تحميل رواية «قسوة اطاحت بي» PDF
بقلم ديانا ماريا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
إزاي خطيبتك تعمل كده؟ هو أنا عزماها تيجي تأكله وتأكل عيلتها وتمشي؟ مش المفروض كانت تساعدني؟ على الأقل تعمل مع أخواتك البنات! قال بدهشة: يا ماما إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟ هو إحنا عازمينهم عشان يعملوا في بيتنا دول ضيوف! قالت والدته بتوبيخ: طب بطل كلام تافه، ضيوف إيه؟ مش دي خطيبتك والمفروض كانت تقوم تعمل معايا وتخدمني كمان بدل ما تقعد مكانها وتتفرج عليا. جلست مكانها وأكملت بغيظ: دي حتى قعدت ولا شالت كوباية من مكانها هي وأمها، مش كانوا يخلوا عندهم دم يعني. تنهد بضيق من والدته وقال: ماما هو إحنا لو ر...
رواية قسوة اطاحت بي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ديانا ماريا
تجمد حمزة بصدمة: أنتِ بتقولي إيه يا سلمي؟
تابعت بصوت متقطع بسبب بكائها: م.ما..ما ه...هنا تعبانة أوي يا حمزة.
حمزة بقلق: أنا جاي حالا.
أغلق الهاتف و نظر إلى مريم التى قالت بسرعة: هلبس حالا.
ثم اندفعت إلى غرفة النوم، جال ببصره فى أرجاء المكان وهو يفكر بشكل محموم، ما الذي حدث لوالدته؟
أسرعوا إلى المستشفى و وجد شقيقتيه أمام غرفة العمليات سلمى تحتضن أميرة وهما يبكوا.
وقف أمامها و قال بحدة: ماما مالها يا سلمي؟
نظرت له سلمي: مش عارفة يا حمزة بس بيقولوا حالتها خطيرة أوي، هى لسة فى العملية جوا.
تطلع إلى باب غرفة العمليات بتشتت ثم جلس وهو ينتهد و يضع يديه بين رأسه بينما راقبته مريم بحزن، هى تعرف كيف أن علاقة حمزة و والدته كانت متينة وقوية قبل أن تحدث كل هذه المشاكل و كم كان يحبها و يخشي فقدانها كما فقد والده.
بعد قليل خرج طبيب ف نهض حمزة بتوتر: ماما عاملة ايه يا دكتور؟
حدق بهم الطبيب بعطف: العملية لسة مخلصتش بس للأسف حالة والدتك صعبة أوى خصوصا أنها متعرضة لضر"ب شديد و تم طعن*نها بالسكينة، ادعوا لها.
شهقت مريم بقوة من حديثه، غادر الطبيب ف انهارت سلمي بين أحضان أختها الباكية أميرة وكلتاهما مصدومين بينما وقف حمزة جامدا مصدوما أيضا، اقتربت منه مريم و وضعت يدها على كتفه وهمست بإسمه.
التفت لها بعيون مصدومة تائهة وهو يقول بصوت متحشرج: ماما.
مريم بإصرار: صدقني هتكون كويسة أن شاء الله متقلقش ادعي لها يا حمزة.
عاد يجلس على الكرسي بترنح وهو يحدق إلى الأرض دون رد، جلست بجانبه وهى تشعر برغبة فى معانقته للتخفيف عنه ولكنها بقيت ساكنة مكانها.
كانت وئام تبكى وهى تنتظر أن يأتي أي طبيب و يطمئنها على حالة شقيقها، تذكرت الرعب الذى شعرت به عندما نهضت بسرعة لتدلف إلى غرفته بعدما سمعت صراخه و وجدته ممدا على الأرض ينزف من رأسه ف أسرعت به إلى المستشفى.
رن هاتفها ف أجابت بصوت مختنق: ايوا يا مؤمن؟
مؤمن بقلق: أخبار كارم ايه يا وئام؟ أنا لسة طالع من الاجتماع من شوية لما السكرتيرة قالتلي رسالتك.
بكت بحرقة: هو فى العناية المركزة دلوقتى يا مؤمن، أنا دخلت عليه لقيته واقع و بينز*ف من دماغه، بيقولوا إحتمال يبقي ارتجاج فى المخ.
قال بجدية: يعني ده إحتمال بس يا وئام، متخليش الخوف و الأوهام يتحكموا فيكِ، كارم قوي و هيقدر يتغلب عليها أن شاء الله.
وئام بتعب: أنا خلاص تعبت مبقتش قادرة على حاجة.
مؤمن بصرامة: لازم تبقي قوية علشانه ، وإن شاء الله على أما أوصل هيكون فاق وبقي بخير.
وئام بتساؤل: هو أنت هتيجي أمتي؟
مؤمن: أنا فى الطريق جاي.
وئام بدهشة: بتسوق دلوقتى يا مؤمن! الوقت متأخر و إحنا بالليل، طب كنت استني الصبح!
مؤمن بتوبيخ: أنتِ بتقولي إيه يا وئام! عايزاني استني للصبح إزاي و كارم تعبان و أنتِ لوحدك ده كلام!
وئام بتردد و خوف: أنا بس خايفة يا مؤمن، الطريق بالليل مش أمان.
مؤمن بهدوء رزين: توكلي على الله يا وئام وأنا الحمد لله واخد بالي و مركز المهم دلوقتى أنتِ أكلتِ؟
قالت بصوت منخفض: لا ماكلتش حاجة ومش عايزة.
مؤمن بنبرة حازمة للغاية: دلوقتى حالا هتقومي و تروحي تجيبي لك أكل، أنا سألتك لأني عارفك كويس جدا و عارفة بتتصرفي ازاي فى المواقف اللى زي ده، دلوقتى هتسمعي الكلام يا وئام علشان خاطر كارم، مفهوم؟
أجابت بإستسلام: حاضر.
مؤمن بصرامة: يلا بسرعة و أنا هقفل و أتصل تانى.
أغلقت معه الخط و قد قررت ألا تفعل كما قال لها، فكرت بسخرية أنه سيعلم بكل الأحوال وسيوبخها بشدة كما أن أخاها بحاجتها ولن يفيده أن تسقط مغمي عليها من قلة الأكل.
نهضت وهى تتوجه للمصعد حتى تهبط لاسفل.
ظلت نظرات مريم مسلطة على حمزة لفترة طويلة وهى تفكر فى محنته و ايضا هل من الصواب إخباره بعودة وئام أم لا.
ربما تكون هذه أخبار مفرحة له تخفف من وقع محنة والدته عليه، ازدرت ريقها بتوتر إن سعادته هى أكثر ما يهمها رغم كل شيء، سخرت من نفسها كم أن الحب جعلها ضعيفة.
استجمعت شجاعتها لتقول بنبرة جدية: حمزة...
قاطع حديثها مجئ ممرضة فوقف الجميع بلهفة.
أعطته الممرضة ورقة وهى تقول بنبرة عادية: الأدوية و الحقن دى لازم تنزل تجيبها من الصيدلية تحت علشان المريضة هتحتاجها بعد ما تطلع من العملية.
أخذ منها الورقة وهو يسألها بنبرة خاوية: طب ماما هتخرج أمتي؟
الممرضة بعملية: قدامها شوية العملية ماشية كويس الحمد لله لو محصلش أي حاجة هتخرج بعد ربع ساعة.
أومأ برأسه وشكرها ثم التفت إلى مريم: أنا نازل تحت خدي بالك من سلمي و أميرة.
قالت بطاعة: حاضر متقلقش.
ذهب من أمامهم بينما تنهدت مريم بضيق وهى تفكر فى حظها العاثر مرتين ف فى كلتا المرتين التى حاولت إخباره بهما يحدث شئ يقاطع حديثها.
خرج من المصعد بعد أن وصل للدور الأرضي وهو ينظر فى الورقة بتركيز ف اصطدم بشخص ما بكتفه.
رفع بصره وهو يقول معتذرا: أنا آس...
تجمدت الكلمات على شفتيه وهو ينظر إلى من أمامه.
توسعت عينيه بصدمة: وئام!
حدقت به وئام بشحوب و همست بعدم تصديق: حمزة!
رواية قسوة اطاحت بي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ديانا ماريا
حدق بها حمزة طويلًا بعيون متسعة وهو يقف جامدًا مكانه يحدق بها بتركيز، تساءل في نفسه: "هل فعلًا مرت أشهر قليلة منذ آخر لقاء بينهما؟ إنه يشعر وكأنه منذ سنوات".
بينما وئام تنظر له بصدمة وفي عينيها تعبير يوحي بأنها لم تتوقع أن تراه مرة أخرى.
قال بهمس: وئام!
ثم تقدم خطوة إليها فسيطر البرود على تعبير وجهها وهي تلتفت لتذهب.
ناداها بقوة: وئام استني!
لم تلتفت وهي تسير فخطى إليها بسرعة ووقف أمامها: وئام.
وئام ببرود وهي لا تنظر إليه: لو سمحت أبعد عن طريقي.
قال بعناد: لا طبعًا! ده أنا ما صدقت أقابلك بعد كل ده يا وئام، أنا عايزك تسمعيني.
حدقت به بغضب: مش عايزة أسمع حاجة.
وقفت أمامه بإصرار: لازم تسمعيني، لازم تعرفي كل حاجة وتعرفي إزاي اتلعب بينا إحنا الاتنين.
عقدت حاجبيها بحيرة ولكن قالت بعدم اهتمام: معنديش أي رغبة أسمعك ولا أشوفك، اللي بيننا انتهى من وقت طويل يا حمزة يا ريت تفهم ده.
ازدرد ريقه وقال بصوت لاهث: مش مهم حاجة دلوقتِ قد الحقيقة اللي لازم تعرفيها، لازم تسمعيني ومش هتحرك قبل ما تسمعي أنا عايز أقولك إيه.
كانت على وشك الرد عليه بغضب حين سمعت صوت خلفها: فيه حاجة يا وئام؟
التفتت لتجد مؤمن يقف وينظر لهما بريبة فتقدمت إليه ووقفت بجانبه وهي تحدق إلى حمزة وتقول ببرود: مفيش حاجة يا مؤمن، ده أنا وحمزة اتقابلنا صدفة هنا في المستشفى.
حدق مؤمن إلى حمزة بنظرة جامدة يبادله حمزة النظرات بريبة.
نظرت وئام إلى مؤمن: يلا يا مؤمن.
كانت على وشك الذهاب حين تقدم حمزة يقول بقوة: وئام أنتِ لازم تسمعيني، لازم أقولك على الحقيقة.
أدارت ظهرها له بينما قال مؤمن بشك: حقيقة إيه؟
حدق به حمزة بعبوس: أنت مين؟
قالت وئام بحنق: مؤمن يلا نمشي من هنا أحسن.
لم يدر مؤمن وهو يحدق إلى حمزة: أنا مؤمن ابن عم وئام، تقدر تقول اللي أنت عايزه وأنا موجود.
وئام بضيق: مؤم...
