تحميل رواية «قلبي بنارها مغرم» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تدور أحداث روايتنا داخل محافظة سوهاج عريقة الأصل والأصول، وبالتحديد داخل نجع النعماني والذي سُمي خصيصاً بهذا الاسم تيمنًا وانتسابًا لتلك العائلة العريقة، عائلة النعماني. البطلة: صفا زيدان عتمان النعماني، طبيبة بشرية، تبلغ الآن من العمر الخامسة والعشرون، وحيدة والديها وغاليتهم، فاتنة الجمال ذات طلة وجه ملائكي وبشرة بيضاء اللون، تمتلك عينان ساحرتان واسعتان باللون الزمردي يكسوهما رموش سوداء كثيفة مما أعطى لهما سحرًا ورونقًا يفوق ألف تعويذة على ناظريهما. تمتلك جسدًا متناسقًا أنثويًا من الدرجة الأولى...
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم روز امين
تحدث ضابط الشرطة قائلاً بقوة:
_ معايا أمر بالقبض علي السيد قدري عِثمان بتهمة قتلـ.ـه لزوجتة، السيدة ماجدة سمير عبداللطيف.
جحظت أعين فايقة ونظرت إلي قدري الذي تفوه بنبرة مُرتعبه:
_ ماچدة إتجتلت، يا ليلة مش فايتة.
هتفت فايقة مُتسائلة بنبرة مُشتتة غير مستوعبة لما يجري من حولها وكأنها داخل إحدي كوابيسها:
_ عيجول إيه الظابط دي يا قدري، وماچدة مين اللي عيتحدت عنيها دي؟
أغمض عِثمان عيناه بتألم وعدم قدرة، في حين إهتز داخل قاسم لعلمهِ بزواج والده بإمـ. ـرأة أُخري. تحدث إلي والدتهُ بنبرة صامدة:
_ أدخلي چوة يا أم قاسم وخدي ليلي وياكِ.
رفضت التحرك وإلتزمت مكانها كي تستوعب ما يجري وتطلع علي ما سيُقال.
ثم وجه قاسم سؤاله إلي الضابط قائلاً بنبرة جادة:
_ ممكن يا أفندم أشوف أمر الضبط لو سمحت.
أخرج الضابط أمر الضبط وأعطاه إلي قاسم الذي ألقي بصره عليه وتنهد بأسي. أومأ بيأس ثم نظر إلي الضابط وتحدث برجاء:
_ إدينا ربع ساعة بالظبط يا أفندم، هنبدل هدومنا أنا و والدي وهنيجي معاك حالاً.
إرتاعب قدري ونظر إلي قاسم وتحدث بإرتياب ورُعب ظهر داخل عيناه:
_ عروح وياهم ليه يا قاسم، أني مجتلتهاش يا ولدي، الله الوكيل ما جتلتها.
إتسعت عيناى فايقة بذهول وامسكته من ذراعة وأجبرته علي الإلتفات إليها وتحدثت وهي تهزهُ بنبرة حادة وجنون:
_ هي مين دي اللي مجتلتهاش يا قدري، إنتَ صُح متچوز عليّ!
كان يتهرب من النظر إلي وجهها مُبتعداً بمقلتاه عن مرمي عيناها. فتحدث قاسم وهو يمسك قبضتاها ويحاول تخليص أبيهْ منها:
_ مش وجت الحديد دي يا أم قاسم، أدخلي چوة وأني لما أرچع أني وأبوي نُبجا نتكلم.
لطمت خديها عندما إستشفت من حديث قاسم معرفتهُ بالأمر وتأكدت حينها أن أمر زواج قدري عليها بأُخري بات واقعً. فتحدثت قائلة:
_ يعني أبوك طلع متچوز عليّ بچد وإنتَ خابر وساكت يا قاسم؟
تحدث زيدان إلي قاسم مُتسائلاً بتيهه:
_ هي إيه اللحكاية بالظبط يا قاسم؟
صمت قاسم ونظر إلي جده الذي شلت الصدمة حواسهُ وعقدت لسانهُ.
تحدث الضابط بنبرة جادة:
_ ياريت تتفضل معايا علي البوكس وما تضيعش وقتنا.
تحدث قاسم بثبات إنفعالي:
_ بلاش البوكس من فضلك يا حضرة الظابط، أبويا متهم لم تثبت إدانتهُ بعد، مش مجرم علشان حضرتك تاخده في البوكس.
وأكمل بثقة:
_ أنا هجيب والدي وأمشي ورا حضرتك بعربيتي، وتقدر تخلي عسكري من عندك يركـ.ـب معانا.
هز الضابط رأسهُ رافضً بإصرار:
_ مش هينفع يا أستاذ، دي إجراءات ولازم تتم، أنا بنفذ الأوامر والقانون هنا لازم يتنفذ علي الجميع سواسية.
تحرك زيدان إلي ضابط الشرطة وتحدث بنبرة جادة مُعرفً عن حالهُ:
_ أني زيدان النُعماني عضو مجلس الشعب عن الدايرة، وقدري النُعماني يُبجا أخويا.
نظر لهُ الضابط بإحترام وتحدث بنبرة وقورة:
_ غني عن التعريف يا أفندم، حضرتك كُنت مشرفنا في مركز الشرطة إمبارح وقت فرز الأصوات، وألف مبروك علي الفوز السـ.ـاحق.
أومأ لهُ بهدوء ثم تحدث بإحترام:
_ الله يبارك في حضرتك يا باشا، أني بس بطلب منيك توافج علي اللي جاله الأستاذ قاسم المُحامي، وأني يا سيدي اللي عسوج العربية لجل ما جلبك يتطمن.
أومأ الضابط بموافقة وتحرك جميع الرجال يبدلون ثيابهم بأخرى.
هرولت فايقة خلف قدري الذي صعد الدرج حتي دلف إلي حُجرة نومـ.ـهِ وأمسك بجلبابه ليرتـ.ـديه. جذبته منه بحـ.ـده ونظرت داخل عيناه وهتفت بجنون وعدم تصديق:
_ إتچوزت عليّ صُح يا واكل ناسك، تتچوز علي فايقة ست الستات ليه يا حزين! جصرت وياك في إيه؟
ولكزته بكتفهُ وهتفت:
_ أُنطج.
تهرب من عيناها وجذب جلبابهُ من بين يديها وأدار جسـ.ـدهُ ليعطيها ظهـ.ـرهُ وشرع بإرتدائهِ. فتحركت لتقابل وقوفهُ وصاحت عالياً بنبرة حقود:
_ حط عينك في عيني كِيف الرچـ.ـالة ورُد عليّ، تطلع مين المحروجة ماچدة دي اللي إتچوزتها علي فايقة.
دلف قاسم علي عُجالة وتحدث إلي والده بنبرة حزينة:
_ يلا بينا يا أبوي.
يكاد أن يتحرك لكن يد فايقة كبلته وجذبته قائلة بصياحٍ عالي:
_ يلا علي فين، معيخرجش من إهني إلا لما يجولي إتچوزها ميتا وفين.
وسألته:
_ بجالك كَد إيه مستغفلني يا قدري، شهر؟ شهرين ولا تلاتة، إنطج يا بايع ناسك.
صاح بها قاسم وتحدث غاضـ.ـبً بنبرة حـ.ـادة:
_ إنتِ مواعياش للمصيبة اللي وجعت فوج راسنا إياك!
وأكمل وهو يتحرك ساحبً أبيه بيده:
_ يلا يا أبوي الله يرضي عنيك.
تحرك كلاهما تحت ذهول تلك التي تتلفت حولها كالمجذوبة وكأنها داخل كابوس.
نزل الدرج فتحدثت رسمية وهي تهرول إلي ولدها بقلبٍ مُرتجف:
_ عِملت إيه في حالك يا قدري، ضيعت نفسك يا حزين.
نظر لها وتحدث بإرتعاب:
_ مجتلتهاش يا أمّا، مجتلتهاش.
ثم نظر إلي عِثمان الذي يستند علي عصاه وينظر أرضً بإنكسار واستسلام وتحدث بنبرة مستعطفة:
_ اني برئ يا أبوي، الله الوكيل ما جتلتها، وحياة عيالي مجتلته.
تنهد عِثمان وهز رأسهُ بيأس. فهرولت رسمية إليه وتحدثت لتحسهُ علي التحرك السريع:
_ إنت عتفوتهم ياخدوا ولدي علي الجسم كيف الحرامـ.ـية وجتالين الجُتلة وتجعُد تتفرچ يا حاچ؟
وأكملت بصياحٍ عالي:
_ كلم المأمور ولا أي حد من معارفك الكتير، إتصرف يا عِثمان.
ضل صامتً ينظر في نقطة اللاشئ بشرود، لائمً حالهُ علي تخاذلهُ بأمر زواج نجلهُ برغم معرفتهُ، لا يدري لما صمت علي تلك الزيجة لكنهُ بالتأكيد كان صمتً مخزي و أدي إلي نتيجة كارثـ.ـية بمعني الكلمة.
في حين تحرك بصحبة قدري، قاسم، زيدان، مُنتصر، فارس ويزن.
تحرك زيدان وقاد سيارته مصطحبً معهُ قدري ومنتصر.
أما قاسم ف أستقل سيارتهُ تحت عيناي تلك الحزينة التي تقف في الفيراندا الخاصة بوالدها بجسـ.ـدٍ مُرتجف رُعبً من ما يجري. نظرت علي ملامح وجههِ الكَاتمة وتألـ.ـم داخلها عليه، ليت بإستطاعتها أن تهرول إليه وتحتـ.ـضنهُ كي تُطمئن روحه الهلعة، ليت بإستطاعتها سحب ما بداخلهِ من أحزان وتبديلها إلي سعادة.
أما هو فما كان يشعر بها أو بأيً كان، كل تفكيرهُ الآن كيف سيقوم بتخليص والدهُ من تلك الكارثـ.ـة التي ستُطال العائلة جميعاً وتلوث ثوبها ناصع البياض. تحرك بسيارته خلف عمه زيدان وسيارة الشرطة التي سبقتهم تحت تجمع الأهالي والعائلة خارج بوابة السرايا، حقاً يا لها من طامة كُبري ستطال الجميع.
❈-❈-❈
بعد مرور حوالي النصف ساعة، وصل الجميع إلي قسم الشرطة التابع إليه نجع النُعماني. دلف قدري وقاسم وزيدان إلي غرفة التحقيق. وقف قدري كأي متهم في قضية، وأفصح زيدان وقاسم عن شخصيتهما إلي الضابط، كنائب للبرلمان والأخر كمحامي مدافعً عن المتهم.
أشار لهما الضابط المسؤول عن التحقيق بقضية قتـ.ـل ماجدة بالجلوس وتحدث إلي كلاهُما:
_ إتفضلوا إرتاحوا.
نظر قاسم علي والده، وغصة مؤلـ.ـمة إقتحمت صـ.ـدرهِ فجعلته يشعر بالوجـ.ـع. لأول مرة مُنذ نشأته يشعر بضعف والده ويراهّ علي هذه الحالة الضعيفة. كيف لهُ الجلوس و والدهُ واقف كمُذنبٍ.
نظر إلي الضابط وتحدث بنبرة جادة رافضً الجلوس:
_ إتفضل حضرتك إفتح التحقيق.
أما زيدان الذي شعر بألـ.ـمٍ تملك من داخل روحهُ حين رأي نظرات قاسم المتألمـ.ـة لأجل والدهُ، فوجه نظره إلي الضابط وطالبهُ قائلاً برجاءٍ خاص:
_ لو سمحت يا حضرة الظابط، أني ليا عنديك رچاء خاص، ياريت تسمح لقدري بيه يجعد لجل ما نجعد إحنا كمان.
تبادل الضابط النظر بين ثلاثتهم فلاحظ نظرات الحُزن مشتركة بينهم، فتحدث قائلاً بنبرة أدمية:
_ مع إنه ممنوع قانوناً، بس هنمشيها علشان خاطرك يا حضرة النائب.
وأشار إلي قدري ليجلس، فجلس وتلاهُ زيدان ثم قاسم الذي تحدث إلي الضابط قائلاً بتساؤل مهني:
_ ممكن أعرف إيه هي الأدلة اللي خلت حضرتك تأمر بضبط وإحضار موكلي السيد قدري النُعماني؟
تحدث الضابط بنبرة عملية قائلاً:
_ جالنا بلاغ إنهاردة الساعة سابعة بعد المغرب، بيقول إن فية جريمـ.ـة قتـ.ـل تمت في شقة 9 عمارة 18 في شارع الجسر، ولما توجهنا لمكان الجـ.ـريمة، إكتشفنا إن القتيـ.ـلة عمرها حوالي 30 سنه، إسمها ماجدة سمير عبداللطيف، وتم قـ.ـتلها ب بذبـ.ـح حـ.ـاد في رقـ.ـبتها وعدة طعـ.ـنات في الكُليّ، وتقريباً ده اللي تسبب لها في نزيف حاد أدي إلي الوفاة الفورية. ودي طبعاً كلها تكهنات وإجتهاد مننا، لأن تقرير الطب الشرعي لسه هيظهر بعد يومين، ومن شكل الجثة اللي شفناها نقدر نقول إن الجريمة تقريباً كده تمت إمبارح.
تنفس بعُمق ثم أكمل مُفسراً:
_ ولما روحنا نعاين المكان، لقينا الباب سليم والشقة مفيهاش اي حاجة تدل علي إنها سرقة أو إن حد غريب هو اللي دخل وقتـ.ـلها.
وأكمل وهو ينظر إلي قدري:
_ ولقينا صاحبة القتيـ.ـلة موجودة جنبها ومنهارة من العياط، وأول كلمة قالتها لما شافتنا إن جوز ماجدة هو اللي قـ.ـتلها، وإنها عاوزة تقدم فيه بلاغ لأنه هدد ماجدة بالقـ.ـتل لو ما أتخلصتش من العيل اللي في بطنها منه خلال إسبوع.
إتسعت أعيُن قاسم وزيدان ونظرا إلي قدري الذي سحب مقلتيه بعيداً عن بصريهما.
فأكمل الضابط قائلاً بإستفاضة:
_ وكمان البواب شِهد وقال إنه سمع خناقة وصوت عالي بين القتـ.ـيلة وجوزها اللي هو السيد قدري قبل الجـ.ـريمة بحوالي إسبوع. يعني كلامه تطابق مع كلام صاحبتها، وبناءً علي كلامهم إستخرجنا من النيابة أمر الضبظ.
سألهُ قاسم بحِسٍهِ القانوني:
_ ممكن أعرف الجريمـ.ـة أُكتشفت إزاي؟
أجابهُ الضابظ شارحً بإستفاضة:
_ إحنا جالنا بلاغ بالتليفون من واحد من سُكان العمارة، ولما وصلنا للمكان لقينا زي ما قُلت لكم، صديقة القتـ.ـيلة وإسمها أحلام عبدالله، كانت قاعدة جنبها ومنهارة من العياط. ولما سألنا البواب إزاي تم إكتشاف الجريمـ.ـة، قال إن صاحبتها جت له بعد المغرب وقالت له إنها بترن علي ماجدة من إمبارح وهي ما بتردش عليها في التليفون. البواب هو كمان قلق من كلامها لأنها ماظهرتش ولا طلبت منه يشتري لها حاجة زي عادتها. صاحبتها طلبت من البواب يكسر الباب عليها لأنها خايفة تكون مغمي عليها من أثر الحمل. كسروا الباب ولما دخلوا لقيوها مقتـ.ـولة وغرقانة في دمـ.ـها في المطبخ.
صاح قدري بنبرة مُعترضة ومرتعبة:
_ الله الوكيل ما جتلتها يا بيه، أني صُح هددتها معنكرش، لكن مجتلتهاش.
ثم نظر إلي زيدان وتحدث مُستعطفً:
_ والله ما جتلتها يا زيدان.
تنهد زيدان بأسي وتحدث الضابط:
_ علي العموم إحنا هنبدأ التحقيق الساعة تسعة الصُبح، وهناخد أقوالك بالكامل.
ثم نظر إلي قاسم وأكمل:
_ وإنتَ بصفتك محامي المتهم هتحضر التحقيق وأبقا إستفسر براحتك وأسأل الشهود في اللي إنتَ حابب تعرفه.
وأكمل وهو ينهض من فوق مقعدهُ:
_ إتفضلوا حضراتكم لأن الوقت إتأخر وأنا لازم أطلع الإستراحة بتاعتي علشان أنام لأني هصحي بكرة بدري للتحقيق، والمفرض إن إنتم كمان تروحوا وتناموا علشان تكونوا جاهزين لبكرة، اليوم هيكون صعب علي الجميع ومحتاج التركيز من الكُل.
وقف الجميع وتحدث زيدان وهو ينظر إلي أخية بقلبٍ نـ.ـازف:
_ وقدري بيه، عينام فين يا باشا؟
تنهد الضابط وتحدث:
_ هو المفروض يبات في الحجز بصفته متهم، لكن أنا هخليه ينام هنا في المكتب لحد الصبح.
وأكمل مسترسلاً:
_ وده بس علشان خاطرك يا سيادة النائب.
أردف زيدان قائلاً بنبرة شاكرة:
_ كتر خيرك يا باشا، وأسمح لي أنا عشيع له شوية حاچات من البيت وعشيع كمان وّكَل للعساكر اللي إهني، حضرتك خابر إن إنهاردة كُنا عاملين ليلة كَبيرة فرحة الإنتخابات والوّكل كتير والحمدلله.
أومأ لهُ الضابط بتفهم فتحدث قاسم بقلبٍ يـ.ـتمزق حُزنً وهو ينظر إلي والدهُ ويتـ.ـألم لنظرة الإنكـ.ـسار التي سكنت عيناه:
_ بعد إذن حضرتك، أنا عاوز أفضل مع أبويا هنا في المكتب.
نظر له الضابط وأردف قائلاً برفضٍ قاطع:
_ مينفعش يا أستاذ، حضرتك رجُل قانون وفاهم.
إقترب زيدان من وقفة قاسم وربت علي كتفهُ وتحدث:
_ لازمن تروح وتنام يا قاسم لجل ما تُبجا فايج بكرة للتحجيج.
نظر قدري إلي ولدهُ بثبات مُصطنع محاولاً تقويتهُ وطمأنة قلبهِ عليه:
_ روح مع عمك يا ولدي ومتعتلش همي، أني هبجا تمام.
واكمل برجاء وتمني أدمـ.ـي قلب قاسم:
_ روح لجل ما تريح عجلك وچسـ.ـدك وتاچي لي بكرة فايج وتطلعني من إهنيه، معايزش أجعد إهني كتير يا قاسم.
بصعوبة بالغة تحرك قاسم مع عمه تاركً والدهُ. إستقل قاسم سيارته وجاورهُ زيدان بعدما ترك سيارتهُ الخاصة لشباب العائلة الذين رفضوا مغادرة القسم، وجلسوا داخل سيارتهم في الخارج ليكونوا بالجوار من عمهم منتظرين إرسال الخفير الذي سيأتي بالطعام والثياب إلي قدري وباقي أفراد الشرطة.
كان يقود سيارتهُ بصمتٍ تام، شعور مُميت إجتاح روحهُ حينما ترك والدهُ ورحل. كل ما يجول بخاطرة الآن هو كيف سيقضي والدهُ ليلتهُ السيئة علي ذلك المقعد وحيداً.
فاق من شرودهُ علي صوت عمه الذي سأله مسفسراً:
_ من ميتا وإنتَ عارف إن أبوك متچوز علي أمك؟
زفر بضيق وتحدث مهمومً:
_ چدي جال لي يوم ما صفا عرفت بچوازي عليها.
جحظت عيناي زيدان وهتف بذهول:
_ أبوي هو كمان كان عارف؟
صمت قاسم وأحترم زيدان ألـ.ـم قلب قاسم وحُزنهُ لأجل والدهُ، ففضل الصمت إحترامً لحالتهُ.
❈-❈-❈
تدلت من فوق الدرج وجدت جميع النساء جالسات حتي عليه وصباح اللتان أتَيا مهرولتان عندما أُشيع الخبر بالنجع وأنتشر بلحظات كإنتشار النار في الهشيم.
أما عِثمان الذي دلف إلي حُجرته وأوصد بابها ليضل حبيسها كعادة حُزنهُ مؤخراً.
كانت صفا وعمتها عَلية تجاورتان رسمية التي تنتحب وهي تخبط فخديـ.ـها بكفاي يداها قائلة:
_ يا حرجة جلبي عليك وعلي اللي نابك يا قدري.
تحركت إلي عمتها و وقفت قُبالتها ومالت بوجهها لتتطلع عليها ثم صاحت بنبرة غاضبة مُعترضة:
_ بدل متندبي علي ولدك البياع، إندبي علي بِت أخوكِ اللي وصاكِ عليها جَبل ما يموت وإبنك باع وأشتري فيها علي آخر الزمن.
وصاحت مُتسائلة بنبرة حادة وعيون مُشتـ.ـعلة:
_ يتچوز علي فايقة ليه، جصرت معاه أني في إيه؟
ونظرت بحقد علي ورد الجالسة بمقعداً تنظر أرضً بملامح وجه حزينة لما حدث لشقيق زوجها وعم إبنتها، وهتفت بنبرة تُقطرُ حِقـ.ـداً وغِـ.ـلً:
_ ده غيره مرضاش يتچوز علي الأرض البور اللي مچابتلوش غير حِتة بِت.
رفعت صفا وجهها لتنظر عليها بتعجب لأمر تلك الحـ.ـقود، واستشاط داخلها وكادت أن ترد عليها بإعتراض، فتطلعت ورد إليها وحركت أهدابها بهدوء لتحث إبنتها علي إلتزام الصمت وعدم الرد علي تلك غريبة الأطوار.
حين أكملت تلك الشمطاء بصياحٍ عالّ موجهه حديثها إلي رسمية:
_ يجوم ولدك يتچوز علي أم الرچاله، ده أني چايبة له بدل الراچل تنيين يسدوا عين الشمش.
ومن جديد حولت بصرها ونظرت إلي ورد وصاحت:
_ وأخرتها يكسرني جِدام اللي يسوي واللي ميسواش ويشمت فيا العدو؟
نظرت لها ورد وهزت رأسها بإستسلام لكنها فضلت الصمت عن الرد علي تلك الحقودة التي وبرغم مصائبها إلا انها لا تكُف عن أذية الغير بكلماتها المسمومة.
حين هتفت عَلية الجالسة بجانب والدتها تُهدئ من روعها قاصدة بحديثها فايقة:
_ إجفلي خاشمك يا مّـ.ـرة يا سّو.
وأكملت بنبرة حادة:
_ ده بدل ما تداري وتخجلي منينا واجفة بعين جوية تعايري ست الستات.
وأكملت صباح التي تحمل داخل قلبها الكثير من الغضـ.ـب بإتجاة تلك الفايقة وهتفت بنبرة حادة:
_ لساتك عتعايري ورد بخلفة البِت حتي بعد اللي نابك يا حزينة؟
وأكملت بنبرة صريحة:
_ سبحان الذي يُمهِل ولا يُهمل.
واسترسلت بتذكير:
_ زمان حرضتي أمي علي زيدان لجل ما تخلية يتچوز علي مّرته، وفضلتي تزني علي دماغها لحد ما خلت أبوي خرچ زيدان ومرته وطردهم برات الدار وهي بتهم لساتها حتة لحمة حمرا شايلينها علي إديه.
جحظت عيناها بلونهما شديد الحَمار وذلك جراء إشتـ.ـعال روحها وغضـ.ـبها وهتفت بنبرة حادة:
_ إنتِ شمتانة فيا يا صباح؟
ردت صباح بنبرة صارمة:
_ أني مش شماتناش يا بِت خالي، أني بس عفكرك بإن اللي عيتمني حاچة عِفشة للناس، ربنا بيبتليه هو بيها.
صرخت رسمية بنبرة حادة قاصدة بحديثها الجميع:
_ إجفلي خاشمك يا مّـ.ـرة مِنك ليها، معيزاش أسمع حِس واحدة فيكم وإلا وكتاب الله أجوم أچيب البندجة وأطُخها بيديه.
ثم نظرت إلي فايقة وصاحت بنبرة غاضبة:
_ وإنتِ يا حُـ.ـرمة، بدل ما أنتِ واجفة تندبي علي دماغنا كيف غُراب الشوم إكده، إجعدي وأدعي لچوزك ربنا ينجيه من المصيبة اللي حطت فوج دماغه ودماغنا.
وأكملت وهي تُشيح بيدها إلي أعلي الدرچ:
_ ولو مجدراش تمسكي حالك وإنتِ جاعدة ويانا، يُبجا تغوري علي مطرحك فوج وإندبي إهناك علي عُمرك براحتك.
جلست فايقة وكظمت غيـ.ـظها بداخله.
بعد قليل دلف قاسم يجاورهُ زيدان الذي طلب من عمال المنزل بأن يعدوا الطعام ويقوموا بإخراجهُ للخفير، وطلب قاسم من ليلي بأن تصعد للأعلي وتضع ثيابً وكل ما يلزم والدها داخل حقيبة صغيرة.
تحدثت رسمية إلي قاسم بصياحٍ مـ.ـؤلم لقلب أم يتقـ.ـطع حُزنً علي ولدها:
_ فوت أبوك لحاله وچيت من غيره ليه يا قاسم؟
أجابها زيدان الذي تحرك وجلس بجوارها وقَبـ.ـل مقدمة رأسها مُهدئً إياها:
_ عيخرچ يا أمّا، بس إنتِ هدي لي حالك.
هتفت فايقة بتساؤل إلي قاسم بنبرة عالية:
_ أبوك طلع متچوز عليّ صُح يا قاسم؟ متچوز علي أم الرچاله يا واد!
تنهد قاسم وتحدث بهدوء:
_ إطلعي علي شُجتك وحاولي تنعسي لك شوي يا أمّا.
صاحت غاضبة بنبرة عالية:
_ أنعس كيف يا راچلي وأبوك غدر بي وإنت عارف وساكت.
واسترسلت بنبرة لائمة:
_ رضيتها علي أمك كيف يا واد الكَسـ.ـرة دي؟
لم يعد بقدرتهِ التحمُل بعد، فقد فاض بهِ الكيل وطفح، نظر لها متعجبً وتحدث متهكمً ليُذكرها بحديثها التي قالتهُ من ذِي قبل:
_ عتكبري اللحكاية ليه يا أمّ قاسم، لا أنتِ أول ولا آخر واحدة چوزها يتچوز عليها.
وأكمل بنبرة لائمة مُذكراً إياها:
_ مش دي حديتك بردك يا أمّ قاسم، ولا أتغير الحديت وبجا ملوش عازه لما چيه لحد عنديكِ؟
نظرت إليه صفا بتألُـ.ـم بعدما فهمت مغزي حديثهُ، شعور مرير إجتاح مشاعرها التي أُصيبت بإضطراب تجاههُ، جزءً منها وهو الضمير وقلبها يحدثاها بل ويطالباها بالتحرك إليه وأخذهُ لداخل أحضـ.ـانها لتحتويه وتسحب عنه حزنهُ وقهر الرجال الذي يشعر به، جراء شعورة بالعجز الذي أصابهُ عندما ترك والدهُ وعاد بدونه.
والجزء الاخر وهو العقل وكرامة الآنثي بداخلها، واللذان يطالباها بالمكوث والثبات بمكانها وليذهب الجميع إلي الجحيم وليتحمل كُلٍ نتيجة أفعاله.
هتفت فايقة قائلة بإستغراب حال نجلها:
_ حتي إنتَ كمان لما شمتان في أمك يا قاسم؟ خليت للعدو إيه يا وِلد بطني!
إتسعت عيناه ذهولاً وأردف مُتعجبً:
_ أني ممصدجش اللي شايفه جِدامي يا أمّا، إنتِ سايبة المصيبة اللي حطت علي راسنا وجاعدة تتحدتي في الكلام الفاضي دي؟
ثم صاح بكل صوتهِ بنبرة غاضبة توحي إلي وصولهُ للمنتهي:
_ لو مواخداش بالك يا أم قاسم عجول لك أني، أبوي متهمينه بجتل المّـ.ـرة اللي متچوزها في السّر، وصاحبتها شاهدة عليه إنه هددها وجالها إنه عيجتلها في خلال الأسبوع دي، والبواب أكد علي كلامها وجال للظابط إنه سمعه وهو بيتخانج وياها من أسبوع فات.
وأكمل بتيهه وعيون زائغة:
_ وأني عامل كيف الأطرش في الزفة ومفاهمش أيتوها حاچة، ومطلوب مني أطلع أنام واني چسـ.ـدي مـ.ـولع إكده، وأستني لبكرة لجل ما أعرف التفاصيل عشان أشوف عتصرف وأخرچه من المصيبة اللي رمي حاله فيها دي كيف.
وأكمل بخزيٍ:
_ دي غير فضحيتنا في وسط المركز كلياته، وكل دي في نفس اليوم اللي عمي نچخ فيه في البرلمان، حتي ملحجناش نفرحوا.
واسترسل لائمً بتعجُب:
_ وحضرتك سايبه كُل البلاوي اللي حاطة علي نفوخنا دي، وكِل اللي هامك كيف يتچوز علي أم الرچاله!
وقفت صفا وتحدثت إليه بنبرة مُرتعبة خشيةً علي صحته:
_ هدي حالك يا قاسم ليچري لك حاچة.
حول بصرهِ إليها وتحدث بنبرة ساخرة:
_ الدَكتورة صفا بذات نفسيها عتطلب مني أهدي حالي؟
واسترسل لائمً بتساؤل مـ.ـؤلم:
_ عهمك وعتخافي عليّ إياك يا دكتورة؟
واسسترسل شارحً:
_ ده أنتِ أكتر واحدة ورتني الويل ودوجت علي إديها المرار، ده أني في عِشجك شفت وعرفت كيف بيكون ذُل الرچال وجهرتهم.
ثم أخذ نفسً عالياً ليُهدئ به روعه كي لا يُحزنها، ثم نظر إلي والدتهُ وتحدث بنبرة صارمة:
_ يلا يا أمّا علي مطرحك فوج.
صاحت بصوتها العالي وتحدثت بإعتراض:
_ معتحركش من إهنيه غير لما تجولي علي كُل حاچة.
وأكملت وهي تُدقق النظر داخل مقلتاه بعيناي تُطلق شزراً:
_ عرفها ميتا المدعوجة دي، ومن ميتا وهو مستغفلني ومتچوزها عليّ؟
نظر لها وحقاً لم يعثُر بداخلهُ عن كلمات تعبر عن ما أصابهُ من تلك غريبة الأطوار.
هتف زيدان بعدما طفح به الكيل منها:
_ متچوزها من أربع سنين ومسكنها في شُجة في المركز، وكانت حِبلة في شهرين كُمان.
وأكمل بتساؤل متهكمً:
_ إكده إرتاحتي يا فايقة؟
جحظت عيناها وتفوهت بتيهه بنبرة ضعيفة وهي تنظر في نقطة اللاشئ:
_ حِبله، أربع سنين، يا خيبتك الجوية يا فايقة، يا مرارك الطافح يا بِت سَنية.
أسترسل زيدان حديثه بنبرة لائمة بحدة:
_ دايرة تخطتي وترسمي عشان توجَعي الكُل في مصايب لجل ما جلبك اللي مليان بالغـ.ـل ما يهدي ويرتاح، ونسيتي چوزك وأهملتيه، خلتيه يطلع يدور علي راحته بره مع نسـ.ـوان الله أعلم بحالهم، جنيتي إيه من حجدك غير المرار والخسارة يا فايقة.
هتفت ليلي وهي تنظر إلي عمها بنظرات تُقطرً غِـ.ـلً:
_ مبكفياكم عاد، خلاص، بجيتوا كلياتكم ملايكة وأمي هي الشيطان وسطيكم، نازلين جلد فيها وفايتين أخوكم اللي راح إتچوز واحده وكمان حِبلت منيه، وماسكين في الغلبانه ونازلين تجطيع في لحمها؟
وصاحت بعيون تطلقُ شزراً:
_ بكفياكم ظلم وأفتري يا عيلة ظالمة، لحد ميتا عتفضلوا تكيلوا بمكيالين؟
وأكملت بنبرة مسمومة:
_ ولما قاسم أخوي حب زميلته في المكتب واتچوزها جومتوا الدُنيي عليه ومجعدتوهاش لحد دلوك.
وأكملت وهي تنظر بحـ.ـقدٍ علي صفا:
_ وكُل ده لجل چلوعة أبوها صفا هانم.
نظرت إلي عمتها عَلية وتحدثت ساخرة:
_ دي حتي عمتي عَلية معتكلمش قاسم من يوميها ومجطعاه لچل عيون بِت أخوها الغالية.
وأكملت بنبرة حقود:
_ وبرغم إن كلياتكم خابرين إن چوزي طلب من چدي يد اللي ما تتسمي اللي چابتها لنا صفا هانم في المستشفي لجل متشغل بيها بال يزن، واستريلت بإهانه لزوجها: والمحترم چوزي ريل عليها وچري وراها كيف الأهبل.
وأكملت بنبرة حقود:
_ وچدي وافج إنه يچيب لي ضُرة ويجهر بيها جلبي، جِبل عليا اللي مجبلهوش علي حبيبة جلبه بِت ولده الغالي، حتي أخواتي الرچاله وأبوي لما عرفوا وسكتوا.
إنتفضت نجاة من جلستها وهتفت بغضب لأجل ولدها:
_ إجفلي خاشمك اللي عينجط سم وإتحشمي وإنتِ عتتحدتي علي راچلك.
