صحاب وبقينا احنا التلاتة صحاب جدًا وحرفيًا كنا نايمين واكلين شاربين سوا.... ودعاء ساعتها كانت مخطوبة وفي يوم رحاب عزمتني على خطوبة بنت خالتها فأنا جيت وفرحنا وكنا مبسوطين وكان ساعتها شريف اللي هو ابو اسيل معزوم علخطوبة ولقيت رحاب واخداني على جنب وبتشاورلي عليه وبتقوله انه هو دا الولد اللي حكيتلي عنه وانه من اولاد كبار الشركات وانه هيورث كل حاجة من ابوه بعد ما يموت... انا كنت مستغربة طريقة تفكيرها قولتلها يعني حبيتيه قالتلي حبيته طبعا بقولك هيعيشني في قصر وفيه خدم هيخدموا عليا... فأنا مهتمتش ولكن كنت واخدة بالي انه ملاحظني وعمال يبصلي في الحفلة كتير المهم خلصنا الحفلة وروحنا بيتنا وبعد اسبوع كدا عرفت ان فيه عريس جايلي والمفاجأة انه طلع شريف اللي رحاب بتحبه... انا طبعا رفضت وقتها وقولتلهم.....
العودة الى الماضي:
قالت قمر بصوت مكسور، ينطوي على مزيج من الحزن والاستياء:
"يا أمي، مينفعش أتجوزه دا بالذات... هاتيلي أي واحد تاني وأنا هتجوزه."
ردت حورية، والدة قمر، بصوت متعب ولكن مصرًا:
"يا بنتي، دا عريس ميتفوتش... دا أبوكي كلم كل معارفه أنك هتتجوزي من شريف، ابن نبيل الجوهري، أكبر صاحب شركات مأولات وماشي يعزم الناس على خطوبتك."
"يا أمي لا، يا أمي... أنتِ عارفة مين اللي بتحبه... رحاب... وأنا مستحيل أخون صاحبتي، دا هي اللي كلمتني عنه وقالتلي إنها عينها عليه. أقوم أنا خاطفاه منها لا يا ماما، استحالة أوافق."
حورية نظرت بعيون ممتلئة بالحزن والإحباط لابنتها، ثم أجابت بسخرية وهي تحاول إخفاء قلقها:
"رحاب؟ مين دي اللي تتجوزه؟ وهو هيبص لرحاب على إي دي، لا عيلة ولا جمال ولا أي زفت... انتِ شايفة شريف قمور ازاي هيمشي جمبها، الناس هتتكلم عليها، أما أنتِ لما تمشي جمب شريف هتبقوا لايقين على بعض. بصي انتِ حلوة ازاي أحلي من البت اللي اسمها رحاب، دي ما تبص على قدها."
ردت قمر بدفاع عن صديقتها: "إي يا ماما، اللي بتقوليه دا، رحاب مش وحشة وتستاهل أحسن من شريف كمان... دي صاحبتي يا أمي، وبقالنا سنين سوا. قولي لبابا إني مش موافقة على العريس ويحصل اللي يحصل."
سمعها والدها حين دخل من المنزل وفجأة صرخ صرخة هزت أرجاء المنزل قائلاً: "قمر... تعالي هنا."
ركضت قمر نحوه بخوف، وهي تنظر بالأسفل، قائلة بخوف وحيرة:
"نعم يا بابا."
قال سعد والد قمر بحزم وغضب لا يخفى على أحد:
"إيه اللي أنا سمعته دا... ها؟"
ركضت حورية نحو قمر، قائلة لسعد قبل أن يهجم عليها بخوف وقلق:
"مقالتش حاجة يخويا... قالت هتتجوزه... صح يا قمر هتتجوزيه صح؟"
نظرت قمر لوالدتها التي عبرت لها بتعابير خوف وحزن ممزوجة بالقلق من ما سيفعله والدها إذا رفضت عريسًا مثل هذا، فنظرت لوالدها بهمس مرتجف:
"بس هو مش ليا يا بابا... رحاب صاحبتي بتحبه وأنا..."
صرخ سعد بصوت جهوري مملوء بالغضب:
"وهو لو عاوز رحاب هيجي يتقدملك انتِ ليه؟... مش المفروض هو يكون عاوزها قبل ما هي تكون عاوزاه... اتفضلي خشي أوضتك ومش هتصاحبي البت دي تاني... احنا خلاص هنعلى ومش هتحتاجي لصحابك دول تاني، وياريت لو تنسيهم."
