تحميل رواية «كن لي أبا» PDF
بقلم روميساء نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أشرقت شمس فجر جديد بخيوط أشعتها الذهبية، تخللت حجرة نوم فتاة جميلة، لاعبت خيوط الذهب بشرتها البيضاء. تململت في فرشتها ببطء وقد عقصت ملامح وجهها من أثر الإضاءة. رفرفت برموشها ببطء حتى اعتادت على الضوء المفاجئ. أخذت تتمطع بمكانها بتثاقل، مزمجرة ببطء حتى ظهر صوتها الذي به حشرجة من أثر النوم: "لازم كدا تغيظيني وتخليني أصحى، رخمة انتِ أوي يا أستاذة شمس هانم." تحركت من فراشها وهبطت أرضًا بتأفف وهي تزيح شرشفها من عليها. توجهت إلى المرحاض، جهزت حالها واغتسلت وتوضأت وارتدت أسدالها وتوجهت إلى الخِمرة وأخذ...
رواية كن لي أبا الفصل الأول 1 - بقلم روميساء نصر
أشرقت شمس فجر جديد بخيوط أشعتها الذهبية، تخللت حجرة نوم فتاة جميلة، لاعبت خيوط الذهب بشرتها البيضاء. تململت في فرشتها ببطء وقد عقصت ملامح وجهها من أثر الإضاءة. رفرفت برموشها ببطء حتى اعتادت على الضوء المفاجئ.
أخذت تتمطع بمكانها بتثاقل، مزمجرة ببطء حتى ظهر صوتها الذي به حشرجة من أثر النوم:
"لازم كدا تغيظيني وتخليني أصحى، رخمة انتِ أوي يا أستاذة شمس هانم."
تحركت من فراشها وهبطت أرضًا بتأفف وهي تزيح شرشفها من عليها. توجهت إلى المرحاض، جهزت حالها واغتسلت وتوضأت وارتدت أسدالها وتوجهت إلى الخِمرة وأخذت تبدأ في صلاتها. انتهت من الصلاة وهي تسلم، ومن ثم ارتفعت أصوات بالخارج خشنة، كانت تعلم لمن صاحبه.
تنهدت بألم وهي تلملم الخِمرة التي كانت تصلي عليها. وضعتها على حافة الكرسي ومن ثم عزمت على الخروج من غرفتها وهي تدعو الله بأن ينجيها من براثن ذلك الوحش الذي بالخارج.
اتكأت على مقبض الباب بباطن يدها ومن ثم توجهت للخارج بخطوات حذرة، تخشى أمرًا ما أن يحدث. اتجهت إلى المطبخ حيث والدتها توجد.
وقفت بزاوية تخفي جسدها خلفها وأظهرت منها رأسها إلى داخل المطبخ. تنهدت براحة عندما وجدت والدتها بمفردها. اتجهت نحوها مسرعة بخطوات حذرة وقامت بنغزها بجانبها، جعلت والدتها تشهق رعبًا وهي تلقي ما بيدها بنفور.
تعالت ضحكات مليكة متمتمة من بين ضحكاتها بمرح:
"والله يا عم سالم انت اتخضيت."
ضيقت "إيمان" والدتها عينيها وهي تناظرها بغضب مصطنع حتى أصبحت شفتاها السفلية بين أنيابها. التقطت أذن "مليكة" في يدها تعتصرها متمتمة بنفاذ صبر:
"حرام عليكِ قطعتيلي الخلف."
تأوهت الأخرى وهي تتلاوى بين يدي والدتها حتى ابتعدت عنها وهي تملس مكان أصابع والدتها بألم:
"آه آه هو الواحد ميعرفش يهزر معاكي شوية."
تنفست الصعداء وهي تهز رأسها بنفي وقد عادت إلى ما تفعله مرة أخرى. أما مليكة فتوجهت إلى مقعدها وهي تنظر إلى والدتها متمتمة بنبرة هادئة كأن شيئًا لم يكن:
"صباح الخير يا ماما."
ابتسمت لها والدتها وهي تستدير في وقفتها تحمل طبقًا به مربى تضعه أمامها متمتمة:
"صباح النور يا ملوكتي، يلا افطري يلا عشان تنزلي تشوفي دروسك، السنة دي أهم سنة ليكي."
تمتمت مليكة بملل وهي تتفحص الأطباق التي وضعتهم والدتها:
"من عيوني يا ست الكل، هخلص وأنزل أتحرم في الدروس حاضر."
ولّت لها ظهرها وقد سيطرت عليها غصة حزن بحلقها وهي تحدثها:
"والله يا بنتي لو عليا كنت جبت المدرسين هنا بدل المرمطة اللي انتِ فيها كل يوم، بس أعمل إيه، من الله هو سبب المرمطة اللي إحنا فيها دي."
وقفت مليكة من مكانها متوجهة إلى والدتها وقد أحاطت كتفها بذراعها وهي تتمتم بمواساة غافلة عن مدى الحزن الذي يخيم عليها:
"يا ماما يا حبيبتي، هو أنا اشتكيتلك؟ ربنا يخليكي ليا، وبإذن الله أخلص وأشتغل ونسيب الفيلا دي ونسيبه ونمشي."
تنهدت إيمان بألم وهي تقوس فمها بسخرية:
"فاكرة إن ده هيسيبنا في حالنا."
قطع حديثهم صوت خشن مصيحًا بهم جعل هواء المكان عاصفًا:
"إنتوا بتتكلموا في إيه انتوا الاتنين."
انتفضت كل منهما وهما يديران له وجههما وقد ارتسم على ملامحهما الرعب خوفًا من أن يكون استمع إلى حديثهما.
تمتمت إيمان بتلعثم وهي تفرك يدها من فرط الخوف:
"مفيش حاجة، دي مليكة بتقولي إنها هتتأخر النهارده في الدروس."
ضرب على الطاولة بقوة مما أدى إلى ارتعاب كل منهما في وقفتهم. تحدث بفحيح ملئ بالاستهزاء:
"متتعبيش نفسك أوي كده، أنا بعلمك بس عشان مظهري، ولما أجي أتجوزك وأخلص منك تكوني متعلمة، واللي هييجي يشتري يدفع فيكِ كتير."
اعتلت شهقات بكاؤها ورجفة جسدها متمتمة بنبرة خافتة كادت أن تصل لمسامعه بصعوبة مليئة بالمعاتبة والترجي:
"يا بابا هو ليه انت مش عايزني ولا معترف بيا ومش مهتم بيا ولا بتعليمي؟"
صاح بها عالياً جعل معدتها تنعقد من شدة الخوف:
"اخرصي خالص وبطلي زن، قومي من وشي أحسن ما أقوم أدور الضرب فيكي، جاتك الهم وأنتِ خلفة سودة."
أحاطت إيمان كتف مليكة وهي تدعمها على الغروب من أمام ذلك الوحش الكاسر حتى لا يتفادى معها.
«« في غرفة مليكة »»
كانت تدفن رأسها بوسادتها التي تشاركت معها كل دموعها وآلامها ووجعها. يصدر بغرفتها صوت شهقات بكاؤها فقط وصوت عقلها الذي يتساءل فيما أخطأت في حق هذا الذي يُدعى أبيها. هل ارتكبت جريمة لأنها تريد حقها منه في أن يعاملها بحنان وأن يكون لها السند ويوفر لها الحب والرعاية والأمان؟ فهي تحبه نعم تحبه برغم ما يفعله بها، فهو والدها الذي أحضرها إلى الحياة.
قاطع صوت تفكيرها صوت طرق على الباب يليه صوت والدتها التي هتفت باسمها:
"مليكة."
تمتمت بصوت متحشرج يكاد يكون هالك من كثرة البكاء والوجع الذي يسيطر عليها:
"ممكن يا ماما تسيبيني لوحدي."
تنفست والدتها بألم وهي تخبرها بأمر هام لعله يقفز الفرحة بقلبها:
"قومي كلمي صاحبتك على الفون."
انتفضت من نومتها وهي تمسح دموعها بباطن يدها لعلها تمسح وجعها مع هذه الدموع. توجهت إلى باب الغرفة بخطوات سريعة حتى تفتحه لتأخذ من والدتها الهاتف على عجلة. تركتها والدتها مع صديقتها وغادرت بعدما ابتسمت لها كتحفيز ودعم، لكن لم تخفِ هذه الابتسامة الألم الذي يسيطر عليها.
تحدثت في الهاتف بلهفة:
"الو."
أتاها صوت ملئ بالنشاط والحيوية لتبدأ في غناء أغنية لتسايرها الأخرى بها:
"الو الو."
"الو الو."
"من هنا."
"أنا هنا."
"من معاكي."
"أنا معايا."
"من الباشا."
"أنا الليثي."
تحدثت بتعجب مصطنع مضيفة:
"إيه ده الليثي مين؟ أنا طالبة مليكة."
تحدثت مليكة بنفاذ صبر وقد تناست وجعها ودموعها بعد الحديث مع صديقة عمرها:
"أيوه يا آخرة صبري."
تابعت سهيلة الحديث بميوعة ودلال:
"قلب صبري وقناصة وكبدة صبري."
صاحت بها مليكة من بين ضحكاتها:
"إيه انتِ فاتحة مصمت عندك؟"
تابعت سهيلة بنفس دلالها:
"مصمت حبنا."
زفرت مليكة بحنق وقد وصلت لذروة ضيقها من تلك المتحدثة:
"يا فاقعة مرارتي يا أنا، يا أما هو انتِ يا بت عندك نقص عاطفي وبتطلعيه عليا."
تابعت سهيلة من بين ضحكاتها:
"هو فين بس عاطف دا وأنا والله ما هخليه يفلت من تحت إيدي."
هزت رأسها بنفي وقلة صبر وهي تحدثها بجدية:
"هاه كنتي عايزة إيه؟"
تحدثت سهيلة بثرثرة سريعة وصوتها أصبح عالياً يفتك الأذن:
"وأنا هعوز منك إيه غير كل نم على خلق الله وتنمر وسيئات بقا الله أكبر مقولكيش."
تنهدت بقلة صبر وهي توبخها:
"أنا برده يا بت، وإلا انتِ اللي كل ما تشوفي اتنين مرتبطين تطلعي عليهم القطط الفطسانة."
ظهر في صوتها نوع من الإبهام والاستنكار وهي تتحدث:
"أنا يا بنتيا؟"
أجابت الأخرى بحنق:
"لا، أمي."
تحدثت سهيلة بجدية وقد تذكرت أمرًا ما:
"يخربيتك نسيتيني، كنت عايزة إيه؟ يلا عشان نروح الدرس عند مستر محمد النهارده."
"هو مش بكرة؟"
"لا غير المعاد وخليه النهارده الساعة ٤."
"أشطا يا حب، هعدي عليكي ونروح بس اطلعي بره الكومباوند عشان مش بيدخلوا أي حد وأنا مش ناقصة مرمطة."
ثم تابعت بنبرة حزن مصطنعة:
"يرضيك عمي يرمط؟"
تابعت سهيلة من بين ضحكاتها:
"لا ميرضنيش، أوك هستناكي على البوابة بره."
هتفت مليكة باسمها وقد خيم الحزن عليها:
"سهيلة."
تابعت سهيلة بدلال:
"نعم يا حب عمري."
تحدثت مليكة بامتنان:
"بحبك أوي وشكراً لأنك لسه معايا لحد دلوقتي وموجودة في حياتي ومتخليتيش عني بعد كل اللي حصل."
تحدثت سهيلة بنبرة مرحة حتى لا تدخل الأخرى في نوبة بكاء:
"بس يا بت إيه الكلام الهبل ده، انتِ أختي، انتِ اللي في الحتة الشمال يا بت."
تحدثت من بين ضحكاتها:
"اللي يسمع كلامك ميقولش إنك من عيلة الدالي أبداً."
تابعت الأخرى وقد اختلطت ضحكاتهم معًا:
"ولا أنا مصدقة، فكك، دول عنطزة على الفاضي."
أنهت مكالمتهم وذهبت كل واحدة لتجهز حالها.
«« في قصر الدالي »»
وخاصة بغرفة آسر الدالي جاءه طرق على الباب.
تحدث بنبرة رجولية ثابتة وهو يتابع تمشيط خصلات شعره:
"ادخل."
أتاه صوت مدبرة البيت متمتة باحترام وهي تضع عيناها أرضاً:
"العيلة منتظراك على الفطار يا آسر بيه."
وجه حديثه إليها وهو يضع مشاطة شعره جانبًا وهو يعدل من بدلته:
"قوليلهم نازل أهو."
نزل إلى الأسفل متوجهًا إلى غرفة الطعام التي كان يلتف حولها عائلة الدالي الذين يتكونون من محمد أبو أسر، حنان أم أسر، أحمد وليلي أهل سهيلة، عبير ومحمود أهل عفاف.
ألقى عليهم الصباح وهو يجلس بمكانه:
"صباح الخير."
رد الجميع الصباح بابتسامة مشرقة:
"صباح النور."
انطلق صوت رجولي من على الطاولة موجهًا حديثه لآسر:
"النهاردة هتفتح فرع جديد للمجموعة، هتكون هناك."
أومأ له آسر بتأكيد:
"آه طبعاً، أنا اللي هشرف على الافتتاح ولازم أكون موجود."
تحدث "أحمد" بامتنان عم آسر ويكون والد سهيلة:
"والله يا ابني انت شايل عننا حمل كبير أوي."
رد عليه آسر بابتسامة متمتمًا بتقدير واحترام:
"ليه بتقول كده بس يا عمي، ده انت الخير والبركة."
قطعهم صوت أنثوي مدلل:
"ممكن يا آسر توصلني على طريقك عشان عربيتي بتتصلح."
قطع عليهم صوت مستهزئ من خلفهم:
"هو مفيش غير آسر في القصر الطويل ده هو اللي يوصلك؟"
ردت عليها عفاف بتأفف:
"وانتِ مالك، حد وجهلك كلام؟"
وجه آسر حديثه لسهيلة متمتمًا بمشاكسة:
"إيه يا حجة سوسو مالك داخلة علينا حامية كدة ليه، مفيش صباح الخير؟"
تمتمت بدلال مصطنع وهي توجه أنظارها إلى تلك التي تطالعها بغل وكره:
"صباح الخير على عيونك يا آسو."
أتاهم صوت عفاف الذي احتوى على نبرة الاستهزاء:
"صباح الخير على عيونك يا آسر، نينينينينينينينينينيني."
تحدثت سهيلة بوجه محتقن به نبرة وعيد:
"والله لو ما اتكتمتي يا وجه البرص يا أم صورم لأجي أضربك زي البرص."
تحدثت الأخرى بنبرة مائع وهي تمثل الاشمئزاز:
"ياي، بيئة أوووي."
احتقن وجه الأخرى بالغضب وكانت على وشك الهجوم عليها لتأتي بخصلات شعرها بيدها، لكن قبض آسر على يدها وهو يمنعها من الانقضاض عليها هامسًا لها:
"خلاص خلاص، سبيها، البت مش حمل."
تحدثت بفحيح وهي تضغط على أسنانها من شدة الغضب:
"سيبني، دي عايزة تتربي."
حدثها آسر بدلال محاولاً أن يهدئ من روعها:
"عندي أنا دي، معلش يا سوسو، ربنا يخلصنا منها وتتجوز وتنقلع من هنا."
رفعت سهيلة يدها وهي تصيح عالياً:
"اسمع منه يا رب يا رب."
نكزها الآخر بيدها:
"خلاص، انتِ هتعلني إسلامك هنا؟"
تأوهت على آسر فعلته وهي تناظره شزراً تنوي له الكثير. تمتم هو بجدية:
"تعالي يلا افطري."
تحدثت الأخرى وهي تنظر إلى عفاف بوجه متجهم:
"لا، نفسي اتسدت."
تابع الآخر بمزاح:
"إيه ده، هو انتِ نفسك بتتسد زي الناس كدا؟"
"تصدق إنك رخم."
قالتها وهي تناظره بضيق غاضب:
"صاح بها والدها بتحذير:
"بنت عيب كده، إزاي تكلمي أخوكي الكبير كده."
وجه آسر حديثه لوالدها متممًا:
"سيبها يا عمو، هي عارفة إنها زي بنتي قبل ما تكون أختي، والهانم بتستغل ده وبتقل أدبها وهي متعرفش إن رجالة بشنبات ميقدروش يرفعوا عينهم قدامها."
تحدثت بمزاح وهي تغمز له:
"يا واد يا واثق انت."
ثم وجهت حديثها لوالدها:
"اطلع منها بقى يا عم ميدو، هو وعلي قلبه زي العسل أهوه."
أتاهم صوت والدتها النافر:
"بنت عيب كده، إيه الطريقة الفلجر اللي بتتكلمي بيها مع بابي دي."
قوست فمها بإستهزاء مضيفة:
"ماما أنا ماشية وسايبالكوا مخضرة."
تمتم والدها من بين ضحكاته وصدمته بابنته:
"أنا معرفش البت دي إيه اللي جرالها."
تحدثت ليلي والدة سهيلة بوجه محتقن:
"انت مبسوط من تصرفاتها؟"
وجه أحمد بصره على آسر وهو يخلي مسؤليته:
"مليش دعوة، عندك آسر أهو، عاتبيه، هو المسؤول."
تنهنه وهو يقوم من مكانه يحاول تغاضي أنظار الجميع:
"طب أنا اتأخرت على الشغل بقا، باي."
أوقفه صوت عفاف:
"آسر مش هتوصلني؟"
حاول كبت ضيقه متممًا بجدية:
"لا يا عفاف، انتِ مش على طريقي ولا طريقي زي طريقك."
هتفت مليكة عالياً وهي متوجهة إلى الخارج:
"ماما أنا خارجة راحة الدرس، عايزة حاجة."
تمتمت والدتها بحب أمومي:
"سلامتك يا حبيبتي، ربنا معاكي."
توجهت خارجًا ليعيق خطواتها دلوف أبيها طارق متممًا بصرامة:
"انتِ راحة فين يا زفت."
تلعثمت بحديثها وهي تناظره بذعر:
"راحة الدرس."
تمتم الآخر بلا مبالاة:
"مالوش لزوم."
ارتعش كامل جسدها وهي تتردد في حديثها متمتمة:
"ليه يابا؟"
أتاها صوته الخشن الصارم:
"جايلك عريس النهارده وأنا وافقت."
صاحت به وقد تناست خوفها منه تماماً:
"بس أنا مش موافقة ومش عايزة أتجوّز."
قطع كلماتها صوت صفعة هوت على صدغها.
صاح عالياً وهو يقذفها بنظرات مشتعلة من شدة الغضب:
"انتِ بتعلي صوتك عليا، حسابك معايا بعدين وهعرفك إزاي تعلي صوتك عليا، حلو، لكن دلوقتي تجهزي عشان ممدوح شريكي في الشغل هييجي النهارده ويتجوزك."
حدقت به بصدمة وقد شحب وجهها على أثر تلك المصيبة متمتة بإسمه حتى تتأكد من ظنونها:
"اونكل ممدوح شريكك؟"
أومأ لها ببرود تام:
"أيوه."
"إزاي ده عنده ٦٠ سنة؟"
تمتم الآخر بدون مبالاة وكأنها لا تعنيه شيئاً مما سبب لها الألم الجامح على أثر عدم اعتنائه بها:
"وإيه يعني، اهو يخلصني منك، وغير كده أستنفع لما يموت والشركة كلها تبقى بتاعتي."
هزت رأسها بنفي وهي تتراجع للخلف وعيناها تفيض منها الماء:
"لا لا لا، مش على حسابي، مش على حساب حياتي وحريتي."