وأكملت بنبرة حادة:
_ وإيش چابك إنتِ لصفا لجل ماتطلبي تتعاملي كيفها، إياك صفا كانت راحت زورت التحاليل وأفترت علي چوزها وطلعته معيوب جِدام عيلته يا واكلة ناسك.
وأكملت بنبرة حادة مستفزة:
_ وحياتك عندي معرتاح إلا لما أچوزه وأفرح بخلفُه وأشوفهم بيتحركوا جِدام عنيات.
تعالت الاصوات بين النساء وبدأن بقذف الكلمات ورميها كقذائف فتاكة في وجوه بعضهن.
إنتبه الجميع لصوت ذلك الغاضب الذي فاض به الكيل وما عادَ فيه التحمُل بعد، إنهُ قاسم لا غيرهُ بثوبهِ الجديد والذي وصل إليه بفضل تصرفات الجميع:
_ معايزش أسمع صوت واحدة فيكم وإلا وكتاب الله عطلع عليكم غُلب اليوم كِلاته.
وأكمل ناهراً إياهم بشدة:
_ يلا كُل مّـ.ـرة منيكم علي مطرحها، معايزش ألمح طيف حُرمـ.ـة منيكم إهنيه واصل.
إرتبك الجميع من شدة غضبهُ فتحدث وهو ينظر إلي جدته:
_ يلا يا چدة، إدخلي لچدي ومتفتوهوش لحاله.
وحول بصرهِ إلي عمتاه وهتف قائلاً:
_ وإنتِ عمه صباح، جهزي حالك إنتِ وعمتي عَلية عشان أخلي الغفير خسان يوصِلكم.
تحدثت صباح بإعتراض:
_ أني معسيبش أمي وأبوي في الظروف دي وأعاود لبيتي يا قاسم.
كاد أن يعترض فتحدث زيدان بهدوء:
_ سيب عماتك بايتين ويا چدتك يا ولدي.
تفهم ثم نظر إلي الجميع وتسائل:
_ واجفين ليه، مسمعتوش الحديت إياك؟
وتحدث إلي ليلي أمراً بنبرة حادة:
_ وإنتِ، خدي أمك وطلعيها علي مطرحها ومتفوتيهاش لحالها.
تحركتا ليلي وفايقه، ومريم ونجاة، أما عَمتاه فأسندتا والدتهما وادخلاها حُجرتها بجانب عِثمان المعتزل.
نظر قاسم لعمه الواقف وزوجته المنتظران صفا التي تنظر لهُ بدموع داخل عيناها، والألـ.ـم يسيطر عليها، تريد الذهاب إليه وسحبهِ لداخل أحضانها لكنها تنتظر الخطوة الأولي منه.
نظر لهم بجمود وصرامة، فأخر شئ يحتاج إليه الأن هو الشعور بالرأفة والشفقة منها هي بالتحديد، فيكفي كّم الإذلال والعجز والشعور بالقهر الذي شعر بهم أمام والده، يريدها ويُريد ضمة حُضـ.ـنها، لكن بإرادتها لا شفقةً منها علي حاله.
تحدث وهو يتحرك ويعطيهم ظهـ.ـرهُ إستعداداً لصعودهِ الدرج:
_ خد مرت عمي والدكتورة وروحوا علي داركم يا عمي.
وأكمل وهو يصعد أولي درجات الدرج:
_ تصبحوا علي خير.
تصنمت بوقفتها ونزلت دموعها حين رأت داخل عيناه قهـ.ـراً وألـ.ـمً لم ترهُ من قَبل.
يحدثها قلبها ويطالبها بالتحرك خلفهُ.
أمسكها زيدان الذي شعر بتمزق روحها وتحدث ليحثها علي التحرك معهُ:
_ يلا يا بِتي نروحوا علي دارنا، سبيه لحاله، إكده أحسن ليه.
أومأت بموافقة وتحركت بجانب والديها بقلبٍ صارخ لأجل متيم روحها ووجـ.ـعهُ.
❈-❈-❈
صباح اليوم التالي.
كانت تتدلي الدرج وهي تترقب حولها بإرتياب خشيةً من أن يراها أحداً، وذلك بعدما باتت تتلـ.ـوي بجـ.ـسدٍ يشـ.ـتعل نــ.ـاراً وقلبٍ يحتـ.ـرق من شدة غيرتها المُرة بعد إستماعها إلي حديث صفا الخاص بشأن إنتواء زواج رجُـ.ـل حياتها يزن من غيرها، مما جعلها تُصيب بحالة من الجنون وعدم السيطرة علي حالة الغضـ.ـب الشـ.ـاعلة بداخلها، فذهبت في الحال إلي فارس قبل الذي حدث مع والدها مباشرة وسألته عن صحة ما قصته علي مسامعها تلك الصفا، وبالفعل أكد صحتهُ لها.
وهذا ما جعلها تتجاهل ما حدث مع والدها وتنتوي الذهاب إلي مّشفي جدها لتواجه تلك الأمل وتضع لها حداً يُريها حجمها الحقيقي.
وصلت إلي نهاية الدرج وهي تتسحب، ومن حظها العثر وجدت نجاة تخرج من المطبخ، تطلعت عليها وهتفت بإستغراب:
_ رايحة فين يا ليلي علي الصُبح إكده؟
إرتاعب داخلها وتحدثت بنبرة مُرتبكة:
_ خلعتيني يا مّرت عمي، فيه حد يطلع بوش الناس إكده من غير إحم ولا دستور؟
رمقتها نجاة بنظرة ساخرة وهتفت بنبرة مُتهكمة:
_ سلامتك من الخضة يا مّرت ولدي، أچيب لك طاسة الخضة لچل ما تخطيها؟
أغمضت ليلي عيناها ثم زفرت بضيق وتعنت فأعادت نجاة علي مسامعها السؤال مرةً أُخري قائلة بنبرة صارمة وهي تتطلع بإستغراب علي هيأتها المُنمقة فوق العادة وثوبها الأنيق:
_ ما جولتليش، متشيكة من الصُبح إكده وفايتة أمك في المصيبة اللي هي فيها ورايحة علي وين؟
تحدثت بنبرة حزينة إصطنعتها لحالها:
_ أني طول الليل جاعدة چاريها وعيني مغفلتش عنيها، ومفوتهاش دلوك غير لما أتوكدت إنها راحت في النوم، إتسحبت من چارها وجولت أروح أطمن علي چدتي سَنية وأطمنها علي أمي.
وأكملت بحُزنٍ مُصطنع:
_ تلاجيها عِرفت الخبر الشوم دلوك بعد ما أنتشر في النچع كلاته وزمانها جلجانه علي أمي وجاعدة تندب حظها الشوم.
نظرت لها نجاة مُتعجبة لأمرها، كيف لها بأن تكُن بتلك الأنانية، ألم يشغل بالها أو يُحزنها ما حدث لأبيها ليلة أمس وأحزن المنزل بأكمله وأصابهُ بالخَيبة والخُزلان!
سألتها نجاة بنبرة جادة:
_ جولتي لچوزك إنك خارچة؟
لوت فاهها ساخرة وتحدثت بنبرة تهكمية:
_ چوزي! وهو فين چوزي دِه، هو أني عُدت بشوبه ولا بلمح حتي طيفه؟
وتحدثت قائلة وهي تتحرك في طريقها إلي الخارج:
_ علي العموم أني مش هتأخر، ساعة بالكَتير وهعاود جَبل ما أمي وچدتي رسمية يصحوا.
وخرجت سريعً تحت إستغراب نجاة من أمر تلك غريبة الأطوار عديمة الشعور.
داخل مّستشفي الصفا.
اخرجت أمل من غرفة الفحص الخاصة بها وتحركت داخل الرواق، وجدت بطريقها ياسر فأوقفته وتحدثت إليه بتساؤل:
_ هي صفا إتأخرت أوي ليه كده إنهاردة يا دكتور؟
أجابها بتساؤل متعجب:
_ هو إنتِ ما عرفتيش اللي حصل إمبارح لعمها؟
ضيقت عيناها وتساءلت بإستغراب:
_ عمها؟ عمها مين، وإيه هو اللي حصل بالظبط فهمني.
أجابها بأسي:
_ عمها قدري، والد جوزها ووالد مرات الباشمهندس يزن، الشرطة جت قبضت عليه بالليل والبلد كُلها كانت مقلوبة.
وأكمل شارحً لها وهو يتلفت حولهُ بترقب:
_ بيقولوا إنه طلع متجوز واحدة تانيه في السر علي مِـ.ـراته ومقعدها في المركز، ومـ.ـراته دي لقيوها مقتـ.ـولة في شقتها ومتهمينه هو بقتـ.ـلها.
شهقت أملّ وأتسعت عيناها بذهول، وبتلقائية وضعت يدها علي فمها وتحدثت:
_ يا نهار أبيض، طب وإيه اللي حصل؟
أجابها وهو يرفع كتفاه للأعلي:
_ الشرطة تحفظت عليه وبايت في مركز الشرطة من إمبارح علي ما القضية تتحول للنيابة العامة.
إنتفض داخـ.ـلها عندما تذكرت يزن وتخيلت حالة حُزنهُ. قطع حديثهما دخول تلك المتعالية إلي رواق المّشفي، وتحركها إليهما قاصدة وقفتيهما، ثم وقفت مقابلة لها وتحدثت وهي ترمق أملّ بإستعلاء دون إلقاء السلام عليهما:
_ عاوزة أتحدت وياكِ في موضوع لحالنا.
إستغرب ياسر حِدتها وطريقتها المتعالية في الحديث، و أمل أيصاً التي تحدثت بنبرة هادئة وهي تُشير إليها علي غرفتها الخاصة بالفحص:
_ إتفضلي معاي.
أدلفتا سوياً إلي الداخل وتحدثت أمل إليها وهي تجلس:
_ إتفضلي إقعدي وإتكلمي، أنا تحت أمرك.
تحركت ليلي وهي تنظر عليها بحقـ.ـدٍ وكُـ.ـرهً واضح وهتفت قائلة بتعالي:
_ طبعاً لازمن تكوني تحت أمري، مش شغالة عندينا وعايشة في خير.
نارمقتها أملّ بنظرة تعجبية من طريقتها الغير لائقة بالحديث، لكنها تنبهت بفطانتها إلي أنها بالتأكيد علمت بأمر طلب يزن السابق للزواج منها.
فتحدثت بكبرياء إمتثالاً إلي كرامتها وعزة نفسها:
_ من فضلك، ياريت تخلي بالك من كلامك وتنتقي ألفاظك، أنا مش شغالة عند حد، أنا دكتورة محترمة وليا وضعي، وباخد أجر قصاد الخدمة اللي بقدمها للناس.
هتفت ليلي بنبرة تهكمية:
_ محترمة؟
وأكملت بنبرة ساخرة:
_ بلاش الكلمة اللي تضحك دي علي الصُبح.
واسترسلت بنبرة غاضبة مهينة لشخص أملّ:
_ وهي فيه واحدة محترمة بردك تلعب علي راچـ.ـل متچوز وتشغل له باله وتضحك عليه لجل ما يتچوزها وتتنعم في خيره وفلوسه الكَتير؟
وأردفت قائلة بنبرة ساخرة وهي ترمقها بنظرات إشمئزازية:
_ إياكِ تكوني جولتي لحالك إن يزن عيحبك بچد يا مهشكة إنتِ، يزن بيلعب بيكِ لچل ما يخليني أغير عليه وأرچع وياه كيف الاول.
ضيقت أمل عيناها بإستغراب لحديث تلك الكاذبة، فتحدثت ليلي بتأكيد كاذب:
_ يزن محبش في حياته ولا عيحب غيري، يزن عيموت عليّ وعاوز يشـ.ـعلل العشج في جلوبنا من تاني كيف زمان، ولما لجاكي رامية حالك عليه كيف الـ.ـغواني وبـ.ـنات الليل جال وماله، أتسلي وياها كام يوم وأخلي نـ.ـار ليلي تشعـ.ـلل من چديد وبعدها أرميها في أجرب كوم زبالة.
إستشاط داخل أملّ وصاحت غاضبة بنبرة حادة:
_ لحد هنا وكفاية أوي، كلمة تانية وهسمعك اللي عُمرك ما تحبي تسمعية وهطردك برة المكتب ده.
صاحت ليلي بغضب قائلة:
_ يا بچحتك يا بِت، عتطرديني من مِلك أبوكِ إياك؟ صحيح اللي إختشوا مات.
رمقتها أمل بإشمئزاز وهتفت:
_ إسمعي يا ست إنتِ، أنا مش هنزل مستوايا وأرد علي بني ادمة سوقية زيك، بس هطلب منك لأخر مرة إنك تتفضلي تخرجي من هنا بالذوق، وده بس إحترامً للدكتورة صفا والباشمهندس يزن، غير كده أنا كُنت عِرفت أتصرف معاكِ كويس أوي، وعاملتك بالمستوي اللي يليق بواحدة زيك.
هتفت ليلي بنبرة جارحة:
_ وكمان ليكي عين تبجحي وتهدديني يا خطافة الرچـ.ـالة يا سو.
واسترسلت بإتهام زائف وأهانة:
_ وأني عستني إية من واحدة رَخيصـ.ـة رامية حالها علي راچـ.ـل متچوز وعتچري وراه لچل ماله ومال أهله اللي طمعانة فيه.
أشارت أمل بسبابتها في وجه ليلي هاتفة بحدة:
_ إحترمي نفسك وإتكلمي كويس.
وأكملت لحرق روحها:
_ جوزك اللي بتقولي عليه ده هو اللي جالي وطلب مني الجواز بعد ما شرح لي طبيعة العلاقة اللي ما بينكم واللي فهمت منها إنكم في حُكم المطلقين وإنه هاجرك وقاعد لوحدة، و وعدني إنه هيطلقك علشان ما يظلمكيش.
وأكملت بكبرياء وكرامة:
_ ومن كام يوم جه وبلغني إن جده رفض إنه يخلية يطلقك، وطلب مني إننا نتجوز علي الوضع ده، وقال لي إنه هيبني لي بيت لوحدي علشان أعيش فيه براحتي وأكون مطمنه، لكن أنا اللي رفضت.
واسترسلت موضحة:
_ ورفضي مش إعتراضً علي شخص الباشمهندس لا سمح الله.
وأكملت قائلة بقوة وشموخ:
_ رفضي كان لأن مش أنا اللي أقبل أرتبط براجل متجوز وأخد لقب الزوجة التانية، وأسمح لاي حد يجيب سيرتي بكلمة بطالة.
هدئ داخل ليلي عند إستماعها لذلك الحديث المطمأن لروحها ثم إبتسمت بخفوت وتحدثت بنبرة ساخرة:
_ شاطرة، خليكِ بجا ثابتة علي موجفك دي جِدامة.
ثم رمقتها بنظرة كارهه واردفت قائلة بنبرة تهديدية:
_ لأن لو حصل غير إكده، متلوميش غير حالك من اللي عيچري لك علي أدين ليلي النُعماني.
ثم أكملت وهي تُشير بيداها بطريقة مخيفة وملامح وجة شريرة:
_ لو جربتي من راچـ.ـلي تاني، عجتلك بأديا التنين دول وأشرب من دمـ.ـك وأني متمزچة.
ثم رمقتها بنظرة تهكمية وهتفت بنبرة ساخرة:
_ سمعاني يا مهشكة انتِه.
هتفت أملّ وهي تُبسط ذراعها وتُشير بيدها إلي باب الغرفة قائلة:
_ خلاص، إرتاحتي وإتفشيتي وقولتي كل اللي جاية علشان تسمعهولي، إتفضلي بقا من غير مطرود بدل ما اتصل بالباشمهندس وأخليه يبجي ياخدك بنفسه.
إرتاعب داخلها وهتفت بنبرة تهديدية:
_ الله الوكيل لو يزن عِرف إني چيت لك إهنيه واتحدت وياكِ، ليكون آخر يوم في حياتك يا واكلة ناسك انتِ.
وأردفت مهددة إياها برفع سبابتها أمام وجهها:
_ خلي كلامي حلجة في ودانك عشان معكررهوش تاني.
وأكملت:
_ بعدي عن يزن وحافظي علي لجمة عيشك بدل ما أخرچك من المستشفي والنچع كلياته بفضيحة بچلاچ.
قالت كلماتها الآخيرة وهي تتحرك إلي الباب الذي فتحته وخرجت ثم قامت بصفقهِ بشدة إهتزت لها الجدران تحت ذهول أملّ وإشفاقها علي يزن من تلك الشمطاء الغير مناسبة لهُ والتي لا تصلح علي الإطلاق بأن تكون زوجة لذلك الخَلوق.
إرتمت بجسدها فوق المقعد بإهمال وهي تنظر أمامها وعدم الإستيعاب سيد موقفها.
❈-❈-❈
في اليوم التالي.
داخل قسم الشُرطة، فُتح التحقيق في القضية بحضور الجميع.
سأل المحقق حارس العقار قائلاً:
_ قولي يا صميدة، ماشفتش حركة غريبة في العمارة يوم إرتكاب الجريمـ.ـة، ناس غريبة طلعت العمارة، حركة غريبة، خبط رزع، حاجة زي كده يعنى.
أجابهُ صميدة بتأكيد:
_ لا يا بيه، العمارة كانت هادية كيف العاده.
وأجاب مُتذكراً:
_ مفيش غير حُـ.ـرمة لابسة نجاب هي اللي طلعت علي فوج، ولما سألتها رايحة علي وين جالت طالعة لحد جريبها في الدور السابع، والجتيلة كانت في الدور التالت يا بيه.
سألهُ الضابط من جديد:
_ طب وقدري النُعماني جوز القتيـ.ـلة، مجاش في اليوم ده؟
أجابهُ صميدة:
_ الكِذب خيبة يا بيه، أني مشفتهوش من يوم اللخناجة الكبيرة وحسهم العالي من أسبوع.
وضع صميدة إمضائهُ وخرج.
وبعدها وقفت أحلام عبدالله صديقة ماجدة وتحدثت بصياحٍ مفتعل وهي تنظر إلي قدري:
_ هو اللي قتلـ.ـها ما فيش غيره يا بيه.
وأكملت بدموع التماسيح:
_ أنا كُنت عند ماجدة من ست أيام، لقيتها بتعيط وكانت مرعوبة، ولما سألتها قالت لي إنها قالت لقدري إنها حامل، لكن هو طلب منها تسقط العيل، ولما رفضت هددها بالقـ.ـتل وأداها مهلة إسبوع.
قطب قاسم بين حاجبية وسألها بنبرة تشكيكية:
_ قولي لي يا أحلام، إنتِ وماجدة متعودين تتكلموا في التليفون يومياً؟
أجابته بقوة:
_ أيوة يا أستاذ، إحنا كُنا بنتصل ببعض كل يوم، ماجدة دي أصلها كانت زي أختي بالظبط.
سألها قاسم من جديد:
_ طب وهي كانت بترد عليكِ كل ما ترني عليها، ولا بترد حسب ظروفها؟
إرتبكت ثم تحدثت:
_ كانت بترد علي طول طبعاً.
صاح قدري مكذبً إياها:
_ كدابة يا بيه، أني كُنت منبه علي ماچدة وجايل لها لا تدخلها عِندينا ولا تكلمها حتي في التلفون، وساعات كانت بترن وأني في البيت وماچدة تجفل السكة في وشها وتجولي إنها معتردش عليها واصل.
إبتسمت أحلام وتحدثت بنبرة تشكيكية:
_ وهو أنتَ غلبان أوي كده لدرجة إنك كُنت بتصدق أي حاجة تقولها لك ماجدة؟
وأكملت شارحة وهي تنظر إلي الظابط:
_ يا باشا ماجدة الله يرحمها كانت بتترعب منه، لأن المفتري ده كان بيمد إيده عليها ويضربها، ده كان حارمها من إنها تزور أهلها يا باشا، وماجدة كانت واحدة غلبانة وعاوزة تعيش.
وأسترسلت بإستفاضة:
_ علشان كده كانت مفهماه إنها مقاطعة الكُل زي ما هو عاوز، ومن وراه كانت بتعمل اللي علي كيفها كله.
وأكملت بإستشهاد:
_ ولو مش مصدقني ممكن تروح تسأل الجرسونات اللي في كافيه الإنسجام اللي في شارع محروس السمان، هيقولوا لك إن أنا وماجدة كنا بنروح نتعشي ونشيش هناك مرة كل أسبوع علي الأقل.
أخذ الضابط توقيعها علي أقوالها وأنصرفت، ثم تحدث قاسم بعدما إنتابهُ الشك من تلك المرتبكة وفضحتها عيناها الزائغة الغير ثابتة:
_ بعد إذن سعادتك يا باشا، أنا بطالب بأخذ موكلي لمكان الجريـ.ـمة وبطالب بمعاينة جميع محتويات الشقة.
بالفعل تحرك فريق التحقيق إلي مكان الجريـ.ـمة وتمت المعاينة، لاحظ قدري غياب المشغولات الذهبية جميعاً وبعضً من ثيابها الثمينة.
أعطت الشرطة مواصفات المصوغات ووزعتها علي أصحاب محلات الصاغة وذلك بعدما أبلغهم قدري بإسم الصائغ الذي كان يتعامل معهُ دائماً، وأعطي الصائغ مواصفات المشغولات بناءً علي تلك الفواتير التي كان قدري يقوم بالإحتفاظ بها داخل دُرج سري في خزانة ملابسه الخاصة به.
حولت القضية إلي النيابة العامة، وأخذ قدري أربعة أيام علي ذمة التحقيق، وذلك لعدم وجود أي كسر في الباب او أي عُنـ.ـف يدل علي الإقتحـ.ـام.
وتقدم قاسم ببلاغً يتهم فيه أحلام بقتـ.ـل ماجدة لغرض السرقة، وبالفعل تم القبض عليها بعد تفتيش منزلها و وجود بعض المشغولات الذهبية، وأيضاً العثور علي ثياب ماجدة المتغيبة التي ذكر قدري مواصفاتها.
لكنها بالفعل أنكرت وأدعت أن ماجدة هي من أهدتهم إياها.
في نفس اليوم تقدم أحد الصائغين بأنه وجد بعض المشغولات التي ذُكرت في النشرة الرسمية التي وزعتها الشرطة، وذكر بأن إمرأه في بداية عقدها الثالث هي من باعتها له.
وعند مواجهة الصائغ بأحلام في حضور قاسم تحدث الصائغ بتأكيد وهو ينظر إلي تلك المُرتعبة:
_ هي دي يا أفندم اللي چت وباعت لي الدهب.
وأكمل ليُخلص حالهُ:
_ ولما سألتها علي الفواتير، قالت لي إنها كانت متجوزة واحد من الخليج وكان بيجبهم لها هدايا من غير الفواتير، ولما طلقها ورجع بلده، إحتاجت فلوس وأضطرت تبيعهم.
صرخت أحلام وتحدثت بنبرة مُرتعبة:
_ حرام عليك، أنا ما عملتش حاجة، إنتَ بتفتري عليا ليه؟
تحدث إليها وكيل النائب العام بنبرة أحبطتها:
_ الإنكار مش هيفيدك يا أحلام، أحسن لك تعترفي بإرتكابك للجريمة لأن القضية إتقفلت خلاص وكل الأدلة ضدك.
صرخت وتحدثت بنبرة مُرتعبه:
_ أنا هقول علي كُل حاجة ياباشا، ما أنا مش هلبس الليلة لوحدي والقاتل الحقيقي يخرج منها زي الشعرة من العجين.
يُتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم روز امين
صرخت أحلام بنبرة مرعوبة:
_ أنا هقول على كل حاجة يا باشا، ما أنا مش هلبس الليلة لوحدي والقاتل الحقيقي يخرج منها زي الشعرة من العجين.
سألها الضابط متعجباً:
_ هو أنتِ ليكِ شريك يا أحلام؟
أجابته وهي تبكي بانهيار:
_ يا بيه أنا بت غلبانة، لا ليا في القتل ولا عمري فكرت فيه. أنا آه مش هنكر إن كنت بغير من ماجدة من بعد ما اتجوزت اللي اسمه قدري ده كمان، وده لأنه كان معيشها في هنا وستتها بعد الشقي والهم اللي شافته معايا. كان دايماً عيني على الذهب والهدوم الغالية اللي بيجيبها لها وكنت بتمناها لنفسي، بس إني أفكر أقتلها ورحمة أمي ما حصل.
أكملت بشرح وافٍ:
_ من فترة كده، ييجي من عشرين يوم مثلاً، جالي راجل وقال لي إنه عايزني في شغلانة هاكل من وراها الشهد. فرحت وقولت أخيراً الدنيا هتنصفني وهتديني حقي أنا كمان.
أكملت:
_ المهم لما سألته قالي إنه تبع راجل كبير أوي هنا في سوهاج، والراجل ده ليه تار عند عيلة قدري وعايزين ياخدوه منهم بس مش عاوزين يظهروا في الصورة. وقالي إنهم لما دوروا ورا العيلة كلها ما لقوش ولا غلطة غير جواز قدري من ماجدة.
أكملت بدموع ولهفة قائلة:
_ بس أنا وحياة النعمة ما كنت فاكرة إن الموضوع هيوصل للقتل يا بيه. المهم، الراجل ده اداني عشرين ألف جنيه ربط كلام، وطلب مني أقرب أوي من ماجدة وأسألها دايماً عن قدري، وأبلغه بكل تحركاتها.
من حوالي أسبوع ماجدة اتصلت بيا وكانت منهارة، وطلبت مني أجيب لها نجار وأخليه يشتري معاها كالون من الغالي للباب، لأنها اتخانقت مع قدري وخايفة منه وعايزة تغير الكالون.
ولما روحت لها لقيتها مرعوبة. المهم النجار غير لها الكالون ومشي، وهي قعدت معايا وحكت لي كل اللي حصل بينها وبين قدري.
أسترسلت وهي تبكي:
_ مشيت من عندها وأنا الفرحة مش سيعاني لسببين، أولهم إن أخيراً قدري هيرميها رمية الكلاب وهترجع تتمرمط في الشغل زيي من تاني، وتاني سبب إن الراجل كان واعدني إن كل خبر هقوله له هيديني عليه مبلغ معتبر.
كلمت الراجل ده وقابلته، اداني خمسين ألف جنيه، ما صدقتش عنيا لما شفتهم في إيديا. وبعدها لقيته بيطلب مني إني ألبس نقاب وأروح لماجدة شقتها.
***
عاد المشهد إلى ما قبل عشرة أيام.
دَق جرس الباب فتحركت ماجدة إلى الباب، تنظر من العين السحرية للكشف عن هوية الطارق قبل أن تفتح له خشيةً من أن يكون الطارق قدري. وجدت أمامها امرأة منتقبة وملتزمة بزيها الإسلامي الفضفاض. ارتعب داخلها واستغربت، فسألت من خلف الباب قائلة:
_ مين اللي برة؟
كشفت أحلام عن وجهها برفع النقاب وتحدثت بنبرة هادئة لطمأنت صديقتها:
_ أنا أحلام يا ماجدة افتحي.
استدعى تصرف ماجدة استغراب صديقتها وفتحت لها الباب الموصد بالمفتاح وعدة ترابيس، وتحدثت باستغراب:
_ وعاملة في نفسك كده ليه يا منيلة؟
أكملت بنبرة تهكمية ساخرة:
_ ولا يكونش ربنا تاب عليك وبطلتي شغل التلات ورقات بتاعك!
استدعى تهكم ماجدة غضب أحلام لكنها تمالكت من حالها وهي تدلف إلى الداخل وتتحرك لتجلس على الأريكة بجسد مرهق:
_ لا وانتِ الصادقة، متخفية من اللي ما يتسمي صلاح النمس، قارفني في الرايحة والجاية من وقت ما نهيت معاه اللي بينا وقلت له إننا ما ننفعش نتجوز.
استغربت ماجدة جلوس أحلام بثيابها السوداء ونقابها المرفوع وتساءلت بتعجب:
_ هو أنتِ هتفضلي قاعدة لي باللبس ده؟
أجابتها أحلام بنبرة مرتبكة:
_ أصل أنا مش هطول في القاعدة كتير، شوية كده وهنزل على طول. أنا بس قولت أجي آكل معاكي لقمة بسرعة كده وأونسك، وأنزل علشان عندي مصلحة شغل هقضيها.
نظرت لها ماجدة وتحدثت وهي تلتقط هاتفها المحمول من جوارها:
_ طب استني أما أكلم البواب يجيب لنا فراخ مشوية من تحت.
أشارت أحلام بيدها سريعاً لإيقافها:
_ ما تكلميش حد، أنا طلبت الأكل دليفري وأنا جاية، وزمانه على وصول.
نظرت لها ماجدة بتعجب من أمرها وتحدثت متهكمة:
_ مالك يا أحلام، انتِ عيانة ولا إيه يا بت، دي أول مرة من يوم ما عرفتك تعزميني!
ضحكت أحلام وهتفت ساخرة:
_ وشكلها هتبقى الآخيرة وحياتك.
أردفت ماجدة قائلة:
_ طب اقلعي الجوانتي اللي لابساه في إيدك ده وقومي اغسليها علشان تعرفي تاكلي.
ارتبكت بجلستها عندما استمعت إلى صوت بهاتفها يوحي باستقبال رسالة نصية. قرأتها وعلمت أن الشخص المنتظر قد أتى.
فتحدثت بارتباك:
_ هقلعه لما أفتح للدليفري وأحاسبه.
استمعت إلى صوت الجرس فتحدثت إلى ماجدة بارتياب:
_ أهو الأكل وصل، قومي بقا هاتي لنا كام طبق على معلقتين وكوبايتين علشان ناكل فيهم.
أومأت لها ماجدة ودلفت إلى المطبخ وهرولت أحلام تفتح الباب للرجل المتخفي في زي عامل دليفري ويرتدي قفازات بيداه.
أشارت له على باب المطبخ بدون حديث. تحرك الرجل سريعاً إلى الداخل. وجد ماجدة مولية ظهرها إلى الباب وتمسك بيدها باب المطبخ لتجلب منه الصحون.
وقف خلفها وكمم فمها سريعاً وبسرعة البرق قام بذبح عنقها، ثم قام بطعنها عدة طعنات في موضع الكُلى مما أدى إلى وفاتها بالحال وارتماء جسدها على الأرض جثة هامدة.
جرت أحلام على غرفة النوم وفتحت الخزانة وأخذت منها كل المشغولات الذهبية وانتقت بعض قطع الثياب التي كانت تروق لها، ثم وضعتهم داخل حقيبة وتحركت بصحبة الرجل تاركين ماجدة جثة هامدة غارقة وسط دمائها دون أية بصمات أو عنف يدل على دخول أحد غريب داخل الشقة، وبهذا يكون المتهم الأوحد هو قدري.
***
عودة إلى الحاضر.
كانت أحلام تقص ما حدث على مسامع وكيل النائب العام بحضور قاسم الذي تحدث باتهام:
_ أنا بتهم كمال أبو الحسن بأنه وراء ارتكاب الجريمة وتلفيقها لموكلي يا أفندم.
بالفعل تقدم قاسم ببلاغ ضد كمال أبو الحسن، وبعد التحريات وتعرف أحلام على الرجل الذي أظهرت التحقيقات أنه ابن عم كمال وكان يساعده لأخذ ثأر ولده الذي قُتل بسبب عائلة النعماني، وذلك لعدم استطاعة كمال لأخذ الثأر بيده نظراً لوجوده داخل السجن.
طالب قاسم بالإفراج الفوري عن والده وبدون أية ضمانات وذلك لثبوت التهمة على أحلام وشريكها بتحريض من كمال أبو الحسن التي أضيفت جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد إلى جرائمه العديدة والتي بالـتأكيد سينال حكماً بالإعدام عليها.
خرج قدري من النيابة بقلب حزين مهموم، وجلس بغرفة في الطابق السفلي معتزلاً الجميع حيث أصيب بحالة من الاكتئاب الحاد بعدما حدث له وفضيحة عائلته على يده. وأيضاً كانت فايقة سببًا مباشرًا في عزلته، وذلك لغضبها الشديد منه، حيث أنها وصل بها الأمر إلى عدم نزولها من أعلى وعدم استقباله عند خروجه من الحجز، وذلك ما أصابه بالإحباط.
***
بعد مرور يومان على خروج قدري وبرائته من قضية قتل ماجدة.
كانت تقف داخل غرفة الكشف أمام إحدى الأسرة، تتابع فحص أحد الأطفال التي يتمسك بيد والدته. استمعت إلى طرقات سريعة فوق الباب.
انتفض جسدها رعبًا عندما فوجئت بالباب يفتح بطريقة عنيفة وتظهر أمامها الممرضة التي تحدثت إليها بهلع:
_ إلحقيني يا دكتورة، فيه حادثة قطر واقفة جوي قصاد النجعة ورجالة البلد لحقوا المصابين ونقلوهم اهني ومحتاجينك برة ضروري.
نظرت إلى والدة الطفل وحالها البالي وجرت إلى مكتبها وتحدثت على عُجالة وهي تكتب إليها:
_ ابنك عنده التهاب شديد في اللوز، عطي الروشتة دي للدكتور الواقف في الصيدلية برة وجولي له إنك تبعي، وهو هيصرف لك الدوا كله من غير فلوس.
وتركتها وجرت مسرعة إلى الخارج، وجدت يزن أمامها يحمل طفلاً ويسرع به داخل الرواق ليصله إلى إحدى الغرف وتحدث إليها بنبرة صارمة وهو يرعب لأجلها:
_ ما تجريش للعيل يجري له حاجة يا صفا.
