تحميل رواية «لا تخافي عزيزتي» PDF
بقلم مريم الشهاوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سمع صوت بكاء يأتي من غرفة المستودع. اقترب من باب الغرفة بفضول، وعندما تأكد من الصوت طرق على الباب. "في حد هنا؟" وسرعان ما عم الهدوء ولم يسمع شيئًا من هذا البكاء. مد يده إلى الباب وحاول فتحه، لكن وجده مغلقًا. وتفاجأ بصوت سيدة المنزل. "رحاب هانم": بشمهندس يزن والدتك سألت عنك. توتر يزن وقال متسائلاً: هو في حد جوه المخزن؟ علامات الدهشة أصابت وجه رحاب، وظهر على جبينها آثار الغضب لفضول هذا الفتى. وقالت: لا... بتسأل ليه؟ يزن بشك: سمعت صوته... أو كان بيتهيألي! ابتسمت رحاب وهي تنظر إليه بانزعاج: لا أكيد...
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الأول 1 - بقلم مريم الشهاوي
سمع صوت بكاء يأتي من غرفة المستودع.
اقترب من باب الغرفة بفضول، وعندما تأكد من الصوت طرق على الباب.
"في حد هنا؟"
وسرعان ما عم الهدوء ولم يسمع شيئًا من هذا البكاء.
مد يده إلى الباب وحاول فتحه، لكن وجده مغلقًا.
وتفاجأ بصوت سيدة المنزل.
"رحاب هانم": بشمهندس يزن والدتك سألت عنك.
توتر يزن وقال متسائلاً: هو في حد جوه المخزن؟
علامات الدهشة أصابت وجه رحاب، وظهر على جبينها آثار الغضب لفضول هذا الفتى.
وقالت: لا... بتسأل ليه؟
يزن بشك: سمعت صوته... أو كان بيتهيألي!
ابتسمت رحاب وهي تنظر إليه بانزعاج: لا أكيد بيتهيألك.
استأذن بالرحيل واعتذر لاستفساره المبالغ فيه، ثم ذهب لوالديه.
كان بين والده وزوج رحاب شراكة عمل، ودعاهم زوج رحاب لتناول العشاء معه.
جلس يزن بجانب والدته "يسرى" التي لاحظت تغيره.
وتكلمت: مالك؟ حاسك مش طبيعي!
كان يزن شاردًا وهو يفكر في ذاك الصوت.
هو لم يكن يتهيأ له قط... سمع الصوت جيدًا.
كان بكاء فتاة!
قطعت أفكاره صوت أمه وهي تناديه مرة أخرى: يزن.. إيه مالك مش على بعضك!
تكلم بيقظة مما كان يفكر به: ها... لا لا مفيش حاجة.. أنا كويس.
تكلم زوج رحاب "شريف" بسعادة: أعتقد أن الصفقة دي هتكون ناجحة مية في المية.
حطينا فيها كل جهودنا.
بادله الابتسامة والد يزن "عبد الله" قائلاً: إن شاء الله تكون ناجحة.
تعبنا جدًا بسببها.
وكمان السنة دي تخرج البشمهندس يزن وهيشتغل معانا.
عارف إنه هيرفع راسي.
تبسم يزن بفخر والده به.
فكان قلبه يضحك مثل طفل صغير.
نظرة أبيه له بها لمعة من الفخر، وهذا أفضل شعور ينتاب قلب الابن عندما يفتخر به والداه.
كانوا يتحدثون عن العمل.
وبعد مدة لفت انتباههم شاب وفتاة ينزلون من الطابق العلوي.
حيث قامت رحاب من جلستها لتقدمهم: أقدم لكم ولادي يارا ومصطفى.
تقدم كلاهما وألقيا التحية على ضيوفهما بكل أدب ورقي.
وجلسا في صمت تام.
تكلمت رحاب بفخر أيضًا لأولادها مثلما رأيت حديث عبد الله.
وأصابها بعض من الغيرة: دكتور مصطفى طب أسنان ويارا هندسة.
تبسمت والدة يزن "يسرى" بحب قائلة: بسم الله ما شاء الله.
حفظهم الله.
يارا جميلة وهادية ربنا يحفظهالك.
فرحت رحاب لحديثها فبادلتها الابتسامة.
تتكلم بتكبر: أكيد هتبقى جميلة لمين؟... ما طلعت لي.
أنا لما بمشي جنبها ببان أختها ومحدش يصدق إنها بنتي.
يضحك الجميع لحديث رحاب.
عدا يارا كانت تجلس كالدمية تفعل ما قالته أمها صامتة تمامًا لا تبوح بشيء.
وتتمنى أن تنتهي من هذا السجن وتذهب إلى غرفتها.
فأصبحت أمانها الوحيد غرفتها في هذا البيت الملعون.
الخالي من أي سعادة.
فهم جميعًا يتصنعون السعادة.
لم تكن هناك أي تعابير واضحة على وجهها.
وهذا ما أثار قلق يزن.
وسأل نفسه وحدثها: "هل هي التي كانت تبكي؟"... لا أكيد.
نزلت من غرفة الطابق العلوي وليس هناك علامات على وجهها تدل على بكائها.
وجهها طبيعي مشرق وليس شاحبًا.
ولكن إذا كانت ليست هي؟
فمن التي كانت تبكي؟؟؟
كان لديه فضول هائل ولم يستطع تخبئته.
فسأل صاحب البيت الأستاذ "شريف": أنتم بس اللي عايشين هنا ولا في شخص تاني معرفتوناش عليه؟
نظرت إليه رحاب بانزعاج.
وأجاب شريف بابتسامة: أيوه عندي بنتي أسيل من زوجتي الأولى اللي توفت الله يرحمها.
صمتوا جميعًا.
ولكن عقل يزن لم يصمت.
ظل يسأله "أين هي؟" و"لماذا لم يراها؟"
فتحدث مسرعًا ليريح عقله: وهي فين؟
ليه يارا ومصطفى بس اللي شوفناهم؟
هي مش في البيت؟
زفرت رحاب بانزعاج.
وكانت تريد أن تطرده خارج المنزل.
فإنه فضولي للغايه ويتعدى حدوده.
فقالت له بنبرة تميل للغضب: أسيل مش بتحب تخرج من البيت.
وقليل ما بتتعامل مع الناس.
ومنع التواصل مع بقية العالم بسبب حالتها النفسية.
ظهرت الدهشة على ملامح يزن.
وكرر كلمة رحاب بذهول وبعض من الفضول: حالتها النفسية!
تكلم شريف ليوقف فضول يزن قائلاً: أسيل من ساعة ما مامتها ماتت وهي فاقدة للحياة.
حتى النطق مبقتش بتتكلم.
ومنع الكلام مع أي شخص حتى إحنا.
وعلى الوضع ده من سنين وهي قاطعة نفسها عن العالم.
تنهد يزن حزنًا ينتابه بعض الشفقة قائلاً: طب مفكرتوش تجيبوا لها دكتور نفسي يعتني بيها ويعرف يعالجها؟
تكلم شريف بندم: عاملته بقسوة شديدة وكانت بتضربه.
ومش أول واحد دي.
رفضت أربعة وما كانتش بتستجيب.
والي شوفته إن حالتها كانت بتدهور أكتر ومش مستجيبة للعلاج.
ورفضت العلاج.
دا غير إن الدكاترة مش قادرين يستحملوا تصرفاتها المبالغ فيها.
هي شخصيتها صعبة ومش بتتقبل أي حد.
قالت رحاب باستهزاء: متمردة زي والدتها بالظبط.
جملتها أفزعت الجميع من الدهشة.
فكيف لها أن تتحدث هكذا عن شخص ميت!
نظر شريف إلى زوجته بصرامة لذكرها لميت.
فإن الواجب هو الرحمة عليه فقط ولا يجوز التحدث عنه بالسلب لأنه ميت الآن!
خافت رحاب من نظرات زوجها.
فتكلمت بابتسامة وهي تحاول تشتيت الجميع قائلة: ما تيجوا نغير الموضوع.
يارا بنتي ناقصها سنة واحدة وتخلص الجامعة.
وتدخل كمان في المجال مع باباها وممكن...
قاطع حديثها يزن وهو يتسائل: هي بتدرس؟
ابتسمت يسرى والدة يزن لابنها وأجابته في هدوء: أيوه يا حبيبي.
مدام رحاب قالت فاضلها سنة وتخلص وممكن تشتغلوا سوا أنتم الاتنين وت....
قاطعها يزن: مش قصدي يارا.
أنا بتكلم عن أسيل.
انزعجت رحاب من اهتمامه الزائد.
وظلت تنظر إليه بتوعد.
رد عليه شريف زوجها وهو يهدأ من حالته لأنه أدرك "كم هو فضولي": أسيل بنتي في فنون جميلة.
تحدث يزن بعدم فهم قائلاً: طيب أهو يعني بتروح الجامعة وبتتعامل مع الناس...!
تكلمت رحاب بملل من حديثه قائلة: هي بتروح الجامعة ومانعة التعامل مع الناس.
بتسمع المحاضرات وتخلص مشاريعها وتروح.
متخرجش من أوضتها لحد تاني يوم وهكذا.
فتفاجأ يزن من روعة الحديث: بس دي تبقى حياة مملة.
المفروض تخرجوها من النفسية.
هو إنكم تفسحوها أو تتكلموا معاها مش تسيبوها قاعدة في أوضتها كده.
هي بتسوء حالتها أكتر!
ضحك أبيه "عبد الله" وقال: مالك قلبت على دكتور نفساني مرة واحدة كده ليه.
ضحك شريف أيضًا قائلًا: حسيت كده برضه.
ردت رحاب بفتور: هي بتعترض لما بتشوفنا.
وآخر مرة خربشت يارا وعورتها في رقبتها لما حاولت تحضنها أو تقرب منها.
سحبت يارا خصلات شعرها من على رقبتها لتظهر لهم الجرح التي تسببت به أسيل.
يزن كان مندهشًا وتحدث ممسكًا أنفاسه: أنتم سايبنها كده؟
هتعيش إزاي؟
هتكمل حياتها إزاي وهي في الحالة دي...
الموضوع لو تمادى مش هيبقى لصالحكم أبدًا وهتتحول للأسوأ.
شعرت يسرى بعدم ارتياحهم لأسئلة يزن ابنها.
الذي أثار فضوله انزعاج الجميع.
هي تعرف لمَ هذا الفضول؟
ولماذا هو قلق للغاية؟
هي تتفهم ذلك ولكن هم لا.
فأمسكت بيده وهي تحدثه بصوت صارم: خلاص يا يزن حبيبي كفاية.
قالت رحاب بتذمر: يا ريت يسكت يزن احترامًا لأمه.
محرجًا ولكن عقله مشوش تجاه تلك الفتاة "ما قصتها؟"
أفاقوا جميعًا على صوت الخادمة: العشاء جاهز يا هانم.
نهضوا جميعًا على طاولة الطعام وبدأوا في الكلام وهم يأكلون.
وكان مصطفى ويارا يريدان الذهاب ويكرهون تلك الزيارات.
حتى أنهم لم يتدخلوا في الحديث معهم.
كانوا يستمعون فقط.
كانت رحاب ويسرى تخططان لربط العائلتين معًا من خلال يزن ويارا.
ظنًا منهم أن هذا سيكون أفضل شيء ورابط أساسي للعائلتين.
كانت يارا صامتة وغير مهتمة.
فوالدتها قالت لها ألا تتحدث وإلا ستبوح بشيء ساذج مثلها.
فالأفضل أن تصمت.
ويزن تائه في أفكاره كالعادة بخصوص تلك الفتاة التي أثارت عقله بالتفكير منذ دقائق فقط!
ومصطفى الذي كان يدعي بداخله بأن تنتهي هذه الزيارة سريعًا ليصعد إلى غرفته ويتحدث مع صديقه "شهاب"!
انتهى يزن من طعامه وذهب ليغسل يديه في المرحاض الذي كان بجانب ذلك المستودع.
شيء ما بداخله جعله يذهب إلى غرفة المستودع مرة أخرى.
ويسأل الخادمة: لو سمحتي، هو فين مفتاح الأوضة دي؟
تكلمت الخادمة بعدم معرفة: كل مفاتيح الأوض مع الهانم الكبيرة.
هز برأسه لها متفهمًا.
وظل واقفًا مكانه يفكر.
وتذكر قول أمه وأنه أزعجهم.
فإن رآه أحد هنا سيشك بشيء ما.
وخاصةً إذا رأته رحاب مرة أخرى ستنزعج للغاية.
فإنه أدرك أنها منزعجة منه.
سار خطوات تجاه غرفة المعيشة.
ولكنه لاحظ جزء من ورقة خارج أسفل باب تلك الغرفة.
نعم غرفة المستودع.
ما هذه الورقة؟؟
نزل على ركبتيه ليأخذها من على الأرض.
وسحبها من أسفل الباب.
واتسعت عيناه من الدهشة مما رآه!!!
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الثاني 2 - بقلم مريم الشهاوي
وصُدم عندما رأى رسمة لإنسان، وفوقه قرد جالس على كتفيه واضعاً يده على فمه، وهناك أيضا في أسفل الرسمة فئران ينتابهم الرعب، وفي الناحية الأخرى نمر يقف خائفاً ينظر إلى القرد بخوف!!
لم يفهم شيئًا من الرسمة، لكنه كان موقناً بوجود شخص ما بالداخل.
فأخذ الورقة، ووضعها في جيب بنطاله، وخرج لهم حتى أنهت عائلة يزن الزيارة، وانصرفت بترحاب من شريف ورحاب بأن يأتوا مرة أخرى، وكانت رحاب تتابع نظراتها ليزن الذي لم يرحها إطلاقًا، فهو ينظر إليها بشكل مريب!
دلت يارا إلى غرفتها صامتة نامت على فراشها شاردة في عمر صديقها في الجامعه... الذي يظن أنها مجرد صديقه، ولكنها لا تراه بصديق، بل تراه حبيبها لقد أحببته طوال هذه السنوات، ولكنه لم يبادلها ولم يعلم قط إنها تحبه تخاف أن تصارحه بحبها، فيبعد وتخسره للأبد... أن تبقى صديقته طوال العمر افضل من أن تكون حبيبته ويتركها.
أدلف مصطفى إلى غرفته، وعندما دخل وجد صديقه شهاب الذي كان ينتظر رؤيته.
ذهب إليه، واحتضنه بشدة وهو يقول له: أين كنت، لقد اشتقت إليك يا صديقي؟
مسح شهاب على رأسه بحب، وهو يتكلم معه بقلبه مثلما يحدث: أنا بجانبك دائما معك أينما كنت.
ابتعد مصطفى عنه، وجلس على فِراشه ممدداً جسده يسترخي من هذا اليوم، فأخذ شهاب كوب قهوة، وجلس أمامه:
احكيلي بقا عملت اي النهاردة؟
تكلم مصطفى وهو ينفخ بضيق: معرفتش أكلمها كالعادة بحس إني مقيد ومش عارف أبوح لها بلي جوايا...
ضحك شهاب بصوتٍ عالٍ: طيب أنت كنت عايز تبعتلها حاجة بعتلها بوكيه الورد والجواب الي كتبتهولها؟
أغمض مصطفى عينيه بيأس قائلاً: لا...
ثم تفاجأ بالقهوة تنسال على وجهه، فقد رمى شهاب القهوة على وجهه معبراً عن غضبه!!
فُزع مصطفى وهم واقفًا وهو يصرخ بشهاب قائلًا: أنت متخلف يلا... اي الي عملته دا القهوة سخنه.
ذهب للمرحاض يغسل وجهه نظر إلى المرآة وسرعان ما رأى شهاب وراءه يمسك برقبته، ويضعها تحت الماء، ويردد:
هتفضل طول عمرك خايف كدا لحد امتى ها.... لحد امتى.
كان مصطفى يحاول ابعاد يده ولكنه فشل فكان قوياً ولم يستطع وظل يردد بصراخ: شهاااب سيبنييي.
وبعد دقائق تركه وذهب من امامه جلس مصطفى على الأرض وبكى بكاءً حارق هو حقاً جبان... جبان في كل شيء يخاف من البشر يخشى الحديث مع فتاة لا يعرف كيف يكون صداقات هو فاشل بكل شيء.
استيقظ يزن في الصباح، وهم مسرعاً ليذهب إلي جامعة اسيل.
وقف امام جامعتها "الفنون الجميلة" حيث علم بتفاصيل عنها من حارس البوابة تبع منزل أسيل ببعض من النقود تسمى "رشوة" ليقول له متى تذهب اسيل لكي يراها ويتحدث معها عما رآه.
كان واقفًا منتظرًا رؤيتها، لكنه تذكر كم هو غبي!
هل يعلم ما هو شكلها لكي ينتظر رؤيتها؟
ضرب رأسه وقال في استهزاء لنفسه:
لا ورايح تعرف كليتها وواقف قصاد كليتها وحالف تعرف الحكاية وانت اصلا مش عارف مين دي ولا شكلها اي حتى... مين دخلك هندسه بالدماغ الكوسة دي؟
ظل واقفاً مكانه يشبه على الفتيات ليخمن من هي من بينهم.
يردد في داخله كلما يشك بفتاة انها اسيل "نعم هذه هي" ثم يقول بيأس "لا انها تتكلم" فينظر مرة اخرى لفتاة اخرى"وجدتها هذه هي "انها اسيل وجدتها"
ادلف للفتاة مسرعاً بحماس: اسيل صح.
نظرت اليه الفتاة معقبة: افندم مين اسيل؟
رجع خطوات للخلف بإحراج وتأسف لسوء فهمه.
فعل هكذا مرات المرات وكان يخطئ كل مرة حتى اجهدت نفسه وسند على سيارته يقول بفقدان امل:
وبعدين بقا هلاقيها ازاي دي كمان... انا تعبت.
انتظر بضع ساعات واخرج فطاره وأكل امام جامعتها لم يراها ولم يستطع ان يجدها.
ولكنه كان فضولي وعنيد للغايه وطالما وضع شيئاً بداخل رأسه سينفذه مهما كلف الأمر كرر بداخله "سوف أجد اسيل اليوم".
تحرك نحو حارس بوابة الجامعة يتسائله وبيده نقود وضعها في يد الحارس ليتحدث معه ويجيبه بدون مشاكل:
لو سمحت تعرف بنت هنا اسمها اسيل شريف الجوهري.
اجابه الحارس بعد ان اخذ منه النقود ووضعها في جيب بنطاله: بنت الاستاذ شريف الجوهري اه اه موجودة في الكلية دي بنت رجل اعمال كبير اوي ازاي معرفهاش كل الجامعه تعرفها.
ابتسم يزن وتكلم بإهتمام: طب متعرفش هي جات النهاردة ولا لا.
هز الحارس رأسه نافياً: لا للأسف... حضورها مش متسجل.
نظر له يزن وكان رأسه يشتعل ومهدد بالإنفجار من كثرة الغضب فإنه طال كل هذا الانتظار ليجدها لم تأتي.. حقاً!
ذهب الي سيارته وامسك بكرة مطاطيه يضغط عليها بيده ليهدئ من روعه.
تحرك بسيارته نحو مكتبة قريبة من الجامعة ليشتري بعض من ادوات يحتاجها في عمله.
اقترب من عامل المكتبه من بين زحام الناس عليها لانها كانت مكتبة مشهورة ويأتي الجميع اليها، تكلم مع العامل وطلب منه ما يحتاجه لعمله فتبسم العامل بوجه بشوش وقال له: دقيقة اجيبهم لحضرتك لان موجودين عندي في المخزن جوا.
ابتسم يزن: على مهلك مش مستعجل.
وقفت بجانبه فتاة قصيرة ذو شعر بني وبشرة خمرية وعيون خضراء ممزوجة بالأصفر ترتدي ثياب مهندمه وتبتسم بهدوء.
وعندما رآها عامل المكتبه ابتسم وتكلم بصوت يشبه بالصراخ: اهلا فنانتنا الكبيرة نورتي المكتبه... دا المكتبه نورت بيكي.
مالت الفتاة برأسها لترحب به في صمت.
قال العامل بمجاملة منه: الرسومات الي رسمتيها في دخلة المكتبه عاجبه الناس اوي تسلم ايديكي.
ظلت الفتاة مبتسمه له ممتنة لما يقوله.
فسألها العامل أتريد شيئا؟
فأخرجت الفتاة دفترها لتكتب به ما تريده وتعطيه الدفتر لينظر العامل اليها ثم يقول: هشوفهوملك حاضر.
تحرك العامل ليجمع ادوات يزن الذي يحتاجها وبعد انتهاءه هم اليه ووضع طلباته امامه.
كان يزن ينظر الي هاتفه مشغولًا بعمل ما ولم يعقب على حديثه مع تلك الفتاة.. نظر اليه بعدما وضع طلباته امامه وقال: تمام شكرا... الحساب كام؟
حاسب العامل وأخذ مشترياته ومشى خطوتين ولكن أثار إنتباهه حديث العامل عندما قال للفتاة بمغازلة منه ليتكلم معها فهو يحب التحدث معها عندما تأتي للمكتبه لتريد شيئاً ما فهي جميلة وهادئة وتسكن القلب من النظرة الأولى.
كان يتكلم بلهجه تسودها اللوم قائلاً: وعدتيني انك هترسميني... بس يظهر شكلي مش عاجبك.
هزت الفتاة رأسها نافياً وكتبت في دفترها انها مشغولة هذه الأيام بسبب مشروعاتها في الجامعة.
فتكلم العامل ممازحاً: ماشي ماشي مشغولة هصدق للمرة الالف انك مشغولة لاني مش عاوز اتقبل حقيقة انك مش عايزة ترسميني يا اسيل هانم.
توسعت عيني يزن فهو سمع اسمها ايعقل أن تكون هي... لا لا يزن لا تحرج نفسك مرة اخرى يكفي إحراجٌ اليوم.
هم ليمشى ولكن اوقفه عقله وهو يقول وماذا ستخسر إن تأكدت هذه المرة ايضاً؟
قامت الفتاة بالإشارة للعامل على الرحيل واخذت ادواتها وذهبت من امام يزن الذي كان يتعقبها بنظراته ويسأل نفسه مجددا ايعقل ان تكون اسيل التي ابحث عنها او سيخالفني القدر هذه المرة ايضا؟
أيذهب ورائها ويسألها؟... لا لا.. لا يريد ان يضع نفسه بذالك الموقف مجددًا فذهب للعامل ليسأله هو:
بقولك اي هي مين الي لسه ماشية دي كله بيرحب بيها كده ليه؟
اجابه العامل: دي فنانتنا اسيل هانم... شايف نص رسومات المكتبه الي علحيطان هي الي راسماها في فنون جميلة بس للأسف مش بتتكلم لكن بتقدر تسمعنا عادي.
كان قلبه يدق بحماس فقد وجدها أخيراً!
هم مسرعاً اليها ليلحقها قبل ان تضيع منه.
خرج من المكتبه يجري في الشوارع يبحث عنها ظل يبحث ويبحث حتى رآها.. نعم وجدها ها هي أمامه.
كانت جالسة على الأرض تضم ركبتيها نحو صدرها وبيدها صحن به بعض الطعام تضعه لقطة في الشارع وتمسح على رأسها بحنان.
ابتسم يزن ووقف منتظرها حتى تنتهي.
وقفت اسيل لتتفاجأ بيزن امامها التقت اعينهما وشعر يزن بنبض قلبه نبضة غريبة! ولكن هربت نظرات اسيل عنه لم تهتم بوجوده.
مشيت بجانبه ووضعت سماعات بأذنيها لتتفاجأ به يقف امامها مجدداً و يسألها:
انت اسيل صح.. اسمك اسيل بنت استاذ شريف الجوهري كنت....
لم يكمل حديثه حين وجدها اخذت طريقًا آخر ومشيت تسرع في خطواتها وهي قلقة منه.
رفع يزن رأسه للأعلى وقال وهو ينفخ بضيق: مش كفاية مبهدلاني من الصبح... انا هفضل اجري وراكي لحد امتى.
رجع بخطواته للخلف حيث يمشي عكسي ليقابلها بوجهه ويتكلم معها وهو يمشي امامها بالعكس:
عارف انك متعرفنيش ولا شوفتيني قبل كده... ممكن نتعرف طيب.
وقفت اسيل مكانها وتنهدت بضيق واخذت طريق معاكس ويزن ورائها يحاول التكلم معها ولكنها لا تعطيه فرصة تمشي مسرعة ولا تجيبه ولا تقف لتسمعه.
اسرع يزن نحوها ليقف امامها للمرة الثالثة... ثم اخرج ورقة من جيبه، وفتحها ليريها اياها كانت رسمتها التي وجدها اسفل الباب ذلك اليوم وسألها بحيرة:
انت الي رسماها مش كده؟
نظرت اسيل للرسمة وعلامات الدهشه ظهرت على وجهها ومدت يدها لتأخد الصوة ولكن سرعان ما ابعدها يزن وهو يهز برأسه بإنتصار:
يبقى انت الي رسمتيها... اسمعي عارف انك متعرفنيش عشان كده هعرفك بنفسي كويس انا يزن م......
ثم صرخ بقوة ينتابه شعور الألم مما حدث فقد عضته اسيل بذراعه لينزل ذراعه الذي ممسكاً به الورقة بضعف فأخذت اسيل الورقة منه وذهبت من امامه.
نظر يزن لعلامة عضتها في ذراعه التي كانت تشبه الساعة وهو مندهش مما حدث فتاة بالغه تتصرف هكذا!
ذهب ورائها ولكن رآها تركب سيارة اجرة لتوصلها للمنزل.
وضع يده على رأسه بيأس وهو يتتبع السيارة الي ركبت بها ونظر الي ذراعه مكان العضة ثم شئ غير إرادي جعله يبتسم لذلك الموقف.
كان عمر يتكلم مع يارا وهو الدموع تملأ عينيه ويتكلم بحزن شديد:
انا حبيتها بجد يا يارا... مش عارف هي ليه عملت كده فيا.... ليه مرة واحدة انهت الي بينا....
قالت يارا بحزن: اعذرها يمكن عندها اسبابها ومتقدرش تواجهك بيها.
تكلم عمر بغضب يملؤه الغيظ: كانت بتتصرف بشكل مش طبيعي الفترة الأخيرة... انا شاكك بإن فيه شخص تاني دخل حياتها عشان كده قررت تسيبني...
امسك برأسه وهو يشعر بالصداع: اااه دماغي هتنفجر... يارا انا حاسس اني بموت... انا بعشقها مش بحبها بس وهي كمان بتحبني وبشوف انها بتبادلني نفس الشعور... طب ليه بقا قررت تبعد كده... لازم افهم منها.
أتسمعون؟
لا اكيد لم تسمعوا ما سمعته؟
إنه صوت قلبي ينكسر.
كلما يقول انه يعشقها ويحبها بهذا الجنون ينكسر جزء من قلبي وبعد تكرار هذه الجمله قد اصبح قلبي مفتتاً كلياً.
ظلت تواسيه وتنظر اليه لترى حبه لها في عينيه كم هو صادق؟
وتتمنى لو كان هذا الحب لها هي..
أنهت حديثها معه وركبت سيارته ليوصلها للمنزل.
يارا: لا نزلني هنا وانا هركب تاكسي عشان رايحة مشوار كده.
تساءل عمر بفضول: مشوار اي؟
اجابته يارا: مفيش بقالي كذا يوم بصحى جسمي مكسر ومش قادرة اصلب طولي فكنت رايحة لدكتورة امراض نسا تشوف انا مالي... نزلني بس وانت روح شغلك مش عاوزة اعطلك.
عمر: تعطليني اي بس يا يارا... انا رايح معاكي عشان اتطمن عليكي معقولة تكوني تعبانه المدة دي ومتقوليش.
ابتسمت يارا بسعادة فهي تحبه عندما يهتم بها او يقلق عليها.
ذهبوا للعيادة وانتظرت يارا دورها حتى آتي ودخلت للطبيبة وعمر انتظرها بالخارج حتى تنتهي.
الطبيبة: عندك كام سنه؟
يارا: 22 سنه.
الطبيبه: آنسة؟
يارا: أيوة.
الطبيبه: اتفضلي قولي..اي الي تاعبك؟
يارا: البيريود بقالها شهرين مش بتجيلي خايفة يكون في مشكلة في المبايض وانا كمان بصحى كل يوم بألم شديد في جسمي ومش بقدر اتحرك ممكن اقعد ربع ساعة بس عشان اعرف اقوم من علسرير.
الطبيبة: عملتي تحاليل دم؟
اخرجت يارا ورق من حقيبتها: ايوة اهي.
نظرت الطبيبة الي ورق التحاليل واتسعت عينيها من الدهشه مما رأته ونظرت ليارا التي لم تفهم لِمَ هي مصدومة هكذا وقالت:
التحاليل بتبين انك حامل!
كان مصطفى يمشي في الجامعه ثم رآى شهاب واقفًا امامه.
دلف باتجاهٍ آخر بعيداً عنه ثم لاحقه شهاب وهو يتكلم معه:
يا صاصا انت مش شايفني ولا اي.
وقف مصطفى وتكلم بغضب:
بقولك اي متجيليش البيت تاني أخرج من حياتي ومش عاوز اشوفك.
وضع شهاب يده حول وجه مبتسماً:
مقدرش اعيش منغيرك يا دبدوبي دوبي دوبي.
بعد مصطفى يده بغضب وظهر على وجهه كم هو موجوع فتكلم شهاب بحزن على حالته:
انت عارف انا بعمل كده ليه....يا عبيط انا عاوز مصلحتك عاجبك الي انت فيه دا؟
قال مصطفى معقبا لكلامه:
بس انا مش زعلان من الي انا فيه... انا كده كويس.
تكلم شهاب غاضباً:
لا انت مش كويس....
ثم امسك بيده وظل يسحبه نحوه.
تكلم مصطفى بصوتٍ عال:
موديني على فين يا شهاب خليني اروح.
لم يجيبه ظل يسحبه لمكان ما.
ثم وقفا كلاهما امام متجر ونظر اليه شهاب معقباً:
اتفضل ادخلها.... ادخلها وقولها انك عايز تتكلم معاها بعد ما تنتهي من شغلها وان الموضوع ضروري.
قبض مصطفى يديه وضم شفتيه بلا مبالاه قائلاً:
وانا اي الي يجبرني اعمل كده؟
تكلم شهاب مسرعاً:
والله العظيم يا مصطفى ان ما دخلتلها دلوقتي لامسكك اضربك والم عليك الشارع كله وحبيبت القلب تطلع تشوف الجان بتاعها بيتضرب.
رجع مصطفى بضع خطوات للوراء بخوف قائلا:
خلاص خلاص... انا هدخل.
اخذ نفساً عميقاً ثم نظر اليه:
طب تعالى معايا... ادخل معايا كإنك هتشتري بكون مرتاح وانت معايا.
ابتسم له شهاب ودخل معه للمتجر ظل مصطفى يبحث عن "هدير" الفتاة التي بدلت كيانه بلحظة واحدة حين يراها يشعر وكأنه يغمره شئ من الهيام حين ينظر لعينيها لا يشعر ولا يسمع ولا تعمل حواسه بينما ينظر اليهما هي امتلكت قلبه وعقله بكثرة التفكير ولكنه لا يعلم كيف يصارحها بهذا؟
وجدها ترتب بعض العلب على الرفوف كان متردد في الاقتراب حتى دفعه ذلك الشخص اليها.
وقف مصطفى ورائها يريد البوح ولكن لا تخرج من فمه اية كلمه لسانه مربوط بشيء!
نظر لشهاب وجده ممسكاً بعصاه يهدده بها وكأنه يتوعد فيما سيحدث له بعد ذلك إن لم يتكلم معها.
استجمع قواه وتكلم معها وهي تعطيه ظهرها:
هدير ممكن نتكلم شوية؟
نظرت اليه هدير وعندما رأته اتسعت عينيها وسرعان ما امسكته من ثيابه وتقول بنبرة غاضبه ممزوجة بالإنتصار:
مسكتك ومش هسيبك يا نصاب....
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الثالث 3 - بقلم مريم الشهاوي
صمتت يارا تحاول استيعاب ما قالته الطبيبة، كيف لها أن تكون حامل وهي آنسة؟
قالت بتلعثم وعدم تصديق:
"حامل... إزاي بس يا دكتورة؟ أكيد في حاجة غلط... مفيش حد لمسني... فإزاي؟"
نظرت إليها الطبيبة بشفقة وأرادت مساعدتها:
"طيب، ممكن تحكيلي؟ هل تعرضتي لاغتصاب من شخص ما؟ ساعديني عشان أعرف أساعدك."
هزت رأسها نافية وبدأت أصواتها تعلو:
"أنا محدش لمسني... أنا آنسة..."
الطبيبة:
"اهدئي أرجوكي ووطّي صوتك، في مرضى برا. روحي اعملي حالا تحليل طب شرعي لإثبات الحالة و..."