صاح بها معلناً على إغلاق الأمر والحكم به:
"الموضوع انتهى، أنا خارج، ارجع ألاقيكي جاهزة ومستنياني."
خرج طارق من البيت وصفع خلفه الباب ليهتز جسم مليكة على أثر الصوت. تنفست عندما خرج من المنزل وأجهشت بالبكاء حتى تطفئ نار قلبها وتخرج كل الوجع والألم الذي بداخلها. انتفضت واقفة من مكانها متوجهة للخارج عازمة على التوجه إلى صديقتها حتى تشكو لها عن مصيبتها. خرجت من باب الفيلا تجري والدموع تتساقط من عينيها، وأثناء سيرها وهي تزرف الدموع كشلال يفيض منه الماء بغزارة، اصطدمت بها سيارة، وقعت أمامها جثة هامدة.
رواية كن لي أبا الفصل الثاني 2 - بقلم روميساء نصر
أصوات عالية مزعجة تملأ المكان ووجع قاتل أصابها، سبب خروج آلام جامحة يتبعها صرخات عالية، وقعت على أثرها أرضاً.
انطلق الآخر من سيارته مهرولاً للخارج، جالسًا على عقبيه منحنيًا على تلك الجثة الفاقدة للوعي. انتشل جسدها أرضًا واضعًا رأسها فوق ساقه، مربتًا بخفة على وجهها حتى تفيق.
فتحت عيناها بضعف، ظهر خلالهما لون عينيها الفيروزي الذي انعكس مع أشعة الشمس، جعل اللون ساحرًا يغرق به من ينظر بهما. همهمت بصوت ضعيف، ومن ثم أغمضت عيناها واستسلمت لآلامها بين أحضانه.
فاق الآخر من سحر عينيها مدركًا حالتها وحالة الضوضاء التي حولهم وحديث الناس وهمهماتهم من حولهم. حمل جسدها الغض بين ذراعيه متوجهًا إلى سيارته، يضعها بالخلف برفق، متوجهًا للأمام متولي قيادة السيارة.
التقط هاتفه سريعًا ضاغطًا على بعض الأرقام ليأتيه صوت به نبرة من الجدية والاحترام:
"أيوه يا فندم، أي خدمة أقدر أقدمها لك؟"
صاح بها هالعًا وهو يضغط على الهاتف بقوة يخرج به توتره:
"بسرعة، طقم كامل يستقبلني، معايا حالة عملت حادثة وفاقدة الوعي."
أنهى المكالمة وأغلق الهاتف وهو يلقيه جانبًا بإهمال، مسترقًا نظرات إلى المستلقية بالخلف لا حول لها ولا قوة. زمجر وهو يضرب على المقود مخرجًا أصوات تنبيهية لفك الازدحام، لكن بدون جدوى، فعجئة السير اليوم كبيرة جدًا.
أخذ ينظر إلى التي بالخلف بقلق تام من أن يصيبها أمر ما. ترجل من السيارة وهو يدفع الباب بقوة جعل السيارة تهتز على أثر تلك الدفعة، توجه إلى الخلف وانتشل جسدها من على المقعد وتوجه بها ركضًا وسط ذلك الزحام الذي لم ينفك مطلقًا بهذه السرعة.
أخذ يتفرس بملامحها وهو يلهث من كثرة الركض، وكلما شعر بطاقته تنفذ ينظر إليها يشعر بغصة أصابته، غير مدركًا سببها، هل لأنه السبب في إغلاق تلك العيون الفيروزي أم لماذا؟
شعر بتحركها بين يديه وبيدها التي تشبست بملابسه وعلامات الذعر التي ظهرت على ملامحها، زاد في فرط حركته ظنًا بأنها تتوجع حاليًا من أمر ما.
وصل أخيرًا إلى المستشفى وقد قابله الممرضون والأطباء، وتم وضعها على الترولي ودلفوا جميعًا بها إلى المستشفى، وهو يتبعهم بأعين متفحصة لحالتها.
أخذ ينتظر بالخارج متحركًا ذهابًا وإيابًا أمام باب غرفة الفحص. خرج الطبيب من الغرفة وأسرع إليه اسر سريعًا متحدثًا بلهفة ظهرت في صوته:
"هاه يا دكتور طمنيا."
أجابه الدكتور مطمئنًا إياه بنبرة هادئة:
"الآنسة كويسة، بس في بعض الكدمات في جسمها وحالتها النفسية مش كويسة خالص ومحتاجة رعاية لأن حالتها الصحية متدهورة."
تنهد بأريحية متمتمًا:
"يعني هي كويسة، أقدر أدخلها حاليًا؟"
أضاف الدكتور بابتسامة:
"غير اللي أنا قلته لحضرتك، فهي تمام، وحضرتك تنفع تدخلها طبعًا، اتفضل."
دلف اسر إليها ليجدها غائبة عن الوعي وتنام مثل الملاك. جلس بجوارها متنهدًا براحة، يخرج أنفاسه ببطء:
"يا ترى إيه اللي وقعك في طريقي النهارده؟"
سمع صوت همهمة تصدر منها وحبيبات العرق تزين جبهتها. اقترب منها عن قرب حتى اختلطت أنفاسهم، واشم رائحة أنفاسها الذي أراد وبشدة أن يتذوق شفتاها.
ملس بمنديله على جبهتها مزيلاً تلك الحبيبات.
أخرجت همهمة بوهن وضعف وقد تقوست ملامح وجهها على أثر ذلك:
"مش عايزة أتجوزه، ابعدوا عني، أنا بنتك، حرام عليكم، ليه تعملوا معايا كده، مش على حسابي أنا."
بدأت في إخراج عبراتها التي انسابت فوق وجنتيها وجسدها يرتعش أسفل اسر الذي لاحظ رعشتها. هزها اسر بلطف بذراعها حتى تفيق.
انتفضت من مكانها هالعة محتضنة ذلك الجسد الذي كان يحاصرها، متشبثة به بشدة متمتمة من بين بكاؤها وعويلها الذي يحتوي على الذعر:
"احميني منه يا ماما، أنا مش عايزة أتجوزه، خليه يبعد عن حياتي، أنا مش هتجوز واحد أكبر من أبويا، لا لااااااا."
أضمها إلى أضلعه بتملك، مربتًا على ظهرها متمتمًا بهمس بكلمات مهدئة رقيقة. استكانت على أثرها بين أحضانه، أخذ يهدئها ويمدها بشعور الأمان الذي علم أنه مسلوب منها من رجفة جسدها بين يديه. شعر بتنظم أنفاسها، فوضعها برفق على وسادتها وعيناه معلقة بها.
أخذ يتساءل والحيرة والذهول غلبا عقله:
"هي البنت دي ليه كانت بتقول كده وحالتها ورجفتها وخوفها، يا ترى حكايتها إيه ووقعت عليا من أنهو مصيبة؟ بس بجد دي أحلى مصيبة شوفتها لحد دلوقتي، بس صغيرة على اللي هي بتقوله ده، دي من عمر سهيلة باين."
انقطع صوت تفكيره بصوت الهاتف الذي التقطته من السيارة قبل مغادرتها. وضع الهاتف على أذنه متحدثًا بصرامة:
"الو، لا أجل كل حاجة النهارده، مش هقدر أجي، يلا سلام."
كانت تقف تحت أشعة الشمس تتأفف بضجر وهي تنظر لساعة يدها وعيناها تنظر يسارًا ويمينًا بخيبة أمل عندما ترى الطريق خاليًا من المارة. فتمتمت بتأفف:
"هي اتأخرت كده ليه، هي كمان مش عادتها تتأخر عن مواعيدها، أتصل بـ مامتها أشوفها فين، لا لازم أتصل بقى ما أنا دماغي ورمت من الحر."
التقطت الهاتف تطلب والدة مليكة، فآتاها الرد:
"الو يا حبيبتي، إيه في إيه خير؟"
سألتها سهيلة مستفهمة:
"هي مليكة مش عندك يا طنط؟"
أجابت "إيمان" بوجه مقتضب على أثر ما سمعته:
"لا يا حبيبتي، دي خرجت من زمان قوي."
تنهدت الأخرى زافرة بقلق ووجه عابس:
"طب هتكون راحت فين، أنا اتفقت معاها نخرج قبل الدرس ومعاد الدرس فات خلاص وهي لسه مجتش."
خفق قلبها بشدة وقد اختنق صوتها بغصة البكاء:
"يعني هتكون راحت فين يا حبيبتي يا بنتي؟ طب اسألي حد من صحابكم عليها يمكن راحت له."
زفرت بحنق الأخرى متمتمة بذعر على صديقتها:
"هتروح لمين بس، إحنا منعرفش غير بعض."
تنهدت الأخرى بألم وهي تسيطر على غصة البكاء التي هاجمتها مجيبة:
"طب أنا هتصرف وأحاول أعرف هي فين."
أكدت عليها سهيلة بأن تخبرها بأمرها لو وجدتها وتطمئنها عليها، وانتهت المكالمة بينهم.
تحدثت بقلق وهي تناجي ربها من مكانها:
"يا ترى روحت فين يا بنتي، جيب العواقب سليمة يا رب."
دلف طارق إلى المنزل متحدثًا بصرامة وقسوة:
"إنتِ واقفة عندك بتعملي إيه، عاملة زي اللي سارق سريقة كده، والبت بنتك فين؟"
تمتمت بنبرة هالكة لم تصل إلى مسامعه:
"معرفش."
صاح بها بوجه متجهم:
"على صوتك شوية، إنتِ بتوشوشي نفسك."
انهارت أرضًا تبكي بقوة وهي تندب حظها وتضرب على ساقيها بقهر:
"معرفش، معرفش لسه مرجعتش لحد دلوقتي، طفشت منك ومن عمايلك السودا فيها."
صاح بها وهو غير قادر على استيعاب الأمر:
"طفشت."
ثم تابع وهو يتجه نحوها بوجه متجهم:
"طفشت إزاي، والعريس اللي جاي كمان ساعة ده."
رفعت رأسها نحوها وعيناها معلقة عليه بتعجب متسائلة:
"عريس... عريس إيه ومين اللي انت جايبها لها؟"
أجاب بنبرة باردة حادة مقتضبة:
"ممدوح، شريكي."
شحب وجهها وحدقت به بذهول متمتمة بإختناق من هول تلك الصدمة:
"ممدوح."
ثم تابعت بمهاجمة وحدة ونبرة عالية شرسة:
"ممدوح يا مفتري، ده أكبر منك، إنت أكيد مش إنسان، إنت شيطان، إنت شيطان متحرك من البشر."
صفعة سقطت على وجنتيها أخرستها، تطاير الشرر من عينيه وهو يصيح بها بقسوة:
"... اخرسي خالص، مش عايز أسمع صوتك، والبت دي هرجعها وهعرفها إزاي تهرب تاني."
غادر المكان تاركًا تلك التي ظلت تبكي وتأني وتلعن مصيرها الذي أوقعها بيد ذلك الشيطان الذي لن يغفل على إلحاق الأذى بها وبابنتها.
««في المستشفى»»
رفرفت رموشها وهي تتململ بفرشتها. رفعت كفها على جبينها تفرقه ببطء من أثر الألم الذي يعصفها. لاحظ اسر تحركها وهو يختلس النظر إليها طوال فترة جلوسه معها. شعر بارتياح تام وهو يدقق ويفترس النظر إليها بتتمعن جعله يحفظ ملامحها مما جعله يتفنن ويحاول أن يرسمها بخياله وهي تبتسم له.
توجه نحو فراشها منتفضًا من مكانه متمتمًا بقلق قد ظهر في نبرته:
"يا آنسة، إنتِ سامعاني؟"
ضيقت عيناها ومن ثم تعودت على الإضاءة فأفصحت عن لون عينيها الفيروزي الذي غرق الآخر بجمالهم وجاذبيتهم. همهمت بنبرة ضعيفة واهنة:
"أنا فين وإنت مين؟"
تاه بجمال عينيها وغرق في رونق ولمعانها متمتمًا بعفوية معبرًا عن شيء رائع قد رآه:
"الله، عينك حلوة أوي."
تقطب حاجباها حتى أصبحا على شكل ثمانية وهي تحاول جاهدة بأن تخفي ابتسامتها العفوية التي نشأت عن حرجها. أحكمت السيطرة على ضحكتها ومن ثم تمتمت بحزم:
"افندم."
هز رأسه بأسف وقد ارتسمت ابتسامة جذابة على محياه:
"أنا مقصدش، بس بجد عيونك حلوة أوي، أول مرة أشوف زيهم."
تصاعدت حمرة خجلها مع انصهار وجنتيها وخروج اللهب منهم من شدة الخجل. اخفضت رأسها متمتمة:
"شكرًا."
جلس أمامها على الفراش مما جعلها تنتفض بجلستها ويبدو عليها علامات الذعر. تجاهل اسر ذعرها ونفضتها تلك معبرًا عن ما بداخله:
"شكلك عسل أوي وإنتِ خجلانة، خدودك زي الطماطم."
تنحت بحرج مغيرة مجرى الحديث:
"هو أنا فين وإيه اللي جابني هنا؟"
أضاف بنبرة اعتيادية مليئة بالثقة وهو يشير عليه:
"أنا."
تابعت بهلع مصيحة بذعر منتفضة من مكانها، انتزعت شرشف الفراش من عليها وهبت واقفة بسرعة مما جعلها تصاب بالدوار فسندت على حافة الفراش متأوهة بألم متحدثة بنبرة هالكة:
"وإنت إيه اللي خلاك تجيبني هنا والساعة كام وماما فين؟"
انتفض من مكانه واقفًا عندما شعر بعدم اتزانها متمتمًا بهدوء:
"أهدي، أهدي، إنتِ عملتي حادثة ووقعتي قدام عربيتي وأنا جبتك هنا."
تابعت وهي على نفس حالة الذعر:
"طب أنا بقالي هنا قد إيه؟"
أجاب عليها بهدوء ممزوج بقليل من اللامبالاة:
"٤ ساعات بس."
شحب وجهها ومرت ارتجافة أسفل عمودها الفقري جعلها تنتصب في وقفتها متمتمة برعب:
"٤ ساعات، أنا لازم أروح، أنا اتأخرت أوي."
تابع بهدوء محاولًا أن يطمئنها وهو ما زال واقفًا بمكانه:
"طب اهدي، اهدي، وأنا هخرجك وأروحك، ما تقلقيش."
تابعت بانهيار وهي تدفع جسدها جالسة على الفراش:
"أنا اتأخرت أوي، يا رب استر يا رب."
تنهد محاولًا أن ينتزع تلك الغصة التي واجهته عند رؤيتها هكذا متمتمًا:
"يا بنتي بطلي عياط بقى، قومي معايا أروحك."
ثم تابع بتساؤل:
"بس إنتِ اسمك إيه؟"
أخرجت صوت أبله يدل على عدم تركيزها:
"هاه."
تحدث اسر بمرح محاولًا أن يخرجها مما هي فيه:
"إيه اللي حصل؟ أثرت على السمع عندك؟"
ابتسمت له مجاملة متمتة بنبرة هادئة:
"اسمي مليكة."
تابع اسر بغزل:
"اسمك حلو أوي يا مليكة."
تنحت بحرج متحدثة:
"شكرًا."
تحدث اسر وهو يهم بالتحرك:
"طب قومي يلا عشان أهلك زمانهم قلقانين عليكي، زمان أبوكي وأمك قالبين عليكي الدنيا."
وقعت كلمة أبيها على مسامعها جعلت جسدها يرتجف خوفًا وقد أجهشت بالبكاء متمتمة:
"ربنا يستر وميحصلش حاجة."
تحدث مستفهمًا عن حالتها تلك:
"إنتِ خايفة من إيه؟ في حاجة مضايقاكي؟"
تمتمت بنبرة متلعثمة وقد تحرك بؤبؤ عينيها من مكانه من كثرة الخوف:
"هاه، لا، أنا عايزة أروح."
زفر أنفاسه بهدوء متمتمًا:
"طب يلا قومي."
توجهوا خارج المستشفى ومن ثم اتجهوا ناحية السيارة. أعانقوها وتوجهوا حيث منزله.
توقفت السيارة أمام المنزل، دلف منها كل من اسر ومليكة.
ارتعش جسدها وظلت ساقيها تتراطم من كثرة الخوف وهي تقدم خطوة وتأخر عشر خطوات خشية من الذي ينتظرها. ظهر ارتجافتها وخوفها وشحوب وجهها يزداد مما جعل اسر يلاحظ حالتها المذرية مما جعل يتساءل مع نفسه عن سبب حالتها، فهي في بيتها ملجأها وأمانها.
تحدث وهو يختلس نظراته نحوها وهم يتقدمون إلى الفيلا:
"مليكة، إنتِ كويسة؟"
أجابت بتلعثم:
"آه، آه، أنا الحمد لله كويسة."
أومأ بعدم اقتناع متمتمًا:
"مش باين."
قام بالطرق على الباب ليفتح له طارق وعيناه تضيق بالشرار، أصبحت عينيه سوداء قاتمة من شدة الغضب وازدادت قتامة عندما رأى مليكة واسر. توجه نحوها بخطوات واسعة جذبها من خصلات شعرها أمام اسر ووالدتها وذلك العجوز ممدوح. انطلقت صرخة منها على أثر قبضة والدها التي سيطرت على خصلاتها وكأنه يقتلعها.
هجم عليها مثل المفترس الذي يبحث عن فريسته بعد غياب وجوع. اهتز جسده من شدة الغضب عندما رأى تلك الملاك بين فك ذلك البغيض وهجم عليه ينتشلها من يده قابضًا على ملابس طارق منتشلًا إياه من فوقها ملقيًا بجسده على الأرض الصلبة متوجهًا نحوه وقد أعماه غضبه. أخذ يوجه ضرباته نحوه كأنه ينتقم لها على ما فعله بها، فهو لم يحتمل أن يراها تتألم أمامه.
حاول طارق التملص من بين مخالبه متمتمًا بنبرة لاهثة مرهقة من كثرة الضرب:
"إنت مين وجاي هنا تعمل إيه؟ إنت جاي تضربني في بيتي، أنا هبلغ البوليس."
صاح به اسر هاتفًا بغرور:
"أنا اسر الدالي."
عندما سمع طارق هذه الكلمات كانت كافية بإخرساه، فهو يعلم ما الذي يفعله به صاحب ذلك الاسم.
حدق بصدمة متمتمًا بذهول:
"اسر الدالي."
تابع اسر بصياح:
"ازدرد لعابه بتوجس متمتمًا بنبرة جاهد في أن يخرجها متزنة على عكس ما بداخله:
"لا أقدر أحبسك، جاي تتهجم عليا في بيتي وبنتي كانت معاك بتعمل إيه؟"
تابع اسر بنفس نبرته الواثقة:
"لو على إني جاي أتهجم عليك، ف أنا لقيتك بتضربها، فكنت بحوش وأدافع عنها."
تابع طارق بصياح:
"تدافع عنها بصفتك إيه؟ إنت مين إنت؟ وإلا كانت تبقالك إيه؟"
كلمة أخرست الجميع صدرت منه، وقعت كالصخرة فوق ألسنتهم:
"مراتي."
رواية كن لي أبا الفصل الثالث 3 - بقلم روميساء نصر
عندما تفوه أسر بهذه الكلمة، وقعت على مسامع الكل. كانت كفيلة بإخرس الجميع وإصابتهم بالدهشة. قطع دهشتهم صوت ارتطام مليكة بالأرض مغشيًا عليها.
صرخت إيمان هاتفة بها:
_ بنتي!