أكمل على عجالة:
_ شوفي دكتور ياسر والدكتورة أمل فينهم وبلغيهم بسرعة.
هتفت صفا إلى الممرضة رقية على عجالة:
_ خلي صادق يجمع كل الممرضات والدكاترة اللي في النجعة لجل ما يساعدونا، وجهزي لي انتِ ونرجس كل السراير واتأكدي إن الأجهزة شغالة زين.
ثم أشارت بيدها إلى إحدى الغرف إلى الرجال وهم يحملون المرضى بين سواعدهم كي ينقذوا أرواحهم:
_ دخلوهم في الأوضة دي بسرعة يا رجالة.
وجدت أمل وياسر يأتون مهرولين إليها وتحدثت صفا إلى أمل على عجالة:
_ جهزي لي غرفة الإنعاش حالاً يا دكتورة عشان نستقبل فيها الحالات الحرجة، وإنتَ يا دكتور ياسر، افحص المرضى وشوف الحالات الحرجة لجل ما نـ.ـنقلهم بسرعة.
وأشارت بيدها إلى الممرض الواقف:
_ خرّج تروللي برة لجل ما يحطوا عليها المصابين ليكون حد مأذي في عظامه ولا عموده الفقري ويتأذى أكتر.
وجرت إلى إحدى الغرف سريعاً وبدأت بفحص المرضى وتقديم الرعاية اللازمة لهم.
حالة من الهرج والمرج أصابت المستشفى الصغير الذي استقبل أكثر من ثلاثمائة مصاب، ما بين جريح بجروح طفيفة وبين حالات حرجة احتجزت داخل العناية المشددة وما بين حالات متوسطة وكسور بالعظام.
تحدثت صفا إلى أمل الواقفة بثبات:
_ فيه حالات جروح في الاستقبال محتاجة لخياطة يا دكتورة، من فضلك تاخديهم على أوضتك وتعملي لهم اللازم.
أومأت لها أمل بطاعة، وكادت أن تتحرك أوقفها يزن الذي سألها مستفسراً باستغراب:
_ هتخيطي لهم الجروح كيف يعني!
أكمل برسمية حيث أنه قرر معاملتها رسمياً وبمنتهى الرسمية ليعاقبها على رفضها لإتمام زواجهم والتخلي عن شرطها العنيد:
_ مش حضرتك المفروض دكتورة أمراض نسا!
نظرت إليه والحزن ملء عيناها جراء معاملته الجافة معها وتحدثت إليه بصوت ضعيف:
_ وحضرتك ناسي إني بعمل عمليات قيصرية، يعني عمليات جراحية وبقوم بخياطة الجروح بمنتهى الدقة.
أومأ لها بلا مبالاة ثم هرول إلى الخارج لمساعدة طاقم التمريض في جلب المزيد من المصابين من الخارج لتقديم المساعدة الطبية لهم.
بعد حوالي النصف ساعة كانت المستشفى تجـ.ـمع بأهالي النجعة الكرام الذين أتوا لتقديم المساعدة بكل صورها وبشتى أنواعها، فمنهم من تطوع لحمل المرضى ونقلهم إلى الغرف بمساعدة طاقم التمريض، ومنهم من تبرع بالدماء بعد فحوصات لتأمين عملية النقل إلى المريض.
الجميع أثبت حقًا أن أهل الصعيد هم أهل مروءة وإنسانية كعادتهم.
خرجت صفا سريعًا من غرفة الفحص وتحدثت إلى يزن:
_ باشمهندس يزن، اتصل حالاً بمستشفى سوهاج المركزي لجل ما تبعث لنا عربيتين إسعاف مجهزين، قول لهم عنديـ.ـنا تلات حالات حرجة وللأسف مالهمش مكان هنا ولازم ننقلهم حالاً للعناية.
أكملت بتأكيد:
_ قول لهم يتحركوا بأقصى سرعتهم عشان لو لا قدر الله اتأخروا ممكن يفقدوا حياتهم.
أومأ لها بموافقة وتحدث وهو يسرع إلى الاستقبال:
_ حالاً يا دكتورة.
حالة من الرعب والهلع أصابت الجميع أثر تلك الفاجعة وهم يرون كل هؤلاء البشر بإصاباتهم المختلفة وهم يتألمون أمامهم، ولكن بفضل الله وجهود تلك القرية الصغيرة التي كانت مثالاً يحتذى به أمام الجميع استطاعت صفا وزملائها اجتياح تلك المحنة بجدارة.
كانت تخرج من إحدى الغرف كي تدلف لأخرى لمتابعة الحالات.
وجدت والدها يدلف إلى المستشفى على عجالة وهو يتفحصها بشمول من قمة رأسها إلى أخمص قدميها. اقترب عليه وتحدث وهو يمسك بكفيها برعاية واطمئنان:
_ انتِ زينة يا صفا؟
أجابته سريعًا كي تطمئن هلعه الظاهر بعينيه:
_ أني زينة يا أبوي، متقلقش عليّ يا حبيبي.
أومأ لها وتحدث بهدوء:
_ ريحي حالك شوية لجل اللي في بطنك ما يموتش.
_ إزاي يا بت؟
نظرت إليه بتألم وتحدثت بضمير مهني:
_ مينفعش أشوف الناس تعبانة ومحتاجة لي وأقف أتفرج عليهم من بعيد لجل ما أريح حالي يا أبوي.
ثم ضغطت على مسكة يده لتطمئن هلعه وهتفت:
_ متقلقش عليا يا حبيبي، أكيد مش هسيب حالي لحد ما أقع من طولي يعني. روح انتَ شوف مصالحك وأني هبقى تمام إن شاء الله.
أكملت برجاء:
_ بس بعد إذنك يا أبوي، ياريت تخلي أمي وصابحة يعملوا شوربة سخنة وكام فرخة أكده لجل المصابين لإن معظمهم مسافرين من أسوان للقاهرة وأكيد أهلهم يا إما من أسوان يا من القاهرة وفي الحالتين مش هيعرفوا يجوا دلوقتي واصل.
أومأ لها وأردف قائلاً:
_ متعتلش هم الموضوع ده. أني هكلم أمك في التليفون وهكلم كمان جدك عثمان وإن شاء الله ماحدش هيحتاج لحاجة.
أكمل شارحًا:
_ بس أني مينفعش أسيب اهني، ناسـ.ـي إني جيت عضو مجلس شعب إياك ولازم أبلغ المركز بالحادثة وأقف ويا الناس.
واسترسل شارحًا:
_ ده غير إن ضميري مش هيسمحلي أروح وأفوت الناس المصابة دي كلها، حتى لو مكنتش نايب في البرلمان، فانا إنسان يا بت.
نظرت إلى والدها بنظرات ممزوجة بالحنان والفخر والتباهي، لهذا الأب بدرجة الإنسان، حقًا هي فخورة به وكثيرًا.
بعد مرور عدة ساعات هدأ الوضع قليلاً، خرجت صفا إلى رواق المستشفى وجلست بإرهاق شديد ظهر على وجهها وهي تستند على المقعد بساعدها لتجلس بهدوء خشية أذية صغيرها. تحرك إليها يزن وبسط يده وأعطاها عبوة عصير مغلفة وتحرك إلى الداخل إلى أمل ليعطيها عبوة عصير كي تمدها بالطاقة، فبرغم حزنه الذي أصاب قلبه منها إلا أنه ما زال يعتبرها مسؤولة منه ويرعب عليها.
بدأت بارتشاف العصير، ثم وجدت من يأتي إليها وبيده مايك، ويبدو على وجهه أنه مراسل لإحدى القنوات التلفزيونية الشهيرة.
تحدث إليها باستفسار وهو يسجل معها مباشر على الهواء:
_ مساء الخير يا دكتورة، ممكن نطمن منيكي على حالات المصابين؟
أشارت بيدها رافضة التصوير وتحدثت بقوة:
_ ممنوع التصوير لو سمحت، الوضع لا يحتمل لعبكم بمشاعر الناس ومتاجرتكم بآلامهم ومصايبهم. مشايفش بعينك المصيبة اللي إحنا فيها إياك.
تحدث إليها المذيع متفهمًا الأمر:
_ حاشا لله يا دكتورة، أنا مش جاي آخد سبق صحفي ولا أتاجر بمشاعر الناس زي ما حضرتك فهمتي.
وأكمل مفسرًا وهو يصور مباشر:
_ المصابين معظمهم من القاهرة وأهلهم سمعوا عن الحادثة من المواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي، وأكيد معظمهم في الطريق جايين لذويهم، وأكيد كمان حالتهم صعبة جداً وعايزين أي خبر يطمئنهم عن حالة أهلهم الصحية.
أومأت له بتفهم وتحدثت بهدوء وثبات انفعالي تُحسد عليه:
_ أحب أطمن كل الأهالي وأقول لهم متقلقوش، ولادكم وأهاليكم بخير وفي إيد أمينة، البلد كلها اهني واتبرعوا لولادكم بالدم، وأحب أطمنكم وأقول لكم إحنا أهاليهم لحد ما توصلوا بالسلامة.
سألها المذيع باستفهام:
_ هي المستشفى دي حكومي ولا خاصة يا دكتورة؟
أجابته بنبرة هادئة:
_ المستشفى بناها جدي عثمان النعماني هدية لأهل بلده ولأهل المركز كله، وكمان الحاج زيدان عثمان النعماني نائب مجلس الشعب متبرع بصيدلية خارج المستشفى، والصيادلة اللي موجودين فيها بيصرفوا الدوا للمرضى بالمجان.
تحدث المذيع إليها باستحسان:
_ ربنا يزيدهم من فضله، حاجة جميلة إن الناس تستخدم فلوسهم في خدمة الناس الغلابة، ياريت كل الناس تعمل كده مكانش هيبقى فيه حد محتاج ولا هيبقى فيه عوز واصل.
أردفت قائلة بنبرة جادة:
_ محدش مجامل الناس بحاجة، كله مال الله وراح لأهل الله.
أكملت بيقين:
_ ربنا مش محتاج منا حاجة، إحنا اللي محتاجين لرضاه علينا، ومحتاجين لكل عمل يقربنا منه لجل مانوصل لبر الأمان وياه.
أردف قائلاً بهدوء وهو ينظر إليها بإعجاب واستحسان:
_ عندكِ حق يا دكتورة.
أتت الشرطة واطمأنت على المصابين وأخذت أقوالهم في الحادثة، وحضر جميع أهالي المصابين إلى النجعة واطمأنوا على ذويهم، خرجت معظم الحالات المستقرة وأصحاب الإصابات الطفيفة وراحوا عن النجعة شاكرين لأهله الكرام وحاملين ذكرى عطرة ستبقى في أذهانهم، وظل أهالي الحالات الحرجة في ضيافة وكرم نجع النعمانية.
***
ليلاً.
داخل سرايا النعماني.
كانت جميع العائلة مجتمعة عدا صفا ويزن اللذان مكثا داخل المستشفى ليتابعا الحالات ويقوما على رعايتهم وتقديم الخدمة الصحية لهم.
كانوا جالسين وهم يشاهدون وينظرون بتمعن على شاشة التلفاز بفخر واعتزاز وهم يرون برامج التوك شو والقنوات الإخبارية جمعاء، تتناقل فيما بينهم الخبر الأبرز على الساحة، حادثة القطار بالتأكيد، ويشيدون بشهامة ومروءة أهل الصعيد ككل، وبنجع النعماني خاصةً.
وذلك بعدما حدث اليوم ونقلته الكاميرات التي كانت عين شاهد على الترابط والتكافل المجتمعي والوقوف كأيدٍ واحدة لمواجهة تلك الفاجعة الكبرى.
استمع عثمان إلى الفيديو الخاص بصفا وحديثها المنمق الذي يدعو إلى التفاخر، كادت عيناه أن تزرف دموعها الحنون حين استمع إلى حديثها وهي تشيد بجدها في بنائه للمستشفى الخيري.
تنهد بأسى وتحدث وهو ينظر إلى زيدان بعيون أسفة نادمة وكأنه يعتذر له عن كل ما مضى:
_ البنت اللي قطعت ولدي بسببها سنين وجلت له يتجوز على أمها الأصيلة لجل ما يجيب لي الولد اللي يخلد اسمه واسم عيلتي، هي اللي رفعت راسي وشرفتني قدام الدنيا كلها، خلدت اسمي وربطته في عقول الناس بعمل الخير والمروءة.
أكمل بأسى وهو ينظر أرضًا دلالة على شدة خجله من حالة قاصدًا بحديثه واقعة قضية قدري:
_ في الوقت اللي رجالتى ركبوني فيه العار وخلوني لأول مرة أطاطي راسي قدام الخلق كلها، تيجي هي وترفعها لي من جديد.
أكمل متباهيًا بها تحت استشاطة ليلي وغليان قلبها الأسود:
_ كيف ما تكون بحديتها دي تطبطب على قلبي وتجولي ارفع راسك يا جدي، إنتَ عثمان النعماني، متليقش بيك المهانة وكسرة النفس.
تنهد الجميع بأسى وشعر عثمان حينها أنه أضاع عمره هباءً في الحفاظ على عادات وأفكار ما أنزل الله بها من سلطان، بل خلقها البشر بأيديهم كي يصنعوا منها أدوات لتدمير أنفسهم وعدم الحصول على الراحة أو العيش بهناء.
***
بعد مرور يومان على الحادثة.
بعد الغروب داخل حديقة النعماني.
وصل ذلك العاشق إلى نجع النعماني يتطلع لرؤيا متيمته كي يشبع روحه وقلبه الملتاع من شدة الاشتياق، فحقًا اشتاق رؤياها حد الجنون، أتى على أمل النظر إلى مقلتيها الفيروزية كي يشبع روحه المشتاقة.
دلف من البوابة الحديدية بسيارته الخاصة، وجدها تجلس فوق مقعد وسط الحديقة كشمس صيف ساطعة فرضت أشعتها على كل ما حولها فأنارتة وجملته وأعطت له رونقًا خاصًا. لم تكتمل سعادته حين تفاجأ بجلوسها بجانب ذاك اليزن المجاور لها وأمامهما بعض الأوراق اللذان يتابعانها بجدية.
اشعل جسده وتملكت منه نار الغيرة التي باتت تشعل بداخله بالكامل وتؤلمه، نعم تصالحا هو ويزن وتسامحا، لكنها حبيبته، معشوقة عيناه الذي يتمزق من شدة الغيرة عليها حتى من أبيها.
كظم غيظه بداخله كي لا يظهر عليه ويفقده الكثير من هدر كرامته مجددًا على يدها. صف سيارته وتحرك إلى تلك التي انتفض داخلها وبات قلبها يتراقص ويتغنى عندما هل بدرها الغائب عن سمائه.
وقف قبالتهما وتحدث بجمود:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ردوا عليه السلام ووقف يزن احترامًا لحضوره واحتضنه بأخوة، بادله إياه قاسم بحب واحترام رغم غيرته الشديدة منه.
ثم نظر إليها وتحدث بملامح وجه جامدة:
_ كيفك يا دكتورة؟
أجابته بنبرة صوت ضعيفة تدل على هيامها:
_ الحمد لله.
ابتلع لعابه وغصة مُرة تملكت من قلبه، وهو ينظر إلى بطنها المنتفخ جراء وصولها على مشارف شهرها السادس. تظاهر بالتماسك وتحدث متسائلاً:
_ الولد زين؟
أومأت له بعينيها لتطمئنَهُ وأكمل هو مبررًا:
_ قلقت عليكم يوم الحادثة لما شفت الأخبار وكنت عاوز أنزل لجل ما أطمن عليكم، بس ظروف شغلي ما سمحتش.
هزت رأسها دون إجابة حين تحدث يزن قائلاً:
_ الحمد لله يا قاسم عدت على خير، ده كان يوم الله لا يعيده إلا بالخير.
أومأ قاسم ثم تحدث وهو ينصرف ليدلف لداخل السرايا:
_ الحمد لله.
قال كلماته وتحرك سريعًا إلى الداخل تحت حزن قلب تلك العاشقة لعدم اهتمامه بها الواضح، وكأنها أصبحت لا تعني له شيئًا على الإطلاق.
صعد إلى الأعلى بعدما تبادل السلام مع الجميع واطمأن على والده الذي بدأ يخرج من حالة الاكتئاب التي أصابته. دلف إلى داخل غرفة نومه، خلع عنه ثيابه وألقاها أرضًا بغضب وغيظ وغيرة، دلف إلى داخل المرحاض ووقف تحت صنبور الماء البارد كي يطفئ نار قلبه الشاعلة التي هبت بكامل جسده حينما رآها تجلس بصحبة يزن. ظل يغمر جسده تحت الماء عله يهدئ من اشتعال روحه التي وصلت للمنتهى.
ليلاً، كان يقف بشرفة غرفته يتحدث من خلال الهاتف إلى إحدى موكليه، كان يتحدث بنبرة هادئة. وجد من تخرج إلى شرفتها سريعًا بعدما استمعت إلى صوت معشوقها.
وقفت تتطلع حولها وكأنها تستطلع السماء وتستنشق الهواء النقي. كادت أن تصاب بالجنون عندما وجدت منه المبالاة وعدم التقدير لخروجها ولو حتى بنظرة واحدة.
تعمد ذلك التجاهل كي يشعل روحها ويجبرها على الاستسلام والخضوع إلى قلبها ونداءاته وترتمي داخل أحضانه حين يستدعيها هو.
أنهى مكالمته ودلف إلى الداخل دون أن يعيرها أي اهتمام وكأنها سراب. أشعل داخلها بالغضب وانتفضت. دلفت إلى غرفتها وجلست على تختها وكذلك هو، بات كلاهما ينتفض بجسد يشتعل نارًا من شدة الاشتياق والغضب والغيرة على حبيبه، لا يفصلهما على بعضهما سوى بضعة أمتار، ولكنه الكبرياء لعنة الله عليه.
***
بعد مرور أسبوع على حادثة تصادم القطار.
دلف دكتور وائل بسيارته الفارهة إلى مدخل مستشفى الصفا. ترجل منها تحت استغراب كل من يزن الذي كان يقف داخل الحديقة بصحبة العمال المسؤولين عن عملية صيانة الكهرباء والإنارة بالمستشفى والذين كانوا يقومون بالكشف الدوري الشهري.
تحرك وائل بأناقته وجاذبيته الملفتة للنظر وتحدث إلى الجمع:
_ لو سمحتم، مش دي المستشفى اللي شغالة فيها دكتورة أمل عبدالحميد؟
قطب يزن جبينه ورمقه بنظرة استغراب وتساءل مستفسرًا:
_ إنتَ مين، وعايز الدكتورة أمل في إيه؟
ضيق وائل بين حاجبيه باستغراب لحدة ذلك المتداخل، وأجابه بنبرة هادئة:
_ أنا دكتور زميلها وجاي لها من القاهرة، ومحتاج أقابلها ضروري.
كاد أن يتحدث لولا أن سبقه ذلك المتداخل المدعو بـ سلامة، الموظف المسؤول عن الاستقبال قائلاً بترحاب وهو يشير إليه ويدعوه إلى الدخول:
_ اتفضل وياي يا باشا وأني هدلك على مكتب الدكتورة.
تحرك وائل بصحبة سلامة إلى الداخل تحت احتراق كيان يزن واشتعال النار بقلبه العاشق وتوعده للفتك بسلامة حين تحن إليه الفرصة.
وقف بـجسد ينتفض غضبًا ما بين نارين، نار الغيرة التي تنهش بداخله على امرأته ويريد الدخول الفوري إليها ليرى ويعرف من ذلك الغريب، ونار كبريائه وكرامة الرجل التي أُهينت على يد تلك الحبيبة وتمنعه التدخل.
شعور غريب تملكه بأن ذلك الرجل هو زميلها الذي تخلى عنها وغدر بها، نار شاعلة لم يستطع إخمادها.
في الداخل، استمعت تلك القابعة خلف مقعدها إلى بعض الطرقات، سمحت للطارق بالدخول، دلف سلامة قائلاً بابتسامته السمجة:
_ فيه ضيف جاي لك من مصر وطالب يجابل حضرتك يا دكتورة.
قطبت جبينها وترقبت الدخول، اتسعت عيناها وانتفض قلبها غضبًا عندما رأت ذلك الحقير بائع الود والعهد، وائل الذي أتى لها بعدما علم مكان إقامتها من القنوات التلفزيونية والصحف الإلكترونية التي إذاعت خبر الحادثة. أتى إليها وكله حنين واشتياق إلى الماضي الجميل، أتى على أمل أن توافق على الرجوع إليه من جديد ويهرول عائدًا إلى القاهرة كي يطلق ريماس ليتزوج من أمل مثلما كانا اتفاقهم بالماضي، وكأنه يبدل أحذيته وليست زوجات بعقد مقدس من الله.
كانت تستمع إليه بملامح وجه مبهمة وهو يشرح لها كم معاناته في ابتعادها عنه، وكم أنه أساء الاختيار وندم عندما فضل المظهر عن الجوهر. بات يتحدث ويعتذر دون الاستماع لكلمة واحدة منها تعبر عن ما بداخلها، كانت تنظر إليه وتستمع بهدوء وملامح مبهمة غير مفسرة.
استمعت إلى طرقات خفيفة وبعدها فُتح الباب دون انتظار الرد بالسماح، وجدت أمامها ذلك العاشق بعينيه المشتعلتان بنار غيرة العشق. لم تدري لما أصاب قلبها رعشة عنيفة وشعور بالراحة والاطمئنان وكأنها وجدت أمانها وحصنها المنيع.
تحدث ذلك العاشق بعدما قرر التخلي عن كبريائه أمام جنون الحب ولتذهب الكرامة أمام عشقه الهائل إلى الجحيم، هتف متسائلاً بنبرة صارمة:
_ ممكن أعرف مين الأستاذ وجاي ليه؟
نظر له وائل مستغربًا غضب ذلك الرجل، في حين تحدثت أمل إليه بنبرة باردة:
_ ده دكتور كنت شغالة معاه زمان.
ثم وقفت وتحركت إلى يزن وبدون مقدمات احتضنت كف يده برعاية وحنان ونظرت إلى وائل بقوة وشموخ وتحدثت:
_ أحب أعرفك بالباشمهندس يزن النعماني.
ثم حولت بصرها إلى يزن وتحدثت بابتسامة حانية وفخر ظهر على ملامحها:
_ خطيبي.
اتسعت عينا يزن وانتفض قلبه وبات يتراقص على أنغام كلماتها التي تخطت بروعتها أعظم السمفونيات العازفة.
اشعل وائل وتساءل مصدومًا:
_ خطيبك؟
أجابه ذلك الذي احتضن كفها برعاية وتملك لرجل عاشق حتى النخاع:
_ إيوة خطيبها، والفرح بعد شهر واحد من دلوقتي.
ثم نظر لعيناها وتحدث بنبرة عاشقة وعيناه هائمة أحـ.ـرقت قلب وائل من الغيرة، وأشعلت قلب أمل بعشق حبيبها:
_ مش كده يا حبيبتي؟
ابتسمت بسعادة هائلة وأجابته بموافقة وعيناها تنطق عشقًا واحتياجًا:
_ أيوه يا يزن.
بات صدره يعلو ويهبط من شدة سعادته والشعور بالاحتياج. احتضنت الأرواح وتعانقت الأعين باشتياق جارف، وقالت العيون ما لم يقله حديث، كل هذه المشاعر الهائلة ظهرت تحت احتراق روح وائل الذي تأكد بأنه افتقد فرصة الرجوع وخسارته لحبيبته وإلى الأبد.
فاق يزن من حالة العشق العنيف الذي أصابه واقتحم كيانه بالكامل. حول بصره على ذلك الجالس ينظر عليهما والألم والحسرة تملآن قلبه وتظهران بعينيه وتحدث بنبرة صارمة شبه طاردًا له:
_ شرفت يا دكتور، وياريت الزيارة دي ما تتكررش تاني.
أكمل مهددًا:
_ وإلا رد فعلي هيكون عنيف ومع هيعجبك واصل.
عيّن وائل على حاله وتحامل ووقف ثم تحرك إلى وقفتهما وتحدث بنبرة منكسرة إلى أمل:
_ مبروك يا دكتورة.
قال كلماته وانسحب سريعًا وأغلق خلفه الباب. نظر لها متلهفًا ليستشف من عينيها إذا كان ما تفوهت به منذ قليل تقصده حقًا، أم أنها تفوهت به كناية في ذلك الوائل ليس إلا.
فنطقت تلك العاشقة التي رأت حيرته داخل عينيها وهي تشد من ضمه يدها ليده:
_ بحبك وما أقدرش أستغنى عنك، وهتجوزك تحت أي ظروف وغصب عن أي حد.
اتسعت عيناه وشعر وكأن روحه حلقت في السماء وباتت تتراقص من شدة سعادته، وهتف بنبرة شديدة السعادة:
_ وأني أعشقك وأعشق الهوا اللي هتتنفسيه يا أمل.
أكمل مبتسمًا باعتراف:
_ ويكون في علمك، أني كنت عارف إن جلبك هيلين ويرجع ويحن لحبيبه، مهو مش معقول جلبي يعشقك جوي كده وانتِ تفوتيه ينكوي بنارك.
وأكمل ضاحكًا:
_ وعشان كده موجفتش بني البيت اللي هيجوا مملكتك يا ست البنات.
نظرت لداخل عيناه وتحدثت بعينين شبه دامعتين:
_ بحبك يا يزن، بحبك أوي.
كان يشعر وكأنه امتلك العالم أجمع. نظرت إليه بترقب ثم أردفت قائلة بنبرة مترددة:
_ يزن، ليلي جت لي هنا وهددتني.
جحظت عيناه واتسعت وتساءل متلهفًا:
_ هددتك كيف يعني؟
وبات ينظر عليها ويتطلع بذعر وتساءل:
_ عملت لك حاجة؟ أذتك يا أمل، انطقي.
أشارت سريعًا إليه بيديها لطمأنته بعدما رأت ملامحه المذعورة:
_ أنا كويسة يا يزن أرجوك ما تقلقش.
وأكملت بنبرة حرجة:
_ أنا مكنتش ناوية أقول لك، بس بصراحة بنت عمك دي شكلها شرانية ومش سهلة. أكتر حاجة قلقتني إن تهديدها ليا حسّيته أوي، يعني حسيت إنها ممكن فعلاً تنفذ تهديدها وتعمل أي حاجة.
سألها متلهفًا:
_ هددتك بإيه يعني، جولي يا أمل.
هزت رأسها بلا مبالاة وتحدثت:
_ مش مهم التفاصيل، صدقني أنا مكنتش هقول لك علشان ده مش طبعي، بس اللي شجعني أعرفك هو إني شفت الرعب في عيونها لما قولت لها إنها لو ما خرجتش من المستشفى حالاً هتصل بيك وأخليك تيجي تاخدها بنفسك. وكمان تهديدها الصريح ليا إني لو عرفتك إنها جت هنا واتكلمت معايا خلاني أتأكد إنها فعلاً خايفة منك.
قالت كلماتها وتحدثت برجاء:
_ من فضلك يا يزن، ياريت تتكلم معاها بهدوء وتفهمها إن اللي عملته ده لا يليق بيها ولا بمكانة عيلتها.
هتف مطمئنًا إياها برجولة وحماية:
_ اطمني يا حبيبتي، مايزعلكيش طول ما أني جنبك، وليلي أنا هعرف أوقفها عند حدها.
أرادت أن تخرجه من حالة الحزن التي أصابته جراء ما فعلته ابنة عمه لحبيبته فتحدثت بنبرة حنون أثارت جنونه وأشعلته:
_ أخاف إزاي وانتَ راجلي يا يزن؟
وسألته بدلال جديد على شخصيتها الجادة:
_ مش انتَ قولت لي إنك راجلي وأماني؟
جن جنونه وبات قلبه يدق بوتيرة عالية كطبول الحرب، أجابها بعيون تصرخ عشقًا:
_ إيوة أني راجلك وأمانك وحمايتك يا أمل، وإنتِ مراتي الحلوة اللي هتنسيني جوه حضنك مر الأيام، هكون لك الراجل والسند والحماية، وهتكوني لي الكتف الحنين اللي علاجي فيه راحتي.
ابتسمت بسعادة فتحدث هو بعيون هائمة تقطر غرامًا:
_ أعشقك يا أملي.
يتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم روز امين
عاد وائل إلى القاهرة يجر بأذيال خيبة أمله الكبرى. شعر بأنه خسر الكثير من الاحترام لذاته بتلك الزيجة الملعونة. قرر أن يقوم بتطليق ريماس ليبتعد عن تلك العائلة ويحاول أن يبدأ حياة جديدة.
لكنه بمجرد وصوله إلى منزله ليفاتحها بأمر الطلاق، وجد والدته ووالده بانتظاره وبوادر السعادة ترتسم فوق وجوههم. نظر إلى ريماس التي تجاور والدتها بإرهاق يظهر فوق ملامح وجهها.
جرت عليه والدته وهتفت قائلة وهي تحتضنه بسعادة هائلة:
"مبروك يا حبيبي، أخيراً سمعت الخبر اللي ياما حلمت بيه واستنيته."
قطب جبينه باستغراب وتساءل مستفسراً:
"خبر إيه ده يا ماما اللي جايب حضرتك وبابا تستنوني هنا والفرحة مش سيعاكم بالشكل ده؟"
أجابته إلهام والدة ريماس بسعادة بالغة:
"ألف مبروك يا دكتور، هتبقا بابي."
انصدم داخله وشعر بعالمه ينهار من تحت قدميه. ماذا عليه أن يفعل وهو الذي انتوى الابتعاد؟ لكن يبدو أن للقدر معه رأي آخر.
اقترب منه والده واحتضنه بشدة وربت على ظهره مهنئًا إياه. نظر إلى تلك ريماس وجدها تنظر إليه بسعادة بالغة وكأنها قامت للتو بفتح عكة. شعر بالمهانة عندما لم يجد أمامه سوى الرضوخ والاستسلام للأمر الواقع، وذلك لعلمه الشديد بعدم موافقة والديه لفكرة الطلاق نهائيًا في وجود طفل يتمناه كلاهما لـ وحيديهما.
أما عدنان، فقد شكر ربه على عدم مشاهدة كوثر وإيناس لحادثة القطار التي ظهرت بها صفا. وذلك لوجود كوثر داخل المشفى حيث أجرت عملية استئصال الزائدة الدودية ورافقتها إيناس لمدة خمسة أيام. لم يشاهدوا خلالها التلفاز ولا حتى مواقع التواصل الاجتماعي على هواتفهم الذكية، ويرجع ذلك إلى دخول كوثر في حالة حرجة بعد إجرائها العملية. وبعد تحسن حالتها وخروج كلتيهما من المشفى، كان الموضوع قد هدأ كثيرًا واختفى من الساحة وظهر موضوع بديل لتتناوله المواقع كما جرت العادة.
***
ليلاً داخل سرايا النعماني.
دلف يزن باحثًا عن عائلته كي يقوم بإبلاغهم بموافقة أمل بالزواج منه. استمع إلى أصواتهم تخرج من داخل حجرة الطعام فتيقن أنهم يتناولون وجبة عشائهم. خطى بساقيه إلى الداخل ونظر إلى الجمع الكامل حتى عمه زيدان وورد وصفا أتوا بناءً على طلب عثمان الذي طلب حضورهم بإلحاح وتمني، حتى يشعر بلمة عائلته من حوله.
تحدث يزن قائلاً بنبرة هادئة:
"متجمعين عند النبي إن شاء الله."
ابتسم له الجميع وأمنوا وراءه بتمني. ثم وجه الحديث إلى جده بنبرة جادة:
"جدي، كنت حابب أبلغك إن أنا والدكتورة أمل حددنا ميعاد الفرح، وإن شاء الله هيكون بعد شهر من دلوقتي."
تنهد عثمان، وعدة مشاعر متناقضة تملكت من داخله. شعور بالسعادة لأجل زواج حفيده الغالي وفرصة لتكوينه لأسرة سعيدة واحتمالية رزقه بأطفال. وبنفس الوقت شعور بالحزن والألم لأجل حفيدته وحزنها الذي أصابها عندما استمعت إلى ذاك الخبر المشؤوم بالنسبة لها.
صمت تام أصاب الجميع لنفس أسباب عثمان، فالجميع أصيب بعدة مشاعر مختلطة.
تحدث الجد بنبرة عاقلة:
"على الخيرة الله يا ولدي، وأنا هخلي المقاول يزود لك عدد الرجالة اللي هيشتغلوا في البيت لجل ما يخلصوه بسرعة ويشطبوه قبل الشهر ما يخلص."
انتفضت ليلي واقفة وتحدثت بفظاظة:
"يعني حضرتك موافق على إنه يجيب لي ضرة ويجهر قلبي بيها؟"
وأكملت بتساؤل غاضب أدمى قلب عثمان:
"تعرضي عليا اللي متعرضوش على غيري ليه يا جدي؟"
واسترسلت بتعجب لأمره:
"هو أنا مش بردك حفيدتك ولا إيه يا حاج عثمان؟"
تنهد بأسى وأجابها:
"حفيدتي وغالية عليّ وربي عالم بغلاوتك في قلبي يا ليلي."
وأكمل مضطرًا:
"بس المصلحة حكمت يا بتي، ابن عمك لازم يكون له وريث لاسمه واسم عيلته."