صرخت بوجهها يارا:
"حضرتك عارفة إنتي بتقولي إيه؟ بقولك محدش لمسني... طب شرعي إيه؟ أنا هروح أكشف عند شخص تاني وهعمل تحاليل تانية... أنا آنسة... محدش لمسني... أكيد في حاجة غلط في التحاليل."
الطبيبة:
"ممكن تهدي... تحاليل الدم مفيهاش هزار."
فتح باب الغرفة وكان عمر الذي سمع صراخ يارا وهم مسرعاً ليرى ما بها، وحين رآها لم يفهم شيء. ذهب نحو يارا قائلاً بتساؤل:
"إيه يا يارا بتصرخي كده ليه؟ إنتي كويسة؟"
نظرت يارا إليه وكان تستنجد به بعيونها، فهمها عمر وأخذها خارج العيادة. ركبا السيارة ويارا ظلت صامتة لا تبوح بشيء.
أوقف عمر السيارة في مكان هادئ.
عمر:
"احكيلي... الدكتورة قالتلك إيه؟"
قالت يارا بدموع تملأ عينيها:
"لأ، مفيش... أنا حاسة إن العيادة مش قد كده وهروح أكشف عند دكتورة تانية عشان شكلها مش شاطرة و..."
عمر:
"يارا... أنا عمر... ومش لسه عارفك امبارح ولا النهاردة، أنا أعرفك من سنين وعارف نظراتك دي كويس، أكيد في حاجة... وشك مخطوف كده ليه؟ احكي."
تبدلت نبرة صوتها لبكاء مكتوم وتحاول تمالك أعصابها وحبس دموعها:
"بجد يا عمر مفيش حاجة، روحني دلوقتي... أرجوك مش قادرة أتكلم دلوقتي."
صمت عمر ونظر إليها ولا يعرف لما تخفي عنه، فهو صديقها المقرب، أيخفي أحد منهما شيئاً عن الآخر؟ أم أن الموضوع كبير حقاً ولا تريد التكلم به؟ أو أنه موضوع يخصها كفتاة وتخجل بالتحدث عنه!
تحرك بسيارته إلى منزل يارا، إلى همت لمنزلها مسرعة ولم تتحدث معه ولا ودعته حتى، فقط ركضت بسرعة حتى لا يرى دموعها.
دَلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب وانهمرت دموعها، لا تصدق ما حدث للتو... كيف حدث ذلك؟ ومن الفاعل؟ ضربت رأسها مراراً وصرخت بقوة وهي تبكي وتردد:
"لأ لأ لم يحدث ذلك... إنه كذب، الطبيبة تكذب، سأحاول مع أطباء آخرون لأتأكد، هناك اختبارات حمل سأشتريها وأفعلها حتى أتأكد، هناك سوء فهم من الطبيبة، أنا لست حامل، كيف ذلك وأنا مازلت آنسة ولم يمسني ذكر؟!"
اتسعت عيني مصطفى:
"نصاب!"
تكلمت هدير بصوت عالٍ:
"أيوه... ناسي يوميها عملت إيه في السوق؟ اسمع، أنا ما سكتش على حقي إطلاقاً ومش معنى إني معايا راجل تفكر إني ست وساذجة وتضحك عليا... لأ، أنا ما يضحكش عليا أبداً، ده أنا بمليون راجل... اتفضل هات حق اتنين كيلو الطماطم اللي أخدتهم."
ظل مصطفى صامتاً لا يصدق ما تقوله ولم يفهم منه شيء:
"أنا مش فاهم قصدك... حضرتك أكيد ملغبطة بيني وبين شخص تاني."
هدير:
"لأ يا خويّا، ده أنا أجيبك من وسط الـ... اتفضل معايا برا المحل عشان ما أزعجش الزباين، لو فيها ضرب ولا حاجة."
بلع ريقه بغير تصديق وردد:
"ضرب!"
خرجت من المتجر ومصطفى بيدها، أوْقفته أمامها.
سأله مصطفى:
"صدقيني أنا مش فاهم قصدك إيه وليه بتقولي عليا نصاب!"
نظرت إليه هدير وأعادت النظر إلى ملابسه، كم هي مهندمة وأنيقة، ولكن كل هذا لا يمانع أنه رجلٌ محتال.
"اسمع يا أستاذ... إنت جيتلي الأسبوع اللي فات وأخدت مني اتنين كيلو طماطم ومدفعتش حقهم وأخدت الشنطة وجريت."
نظر لها مصطفى حوالي دقيقة وهو يحاول التذكر... نعم، ذلك اليوم لقد وزن له طفل صغير الطماطم وأمسك بكيس الطماطم وأخرج محفظته لكي يدفع حق الطماطم، ولكنه رأى هدير تنادي للصغير باسم "ياسين" وتقترب منهم، وعندما رآها هم مسرعاً لبعيد حتى لا تراه بتلك الملابس الرديئة، فهو كان يرتديها.
كان يذهب للسوق ليشتري بعض الخضار، ولكن تفاجأ أنها في هذا السوق أيضاً، أسرع في خطوته وكان يركض بسرعة حتى أضاعت هدير طريقه.
استيقظ من رشده على صوت هدير:
"يا أخينا... إيه افتكرت؟"
ابتسم مصطفى وقال بأسف:
"أنا آسف بجد... يوميها كنت مستعجل، الحساب كان كام؟"
ضمت ذراعيها على صدرها وتحدثت بلوم:
"تلاتين جنيه."
أخرج مصطفى من محفظته خمسون جنيهاً وأعطاها لها:
"اتفضلي."
أخذت هدير النقود وأخرجت من جيبها عشرون جنيهاً وأعطته إياه:
"خد الباقي."
مصطفى:
"لأ لأ خلي الباقي... كواجب اعتذار إني اتأخرت عليكي، واسف مرة تانية..."
أمسكت يده ووضعت المال في يده وقالت وهي تمط شفتيها بإنزعاج:
"ما تبدّيش عليا يا أستاذ... ده حقي وأديني أخدته... الشغل ده أنا عارفاه كويس، فخلي فلوسك معاك، ما بقبلش أكتر من حقي."
تركته وذهبت من أمامه لتدخل المتجر. ظل يتابع خطواتها حتى اختفت عن أنظاره، ابتسم... نعم، فهو يحب محادثتها، وهذه المرة الأولى الذي يتحدث معها لمدة طويلة... يشعر بانغمار مشاعره... حقاً فهو يحبها، نظر ليديه التي أمسكت بها وابتسم.
سمع صوت شهاب من ورائه:
"اتهزقت؟ اتهزقت يعني!"
التفت مصطفى إليه وهو مبتسم:
"تصدق أول مرة أحب التهزيق كده... حاسس إني مبسوط أوي... هدير اتكلمت معايا يا شهاب... أنا عمري ما كنت بحلم بكده... الساعة كانت 3:26، دلوقتي 3:38، اتناشر دقيقة بحالهم يا شهاب، أنا حاسس إني عايز أتطاطط من السعادة، أخيراً جالي الفرصة إنها تتكلم معايا، تيجي نروح ناكل آيس كريم؟"
ركض من أمامه وهو سعيد ويضحك بشدة وتتبعه شهاب وهو ينظر إليه باستعجاب!
أيعقل أن يكون مختال!
في المساء كان يزن جالسًا على الأريكة شاردًا يفكر بأسيل ويتساءل:
"يا ترى إيه قصتك يا أسيل؟ وإيه معنى رسوماتك دي؟ وليه مش راضية تتعالجي؟"
زفر بضيق ثم أمسك هاتفه وراسل صديقه "مازن".
يزن:
"عرفت حاجة عن الصورة؟"
أجابه صديقه بالمراسلة عبر الهاتف:
"بصراحة مستغرب من الصورة أوي... هعرضها على زمايلي وهنشوف تفسيرها النفسي إيه... بس الظاهر ليا إنها بتتعرض لأذى من حد ومفيش حد قادر يساعدها، والنمر اللي واقف على جنب وخايف دي أثارت شكوكي إن يمكن فيه حد قادر إنه يساعدها، بس برضه خايف من القرد اللي مسبب الرعب للكل... بص الموضوع مريب، سيبني شوية، أنا حاسس إن لسه الحقيقة فيها شكوك... بس احكيلي يعني، هي البنت دي عايشة إزاي وأهلها فين؟"
تنهد يزن وروى له ما قصه شريف عليه بخصوص حالة أسيل.
مازن:
"خلاص ماشي، اديني شوية وقت أبحث عن الموضوع ده وهكلمك لو لقيت حاجة."
يزن:
"خلاص ماشي.. مستنيك."
ترك هاتفه وذهب ليستحم ويريح أعصابه من توتر اليوم. كان تحت المياه مغلق عينيه ليسترخي، ظهرت أمامه صورة أسيل، كم هي جميلة ورقيقة الملامح، فزع من تفكيره وفتح عينيه بسرعة، ولكن عينيه أحرقته فقد أدخل بها الصابون.
صرخ بوجع وغسل عينيه بالماء:
"ما بها هذه الفتاة حتى التفكير بها أصبح مرهقاً.... ولِمَ أنا أفكر بها؟"
"ياسين، دارين يلا عشان الغدا."
أسرع أخواتها الصغار إلى طاولة الطعام وهم يشتهون ما سيأكلونه.
ياسين:
"طابخالنا إيه النهاردة يا ديروا؟"
ابتسمت هدير:
"فول بالطماطم، بس المرة دي حكاااية."
زفرت دارين بحزن وضمت ذراعيها نحو صدرها:
"أنا مش عايزة آكل فول... هو كل يوم فول!"
انزعجت هدير من حديث أختها:
"اسمها الحمد لله.... إحنا في نعمة، في غيرنا مش بيلاقي الأكل ده ولا بيت يعيش فيه، وفيه ناس بتروح كل يوم للدكتور، لكن ربنا مدينا نعمة الصحة.. كل النعم اللي ربنا مديها لنا دي لازم نشكره ونقول... يلا عايزة أسمع."
رددوا الاثنين سويًا:
"الشكر لله والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه."
ابتسموا جميعًا وأخرجت هدير من حقيبتها كيساً به شيء ما:
"أنا جبت آيس كريم لينا كلنا."
وقفوا الاثنان في سعادة:
"هاتي دلوقتي."
هدير:
"لأاا.... لما تاكلوا الأول، يلا بسم الله الرحمن الرحيم."
أكلوا جميعهم في جو دافئ وآخر الليل شاهدوا التلفاز، كانوا يشاهدون فيلماً كوميدياً وظلت أصوات ضحكاتهم تعلو في البيت الصغير.
أخلدت للنوم هدير وهي واضعة أخواتها الصغار في حضنها ونظرت للأعلى تناجي ربها بسرها وتقول:
"يارب، اللهم يا كافل العباد وواهب الأرزاق وموزع العطايا ارزقنا نوراً في القلب وضياءً في الوجه وعافيةً في البدن وسعةً في المال والعلم والعمل وحُسن الصفات وصلاح الأعمال والنوايا، اللهم سترك وعفوك وودك وحُبك وقربك ورضاك ولذة النظر إلى وجهك الكريم."
رحاب:
"يارا افتحي الباب، إنتي قافلة على نفسك من الصبح... بقولك افتحي."
كانت جالسة على المرحاض وشهقاتها تعلو وهي ممسكة بجهاز بيدها يسمى "اختبار حمل"، وظاهر أمامها شرطتان، هذا يعني أنها حامل حقاً!
أطرقت رحاب على الباب بقوة:
"افتحي يا يارا وإلا هجيب المفاتيح وأفتح أنا."
فتحت يارا باب غرفتها ووجهها شاحب وعيناها حمراء اللون. نظرت لوالدتها بإرهاق:
"تعبانة شوية يا ماما... أرجوكي سيبيني لوحدي."
دخلت رحاب الغرفة وأغلقت الباب:
"ما تقطعيش قلبي عليكي... احكي مالك في إيه؟"
يارا صرخت بقوة:
"بجد والله... ومن إمتى كنت مهتمة بيا أوي كده؟... أنا ضعت بسببك...."
جلست على فِراشها وصوت بكاءها صار يعلو. فتح الباب مصطفى ونظر لأخته التي عندما رأته همت مسرعة إلى صدره تضمه بشدة وتغرس وجهها في صدره وهي تبكي.
ضمه مصطفى بحب ومسح على رأسها بحنان:
"إيه يا يارا مالك... اهدي."
شدت ذراعيها على ظهره وبكت بشدة وقهر. رحاب لم تفهم ما حال ابنتها ولماذا تبكي لهذه الدرجة؟
ظلت يارا تردد:
"أنا ضعت يا مصطفى... أنا ضعت."
كانت أسيل تشرب الماء في المطبخ وسمعت صوت يارا... هي لا تكره يارا وتعرف أن يارا لا تكرهها أيضاً، ولكن رحاب تريد خلق الكراهية بينهم وتخلق المشاكل بينهم دائماً ولا تريد أن يحبها أحد من هذا المنزل حتى أبوها.
ظهر شريف أمامها ونظر لأسيل بغضب:
"إيه صوت يارا ده... إنتي زعلتيها في حاجة؟"
ظل الماء واقفاً في فمها لا تقدر على بلعه ونظرت بعيداً عنه لتخفي دموعها.
صعد شريف للأعلى وحين رأى بكاء يارا ركض إليها مسرعاً وتكلم بقلق:
"ليه العياط ده... في إيه يا رحاب؟"
نظرت رحاب إليه وكانت ستتكلم عن يارا بوحشية، ولكنها لمحت أسيل بالأسفل وعيناها على أبيها، فابتسمت بخبث وتحدثت:
"زهقانة... بتقول يا ماما حياتي بقت مملة... فعلاً يا شريف يارا مبقتش تخرج خالص... وكذلك مصطفى وأنا كمان زهقنا من الروتين ده، إيه رأيك نسافر؟"
ابتسم شريف:
"بس كده... امسك يد يارا وتكلم بحب: "ليكي عليا يا ستي أسبوع كامل في أي بلد انتي تختاريها... فكي كدا، وإنتي يا مصطفى امتحانات الكلية بتاعتك خلصت مش كده؟"
مصطفى:
"آه يا بابا امبارح كان آخر يوم."
رحاب:
"وبرضو يارا خلصت، عايزة أفك بقا يا حبيبي... ونفرفش كدا."
ضمت رحاب زوجها بحب:
"نطلع أنا وإنتي ومصطفى ويارا نغير جو."
قصدت أن تذكر من سيسافر لكي لا تشعر أسيل بأن لها أهمية بما يتحدثون عنه.
ابتسم شريف وضمها لصدره أكثر:
"خلاص هشوف شغلي وأرتب أموري ونسافر كلنا، يويو يلا ابتسمي بقا مفيش حاجة مستاهلة دموعك غالية."
نظرت يارا لرحاب وجدتها تنظر للأسفل وتبتسم، فنظرت للأسفل لترى ما تبتسم إليه، فوجدت أسيل واقفة ودموعها تنسال على خديها بقهر. كرهت أمها... وعلمت ما خططت له... كم هي مكيرة!
تكلمت رحاب وهي توجه الكلام لابنتها:
"يارا... ردي على بابا... ومتعيطيش تاني، ادينا هنسفرك اهو."
ظل مصطفى ينظر لأخته... لم يراها تبكي هكذا يوماً ما... الموضوع ليس ملل مثلما فكرت أمي... لا، هناك شيء يارا تخفيه.
ظلت صامتة حتى تكلمت رحاب بصوت صارم:
"يارا ابتسمي يا حبيبتي بابا لما سمع إنك زهقانة هيسفرك اهو، مفيش بنت بتحلم بكده ولا إيه... مفيش شكراً لبابا."
لم تهتم يارا بأن رحاب تجبرها على الحديث، فهذا دائماً ما يحدث، لا تبوح بشيء إلا بإذن والدتها، فإن لم تأذن تظل صامتة.
ابتسمت ومسحت دموعها ونظرت للأسفل ولم ترى أسيل. شكرت شريف واستأذنت بالدخول إلى غرفتها وذهب كلٌ منهم إلى غرفته، حتى مصطفى كان يريد التحدث مع أخته ولكن فضّل أن يتركها وحدها الليلة ويتحدث معها في وقتٍ لاحق.
أغمضت يارا عينيها وأجبرت نفسها على النوم ولكن عينيها لم تتوقف عن البكاء، ظلت تبكي وتنسال دموعها حتى وعينيها مغلقتين، قلبها موجوع حقاً، لا تعرف كيف تفكر أو ماذا ستفعل.
دخلت غرفتها ومسحت دموعها، جلست على الأرض وضمت ركبتيها على صدرها، قلبها تعب فقد أهلكته من شدة البكاء، لياليها أصبحت مظلمة، يائسة من الحياة. همت واقفة وذهبت إلى نافذة غرفتها، فتحتها ونظرت للسماء وهي تبكي.
"أين أنتِ يا أمي؟"
"لماذا فارقتني وتركتني بهذه الدنيا؟"
"إنها مظلمة شديدة الظلام، إنها سواد كاحل بدونك."
"إنهم يتنازعون بمن سيكسر قلبي أولاً."
"أمي."
"ليتكِ معي الآن."
"أركض إليكِ مسرعة وتضميني لتحميني من هؤلاء."
"أريد الذهاب إليكِ وأدعو ربي بأن يأخذني إليكِ بأسرع وقت."
"فشلت مراراً في التعود على فراقك."
"اشتقت لكِ."
"اشتقت لشخص يفهمني بدون جهد مني."
"شخص يسمعني بدون أن أتحدث بشيء."
"شخص يشعر بما بداخلي بدون أن يراه."
أمسكت بصورة لأمها قديمة واحتضنتها ونامت أمام النافذة وهي تنظر للسماء وتتحدث مع أمها عما يوجعها...
اليوم التالي ذهب يزن إلى جامعة أسيل مرة أخرى، وكان في الصباح الباكر، وقف منتظرها فقد علم شكلها الآن ولن يتعب في إيجادها.
عندما رآها ركض نحوها قائلاً:
"ممكن نتكلم... آنسة أسيل... ممكن تديني شوية من وقتك... خمس دقايق... يا آنسة أسيل."
وقفت أسيل مكانها ونفخت بضيق ثم أخرجت من حقيبتها دفترها وكتبت به:
"أنا مش عايزة أتكلم معاك... ممكن تمشي."
نظر يزن إلى دفترها وقرأ ما كتبته ثم عاود النظر إليها:
"إنتي ليه مش عايزة تتعالجي... ليه رافضة الناس بالطريقة دي؟"
ماذا قال؟
أيضاً هو الآخر يراني مريضة...
"يجعلوك مريضاً ثم يتساءلون... لماذا تبدلت بهذا الشكل؟ وهم السبب في كل هذا التغير ثم يلقون باللوم عليك لا عليهم."
نظرت إليه ودموعها تجمعت بعينيه.
لاحظ يزن دموع عينيها وتبدلت تعابير وجهه إلى قلق:
"أسيل إنتي كويسة... في إيه... أنا قلت حاجة غلط... طب أنا آسف... أسيل."
تركته وذهبت إلى جامعتها وهو واقفاً مكانه.
هل أخطأ بشيء من كلامه؟
تكلم بحزن وشفقة عليها:
"يظهر أنها موجوعة من حاجة وكاتمة جواها بس عيونها خذلتها ومقدرتش تخبي."
ذهب يزن إلى شركة والده وأرهق نفسه في العمل حتى لا يفكر بها، أشغل عقله بشيء آخر وعندما انتهى عاد للمنزل برفقة والده.
صعد إلى غرفته وكان يفكر بموضوع أسيل.... متى سيتحدث معها.... لقد حاول مراراً وتكراراً... هي لا تعطيه الفرصة... قد أخبره أبوها أنها صعبة التعامل ولكن لم يعلم أنه لهذا الحد... ماذا سيفعل ليتكلم معها؟... يقابلها أمام جامعتها مرة أخرى؟ لا، فقد فشل مرتين...
قطع تفكيره صوت الباب وكانت والدته تطرق بابه.
فتح الباب وتكلمت يسرى:
"مش هتنزل تاكل يا يزن؟"
يزن:
"لأ يا أمي أنا تعبان أوي ومش قادر، هاكل بعد شوية."
يسرى:
"طيب الأكل موجود لو جوعت."
ذهبت من أمامه ولكن وقفت عندما سمعت ابنها يناديها:
"ماما بقولك... هو بابا مش هيزور عمو شريف في بيته تاني؟"
يسرى:
"لأ رايحه له النهاردة لشوية شغل... كان عايز ياخدك بس قال إنك تعبان وإنك تعبت النهاردة في الشغل فمش هتقدر تروح معاه و....."
ابتسم يزن بسرعة ثم ضم والدته بسعادة:
"دقيقة وأكون جاهز، بلغي بابا إني رايح معاه."
ضمت يسرى حاجبيها بإستغراب مما رأته، لم يمر ثوانٍ على قوله إنه متعب والآن يسرع في النزول مع والده، ما الحكاية؟
يزن نظر إليها:
"عن إذنك يا ماما."
يسرى:
"طب انزل كل الأول."
أسرع يزن بالرد:
"هغير وأنزل حاضر."
أغلق باب غرفته وركض في الغرفة مثل طفل صغير، أخيراً وجدها.... إنها الطريقة الوحيدة التي سيتحدث مع أسيل ولن تهرب منه مثل كل مرة، كان يقفز بسعادة وبدل ملابسه في ظرف دقيقتين كان جاهزاً ببذلته الأنيقة وعطره الفاخر.
ذهب مع والده واستعد لمقابلة أسيل، وهذه المرة لن تهرب منه وسيتحدث معها بالتأكيد....
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الرابع 4 - بقلم مريم الشهاوي
طرق أحدهم على باب غرفتها، وكانت الخادمة.
نهضت يارا من الفراش بصعوبة. لا تقدر على الوقوف وتحاول المشي بتوازن.
مسحت دموعها وفتحت الباب.
"عاوزين حضرتك."
قالت يارا بفتور: "قوليلهم تعبانة."
كانت ستغلق الباب ولكن سمعت صوت عمر.
"لا تعبانة إيه... ده أنا جاي آخدك عشان أخرجك من المود اللي انتِ فيه. طنط رحاب بتقول إن نفسيتك متدمرة وأنا جاي أشحنها لك."
عندما رأته أمامها لم تفكر بشيء سوى أن تضمه. تحتاج حنيته.
بادلها عمر وضمها لصدره أكثر.
"يلا بسرعة اجهزي."
أدخلها الغرفة وأغلق الباب بعد أن غمز لها بمشاكسة، ثم نزل للأسفل وقابل مصطفى.
عمر: "مصطفى."
التفت إليه ورحب به، ثم سأله عمر: "يارا مش طبيعية."
ضم مصطفى شفتاه بحزن: "أيوه لاحظت كده... بس إن شاء الله تفرفش لما تخرج وكده."
عمر: "بفكر آخدها لعلا أختي تقعد معاها يومين... عاوز أستأذن طنط رحاب."
ظهرت رحاب من خلفهم.
"أهلاً عمر يا حبيبي، عامل إيه؟ وازي علا ووالدتك عاملة إيه؟"
ابتسم عمر: "كلنا كويسين يا طنط والله وماما بتسلم على حضرتك."
رحاب: "الله يسلمها... كويس إنك اتصلت بيا لما لقيت موبايل يارا مقفول. معلش هي متضايقة شوية زي ما قولتلك وبنحاول نخرج منها الكلام بالعافية."
عمر: "آه... امبارح لما كانت معايا وروحنا للعيادة سوا، وأما خرجت منها مكنتش في أحسن حال. أنا خايف تكون اكتشفت عندها حاجة وحشة، بعيد الشر، ومخبية علينا. ده اللي مسبب لها القلق."
اتسعت عينا مصطفى ورحاب وقالا في نفس الوقت: "عيادة!"
نزلت يارا وسمعت حديث عمر معهم، وتوترت. ثم قالت:
"عمر أنا جاهزة."
نظرت إليها رحاب باستفهام قائلة: "عيادة إيه اللي رحتيها يا يارا؟"
تلعثمت يارا في الحديث وردت محاولة أن تخفي شيئًا: "تعبت كذا مرة في الكلية فقولت أروح أطمن على نفسي. مفيش حاجة يا ماما."
نظرت لعمر وظهر عليها القلق، فشعر عمر بأنها بالتأكيد تخفي شيئًا.
ابتسمت يارا لعمر وقالت: "يلا بينا."
مصطفى: "لو حبيتي تقعدي مع علا شوية مفيش مشكلة، أنتِ بتتبسطي معاها."
أومأت يارا برأسها وهي مبتسمة، ورحاب تنظر إليها والشكوك تتعمق أكثر بداخلها.
عانقها مصطفى وهمس في أذنها: "يارا لو مخبية حاجة قوليلي عشان لو الموضوع كبير نلحقه في أوله."
ابتعد عنها وابتسمت له يارا بتوتر، وكان هناك عرق على جبينها، فأسرعت بالرحيل قبل أن تنكشف.
"يلا مع السلامة."
ذهبت مع عمر وركبا السيارة. تنهدت بضيق ثم ألقت اللوم على عمر قائلة:
"انت ليه تقولهم إني روحت العيادة امبارح يا عمر؟"
صمت عمر وتحرك بالسيارة. كانت يارا تتحدث معه لكنه لا يجيبها.
وقفا بالسيارة في منطقة هادئة نوعًا ما خالية من البشر. ثم نزل عمر من السيارة وفتح باب السيارة تجاه يارا.
أمسكها من ذراعها وأنزلها من السيارة، وعلامات الغضب ظاهرة عليه.
أبلعت يارا ريقها في توتر وقالت:
"عمر إحنا ليه جينا هنا؟"
اقترب منها وظلت يارا تبتعد وهو يقترب أكثر.
تحدثت معه بصوت ينتابه البكاء: "عمر... خليني أمشي. أرجوك."
تكلم عمر بنبرة غضب ممزوجة بالحزن: "لا يارا مش هتمشي إلا لما تقوليلي مالك. أنا واثق إن فيه حاجة وأنتِ مخبياها. يارا ريحيني وقوليلي مالك. عشان مش همشي إلا لما أعرف."
تجمعت الدموع في عينيها ونظرت له نظرة منكسرة. كانت تخشى من إخبارها بحبها والآن تخشى إخبارها بأنها حامل!
دمعة سالت على خدها ورآها عمر. لا يعلم لما أصابه نخزة شديدة بقلبه عندما رأى دمعتها.
مسح تلك الدمعة بأصابعه ووضع يديه الاثنين حول وجهها ونظر إليها بوجع قائلاً:
"يارا أرجوكي اتكلمي. أنا أول مرة أشوفك كده. في إيه يا يارا؟ قوليلي مالك وأنا هساعدك صدقيني. إحنا صحاب بقالنا سنين وفاهمين بعض كويس. صارحيني ومتخبيش عليا."
ظلت صامتة حتى تكلم عمر: "كفاية تدمير في نفسك. حرام عليكي اللي بتعمليه في نفسك ده. مفيش حاجة تستاهل إنك تعملي في نفسك كده."
نظرت إليه والدموع تملأ عينيها وقالت:
"صدقني أنا كويسة. أنا بس تعبانة شوية وعايزة أروح."
أبعدت يداه عن وجهها وذهبت من أمامه، ولكنه أمسك بيديها وأعادها أمامه مرة أخرى.
"بلاش تعاني لوحدك. ممكن تتكئي عليا في مشاكلك. ما أنا ياما قولتلك على مشاكل كتير في حياتي وتقاسمنا الحزن سوا. أنتِ دلوقتي أنانية. إحنا اتعودنا مفيش حد يزعل لوحده. مش كده؟"
نظرت لبعيد ودموعها محبوسة وتتكلم بصعوبة: "يا عمر الموضوع مش بسيط زي ما أنت فاكر."
أجابها بهدوء: "أياً كان إيه... كوني متأكدة إني هحاول أساعدك فيه. ويا ستي لو... ده لو معرفتش أتصرف هنفكر أنا وأنتِ في حل ومحدش في الدنيا دي هيعرف السر ده. ياما أسرار بينا محدش يعرفها إلا أنا وأنتِ صح ولا لأ."
أمالت برأسها للأسفل بتعب وزفرت بضيق.
أمسك عمر بذقنها ورفع رأسها للأعلى ونظر في عينيها: "متنزليش راسك بالمنظر ده يا أميرة. كده تاجك هيقع."
فتحت أزهار قلبها بهذه الجملة. يعلم عمر تمامًا كيف يسقي زهور قلبها. ابتسمت وملأت الدموع عينيها.
أخذها عمر إلى صدره وعانقها وهو يمسح على رأسها بحب قائلاً:
"متحبسيش دموعك. عيطي يا يارا محدش هنا شايفك ولا أنا كمان. عيطي خرجي اللي جواكي لكن متحبسيش دموعك وتكتمي جواكي."
وكأن معه مفاتيح سجن دموعها وأطلق سراحهم. بكت بقهر وشهقاتها تعالت. تحول البكاء إلى صراخ وهي تردد: "أنا في مصيبة."
امتلأت عينا عمر بالدموع من حالتها وصوتها المنكسر. ظل يمسح على رأسها ويحاول تهدئتها: "بـاااس... مفيش حاجة تستاهل وربي. احكيلي إيه المشكلة ونحلها سوا."
صرخت بوجع ونطقت بكلمتين أوقفا نبض عمر لثوانٍ، وكانا: "أنا حامل."
أنهت هدير عملها في السوق وذهبت لوظيفتها الأخرى وهي العمل في متجر طلبات منزلية. وسمعت صوت رنين هاتفها. أخرجت هاتفها البسيط ونظرت إلى رقم المتصل وتغيرت تعابير وجهها للحزن. وأخذت نفسًا عميقًا ثم أجابت على الهاتف.
"آلو... إزيك حضرتك يا أستاذ فريد؟ يارب تكون بخير."
تكلم فريد بصوت عالٍ معبرًا عن غضبه: "وهيجي الخير منين يا هدير. قولتيلي اصبر عليا في الإيجار أول الشهر قولت ماشي بنت غلبانة ومعاها طفلين وادينا خلصنا الشهر أهو وكده بقوا شهرين عليكي. وأنتِ عاملالي فيها عبيطة ومستغلة طيبتي معاكي، بس الظاهر إن الطيبة مبتنفعش مع اللي زيك."
أغمضت عينيها بإنكسار: "حاضر هخلص شغلي وأعدي على حضرتك أديك إيجار شهرين وحقك عليا يا أستاذ فريد. حضرتك عارف ظروفي وربنا يفك كروبنا."
أغلقت معه وقلبها موجوع. لا تعلم من أين ستأتي بكل هذا المال؟ واليوم!
نفسها لم تسمح بأن تسمع إهانات أخرى منه فـ تسرعت بقرارها بأنها ستعطيه ماله اليوم.
بعد أن أنهت عملها في المتجر ذهبت لصاحب المتجر وهي تتجنب دائمًا الالتقاء به، ولكن ما باليد حيلة.
نظر إليها صاحب المتجر بشهوانية كما يفعل دائمًا ويفحص جسدها بعينيه جيدًا. كادت عيناه أن تمزق ثيابها من كثرة التحديق بهما.
لم تكن هدير ترتدي ثيابًا كاشفة لشكل جسمها، كانت مرتدية عباءة سوداء وواضعة غطاء على رأسها، وهذا ما كان يثير فضول صاحب المتجر ويثير عقله ويفكر بما تحت تلك الثياب.
نظرت إليه هدير بإشمئزاز وتكلمت بخجل وهي تنظر للأسفل: "إزي حضرتك يا أستاذ وليد."
ابتسم صاحب المتجر "وليد": "أهلاً أهلاً يا هدير. أؤمريني."
هدير: "الأمر لله وحده. أنا كنت عايزة أطلب من حضرتك بس مرتب شهرين الشهر ده واللي بعده مقدمًا لأني مزنوقة في شوية فلوس. أنا آسفة بجد بس للأسف معنديش حل تاني ومفيش حد أعرفه ممكن يساعدني في المبلغ ده."
نهض من جلسته وذهب نحوها ينظر إليها وإلى كل تفصيلة في جسمها.
"عايزة كام؟"
تلعثمت هدير في الحديث وهي تحاول تغطية أي جزء من جسمها وتشمئز من نظراته المقرفة: "عايزة مرتب الشهر ده والشهر اللي بعده. أنا آسفة إني بطلب طلب زي ده بس..."
قاطعها وليد: "مفيش بينا الكلام ده يا هدير. إحنا أهل برضو. عايزة كام قولي الرقم وأنا هديهولك."
هدير: "الألفين."
ابتسم وليد وأخرج محفظته وكان بها الكثير من المال. أخرج المال وأعطاه لها في يديها.