استدار بوقفته فوقعت أنظاره على تلك الملقية أرضًا. أسرع إليها منحنيًا عليها وقام بحملها وهو يتساءل بصياح عن غرفتها، يريد أن يفلت عن مشاعره التي تنتابه ووغزات قلبه التي تواجهه:
_ أوضتها فين؟
تمتمت والدتها وهي تسير أمامه تقوده إلى محل غرفتها، تتعثر في خطواتها من رعبها على ابنتها وكثرة استدارتها للخلف حتى تسترق النظر على ابنتها الواقعة بين يديه:
_ تعالي يا ابني، أوضتها من هنا.
أدخل أسر بها إلى غرفة نومها، وضعها على فراشه. تمتم بقلق وهو يتفرس ملامح وجهها الشاحبة المتطعمة بالكدمات من أثر الحادث وبطش والدها بها. لا يعرف لما شعر بالحنق من نفسه لأنه السبب فيما تعرضت له:
_ ممكن لو سمحتي تجيبيلي بيرفيوم أو أي حاجة عشان أفوقها.
أتت والدتها بقنينة العطر التي كانت موضوعة على طاولة الزينة. ناولتها إياها بيد مرتعشة من أثر قلقها على ابنتها:
_ اتفضل.
التقطها منها وهم بفتحها، لتقاطعه هي بنبرتها المرتبكة:
_ هو انت إزاي بتقول إنها مراتك؟ هو انت يا ابني حقيقي متجوزها؟
تنهد بألم وهو يخبرها عن الحقيقة:
_ لا، بنتك معرفهاش غير النهارده. عملت حادثة واتصدمت بعربيتي ووديتها المستشفى، بس هو ده اللي حصل.
شهقت والدتها رعبًا على ما حدث لإبنتها وتحشرج صوتها على أثر كتم دموعها، متمتمة بتساؤل:
_ اومال قلت ليه إنك متجوزها؟
صمت قليلًا، فبماذا سوف يقول هو حتى لا يعلم ما الذي أصابه؟ لما يفعل كل هذا معها؟ لما يشعر بمشاعر متناقضة معها؟ لما يقرع قلبه مثل الطبول تحت تأثير عينيها؟ لما أحس بوغزة بقلبه من هيأتها؟ تنهد قائلًا:
_ صدقيني مش عارف أنا قلت كده إزاي، بس أنا مش بلعب بيها، بس مقدرتش أشوفها وأبوها بيضربها أو بيمد إيده عليها.
أخذت إيمان تنظر إليه وإلى تفسيرات وجهه وانعقاد وجهه وحالته المحيرة، كأنه تائه في دوامة. وما زاد صدق ظنها نبرة الصدق التي بحديثه، فأرادت أن تلعب عليه حتى ترى ما يخبئ بقلبه بعدما أحست بأنه يكن لها مشاعر:
_ طب ما كده أبوها مش هيرحمها بعد اللي اتقولته؟ ولو قلت الحقيقة هيجوزها للراجل العجوز اللي تحت ده.
وقعت تلك الكلمات على محة أذنه، خرقتها، جعلتها تندفع مثل الطائرة النفاثة. نظر إليها نظرة بعينيه السوداء التي ازدادت قتامة عندما سمع هذه الكلمات، فقد اكتشف مؤخرًا أنه لا يريد أحدًا أن يقرب منها ولو في خياله، هي ملكًا له فقط. فماذا لو تزوج بها أحد؟ صاح بوالدتها كأنها عقله الباطن:
_ يستحيل يتجوزها، ده أكبر من أبوها.
تمتمت والدتها بألم حقيقي وحزن:
_ أبوها مُصر يجوزها عشان ده شريكه في الشغل وعايز لما يموت بنتي تورثه والشركة تبقى من نصه كله.
تجهم وجهه من أثر كلماتها التي صدمته في والدها. تمتم مستفهمًا بحيرة:
_ إزاي؟ إزاي يضحي بحياة بنته عشان شوية ورق؟
تمتمت برجاء وقد سبقتها دموعها ترجوه:
_ انت بإيدك تنقذ بنتي منه، لو ينفع تكمل في كدبتك دي لحد ما أكلم أخويا ينزل مصر وهو يحل الموضوع.
ربت على كفها متمتمًا بتعاطف تام على تلك الأم المسكينة:
_ أنا مستعد أتجوزها لو ده في مصلحتها.
تابعت برجاء:
_ بس يا ريت يا ابني مفيش مخلوق يعرف بالاتفاق ده.
أومأ لها برأسه مؤكدًا حديثه:
_ أكيد طبعًا، مفيش مخلوق هيعرف غير أنا وانتِ.
بالخارج، وقف هذا الملعون طارق يسترق السمع من خلف الباب وأخذ يفكر تفكيرًا شيطانيًا بعقله، محدثًا نفسه:
_ والله وجات الفرصة لحد عندك يا طارق، مش مهم ممدوح دلوقتي مش هيفيد بكتير، لكن أسر ده صفقة العمر.
دلف إلى الداخل متمتمًا بقلق مزيف:
_ هي فاقت ولا لسه؟
صاحت به إيمان من بين نحيبها وبكاؤها:
_ لسه، عايز منها إيه تاني؟ مستني لما تموت؟
تابع حديثه بهدوء غير معتاد وحزن مزيف:
_ أنا بطمن عليها بس.
قرب أسر قنينة البرفيوم من أنفها حتى تستنشقه، متجاهلًا حديث ذلك البغيض. أفاقت وهي ترمش بعيونها حتى اتسعت حدقتيها من الصدمة. انتفضت من نومتها عندما رأت أسر، احتضنت والدتها بخشية وهي تمرر أنظارها بين والدها وأسر. سارت رعشة بجسدها كاملاً وهي تراهم كأنهم شياطين بهيئة بشر، تريد جمرها بالنار وحدفها بالجحيم.
شعر أسر بحرقة ونيران تشتعل داخله عندما رأى نظرة الخوف منه ونظراتها الكريهة له. تمتمت والدتها بحنان أبوي مربتة على ظهرها:
_ بس خلاص، اهدي، مفيش حاجة حصلت.
استكانت بين أحضان والدتها، لكن عند رؤيتها لهذا البغيض طارق شعرت بإنسحاب الدماء من جميع جسدها. ارتجف جسدها حتى تراطمت أسنانها من شدة الخوف وهي ترى ملامحه التي لا تنبئ بخير ونظراته الذي يبعثها له.
رأى أسر حالتها المذرية، شعر بغصة في قلبه من رؤية هيأتها ونصل حاد اخترق قلبه جعله يريد جذبها من بين يدي والدتها حتى يأسرها بقلبه. وجه حديثه إلى طارق وعيناه تشع بنيران كارهة:
_ أنا ومليكة بنحب بعض من زمان وهنتجوز.
وقعت تلك الكلمات عليها، تحطم كل ذرة عقل بها. انتفضت من مكانها تاركة أمان حضن والدتها واندفعت نحو أسر وهي تصيح به بالسباب. صفعته على وجهه وأكملت بالهجوم عليه وهي تردد:
_ يا كداب يا كلب يا منافق، والله العظيم كداب، أنا معرفوش ومش عاوزة أتجوز حد، سيبوني في حالي.
بلّ يدها التي كانت تضربه بهيستيرية وقد تحولت عيناه إلى القتامة من كثرة غضبه مما فعلت. احتقن وجهه بالدماء وهو يقرص بقبضته على يدها متمتمًا بفحيح وقد أعماه غضبه عن رؤية نظرة الألم الظاهرة من عيونها وقسمات الألم التي تخللت وجهها:
_ وحياة أغلى حاجة عندي لأندمك على اللي انتِ عملتيه ده، واعرفك إزاي تمدي إيدك عليا.
تمتمت بألم مصيحة به وهي تتلوي بين يديه:
_ آآه سيب إيدي يا حيوان.
ترك يدها موجهًا نظراته الغاضبة نحو طارق، مصيحًا به بجدية:
_ هاه، قلت إيه؟ حافظ رقم المأذون ولا أرن أنا؟
ارتسمت السعادة فوق ملامح وجهه، متمتمًا وهو يناظره نظرة لعوبة جشعة:
_ بس هي مخطوبة لشريكي ممدوح.
انطلق أسر نحوه قابضًا على تلابيب قميصه وهو يهدر به بقسوة:
_ أنا قلت إيه؟ أنا قلت إن أنا اللي هتجوزها. مين ممدوح اللي انت مقرفني بيه ده؟
ابتلع لعابه بتوجس متمتمًا بتلعثم:
_ أنا وهو شركاء، ولو رفضت هيئذيني وكده أنا مش هستفاد حاجة.
أفلت قبضته من عليه مبتعدًا عنه. أخرج دفتر الشيكات مدونًا عليه ببعض الأرقام، دافعًا إياه بوجهه بنفور وعلامات التقزز ظاهرة على وجهه:
_ ده شيك بـ 10 مليون، كويس كده ولا عايز كمان؟
التقطه طارق أرضًا وهو يتفحصه بطمع وعيناه لا تصدق ذلك الرقم، متمتمًا بلهوجة وسعادة:
_ لا لا، كده حلو أوي، كده أروح أجيب أنا المأذون.
قطع خطواته نبرته الحادة الحازمة:
_ الفرح الأسبوع الجاي.
وجه أنظاره إلى التي ترنحت في وقفتها وجلست على فراشها تنكس رأسها أرضًا من هول صدمتها. فهي تباع مثل أي بضاعة أو شيء ممتلك من قبل أبوها، وذلك الشخص الذي أحست معه بالأمان وبمشاعر جميلة ولاول مرة تأمن لجنس الرجال، وها هي الآن تعاني. لم تتعلم من تجربتها مع والدها:
_ هاه، فاهمة يا عروسة؟ الأسبوع الجاي.
تركهم وتوجه إلى الخارج صافعًا الباب خلفه.
استنجدت مليكة بوالدتها كأنها الضوء الأخير الذي سيخرجها من العتمة التي تحيط بها، متمتمة برجاء:
_ ماما، أنا مش عاوزة أتجوز، ما تسبينيش ليه يا ماما؟ أنا والله ما أعرفه، أرجوكي يا ماما متسبينيش.
أغمضت عيناها بتألم مبتلعة تلك الغصة المتحشرجة بالبكاء، متمتمة:
_ خلاص يا مليكة، اللي حصل حصل. مش هو ده اللي انتِ كنتِ عاوزة تتجوزيه وبتحبيه؟
حدقت بها بعتاب متمتمة من بين بكائها:
_ حتى انتِ يا ماما مش مصدقاني.
طرقَت على صدرها بقوة متمتمة بهستيرية من بين بكائها:
_ ده أنا بنتك حتى، صدقتيه هو وأنا لا!
دخلت بنوبة بكاء حاد دفثت وجهها بوسادتها وهي تلعن حظها ذلك. تمتمت والدتها بقهر وهي تحاول كبت دموعها:
_ هقوم أحضرلك تاكلي عشان شكلك تعبان أوي.
تحدثت بنبرة مقتضبة متحشرجة من أثر البكاء:
_ أنا هنام، ماليش نفس.
تنفست بألم وهي تندب حظها وتضرب على ركبتيها بعويل:
_ يا بنتي قومي، متقطعيش قلبي عليكي.
صاحت بها الأخرى بنبرة هالكة:
_ مش عاوزة يا ماما، مش جعانة، عاوزة أنام.
تمتمت بصوت حازم وهي تهم واقفة متوجهة إلى الخارج:
_ أنا هجيب الأكل، ولازم تاكلي.
༺༺༺༺༺༺༻༻༻༻༻«««في الأسفل»»»
كانوا جالسين يلتفون حول طاولة مستطيلة. كان المأذون يعد أوراق الزواج وقاموا بعقد الزواج. وضع أسر يده بيد طارق وانتهوا وتوقفوا على إمضاء العروس.
توجه طارق بالدفتر الذي بيده تحت نظرات أسر التي كانت تخشى أن يفعل بها شيئًا أو يؤذيها حتى تمضي العقد، لكنه فورًا ما صرف تلك الفكرة وهو يملس على وجنته مكان تلك الصفعة.
جاء طارق للتوجه نحو غرفتها، أعاقته إيمان وهي تحمل الطعام متوجهة إلى غرفتها تنظر له شذرًا وهي تدلف إلى الغرفة. أما هو فلم يعطها اهتمام، لا يريد أن يخرب مزاجه من محاورته معه.
دلف إلى الغرفة وتوجه نحوها وهو يصيح بها:
_ قومي يا بت، اخلصي امضي.
انتفضت من نومتها على صوته. فهي كانت تظن بأن تمثيلها للنوم سوف يغير الأمر، لكن لا فرار من الواقع. ابتلعت ريقها وهي تحدق بالدفتر بأعين واسعة غير قادرة على تقبل الأمر. انتفضت من مكانها وارتجف جسدها على أثر إلقاء الدفتر في وجهها وهو يتمتم بنبرة حادة لازعة:
_ اخلصي امضي، هو أنا هبات جنبك هنا؟
انهارت بالبكاء ترجوه لعله يفرج عن أسرها:
_ وحياة أغلى حاجة عندك يا بابا، مش عاوزة أتجوزه، والنبي.
_ لو ممضتيش حالا هتشوفي مني اللي عمرك ما شفتيه، والراح كوم والجاى كوم تاني.
سارت رعشة من الذعر بكامل أوصالها جعلتها تلتقط الورقة وتمضيها حتى تنتهي من ذلك الكابوس المؤلم. توجه هو الآخر إلى الخارج بعدما انتهى من بيعته متوجهًا إلى الأسفل، معطيًا الورقة إلى المأذون وقام بتوصيله إلى الباب بعدما تم الأمر. اتجه طارق إلى محل أسر الواقف في ثبات وعيناه ثاقبة تخترقه حتى وصل إليه. تمتم أسر بتهديد:
_ الفرح الأسبوع الجاي، انت فاهم؟ ولو عرفت إنك مديت إيدك عليها هكسرهالك.
خرج وتوجه إلى بيته حيث سيفجر قنبلة زواجه من مليكة.
رواية كن لي أبا الفصل الرابع 4 - بقلم روميساء نصر
عندما خرج أسر من منزل مليكة، أخذ سيارته وتوجه إلى شاطئ البحر.
ترجل من السيارة وجلس أمام البحر، مستمتعًا بمنظر البحر وأمواجه والسماء المزينة بالنجوم.
أخذ ينصت إلى سنفونية جميلة من الطبيعة، تراطم الرياح الخفيفة مع المياه والأمواج.
أخذ يأنب نفسه على فعلته، متحدثًا مع حاله: "أنا ليه عملت كده؟ ليه اتجوزتها واتسرعت وأخذت الخطوة دي؟"
يأخذ يتصارع مع عقله وقلبه:
القلب: "أنت حبيتها يا أسر."
العقل: "لا حب إيه ده؟ أوعي تسمع كلامه، هيوديك في داهية. ثم أنت متعرفش عنها حاجة، ولا عمرك شفتها قبل كده."
القلب: "طب بما إنه أول مرة يشوفها!! ليه خاف عليها؟!! ليه قلبه دق جامد لما شافها واقعة بين إيديه؟!! ليه حس بوجع وخوف وكره إن حد يقرب منها؟!! وده مش أي حد، ده أبوها. ليه هاه؟! جاوب يا أسر، ليه؟!!"
العقل: "دي شهامة مش أكتر، خصوصًا إن البنت ملهاش ذنب، فحبيت أخلصها من مشكلة ملهاش يد فيها."
القلب: "أنت كداب، أنت حبيتها. طب ليه مسبتهاش تتجوز وتروح لحالها، وأصرت تتجوزها؟"
العقل: "عشان أنقذها من الظلم اللي كان أبوها هيوقعها فيه."
القلب: "وأنت مالك تنقذها ليه؟ إلا لو كنت بتحبها فعلاً."
العقل: "متنساش عملت فيك إيه، مقدرتش إنك هتنقذها وهتتجوزها وهتنتشلها من الضياع، ومدت إيدها عليك."
الكرامة: "آه يا أسر، فعلاً إزاي تخلي واحدة زي دي تجرح كرامتك وتمد إيدها عليك."
شعر أسر بضياع وتشتت بين أفكاره، فصاح عاليًا مانعًا تلك الأصوات المتناقضة بداخله: "باااااس، اسكتوا خالص. أنا لازم أرد كرامتي وأندمها على اليوم اللي مدت إيدها عليا فيه."
ذهب أسر، اعتنق السيارة وتحرك إلى قصر الدالي.
««في قصر الدالي»»
عند سهيلة:
أخذت تسير ذهابًا وإيابًا بغرفتها، ممسكة بهاتفها، تعتصره بين يديها من فرط توترها. جلست أخيرًا على الأريكة، مطلقة شهيقًا وزفيرًا. همت على الاتصال بوالدتها حتى تطمئن.
جاءها صوتها من الطرف الآخر:
_ الو يا حبيبتي.
اندفعت في سؤالها متمتمة:
_ هاه يا طنط، لسه مرجعتش؟
تحدثت الأخرى بحنين حتى تطمئنها:
_ اهدي، اهدي، رجعت الحمد لله، متقلقيش.
تنهدت براحة متمتة بارتياح كأن ثقلًا كان على قلبها:
_ طب الحمد لله، ممكن أكلمها؟
تمتمت إيمان بحرج:
_ هي نايمة دلوقتي يا حبيبتي، بكرة بإذن الله.
تمتمت بسعادة:
_ أوك يا طنط، سلام.
= سلام يا حبيبتي.
أنهت المكالمة وتوجهت إلى الأسفل حيث يتجمع الجميع بغرفة السفرة لتناول العشاء. ألقت سهيلة عليهم تحية المساء بود، ورد الآخرون التحية.
تمتم والدها أحمد بمرح:
_ تعالي يا حبيبة بابي، يلا مستنينك.
تمتمت بنبرة لعوبة:
_ أنا برضه، ولا مستنين أسر؟
ابتسمت لها عفاف ابتسامة صفراء متمتمة:
_ أكيد طبعًا مستنين أسر، أمال هنستناكي إنتِ ليه؟ تطلعي إيه إنتِ في طبق اليوم؟
تابعت سهيلة بتهدي، ملتقطة الشوكة التي بحوزتها وهي توجهها نحوها:
_ والله العظيم يا عفاف، لو ما احترمتي نفسك معايا، لأعملك بفتيك وأقدمك على طبق اليوم.
صاح بهم الجالس يرأس السفرة، "أبو أسر":
_ بااس، مفيش احترام للكبار، إيه ناقص تقوموا تضربوا بعض قدام الناس؟
زفرت سهيلة بقوة متمتة بسخط وهي تلقي اللوم على الأخرى:
_ يا أنكل، مش شايفها هي اللي بدأت الأول؟
تمتمت الأخرى برقة ودلال مصطنع:
_ أنا بهزر معاها يا أنكل، بحب أهزر وأرخم عليها، بس هي اللي بتاخد الكلام جد.
خرجت سهيلة بعض الأصوات الساخرة على طريقتها متمتة:
_ رخمة، أقسم بالله.
صاح بهم مرة أخرى بنبرة حازمة:
_ بااس، اخرصوا يلا، كلو، وكل واحدة تطلع على أوضتها ومن غير ما أسمع صوت واحدة فيكم، بنات آخر زمن.
عندما تفوه محمد بهذه الكلمات، أخرست كل من سهيلة وعفاف.
دلف أسر إلى الداخل متمتمًا:
_ مساء الخير.
رد عليه الجميع باعتيادية:
_ مساء النور.
جلس أسر بجوار سهيلة، رافعًا حاجبه متعجبًا من الهدوء الذي يعم على الجميع. منحنيًا على سهيلة مستفهمًا:
_ هو فيه إيه؟ إيه السكوت الأوفر ده؟ مش شايف يعني شعر عفاف في إيدك ولا ماسكاها ضارباه؟
تمتمت من بين أسنانها وهي تغرز شوكتها بصحنها وتنظر للأخرى بكره:
_ والله كنت على وشك أطلع شعرها في إيدي، بس الراس الكبيرة اتكلمت، وأنت طبعًا عارف الراس الكبيرة لما بتتكلم، الكل ينفذ.