ثم أكمل بنظرة لائمة:
"واللي انتِ عملتيه في ابن عمك مكانش جليل بردك."
كانت فايقة تنظر إلى الجميع بشر وتوعد، لكنها لم تقو على التفوه بحرف واحد بعدما باتت تتعامل من رسمية وعثمان بأسوأ أنواع المعاملة لتيقنهم أنها السبب الرئيسي لما وصل له قدر.
ينظر يزن إلى ليلي ويتحدث بنبرة حادة:
"انتِ كمان ليكِ عين تعترضي ولساتك بتتحدتي."
ثم نظر إلى جده وهتف بنبرة حادة:
"الهانم المحترمة بت الأصول اللي حضرتك منبه على أبوها إنها متخرجش بره البيت، كسرت كلمتك وكلمت أبوها وراحت المستشفى واتهجمت على الدكتورة أمل بالكلام وهددتها."
ابتلعت ليلي لعابها خشية غضب يزن. في حين تحدثت نجاة التي نظرت إلى ليلي بذهول وهتفت:
"روحتي لها إمتى يا حزينة؟"
وأكملت بتذكر:
"أكيد صباحية يوم أبوك ما خدته الحكومة، لما كدبتي عليا وجلتي لي إنك رايحة تطلي على جدتك سنية."
صاحت بنبرة كاذبة وإنكار:
"انتِ كمان بتعومي على عومها يا مرة عمي!"
وأكملت باتهام لأمل:
"دي واحدة ملعونة بتفتري عليا بالكذب لجل ما يزن يصدقها ويجلب عليا."
صاح بها بنبرة صارمة:
"يزن ممحتاجش يسمع من حد لجل ما يجلب عليكِ يا بت عمي، اللي عملتيه خير شاهد."
وأكمل بدفاع وقوة رجل عاشق:
"ثم الدكتورة أمل دي أنا أضمنها وأضمن كلمتها برقبتي."
وأكمل وهو يشير بيده إليها بنبرة تهديدية:
"لآخر مرة بنصحك لوجه الله وعجلها لك قدام جدك وأبوك وإعمامك وأخوك، الله الوكيل، لو مسيتي أمل ولو حتى بكلمة طيبة، لتكوني طالق بالتلاتة يا ليلي."
ثم نظر إلى جده وتحدث:
"أظن من حقي إني أحمي الحرمة اللي هتكون مرتي، ولا إيه يا جدي؟"
أومأ له عثمان وتحدث بجدية:
"عداك العيب يا ولدي."
يتحدث قدري بنبرة جادة:
"ربنا يتمم لك على خير يا ولدي."
وأكمل وهو يرمق ليلي بنظرات متوعدة:
"وبنتي أنا كفيل بيها وقادر أحمي الخلق من شرها."
غضب داخل ليلي وشعرت بالخذلان من أبيها. أما فايقة التي صاحت وتحدثت بنبرة متهمكة:
"وإيه كمان يا سيد الرجالة؟"
وأكملت بنبرة لائمة:
"ده اللي ربنا قدرك عليه؟ ده بدل ما تقف في ضهر بنتك كيف ما زيدان وقف لبنته في وش الكل حتى أبوه، تقوم تقوله مبارك وبنتي أنا هكسر لك رقبتها!"
رمقها بنظرة حارقة وتحدث بنبرة حادة بعدما فاض به الكيل من أفعالها:
"اقفلي خاشمك يا مرة، وبدل بجاحتك وعينك الجوية دي، خلي بالك من بنتك وجولي لها تحافظ على اللي باقي من بيتها."
وجهت ليلي نظراتها الكارهة إلى صفا حيث أنها مقتنعة تمام الاقتناع بأن صفا هي من جلبت تلك الأمل من أجل أن تشغل عقل يزن بها وينشغل باله وينسى بها ليلي. فزاد حقدها على صفا وباتت تفكر بطريقة انتقام تليق بتلك صفا وما صنعته، كي تشفي غليلها منها.
***
بعد يومان.
ذهب الحاج عثمان بصحبة منتصر وزيدان ويزن إلى المشفى، ودلف إلى حجرة أمل الخاصة بالفحص، وطلب منها الموافقة على طلبه الزواج من حفيده يزن، وذلك حسب الشرع والأصول.
اشتدت سعادة أمل وأدمعت عيناها حين شعرت تقدير عائلة يزن وترحيبهم بدخولها إلى عائلتهم رغم ظروفها وعدم وجود ولي لها، حيث توفي والدها الذي كان وحيدًا لوالديه ولم يتبق لها سوى والدتها وشقيقتها.
احتضنها عثمان بحنان وأشعرها بأبوته هو وزيدان ومنتصر تحت سعادة يزن وفخره بأفراد عائلته الحنون.
طلب منها زيدان القدوم إلى داره والمكوث بها بصحبة صفا باعتبارها ستصبح ابنة العائلة عن قريب، لكنها اعتذرت بكبرياء.
اصطحبها يزن باليوم التالي إلى إحدى محلات الصاغة وجلب لها الكثير والكثير من الذهب حسب العرف الدارج. ولم تستطع أمل الاعتراض تحت إلحاح ذلك يزن.
كان جميع العمال يقفون ويعملون على قدم وساق للانتهاء من أعمال المنزل وتجهيزه للزواج، وذلك بعدما تفرغ يزن بشدة لحثهم على الإسراع. كل هذا تحت اشتعال روح ليلي وبرغم غليانها من تلك الأمل إلا أنها لم تقو على الاقتراب منها حتى ولو بكلمة، خشية غضب يزن وتنفيذه لتهديده وخسارتها له وللأبد.
تحركت بصحبة والدتها خارج السرايا في الخفاء من باب المطبخ الخلفي بمساعدة العاملة منيرة، وذهبتا إلى الدجال. وطلبتا منه أن يصنع لهما سحرًا أسودًا ليزن كي يترك تلك الأمل ويعود من جديد إلى أحضانه ذليلًا على حد وصف فايقة وغلها.
استغل ذلك الدجال جهلهما وغبائهما وطلب منهما ذهبًا من اللتان ترتديه كلتاهما بجانب المال الكثير اللتان غمرتاه به، ووعدهما بكذب وضلال بأن يجعل منه عبدًا طائعًا ذليلًا لتلك ليلي. مما جعل كلتا العقربتان تسعدا وتتحركا من جديد عائدين إلى داخل السرايا بمساعدة تلك العاملة مرة أخرى. ثم أمرتها فايقة بأخذ تلك المياه التي أعطاها الدجال لهما وطلبت منها بأن تقوم بنثرها أمام الغرفة التي يسكنها يزن ليخطوا بها ويأتي السحر بمفعوله بتلك الطريقة.
***
بعد مرور حوالي عشرة أيام.
صباحًا بمنزل زيدان، فاقت مبكرًا وتناولت وجبة فطارها بصحبة والديها، وتحركت سريعًا كعادتها لتذهب إلى المشفى لمتابعة عملها التي تعشقه. تحركت بأولي درجات الدرج وما شعرت بحالها إلا وساقيها تنزلق لترتمي على ظهرها للخلف وتزحف بظهرها على الدرج لتصل لنهايته مع صرخاتها العالية التي استمع لها كل من زيدان وورد التي خرجت سريعًا. وما أن رأت ابنتها متسطحة على ظهرها أسفل الدرج حتى لطمت خديها وصرخت باسمها عاليًا:
"بتي!"
كادت أن تهرول إليها لولا يد زيدان الذي جذبها بقوة وتحدث وهو ينظر إلى الدرج ويدقق النظر على تلك المادة اللامعة الموجودة عليه:
"حاسبي يا ورد، السلم كأنه مدلوج عليه حاجة بتزحلق."
وتحدث وهو يتمسك بالترابزين ويتدلى إلى ابنته بحرس وانتباه:
"امسكي في الترابزين زين."
وصل إلى تلك المتألمة التي تضع يدها فوق أحشائها وتصرخ بشدة مما جعل جميع من في السرايا يخرج هلعًا بعدما استمعوا إلى صراخ صفا وورد من داخل غرفة الطعام وهو يتناولون وجبة إفطارهم.
اتسعت عينا فايقة ولطمت خديها عندما لاحظت وجود دماء وكأنه نزيف خاص بالجنين.
هتفت ورد متسائلة ابنتها:
"حاسة بإيه يا بتي، في حاجة وجعاكي؟"
صرخت صفا قائلة بألم مضني:
"ضهري وبطني بتتقطعوا يا أما."
هَلع أصاب الجميع جراء منظر الدماء التي تسيل منها على الأرض. رسمية نجاة ومريم التي صرخت باسم ابنة عمها الغالية، وحتى فايقة التي خشيت خسارة نسل ولدها البكري.
حملها زيدان بين ساعديه وضمه لصدره والخوف ينهش بداخله ويتأكله، وتحدث إليها مطمئنًا إياها:
"متخافيش يا صفا، هتبقي بخير انتِ وولدك."
وتحرك بها وهو يهتف إلى يزن بنبرة أمر:
"افتحي لي باب العربية يا يزن وكلمي الدكتورة أمل تجهز حالها على ما نوصل عندها."
وتحدث إلى فارس:
"دور العربية يا فارس واطلع بسرعة على المستشفى."
أومأ له الشابان وتحركا بسرعة هائلة. استقل الجميع السيارات وتحركوا حتى عثمان ورسمية كلاهما لم يقو على الجلوس في المنزل والانتظار.
تحركت سيارات العائلة سريعًا خارج البوابة الحديدية عدا تلك التي تقف داخل الفيراندا بالسرايا من بداية الأمر ولم يتحرك لها ساكن. نظرت لآخر سيارة خرجت من البوابة ثم ظهرت على محياها ابتسامة شامتة.
رفعت رأسها لأعلى شامخة وتنفست بانتشاء وسعادة ثم تحركت إلى الداخل ومنه إلى غرفة الطعام لتكمل إفطارها بشهية عالية تحت استغراب عاملات المنزل.
في الطريق، أخرجت فايقة هاتفها وأخبرت قاسم بما جرى، مما جعله يترك ما بيده ويتجه إلى المطار بقلب يرتجف رعبًا على حبيبته فقط لا غير.
داخل المشفى، وصلت السيارة التي تقل صفا وتوقفت أمام درج المشفى، وتم نقلها سريعًا على الترولي من قبل طاقم التمريض والأطباء الذين كانوا بانتظارها بعد اتصال يزن. ودلفت إلى داخل غرفة أمل حيث جهاز السونار.
تابعت أمل الكشف عليها بصحبة صديقتها الطبيبة مي التي حضرت من القاهرة مصطحبة والدتها معها لمساعدة أمل في تجهيز ما يلزمها كعروس، وذلك بعدما قررت السيدة إيمان والدة مي بأن تأتي وتساند أمل وتساعدها بتجهيز عش زوجها السعيد، كي لا تشعر أمل باليتم رغم وجود والدتها على قيد الحياة.
تحدثت مي الطبيبة الماهرة بتخصصها:
"الحالة صعبة جداً يا أمل، ولازم تدخل العمليات فوراً وإلا هنفقد الجنين."
استمعت صفا المنهارة بدموعها المنسابة فوق خديها كشلال وارتعب جسدها بشدة وصاحت برجاء:
"أرجوكِ يا أمل اتصرفي بسرعة."
ثم وضعت كف يدها فوق أحشائها تتحسس وضع جنينها الذي يتحرك في الداخل بتشنج وهتفت بنبرة مرعبة:
"مش عاوزة أخسر ولدي، ده هو الأمل اللي فاضل لي اللي لو راح هروح وراه."
احتضنتها أمل على كتفها وتحدثت بنبرة مطمئنة:
"إهدي من فضلك يا صفا، الانفعال والتوتر ده مش حلو لا ليكِ ولا لحالة الجنين."
وتحركت إلى الخارج لتخبر الجميع قائلة بأسى:
"صفا حصل لها نزيف حاد نتيجة الوقعة، ولازم نولدها بعملية قيصرية حالاً."
وأكملت بأسى:
"بس علشان تكونوا معايا في الصورة لازم أبلغكم وأقول لكم إننا ممكن لاقدر الله نفقد حياة الطفل."
صاحت فايقة بوجه أمل قائلة بنبرة حادة مستغلة الوضع:
"فال الله ولا فالك يا غراب الشوم انتِ."
نظرت لها أمل باستغراب. في حين صاح بها يزن مدافعًا عن زوجته المستقبلية قائلاً بنبرة صارمة:
"مرت عمي."
كظمت غيظها منه وصمتت. في حين أكملت أمل باقي حديثها شارحة باستفاضة:
"اسمعوني كويس من فضلكم، أنا أهم حاجة عندي هي حياة صفا وإني أقدر أخرجها سالمة من أوضة العمليات وبس. لو ربنا بيحبنا هيساعدني أنا ودكتور مي في إننا نقدر ننقذ حياة الطفل معاً."
تفوّهت تلك المكلومة على ابنتها ووجهت سؤالها إلى أمل بنبرة ضعيفة مرتبكة وهي تسترجع الماضي الأليم داخل ذاكرتها وكأنه شريط سينمائي:
"هي صفا ممكن تشيل الرحم؟"
نظرت لها أمل بأسى وتحدثت بنبرة حزينة:
"للأسف يا طنط، أوقات كتير بيكون استئصال الرحم هو الحل الوحيد للسيطرة على وقف النزيف علشان ننقذ حياة الأم."
وأكملت لطمأنتها:
"بس إن شاء الله النزيف يقف وما نضطرش نلجأ للحل ده."
وتبادلت النظر إلى الجميع وأردفت برجاء:
"انتم بس ادعوا لها."
ثم نظرت إلى زيدان وتحدثت:
"زيدان بيه، بما إن أستاذ قاسم مش موجود فأنا محتاجة موافقتك علشان أبدأ في العملية. لازم كمان تمضي لي على إقرار بموافقتك على دخول صفا لأوضة العمليات، وتحملك المسؤولية الكاملة على اللي هيحصل جوة."
دبت ورد على صدرها في حين تحدث زيدان بجسد يرتجف:
"هاتي لي الإقرار دي لجل ما أمضيه، وأدخلي لها بسرعة."
وأكمل محفزًا إياها:
"ربنا معاكِ ومعاها يا بتي."
يتحدث يزن إليها بعيون مشجعة:
"أنا واثق فيكِ بعد ربنا يا أمل، ومتأكد إنك هتخرجي بصفا وبالواد كمان."
أومأت له بجدية ودلفت إلى الداخل سريعًا لتشرعا هي وصديقتها بالبدء بإجراء العملية والخروج منها بأقل الخسائر الممكنة.
نظرت ورد إلى جميع الحضور وباتت توزع عليهم نظراتها الكارهة وهتفت بنبرة حادة:
"لساتكم مشبعتوش أذية فيا وفي جوزي جلتوا تكملوا على المسكينة بتي؟"
انتبه لها الجميع فأكملت مفسرة:
"مكفكمش معايرة وشماتة فيا طول السنين اللي فاتت جايين دلوقتي تكملوا المشوار مع الغلبانة صفا!"
وأكملت صارخة:
"مستكترين عليها يكون لها العزوة والسند اللي حرمتوها وحرمتوني منها ليه؟"
ثم حولت بصرها إلى فايقة وبعيون تطلق شررًا أردفت قائلة بتوعد وهي تشير بيدها:
"وكتاب الله لو بتي جرى لها حاجة هي ولا ولدها لاكون قتلاكي بإيديا دول، ومحد يعرف يخلصك مني غير وروحك خارجة على يدي ورايحة للي خالقها."
جحظت عينا فايقة وهتفت قائلة بذهول:
"كنك اتخبلتي وفقدتي عقلك يا مرة، بتشكي فيي وبتتهميني إني عاوزة أقتل ولد ابني اللي بترجاه من سنين يا مخبولة انتِ!"
وأكملت صادقة:
"ده أنا قاعدة بعد الليالي لجل ما أشيله على ايديا وأخده جوة حضني وأشم فيه ريح ولدي البكر."
رمقها بنظرة غاضبة وهتفت باتهام:
"مته كنتِ بتحبي حد وتاخديه جوة حضنك يا واكلة ناسك انتِ؟ ده انتِ معملتيهاش ويا عيالك اللي من لحمك ودمك، بتعمليها مع ولد صفا بت عدوتك؟"
أجابتها فايقة بتهكم:
"بيقولوا أعز من الولد ولد الولد يا أم صفا، مش كده بردك ولا إيه؟"
جذبها زيدان وأدخلها لداخل أحضانه وتحدث وهو يرتب على ظهرها بحنان كي يهدئ من روعها:
"إهدي يا ورد واصبري لما نطمن على صفا وولدها."
ثم نظر بعينيه تقطر شرًا وتحدث:
"وبعد كده أنا ليا تصرف تاني مع اللي دلج الزيت على السلالم."
أردف عثمان متسائلاً باستفسار:
"إنت متأكد إن فيه زيت مدلوج على السلم يا ولدي؟"
تحدث يزن مؤكدًا لجده:
"الزيت موجود وأنا شفته بنفسي واتأكدت منه يا جدي، ومغرق السلالم من أولها لآخرها كمان."
خرجت ورد من أحضان زوجها وتحدثت بتوعد ونبرة غاضبة:
"الله الوكيل لأقدم فيكم بلاغ في المركز يا عيلة النعماني، وأخليهم يجرّوكم واحد واحد على المركز لجل ما يعرفوا مين اللي كاره بتي كده."
وهنا لم تستطع الصمود وأنهارت باكية وهي تنظر إلى زيدان بقلب يرتجف رعبًا:
"يشيلوا لها الرحم وتبقى كيف أمها يا زيدان."
نظرت إلى رسمية وفايقة وأردفت بتساؤل:
"طب أنا كنتوا كارهيني لإنني مكنتش منكم، لكن هي ليه! دي لحمكم ودمكم يا ناس."
نزلت دموع رسمية وشعرت بالخزي والعار من حالها، وسحبها زيدان من جديد إلى أحضانه وتحدث:
"بتجري البلا قبل وقوعه ليه يا بت الناس."
وأكمل برضا ويقين:
"ارفعي يدك للسما وجولي يا رب، وإن شاء الله ربنا معيخذلنا."
شبكت داخل أحضانه وهتفت مناجية ربها بأعلى صوت:
"يارب، يارب تنجي لي بتي، ملناش غيرك نلجأ له يا حبيبي."
بعد مرور حوالي ساعة، دلف يهرول داخل رواق المشفى، وجد الجميع ما زال منتظرًا بقلوب مرتجفة مترقبة لما هو آت.
تحرك فارس وتحدث:
"حمد الله على السلامة يا قاسم."
سأل شقيقه بترقب:
"صفا خرجت ولا لسه؟"
هز له رأسه نافيًا.
نظر إلى الجميع ثم توجه بسؤال لقلب يتمزق ألمًا:
"إيه اللي حصل لصفا، وجعت كيف؟"
أغلقت ورد كتاب الله (القرآن الكريم) التي كانت تقرأ به كي يهدئ من روعها ويرزقها الطمأنينة. ثم نظرت إليه وتحدثت باتهام:
"اسأل أمك يا قاسم."
قطب جبينه باستغراب وهو ينظر إليها ويتساءل مستفسرًا:
"وأمي مالها بوجع مرتي يا مرة عمي؟"
هتفت ورد بنبرة حادة:
"لقينا السلالم بتاعة دارنا كلها متغرقة بالزيت، جولي انت مين بيعمل كده إن مكانتش أمك يا حضرة الأفوكاتو؟"
حول بصره سريعًا إلى والدته التي هتفت قائلة بنبرة حادة:
"الله يصبرني على جنانك ده يا مرة."
استشف قاسم من نظرات والدته ونبرة صوتها أن لا دخل لها فيما حدث، لكنه فهم أن الحادث بفعل فاعل، ولم يكن قاسم إن لم يتعرف عليه، وتوعد داخله بأن لن يتركه إلا وهو جثة هامدة. ولكن صبرًا، يطمئن أولًا على صغيرته ثم سيثأر لها.
وجد ياسر يخرج من غرفة الفحص الخاصة به فهرول إليه وتحدث آمرًا:
"عاوز أدخل أوضة العمليات عند الدكتورة صفا."
أجابه ياسر بتفهم:
"أنا فاهم قلقك ومقدره، بس للأسف مش هينفع. ادعي لها، وبعدين هما إن شاء الله شوية كده وهيخرجوا."
هتفت ورد بنبرة قلقة متسائلة:
"بيعملوا إيه جوة لحد دلوقتي يا دكتور؟ أحلف على يدك تدخل لهم جوة وتطمني على بتي."
تنهد بأسى وتحدث ليطمئنها:
"إهدي حضرتك واطمني، دكتورة أمل ودكتورة مي من أكفأ الدكاترة في تخصصهم. حضرتك دول كانوا متعينين في أكبر مستشفى استثماري في البلد، والمستشفى دي معروف عنها إنها مش بتعين أي حد غير لما تتأكد إنه برفكت في شغله ويستاهل بجد يكون موجود ضمن طاقم المستشفى."
حالة من القلق أصابت الجميع وبدأت الجدة وورد ونجاة بالبكاء الشديد مما جعل الدماء تغلي داخل شرايين قاسم الذي صرخ بهم بعدما فاض به الكيل:
"بطلي عويل منك ليها، ادعوا لها بدل عويلكم."
دبّالكاد أنهى جملته وفُتح باب غرفة العمليات وخرجت منه أمل. هرول الجميع إليها يتسائلون بنبرات مرعبة، فتحدثت سريعًا لتهدئ رعبهم الذي ظهر فوق ملامح وجوههم:
"اطمنوا يا جماعة، صفا بخير والبيبي كمان زي الفل."
واسترسلت بشرح مواف:
"هي بس الرئة بتاعته غير مكتملة وهنضطر نحجزه في الحضانة لمدة أسبوع واحد وهيبقى زي الفل."
سألتها ورد متلهفة:
"والنزيف يا بتي، وجفتوه؟"
أجابتها بابتسامة مطمئنة:
"النزيف وقف بفضل الله ثم دعواتكم، وصدقوني هي زي الفل."
سألتها رسمية بتأكيد لطمأنة قلبها على صغيرة ولدها الغالي:
"والرحم يا بتي، طمنيني، صفا بتخلف تاني؟"
أجابتهم بنبرة وابتسامة هادئة:
"هتخلف تاني وتالت وعاشر لو حبت كمان يا تيتا."
شعور بالفرحة عم المكان وطغى على الجميع بلا استثناء، وتعالت المباركات والتهنئة. عدا عاشق متيمته الذي سألها متلهفًا:
"هي صفا مخرجتش من جوة ليه؟"
أجابته بهدوء:
"أنا سبتها مع دكتورة مي بتفوقها وجيت علشان أبشركم."
تحدث عثمان شاكرًا إياها:
"الله يطمنك ويبشرك دائمًا بالخير يا بتي."
ابتسمت له وشكرته.
هتف قاسم قائلاً لها:
"أنا عاوز أدخل لمرتي يا دكتورة."
نظرت إليه وأومأت بموافقة بعدما لمحت رعبه وقلقه داخل عينيه. تحرك سريعًا إلى الداخل بصحبة أمل، لمحته مي التي كادت أن تعترض على دخوله لولا يد أمل التي أشارت إليها لتمنعها من الاعتراض.
اقترب عليها بساقان مرتجفتان من هول اللحظة، فقد كانت مسطحة على التخت الخاص بالعمليات ترتدي الثياب الخاص المعقمة، مغمضة العينان وغائبة عن الوعي تمامًا. انتبه إلى صوت جنينه الذي كان معلقًا من ساقيه بيد طبيبة الأطفال، حيث كانت توجه له ضربات خفيفة فوق ظهره كالمعتاد لإفاقته وإخراج صوته. ارتبك حينما رآه ورهبة اجتاحت كيانه، أصبح مشتت العقل والكيان بينهما، لكنه استعاد وعيه سريعًا وثبت بصره على وجه متيمة روحه.
في حين وضعت طبيبة الأطفال الصغير داخل الحضانة نظرًا لنقص نموه بسبب الولادة المبكرة، لكن حالته ككل جيدة، وتحركت به سريعًا إلى الخارج كي تضعه في الغرفة المخصصة للحضانات.
اقترب منها وأمسك كف يدها يتلمسه باشتياق وحنين ولهفة وخوف. ضل ينظر إلى مي ويتابعها وهي تضرب بكف يدها فوق وجنتها لإفاقتها واستعادة وعيها.
استمع إلى همهمات تخرج منها بصوت ضعيف، وبدأت بتحريك أهدابها وفتح عينيها شيئًا فشيئًا. نظرت أمامها لتري رتوش لوجوه مشوشة حولها، استمعت إلى رنين لأصوات أيضًا مشوشة وكأنها داخل حلم.
ابتسمت بخفة حينما وجدت وجهه يقترب منها ويميل عليها ويتحدث بكلمات غير مفهومة لذهنها وغير مسموعة لأذنيه.
لحظة خُيل لها أن طيفه يزورها داخل منامها كعادته، نطقت بنبرة ضعيفة للغاية مع شبح ابتسامة لعاشقة متيمة:
"حبيبي."
اشتدت سعادته وتحدث وهو يتلمس خدها الماسي بنعومة غير عابئ بمن حوله:
"يا عيون حبيبك وقلبه من جوة."
ابتسمت له بسعادة لاستماعها لكلماته المدللة وتأوهت بدلال.
وأكمل هو بعيون ضاحكة وابتسامة جذابة رائعة:
"حمد الله على سلامتك يا قلب حبيبك."
همهمت من جديد وتحدثت غير واعية:
"خدني جوة حضنك يا قاسم وضمّني قوي، عاوزة أشم ريحة جسدك لجل روحي ما ترد فيا."
تحمحم بخجل عندما رأى ابتسامات كل من في الغرفة على تلك العاشقة التي كشف حقنها ببنج التخدير عن مكنون مشاعرها الداخلية.
تدخلت أمل التي بدأت بالخبط على وجنتها من جديد لإفاقتها وإخراجها من تلك الحالة المحرجة للجميع. هتف متلهفًا وهو يوجه حديثه إلى أمل:
"بالراحة عليها."
أجابته أمل بعملية:
"لازم أخبط على خدها ومناخيرها جامد عشان تفوق وتخرج من تأثير البنج."
وبالفعل بدأت باستعادة وعيها وأول كلمة نطقت بها وهي تنظر إليه متلهفة خشية استماعها لخبر فقدانها لطفلها:
"ابني يا قاسم، ابني فين؟"
ضم يدها بين راحتيه بشدة كي يطمئن روعها وتحدث مطمئنًا إياها:
"ابننا بخير يا حبيبتي، اطمنيه."
هتفت بنبرة قلقة غير مصدقة إياه:
"عاوزة أشوفه."
ابتسم لها وتحدث بهدوء:
"الدكاترة خدوه على الحضانة لأن الرئة بتاعته غير مكتملة، بس دكتورة أمل طمنتني وجالت لي إن وضعه مستقر (مستقر) الحمد لله."
بعد حوالي نصف ساعة، كانت تتسطح على التخت داخل الغرفة التي خصصت لها، تتأوه بعدما بدأ تأثير البنج في الزوال. يلتف حولها الجميع وهم يحمدون الله على سلامتها وجنينها.
تحدث قاسم إلى جده بنبرة صارمة:
"يلا بينا يا جدي علشان أوصلك للسرايا."
علم زيدان من ملامح وجهه الصارمة أنه ذاهب لاكتشاف المتسبب فيما حدث لغاليته، وكاد أن يفقدها وجنينها معًا. فهتف قائلاً:
"خدني وياك يا قاسم."
علم الجميع من معالم وجه قاسم السبب وراء ذهابه حتى تلك المتسطحة.
انتفضت فايقة واقفة من جلستها كي تذهب معهم للاطلاع على الوضع ومعرفة من المتسبب فيما حدث. هي بالأساس باتت شبه متأكدة من الفاعل، ولهذا السبب ستذهب معهم. تحرك قاسم، عثمان، زيدان، قدري، يزن، فايقة.
كاد فارس أن يتحرك معهم لكن قاسم طلب منه هو وحسن المكوث بجانب صفا والجميع كي لا يتركوا النساء بمفردهن.
وصل الجميع إلى حديقة السرايا وجمع قاسم جميع العاملات حتى صابحة عاملة ورد، وحتى الخفراء المسؤولين عن حماية السرايا. وقفت ليلي ومريم وفايقة المرتعبة داخل الفيراندا يشاهدن.
هتف زيدان مدافعًا عن صابحة وحسن قائلاً:
"اخرج خالتك حسن وصابحة برة الموضوع يا قاسم، دول أنا أضمنهم برقبتي."
صاح قاسم بنبرة حادة:
"مش هخرج حد قبل ما أعرف مين كارهني ورايد لي الأذية جوي كده، محدش خارج دايرة الاتهام يا عمي."
صمت زيدان لتيقنه صحة حديثه. ثم تحدث قاسم بفطنة وادعاء:
"اللي دلجت الزيت للدكتورة صفا مجدمهاش حل غير إنها تعترف."
وأكمل بنبرة زائفة وهو يشير بسبابته لأعلى شرفته كي يرعبهم ويحس ذلك المجرم أو المجرمة على الاعتراف:
"شايفين كشاف النور الكبير اللي متعلق في بلكونة شجتي دي؟"
رفع الجميع قاماتهم ينظرون عليه فأكمل قاسم بادعاء:
"أنا زارع كاميرات مراقبة فيه وبتصور كل حاجة بتحصل في الجنينة."
وأكمل ليدب الرعب داخل أوصال الفاعل:
"وأكيد الكاميرات صورت اللي عمل كده، بس قبل ما أطلع وأشوف اللي فيها، عاوز أدي فرصة للي عمل كده."
استرسل بطمأنة:
"لو اعترف بنفسه واتأسف هسامحه، لكن لو ما اعترفش دلوقتي وكابر، هطلع أشوف الكاميرات وهبلغ النيابة تيجي تاخده."
وأكمل مهددًا:
"والله الوكيل مع هخليه يشوف الشمس تاني بعينيه."
بالفعل أتت خطته بجني ثمارها حيث ارتاعت تلك الفتاة المسماة بـ منيرة وهتفت بارتياب ونبرة مرعبة:
"أنا عجول على كل حاجة يا بيه."
انتفض جسد ليلي ونظرت بتحذير إلى العاملة التي لم تهتم وهتفت بدموعها:
"الست ليلي هي اللي جالت لي آخد جزازة الزيت وأغرق بيها السلالم قبل ما الدكتورة صفا تصحى."
أغمضت فايقة عينيها باستسلام لاعنة غباء صغيرتها التي كتبت شهادة وفاتها بيدها بمنتهى الغباء.
في حين أكملت منيرة بجسد ينتفض رعبًا:
"الله الوكيل ما كنت موافقة يا بيه، بس هي هددتني وعطتني خاتم دهب من حداها، وجالت لي لو عملت كده هيكون الخاتم بتاعي وعتدهولي، ولم مسمعتش حديتها هتجول للكل إني سرقته منها وتوديني القسم."
جحظت عينا قاسم مما استمع إليه، أحقًا شقيقته هي من أرادت قتل صغيره قبل أن يخرج إلى الدنيا ويرى نورها!
اقترب منها قدري وقام بصفعها على وجنتها بقوة مما جعلها تتهاوى بوقفتها وتحدث:
"إنتِ اللي عملتي كده في مرة أخوكِ وولده يا واكلة ناسك!"
ابتلع قاسم لعابه بتألم وغصة مرة وقفت بحلقه وتحدث بنبرة صارمة إلى حسن:
"خدي البنات ودخليهم على المطبخ يا خالة حسن."
وأكمل محذرًا:
"اللي حصل هنا لو حد من النجوع خد خبر بيه، مع هرحم اللي جالت وحسابها عندي هيكون تقيل جوي متقدرش على تسديده."
وأكمل وهو يجذب تلك العاملة من يدها ويسلمها للخفير قائلاً:
"ارمِ البت دي في أوضة الخبيز لحد ما أفضي لها يا حسان."
أومأ له الخفير وأيضًا العاملات اللواتي أومأن بطاعة وارتياب. وبالفعل تحركن إلى الداخل والخفراء إلى خارج السرايا.
حول قاسم بصره إلى ليلي وسألها بنبرة حزينة متعجبًا:
"عملت فيكِ إيه عفش يا ليلي لجل ما تتأمري مع الخدم على مرتي! جالك قلب كيف يا بت أبوي تأذي ولدي اللي بستنى مجيته بفارغ الصبر لجل ما أخده جوة حضني. أذيتك في إيه أنا لجل ما تأذيني في حبيبتي وولدي؟"
نظرت إليه بعيون تقطر حقدًا وصاحت بغضب فاقدة السيطرة على حالها:
"مكُنتش قصدك انتَ يا قاسم، أنا كنت عايزة انتقم من اللي دمرت لي حياتي وسرقت مني كل حاجة."
وأكملت شاردة وكأنها تحدث حالها:
"من صغرها وهي بتسرق كل اللي بتتمناه لحالي، حب جدها وجدتي والكل كليله."
ثم نظرت إلى يزن وهتفت بكلمات أحرق بها قلب قاسم وأشعل به نار الغيرة:
"ده حتى الراجل اللي بحبه من صغري وياما أتمنيته لحالي لما فضلها عليّ وعشقها هي كمان."
أنزل يزن بصره أرضًا جراء خجله الذي أصابه. وأكملت هي بحقد أظهر مدى سواد قلبها:
"ولما اتجوزت حظها رماها في حضن الراجل اللي عاشت عمرها كله تحلم بيه وبحضنه."