صمتت عندما نظر لها بحدة: أنا معاكِ لو فيه حاجة مهمة لازم يقولها هيقولها وأنا موجود علشان الموضوع ده ينتهي مرة واحدة وللأبد وأستاذ حمزة دلوقتِ متجوز فهو عارف حدوده كويس.
حدق به حمزة بضيق ولكن وافق ثم ذهبوا جميعًا إلى كافيتريا المستشفى.
جلس حمزة بتوتر: وئام أنا عايز أعرف هي ماما قالتلك إيه يوم فسخ الخطوبة؟
وئام بعدم تصديق: أنت جايبني هنا علشان تسأل على كده؟
زفر حمزة: وئام السؤال ده مهم جدًا لو سمحتِ جاوبي.
وئام بكبرياء: مامتك جت وقالت إنك عايز تفسخ الخطوبة وما قالتش حاجة غير كده ولما ماما حاولت تفهم منها وتتفاهم معاها أهانتها وقالت كلام مش كويس ومشيت.
أغمض حمزة عينيه بقوة وظهر على ملامحه الألم ثم فتح عينيه وحدق إلى وئام: أنا ما بعتش ماما لحاجة يا وئام، أنا ما كنتش أعرف أصلًا.
اضطربت وئام بحيرة: يعني إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!
بنبرة مهمومة بدأ حمزة يسرد لها ما حدث منذ ذلك اليوم الذي جاءت والدته لتخبره بما فعلته وئام ووالدتها معها ثم البقية حتى اكتشف بالصدفة لعبة والدته لتفرق بينهما.
كانت عيون وئام تتسع ببطء مما تسمعه من حمزة وهي لا تكاد تصدق ما يخبرها إياه.
قالت وهي تتنفس بسرعة: أن... أنت بتقول إيه؟
أخفض رأسه لأسفل: هي دي الحقيقة.
تجمعت الدموع في عينيها فالتفكير بأن كل تلك القسوة التي تعرضت لها كانت نتيجة حقد لإنسانة تكرهها وترغب في تدمير سعادتها يؤلمها حقًا.
قالت وئام بنبرة مرتعشة: ط... طب ليه؟
لم يرفع رأسه ولم يجب عليها فأصبحت نبرتها أعلى: رد عليا ليه؟ عملتلها إيه؟ ليه كل الكره والخبث ده؟ ليه؟
قال مؤمن بصوت هادئ: اهدي يا وئام كده غلط عليكِ، اهدي علشان خاطر كارم.
نهضت فجأة وهي تقول بذعر: أخويا! أخويا محتاج ليا دلوقتِ.
نهض حمزة بقلق: رايحة فين؟ ماله كارم؟
وئام ببكاء: مش عايزة أشوفك دلوقتِ يا حمزة مش عايزة خالص! سيبني بقى!
التفتت لمؤمن بتوسل: بالله عليك يا مؤمن يلا.
نهض مؤمن معها وهو يحاول أن يهدئها: حاضر يا وئام يلا بينا.
ذهبوا بينما نظر حمزة لهم بحزن ثم تذكر الأدوية التي من المفترض أن يحضرها إلى والدته فغادر هو أيضًا.
من بعيد كانت مريم تراقبهم وقد كانت تقف منذ فترة، قلقت من تأخر حمزة خصوصًا بعد خروج والدته من العملية فذهبت للبحث عنه وأثناء ذلك رأته وقد قابل وئام أخيرًا وبالتأكيد أخبرها الحقيقة.
عادت بتخاذل إلى غرفة والدته بعدها عاد حمزة وهو هادئ، حدقت به مريم وهي تحاول أن تعلم شيئًا مما حدث من ملامحه ولكنها فشلت.
أخبرهم الطبيب بعدها أن لا فائدة من جلوسهم ولابد أن يعودوا إلى منازلهم ثم يأتوا في الصباح.
عاد حمزة مع مريم وإخوته إلى منزله وقد دلفت أختاه إلى غرفتهم للنوم لأنهم متعبون بينما بقي حمزة في الصالة ومريم دلفت إلى غرفة النوم.
جلست تفكر كثيرًا وقد جافاها النوم وفارقتها الراحة حتى اتخذت قرارها ثم خرجت إلى الصالة ووقفت أمامه.
رفع رأسه لها باستغراب: فيه حاجة يا مريم؟
مريم بجمود: أيوه يا حمزة فيه حاجة مهمة جدًا.
حمزة بتعجب: هي إيه؟
أخذت نفسها عميقًا ثم قالت بصوت لا حياة فيه: طلقني يا حمزة.
انتفض بسرعة من مكانه بصدمة: إيه الجنان ده!
ابتسمت بألم: ده مش جنان يا حمزة ده اللي المفروض كان يحصل من كتير.
هز رأسه بعدم تصديق: مش ممكن!
مريم بهدوء: أنا عرفت إنه وئام رجعت.
حدق بها بذهول فأكملت بمرارة: شوفت بقى يا حمزة إنه ده الصح؟ خلاص وئام رجعت وأنا مبقاش ليا مكان ولا لازمة في حياتك، الطلاق ده هيحصل دلوقتِ أو بعدين لأنك طبعًا لسه بتحبها وقلبك ليها فمش هنستفيد بحاجة في الجوازة دي غير إنك تتعذب وأنا كمان هكون بتعذب يا حمزة، لو سمحت ريحني وريح نفسك من كل ده.
قال حمزة بصوت مخنوق: مريم!
قالت مريم بإصرار: أنا مش هتراجع يا حمزة لازم تطلقني حالًا وفورًا، ملوش داعي نستمر في وجع القلب ده وصدقني أنا مش هزعل، طلقني.
نظر إلى الأرض للحظات طويلة بدت كالدهر ثم رفع رأسه وحدق بها بعيون حمراء، انتظرت وهي تكتم أنفاسها بترقب وخوف لما هو قادم.
ازدرد ريقه بصعوبة ثم قال بصوت مبحوح: أنتِ طالق يا مريم.
رواية قسوة اطاحت بي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ديانا ماريا
تراجعت مكانها و قد ارتجفت لثانية كأنها صُعقت وهى تحدق به.
أما حمزة اتسعت عينيه بصدمة وقد أدرك ما تفوه به للتو.
حمزة بهمس متردد: مريم.
تراجعت ببطء حتى استدارت و دلفت إلى الغرفة و هى تغلق الباب ورائها.
بقي حمزة يحدق إلى باب الغرفة المغلق حتى جلس و يرجع رأسه إلى الوراء و يغمض عينيه بقوة.
جلست مريم على السرير و هى تحدق فى الفراغ دون وعي، هزت رأسها بقوة يمينا و يسارا، حدقت فى أرجاء الغرفة بنظرات هائمة لم تنتبه للدموع الغزيرة التى تتساقط على وجهها، جلست و هى تضم ركبتها إلى صدرها و تضع رأسها بينهم، تبكى بدون صوت و ترتجف.
فى الصباح الباكر استفاق حمزة من نومه بسبب لمسة شعر بها على كتفه، فتح عينيه ليجد أخته سلمى تحدق به بقلق.
قالت سلمى بتعجب: حمزة أنت نايم هنا ليه؟
مسح وجهه بيده و هو يقول بنبرة عادية: كنت قاعد بفكر و نمت يا سلمى عادى.
وقفت سلمى تحدق به بعدم ارتياح: طيب مريم فين؟ صحيت الصبح ملقيتهاش.
نهض على الفور: مريم مش موجودة؟ أنتِ متأكدة؟
يمكن راحت تجيب حاجة و جاية.
عقدت سلمى حاجبيها بحيرة: معتقدش لأنه أنا صاحية من بدري و لحد دلوقتى هى مرجعتش، كمان اتصلت تليفونها مقفول.
دار حول نفسه بقلق و هو يبحث عن هاتفه حتى وجده ف حاول الإتصال بها، وجده مغلق كما قالت سلمى ف تنهد بإحباط، لاحظ وجود رسالة منها ف فتحها بسرعة.
"أنا مشيت من نفسي يا حمزة و روحت عند ماما علشان مبقاش فيه داعي أفضل موجودة، لو سمحت أتمني ميبقاش فيه تواصل بيننا بعد كدة غير لما تبعت لي ورقة طلاقي، ساعدني فى ده، ساعدني أتجاوز يا حمزة و أنا هفضل أطمن على خالتو من ماما، متزعلش لأنه مشيت من غير ما أقولك أنا مشيت الصبح بدري أوي شوفت ده أفضل حل ياريت يكون ده نفس رأيك و بتمني لك السعادة فى حياتك و أنه قلبك يلاقي اللي شبه بجد".
كانت هذه مضمون الرسالة التى أرسلتها له مريم قبل أن تغلق هاتفها نهائيا، ظل يقرأها مرارا وتكرارا حتى أخفض الهاتف و هو يجلس على الأريكة مجددا بهدوء.
اقتربت منه سلمى بقلق: حمزة فى ايه؟ مريم فيها حاجة؟
قال بصوت منخفض: مشيت.
اقتربت منه و هى تقول بعدم فهم: بتقول إيه؟ مش سامعة.
قال بصوت أعلي بعصبية: بقولك مشيت! إيه عندك مشكلة فى السمع!
حدقت به بذهول لماذا يخاطبها بتلك الطريقة؟ ماذا حدث له؟ لم تكن العصبية من طباعه أبدا.
قالت سلمى بذهول: مالك يا حمزة؟ كل ده علشان سؤال بسيط؟ وبعدين مريم مشيت ليه؟
أبعد وجهه بعيدا و قال بصوت يظهر فيه شعور الذنب: علشان طلقتها.
شهقت سلمى بقوة و هى تضع يدها على فمها: ط...طلقتها! مش ممكن! قول أنك بتهزر.
وقفت أمامه و هى تمسك به من ذراعه و تجعله ينهض و تديره ليواجهها: رد عليا يا حمزة و بص ليا و أنا بكلمك.
عاد ببصره لها و هو يحدق بها بصعوبة: أيوا طلقتها، ده الحل المناسب لينا يا سلمى.
دفعت ذراعه بعيدا و هى تقول بسخرية: والله! حل مناسب لمين بقا؟ أوعي تقولي أنك بتهتم بمصلحة مريم لأني ساعتها هضحك جدا.
حدق بها بإستغراب: قصدك إيه يا سلمى؟
قالت سلمى بجمود: قصدي أنت فاهمه يا حمزة أنت عملت كل ده لمصلحتك أنت و بس، ده كان حل مثالي ليك علشان تخلص نفسك من المسؤولية اللي عليك بسبب مريم، أنت فاكرنا مش شايفين ولا عارفين الوضع بينك و بينها عامل إزاي؟
بدأ حمزة يتنفس بقوة بسبب التوتر و الغضب: أنا مش هرد عليكِ لكن هحط لك عذر أنك لسة صغيرة مش فاهمة حاجة.
ضحكت سلمى بإستهزاء: صغيرة! الصغيرة دي فهمت حاجات أنت نفسك كنت عامل نفسك مش شايفها، من زمان من قبل أي حاجة، حتى من أيام يوم خطوبتك لوئام.