اعتدل بجلسته متممًا:
_ أداري، ساكتة وغلبانة.
تمتمت سهيلة بمرح:
_ أداري ولا بلاي ستيشن.
عقص ثغره متممًا بضيق:
_ تصدقي إنك رخمة وعيلة قلاشة.
تمتمت سهيلة بتلقائية وثقة وهي ترفع يدها أمامه بغرور مصطنع:
_ طب بذمتك، تقدر تعيش يوم من غير ما أرخم عليك؟
ضرب يدها التي كانت تلوح بها، فتأوهت على أثرها، فالتقط خدودها يقرصها متممًا:
_ لا طبعًا، هو فيه زي سوسو ورخامة سوسو.
تأوهت بألم متمتة من بين تآوهتها:
_ آآه، أه، خدودي، أه.
ضحك بصخب على هيئتها متممًا بشماتة:
_ أحسن، عشان تحرمي ترخمي عليا.
كانت نظراتها الحارقة تخترقهم، والغيرة تعمي عينها، وهي تلتقط السكين وتحفر به في صحنها مخرجة صريرًا مزعجًا. فتمتمت بميوعة لازعة:
_ أسر، ممكن تراجع معايا محاضراتي عشان ورايا امتحانات.
ضربته سهيلة على كتفه بمرح متمتمة:
_ البس يا معلم.
وجه نظره تحذيرية لسهيلة حتى لا تثير الجدال، جعلها تخرس، ثم وجه حديثه اللاذع للأخرى:
_ والكلية اللي بتروحيها والمحاضرات اللي بتحضريها والكورسات اللي إنتِ بتاخديها دي لازمتها إيه؟
كانت على وشك الإفصاح والدفاع عن نفسها، فقاطعها هو بنبرته الحادة:
_ أنا مش فاضي لدلعك ده يا عفاف.
أدركت عبير "أم عفاف" الجو المحتقن، فحاولت إنقاذ ابنتها متمتمة:
_ هي قالت إيه بس يا أسر يا ابني، دي عايزاك تفهمها حاجة، هي مش فاهماها.
لم يعير حديثها الموجه إليه أي قيمة، وكأنه لم يكن موجهًا إليه، ثم وجه حديثه للأخرى:
_ لو مش فاهمة، نجيب لك دكاترة لحد باب القصر يفهموكي، لكن أنا مش فاضي.
تمتم محمود "أبو عفاف" محاولًا فض الأمر حتى لا يتطور أكثر من ذلك:
_ خلاص يا عفاف يا بنتي، أسر هيجيب لك دكتور يفهمك اللي إنتِ مش فاهماه.
تمتمت برجاء ودلال وأخذت تتغنج بنبرتها:
_ طب وفيها إيه يا أسر لو فهمتني إنتَ؟
أردف أسر وهي ينظر لطبقه متناولًا منه الطعام:
_ مش فاضي، ورايا أشغال ومسؤوليات.
أصبح الصمت حليف المكان بعد جملته الأخيرة، لا يظهر إلا صوت تخبط أدوات تناول الطعام بالصحون. أعلن أسر بصوته الواضح، حيث وقع ذلك الخبر على آذان الجميع كالمفرقعات التي ستحول هذا الجو الساكن إلى ضوضاء عالية:
_ أنا صحيح عايز أقول لكم حاجة، أنا قررت هتجوز والفرح الأسبوع الجاي.
لحظات مرت على الجميع من السكون القاتل، قطعه صوت والده المنصدم:
_ إنتَ بتقول إيه!!
تابع أسر محافظًا على هدوئه الذي كان سيتسبب بجلطة للجميع:
_ زي ما قولت لحضرتك، أنا قررت أتزوج، وفرحي الأسبوع الجاي.
صدح صوت "عبير" السعيد:
_ وطبعًا العروسة...
قطعها أسر قبل أن تلفظ باسم ابنتها:
_ لا، أنا قلت لك ميت مرة إن عفاف زي أختي ومش هتجوزها، وبكرة هتروحوا تتعرفوا على أهل العروسة.
تفوهت عفاف بدون تصديق:
_ إنت بتتكلم جد؟
تفوه بصرامة وحزم:
_ وأنا من إمتى بهزر معاكي.
تحشرج صوتها بالبكاء متمتة بضعف:
_ طب وأنا!!
تفوه بلا مبالاة:
_ إنتِ إيه؟!
تفوهت بضعف وانهيار:
_ أنا بح...
قطعه كلمتها قبل أن تتفوه بها:
_ أنا قولتهالك وقولتها لأمك قبل كده إنك زي أختي ومستحيل أتجوزك.
تراجعت بخطواتها للخلف متوجهة إلى الخارج قبل أن تنهار تمامًا أمامهم، وتبعتها والدتها.
تمتم والده بحدة:
_ هاه، لسه فيه حاجة تانية معملتهاش؟
هتف أسر به:
_ بابا.
قاطعه والده بصرامة:
_ بابا إيه!! ده إنت اللي بابا، حددت خلاص ميعاد فرحك ومن غير ما ترجعلي، من غير ما ترجع لأهلك.
تمتم بآسف:
_ أنا خلاص يا بابا قررت أتزوج، ولقيت الإنسانة اللي هتجوزها وهكمل حياتي معاها.
صاح به بحزم:
_ براحتك، بس من هنا ورايح أنا مش أبوك، ومليش دعوة بيا.
خرج والده من الغرفة بغضب تام.
فهتفت حنان "أم أسر" بتشجيع:
_ روح يا أسر، روح واعتذر منه، يلا يا حبيبي واستسمحه.
تمتم أسر بهدوء مقبلًا رأسها:
_ من قبل ما تقولي يا أمي، أنا هروح أستسمحه وأبوس راسه كمان.
في التراس كان يجلس "محمد" شاردًا، ممسكًا بألبوم صور فيه صور تجمعه هو وأسر.
آتى أسر من خلفه مقبلًا رأسه متابعًا بآسف:
_ أنا آسف يا بابا، بس صدقني غصب عني، متزعلش مني، أنا عمري ما أعرف أتحرك من غيرك، إنت سندي وضهري في الدنيا.
التقط يده مقبلًا إياها. فرت منه دمعة هاربة، ثم تابع برجاء:
_ ارجوك يا بابا سامحني، أنا عمري ما هقرر حاجة من غير ما أرجع لك تاني، بس ده كان غصب عني، مقدرش أعصي لك أمر أبدًا يا حبيبي.
تمتم "محمد" وهو يشير إلى صورة بالالبوم:
_ بص شوف الصورة دي، دي أول ما اتعلمت تتمشى، كنت تتمشى خطوتين وتقع. في الصورة دي أنا كنت ماسكك عشان متقعش وأنت بتمشي، والصورة دي أول مرة تنطق وتقول بابا.
انهار أسر مقبلًا رأسه ويده متممًا برجاء:
_ أنا آسف، ارجوك سامحني، أنا ماليش غيرك في الدنيا، بحبك أوي يا بابا.
تمتم والده بحب:
_ وأنا كمان بحبك أوي أوي.
هتف أسر بمرح:
_ طب يلا بقى قوم عشان نتعشى.
ابتسم له ابتسامة لعوبة:
_ بس مين بقى اللي إنت اتعلقت بيها بسرعة ووقعتك على بوزك وعاوز تتجوزها بأسرع وقت؟
ضحك أسر على لهجة والده متممًا:
_ بكرة بإذن الله هنروح لهم وتتعرفوا عليهم.
دلف أسر ووالده إلى الداخل حتى يتناولون طعامهم.
بعد الانتهاء من العشاء:
««في غرفة أسر»»
طرقت على الباب بصخب، ثم بهدوء، وأخذت تترك بتفاوت هكذا حتى جاء صوته:
_ ادخلي يا آخرة صبري.
دلت سهيلة إلى الداخل.
أخذ نظرة على الأوراق موجهًا نظراته إليها متممًا:
_ إيه يا سوسو، فيه إيه؟
قوست فمها إلى الأمام بعبوس متمتة:
_ أنا مرضيتش أتكلم تحت، وعملت شوشرة، وأنت شوفت الجو كان عامل إيه.
رجع بظهره على الأريكة متممًا بنفاذ صبر:
_ هاتي من الآخر.
تنفست بضجر متمتة بلوم:
_ إنت إزاي تعمل كده؟
تفوه بشفافية كأنه لا يعلم مقصدها:
_ عملت إيه؟
صاحت بحدة:
_ إنت هتستعبط؟
صاح بها بحزم:
_ بت، لمي نفسك وأنتِ بتتكلمي معايا.
توجهت إليه وهي تخطو نحوه بتهديد وهي تجز على أسنانها:
_ ده أنا هنفخك وأدبحك وأقطعك وأعمل منك شاورما، يبقى تحب وتقرر تتجوز، وأنا آخر من يعلم، وأعرف زي زيهم، شكرًا أوي، متشكرين يا رجولة، يبقى تخبي عليا، إخص، لا بجد إخص، أنا لازم أرمي نفسي من على الكنبة وأنتحر، لا... لا قلبي لا يحتمل.
ضحك بصخب متممًا من بين ضحكاته:
_ هاه، خلصتي الفيلم الحمضان بتاعك ده؟
ضمت شفتاها معًا حتى أصبحوا مثل الخط المستقيم، وهي تنظر ببلاهة وتفرك رأسها ببلاهة:
_ إيه ده، هو أنا أدائي وحش أوي كده؟
أكد على حديثها متممًا:
_ أوحش مما تتخيلي.
تابعت بمرح ومزاح:
_ طب كدب عليا، طب، كدب عليا، ده إنت فظيع.
تمتم من بين تأففه:
_ بصي، أنا هاحكيلك على كل حاجة، بس ابعدي عن دماغي دلوقتي، لآني دماغي هتتفرتك وعايز أنام.
صاحت بمزاح وهي ترقع ضحكة دوّت بالغرفة مثل الراقصات:
_ أوبا، بقا الحب ولع في الدرة، نفسي أعرف مين المتعوسة اللي هتتجوز؟
تحدث مع نفسه متممًا:
_ هي فعلاً متعوسة وهتشوف مني اللي عمرها ما شافت.
أخرجته سهيلة من أفكاره متمتة برجاء:
_ طب احكيلي بسرعة يلا بقى.
تمتم أسر بإرهاق محاولًا التملص منها:
_ أحكيلك إيه؟ أنا عايز أنام، سبيني دلوقتي، وبكرة أوعدك هوديكي تشوفيها وهقول لك كل حاجة.
تأففت بوجوم متمتة:
_ والله إنت رخمة.
أخذ الوسادة من جانبه قاذفًا إياها بها، فتفاديت الوسادة وهي تخرج له لسانها:
_ ما جتش، ما جتش، ني ني ني ني.
صاح بضجر بها:
تفوهت بوجه عابس وهي تتجه للخارج:
_ طب أنا هأرف بحالتك وهسيبك، بس هتحكيلي بكرة.
أومأ لها بتأفف:
_ أوك، ممكن تسبيني بقى في حالي.
توجهت للخارج تاركة الآخر يستمتع ببعض الهدوء.
رواية كن لي أبا الفصل الخامس 5 - بقلم روميساء نصر
في الصباح الباكر، استيقظت مليكة من نومها بتثاقل، تشعر بإرهاق جسدها وانسحاب روحها. كدمات جسدها اشتدت قتامة، وتوعك معدتها من أثر عدم تناول الطعام. قامت متوجهة للمرحاض، تحاول نفض ذكريات البارحة التي تواجهها.
فهذه الليلة لم تكن بشيء هين. البارحة كان عقد قرآنها، هذا اليوم الذي تتمناه كل فتاة من صغرها، هذا اليوم الذي تبدأ فيه حياة جديدة جميلة مع شريك روحها. فهذا اليوم بالنسبة لها ما هو إلا ألم ووجع. فقد عقد قرآنها على ذلك الشخص الذي اشتراها كشيء مادي يباع ويشترى، غير مبالٍ بهذه الروح التي تتألم أمامه.
فهي كانت تظن من معاملته لها بأنه هذا الشخص الذي رسمته في مخيلتها، فهي شعرت معه بالأمان الذي لم تشعره مع أبيها. ولكنها أخطأت. فهو مثل أبيها، يتعامل بلغة المال. مثل أبيها الذي باعها، الذي كان يعرضها في مزاد بين ممدوح وهذا، لمن يدفع أكثر. فهو ليس أبًا وليس سندًا لي، ولم أشعر معه بالأمان. فهو لم يكن هكذا.
تحول الأمر من ليل وضحاها، تحول من أب حنون يسعى لسعادتي، يدللني كثيرًا، إلى ذلك الشيطان. تذكرت ليلتها المشؤومة التي كانت تلعب في حجرتها بدميتها عندما سمعت صوت والدتها تصرخ وتصيح بألم. خرجت من حجرتها إلى والدتها، وجدت أباها ينهال عليها بالسب والضرب. فركضت لكي تدافع عن والدتها بجسدها الضئيل، فهي كانت لم تتعد ٦ سنوات.
فجذبها والدها من يدها، قام بضربها هي الأخرى. جذبتها والدتها من بين يديه، تضمها إلى حضنها، تحاول منع وصول ضرباته القاتلة على فتاتها. فتصدت هي تلك الضربات، تصيح بقهر وترجي:
"حرام عليك، ارحم بنتي بالله عليك ارحمها. أنا الغلطانة مش هي، هي ملهاش ذنب. دي غلطتي أنا، متعاقبهاش على غلطة هي ملهاش ذنب فيها."
خرجت من أفكارها على الانتهاء من وضوئها، ملتقطة المنشفة تجفف بها وجهها الذي اختلط بالدموع والماء. توجهت لتصلي. فردت، أشرعت بالصلاة، وسجدت أرضًا بتضرع، تتمتم بالأدعية وهي تدعو بأن ينجيها الله من براثن أسر ووالدها.
انتهت من الصلاة واتجهت نحو مكتبها. فتحت الدرج وأخرجت منه صورة لها وهي صغيرة ومعها شاب في الـ ٢٠ من عمره وفتاة في نفس سنها. أخذت تملس على الصورة كأنها تعيد حفظ ملامح الأشخاص الذين بالصورة. ضمتها إلى حضنها وهي تتنفس بعمق، زافرة بقوة، تخرج كل وجعها بتلك الزفرة.
في قصر الدالي، بغرفة عفاف، يصدح صوت حطام وفوضى من داخل الغرفة. كانت تكسر كل ما يقابلها، تخرج به غضبها ذلك. صاحت بألم وهي تنهار أرضًا، قابضة على قلبها:
"أسر راح مني يا ماما، راح مني خلاص."
تمتمت بهدوء وبرود لاذع وهي تنظر للفراغ بعينيها الخبيثتين، تفكر في أمر شيطاني تنفذه:
"بطلي هبل بقى واقعدي في حتة، خليني أعرف أتصرف وأشوف هعمل إيه."
تفوهت بكسرة ووعي:
"ما خلاص فرحه الأسبوع الجاي."
فرت بقوة، تعقص فمها، متمتمة باستخفاف:
"وإنتي كده هترجعيه بعياطك."
ثم أكملت بخبث وحقد وغل مدفون ظهر في بحة صوتها:
"يستحيل يضيع من إيدينا، يستحيل. كل الثروة دي تروح لواحدة جايبها من الشارع. كله من جدك هو السبب، هو اللي كتب كل حاجة باسمه وطلعنا أنا وإنتي وأبوكي من غير ولا مليان."
أغلقت عيناها بانكسار، متمتمة بقلة حيلة من والدتها التي تسعى للمال فقط:
"هو ده اللي همك الفلوس."
ثم تابعت بصياح وانهيار:
"أنا عايزة أسر."
ابتسمت بخبث، مستخفة بأمر ابنتها:
"طب ما أنا آخد الفلوس وإنتي خدي أسر."
ثم أكملت وهي تضغط على أسنانها من كثرة الحقد:
"ما أنا مصبرة ده كله على أبوكي وفي الآخر مطلعش بحاجة. أبوكي طول عمره كان عبيط. ياما قلت له يرفع قضية حجر وياخد نصيبه ونبعد عن هنا، بس هو اللي عايشلي في دور الأخلاق والقيم والعيلة. خلي بقى العيلة تنفعه لما أبوه كتب كل حاجة لأستاذ أسر."
أمسكت عفاف بيدها تترجاها:
"طب هنعمل إيه دلوقتي بقى؟ أنا مش هقدر أشوفه مع واحدة غيره."
نظرت للفراغ بنظرات تائهة وهي تتمتم بغفلة، كأنها أغرقت في بحر أفكارها القذر:
"لازم نروح النهارده معاهم ونعرف عنهم كل حاجة. ويا أنا يا البت دي في البيت ده، لازم نطفشها والجوازة دي مش هتكمل ومبروك عليكي أسر."
اندفعت متحدثة بفرحة عارمة:
"بجد يا مامي؟"
تمتمت عبير بابتسامة شيطانية:
"بجد يا روح مامي."
عند أسر، استيقظ من نومه متوجهًا إلى الركن المخصص للألعاب الرياضية لممارسة الرياضة. تذكر صفعتها التي هوت على صدغه، مما جعله يشتعل من كثرة الغضب، مخرجًا طاقته بكيس الملاكمة.
انتهى من ارتداء ثيابه وتوجه لأسفل، حيث تتجمع العائلة على الإفطار. بغرفة السفرة، جلس الجميع يتناولون إفطارهم في صمت. ليصدح صوت محمد الحازم:
"النهاردة هنروح نخطب البنت اللي اختارها أسر."
تأثر أسر مؤكدًا على حديث والده:
"وأنا هاجي النهارده بدري عشان نروح كلنا مع بعض."
كان يسير بممر الشركة في غاية أناقته. قابله الموظفون وهم يحملون ملفات عديدة نحوه. أخذ يتناول النظر أعلاهم، موقعًا على بعضها والبعض الآخر أجله على مكتبه للمراجعة. توجه إلى مصعد رؤساء الإدارة. وصل إلى مكتبه، عابرًا على مكتب السكرتارية، متمتمًا بجدية:
"صباح الخير، ابعتيلي النسكافيه على المكتب وتعالي ورايا."
لفتت خلفه فورًا بعدما طلبت مشروبها الساخن. أخذ يملي عليها بعض الأعمال والإيميلات التي سترسلها للعملاء ومكالمات واجتماعات اليوم. حتى انتهى، وتوجهت الأخرى للخارج بعدما استطاعت أن تقطع نظراتها المنصبة فوقه طوال فترة استرساله الأمور المتعلقة بالعمل.
وجدت صديقتها بالعمل تجلس فوق مكتبها، ثم هبت واقفة عندما رأت الأخرى آتية إليها. فتمتمت بلهفة:
"عرفتي مجاش امبارح ليه؟"
تمتمت الأخرى بإحباط من صديقتها المهووسة برئيس عملها:
"لا معرفتش."
تنفّت بحدة، متمتمة وهي تنكزها بكتفها:
"أومال كنتِ بتعملي إيه جوه دا كله؟"
زفرت بسخط، متوجة إلى مقعدها، متمتمة:
"كنت بشوف شغلي يا دينا، حِلي عني بقى وانسيه يا بنتي، حرام عليكي. هو عمره ما اهتم بواحدة ولا عمره كان ليه علاقة مع ستات قبل كده."
ثم تابعت بهيام:
"مستر أسر إنسان محترم جداً، وزوق وشيك ووسيم."