ركضت قمر إلى غرفتها بدموع تحتضنها، تتساءل في صمت مؤلم، لماذا تجبر على هذا العريس... إنها لا تهتم بمظهره أو بمنصبه، إنما تهتم بالحب الحقيقي، هي لا تحبه، تريد أن تعيش علاقة حب نقية وصادقة، ولكن لن تعيشها مع هذا الثري، ترى دماغ الأثرياء بالأفلام كم هم سطحيون بالمعاملة ولا يهتمون بأمور الحب هذه.
العودة الى الواقع
اكملت قمر: كلمت دعاء وحكيتلها اللي حصل وهي قالتلي اشوفه واقعد معاه ونتكلم ولو ارتحتله اكمل في الجوازة وانها من حقي انا مش من حق رحاب واني كده مبخونهاش لانها مكنتش على علاقة بيه من اصله... ومعرفتش اتواصل مع رحاب خالص الفترة دي لان بابا كان محرج عليا فالمهم اتخطبنا انا وشريف ومقدرش اقول اني محبتوش لان كانت معاملته لطيفة وكان باين انه بيحبني فغصب عني اتشديتله أنا كمان ولما رحاب عرفت كنت متخيلة تعمل مشكلة معايا ولكن مديتش اي انطباع من اللي كنت مستنياه بالعكس دي جات خطوبتي وكانت فرحانة وبترقص ودا اللي خوفني اكتر عدت الشهور وكان شريف طالب انه يتجوزني بسرعة وفترة الخطوبة متبقاش كبيرة ودعاء صاحبتي اتجوزت وانا كمان اتجوزت شريف وكانت حياتي وردي بمعنى اصح وكان شريف بيعاملني حلو وجات زارتني رحاب في شقتي ومن بعد زيارتها مشوفتش يوم عدل وطريقة شريف باقت معايا وحشة وحياتي اتقلبت رأسًا على عقب حتى أنا مكنتش طايقة شريف وبجد كنت كرهاه اوي في الفترة دي ورحاب مبقتش بتجيلي ولما عرفت اني حامل شريف متبسطش وبقا بينفر مني كتير اوي قولت لماما وكنت حاسة ان فيه حاجة مش طبيعية لان احنا الاتنين مش معقولة بعد الحب دا نبقى مرة واحدة مش طايقين بعض خلفت اسيل وبقيت بعاملها كويس وشريف العكس من ساعت ما اتولدت وهو شريف بيتعامل وحش مع اسيل وعمره ما اخدها في حضنه ولا طبطب عليها حتى انا اللي كنت معوضاها عن غيابه لانه كان بيسافر ويسيبنا بالشهور ولما كانت رحاب بتزورني كنت بفضفض معاها من كتر الضغوط فضفت وحكيتلها كل اللي بيحصلي ولما شافت اسيل اتفاجئت بإنها شبهي جدًا وحسيت لوهلة انها محبتهاش بس محطتش في دماغي ومرت السنين واسيل كبرت وكانت لما تسألني ليه ابوها بيعاملها كده كنت اقولها عشان هو مضغوط في الشغل هو متضايق شوية كنت اجيبلها حلويات وهدايا واقولها بابا اللي جايبهم عشان احببها فيه شوية وعرفت ان رحاب اتجوزت ودعاء قالتلي انها متجوزة زوجة تانية وانها بعد كام شهر خلته يطلق زوجته الأولى انا الصراحة حسيت بقلق من ناحيتها ومن الحركة اللي عملتها ودعاء برضو... فالحقيقة الفترة دي قللت تعامل معاها وبقيت منفردة انا وبنتي ومش بعمل حاجة غير اني بوديها للمدرسة وبقعد اذاكرلها بليل وبننام وهو بيجي من الشغل متأخر ينام ويصحى بدري ينزل شغله وظلت حياتنا باردة لسنين وفي مرة لقيت رقم رحاب بيرن على تلفون شريف هو ساعتها كان في الحمام استغربت اوي وقولت يمكن موبايلي مقفول وهي مش عارفة توصلي مسكت موبايل شريف ورديت عليه وهي اول ما سمعت صوتي قفلت الخط بسرعة كنت مستغربة جدًا لان رقمها انا حافظاه فجبت موبايلي اتأكد تاني وفعلا طلع هو رقم رحاب ولما طلع شريف واجهته قالي انها عايزة تشغل جوزها في شركته وبعديها نسيت الموضوع ومحطيتش في دماغي اي حاجة وحشة .. وفي يوم قالتلي رحاب انها بتدور على شقة وانها هتعزل من المكان اللي هي فيه وعايزاني اساعدها عشان ذوقي حلو وكده وبقينا بنطلع نشوف شقق سوا استغربت انها عايزاها مفروشة وكانت دايمًا تروح المكان الاول وتخليني انا اطلعلها والفترة دي حسيت ان شريف بيراقبني وكنت بشوفه في اي مكان بروحه لدرجة اني ساعات كنت افتح عيني وانا نايمة الاقيه باصصلي وفي يوم نسيت موبايلي مع رحاب وجابتهولي تاني يوم واليوم اللي بعده كان اسود يوم عيشته في حياتي.....