"خدي كأنك استلفتيهم مني وهتاخدي مرتبك زي ما هو وأنتِ سدديهم زي ما تحبي. ولو عايزة أي حاجة تانية قوليلي. أنتِ تأمري يا جميل. لو طلبت عيوني أديهالك يا قمر."
كانت تريد صفعه ولكنها مجبرة على تحمل كلماته المقرفة. أخذت المال وشكرته وهمت بالرحيل العودة إلى منزلها.
كانت تسير في طريقها للمنزل حتى لاحظت ظل ورائها. التفتت ووجدت وليد كان يدخن ويبتسم إليها. حين رأته أصابها القلق. اقترب منها وهو يشعر بقلقها وهذا ما أسعده.
أعطاها كيساً به بعض الطعام.
"خد."
نظرت هدير إلى الكيس بإستفهام: "إيه ده؟"
وليد: "دول شوية أكل ليكي ولأخواتك. مهو برضو الجسم الصاروخ ده محتاج يتغذى ولا إيه؟"
اتسعت عينيها من جملته. كيف له أن يتحدث معها بهذه اللهجة الوقحة. تكلمت بغضب وهي تحاول السيطرة على غضبها: "أستاذ وليد الزم حدودك معايا وإلا..."
اقترب منها: "وإلا إيه؟ ها..."
تكلمت بنبرة تهديد: "هصوت وهلم عليك الشارع كله."
ضحك وليد بسخرية: "الطريق ده مفيش فيه حد نهائي. وأنتِ دايماً بتمشي منه عشان بيختصر عليكي المسافة وبتروحي أسرع. فمفيش حد هيسمعك يا قمورة. تعالي نتفق. إيه رأيك في ليلة وبالبلغ اللي تحبيه."
كم هو حقير!
بصقت لعابها في وجهه بإهانة وذهبت من أمامه تسرع في خطوتها.
صُدم وليد من حركتها تلك وأثارت غضبه. مسح لعابها من على وجهه بثيابه وركض ورائها متوعدًا وأمسكها من ذراعها بقوة.
"بقى دي كلمة شكراً على الفلوس اللي أخدتيها؟"
صرخت هدير بوجهه: "أوعااا... سيبني يا حيوان."
همس وليد بجانب أذنها: "مهو لازم تشكريني بالطريقة اللي تعجبني."
لمس ذراعيها بشهوة ونظر إلى شفتيها: "أنتِ محتاجة اللي يقدرك. أنتِ كنز يا هدير. تعالي معايا وأنا هخليكي ملكة بدل ما أنتِ متبهدلة في تلت وظايف كده. هتتبسطي صدقيني. لازم بنت جميلة زيك تتقدر."
حاولت الفرار منه لكنه كان أقوى منها ومتحكم بحركتها. صرخت هدير بصوت عالٍ وهي تستنجد بأحد وظل وليد يقربها إلى جسده ويحاول تقبيلها.
دموعها سالت على وجنتيها وتحاول إبعاده.
وفجأة ظهر شخص من وراء وليد وضربه على رأسه بخشبة.
ترك وليد هدير وصرخ بوجع وهو يضع يده على رأسه ثم نظر خلفه ووجد مصطفى الذي كان ظاهر عليه الخوف لأنه لم يتشاجل مع أحد من قبل. تكلم بتلعثم:
"لو... لو قربت منها تاني. مش هتشوف خير أبداً. ابعد عنها وسيبها."
نظر له وليد بغضب ثم ضربه بوجهه بيديه وركله بقدمه نحو بطنه. وقع مصطفى أرضاً بتألم وحاول النهوض ولكن لم يستطع. وكان ينظر لهدير التي تقف بخوف وتنظر إليه ولا تعلم ماذا تفعل؟
أمسك وليد بالخشبة التي وقعت من يد مصطفى حين وقع وظل يضربه بها بغضب ومصطفى يتأوه من شدة الألم.
ركضت هدير بسرعة وتركته. ونظر لها مصطفى من بعيد وهو يتألم ولكنه اطمأن عليها. هي بخير الآن. أنا لا أهمني. هدير بخير وهذا يكفي.
ذهب يزن مع والده عبد الله لمنزل شريف ليتحاوروا في أمور العمل. رحب بهما شريف وجلسا على الأريكة ويزن يبحث بعينيه في كل مكان بالبيت يريد أن يراها ولكن أسيل لم تظهر.
تحدث شريف إليهم: "رحاب برا مع صحابها والأولاد مش في البيت. قولت أحسن فرصة إننا نتناقش بدون إزعاج ونرتب أمورنا في المشروع الجديد خاصةً إن محدش يعرف عنه شيء غيرنا."
اهتم يزن لحديثه وقال بعفوية: "وبنت حضرتك مش في البيت برضه. أقصد أسيل."
نظر له عبد الله بإستعجاب من سؤاله. منذ متى ويزن يهتم بفتاة؟
أجابه شريف: "لا أسيل في البيت. مبتحبش تخرج زي ما قولتلك. عازلة نفسها ونادرًا ما بتطلع من أوضتها. حتى مبتتجمعش معانا على السفرة ساعة الأكل."
تنهد يزن بإرتياح وصوت ضحكة طفل صغير بدأ بداخله بأن خطته تسير بنجاح.
كان يحاول التركيز معهم بما يقولونه عن العمل ولكن باله منشغل بها كالعادة.
نهض من جلسته وذهب للمرحاض وكان يفكر كيف سيرى ويتحدث معها؟
فكر يا يزن فكر فإنها الفرصة الوحيدة للتحدث معها ويجب استغلالها جيداً.
يصعد للأعلى إلى غرفتها؟ لا لا إن رآه أحد ماذا سيقول أو ما المبرر لصعوده إلى غرفتها؟
ولكنني أريد التحدث معها. لقد مللت من هذه الدوامة. كل فرصه بالتحدث معها كانت تتركه وتذهب. إن صعد إلى غرفتها لن تذهب إلى مكان. أين ستهرب منه وهو في منزلها؟
ولكن كيف سأصعد لغرفتها؟
وجدتها...
سأختبئ وأصعد للأعلى دون أن يراني أحد.
لا يا يزن أجننت!
هذه ليست بتصرفات شخص بالغ. ستتصرف مثل اللصوص هكذا.
نظر لمحبس المياه وأضاءت برأسه فكرة.
وبعد دقائق...
خرج من المرحاض ونادى على الخادمة يتسائلها: "هو في حمام تاني في الارضي؟ لأن المايه مش شغالة في الحمام ده للأسف."
أجابته الخادمة وضمت حاجبيها بشكوك: "الماية فيها مشكلة؟"
أومأ يزن رأسه بالإيجاب.
فتكلمت الخادمة معتذرة: "بعتذر لحضرتك. هشـوف إيه المشكلة وحضرتك ممكن تطلع الحمام اللي فوق لأن للأسف مفيش غير الحمام ده في الارضي بس فيه واحد فوق بإمكان حضرتك استخدامه."
ابتسم يزن بإنتصار وصعد للأعلى واستغل انشغال شريف وعبد الله بالعمل. ثم وقف بنصف طرقة الطابق العلوي ينظر للغرف بحيرة وقال: "المهمة التانية... أعرف إنهي واحدة أوضتها. دي... ولا دي... ولا دي... ولا دي."
وضع يده على رأسه بإرهاق: "أوف... أنا بتعب إني أوصلك كده ليه."
سمع صوت أقدام على السلم ففر مسرعاً ودخل غرفة عشوائية وأغلق الباب بسرعة.
خبأ نفسه بها ولكن تفاجأ بأن أحدهم يفتح باب الغرفة التي بها. لعن حظه وركض إلى الشرفة وأغلق بابها بهدوء ورأى شريف هو من دخل الغرفة وكان يبحث عن شيء ما. هو بإمكانه رؤية شريف ولكن شريف لا، لأن هذه طبيعة زجاج الشرفة.
كان خائفاً وكأنه حقاً لص ويختبئ من صاحب المنزل لكي لا يراه! لماذا وضع نفسه بهذا الموقف المحرج. عندما يترك عقله يقوده يقع في ورطة.
أطال انتظاره بأن يخرج شريف من الغرفة ولكن ظل جالساً على مكتبه وأمامه أوراق.
قال يزن في نفسه: "يارب ينزل من الأوضة وأنا والله هنزل وراه وهبعد عن موضوع أسيل ده نهائي. يارب بس خرجني من الموقف ده بأي طريقة بدون ما أتحرج وأحرج أبويا. وبصت شريف ليك هتبقى عاملة إزاي؟ وأبوك هتقوله إيه؟ يا مصيبتي السودة. أنا مني لله دي غلطتي إني بسمع كلام واحد أهطل زيك."
وقف أمام سور الشرفة ونظر للأسفل وجد المسافة بعيدة.
"مفيش مواسير أتعلق فيها."
صمت لثوانٍ ثم قال ضاحكاً موجهاً كلامه لنفسه: "بس إيه يا واد يا يزن الأفكار دي. ده أنت طلعت حرامي قديم وأنا معرفش."
ولمح نافذة جانب الشرفة تابعة لغرفة أخرى. كانت المسافة بين الشرفة والنافذة صغيرة نوعاً ما. مد يده بصعوبة ليصل إلى زجاج النافذة ويحاول فتحه. وفُتح معه بسهولة لم يكن مغلقاً من الداخل. حمد ربه وأجمع قواه لما سيفعله.
ثم قال بداخله: "إيه بتفكر تنط للشباك؟ للأسف مقدامييش حل تاني لازم أطلع من الورطة اللي حطني فيها الجزمة القديمة اللي في راسي دي. مهو استحالة يكون مخ وبيفكر كده. أنا ليه حاسس إني دخلت هندسة بواسطة!"
يا لها من مغامرة. حقاً يا أسيل لقد جعلتيني أتذوق طعم وظيفة اللصوص. حين أراكِ سأشكرك عما فعلتيه بي.
رفع ساقه للأعلى على سور الشرفة وأمسك بالحائط الذي بين النافذة والشرفة وأدخل قدمه الأولى داخل النافذة وأخذ الأخرى ينقلها بهدوء وهو يوازن نفسه بصعوبة حتى لا يقع. أدخل قدميه الاثنتين داخل النافذة وظل جالساً على سور النافذة وهو يأخذ نفسه بصعوبة. لم يتخيل في يوم أنه سيمر بذلك الموقف وهذا سيكون تفكيره.
قفز من النافذة داخل الغرفة ثم التفت ليغلق النافذة وكأن شيئاً لم يكن.
قال لنفسه: "أنا هطلع من الأوضة دي وأنت شريف بيقول مفيش حد في البيت وهما الاتنين في الأوضة التانية فمحدش هيشوفني وأنا خارج قشطة."
كانت الغرفة مظلمة. فكر بأن يضيء مصابيح الغرفة ولكن خاف من أن يراه أحد ويشعر بوجود شخص بالغرفة فينكشف.
فكر في أنه يفتح كشاف هاتفه الشخصي ليضيء له الطريق إلى باب الغرفة ويخرج منها بسلام دون أن يسبب صوتًا أو يوقع شيئًا أو أن تشبك رجله بشيء فيقع ويصدر صوتًا.
وعندما فتح كشاف هاتفه صرخ بصوت عالٍ من شدة خوفه حين رأى امرأة واقفة أمامه وشعرها يغطي وجهها بالكامل وممسكة بمزهرية بيدها وتوجهها نحوه. كان المنظر أشبه بأفلام الرعب لديه. فعيني المرأة هذه لم تظهر أو أنها ليست لديها عيون!
أهذه هي نهايتي؟ شبح هي أم ماذا؟ يجب أن أقول الشهادة أم أستعيذ من الشيطان؟
وقع على الأرض وهو يرجع للخلف ويزيح جسده بقدميه ليبتعد عنها وهي ظلت تقترب منه وهو يصرخ بخوف ويردد: "انصرف... أعوذ بالله من الخبث والخبائث... أعوذ بالله من الشيطان الرجيم... قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس..."
كاد أن يقرأ القرآن كاملاً في هذا الموقف.
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الخامس 5 - بقلم مريم الشهاوي
أشعلت المرأة مصباح الغرفة ونظرت إليه بخوف.
ويزن كاد أن يتوقف قلبه من شدة الرعب، إلا أن رأى وجهها.
كانت أسيل.
هدأ قلبه ووضع يده على صدره وهو يأخذ أنفاسه بصعوبة، ثم نظر إليها:
/ كنت هتقطعيلي الخلف.
كانت نافذة الغرفة عازلة للصوت، فلم يسمع أحد من أهل البيت صراخ يزن، وكانوا منشغلين.
كانت أسيل مرعوبة منه، فهي لا تعرفه. إنه شخص متطفل يلاحقها بكل مكان، وانتهى به المطاف أن يكون بغرفتها!
رجعت بضع خطوات للخلف وكادت أن تفتح باب غرفتها، ولكن لحقها يزن وأغلق الباب بسرعة بذراعه ونظر إليها.
تفاجأت أسيل من حركته وخافت أكثر.
همس بصوت خافت تكاد أن تسمعه هي:
/ أنا مش هأذيكي... صدقيني مش هأذيكي.... اسمعيني بس ولو لمرة..... بس متقوليش إني هنا.... أرجوووكي.
نظرت أسيل له وحدقت بعينيه، ولأول مرة قلبها يخفق بهذه الطريقة. شعرت بنبضة غير معتادة.
نظر لها يزن وكأنه مسحور من شدة جمال عيونها.
بقيا على هذه الوضعية لثوانٍ.
ثم تفاجأت أسيل به يضربها بالمزهرية على رأسه بقوة!
ابتعد عنها ووضع يده على رأسه وصرخ من شدة الوجع.
وضعت أسيل يدها على مقبض الباب لتفتحه، ولكن تفاجأت به واضعًا يده فوق يديها ليغلقه مرة أخرى ويتكلم من خلفها:
/ لا ونبي.. وغلاوة أغلى حاجة عندك ما تفضحيني....
وكأن مسته كهرباء حين أمسك بيديها. ابتعدت عنه بسرعة وهي تترقبه بنظراتها، ويزن واقفًا أمام باب الغرفة ويده فوق رأسه، يترقبان بعضهما البعض بشكل مريب!
ذهبت أسيل نحو مكتبها وأخذت دفترها وكتبت به:
/ مين حضرتك وازاي دخلت أوضتي وكمان من الشباك كدا زي الحرامية؟
قرأ يزن ما كتبته وابتسم:
/ حقك... هقول إيه هعترض مثلًا... أنا فعلًا داخل زي الحرامية، لا ولو قولتلك جيت منين هتتأكدي إني حرامي رسمي وكل يوم في شقة شكل.
ضمت حاجبيها ونظرت إليه ومازال القلق يراودها تجاهه.
تنهد يزن وأخذ نفسًا عميقًا قائلًا بإرهاق:
/ أنا بجد اتبهدلت أوي في اليومين دول وكله بسببك وكنت فاكر إني لما أبقى في بيتك الموضوع هيبقى أسهل لكن طلع...
لم يكمل جملته ورآها ممسكة ببخاخ بيدها وتوجهه أمام عينيه. وحين أدرك ما ستفعله، كانت نثرته بوجهه.
صرخ يزن بوجع وهو يضع يديه على عينه التي أحرقته وبشدة بسبب هذا البخاخ، ويحاول أن يتحمل ألمه مع ألم رأسه، إلا أنه فشل في ذلك وزادت تأوهاته ووقع أرضًا يحاول السيطرة على هذا الألم ولكنه حقًا شديد للغاية!
حين رأته أسيل وقع أرضًا، ركضت للباب مرة أخرى وفتحته لتطلب النجدة، ولكنه شعر بخطواتها وعلم ما ستفعله. مد يده للأمام ممسكًا بقدميها وقد نجح.
فوقعت أسيل على الأرض مثله تتأوه.
حاول يزن الوقوف على قدميه ونجح، ولكن أسيل ركلته بقدمها ليقع مرة أخرى على الأرض، فصرخ يزن:
/ يلهوييي! هو كل شوية أعيد؟
ظلا الاثنان على الأرض في منظر مضحك، حتى زاد ألم عيني يزن فجلس وقال لأسيل بتوسل:
/ من غير ما تفضحيني أنا هطلع صدقيني والله العظيم هطلع من أوضتك بس شوفيلي حاجة لعيني دي قبل ما أتعمي.
وقفت أسيل على قدميها ومالت أمامه تتفحصه بعينيها، حقًا أن مفعول هذا البخاخ ممتاز وأن وصفتها قد نجحت. ابتسمت بانتصار، حتى سمعت صراخه مرة أخرى:
/ اااااه.... دي بتحرق أوي يا أسيل... اسمعي أنا لا حرامي ولا جاي أذيكي بالعكس أنا جاي أنقذك.
أخرج محفظته من جيب بنطاله وفتحها، كان بها بطاقة هويته.
رفعها أمامها ليريها إياها:
/ أنا راجل محترم مهندس في شركة بابايا وهو بيكون صاحب باباكي باشمهندس شريف.... صدقيني أنا مش شخص وحش... عارف إن طريقة دخولي عليكي مكنتش الطف حاجة بس مكنتش أعرف إنك في الأوضة دي... ودلوقتي ارجوكي ما تبلغيش حد إني هنا... أنا ممكن أطلع من غير ما حد يعرف بابايا برا ولو عرف إني طالع من أوضة حد من أهل البيت مش هتبقى حلوة أبدًا خصوصًا لو من أوضتك...
نظرت أسيل إلى بطاقته وأيقنت أنه ليس بشخص سيء مثل ما ظنت.
كان مغلق عينيه ولا يقدر على فتحهما، فتحدث معها:
/ في حاجة أغسل بيها وشي... عيني بتحرقني أوي.
كان لا يستطع الرؤية وهي للأسف لا تتكلم، ففهم يزن الموقف قائلًا:
/ طب دليني على حمام أوضتك عشان أغسل وشي.
ظلت واقفة مكانها لا تتحرك، فقط تتفحصه ولا تعلم ماذا تفعل. وحدثت نفسها:
أتساعده أم لا... هيا يا أسيل.... نحن لا نرفض مساعدة أحد إن كان بأيدينا ذلك وأنت السبب في ألمه فساعديه أن يخفف منه القليل فأنت لا تحبين رؤية أحد يتألم أمامك.
أمسكت أسيل قميصه بأناملها وأوقفته، ثم سحبته باتجاه المرحاض.
أدرك يزن ما تفعله وحدث نفسه:
/ إيه المسكة دي؟ هو أنا فار... ليها حق ما أصل أنا اللي جايب لنفسي التهزيق.
وجهته إلى حوض وفتحت محبس المياه وتركته ليغسل وجهه وخرجت من المرحاض.
ظل يزن يغسل وجهه مرارًا وتكرارًا ولكن لا فائدة، مازالت عينه تحرقه، فتكلم بصوت مسموع:
/ أنا هموت من الحرقان والميه مش جايبة نتيجة.
وقفت أسيل ونظرت إليه بحزن على حالته وفكرت في حل ليهدئ من ألم عينيه.
فتحت خزانتها وأخذت منها منشفة ورأت كوب الحليب على مكتبها فأمسكت به وأنزلته بكوب الحليب الدافئ على المنشفة.
وكل هذا ويزن واقفًا مغلقًا عينيه. زفر بضيق وخرج من المرحاض وتكلم معها:
/ إنت مشيتي ولا إيه.... يا أسيل....
خطر في باله أن أسيل ذهبت وأخبرت الجميع بوجوده، والآن الصمت يعم لأن جميعهم بالغرفة، وتخيل أن أباه أمامه يعاتبه ويصرخ بوجهه!
فتسارعت دقات قلبه من أن يكون هذا حقيقي، ففتح عينيه بسرعة لكي يتأكد ولم يرى أحدًا ووجدها هي فقط بالغرفة. كانوا ثوانٍ الذي فتح بهم عينيه وأغلقهما بسرعة، ولكن تلك الثواني البسيطة كانت كفيلة بارتفاع حرق عينيه أكثر.
تأوه من الألم حتى شعر بها ممسكة بقميصه مرة أخرى وتسحبه تجاه الفراش ليجلس أمامها.
ولا يعلم ما ستفعله، فتساءل بفضول:
/ هتعملي إيه؟؟ موضوع إنك مش بتردي عليا ده معصبني... آه أنا آسف نسيت إنك خرسا، طب أعمل إيه حاجة... سايباني كدا!
زفر مرة أخرى ثم تكلم:
/ أسيل أنا رجعت في كلامي، اخرجي قولي لهم على كل حاجة المهم أخلص من الحرق اللي في عيني لآني هموت... شطة جوه عيني دي ولا إيه؟ كده اتعميت؟.. يا أسيل ردي عليا.... آه يا عيني.... خلاص معدتش هشوف بيها تاني.... يا أسيل... أنا....
شعر بإصبعها الصغير على فمه لتوقفه عن الحديث، فشعر برعشة بسيطة تصيبه من لمسات أصبعها على شفتيه.
نزلت أصبعها ثم وضعت أسيل المنشفة على عينيه ولففتها حول رأسه.
فتكلم يزن:
/ ده إيه ده... حطيتي إيه؟
أنا مبقتش متطمنالك بعد اللي عملتيه فيا... إيه اللي حطيتيه على عيني ده يا أسيل؟؟
ظهر الغضب على وجه أسيل، فقد نفذت قدرة تحملها لهذا الثرثار!
وبعد دقائق بدأ حرق عينيه يهدأ، وعندما شعر بالتحسن سحب المنشفة من على رأسه وفتح عينيه ليجدها أمامه تنظر إليه مبتسمة.
عندما رأته بخير ابتسمت وحمدت ربها أن عينيه لم تتأذى.
وقف على قدميه ونظر لغرفتها بتعجب من كثرة الرسومات بها، كان المنظر رائعًا فهي فنانة حقًا.
كانت تعشق الطبيعة والأسماك واستطاعت أن تحول غرفتها إلى حوض أسماك وكأن هذه الأسماك حية من شدة دقة رسمها. كان المنظر مريحًا والألوان هادئة، إنها تعشق اللون الأزرق حتى أن غرفتها مليئة بهذا اللون.
ابتسم يزن ومازال متعجب من روعة وجمال رسوماتها، فنظر إليها وهو مبتسم:
/ الله بجد... رسمك تحفة تبارك الرحمن.
كانت أسيل ستبتسم ولكنها بصقت عينيها به مرة أخرى ونظرت إليه بغضب، ثم أمسكت بدفترها وكتبت به:
/ بقيت بخير تقدر تمشي دلوقتي.
قرأ يزن ما كتبته وقال بداخله:
/ يعني بعد كل العذاب ده برضو همشي ومش هاخد منها لا حق ولا باطل... أنا اتبهدلت أوي وفي الآخر أطلع على ما فيش!
فنظر إليها وتحدث بلوم:
/ حاضر همشي... بس عايز أسألك سؤال واحد.... انت مبسوطة هنا.... أنا سمعت عياطك في القبو يوميها وساعتها شفت الرسمة من تحت الباب واظن إن زعلك أو حزنك من مرات أبوكي مش كده....
اتسعت عيني أسيل من صراحته، فكتبت بدفترها:
/ ده شيء ميخصكش وأيًا كانت إجابتي على أسئلتك هتهمك في إيه، أنت متعرفنيش ولا أنا أعرفك واظن إنك اتأخرت على والدك وزمانه مستنيك اتفضل اطلع برا.
قرأ يزن ما كتبته ونظر إليها للمرة الأخيرة، هو فقط لا يريد أن تبقى حزينة وينتهي بها المطاف لشيء مهلك مثلما حدث مع صديقه... ولكنها الآن لن تتقبل منه أي كلمة أخرى، فلقائنا بهذا الموقف كان خاطئًا من البداية.
فتح باب الغرفة بيأس وودعها، ثم نظر خارج الغرفة ليطمئن بأن ليس هناك أحد.
اتسعت عينيه حين رأى رحاب.......
••••
ظل يحاول استيعاب ما قالته ويشك بسمعه حتى قررت جملتها مرة أخرى:
~أنا حامل يا عمر ومش عارفة من مين.
بعدها عن صدره ونظر إليها بإندهاش وهي تبكي أمامه بشدة.
لا يعرف ما يقوله... لم يصدق أن الموضوع خطير إلى هذا الحد.... جميع الأخبار السيئة خطرت بباله ولكن هذا الخبر لم يتخيله أبدًا.
ويارا تبكي بقهر أمامه.
وقعت يارا أرضًا ووضعت ركبتها نحو صدرها وهي تبكي وتردد:
/ الدكتور شاف تحاليلي وقال لي إني حامل بس أنا مصدقتهاش وروحت عملت اختبار حمل بس طلعت حامل فعلًا أنا كنت رايحة للدكتور عشان أعرف ليه جسمي مكسر بالشكل ده وليه مش بقدر أتحرك بس مكنتش أعرف إن ده الموضوع.... فكرة إن حد لمسني دي مخلياني قرفانة وعايزة أرجع أنا مش مصدقة إن في يوم وليلة حياتي اتشقلبت.... أنا بموت يا عمر.... من ساعة ما عرفت وأنا مش قادرة حاسة إن روحي بتنسحب مني... أنا فقدت الذاكرة ولا إيه يعني إيه مفتكرش حاجة كبيرة زي دي يعني إيه أبقى حامل ومعرفش مين الي عمل فيا كده وإزاي حصل كده وإمتى وفين ومين؟
ضربت نفسها على وجهها وصرخت بصوت عالٍ غير مصدقة حالها!
نزل عمر على ركبتيه وأمسك بيدها التي تضرب بها نفسها وأوقفها، ثم أخذها إلى صدره وهو يحاول تهدأتها دون أن يتحدث أو يبوح بشيء... هو لا يعلم ماذا يقول، لم يوضع بهذا الموقف من قبل، حزين على رفيقه وما حدث لها، إنها مسكينة حقًا!
وبعد أن هدأت يارا من البكاء ساعدها في الوقوف وركبا السيارة ولم يتحرك عمر، ظل واقفًا بالسيارة معها بالداخل ينظر إليها وهي تحدق بزجاج السيارة في صمت.
تحدث عمر بهدوء:
/ إحنا ممكن نعمل محضر ونجيب الكلب ده، متخافيش من حاجة يا يارا.
نظرت إليه يارا بآخر أمل بداخلها، وأكمل عمر حديثه:
/ قولتي إنك روحتي للدكتورة عشان حاسة بألم في جسمك بقالك قد إيه بتحسي بكده؟
أجابته يارا بصوت مبحوح:
/ شهرين أو أكتر.
تحدث عمر بغضب يحاول كتمانه:
/ شهرين يا يارا... ومخبية ليه شهرين؟
يارا:
/ عشان أنا باخد فيتامينات وعندي مشكلة في عضمي باخد له أدوية فمتعودة إن دايما جسمي يبقى تاعبني فلما زاد الألم مهتمتش.
عمر:
/ وجيتي تهتمي دلوقتي!!
يارا:
/ عشان....
صمتت وخجلت من أن تتحدث وتقول له إنها شكت بشيء حين تأخرت الدورة الشهرية لديها.
تكلم عمر بصوت حنين:
/ الموضوع صعب... بس أنا عارف إنك أقوى من كده وهساعدك لحد ما تاخدي حقك من الحيوان ده... هنلاقيه... متخافيش من حاجة أنا جنبك كوني متأكدة إن لو العالم كله اتجمع إنه ضدك فأنا معاكي.
حاولت أن تبتسم ولكن شفتيها غير قادرة، فقط تريد البكاء.
سمعت رنين هاتف عمر، أخرج عمر هاتفه ورد على الاتصال:
/ أيوه يا علا... إحنا جايين لك... آه أنا ويارا استأذنت من مامتها ووافقت تقعد معانا كام يوم... خلاص هجيبها وجايين أهو.
نظرت إليه يارا باستغراب:
/ إنت مقولتليش إننا رايحين لعلا.
أجابها بخفوت وهو يبدأ التحرك بالسيارة قائلًا:
/ مهو مينفعش تروحي البيت تاني بعد اللي أنا عملته وطنط رحاب شكت بحاجة... خلينا الأول نفكر في حل أنا وأنت قبل ما نواجهها أو نعرفها حاجة من المصيبة دي ممكن تموت فيها الأم مش بتستحمل حاجة زي دي على بنتها.
أغرورقت عيناها بالدموع ونظرت له:
/ عمر... أنا مش وحشة... ولا بكذب عليك أنا فعلًا حياتي اتقلبت رأسًا على عقب في يوم وليلة أنت عارف إن...
نظر إليها وحدثها باستنكار:
/ ومين قال كده يا يارا؟ أنا بقول نفكر في حل إننا نلاقي الحيوان اللي عمل فيكِ كده، أنت أشرف واحدة أنا شوفتها في حياتي واستحالة أصدق غير كده... وكفاية عياط عشان بتوجعيلي قلبي... أنا مبحبش أشوفك كده.
••••
نظر وليد خلفه ولم يرى هدير، فضرب مصطفى الذي ظل ممددًا جسده على الأرض ويسيل في دمائه من كثرة الضرب:
/ هربت... آه يابنت ال.... عاجبك كده... إنت مال أهلك إنت... بتدخل ليه؟
كان عندما ينهي كل جملة يرلكه بقدمه حتى سمع صوت هدير تصرخ وهي تجري نحوهم:
/ أيوه يا حضرة الظابط... المكان شارع *****.
اتسعت عينا وليد وشعر بتوتر، حتى أغلقت هدير هاتفها:
/ أنا عملت محضر وزمان الشرطة جاية دلوقتي... اللي زيك لازم يترموا في السجن يا زبالة الزبالة.
كان سيذهب ليضربها ولكن تراجع... فيجب أن ينجي نفسه الآن وإلا سيقع بمصيبة، ركض بعيدًا عنهم.
ومن ثمَ رأته هدير يبتعد، إلا أن ركضت نحو مصطفى الذي فقد وعيه، نزلت على ركبتيها ووضعت رأسه على فخذيها وهي تحاول إفاقته وتشعر بتوتر:
/ يلهوي... ده مش بيفوق... قوم يابني متوقعش قلبي عليك.... قووم.... ليكون مات!
صمتت للحظات لاستيعاب ما قالته وبعدها صرخت بخوف:
/ لا لا... مات إيه بس.
أنزلت رأسها ووضعت أذنيها على صدره لتسمع دقات قلبه لعله شيء يطمئنها على أنه حي ولم يمت.
ثم زفرت براحة أنها سمعت دقات قلبه، وبعدها صاحت مرة أخرى به لكنه لم يفق.
بدأت عينيها تُدمِع:
/ طب هعمل إيه دلوقتي... ومفيش حد هنا هيساعدني ولا أنا هعرف أشيل الهجمة ده... يا أخينا فوق بالله عليك.
نظرت حولها ووجدت نقال للرمال، خطرت في بالها فكرة.
أنزلت رأسه على الأرض مرة أخرى ووقفت لتركض نحو هذا النقال وتأتي به وتضعه أمام مصطفى.
هدير:
/ طب هشيله من على الأرض أحطه عليه إزاي... يارب قويني يارب هو آه نصاب وميستاهلش بس يكفي إنه في الحالة دي عشاني يارب... بسم الله.
وبدأت في وضع ذراعيه حول رقبتها لتوقفه بصعوبة، فهو ثقيل عليها كونها امرأة ضعيفة وهو رجل ذو قامة طويلة وأكتافه عريضة.... وبعد محاولات كثيرة استطاعت أن توضعه داخل هذا النقال وتجره بصعوبة تجاه بيتها.
هدير:
/ إزيك حضرتك يا ميس سلوى... أنا آسفة إن اتأخرت عليكي النهاردة.
لولا أن ملابس هدير كانت سوداء لكُشفت بسبب دماء مصطفى حين حملته، كان الكثير من الدماء على ثيابها.
ابتسمت سلوى إليها بود:
/ لا يا حبيبتي ولا يهمك بصي هما فضلوا يلعبوا مع فارس لحد ما ناموا فأي رأيك تسيبيهم الوقت اتأخر وكده كده بكرة يجهزوا مع فارس ويروحوا سوا للمدرسة وأوديهم أنا.
كانت ستعترض هدير ولكن فكرت بهذا بمصطفى الذي بمنزلها هي، كانت خائفة من ردة فعل أخواتها عليه وسيخافون منه!
فرأت أن هذا أفضل فرؤية أخويها لرجل غريب بالبيت غير مناسب إطلاقًا وهم بهذا العمر.
شكرتها هدير وانصرفت إلى منزلها مرة أخرى وأخذت مصطفى إلى فراشها وأتت بماء دافئ لتوقف الدماء التي على وجهه وهي تتفحص وجهه شعرت بقشعريرة وهي تلمس شفتاه المجروحة وجانب أنفه وأسفل عينيه... حزنت لحاله فهي لم تتمنى ذلك إطلاقًا، ولو لم يتدخل لكان وليد فعل بها شيئًا شنيعًا لولا وجوده اليوم لما كانت بخير.