ثم أكملت باندفاع وهي تضرب على سطح مكتبها:
"وعمره ما بص على واحدة بصة مش تمام ولا عمره هيبصلك. فإهدي بقى وروحي على شغلك، بدل ما أطلع ظرابيني عليكي وهو يطلع من مكتبه يعلقني أنا وإنتي على باب الشركة. إنتي عارفة إنه ميعرفش أبوه في الشغل."
زمجرت الأخرى بشراسة، وهي تأكل شفتيها من كثرة غيظها من صديقتها التي توقظها من أحلامها الوردية على كابوس. وهي تتوجه للخارج، تضرب الأرض بقدمها من قمة غيظها.
كان جالسًا على مكتبه، يستند بمرفقه على حافة المقعد، يستند بذقنه على راحة يده، شاردًا بها وبعيونها وبأمر زواجه عمومًا. خرج من أفكاره، ملتقطًا هاتفه، طالبًا شخصًا ما. أتى إليه صوت الطرف الآخر ليتحدث بنبرة حازمة آمرة:
"عايزك تجيبلي رقم تليفون طارق الهاشمي بسرعة."
الطرف الآخر:
"حاضر يا أسر بيه، نص ساعة ورقمه هيكون عندك."
قام أسر بغلق الخط. وبعد نص ساعة، أتاه المتصل بما طلبه. قام بأخذ الرقم للاتصال بطارق.
تلاه صوته الخشن، متمتمًا:
"الو، مين معايا؟"
اعتلت ابتسامة ساخرة على وجهه، متمتمًا بسخرية:
"أنا جوز بنتك يا حمايا العزيز. أنا النهاردة جاي أنا وأهلي نطلب بنتك منك. وطبعًا محدش يعرف إنها مراتي وكتبنا الكتاب، على ما أعتقد كلامي واضح."
أغلق الاتصال بوجهه دون سماع صوته. سلط نظره بذهول فوق هاتفه الذي يظهر على شاشته إنهاء المكالمة. تمتم بزمجرة حادة:
"شكلك مش سهل يا ابن الدالي، بس على مين؟ دا أنا طارق الهاشمي."
توجه إلى غرفتها. فتح الباب على مصرعيه بتهجم، مصيحًا بها بشراسة، قد انتفضت على إثرها بعدما انتهت من صلاتها:
"أهل جوزك جاين النهارده عشان يطلبوكي مني. اجهزي والبسي وحطي حاجة تغير من شكلك بدل ما الراجل يطفش من وشك."
خرج، صافعًا الباب خلفه، تاركًا إياها تغوص في نوبة بكاء حادة. قطعتها والدتها وهي تدلف إليها، متمتمة بمرح:
"خدي يا مليكة، سهيلة."
حاولت تكفيف دموعها وهي تدفن وجهها أرضًا، ثم أشرعت عن وجهها بابتسامة مرحة وهي تلتقط منها الهاتف، تعطيها قبلة بالهواء. تمتمت مليكة بمرح على عكس ما بداخلها:
"الو، أحب وحشاني أوي أوي."
أخذت تصيح بمرح عاليًا وهي تثرثر في الهاتف كعادتها:
"أنا أكتر وحشاني أوي أوي. عايزاكي بقى معايا عشان هدوخك وهلففك مول مول عشان هجيب فستان لفرح أخويا."
ضحكت على جنان صديقتها، متمتمة بسعادة، مهنئة إياها:
"الف ألف مبروك يا قلبي، عقبالك."
تفوهت بعبارتها الحذرة النافرة:
"لا يا أختي، بعد الشر. أنا هفضل طول عمري سنجل."
ضحكت بصخب، متفوهة من بين ضحكاتها بلؤم:
"يتمنعن وهن الراغبات."
تأففت بضيق، متمتمة وهي تلوي فمها:
"خلاص يا فضيحة، خلاص. لازم يعني أقولك يا رب من بكرة. الواحد عنده عزة نفس برضه."
تمتمت بجدية مزيفة:
"نسجل بقى الكلمتين دول ونبعتهم لأونكل أحمد يشوف بنته."
تابعت بتحذير:
"ابقي اعمليها كده وأنا أعمل منك بفتيك محروق."
مليكة:
"لا لا، أنا عايزة بانيه."
أخذوا يضحكان معًا حتى تفوهت سهيلة بتذكر:
"صحيح، كنتِ مختفية فين امبارح؟ قلقتيني عليكي."
تنهدت بألم، متفوهة:
"لا، ده موال طويل أوي أوي."
شهقت بمزاح وهي تتمتم:
"تصدقي المشاغل نازلة ترف فوق دماغنا وإحنا فاضيين، موارناش حاجة. ما تقولي، هو إحنا ورانا حاجة نعملها يعني؟"
حركت فمها يمينًا ويسارًا، متمتمة:
"حصلت مصايب وبلاوي."
سهيلة:
"خير يا رب؟"
أخبرت مليكة كل ما حدث لها بالأمس، منذ أن كانت ذاهبة إليها حتى عقد قرآنها. أخذت تصتنت وعيناها تزداد وسعًا من شدة صدمتها، حتى شهقت، متمتمة بعدم تصديق:
"هار أسود! يعني إيه اتجوزك ودفع ١٠ مليون عشان أبوكي يوافق عليه؟ هو كان يعرفك أصلاً قبل كده؟"
تابعت بحزن أليم:
"بقولك أول مرة أشوفه، ده مجنون أكيد."
أخذت تلوك الموقف في أفكارها، حتى تمتمت بتمعن:
"أكيد مجنون، بس مجنون بيكي إنتِ."
تمتمت بنفاذ صبر:
"إنتي بتهزري؟ هو ده وقت هزار؟"
تفوهت بتأكيد:
"لا بجد مش بهزر، ده أكيد بيحبك."
تمتمت بنفاذ صبر:
"بيحبني إزاي بس؟ هو أنا كنت أعرفه قبل كده ولا عمري شفته؟"
سهيلة:
"صدقيني، ده أكيد بيحبك."
أخذت تفكر قليلًا وهي تسترجع ذكريات ذلك الموقف، حتى ارتجف جسدها عندما رأت عينيه القاتمة أمامها، فتمتمت بنفور:
"مستحيل! إنتي مشوفتيش نظرته لما ضربته بالقلم والتهديد اللي كان باين في كلامه."
شهقت بصدمة:
"يخربيتك! إنتي ضربتيه بالقلم كمان؟"
أومأت لها بتأكيد، ثم انفجرت بها:
"يعني أعمل إيه يعني؟ واحد بيقول لأهلي إننا بنحب بعض وعايزين نتجوز، كنت أعمله إيه؟ أقوم أزرّق وأقوله هنجيب الفستان امتى وأشغل أغنية حبيته بالتلاتة وأغني وأرقص وأقوله أنا نفسي أطير؟"
ضحكت بمرح، متمتمة:
"يخربيتك! ليكي نفس تهزري وتضحكي يا جبروتك."
تحدثت بألم وحزن قد فاض من مقلة عيناها:
"يعني أعمل إيه يعني؟ أنا زهقت والله يا سهيلة، زهقت من حياتي ومن كتر العياط."
أخذت سهيلة تواسيها بكلماتها:
"خلاص يا مليكة، بطلي بقى عياط. أنا مش متعودة عليكي بتعيطي. دايمًا إنتي مليكة العسل المشرقة اللي بتضحك دايمًا."
انفجرت باكية:
"زهقت والله من الضحكة اللي بتطلع مني وهي جواها مية آه واه بتطلع بألم. أنا بضحك آه وكتير أوي، بس بتكون ضحكة بألم مش من قلبي، مش فيها طعم الفرحة."
تفوهت بمرح، محاولة أن تخرجها من ذلك الجو:
"وأنا بتقطع من جوايا ونسيت جو الفرحة، وإنتي يا دنيا ليه مزعلة مليكة حبيبة قلبي؟"
ضحكت على حديثها من وسط بكاؤها. ضحكت الأخرى، متمتمة بمشاكسة:
"بت انتِ عندك شيزوفرنيا صح؟ لا أنا بدأت أخاف على نفسي منك."
تحدثت من بين ضحكاتها:
"ماشي يا جزمة، اقفلي يلا عشان أتنيل أجهز عشان عريس الغفلة جاي النهارده هو وأهله. والله لا أطلع عليه القديم والجديد."
تابعت الأخرى بتشجيع:
"أيوا كده يا واد يا شرس، إنتي بان على حقيقتك."
مليكة:
"يلا يا بت، هرش مايه، سلام."
سهيلة:
"سلام."
جاء الليل يغطي بستائره الزرقاء المزينة بالنجوم والقمر المشعين.
في قصر الدالي، وصل أسر. وجد الجميع في انتظاره. ولم يندهش من عفاف وعبير، لأنه أدرك بأنهم يخططون لشيء ليفسدوا هذا الزفاف. ولكن هيهات، فهم لم يستطيعوا أن يتحدوه، ولن يسمح لمخلوق بإفساد هذا الأمر.
تمتم بكلماته وهو يعبر أمامهم، متوجهًا لأعلى:
"إنتوا جاهزين؟"
أومأ له والده:
"أيوه يا ابني، إحنا جاهزين."
=
"طب أنا هجهز وهنزلكوا عشان نتحرك."
بعد الانتهاء من تبديل ملابسه، توجه إلى أسفل بأناقته المعهودة. تلقى تصفيراً عالياً وهي تتغزل به بمرح:
"أوبااااا، بقا جاهز ومتشيك عشان تقابل المزة بتاعتك يا نمس."
زمجرتها والدتها بحدة، متمتمة:
"بنت إيه الكلام ده؟ إنتي بنت، عيب."
وجه حديثه المشاكس نحوها وتحدث بثقته المعهودة:
"هو أنا محتاج أتشيك عشان خاطر المزة؟ ما أنا طول عمري شياكة."
غمزت بعينيها بمشاكسة:
"يا واثق إنت يا واثق."
خرج الجميع وتوجهوا إلى السيارات.
اعتنق أسر وسهيلة ومحمد وحنان معًا.
وأحمد ومحمود وليلي وعبير وعفاف معًا.
وتوجهوا إلى بيت مليكة.
نظرت حولها بوجه عابس، متمتمة بتعجب:
"إنت وقفت هنا ليه؟"
عقد حاجبيه، متمتمًا بتعجب من حديثها:
"هو ده المكان؟"
ترجلت من السيارة، عاقدة الوجه، لا تقدر على تفسير شيء. ترجل الآخرون من السيارة. فتمتمت بتساؤل قلق:
"هو بيت العروسة هنا؟"
أومأ لها أسر بتأكيد:
"أيوه."
تمتمت بقلق وخفقات قلبها تتزايد عندما أصبحت الحقيقة على المحك:
"هي العروسة اسمها إيه؟"
زفر بنفاذ صبر، مديراً وجهه عنها، متمتمًا وهو يخطو خطواته الأولى نحو المنزل:
"تعالي يلا نطلع يا بنتي، هو دا وقته."
اتسعت حدقتاها، متمتمة بعدم استيعاب:
"نطلع فين؟"
تفوه مشيراً نحو المنزل:
"هنا البيت قدامك اهو."
رواية كن لي أبا الفصل السادس 6 - بقلم روميساء نصر
تخشبت قدماها أرضًا من أثر الصدمة، صائحةً به:
"استنى عندك!"
وقف الجميع وعلى وجوههم آثار التعجب من صياحها. وقف الآخر مستديرًا بجسده نحوها، هاتفًا بحدة:
"إيه يا بت انتِ؟ اتهبلتي ولا إيه؟"
تمتمت بنبرة مرتجفة من أثر الصدمة، حاولت قدر المستطاع إخراجها بترتيب:
"انت اللي عايز تتجوزها دي اسمها مليكة."
تسمّر بمكانه بصدمة، متمتمًا بهدوء عكس ما بداخله:
"أيوا، وانتِ تعرفيها منين؟"
انسحبت يده وتوجهت به بعيدًا عن أنظار الجميع التي استحوذتهم الحيرة من ما فعلته سهيلة. ظل صامتًا يسير خلفها حتى ابتعدوا عن أنظار الجميع. أوقفها نافضًا يده من قبضتها، متمتمًا بحدة:
"انتِ واخداني ورايحة فين يا بت؟"
زفرت بحدة، متمتمة بغضب مكتوم:
"مليكة تبقى صاحبتي يا أسر، وحكتلي على كل حاجة."
قامت بسرد كل ما قالته لها مليكة، فتفوه بكلماته الباردة غير المبالية:
"وبعدين، أعملك إيه؟"
صاحت به بنفاد صبر وهي تشد على خصلات شعرها من أثر غضبها:
"تطلقها ويلا نروح وسيبها في حالها، حرام عليك تأذيها."
تمتم بغضب مكتوم، قابضًا على يده بقوة حتى ابيضت عروقه من أثر تذكره لتلك الصفعة التي هوت على وجهه:
"دي مدت إيدها عليا، يستحيل أسيبها تعدي من تحت إيدي غير لما أعرفها مقامها وإزاي تتجرأ بعد كدة ترفع عينها في عيني."
صاحت بحدة تنكزه في صدره بشراسة:
"هي مغلطتش في حاجة، انت اللي غلطت. إزاي تروح تقول لأهلها إنكم بتحبوا بعض وعايز تتجوزها؟"
أردف ببرود تام عندما تذكر ذلك الاتفاق الذي عقده مع والدتها:
"خليكي في حالك ومالكيش دعوة. ولو حد عرف حاجة يا سهيلة، هتشوفي مني وش عمرك ما شفتيه."
أردفت بتهديد مبهم:
"هتندم يا أسر على كل اللي بتعمله."
تابع بإستنكار لتهديدها الفاشل:
"بت بطلي هبل. أنا ماشي، يلا عشان اتأخرنا."
توجه بخطواته بعيدًا عنها، فأسرت نحوه تلتقط يده ترجوه:
"أسر، تعالي نرجع يا أسر، والله حرام عليك، هي متستاهلش ده كله."
زمجر غاضبًا، مصيحًا بها بحدة:
"لا تستاهل وتستاهل أكتر من كده عشان تفكر بعد كده مليون مرة قبل ما تمد إيدها عليا. ويلا بينا نمشي، وخليكي انتِ بره الموضوع."
تفوهت محذرة وهي توجه إصبعها نحوه:
"والله هتندم على اللي انت بتعمله."
تفوه بحزم:
"سهيلة، كلمة تانية وهنسى إنك أختي."
نظرت إليه شذرًا مغادرة من أمامه.
ظهرت عفاف من العدم بعد ذهابهم، وعلى وجهها ابتسامة لا تنبئ بخير. أخذت تفح من بين شفتيها بغيظ وحقد:
"كل ده يطلع منك يا أسر؟ كده بقى اللعب ابتدأ فعلًا. مامي كان عندها حق لما قالت لازم نكون معاهم."
***
أمام منزل مليكة
وصلوا إليه.
تفوه محمد بتساؤل وحيرة من أمرهم:
"انتوا كنتوا فين؟ وفين عفاف؟"
عقد حاجبيه متمتمًا بإستغراب:
"عفاف!! وإيه اللي جاب عفاف معانا؟"
تحدث قائلًا:
"بعتناها تشوفكم روحتوا فين لما اتأخرتوا. انتوا كنتوا بتعملوا إيه؟"
ضحك أسر متمتمًا بمرح محاولًا تخفيف الجو المحتقن هذا:
"مفيش يا بابا، أصل سهيلة، العروسة تبقى صاحبتها، فكانت بتقوللي."
أومأ له والده، ثم شد انتباههم صوت عفاف:
"إيه؟ انتوا كنتوا فين؟ دورت عليكوا حوالين المكان ومكانش ليكوا أثر."
وجه أسر حديثه نحوهم:
"طب يلا بينا بقى عشان اتأخرنا على الميعاد."
نظرت له سهيلة نظرة عتاب، قابلها هو بعدم اهتمام.
توجهوا إلى المنزل. قرع أسر الجرس، فتح لهم طارق وإيمان وقابلوهم بوجه مبتسم مشرق.
بعد التهاني الحارة من قبل الجميع، دلفت سهيلة أخيرًا.
عقدت إيمان حاجبيها بصدمة، هاتفة باسمها:
"سهيلة؟ إزيك يا حبيبتي؟ عاملة إيه؟ انتِ عايزة مليكة صح؟.. اطلعي ليها يا حبيبتي، هي فوق."
أضاف بصرامة نحو إيمان:
"سهيلة تبقى بنت عمي أحمد، ولسه عارف دلوقتي إنهم يبقوا أصحاب."
أومأت بموافقة، متفوهة:
"أنا هطلع لمليكة أشوفها وأنزل أنا وهي."
قاطع خطواتها نبرته الحادة:
"لا، خليكي هنا وسبيها على راحتها."
تحدثت إيمان لتفكك من الجو المتوتر:
"لا عادي، أكيد مليكة هتفرح أوي لما تعرف إنها هنا، وإن سهيلة معاكوا كمان."
جذبها من يدها بجانبه، متمتمًا بإبتسامة هادئة:
"معلش، سيبي سهيلة هنا وهي تنزل براحتها."
أومأت له بحرج، متمتمة:
"طيب يا ابني، على راحتك."
توجه الجميع إلى غرفة الضيافة، وقامت إيمان بتقديم ضيافتهم من مأكولات ومشروبات.
دلت مليكة إلى الأسفل وهي ترتدي فستانًا رقيقًا لونه أحمر يتناغم مع بشرتها البيضاء، تصطبغ وجنتاها بحمرة طبيعية زادت جمالها مع وجود آثار للكدمات التي بوجهها، لكنها لم تشكل أثرًا على جمالها الهادئ.
تفوهت والدتها بإقبال وتشجيع:
"تعالي يا مليكة، تعالي يا حبيبتي."
ذهبت مليكة لهم، ويبدو على وجهها العبوس. وعندما وقعت عيناها على الجالسة منكسة الرأس، عقدت حاجبيها وبدأت تتملكها الحيرة والتعجب من وجوده.
تمتمت حنان بحب ولطف:
"بسم الله ما شاء الله، تعالي يا حبيبتي جنبي هنا."
ربتت والدتها على يدها تشجعها للذهاب ل أم زوجها.
توجهت مليكة وجلست بجوارها، مخفضة رأسها من شدة خجلها. تمتمت بمرح تحاول فك ارتباكها:
"انتِ طبعًا أكيد عارفاني."
أخفضت نبرة صوتها من شدة حرجها:
"محصلش الشرف قبل كده يا طنط."
وجهت حنان حديثها ل أسر الذي فاق من شروده بتلك الملكة التي اقتحمت تفكيره، فتمتمت والدته بلوم:
"كده يا أسر؟ متقولهاليش عليا."
وضع أنامله بخصلاته يعيد ترتيبها، متمتمًا:
"مكناش في فرصة يا ماما."
بدأت حنان في تعريفها على العائلة، وأصابت مليكة بالصدمة عندما علمت بأمر سهيلة وما تقربه لذلك الآخر، متمتمة بصدمة:
"نعم؟ هي سهيلة تقرب له؟"
تنحنح، متفوهًا بحزم:
"أيوه، سهيلة تبقى بنت عمي وزي أختي."
تمتمت والدته مستغربة من تفاجئها:
"ومالك مستغربة ليه؟ دي حاجة حلوة، هتبقي مع صحبتك."
"واعتبريني زي ماما، ودي يا ستي عبير والدة عفاف، بنت عم أسر هي كمان."
تفوه محمد بطيبة ونبرة حنونة تبعث الراحة لقلب الجالس:
"أنا بقى أبقى والد أسر، واعتبريني زي والدك يا حبيبتي."
وقعت هذه الكلمات على مسمع مليكة كالصخرة، وتجهم وجهها.