قال بعد استيعاب: قصدك إيه؟
سلمى بذكاء: قصدي أنه أنا عارفة ماما كويس يا حمزة و عارفة طبعها، طبعها اللي أنت عملت نفسك مش شايفه لأنك بتحبها و لأنها مثلك الأعلى، ماما أنانية فعلا يا حمزة و كانت بتسعي تخلق مشاكل بينك و بين وئام لأنها بتغير منها و مش عايزة أك تتجوز و تحب واحدة أكتر منها و لما فسخت الخطوبة من وئام هى جريت تخطب لك مريم عارف ليه؟ علشان مريم طيبة و هتقدر تتحكم فيها زي ما هي عايزة و هي عارفة كويس بردو أنه مريم بتحبك ف هتسمع كلامك ومش هتكون عايزة تزعل ماما، و أنت زي المغيب سمعت كلامها سمعا و طاعة، محاولتش تحكم نفسك ولا حتى تقف دقيقة تفكر هي بتعمل ده كله ليه؟ ولا تفكر أصلا أنت فعلا عايز كدة، اديت نفسك فرصة أصلا تفكر ولا لمشاعرك تهدي؟ للمرة المليون تجاهلت كل حاجة تحذير و إشارة فى تصرفاتها و سمعت كلامها و الحقيقة يا حمزة أنك إنسان متخاذل و ضعيف.
رفع يده ليصف*عها و هو يهدر بحنق: اخرسي!
توقفت بده فى الهواء ف ابتسمت سلمى بمرارة: أضر*بني يا حمزة، أضر*بني علشان بواجهك بالحقيقة اللي رافض تشوفها، علشان وقفتك النهاردة قدام نفسك فعلا و شوفت نفسك على حقيقتها يا حمزة، بس حتى لو، في الآخر الضحية فى كل ده كان مين؟ مريم، مريم اللي أنا عارفة بحبها ليك من زمان و لما أنت خطبت وئام هي اتد*مرت حرفيا بس كانت بتصبر نفسها أنها أهم حاجة عندها تشوفك سعيد ولما روحت لها هي مصدقتش نفسها من كتر الفرحة و أنا على قد ما كنت زعلانة عليك لكن فرحانة ليك فى نفس الوقت لأنه مريم بتحبك بجد و عمر ما حد حبك ولا هيحبك قدها و هي اللي كانت ضحية ليكم و لنفسها لأنها صدقتك و صدقت حبها و آمنت أنه حتى لو مش بتحبها ف حبها ليك كفيل يخليك تحبها، أكيد مكنتش هتتخيل أنك بالقسوة دي يا حمزة و أنك عديم الشفقة بالطريقة دي!
أخفض رأسه لأسفل و قد رأت سلمى إمارات العذاب تظهر على وجهه و عينيه ف أكملت بحزن: دلوقتي الحاجة الوحيدة اللي لازم تعملها أنك تزعل يا حمزة تزعل على نفسك و أنك خسرت المرة دي بإرادتك حد بيحبك بجد.
بعد أن اطمئنت على أخيها جلست تستريح خارج الغرفة لبرهة، حدقت إلى مؤمن الذي يسير إليها و في يده كوبين من القهوة أعطاها واحدا.
ابتسمت له بإمتنان: شكرا.
جلس بجانبها: عاملة إيه دلوقتي؟
تنهدت: الحمد لله بعد ما اطمنت أنه كارم كويس ارتاحت جدا.
شعرت أنه يحدق بها بتركيز ف قالت دون أن تنظر إليه: قول.
رفع حاجبه بضحك: و أنتِ عرفتِ منين أنه عايز أقول حاجة؟
رفعت كتفيها بلامبالاة: مش هتصدق لو قولتلك أني فعلا عرفتك و فهمتك فى الفترة القصيرة دي.
قال مؤمن بحذر: بالنسبة لموضوع حمزة ا...
قاطعته وئام بحدة: مؤمن الموضوع انتهي مش عايزة أسمع حاجة.
قال بهدوء: و أنا مقولتش حاجة لكل الانفعال ده.
احمرت بإحراج: أنا آسفة بس أعصابي تعبت من كل ده.
قال مؤمن بنبرة رزينة: أنا بس كنت عايزة أسألك على إحساسك لما اكتشفتِ الحقيقة.
تجمعت الدموع فى عينيها و نظرت له: عارف مفيش حاجة وجعاني أكتر من ماما، التفكير بس أنها اتهانت بالشكل ده علشان ولا حاجة و علشان بس ست كانت بتكر*هني و عايز تفرق بيني و بين أبنها بسبب تفكيرها و رغبتها المريضة بيوجع قلبي أوى.
أصبحت نبرتها مرتعشة مختلطة بالبكاء: ماما ماتت قبل ما تعرف الحقيقة و قبل ما حقها يرجع لها، ماتت و أنا عارفة أنها زعلانة عليا و كان نفسها تفرح بيا.
بدأت تبكى بحرقة و هى تردد: يا حبيبتي يا ماما حبيبتي.
حدق بها مؤمن بعطف ولكنه تركها تبكى و تفرغ ما في قلبها لعله يريحها قليلا.
ظل حمزة جالسا بعد فترة من مواجهة أخته التي غادرت بعد حديثها له و قد أخبرته أنها لا تريد النظر بوجهه مرة أخرى، ظل جالس يتذكر و يفكر في كل ما حدث من بداية خطوبته لوئام حتى اليوم.
احمرت عيناه بشدة و أصبح تنفسه أسرع من سيل الذكريات الذي يعصف به و في لحظة نهض و هو يك*سر جميع ما حوله، كسر جميع ما وصلت إليه يديه بإنهيار و قد أخرج ما كان يكتمه في قلبه منذ فترة طويلة، ظل يكس*ر و يحطم حتى ركع على ركبتيه و هو يصرخ بقوة و دموعه تتحرر لأول مرة منذ زمن طويل.
ردد حمزة ببكاء: يارب أنا مبقتش قادر يارب ساعدني و ارشدني للصح أنا تعبت، يارب.
بكى لفترة طويلة و هو يمسك بقلبه، يشعر أن الألم فوق قدرته على الإحتمال، تذكر في النهاية والدته التي ترقد في المستشفى ف نهض بتثاقل ليذهب لها ف هذا واجبه بعد كل شئ.
كان يسير في ممرات المستشفى و الجميع يحدق به بإستغراب و تعجب، كان منظره غير طبيعي ف عيونه حمراء بشدة و ملابسه غير مرتبة و يسير و كأنه لا يري أحد أمامه و تعبير وجهه تجعل من يراه يقلق عليه.
وصل إلى غرفة والدته ليري الطبيب يخرج منها، رأي الطبيب حالته الغريبة ولكن لم يعلق عليها بل اكتفي بالقول بنبرة جدية: لو سمحت يا أستاذ حمزة كنت عايزك في موضوع مهم في مكتبي.
حدق به حمزة ببرود: طيب.
ذهب معه إلى مكتبه و جلس حمزة أمام الطبيب، حدق به الطبيب بجدية: عايز أبلغ حضرتك بكل حاجة عن حالة والدة حضرتك و فيه خبر مؤسف عنها.
زفر حمزة بقوة: اتفضل حضرتك قول.
رفع الطبيب حاجبه ولكن استمر في الحديث: للأسف والدة حضرتك اتعرضت للضر*ب الشديد و عدة طعنات واحدة منهم كانت في منطقة حساسة جدا أصابت الحبل الشوكي ف تضرر ضرر مقدرناش نعالجه حتى في العملية.
قال حمزة بنفاذ صبر: دكتور لو سمحت قول علطول أعصابي مش مستحملة.
قال الطبيب بجدية: والدة حضرتك بسبب الإصابات بقت مشلولة بشكل شبه كلى.
اتسعت عيون حمزة بشدة: يعني إيه؟
الطبيب بتحفظ: يعني مش هتقدر تمشي على رجليها تاني و أيديها بردو الأعصاب فيها شبه متد*مرة ممكن تحركهم بالعافية و بشكل ضعيف و كمان مش هتعرف تتكلم غير بصعوبة شديدة.
رواية قسوة اطاحت بي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ديانا ماريا
انتظرها مؤمن حتى تهدأ، ثم مد يده لها بمنديل. أخذته و مسحت به دموعها.
قال بعقلانية: "طب مش شايفة عليكِ أي غلط يا وئام؟"
أدارت له رأسها بسرعة تقول بدهشة حادة: "غلط؟ عليا أنا؟ إزاي تقول كده بعد كل اللي سمعته!"
لم يرفع له جفن وهو يكمل: "لما حكيتي ليا أول مرة أنا غلطتك إنك مسمعتيش واتسرعتي لما جالك، ودلوقتي بغلطك تاني إنك بردو عملتي نفس التصرف."
بدت كطفلة والدها يؤنبها: "ما أنت عارف يا مؤمن عملت كل ده ليه."
ابتسم بتفهم: "عارف يا وئام، لكن ده ميمنعش إنه حاجة غلط. هو دلوقتي مثلا هيكون مصمم إنه يتكلم معاكِ ليه إلا إذا كان لشئ ضروري؟"
فكرت قليلا فأكمل بجدية: "وده مش في موضوع حمزة بس يا وئام، أنا بحذرك من التسرع في أي حاجة في حياتك لأنها صفة مش كويسة أبداً وعلى أساسها ممكن يحصل حاجات كتير توصل لمصايب لأصحابها. التسرع في القرارات والتصرفات الغلط ممكن يدمر حياتك."
تنهدت بهدوء: "معاك حق."
ابتسم لها: "طيب يلا نقوم نشوف كارم صحي ولا لا."
ردت الابتسامة له بتعب: "يلا."
***
ما زال حمزة يحدق إلى الطبيب بدون شعور، وكأنه انفصل في عالم آخر بمفرده.
"هل والدته حقا لن تسير مجددا؟ لن تستطيع الكلام؟ من فعل هذا بها؟ ولماذا؟"
كانت هذه التساؤلات تدور داخل رأسه حين أفاق على صوت الطبيب: "أستاذ حمزة أنت معايا؟"
نظر له حمزة بتشتت: "آه يا دكتور."
قال الطبيب وهو ينظر له بتفحص: "فيه ضابط جه وحضرتك مش موجود علشان ياخد أقوالك ويعرف لو حد كان بيكره والدتك لدرجة يعمل فيها كده، بس مكنتش موجود."
نهض حمزة بثقل: "شكرا يا دكتور بعد إذنك."
خرج من عند الطبيب ثم ذهب لغرفة والدته، دلف وهو يحدق بها، اقترب من سريرها.
تأملها وهو يحدق بها بحزن، يفكر في رد فعلها عندما تفيق وتعلم ما حل بها. لطالما كانت والدته قوية، تكره الضعف أو العجز، فماذا ستفعل عندما تعلم أنها أصبحت عاجزة عن النطق والحركة؟ وإلى الأبد؟
دق الباب، فسمح حمزة للطارق بالدخول. دلف منه ضابط، فنظر له حمزة بترقب.
اقترب منه الضابط وهو يقول بنبرة قوية: "أستاذ حمزة أنا جايلك بخصوص التحقيق في قضية والدتك، لأنه ده طبعاً زي ما أنت عارف شروع في القتل."