ظلت بجانبه تنظر إليه وتفكر في شهامته وشيء ما بداخلها يشعرها بالسعادة، وبعد مرور دقائق أيقظت نفسها، فلم تعلم كم مر الوقت وهي تنظر إليه. دخلت إلى المطبخ واتت بزرعة بصل، لا تعلم أي تجارب أخرى غير هذه الطريقة فقط لتوقظه.
وضعته على أنفه ليشم رائحة البصل ويبدأ في الاستيقاظ.
فتح عينيه بهدوء ونظر لها، حين رأته استيقظ فرحت كثيرًا وابتسمت له وهي تردد:
~حمد لله على سلامتك إنك بخير.
نظر إليها وابتسم وقال:
/ كل مرة بحلم بيكي مبقولش حاجة... لكن المرة دي مش هسكت هستغل الحلم ده كويس.
لم تفهم هدير منه شيئًا، فظنت أنه يخرف كالمرضى.
نظر إليها وهو مبتسم وردد بهدوء:
/ إنت جميلة أوي.
خفق قلبها، وحين أمسك مصطفى يدها اشتعل جسدها وأحست بنبضات قلبها مسموعة وهي تنظر إليه ولا تعلم ما تقوله، فاختفى كل الكلام ولسانها مربوط بشيء تود سماعه وتشعر بقشعريرة من ملامسته، لم تشعر بهذا الشعور من قبل!
ابتسم مصطفى وأكمل:
/ عارف إنه مش هيحصل في الحقيقة لإني جبان... فعلى الأقل أكون عيشته حتى لو في حلم... هدير أنا بحبك.
....
ونكمل بكرة.
دمتم بخير.
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد.
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل السادس 6 - بقلم مريم الشهاوي
اتسعت عينيه حين رأى رحاب واقفة أمام الغرفة التي بجانب غرفة أسيل وتتحدث مع شريف.
رجع إلى الغرفة مرة أخرى وأغلق الباب بسرعة ووقف خلفه خائفاً وأنفاسه تتعالى.
استغربت أسيل من رجوعه ونظرت إليه باستفهام، إلى أن قال لها بصوت يكاد مسموع:
"طنط رحاب برا."
دهشت أسيل، ففكرت أن رحاب قد رأته. فضلت أن تتأكد منه قبل أن يصيبها الشك، فأحضرت دفترها وكتبت به:
"شافتَك؟"
قرأ ما كتبته ونظر إليها وهو يهز رأسه نافياً.
سرعان ما سمعا طرق باب الغرفة، فأصابهما الخوف والتوتر.
تحرك يزن تجاهها وهمس:
"هنعمل إيه دلوقتي؟"
نظرت إليه وهي لا تفقه شيئًا، فتلك أول مرة تستدعي فيها رجلاً بغرفتها، وإذا رأته رحاب لن تصمت أبداً وستغضب والدها عليها.
"ماذا فعل ذلك الأحمق بي... يا ليتني أخرجته من الغرفة سابقًا."
"أسيل افتحي الباب وإلا هفتح أنا."
تهتف بها رحاب بصوت صار مكان صوتها تشمئز منه أسيل، فأغمضت عينيها بوجع.
ثم شعرت به ممسكًا بذراعها بخوف ويترجاها:
"لو دخلت وشافتني هـ... هنعمل إيه يا أسيل؟"
نظرت إليه بضيق، فهو من أوقعها بتلك الورطة.
ذهبت لخزانتها وفتحتها، ثم نظرت إليه وأشارت له بأن يدخل لداخل الخزانة ليختبئ.
لم يفكر ولو لثانية، فتوجه مسرعًا، فليس الوقت كافيًا.
أغلقت أسيل الخزانة، وسرعان ما رأت الباب يُفتح، ودخلت رحاب وهي غاضبة الوجه وتتكلم بحدة:
"انت مش سامعاني كل دا ولا إيه.... ما أنت صاحية أهو."
نظرت إليها أسيل بلا مبالاة، وتوجهت لفراشها لتنام دون أن تعطيها أهمية.
وهذا ما أشعل غضب رحاب أكثر، فتوجهت إليها مسرعة:
"لولا إن عندنا ضيوف كنت عرفتك مقامك كويس وعلمتك إزاي تتجاهليني كده.... واحدة صاحبتي كلمتني على عريس ليكي مفيوش عيب، ولو طفشتيه تاني يا أسيل والله لتشوفي وش عمرك ما شوفتيه وهرميكي لأحقر واحد أشوفه قدامي. احمدي ربك إني بدور لك على ولاد أكابر سمعتي."
أنهت كلامها معها، ثم توجهت للخارج وأغلقت الباب وراءها.
لا يعلم لمَ انزعج؟ لمَ اشتعل بدنه حين سمع بأن هناك من سيأتي ليتزوجها؟ ما علاقته بها لينزعج؟
مشاعره اختلطت بمزيج غريب، أول مرة، فاليوم غمره شعور غريب فيه رهبة وفيه ضيق وفيه شيء من الفرح.
حين تذكر لمساتها على فمه يشعر بسعادة ودقات قلبه تتسارع.
"ما هذا الشعور؟"
فتح باب الخزانة ورمقها بطرف عينه ورآها نائمة ولا تريد مقابلته مرة أخرى.
فاقترب من فراشها وهمس لها بحنين:
"أنتِ كويسة؟"
كانت واضعة الغطاء على رأسها. شعرت بشيء غريب، هو يطمئن عليها. هل شعر بأنها حزينة؟ هل يشعر أحد في هذا العالم بحزنها؟
حين لم يجد ردًا منها فهم أنها لا تريد التحدث. فتكلم:
"هقابلك بكرة.... لازم نتكلم. تصبحي على خير يا... أسيل."
لمَ هذه القشعريرة التي أصابتها حين نطق باسمها للتو؟ يمكن أن يكون ذكره هذه المرة ببحة غريبة تنوبها بعض من الحنين!
لم تسمع اسمها هكذا من قبل. كان صوته مريح حين حدثها للتو. شعرت بالأمان، كيف وهي منذ دقائق كانت تشعر بالخوف تجاهه؟ كيف تبدل حالها ببضع كلمات منه ممزوجة بحنين مختلف؟ كلمات بسيطة كفيلة بأن تغير شعورها.
رفعت غطاء فراشها ورأته وهو يخرج. كم تمنت بأن توقفه ولا تدعه يرحل!
تتذكر مرحه معها وثرثرته. يبدو مزعجاً، ولكن إزعاجه لها أحبته.
تذكرت حديث رحاب، وأغرورقت عيناها بالدموع. فهذه المرة الألف التي تأتي بها بعريس لكي تتخلص منها، ولكنها ترفض بكل مرة. مواجهته، ولكن هل تلك المرة سيحالفها الحظ أيضًا أم ستغضب رحاب وستريها الشر بعينه مثلما قالت؟
استسلمت للنوم، فقد أرهقت من محادثات عقلها التي لا تتوقف.
كان يمشي بالممر العلوي ويفكر بها... كالمعتاد.
تقابلت رحاب به، وألقيا التحية على بعضهما البعض بسرور مصطنع، فهما لا يطيقان بعضهما البعض.
نزل يزن للأسفل فوجد أبيه يهم بالرحيل. حتى لمحه، فنظر إليه باستفهام عن سبب تأخره.
تكلم يزن معتذرًا من الجميع:
"أنا بعتذر منكم بجد لأني اتأخرت. كل دا حصلت مشكلة واتضطريت اطلع للحمام اللي فوق واتأخرت شوية. بعتذر مرة تانية عن تأخري."
ابتسم له شريف:
"لا عادي ولا يهمك."
تكلمت رحاب بشك:
"غريبة، إيه اللي يخليك تطلع الحمام اللي فوق مع إن في واحد في الأرضي؟"
تحدثت الخادمة، لا تعلم أنها أنقذت يزن من هلاك بنقاش مع رحاب:
"حصلت مشكلة في محبس الماية يا رحاب هانم، وأوعدك مش هتتكرر تاني. صلحناها وعشان ما أزعجش البشمهندس يزن عرضت عليه الحمام اللي فوق لحد ما نحل مشكلته."
هزت رحاب رأسها بتفهم، واستأذن عبد الله ويزن للرحيل من بيت شريف.
صعد إلى غرفته وبدل ملابسه، ثم مد جسده على فراشه بإرهاق وزفر بعمق.
وسرعان ما حلت على وجهه ابتسامة وهو يتذكر تعابير وجهها وابتسامتها. عندما فتح عينيه وكيف وضعت إصبعها الصغير على فمه.. كيف له أن ينسى ذلك الشعور!
وضع يده على فمه يتحسسه، وشيء ما بداخله يجعله سعيدًا.
وفجأة صفع نفسه بيده وقال:
"اتخمد."
رأسه ما زال يؤلمه من ضربة المزهرية، ولكنها كدمة بسيطة ستتداوى بسرعة. تذكر كل أحداث اليوم معها مرة أخرى وظل مبتسمًا. فما حدث اليوم كفيل بأن يؤرقه طوال الليل يفكر بها. وكيف سيجعل تلك الفتاة الشاحبة هزيلة الجسد والروح.
"بأن تحب الحياة من جديد وتشعر بالسعادة؟"
"حبيبي عامل إيه؟"
كانت دعاء تبتسم لرؤية ابنها عمر قد أتى، ولكن حين رأت يارا خلفه ضمت شفتيها بامتعاض.
دخلت يارا مبتسمة وألقت التحية عليها. وحين رأتها علا ركضت لاحتضانها بشدة وبحب قالت:
"وحشتيني يا يويو... اخص عليكي كل دي غيبة ومشوفكيش.... النهاردة مش هعتقك طول الليل هنرغي سوا ومش هتنامي ورانا حوارات قد كده."
ضحكا هما الاثنان، وتوجهت هي وعلا لغرفتها. إلا أن أوقفتهما دعاء بقولها:
"استني يا علا.... نتعشى الأول بعدين خديها أوضتك، وبعدين أخوكي علي لسه مجاش."
"مين قال علي مجاش؟ فين الأكل يا ماما أنا جع... اهلا اهلا يارا عاملة إيه؟ وطنط رحاب، إيه أخبارها؟ عمر دا مزعلك في حاجة؟"
ضحك عمر لمشاكسة أخيه الصغير، وتوجه لغرفته لتبديل ملابسه. وبعد قليل خرج إليهم حيث وجد علا وعلي يجلسان حول يارا ويتحدثان معها، وأصوات ضحكاتهم تتعالى وكأنهم أخويها حقًا.
شعرت يارا بتحسن، ولمحه واقف مبتسم إليها. فبادلته الابتسامة بخجل، ثم أكملت حديثها معهم.
ينظر إليها ويتمنى لو تلازمها تلك الابتسامة دائمًا. حتى شعر بصوت والدته وراءه تهمس بصوت خافت:
"جبتها ليه؟"
اتسعت عينا عمر ونظر إليها:
"هو إيه اللي جبتها ليه يا ماما... أنتِ آخر فترة مبقتيش حابة يارا كده ليه؟"
تكلمت دعاء بحدة:
"رد على سؤالي جبتها ليه؟"
زفر عمر بضيق وأجابها:
"نفسيتها زي الزفت فجبتها هنا عشان تفرفش، هي بتغير جو مع علا وعليهم."
مست دعاء بغضب:
"وإحنا مالنا؟ هو إحنا مبقاش ورانا غير يارا ونفسيتها... ما تركز في حياتك يا عمر... وبعدين مودة فين؟ أكيد متخانقين مش كده؟"
زفر عمر بضيق:
"أيوه يا ماما.... هي بعدت وقررت متكملش."
ضحكت دعاء بسخرية:
"ما أكيد... طول ما الزفتة دي حواليك مش هتخليك ترتبط ولا تكون حياتك."
تركته وذهبت من أمامه. وقد استفزه حديثها عن يارا.
لمَ ترى أن يارا دائمًا المسببة بالمشاكل بيني وبين مودة؟ هي لا تعلم أن يارا هي من تساعدنا لنتصالح، ولكنه هذه المرة يصعب التصالح معها، فهو لم يعد يشعر بحب مودة إليه ويرى أنه الطرف الثالث في علاقة أحدهم.
وضعت دعاء العشاء على الطاولة، وأيقظت عدلي زوجها من نومه ليتعشى معهم. الذي رحب بوجود يارا، فهو يحبها ويعتبرها ابنته الرابعة ولا يفرق بينها وبين أولاده.
عدلي: "وأنتِ عاملة إيه في الكلية يا يارا؟"
ابتسمت يارا: "الحمد لله خلصت امتحانات الميدترم."
تحدثت علا بمشاكسة: "مش هتفرحينا بقى؟ دي آخر سنة ليكي، عاوزة ألبس فستان سواريه. محدش في عيلتنا بيفرح خالص."
ضحكت يارا وتكلمت دعاء: "ما تلبسيه أنتِ قبلها وميبقاش سواريه يبقى أبيض."
شهقت علا من حديثها وقالت: "يختاي تفي من بوقك يا ماما ونبي... وبعدين ما تجوزوا الكبير الأول... أهو كل شوية يتخانق مع مودة ومش عاوز يفرحنا خالص."
علي: "والله مودة دي عسل... أخوكي اللي نكدي."
ابتسم عمر ونظر ليارا، فتفاجأ بها تقلب بصحنها بشرود. فحاول تغيير الموضوع ونظر لأخيه بمكر وقال:
"سيبكوا من مودة دلوقتي، بيقولوا نتيجة علي ظهرت؟"
توقف الطعام في فم علي، فلم يقدر على بلعه ونظر لأخيه بتوتر.
تابعه عدلي بنفس المكر: "واتقال إنها ظاهرة من أسبوع... مش سألناك وقولت إن النتائج لسه منزلش وإن لو نزلت نتيجتك مش موجودة عشان أنت نحس."
بلع علي الطعام وحاول أن يتحدث:
"آه... آه... ظهرت... وفعلاً روحت أشوف نتيجتي بس ملقتهاش."
تعجب الجميع وتحدثت والدته بشك:
"يعني إيه ملقتهاش؟"
نظر لها عمر وضحك:
"سيبيه يا ماما هو كل سنة يقول البوقين دول."
تحدثت يارا معه ضاحكة:
"هم مستقصدينك؟ مش دا برضه اللي حصل السنة اللي فاتت."
تضحك الجميع، وتحدثت علا وهي ممسكة بالسكين تهدده بها:
"ما تقول جبت كام يا علي، دا إحنا أهل يا جدع."
بلع علي ريقه ونظر لوالده ولعمر يحاول تبرئة نفسه:
"أنا روحت هناك وقالولي مفيش نتائج خالص... وبالذات أنت ملكش نتيجة."
شهقوا الجميع بسخرية، وتحدث عمر بنبرة شفقة:
"تؤ تؤ تؤ يخسارة."
علي: "أصلاً مش هتطلع... بتاعتي أنا مش هلقاها. قولتلكم إني دايماً منحوس. بص أنا مش عايزها خلاص... عادي يعني مش نتيجة... مش نتيجة هي اللي تحدد إذا كنت ناجح ولا لا... مش ورقة امتحان اللي...."
دعاء: "لا ونبي حد يسكتوا لحسن لو فتح مش بيفصل... جبت كام يا علي انطقلي."
"يا أمي مش موجودة... معظم النتائج ضاعت في الكنترول وأنا نتيجتي ضاعت معاهم. فالله يسامحهم بقى."
عمر: "هتقول جبت كام... ولا أقول أنا درجاتك."
اتسعت عينا علي وقال باندهاش:
"ت.. تقول إيه.... بقولك مطلعتش... أنت... جبتها؟"
أخرج عمر هاتفه من جيبه ونظر له:
"آهى الدرجات قدامي... أقول."
ظن علي أنه يخدعه:
"والله... ويا ترى جايب إيه بقى؟"
ضحك عمر:
"جايب إيه؟... قصدك مش جايب إيه! إيه الدرجات دي!!!"
دعاء: "إيه يا عمر... متوقعش قلبي جايب إيه."
نظر عمر للهاتف، ثم نظر لأخيه الذي ظهرت تعابير الخوف على وجهه:
"بصي يا ماما أولاً ابنك مش جايب درجات، حتى مش مكتوب أي حاجة، كان هاين عليهم يشتموه أو يكتبوا منك لله عشان يملوا فراغ الورقة بدل ما هي بيضة كده من غير أرقام."
شهقت دعاء: "يالهوي."
عدلي: "لا يالهوي إيه... اصبري شوفي درجات ابنك بعديها ولولي براحتك. -نظر لعلي بتوعد- دنا هنفخك."
ارتعش عمر وقال بخوف:
"قولتلك فيه مشكلة في الكنترول، واكيد دي مش درجاتي يا بابا... أنت عارف إني ذاكرت."
عدلي: "آه طبعاً الكنترول فيه مشكلة... أنت كل ترم على هذا الحال ومتقولناش جبت كام، وتروح وترجع تقولنا إنك ملقتش الجامعة من أصله."
عمر: "امال كنت بتروح الجامعة طول الترم تعمل إيه بالدرجات اللي جايبها دي؟"
ضحكت يارا وعلا وهم ينظرون لعلي الذي اصفر وجهه وقال:
"طب ما تقول... أنت كداب يلا وعمال توقع قلبي وخلاص، متصدقيهوش يا ماما."
عمر: "اهو اسمك أهو علي عدلي محمد أبو زيد، اسمك دا ولا مش اسمك؟ فيه مادة جايب فيها تلاته ونص... مش عارف دي فكة ولا إيه... ومعظم الدرجات لو بصينا عليها هنلاقيها مواقيت صلاة مش درجات!"
ضحكوا الجميع، وضحك معهم علي وهو يحاول تبرئة نفسه:
"على فكرة دي خمسة وتلاتين، هم تلاقي حطوا النقطة دي بالغلط."
تحدث عمر بسخرية:
"يا راجل! دا إيه الجمدان دا جايب خمسة وتلاتين من عشرين!"
صمت علي وانفجروا بقيت العائلة بالضحك.
ترك علي الطعام وركض بالمنزل، وعدلي وراءه، وعمر يحاول إمساكه.
وامتلأت جدران المنزل بصوت ضحكاتهم، وامتلأ قلب يارا بالفرحة، هي تشعر بالانتماء لهذه العائلة أكثر من عائلتها الحقيقة.
أو أنها ليس لديها عائلة من الأصل.
بعد انتهائهم، توجهت يارا مع علا إلى غرفتها، وظلت تحدثها طوال الليل ويضحكان سويًا. وهذا ما جدد نفسية يارا إلى الأحسن، تحاول أن تتناسى ذلك الأمر وتحاول أن تفرح ولو بقليل. فمن يعلم بالأيام القادمة، هل ستكون فرحة أم حزن؟
دخل عمر غرفته وجلس على الأريكة وأسقط رأسه للخلف يفكر بمودة حبيبته. هل يصالحها مثلما قالت والدته؟ وبعد صراعات داخلية فتح هاتفه وراسلها وكتب: "أنا آسف، أنا بحبك."
لم ينتظر القليل حتى رآها ترد عليه برسالة: "وأنا كمان بحبك يا عمر ومش عاوزانا نبعد!"
ابتسم عمر من رسالتها، فكل ما كان بداخله من غضب تجاهها قد ذاب من هذه الكلمات. تحدث معها طوال الليل وهو يشعر بالسعادة، فهي حبيبته. تارة يتخيل اليوم الذي سيجمعهم بيت واحد ويأخذها بحضنه، ذلك الدفء يريد أن يشعر به بأسرع وقت.
وتارة أخرى يفكر بصديقته، ماذا ستفعل ويفكر لها بحلول، ولكن هذا الأمر لا يوجد به حلول؟
أم يهيأ نفسه أنه سيجد حلاً فقط!
رمقته هدير بنظرة عدم استيعاب ما قال. هل ما زال نائماً وتلك هي ما تسمى بالهلوسة؟
وقفت هدير ونظرت إليه بغضب مما قاله:
"كويس إنك فوقت... اتفضل اخرج برا."
وذهبت للباب لكي تفتحه وينصرف. ومصطفى لم يستوعب ما حدث. ألم يكن حلماً؟
نظر بجانبه فوجد شهاب يحدثه بسخرية:
"احمد ربنا إنها ما دكتش قلم في وقتك."
اتسعت عيناه بدهشة، فجلس على الفراش يحاول إدراك ما حدث. لمَ يحدث معه هكذا؟ حظه دائماً سيء، ولكن حتماً هو الآن تأكد أن لا حظ له على الإطلاق.
نظر لشهاب وأشار له بأن يختبئ قبل أن تراه هدير. ونظر لها موجهاً باعتذار:
"أنا آسف.... فكرتك شخص تاني."
لمَ هذا الضيق يا هدير؟
هل تمنيت من أن تكون هذه الجملة حقاً لكي...؟
ليس وقت الوقوع بالحب يا فتاة، فالذي مثلنا ليس لهم الحب إطلاقاً. أفيقي نفسك، فهذا وهم.
وقف على قدميه، ولكن شعر بألم شديد بقدمه اليمنى، فجلس على الفراش مرة أخرى وهو يتأوه.
همت إليه مسرعة تقترب منه وقالت بخوف:
"أنت كويس؟ إيه اللي واجعك؟"
كان مصطفى متوتراً للغاية، فتحدث إليها بسرعة وأشار بيده لها بعدم الاقتراب:
"لا أنا كويس... أنا آسف... آسف... مش عارف إيه اللي حصلي... بس... شكراً إنك جبتيني لحد بيتك."
كانت علامات الخوف على وجهها، فنظرت إليه بعطف:
"بتشكرني على إيه بس يا أستاذ... أنا اللي المفروض أشكرك على اللي عملته معايا... رجلك فيها حاجة.... خليني أشوفها."
أصابه القلق ونبتت قطرات من العرق على جبينه، وأسرع في الوقوف مجدداً:
"صدقيني أنا كويس.... لازم أمشي."
كان يعرج على قدمه ويتحمل الألم، وخرج من منزلها وهي وراءه:
"أنا بجد آسفة، كل اللي حصل لك دا بسببي أنا آسفة."
سمع صوتها المكتوم بالبكاء، وكان يخرج بصوت مبحوح، فشعر بقلبه يتمزق. لم يرد أن يقول لها أنه استسلم للموت منذ ساعات عندما علم أنها بخير وأن نفسه لا تهمه إطلاقاً، فلماذا نفسه تهمها هي! فقد شغفه تجاه نفسه منذ زمن ولم يعد يشعر بها الآن. هو يبقيها حية حتى تنتهي من مهمتها وتعود إلى خالقها، ينتظر هذه اللحظة.
اقترب منها مصطفى وقال بحنان:
"كل اللي حصلي دا الجانب منه هو حمايتك وبس، وأي نواتج بسببه فهي ما تهمنيش مادام أنتِ بخير.... بلاش دموعك تنزل على شخص زيي... أنا مستاهلهاش ولو حتى شفقة!"
لمَ يتكلم بكل هذا البؤس؟
أنا أشعر أنه فاقد للروح، والذي تعيش هي الجسد فقط.
مصطفى: "الوقت مش مناسب إننا نتكلم في اللي حصل النهارده وليه؟... المهم إنك بخير."
أخذ خطوات للخلف وهو ينظر إليها ويودعها بابتسامة، ثم فكر بأن يطلب منها الطلب الذي يراوده دائمًا:
"هو... ممكن أسألك سؤال؟"
ابتسمت هدير وأجابته:
"طبعاً."
ابتسامته اتسعت أكثر:
"حضرتك... مخطوبة أو متجوزة؟"
تغيرت ملامح وجهها للاندهاش من سؤاله، فشعر مصطفى أنها غضبت لسؤال، ففكر بالانسحاب والهرب فوراً:
"أنا آسف... عن إذنك."
هم بالرحيل حتى أوقفته هي:
"لا استنى... أنا مش مخطوبة ولا متجوزة."
ابتسم والتفت إليها، وهي الفرحة لا تسعه. وشاور على يديها:
"امال الخاتم اللي في إيدك دا؟"
نظرت هدير للخاتم الذي بيدها، هي تقصد أن تضعه حتى لا يأتيها الخطاب أو أحد يطلب منها الزواج، فهي غير مستعدة لهذه الخطوة ولا تضعها في الحسبان بحياتها. ولكن لماذا أجابته؟ لماذا تريده هو أن يعرف أنها ما زالت لم تتزوج؟
أجابته بهدوء:
"دا خاتم ورثته عن ماما الله يرحمها ومش بقلعه، لكن هو مش خاتم جواز أو خطوبة."
تنهد بارتياح، حتى هي شعرت بذلك أيضاً.
اكتفى مصطفى بهذا الحديث. كان يريد أن يسألها الكثير، ولكن فضل بأن تنتهي المقابلة بكل ود ولا يحدث شجار بينهم. نعم كان الحديث قصيراً، ولكن بالنسبة له فقد شبع ولا يطمع بالمزيد. كان بالماضي يتمنى فقط أن يقول لها مرحباً، والآن هو يستطيع التحدث معها، فهذا يكفي.
تركها ورحل. أتبعته بعينيها حتى اختفى من أمامها. ماذا حدث لها؟ تشعر بشعور يجتاح صدرها لم تشعر به من ذي قبل. أغلقت الباب ثم عادت إلى غرفتها وهمت لتغيير فرشة سريرها، فكانت ملطخة بدماء مصطفى. ولكنها شمت رائحة شيء.... رائحة عطر. إنها رائحة عطره. ظهرت ابتسامة بجانب شفتيها، وأخلدت للنوم بصعوبة، فهذا هو اليوم الأول الذي يصعب عليها النوم من شدة التفكير... برجل!
شعرت أن قلبها ليس كالمعتاد اليوم. تتذكر كلمته وبشدة، وكيف قالها بهوان: "هدير أنا بحبك." ولكنها شعرت بالذنب الشديد، فقامت من فراشها وذهبت للمرحاض وتوضأت وأقامت الليل لساعات طويلة تناجي بها ربها وتردد دعوة واحدة: "اللهم لا تعلق قلبي بأحد غيرك."
في الصباح الباكر استيقظت أسيل من النوم وذهبت إلى جامعتها. كانت لا تريد الذهاب بوسيلة مواصلات، أخذت تمشي وبداخلها يقين... أنها ستراه اليوم. لقد اعتادت رؤيته يلاحقها، وقد قال لها البارحة أنه سيقابلها اليوم. لمَ ترغب برؤيته هكذا؟
استيقظ مبكراً وبدل ملابسه للنزول. خرج من غرفته مسرعاً، فتقابل مع أبيه الذي نظر إليه باستفهام:
"الساعة ستة الصبح، إيه اللي مصحيك بدري كدا؟ أنت لحقت تنام!"
لم يقل لأبيه أنه لم ينم من كثرة التفكير، فقط غفل ساعة أو ساعتين وبعدها استيقظ ليذهب إليها:
"صباح الخير يا بابا... أنا نازل دلوقتي الشركة."
تغيرت ملامح وجه عبد الله بعدم استيعاب:
"في مدير بيروح الشركة الساعة ستة الصبح! طب افطر قبل ما تنزل."
قال يزن بمرح:
"عادي بقى نشاط وكده، متقلقش عليا هفطر برا. عن إذنك يا بابا."
ذهب إلى جامعتها وهبط من سيارته، سند عليها ينتظرها ورفع يده ونظر لساعته:
"الحارس قال إنها بتروح الجامعة بدري، اديني جيت بدري أهو، هبدر إيه أكتر من كده؟ دا الفجر لسه مأذن من ساعة."
وبعد مدة من الوقت رآها متجهة نحو بوابة الجامعة.
اللمعت عيناه وركض نحوها ووقف أمامها وهو مبتسم:
"صباح الخير."
تفاجأت به أمامها، فها هي تفكر به ويظهر أمامها وكأنه يقرأ أفكارها. رمقته بنظرة مجهدة. ألم يتعب من اللحاق بها؟
ذهبت من أمامه وهو ما زال يمشي خلفها يحاول التحدث معها:
"آنسة أسيل... لسه بدري أوي على محاضراتك... ممكن ناكل حاجة سوا أو نشرب حاجة في أي كافيه جمب دا ونتكلم وياستي هعرفك عليا عشان تبقي متطمنالي أكتر وأنت كمان تعرفيني عن نفسك ونتكلم ش......."
قطع حديثه دخولها من بوابة الجامعة متجاهلة كلامه.
وقف بيأس وظهر على ملامحه الغضب من فعلتها هذه. لما تتجاهله بهذه الطريقة؟
سمع حديث الحارس الممزوج ببعض السخرية:
"ريح نفسك، مش بتدي فرصة لحد."
استغرب يزن من حديثه وقال:
"يعني إيه؟"
الحارس: "أنت مش أول واحد أعجب بيها، فيه قبليك كتير أوي وكانوا مبياخدوش منها حاجة."
يزن باستفهام: "أعجب بيها؟؟؟"
الحارس: "كانوا بيتنططوا زيك كده وراها وفي النهاية تسيبهم وتمشي، وهكذا بقى، وأهي الدورة بتلف."
غضب يزن بشدة واتجه نحو سيارته ودخل بها وظل يفكر بكلام الحارس الذي استشاطه غضباً وكرر: "أنا بتنطط.... كل دا عشان بس عايز أعرف حكايتها إيه وصعبانة عليا لحسن تكون بتتأذى في البيت.... أنا معجب بيها وبتنطط... أنا بتنطط!!!"
ضرب على "دركسيون" السيارة بقوة وتحرك بسيارته تجاه الشركة.
شرب الكثير من القهوة ليظل مستيقظاً في عمله، وآخر النهار استأذن للرحيل وذهب إلى جامعتها حيث ميعاد خروجها قد حان. وقرر بداخله أنها المحاولة الأخيرة، ونظر للأعلى يتكلم مع ربه:
"يارب أنا كده ابقى عملت أقصى ما عندي عشان أساعدها، لو رفضت تاني فكده أنا عملت اللي عليا وهبعد خالص ومش هفكر فيها تاني."
خرجت من الجامعة ممسكة بشطيرة حلوى تحاول أن تأكلها وجائعة للغاية، ولكنها غير قادرة على تناولها، وكأن مر الحياة يجعلها مستصعبة استطعام الحلوى أو حتى الطعام الطبيعي.
كان جسدها هزيل وضعيف للغاية، حتى أنها تشعر بالدوار كثيراً، ولكنها لا تخبر أحداً، فلا أحد بالبيت يهمه أمرها.
كانت تمشي ودموعها تسيل على وجنتيها، وكل ثانية تنظر لرسالة والدها بالهاتف: "أنا مسافر أنا ورحاب والأولاد نغير جو شوية، كل حاجة محتاجاها هتلاقيها، ولو ناقصك حاجة كلمي حد من الخدم.. دي إجازة وموبايلي هيبقى مقفول طول الوقت، معرفش هتفضل قد إيه بس لحد ما نفسية يارا تتحسن."
همست بداخلها بوجع:
"طب ونفسيتي يا بابا؟"
ليه كل العالم بيهتم بزعله إلا أنا؟
مبتسألش عليا ليه وتقولي مالك إيه اللي مزعلك؟
ليه حسستني إني بقيت لا شيء في حياتك مجرد عبء عليك عايز تتخلص منه بأي طريقة!
ليه نسيتني زي ما نسيت ماما؟
تلاشتني وكإني نكرة في حياتك!
كانت كل هذه التساؤلات دوماً تدور بعقلها. تريد أن تبوح به أمامه ويجيبها على أسئلتها، يجيبها بردًا يهدأ من روعة قلبها، ردًا يكون دواء على جوارح قلبها، يرجعه للحياة مرة أخرى، ردًا يكون مثل اللاصق على قلبها ليبنيه من جديد بعد أن تفتت.
انفاسها تعالت ولم تعد تشعر بقدماها تحملها. انهمرت دموعها تجهش بالبكاء بحرقة. نزلت بركبتيها على الأرض ووضعت يدها على وجهها تبكي وتبكي لعلها تفرغ وجع قلبها.
كان ينتظرها، وعندما طال انتظاره توجه للحارس يسأله، وأكد له أنها رحلت منذ دقائق.
كان يبحث في الشوارع عنها، تلك الفرصة الأخيرة يريد الفوز بها، وبعدها سيتركها ويرحل ولن يفكر بأمرها.
فكر بأنها قد تكون ركبت سيارة أجرة وذهبت للبيت، فوقف بيأس وتنهد بحزن. وحين التفت للرجوع إلى سيارته ويرحل، وجدها بآخر الممر جالسة على الأرض تبكي. ميزها من ملابسها التي كانت ترتديها صباحاً ورآها بها.
ركض نحوها بلهفة ويتسائل لمَ تبكي؟
كانت شهقاتها تتعالى، فشعر بنغزة بقلبه من صوت بكائها. لمَ قلبه يؤلمه هكذا؟
نزل على ركبتيه أمامها يتسائلها بلهفة:
"أسيل... في إيه... إيه اللي حصل... بتعيطي ليه... أسيل."