ثم تابع محمد:
"وده أحمد والد سهيلة، وده محمود والد عفاف، وانتِ طبعًا بقيتي من عيلتنا."
أشار بيده على أسر، متمتمًا بتحذير:
"ولو الولد ده زعلك بحاجة، قوليلي على طول وأنا هتصرف."
أضاف بغزل مارح:
"أنا ميرضنيش القمر ده يزعل."
ضحك الجميع على كلامه، ثم عم الصمت لتقتحمه إيمان موجهة حديثها ل مليكة:
"خدي أسر يا مليكة واخرجوا الجنينة شوية."
نهضت من مكانها وتوجهت إلى الخارج، يتبعها أسر الذي ضجر من سرعتها في السير، متمتمًا بضجر:
"بالراحة، انتِ طايرة كده ليه؟"
تأففت بإشمئزاز من كونها معه، متمتمة بإستعلاء وهي تعوج فمها:
"هو كده… أنا أمشي براحتي، أطير، أقعد بمزاجي."
وقف بمكانه وهو يسحب رسغها حتى تقف بمكانها في الجنينة التي كانت تنيرها أضواء أعمدة الإنارة، تفوه بحدة، جازًا على أسنانه من شدة غضبه:
"مزاجك تحت جزمتي لما تكوني معايا. عايزك تعرفي انتِ بتكلمي مين كويس، أنا جوزك، فاهمة يعني إيه؟"
أفلتت رسغها من يده المقبضة عليها، تضمها لصدرها بحماية، وقد لمعت عيناها بالدموع وانهالت على خديها، متمتمة بحسرة وألم:
"جوزي بالغصب، هو ده الجواز؟ فوق يا أستاذ، واعرف إنك متجوزني وأنا مغصوبة عليك، يعني الجواز باطل، ولا انت متعرفش إن الجواز بقبول الطرفين؟ يعني لو عيشنا مع بعض هتبقى عيشتنا حرام في حرام."
جذبها من خصرها نحوه حتى لصقها به، وعيناه تدق بالشرار. أخذت تبعده عنها وتبعد يده المطبقة على خصرها، لكنها كالفولاذ كانت تقرص على خصرها. تمتم بفحيح:
"انتِ فاكرة نفسك مين يعني؟ هموت عليكِ أوي؟ انتِ متسويش في سوق الحريم جنيه. انتِ فكرك متجوزك عشان بموت فيكِ ولا نفسي فيكِ؟ لا، انسي، أنا ستات كتير أشكال وألوان بيترمو تحت رجلي، انتِ صفقة مجرد صفقة وبس."
ارتبكت من قربه ودب بقلبها الرعب عندما لم تقدر على إفلات روحها من يده. تمتمت بنبرة جاهدت في إخراجها متزنة غير مهزوزة، تعلن عن رعبها منه، وعيناها تنبع بالدموع من كثرة وجعها، تحاول حفظ ولو جزء من كبريائها:
"وأنا مش للبيع عشان تشتريني بفلوسك."
خرجت منه ضحكة مستهزئة تفوه بها عندما أدرك خوفها من رعشة جسدها:
"خلاص، اشتريتك. واللي كان كان، دافع 10 مليون فيكي، وده مبلغ كبير أوي أوي عليكي، بس يلا مش مهم، بس هعرفك إزاي تعرفي تمدي إيدك عليا."
عضت شفتيها السفلية، تحجزها بين أنيابها، ضاغطة عليها بقوة كحركة عفوية تفك بها عن توترها وخوفها منه.
ضربت النيران صدره عند رؤيته لفعلتها تلك، متنفسًا بعمق، مبتلعًا لعابه، يريد حبس اندلاع تلك النيران التي نشبت بصدره، يحاول منع تلك الفكرة التي استحوذت جميع جوارحه في تذوق شفتيها، لكن لا مجال للعقل أمام ذلك الشعور المصاحب بالنيران التي اشتعلت بصدره.
أسدل رأسه للأسفل كي يتذوق شفتيها، ليبث لها جميع مشاعره في تلك القبلة وهو شبه مغيب.
ابتعدت عنه بنفور وضيق من إقترابه المفاجئ، تريد صفعه وجهه والنيل منه والحفر عليه بأظافرها حتى تهدأ ولو قليل من ثورة غضبها.
أتهم صوت عفاف المقتضب يخرجهم من حالتهم تلك:
"يلا يا أسر عشان نروح، عمو تعبان شوية وعايز يرتاح."
اعتدل بوقفته، مهندمًا ثيابه، ممررًا يده على خصلاته محاولًا ترتيبها وإعادة استيعابه بالأمر.
ولت عفاف إلى مليكة نظرة استحقارية، ثم توجهت إلى الداخل.
تنهدت براحة، تحاول أن تهدئ من انفعالها وحرارة وجهها التي سيطرت عليه بالكامل. رفرفت بيدها على وجهها تحاول بث إليه بعض الهواء، لكنها تأوهت بألم شديد وهي تتفحص يدها بعينيها التي انهالت الدموع على وجنتيها من أثر وجعها.
نظر الآخر إليها بتفحص عندما أخرجت تأوهات ضعيفة من فمها، شعر بضيق صدره عندما رأى عينيها تتفحص يدها وتندلع منها الدموع.
اقترب منها ملتقطًا يدها، لكنها أخذت يدها تضمها لصدرها بحماية، تبكي بوجع.
التقطها رغمًا عنها مرة أخرى يتفحصها بإهتمام، شعر بغصة في حلقه عندما وجد آثار الكدمات على رسغها.
تمتمت بنبرة مبحوحة مقهورة:
"ابعد عني بقى، حرام عليك. فاضل إيه لسه هتعمله عشان توجعني أكتر؟"
أغمض عينيه عندما هاجمته موجة من الألم تحتل قلبه، وخفقات قلبه تزداد وتضرب قلبه بشدة كأنه سيقف عن العمل. لا يعلم لماذا تهاجمه تلك المشاعر المتضاربة، لكنها تؤلمه وتعكر مزاجه، خصوصًا بعد تفوه بتلك الكلمات.
تفوه بحدة حاول أن يتصنعها وأن يُخلي منها اهتمامه:
"إيه اللي عمل في إيدك كده؟ وإزاي سايباها كده من غير علاج؟"
تمتمت بحشرة وألم وهي تتشحتف في بكائها:
"دي نقطة في بحر، هعالج إيه ولا إيه، ومتقلقش، الكدمات دي مش هتموتني، لسه فيا الروح عشان تكمل رحلة انتقامك."
ابتعدت عنه وهي تتراجع بخطواتها، ومن ثم توجهت ركضًا للداخل وهي تحاول تكفيف دموعها وأن تبدو على طبيعتها.
***
في الداخل
بعد دلوفهم للداخل.
تمتم محمد بوهن:
"معلش يا ابني، بس أنا تعبت شوية وعايز أروح أرتاح."
أومأ له أسر بإبتسامة:
"ولا يهمك يا بابا، يلا بينا."
توجهوا إلى الخارج ما عدا سهيلة التي توجهت ل مليكة. ارتمت بين أحضانها هامسة لها:
"أنا آسفة."
همست لها الأخرى بألم:
"على إيه؟ انتِ ذنبك إيه؟"
تمتمت سهيلة بحسرة:
"ذنبي إنه أخويا."
أبعدتها مليكة عن ذراعيها، متمتمة بمرح محاولة إخراج كلاهما من حزنهما:
"إيه يا حاجة؟ شغل الحزين ده؟ إحنا ناقص نشغل تامر عاشور."
"انتِ عندك شيزوفرينيا يا بت والله."
ضربتها مليكة على رأسها، متمتمة بمشاكسة:
"يلا يا جزمة، امشي من هنا."
ثم تنحنحت مليكة وهي ترفع من درجة صوتها:
"طب هكلمك بالليل، يلا سلام."
سمعها الجميع بالأسفل، فكان على سهيلة أن تذهب مغادرة.
ضحكت سهيلة وهي تتوجه إلى الأسفل، هامسة:
"ماشي، مردودالك."
رواية كن لي أبا الفصل السابع 7 - بقلم روميساء نصر
رواية كن لي أبا الفصل الثامن 8 - بقلم روميساء نصر
تقف على مشارف الدور الخاص بهم.
تقف على بداية السلم المؤدي إلى الأعلى، تستكشف المكان من حولها كأنها تائهة.
لا يدلها سوى ذلك الشخص الذي يعتبر زوجها.
تتعلق يدها بيده، تتحرك مسلوبة الإرادة.
تتفحص المكان من حولها، يتكون من ممر طويل نسبياً به باب يفصل الجناح عن باقي القصر.
يشرف على صالة واسعة بها أثاث راقٍ، يتفرع منها غرف النوم الكبيرة.
بالزاوية توجد غرفة الطهو والمرحاض المختفيان تماماً من الصالة.
يتصل بينهم ممر طويل وواسع.
تقدموا معاً إلى الداخل.
قطع السكون حولهم نبرته النافرة التي بها بحة سخرية:
"ادخلي يا عروسة برجلك اليمين، دا انتي هتشوفي أيام سودة على اللي عملتيه."
ابتسمت بسخرية مردفة بألم:
"مش هتكون أسود من اللي شفته."
عقد حاجبيه متسائلاً في نفسه عن حاله الحزن التي تسيطر عليها وبحة الألم التي بنبرتها.
أغفل تفكيره بها، مصيحاً بها بقسوة:
"انتي كمان هتردي؟ ما انتي واحدة مش متربية."
جزت على أسنانها بغضب، مصيحة بوجهه بغضب عارم:
"اخرص يا حيوان! أنا متربية غصبن عنك وعن عشرة زيك."
صفعة مدوية آخرستها، جعلتها تسقط أرضاً من شدة الألم الذي يعصف وجهها وروحها أيضاً التي انكسرت.
بعد ذلك القلم الذي دمر كبرياءها إلى أشلاء.
كانت تبكي لسوء حظها وابتلائها بهذا الرجل الذي تزوجها ودفع ثمنها كأي شيء مادي مثلها مثل أي أثاث بالمنزل.
اشتراه لتسليته أو حتى يعبث بها مثلما يشاء.
تصاعدت شهقاتها المكتومة ورجفة جسدها عندما أحست بأنه دلف إلى إحدى الغرف مبتعداً عنها.
أجهشت بالبكاء وهي تناجي ربها.
لما فعل بها هكذا؟ لما لم ترزق بزوج يعينها على الحياة ويكون بينهم قصة عشق يعيشونها بكل جوارحهم؟
كانت تدعو بزوج يكن لها الأب قبل الزوج، يمدها بالحنان والعاطفة التي كانت محرومة منها طوال فترة حياتها.
استعاذت من الشيطان الذي جعلها تعاتب ربها على ما ابتلاها به.
هي لا تعلم أين الخير.
حمدت ربها وهي تكفف دموعها.
خرج من الغرفة وجدها على حالتها تلك، فصاح بها بقسوة وصوت جهوري جعلها تنتفض من مكانها:
"انتي لسه قاعدة عندك؟ قومي غيري هدومك دي."
قامت من مكانها بتثاقل، تشعر بتحطم قلبها، تشعر بانسحاب روحها.
تسير هزيلة إلى أقرب غرفة وجدتها بطريقها.
دلت إليها رغماً عنها بدافع أن تختفي من أمام عينيه المحدقة بها.
أغلقت الباب خلفها بقوة في وجه ذلك المحدق بها.
توجهت إلى الفراش وألقت جسدها الهزيل عليه بإنهمك وتعب.
ظلت تحدق للسقف لفترة طويلة، لا تشعر بروحها.
ملت من البكاء، لا تريد حتى أن تزرف ما يعبر عن آلامها، فتلك الدموع لن تعبر عن كمية الوجع التي بداخلها.
عزمت على الوقوف لتغير ثيابها تلك التي تعوق حركتها وتشعرها بعدم الارتياح.
يكفيها أن ذلك هو ثوب بداية سجنها في سجن ذلك الأحمق.
وقفت أمام الفراش تحاول أن تصل بيدها إلى سحاب الفستان.
ظلت تتمايل للخلف بوقفتها لكي تصل إليه، لكنها بالخطأ وضعت قدمها على ذيل الفستان وهي تتراجع للخلف، مما جعلها تتعثر بوقفتها، تقع أرضاً مخرجة صرخات عاليه من أثر تلك الوقعة التي هدمت كيانها وجعلت قلبها يهوي أرضاً.
دلف إليها عندما كان خارجاً من غرفة تبديل الثياب، فسمع صوت صرخاتها.
فأسرع بالدلوف إليها حتى يطمئن عليها ولوهلة.
شعر بقلبه يهوي من أثر قلقه عليها.
وقف صامداً بمكانه يحدق بها وهي منتكسة أرضاً تحاول القيام من مكانها، لكن ذلك الفستان الثقيل يخفي جسدها بينها.
اقترب منها محاولاً كتم ضحكاته من هيئتها المشعثة.
جلس على عقبيه أمامها، يطبق شفتيه معاً حتى أصبح فمه مثل الخط الرفيع حتى لا يظهر ضحكته.
تمتم بنبرة أجشة بها حشرجة من أثر كتم ضحكاته:
"انتي بتلعبي جومباز؟"
ثم انفجر ضاحكاً بصخب من أثر هيئتها المقلوبة وذلك الفستان الذي يغمسها به.
حاولت الحركة بنفور غاضب، تحاول رسم علامات الغضب وهي تحاول الوقوف.
متمتمة بكلمات سريعة غاضبة مثل الأطفال، تخرج بها ضجرها.
فهي كلما غضبت أو توترت تنفتح في الحديث الكثير بدون أي داعي:
"اوعى كدا! اللهي يجمبزوك جامبزتي يا شيخ! ما إحنا نلبس خيمة على شكل قولة وأنت تلبسلي بدلة وتبقى ملك زمانك. أما إحنا لازم نشيل خيم ورانا. جاتكو قرف على اللي عاوزين يتجوزوا والجواز خدنا منكم إيه غير قلة القيمة؟ وتيجي تقولي انتي بتلعبي جومباز! ما عندك حق تقولي كدا."
كانت تتحدث بسرعة فظيعة وهو مبحلق بها بزهول وأعين متسعة.
ابتسامة تتسع عندما تفشل في القيام لحالها.
لكنه صاح بها بحدة عندما شعر ببوادر صداع من كثر ثرثرتها:
"افصلي شوية! التلاجة بتفصل، انتي مبتفصليش ليه؟"
صمت عن الحديث، عقدت حاجبيها وكومت فمها بنفور، وهي تمد يدها نحوه حتى ينتزعها من على الأرض الصلبة.
متحدثة باقتضاب:
"عاوزة أقوم."
هز رأسه بابتسامة على حالتها وتصرفاتها الطفولية.
قبض على يدها، ساحباً جسدها بقوة جعلتها تقوم من مكانها بسرعة خاطفة مصطدمة بجسده العريض بقوة.
جعلته يرتمي على الفراش من خلفهم وهي فوقه متشبثة بملابسه بقوة، مغمضة العين تتنفس بقوة على وجهه.
حيث أصبحت بجسدها كاملاً فوق جسده.
ظل محدقاً به ومن هيئتها الجميلة وما زاد خفقات قلبه واندلاع النيران بصدره.
أنفاسها الساخنة التي تلحف وجهه جعلته مخدر تماماً، متناسياً أي شيء حوله.
فتحت إحدى عينيها والعين الأخرى مغلقة.
وقعت عيناها بعينه المبحلقة بها.
أجهشت بالصراخ من موقفها.
لكنه أطبق على فمها بكفه، قالباً جسدها على الفراش حتى أصبح هو يعتليها وانقلبت الآية تماماً.
اتسعت عيناها وشحب وجهها.
ابتلع الآخر لعابه من هيئتها تلك، متمتماً بنفس ثقيل:
"مسمعش صوتك."
حركت رأسها بالموافقة، مخرجة بعض الهمهمات من فمها الذي يسيطر عليه.
بأسر بيده، ضحك بداخله على هيئتها.
رسم الجدية على وجهه، متحدثاً بمشاكسة كأنه وجد متعته في غضبها الطفولي وثرثرتها وزعرها الطفولي:
"بتقولي إيه؟"
زادت في همهمتها وتحركها أسفله بوجه محتقن.
قبض وجهه محاولاً كتم ضحكاته:
"مش فاهم، كلميني عربي."
اتسعت عيناها، ظاهراً لون عيناها الفيروزي الذي اختلط بحمار العين من شدة الغضب.
عضت على يده المكممة لثغرها، جعلته ينتفض من فوقها مسرعاً جالساً على الفراش متأوهاً بألم.
اعتدلت وجلست الأخرى تناظره شزراً.
همت واقفة تملس بيدها على فستانها بتحدٍ وانف مرفوع، متمتمة بأمر:
"اتفضل نادي لسهيلة عشان تفكلي الفستان عشان مش عارفة."
صمت قليلاً يستوعب ما قالته ليدخل في نوبة ضحك صاخبة، متمتماً من بين ضحكاته:
"عاوزة إيه يا اختي؟"
جاءت وهي ما زالت تتحدث بعجرفة:
"بقولك نادي لسهيلة تفكلي الفستان مش عارفة أعمله."
حاول كتم ضحكاته، متمتماً:
"طب بزمتك لما أنزل يوم فرحي أنادي لسهيلة تساعدك عشان تخلعي الفستان اللي أنا معرفتش أعملهولك يبقى منظري إيه قدام الناس اللي في البيت؟ حتة فستان معرفتش أفكهولك زراير بتاعته يبقى هتصرف في الباقي إزاي؟ أجيب أمي تشجعني؟"
حاولت كتم ضحكاتها وكتم تلك النيران التي تتوهج بوجهها من أثر تلك الكلمات التي توضح ما يريده بها.
لكن شحب وجهها عندما علمت بنواياه.
ابتلعت لعابها بخوف شديد وهي تبتعد عنه بخطواتها للخلف.
أحس بخوفها تجاهه وبشحوب وجهها الذي ظهر فجأة على وجهه.
تنهد بحرج، متمتماً بلطف:
"خليني أساعدك، متخافيش، أنا جوزك."
ارتعش جسدها وهي تراه يقترب بخطواته نحوها.
شعرت ببوادر دموع بمقدمة عينيها، لكنها هدأت من حالها ورفضت سقوطهم أمامه، مشجعة حالها على الصمود.
فليس أمامها إلا هو حتى تتخلص من ذلك الفستان.
وصل إليها واضعاً يده على كتفها، مديراً جسدها إليه.
شرع في فك مقدمة الفستان المعقودين بزرارين صغيرين، من ثم شد سحاب الفستان الذي انكشف من خلاله بشرة ظهرها البيضاء.
تلامست أنامله بشرتها البيضاء تلك بشوق جارف.
تصاعدت أنفاسه حتى وصلت إلى بشرتها.
ارتعش جسدها من تلك اللمسة التي ظنتها بدون قصد منه.
أحست بأنفاس ساخنة تلحف عنقها، جعلتها تنتفض تواجهه بوجهها وتتراجع للخلف، تشعر بانقباض قلبها من هيئته التي كانت تشير بأنه بعالم آخر.
جرعت لعابها بتوجس وقد شحب وجهها.
هتفت بنبرة جادة لكنها خرجت مهتزة:
"خلاص، هعرف أكمل. اتفضل بره."
فاق من ما هو به على كلماتها تلك التي جعلته يهبط إلى سابع أرض عندما كان محلقاً بسابع سماء.
زفر بضيق متوجهاً للخارج، متمتماً بنزق:
"أنا مستنيكي بره لحد ما تخلصي."
بعد خروجه من الغرفة، تركت لدموعها العنان حتى تنساب على وجنتيها.