وأكملت وهي تنظر إلى قاسم بغضب:
"لا والراجل ده يعشقها ويتمنى رضاها في نفس الوقت اللي جوزي يكرهني فيه ويهاجر فرشِتي."
وأكملت بصباح وغل أظهر كم أنها شخصية مريضة غير سوية:
"حتى العيل اللي ياما أتمنيته لجل ما أربط بيه جوزي وأحبه فيا وأغلي نفسي بيه عنده، خدته هي وفرحت بيه قلوب العيلة كلها وبقى الكل مستني جيته على نار."
ورمقت والدتها بنظرة حارقة وأردفت بلوم:
"ده حتى أمي لما معملتش حساب لحرجة قلبي، وفرحت لما عرفت إنها حبلى في ولد."
وصاحت معترفة عالياً بغضب وحقد:
"أيوه أنا اللي عملت كده يا قاسم، ولو أطول أخنقها بإيديا هي وعيالها مهتأخرش."
هتفت فايقة التي نهرتها ولكزتها بذراعها بقوة:
"اِكتمي نفسك يا حزينة، ادبي نفسك إياك يا بت."
انتفض داخلها وهزت رأسها بإيجاب، فرمقها هو بنظرة اشمئزاز وخرج صافقًا خلفه الباب بقوة.
تحرك قاسم إلى سيارته وقادها متوجهًا بها إلى المشفى حيث زوجته وولده. تلاه يزن الذي ذهب إلى أمل حيث كانت تتابع حالة صفا فطلب منها الذهاب معه ودلف بها داخل مكتبها وبدون مقدمات تحدث بنظرة ساكنة:
"أنا طلقت ليلي."
اتسعت عيناها بذهول وهتفت مستفسرة بنبرة مرتبكة غير مستوعبة:
"بتتكلم جد يا يزن، فعلاً طلقتها؟"
انتفض داخله بسعادة عندما رأى سعادتها التي لم تستطع تخبئتها تطل من داخل عينيها وأجابها:
"طلقتها بالتلاتة وبدون رجعة وبموافقة جدي كمان."
ثم قص لها ما بدر منها مما جعلها تستاء وتُذهل من كم الأذى المتواجد داخل تلك ليلي.
يتحدث إليها بنبرة ممتنة:
"ربنا حقق لكِ شرطك يا غالية وكتب لكِ وأنا خالي، بس بعد ما بينتي لي إنك شرياني وباجية عليّ وإني أغلى عندكِ حتى من مبادئك."
اقترب عليها ونظر داخل عينيها بعشق وأردف بنبرة حنون:
"عمري ما هنسى لكِ إنك اخترتي راحتي على راحتك يا أمل، ربنا يجدرني لجل ما أسعدك يا حبيبتي، ووعد عليا مع هخلي قلبك يعرف طريق للندم واصل."
واسترسل متفاخرًا:
"هحطك تاج على راسي وأتباهى بيكِ وسط الخلق يا أصيلة."
كادت أن تبكي من شدة سعادتها وأردفت قائلة بنبرة حنون:
"كفاية يا يزن أرجوك، أنا كده ممكن أعيط."
أجابها بثقة وتأكيد:
"من النهارده معادش للبُكي مكان بيناتنا، كفاية علينا اللي عشناه في الهم والنكد، اللي جاي كله جلَع لينا يا حبيبتي."
وأكمل وهو يبتلع لعابه تأثرًا باشتياقه لها:
"أنا عجول لـ جدي نكتب الكتاب الأسبوع ده بدل ما نخليه لآخر الشهر مع الفرح."
وأكمل وهو ينظر إلى كف يدها الموضوع جانباً:
"نفسي أمسك يدك من غير ما أخاف من حساب ربنا، نفسي آخدك جوة حضني وأطمنك يا أمل."
أجابته بعقلانية:
"إهدي واصبر يا باشمهندس، أصلاً كل اللي فاضل تلات أسابيع."
نظر لعيناها وتنهد وأردف قائلاً:
"الصبر ملّ مني يا دكتورة."
ضحكت له بدلال أشعل روحه.
في الخارج، ذهب ياسر إلى البوفيه كي يطلب من العامل قدحًا من القهوة ليضبط له حالته المزاجية. وجد دكتورة مي تقف هي الأخرى بانتظار قهوتها فتحدث إليها بإعجاب مهني:
"مبروك يا دكتور مي على نجاح العملية."
وأكمل بإشادة:
"حقيقي برافو، انتِ ودكتور أمل عملتوا معجزة النهارده وبدون أي خسائر، وقفتم النزيف وانقذتم الأم والطفل وحافظتم على الرحم."
ابتسمت إليه بخجل وأجابته مرتبكة وذلك لشدة إعجابها به عندما رأته منذ ما يقارب من خمسة أشهر، داخل المؤتمر الذي ذهب إليه بصحبة صفا وأمل في ذلك اليوم المشؤوم بالنسبة لصفا.
"متشكرة جدًا يا دكتور، دي شهادة غالية من حضرتك في حقي."
نظر لداخل عينيها ورأى عشق تلك الخجولة له. وبرغم عشقه الهائل للرقيقة مريم، إلا أنه قرر إعطاء حاله فرصة العيش والحب من جديد على تلك الجميلة تُنسيه مريم وعشقها المستحيل. استغل وجود والدة مي وقرر طلب مي للزواج منه وسيُنهي تعاقده مع صفا بعدما اطمأن عليها وتأكد من جدارتها لإدارة المشفى لحالها، وسيرحل من النجع بأكمله حاملًا معه ذكريات جميلة لم تُنتسى أبدًا، على أمل بداية جديدة مع مي.
***
داخل غرفة صفا، كان يجلس بمقعد جانبي بجوار زيدان بوجوه مهمومة. أما هي فكانت تلتف حولها نساء العائلة، ورد، رسمية، مريم ونجاة. علية وصباح التي همست بنبرة حزينة كي لا يصل صوتها إلى مسامع قاسم وزيدان، أو يستمع إليها أحد من عمال المشفى:
"مصدقتش لحد دلوقتي اللي سمعته من زيدان، معقول ليلي يوصل بها الحد وتعمل كده، طب ليه؟"
تنهدت صفا وتحدثت بنبرة ضعيفة لإنهاء الحديث في ذلك الموضوع وهي تنظر على وجه قاسم الحزين لأجل ما جرى:
"خلاص يا عمة الله يرضي عليكِ، الحمد لله على كل اللي حصل."
تحدثت رسمية بنبرة تحمل الكثير من الهموم:
"معرفاش البنت دي طالعة شاردة لمين!"
لوت علية فمها بتهكم وتحدثت ساخرة:
"معرفاش صح يا أم."
زفرت رسمية باستسلام وصمت الجميع.
ليلاً.
أصيب زيدان بإرهاق شديد فاجبره قاسم على العودة إلى منزله كي يستريح، وظل هو بصحبتها وورد وعلية. دلفت أمل كي تعطيها جرعة الدواء فطلبت منها الاعتدال لتتناول بعضًا من الطعام كي لا يحدث لها هبوط في الدورة الدموية بسبب نقص الغذاء.
تحرك هو وقام بسندها وجلوسها. كانت متعبة للغاية ضعيفة بجسد مستسلم لا تقوى حتى على صلب جسدها. تحرك وجلس خلفها واضعًا رأسها لتستند بها على صدره وتحدث بنبرة تقطر حنانًا:
"ريحي جسدك عليّ يا صفا، ويلا كُلي عشان تاخدي الدوا."
أجابته بنبرة صوت غاية في الضعف بفضل العملية والوقوع أيضًا الذي أثر على ظهرها بقوة:
"مقدرش آكل."
بسط يده إلى عمته وتحدث إليها:
"هاتي صحن الشوربة إهني وأنا هأكلها بيدي يا عمة."
وقفت عمته وتناول هو الملعقة وبات يطعمها بيده تحت سعادة أمل وحزن ورد وعلية على ما أصاب ذاك الثنائي العاشق. شعرت بعودة الراحة والطمأنينة التي افتقدتها جراء الابتعاد عن أحضانه الحانية.
انتهت من تناول الطعام وأخذت أدويتها بالكامل ولم تطلب منه الابتعاد. في غضون بضع دقائق غفت على صدره وكأنها كانت تحتاج لاحتضانه وضمه لها كي تغفو بسلام.
همست ورد وهي تحثه على تمددها قائلة:
"نيمها على السرير يا ولدي وجوم انتَ ريح جسدك لصـ.ـدرك يتأذى."
أجابها متنهدًا باستسلام:
"ياريت كل الأذى يبقى كده يا مرة عمي."
نظرت علية إلى ورد بحزن وصمت.
***
بعد مرور أربعة أيام.
عادت صفا إلى منزل والدها مُرغمة، تاركة طفلها داخل الحضانة بصحبة قاسم الذي لم يتركه ولو ساعة واحدة ليرتاح بها، فقد وعد صفا بأنه لن يتركه بتاتًا ولهذا عادت هي إلى المنزل بدموعها بعد أن اطمأنت على صغيرها بوجود والده بجانبه.
بعد ثلاثة أيام أخرى.
دلف قاسم بسيارته التي يقودها فارس، وتدلى منها حاملاً صغيره الذي اكتمل نموه بالكامل بفضل الله، وتحرك به إلى عثمان الجالس بالفيراندا وهو يحمله ويقربه منه. وضع قبلة فوق جبينه ودعا له بالصلاح والمباركة، وأمر الخفير بجلب الذبائح لذبحها وتوزيع لحومها صدقة على أهل النجع، فرحًا بشفاء حفيدته وصغيرها وخروجهما سالمين من تلك الحادثة.
طلب من فارس ويزن الذهاب إلى المركز لشراء كل ما يلزم للتجهيز للاحتفال بقدوم الصغير.
كانت تجلس بصحبة نساء العائلة داخل غرفة بالأسفل بمنزل والدها، تبكي بدموعها كعادتها منذ أن تركت صغيرها وحيدًا وعادت بدونه. فاليوم كان من المفترض أن تحتفل بمرور أسبوع على مجيء صغيرها إلى الدنيا "ولكن" انظر ماذا حدث.
اتسعت عيناها وانتفض قلبها من شدة سعادته حين رأته يدلف إليها بطلته البهية، حاملاً بين ساعديه صغيره الذي اكتمل نموه ورئته بالكامل بفضل الله سبحانه وتعالى الذي استجاب بعظمته لدعوات الجميع.
هتفت بلهفة قائلة:
"مالك؟"
ابتسم لها وتحرك إليها متحدثًا بدعابة:
"مالك جاي لك بنفسه لجل ما يطمنك عليه ويُسكن حضنك."
وأكمل وهو يضعه داخل أحضانها برعاية:
"سمي الله وخدي ولدك يا صفا."
لم تستوعب لما يدور من حولها وترى بعينيها. أحقًا استمع الله إلى رجائها ودعواتها وأعاد لها صغيرها معافيًا وبصحة تامة. يا إلهي كم أنت عظيم ورؤوف وقادر على كل شيء.
احتضنت صغيرها وباتت تنثره بالقبلات المتفرقة فوق كل ما تطاله شفتيها من جسده الرقيق. قامت عمتها صباح بإطلاق الزغاريد هي وورد وأيضًا صابحة العاملة التي جرت على المطبخ بعد تلقيها إشارة من ورد للتحضير إلى كل ما يلزم للاحتفال بسبوع المولود.
في حين هتفت رسمية سريعًا:
"طلعي صدرك ورضعي ولدك يا بتي، لجل ما يشبع ويملي بطنه وجسمه يحلو كده."
حزن داخله حينما نظرت إليه تلك العنيدة تطالبه عيناها بالخروج كي تقوم بعملية إرضاع صغيرها. تحامل على حاله وخرج.
ليلاً.
احتفل الجميع بمراسم السبوع الدارجة لدى الجميع وسط سعادة كل من في الدار عدا ليلي القانطة بغرفتها تبكي وتنتحب حظها العاثر وما آلت إليه.
بعد الانتهاء طلب قاسم من جميع النساء تركه وصفا لحالهما بصحبة رضيعهما كي يتحدثا.
جلس بجوارها فوق التخت وتحدث وهو ينظر إليها:
"بكفياك عناد وبعد لحد كده يا أم مالك."
وأكمل برجاء ونبرة حنون:
"وغلاوة ولدك لتيجي معايا لجل ما تنوري شجتك انتِ ومالك."
ابتلعت سائل لعابها من شدة تأثرها بنبرة صوته الصادقة الحنون الراجية، فقد اقتربا كثيرًا فترة الأسبوع المنصرم حيث كان دائم التواجد معها ووصل الأمر به إلى أنه كان يطعمها بيده حينما كانت تمتنع عن الطعام لأجل حزنها على صغيرها، ولكن ليست هي التي تستسلم بسهولة وتتنازل عن كرامتها.
تحدثت بجمود وملامح وجه حادة اصطنعتها بصعوبة بالغة:
"انتَ خابر شرطي زين، طلقها الأول."
أردف قائلاً:
"هنرجع تاني للعناد يا صفا، معايزز ولدي يتربى بعيد عن حضني يا بت الناس."
وأكمل بنبرة جادة:
"طب ارجعي شجتك ووعد عليا مهجربش منك واصل ولا عضايجك لحد ما المدة تخلص، ها إيه رأيك؟"
نظرت إليه وتحدثت بعيون شبه راجية:
"طلقها وأني أرجعك."
"جولت لك مينفعش قبل ما تعدي السنة." جملة مستسلمة نطق بها هو. فاستشاطت داخله واستفزها تمسكه بتلك الزيجة الملعونة، فهتفت بعناد وكبرياء:
"وأنا كمان مينفعش أرجع قبل كده."
انتفض واقفًا من جلسته وهتف بنبرة حادة:
"لساتك مشبعتيش ذل وكسرة وإهانة فيا يا بت زيدان؟"
وأكمل لائمًا حاله:
"بس العيب مش عليكِ، أنا اللي أستاهل اللي يجري لي عشان رخصت حالي بزيادة وياكِ."
وأكمل مهددًا:
"اشبعي ببيت أبوكِ واجلِسي فيه لحد ما تستكفي، وأبقى راجل دلدول وأستاهل ضرب الجزمة لو شفتي خلجتي هنا تاني، ولا جبت لك سيرة المراوح."
قال كلماته وهرول خارجًا كالإعصار تحت قلب تلك المتألمة لأجله ولأجل حالها وصغيرهما. تريدهُ بل يتمزق داخلها من شدة الاشتياق له، تحتاجه وتحتاج لضم صدره لتشعر بروحها الغائبة عنها منذ الكثير.
لكن تريد منه أن يحفظ لها كرامتها أولاً، تريد منه أن يشعرها بأهميتها لديه، بتفضيله لها على أية اعتبارات أخرى. ضمت صغيرها إليها وأجهشت ببكاء مرير يمزق داخلها.
***
جاء يوم الزفاف المنتظر، فرحة يزن وأمل التي ستكتمل اليوم.
داخل منزل زيدان الذي أصر على جلب أمل لمنزله كي يتم خروجها من منزله لتُزف إلى عريسه.
نزلت من فوق الدرج وهي ترتدي ثوب زفافها الراقي، تجاورها والدتها التي هاتفتها إيمان والدة مي وطلبت منه.
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم روز امين
بعد مرور شهرين على يوم ميلاد مالك، كان يوم الاحتفال بحنة حسن منتصر، آخر حفيد للنُعماني الكبير. كان الأكثر حظاً بين الأحفاد، وذلك بعدما قرر عثمان عدم التدخل وترك له أمر اختياره لشريكة الحياة بكامل إرادته الحرة. بعدما رأى بأم أعيُنه ما جناه أحفاده من تحكماته، ترك له الخيار. فاختار حسن إحدى الفتيات الساكنة بالمركز والتي كانت تدرس معه بجامعة التجارة بالفرقة الأولى عندما كان هو بالفرقة الرابعة. أعُجب بها وارتبط بها عاطفياً. أقيم حفل الزفاف داخل قاعة كبرى في المركز التابع له نجع النُعماني، ووافق عليه عثمان رغم اعتراضه داخلياً.
صباحاً، داخل منزل زيدان، خرجت ورد من المطبخ تحمل صينية عليها الكثير من المعجنات الساخنة التي أعدتها بمساعدة عاملتها الوفية صابحة. حولت بصرها إلى الباب الخارجي وهي تنظر إلى ذلك الثنائي السعيد، وتحدثت بنبرة لائمة:
"كل دي تأخير يا يزن، عمك وصفا قاعدين من بدري على السفرة ومرضيينش يدوجوا الأكل غير لما تيجوا."
ابتسم لها يزن، الذي أصبح منزل زيدان بيته الثاني. احتضنه زيدان وأمل وطلبا منه أن يأتيا كل صباح لتناول وجبة إفطارهما وجميع وجباتهم حتى لا يشعروا بالانعزال والوحدة كما شعر هو وورد في الماضي. وذلك بعدما قرر يزن عدم الذهاب إلى السرايا لحين موعد زواج ليلي، حيث أن شهور عدتها لم تنتهي بعد، ولم يتحدث جدها مع صالح بشأن زواجه منها اتباعاً للشريعة. جاء قرار يزن هذا لتجنب إثارة المشاكل وزعزعة الاستقرار داخل السرايا.
هتف يزن وهو ينظر إلى تلك المحتضنة لذراعه برعاية وتملك:
"اسألي الدكتورة وجلعها الماسخ."
وأكمل شارحاً بدعابة:
"ساعة بفوق فيها وساعة في الحمام وساعة بتلبس خلجاتها لما جربت أشُج خلجاتي منها."
اتسعت أعين أمل وتحدثت بنبرة حزينة مصطنعة:
"بقا كده يا سي يزنون."
نظرت إلى ورد التي أصبحت تناديها "أمي" بعدما غمرتها بحنانها ورعايتها واهتمامها الذي افتقدته بعدما تحولت والدتها من أم إلى جهاز آلي ينظر لكل شيء ويقدره بالمادة. وتحدثت تشتكي إليها بنبرة دعابية:
"عاجبك كده يا ماما؟"
ضحكت ورد وتحدثت:
"هما الرجالة كلهم كده، كل حاجة يجيبوها في الحرمة لجل ما يطلعوا حالهم منها كيف الشعرة من العجينة."
وتحدثت وهي تتقدمهم باتجاه غرفة الطعام:
"ادخلوا يلا لجل ما تلحقوا تفطروا قبل ما الدنيا تتزحم."
التفت ودلفا خلفها ذاك الثنائي العاشق. ألقى يزن السلام على عمه صفاء. ثم تحدثت أمل باحترام إلى زيدان:
"صباح الخير يا بابا."
أجابها بنبرة حنون:
"صباح الخير يا بتي."
وأشار بكف يده:
"اجعدي يلا لجل ما تفطري."
جلس الجميع وشرعوا بتناول الطعام. فتحدث زيدان موجهاً حديثه إلى يزن وسأله عن التجهيزات التي تتم خارجاً داخل الحديقة الخاصة باحتفال ليلة الحناء:
"الناس بتوع الفراشة خلصوا ولا لسة يا يزن؟"
أجابه يزن وهو يبتلع ما في فمه:
"خلصوا يا عمي والطباخين وصلوا وأنا داخل من إشوي، وأبوي وعمي قدري وحسن معاهم."
"طب هم يا ولدي لجل ما نطلع لهم ونجف وياهم." جملة قالها زيدان.
نظرت أمل إلى الطعام واقشعرّت ملامحها حين شعرت بالغثيان من رائحته. لاحظت صفا المقابلة لها تغير لون وجهها، لكنها صمتت لعلمها سبب تلك الحالة. لاحظ زيدان النظرات بين صفا وأمل التي تغير لون وجهها وأصبح باهتاً.
فتحدث بحنان الأب:
"مالك يا بتي، معتاكليش ليه؟"
صمتت هي وأنزلت بصرها خجلاً. وابتسم يزن وهو ينظر إليها وسعادة الدنيا تملأ قلبه الجميل.
أما ورد التي ضحكت بسعادة وتحدثت إلى زيدان وهي تـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ
ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم روز امين
بعد انتهاء الاحتفال بليلة الحنة الخاصة بالنساء، دلفت إلى غرفة جدتها المتواجدة بالطابق الثاني، والتي صعدت إليها لتنال قسطاً من الراحة بعيداً عن ضجيج العاملات اللاتي يقمن بتنظيف السرايا من الفوضى التي حدثت جراء ما خلفه الاحتفال.
قامت بقياس الضغط لها وإعطائها إبرة السكري، وبدلت ثوب السهرة المثير بملابس محتشمة استعداداً للتحرك إلى منزل أبيها، وخرجت وأغلقت الباب خلفها بعد أن دثرت جدتها تحت غطائها الوثير بعناية ورعاية.
كانت تتحرك داخل الرواق كي تتجه إلى الدرج ومنه إلى منزل والدها. وصلت إلى باب شقتها وجدت يد تمتد وتسحبها بعنف للداخل، وبعدها أغلق الباب ووقف خلفه بجسده كالسد المنيع أمامها.
كادت أن تصرخ لولا ظهوره أمامها كالأسد الجائع بتلك النظرات الراغبة الممزوجة بعشقه الهائل لتلك الصافية.
نفضت عنهُ يدها وتحدثت بنبرة حادة ناهرة إياه:
"إتچنيت خلاص يا قاسم، أيه اللي عتعمله ده؟"
أجابها بأنفاس متقطعة وعيون راغبة وهو يتطلع إلى مفاتنها بجنون وعشق هائل:
"إتچننت عشان رايد مّرتي؟"
ارتعبت من هيئته الجنونية وأردفت قائلة بنبرة صارمة:
"أوعي من جِدام الباب خليني أروِح يا قاسم."
أجابها معترضاً بنبرة حادة:
"عتروحي علي فين يا صفا، مكانك الحجيجي إهني."
وأكمل بعينيه هائمتين ونبرة عاشقة:
"في شُجتك، جوه حُضـ.ـن جوزك حبيبك."
ابتلعت لعابها من نبرته العاشقة وعينيه الراغبة الهائمة وتحدثت بثبات زائف:
"بعِد عن طريجي يا قاسم وبطل الچنان اللي عتعمله ده."
"معتحسيش بنـ.ـار حبيبك الجايدة ليه يا صفا؟" جملة قالها بنبرة توضح احتراقه روحه ومدى اشتياقه لفاتنته.
ربعت ذراعيها ووضعتهما فوق صدرها وتحدثت بلهجة ساخرة:
"روح لمّرتك المصراويه اللي فضلتها عليّ، خليها تحِس بيك وتديك اللي ملجتهوش عند صفا يا وِلد عمي."
اقترب منها ومال عليها بطوله الفارع وأمسك كتفيها بحنان وأردف قائلاً بنبرة صوت لرجل عاشق:
"اللي عِند صفا وجوة حُضـ.ـنها مش موجود عند أي حٌـ.ـرمة في الدنيي كِلاتها."
واسترسل مذكراً إياها:
"وبعدين أني جولت جَبل إكده، مليش مّـ.ـرة غيرك ومرايدش يكون ليو."
وأكمل برغبة ظهرت بعينيه:
"مُشتاق لك يا صفا ورايدك، رايد حلالي اللي ربنا شرعهُ لي وده لا عيب ولا حرام."
"إبعد يا قاسم،،" جملة قالتها بقوة زائفة.
مال عليها وتحدث بجانب شفتيها:
"مجادرش خلاص يا جلب قاسم، معادش ينفع البُعد."
شعرت بأنفاسه الساخنة العطرة تلفح عنقها وتداعبها بنعومة، وتغلغل عطره التي تعشقه داخل أنفها فهز كيانها بالكامل.
ومن دون سابق إنذار اقترب منها وألهمه شفتيها وبدأ بتقبيلهما بعنف وجوع. كادت أن تستسلم له تاركة حالها وتنساق لرغبته وتتعمق معه سارحة بجولة غرامية جديدة تضاف إلى جولاتها القليلة جداً معه، لولا كرامة الأنثى التي انتفضت بداخلها وقامت بصفعها بقوة كي تستفيق من ذاك الوضع المهين لأنوثتها.
على الفور وضعت كفي يداها على صدره ودفعته بقوة، تهاوى على أثرها.
كاد أن يقترب عليها من جديد لولا تلك الطرقات التي جعلتها تبتعد منتفضة بهلع. نظر لها بعيون متشوقة، فأسرعت هي إلى داخل غرفة النوم الخاصة بهما معاً وأغلقت عليها بابها لتختبئ بعيداً عن عيون الطارق.
أخذ نفساً عميقاً ليهدئ من حالة النشوة التي أصابته جراء اقترابه منها. هندم ثيابه وتحرك إلى الباب وقام بفتحه مضطراً ليتفاجأ بتلك الإيناس التي ترتدي ثوباً رقيقاً وتضع عطراً مثيراً في محاولة جديدة منها كي تسحبه إلى عالمها، ولربما استطاعت إغوائه ليحدث بينهما هنا ما لم يحدث بالقاهرة.
وتحدثت بنبرة ناعمة متجاهلة تلك النظرات المهينة التي رمقها بها:
"مساء الخير يا قاسم، كنت حابة أتكلم معاك في موضوع مهم."
أجابها بنبرة قوية متعجباً لأمرها:
"من أمتي وإحنا فيه بينا مواضيع مهمه ولا غير يا إيناس!"
تحدثت بدلال وإغواء وهي تتحرك بساقيها للداخل بطريقة مستفزة له:
"طب مش تقولي إتفضلي الأول وتعزمني علي حاجة أشربها معاك."
وأكملت بدعابة غير مقبولة لديه:
"إنتَ بخيل ولا إيه يا مِتر؟"
أجابها بنبرة جادة شبه أمرة وهو يشير إليها للخارج بجسد مشدود أثر غضبه الشديد من أفعالها:
"من فضلك يا أُستاذة، ياريت تتفضلي على أوضتك حالاً، وجودك هنا وفي الوقت المتأخر ده ما يصحش وغير مقبول."
تحركت إلى وقفته لتُقابله وتحدثت بنبرة حزينة مصطنعة بجدارة:
"أنا مراتك على فكرة لو مش واخد بالك، يعني وجودي هنا طبيعي جداً ومبرر قدام الكُله."
تف بحدة ناهراً إياها:
"ما تضحكيش على نفسك يا إيناس، إنتِ عارفة كويس أوي إن العقد اللي بينا ده باطل وملوش أي قيمة."
وأجابها لتستفيق من غفلتها تلك وتكف عن محاولاتها التي لا تكل منها ولا تمل:
"ويكون في عِلمك، البيت كله هنا عارف إن جوازنا صوري، مجرد ورقة ملهاش أي لازمة."
وأكمل باعتزاز وتفاخر كي يُسمع تلك الماkثة بالداخل:
"ده غير إن الشقة دي ليه مِلكة، وماينفعش أي حد غيرها يخطيها برجله."
استشاط داخلها لكنها تلاشت وتجاهلت حديثه لتكمل مخططها التي أتت من أجله حسب تعليمات كوثر.
ثم أدارت بعينيها داخل الشقة تتفحصها بعناية والغل يتأكل من قلبها، كم كانت هادئة وراقية الذوق، من يراها يشعر وكأنها قصراً مصغراً من فخامة أثاثها. بلحظة شعرت بالغيرة والغضب من تلك التي تنعمت وفازت بكل ما يملكه قاسم، الحب، الاحتواء، الاحترام والولد وحتى المال وحياة الترف والدلال التي تحياها.
كل ما حلمت هي به وخططت لأجله سنوات عديدة، ذهب بغمضة عين إلى تلك الصفا، وقدمته هي بغبائها على طبق من ذهب.
زفر بضيق وهتف بنبرة حادة وإهانة لشخصها:
"من فضلك إتفضلي على أوضتك."
خطت بساقيها إلى الداخل تتلفت حولها بعدما تيقنت بذكائها وجود تلك الصفا، وذلك بعدما دقت النظر مؤخراً ولاحظت حالته المشعثة ورائحة العطر الأنثوي التي تملأ المكان وأيضاً إضاءة غرفة النوم:
"إنتَ فيه حد هنا معاك يا قاسم؟"
لم تكمل جملتها حين استمعت لباب غرفة النوم وهو يفتح لتخرج منه تلك الساحرة مبدعة الجمال وهي ترتدي ثوباً للنوم مثيراً للغاية، حيث يكشف عن نهديهـ.ـا المستديران ناصعان البياض ويكشف أيضاً عن فخـ.ـديها الممتلئتان بتناسق مثير، حيث كان الثوب بالكاد يصل إلى نصف فخـ.ـديها، بلونه الأزرق الذي أوضح بضة ومعالم وجمال جسدها المثير، مما جعل منها أيقونة أنوثة متحركة.
وتحدثت بكل إثارة وجرأة اصطنعتها بإعجوبة كي تحرق روح تلك الأفعى خاطفة حبيبها:
"معاه مّرته يا مدام، عِند سيادتك مانع؟"
استشاطت إيناس غضباً عندما نظرت إلى قاسم وجدته ينظر لتلك الصفا بعيون زائغة تتحرك فوق مفاتنها بجوع ولهفة وتؤكد لمن يراه للوهلة الأولى أنه لم يرى نساءً من قبل، أو هو حقاً عاشق حتى النخاع لتلك الساحرة.
تحدثت إيناس إليه بصدر يعلو ويهبط من شدة غضبها وغيرتها متجاهلة تلك الصفا لحرق روحها:
"لو سمحت يا قاسم، تعالي معايا على الأوضة لأن محتاجاك في موضوع مهم جداً وضروري نتكلم فيه إنهاردة."
أجابها باللكنة الصعيدية وهو مازال مثبت بصره على تلك الفاتنة وكأن عينيه قد سحرت وانتهى الأمر:
"جولت لك روحي على أوضتك، أني مفاضيش ولا عاوز أتحدت وّيا حد."
في حين تحركت صفا واقتربت من قاسم وألصقت جسدها به ثم لفت إحدى ذراعيها حول خصره والأخرى وضعتها فوق صدره بإثارة، لتثبت لتلك الحية الرقطاء ملكيتها لذلك العاشق، وتحدثت بنبرة حادة مهينة:
"هو إنتِ ليه غاوية تچيبي الإهانة لحالك."
وأكملت ساخرة وهي ترمقها بنظرة مشمئزة:
"الراچل من الصبح عمال يجول لك إن چوازنا صوري، والبيت كِلاته عارف."
وأكملت بكبرياء ورأس شامخ:
"ومَيصحش وچود الچواري في شُجة المَلكة."
وأكملت بإهانة متعمدة:
"إيه، معتحسيش للدرجة دي، معدتش عليكِ حاجة إسميها كرامة جَبل إكده ولا مخدتيهاش في الكلية."
كان ينظر إليها بعينيه متسعتان بذهول مما يرى أمامه، هل حقاً تلك التي أمامه هي صفا لا غيرها!
أما تلك الشمطاء فقد اشتعل داخلها من تلك التي أهانتها وجردتها من كرامتها أمام حالها وقاسم، فقرت بذكاء عدم مجابهتهما الآن كي لا تهين حالها أكثر من ذلك، لكنها لم ولن تستسلم بالتأكيد وستحاول لاحقاً ولكن بطريقة مختلفة.
رمقتها بنظرات حارقة متوعدة ثم تحركت إلى الخارج بعدما تأكدت أن معركتها أصبحت خاسرة أمام تلك الفاتنة. صفت خلفها الباب بشدة وغضب زلزلت بها أركان المكان.
نظر إليها بإنبهار فهرولت هي لداخل الغرفة سريعاً وكادت أن تغلق بابها لولا كف يده الذي سبقها ودفع الباب مما جعلها تتهاوى بوقفتها. جري عليها وأمسك خصرها قبل أن تقع أرضاً.
اشتعلت وجنتيها خجلاً وحاولت إفلات حالها من بين براثينه ولكن دون جدوى. رفعت بصرها تنظر بعينيها المرتبكة وتحدثت بنبرة ضعيفة بعدما رأت داخل عينيه جوعاً لم تره من قبل، يبدو أنه وصل للمنتهي:
"سيبني يا قاسم عشان أروح لـ مالك."
ضمها أكثر لصدره وأجابها:
"مالك تلاجيه نايم ومرتاح في حضـ.ـن جدته ومفيش خوف عليه، الخوف كلياته أصبح على أبو مالك."
وأكمل برجاء:
"إرحميني يا صفا."
"سبني يا قاسم،،" كلمة قالتها بضعف.
أجابها بقوة وإصرار:
"ريحي حالك وإهدي يا جلبي، وعاوزك تتوكدي إن مفيش جوة عتخليني أبعد عن حُضنـ.ـك الليلة وخصوصاً بعد ما شوفتك بهيئتك دي."
خبطته بشدة فوق صدره وتحدثت بقوة:
"إبعد عني يا قاسم، نچوم السما أجرب لك من إنك تلمس شعرة واحدة من."
يف يداه من فوق خصرها ثم أوثق يداها وأرجعها خلف ظهرها مما جعلها ملتصقة بجسده أكثر وتحدث برغبة مشتعلة:
"عاوزك يا صفا، ليه عتمنعي عني حلال ربنا؟"
نظرت إليه بقوة وتساءلت بنبرة جادة:
"رايدني صُح يا قاسم؟"
أجابها بنبرة متلهفة:
"مرايدش غيرك يا عيون قاسم."
تحدثت بقوة وثبات:
"تُبجا تطلجها، وده شرطي لجل ما تجرب مني وتاخد حلال ربنا كيف ما بتجول."