العودة الى الماضي
ركضت قمر نحو اسيل قائلة لها وهي تنهج بعنف: "ايسو حبيبتي... ادخلي اوضتك واقفلي الباب على نفسك."
قالت اسيل بخوف وهي تسمع صراخ والدها:" ماما هو بابا بيزعق ليه؟ "
اجابتها قمر بصعوبة ورعشة تحتل جسدها خوفًا: "هو... هو بابا بيلعب معايا وبيهزر دا كله مش حقيقي دي لعبه كده... ها متفتحيش الباب غير اما اقولك ماشي يا روحي يلا روحي اوضتك بسرعة."
ركضت اسيل بسرعة نحو غرفتها، وأغلقت الباب بشدة خلفها. بمجرد أن أغلقته، سمعت صراخ والدتها يملأ الهواء، مما زاد من خوفها. نظرت من خلال الفجوة التي يمر منها المفتاح وشاهدت ما كان يحدث لوالدتها. كان والدها يصفع والدتها بلا رحمة، وعندما سقطت على الأرض، أمسكها من خصلاتها وبدأ يجرها بقسوة من أمام غرفة اسيل.
شعرت الطفلة أسيل بقلق شديد على والدتها، وابتدأت تبكي بشدة خوفًا على والدتها. فتحت الباب مرة أخرى وركضت نحو الدرج، حيث كانت تشاهد والدها وهو يسحب والدتها من شعرها عبر السلالم، ينزل بها إلى الطابق السفلي بلا رحمة ويقول بصراخ:
"ملكيش مكان في بيتي يا خاينه..... اطلعي برا بيتي ومشوفش وشك هنا تاني... انتِ فاهمة؟
وكانت قمر تبكي وتصرخ من الوجع ولا تقدر على النطق وبمثابة رؤيتها لاسيل واقفة على اول الدرج تسخبئ وراء عمود قصير وهي تنظر لوالدتها بقلق وعلامات الرعب والخوف على وجهها وهي تبكي فقالت قمر بصوت يشوبه الحنان:" البنت... البنت ارجوك مش عايزاها تشوف اللي بتعمله مش عايزاها تشوفني كده. "
نظر شريف لاسيل بالأعلى وصرخ بها: "ادخلي اوضتك احسن ماجي اكمل عليكِ."
ركضت أسيل نحو غرفتها بسرعة متناهية، وأغلقت الباب بشدة وحكمته بالمفتاح بينما كانت تنتفض من شدة الرعب الذي اجتاح صدرها مما رأته بوالدتها. جلست على السرير وأخذت تختبئ تحت غطاء السرير، حاولت جاهدة تهدئة نفسها بتلاوة ما حفظت من آيات قرآنية، خائفة من قدوم والدها وجسدها كله يرتعش من شدة الرعب كانت حالتها صعبة كثيرًا لا أقدر على وصفها الأطفال الذين يعيشون أجواء ضر ب أمهاتهم هم من يرون الرعب بأعينهم ذلك أقصى وجع يكمن في ذاكرة الطفل ولا ينساه طيلة حياته.
العودة الى الواقع
بكت قمر وهي تتحدث: "يا روحي طلعت اوضتها بتعيط وقلبي كان معاها كنت متضايقة انها شافت منظر زي دا...."
كان يزن ينصت إليها، وهو يشعر بأن قلبه يعتصر من الحزن والتعاطف. تلك الحكاية كانت ترسم في ذهنه صورة أسيل وهي تتجرع مرارة الحياة، وتتحمل وحشية لم تكن تستحقها.
اكملت قمر بقهر: "رماني في عربية مع سواق وقاله يرجعني بيت اهلي بعد ما رمى عليا يمين الطلاق واني انسى ان عندي بنت من اساسه بقيت بتوسل للسواق انه يرجعني اتطمن على بنتي لكن مكنش بيرد عليا كإنه آله بتمشي على اوامر شريف وبس وساعتها الدنيا كانت بتمطر ووانا في العربية البرق والرعد اشتغلوا بطريقة قوية وكانت عاصفة شديدة من كتر قوتها السواق مكانش عارف يتحكم في العربية لان الرياح كانت قوية اوي وفي لمح البصر اتقلبت العربية بيا وبالسواق.