وفجأة وجدها ترمي برأسها وتشهق بقوة وهي تبكي. لم يشعر بنفسه إلا وهو يحيطها بذراعيه ليضمها لصدره بشدة ويتمتم:
"اهدي..."
انغمست بوجهها في صدره أكثر وهو يمسح على شعرها بحنين دافئ ويهدئها بكلماته.
وبعد دقائق توقفت عن البكاء وظلت بحضنه.
تحدث يزن بهدوء:
"خلاص هديتي شوية."
أمسك بذراعها وأبعدها عنه وهو يتكلم:
"يلا قو..."
وحين أبعدها عنه سقطت رأسها للأمام مغلقة عينيها.
اتسعت عينا يزن بدهشة وحركها بيده:
"أسيل... أسيل."
لم تستجب له وسقطت رأسها للخلف. لقد فقدت وعيها!
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل السابع 7 - بقلم مريم الشهاوي
استيقظت هدير من نومها بفزع على صوت طرق الباب بشكل يقلق. كان الصوت مزعجاً ولم يكن صوت طرق على الباب فقط. كان هناك صوت رجل ينادي عليها بصراخ.
نهضت من فراشها وسرعان ما وضعت غطاء على رأسها وذهبت لتفتح الباب حتى رأت صاحب المنزل يهتف بها بصراخ:
"اي يا هدير... صباح الخير.. معلش قلقناكي من نومك... فين الايجار بتاع الشهر دا والشهر الي فات مش قولتي هتجيبيهم امبارح واهو امبارح عدا والنهاردة كمان هيعدي وت....."
تفاجأت بهدير تدخل للمنزل مرة أخرى، وبعد دقائق رآها آتيه بالمال وتعطيه له بيده وتقول بإستنفاذ طاقة للحديث:
"حقك عليا يا استاذ اوعدك مش هأخر عليك الايجار تاني وامبارح رجعت متأخر من الشغل فمعرفتش اعدي عليك."
تنهد براحة وأخذ ماله وذهب من أمامها.
أغلقت هدير الباب وسندت عليه بإرهاق، وبعد دقائق بدلت ملابسها للذهاب إلى عملها الأول وهي روضة الأطفال.
*****
استيقظ مصطفى من النوم وتفاجأ بشهاب أمامه:
"يابني بلاش تخضني كدا، فيها اي لو دخلت من باب الشقة وطلعت خبطت على اوضتي."
تحدث شهاب بمرح:
"مينفعش... لازم اجيبلك سكتة قلبيه علصبح كدا. المهم يلا قوم."
مصطفى:
"اقوم ليه؟... انا تعبان اوي يا شهاب امبارح اتضربت وانت مكنتش معايا ودخلت بيت البنت كمان متعملهاش تاني لو كانت قفشتك كنت هتعمل مشكله."
جلس شهاب بجانبه:
"احكيلي عملت معاها اي."
ضربه مصطفى بكتفه بمرح:
"احكي اي مانت كنت معانا في نفس الاوضة هتستعبط يلا."
ضحك شهاب:
"دا انت موتني ضحك... بحبك يا هدير."
قالها بهيام مثل ما كان يقولها مصطفى، وقتها تفاجأ بضربة مصطفى إليه بالوسادة بوجهه.
شهاب:
"حاسس انها بداية كويسة..."
ابتسم مصطفى وهو يتذكر لهفتها عليه. هو يعلم أنها ليست نابعة من حب ولكنه سعيد برؤيتها تخاف عليه ولو حتى شفقة.
روى له ما حدث معه وكيف أبرحه وليد ضرباً، وبعدها لم يشعر بشيء.
علق شهاب بمرح:
"بس حلوة الحركة دي انك دافعت عنها واعتقد هتشيلهالك جميلة ودي الطريقة الوحيدة الي كانت تديك فرصة انك تتعامل معاها بشكل ودّي منغير ما تفهمك غلط والي حد ما تتقبلك ومتبقاش دبش زي الاول. هي الطريقة اه مكنتش انسب حاجه للي زيك لانك اتدشملت خالص."
مصطفى:
"انا مش عارف عملت كدا ازاي بجد ساعت ما ضربته بالعصاية ايدي كانت بتترعش اصلا.. عمري ما اتشاكلت مع حد ابدا وفي حالي دايما اول مرة ادخل خناقة."
ضحكوا هما الاثنان، وظل مصطفى يتحدث مع شهاب على مشاعره تجاه هدير وشهاب مستمع إليه بكل حب. كانت صداقتهم قوية، كان عمر ومصطفى وشهاب أعز الأصدقاء ولكن ابتعد عمر عنهم بفترة ما، ولكن مصطفى ما زال متعلقاً بشهاب وباتو أصدقاء طول الحياة.
شهاب:
"اسماء مش راضية تكلمني... وبوقفها في الشارع مبتردش عليا."
مصطفى:
"ليه كده.... انت فاتحتها في موضوع الجواز."
زفر شهاب بحزن:
"امي مش راضية يا مصطفى... لان اسماء مطلقة ومعاها بنت.... بس انا بحبها وعاوزها هي مش عارف اقنع امي ازاي وهي الي خلت اسماء تتجنبني بعد ما راحتلها وقالتلها ملكيش دعوة بابني."
عانقه مصطفى بلطف:
"متقلقش... هنحلها بإذن الله."
ابتعد عنه شهاب وابتسم له، ثم تحدث مصطفى قائلاً بحماس:
"تيجي نروح لطنط ونقنعها.... شوف طنط هتبقى فاضية امتى وقولي وهعدي عليها واقنعها انت عارف انها بتحبني وانا عارف هدخلها ازاي."
فرح شهاب كثيراً قائلاً:
"بجد هتساعدني يا صاصا."
مصطفى:
"يابني ياما ساعدتني وانت السبب في تشجيعي اني اتكلم مع هدير."
شهاب:
"ربنا يخليك ليا."
سمع طرق على الباب وكانت والدته.
نظر مصطفى إلى الباب وسرعان ما رأى شهاب يختبئ.
نهض مصطفى من جلسته ليفتح الباب:
"صباح الخير يا ماما."
رحاب:
"جهز شنطتك وروح..... اي دا اي الكدمات الي في وشك دي!!"
أجابها مصطفى بهدوء ليطمئنها:
"خناقة بسيطة يا ماما محصلش حاجه متقلقيش هيروحوا بسرعة.... المهم كنت عايزاني اروح فين."
رحاب بخوف:
"اي يا مصطفى دا اتخانقت مع مين ومن امتى وانت بتتخانق؟"
زفر مصطفى بضيق:
"يا امي انا كويس... ومش خناقة كبيرة دي مشكله كده حصلتلي وانا بركن العربية.... المهم كنت عايزاني اروح فين."
هتفت رحاب بلوم:
"طب محطيتش تلجه ولا اي حاجه يخفي الكدمات دي."
تذكر مصطفى أن من طيب جوارحه كانت هدير وهي دواءه ويكفي هذا لا يحتاج ليعالج بدنه مادام قلبه تعافى.
مصطفى:
"عملت كده... وشوية وهيخفوا."
رحاب:
"طب جهز شنطتك وروح لاختك عند دعاء هاتها لاننا مسافرين."
ضم مصطفى حاجبيه باستفهام:
"نسافر؟... مش قولتي هتسيبي يارا مع علا شوية تغير جو."
تكلمت رحاب بغضب مكتوم:
"لا.... منا لازم اعرف اختك مخبية اي ولازم تبقى تحت عنيا.... اديك شوفت حالتها عامله ازاي وهي مش طبيعيه.... عايزة ابعدها عن الي اسمه عمر دا... مش فاهمه انا حالتنا اتيسرت وبقيت اعلى منهم بكتير ليه لسه على علاقة بيه!"
تحدث مصطفى معلقاً على كلامها باقتضاب:
"اي يا ماما الي بتقوليه دا... احنا صحاب من زمان جدا ومتنسيش اننا كنا زيهم وكنا جران ودايما سوا اي الي غيرك تجاههم."
مصمصت رحاب شفتيها بانزعاج:
"الي اعرفه اني بصاحب ناس من مستوايا خليها تنقي صحاب تانين من مستواها احنا مستوانا بقا اعلى منهم بكتير."
مصطفى:
"ما احنا في يوم من الايام كنا من مستواهم من بعد موت بابا واحنا قعدنا سنين حالتنا مش ميسورة."
رحاب:
"واهو الحمد لله.. حالتنا دلوقتي تفوقت عليهم ميت مرة.... بقولك اي انا مصدعة... اعملوا الي تعملوه وهي خليها لازقالي في علا واخواتها اعمل الي قولتلك عليه منغير جدال."
تركته وذهبت من امامه.
أغلق مصطفى الباب وسند عليه وزفر بضيق. لمَ تفكر أمه بهذه الطريقة؟ ليس هناك طبقات تجعلنا مختلفين، فكلنا بشر. وهو عاجز عن مرافقة أحد غير شهاب. جميعهم يستهزءون به وبشخصيته الضعيفة عدا شهاب الذي يعذره ويعذر كم شاق بعمره من ظروف جعلته بهذا الطبع. شهاب صديقه الوحيد الذي يحكي معه عن تفاصيل يومه وأشياء لا يقدر على البوح بها لأمه. وكذالك يارا هي متعلقة بعائلة عمر. صحيح يارا محبوبة بين الجميع، ولكنها لم تحب أحداً غير علا وعمر صديقها المقرب الذي كان معها بالجامعة وظلوا معاً طوال هذه السنوات. أحياناً يظن أنها تحب عمر، ولكن تختفي ظنونه عندما يراها تصلح بينه وبين حبيبته، فليس هناك أحد عاقل يفعل هكذا!
ذهب لمنزل دعاء ورحب به الجميع. لم يطل في جلسته فقد نبهت عليه رحاب بالاستعجال. اتضطر أن يأخذ يارا رغماً عنها لأن رحاب قد أعطت أمراً ويجب تنفيذه مهما كان.
مصطفى:
"هستناكي تحت... اوكيه."
كانت يارا حزينة، لا تطيق هذا السفر. نظر إليها عمر وتحدث معها:
"انا نازل معاكي استني."
ركبا المصعد سوياً وزفر عمر وأمسك بيدها بحنان:
"حاولي تفكي."
صرخت ليلى بها بنفاذ صبر:
"افك اي يا عمر... هو انا بقولك جبت درجة وحشه في مادة..."
ضم يديه الاثنان على يدها محاولاً تهدئتها:
"عارف والله عااارف.... بس بقولك ده عشان متشككيش طنط رحاب فيكي... وهي لو عرفت هتعمل مشكله."
اقتربت منه يارا:
"انا مش عايزة اسافر وابعد عنك يا عمر.... انت الوحيد الي تعرف الموضوع وانت الوحيد الي تقدر تواسيني مش قادرة اتعامل معاهم وانا في الحالة دي ومش عارفة رد فعل ماما هيبقى اي لما تعرف."
ابتسم عمر لها:
"متقلقيش... هفضل على تواصل معاكي في التلفون واما ترجعي بالسلامه اكون لقيت حل... وان شاء الله خير استعيني بربنا وخلي ايمانك قوي مادام مغلطيش يبقى تكوني واثقة ان حقك هيرجعلك."
أومأت يارا برأسها وتنهدت بعمق.
تحدث عمر بصوت مرح:
"بركاتك يا يويو.... مودة رجعتلي امبارح... وامي قالتلي خلاص بدل ما نتخانق تاني رايح اخطبها الاسبوع الجاي."
صدمت يارا ولم تعرف ماذا تعقب، فهي غير قادرة على التمثيل الآن.
وصل المصعد للارضي وخرجت يارا من أمامه بصمت أثار شكوكه، ولكن عذرها لما هي به.
ركبت يارا السيارة بجانب أخيها وودع مصطفى عمر وتحرك بسيارته حتى انتبه لأخته ولحزنها:
"في اي مالك... اهو البوز دا خلى ماما تشك ان فيكي حاجه.. ما تنطقي يا يارا."
حاولت يارا كتم بكاءها فخرج منها صوت مبحوح:
"مفيش حاجه انا كويسة."
سندت رأسها ونامت، فهي لم تنم جيداً لأنها بقيت مستيقظة مع علا بالحديث سوياً. وفجأة سمع مصطفى صوت وراءه:
"هييي... رحلة."
فزع مصطفى من صوته ونظر بالمرآة فرأى شهاب وضحك حين رآه:
"يخربيتك خضيتني كويس ان يارا نايمه كانت مش هتستحمل."
ضحك شهاب وقال له بمرح:
"جاي معاكم يعني جاي معاكم."
مصطفى:
"بجد نفسي تيجي معانا."
شهاب:
"طبعا جاااي... حطني في الشنطة ومحدش هيشوفني."
مصطفى:
"ياريت لو ينفع... انت عارف انا ويارا في السفريات دي بنكون وحدانين اوي ومبنعرفش نكون صداقات بالسرعة الي بنبقى فيها هناك واصلا مبنحسش بالعيلة بتاتا وبنبقى ضاربين بوز وبنتمنى السفرية تخلص بأي طريقة... بس انا هحاول السفرية دي اتكلم مع يارا هي اكيد محتاجاني واهي فرصة تحس فيها انها مش لوحدها واني معاها عارف اني قصرت كتير في حقها ومكنتش بحسسها بأي اخوة بس دا لاني انا كمان مكنتش حاسس بنفسي انا دايما حاسس اني تايهه ومش فاضي لحد ومعودتهاش تاخد قرارات معايا لاني مبعرفش اخدها لوحدي اساسا...."
زفر بضيق لحالة أخته ولما وصلت إليه!
أخذ شريف إجازة بضع أيام ليسافر معهم، كان يريد أن يتغير مزاجه للأحسن فقد مل من تلك الحياة "الروتينية".
كان رحاب سعيدة بأنها ستذهب بعيداً مع حبيبها. نعم، فهي تحب شريف حباً جماً. لا بل تعشقه ومن قبل زواجها بزوجها السابق والد مصطفى ويارا الذي مات.
كان ضميره يأنبه تجاه ابنته الوحيدة، ولكنه يعلم كم هي تزعج كل من حولها وهو يريد أن يفرح الجميع. ولأن أسيل تزعج رحاب بعنادها وعدم إرضائها بأي شيء، قرر أن يبقيها بالمنزل ويحاول أن يفرح يارا، فهو يشعر أنها غير طبيعية. ويكفي أنه سيبتعد عن عالم العمل والمشاريع وينفرد برحاب زوجته. هي ليست حبيبته. فهو كان يحب زينب والدة أسيل، ولكن حب رحاب إليه يجعله مرغماً على حبها. فهو يرى نفسه جميلاً بعينيها، يحب حبه إليها، هي تجعله شاباً من جديد رغم كبر سنه، ولكنها بمرحها وهيئتها الصغيرة تجعله صغيراً وشاباً مراهقاً. يحب احترامها له وتأخذها القرارات، فهي لا تتعبة مثل ما كانت زينب تتعبة بأخذ القرارات والتمرد عليه والعناد، لكن رحاب تقول له "نعم وحاضر" فقط لا غير، وهذا ما يريده أغلب الرجال حالياً.
*****
هتفت دعاء بذهول:
"يعني اي تتجوزها يا علي انت اتجننت في عقلك؟!"
أجابها علي:
"يا امي اي الجنان في الي بقوله... انا عاوز اتجوز يارا وبحبها من زمان."
صرخت بوجهه:
"دي اكبر منك."
زفر علي بلا مبالاة لما قالت:
"السنين مش مهمه ما دام الحب موجود وانا بحبها."
دخل من المنزل وحين رأته دعاء ركضت نحوه وهي تهتف بصراخ:
"الحق اخوك... اتجنن... عاوز يتجوزلي يارا بنت رحاب."
اتسعت عينا عمر ونظر لأخيه بدهشة.
*****
حملها يزن بين يديه وركض بها إلى سيارته، أدخلها بها وركب بجانبها. بحث عن زجاجة مياه وسكب بعض الماء بيده ووضع قطرات من الماء على وجهها ليفيقها، ولكنها ظلت فاقدة للوعي ولم تفق. قلق عليها بشدة وتحرك بسيارته مسرعاً للمستشفى.
كان يركض في المستشفى وهو حاملها ويصرخ بقوة. اقتربت منه الممرضات وحاولوا أخذها من يديه ولكنه غير قادر على تركها. يشعر بشيء غريب وكأنها منه! لا يريد أن يفقدها، ستترك فراغاً شديداً بداخله. وبعد محاولات كثيرة استطاعوا أن يأخذوها منه وحملوها على سرير وهو جالس على كرسي قريب من غرفة الإسعافات. وبعد مدة من الوقت خرج الطبيب، حيث نهض يزن من جلسته بقلق:
"خير يا دكتور.... هي كويسة صح؟"
تنهد الطبيب وتكلم بعملية:
"أصابها إغماء بسبب هبوط حاد في الدورة الدموية."
قلق يزن كثيراً فتحدث إليه بلهفة:
"وهي هتبقى كويسة.... يعني هي دلوقتي اي حالتها؟"
حاول الطبيبة أن يهدئ من روعه:
"متقلقش احنا ركبنالها محاليل وان شاء الله تبقى كويسة."
وجد الممرضات يخرجن ومعهم أسيل نائمة على فراش متحرك متوجه نحو غرفة ما بالمستشفى لتقيم بها.
ركض يزن تجاهها وأمسك بيدها وهو في حالة غريبة. لم يفهم مشاعره!
لم يتساءل نفسه، هو فقط يتصرف مثل ما يقول له قلبه، ولا هناك فرصة لحديث عقله.
كانت نائمة مثل الملائكة. نظر إليها يزن ودق قلبه بشدة. هناك شيء غريب يحدث له تجاه تلك الفتاة. لم يمر به من قبل. كان مثل الثور الغاضب حين رآها ليست بخير، أتى بها إلى المستشفى وكان خائفاً من خسارتها!
توقف وسمع صوت عقله وكان يفكر بالكثير من الأسئلة ويبحث عن إجابة؟
لماذا كنت خائف لهذا الحد؟
- إنها مريضة ولو كانت أي فتاة مكانها لكنت فعلت هذا أيضاً.
أي فتاة؟
- نعم أي فتاة.
أعطته الممرضة ورقة بها علاج لأسيل وطلبت منه أن يملأ استمارة المستشفى ويدفع مال الغرفة التي ستبيت بها أسيل.
كان يملأ الاستمارة سريعاً لكي يذهب لشراء الدواء لها، ولكن توقف عند خانة معرفة علاقته بالمريضة، هل هو أخيها أم أبيها أم أحد أقربائها... ولا أحد من هؤلاء!
لكن ماذا يكتب؟ كان سيكتب أخيها، ولكن تراجع وكتب مسرعاً... صديق.
كان جالساً على الأريكة ينظر إليها والممرضة تعطي لها الدواء بالمحلول.
اهدأ يا يزن لمَ كل هذا القلق؟ هي بخير أمامك.
نظرت إليه الممرضة وتحدثت بشكل عملي:
"أجرينا ليها تحاليل دم... وظهر أن الهيموجلوبين قليل خالص ويظهر أنها بقالها يومين مش بتاكل لأن الكالسيوم كمان قليل ودا كله سبب كبير في انخفاض ضغط الدم بالشكل دا... يرجى الاعتناء بها جيداً وهي هتفضل في المستشفى بالكتير يومين لحد ما حالتها تستقر والا ممكن بعيد الشر الهبوط الجاي يكون مميتها بسبب قلة الغذاء."
صرخ يزن بها حين سمع آخر جملتها:
"لا موت أي... ربنا يبعد عنا كل شر... شكراً جداً ليكي."
ابتسمت الممرضة بود:
"تقوم بالسلامة إن شاء الله... عن إذنك."
ذهبت الممرضة من الغرفة وأغلقت الباب ورائها. اقترب يزن من فراش أسيل وأمسك بيديها بحنو:
"ناوية تدمري نفسك... خلاص معادش نفسك بتهمك... بنتتحري بالبطيء زي ما هو عمل... غفلنا كلنا وراح انتحر. انت كمان عايزة تعملي زيه وتعلقيني بيكي وتمشي.... مش بتاكلي بقالك يومين ليه بتعملي كده... ليه نفسك هانت عليكي بالشكل دا... على فكرة نفسك ليها حق عليكي."
نظر للطاولة التي بجانب سريرها فوجد هاتفها وحقيبتها الجامعية. سمع صوت رسالة أثارت اهتمامه. اقترب وأخذ هاتفها ونظر إليه. فتح الرسالة بفضول فرآها من رحاب تقول لها:
"ياريت متبوظيش علينا السفرية ونسمع خبر تعبك زي كل مرة وتخلي أبوكي يرجعنا كلنا اهتمي بنفسك واعتمدي على نفسك ياريت متتصليش بابوكي لانك هتلاقيه مغلق وأنا كمان هقفل موبايلي خلينا نشم هوا شوية ولا انت مبتحبيش الخير لحد؟ السفرية مش هتطول بس اهو يومين الواحد ميشوفش وشك فيهم."
هذا الكلام ليس موجهاً إليه ولكن أغضبه كثيراً ما تلك الوقاحة؟ تأكدت شكوكه أن زوجة أبيه هي من تجعلها بتلك الحالة. أمسك بإصبعها وفتح هاتفها ببصمة يدها. دخل على المحادثة وحذف الرسالة لكي لا تراها أسيل. لقد أثارت غضبه واستفزته بشكل كبير. ما بال أسيل؟ كيف ستشعر؟ لم تعاملها رحاب بهذا الشكل. يجب أن يعرف كل شيء عنها.
نظر إليها وأخذ كرسياً ووضعه بجانب فراشها وأمسك بيدها. لمس أصابعها كانت شديدة البرودة. قرب شفتيه نحو يدها وأخذ ينفخ بيدها لكي يدفئهم. وضع يده على خصلاتها ومسح على جبينها بحنين وتذكر شكلها وهي تبكي. ألمه قلبه بشدة. مسكينة يا أسيل لا أعرف كيف أواسيكي؟ لأني لا أعلم مما أواسيكي به! ولكني متأكد أنك لن تبقي هكذا لفترة طويلة. سأحاول جاهداً بتخفيف هذا عنك. لن أتخلى عنك إلا عندما تكونين سعيدة. لن أجعلك تشعرين مثل صديقي كان دائماً يشعر بالوحدة وعدم اهتمام الناس إليه حتى أهله. وأنا... أنا أيضاً تخليت عنه ولهذا أنا أعاقب نفسي على كل ساعة وكل وقت كان يطلب مني الجلوس معه وكنت مشغولاً. يمكن إذا كنت اهتممت به ورافقته ولم أتركه كان معنا الآن ولكني تعلمت من الخطأ ولن أكرره.
وبعد بضعة ساعات قد غفل يزن بهم من شدة تعبه، وحين شعر بأصابعها تتحرك بيده أفاق بسرعة، فهو نومه خفيف نوعاً ما. نظر إليها بلهفة:
"اسيل... انت كويسة."
لمَ تواصل سؤالي إذا كنت بخير؟
لمَ تواصل القلق عليّ؟
لم أعتاد هذا إلا من أمي!
يكفي أنا لا أريد أن يهتم بي أحد أو يهتم لأمري إذا كنت بخير أم لا... فقد اعتدت الوحدة.
نظرت إليه وهذه الأسئلة تدور بذهنها وهي ترى قلقه الشديد عليها.
سحبت يدها بعنف ونظرت للغرفة ثم نظرت إليه باستفهام. ما الذي أتى بها إلى هنا؟
فهم يزن من ملامح وجهها واستعجابها من الغرفة:
"أنت في المستشفى... جبتك هنا بعد ما اغمى عليكي في...."
أيكمل أنها فقدت وعيها بحضنه....
تذكرت أسيل وحينها أغمضت عينيها بأنها تخشى التذكر. ثم التفت لتبحث عن حقيبتها.
ففهمها يزن وأخذ حقيبتها ووضعها على قدمها.
مدت يدها داخل الحقيبة وأخرجت دفترها وقلمها لتتحدث معه.
وكتبت به:
"عايزة اخرج."
نظر يزن إلى دفترها وقرأ ما كتبته:
"لا تخرجي أي... دا هبوط حاد في الدورة الدموية... اهدي كدا وصل علنبي."
لم تهتم لما قاله وأبعدت غطاءها ونهضت من الفراش بسرعة وذلك أدى إلى دورانها الشديد وكادت أن تقع، إلى أن أمسك بها يزن من ذراعيها ونتج ذلك اقترابها الشديد منه:
"يا اسيل انت تعبانه... لازم تخلصي محاليلك الأول.... انت عارفة تحاليل الدم بتاعتك مش تحاليل انسان دي تحاليل كائن فضائي احمدي ربنا انك لسه عايشة وفيكي نفس.... مبتاكليش بقالك يومين حرام عليكي نفسك... ارجوكي كفاية تأذيها."
كيف تخبره أنها لم تعد تشعر بأنها مشتهية للطعام منذ زمن، وحين تأكل يكون بالغصب على نفسها كي لا تموت مثل ما قال، وكانت تظن أن أحد سيعرف أنها لم تأكل لأنها تعيد الصينية مكانها المطبخ ولم تكن آكلة منها أية شيء، ولكنها لا تعلم أن رحاب تعيد الطعام للثلاجة وكأن شيئاً لم يكن ولا تهتم بكونها لم تأكل. فهي تظن أنها تفعل ما عليها، وإضرابها عن الطعام ليس بيدها، إذا كانت تريد الموت أو الانتحار فهذا قرارها.
أغرورقت عيناها بالدموع ونظرت إليه بوجع.
نظر لدموعها وسرعان ما أصابه القلق وهتف باسمها بلهفة:
"اسيل."
سمعت اسمها مرة أخرى بنفس الطريق وتدفق لحنه إلى قلبها.
نظر لعينيها وكرر كلماته التي لم يشعر بها، فهو مسلوب عن كل شيء حين ينظر لعينيها:
"مش هتخرجي من هنا إلا وأنا متطمن عليكي... استحالة أسيبك تمشي وانت بحالتك دي... لو انت مش خايفة على نفسك فأنا خايف عليها."
كلماته تشعل نيران بدنها، لا تعلم لمَ وكيف، ولكنها تشعر بالدفء والأمان تجاهه!
توترت من قربه وشعرت بأنفاسه على وجهها، وحين اقترابهم الشديد ظهر فارق الطول بينهم.
ابتعدت عنه لتأخذ أنفاسها، فقد شعرت بأن ليس هناك هواء بالغرفة حين ينظر إليها. لا تعلم ماذا يحدث لها... جلست على الفراش ومددت جسدها بإرهاق.
وضع يزن الغطاء عليها:
"عاوزك ترتاحي خالص وتشوفي هناكل أي النهاردة."
أعطاها دفترها لتكتب به بإقتضاب:
"شكراً مش عايزة اكل."
تحدث يزن وكأنه لم يقرأ شيئاً مما قالت:
"كينتاكي ولا ماك؟"
اتسعت عيناها بدهشة وكتبت بدفترها مسرعة:
"دول مقاطعة!"
ابتسم يزن وهذا ما أراده:
"أيوه كدا حسسيني انك عايشة معانا دنا افتكرتك متعرفيش حاجة عن الدنيا وفي حالك."
كتبت أسيل بدفترها:
"وهل يغفل أحد من موت إخوانه كل يوم؟ أسأل الله أن ينصرهم على الأعداء ويخلد أرواحهم ويأمن قلوبهم من الخوف وينزل على قلوبهم السكينة ويحفظ أطفالهم."
(اللهم أنزل على الصهاينة بأسك الشديد الذي لا يُصد ولا يُرد ولا يقدر على دفعه أحد.. قولوا آمين)
أمن يزن على كلامها ثم قال:
"يعني انت مش جعانة."
هزت برأسها بإيجاب. ثم سمعا صوت غريب جاء من بطن أسيل وهي تبوح جوعاً.
ضحك يزن بصوت عالٍ ووضعت أسيل يدها على بطنها بحرج.
يزن:
"اهي بطنك ردت هنطلب أكل عشان أنا كمان هموت من الجوع."
ثم قال بمرح:
"ومتقلقيش انت الي هتدفعي."
نظرت إليه غير مصدقة ما قال وسرعان ما ضحكت وضحك هو الآخر معها.
نظر لها بهيام حين تضحك تغلق عينيها حتى أن لونها يخفى بين رموشها ولديها "غمازة" تزيدها جمالاً فوق جمالها. حين تضحك تشعر بأن جميع وجهها يضحك معها. كم هي جميلة وكم تمنى لو تلازمها تلك الضحكة دائماً.
وبعد قليل وصل مندوب الشحن، فنزل إليه يزن ليأخذ الطعام منه وصعد إليها:
"انت وجبه وأنا وجبتين.. عدل ربنا."
كانت رائحة الطعام شهية.
فتحت أسيل العلبة ونظرت للطعام بحزن. هي حقاً تشعر بالجوع ولكنها غير قادرة.
كتبت له بالدفتر:
"انا حقيقي مش قادرة اكل."
قرأ ما كتبت وتحدث معها برجاء:
"بالله عليكي يا اسيل كلي ولو شوية... وغلاوة أغلى حاجة عندك لتاكلي... يا بنتي هتموتي كدا."
تذكرت والدتها حين كانت تترجاها لكي تأكل. ابتسمت للذكرى، فها هي ترى أحد يعاملها مثل ما كانت والدتها تعاملها.
حاولت أن تأكل ولكن لم تأكل كثيراً، فقط لتسد جوعها.
جاءت له مكالمة هاتفية من والده عبد الله.
يزن:
"صاحبي تعبان يا بابا ومضطر أفضل معاه في المستشفى."
عبد الله:
"لا حول ولا قوة إلا بالله الف سلامة ابقي طمني عليه.... طب هتيجي امتى."
يزن:
"والله مش عارف يا بابا لحد ما حالته تتحسن."
نظرت إليه وهو يتحدث مع والده وتسائلت هل سيبيت معها الليلة بالمستشفى؟
أغلق المكالمة ونظر إليها وجدها تنظر إليه بشكل مريب:
"جوعتي تاني... لسه وجبتك اهي متقلقيش مكلتش منها حاجة."
نفت برأسها وكتبت بدفترها:
"خليني اروح هو انا هبات في المستشفى."
أجابها يزن بعد ما قرأ:
"ايوا.. للأسف حالتك غير مستقرة ولازم تخلصي محاليلك عشان تعرفي تقفي على رجلك مينفعش تمشي وانت بالحالة دي."
كتبت بدفترها:
"وانت؟"
نظر إليها وتحدث بحنين بداخله ينبعث من وجه، فتشعر هي به بسرعة:
"أنا هفضل معاكي."
كتبت بدفترها:
"بصفتك اي؟"
شرد لثوان ثم هاتفه بمرح:
"بصفة اني صديقك... اه ماحنا بقينا أصدقاء هو انا مقولتلكيش معلش مجتش مناسبة أقولك بس أنا وأنت بقينا صحاب حتى سجلت رقمي على موبايلك ورنيت على نفسي وسجلت رقمك."
اتسعت عيناها بدهشة وظلت تنظر إليه وبها سؤال. لمَ يهمه أمرها هكذا؟
تشتاق لهذا الاهتمام حقاً حتى لو من شخص غريب. أي شخص يجعلها تشعر أنها حقاً موجودة بالحياة ولم تمت!
كانت تغفل بنعاس ولكن تفيق نفسها بسرعة حتى شعر يزن بها:
"نامي يا اسيل... انت تعبانه ارتاحي شوية."
نظرت إليه وقد ظهر عليها بعض الخجل لوجوده بالغرفة، ففهم نظراتها. ثم تفاجأت به يقف ويرفع يديه فوق الفراش ليسحب ستار الفراش ليكون حاجزاً بينهم:
"متقلقيش أنا مش شايفك... ولو احتاجتيني وعاوزة تنادي عليا... موبايلك في إيدك وأنا سجلت رقمي عليه باسم زونة."
ابتسم حين سمع همسات ضحكاتها.
جلس على الكرسي بجانب فراشها وفتح هاتفه يتصفح الإنترنت ليظل مستيقظاً. خاف من أن تحتاج إليه ولم تجده.
وبعد ساعات.
سمعت أسيل صوت البرق وسرعان ما هل المطر بشدة والبرق معاً.
وضعت أسيل يديها الاثنين على أذنيها وهي تصرخ بخوف.
رفع يزن الستار بسرعة حين سمع صرختها ووجدها ترتعش من الرعب. وكلما سمعت صوت البرق تندفع جميع أعضاء جسدها بزعر!
لم يتحمل يزن رؤيتها هكذا فحدثها بصوت يطمئنها:
"اسيل... اهدي... أنا معاكي..."
ازدادت حالتها سوءاً كلما تسمع صوت البرق.