نظر لها بثبات ثم أجابها وهو يقربها منه أكثر:
"بعدين، نٌبجا نتكلموا في الموضوع ده بعدين يا صفا."
أجابته بقوة وإستماتة:
"دالوك يا قاسم، عنتكلموا دالوكن."
نظر لها بعيون راجية وتحدث:
"بعدين يا صفا لچل خاطري."
أردفت قائلة بنبرة حادة:
"وأني جولت لك دلوك يا قاسم وجبل ما تلمس شعرة واحدة مني."
وأكملت باعتزاز وشموخ:
"ده حجي ومعتنازلش عنيه، صفا متجبلش جِسمة راجلها علي إتنين، يا تكون لصفا لحالها وساعتها هبجا مّرتك وتحت طوعك."
وأكملت برأس شامخ:
"يا إما معطولش مني شعرة واحدة، مش صفا زيدان اللي تجبل بواحدة تانية تشاركها في راچلها وحبيبه."
نظر لها بجنون وتساءل:
"حبيبها يا صفا؟ لساتني حبيبك صُح؟"
ابتلعت لُعابها وأنزلت بصرها عنه متهربة وتساءلت بنبرة جادة:
"جولت أيه يا قاسم؟"
أجابها بإنصياع لأمرها ولأمر الهوى:
"حاضر يا صفا، عطلجها بُكرة."
"دالوك يا قاسم وقبل ما تجَرب مني،" كلمات تفوهت بها بقوة ونبرة أمرة.
ضيق لها عيناه وتساءل متعجباً:
"دالوك اللي هو كيف يعني، إعجلي يا صفا وأوزني كلامك زين، أخرج كيف أني بحالتي المشندله دي!"
أجابته بقوة وعناد:
"مليش صالح عاد، أني جولت دالوك يعني دالوكن."
نظر لها بقوة وبدون سابق إنذار دفعها بقوة لتتهاوى وتقع فوق تختهِ وتحدث بفحيح:
"ملعون أبو عشجك على أبو شوجي اللي عيزلني ويخليكي تتحكمي فيي."
انتفض داخلها حين رأت غضبه، كاد أن يتحرك خارج الغرفة وبالفعل وضع يده فوق موصد الباب ليفتحه، سبقته يدها التي أمسكت كفه لتمنعه من الرحيل، واحتضـ.ـنته من الخلف واضعة رأسها على ظهره متشبتة به وتحدثت بنبرة حنون مترجية:
"ما تمشيش يا قاسم."
تصلب جسده ووقف مكانه دون حديث فأكملت هي:
"ماتفوتنيش لحالي."
ابتلع سائل لعابه من هول اللحظة، وحين شعرت هي باستكانته لفت وجهه لها وأمسكت يده وسحبته إلى تختها في دعوة صريحة منه.
تمدد بجانبها فارتمت هي لداخل أحضـ.ـانه وتحدثت بدلال أنثوي لا يليق إلا بها:
"عشجاك يا حبيبي وعشجك نصيبي ومبتلاي، غصب عني الغيرة بتنهش في صدري وتشعـ.ـلله، مجدراش أتخيلك مع واحدة غير."
يرفع ذقنها ونظر لها بعيون مذهولة وأردف متسائلاً:
"للدرجة دي عتعشجي قاسم يا صفا؟"
أجابته بقوة وغيرة تنهش عينيها:
"وأكتر يا جلب صفا من جوة، أني بعشج النفس اللي عيخرج منك ومعيرجعش تاني."
انتفض داخله من شدة سعادته وهتف متسائلاً:
"بس إنتِ خابرة زين إني ما لمستهاش، أني جولت لك جَبل إكده يا صفا."
سألته بلهفة وغيرة عاشقة أدماها الهوى:
"صُح ما لمستهاش يا قاسم، وحياة مالك تجولي الحجيجة."
أمال برأسه وأردف قائلاً بنبرة رجل عاشق حتى النخاع:
"ألمسها كيف وأني إختصرت فيكِ كل متعة الدنيا وجمالها مش بس حريمها."
ثم رفع رأسه بشموخ وتحدث واعداً إياها:
"وحياة عشجك لطلجها بكرة الصبح لجل عيونك الغالية يا ست البنات."
انتفض داخلها وتساءلت بلهفة:
"صٌح يا قاسم، عطلجها صٌح؟"
ابتسم لها وتحدث بثقة:
"قاسم النعماني مبيجوليش أي كلام، وخصوصاً لما يكون الحديت ده خاص بصفا."
وأكمل بنبرة حادة شرسة:
"ولعلمك يا صفا، أني كنت ناوي على كده من لما وصَلت من المطار ولجيتها إهني هي وأمها، كله كوم وإنها تاجي لحد إهني وتحاول تمس كرامتك كوم تاني يا غالية."
ابتسمت بسعادة ورمت حالها داخل أحضانه وأردفت قائلة بنبرة سعيدة:
"ربنا يخليك ليا يا قاسم."
ضمها إليه وأخذ نفساً عميقاً يشتم به ريحها الذي اشتاقه حد الجنون، وبدأ بتقبيل عنقها ليذيبها ويجعلها تنسجم معه وتسبح ببحر عشقهما الحلال، وبلحظات غاصا داخل عالمهما الخاص، عالم السحر والخيال، الملئ بالسعادة والاستكانة والأمان.
❈-❈-❈
دَلفت إلى غرفة والدتها تفرك كفيها ببعضيهما والغضب والغيرة ينهشان داخلها. أسرعت إليها والدتها التي بعثتها إلى قاسم لتقوم بإستدراجة، وأردفت قائلة بنبرة مستفسرة:
"إيه اللي جابك بسرعة كده يا إيناس؟ مش قولت لك تحاولي معاه بشتى الطرق؟"
أجابتها بفحيح ووجه محتقن بالغضب:
"وأديني سمعت كلامك وما جنتش منه غير قلة القيمة والبهدلة قدام الملعونة مراته."
ضيقت كوثر عينيها باستغراب وتساءلت بتعجب:
"قدام مراته اللي هو إزاي يعني! هو مش المفروض إن مراته قاعدة عند بباها من وقت ما عرفت موضوع جوازك إنتِ وقاسم؟"
ضحكت باستهزاء وأردفت قائلة بنبرة ساخرة:
"ده الكلام اللي العقربة اللي اسمها فايقة فهمته لنا، وإحنا من غبائنا صدقناها ومشينا وراها زي المغفلين بالظبط."
وأكملت بنبرة مشتعلة:
"بس اللي شفته بعيني من شوية ما بيقولش كده أبداً يا ماما."
تساءلت كوثر بنبرة قلقة:
"وأيه بقا اللي شفتيه ومخليكِ راجعة مش طايقة نفسك بالشكل ده؟"
أجابتها بنبرة مستشيطة:
"شفت بعيوني الدكتورة المحترمة خارجة من أوضة نومها لابسة لانجري ما تلبسهوش غير واحدة بتعشق جوزها وبتتمني نظرة رضا منه."
وأكملت بغيرة مشتعلة ظهرت بعينيها:
"وشفت نظرات في عيون قاسم ليها بتقول إنه بيعشق التراب اللي بتمشي عليه."
ابتلعت كوثر لعابها رعباً وتساءلت بنبرة قلقة:
"طب وبعدين يا إيناس، هنعمل إيه؟ دي كانت فرصة إننا نستغل وجودنا هنا وتدخلي له وتحاولي بأي طريقة تخليه يتمم جوازه عليكِ قبل الأربع شهور اللي فاضلين دول ما ينتهوا."
وأكملت لتذكيرها:
"دي كده اللي اسمها صفا دي هتبوظ لنا كل تخطيطنا، إنتِ ناسية الدكتورة اللي روحنا لها وظبطت لك الهرمونات بالحبوب المنشطة للحمل اللي إديتها لك."
زفرت إيناس بضيق وتحدثت بحنق واستسلام:
"وأنا يعني كنت هعمل إيه يا ماما في وجود الزفتة دي كمان."
ثم أكملت بنبرة مشتتة:
"اللي يشوف معاملته الكويسة ليا أنا وإنتِ وترحابه لينا أول ما شافنا، ما يشوفش الطريقة المهينة اللي كلمني بيها قدام اللي اسمها صفا دي."
وأكملت باستغراب:
"ده كأنه إتحول."
أجابتها كوثر بنبرة جادة:
"أنا قولت لكم من الأول إن الواد ده خبيث ولئيم محدش فيكم صدقني."
وأكملت شارحة:
"هو كل اللي يهمه إنه يوصل لفلوس عمه ويكوش عليها كلها لوحده."
وأكملت بعيناي حاقدة:
"فاكر إنه هيخلص منك بعد السنة ما تعدي ويضحك عليكِ بالشقة والعفش والكام ملطوش اللي وعدك بيهم عند الطلاق."
واسترسلت بتوعد وعيون تطلق شزراً:
"لكن ده بُعده، هو لسه ما يعرفش كوثر ونابها الأزرق."
قطبت إيناس جبينها وتساءلت مستفسرة:
"إنتِ ناوية على إيه بالظبط يا ماما؟"
نظرت لها بعيون يكسوها الغموض وتحدثت:
"ناوية أدخل كبيره في الموضوع، هَلعب على نقطة النخوة والرجولة عند الراجل الكبير وأخليه هو اللي يجبر حفيده علشان يتمم جوازه منك."
وأكملت بابتسامة نصر:
"اقفي واتفرجي على أمك وهي بتخطط وبترسم لك صح."
❈-❈-❈
داخل غرفة قاسم وصفا.
كانت تضع رأسها فوق صدره براحة، تنتفض من شدة سعادتها أما هو فحدث ولا حرج، كان يشعر وكأنه امتلك العالم أجمع بامتلاك قلبها ورضاها عليه مجدداً.
شدد من ضمته بتملك وأردف قائلاً بنبرة هائمة:
"أية في الدنيي كلياتها يستاهل إنك تحرمينا من أحضـ.ـان بعض يا صفا!"
أجابته بنبرة منكسرة لائمة:
"إنتَ اللي حرمت حالك وحرمتني معاك يا قاسم لما فضلت عليّ."
وكادت أن تكمل لولا أصابع يده التي وضعها فوق شفتيها الوردية ليحجب بهما حديثها اللائم قائلاً بنبرة مترجية:
"خلاص يا صفا، معايزش أسمع حاجة تعكر مزاجي إنهاردة، خليني فرحان بجُربك من جلبي ورجوعك اللي رجع لي روحي من جديد بعد ما كانت مفرجاني."
استكانت داخل أحضانه وتنفست بانتشاء وشدد هو من ضمتها مربتاً على ظهرها بحنان، ثم رفع ذقنها وتلاقت الأعين من جديد وذابت بنظراتهم والحديث. مال على كريزتيها وبدأ بتقبيلهما بهدوء وحنان سرعان ما تحول إلى عاصفة جديدة وأندمجا معاً لأبعد الحدود.
لولا صوت هاتفه الذي رن معلناً عن وصول مكالمة، ابتعدا مرغمين، ومد هو يده فوق الكومود والتقطه وابتسم لها قائلاً:
"ده عمي زيدان."
انتفضت بنومتها وجلست تداري جسدها مما جعله يدخل في نوبة ضحك وتحدث مداعباً إياها:
"مالك اتخلعتي ليه كده، جايبك من شارع جامعة الدول أني إياك!"
انتهى الاتصال وبدأ من جديد فتحدثت هي على عجل بنبرة مرتبكة وعينين زائغتين:
"رد بسرعة يا قاسم، رد وجول له إني عند جدتي وجاية حالاً."
نظر لها بحزن تملك من قلبه، ثم تحدث بنبرة حازمة:
"هرد يا صفا وهجول له إنك نايمة في حضـ.ـن جوزك، معنسرجوش إحنا لجل ما نتداري كيف اللي عاملين عاملة."
ابتلع لُعابها من نوبة الغضب التي انتابته، وضغط قاسم زر الإجابة وتحدث بنبرة جادة:
"إيوه يا عمي."
تساءل زيدان بنبرة قلقة:
"ماتعرفش صفا فين يا قاسم؟"
وأكمل بارتياب:
"بعت لها صابحة عند جدتها ملجتهاش وبكلمها على تلفونها مجفول."
أرجع ظهره للخلف وأخذ رأسها واضعاً إياها بحنان فوق صدره وأراحها، ثم أجابه بهدوء:
"صفا معاي يا عمي، هنباتوا الليلة أنا وهي في شُجتنا."
انتفض زيدان غضباً وتحدث معترضاً بنبرة حادة:
"حديث إيه اللي عتجوله دي يا قاسم، كيف يعني عتبات وياك في شُجتك؟"
أغمض قاسم عينيه بحزن على ما أوصل به حاله وتحدث إلى عمه بنبرة صارمة:
"صفا مّرتي وحلالي وبايته مع جوزها يا عمي، وأظن ده لا عيب ولا حرام."
احتدمت ملامح وجه زيدان وهتف بنبرة غاضبة:
"خدتها منيك لحالك إكده يا وِلد أبوك؟"
وأسترسل غاضباً:
"ملهاش أب تجعد وياه وتستأذنه إياك؟ وبعدين على أي أساس أصلاً خدتها، إحنا مش فيه بيناتنا شرط ولازم يتنفذ جبل ما ترجعها لدارك؟"
أخذ قاسم نفساً عالياً وأردف قائلاً بنبرة هادئة كي يسترضي ذاك الغاضب ويحثه على الهدوء:
"إهدي يا عمي، وصدقني أني بكرة الصبح عريحك وعنفذ لك كل اللي عتأمر بيه."
ثم نظر إليها وتحدث بعينين هائمة في عشقها:
"وأني تحت أمرك وأمر صفا في كل اللي عتطلبوه."
وأكمل برجاء:
"أني بس كل اللي طالبه من حضرتك تصبر عليّ للصُبح، وعلي الساعة عشرة كده، عنتـ.ـقابل في المندرة ووعد مني إني عراضيك وأراضي مّرتيه."
يهدأ زيدان قليلاً بعدما استشف من حديثه الوعد الصادق، فأردف بنبرة جادة:
"ماشي يا قاسم، خليني صابر معاك للأخر، لحد ما أشوف بكرة عتعمل إيه."
وأكمل كي يطمئن على صغيرته:
"إديني صفا أطمن عليها."
أشار لها بالهاتف فأغمضت عينيها من شدة خجلها من أبيها الذي لم يأتي حتى بمخيلتها حين انجرفت خلف مشاعرها معه متناسية العالم بأكمل.
أخرجت صوتها بصعوبة قائلة بنبرة مرتجفة بفضل خجلها الشديد:
"إيوه يا أبوي."
يسألها زيدان باختصار:
"إنتِ زينة يا صفا؟"
شعرت بالارتباك والخجل يغمر روحها وبصعوبة بالغة تحدثت:
"أني زينة يا حبيبي، متجلجش عليّ."
تفهّم زيدان وضعها وشعر بخجلها الشديد منه فصمت كي لا يزيدها عليها، وأخذ قاسم منها الهاتف ليعفيها حرج الموقف وتحدث إلى عمه من جديد:
"بعد إذنك يا عمي، ياريت تبعت مالك مع هدية لجل ما يبات في حضـ.ـن أبوه وأمه."
أومأ له زيدان وأغلق معه سريعاً، فصاحت به ورد التي كانت تستمع بترقب عبر مكبر الصوت، متسائلة بتعجب لأمر زوجها:
"إنتَ عتسيب البِت تبات وياه جبل ما يطلج المصراوية يا زيدان؟"
أجابها وهو يتحرك إلى غرفة نومهما:
"وأيه اللي في يدي أعمله يا ورد."
وأكمل باستسلام:
"الواد جالها لي في وشي ومخزيش مني، مّرتي وحلالي وبايته ويّا جوزها."
ثم التفت لتلك التي تتحرك خلفه حاملة الصغير بين ساعديها برعاية، ونظر إليها بحدة وهتف قائلاً بنبرة غاضبة:
"وبدل ما إنتِ جاية تلوميني وزعلانة كده، روحي لومي على بِتك الي راحت له لحد عِنديه بمزاجها."
هزت رأسها باعتراض قائلة بنفي مؤكد:
"بتي متعملش كده واصل، أكيد هو اللي غصبها لجل ما تبات معاه بالجوة."
سألها ساخراً:
"مصدجة حالك إنتِ إياك؟"
وأكمل موضحاً:
"إنتِ خابرة بتك زين ومتوكدة إن مفيش مخلوق يجدر يغصبها على حاجة هي معيزهاش."
واسترسل قائلاً بنبرة حادة بفضل غضبه الذي أصابه جراء ما حدث:
"جومي انده لهدية خليها تاخد مالك وتوديه لعِنديهم."
انتفض قلب ورد ونظرت إلى الصغير التي تحمله وتحتضنه برعاية والذي لم يبتعد عن أحضانها منذ ولادته، حيث أنه يغفو بجانبها هي وزيدان وعندما يحتاج لتناول حليب والدته تذهب به إلى صفا التي تبيت ليلاً بغرفة بالطابق الأسفل لتكون قريبة من صغيرها.
وهتفت بارتعاب وهي تقربه من أحضانها:
"لا، مالك عيفضل معايا."
زفر لرؤيته هلعها، وأردف قائلاً بنبرة هادئة:
"ومين بس اللي عيرضعه طول الليل يا ورد."
وأكمل ليحثها:
"جومي جهزي له شنطة وحطي له فيها كام غيار على الحاجات اللي هيحتاجها الليلة لحد ما نشوف بكرة عيُحصل إيه."
وأكمل وهو يتحرك إلى الخارج من جديد:
"يلا بسرعة وأني عروح أنده لهدية."
أما تلك المرتعبة التي مازالت واضعة رأسها فوق صدره وتحدثت بنبرة خجلة محملة بالهموم:
"مكانش لازم تجول لأبويا إكده يا قاسم، كنت جول له إني عند جدتي وراجعة."
لف لها وجهه ومال على جانب شفتيها وضع بها قبلة حنون وتحدث بترجي:
"صفا، أني رايج جوي إنهاردة وبعيش أسعد ليلة في حياتي، متنكديش عليا الله يخليكي وسبيني أفرح وأتهني بحُضـ.ـنك."
ابتسمت له وجعلته يلف ساعديه حول خصرها ويجذبها إليه من جديد ليخبرها بطريقته عن مدى اشتياقه الجارف لها.
بعد مرور حوالي النصف ساعة.
استمع إلى قرع جرس الباب، تحرك هو إلى الخارج، ثم دلف إليها من جديد حاملاً صغيره وحقيبة اشيائه. كان الصغير مازال مستيقظاً حيث أن يومه الفعلي ابتدأ للتو، تحركت وحملت الحقيبة عنه، ثم فتحتها لتخرج أشياء صغيرها وبدأت بوضعها على الكومود.
أما ذاك الذي جلس فوق الفراش حاملاً صغيره بين ساعديه بعناية فائقة، شعور هائل تملك من كيانه وهو يحمل قطعة منه، يرى بعينيه ثمرة عشقه من مالكة قلبه وهو يتجسد أمامه في صورة طفل جميل زاد من ترابطهما الروحي والمعنوي أكثر فأكثر.
رفع صغيره بحذر وقربه من وجهه وبدأ بتقبيله بحنان ولهفة، أغمض عينيه ودفن أنفه داخل عنق الصغير وبدأ يشتم رائحته الذكية التي تشبه رائحة الجنة في طيبها.
كانت تنظر إلى حالته بألم وحزن على ما وصلا إليه معاً وبأياديهم، تحركت وجلست بجانبه، وضعت رأسها ساندة إياها على ذراعه وهي تنظر على صغيرها الذي يبتسم لأبيه بسعادة وكأنه شعر للتو باستكانة روح والداه.
نظر لها وتحدث بإنبهار وعينين سعيدة:
"سبحان الله، وارث عيونك بالمِلي."
ابتسمت بهدوء وأردفت بفخر:
"بس واخد منيك كل ملامحك."
أمسكت كف صغيرها وأكملت باعتزاز:
"نفس كف إيدك وشكل صوابعك، حتى رجليه شبه رجلك."
ضحك لها وغمز بوقاحة قائلاً:
"ده أنتِ على كده كنتِ مركزة جامد وياي."
ابتسمت خجلاً وأكمل هو بهيام:
"للدرجة دي عاشجة جوزك يا بِت زيدان."
ابتسمت خجلاً ودفنت وجهها في ذراعه، بدأ الصغير بالصياح والإعلان عن حاجته للطعام، اعتدلت وأخرجت نهـ.ـدها لتطعم صغيرها تحت سعادة ذاك الذي جلس خلفها وأسند ظهرها على صدره، وبدأ بالنظر لوجه صغيره الرضيع وهو يبتسم له ويُداعبـ.ـه تحت شعور تلك الصافية بأنها امتلكت الدنيا بأسرها.
قضيا ليلتهما كلٍ داخل أحضان الآخر يتسامران بأحاديثهما الشيقة، كان كلاهما يستمع متلهفاً لحديث الآخر كي يكون على دراية لما جرى طوال مدة الفراق مع نصفه الآخر، ظل يتسامران ورضيعها يتوسط حضنيهما.
ومع رفع أذان الفجر وقع كلاهما صريعاً للنوم داخل أحضـ.ـان الآخر بعدما غفى صغيرهما ونقله قاسم داخل مهده الذي جلبه له قبل ولادته، عندما كان يُمني حاله برجوعها إلى أحضانه بعد ولادة صغيره مباشرة.
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي.
داخل الفيراندا الخاصة بمنزل عثمان.
عادته يجلس بصحبة ولداه قدري ومنتصر وتجاورهم رسمية، يحتسون مشروب الحليب الممتزج بالشاي مع بعض المعجنات لحين انتهاء العاملات من تجهيز وجبة الإفطار الأساسية.
اقترب عليهم زيدان الذي تحدث بملامح وجه جامدة:
"صباح الخير."
ردد الجميع عليه.
نظر إلى والده وهتف بنبرة حادة لم يستطع السيطرة عليها:
"يرضيك اللي عِمله قاسم دِه يا أبوي؟"
سأله قدري مستفسراً:
"عِمل إيه قاسم يا زيدان؟"
نظر له بعينين مستشاطتان وأردف قائلاً بنبرة حادة:
"معارفش إياك يا قدري؟"
ضيق قدري عينيه بعدم استيعاب لحديث زيدان فأكمل هو شارحاً عندما تأكد من عدم معرفته:
"حضرت المحامي المحترم اللي خابر الأصول زين، خد بِتي وبيتها معاه في شُجته من غير ما يرجع لي ولا حتى يعمل لي اعتبار."
وأكمل وهو ينظر إلى والده وسأله:
"يرضيك اللي حصل من حفيدك ده يا أبوي؟"
انتفض داخل رسمية وهتفت بنبرة سعيدة:
"يا ألف نهار أبيض، والله بردت ناري وفرحت قلبي يا ولدي بحديثك ده."
وأكملت بتساؤل سعيد:
"يعني صفا دلوك ويّا قاسم فوج في شجتها؟"
تململ من حديث والدته وهتف متسائلاً:
"وهي المواضيع اللي كيف دي عتتاخد بسهولة إكده ده بردك يا حاجة رسمية؟ مش فيه أصول ولازم نتبعها ولا إيه؟"
أجابه قدري بنبرة حنون صادقة ليحثه على الهدوء:
"الكلام ده يمشي مع الغريب يا أخوي، لكن قاسم إنت اللي مربيه وكيف ولدك."
أردف عثمان بنبرة هادئة كي يطمئن نجله على صغيرته:
"هدي حالك يا زيدان وطمن بالك على بتك، قاسم عِمل الصح واللي كان لازم يحصل في وجود الولية الحرباية دي هي وبِتها فوج."
وأكمل شارحاً:
"وبعدين كلها كام ساعة وقاسم عيراضيك ويراضي مرته جدام الكِل."
وأكمل وهو يومئ له بعينيه بتأكيد:
"هو وعدني بكده وأني واثج فيه."
وأكمل وهو يشير إليه بنبرة ودودة:
"تعالّ أُجعد جاري وأشرب لك كباية شايه."
هدأت ثورة زيدان الواهية، فهو بالأساس كان يستشعر باقتراب إزاحة تلك الغمة وذلك بعد حديث قاسم المطمئن له، لكنه غضب فقط لكونه كان يتمنى عودة ابنته إلى زوجها بعد انتهاء قاسم من فض زيجته التي دمرت حياتها. بالفعل جلس بجانب أبيه يحتسي المشروب.
فاقت كوثر من غفوتها قبل السابعة صباحاً، وارتدت ملابسها سريعاً وتدلت إلى الأسفل كي تقابل عثمان. تحركت إلى الفيراندا بعدما استدلت عليها من إحدى العاملات بعد أن سألتها عن تواجد عثمان.
تحدثت بوجه مبتسم بزيف وهي تفرق نظراتها المترقبة على وجوه الجالسين:
"صباح الخير."
نظر لها الجميع باستغراب وأسترسلت هي حديثها وهي تنظر إلى قدري:
"إزيك يا حاچ قدري."
رمقه قدري بنظرة مشمئزة وذلك لعدم تقبله لتلك السيدة ولا الارتياح لشخصها منذ أول لقاء بينهما فتحدث بنبرة رخيمة:
"أهلاً."
أكملت بحماس وهي تنظر إلى عثمان متلاشية طريقة قدري:
"أكيد حضرتك الحاج عثمان كبير البلد وكبيرنا كلنا."
قطب جبينه ونظر إلى تلك المتنلقة فهتفت وهي تتحرك إليه وتبسط له ذراعها لتجبره على مصافحتها:
"أزيك يا حاج، أنا إيناس مرات حفيدك قاسم."
أثارت تلك الجملة حفيظة زيدان الذي شعر بالاستياء لأجل ابنته.
في حين تحدث إليها عثمان الذي يستند على عصاه بكف يده رافضاً مصافحتها مما أسعد رسمية وزيدان والجميع:
"ما تأخذنيش يا سِت، كيف ما أنتِ شايفة، يدي ساند بيها جَسدي العجوز على العصاية."
أردفت قائلة بمنتهى البرود وهي تسحب كف يدها:
"ولا يهمك يا حاجو."
وأكملت بمنتهى التبجح:
"أنا بعد إذنك كنت حابة أتكلم مع حضرتك لوحدنا في موضوع خاص."
ضيقت رسمية عينيها وهتفت بنبرة حادة:
"خاص كيف يعني يا حُرمة."
ابتسمت لها بزيف وتحدثت مفسرة:
"يعني موضوع ما ينفعش نتكلم فيه قُدام الكل يا حاجة."
رمقتها رسمية بنظرة غاضبة وهتفت بنبرة حادة:
"فاكراني جاهلة ولا معفهمش حديثك إياك يا حُرمة."
ابتلعت لُعابها من هيئة تلك الغاضبة ولسانها السليط، في حين تحدث عثمان وهو يفرق نظراته على انجاله الثلاث:
"جولي اللي رايداه جِدام الكل، أني معخبيش حاجة على ولادي واصل."
أجابته بنبرة راجية:
"الموضوع اللي عاوزة أكلم حضرتك فيه مش هينفع أقوله قدام حد يا عمدة."
انتفض زيدان من جلسته وانسحب إلى منزله بعدما فاض به الكيل وطفح من حديث تلك المتبجحة، ففهمت هي بفطانتها أن هذا الغاضب هو زيدان.
ودلف عثمان ورسمية بصحبة تلك الشمطاء إلى غرفة اجتماعات العائلة.
فتحدثت تلك الخبيثة بعدما أشار لها عثمان بالبدء في الحديث:
"أنا هدخل في الموضوع على طول ومن غير ما أزوق الكلام، أنا واقعة في عرضك يا عمدة وبناشد الراجل الصعيدي اللي جواك، في إنك تخلي قاسم يتمم جوازه على بنتي إيناس."
قطب عثمان جبينه مستغرباً انحطاط تلك المتبجحة في حين نهرتها رسمية قائلة بنبرة حادة:
"إتحشمي يا حُرمة وخلي عندك خِشي."
ارتبكت وهتفت سريعاً تشرح المعنى المقصود من حديثها:
"أرجوكِ يا حاجة تفهمي المقصود من كلامي صح."
وأكملت وهي تنظر لذاك الثعلب الذي ينظر إليها بترقب مستشفاً لما داخلها:
"أنا عاملة على فضيحة بنتي لما تتجوز من راجل تاني بعد ما تطلق من قاسم بعد السنة اللي متفقين عليها ما تعدي."
وأكملت بلؤم:
"تفتكر جوزها هيقول عليها إيه لما يلاقيها لسه بنت بنوت."
واسترسلت حديثها بنبرة خبيثة لإجبار عثمان على الاقتناع بحديثها:
"ده غير إن الموضوع ده هيمس سمعة قاسم هو كمان وهيشوه رجولته قدام الناس."
وأكملت لتبث الرعب داخل أوصال ذاك العجوز بشأن حفيده البكري:
"وأظن يا عمدة إنتَ مترضاش أن حفيدك يتقال عليه كلام بطال من اللي يسوي واللي ما يسواش."
وأكملت متصنعة الخجل وهي تنظر أرضاً:
"حضرتك أدري مني بالرجالة وتفكيرهم في المواضيع دي، تخيل كدة كمية التشهير بحفيدك لما جوزها يكتشف إنها بعد ما قعدت على ذمته سنة بحالها، لسه بنتلرجالة ما بتصدق واكيد هيتكلم في كل مكان وسمعة قاسم هتبقى في الأرض، وما تنساش إنه محامي مشهور وسُمعته مهمة جداً عشان شغله."
استشاطت رسمية وكادت أن تتحدث أوقفها عثمان بإشارة من يده، وتحدث هو:
"أول هام، الراجل الصح معيجيبش سيرة شرف مرته جدام الخلج كيف ماعتجولي، تاني هام، لو راجل بجد وعيحب بِتك، عينبسط لو لجاها كيف ما ربنا خلقها."
وأكمل بنبرة جادة:
"والأهم من ده كله إني معجدرش أجبر حفيدي على حاجة هو مريدهاش وحاسم فيها أمره."
واسترسل برأس شامخ مرتفع:
"وبخصوص حديثك العفش عن سمعة حفيدي، فدي محدش يجدر يتحدث فيها لأن حفيدي متجوز ومخلف ولد، ودي كفيل إنه يخرس أي حد يفكر بس يتحدث."
ثم رمقها بنظرة حادة وهتف قائلاً:
"لو خلصتي حديث إتفضلي على فوق في أوضتك والفطار عيطلع لك إنتِ وبِتك لحد عندك."
تنهدت بأسى وتحركت عائدة تجر أذيال خيبتها بعدما فشلت خطتها وهُزمت من ذاك الثعلب العجوز التي لم تستطع سيطرة فكرها عليه.
❈-❈-❈
عند الساعة العاشرة صباحاً.
تمطت بدلال وتكاسل فوق فراشها، حركت أهدابها وفتحت عينيها سريعاً حينما وجدت حالها مكبلة بقيود العشق. نظرت لذاك الذي يستند بذراعه على الوسادة وينظر عليها بعينين هائمة في جنة عشقها.
شعور هائل اجتاح كيانها عندما رأته يغمرها بتلك النظرة الحنون، تحدث وهو يضمها إليه بشدة:
"صباح الورد، إيه النوم ده كله؟"
ابتسمت إليه وتحدثت بنبرة متحشرجة أثر النعاس:
"صباح النور."
وتساءلت مستفسرة:
"هي الساعة كام؟"
أجابها وهو يميل على جانب كريزتيها ليلتقطها ويقطف قبلة سريعة:
"مالنا إحنا بالساعة والوقت."
ثم انتفض واقفاً وكشف عنها الغطاء وحملها بين ساعديه بقوة وتحدث وهو يلقي نظرة على مهد صغيره الغافي:
"يلا ناخد شاور قبل ما الإذاعة الوطنية تفتح على الرابع وتبدأ بإذاعة نشيدها الوطني."
تفاجأت من جنونه وتحدثت بنبرة قلقة:
"عتوجعني يا قاسم."
أجابها وهو يتحرك بها داخل المرحاض ويغلق بابه خلفه بساقه ويتحرك إلى كبينة الاستحـ.ـمام:
"لتكوني فاكرة إن لساتك موجعتيش يا دكتورة."
أنزلها بعناية ووقف قبالتها وأردف قائلاً بنبرة عاشقة وهو ينزع عنها ثيابها:
"ده أنتِ واجعة في عشج قاسم من وإنتِ لساتك عتتعلمي المشي."
نظرت له وسألته بدلال:
"ومتى قاسم وجع في عشق صفا؟"
أجابها بنبرة صادقة وعينين نادمة:
"قاسم اكتشف إنه أكبر مغفل في الدنيي كلياتها، كان عيكابر وينكر عشقك ويموته جواه."
وأكمل معترفاً بعينين شبه دامعة:
"أتاريني كنت مولود بيه زيه زي باقي أعضاء جسـ.ـمي يا صفا."
ألقت بحالها داخل صدره وأغمضت عينيها لتسرح معه بعالمه الملئ بالسحر والهيام.
بعد قليل كانت تقف أمام مرأتها تجفف شعرها، ينظر عليها ذاك الذي يقف بجوارها يعدل رابطة عنقه ويصفف شعر رأسه بعناية فائقة، من يراه يعتقد أنه عريس يتجهز لليلة زفافه.