هز رأسه إيجابيا بانتظار ما سيقوله تاليا، فأكمل الضابط: "إحنا عن طريق كاميرات المراقبة اللي في الشارع قدرنا نشوف فيها ستات غريبة بتدخل وتخرج من بيتكم نفس وقت الحادثة، وبعد التحريات قدرنا نقبض على واحدة منهم، واعترفت إنها مدفوع لها من واحدة ست علشان تروح تعمل كده هي وكم واحدة مع الست اللي دفعت لهم."
حمزة بذهول: "مين الست دي وليه تعمل في ماما كده؟"
أومأ الضابط: "لما قبضنا على الست رفضت في الأول تعترف، بس بعد كده قالت إنها عايزة تشوفك."
اتسعت عيون حمزة بعدم تصديق: "تشوفني أنا؟"
الضابط بجدية: "أيوه، اتفضل معانا على القسم."
ذهب حمزة معه بتعجب شديد، وهو يتساءل لماذا تريد هذه السيدة التي حاولت قتل والدته أن تراه؟ هل تعرفه؟
بعد أن وصل لقسم الشرطة ودخل إلى الحجرة التي تقبع بها السيدة، حدق بها بغرابة وهي جالسة تنظر إلى الأرض بشرود.
جلس أمامها ثم قال ببرود: "أنت طلبتي تشوفيني؟"
رفعت بصرها له، فشعر كأن وجهها مألوف له بشكل غريب.
ابتسمت ابتسامة غريبة: "إزيك يا حمزة عامل إيه؟"
تفاجأ حمزة وقال بحدة: "أنتِ تعرفيني؟ طلبتِ تشوفيني ليه؟ وعملتِ كده في ماما ليه؟"
أكمل بغضب شديد: "إزاي يجيلك قلب تعملي كده في إنسانة بريئة؟"
حدقت بوجهه ثم بدأت تضحك بهستيريا وجنون، فرفع حاجبه باستغراب.
قالت المرأة وهي ما زالت تضحك: "إنسانة بريئة؟ لسه زي ما أنت طيب وعلى نياتك يا حمزة."
ضغط على أسنانه بقوة: "مفيش حاجة تضحك، وبعدين مش هتقولي تعرفيني منين وليه عملتي كده؟"
قالت المرأة بنظرة ثاقبة: "مش فاكر طنط جيجي يا حمزة؟"
تصنم مكانه من الصدمة وحدق بها بعدم استيعاب: "ط.. طنط جيهان!"
صديقة والدته القديمة هي من فعلت هذا بها!
تابع وهو غير مصدق: "ط.. طب ليه تعملي في صاحبتك كده؟"
قالت بنبرة مليئة بالحقد: "صاحبتي؟ هي لو أمك كانت اعتبرتني في يوم صاحبتها كانت عملت فيا كده؟ أمك دمرت حياتي!"
قال بنفاذ صبر: "مش فاهم حاجة، أنتِ كنتِ صاحبة ماما زمان وفجأة مشيتي من المنطقة ومحدش عرف عنك حاجة تاني، إيه كلامك الغريب ده؟ ما تقولي عملت إيه وتريحيني!"
ظهر الكره العميق على وجهها وفي عينيها وحديثها عندما قالت بقهر: "أمك هي اللي فرقتني عن جوزي وابني وهي السبب إنه جوزي يطلقني ويرميني في الشارع وسمعتي تبقي في الأرض، والسبب كمان في موت ابني!"
رواية قسوة اطاحت بي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ديانا ماريا
جلس حمزة أمامها بتبلد.
"قصدك إيه؟"
ضحكت بمرارة.
"عايز تعرف قصدي؟ طبعًا أنت عارف إن أنا وأمك كنا أصحاب. أصحاب أوي ده المفروض يعني. من أول ما اتجوزنا وبقينا جيران. طبعًا خلفنا في نفس الوقت، هي خلفتك أنت وأنا خلفت أحمد."
قالت الاسم بشوق كبير لتكمل بمرارة.
"كنت بعتبرها زي أختي. ولأني كنت متجوزة بعيد عن أهلي، كنت دايما معاها هي. وكمان بحكي لها أي حاجة. ولأني ساذجة، كنت مثلًا لو حصلت مشكلة بيني وبين جوزي أروح أحكي لها. وهي كانت دايما تحرضني ضده. وأنا أحيانًا كنت أشوف إنها صح وأسمع كلامها، وساعات أحكم عقلي والخلاف اللي بيني وبين جوزي يتصلح. بعد ما أبوك مات لقيت الموضوع زاد أوي، بس مكنتش حاسة ولا واخدة بالي ساعتها. كانت دايما تقولي إن جوزي مش بيحبني وإني لازم أدور وراه. لا يكون بيخونني ولا حاجة."
"وفي يوم لقيتها جت ليا البيت بسرعة وهي بتنهج وباين عليها خايفة. تقولي فيه حد بيراقبها وهي خايفة. وطلبت مني أدخل المطبخ أجيب لها عصير. وأنا بعمل العصير لقيت راجل غريب دخل عليا المطبخ. فاتخضيت. وقبل ما أصرخ ولا أقول حاجة، جوزي دخل علينا وفكرني بخيانته. ساعتها طلقني. وأنا من الصدمة صرخت والجيران اتلموا. وجوزي بيتخانق مع الراجل وبيضربه. وحصلت الفضيحة ليا. وجوزي رماني ورفض يسمعني. وكان رافض يديني ابني، لكنه كان متعلق بيا فسابه ليا. بس كنت عايشة خايفة ومذلولة."
"أمك جات لي بعدها. فقولتلها مين الراجل ده وإزاي دخل وهي موجودة. قعدت تقول أي كلام وإنه دخل فجأة وضربها. وأنا بسبب صدمتي وقهرتي في الوقت ده صدقتها. لأني خلاص بقيت لوحدي. حتى أهلي لما جوزي قالهم على اللي حصل اتبروا مني واعتبروني ميتة. فكنت وحيدة محتاجة أي حد جنبي. بس بعدها بفترة حصلت مشكلة كبيرة بيننا وتصرفها ناحيتي صدمني، فبعدت عنها خالص وبقيت عايشة لوحدي مع ابني حبيبي. والناس مش سايبانا في حالنا."
اللمعت عيناها بالكراهية الشديدة وأكملت بقهر.
"واللي مكنتش أعرفه إنها كانت بتقابل ابني حبيبي أحمد. طبعًا أنت فاكر لما كنتم بتروحوا الدروس سوا وكان بيجي عندك البيت. كانت بتطلبه علشان يقعد معاها وتقوله متقولش لماما إنك جيت. وهو يسمع الكلام لأنه صغير مش فاهم. كانت تقعد تقوله يا حبيبي إزاي هتعيش حياتك ومامتك مفضوحة كدة وباباك رماك والناس كلها بتكرهكم. كانت زي الذئب اللي لابس لبس حمل. تبين إنها قلقانة عليه وهي بتزرع جواه الأفكار السم اللي زيها."
"مع الوقت بدأت ألاحظ إن ابني بيتغير فعلًا. مستواه الدراسي بيقل. بقي يقعد في أوضته كتير. مبقاش حتى حابب يتكلم معايا. وعرفت كمان إن الولاد كانوا بيتنمروا عليه بسببى وبسبب فضيحتي. لحد ما في يوم دخلت عليه أوضته لقيته منتحر!"
صُعق حمزة بينما هي بدأت ترتعش وتهز رأسها بجنون.
"لقيته متعلق قدامي في السقف. أنت عارف إحساسها إيه يا حمزة؟ لا طبعًا هتعرف إزاي؟ بس هقولك إحساسها عامل زي ما يكون خلاص روحك اتاخدت منك بأبشع طريقة ممكنة وأنت واقف كدة جسد باهت ميت بتتنفس بس. كنت بموت كل يوم بعده وأنا معرفش هو عمل كدة ليه وإزاي يفكر كدة أساسًا. إزاي أحمد ينتحر وهو عنده 14 سنة بس!"
"لحد ما في يوم لقيت مذكراته. كان كاتب كل حاجة فيها. كل حاجة أمك كانت بتقولهاله وبتعايره بيها ساعات وهي عاملة نفسها بتنصحه. كان فيها اللي زمايله والناس اللي في الشارع بيقولوه عليه وعليا حتى في وشه. وحتى اكتشفت إن باباه قاله إن فيه رقم بعتله إنه مراته بتخونه عشان كدة رجع البيت فورًا. ودي مكنتش أول مرة حد يبعتله رسالة زي دي!"
بدأت تضحك بجنون.
"لما فكرت فيها خلاص فهمت كل حاجة. أمك كانت بتغير مني ومن سعادتي لأنه جوزي بيعاملني حلو. ولما دمرت حياتي مكفاهاش، لا بل كانت عايزة تعمل كدة في ابني لأنه كان أحسن وأشطر منك يا حمزة. كان أشطر منك عشان كدة موته بالبطيء! عشان ميبقاش أحسن منك وأنت اللي تبقي الأحسن دايما!"
وضعت يدها على رأسها وصرخت. فدخل رجال الأمن وهم متعجبون. رأوا حالتها فاتجهوا إليها وأمسكوها من ذراعها.
صرخت في حمزة بقوة وهم يخرجوها من الغرفة.
"أنا مش ندمانة يا حمزة. أنا عملت كدة وأنا باخد انتقام. استنيته سنين وكنت ببص في عينيها وأنا بعمل كل ده. دي حرقت قلبي وأخدت روحي مني! لو رجع بيا الزمن هعمل كدة ألف مرة. اوعي تسيبها تعمل فيك كدة يا حمزة. أوعي تخلي شرها يطولك. أنت مش زيها. أبعد عنها يا حمزة صدقني هتستغلك وهتدمر حياتك. دي مش إنسانة. أوعي يطولك شرها وخبثها يا حمزة!"
بقي صراخها وكلماتها تتردد داخل أذن حمزة وهو يجلس مكانه كأنه ملتصق بالمكان لا يقوى على النهوض أو التفكير. أتى الضابط الذي قابله في المستشفى ليقف بجانبه وهو يقول بشفقة.
"أستاذ حمزة، إحنا سجلنا كل الكلام حتى الاعتراف بتاعها. وبكدة التهمة اتأكدت عليها و..."
كان الضابط يتحدث ويتحدث، ولكن كان حمزة في عالم آخر تمامًا لا يعي شيئًا. عندما انتبه الضابط أن حمزة لا يستمع إليه حتى، وضع يده على كتفه فانتفض حمزة ونظر إليه كأنه لم يعِ قبلًا وجوده معه في الغرفة.
قال حمزة بصوت مبحوح.
"حضرتك عاوز حاجة؟"
تفهم الضابط حالته وقال بعطف.
"لا، إحنا سجلنا اعترافها. حضرتك تقدر تمشي دلوقتي."
نهض حمزة بتثاقل وهو يستند على على الطاولة. ما إن خطى خطوة حتى ترنح فامسكه الضابط بقلق.