تزداد شهقات بكائها ورجفة شفتاها، تشعر بوحدتها في ذلك المكان.
تشعر بالغربة.
تريد أن تبتعد كل البعد عن هنا.
هذا ليس بمكانها.
لما هي هنا؟ ترتدي ذلك الفستان؟ هي مكانها بغرفتها تحضر لدروسها، ليس لأي أمر آخر.
حاوطت كتفها بذراعيها، تشعر بالبرودة تتسرب إليها.
عندما شعرت به يقترب منها بتلك الطريقة.
سارت هزيلة الكتفين نحو الخزانة التي أخرجت منها إحدى مناماتها القطنية الوردية، ودلفت إلى المرحاض الملاحق للغرفة لتبديل ثيابها.
أخذت وقت بالداخل كأنها تعاود شتات نفسها، لكن لم تقدر على أن تتقبل الأمر.
لا تقدر على ارتسام القوة.
حاولت جاهدة نفي تلك الفكرة التي تواردتها وهي أن تتخلص من حياتها البائسة تلك قبل أن تتعرض لما سيفعله معها ذلك الرجل.
دلف إلى غرفتها عندما تأخرت كل ذلك الوقت.
خرجت هي من المرحاض في نفس الوقت الذي دلف إليها.
وقفت متخشبة بوجهها الصافي الذي اصطبغ باللون الأحمر من شدة البكاء، يظهر خلفها شعرها المنسدل خلفها كأشلال من الحرير.
وقف الآخر يتأمل حالتها الرقيقة تلك، يشعر بغصة بحلقه.
أصاب قلبه عندما وجد آثار دموعها تلك.
تنهد بحديثه:
"تعالي يلا عشان تاكلي."
ابتلعت لعابها مستندة على حافة الباب، تكتسب منها قوتها، تحاول الصمود أمامه.
خرج منها صوتها المتحشرج من أثر البكاء وبنبرة مقتضبة:
"مش عاوزة أكل."
زفر بضيق من عنادها، مردفاً بحنق:
"مش مهم أنتِ، بس أنا عايزك تاكلي."
صاحت به بغضب بعدما أوصلها إلى قمة غضبها:
"قلتلك مش هاكل، انت مش بتفهم."
امتقع وجهه، لكنه حاول الحفاظ على بروده:
"هتقومي وإلا أقومك أنا بطريقتي."
ضربت الأرض الصلبة بقدمها، مردفة بغضب وعناد:
"مش هقوم ووريني هتعمل إيه."
توجه نحوها بخطوات سريعة، لم يجعل لها فرصة بالهروب أو التصرف للنجاة من براثنه.
حملها فوق كتفه كشوال بطاطا وتقدم بها للخارج، وهي لم تكف عن الصياح والصراخ والركل بقدمها:
"نزللللللللني! نزلنبييييييي يا حيواااااااااان!"
ضرب مؤخرتها بيده جعلتها تصمت عن صياحها.
شعرت بإندلاع حرارة بوجهها من أثر فعلته.
همت على استرسال شتائمها له، لكنه قاطعه بضحكته الخبيثة:
"أنا دلوقتي عرفت إزاي هسكتك بعد كده."
ثم وضعها على أحد المقاعد التي أمامها طاولة مفروشة عليها أشهى الأطعمة.
جلست على مضض بوجه مقتضب وعابس.
جلس الآخر بجوارها وشرع بتناول الطعام.
نظر إلى الأخرى الجالسة، الشحوب يملأ وجهها، تائهة بملكوت آخر.
ترك على الطاولة، مما أدى إلى ارتعابها.
انتفضت بجلستها وهي تراه يهدر بها بصوت عال:
"هي كلمة واحدة وهتتسمع، اخلصي كلي ومن غير نفس."
صمتت، لم تعترض على شيء، لكن دموعها كان لهم رأي آخر وأشرع في الهبوط.
تنفس بعمق، ملقياً معلقته بإهمال على الطاولة، مصيحاً بها:
"هتاكلي وإلا آكلك أنا غصب عنك."
ازدادت شهقات بكائها، متمتمة بعند ونبرة هالكة:
"مش هاكل."
وقف من مكانه وشرارات الغضب تندفق من وجهه، متمتماً بتهديد:
"خلاص أقوملك بقا."
ارتعب وجهها واتسعت حدقتاها رعباً، متحدثة:
"خلاص، خلاص، هاكل."
حاولت كتم بكائها وبدأت بتناول الطعام وهي ما زالت تبكي وتأني بضعف.
التقطت معلقتها بيد مرتعشة لتغرسها بالطبق المحمل بالطعام.
رفعت معلقتها أمام فمها، شعرت بإنسحاب قوتها تماماً.
شعرت ببركان متوهج بداخلها وبألم يعصف بداخلها بقوة.
ألم سنوات حياتها المدفونة يتصاعد عليها حالياً.
وقعت منها المعلقة المحملة بالطعام وشعرت بوقوف العالم حولها.
خفقات شديدة بقلبها جعلتها تصرخ بوجع وانهيار، تبكي بهيستيريا.
لا تشعر بشيء سوى الألم الذي يعصفها.
تريد أن تتخلص منه.
إلى متى ستظل هكذا مسلوبة الإرادة؟
كانت تظن أنها حياة مؤقتة وستذهب وسيأتي شريك حياتها يعوضها ويغمرها بحنانه.
لكن لا فائدة من الحياة.
لم ترَ سوى تلك السكين على الطاولة، التقطتها وهمت على إنهاء حياتها والتخلص من ذلك الألم الذي يعصفها.
لكنها وجدت من يقبض على معصمها يلتقط منها تلك السكينة.
التي عندما أخذها منها صرخت بكل قوتها، تريد أن تنتهي من تلك الحياة.
قبض على جسدها بذراعيه يحاول منع تحركها وتهدئتها.
لم يجد أمامه سوى صفعها على وجهها حتى تفوق.
هوى على وجنتها بيده جعلها تسقط مغشياً عليها بين يديه من أثر اندفاعها وتدهور نفسيتها.
انحنى يضع يده أسفل ساقيها، يحمل جسدها الواهن متوجهاً بها نحو الغرفة.
وضعها على الفراش متأملاً هيئتها المؤلمة تلك بيأس.
غمرها بالغطاء حتى تنعم بدفئه.
وقام من مكانه متوجهاً إلى الأريكة الموضوعة بالغرفة.
جلس عليها، دافناً وجهه بين يديه.
زفر بقوة وهو يتساءل عن أمرها ولما حدث معها.
لما يريد تأديبها على ما فعلته وبنفس اللحظة يريدها بين أضلعه يخفيها عن العالم، يغمرها بكل ما تحتاجه.
لما أحس بنصل حاد انغرس بقلبه عندما رأى هيئتها الخائفة التي تحولت للجنون والبكاء بهيستريا.
أخذ يتصارع بين عقله الذي يهتف بحديث عكس قلبه تماماً.
تحدث عقله بلوم يعنفه:
"انت لي مقدرتش تعملها حاجة لي؟ حسيت بالذنب لما شوفتها كده؟ كله من قلبك."
القلب:
"أنا مغلطش في حاجة، أنا مش قادر ومش مستحمل أذيتها لما شوفتها كده، ضعفت."
العقل:
"عشان انت ضعيف وهو مشي وراك عشان كده مقدرش يأذيها."
القلب:
"هو بيحبها وانت لازم تقتنع بده."
العقل:
"لا، يستحيل يكون بيحبها، هو مش ضعيف عشان يقع في الحب."
القلب:
"والحب مش ضعف، الحب هيزيدك قوة مش هيضعفك، هتتقوي بالشخص اللي انت بتحبه."
العقل:
"متسمعش كلامه، هيضيعك، لازم تنتقم منها."
القلب:
"لا يا أسر، متسمعش كلامه، انت من امتى وانت بتستقوي على الضعيف؟ انت مش شايف حالتها عاملة إزاي؟ دي بنت لسه صغيرة، سابت حضن أبوها وأمها غصب عنها وده بسبب أبوها وحبه للفلوس وجات ليك، لازم انت تكون الحضن اللي تستقوى فيه مش تخاف منك. ما شوفتش حالتها لما ضربتها أو لما زعقتلها؟ انت بتلومها على إيه؟ فكر فيها وحط نفسك مكانها لو انت مكانها كنت هتعمل إيه."
العقل:
"الصراحة هو لأول مرة يقنعني، هو عنده حق يا أسر، انت عمرك ما استقويت على الضعيف."
صدح صوت همهمات من ناحية الفراش قطعت تفكيره تماماً.
انتفض من مكانه ذاهباً نحوها بلهفة.
وجدها تتعرق بشدة، تتحرك في فراشها بقله راحة.
تمتمت بكلمات ضعيفة وأهنة:
"ارحمني، أرجوك، أنا بنتك، انت لي بتعمل فيا كده."
صرخت عالياً منتفضة من مكانها تلهث بقوة غير قادرة على تنظيم أنفاسها من هول ما رأته.
أخذ جسدها بين أضلعه، يدفنها بها، يربت على خصلات شعرها بحنين، متمتماً بهدوء:
"بس، مفيش حاجة، ده كابوس بس، اهدي، اهدي."
أجهشت في البكاء بين أحضانه وازدادت شهقاتها وارتجافة جسدها بين أضلاعها.
أخذ يمدها بكلماته المهدئة.
حتى شعرت بالارتياح والاستكانة بين أضلاعه.
تنظمت أنفاسها ودلفت بثبات عميق، متشبثة بطوق نجاتها الذي سينجيها من تلك الدوامة المليئة بالوحوش التي تهاجمها.
عندما شعر باستكانة جسدها الغض بين يديه وتنظم أنفاسها، حاول إرجاع جسدها وإبعادها عنه، لكنه وجدها متشبثة به، لا تريد تركه مثل الطفل المتشبث بوالدته خوفاً من الأشخاص الذين حوله.
تنهد براحة ودفنها بين أضلاعه، معتدلاً على الفراش، مستنداً بظهره على الوسادة، ضاماً جسدها فوق صدره.
وأخذ يتشبع بملامحها الهادئة البسيطة، راسماً على ثغره ابتسامة هادئة جذابة.
تنهد بعمق عندما شعر بالعجز عن وضع سبب مقنع لما فعلته وعن انهيارها وتبدلها بالكامل وزعرها منه.
عزم على معرفة كل شيء يخصها من سهيلة وبما كانت ترمي بكلماتها نحوه.
تخللت أشعة الشمس الغرفة وداعبت ملامحها الرقيقة.
عقدت حاجبيها عندما أحست بثقل عليها.
فتحت عيناها بصدمة، ومن ثم أغلقتها بسرعة من الضوء الذي اخترق عينيها.
رفرفت رموشها حتى تتعود على الضوء بسرعة.
زاغت عيناها حولها حتى وجدت ذلك الذي يقبض عليها نائماً، يحيطها ويحكم عليها بقوة، يسند بوجنته على رأسها.
تململت بحرص تحاول أن تتهرب من قبضته، لكنها لم تقدر على فك قيضه.
زفرت بحنق وهي تجز على أسنانها، تهتف بصرامة وصوت عال:
"انت يا أخ، انت يا عم، انت!"
فتح عينيه ببطء، يحاول استيعاب الأمر.
تمتم بنبرة متحشرجة من أثر النوم:
"صباح الخير. حد يصحى حد كده."
حاولت التباعد عنه وفك قيضه، متمتمة بنفور:
"انت إيه اللي جابك هنا وإيه اللي منيمك جنبي؟"
حدق بها بصدمة، متحدثاً بجدية:
"انتي مش فاكرة حاجة خالص؟"
نهضت من مكانها بعدما فك قيضها:
"لأ."
رفع حاجبيه، متمتماً بزهول رسمه على وجهه بجدية:
"بجد والله مش فاكرة أي حاجة حصلت امبارح."
جرعت لعابها بتوجس.
قبضت على يدها بقوة، تشعر بإنسحاب الدماء من أوصالها عندما أشار لها بكلماته أنه تمم زواجهم.
صاحت به وتهجم وجهها وصرخت باكية:
"عملت فيا إيه يا حيوان!"
ازدادت صرخاتها المتهجمة.
قطع هو صوت صرخاتها وبكائها بصياحه:
"بس، اخرصي! معملتش حاجة. أنا اتجوزتك على سنة الله ورسوله."
انتهى كل ما حدث لها ليلة البارحة.
تذكرت ذلك الكابوس الذي راودها ليلة البارحة الذي كان به أبوها يعنفها بالسب والضرب وانتهى به الأمر بأنه قذفها من فوق جبل عالٍ وظلت تحلق بالجو حتى التقطتها يد لم ترَ صاحبها، بل كل ما تتذكره هو تلك الندبة التي كانت على طرف يده.
تسللت دمعة فاره من مقلتيها، هابت أن تندفع أمامه، فأزالتها بقسوة قبل أن يراها الآخر ويشفق عليها.
لكنه رأى ما فعلته وأخذ يتأمل ملامحها الجامدة حتى يرى فيما كانت تفكر.
تمتم بنبرة حازمة مليئة بالقسوة:
"بعد كده لو شوفتني بموت قدامك متدخلش."
تنفس بقوة وأطبق على شفتيه من كثرة الغضب.
شد قبضته على غطاء الفراش، جاهراً بها:
"بت! إنتي! أنا صبري نفذ! إنتِ تتلمي معايا وتظبطي كده، لا أحسن قسما عظما لأندمك على كل اللي حصل وصدر منك."
نهض من مكانه متوجهاً للخزانة، تناول منها ملابس بيتية، سروال أسود وتيشرت رمادي، متوجهاً بهم إلى المرحاض.
أما الأخرى فتنهدت بألم عندما غاب بالمرحاض وتوجهت للخارج، تاركة تلك الغرفة التي تضيق تنفسها.
خرج من المرحاض يجيب بناظريه الغرفة، لكنه لم يجدها.
شعر بقلبه ينحدر من أعلى الهاوية، لكنه هتف باسمها بنبرة بها خوف وقلق من أن لا تجيب عليه.
تأوهت من الخارج ودلفت الغرفة، متمتمة بنفور:
"نعم."
تنهد براحة، معتدلاً بوقفته بعدما تنظمت أنفاسه المتضاربة:
"كنتي فين؟"
أجابته بنزق:
"كنت بره في البلكونة بشم شوية هوا. ماتخافش مش ههرب يعني."
قالت آخر كلماتها باستهتار.
تحدث بحدة وبنبرة مهددة وشرار الغضب تدق بعينيه:
"لا مش خايف، لأنك مش هتقدري تهربي."
اخفضت رأسها وأسدلت كتفيها، متحدثة بألم وانكسار:
"طبعاً ما انت عارف إن ماليش ضهر ولا ملجأ عشان أتحمى فيه. ما انت اشتريتني زي أي حاجة هنا في البيت ده."
رفع يده يقبض عليها، آخذاً شهيقاً وزفيراً، محاولاً كتم غضبه حتى لا يندم عن شيء سيصدر منه:
"اهدي خلاص، بطلي، أنا هسيبك تهدي وهجيلك تاني."
تركها وغادر الدور تماماً وتوجه للأسفل.
فوجد سهيلة التي كانت خارجة من غرفتها متوجهة للأسفل.
هتف باسمها فتوقفت تستدير له بنفور، متحدثة بحنق:
"نعم، عايز إيه؟"
رفع حاجبيه متعجباً من نبرتها وطريقتها:
"انتي بتكلميني كده ليه؟"
صاح بتهجم نحوه:
"وعاوزني أكلمك إزاي يعني؟ أضربلك تعظيم سلام أول ما أشوفك؟"
صاح باسمها، متحدثاً بنفاذ صبر:
"سهيلة، احترمي نفسك واعرفي انتي بتتكلمي مع مين كويس ومتنسيش أنا مين."
اهدأت من روعها وتحدثت بجدية تؤنبه عن ما فعله:
"أنا مش ناسيه انت مين، بس انت اللي نسيت، انت اللي نسيت انت مين. انت أسر اللي كنت تعتبر بحر من الحنية والطيبة. تعمل كده؟"
حرك رأسه معترضاً، محدقاً بعينيه بصدمة، هاتفا:
"هو أنا يا بنتي عملت إيه؟"
قبض حاجبيه، متمتماً بصرامة:
"وانا معملتش حاجة، أنا اتجوزتها على سنة الله ورسوله وانقذتها من العجوز اللي كانت هتضيع حياتها لو اتجوزته."
تنهدت سهيلة، متمتمة برجاء:
"ارحمها يا أسر، وبلاش تعاملها وحش، هي طول عمرها وهي تعبانة في حياتها، سيبها وطلقها وخليها تكمل حياتها."
تحولت نبرته للرجاء وهو يطلب أن يعرف ما بها وما الذي مرت به:
"سهيلة، ممكن تحكيلي عنها وعن حياتها واللي شافته في حياتها؟ يمكن أنا أقدر أعوضها عن ده كله."
صاحت به باستنكار:
"بعد إيه؟ بعد ما اتجوزتها غصب عنها وأهنتها واشتريتها بفلوسك عايز تذلها وتنتقم منها؟"
أغمض عينيه، يشعر بضيق في صدره، متمتماً بضعف:
"صدقيني حاولت أنتقم منها، مقدرتش، حاجة جوايا منعتني عنها. شكلها وهي بتعيط كان بيقطع قلبي، أنا بجد عايز أسرق قلبها. بس في حاجة غريبة من كلامها والكوابيس اللي بتجيلها وهي نايمة."
أسرعت بحديثها عندما أحست بصدق حديثه وشعوره عنها:
"أنا هحكيلك على كل حاجة، بس توعدني إنك هتساعدها وهتكسب قلبها."
تهللت أساريره، متمتماً بفرحة عارمة:
"أوعدك."
رواية كن لي أبا الفصل التاسع 9 - بقلم روميساء نصر
رواية كن لي أبا الفصل العاشر 10 - بقلم روميساء نصر
وقف متوجهاً إلى الخارج وتمتم:
"أقوم أشوف مينا."
أومأت له وهي ترجع في جلستها للخلف، تستند على الأريكة. فتح باب الدور فوجدها سهيلة التي أزاحته من أمامها متوجهة للداخل، متمتمة بنزق:
"أوعى يا عم انت هتاخدني صورة… مليكة مليكة!"
انتفضت مليكة عند سماع نبرة صديقتها وقاموا باحتضان بعضهم بشوق جارف كأنهم لم يروا بعض منذ زمن. تمتمت مليكة بحب وهي تبتعد عن احتضانها:
"وحشتيني أوي أوي."
تمتمت سهيلة وهي تملس على وجنة مليكة:
"وانتي أكتر والله يا قلبي."
وقف مكتف اليدين يناظرهم بسخرية، متمتماً بضيق من تلك التي أخذتها بين ذراعيها:
"انتو مش كنتوا مع بعض امبارح؟"
أخرجت سهيلة له لسانها متمتمة بحنق:
"خليك في حالك انت، ده محن صحاب مالكش دعوة بيه."
لكزتها مليكة بكتفها متمتمة بلوم مصطنع:
"محن يا جزمة، طب يلا ابت من هنا مش عايزة أشوفك."
أخذت تلمس على ذراعها مكان نكز الأخرى، متمتمة بلؤم:
"آه، بتبيعيني؟ ما من لقي أحبابو نسي صحابو بقا."
أمسكت مليكة بوجنة سهيلة تقرص عليها، متمتمة بطفولية كأنها تلاعب طفلاً في الثالثة:
"هو أنا أقدر أنساك برضه يا جميل انت؟ ده انت اللي في الحتة الشمال."