انتهى مما يفعله وأمسك هاتفه وتحدث إلى أبيه وطلب منه أن يبلغ والدته بأن تستدعي كوثر وإيناس إلى غرفة الاجتماعات، وأيضاً ليليوكان قد أبلغ جده داخل احتفال الحنة بالأمس بأن يخبر يزن ويطلب منه الحضور هو وزوجته وأيضاً عمتاه، صباح وعّلية.
أغلق مع والده.
ونظرت هي إلى انعكاس صورته في المرآة وتحدثت بنبرة منكسرة مستضعفة وعينين مترجية:
"إوعاك تخزلني مرة تانية يا قاسم."
وأكملت وهي تميل برأسها بترجي:
"معجدرش المرة دي يا حبيبي، ده أني ممكن أروح فيها."
انتفض قلبه لأجلها وتحرك إليها سريعاً وقام باحتضانها من الخلف وشدد من احتوائه لها وتحدث:
"أني وعدتك خلاص يا غالية."
نظرت لإنعكاس عينيه وسألته بترقب:
"يعني صُح عطلجها؟"
وأكملت بتمني:
"ومن إنهاردة معيكونش ليك مّـ.ـرة غيري يا قاسم؟"
هز رأسه وتحدث لإزالة ألم روحها:
"ميتا كان ليا مّـ.ـرة غيرك أني."
ثم شدد من ضمـ.ـتها ودفن أنفه داخل عنقها وأردف مطمئناً إياها:
"طمني بالك وخليكي واثجة فيا، ووعد عليّ لأرچع لك هيبتك وأخلي كرامتك تاج فوق راس الكل."
تململ الصغير من نومته وبدأ بالصياح ليُعلن لوالديه أنهُ هنا ويطالبهم بالانتباه له.
تحركت إليه وبدأت بتبديل ثيابه وتعطير جسده استعداداً للهبوط للأسفل.
❈-❈-❈
داخل منزل يزن وأمل.
تململت أمل التي ارتدت ملابسها واستعدت للذهاب إلى السرايا قائلة باعتراض قلق:
"أنا مش عارفة إيه لازمة إني أروح معاك في الاجتماع ده يا يزن."
وأكملت مفسرة بحساسية:
"إنتم عيلة واحدة وأكيد هتتناقشوا في مواضيع حساسة تخص العيلة، المفروض ما أكونش موجودة منعاً للحرج."
أجابها وهو يقترب عليها ويحتضنها ليطمئنها:
"إذا كان جدي بنفسه اللي أكد عليّ إنك لازمن تكوني موجودة، وجال لي إن دي رغبة قاسم بذات نفسه."
وأكمل لائمًا لها:
"وبعدين إيه نغمة إنتوا عيلة واحدة دي، أومال إنتِ من أنهي عيلة إن شاء الله؟"
وأكمل بنبرة صارمة:
"إنتِ مّرتي وأم ولدي ولا بِتي اللي عياجي وينور حياتي، ولازم تعرفي إنك خلاص، من اليوم اللي بقيتي فيه مرتي بجيتي نعمانية أصيلة."
ابتسمت له بحنان ورمقته بعينين شاكرتين تفيض حناناً وعرفاناً، فضمه هو بقوة وتنفس براحة، وحدث الله بينه وبين حاله وشكره على نعيم عشقها والعيش الهني بجانبها وحياة الاستقرار التي أنعم الله ومن به عليه بعد الشقاء.
بعد قليل نزل الدرج وهو يحمل صغيره بين ساعديه برعاية وتجاوره تلك التي ترتجف، نظر لها وتحدث بنبرة صارمة:
"إرفعي راسك لفوق يا أم مالك، عاوزك تدخلي وياي وراسك مرفوعة جدام الكل."
اطمأنت لحديثه وتحركت بجانبه، وتحدث هو إلى حسن كبيرة العاملات:
"خالة حسن، خلي واحدة من البنات تطلع تلم حاجة الضيوف اللي فوق، وتعبيهم ف شنطهم وتديهم للسواق يحطهم في العربية عشان عيمشوا كمان إشوي."
أطاعته حسن تحت اطمئنان صفا.
دلفا كلاهما لداخل الغرفة متجاوران برأس سامخ مرتفع وتحدث هو بنبرة قوية لجميع الحضور:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
رد الجميع السلام.
فتحرك هو إلى ورد التي تنظر إلى الصغير بعينين مترقبة قلقة، نظر إليها بحنان وأعطاها الصغير التي التقطته من بين يديه متلهفة وبدأت تنثره بالقبلات كمن كان تائهاً داخل صحراء وجف حلقه وتشقق من شدة العطش، وبلحظة اتوجد أمامه بئراً من الماء العذب، فشرب وأروى ظمأه الشديد.
وقف أمام زيدان وأمسك مقدمة رأسه ووضع بها قبلة احترام وتقدير، نال بها استحسان معظم الحضور.
ثم أمسك كف يده ومال بقامته ووضع فوقه قبلة تعبيراً عن مدى أسفه واعتذاره.
رفع رأسه ونظر إلى عينيه وتحدث متأسفاً عما فعله ليلة الأمس:
"حقك على راسي يا عمي."
أومأ له زيدان بعينيه فيما معناه أنه عفا عنه.
تحرك ووصل إلى خاطفة أنفاسه التي تخجل من والداها والجميع، وأمسك كف يدها وأمال برأسه كثيراً في حركة دلالة على الاعتذار الشديد والتذلل وتحدث بنبرة حنون:
"حقك على جلبي يا غالية، أني غلطت في حقك يوم ما عملت حساب لناس ماتسواش."
وأكمل بنبرة قوية صارمة وهو ينظر لها بدلالة:
"بس ملحوقة يا بت أبوكِ يا عالية."
أمسك أيضاً مقدمة رأسها ووضع عليها قبلة اعتذار، ثم أخذ نفساً عميقاً ولف وجهه لكلتا المستشاطتان التان تجلستان والغل والحقد يأكل من روحيهما.
وتحدث بنبرة حادة وعينين كصقر يترقب لفريسته:
"معرفتي بيكم كانت أكبر غلطة عملتها في حالي."
وأكمل نادماً:
"عيلتكم كانت الوحل اللي غرست واتوحلت فيه في مشوار توهتي، ولما فوقت وربنا نور بصيرتي وجيت أخرج منه لجل ما أنضف حالي، كان خلاص فات الأوان، مسكتوا فيا بكل قوتكم وسحبتوني جواه لجل ما أغرس فيه أكتر."
واسترسل:
"حاولت أراضيكم بجرشين لجل ما تعتجوني لوجه الله وتفكوني من الرابطة السودة اللي ربط بها حالي."
وأكمل وهو ينظر إلى إيناس:
"لكن أبوكِ دخلني من حتة الفضيحة وباب الستر، إتـ.ـرجاني لجل ما أسترك وأستره جدام عيلته اللي عيشمتوا فيه."
وأكمل مفسراً:
"وافقت عشان أني راجل وجدي رباني على إني عمري ما أكسر راجل ولا أرد ضعيف لـ.ـجأ لي."
واسترسل كي يضع الجميع داخل الصورة:
"شرطت عليه وعليكم إن الجواز عيبجا على ورج."
ثم حول بصره إلى عاشقة حبيبها وتحدث بنظرة هائمة:
"ما هو مش معقول أكون متجوز صفا النعماني وأقدر أشوف أو أعاشر أي حرمة غيرها."
شددت من ضمة يده كنوع من العرفان، فحول بصره إلى تلك اللتان ستنفـ.ـجرا وأكمل:
"وكان من ضمن شروطي عليكم كمان إن لو مرتي ولا أهلي عرفوا عن طريقكم عتكوني طالق في يومها."
وأكمل لتوضيح الموقف للجميع:
"كتبت الكتاب ابتغاء مرضاة الله ليس إلا، وبيت في الشقة أني في أوضة مقفولة عليّ وإنتِ في أوضة تانية، وتاني يوم استنيت لما أهل أبوكِ جم باركو لك وعملت اللي عليّ، سافرت أني وجيت لمرتي إهني وجعدت وياها أسبوع، ولما رجعت على القاهرة رجعت على شجتي القديمة."
واسترسل:
"حتى لما الدكتورة صفا عرفت وجيامي جامت، مرديتش أطلقك وجلت هي ملهاش ذنب، ده ربنا اللي عمل كده وأكيد ليه حكمة من ورا اللي حصل."
وأكمل بنبرة حادة:
"رضيت بنصيبي وبعد مرتي عني اللي وجع جلبي وشرخ روحي، وبرغم إني كنت عموت في اليوم ألف مرة بسبب بعدها، إلا إني جلت لحالي إتحمل يا واد، ربنا رايدك تكفر عن ذنوبك لجل ما يطهرك وترجع بعد السنة لمرتك وإنت نضيف ومسدد كل فواتير الماضي الملعون."
وأكمل بنبرة حادة وهو يرمق إيناس بغضب:
"مرتي ولدت ولدي البكري وهي بعيدة عن أحضاني، محسيتش بفرحة ولدي ولا جومة مرتي بالسلامة وكل ده بسبب الحزن والنكد اللي عيشناه أني وهي وأهلنا بسبب غلطتي اللي بدفع ثمنها وهما كمان معايا."
وأردف متألماً:
"حملتها معاي ذنب غلطتي، وسددت الفاتورة وياي وهي ملهاش أي ذنب في كل ده."
وبلحظة تحولت نظراته إلى غاضبة شرسة وأكمل وهو يرمقهما بنظرات حارقة:
"بعد كل اللي عملته عشانكم دي، تاجي لكم الجرأة وتاچوا لحد إهني لجل ما تفضحوا مّرتي وتجهروها جدام حريم العيلة."
وأكمل وهو يرمقهما بنظرات مشمئزة:
"لا وكمان جيالي شجتي وبكل رخص وانحطاط عاوزاني أتمم جوازي عليكِ وفكراني أهبل."
اشعل داخل إيناس وتحدثت باعتراض:
"قاسم من فضلك، بلاش تجرح."
صاح بنبرة مرعبة انتفضت على أثرها هي ووالدتها:
"إنتِ تخرسي خالص وتسمعيني زين للأخر."
وأكمل شارحاً:
"يعلم ربنا أني كنت متجي الله فيكم لاخر لحظة، ومكانش في بالي الطلاق غير بعد السنة برغم المصايب اللي بعيشها بسبب جوازة الشوم دي."
وأكمل بنبرة شامتة وعينين متسعتين من شدة غضبه:
"بس عشان نيتي الخير وجلبي الطيب ونيتكم السو وضميركم الملوث، ربنا بعتك إهني مخصوص لجل ما أنهي اللي بينـ.ـاتنا بالطريقة اللي تليق بيكِ إنتِ والحرباية اللي جارك."
نظر لهما وأخذ نفساً عميقاً وابتسم براحة ظهرت على وجهه وشدد من مسكة يد تلك التي تجاوره وهتف بنبرة حادة صارمة:
"إنتِ طالق، طالق، طالق بالتلاتة يا بِت كوثر."
هتف قدري بسعادة لا مثيل لها تحت سعادة جميع من بالغرفة:
"براوه عليك يا وِلد أبوك."
في حين اشتعل داخل ليلي حقداً وهي تنظر لسعادة صفا التي تنظر لحبيبها بعينين هائمة، أما فايقة فلم تعد تهتم بالموضوع بعد تأثرها بحديث قاسم عن تشتت روحه، فبالأخير هي أم وتريد الراحة لولدها، وأيضاً تهديد قدري لها وضعها في خانة وحجم وقزم من دورها.
اشتعل داخل إيناس وشعرت بعالمها ينهار تحت قدميها، في حين جحظت عيناي كوثر وهتفت بنبرة حادة غاضبة لتعلن عن أصلها:
"نعم يا حبيبي، إنتَ فاكر إنك هتطلقها بسهولة كده وأنا هقف أتفرج، ده أنا أهد الدنيا فوق دماغك إنتَ وأبوك."
رمقها قدري متحدثاً بنبرة غاضبة:
"إجفلي خاشمك يا مّـ.ـرة بدل ما أدفنك مكانك صاحية إنتِ وبِتك."
صاحت به قائلة بنبرة حادة:
"تدفني مـ"
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم روز امين
أكملت كوثر وهي تنظر لعيناي قدري:
_ تنكر إنك جيت لنا لحد البيت وقعدت تقنع فيا أنا وجوزي وولادي علشان نوافق بجواز قاسم من بنت أخوك علي إيناس؟
وأكملت بما نهي علي تماسُك قدري:
_ ووعدتنا بإن الجوازة دي لو تمت إبنك هيغرق في مغارة علي بابا وهيغرف ويدينا وينوبنا من الحب جانب؟
ارتبك قدري وشعر بالخزي والعار أمام عائلتهُ، في حين اتسعت أعيُن الجميع وهم ينظرون على قدري وقاسم الذي كان ينظر إليها بذهول غير مستوعب كم بجاحتها وحقارتها. لام حاله وأنّبها، كيف له أن يغفل عن أصل تلك العائلة المنعدمة الأخلاق والمبادئ وأن يلقي بحاله في براثنها وهو المحامي الفطن.
نظرت صفا إلى قاسم الذي حول لها بصره سريعًا ليرى مدى تأثرها بما بَخَت به تلك الحية الرقطاء، ابتسمت له وكأنها تطمئنه، وشددت من ضمت كفها بكفه في حركة تدل على عدم تصديقها لما يقال. تنهد بارتياح ونبض قلبه صارخًا بعشق تلك الصافية.
نظر لها زيدان مشمئزًا من تلك الحقود التي تسعى إلى تخريب علاقة الأشقاء كي تنتقم لخروجها المهين من حياة قاسم بدون مقابل، قائلاً بنبرة هادئة تعكس عدم تأثره بحديث تلك الخبيثة المسموم:
_ وقدري بيعمل ليه إكده وهو عارف ومتأكد إن أنا ومالي كله تحت طوعه ورهن إشارته.
تنهد عثمان بارتياح من حديث صغيره الذي أثلج صدره وأراح باله، فهو العاقل الذي لا يخيب ظن أبيه به أبدًا.
في تلك اللحظة تملك من قدري شعور بالألم والحزن والخزي من حاله، فرق شاسع بينه وبين ذاك الفارس النبيل المسمى بزيدان، فكم من المرات التي حقد بها على شقيقه وكثيرًا ما قام بإحاكة المؤامرات للنيل من ثروته التي بذل الكثير من الجهد والتعب حتى قام بجمعها، وبالمقابل يكون هذا هو رد زيدان صاحب القلب الأبيض.
نعم زيدان على دراية كاملة بما كان يكنه قدري بداخل نفسه له، هو ليس بالرجل الأبله كي يغفل عن هذا الأمر العظيم والظاهر للكفيف، لكنه أيضًا يعلم أنه تغير تمامًا منذ حادثة ماجدة، وفهم أن الأهل هم أول الأيادي التي ستمتد إليك وتنتشلك حيث الوقوع في بئر الضياع، وبالأخص زيدان الذي كان له السند الحقيقي أثناء تلك الفاجعة.
قام زيدان بتوزيع نظراته على شقيقيه وأنجالهما وأردف بنبرة حنون وقلب راضٍ:
_ مالي وحالي كله تحت رجلين إخواتي وعيالهم اللي هما في الأصل عيالي ودايمًا واقفين في ظهري وسانديني بكل قوتهم.
وأسترسل وهو ينظر إلى قاسم بقوة وفخر:
_ وبالنسبة لـ قاسم ولدي اللي ما خلفتوش من صلبي، أنا أضمنه وأضمن أخلاقه برجبتي.
وأكمل وهو ينظر داخل عيناه باحترام صادق:
_ أنا يوم ما سلمته بنتي كنت عارف إني بسلم أغلى ما عندي لراجل صح بيحميها وبيكون لها الأمان والسند من غدر الأيام، لما سلمته زمام بنتي ومرتي وأمنته عليهم لو جرى لي حاجة مكانش من فراغ.
وأكمل بعدما رأى الحزن الظاهر بعيني قاسم والألم الذي اعتصر قلبه:
_ أنا عارف يا ولدي إن الخيانة والغدر عمرهم ما كانوا من طبعك.
وحول بصره إلى كوثر وإيناس ورمقهما بنظرة مقللة من شأنهما وأردف قائلاً:
_ ساعات ربنا بيختبرنا وبيحط في طريقنا ابتلاءات هتكون على هيئة بشر وده لحكمة هو وحده يعلمها، بس الأكيد إننا بنطلع من الابتلاء ده وإحنا أقوياء.
واسترسل مستشهدًا بتلك المقولة وهو ينظر إلى قاسم:
_ وكيف ما بيقولوا، لكل جواد كبوة ولكل فارس غفوة.
وأكمل وهو ينظر إليه:
_ ودي كانت غفوتك يا ولد النعماني، والشاطر هو اللي بيتعلم من أخطائه.
أومأ له قاسم وأمال رأسه بانحناءة بسيطة دلالة على اقتناعه بصحة حديثه، في حين هتفت كوثر بنبرة حادة:
_ هو أنتم هتقعدوا تترسموا وتحترموا لي في بعض عشان تطلعوني في الآخر أنا اللي كذابة وشيطانة وأخوكم وابنه ملايكة؟
وأكملت وهي تتحدث إلى زيدان قاصدة الوقيعة والتفرقة:
_ أنا قولت لك على اللي حصل عشان أخلي ضميري من ذنبك قدام ربنا وانت حر، تصدق بقى ولا ما تصدقش دي حاجة ترجع لك.
احتدمت ملامح فايقة وهتفت بنبرة غاضبة بعدما استشاط داخلها من تلك الملعونة التي تصر على هدم المعبد فوق رؤوس الجميع قبل المغادرة:
_ اكتمي نفسك يا مرة يا سو لأجي أكتمهولك بنفسي.
وأكملت بزيف كي تجبر الجميع على التشكيك بنوايا تلك الحقودة:
_ جاية تبخي سمك بين الإخوات وتوجعيهم في بعض يا ملعونة.
وأكملت:
_ الكل عارف إنك بتعملي كده بعد ما لقيتي حالك بتطلعي من المولد بلا حمص انتِ والعجوزة بنتك؟
حولت كوثر نظرها إليها بعينين تشتعلان وكأن فايقة بحديثها هذا قد فتحت أبواب جهنم على حالها وهتفت بنبرة تهكمية:
_ طب خلي حد غيرك يقول الكلام ده يا حبيبتي.
وأكملت باتهام صريح:
_ ده مفيش خطوة اتحركتها أنا وبنتي غير وتمت تحت إشرافك وبتخطيط منك.
وكادت أن تكمل أخرستها رسمية بنبرة صوتها المرعب حين هتفت بحدة لغلق الماضي وطى صفحاته الأليمة:
_ جفلي يا حرمة على المواضيع واردمي عليها، ما عيزينش نسمع منك لا خير ولا شر.
هتفت بنبرة حادة طاردة إياها بطريقة مهينة وصريحة:
_ ودلوقتي خدي بنتك وفارجونا من غير مطرود.
نظرت كوثر إلى عثمان وأردفت بنبرة مستضعفة كي تستدعي تعاطفه:
_ مش همشي قبل ما الحاج عثمان يجيب لبنتي حقها.
وأكملت بنبرة توسلية:
_ أنا واقعة في عرضك وشهامتك يا كبير، أبوس إيدك تجيب لبنتي حقها من حفيك وتحميها من ظلمه.
كان يرمقها بعينين تشبه نظرات الثعلب المكار، ابتسم لها بجانب فمه وأردف قائلاً بتعجب:
_ كيف بتطلبي مني الحماية وإني أقف جارك وإنتِ جاية ونيتك تفضحى حفيتدي وتعرفي الكل إن جوزها متجوز عليها؟
وأكمل ساخرًا:
_ لا وبغبائك كنتي مفكرة إنك بكده هتحطيه قدام الأمر الواقع وتخليه يستسلم ويُدخل عليها وتُبقى مرته رسمي، ولما لقيتي ولد النعماني واعي لك زين وكاشف ملعوبك، قولتي توجعي بين الأخوات وتطلعي بأي مصلحة.
وأكمل بفطانة:
_ ولما زيدان طلع ولد أبوه صح وخرصك قولتي لحالك أما ألعب على الراجل العجوز يمكن يحن ويغرف من الكنز ويديني.
واسترسل وهو ينظر إليها بمكر ودهاء:
_ أنا كاشفك وعارف غرضك السوء من أول ما خطيتي برجلك النجسة، بس كنت سايبك لحفيدي لجل ما يعلمك الدرس زين ويعرفك إنتِ وبنتك آخرة اللي بيلعب مع ولاد النعمانية إيه.
وأكمل متهكمًا:
_ واديكم نلتوا منه اللي تستحقوه.
هتفت بنبرة حادة بأسلوب خالٍ من الاحترام:
_ يعني إنتَ كمان موافق حفيك وبتشجعه على إنه ياكل حق الغلبانة بنتي؟ طب اعمل لآخرتك اللي قربت.
وأكمل بصياح عالٍ وقلبٍ يغلي من حرقته:
_ حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم كلكم، حسبنا الله ونعم الوكيل.
رمقه قاسم بنظرة تحذيرية وهتف قائلاً بنبرة حادة:
_ احترمي نفسك يا ست إنتِ واتفضلي يلا من غير مطرود.
رمقته إيناس بنظرات حارقة وهتفت قائلة بتوعد:
_ بقا هي دي أخرتها يا قاسم، بتطردنا من بيتك بعد كل اللي اتحملته عشانك؟ لو فاكر إني هسيبك بعد ما غدرت بيا تبقى لسه ما تعرفنيش كويس.
وأكمل وهي تشير بأصبع يدها بنبرة تهديدية:
_ وحياة كل حاجة عملتها لك وساعدتك بيها في شغلك عشان أكبر لك المكتب وفي الآخر طردتني منه، وحياة كل لحظة في عمري ضيعتها وأنا معاك وفي انتظار تحقيق وعودك الكدابة ليا وبعدها طلقتني.
وأكمل بنبرة حقود:
_ وحياة إهانتك ليا أنا وماما قدام عيلتك عشان تعمل فيها راجل قدام الهانم مراتك لأدفعك الثمن غالي، وغالي أوي يا قاسم.
واسترسلت وهي ترفع رأسها إلى الأعلى بنبرة تهديدية صريحة:
_ قابل اللي هيجري لك على إيديا يا قاسم يا نعماني.
قوس فمه وابتسم ساخرًا وأردف متهكمًا بلكنته الصعيدية:
_ أعلى ما في خيلك اركبيه وارمحي بيه رمح وورينا هتوصلى بيه لحد فين.
وأكمل بنبرة تهديدية حادة:
_ بس نصيحة مني لوجه الله، بلاش تقفي قدامي وتستفزيني بتصرفاتك الغبية، عشان إنتِ لحد دلوقتي لسه معرفتيش الوش التاني لقاسم النعماني واللي متأكد إنك ما هتصدقي قصاد جبروته.
ابتسمت ساخرة وهتفت بإصرار وعناد:
_ خلي الحكم للجمهور بعد المشاهدة يا مترشم.
سحبت بصرها ونظرت إلى كوثر وهتفت بنبرة حادة:
_ يلا بينا يا ماما وكفاية قلة قيمة لحد كده.
وزعت كوثر نظرات كارهة على الجميع وهتفت بنبرة لقلبها المحترق جراء خسارتها:
_ حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم، ربنا ينتقم منكم ويحرق قلوبكم زي ما حرقتم قلبي على حق بنتي اللي أكلتوه واستحليتوه، ربنا على المفتري.
صاح بها عثمان بنبرة حادة:
_ بكفاية عويل وصراخ يا حرمة ويلا من هنا بدل ما أفقد أعصابي وأخلي قدري ينفذ تهديده ويدفنك صاحية إنتِ والبومة اللي جنبك دي.
انتفض داخلها وهرولت إلى الخارج تتخبط بصحبة ابنتها التي خرجت من المنزل بقلبٍ مشتعل لخروجها خالية الوفاض من تلك الزيجة التي خططت ورسمت لها منذ أن التحقت بكلية الحقوق ورأت قاسم وعلمت منزلة عائلته والثراء الفاحش الذي كان يظهر عليه، ابتداءً من السيارة الفخمة التي أهداها له عثمان وهو بالفرقة الرابعة بالحقوق، مرورًا بانتقائه للثياب الفخمة والمال الذي كان يصرفه على حاله ويكرم به من حوله.
تحدث قدري بنبرة مشمئزة وهو ينظر على أثرهما:
_ غمة واتزاحت.
هتف يزن قائلاً بنبرة حادة وهو ينظر إلى قاسم:
_ يا أبووووووي، اتلميت عليهم في أنهي خرابة دول يا ولد عمي.
وأكمل لائمًا:
_ دول لا شبهك ولا حتى من توبك؟!
صاح منتصر ناهراً ولده لعدم إحزان قاسم أكثر من ذلك:
_ خلاص عاد يا يزن، عالم سوء وربنا خلصنا منهم، نجفل بقى على الموضوع وننساه وكأنه ما حصلش.
تنفس قاسم بضيق من حاله وما وصل إليه بفضل عناده ومحاولة هروبه السابقة، ثم تحدث إلى جده متلاشيًا ما حدث ليغلق عليه الستار وللأبد:
_ بعد إذن الجميع، كنت حابب أقعد أنا وأبي وأمي وفارس وليلي لحالنا ويا جدي وجدتي.
تفهم الجميع وبدأوا بالوقوف ثم همس هو إلى صفا قائلاً بنبرة حنون:
_ خدي بالك واطلعي على فوق يا غالية وأنا هخلص موضوع خاص بـ ليلي وأجي لك طوالي.
أومأت له بطاعة وتحدثت بنبرة حنون:
_ ما تتأخرش عليّ يا حبيبي.
انتفض داخله بشدة وأردف قائلاً بنبرة عاشقة:
_ ما هتأخرش يا جلب حبيبك.
تحركت بجانب والدتها التي تحمل الصغير وزيدان الذي نظر له بحنان فأبتسم له قاسم وتأسف له بعينيه، بادله زيدان بابتسامة رضا وسماح.
نظرت ليلي بحقد وكره على تلك التي تجاور يزن وتتحرك بجانبه تحت حماية يزن لها وهو يلف ذراعه حول كتفها بحماية ليثبت للجميع أنها تحت رعايته.
جلس الجميع فتحدث الجد إلى قدري وفايقة قائلاً:
_ قبل ما تبدأ في حديثك حابب أقول لأبوك وامك كلمتين.
وأكمل موجهًا اللوم لهما:
_ يا رب تكونوا اتعلمتوا الدرس زين واتعظتوا وشوفتوا بعنيكم لفين وصلتوا عيالكم.
وأكمل بنبرة متألمة وهو ينظر إلى قاسم:
_ شوفتوا كيف وصلتوا ولدكم وخلتوه يتلم على ناس سوء ويروح يرمي حاله جوه أحضانهم اللي كيف أحضان العقارب لجل بس ما يهرب منيكم؟
وأكمل:
_ عاجبكم شكله وهو ناصب محكمة لحاله كان فيها القاضي والجلاد؟
تحدث قدري بنبرة متألمة وهو ينظر أرضًا من شدة خجله:
_ حقك عليّ يا أبوي، حقكم عليّ كلكم.
أردف قاسم الذي لم يحتمل أن يرى والده بذلك الضعف وتلك الحالة المهينة:
_ بكفاية الله يرضى عنيك يا جدي، اللي حصل حصل خلاص وكلياتنا اتعلمنا الدرس زين.
وأكمل لينهي الحديث:
_ خلينا نتكلموا في المهم.
نظر إلى ليلي وتحدث بنبرة هادئة:
_ أنا عارف إن مش وقت الكلام ده وإن لسه بدري على ما العدة بتاعة ليلي تخلص.
ثم حول بصره إلى جده واسترسل:
_ وعارف كمان إن لسه زعلان منها ومن اللي عملته في صفا، بس أنا بطلب من حضرتك وأترجاك إنك تسامحها وتسمح لها تحضر ويانا فرح حسن النهارده.
رمقه عثمان بنظرة حادة وهتف قائلاً بنبرة غاضبة:
_ أنا جولت قبل كده إن مالهاش خروج من أوضتها إلا بعد عدتها ما تخلص، وهتخرج منها على بيت صالح ولد ذكي النعماني وهي مرته وعلى ذمته.
وأكمل مفسرًا إليه بهدوء:
_ كفاية إني كسرت كلمتي الليلة وخليتها تدلي وتحضر لجل خاطرك إنتَ وصفا.
نظرت إليه وتحدثت بنبرة توسلية:
_ أحب على يدك بلاش تجوزني لصالح يا جدي.
أردف قاسم متحدثًا إليها بنبرة هادئة وهو ينظر لها ليحثها على الصمت:
_ خلاص يا ليلي.
وأكمل وهو ينظر إلى جده:
_ اهدى يا جدي وخلونا نتفاهم بالعجل، صالح ما ينفعش ليلي يا جدي.
وأكمل سريعًا قبل اعتراض جده:
_ عبد العزيز ولد خالي منصور طلب يدها مني امبارح في الحنة، جالي إنه عاوز يضمن الموافقة قبل ما يرجع للسعودية لشغله، وإن شاء الله بعد عدتها ما تخلص هيعمل توكيل لأبوه لجل ما يكتب بيه الكتاب وليلي هتسافر له على طول وتعيش وياه في السعودية.
صمت الجميع ونظروا لبعضهم باستحسان للفكرة، وأكمل هو:
_ كلنا عارفين إن عبد العزيز كان يريدها قبل ما تتجوز يزن، وأكيد هيصونها وعيشيلها جوه عينيه.
صاحت هاتفة بنبرة غاضبة:
_ بس أنا ما عايزاش أتجوز لا عبد العزيز ولا غيره يا قاسم.
تحدث الجد باستحسان متلاشيًا صياحها:
_ وأنا موافق على عبد العزيز.
أردفت فايقة بنبرة حماسية:
_ عبد العزيز أحسن واحد هيصونك يا ليلي، وبعدين ظروفه مناسبة ليكي، مطلق مرته وعنده عيلين عايشين مع أمه هنا ومعتستغناش عنيهم.
وأكمل لتحسها على الموافقة:
_ يعني معتشليش حتى هم العيال.
أكملت رسمية على حديثها:
_ أمك بتتحدث صح يا ليلي، مرّة خالك بتربي العيلين ومتعلقة بيهم، ده غير إن عبد العزيز راجل زين وكان يريدك قبل سابق، يعني كيف ما بيقول قاسم، هيصونك ويحطك في حباي عينيه.
صرخت بكل صوتها هاتفة باعتراض:
_ كلياتكم عاوزين تسفروني لجل ما تخلصوا مني، للدرجة دي محدش منكم طايجني وطايج شوفتك.
ثم نظرت إلى جدها وجرت وارتمت على ساقيه وتحدثت باستعطاف:
_ أحب على رجلك رجعني ليزن يا جدي.
وأكملت بلهفة وتوسل:
_ جُل له إني هعيش خدامة تحت رجليّه ومهعملوش مشاكل مع مرته التانية واصل.
وأكملت بجنون من شدة عشقها:
_ جُل له كمان إني راضية باللي هيتبقى لي منه، حتى لو عاوز يجي لي مرة واحدة كل شهر، أنا راضية.
وأكملت بدموعها التي نزلت:
_ والله راضية.
أشفق الجميع على حالها، عثمان الذي أغمض عينيه بتألم كي لا يرى تلك العاشقة التي أصابها العشق بالهوس، رسمية التي انشق صدرها لنصفين وهي ترى تمزق روح حفيدتها بهذا الشكل، فايقة، تلك الأم الغافلة التي أضاعت حياتها بالسعي وراء سراب وأهملت صغارها ودمرتهم ولم تحصنهم بأحضانها ليقوا شر نفوسهم قبل الغير.
قدري الذي حزن وشعر بالجريمة التي اقترفها هو وشريكته في حق أبنائهما الثلاثة وتلك المسكينة بالتحديد، وفارس الذي انشق صدره وحزن لأجلها.
أما ذاك الذي وقف سريعًا وتحرك بقلبٍ محترق لأجل رؤيته لشقيقته وهي بذلك الذل وتلك المهانة، أمسك كف يدها وأجبرها على الوقوف واتخذها بداخل أحضانه ليشعرها بالطمأنينة وتحدث بهدوء وهو يحرك كف يده الحنون فوق ظهرها:
_ اهدى يا ليلي، اهدى يا حبيبتي.
خرجت سريعًا من داخل أحضانه وسألته بنبرة متلهفة:
_ كلمة إنتِ يا قاسم، جُل له إني ما بقدرش أعيش بعيد عنه.
صرخ قلبه متألمًا وتحدث بنبرة ضعيفة:
_ ما ينفعش يا ليلي، يزن خلاص اتجوز وعايش مبسوط في حياته، وبعدين هو طلقك بالتلاتة يعني معادش فيها رجوع تاني يا بت أبوي.
خرجت منها شهقة عالية نتيجة دموعها الغزيرة وهزت رأسها بهيستريا وتحدثت باعتراض:
_ ما بقدرش أعيش مع حد غيره يا قاسم، اتصرف إنتَ وشوف لي حل يخليه يرجعني تاني.
وسألته متلهفة ببارقة أمل:
_ مش إنتَ محامي وبتفهم زين في حل المواضيع اللي كيف دي؟
استشاط داخل قاسم من رؤيته لضعف شقيقته وتحدث قائلاً بنبرة حادة لإفاقتها:
_ فُوقي يا ليلي، يزن ما عايزكيش خلاص، بلاش ترخصي حالك وإنتِ الغالية بنت الأصول.