"أنت كويس؟"
ابتعد عنه حمزة وهو يهز رأسه دون أن يرد، ثم أكمل سيره ببطء.
عاد إلى المستشفى ثم دلف إلى غرفة والدته ليجدها مستيقظة تنظر بحسرة وشرود إلى السقف. أغلق الباب بقوة ف انتبهت له. نظرت له بحزن فبادلها بنظرات غريبة وعيونه حمراء. تحولت نظراتها للاستغراب حين لم يتقرب منها أو يواسيها.
وقف أمامها يقول بصوت مبحوح.
"آخرتها إيه يا ماما؟"
حدقت به باستغراب ف أكمل بمرارة.
"آخرتها إيه؟ أنتِ عارفة مين اللي عمل فيكِ كدة؟"
بان الذعر على ملامحها فابتسم بسخرية.
"يعني عارفة إن طنط جيجي اللي عملت فيكِ كدة؟ طنط جيجي اللي دمرت حياتها كلها يا ماما!"
اخفضت نظراتها ف قال بشراسة.
"لا بصي لي. أنا بس عايز أعرف كل ده كان ليه؟ وآخرتها كانت إيه؟"
شد شعره بغيظ.
"بقيتِ بعد كل ده عاجزة ومشلولة محدش بيحبك والكل سابك بسبب أفعالك ومكناش حتى عارفين حقيقتك. هو ده اللي كنتِ عايزاه؟"
نظرت له بندم ف هز رأسه بجنون.
"لا لا ده مش وقت ندم ده. أصل الندم ده بينفع لما نكون مثلًا دوسنا على رجل حد بعدين اعتذرنا، لكن لما ندمر حياة الكل حتى ولادنا ونيجي نندم بعد فوات الأوان يبقى إيه فايدة الندم ده؟ بعد إيه يا ماما؟ بعد ما دوستي على الكل؟"
التفت حول نفسه بقلة حيلة.
"طب أنا أعمل إيه دلوقتي؟ أعيش إزاي؟ حتى بعد كل اللي حصل بيننا كان عندي أمل تتغيري، لكن بعد اللي عرفته إيه اللي هيحصل؟"
نظر في عينيها بخيبة أمل.
"هقدر أشوفك وأبص في عينيك إزاي؟ أنتِ تخطيتي أي حد وأي تفكير ممكن أي إنسان يوصله في يوم من الأيام. طب ليه؟ استفدتي إيه؟ أنا كنت بعتبرك قدوتي ومثلي الأعلى! رميت قلبي وحبي وبالنسبة ليا أي حاجة مش مهمة عشانك! هقدر أعيش معاكِ تاني؟ ولا أوديكي دار مسنين أحسن؟"
بكت ف أكمل هامسًا بحرقة.
"أنتِ مش عارفة أنا حاسس إزاي دلوقتي. أنا بتمنى أموت. وبتمنى لو كان حصل أي حاجة قبل ما أعرف عنك كل ده. قلبي مبقاش مستحمل وجع خصوصًا منك وأنتِ سبب وجعي كله!"
تساقطت دموعه بحرقة فجلس على الأرض وظهره للجدار.
"أنا لحد دلوقتي مش قادر أصدق ولا أستوعب اللي سمعته عنك!"
كانت سلمى جالسة بجانب مريم الصامتة، وهي صامتة رغم محاولات سلمى منذ مجيئها أن تتحدث معها وتخرجها مما هي فيه، لكن مريم بقيت صامتة وشاردة في عالم آخر.
اقتربت سلمى منها تقول برجاء.
"مريم بالله عليكِ مش هقولك عشان خاطري، لكن عشان خاطر مامتك اللي هتتجنن من القلق عليكِ اتكلمي قولي أي حاجة."
أدارت لها مريم رأسها وعيونها مليئة بالدموع. أكملت سلمى برجاء.
"عشان خاطر ربنا يا مريم."
ارتعشت شفتاها عندما حاولت التكلم. وأخيرًا استطاعت التكلم بصوت مرتجف.
"ا... أنا زعلانة أ... أوي يا سلمى. زعلانة على نفسي وحتى عليه!"
انفجرت بالبكاء فاقتربت منها سلمى تحتضنها بقوة وحزن وهي تواسيها وتهدئها، ولكنها تعلم أن ما من شيء تقوله يستطيع أن يواسيها.
كان حمزة يبكي بصمت وهو ينظر إلى السقف. عيونه تذرف الدموع التي يشعر بها أنها تحرق قلبه أكثر فأكثر دون أن تريحه ولو قليلًا.
نظر لأمه بجانب عينه ف وجدها في وضع مريب بالنسبة له. كانت تنظر إلى السقف دون أن ترمش ودموعها قد جفت على وجهها.
نهض بسرعة وهو يقترب منها بتعجب.
"ماما مالك؟"
لم تحرك ساكنًا فتحرك بسرعة لينادي الطبيب بعدم استيعاب وذعر. أتى الطبيب والممرضة بسرعة وأصروا على أن يبقي بالخارج.
كان يسير بقلق ومشاعره مشوشة للغاية وهو عاجز عن أي يفكر في أي شيء حاليًا بسبب كم الصدمات التي تعرض لها. خرج الطبيب فركض إليه بسرعة ووقف أمامه.
ازدرد ريقه بصعوبة.
"ماما عاملة إيه؟"
وضع الطبيب يده على كتفه وقال بأسف.
"مامتك للأسف توفت. البقاء لله."
رواية قسوة اطاحت بي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ديانا ماريا
حدق بها قليلا ثم تنهد و نهض ف نهضت معه و ساروا بصمت حتى عادوا إلى منزل خالته.
حين رأته أخته سلمى أسرعت اتجاهه وهى تضمه وتقول بعتاب: كنت فين كل ده يا حمزة أنت عارف أحنا بندور عليك بقالنا أد ايه!
اقتربت منه أميرة ببكاء: حرام عليك يا حمزة تعمل فينا كدة !
احتضنهما الإثنين معا وهو يقول بندم و أسف: أنا آسف يا حبايبي حقكم على رأسي، سامحوني.
قبل رأس كل منهما قبل أن يتجه لخالته التى تنظر له بلوم ف أمسك بيدها يقبلها : حقك عليا يا خالتو والله بس أنا محستش بنفسي خالص.
تنهدت خالته بتعب: يا أبني إحنا بس قلبنا وجعنا عليك و أخواتك البنات مبقاش ليهم غيرك خلاص.
ضم خالته إليه وقال بصوت مرتعش: وأحنا كلنا مبقاش لينا غيرك، أنتِ أمي التانية يا خالتو.
بكت خالته: طبعا يا أهب"ل أنت، أنت بتقول ايه ده أنا اللي مربياك!
نظر لها زياد بريبة: أنتِ قابلتيه فين يا مريم؟
قالت بإرتباك: شوفته وأنا جاي البيت ف جيت معاه.
قالت خالته حين ابتعدت عنه لمريم: يلا يا مريم هاتى الأكل.
قالت مريم بهدوء: حاضر يا ماما.
حين أرادوا المغادرة أصرت خالته على أن يبقوا عندها ولا يذهبوا لمنزلهم، لم يستطع حمزة الرفض حتى لا يحزنها ولكن اتفق معها على أن يكون الأمر مؤقت، كان النساء جميع معا فى الدور الأرضي بينما زياد و حمزة فى الدور الاعلي يمكثون فى شقة زياد التى له ومن المفترض أن يتزوج بها يوما ما.
بمرور الأيام بدأت سلمى و أميرة بتخطي الأمر ولكن حمزة بدا كأنه ينغلق على ذاته أكثر ف أكثر ف كان يجلس أغلب الوقت وحيدا بعد عودته من العمل و يجلس معهم بصعوبة لتناول الطعام.
فى يوم إجازته كان يهبط لأسفل وعلى وشك الخروج حين سألته سلمى بتعجب: رايح فين كدة يا حمزة يوم إجازتك؟
أبتسم إبتسامة غامضة وقال: رايح مشوار مهم جدا يا سلمى و أن شاء الله مش هتأخر.
رفعت حاجبها وبقية العائلة تناظره بإستغراب: طب مش هتقولنا رايح فين؟
ربت على خدها: أما أرجع أن شاء الله ، يلا مع السلامة.
ذهب بينما للجميع يحدقون ببعضهم بحيرة و يتساءلون أين يمكن أن يذهب!
رواية قسوة اطاحت بي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ديانا ماريا
سار حمزة طول الطريق يعد نفسه لما سيقوله عند يصل، ولكن كان التوتر يسيطر عليه بدرجة كبيرة. وحين وصل، بلغ توتره ذروته فنسي كل ما أعده من كلام.
وقف ينتظر حين رآها تخرج من مكان عملها فتقدم ناحيتها. حين رأته مقبلًا عليها، قالت بدهشة:
"حمزة!"
وقف أمامها بصمت وقال بصوت هادئ:
"لو سمحتِ يا وئام، ممكن أتكلم معاكِ؟ مش هاخد من وقتك أكتر من خمس دقائق."
مازالت وئام تحدق به بدهشة، فقد تفاجأت من مجيئه إليها. عاد يتحدث بإصرار:
"وئام، سامعاني؟"
أومأت برأسها باستغراب:
"أيوا سامعاك يا حمزة، بس ليه؟"
قال بحزم:
"هتعرفي لما نقعد."
فكرت قليلًا وهي تنظر حولها، ثم عادت إليه ببصرها تقول بصرامة:
"مش هينفع أخرج معاك لوحدنا، إحنا أغراب عن بعض، وأنت رجل متجوز كمان. هتصل على مؤمن ابن عمي يجي هو وكارم."
أومأ برأسه بموافقة:
"تمام، اتصلي ونروح الكافيه نستناهم."
أخرجت هاتفها تتصل على مؤمن وأخبرته أن يحضر إلى المقهى القريب من الشركة التي تعمل بها لأمر ضروري. لقد أخذ مؤمن هذا اليوم إجازة حتى يعتني بكارم بينما هي تسوي أمورها في عملها القديم لأنها رغبت في العودة إليه.
بعد قليل، حضر كارم ومؤمن، الذي أخذ ينظر لحمزة باقتضاب ثم حدق إلى وئام:
"في إيه؟"
قالت بارتباك من نبرته:
"حمزة كان عايز يتكلم معايا في موضوع مهم، وعلشان مينفعش نقعد لوحدنا اتصلت عليك تيجي."
قال بنبرة ثابتة:
"أنتِ عايزة كده؟"
أومأت برأسها، فنظر له بتفحص ثم حول نظراته لحمزة، الذي نظر إليه بثبات وقال ببرود:
"يلا بينا."
حين دلفوا إلى المقهى، كان مزدحمًا ولم يجدوا غير طاولتين شاغرتين، ولكنهما بعيدتان عن بعضهما، فحدقت وئام إلى مؤمن بترقب.
أمسك مؤمن بيد كارم ثم نظر إلى حمزة بجمود:
"قدامك ربع ساعة تقول اللي أنت عايزه، وبعد كده القرار لوئام."