ابتدأ الآخر في الحديث متهجماً وقد ظهرت الغيرة في نبرته الساخرة:
"ولما هي في الحتة الشمال، أنا بقا فين؟ عند المعدة صح؟"
ضحكت سهيلة عالياً متمتمة بمشاكسة ولؤم:
"بت يا مليكة، شامة اللي أنا شامة؟"
ضحكت الأخرى متمتمة بمزاح:
"آه شامة الحتة، هاتي مايه أما أطفي الحريقة."
ضحك الاثنان، والآخر كان يقف يناظرهم بإشمئزاز. ثم أطبق على ملابس سهيلة من الأعلى، جازاً على أسنانه بغضب:
"امشي ابت من هنا يلا، روحي روحي أمك عايزاكي."
تمتمت ببرود وابتسامة متمزقة على ثغرها وملابسها ما زالت متعلقة بيده:
"لا… وسيب الجاكيت، انت ماسكني زي المخبرين ما بتمسك الحرامية."
ليضحك بصخب على صديقتها وبرودها اللذيذ، ثم تمتمت برجاء لـ "أسر":
"سيبها والنبي يا أسر تقعد معايا شوية."
أفلت ملابسها من قبضته متمتماً بغزل للأخرى:
"عيون أسر، انت تؤمري وأنا أنفذ."
لوت سهيلة فمها يميناً ويساراً متحدثة بنزق:
"يا محني."
ضحكت مليكة على صديقتها، أما الآخر فنظر إليها بضيق متمتماً:
"ده انتي عيلة فصيلة."
تمتمت سهيلة بتهديد إلى أسر:
"أنا أعمل لك الأسود ده، انت هتشوف مني اللي عمرك ما شوفته عشان تزعل مليكة بعد كدا."
التفت أسر حوله برأسه يبحث عن شيء يقذفها به، حتى وقعت عيناه على تمثال متوسط الحجم، التقطه وهو يشير نحوها كأنه سيلقيه بها:
"هتسكتي وإلا أديكي بيه؟ أعمل لك عاهة مستديمة."
ضحكت بصخب وهي تخبئ جسدها خلف مليكة:
"لا خلاص، أعم أنا هنفذ بروحي وهنز."
تحدثت مليكة برجاء:
"اقعدي معايا شوية."
"هاجيلك بالليل نذاكر مع بعض."
"أشطات، أحب."
"يلا سلاموز."
"سلاموز."
ضرب كفاً على كف متمتماً بذهول:
"آي يا ربي العيال اللي عندهم شلل في بوقهم دولا."
جهشوا بالضحك، ثم توجهت سهيلة للخارج، وظل أسر ومليكة معاً يشاهدون التلفاز في صمت.
قرر أن يقطع الصمت فيما بينهم متمتماً بتساؤل:
"مليكة، هو انتي نفسك تطلعي إيه؟"
قالت وهي ما زالت تنظر للتلفاز:
"مهندسة."
مط شفتيه للأمام متمتماً بتساؤل:
"انتي متفقة مع سهيلة ولا إيه؟"
اعتدلت بجلستها واستدارت له، أطفأت التلفاز تماماً:
"لا مش حكاية كده، بس أنا حابة أبقى مهندسة عشان حاجة معينة."
تمتم بفضول يريد أن يعرف الكثير عنها وعن حياتها:
"ممكن أعرفها؟"
هزت رأسها يميناً ويساراً متمتمة بأسف:
"لا مش ممكن، على الأقل لما أدخلها بإذن الله هبقى أقولك، بس تعرف أنا كان نفسي أطلع ظابط أوي."
ضحك على مقولتها متسائلاً:
"ليه يعني؟"
ضحكت الأخرى متمتمة وهي ترفع يدها توجهها نحوه كسلاح:
"عشان يبقى معايا مسدس وأمشي أضرب في خلق الله."
ضحك بصخب عليها متمتماً:
"يا شريرة، وطبعاً أنا أول من هينضرب بالمسدس ده صح؟"
أغمضت عين وفتحت الأخرى، ثم عقدت حاجبيها متمتمة:
"والله لحد النهارده الصبح كنت عايزة أضربك بأسلحة أمريكا والوطن العربي، بس..."
صمتت ولم تتحدث، فأكمل هو:
"بس إيه؟"
تمتمت بخجل ثم أخفضت رأسها أرضاً:
"بس خلاص."
تهللت أسراريره، تحدث بفرحة:
"يعني أفهم كده إنك سامحتيني ومعنتيش متضايقة مني؟"
أومأت له بحرج وابتسامة جميلة تزين ثغرها:
"معنتش زعلانة وسامحتك."
ابتسم ابتسامة جذابة وبنبرة واثقة:
"كنت عارف."
رفعت حاجبها وقد تبدلت ملامحها:
"وعرفت منين إن شاء الله؟"
"يا بنتي، انتي لسه ضاربة طبق مكرونة وفراخ من عمايل إيديا، عايزة تفهميني إنك هتكوني مش طايقاني وهتاكلي عادي كده؟"
تحدثت بتذمر طفولي:
"ذلني بقا، ذلني بالأكل اللي هتاكلهولي."
ضحك على تذمرها ثم تحدث متسائلاً:
"الا قوليلي بقا انتي بتحبي إيه؟"
أخذت تفكر وهي تلامس لسانها على شفتيها ثم تحدثت:
"امممممم، بحب الشيكولاتة والشيبسي والآيس كريم."
ابتعد عنها قليلاً وهو يمثل الارتعاب منها:
"لا أنا كده أخاف على نفسي، لا تاكليني."
رفعت شفتيها العلوية متحدثة بإشمئزاز:
"حد قالك إني برمرم؟"
عقصت ملامح وجهه على أثر كلماتها مردداً إياها بضيق:
"ترمرم؟"
تحدثت بأسف على ما قالته:
"مقصديش والله، بس أنا في الضبط أعجبك أوي."
تمام هو بغزل مثبتاً عيناه التي تتفحصها:
"أحلى ظبط وأحلى عيون شوفتها في حياتي."
تنحنت بحرج وقد اصطبغت وجنتاها بحمرة الخجل:
"احم احم."
ضحك على خجلها متحدثاً وهو يقوم من مكانه:
"أنا هنزل دلوقتي وهاجي كمان شوية على أما الطماطم تخف شوية."
شعرت بالقلق من رحيله فتمتمت وعلامات الخوف على وجهها:
"رايح فين؟"
"نص ساعة وهجيلك تاني."
"ليه؟"
"لأدرك خوفها من البقاء بمفردها فتحدث بهدوء ونبرة تبعث الاطمئنان داخلها: "ماتخافيش مش هتأخر."
تحدثت بنبرة تحدي ووداعة ووضعت يدها بجيوب منامتها متحدثة بثقة:
"مبخافش."
ضحك على عنادها متمتماً بلطف:
"يا واد يا جامد انت، بصي هبعت لك سهيلة تقعد معاكي على ما أجي."
"أوكي."
تركها وتوجه إلى الأسفل. ولم يمر سوى ثواني وسمعت طرقاً على الباب، فتوجهت لتفتحه ظناً بأنها سهيلة، لكنها كانت عفاف واقفة متهجمة الوجه تطالع الأخرى بضيق، لكن بادلتها مليكة نظراتها تلك التي أصابتها بالإرباك. ابتسامة مرتعشة:
"انتي بنت عم أسر صح؟ تعالي اتفضلي."
ظلت تناظرها بوجه مصفراً، ثم تحدثت بإنزلاق:
"بصي يا حبيبتي، أنا جايه عشان أقولك كلمتين عايزاكي تحفظيهم زي اسمك."
تمتمت مليكة بترحاب وهي تدعوها للداخل:
"طب تعالي ادخلي، مينفعش تقفي كده على الباب."
ابتسمت باستعلاء وتحدثت بسخرية:
"يا حبيبتي ده بيتي، يعني أعمل فيه اللي أنا عايزاه، مش انتي اللي هتقوليلي أعمل إيه ومعملش إيه. وعايزة أقولك إن أسر بيحبني، لا مش بيحبني ده بيموت فيا كمان، واتجوزك بس عشان ينتقم منك ويهينك وياخد اللي عايزة وبعد كده يرميكي رمية الكلاب ويرجعلي ويتجوزني أنا. فاهمة ولا مش فاهمة؟ أنا مش عارفة والله هو دفع فيكي الفلوس دي كلها ليه، مع إنك متستاهليش ٥٠٠ جنيه، ده انتي حتى أبوكي ما صدق ورماكي وخلص منك."
ذهبت بعدما ألقت كلماتها المسمومة عليها وتركتها مخدرة غير قادرة على الحراك. جلست مكانها وأجهشت بالبكاء، وظلت تؤنب حالها على ظنها به وعلى قلبها الذي سامحه.
كانت سهيلة تتحرك إلى الدور الخاص بهم، فقابلتها عفاف. نظرت كل واحدة إلى الأخرى بغضب، ثم توجهت سهيلة لـ مليكة لتجدها جالسة القرفصاء تبكي بألم وحزن، فأسرت لها متسائلة بقلق:
"بتعيطي ليه؟ والبت الحرباية كانت عايزة منك إيه؟ وقالتلك إيه؟"
تحدثت بألم من بين بكائها:
"قالتلي الحقيقة، قالتلي إني انشرت بالفلوس وإني مستاهلش، وإن أسر اتجوزني عشان ينتقم مني وبعد كده هيرميني وهيتجوزها عشان بيحبها وهيسيبني."
جلست سهيلة على عقبيها أمامها ملسة على وجنتيها مزيلة تلك الدموع:
"طب بس بطلي، هي كدابة وعايزة توقع بينكم، والله أسر عمره ما حبها، بالعكس ده مش بيطيقها، والله صدقيني دي هي اللي عايزة تتجوزه. طب بالعقل كده لو هو كان بيحبها، ليه مش اتجوزها لحد دلوقتي؟ ليه سابها واتجوزك انت؟"
تحدثت بشفاه مرتعشة وعيناها ما زالت تزرف الدموع:
"عشان ينتقم مني."
حركت رأسها بنفي يميناً ويساراً متمتمة بمواساة:
"لا يا مليكة، هو بيحبك ومقدرش إنه يأذيكي، ده حتى نزل يبعت الحرس يجبولك الحاجات اللي بتحبيها."
تلمعت عيناها وصبت اهتمامها على حديثها مزيلة تلك الدموع براحة يدها متمتمة بلهفة:
"يعني هو بيحبني بجد؟"
عوجت سهيلة فمها وهي تضربها بكتفها متحدثة بنفاذ صبر:
"آه يا أختي، بيحبك وانتي كمان بتحبيه."
توترت من ما قالته الأخرى متحدثة بارتباك وتلعثم:
"ا، إيه؟ لا مين قالك كده؟"
ملست أسفل عينيها تزيل دمعة هربت متمتمة:
"عيونك اللي قالت، خوفك لا يسيبك ويروح يتجوز الكلبة عفاف."
أغمضت عينيها متمتمة بحرج وخجل تشعر بنيران تعصف وجهها من شدة خجلها:
"مش عارفه بقا."
ضحكت سهيلة على صديقتها التي تلونت بألوان الطيف على ذكر حبها لزوجها، متمتمة من بين ضحكاتها:
"طب قومي يلا وبطلي عياط."
دلف أسر إليهم وهم ما زالوا جالسين مكانهم على باب الجناح. نظر إليهم بتفحص فوجدها تبكي والأخرى جالسة أمامها، انحنى جالساً بجوارهم متحدثاً بلهفة إليها:
"في إيه؟ بتعيطي ليه؟"
أجابته سهيلة من بين أسنانها من كثرة غيظها بتلك الفتاة:
"عفاف جات هنا وحكت لـ مليكة على سبب جوازك منها وإنك عايز تنتقم منها ودفعت فلوس عشان تتجوزها وتنتقم."
كانت الأخرى يهتز جسدها خوفاً عندما أخبرته سهيلة وتذكرت تلك المتعجرفة عندما كانت تحاكيها، لكنها تجمدت أوصالها وأطبقت شفتاها معاً تحاول كتم بكائها، تنظر إليه بدهشة عندما أخرج تلك الكلمات من فمه:
"وهي عفاف عرفت منين إن أنا متجوزها عشان أنتقم منه؟"
لاحظ تجمد ملامح الأخرى وشحوبها، فأسرع في استكمال حديثه:
"مقصديش والله، بس فعلاً أنا كنت ناوي أنتقم منك، بس مقدرتش ومهنتيش عليا، ودموعك كانت بتوجع قلبي لما بشوفها نازلة منك وبسببي."
طالعته سهيلة بشفاه مرفوعة متمتمة بنزق:
"يا محني!"
زجرها بحدة متمتماً:
"بس يا كلبة."
ثم غمز لها وأمال برأسه على الأخرى حتى تخرجها من حزنها.
فهمت مقصده، ثم راقصت حاجبيها معاً متسائلة باستفهام:
"الا انت جايب إيه يا أسر؟"
ضيق عيناه لإغاظتها متمتماً بحب تجاه الأخرى:
"ملكيش دعوة انت، أنا جايب الحاجات دي لـ مليكة قلبي."
ابتسمت بدلال متمتمة بطفولة:
"وسوسو حبيبتك ملهاش من الحب نايب؟"
نفى رأسه متمتماً:
"لا، كله لـ مليكة."
بكت بتمثيل درامي، فتحت ذراعيها وهي تمثل:
"طبعاً ما انت أخدت غرضك مني ورميتني."
"ليكمل أسر عنها: "ورميتني أنا والعيال وصارف فلوسك على الخمرة انتي. ابت كنتي شحاتة وانتي صغيرة."
ضحكت مليكة عليهم متمتمة من بين ضحكاتها:
"تقريباً عندها خال أهبل عبيط حاجة زي كده."
ضيقت عيناها تنظر إليهم كالذئب الذي سينقض على الفريسة:
"بصوا بقا، أنا مش هتحرك من هنا غير أما آخد شوكولاتة."
مد أسر يده من الحقيبة مخرجاً منها شوكولاتة يعطيها إياها متمتماً:
"لا لا خلاص، خدي ووريني جمال خطوتك."
التقطتها منه وهي تنظر إليهم كأنهم أعداء لها:
"آه، أيوا كده، عالم مبتجيش غير بالعين الحمرا."
طبطب أسر على كتفها متمتماً:
"طب يلا يا أختي اتكلي على الله."
"حركت كتفها تزيل يده من عليه: "طب متزوقش طه، أنا ماشية لوحدي."
بعدما غادرت، ضحكت عليها متمتمة من بين ضحكاته:
"أقسم بالله تربية شوارع."
ضحكت الأخرى متمتمة:
"والله سهيلة دي عسل."
ابتسم لها متمتماً بغزل:
"وانتي سكر."
تنحنت بحرج، حركت إحدى خصلاتها الهاربة خلف أذنها، ثم أدركت ما حدث متمتمة بغضب:
"على فكرة عفاف بنت عمك دي رخمة أوي."
ضحك على حالتها المتقلبة متمتماً:
"أرخم مما تتصوري، بس انتي متزعليش وأنا هعرف أجيب لك حقك منها كويس."
توترت من ما قال، هي هكذا سوف تجعل من في المنزل يكرهونها لأنها ابنتهم وسيصفون معها، ومن المؤكد ستخبرهم بأنني من جعلت زوجي يفعل ذلك وسأكون زوجة الابن الشريرة. هزت رأسها تنفي كل تلك الأمور متمتمة:
"لا، أنا مش عايزة مشاكل بسببي، وعشان كمان متحطنيش في دماغها."
ضحك بتهكم وسخرية:
"لا هو لو على اللي هي حطاكي في دماغها، فهي دلوقتي زمانها بتعمل عليكي دراسة مكثفة، بس ولا يهمك، مش هتقدر تأذيكي طول ما أنا موجود. يلا قومي يلا اغسلي وشك وتعالي كلي الحاجات اللي أنا جبتها لك دي."
ابتسمت له ببشاشة مغفلة عن ما حدث منذ قليل متمتمة بلهفة:
"جبتلي إيه؟"
دقق النظر على ملامحها الفرحة متمتماً:
"جبتلك يا ستي، شوكليت وشيبسي وآيس كريم، قومي يلا اغسلي وشك وتعالي عشان تاكليهم كلهم."
قفزت عالياً من فرحتها بما أتى به إليها متمتمة بفرح:
"هاوه، طيارة وهتلاقيني هنا."
ضحك على طفوليتها، فبلمح البصر اختفت من أمامه. توجه إلى الأريكة وأخرج كل محتوياتها على الطاولة ثم جلس في انتظارها.
خرجت مليكة من المرحاض وتوجهت للخارج لتجده جالساً في انتظارها والطاولة محملة بأكياس من الشيبس وعلب الشوكولاتة والآيس كريم اللذيذ. توجهت مسرعة تقفز على الأريكة تجلي في وضع الاستعداد للانقضاض على تلك الأشياء اللذيذة. أشرعت في تناولها وبعد قليل من الوقت أصبح وجهها ملطخاً بالشوكولاتة والآيس كريم وحبيبات الشيبس التي حولها والعلب الفارغة الملقاة بإهمال بجانبها. انتهت وأسندت ظهرها على الأريكة متمتمة من بين أنفاسها الضائعة:
"أنا أكلت كتير أوي، بطني مش قادرة."
انفجر ضاحكاً على حالتها ووجهها الملطخ بالطعام متمتماً بسخرية:
"ده انتي عايزة تتحطي في مايه ٣ أيام على ما تنضفي نفسك، أنا عرفت سهيلة جايبة الطريقة المتخلفة في الأكل دي منين."
ضيقت عيناها غيظاً منه متمتمة بتهدد وهي توجه إصبعها نحوه:
"بقولك إيه، أنا ماليش أنا في أكل الفرافير اللي راكبين فراري اللي ياكلوا حتة ويمسحوا بالمنديل، خليك على طبيعتك أحسن واستمتع كده وانت بتاكل، فكك من الناس وكلامهم، عيش حياتك، عيش."
ثم تسطحت على الأريكة وهي تضحك بصخب عندما لمحت وجهها في المرآة التي بالزاوية أمامهم.
عقد حاجبيه عليها متمتماً:
"طيب يا أختي، هعيش."
جلسوا معاً أمام التلفاز حتى أتى الليل وجاءت سهيلة إليهم لكي تذاكر مع مليكة.
كانوا على وشك التوجه بمفردهم بعيداً عنه، لكنه قطع خطواتهم صوته:
"تعالوا أذاكر لكم."
تحدثت سهيلة بخبث إليه:
"هتذاكر لنا دلوقتي؟ ما كنت بتحايل عليك ومكنتش بتوافق، إشمعنى دلوقتي بقا؟"
نظر إليها بسخرية متمتماً:
"فرق السما من الأرض، طبعاً لما أذاكر لكم."
ثم نظر إلى الأخرى بعشق:
"وأذاكر ليكي انتي ومليكة."
عقصت ملامح وجهها متمتمة بازدراء:
"طب بطل محن والنبي عشان عندي حساسية منه."
ضحكت مليكة على مشاكساتهم متمتمة لـ سهيلة:
"يلا أحجه نذاكر وبطلي لماضة."
لاحظت سهيلة على يد مليكة أن بها بقع حمراء وشكلها مريب، فتحدثت بعفوية من بين شهقتها:
"مليكة، إيه اللي في إيدك ده؟"
انتفض من مكانه متوجهاً نحوها ملتقطاً يدها يتفحصها متمتماً بتساؤل قلق:
"إيدك عاملة كده ليه؟"
نظرت إليهم برعب ثم زاغت عيناها بمحور الغرفة تريد الهرب من تساؤلاتهم التي جعلتها خائفة للغاية، متمتمة بتردد:
"مش عارفه، بطني بتوجعني والحاجات دي بتوجعني هي كمان."