أنزل الستار ووقف وهو يفكر فيما يفعله لتشعر بالأمان. هل يقترب منها ويعانقها؟
رفع الستار وحاول لمس ذراعها، ولكنها دفعته بقوة وهي خائفة ومازالت ترتجف.
تنهد ووقف ليفكر فيما يفعله. إنها تزداد زعراً من اقترابه إليها، فهي مازالت قلقة منه وهي الآن خائفة.
مد يده من أسفل الستار وحرك أصابعه وتحدث معها:
"اسيل.... امسكي إيدي... أنا جنبك متخافيش. هاتي إيدك يا اسيل."
فتحت عينيها ونظرت ليده وتحركت عيناها نحو الستار. هي لا تراه ولكن حديثه جعلها تشعر بالأمان.
حركت يديها نحو يديه الي أنا وصلت لباطن يديه ممسكة بها وهي خائفة.
أمسك يدها بحنو وهو يربت بأصابعه عليها:
"أنا جنبك... اهدي."
ظلت أصوات البرق تتعالى مع هطول المطر بغزارة وهي مازالت خائفة وترتجف وتقبض على يديه بقوة كلما سمعت صوت البرق.
وبعد ثوانٍ أمسك بحقيبته الصغيرة وأخرج منها سماعات رأس، فهذا هو الحل لأن كلما سمعت ذاك الصوت ارتعبت أكثر.
ناولها إياها من أسفل الستار وتحدث معها:
"خدي اسمعي الأغنية دي هتعجبك."
نظرت للسماعات وكانت مترددة، ولكنها سمعت البرق من جديد فأخذتها بسرعة ووضعتها على أذنيها.
كان الصوت عالياً لدرجة أنها لم تقدر على سماع صوت البرق مرة أخرى. قبضت يديها على يداه بقوة حتى لا يتركها ونامت بثبات وهي محتضنة يداه وتشعر بالأمان.
هدأ قلب يزن حين رآها بخير ونائمة وزفر بقوة. لمَ فزعت من صوت المطر هكذا وبهذه الطريقة!!
ما السر وراء رعبها الشديد من صوت البرق والمطر؟
وبعد ساعات نام يزن حتى أن قبضته على يدها بدأت تلين ويده تنسحب من يدها بدون أن يشعر، ولكنها شعرت به. وحين رأت يده تبتعد أمسكتها مرة أخرى وضمتها بأصابعها بقوة، لا تريد ترك يده فهي تشعر بالأمان.
*****
صفعتها رحاب على وجهها بقوة وهي تصرخ بها:
"حامل من مين انطقي...."
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الثامن 8 - بقلم مريم الشهاوي
اتسعت عينا عمر بدهشة قائلاً:
"يتجوز مين؟!"
نهض علي وتوجه إليه محاولًا إقناعه:
"أهو عمر، انت جيت اهو... عرفها إن الحب ملوش دعوة بالسن، وأنا بحب يارا من زمان من ساعة ما كنا جيران."
لمَ هذا الضيق؟ هل لأنني أعلم ما حقيقتها بأنها حامل وأشعر بالشفقة على أخي... أم شيء آخر؟
قالت دعاء بتوعد:
"على جثتي مش هتتجوزها يا علي، أي؟ بنات العالم كله خلصوا عشان تروح ليارا."
تحدث علي بعجرفة:
"أنا مش هتجوز غيرها... عمر، انت أكتر واحد هتساعدني، حاول تقنع ماما معايا إن..."
قاطعه عمر بقوله:
"بس أنا مش موافق."
صمت انتاب الجميع بذهول، حتى قطعته دعاء مادحة ابنها:
"اسم الله عليك، ربنا يكملك بعقلك... أهو أخوك الكبير كمان مش موافق... خلاص اقفل الموضوع، وانت لسه العمر قدامك كتير، انت لسه صغير، أما تشتغل و..."
تحدث علي بغضب موجهًا لعمر:
"ممكن أعرف مش موافق ليه؟"
أجابه عمر بضيق ظاهر عليه:
"مش موافق وخلاص، وخلي أسبابي لنفسي... وزي ما أمك قالت، انت لسه صغير."
"عمر! أسبابك لنفسك، آآه... قول كده.... ويا ترى الأسباب دي يا عمر، إنك بتحب يارا؟"
شهقت دعاء بفزع وصرخت:
"اسكت يا علي! أي اللي بتقوله دا!"
صرخ علي هو الآخر:
"لا مش هسكت... كلنا شايفين هو قد إيه مهتم بيها... كنت بعتبره أخويا، لكن الظاهر إن ابنك بيحبها ومجرجر مودة وراه، وبيتخانق معاها عشان يسيبها ويتجوز يارا، ولما سمع إني طلبت اتجوزها اتجنن! انت أناني يا عمر وبتحب كل حاجة لنفسك، كل حاجة في البيت لازم تكون ماشية بكيفك، لدرجة إن قرار زي ده بتعارضني فيه، وانت واثق إنه مش هيتنفذ لأنك انت اللي تقول أعمل إيه ومعملش إيه، طول عمري ماسكني تحكمات، تحكمات لحد ما طهقت... انت ملكش حق تعارضني في قرار زي ده.. ولا حد في البيت ده ليه الحق إنه ياخد قرار زي ده، أنا أنا بس اللي ليا الحق في أخد قرارات حياتي، أنا معدتش صغير."
تفاجأ علي بصفعة على خده من قبل والدته.
وضع يده على خده بصدمة.
واتسعت عينا عمر ونظر لأخيه بحزن.
سمعوا دعاء تقول بصوت صارم:
"الظاهر إنك محتاج تتربى من الأول، لازم تحترم أخوك الكبير، وحتى لو مش هتحترمه، احترمني أنا يا سيدي، بتعلي صوتك وأنا واقفة، الله الله شوف سيرتها لما بتتذكر بس إيه اللي حصل، أمال أما تعيش معانا... اسمع، منتش متجوز بنت رحاب إلا على جثتي، ودا آخر كلام عندي."
ذهب علي من أمامهم ورأسه يشتعل غضبًا متجهًا لباب المنزل.
أمسكه عمر بيده من ذراعه ونظرًا لبعضهما.
عمر ينظر له بشفقة وحزن عليه، أما علي فينظر إليه كأنه عدوه ويتوعد له بداخله.
وضع علي يده الأخرى على يد عمر الممسكة بذراعه وأبعدها عنه بقوة، ثم فتح الباب وأغلقه ورائه بعنف.
اغمض عمر عينيه بحيرة، لم يعد يفهم شيء، أو ما الذي يخططه القدر... كيف لأخيه بأن يعجب بيارا؟ هل يقول له لمَ يرفض جوازه بها؟ أم يظل صامتًا حتى يتفاجأ أخيه... لا بالتأكيد سيجد حلاً... هل يقول ليارا بأن أخيه يحبها ويطلب الزواج منها؟! تساؤلات كثيرة تدور برأسه لا يجيد الإجابة عنهم.
استيقظت أسيل في الصباح على صوت الممرضة تتحدث مع أحد وهناك صوت آخر يجيبها، يبدو أنه يزن.
الممرضة: "هجيب لحضرتك أي مرهم يفكهم، الف سلامة عليك."
يزن: "الله يسلمك... أي أخبار أسيل؟"
الممرضة: "هي أحسن من امبارح... وهشوف الدكتور ممكن نخرجها النهاردة ولا لأ."
خرجت الممرضة من الغرفة.
وأبعدت أسيل الستار حتى رأت يزن، وبمثابة ما رأته اتسعت عيناها بدهشة، فرقبته بها اعوجاج ورأسه مائلة إلى اليمين قليلاً.
ابتسم يزن حين رآها:
"صباح الخير... نمتي كويس؟"
هزت رأسها بإيجاب ثم شاورت بيدها على رقبته تتسائل ما بها؟
حدثها بمرح:
"أنا نمت كويس جدًا، كل الحكاية إن رقبتي بس اتلوحت من نومة الكرسي."
ضمت شفتاها بندم ثم أمسكت بدفترها وكتبت به:
"أنا آسفة."
ضحك يزن مجيبها:
"لا، أسفة إيه بس يعني، هي أول مرة."
كتبت بدفترها:
"بس منمتش على كنبة ليه؟"
أجابها بشرود:
"لأن....."
صمت قليلاً وهو يتذكر إمساكها بيده طوال الليل وهي تشعر بالأمان نحوه، وهذا ما أسعده، يتمنى لو يظل هكذا مدى الحياة مادامت أسيل مطمئنة.
شعرت بالحرج حين تذكرت ما حدث بالليل وكيف لم تترك يده أبدًا، فحاولت تغيير الحوار وكتبت بدفترها:
"شكراً على تعبك معايا امبارح... أنا بقيت كويسة، أقدر أمشي؟"
تكلم يزن بسرعة:
"لا لا، تمشي إيه... دا الممرضة لسه قايلة إنك لسه تعبانة ولازم تقعدي شوية كمان، وأنا مش ورايا حاجة، متقلقيش."
تعجبت أسيل من كلامه، فمنذ قليل سمعت الممرضة تقول له بأن حالتها تحسنت عن ذي قبل وسيسمح لها بالخروج اليوم، لمَ يريد أن يبقيها؟
كتبت بدفترها:
"بس الممرضة لسه قايلة إن ممكن أروح النهارده."
تنهد يزن بصعوبة ثم جلس أمامها وحدق بعينيها بقوة وهتف باسمها بنبرة غريبة:
"اسيل."
بقي محدقًا بعينيها ولا يعرف ما يقوله الآن... فكل الكلام الذي كان يرتبه صار هباءً منثورًا حين ينظر لعينيها، لا يشعر من هو؟ أين نحن؟ يتبدل كيانه ولا يعلم كيف يوقظ نفسه وقتها.
نظرت للأسفل بخجل وسمعوا طرق الممرضة على باب الغرفة وهمت بالدخول إليهما:
"حمدًا لله على سلامتك."
ابتسمت لها أسيل وأمالت برأسها مرحبة بها بود.
ثم نظرت الممرضة ليزن وتحدثت معه:
"ده مرهم هيفك التشنج اللي حصل..."
هتف يزن بوجع:
"آه ياريت بدل منظري ده، أكيد مش هنزل الشارع كده."
اقتربت الممرضة منه ولاحظت أسيل هذا وشعرت بشعور غريب ينتابها حين سمعت الممرضة تقول بصوت ناعم:
"حضرتك تحب أدلكلك رقبتك بيه؟"
نظر إليها يزن وكاد أن يتحدث بجفاء مثل عادته معها ويرفض بذوق، ولكن خطر بباله أن يشاكس أسيل قليلاً:
"لا إزاي، أمال أسيل بتعمل إيه هنا.... هي تبقى تدلكلي رقبتي، مش حابب أعطلك عن شغلك."
اتسعت عينا أسيل ونظرت إليه بذهول وهو يحاول ألا يضحك من نظراتها.
ذهبت الممرضة بإحراج وتركتهم معًا.
بصقته بعينيها بطريقة حادة وآثار الغضب على وجهها مما قال وكتبت له بدفترها:
"يعني إيه أدلكلك المرهم؟ مش فاهمه؟!"
يزن وهو يحاول استفزازها أكثر، فها هو يرى تعابير وجهها ويستلذ بجعلها غاضبة مثل الأطفال:
"وفيها إيه؟ ده أنا مريض، حتى مش هتساعدي مريض!"
أخذت تكتب بعنف في دفترها:
"وانت إيدك راحت فين؟ ما سليمة أهي ولا اتشلت؟"
وقف يزن واقترب منها ويقول بنبرة لوم:
"طب بصي إيدي اللي سليمة."
نظرت ليده ورأت جروحًا أسفل جميع أصابعه الخمس... لقد جرحته بأظافرها دون أن تشعر وهي مقبضة بقوة على يده ليلة أمس.
كتبت بدفترها بمكر:
"مش هتحط المرهم بضهر إيدك، بطن إيدك كويسة وإيدك التانية برضو كويسة."
زفر يزن:
"تعملي العملة وترميها، زي ما بخيت البخاخ في عيني وسيبتيني، وفين لما قررتي تساعديني، وقبل البخاخ كنتِ هبداني على الأرض مرتين وضربتي الفازة على دماغي... والله ما عارف إيه اللي جابر الواحد على الهزئ ده."
كتبت بدفترها وهي رأسها يستشيط غضبًا:
"والله أنا كمان ما عارفة إيه اللي جابرك."
حدق بعينيها:
"مش يمكن عينيكي هي اللي مبهدلاني بالشكل ده؟"
صمتت لبرهة لتستوعب ما قال، فقد فاجأها برده.
أخذ نفسًا عميقًا يحاول استرداد كيانه من جديد، ثم ابتعد عنها وذهب إلى المرحاض ليدلك رقبته أمام المرآة.
جلست على فراشها تحاول تهدئة قلبها، فهو يدق بقوة مما قاله، هل غازلها؟
ابتسمت شفتيها بمهل، فمن الفتاة التي تنزعج حين يغازلها أحدهم، وخاصة أن كان شخصًا ينبض قلبها إليه❤.
خرج يزن من المرحاض وهي وجهت الدفتر إليه ليقرأ ما كتبت:
"لو سمحت شوف الممرضة لو أذنت لي بالخروج لأني عاوزة أمشي من المستشفى."
فتحدث يزن بجدية وجلس على كرسي بجانب فراشها ويتحدث بجدية:
"لا يا أسيل، أنت مش هتمشي زي كل مرة، أنا محتاج إجابات لأسئلتي... إيه اللي مخليكي مش بتاكلي وإيه اللي مخليكي بتخافي من صوت المطر والبرق بالشكل ده؟ انت مش هتمشي من هنا إلا لما تجاوبيني... واعتبريها زي ما تعتبريها، واعتقد بقينا صحاب، إنك تقدري تتكلمي معايا، وصدقيني هحاول أساعدك إنك تكوني أحسن، أنا مش عاجبني إني أشوفك تعيسة بالشكل ده."
أخذت نفسًا عميقًا ثم كتبت بدفترها:
"وده مهم فإيه؟ انت متعرفنيش ولا أنا أعرف..."
تفاجأت به يمسك يديها فعجزت عن إكمال جملتها التي قرأها وهي تكتبها وأوقفها فورًا عن تكلمتها:
"لا، أنا أعرفك كويس، مش بتتكلمي بسبب فقدانك لوالدتك، وبعدك عن نفسك عن الكل، وطريقة معاملة مرات أبوكي ليكي، مش عارف انت إزاي ساكتة عليها ومقولتيش لباباكي على اللي بيحصل؟ أعرف كمان إنك فنانة وبتروحي كلية جميلة كفيلة بتغيير مزاجك وبإمكانك تكوني صداقات كتير عشان تخرجي نفسك من المود، بس قلبك ما زال مغلق للصيانة، لا قادرة تتكلمي مع حد ولا تتعالجي. اليوم اللي انفجرتي فيه وقلبك معادش مستحمل، أغمى عليكي، بحمد ربنا إني كنت موجود وعرفت آخدك للمستشفى. جالك هبوط من قلة الأكل، صوت رعد ومطر خلوكي مرعوبة بالشكل اللي شوفتك فيه امبارح، أنت بتدمرى نفسك شوية شوية... مادام مش راضية تروحي لدكتور نفسي، اتكلمي مع حد، هتفضلي كده لأمتى؟ قوليلي مالك وأنا هساعدك... هحاول أكون صديقك على قد ما أقدر، هحاول أخرجك من اللي انت فيه، ثقي فيا يا أسيل."
كان يتكلم بحزن شديد على حالتها وهي لمست شيء بداخله، إنه حقًا يريد مساعدتها وينوي الخير، ولكنها ترفض إفشاء أسرارها لأحد، فقد قررت بأن تموت الأسرار معها دون معرفة أحد، فكتبت بدفترها:
"بس دي أسراري ومحبش أشاركها مع حد، ولو سمحت أنا عاوزة أمشي."
ضم حاجبيه بغضب:
"يا بنتي، أنت ناوية تجننيني.... هتفضلي كاتماها كده لحد امتى؟ قلبك معادش مستحمل، أنا نفسي أساعدك."
وهل بقي أحد يساعدني على النجاة بعد أن غرقت بأعماق المحيط؟ فات الأوان فإن أنفاسي تقل وأنا أنتظر انتهائها.
كتبت في دفترها بوجع:
"محدش هيقدر يساعدني، وحتى لو فيه، نفسي معادش قادرة تقاوم كمان، هي استسلمت."
كلماتها مزقت قلبه ولمست وجعها، ثم نظر إليها وتحدث بيقين:
"ولو وعدتك إني هقدر أساعدك... اديني الفرصة وافتحيلي قلبك...."
ضمت حاجبيها باستغراب وكتبت بدفترها:
"هو أنا عايزة أسألك، ليه مهتم أوي كده تعرف حكايتي وتنقذني؟ إيه اللي مخليك عايز تساعدني وتمشي ورايا تطلب الطلب ده وعاوز تعرف قصتي؟"
أجابها يزن بحزن:
"كان ليا صديق دايمًا لوحده في آخر فترة ومحدش كان جنبه، حتى أهله كانوا مشغولين عنه، ولما كان بيطلب مني إننا نقعد، كنت بكون مشغول، كانت ساعتها فترة دراستي، فما كنتش مهتم أوي بسبب مذاكرتي، لكن طلع إن كان نفسه يفضفض مع حد، ولما اختارني خذلته، مقدرتش أكون الصاحب الكويس اللي يسمعه ويخفف عنه. ويا ريت الموضوع كان شوية زعل منه وخلاص هيروحوا لحالهم، لا ده كمان...."
صمت قليلاً غير قادر بنطقها وتجمعت الدموع بعينيه:
"انتحر."
اتسعت عينا أسيل بذهول وأشفقت على حالة صديقه، ووضعت نفسها مكانه، هل فكرت يومًا بالانتحار؟ وكانت الإجابة للأسف:
"نعم، هناك أيام كانت تود لو أنها تقتل نفسها وتستريح من عبء هذه الدنيا وظلمها، ولكن خافت ربها."
لم يقدر على كتمان دموعه، فهو كان أول شخص يراه منتحرًا. أجهش بالبكاء على صديقه المفقود:
"يوميها كنت فاضي، فقلت أروحله البيت وأشوفه عامل إيه. كنا الصبح، روحت ولقيت مامته كانت نازلة الشغل، فبسألها هو فين؟ قالتلي جوه في الأوضة نايم، ولما... لما دخلت عليه كان مرمي على الأرض وإيده بتنزف والدم ملى الأوضة، مكنتش اتخيل إني لما أفكر أسمعله هيكون الوقت فات وهو خلص على نفسه ومقدرناش نلحقه."
سالت الدموع على وجنتيها وبكت معه أيضًا. يا لها من قصة مؤثرة! شعرت بقلبها يؤلمها حين رأته يبكي هكذا مثل الأطفال. المعروف عند الرجال إنهم أقوياء ونادرًا ما يبكون، وحين ترى رجلًا يبكي فأعلم أنه مقهور. اللهم إنا نعوذ بك من قهر الرجال.
وضعت يدها على كتفه وربتت بحنو حتى هدأ قليلاً ثم كتبت له بدفترها:
"الله يرحمه، ادعيله كتير، أنت مالكش ذنب، نفسه اللي عملت فيه كده، مش أنت، والنفس تريد الهلاك وهو استسلم لنفسه، متقلقش أنا مش هعمل زيه مهما حصل، لأني عارفة إن ليا رب كريم وعادل وواثقة إنه هيجبرني."
كان مصطفى وشريف يجلبون بعض الحلوى والمشروبات لأنهم خططوا بأن يذهبوا إلى رحلات كثيرة ويحاولوا الاستمتاع بقدر الإمكان لتفريغ الطاقة السلبية.
كانت يارا بغرفتها لا تود النزول معهم ولكن مجبورة.
سمعت طرق على باب غرفتها وكانت رحاب.
فتحت الباب ودخلت رحاب ثم جلست على فراشها وتحدثت معها:
"إيه منزلتيش ليه؟"
يارا: "هاخد شاور وأنزل."
وفجأة شعرت أنها ستتقيأ فركضت نحو المرحاض بسرعة واستفرغت كل ما ببطنها.
ذهلت رحاب وتحدثت معها بقلق:
"أنت تعبانة يا يارا؟ شكلك أخدتي برد بليل، معايا دوا للترجيع."
خرجت يارا من المرحاض ولاحظت رحاب أن لديها هالات سوداء متزايدة ووجهها شاحبًا مثل الأشباح:
"ابقي حطي ميكب في وشك، متطلعيش بالمنظر ده.... هتاخدي دوا الترجيع وتبقي كويسة، يلا عشان ننزل نفطر و... ياااا."
صرخت باسمها حين وقعت يارا على الأرض فاقدة وعيها.
لابد من استدعاء الطبيب إلى غرفتها للكشف عليها.
رن هاتفها وكان شريف، لم تجبه فقد كانت قلقة على يارا.
وقفت بجانب الطبيب الذي كان يكشف عليها بعناية قائلاً:
"الف سلامة عليها، أنا اديتها حقنة وشوية وهتفوق إن شاء الله."
رحاب بقلق:
"هي مالها يا دكتور؟"
أجابها الطبيب بلهجة عملية بحتة:
"شوية إرهاق وده طبيعي في حالتها، خلوا بالكم من أكلها، لإن الظاهر من شكلها إن مفيش غذا، وده عشان سلامة البيبي وسلامتها."
توقف قلبها لثوانٍ وكأنها ماتت وأعادوه للحياة مرة أخرى مما سمعته... اتسعت عيناها بصدمة وانصرف الطبيب من الغرفة.
وحين انصرافه تقابل مع شريف ومصطفى أمامه متوجهين إلى غرفة يارا.
شريف: "إيه يا رحاب مش بتردي على موبايلك ليه؟"
شعر مصطفى بالتوتر تجاه أمه فلم يراها هكذا من قبل:
"في إيه يا ماما؟ أنت كويسة؟ وليه الدكتور كان هنا؟"
انتبهت لحديثهم وحاولت أن تتكلم بصعوبة دون أن تكشف شيء:
"إيه... يارا... يارا تعبانة شوية ومش هتعرف تيجي وأنا هفضل جنبها، اخرجوا أنتم."
تركوها مع ابنتها وهم ينتابهم القلق، فحالة رحاب كانت مريبة، ولكن حاولوا الاستمتاع بالسفرية.
استيقظت بعد فترة من الوقت ووجدت أمها تنظر إليها بتفحص، تتفحصها جيدًا وتشك بأن هذه ابنتها!
حاولت الجلوس ووضعت وسادة خلفها لتستند عليها ثم نظرت لرحاب:
"ماما... أنا آسفة بس تعبانة أوي ومش هقدر أنزل."
ظلت رحاب صامتة فقط تنظر إليها وهذا زاد قلق يارا أضعاف وتساءلت بخوف:
"في إيه يا ماما بتبصيلي كده ليه؟"
أخذت رحاب نفسًا عميقًا ثم تحدثت بغضب مكتوم:
"مفيش.... قولت أبص في خلقتك يمكن أقدر أتعرف عليها، بس مش لاقية بنتي!"
ضمت يارا حاجبيها بعدم استيعاب فأكملت رحاب وهي تقترب من فراشها وتتحدث بصرامة:
"مش ناوية برضو تقولي مالك وليه قافلة على نفسك ومش بتكلمي حد؟"
زفرت يارا بضيق:
"يا أمي كفايا بقى أنا تعبت من السؤال ده.... هو أنا امتى كنت سعيدة عشان تلاحظي دلوقتي إني اتغيرت؟ مش عارفة مالكوا مستغربيني ليه؟ ما أنا طول عمري كارهة نفسي ومش بكلم حد، إيه الجديد؟"
"الجديد إنك حامل."
تسارعت دقات قلبها بعد ما سمعت ما قالته!!
هل عرفت؟ من أخبرها؟ كيف علمت أنني حامل؟؟؟
ارتجف جسدها من الخوف ونظرت إليها برعب.
"إيه؟ هي مش دي الحقيقة اللي انت مخبياها علينا... كنت هتفضلي مخبية لحد امتى ها؟"
أمسكت بخصلات شعرها تفرغ غضبها المشحون وهي تصرخ بها:
"كنت هتعرفينا امتى بالبلوة دي؟ انطقي؟ يا خسارة تربيتي فيكي! أعمل فيكي إيه... أموتك وأخلص من عارك ولا أعمل فيكي إيه؟!"
انهمرت دموع يارا وهي تحاول التحدث ولكن هرب الكلام، لا تعرف ماذا تقول؟!
صفعتها على وجهها بغضب وهي تصرخ:
"حامل من مين؟ انطقيييي!"
ظلت تصفعها مرارًا وتكرارًا ويارا تصرخ بوجع.
تكلمت رحاب بجبروت:
"قوليلي مين يا إما هشرب من دمك... ورحمة أبويا وأمي في تربيتهم، لأوريكي يا يارا... أنا تستغفليني أنا... وأنا اللي بغلط نفسي إني مش مهتمية وإنك مش عارفة تبني علاقات وعمالة أجيبلك عرسان وترفضيهم، اتاريكي بترضي عشان اتلمستي يا ***** يا *****! روحي ربنا ياخدك ويخلصني من عارك."
صفعتها آخر صفعة بقوة حتى سقطت يارا على الفراش، أنفها ينزف من كثرة الصفعات.
أخذت تجهش بالبكاء، ماذا تجيبها فإنها لم تجد إجابة لنفسها، فكيف ستجيب أمها؟
انصرفت رحاب من غرفتها بغضب.
ثم أمسكت يارا هاتفها بسرعة واتصلت بعمر ولكنه لم يجيب عليها، فكتبت له رسالة عبر (الواتس):
"عمر ماما عرفت إني حامل، أنا مش عارفة هنعمل إيه؟"
رأت الرسالة بهاتفه لكثرة فضولها واتسعت عيناها حين قرأتها.
جاء لها من المرحاض وجلس أمامها على الطاولة.
عمر: "ها شوفتي هناكل إيه ولا لسه... أنا عن نفسي هاكل نجرسكو."
نهضت من جلستها ورحلت من أمامه غاضبة، لم يفهم عمر شيئًا، فأخذ مفاتيح سيارته وهاتفه وركض ورائها يحاول إيقافها وفهم لمَ تذهب بتلك السرعة؟
"مودة.... مودة ردي عليها... في إيه؟"
صرخت بوجهه بغضب:
"بقولك إيه يا عمر... ابعد انت وقذارتك عني."
لم يستوعب كلامها فتحدث باستفهام:
"إيه اللي بتقوليه ده... فهميني طيب إيه اللي حصل؟"
ذهبت من أمامه فأمسك ذراعها بقوة وتحدث بغضب:
"مودة، أنا مش عيل صغير معاكي.... أنت مجنونة؟ إيه اللي حصل في الدقايق اللي دخلتهم الحمام خلوكي تتغيري كده؟ في إيه؟ إيه اللي حصل؟ حد ضايقك؟"
صرخت بوجهه مجددًا:
"في إنك خاين ومتستاهلش ضافري، ابعد يا حقير... بقا دي يارا اللي بتقول فيها شعر وإنها أختك... يا زبالة بتستغفلني كل ده انت وهي.. مش عايزة أعرفك تاني."
أبعدت يده بقوة عن ذراعها وركبت سيارة أجرة.
تابعها بنظراته، هو لم يعد يفهمها.... ماذا فعل لتتكلم معه هكذا وما دخل يارا بالموضوع؟
زفر بقوة، فها هو يخسرها من جديد اليوم. وعدها بأن لا يتشاجروا وكان سيحدد معها موعدًا لخطبتهم.
تذكر جداله مع أخيه في الصباح وأنه مصمم على الزواج من يارا، ولا يعرف كيف يجعله رافضًا. سيتكلم مع يارا وبالتأكيد سترفض، هو يعلم علاقتها بعلي ليست محبة أبدًا وإنما هي أخوه، كان أخاها الصغير الذي تهتم لأمره، ولكن علي فهم غير ذلك.
فتح هاتفه وظهرت أمامه رسالة يارا، التي حين قرأها استوعب لمَ غضبت مودة منه.
قلق على يارا، فهاتفها، وحين رأت اتصاله أجابت عليه مسرعة وهي تبكي:
"عمر... ماما."
انهمرت في البكاء بحرقة وهو يحاول تهدئتها:
"قالتلك إيه؟"
يارا ببكاء:
"بتسألني مين... وأنا مش عارفة أجاوبها لأني ا..."
"-الو يارا... يارا."
ظلت المكالمة مفتوحة وسمع صوت صراخ رحاب بها.
رحاب: "بتكلمي مييين.... بتكلميه ها..."
صرخت يارا ببكاء:
"يا ماما صدقيني أنا معرفش مين..."
صفعتها رحاب بقوة فوقع هاتفها تحت الفراش.
وحين سمع عمر الصفعة اهتز قلبه بقوة وركب سيارته وهو يسمع حديثهم وأنفاسه تتعالى بغضب، فهو عاجز عن إنقاذه.
رحاب: "أنت بتستغفليني تاني صح.... عايزة شريف يقول عليا إيه.... يقول مربتش.... لازم نتخلص منه النهاردة قبل بكرة قبل ما بطنك تبان وتفضحنا.. مادام مش عايزة تقوليلي هو مين ويجي يتجوزك ويصلح غلطتكم ال**** ماشي يا يارا أنا هوريكي.... بتفضحيني أنا... أنا رحاب هانم اتفضح فضيحة زي دي، فتحطي راسي في الطين بعد ما كنت رافعاها للسما..."
صرخت يارا بها:
"مش هسقط جنين أنا... مش هخاطر بحياتي... أنا مغلطش... بقولك مش عارفة مين عمل فيا كده.. ولو كنتِ أم فعلًا مكنش ده حصلي، لو كان بيهمك أمري مكنتيش سبتيني، أنا ممكن أقعد بالأسبوع وأنت متعرفيش أنا موجودة في البيت ولا لأ من كتر سفراتك وخروجاتك، كل اللي هامك انت وبس."
رحاب: "أنت كمان بتبجحي.... يعني كمان قليلة الأدب... الله الله... طب هتسقطي اللي في بطنك يا يارا وهروح أعملك زفت عملية عشان أداري فضيحتك، يا إما تقولي مين الشخص ده ويجي يتجوزك يا ****."
يارا بوجع:
"أنت مش مصدقاني يا ماما بقولك أنا حامل ومعرفش من مين ومحدش لمسني، إزاي تتهميني كده؟ أنت مش واثقة فيا؟"
ضحكت رحاب بسخرية:
"آآه.... أثق فييكي؟ قولتيلي... مانا وثقت فيكي يا حبيبتي وعريتيني... لمي هدومك عشان هنرجع مصر، هقولهم إنك تعبتي، هنرجع ونشوف حل للفضيحة دي، وأنت إياكي اسمع صوتك لحد ما نروح، عارفة الآخرس؟ طول الطريق مسمعش حسك، وإياكي يا يارا تعيطي قدامهم وتحسسيهم بحاجة، هموتك والله أموتك فيكي."
تركته وذهبت من الغرفة.
ثم جلست يارا على الأرض تبكي بقهر ونظرت لهاتفها أسفل الفراش وأمسكت به، فرأت عمر ما زال معها بالمكالمة وسمع كل ما دار بينها وبين رحاب.
وضعت الهاتف على أذنها قائلة:
"سمعت يا عمر."
صرخ عمر بغضب:
"لا مش هتسقطي الطفل.... ده خطر عليكي."
يارا بوجع:
"أعمل إيه... بجد مش عارفة أعمل إيه يارب أموت أنا لو مت أو جرالي حاجة هكون ريحتها، لازم أسقط الطفل واللي عمل كده فيا أهو راح وأديني مش هعرف آخد حقي."
عمر: "هتاخديه."
يارا بيأس:
"خلاص يا عمر.... مش هعرف أوقفها... مين هيوقفها؟ ماما طالما قالت قرار فهو هيتنفذ مهما كان."
عمر: "انتو نازلين مصر؟"
يارا: "آه."
عمر: "تمام، أول ما تنزلي رني عليا."
لم تفهم شيء من حديثه وهو لم يقل لها ما يخططه.
أحضرت حقيبتها وأخذت تضع ثيابها بها لتجهز بالرحيل.
ذهب ليؤدي صلاة المغرب وحين عودته للغرفة وجدها واقفة وتهم بالرحيل.
يزن: "خلاص ماشية؟"
هزت رأسها بإيجاب وخرجت معه خارج المستشفى وهو توجه لسيارته:
"تعالي اركبي، أكيد مش هتروحي بتاكسي! أخاف عليكي يجرالك حاجة في الطريق."
شعرت بحنينه ثم ابتسمت بهدوء وركبت بسيارته بجانبه.
وبعد دقائق شعرت بالنعاس فغفت بالسيارة.
وبعد قليل رأى يزن قطرات الندى على زجاج السيارة.