العودة الي الماضي
اطرق شريف على غرفة اسيل بقوة وهي تنتفض بسريرها من كل طرقة حتى سمعت صراخه
-لو مفتحتيش هكسر الباب...
لم تجيبه اسيل ايضًا لم تتحرك حتى من مكانها ففتح شريف من مفتاح آخر معه لغرفة اسيل ووجدت اسيل غطاء السرير يُرفع من عليها ويظهر الوحش أمامها نعم، هي كانت تراه بهذا الوقت الوحش الذي يبحث عن فريسة ليأكلها وها هو رآها وسيأكلها الآن رجعت للخلف بآخر السرير وهي تبكي بفزع وخوف قائلة:
" لا لا.... بابا متضربنيش.... بابا ارجوك متضربني انا آسفة والله مش هطلع من اوضتي تاني بس متضربنيش. "
اقترب منها شريف قائلًا بحزم وقسوة:" معادش فيه ماما تاني انتِ فاهمة؟ عايزك تنسي ماما للأبد... مش هتبقى في حياتنا تاني.... انسيها تمامًا ومش عاوز سيرتها تيجي على لسانك و.....
رن هاتفه فجأة، كان الصوت مرتفعًا بما يكفي ليشعر شريف برجفة في أعماق قلبه. فتح المكالمة بينما كان مكبر الصوت عاليًا، جاءه الصوت من مكان حادث السيارة، حيث وُجدت قمر والسائق. بدون تفكير، انطلق شريف مسرعًا إلى الطابق السفلي، تلاحقه أسيل بخطوات مرتعشة، بينما كانت كلمات الرجل في الهاتف ترن في أذنيها كجحيم لا ينتهي، وأحست وكأن قلبها يسقط في هاوية بلا نهاية، قلقًا على والدتها.
"بابا، هي ماما كويسة صح؟ ماما كويسة يا بابا؟ بابا، خودني معاك، ماما كويسة، بابا..."
صرخ شريف في وجهها، وكأن صوته قد أصبح صدىً لجدار بارد: "اقعدي هنا، أنا رايح أشوف حاجة وجاي تاني. يا سعدية، تعالي خديها."
تعلقت أسيل ببنطاله كمن يغرق ويتشبث بآخر قشة: "لا يا بابا، مش هسيبك. هاجي معاك، عاوزة أطمئن على ماما... أرجوك يا بابا، خودني معاك، أرجوك."
استسلم شريف تحت وطأة بكائها الذي أصبح كالنزيف، وأخذها معه، لكنه وضعها في مكان بعيد عن الحادث، قبل أن ينزل من السيارة، نظر إليها بحزم وقلق وقال: "خليكي هنا، أنا شوية وجاي... سالم (السائق) خلي بالك منها."
سألته أسيل بصوت طفولي متهدج: "وماما فين؟"
رد شريف، يحاول أن يبدو مطمئنًا بينما تهتز يداه: "مامتك مش هنا، بس أنا نازل أشوف حاجة وجاي."
خارج السيارة، كانت العاصفة تصرخ، وكأن الطبيعة تعكس فوضى مشاعر أسيل. دقات قلبها كانت تتسارع بشكل مزعج، وكأنها تدق على أبواب الخوف. نظرت للسائق، وهي تهمس: "هو بابا مجاش ليه؟"
أجابها السائق، يحاول أن يخفي توتره: "شوية وجاي يا حبيبتي..."
بينما كان السائق يتحدث في الهاتف، استجمعت أسيل كل شجاعتها الطفولية، وقررت أن تتبع الطريق الذي سلكه والدها. فتحت باب السيارة ببطء، كي لا تصدر أي صوت، وعندما لمحها السائق في المرآة، استدار بسرعة ليجدها قد انزلقت من السيارة وبدأت تركض، وكأنها تسابق الرياح.
تبعها السائق، ينادي عليها: "يا أسيل، ارجعي!"
لكن أسيل كانت تركض، غير مبالية بصراخه، تبكي، بينما المطر ينسكب عليها كدموع السماء، والرعد يتنازع مع الرياح، كأنهما يتسابقان لمن سيصدر صوتًا أكثر رعبًا.
ركضت حتى وصلت إلى نهاية الممر المظلم، حيث أضواء كثيرة وأصوات شرطة وزحمة الناس. هرولت إلى المكان، لتجد مجموعة من الرجال يحاولون قطع باب السيارة المتهشم بآلة كهربائية.