أومأ حمزة وذهب مع وئام إلى طاولة، بينما توجه مؤمن مع كارم للطاولة الأخرى.
جلسا أمام بعضهما ونظر حمزة إلى يده بتوتر. رفع بصره إلى وئام وقال بتوتر:
"ماما ماتت من فترة."
ارتفعت حاجبيها في دهشة:
"بجد؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. البقاء لله."
قال بحزن:
"الدوام لله. علشان كده أنا جاي أطلب منك حاجة مهمة، وهو إنك تسامحي ماما يا وئام. ماما غلطت كتير في حقك وفي حق ناس تانية، وأنا خايف عليها من ذنوبها."
ابتسمت نصف ابتسامة في لفتة عجيبة منها وهي تنظر بعيدًا:
"مش هقدر أكدب عليك وأقولك إني مسامحاها، لكن ربنا يسامحها يا حمزة ويرحمها."
حدقت إليه:
"الحاجة الوحيدة اللي كانت مزعلاني جدًا هي اللي عملته في ماما الله يرحمها."
قال بذهول:
"هي مامتك توفت؟"
أومأت برأسها:
"آه، من كام شهر لسه من قريب برضه."
قال بعطف:
"البقاء لله، ربنا يصبرك. أنا كنت بحب مامتك جدًا، كانت طيبة أوي."
أومأت برأسها وقد عجزت عن الحديث عند تذكر والدتها.
تنهد حمزة:
"المهم تكوني تحاولي تسامحي ماما يا وئام، هي دلوقتي محتاجة ده جدًا."
قالت وئام بهدوء:
"ربنا يسامحها يا حمزة، ويمكن أقدر أسامحها في يوم."
حدق بها باستغراب وتركيز:
"أنا حاسس إنك اتغيرتي يا وئام، يعني مثلًا مكنتش متوقع إنك توافقي بالسهولة دي إنك تقابليني."
ابتسمت ببساطة:
"لأني فعلًا اتغيرت يا حمزة، واتغيرت جدًا كمان. مبقتش نفس وئام زي زمان، مبقاش عندي أي ضغينة أو حاجة جوايا للماضي. دلوقتي بس بقي عندي سلام داخلي بحاول أعيش بيه باقي عمري. الفترة اللي فاتت غيرتني جدًا وغيرت نظرتي لكل حاجة، حتى اللي كنت عايزة أتغير."
مازال يحدق بها بتعجب:
"إيه اللي اتغير؟"
رفعت كتفيها بلامبالاة:
"حاجات كتيرة، أهمهم صفات من شخصيتي مكنتش واخدة بالي إنها سلبية وبتأذيني وفيها ضرر ليا. ولما بدأت أفكر أحسن بدأت أرتاح أكتر ومبقاش عندي أي شعور سيء تجاه أي حد، عايزة بس أعيش مرتاحة."
حدق بها بابتسامة ثم تردد، ولكن قال في النهاية:
"يعني كده ملناش فرصة تانية سوا؟"
اتسعت عيناها بصدمة:
"حمزة! أنت بتقول إيه؟ أنت متجوز!"
أخفض بصره:
"أنا طلقت مريم من مدة."
رفعت حاجبها:
"طب ليه؟"
لم يجب بل تنهد ثم قال:
"يعني ظروف جوازنا مكنتش طبيعية، وأنا كنت لسه بحبك وحاجات كتيرة أوي، ومقدرتش أظلمها معايا."
ابتسمت وئام وهي تنظر له بتدقيق:
"حمزة، أنت أخدت بالك أنت قولت إيه؟"
عقد حاجبيه:
"قولت إيه؟"
قالت بذكاء:
"كنت بتحبني، يعني دلوقتي أنت مش بتحبني يا حمزة، ودي حاجة أنا متأكدة منها."
قال باستنكار:
"إزاي ده؟"
وئام بحكمة:
"زي أي حاجة بنتمناها ومش بنحصل عليها، بيبقى جوانا نوع من الحنين وشعور إننا اتحرمنا من الحاجة دي، زي لعبة مثلًا كان نفسك فيها أوي بس مقدرتش تشتريها، بيبقى جواك نوع من الحسرة كل أما تفتكرها، وبيبقى نفسك فيها أوي وتعيش طول عمرك حزين عليها، ومعمي عن أي حاجة تانية قدامك، وممكن تضيع عمرك كله بنفس الوضع ده وتخسر حاجات كتير أوي وأنت مش واخد بالك. والله أعلم، يمكن لو كانت جاتلك مكنتش حبيتها أبدًا. وده وضعنا دلوقتي، أنت من جواك مبقتش تحبني يا حمزة، لكن لسه جواك حنين وحسرة على اللي كان بيننا، ولأننا طبعًا اتفرقنا بطريقة مش طبيعية ولا عادلة وكان فيها وجع لينا إحنا الاتنين، مقدرتش تنسى وده فضل جواك. أفضل حاجة كنت تعملها يا حمزة إنك تتقبل زي ما أنا تقبلت كده، إنه الانفصال كان غلطة مشتركة بيننا كمان مش غلط مامتك وبس. أنا فهمت ده بعد فترة طويلة والحمد لله إنه فهمته. فهمت إن العلاقات بتحتاج حاجات أكتر وأهم من الحب عشان تستمر وتنجح، وإحنا علاقتنا مكنش فيها ده يا حمزة."
كان يحدث بها بذهول لتحليلها الأمر بهذه الطريقة، وتابعت بارتياح:
"أنا دلوقتي بقيت محتاجة وعايزة حاجات أهم من الحب بكتير، حاجات مش متأكدة إذا كنت هقدر أحسها معاك ولا لأ، هي الراحة والأمان."
ابتسمت وتابعت:
"البنت منا لما بتتخطب أو تتجوز مش بتبقى عايزة مجرد شخص تحبه، لأ، بتبقى عايزة شخص تحبه وتتسند عليه وتحمي نفسها من الدنيا كلها منه لو حسيت في يوم بأذى من أي حد. تلجأ له وتفضفض له، تبقى على راحتها معاه، تبقى معاه بشخصيتها الحقيقية بدون أي تكلف ولا تظاهر ولا خوف. أنا عقلت لدرجة إني عايزة الحاجات دي حتى لو كانت من غير حب يا حمزة. لذلك أنا حتى لو بحبك يا حمزة، فأنا مش عايزة أرجع تاني. علاقتنا واللي حصل فيها كان عاطفي واندفاعي جدًا ومرهق نفسيًا، والأذى اللي سببته مامتك ليا ولمامتي كان صعب جدًا عليا، لأني في النهاية كنت مجرد بنت مخطوبة عايزة تكون أسرة بسيطة مع الشخص اللي بتحبه، مكنتش عايزة أكتر من كده. لكن الحمد لله على كل حال، أنا مؤمنة إن كل حاجة حصلت كانت خير لينا، وافتراقنا عن بعض كان برضه خير لينا، سواء بتدخل مامتك أو بغيره. والتجربة دي علمتني حاجات كتيرة أوي."
بقي ينظر لها مطولًا حتى قال بنصف ابتسامة:
"كل ده يا وئام؟ أنا عمري ما فكرت كده. طب والشخص ده هو ابن عمك؟"
ضحكت بذهول:
"عرفت منين؟"
حدق بطرف عينيه:
"يمكن لأنه قاعد يبص لنا وكأنه عايز يقوم يخ*نقني، أو لأنه حسيت إن عينك بتلمع وأنتِ بتتكلمي ورأسك ونظرتك بتروح ناحيته، وكمان مش بنعرف كل الحاجات اللي قولتيها دي غير لما نمر بتجربة تعلمنا الفرق."
قال بتساؤل:
"طب أنتِ عارفة إنه بيحبك؟"
أومأت برأسها بثقة فتابع بتعجب:
"بس عارفة إزاي مش باين عليه حاجة! قالهالك؟"
قالت بحرارة وعيناها تلمع:
"مؤمن عنده أكتر عادة مزعجة في الدنيا كلها، هو إنه شخص كتووم مش بيظهر مشاعره. مقالهاش لأ، بس أنا حسيت بيها. حسيت بيها في كل مرة حاول يخرجني بيها من حزني، كل مرة كان بيقف جنبي، وكل مرة كان بيخاف على مصلحتي، وحاجات كتيرة أوي. هو مقالهاش لما كنت مجروحة بعدك، ومقالهاش في ظروف وفاة ماما وباباه، ومش هيقولها وهو شايفاك رجعت لحياتي وممكن تطلب مني أرجع. هو مش هيقولها، هيسيب الاختيار ليا أنا."
حدق بها وقد أدرك أنها بالفعل تعني ما تقول، أبتسم بقليل من المرارة وقال:
"ربنا يوفقك في حياتك يا وئام."
ابتسمت والدموع في عينيها:
"وأنت كمان يا حمزة، ربنا يوفقك في حياتك الجاية. نصيحتي ليك فكر كويس ومتخسرش مريم، لأنه من إحساسي إنها بتحبك جدًا. بتمنى لك السعادة حقيقي وإنك تقدر تتحرر من الماضي وتنساه زي ما أنا اتحررت ونسيت."
أومأ برأسه بصمت، فقد كان الصمت أبلغ من الكلام في تلك اللحظة، ثم بعد دقيقة نهضت فنهض معها.
قالت له بابتسامة هادئة:
"مع السلامة يا حمزة."
رد حمزة بهدوء:
"مع السلامة يا وئام."
خرج حمزة وغادر، بينما توجهت وئام إلى مؤمن الذي يحدق بها بحيرة.
قال لها عندما وصلت إلى طاولتهم:
"هو مشي؟ كان عايز إيه؟"
قالت بمشاكسة:
"هو أنت مش شايفه وهو ماشي يعني؟"
حدق بها بضيق فتابعت بهدوء:
"كان عايز يصفي شوية أمور بيننا مش أكتر."
نظرت إلى كارم وقالت بحماس:
"إيه رأيك نخرج ونروح نأكل آيس كريم؟"
قفز كارم لاقتراحها بحماس، بينما كادت تضحك من شكل مؤمن الذي ينظر لها بتعجب.
حين كانوا يسيرون إلى سيارته قالت له:
"فاكر لما قولتلك في يوم لو كنا بنحب بعض واتجوزنا كان أريح ليا من حاجات كتير؟"
ضيق عينيه وهو ينظر لها وقال باستخفاف:
"أيوا، وبعدين؟"
وقفت أمامه وابتسمت ابتسامة حقيقية واسعة:
"إيه رأيك لو نخلي الحل ده حقيقي وواقع؟ يعني تنقذ بنت عمك وتتجوزها، وكده كده مش هتلاقي أحسن مني؟"
عاد حمزة إلى المنزل بتعبير هادئ ولم يتحدث مع أحد وصعد مباشرة إلى الشقة. توجه إلى خزانته وأخرج حقيبته يضع بها بعض الملابس بعزيمة.
بعد قليل، شاهدت مريم سيارة تغادر وسلمى وأميرة يعودان إلى البيت.
قالت بتعجب ل سلمى:
"العربية دي كانت موجودة ليه؟ حد تعرفوه؟"
جلست سلمى على الأريكة وتنهدت:
"العربية دي كان فيها حمزة، هو أخد هدومه وودعنا ومشي خلاص، سافر."