أخرج يده من نافذة السيارة ووجد أن السماء تستعد لتمطر.
أوقف سيارته وأخرج سماعات الرأس ووضعها على أذنيها بسرعة حتى لا تسمع صوت المطر وترتعب مرة أخرى، يخاف أن يراها بهذا الشعور مجددًا.
وهي نائمة بثبات قرر بأن يوقف السيارة بمكان ما حتى يخف هطول المطر.
ظل شارداً بها وهي نائمة يتفحصها جيدًا، كيف لهذا الملاك أن يكون تعيسًا؟ لا يليق بها التعاسة أبدًا، فقط الفرحة تتناسب مع ملامح وجهها. كم رقيقة وبشرتها دافئة وجنتيها بهما احمرار طبيعي وشفتاها أيضًا وعينيها.
ضم حاجبيه بضيق لعدم رؤيته عينيها لأنهم مغلقتين الآن، فهذا أكثر شيء يتأمله بها، كم هي جميلة وبريئة الملامح... متى ستفتحين لي قلبك يا أسيل... ولكن هذه المرة أخذ رقمها واعتبرته صديقًا، فها هو أصبح شيئًا في حياتها... هو الوقت؟ انتظر يا يزن... انتظر قليلاً فهذا الموضوع يحتاج بعض الصبر.. كيف تخيلت أنك حين تسألها ما بها ستجيبك فورًا!!
هيا اضحك يا صاح، صار لك صديقة.. ولكن لحظة.... منذ متى وأنت تصاحب فتاة؟ وهذه المرة فتاة جميلة أيضًا.... يالها من أضحوكة إذا سمعتك والدتك تقول لها بأنك صاحبت فتاة لن تصدقك، فهذا ليس طبعك، أنت تتعامل مع جميع الفتيات بجفاء إلا هي...
تشعل قلبي حين أراها، أود التحدث معها لكثير من الوقت، أحب النظر إليها، أشعر بأنني لست أنا حين أنظر لعينيها.
بعد قليل بدأت أسيل في الاستيقاظ وكان ما زال المطر يهطل بقوة.
فأمسك يزن سترته ووضعها على رأسهما هما الاثنان.
فحدقت أسيل بعينيه بصدمة مما فعل وهي تسمع أغنية (رومانسية) وهناك ضوء خافت فقط يظهر بعض من ملامحهم ويخفي البعض.
دقات قلبه تعالت، فها هو يسمعها وخجل من أن تسمعها أسيل أيضًا من قوة صوتها.
انفاسهم اختلطت أسفل السترة وهما ينظران لبعضهما وهناك حرارة تشعل جسدهم هم الاثنان.
هي تنظر إليه ولا تعلم لمَ دق قلبها بقوة مع صوت الموسيقى، تشعر بأنها بفيلم رومانسي.
وهو الآخر يسمع موسيقى دقات قلبه وصوت المطر.
كان هناك لحن غريب بالجو كأنه علم بأن هذا المشهد يحتاج للحن رومانسي ليشعل اللحظة أكثر.
كان يزن يشعر بأن عينيها ستغرقه، بيوم أسقط نظره إلى شفتيها ولم ينتبه بتاتًا لما يقول عقله.
استسلم لمشاعره ولكيانه الذي سلب عن إرادته ولا يقدر على إيقاف نفسه.
أخذ يقترب إلى شفتيها بمهل حتى...........
وصلت يارا لمنزلها وبقيت واقفة أمام السيارة.
رمقتها رحاب بنظرة توعد:
"تعالي لجوا البيت، الخدم هيجيبوا الشنط واستنيني في أوضتك."
أردفت إلى المنزل ويارا أرسلت رسالة لعمر بأنها قد وصلت.
وبينما رأى الرسالة وجدت سيارته أمام المنزل.
أخرج رأسه من نافذة باب السيارة وهتف بقوله:
"اركبي."
اتسعت عينا يارا:
"أركب إيه.... هنروح على فين؟"
عمر: "اركبي يا يارا، مضمنش لو سبتك النهارده أعمل فيكي إيه، اركبي بقولك."
ركبت يارا السيارة بسرعة وتحرك عمر بسيارته مسرعًا متجهًا نحو.....
وبعد قليل أوقف سيارته عند مكان ما وهبط من السيارة وهاتفها:
"يلا انزلي."
يارا: "إيه المكان ده يا عمر؟ ما تجاوبني."
عمر: "انزلي بس وأنا هقولك... ثقي فيا المرة دي."
هبطت من السيارة وأمسك يدها وتوجها نحو مبنى.
قبضت على يده بخوف وهو ربت بأصابعه يطمئنها.
ثم دخلا إلى غرفة بها مكتب وشيخ بعمامته جالس.
ألقى عمر السلام عليه.
ثم جلس عمر هو ويارا التي لا تزال تستوعب ما يخطط له حتى أدهشها بقوله:
"عاوزين نكتب الكتاب يا شيخ على سنة الله ورسوله."
الشيخ: "ومن موكلها؟"
ظهر صوت مصطفى أمام باب الغرفة:
"أنا موكلها."
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل التاسع 9 - بقلم مريم الشهاوي
كان يزن يشعر بأن عيناها ستغرقه.
أسقط نظره إلى شفتيها ولم ينتبه بتاتًا لما يقول عقله.
استسلم لمشاعره ولكيانه الذي سلب عن إرادته ولا يقدر على إيقاف نفسه.
أخذ يقترب إلى شفتيها بمهل.
فاتسعت عينا أسيل من كثرة قربه.
ودفعته عنها بذراعيها بقوة فوقعت السترة التي فوقهما.
نظر لها يزن بدهشة.
لا يصدق ما كان سيفعله.
وتفاجأ بها تصفعه بقوة.
وخلعت سماعة رأسها ثم هبطت من السيارة تركض مسرعة بخوف وهي تشهق من كثرة البكاء.
ثم وقفت فجأة ونظرت حولها.
إذا بها تبللت تمامًا من المطر.
وسمعت صوت الرعد مرة ثانية.
جلست على الأرض واضعة يداها على أذنيها وتصرخ بوجع.
كان يزن واضعًا يده مكان صفعتها على خدّه.
هل كان يحتاج لتلك الصفعة ليفيق حقًا؟
هل هو فتى مراهق ليضعف هكذا؟
ولكن جميع السبل ساعدته لفعل تلك الخطيئة.
صوت المطر ولحن الهواء كاد أن يشعل نيران قلبه بالاقتراب أكثر.
خاصة بعد أن وضع السترة واقترب منها وأنفاسها الدافئة لامست خداه.
هو إنسان ولديه نفس أمارة بالسوء.
ولكنه كان ضعيفًا.
ولو لم تمنعه هي كان سيفعل شيئًا يندم عليه طوال عمره.
لاحظها بآخر الطريق جالسة على الأرض تضم ركبتيها على صدرها واضعة يداها على أذنيها.
إنها تمطر وبالتأكيد هي خائفة.
لقد فعلت كل هذا لكي لا ترى المطر أو تسمعه.
ولكني بالنهاية تصرفت بحماقة.
هبط من سيارته مسرعًا إلى حقيبة السيارة وأخذ مظلة معه وركض نحوها بلهفة وهو يهتف باسمها.
كانت جالسة وتجهش بالبكاء وتشعر بألم بجسدها.
كأن هذه القطرات كأنها جمرات تحرق جسدها.
ثم شعرت بعدم نزول قطرات مياه المطر على جسدها.
فظنت أن المطر قد توقف.
ولكنها حين فتحت عينيها وجدته أمامها واضع المظلة فوقها.
بعدت يداها عن أذنيها قليلاً ولكنها وضعتهما مرة أخرى بسرعة حين سمعت صوت المطر.
تحدث معها بحزن ينتابه.
"أسيل.... أنا آسف.... بجد أنا آسف. عارف إني غلطان وحقك.... بس ممكن أروحك البيت عشان المطر وانت بتخافي.... صدقيني ما هقرب منك.... أوعدك. خليني أرجعك البيت عشان أكون متطمن عليكي."
وقفت ونظرت إليه بغضبٍ وأخذت تضربه بقوة على صدره بيديها.
وبداخلها كلام كثير لا تقدر على البوح به.
وهو صامدًا مكانه لا يهتز.
يتحمل ضرباتها القوية.
يمكن هذا قد يخفف ما بداخلها ولو بالقليل.
سمعت صوت الرعد فارتجفت كل أعضاء جسدها بهلع.
وارتمت بصدره تحاوط ذراعيها حول ظهره ممسكة به بقوة وهي خائفة.
كأنه أصبح أمانها الوحيد التي تلجأ إليه.
ضمها بشوق وهو يأخذ أنفاسه بعنف شديد ويربت على رأسها بحنو.
"أهدي يا حبيبتي متخافيش أنا معاكي."
ماذا قلت؟
حبيبتي!
"افعل ما شئت يا يزن لا شيء أسوأ مما كنت ستفعله مسبقًا."
لم تسمع شيئًا من المطر.
فحين تشعر بالسكينة والدفء لا تعمل حواسك بشكل جيد.
وبعد مدة طويلة نوعًا ما توقف المطر.
وأنزل يزن مظلته وهي مازالت تعانقه.
فكر بأنها سوف تبتعد حين تسمع توقف صوت المطر.
ولكن الظاهر أنها لا تسمع الآن.
ظل واقفًا لم يمل.
فهو ينتظرها حتى تبتعد هي ولا يريد قلق سكينتها الداخلية.
وحقًا قلبه يشعر بانغمار مشاعره الآن.
لم تعد مشاعره مختلطة مثل قبل.
هو الآن يراها قد ترتبت!
وبعد قليل فتحت عينيها ووجدت أن المطر قد توقف.
ابتعدت عنه.
وحين ابتعادها اتصلت أعينهما بكلام لم يفهمه كلاهما.
وقرأت أسيل شيئًا ما بعينه التي تشعر بأنها ستلتهمها يومًا ما.
فخجلت وابتعدت عنه فورًا.
وقبل أن ينطق بكلمة واحدة كانت تاركة إياه وتعجل بخطوتها.
علم أنها لا تريد أن تسمع منه شيئًا.
ولكنه لن يتركها تعود للبيت وحدها ولا يضمن هي بخير أم لا.
فقرر أن يمشي وراءها يتابعها حتى تصل للمنزل بسلام.
وبينما هي تمشي وجدته ظله ورائها.
ورأته بمرآة زجاج السيارات وهي تمشي.
فتأكدت أنه يتبعها.
لم تنوله انتباهًا وأسرعت بخطوتها كي تصل سريعًا.
أتظنون أن عقله تركه؟
بالطبع لا.
طوال الطريق وهو متعب ويشعر بألم رأسه من كثرة حديث عقله إليه واتهامه بشدة.
ضميره يؤلمه وخائفًا من خسارتها بعد التصرف الأحمق الذي فعله.
وعندما وصلت أمام منزلها التفتت إليه ونظرت له بنظرة ثاقبة.
بلع يزن ريقه وحدثها بندم.
"أنا كنت ماشي وراكِ عشان أتطمن إنك وصلتي بسلام.... أسيل أنا آسف على اللي حصل وأوعدك مش هيتكرر تاني.... صدقيني مكنتش في وعي حرفياً مكنش فيه بربع جنيه مخ على اللي حصل وأنا بغلط نفسي والي عملتيه حقك وزيادة بس أرجوكي بلاش أخسرك.... آخر فترة انتي اصبحتي شيء مهم في يومي بقيت بصحى عشان بس أروح الجامعة أو أتكلم معاكي.... مش عارف لما يتقطع كل دا هبقى عامل إزاي.... بس أنا اتعودت أشوفك حتى لو بنتكلمش إلا قليل.... بس عيني خدت على إني أشوفك فارجوكي حاولي تنسي اللي حصل لأنه مش هيتكرر تاني أبداً صدقيني أنا آسف أنا كنت ما صدقت إن علاقتنا ابتدت تتحسن وأنا اتغابيت ورجعتها للصفر من تاني...."
زفر بقوة وهو يشعر بألم بداخله.
"أنا آسف لإني السبب في النوبة اللي حصلتلك من شوية.... بس أنا والله من ساعة ما المطر نزل وأنا كنت بحاول إني مأخليكيش لا تشوفيه ولا تسمعيه.... حتى أما صحيتي حطيت الجاكيت علينا عشان متشوفيش المطر وتجيلك النوبة ومكانش في دماغي أي حاجة من دي إنها تحصل وربنا.... بس...."
صمت بحرج ثم أكمل وهو يعتذر للمرة التي لا أذكرها بحديثه قائلاً.
"أنا آسف.... أوعدك إني هلزم حدودي بعد كده ومش هتشوفي مني أي تصرف مراهقين زي دا تاني أبداً.... بس أرجوكي بلاش تبعدي وتتجنبيني من تاني زي الأول أنا ما صدقت قربت منك."
نظر إليها بعينين منكسرتين.
هو حقًا نادم عما فعل.
هل حقًا لم يكن بوعيه؟
لم يقدر العقل على التغلب على مشاعر القلب.
ولكن هل هناك مشاعر بقلبه تجاهي!
شعرت اليوم حين لامس شفتاي أنني لست بوعيي أيضًا.
كلانا مخطئ بهذه الفعلة.
تركته وذهبت من أمامه ودخلت من بوابة منزلها.
وهو واقف يتابع خطواتها وحك رأسه بحيرة.
هل سامحته أم لا؟
ثم توجه إلى سيارته ليعود إلى بيته الذي اشتاق إليه ويود أن يرتاح قليلاً من إرهاق ذلك اليوم.
دخلت أسيل من باب المنزل فقابلها والدها وهو يصرخ بوجهها بحدة.
"الحراس بيقولوا إنك غايبة عن البيت ومنمتيش هنا... الحق عليا إني وثقت فيكي!"
أردفت رحاب وهي تقترب منهم محاولة إشعال غضبه أكثر.
"نمِتي فين طول الليل امبارح والنهاردة أهو طول النهار مش موجودة وجاية العشاء... كنتي مع مين؟ انتي معندكيش صحاب ولا أهل... يبقى هتكوني رحتي فين غير...."
صمتت لتجعلها آتية من فم شريف وهذا سيؤلم أسيل أكثر.
هيا لنستمتع.
صفعه شريف بقوة وصرخ بوجهه مرة أخرى وهي دماؤه تفور مثل البركان.
"يبقى بايِتة عند عشيقك... بتخوني ثقتي فيكي يا أسيل.... أنا لا يمكن كنت أتخيل إنك بالقذارة دي.... انطقي كنتِ بايِتة عند مين وإلا هشرب من دمك انتِ فاهمة ساكتة ليه.... ردي عليا كنتِ فين وبايِتة طول الليل عند مين؟!"
صُدمت حين صفعها ودموعها لمعت في عينيها بقهر قاتل مما فعل!
ابتسمت رحاب ابتسامة جانبية.
وتحدث شريف بصراخ صاخب.
"ما تتكلمي... هي رحاب بتقولي أمشيكي بحراس يراقبواكي وأنا أقولها لا يا رحاب يراقبها ليه أنا واثق إنها مش هتعمل حاجة غلط... بس عريتيني. كنتِ مع مين ونِمِتي عند مين؟!"
"أسيل كانت معايا يا عمي."
نظر الجميع نحو ذلك الصوت ووجدوا يزن يقف وراء أسيل متمتمًا بهدوء.
"السلام عليكم... إزيك حضرتك... أسيل نسيت شنطتها في عربيتي فكنت جاي أوصلهالها. آسف لو أزعجت حضرتك."
توقفت أنفاس شريف بحرارة يخشى أن يكون رآه وهو يصفع ابنته.
ولكن لحسن حظه لم يره يزن.
نظرت إليه أسيل وتلاقت نظراتهم.
وبسرعة تبدل نظرات يزن لقلق شديد حين رأى دموعها واردف بلهفة.
"أسيل انتِ كويسة؟"
وبسرعة سحبت رحاب أسيل من ذراعيها وضمتها إلى صدرها وهي تقول.
"مش هنسافر تاني متقلقيش.... أديني رجعنا بسرعة أهو.... وبابا مش هيبعد عنك تاني وأوعدك المرة الجاية هنكون واخدينك معانا اتفقنا؟.... أوعي تعيطي يا روحي."
كم تتفنن ببراعة تغيير لونها مثل الحرباء.
لم يصدقها يزن وأخذ ينظر لأسيل يود أن تتكلم وتقول له ما بها.
يشهد الله إن كان له الحق فيها لأخذها إلى منزله.
لم يخرجها منه ويبعدها عن تلك العائلة المزيفة.
لن يدع دموعها بأن تهبط أبدًا.
ابتسم شريف بتوتر.
"خير يا ابني فهمني أسيل كانت معاك إزاي؟"
تنهد يزن بوجع.
"امبارح قابلتها وهي خارجة من الكلية وأغمى عليها ساعتها نقلتها للمستشفى وكان عندها هبوط حاد والدكتور قال إنها لازم تفضل في المستشفى لحد ما تخلص المحاليل ويتم رعايتها طول الليل لحد ما حالتها تتحسن بسبب ضعف جسمها وقلة الغذاء والنهاردة أذنولها بالخروج ورضيت إني أوصلها بالعافية."
ابتعدت أسيل عن رحاب بعنف ونظرت لأبيها نظرة لم ولن ينساها أبداً وصعدت إلى غرفتها مسرعة تتبعها يزن بقلق بداخله يؤكد له أنها ليست بخير.
ابتسمت رحاب.
"شكرًا يا بشمهندس إنك وصلتها... كتر خيرك سلم لنا على عيلتك كتير."
شكره شريف هو الآخر وانسحب يزن وخرج من منزلهم وركب سيارته وهو مازال خائف عليها.
أمسك هاتفه وراسلها عبر تطبيق (الواتس).
"أسيل انتِ كويسة؟"
دخلت غرفتها واغلقت الباب بالمفتاح والقت بنفسها على الفراش تجهش بالبكاء بحرقة.
قلبها يؤلمها كثيرًا.
أهذا هو أبيها؟
تعيش معه تارة خائفة منه وتحبه تارة أخرى وتعلم أنه يخشى التعبير عن حبه.
ولكنها الآن تتأكد بالبطيء أنه لا يحبها وينكرها من حياته.
أمسكت بدفترها لتكتب به وحين فتحته وتقلب صفحاته لتأتي بصفحة بيضاء تكتب بها لاحظت بآخر الصفحات المكتوبة.
صفحة مكتوب عليها بخط آخر.
إنه ليس خطها!
إنه خط شخصٍ آخر!!
قرأت عنوان الصفحة الذي حمّسها
"حزن أم فرح؟"
حين تقرأ العنوان ستظن أنك ستختار بينهم ولكن لا.
فأنا لا أريدك أن تختار.
أريدك أن تعدل بينهم بإتقان.
فكل ما بحياتنا يجب أن يكون معتدلاً.
لا تكثر منه ولا تقلل منه.
لأن في الحالتين سينقلب بك المسار للأسوأ.
دع الحزن يأخذ وقته الكافي ولكن احذر إطالته.
فحين يكثر يسبب الأمراض وأحيحيانًا الموت.
فلهذا كن معتدلاً.
والسعادة تجعلنا مشرقين محبين للحياة مستهدفين طريقنا بإشراق.
ولكن احذر أن تمتلك السعادة حياتك بأكملها.
فلا تعرف أن تعبر عن حزنك وأحيانًا لا تستطيع البكاء.
فقد اعتد السعادة فترى نفسك تسعد فمواقف ليست وقتها بإظهار سعادتك.
"امسكي ورقة وقلم واكتبي بها كل الأشياء التي تسعدك."
"حسناً انتهيتي؟"
"هيا علقيها بغرفتك وأينما صعدتي لغرفتك حزينة تودين البكاء تذكري ما يسعدك. فها نحن لقد حزنا قليلاً هيا لنفرح. إليكِ الكثير من الأشياء التي تسعدك افعليها. ثقي بأن نفسك وسعادتك أهم من أي شخص يسيء إليكِ بالحياة. أشخاص كثيرة تسبب لنا الحزن والحل هو أن لا تحاولي أشغال عقلك بهم. أشغليه بشيء تحبه. لا تترك نفسك لعقلك أبداً خاصًا بالحزن ستجد أن عقلك يخلق سيناريوهات جديدة وحده! وأنت تصدقها وتحزن أكثر. فلهذا أقول لكِ أشغل تفكيرك بفعل الأشياء التي تحبها وبهذا تكون قد تخلصت بقليل من الحزن وملأت ولو النصف من السعادة بإنجازك شيئًا تحبه."
"وشيء آخر اعذريني على الإطالة."
"حين تستعدي للنوم لا تلقي بنفسك على الفراش وأنتِ لست ناعسة. لأن هذه ستكون فرصة العقل بالتفكير بشيء يحزنه. افعلي الشيء التي تحبينه حتى تغفلي على نفسك وحينها ستلقي بجسدك نائمة بثبات عميق ولا تقدرين على التفكير وستكونين نائمة تحلمي بشيء جميل. لأنكِ أفرغتِ القوة السلبية التي بداخلك في شيء تحبينه. تصبحين على خير يا فنانتي♡"
كلماته هدأت من غصة قلبها.
ونصبت على وجهها الابتسامة المشرقة وهي تقلب الصفحة لتنتقل لصفحة جديدة وتكتب بها ما تحبه حقًا.
وكأنه يومها الأول في التدرب على السعادة.
وضعت لوحاتها وامسكت بفرشاتها واخذت ترسم بسلام.
تحب أن ترسم من خيالها دون النظر إلى صورة.
تحب أن تعطي لخيالها المجال بالإبداع.
كم أحسن يزن بتغيير حالتها مئة وثمانون درجة.
فمنذ قليل كانت تستعد لدورة صياح وكتابة ما يحزنها فتحزن أكثر وتهاتف والدتها من النافذة مثل العادة.
ولكن اليوم مختلف.
اتسعت عينا يارا بدهشة.
كيف.. كيف سيتزوجها؟!
"كتب كتاب إيه يا عمر؟؟؟ انتو اتجننتوا."
انهضت بسرعة من جلستها وذهبت نحو الباب وخرجت من المكتب تود الرحيل.
ولكن أوقفها مصطفى وهو يتمتم بحب ممزوج ببعض الألم على أخته.
"يارا.... أنا عرفت كل حاجة... عمر قالي... وده الحل الأنسب إن ماما متعملش فيكي أي حاجة من هنا لحد ما نعرف مين الزبالة اللي عمل فيكي كده... أنا مصدقك وعمر كمان مصدقك وهندور عليه لحد ما نلاقيه. أوعدك لو لقيته لخلكي تدوسي برجلك على وشه ويتعاقب وياخد جزاء اللي عمله."
اقترب عمر منهما يحاول التوضيح ليارا قائلاً.
"هنكتب الكتاب وأي خطوة طنط رحاب هتعملها تجاه العملية وهتجبرك على حاجة انتِ مش عاوزاها رني عليا وأنا هاجي أوقفها."
تحدثت يارا باستفهام.
"وافرد عرفت إننا كتبنا الكتاب؟"
أجابها عمر.
"مادا اللي عايزينه... يارا أنا عايز يبقى ليا الحق إني أمنع طنط رحاب إنها تأذيكي. وده أنسب حل للمشكلة دي."
زفرت يارا بضيق.
"وبعدين؟"
"هقولها إني كاتب كتابي عليكي وإنك مراتي وهطلب منها إني أجي أطلب إيدك من عمو شريف ونتجوز."
صرخت يارا به فهو غير طبيعته.
نعم هذا ما توده طوال عمرها ولكنها صرفت النظر عنه بتاتًا حين علمت بحملها.
"يعني إيه نتجوز انت كده بتفكر صح يعني؟؟؟"
هتف مصطفى.
"تتجوزوا يا يارا مش عارفة يعني إيه جواز واحنا مش بنهزر."
نظرت يارا لمصطفى معقبة حديثه بحزن.
"هيتجوزني في السرايا."
أجابها عمر بسرعة يخشى أن تفهمه خطأ.
"لا لا... سرايا إيه يا يارا.... هقول لأهلي إني كتبنا الكتاب وهتبقى مراتي شرعًا قدام الكل."
ابتسمت يارا بسخرية.
"وطبعًا كل دي تمثيلية."
هتف عمر بتأكيد.
"بالظبط.... أنا هتجوزك وكله هيبقى فاهم إنك مراتي وحملك مش هيأثر ولا هتنزلي البيبي وهروح معاكي نعمل قضية و...."
صرخت يارا به.
"ولما بطني تبتدي تبان؟.... هتقول دا ابن مين؟ ها رد عليا."
"ابني."
هتف بها عمر وهو ينظر إليها ويجيبها بلا وعي.
هو الآن يريد أن يتزوج من يارا قبل أخيه أن يقع بتلك الورطة!
دفعته يارا من أمامها بغضب وذهبت بخطوات مسرعة وخرجت من البناية.
ولحقاها هما الاثنان يوقفها عن الرحيل بصوت واحد حتى وقفت يارا وصرخت بهم بوجع.
"انتو فاكرين إنها لعبة؟.... فاكرين ماما هتسكت إن يتلوى دراعها؟ وانت يا عمر هانت عليك مودة كده عادي؟ وبالنسبة لوالدتك هتقولها إيه لما تعرف إن اتكتب كتابك وهي متعرفش ووالدتك واختك واخوك موقفهم إيه لما الكبير الناضج يفكر زي المراهقين ويتجوز في يوم وليلة.... الجواز مهوش لعبة.. أنا مش هتجوز يا عمر بالطريقة دي أنا مأذنبتش عشان أتهان بالشكل دا.... حد فيكم فكر فيا وبمشاعري لما اتجوز عشان بس جوزي يقدر يستر عليا بحاجة أنا مليش ذنب فيها ويحميني من عيلتي ومن الفضيحة! أخدتوا بالكم من الجملة أساسًا متجوزاه عشان ياخد لي حقي وبعد ما ألاقي اللي عمل كده كل شيء قسمة ونصيب ونتطلق ويبقى اسمي مطلقة وأم لطفل واللقبين أنا مكنتش ليا رأي فيهم أبدًا."
انهمرت بالبكاء أمامهم وتعالت شهقاتها بقهر.
عانقها مصطفى بحب وهو يربت على ظهرها بحنو ويحزن على حال أخته.
وعمر واقف يفكر ما العمل؟
دخل المنزل ورحبت به والدته.
"يزن حبيبي عامل إيه وحشتني... يالهوي المطرة مغرقة الدنيا اطلع غير هدومك بسرعة قبل ما تاخد برد.... صاحبك عامل إيه دلوقتي."
تنهد يزن بتعب.
"اللي لحد ما كويس الحمد لله دعواتك يتحسن... أنا تعبان أوي يا ماما عايز أريح على سريري."
"استني أحطلك تتعشى... يا عبده انزل."
يزن بتعب.
"لا لا أكلت.... ومش جعان خالص عايز أطلع أريح عشان مش قادر."
نزل عبد الله لأسفل ووقف أمام يزن بابتسامة وعانقه بحب.
"عندنا ليك خبر حلو."
ابتسم يزن بتمنى.
"يا ريت... قول بسرعة."
صرخت يسرى بفرحة.
"زينة راجعة بكرة من السفر."
فرح يزن كثيرًا بقدوم أخته الذي اشتاق إليها.
إنها غائبة منذ سنة خارج البلاد فإنها تدرس وتحضر دكتوراه بالخارج.
زينة طبيبة قسم جراحة العيون وهي ماهرة كثيرًا وتتقن عملها بشكل رائع.
صعد إلى غرفته واخرج زفيرًا عميقًا.
وأمسك بهاتفه ونظر لمحادثته إليها ولكنها لم تجيب عليه.
لم ترى الرسالة أيضًا.
هل هي الآن تبكي أم أنها قرأت ما كتبه وتحاول أن تفعل شيئًا تحبه الآن... أتمنى ذلك حقًا.
وجد صديقه مازن الطبيب النفسي متصل به عبر الهاتف مرتين!
ترك الهاتف من يده بلا مبالاه.
ففي الصباح سيتصل به.
الآن هو مرهق بدنيًا وعقليًا ولا يطيق الحديث مع أحد.
ولكن خطر بباله أن يكون مازن لديه أخبار جديدة عن حالة أسيل.
اتصل به فورًا ووضع الهاتف على أذنه منتظرًا يجيب الاتصال بفارغ الصبر.
"إزيك يا يزن عامل إيه."
"-الحمد لله... إيه في أخبار جديدة؟"
"-يزن هي تقدر تيجي معاك العيادة؟"
"-ليه الموضوع كبير للدرجة؟"
"-أيوه الرسمة معبرة جدًا والبنت دي بتتعرض لأذى نفسي شديد وحالتها ممكن تسوء أكتر. فبجد لو عرفت تجيبها جلسة واحدة يكون أحسن ليها. البنت حالتها النفسية مش مستقرة ودا بتطلعه من خلال هوايتها الرسمة تعبر عن حاجات كتير عن عجز الكل لإنقاذها من شخص ما. أنا لازم أقابلها."
زفر يزن بحزن فها قد تأكد أن حالتها تسوء.
"ماشي يا مازن هحاول معاها وأجيبها بس أديني شوية وقت..."
أغلق معه وتوجه إلى غرفته يفكر كيف سيقنعها لتأتي معه للطبيب بعد الذي حدث.
ثم هتف بعفوية قائلاً.
"أخطفها؟"
ثم رد على نفسه ليهدئ من عفويته وحماسه الزائد.
"لا تخطفها إيه بس صل على النبي في قلبك الأول نتكلم معاها نحاول نفتح معاها مواضيع... ونحاول نلطف الأول بعد اللي هببته دا. أما نشوف أصلًا سامحتك وهتقبل تتكلم معاك تاني ولا لا..... طب وبعدين... مهي أكيد مش هتيجي معايا... لازم تكون واثقة فيا عشان ترضى تروح معايا للدكتور..."
دخل المرحاض وأخذ حمامًا دافئ.
وعند انتهائه خرج وألقى بجسده على الفراش.
أحداث اليوم تتكرر برأسه ويتذكر أدق التفاصيل ولا يقدر على نسيان تلك القبلة.
مرر إصبعه على شفتيه وأغمض عينيه.
مشاعره تتجه نحوها بطريقة سريعة وغريبة بالنسبة له.
أغمض عينيه ونام بثبات عميق يستعد للغد للقاء أخته الحبيبة "زينة".
مصطفى.
"طب تعالي ندخل جوا ونتفاهم هنتكلم في الشارع؟"
يارا بدموع ووجع.
"نتفاهم إيه يا مصطفى... انت سامع هو بيقول إيه."
صرخ عمر بها.
"أنا بحاول أحميكي.... خايف أخسرك في عملية خطيرة زي دي... ولو اعترضت هبقى مين عشان أعترض وبردو هتنفذ اللي في دماغها. يارا أنا بعمل كدا عشانك أنا مش هستفاد حاجة من الجوازة دي غير إني خليتك في أمان وهاخدلك حقك وندور على اللي عمل كده."
أردفت يارا ونظرت إليه بتساؤل.
"ومودة... انت هتقدر تكسرها بالشكل ده؟!"
تعجب مصطفى من كثرة سؤالها عن مودة؟
هو يعلم أنها تحب عمر وظن أنه حين يعرض عليها بأن يتزوجها ستقبل.
فلماذا ترفض وتطمئن على مودة؟
حمقاء هي أم ماذا؟
أردف عمر بألم.
"مودة سابتني يا يارا..... وصعب إني أرجعها بعد آخر خناقة..."
"-بس هي قالتلي إنك رجعتلها اتخانقتوا تاني؟"
زفر عمر بضيق.
"أيوه... وكفاية لحد كده.. نسيبنا من موضوع مودة نبقى نحله بعدين. دلوقتي تعالي معايا هنكتب الكتاب ولو حصل أي حاجة أنا هتدخل وهنقول لطنط رحاب ساعتها إننا كتبنا الكتاب و...."
"-لا يا عمر مش هكسر أمي بالشكل ده... كفاية نظرتها ليا أما عرفت إني حامل.... كمان هتجوز من وراها وألوي دراعها..... هي عملتلي إيه عشان أوجعها بالشكل ده؟ دي أمي يا عمر وبغض النظر على اللي بتعمله فينا لكن هتفضل أمنا أنا ومصطفى وهنفضل نحبها طول عمرنا مش هنقبل نكسرها بالشكل ده.... وأنا مش رخيصة عشان أروح أكتب كتابي من ورا أهلي عشان أداري على غلطتي اللي أصلاً ابتلاء بالنسبالي وبموت كل يوم وأنا مش عارفة إزاي يحصل فيا كده. لا وكمان مكنتش عارفة ولا فاكرة حاجة."
رفعت رأسها للأعلى.