نظرت أسيل في رعب إلى والدتها الملطخة بالدماء، التي كانت تُسحب ببطء من حطام السيارة، وجسدها مغطى بقطع الزجاج التي تقطع لحمها، ووجهها مشوه بالجروح. كان المشهد أشبه بكابوس، والسماء كانت تعكس حزنها العميق بصوت الرعد وبرق البرق، وكأنها تخاطب صرخاتها.
اندفعت أسيل نحو والدتها، تزيح كل من في طريقها بجسدها الصغير، وجلست على الأرض، تحتضن قمر، تبكي بكاءً مريرًا، وتصرخ: "لا يا ماما، متسيبينيش... متسيبينيش، أرجوكي... ماماااااا.... اصحي... اصحي يا ماما."
حاول رجال الشرطة إبعادها، ولكنها كانت تعاند وتتمسك بوالدتها بقوة، حتى تلطخت ثيابها ووجهها بالدماء. أمسك شريف بذراع أسيل، صارخًا بحدة: "أنا مش قولت متخرجيش برا العربية!"
نظراته كانت ممتلئة بالغضب والحزن، وقد ألقى نظرة غاضبة نحو السائق، الذي وصل لتوه، وقال بحزم: "خدها علبيت."
حاول السائق أن يقود أسيل بعيدًا، ولكنها كانت تصرخ، تصارع بكل قواها الصغيرة للبقاء مع والدتها، تصرخ بألم: "سيبوني، أنا عايزة ماما... ماما... ماما، اصحي عشان خاطري، اصحي... يا مامااا!"
بعد أن نفذ صبر السائق، حملها بين ذراعيه، وهي ما زالت تصرخ وتبكي بصوت عالٍ، أثار الشفقة في قلوب كل من شهدوا الحادث.
في ظل هذه الفوضى والصراخ، أصيبت أسيل بنوبة هلع، وفقدت وعيها. وعندما عادوا إلى المنزل، طلبت الخادمة طبيبًا لفحصها. أكد الطبيب أنها تعاني من نوبة هلع حادة نتيجة الصدمة الشديدة التي شهدتها.
بعد بضع ساعات، استيقظت أسيل، وجدت والدها أمامها، يحمل خبرًا ثقيلًا على قلبها الصغير، مزقها إربًا. أخبرها بصوت مختنق أن والدتها قد ماتت، واليوم هو عزاؤها.
امتنعت أسيل عن الطعام، فقدت النطق، وانزوت في غرفتها، حيث بقيت محاطة بصمت قاتل، لا تغادرها ذكريات الحادث الذي غير كل شيء في حياتها.
العودة الى الواقع
قال يزن يدموع زرفت من عينيه: "عشان كدا بتخاف من المطر والرعد واول ما بتسمعهم بتتفزع... عرفت انا ليه يوميها كانت بالحالة دي."
أكملت قمر، بنبرةٍ ملؤها الألم والحنين: "وطبعًا مش محتاجة أقول إن اللي لفق لي تهمة الخيانة عشان شريف يطلقني كانت رحاب... وأديها اتجوزته زي ما كانت عايزة. واللي عرفته إنها كانت عاملالي أنا وشريف عمل وإنها ليها في السحر والأعمال... أي حاجة مؤذية حصلت لي في حياتي كانت رحاب السبب فيها. كل دا عشان كانت فاكرة إنني أخدت منها شريف اللي كانت عايزة تتجوزه عشان فلوسه بس... أنا أقسم بالله ما عارفة أنا تخطيت كل دا إزاي لوحدي. وأبويا وأمي بعد خبر وفاتي مكملوش سنة وفارقوا الحياة هما كمان، بعد ما شريف فضحني وسط أهلي كلهم وقالهم كلام عني مش صح... ومش عارفة بنتي اتخطت كل دا إزاي لوحدها. لكن ربنا كان رحيم بيا وبيها، رحيم بيا عشان خلاني عايشة وأشوفها تاني، ورحيم بيها عشان عوضها بيك... شكرًا يا يزن إنك في حياة بنتي وحاولت بقدر الإمكان إنك تطلعها من كل الجروح اللي جواها وتحسسها بالأمان لأول مرة من بعدي... أسيل حكيت لي كل اللي عملته عشانها. أنت فعلًا ونعم الرجل... ربنا يبارك فيك يا حبيبي ويرزقك من وسعه، قادر يا كريم، وأشوفك أنت وأسيل أحلى عروسين."