تجمدت مريم في مكانها:
"إيه؟ سافر!"
رواية قسوة اطاحت بي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ديانا ماريا
بعد مرور ثمانية أشهر كانت مريم تقف بجانب سلمى وهما يضحكان سويا مع بعض الأقارب والأصدقاء. كانت هذه زفاف أخيها وقد كانت سعيدة لأجله للغاية.
سمعت صوت أميرة تصرخ بفرح وهي تركض نحو باب القاعة. فنظرت بإستغراب إلى اتجاه عينيها لتتجمد مكانها. كان حمزة يدلف في تلك اللحظة إلى القاعة، يسير بخطى ثابتة واثقة وقد تغير كلياً عما كان عليه قبل أن يسافر من أشهر. كان مختلفاً تماماً، يبتسم بهدوء، يرتدي بذلة أنيقة فوقها معطف أسود. شعره مصفف بطريقة رائعة كما أن عينيه تغيرت بالكامل. كانت الآن مليئة بالثقة والقوة عكس ما كانت عندما رأته آخر مرة. أبعدت بصرها بعيداً.
ابتسم حمزة بهدوء وهو يحتضن شقيقته الصغرى، ثم تليها سلمى التي عاتبته لطول غيابه. اتجه إلى حيث مريم تقف فتوترت. ثم تذكرت أن والدتها تقف بجانبها، لابد أنه آتٍ إليها.
اقترب حمزة من خالته يحتضن كفيها بين يديها ثم يقبلهما:
"عاملة إيه يا خالتو؟"
احتضنته خالتها بسعادة:
"بخير يا حبيبي، أنت أخبارك إيه؟"
عاتبته قائلة:
"كدة ينفع تقلقنا عليك بالشكل ده وتغيب علينا كل ده؟"
ابتسم ابتسامة اعتذار قائلاً:
"حقك عليا يا خالتو، لكن كان لازم أعمل كدة. ده كان مهم جداً بالنسبة ليا علشان أقدر أفهم حاجات كتير وأشخاص كمان."
قال كلمته الأخيرة وهو يحدق إلى مريم التي توترت من نظرته. قضوا بعض الوقت في مرح قبل أن يبدأ المأذون بكتب كتاب زياد شقيق مريم. كانت تقف تنظر لأخيها بتأثر وسعادة عندما عانق عروسه بعد أن أصبحا زوجين. حين سمعت همس في أذنها وصوت يقول:
"إيه رأيك إحنا كمان نعمل زيهم دلوقتي و نبقى زوجين دلوقتي؟"
التفتت بإرتباك وخُطفت أنفاسها منها حين رأت حمزة قريباً منها وهو يبتسم لها ابتسامته الساحرة. لم يترك لها الوقت لتتكلم حين التفت لوالدتها وهو يقول بمرح:
"إيه رأيك يا خالتو نخليها بدل الجوازة اتنين؟"
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
انتهى المأذون من عقد قران مؤمن ووئام. انطلقت التهنئات من كل مكان. كان حفلاً بسيطاً أصرت وئام عليه. كانت ترتدي فستاناً أبيض بسيطاً يحمل الرقي والرقة في تصميمه مع حجاب يليق بها كعروس. ولم تضع أي شيء على وجهها إلا كحل زين عينيها. أما مؤمن ارتدى بذلة سوداء كان رائعاً بها وتليق به. وأخيها كارم ارتدى كذلك بدلة تناسبه وكان يبدو ظريفاً. لم تقم وئام بدعوة الكثيرين، دعت فقط صديقتها وبعض المعارف والجيران. وبطبيعة الحال لم يكن لدى مؤمن أقارب كثيرون فدعا بعض أصدقائه فقط.
نظرت له وئام بينما يسلم على أصدقائه وتذكرت صدمته منها حين طلبت من الزواج في البداية. أعتقد أنها تمزح، ولكن عندما أكدت على جديتها وجدته يبتسم ويوافق بهدوء. لم تصدق نفسها. وبالفعل بدأوا يحضرون إجراءات زفافهما. وأصرت وئام على حفل بسيط حيث أنها تفضله على حفل زفاف كبير، خصوصاً مع عدم وجود والدتها التي آلمها أنها لم تكن موجودة بجانبها في يوم كهذا. لكنها حاولت تخطي الأمر. والآن تنظر إلى الشخص الذي أصبح زوجها وشريك حياتها بفخر وقلبها يهدر من السعادة التي تشعر بها.
اقتربت رحمة منها تقول بفرح ممزوج بخبث:
"فاكرة قولتلك إيه قبل كده؟ قولتلك أني حاسة بحاجة هتحصل مع مؤمن واهو حصلت."
ضحكت وئام:
"آه، لكن أنا مكنتش أعرف ساعتها أنه هيحصل. مؤمن مكنش حب جالي فجأة ولا خطف قلبي من أول مرة. بالعكس، ده وصل لقلبي واحدة واحدة بحبه وحنيته وشهامته دخل قلبي وأنا مش حاسة وبقي ليه مكانته الخاصة فيه اللي عمرها ما هتقل أبداً. بالعكس هتزيد. تقدري تقولي كده اتسلل جوايا وثبت مكانه في قلبي وأنا مش حاسة."
كانت رحمة تنظر ورائها بابتسامة كبيرة. فالتفتت وئام باستغراب لتجد مؤمن يقف ورائها تماماً وعلى شفتيه ابتسامة كبيرة وفي عينيه نظرة دافئة.
ارتبكت واحمر وجهها من شدة خجلها. "منذ متى وهو يقف هناك؟ هل سمع كل ما قالته؟ كيف لم تشعر بوجوده ورائها؟"
لم تستطع الإجابة على أي من هذه الأسئلة لأنهم انشغلوا تمام مع ضيوفهم. لقد أقاموا حفل عقد القران في بيتهما الجديد الذي اشتراه مؤمن حتى يمكثوا فيه جميعاً. كان بيتاً جميلاً واسعاً بعيداً عن مكان سكنها القديم لأنها ومؤمن أرادوا بداية جديدة تماماً بعيدة عن أي شيء به علاقة بالماضي.
بعد أن ذهب الضيوف وكارم ذهب مع صديق مقرب لمؤمن حتى يبيت هناك ويمنح بعض الخصوصية للعروسين الجديدين. التفت لها مؤمن وهو ينظر لها بخبث:
"كنتِ بتقولي إيه لرحمة بقا؟"
اضطربت وتسارعت أنفاسها وهي تراه يقترب منها.
قالت بتوتر:
"كنت بقول إيه؟"
أمال رأسه إلى الجانب بمشاكسة:
"سمعت حاجة كده عن أنك بتحبيني."
توقفت وقد استجمعت أنفاسها وقالت بثقة:
"آه بحبك، فيها حاجة؟"
توقفت مندهشاً وكأنه لم يتوقع اعترافها له وربما كان يتوقع أن تماطل في الحديث. عقد حاجبيه بطريقة أرادت وئام أن تضحك بسببها عليه.
أخذت نفساً عميقاً ثم اقتربت منه وعانقته بقوة. تجمد مؤمن مكانه من الصدمة:
"هو... هو إيه اللي حصلك يا وئام؟"
ابتسمت ثم ربتت على ظهره وهي تقول بهدوء:
"كان نفسي أعمل كده من يوم ما عمو وماما الله يرحمهم ماتوا في المستشفى. كنت شايفاك بتخبي مشاعرك جواك وتجبر نفسك تكون قوي علشاني وعشان كارم كمان وأنت عارف إنه إحنا معتمدين عليك. حسيت ساعتها بالعجز وأنا شايفاك بتتألم زي تماماً بس أنا مش قادرة أواسيك ولا أعمل لك حاجة وأنا عارف إنك مش قادر تعبر عن مشاعرك ولا حزنك بحرية زي ما أنا قدرت. وعدت نفسي في يوم لو كنت ليك دي أول حاجة هعملها يا مؤمن. هحضنك بشدة وأقولك عيط بحرية وأنا موجودة هنا عشانك زي ما أنت كنت موجود علشاني."
ضمه إليه لفترة طويلة وقد أحست بارتجافه ثم ابتعد عنها وهو يضع يديه على كتفيها. نظرته لها أذابت قلبها. أمسك وجهها بين يديه ثم اقترب منها ليطلع قبلة عميقة على جبينها. قلبها مليئة بالتقدير والحب. أغمضت عينيها تأثراً.
قال بهدوء:
"افتحي عينيك يا وئام."
فتحت عينيها لتواجه ابتسامته الرائعة وهو ينظر لها بعيونه التي ترى فيها دموع. قال بصوت مبحوح يغلفه العشق:
"اللي أنتِ قولتيه وعملتيه ده أعظم مواساة بالنسبة ليا. أنتِ متعرفيش اللي أنتِ قولتيه ده غالي عندي قد إيه، أنا عمري ما هنساه أبداً. وجودك دلوقتي أنتِ وكارم ملأ حياتي كلها و إني أعرف إنك بتحبيني زي ما أنا بحبك ده صحي القلب المشتاق ليكِ من سنين. بحبك من زمان فعلاً، لكن لما دخلت حياتك تاني ولقيتك بتحبي حد تاني كانت سعادتك أهم عندي من أي حاجة واخدت عهد على نفسي عمري ما هقولك على مشاعري ولا أحسسك بيها في يوم عشان متنحرجيش مني ولا يبقى فيه بينا حساسية. ولما شفتك مع حمزة قدام الشركة أدركت إني هخسرك تاني ويمكن مكنتش هقدر أتحمل. بس لما قولتي نتجوز كنت مبسوط جداً وقولت يمكن اتعودتي عليا ومع الوقت هخليكي تحبيني. ولما سمعتك بتقولي إنك بتحبيني، مش هقدر أوصف لك شعوري بس خلاص بقيت سعيد لدرجة عمري ما تخيلت أكونها. حبيبتي بتحبني واتجوزنا، مبقتش لوحدي، بقي ليا عيلة أخيراً وبيت أرجع ليه في آخر اليوم."
انهمرت دموعها تأثراً بحديثه وقالت بعزم:
"عمرك ما هتكون لوحدك يا مؤمن، أنا حبيبتك ومراتك وكل حاجة أنت ممكن تحتاجها في أي وقت."
شردت قليلاً وقالت بتفكير:
"الشهور الصعبة اللي مرت عليا والقسوة اللي عانيت منها كنت بحس أحياناً إنها عمرها ما هتخلص وهفضل طول عمري في حزن."
رفعت بصرها له وعيناها تلمع بشدة:
"بس لما لقيت إنك في نهاية الطريق، ساعتها كل حاجة حصلت لي مكنتش مؤلمة زي الأول. ويمكن كان كل ده عشان أوصلك أنت وتبقي عوضي. أنا بحبك يا مؤمن."
هاتفها بقوة وهو يدفن رأسه في عنقها ويقول بصوت مخنوق:
"وأنا بحبك أوى يا وئام أكتر مما فكرت في يوم إني أقدر أحب في حياتي كلها."