"أنا زيي زي البنات يا عمر بلاش تقلل مني لسبب أنا مليش دخل فيه... عايز تتجوزني عشان يبقى ليك الحق في حمايتي تتجوزني بطريقة صحيحة وتدخل البيت وتطلبني من أهلي... أنا من حقي يبقى ليا كرامة والي هيتجوزني يكون متجوزني زي البقية. هيجي في بالك إنها مش زي البنات وإني بقيت أم! لكن أنا زي ما أنا لأني مليش ذنب في اللي حصلي وراضية بقضاء ربنا وعارفة كويس إنه مش هيسيبني مادام أنا مظلومة. ولو مش انت اللي هتجيبلي حقي فربنا هيجيبهولي. ولو ممسكتش اللي عمل كده فواثقة إن ربنا هيرده له في حد من أخواته أو محارم عيلته... أنا فوضت أمري لربنا من بدري ومش مستنية ك تيجي وتقولي هتجوزك أستر عليكي وأحميكي من كلام البشر... ربنا هو اللي هيسترني بأي طريقة بقا."
كانوا ينظرون لها بدهشة.
تأكدوا اليوم أن يارا حقًا قوية ومؤمنة بالله واحترامها لأمها زاد إعجابها بقلب عمر أكثر.
استهزأ بفعلته كان أحمق حين فكر بهذا ومصطفى أخوها فكر بنفس منطقه.
ولكن لا أحد فكر بمنطق يارا.
ما ذنبها ليتم أول زفافها بهذا الشكل.
ربت مصطفى على كتفها بابتسامة مشرقة.
"انت صح واحنا غلطانين إننا فكرنا بالطريقة دي... بس اعرفي إن الهدف من الخطة الغبية دي هو إننا كنا عايزين نحميكي."
فرت دمعة من عينيها بوجع وقالت.
"تحموني من أمي؟"
"لا يا مصطفى أنا وانت عارفين كويس ماما عانت قد إيه في حياتها مع بابا وشوفنا دا بعينينا. يمكن تكون مش بتعرف تعبر عن حبها أوي بس احنا متأكدين إنها بتحبنا لأننا عيالها... مش هعمل كده في أمي متستاهلش مني كده. يكفي إني حامل ودا في حد ذاته وجعها وكسرها من ناحيتي."
تحدث عمر بحيرة.
"طب وهنعمل إيه؟ أنا مش عايزك تنزلي الطفل وأنا هتكفل بيه يا ستي ملكيش دعوة.. يا يارا مش شفقة دا حب.... انتِ اختي يا يارا وبخاف عليكي زي مصطفى بالظبط. إحنا اتربينا سوا الباب في وش الباب ومقدرش أبدًا أشوفك في خطر ومتصرفش."
تنهدت يارا بتعب.
"أنا كمان عايزة آخد حقي ومنزلش الطفل وخايفة على نفسي قبلكم... كمل خطتك يا عمر بس تتجوزني زي ما الدين بيقول تحفظ كرامتي عشان محدش ييجي يعايرني في يوم إني رخصت نفسي بالشكل ده. الناس كلها تكون فاهمة إني لقيت واحد قدرني واحترمني. آه هيبقى جواز صوري بينا بس قدام الكل جواز محترم زي بقيت الناس. متكسرنيش بالشكل ده..."
"أنا تعبانة أوي وعايزة أروح وكمان المطرة خلصت من بدري وأنا جسمي تلج."
نظرت لأخيها وسألته.
"انت جاي بعربيتك؟"
هز مصطفى رأسه بإيجاب فتحدثت يارا بإرهاق.
"تمام يلا نروح... سلام يا عمر وحقك عليا لو قولت كلام ضايقك بس اعقلها قبل ما تاخد أي قرار... مع السلامة."
أمسكت بيد أخيها وذهبت معه نحو سيارته.
وعمر يتابع أثرها بحيرة.
حيرة من مشاعره.
لقد احترم يارا كثيرًا بعد ما قالته.
ركب سيارته وتوجه لمنزله وهو يفكر فيما سيحدث غدًا.
كيف يقنع أهله بالمجيء معه لخطبة يارا!!
كيف سيكون رد فعل علي... سيخسره للأبد من أخذ حبيبته منه.
فكر بعقل يا عمر كن رزيناً.
كانت رحاب جالسة بغرفة يارا تنتظرها بغضب مكتوم بداخلها.
وشريف طمأنها أنها مع مصطفى.
دخلت من باب المنزل مع أخيها وحاول مصطفى أن يطمئنها وجعلها تصعد إلى غرفتها لترتاح قليلاً.
دخلت غرفتها والقت نظرة على والدتها.
وحين رأتها ركضت إليه لتعانقها بشدة.
كانت تبكي بصدرها وتفاجأت رحاب بفعلتها وكانت ستصرخ بها.
ولكن بادلتها العناق ومسدت على خصلات شعرها بحنان.
بداخلها وجع على ابنتها الوحيدة.
هي تظن أن والدتها سيئة ولكن تالله لا.
هي حقًا موجوعة من الداخل ولكن طبيعتها جامدة قليلاً.
ولكنها خائفة على ابنتها وحزينة عليها.
والتي لم تكن تعلمه رحاب أن ابنتها علمت كل هذا ولم تقبل على كسرها مرة أخرى.
همست يارا بتعب.
"ممكن أنام في حضنك النهاردة يا ماما... مرة واحدة بس.... أرجوكي."
كانت غاضبة منها كثيرًا.
ولكن كل هذا تم محوه حين سمعت بكاءها.
إنها أم.
لا تقدر الأم على تمثيل الغضب بمدة طويلة على أولادها.
إنها تلين مع الوقت وهي تشعر بغصة قلب ابنتها وتريد أن تطمئنها.
مددت جسدها على الفراش وفتحت ذراعيها ليارا التي ألقت بنفسها وسط عناقها لأول مرة ونعست بثبات.
لم تنم رحاب.
فمن الأم التي تنام بعد علم ذلك على ابنتها.
ظلت طوال الليل دموعها تسيل بصمت وتتذكر الأيام التي لم تكن تحنو على ابنتها وأنها أيضًا لها يد بتلك الخطيئة.
وظلت تفكر بحل لهذه المصيبة؟
وبعد أن أنهت رسمتها القت نفسها على الفراش وضحكت كثيرًا.
فرحة كبيرة بقلبها تشعر بذاتها وأخيرًا تغلبت على الحزن ووقفِته بوقته ولم تجعله يتمادى.
حين وضعت رأسها على الوسادة نامت فورًا.
استجابت لنصيحته.
فهي لم تمدد جسدها على الفراش إلا عندما تكون غافلة تمامًا لتنعس بسرعة دون تفكير.
استيقظ الجميع وظلت أسيل بغرفتها.
عادة لم تنزل لتفطر معهم ولم تذهب لجامعتها.
لأنها بإجازة نصف العام وذلك اليوم التي فقدت وعيها به بعد الجامعة كان آخر امتحان لها.
جلست يارا ومصطفى وشريف ورحاب على طاولة الإفطار.
والجميع صامت لا حياة بينهم.
وكل واحدٍ منهم يفكر بمشكلته الخاصة ويبحث عن حلها بأعماق أفكاره.
رواية لا تخافي عزيزتي الفصل العاشر 10 - بقلم مريم الشهاوي
استيقظ من نومه وحين أمسك هاتفه، أول شيء ذهب لمحادثته مع أسيل عبر الهاتف.
وجدها أجابته بوجهٍ يضحك:
"كويسة."
ابتسم بهدوء وكتب لها:
"صباح الخير."
ثم هبط من فراشه وذهب لتبديل ملابسه ليذهب إلى عمله.
كان ينزل على الدرج وهو سعيد، لا يفهم لماذا؟
بينما ليلة البارحة تراوده، وحين يفكر بها يخفق قلبه وتتسارع دقاته.
"الله الله على الضحكة الحلوة."
كان هذا صوت يسرى التي كانت جالسة على طاولة الإفطار ومعها عبد الله يتحدثون سويًا.
ابتسم يزن بحب:
"صباح الخير."
"تعالى فكر معانا، نقول لمازن إن زينة جاية ولا نعملهاله مفاجأة؟"
جلس يزن بينهما وبدأ بتناول الطعام:
"القرار ده بتاع زينة... شوفوها يمكن هي قالتله."
حدثته يسرى بحيرة:
"ماهي دلوقتي في الطيارة وأنا نسيت أسألها... عاوزاكوا تخرجوا من الشغل بدري وتكونوا مستنينها في المطار."
"وأنتِ كمان يا يسرى... متتأخريش في العيادة وكنسلي عيادات بليل."
"ما هعمل كده فعلًا... عاوزة أبقى في البيت قبل ما تيجي عشان أعملها الأكل بإيدي."
هتف يزن بحب:
"تيجي بالسلامة إن شاء الله... أنا عاملها جدول خروجات مش هقعدها في البيت ثانية."
ضحكت يسرى:
"يا واد، أمال مازن يعمل إيه؟"
قال يزن بامتعاض:
"مازن مين؟ هو عارف إني مش موافق عليه أصلًا."
ضحك عبد الله وهو يقول:
"أنا مش هنسى أبدًا اليوم اللي جه يطلب فيه إيد زينة مني وكنت أنت مشلفط."
تحدثت يسرى بتأكيد على حديث زوجها:
"كان جاي يا حبة عينه بيعرج وحاطط شاش على راسه وعينه مزرقة، ولا كإنه عامل حادثة قبل ما يجي."
أسند يزن ظهره على الكرسي مردفًا:
"كنتم عايزني أعمل إيه؟ واحد بقوله في وسط الهزار واحنا بنتكلم على عيالنا في المستقبل وكده، فبقوله إني هبقى عم العيال، لقيته بيقولي مش يمكن تبقى خالهم!"
ازداد صراخ ضحكهم هم الثلاثة على ذلك الحدث الذي لن ينسوه بتاتًا وسيصبح ذكرى مضحكة للمدى البعيد.
***
خرج مصطفى مع شهاب وتوجها ناحية الروضة قاصدين رؤية هدير للتحدث معها.
وقف مصطفى يتأملها وهي تداعب الأطفال بكل حب وحنان، لم يعشقها من فراغ، فمنذ سنوات وهو يراقبها في صمت، وعشقها بداخله طوال هذه السنين.
ولكن شهاب هو من شجعه على أن يخطو خطوة تجاهها.
قاطعه صوت معلمة ورائه:
"أيوه حضرتك جاي عشان طفل؟"
همس له شهاب:
"قولها إنك جاي تستفسر عن الحضانة."
تنحنح مصطفى وأردف بقوله:
"كنت عايز أعرف تفاصيل عن الحضانة والأنشطة بتاعتها."
ابتسمت المعلمة بود:
"آه طبعًا اتفضل حضرتك."
دخل معها إلى الروضة، وكانت هدير ترسم مع طفل بالحديقة، حتى سمعت اسمها يُنادى من قبل معلمة زميلتها:
"هدير تعالي ثواني."
نهضت هدير وتوجهت إليها، وحينما رأت مصطفى، تسارعت دقات قلبها بشدة، وهو أيضًا، كانوا الاثنين متوترين من رؤية بعضهم.
حتى سمعت المعلمة تتحدث:
"ده أستاذ مصطفى... عاوز يعرف تفاصيل عن أنشطة الحضانة، يا ريت تعرفيهاله لأني مشغولة."
هزت رأسها بإيجاب، ثم توجهت مع مصطفى إلى مقعد بعيد عن الحديقة تقريبًا ليتحدثوا بعيدًا عن الأطفال.
نظر مصطفى لشهاب وهمس له بأن يذهب بعيدًا عنهم، فابتسم شهاب له وذهب.
جلست هدير على المقعد وهو بجانبها، يفرك بيديه بتوتر، لا يصدق أنه يمكنه التحدث معها بتلك السهولة، لمَ كان الأمر صعبًا عليه بالاول؟
"حضرتك طفلك عنده كام سنة؟"
انتبه لحديثها وأردف مسرعًا:
"أنا معنديش أطفال... مش متجوز أصلًا."
كانت تود أن تبتسم لطريقة إلقائه المضحكة، ولكن تمالكت نفسها ثم قالت:
"امال حضرتك جاي تسأل لحد؟ الطفل اللي هتقدم له في الحضانة عنده كام سنة عشان أعرف أقول لحضرتك إيه الأنشطة وإيه النظام اللي هيبقى معاها؟"
جابها بتوتر:
"مهو معنديش طفل هقدمه في الحضانة."
تنفست بصوت عالٍ وهي تردف قائلة بملل:
"اومال حضرتك هتعرف التفاصيل لمين؟"
"أنا مش جاي أعرف التفاصيل الصراحة."
رفعت حاجبها له بتساؤل، فأكمل هو ليفاجئها بقوله:
"أنا الصراحة جاي عشان أشوفك."
صمتت لدقائق غير متفهمة ما قال جيدًا، لمَ يواصل اللحاق بها؟ هل يراقبها؟
"هو حضرتك بتراقبني؟"
"آه."
كانت إجابته مسرعة، حتى أنه لم يفكر قبل الإجابة، ماذا سينتج رده؟ ولكنه لم يكذب بحياته أبدًا ودائمًا صريح، ولكن صراحته هذه ستأتي بالسؤ.
تكلمت هدير بحدة:
"أنا لو شوفت حضرتك تاني هبلغ الشرطة، دي مش أول مرة أشوفك فيها ودايمًا بلاحظك، أنا مش عامية... وبعدين أنا عايزة أسأل سؤال... هي الفلوس بتاعت أستاذ وليد جيت أرجعها له، قالي إنه مش عايزهم وإنه أخذهم خلاص ومش عايز يشوفني تاني، هو حضرتك اللي دفعتهم؟"
قال بشجاعة:
"أيوه، وقولتله لو قرب لك تاني هبلغ الشرطة عنه وأحبسه، فمتقلقيش منه مش هيقدر يأذيكي تاني."
"أيوه حضرتك مين عشان تسدد لي فلوسي؟"
تكلم ببراءة واضحة:
"عادي... كنت حابب أساعدك و..."
قاطعته وهي تصرخ به:
"أنا مش عايزة مساعدة من حد ولا طلبت منك... وارجوك ابعد عن طريقي."
ثم وضعت يدها في جيبها وأخرجت منه المال الذي سدده بدالها:
"اتفضل حضرتك، جمعتهم لك، ويا ريت متساعدش حد إلا لما يطلب، لأن دي بتعتبر إهانة، أنا مطلبتش منك فلوس ولا جيت وقولتلك سد لي فلوسي، أنا قادرة أسددهم... ولو لمحت حضرتك بتراقبني تاني... أنا آسفة لو هبقى قليلة ذوق، لأنك ساعدتني مرة، بس خلاص مش عشان ساعدتني يبقى مباح ليك إنك تتكلم معايا وتفتح معايا حوارات، فلو شوفتك تاني أنا هطلب لك الشرطة تتصرف معاك."
تركته وذهبت، وهو كان ينظر للمال بيده وزفر بحزن لما حدث، لم يتمنى أن تشاجره.
سمع صوت شهاب يقول له:
"اياك تستسلم... هدير محتاجة راجل في حياتها يشيل عنها كل الهموم دي... بس قادرة تبوح بيه... خليك أنت الراجل اللي يقف جنبها وميسبهاش، صحيح هتتهزأ شوية... بس النوع ده بيستسلم بصعوبة."
نظر له ثم تابعها وهو يفكر ماذا يفعل مع محبوبته لكي تشعر بحبه؟
***
"اومال فين علي؟"
أجابته دعاء وهي تكنس الغرفة:
"سافر مع صحابه رحلة، أما جه وقالي قولتله ماشي، أهو يفك شوية وينسى الموضوع الأبله اللي كلمني فيه."
"قالك هيرجع إمتى؟"
"أسبوع، خليه يفك في الإجازة قبل ما يرجع للترم التاني في الكلية."
ثم خرج عمر من المطبخ وتوجه نحو الشرفة حيث والده جالس يشرب كوبًا من الشاي ساخن.
لمحه عدلي فابتسم قائلاً:
"أهلاً... تعالى اشرب معايا الشاي... أمك بتروق ومش هتشربه."
أمسك عمر بكوب الشاي وجلس أمامه، يحاول أن يفاتحه بالموضوع ولكنه قلق من رد فعله.
فتحدث عدلي محاولاً طمأنته ليتحدث:
"قول يا عمر... أنا سامعك، من إمتى وأنا باباك، طول عمرنا علاقتنا صحوبية قبل ما تكون أب وابنه."
ابتسم عمر ثم ألقى بقنبلته على والده:
"أنا عاوز أتجوز يارا يا بابا."
صمت عدلي قليلاً بدهشة، فهذا ما قاله له ابنه علي أيضًا... هل الإخوان يحبان نفس الفتاة؟ لم يتمنى أبدًا أن يحدث ذلك مع أولاده، فأي علاقة أخوية حينما تدخل امرأة بها تنقطع تلك العلاقة ويصبح هناك كراهية بينهم.
اعتدل في جلسته ونظر إليه:
"عاوز تتجوز يارا ليه؟"
تنفس الصعداء ثم أجابه بقول:
"عشان... بحبها."
ضحك عدلي بسخرية:
"ومودة؟ أي كنت بتلعب بيها؟"
أجابه عمر بدفاع عن نفسه:
"أنا ومودة انفصلنا، وأنا مكنتش بلعب بيها يا بابا... أنا حبيتها حب هي مقدرتش تبادلهوني... وحكايتنا انتهت."
"طب وإيه اللي خلاك فجأة تقول إنك بتحب يارا؟"
تنهد عمر بتعب:
"يا بابا عشان عاوز أتجوزها... أنا عارف إنك متردد في الموافقة لأنك أكيد عرفت إن علي عاوز يتجوزها هو كمان... بس علي صغير يا بابا ومش ناضج كفاية إنه ياخد قرارات زي دي، ولا بيشتغل ولسه في جامعته، فمش مقبل على جواز خالص، ولا حتى صادق في حبه، هو مش بيحب يارا لأن يارا مش بتحبه، يارا بتعتبره أخوها وهو فهم كده، لكن أنا ويارا... أنا ويارا كنا بنحب بعض بس مش حاسين بده، دائمًا كنت بقول إن خوفي عليها ده عشان هي زي علا بالنسبة لي، لكن طلع إني بحبها."
"لا علينا، فالنضع القليل من الأكاذيب لا ريب فيها مادام ستؤدي بنجاح ما نريده."
"بس أنت كده بتخلق كراهية بينك وبين أخوك..."
اقترب منه عمر وهمس بقول:
"يا بابا أنا الكبير، أنا اللي المفروض أتزوج الأول مش علي... وهو مسافر، ممكن أخطبها وهو لما هيرجع هيتقبل ده... مش أنت وماما طول عمركم نفسكم تفرحوا بيا؟"
تدخلت دعاء التي سمعت آخر كلماته قائلة بفرح:
"طبعًا يا تمر، ده يوم الهنا، يوم ما أفرح بيك يا كبيرنا... ها، هنروح نخطب مودة إمتى؟"
ضحك عدلي:
"لا يا دودو، ماهي مش مودة اللي هيتجوزها."
نظرت إليه دعاء باستفهام، فأكمل عدلي قائلاً:
"عمر عاوز يتجوز يارا."
سمعوا صوت علا بدهشة:
"مش كان علي، دلوقتي بقى عمر وعلي عايزين يتجوزوها؟"
شهقت دعاء وجلست على أقرب كرسي لتتمالك توازنها وهي تردد:
"أنا هيجرالي حاجة منكم."
ابتسم عدلي:
"ليه بس بعيد الشر عنك... أنا موافق يا عمر... شوف هنروح نطلب إيدها إمتى."
اتسعت عينا عمر وعلا ودعاء التي صرخت:
"يعني إيه موافق؟ أنت كده بتخلي فيه عداوة بين الأخوات."
أجابها عدلي مردفاً بقوله:
"ولا عداوة ولا حاجة، علي بيلعب وشاب مراهق... لكن لما يجيلي عمر ويقولي أنا اخترت إنسانة وعاوز أتزوجها، هجوزهاله وأنا مغمض عيني، لأني عارف إنه ناضج كفاية إنه ياخد قرار زي ده في حياته، وأنا مليش حق إني أدخل في القرار ده مادام هو مقتنع بيه... ويارا دي بنتي وأنا اللي مربيها وكنت بتمناها له من زمان، لحد ما قالي إنه بيحب مودة دي، فقولت عادي، لكن كونه إنه يرجع في قراره وربنا يقدرلهم إنهم يحبوا بعض، ده يسعدني جدًا، لأني بحب يارا وشايفاها مناسبة لعمر."
قبل عمر يد والده وهو مبتسم ومسرور لأن صاحب الأمر والناهي بهذا البيت قد وافق، وذلك سيسهل عليه الطريق.
ودعاء وعلا تراقبه بدهشة ولا يقدرون على الحديث بعد إصدار حكم سيد المنزل.
"أنا فاضي بكرة، ممكن نروح لها ب..."
"بابا، حضرتك وراك حاجة النهاردة؟"
"لا."
"طب أنا ممكن أتصل بيارا وآخد معاها معاد ونروح نطلب إيدها النهاردة."
صرخت دعاء:
"وليه الاستعجال؟"
ابتسم عدلي لها:
"وماله يا دودو، خير البر عاجله... شوف هتتفق معاها على الساعة كام عشان نجهز."
"يلا يا دعاء اعملي لنا لقمة ناكلها قبل ما ننزل، ده النهاردة قراية فتحة ابنك، مفيش زغروطة."
تحدثت دعاء بامتعاض:
"مش على حساب ابني التاني يا عدلي... واسمع يا عمر... أنا مش راضية عن الجوازة دي، لأني عارف إني مش بحب يارا ولا أمها، وأمها بتستعر مننا وتتعامل بأسوأ الطرق، وأنت عايزنا نناسبهم... بس أرجع وأقول البس أنت الطين وهترجع تقولي كان عندك حق يا أما... وخليك مبسوط وأنت بتسرق حبيبة أخوك من وراه."
"يا ماما يارا وعمر باين إنهم بيحبوا بعض من زمان، بس محدش فيهم كان راضي يعترف، يعني هي حبيبة عمر من الأول، هو مسرقهاش ولا حاجة، وكمان علي طيب ولسه صغير وهيشوف بنات كتير ويحب يا ماما."
قبل عمر رأس أخته وهو يشعر بأن ربه قد نصره.
ثم ذهب نحو والدته وأمسك يدها ليقبلها، ولكن دعاء سحبت يدها بسرعة.
"يا أمي رضاكي أهم حاجة بالنسبالي... وأنا هبقى مبسوط بقراري ده... مش أهم حاجة عندك إنك تكوني شايفاني مبسوط؟"
"أيوه يا عمر، بس مش على حساب أخوك.. لأنه بيحبها هو كمان، ترضى إن مراتك يبقى أخوك عينه عليها؟ هيحصل مشاكل كتير إحنا في غنى عنها، إن ولا واحد فيكم يتجوزها وخلاص، لكن ليه الحرب دي وإحنا عارفين مخاطرها كويس؟"
ابتسم عمر لها:
"مش هتحصل حرب... أنا وعلي بنتمنى الخير لبعض... وهو قلبه طيب وأكيد مش هيخسر أخوه عشان واحدة، إحنا علاقتنا أقوى من كده بكتير."
"يبقى أنت مستعجل ليه، ما تستنى أخوك أما يجي."
ضحكت علا:
"يا ماما عمر مستعجل بسبب شرارة الحب اللي في قلبه، ومش هيتجوزها، ده هو النهاردة هيروح يقرأ فاتحة ونشوف معاد الخطوبة ولسه الجواز... أكيد كل ده مش هيحصل في أسبوع يعني."
ثم ضربت عمر بمشاكسة منها:
"وبعدين يا لئيم... كل ده مخبي عليا إنك بتحبها... مقولتش لأختك حبيبتك."
عانقها عمر بحب قائلاً:
"واديني عرفتكم كلكم، عارفك أنتِ أكتر واحدة مبسوطة."
ضحكت علا:
"طبعًا، ده أنا دايما كنت بتمنى إنك تتجوزها وأنتم تقولوا إحنا أصحاب، إحنا أصحاب، لكن طلعتوا دايبين في بعض وإحنا مش حاسين، واديتونا على قفانا."
ضحكوا الجميع عدا دعاء التي ذهبت إلى المطبخ لتحضير الطعام وبداخلها نار مما حدث.
لا تصدق أنها ستناسب رحاب يومًا من الأيام، تلك التي تسميها بلقب دائمًا "خطافة الرجالة".
فزوجها الأول كانت زوجة له ثانية وجعلته يطلق زوجته الأولى، ثم سرقت زوج صديقتها.
لا تنسى أبدًا شجاراتها مع زوجها التي لم تحبه يومًا، ودائمًا كانت متمردة ولا ترضى بحياتها تلك، وكانت تشتكي لها بأنها لا تحب زوجها، وإنما تحب زوج صديقتها التي تقول إنها سرقته منها.
حينها خافت على زوجها من تلك العقربة وحاولت النفور منها، حتى سمعت أن زوجها قد مات، وبعد عدة أشهر كانت قد تزوجت من زوج صديقتها التي كانت تتمناه طوال عمرها.
كم كانت ماكرة وتخطط لكل شيء، وحزنت كثيرًا حينما علمت أن زوجة ذلك الرجل قد ماتت وتركت ابنتها لتربيها.
رحاب كانت تخاف على تلك الطفلة المسكينة التي وقعت في شباك خيوط رحاب، وستنقض على تلك المسكينة مثل الحيوان المفترس لتتخلص منها مثلما تخلصت من جميع عوائقها للوصول لزوج صديقتها.
لا تعلم ما حال الصغيرة وماذا أصابها وماذا فعلت بها رحاب، ولكنها متأكدة أنها لن تكون بخير ما دامت تلك المكيرة بحياتها.
***
"أييي؟... زينة وصلت... بتهزر يا يزن صح؟"
ضحك يزن ثم ظهر صوت زينة وهي تصرخ:
"أنا هنا يا حبيبي."
لم يصدق أنه يسمع صوتها الآن، معشوقته الصغيرة قد أتت بعد غياب طويل.
لم يشعر بنفسه إلا وهو يغلق عيادته ويذهب مسرعًا إلى منزلها.
"هتلاقيه ناطط دلوقتي."
ضحكت زينة ثم أردفت بقولها:
"مكنتش أعرف إنكم هتخبوا عليه، قولت هتقولوا له، بس كويس، حلوة المفاجأة دي."
سمعا صراخ يسرى فركضا الاثنان إلى المطبخ ونظرا لوالدهما الذي كان يطبخ معها، ولوالدتهما التي كانت تضع يدها على قلبها وتردد:
"يا عبدو حرام عليك، حرام عليك."
ضحكت زينة:
"والله وجاء اليوم اللي أشوفك فيه بالمريلة وواقف بتطبخ يا بابا، شكلك تهبل يا والدي."
ضحك يزن ثم نظر لوالده الذي كان يقف مثل الطفل المذنب وقال:
"حرقت إيه؟"
تحدثت يسرى محاولة التنفس:
"عمالة أقوله قلب البشاميل، قلب البشاميل، أهو كتل."
"والله كنت بقلبه بس أما إيدي بتوجعني بريحها شوية."
ضحكت زينة ويزن على منظر والدهما وهو يحاول تبرأة نفسه كأنه مجرم بفعله.
"اخرج يا عبدو... الله يسهلك... مطلبتش مساعدة، أنت اللي أصرت وأنا يا ريتني ما وافقت."
اقتربت زينة منها:
"يا ماما هدي نفسك... محصلش حاجة يعني... أنا هظبطه وشوفي أنت الجلاش اللي في الفرن، لحسن ريحته طلعت."
صرخت يسرى وهي تنظر لعبدالله:
"أنا مش قولت طلعه عشان زمانه استوى لأني كنت مشغولة في الكيكة."
وضع عبدالله أنامل أصابعه في فمه دلالة على شدة خوفه، فقد نسي أمر الجلاش.
ذهب يزن نحو الفرن وأمسك بقفازات ليخرج صينية الجلاش من الفرن، وحين أخرجها وجدوها حطامًا.
شهقت يسرى وحاولت التنفس ونظرت لزوجها بغضب.
اقتربت زينة من والدها وربتت على كتفه:
"أنا بقول تنفد بجلدك يا حاج، لحسن شكلها كده مش ناوية على خير أبدًا."
قال يزن بمرح:
"الله، أنا طول عمري نفسي أجرب الجلاش المحروق، بيقولوا بيبقى أحلى وهو محروق كده."
ضحكت زينة وعبدالله، ثم ارتعب كل من بالمطبخ على صوت صراخ يسرى قائلة:
"اطلعوووو برااااااااااا."
ركضوا جميعًا خارج المطبخ وهم يتنفسون بعنف.
وبعد قليل ضحكوا بصوت خافض لكي لا تسمعهم يسرى، ثم نظروا إلى باب المنزل الذي كان يطرق بقوة.
ذهبت زينة نحو المرآة لترى مظهرها قبل أن تفتح، حتى رأت أخيها يرمقها، لذا توجهت نحو الباب تزفر بضيق.
فتحت الباب وحين رآها مازن ضمها لصدره بقوة، حتى أنه رفعها من على الأرض بشوق كبير ويود إدخالها من بين ضلوعه.
نظر يزن لأبيه بغضب ثم توجه إليهم:
"طب ما تاخدها بيتك أحسن... يا أخينا... كفاية قطعت نفس البت."
ابتعد مازن عنها ونظر ليزن بغضب:
"عايز إيه ياض؟"
اندهش يزن من كلمته الأخيرة، فضربه بكتفه وهو يقول:
"ياااض... طب يلا روح بيتك."
أردف مازن بحدة:
"طيب ماشي... يلا يا زينة."
ثم أمسك زينة بيده واستعد للرحيل.
صرخ يزن به:
"انت واخدها على فين يا حبيبي، تعال هنا."
أجابه مازن بهدوء:
"رايح بيتي."
ضم يزن شفتيه ثم قال:
"ااااه... بيتك."
ثم أمسك يد أخته وجذبها إليه:
"من غير زينة."
ضحكت زينة ونظرت لأخيها:
"بقا بيتنا خلاص يا يزن."
رمقها بنظرة حادة:
"اسكتي أنت."
ثم وضع أخته وراءه وتقدم أمام مازن، وكانوا ينظرون لبعض بتحدي:
"أنت الظاهر نسيت علقة آخر مرة، فقولت تجدد الاشتراك الشهري بتاعها؟"
رفع مازن ذراعيه وأبرز عضلاته وقال باستهزاء:
"كان زمان وجبر... ده أنا رحت عملت فورمة عشان ميتحطش عليا تاني."
تحدثت زينة بإعجاب وتشجيع لمازن:
"يختي على عضلاته."
ثم نظر لها يزن وكاد أن يسبها لولا تدخل أبيه بالحوار:
"ما تبطلوا لعب عيال ده... هو كل مرة."
"هو لازم كده... لازم كل مرة ينكد.. ميحبش يشوفنا فرحانين أبدًا."
تدخلت يسرى وهي ترحب بمازن بسرور، ثم جلسا في غرفة المعيشة يتحدثون، وبينما يزن جالس يراقب مازن وزينة مثل الجواسيس، وهم يجلسون بقلق، وزينة متوترة من نظرات أخيها، بينما عبدالله يتحدث مع مازن، ويسرى تضحك وتمزح معهم سعيدة بتجمع أولادها، وترى أن مازن ابنها أيضًا، فهي تحب مازن كثيرًا وتراه زوجًا صالحًا مصلحًا، يكفي أنه يسعد ابنتها.
نهضت زينة من جلستها قائلة:
"أنا هروح أوضتي أجيب حاجة."
ولأن زينة كانت غرفتها بالأرضي، فاستغل مازن تلك الفرصة ليلاحقها.
"احم... أنا هروح الحمام يا عمي بعد إذنكم."
"- اقعد هنا، مفيش حمام إلا أما زينة تيجي من أوضتها... فاكرني أهبل؟"
"بس يا يزن... إيه اللي بتقوله ده.. روح يا حبيبي."
كان يزن سيتحدث ولكن أوقفنه والدته.
فكان جالسًا، عيناه على غرفة أخته، وحدث ما توقعه، وجد مازن يدخل غرفتها، فصرخ به:
"ولا يا مازن عندك... داخل تعمل إيه هااا؟?"
قال له مازن بمكر:
"داخل لمراتي."
غضب يزن ونهض من جلسته ليتوجه إليهم، فضحك والده وأمسك يده:
"يابني اهدى، دول كاتبين الكتاب بقالهم سنة، حرام عليك مش كده."
"- دي مراته يا أهبل، اتنيل اقعد."
ثم فزع كلاً منهم على صوت صريخ يأتي من غرفة زينة، فصرخ يزن وهو يتوجه للغرفة قائلاً:
"هاتوا المأذون عشان ييجي يطلق....."