ابتسمت وقد لاح لها المستقبل المشرق أمام عينيها بعد وقت التعب الطويل. والآن فقط تنال حصتها من السعادة والحب كما حلمت دوماً. وعلى هذه الخواطر التي طالت بذهنها أغمضت عينيها بسلام وراحة.
***
كانت مريم تجلس في غرفتها وهي ترتجف من شدة الغضب والاحراج اللذان تشعر بهما. تذكرت ما حدث في حفل الزفاف بعد طلب حمزة الصاعق.
نظرت له بعيون متسعة بينما هو يبتسم. أما والدتها قالت بصدمة:
"أنت بتقول إيه يا ابني؟ أنت مش طلقتها من شهور!"
ابتسم لخالته:
"هتصدقيني لو قولتلك ده اللي كان لازم يحصل ساعتها يا خالتو؟"
وجه بصره إلى مريم:
"والوقت ده أحسن وقت بالنسبة لنا."
قالت خالته بقلة حيلة:
"والله الرأي رأي مريم في الآخر."
قالت مريم وقد تحولت تعبيرات وجهها للجمود التام وقالت بصوت قاطع:
"لا طبعاً، أنا مش عايزاك."
رفع حمزة حاجبيه في دهشة. فحدقت به بتحدي ثم غادرت بسرعة وبقيت إلى جانب سلمى مع أخيها وعروسته حتى انتهى حفل الزفاف.
تنفست بقوة وهي تهدئ نفسها. سمعت طرقاً على باب غرفتها. لم تكن قد بدأت ملابسها بعد وأعتقدت أنها والدتها فنهضت وفتحت الباب.
وجدت حمزة أمامها فقالت ببرود:
"نعم؟"
قال حمزة بجدية:
"رفضتيني ليه يا مريم؟"
رفعت حاجبها بتهكم:
"هو أنا لازم أقدم لك أسباب كمان؟ دي حاجة خاصة بيا وأعتقد بردو مفيش داعي أقول ليه لأنه كل شيء واضح."
حدق إليها فأكملت بمرارة:
"هو أنت فاكر إنه أول ما تكون كده أنا هكون رهن إشارتك؟ أول ما تقول عايز أتجوز مريم، مريم هتقع تحت رجليك من كتر الفرحة وتقولك آه؟ يااه مغرور أوي يا حمزة وعمري ما عرفتك كده."
قال بصوت منخفض:
"مريم..."
قاطعته بحرقة:
"أنت سبتني ومشيت من غير أي كلمة وحرفياً رميتني يا حمزة ومسألتش بعدها، فأوعى تتوقع مني حاجة تانية أبداً!"
حاولت غلق الباب فوضع يده وهو يقول بإصرار:
"اسمعيني لو دقيقة بس."
قالت بحزم:
"مش عايزة أسمع حاجة يا حمزة."
وقفت فجأة وقالت:
"آه حاجة كمان."
وقف يستمع إليها باهتمام ف قالت بابتسامة ساخرة:
"متبقاش واثق أوي كده من نفسك عشان بعد كده متقعش على وشك فجأة."
ثم صفقت الباب في وجهه بقوة فوقف مذهولاً مكانه.
قالت بغضب كبير:
"أنت مش عايزني، أنت بس بتحب فكرة إنه أنا بحبك يا حمزة وجاي ليا عشان كده."
أفاق من ذهوله واقترب من الباب ثم قال بهدوء:
"مريم أنا عارف إنك سامعاني من عندك، ياريت تسمعي بتركيز اللي هقولهولك دلوقتي."
كانت مريم تستند على الباب من الطرف الآخر وقد بدأت بالفعل دموعها بالانهمار.
استند على الباب:
"أنا مشيت عشانك و عشانك يا مريم. مشيت لأنه كان لازم أفهم نفسي وكان لازم أتعالج من كل حاجة حصلت لي وأثرت فيا."
استمعت له بحيرة فأكمل:
"أيوه يا مريم، أنا كل الوقت ده كنت بتعالج. مكنتش مسافر عشان شغل ولا أي حاجة. أنا كنت في محافظة تانية بس على قد ما كنت بعيد بس كنت حاسس إني قريب هنا. مكنتش بعمل حاجة غير إني أروح لدكتور نفسي عشان أعرف أنسى وأعيش. أنا عارف إنه مكنش سهل عليكِ أنتِ كمان اللي حصل، لكن المشكلة كانت فيا أنا. أنا مشيت عشان أبدأ أفهم نفسي وأفهم أنا عايز إيه. مشيت عشان أتحرر من الماضي."
جلس على الأرض واستند على الباب بجسده ورأسه:
"لما بدأت العلاج الموضوع كان صعب عليا لأنه كل حاجة كانت دمرتني، بس بعدين بدأت واحدة واحدة أتغير. عارفة الدكتور طلب مني في مرة أغمض عيني وأفكر في كيم الشخص الوحيد اللي أقدر في أصعب وقت ليا ألجأ وأتخيله مين الشخص اللي هبقى حابب يعيش معايا العمر كله؟ مين الشخص اللي عايز أشوف وشه أول ما أصحى الصبح وآخر حاجة قبل ما أنام بالليل؟ وعارفة شفت صورة مين؟ أنتِ يا مريم. أنتِ الشخص اللي عايز أكمل معاه بقية حياتي. الشخص اللي عايز أشوفه أول حاجة الصبح وآخر حاجة قبل ما أنام بالليل. الشخص اللي عايز أقضي معاه كل أوقاتي الحلوة والمرة. ومش عشان أنتِ بتحبيني زي ما أنتِ فاكرة، لكن أنا كمان حبيتك يا مريم. سواء صدقتي أو لا، بس كنت غبي ومشغول أوي إني أتحسر على اللي خسرته وكنت أعمى أشوف الكنز اللي في إيدي. قدرت أحبك واشتاق لك طول الشهور اللي فاتت، لكن كنت مصمم مرجعش قبل ما أتحرر من الماضي ومن شبح ماما اللي كان مسيطر على حياتنا وأبقى إنسان جديد فعلاً، إنسان جدير بيكِ وليكِ أنتِ وبس. طلقتك لأنه ظروف جوازنا كانت من الأول غلط وكنت عايز نبدأ من جديد المرة دي. نبدأ صح فعلاً، بداية لحمزة ومريم من غير أي حد ونتخطب خطوبة طبيعية ونتجوز لأننا عايزين كده. بداية مفيهاش أي حاجة من الماضي ممكن تعكر علينا صفو حياتنا الجديدة. يمكن كنت متسرع ومعاكِ حق، كنت مغرور وفكرتك هتوافقي، لكن أنا مش هستسلم ولا هيأس يا مريم، هفضل وراكِ لحد ما أخليكي تحبيني تاني وتوافقي عليا."
نهض وكله عزم ثم غادر، بينما هي تجلس مثلاً تماماً على الجانب الآخر من الباب وهي تبكي بشدة، لا تعرف كيف تصف دموعها هل هي من الحزن أم السعادة!
دأب حمزة بعد ذلك على محاولاته مع مريم التي قابلتها مريم بالرفض والصد، ولكنه لم ييأس. ظل مثابراً وراءها لمدة خمسة أشهر يحاول إقناعها بصدق حبه، ولكنها ظلت عنيدة ومُصرة على موقفها.
في وقت ما أتى لها اتصال من رقم غريب ف أجابت باستغراب:
"أيوه مين معايا؟"
قال صوت غريب لم تتعرف عليه:
"حضرتك قريباً الأستاذ حمزة ****؟"
مريم بقلق:
"آه بنت خالته، فيه حاجة؟"
الشخص:
"هو عمل حادثة دلوقتي وادانا الرقم ده نتصل عليه، إحنا في مستشفى ****."
سقط الهاتف من يدها بصدمة وهي تبكي:
"حمزة!"
أسرعت إلى المستشفى وقد نسيت أن تخبر أي أحد. استعلمت عن مكانه بسرعة من موظفة الاستقبال ثم أسرعت إلى غرفته بسرعة. طرقت الباب ف لم تجد رد. دلفت ووجدت حمزة نائماً على السرير. اقتربت منه وهي تبكي وتنظر له وتتساءل ماذا حدث له.
قالت بهمس باكي:
"حمزة."
فتح عينيه لها وابتسم بتعب:
"مريم، أنتِ جيتي؟"
أومأت برأسها:
"آه، حد اتصل عليا قالي، عامل إيه؟ إيه اللي حصلك؟"
قال حمزة بعدم اهتمام:
"حادثة بسيطة كده والحمد لله كويس."
تفحصته بقلق ثم لاحظت شيئاً غريباً. لم يبدو عليه المرض أبداً بل على العكس بدا في كامل صحته ولم يكن به أي إصابة ولا حتى خدش واحد!
قالت مريم بتعجب:
"بس أنت مش فيك حاجة خالص وسليم، يبقي عملت حادثة إزاي؟"
أبعد عينيه بارتباك:
"زي الناس يعني عادي، الحادثة جت سليمة ولا أنتِ عايزاني تعبان!"
دفنت النظر إليها ثم استوعبت فعله:
"أنت كدبت عليا!"
نظر لها بابتسامة نسبه ابتسامة طفل مشاكس منتصر. تابعت بغضب وصوت عالٍ:
"طب ليه؟"
أجاب بهدوء وثقة:
"عشان بحبك."
صمتت من المفاجأة وقد أُخذت تماماً بقوله وبدأ قلبها ينبض بقوة.
أكمل بنبرة جادة:
"وحاولت أفكر في حل عشان تسامحيني وتصدقي إني بحبك وعايزك بجد المرة دي من نفسي مش من أي حد."
لم تستطع الرد عليها. دق الباب ودلف طبيب إلى الغرفة. نظر إلى مريم وأبتسم لها:
"حضرتك زوجة الأستاذ حمزة صح؟"
حدقت به مريم ببلاهة وكأنه يتحدث بلغة غريبة لا تفهمها.
قال الطبيب:
"الأستاذ حمزة جه هنا بألم بسيط في المعدة ولما كشفنا عليه ظهر إنه كويس بس طلبك تيجي وقابل إنه عاوز مراته وحضرتك مراته صح."
قبل أن تجيبه رد حمزة بصوت هادئ:
"وحبيبتي."
نظرت له بعيون دامعة فأكمل بابتسامة دافئة وهو يحدث إليها:
"مراتي وحبيبتي."
انهمرت دموعها بسعادة وهي تبكي وتضحك في نفس الوقت وتنظر له وعينيها تعترف فعلاً بأنها تحبه وهو الشخص الذي تريده ولا تستطيع التصديق فعلاً بأنه يحبها وقد أعلنها حبيبته.
حين انتهى المأذون من عقد قرانهما، ضمها إليه بقوة بشوق المحب الذي وجد ضالته الضائعة أخيراً، بينما بادلته عناقها وقلبها يرفرف من شدة سعادتها بأن من تحبه أحبها هي أخيراً لذاتها وبنفسه وكانت هي اختياره فعلاً وقد تغلبا على كل القسوة التي أطاحت بهم.