وأكمل بنبرة تعقلية:
_ إنتِ اتجوزتي اللي بتحبيه وجربتي حظك وياه، ما كنتيش غير الحزن والوجع.
واسترسل بنبرة حماسية لبث روح الأمل داخلها:
_ جربي تعيشي ويا اللي عاشقك وعييتمني لك الرضا، صدقيني يا خيتي، جوازك من عبد العزيز فرصة ربنا بعتها لك لجل ما تبعدي وتنسي وترتاحي.
وتحدث بعقلانية:
_ طول ما إنتِ قريبة من يزن وشايفاه عايش ويا مرته عمرك ما هتلاقي الراحة ولا هتنسي وجعك.
وقف فارس ومسح فوق رأسها وتحدث متأثرًا:
_ اسمعي كلام أخوكِ يا ليلي، كلياتنا بنحبك يا خيتي ورايدين مصلحتك.
نزلت دموعها وتحدثت باستسلام وملامة:
_ وهي مصلحتي إنكم تبعدوني عن أهلي وعزوتي يا فارس.
تحدث الجد بنبرة عاقلة:
_ وهي الواحدة بعد ما تتجوز راجل زين هتعوز إيه من أهلها يا بتي.
وأكمل بنبرة حنون:
_ وبعدين هي التلفونات خلت حد بعيد يا بتي، ده الناس بتكلم بعضيها وبتشوفوا بعض من هنا كمان.
وقف قدري ونظر لها بحنان وتحدث بعيون مترجية:
_ وافقي يا بتي على ابن خالك لجل ما تريحي قلبي من ناحيتك.
تناقلت بنظرها بين الجميع باستسلام بعدما نزلت على أرض الواقع من خلال حديثهم وعلمت أن رجوعها إلى يزن أصبح من المستحيل.
هزت رأسها وتحدثت بنبرة ضعيفة مستسلمة:
_ موافقة.
احتضنتها فايقة وأجهشت بدموع الندم على ما أوصلت به صغيرتها التي خرجت من لعبة انتقامها خاسرة لكل شيء، رجل حياتها الذي فقدته، وحرمت من أن تتنعم باحتضان طفل من رحمها، حتى تنعمها بقربها من عائلتها حرمت منه.
تحدث الجد بنبرة حزينة لأجل حزن حفيدته:
_ على خيره الله.
وأكمل وهو ينظر إلى قاسم الذي يظهر الحزن على معالم وجهه بشدة:
_ وإنتَ يا قاسم، بلغ عبد العزيز بموافقتنا بس طبعًا الكلام ده هيكون سر بيناتنا لحد ما ليلي تخلص عدتها.
وأكمل شارحًا:
_ الكلام في الموضوع ده وهي لسه مخلصة عدتها حرام شرعًا وما يصحش، لكن إحنا هنديه وعد عشان ظروف سفره ولجل ما يرتب حاله زين.
أومأ له الجميع بتفهم وتحدث هو إلى ليلي بنبرة حنون:
_ جهزي نفسك عشان هتروحي معانا الفرح.
ابتسمت بخفوت وهزت رأسها وخرجت بصحبة والدتها بقلوبٍ متألمة منكسرة خاسرة نتيجة أعمالهم التي لم يحصدوا منها سوى القهرة والخسارة والندم.
❈-❈-❈
صعد إلى شقته، وبمجرد دخوله من الباب انبعثت رائحة النظافة والمعطر مما يوحي إلى وجود حياة داخل المكان، وجد الستائر الغامقة مفتوحة على مصراعيها وتنسدل من بينها الستائر الشفافة، تداعبها نسمات شهر مايو الهادئة.
استمع إلى صياح صغيره وصوت متيمة روحه ويبدو أنها تهدده يأتي من اتجاه غرفة النوم، انتفض قلبه وشعور بالراحة والسكينة والطمأنينة غزا قلبه وتملك منه، برغم كم الحزن الذي أصابه بفضل الحالة التي وصلت لها ليلي. ساقته ساقيه وتحرك بقلبٍ نابض إلى غرفته التي امتلأت بالحياة بعودة ملكة حياته وأميره الصغير لداخل مملكتهم بعدما كانت الشقة بأكملها تشبه القبر في عتمته ووحشته.
خطا بساقيه للداخل وجدها تتحرك داخل الغرفة حاملة الصغير وتهدهده كي يهدأ من نوبة الصراخ التي أصابته.
تحرك إليها سريعًا وهتف قائلاً بنبرة متوترة:
_ مالك ماله يا صفا؟
نظرت عليه بعينين شبه دامعة وتحدثت بنبرة حزينة بفضل تلبكها بحالة طفلها:
_ ما أعرفش، مبطلش بكاء من وقت ما طلعنا كيف ما أنتَ شايف.
بسط ذراعيه وأخذه من بين يديها بحرص شديد وتحدث وهو يضعه على كتفه ممسكًا بظهره بحرص ورفق ولين:
_ اهدي يا حبيبتي وهو دلوقتي هيوقف بكاء ويهدى.
وقام بهدهدته بحنان وقَبّل وجنته وهو يتحرك به قائلاً بنبرة هادئة:
_ اهدي يا جلب أبوك وما تبكيش، خلاص يا حبيبي إنتَ في حضن بابا اللي بيحبك وبيحميك بروحه.
ومن العجيب أن الصغير هدأ واستكان داخل أحضان قاسم وكأنه شعر بالأمان والطمانينة حينما تلامس جلده الناعم عنق والده.
نظرت له تلك التي أصابها الذهول وتحدثت مصطنعة الاعتراض:
_ يسلام، شكلك كده ناوي تشكل إنت وابنك حزب وتبقوا فريق واحد.
ضحك بهدوء وسألها بحنان:
_ طب ودي حاجة تزعلك في إيه يا أم مالك؟
ابتسمت بحنان وتحدثت:
_ ومين جالك إنني زعلانة.
وأكملت بحديث ذي مغزى وعينيه ظهر داخلهما الاطمئنان:
_ ده أنا أسعد يوم في حياتي النهارده.
حزن داخله للحالة التي وصل لها حبيبته، شعر باستكانة واسترخاء صغيره مما يعني أنه قد غفى بسلام، تحرك به ووضعه بحرص داخل مهده، وقام بوضع قُبلة حنون فوق وجنته بلونها الوردي وملمسها شديد النعومة.
ثم تحرك إليها وسحبها داخل أحضانه وشدد عليها، مما أسعدها وجعلها تشعر بامتلاكها العالم بأسره، أخرجها من أحضانه ونظر داخل عينيها وأبتسم بحنان.
ثم سألها بإستفسار بعدما رأى القلق داخل عينيها:
_ مالك يا صفا؟ إيه اللي تاعب روحك ومخليكِ مش رايقة؟
تنفست عالياً وأجابته بما يضيق بصدرها:
_ خايفة عليك يا ضي عيني.
نظر لها مضيقًا عينيه بإستفسار، فأكملت هي مفسرة بنبرة قلقة:
_ اللي اسمها إيناس دي شكلها كده مش سهلة، خايفة تأذيك يا قاسم.
ابتسم بخفة وتحدث بنبرة هادئة ليطمئنها:
_ مش عيب عليكِ يا بت النعمانية تخافي على جوزك من واحدة كيف دي!
نظرت إليه بريبة فوضع كف يده على وجنتها وحرك إصبعه فوقها بحنان وتحدث بنبرة مرهفة:
_ اطمني يا أم مالك، جوزك عارف وجادر يقف لأي حد يحاول أذيته.
وأكمل مفسرًا:
_ وبعدين إيناس دي أضعف وأجبن وأذكى من إنها تقف قصادي وهي عارفة ومتأكدة من إن ضربتي ليها هتكون القاضية.
أومأت له بتفهم، فنظر لدخل عينيها بإشتياقٍ وأمسك كف يدها، وتحرك بها إلى تختيهما، تمدد وأسند ظهره ثم جذبها بقوة جعلتها ترتمي فوق ساقيه، احتوانها ولف ذراعيه حول جسدها برعاية وقام باحتضانها بقوة كاد بها أن يسحق عظامها ويدفنها بداخل روحه العاشقة.
قرب فمه بجانب أذنها وهمس لها بنبرة عاشقة:
_ وحشتيني يا صفا، وحشتيني جوه.
وأكمل بإثارة أصابت كلاهما:
_ ريحة جسدك المسكية اللي بتدوبني، صوتك اللي بيفرفت قلبي، عيونك اللي بتسحرني، كلك وحشتيني يا كلي.
كانت تستمع إليه بقلبٍ يتهاوى وعينين مغمضتين سارحة في خيال صوته الساحر، همست من بين أحضانه بنبرة تدل على مدى هيامها في عشق حبيبها:
_ شوفت فيك كان عيني علىّ يا قاسم، كل يوم قضيته وانت بعيد عني كنت بموت فيه ألف مرة.
أخرجها سريعًا وسألها متلهفًا:
_ صح بعدي كان فارق معاكِ يا صفا؟
وأكمل بعيون هائمة مسحورة بفضل عينيها وعشقها:
_ كنتِ بتشتاقي لي كيف ما كنت بموت من شوقي ليكِ؟
أجابته وهي تنظر داخل مقلتيه وصدرها يعلو ويهبط من شدة الاشتياق والوله:
_ مفيش يوم عدى عليّ من غير ما أشتاق لك وأشتاق لضمة حضنك فيه يا حبيبي.
وأكمل بعينين لائمين:
_ عذبتني في رحلة عشقك يا قاسم، حرقت روحي اللي دابت من البعد وكواها نار الانتظار.
ضمها بشدة وتحدث بإشتياق:
_ حقك عليا يا تاج راسي، ووعد عليّ ما هبعدنيش عنيكِ تاني غير الموت يا غالية.
أجابته وهي تلقي برأسها على كتفه بدلال أنثوي:
_ بعد الشر عنيك من أي أذى يا حبيبتي.
يتحدث إليها بوعيد وحماس:
_ فيه حاجات كتير لازم أقولها لك لجل ما تعرفي إن عشقك بيجري في دمي من سنين مش بس من بعد جوازنا يا غالية.
قطبت جبينها بإستغراب فتحدث:
_ بعدين يا صفا، هنتكلم بعدين نكون رايقين عن كده.
وغمز لها بعينيه وتحدث بوقاحة أخجلتها:
_ دلوقتي عندنا الأهم اللي هنتكلم فيه.
وقام من جديد باحتضانها وبشدة مما زاد من الاشتياق بينهما وجعلهما يذهبا إلى بعيد كي يطفأ لهيب عشقهما الملتهب بفضل نار اشتياقهما الجارف، وغاصا بعالمهما الفريد الخاص بهما.
بعد مدة من الوقت كان كلاهما واقعًا داخل نوبة من النوم العميق جراء إجهادهما الشديد، واحتياج جسديهما للراحة والنوم كي يستيقظا بحال أفضل ليكونا جاهزين لحضور حفل الزفاف التي ستقام ليلاً.
❈-❈-❈
عصرًا داخل منزل أمل ويزن.
وكانت تتمدد فوق فراشها مستندة على ظهر التخت، منهكة بوجهٍ ذابل ثأثرًا من تقلبات الحمل والتقيؤ. دلف إليها ذاك النبيل وهو يحمل بيده كأسًا من المشرب الساخن ووضعه على الكومودينو.
ثم جاورها الجلوس وسحبها لداخل أحضانه وشدد عليها وقبّل مقدمة رأسها وتحدث بنبرة تفاض حنانًا:
_ عملت لك كوباية أعشاب بتريح معدتك وتهديكي خالص.
ثم حرك كف يده فوق ظهرها في حركة أثبتت لها كم الحنان الذي يمتلكه ذاك الرجل بداخل قلبه ويفيض على أحبائه، شعرت بالأمان والحنان داخل أحضانه.
فحدثها هو قائلاً بإطمئنان:
_ هتكوني زينة يا قلبي، متخافيش.
وأخاف إزاي وانت جنبي يا حبيبي، جملة صادقة خرجت من قلبها لا فمها.
شعر بها ذاك النبيل وأبعد وجهها من داخل أحضانه ونظر لداخل عينيها الساحرة وتحدث بنبرة تفاض عشقًا:
_ تعرفي يا أمل، إنتِ أحلى حاجة حصلت لي في عمري كله.
وأسترسل مفسرًا بيقين:
_ كنت عارف زين إن ربنا شايل لي نصيبي الحلو من الدنيا ومعيظلمنيش كيف ما الخلق ظلموني.
وأكمل وهو يميل بوجهه للجهة اليسرى وبعيون تصرخ من عشقها تحدث:
_ بس مهما تخيلت عمري ما كان هيجي في بالي إن كرمه وعطفه هيوصلني لأحن وأجمل وأرج حرمة في الدنيا كلها.
كانت تستمع إليه بعيون هائمة سارحة في دنيا غرامه، وتحدثت بنبرة حنون:
_ وإنتَ عوض ربنا الجميل ليا ومكافئتي اللي ربنا حب يكافئني بيها على صبري لكل الابتلاءات اللي اتعرضت لها في حياتي.
وأكملت بفخر واستحسان:
_ إنتَ حد جميل أوي يا يزن وتستاهل أحلى حاجة في الدنيا كلها.
أجابها بنبرة حنون صادقة:
_ ولأجل كده ربنا رزقني بيكي يا ست البنات.
ثم مال على شفتيها وألتقطهما بنعومة وبدأ بتقبيلهما بهدوء معبرًا لها عن مدى سعادته بوجودها داخل حياته، ابتعد عنها كي لا يزيد عبء تعبها، ثم أدار جسده وألتقط كأس المشرب وناولها إياه وتحدث بنبرة حنون:
_ اشربي يا حبيبتي لجل ما ترتاحي.
أمسك الكأس وتحدثت بنبرة ممتنة:
_ ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
بعد مرور نصف ساعة.
كانت تغفو بثبات على ساقي ذاك الساند بظهره خلف التخت وهو ينظر عليها بحنان وابتسامة رضا، يحرك أصابعه داخل شعر رأسها متخللًا بها بين خصلاتها بنعومة جعلتها تشعر بالراحة والسكينة مما جعلها تدخل في ثبات عميق.
❈-❈-❈
داخل مسكن رفعت عبد الدايم.
كان يضع رأسه بين كفيه وينظر أسفل قدميه وتحدث بنبرة ضعيفة:
_ يعني إنتِ وبنتك استغفلتوني.
ثم رفع رأسه وتحدث بنبرة لائمة:
_ مفهماني إنك هتقعدي يومين مع بنتك في شقتها عشان تعبانة وإنتِ في الصعيد يا كوثر؟
نهرته قائلة بنبرة حادة:
_ هو ده وقته يا رفعت؟ إحنا في إيه وانتَ في إيه؟
ابتسم رفعت بجانب فمه ساخرًا على حاله وما وصل إليه بسبب سلبيته مع زوجته ونجليه، واسترسلت هي بنبرة غاضبة:
_ أنا بكلمك عن بنتك واللي حصل لها من الندل اللي اسمه قاسم، وطلاقه ليها قدام عيلته كلها وانتَ كل اللي همك إزاي نسافر من غير ما نقول لك.
وأكملت بنبرة حادة وهي تتحرك بهيئة جنونية:
_ تخيل الواطي كسر كالون الشقة ورمى لها هدومها عند البواب وباع فرشه.
تحدث عدنان لائمًا على والدته:
_ وإنتوا بقى كنتوا فاكرين إن قاسم هيضرب لكم تعظيم سلام وأنتم رايحين تفضحوا مراته أم ابنه في وسط عيلته؟
رمقته تلك المستشاطة وصاحت به متذكرة:
_ كويس إنك فكرتني يا عدنان بيه.
وأكملت بنبرة غاضبة وعينين حادة:
_ هي دي اللي ما فيهاش ريحة الجمال وتشبه الرجالة في جسمها، هي دي اللي معندهاش أي مقومات تشير إلى إنها أنثى يا محترم؟
وأكملت بتساؤل غاضب:
_ بتغشني يا عدنان وتخليني أروح على عمايا وأتفاجئ إني واقفة قدام أيقونة جمال؟
ارتبك وخشي غضبها الهائل وتحدث بنبرة هادئة كي يتلاشى غضبها:
_ الحق عليا إني محبتش أزعلك وأقهرك وقتها؟ وبعدين كان هيفرق في إيه معرفتك من عدمها؟
أجابته كوثر بنبرة غاضبة:
_ كانت هتفرق طبعًا يا موكوس، على الأقل كنا غيرنا تعاملنا مع اللي اسمه قاسم وعملنا حساب للعدو اللي بنحاربه.
أجابها وهو يتنصل من الموضوع:
_ اهو اللي حصل بقى يا ماما، خلينا في اللي عمله قاسم وإزاي هنتصرف معاه وسيبك بقى من اللي فات.
نظرت هي إلى رفعت الجالس ينظر عليهم مستغربًا كم البجاحة والحقارة التي أصبحوا عليها، هتفت بنبرة حماسية قائلة:
_ إنتَ الوحيد اللي هتقدر تأثر على قاسم وتخليه يرجع لها الشقة والعفش ويديها المؤخر اللي كان واعدها بيه.
جحظت عيناه وهتف قائلاً بنبرة حادة:
_ هو إنتِ لسه ما شبعتيش ذل وإهانة فيا؟
وانتفض واقفًا من جلسته وتحدث بنبرة غاضبة حادة:
_ ده أنا مش قادر أنسى لحد الآن شكلي وأنا واقف قدامه وبترجاه يتجوز بنتي عشان ما أتفضحش أنا وهي قدام قرايبي، والراجل من أصله وكرم أخلاقه وافق.
وأكمل شارحًا:
_ وبرغم إن مراته وأهله عرفوا والدنيا انقلبت فوق دماغه، إلا إنه أثبت لي إنه راجل بجد وقد الوعد اللي وعدني بيه.
وأكمل بخزيٍ ظهر فوق ملامح وجهه:
_ بس أنا اللي ما طلعتش راجل معاه.
واسترسل وهو يوزع نظراته على ثلاثي الشر:
_ كسفتوني وكسرتوا رقبتي قدام الراجل، ولسه كمان عايزين تكسروني وتخلوني أروح أذل نفسي ليه وأرخصها وأطلب حاجة مش من حقنا.
صاحت به إيناس وهتفت باعتراض:
_ هو إيه ده اللي مش من حقي يا بابا، ده ثمن صبري عليه وعمري اللي ضاع جنبه وأنا مستنياه ومتحملة ظروفه أكتر من تسع سنين.
هتف بنبرة حادة وهو يرمقها بغضب:
_ قصدك ثمن طمعك وخطتك اللي كنتي راسماها لأذية غيرك.
وأكمل بيقين:
_ بس سبحان الله، إن ربك لبالمرصاد، ربنا ما بيظلمش حد وقلب الآية وكل واحد أخد حقه.
اتسعت عيناي كوثر بذهول وهتفت بنبرة حادة:
_ هي وصلت إنك تشمت في بنتك يا رفعت؟
ابتسم ساخرًا وأردف شارحًا:
_ هقول لك إيه، ما إنتِ ست جاحدة وفاكرة الناس كلها زيك، أنا هشمت في بنتي يا بني آدمة.
أومال تسمي كلامك ده إيه لو مش شماتة يا سي رفعت، جملة تفوهت بها كوثر بنبرة حادة.
أجابها وهو ينظر إلى ابنته الغاضبة في محاولة منه لإطلاعها على حقيقة الأمر:
_ بحاول أعلم بنتي اللي قصرت فيه زمان معاها هي واخوها، إنتِ اللي ظلمتي نفسك يا بنتي واختارتي الطريق اللي مليان ألغام عشان تمشي فيه، فمتلوميش غير نفسك.
وأكمل بيقين:
_ وزي ما ربنا سبحانه وتعالى قال، وما ربك بظلام للعبيد.
نظرت إلى أبيها وقامت قامتها لأعلى وتحدثت بغطرسة قائلة:
_ متشكرة على النصيحة يا بابا، بس عاوزة أقول لحضرتك إن قريب قوي هتشوف بنتك وهتفتخر بيها وهي مرجعة حقها بالكامل من ابن النعماني.
زفرت بضيق وتحركت إلى داخل غرفتها وأغلقت بابها بقوة.
نظرت كوثر إلى عدنان وأردفت أمرًا:
_ انزل تحت شوف راجلين وعربية نقل وروح هات حاجة أختك من عند البواب بدل ما يقلبها هو ومراته.
زفر عدنان بضيق لكنه تحرك بالفعل خشيةً غضب تلك القوية.
❈-❈-❈
ليلاً داخل سرايا الحاج عثمان.
كان الجميع يقف متأهبًا مرتدين ثيابهم المناسبة لحضور حفل الزفاف، واقفين بانتظار ذاك الحبيبان ليتحركوا إلى القاعة التي ستقام بداخلها الاحتفال بحفل الزفاف.
نظرت ليلي بحسرة إلى أمل التي كانت تجاور ذاك يزن الممسك بكف يدها بعناية ويتحدث إليها ناظرًا لعيناها بحنان ظاهر للكفيف، شعرت بغلٍ وحقد عظيم تملكا من قلبها واقتحماه، ولو كان الأمر بيدها لإنتهت حياة غريمتها في التو واللحظة وأخمدت تلك النار الشاعلة بصدرها المريض بالكُره، تنهدت وحاولت تهدئة حالها وسحبت بصرها بعيدًا عن كلاهما كي لا تفقد صوابها.
نظر الجميع بانبهار فوق الدرج حيث يتدلى العاشقان من فوقه، كانت ترتدي ثوبها الذي جلبه لها زوجها الحبيب، بلونه الأحمر الصارخ بتطريزه الرائع، يجاورها ذاك الذي يشعر بالفخر والراحة من مجرد مجاورته لها، يرتدي حلته الرائعة بلونها الأسود واضعًا ربطة عنقه بلونها الأحمر الصريح والذي يتناسق مع ثوبها وأيضًا ربطة عنق صغيره الذي يحمله بعناية فائقة ويشدد عليه.
نزلا للأسفل وتحرك هو إلى جده وأمسك كف يده وقبّله باحترام، فتحدث عثمان باستحسان:
_ ربنا يرضى عنيك ويحميك يا ولدي.
وأمسك رأس الصغير الذي رفعه قاسم لمستوى وجهه، وضع قُبلة حنون فوق جبهته وتحدث وهو ينظر إلى قاسم:
_ ربنا يبارك لك فيه وتخاويه بدل العيل عشرة.
ابتسم قاسم وأردف بتمني وهو ينظر إلى تلك الخجولة التي تجاوره:
_ إن شاء الله يا جدي.
تحرك هو جانبًا ليفسح لها المجال، وقفت قبالته وأمسكت كف يده ومالت عليه لتضع قُبلة احترام، وضع يده بعدما سحبها فوق رأسها وابتسم وتحدث:
_ مبارك عليكِ يا بتي رجوعك لبيت جوزك وانتِ رافعة راسك، ربنا يهدي سرك وياه.
ابتسمت وظهرت سعادتها فوق ثغرها وتحدثت بنبرة هادئة:
_ الله يبارك لنا في عمرك يا جدي.
تحرك هو بصغيره وأعطاه إلى تلك التي تشعر بأن روحها قد فارقتها منذ البارحة وبالتحديد منذ عودة مالك إلى بيت أبيه، ولأنه يشعر بتشتت روحها بدونه، فوضعه بين ساعديها وتحدث بنبرة حنون مطمئنة:
_ تفضلي الأستاذ اللي مبطلش زن ووجع لنا دماغنا طول الليل.
وأكمل مداعبًا إياها:
_ شكلك كده متفقة وياه عليا أنا وأمه.
احتضنته برعاية وباتت تفرق قبلاته فوق وجنتيه وجبهته، ثم نظرت إلى قاسم وتحدثت:
_ محلولة يا ولدي، طالما مالك بيه عامل لكم إزعاج سيبهولي وأنا على قلبي زنه وعياطه كيف العسل.
ضحك لها قاسم فتحدثت وهي تنظر إليه بحنان:
_ ربنا يهدي سركم ويسعدكم يا قاسم.
أومأ لها وتحرك إلى زوجته تحت سعادة زيدان التي تخطت عنان السماء.
تحرك الجميع بسياراتهم إلى قاعة الاحتفال، وجلسوا بأماكنهم المخصصة وبدأت مراسم الاحتفال بدخول حسن بعروسه الجميلة والسعادة ترفرف من حولهما لتحقيق حلم زواجهما الذي كان أشبه بالمستحيل قبل ما حدث.
بدأ الزفاف بالرقصة الأولى للعروسين كما هو متعارف عليه، واستمر تحت سعادة الجميع وقلوبهم المتراقصة على أنغام الموسيقى وذلك لالتقاء كل عاشق بنصفه الحلو، قاسم، يزن، فارس، وحتى زيدان العاشق، كانت السعادة تغمر قلوب الجميع.
عدا تلك المتألمة التي تأكل نيران الغيرة قلبها من مشاهدتها لدلال واهتمام يزن بتلك الأمل التي تجاوره الجلوس، وتلك فايقة التي تتألم لرؤيتها لسعادة الجميع وخروجها وابنتها من ماراثون السعادة خاويين الوفاض.
حزنت لأجل وصول ابنتها إلى تلك الحالة وبيدها، وحزنت لرؤية قدري الذي ما عاد يهتم بها ولو حتى بنظرة عشق كسابق عهده، فقد بات يشمئز منها ويرمقها بنظرات الحقد ولا يدع فرصة حتى يظهر بها التقليل من شأنها وهذا ما أمات قلبها وألمها.
تقدم عبد العزيز من عمته وألقى عليها السلام، ثم نظر على تلك ليلي المجاورة لها ودق قلبه بوتيرة عالية بمجرد التقاء عيناه بعينيها، فقد كانت حب طفولته وصباه وكم تمنى الزواج منها ولكن القدر أبعدها عنه، ويبدو أن دنياه ستبتسم له ويعيد القدر إليه سعادته التي سلبها منه بزواجها بغيره.
تحدث إليها بنبرة رجل عاشق وعينين محارب سيحصل أخيرًا على مكاسبه الغالية:
_ كيفك يا ليلي؟
أجابته بنبرة خافتة وعينين ذابلتين نتيجة بكائها طيلة الفترة الماضية:
_ أنا زينة يا عبد العزيز.
تحدثت الجدة للترحيب به:
_ كيفك يا ولدي وكيف عيالك؟
ابتسم للجدة وتحرك إليها بعدما وعى على حاله من حالة الغرام التي انتابته لمجرد رؤيتها، قبّل رأسها وتحدث بنبرة قوية كعادته:
_ الحمد لله يا جدة.
سعد داخل الجدة بعدما اطمأنت على حفيدتها العنيدة مع ذاك العاشق القوي، فذاك عبد العزيز معروف بالقوة والشدة والحزم وعدم التهاون في أمور حياته، وأخذ جميع الأشياء على محمل الجد حتى البسيطة منها.
فهي أكيدة بأنه الوحيد القادر على ترويض تلك الشرسة حتى في وجود عشقه الهائل لها، إلا أنه لم ولن يسمح لها بالتهاون وسيُعيد تأهيلها وإصلاح ما أفسده والديها.
وقف ذاك العاشق وأمسك كف يد حبيبته وهمس لها بدعابة وهو يتحرك بها باتجاه ورد:
_ الأحمر عامل شغل عالي وياكِ، يا ريتني ما جبته.
ابتسمت وظهرت سعادتها فوق ثغرها من إطراء حبيبها عليها وتحدث هو إلى ورد:
_ ممكن يا حماتي تديني مالك باشا عشان ناخد وياه صورة بالبابيون الأحمر ده وبعدين نرجعه لك تاني.
وأكمل بدعابة أضحكت الجميع:
_ ماهو مش معقول أبقى صارف ومكلف حالي وجايب بابيون أحمر وفستان وما أخدش بيهم صورة للذكرى.
تحرك بالفعل وأُلتقطت لهم بعض الصور التذكارية تحت انبهار الجميع بذاك الثنائي والعشق الذي يظهر من عينيهما ويراه الجميع.
انتهت مراسم الزفاف وتحرك الجميع عائدين إلى السرايا باصطحاب العروس الجميلة وفارسها حسن الذي اتخذ من مسكن يزن وليلي عشهما السعيد مع تجديد كل شيء بها.
وصلت السيارات إلى حديقة النعماني.
يترجل قاسم من سيارته وأمسك كف يد مالكة الفؤاد وتحرك بها حتى وقف قبالة زيدان وورد التي تحمل الصغير وتحدث هو إلى ورد:
_ خلي مالك بايت وياكِ النهاردة يا مرّة عمي.
انتفض داخل ورد بسعادة مما جعل صفا التي كادت أن تعترض بأن تصمت عندما رأت سعادة والدتها ظاهرة عليها.
فتحدثت ورد بعقلانية:
_ حاضر يا ولدي، على العموم هو نام ومعيصحش غير قرب الفجر، لما يصحى هخليه عمك يجيبه لكم لجل ما يرضع من أمه.
أومأت لها صفا وأصطحبها ذاك العاشق الذي صعد سريعًا إلى شقته وما أن فتح بابها وأغلقه عليهما، حتى مال بطوله الفارع عليها وقام بحملها سريعًا وتحدث مداعبًا إياها وهو يتقدم بها نحو غرفة النوم:
_ ما عملناهاش ليلة دخلتنا نعملوها في دخلة حسن.
ضحكت تلك التي لفت ذراعيها حوله برعاية ودفنت وجهها داخل عنقه وباتت تتنفس رائحة جسده التي تعشقها، دلف بها إلى غرفتهما وأغلق بابها بقدمه، وقف في منتصف الغرفة وتحدث بنبرة حنون:
_ منورة شقتك يا عروسة.
ابتسمت خجلة، ومال هو على كريزتيها والذي تماسك لأبعد الحدود على مظهرهما الشهي طيلة الزفاف.
أبعد وجهه عنها وما زال حاملاً إياها وتحدث بنبرة متحشرجة من أثر العشق:
_ بحبك يا صفا، بحبك وبحب كل ما فيكي حتى أنفاسك اللي بتخرج منك بحبها.
شددت من احتضانها لها وهي في قمة سعادتها، وتحرك هو بها إلى التخت ووضعها فوق الفراش برفق ولين، وقام بنزع حذائها ثم أمسك قدمها ورفعه ووضع قُبلة عليه مما جعل عينيها تتسع بعدم استيعاب لفعلته تلك والتي لا يفعلها غير عاشق يذوب في محبوبته، قام بنزع الحذاء الآخر وبتقبيل قدمها الأخرى مما جعلها تشعر وكأنها حقًا ملكة.
ثم اعتدل بوقفته وقام بخلع سترة حلته وهو ينظر عليها بحنان وعينين تصرخ من شدة عشقها، اقترب عليها وغاصا بعالم العشق الخاص بهما.
يُتبع
•
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم روز امين
بعد مرور إسبوع.
اندلفت السكرتيرة الخاصة بأحد رجال الأعمال المتعسرين بسبب الديون المتراكمة عليه، ويرجع ذلك لوضع الاقتصاد العام داخل البلاد.
وتحدثت:
_ حسين بيه، فيه شخص موجود برة وطالب يقابل حضرتك ضروري، وبيقول إنه عاوزك في موضوع هام جداً ويخصك.
نظر لها وتحدث مستفسراً:
_ اسمه إيه الشخص ده؟
أجابتهُ بإستغراب:
_ ما أعرفش يا أفندم، أنا طلبت منه كارت تعريف علشان أقدمه لحضرتك، لكن رفض وقال لي إن اسمه مش مهم قصاد الخدمة اللي هيقدمها لحضرتك وينجدك بيها.
ضيق حسين عيسي عيناه بإستغراب وأردف قائلاً بفضول:
_ دخليه لما نشوف حكايته إيه ده كمان.
أومأت لهُ بطاعة وخرجت.
بعد قليل دلف ذاك الضابط التي لفقت لهُ إيناس من قبل تهمة الإدعاء وتلفيق تهمة المخدرات لموكلها الفاسد، مما تسبب في مشاكل عدة لذلك الضابط. ومنها نقلهِ إلى محافظة بعيدة عن المدينة ومطرفة، وايضاً إيقاف ترقيتهُ التي كانت على مشارف الأبواب. فلذا قرر التربص لها وتدبير مكيدة تُنهي على مشوارها العملي قبل أن يبدأ.
كان متخفياً خلف نظارتهُ الشمسية الكبيرة والقبعة الموضوعة فوق رأسهُ، وذلك لإخفاء معالم وجههُ لأمنه وحمايته.
ألقى السلام على حسين الذي تحدث بنبرة فضولية:
_ ممكن أعرف مين حضرتك وإيه هو الموضوع المهم اللي طالب تقابلني بخصوصه؟
أجابهُ الضابط بنبرة واثقة:
_ أظن مش هيبقا مهم تعرف أنا مين قصاد السبب اللي أنا جاي لك علشانه.
قطب حسين جبينهُ وتسائل مستفسراً:
_ شوقتني أعرف سبب تشريفك ليا.
ابتسم الضابط وأخرج من جيب حلتهُ ورقتان وبسط ذراعهُ ووضعهما أمام عيناه بدون حديث.
نظر حسين إلى الورقتان وما أن دقق النظر بهما حتى جحظت عيناه وهتف متسائلاً بإستغراب:
_ إنتَ جبت الشيكات دي منين وإزاي؟
أجابهُ بإقتضاب بعدما سحب يدهُ بالشيكات وهو يضعها من جديد داخل جيب حِلته:
_ مش مهم جبتهم إزاي، المهم إن الشيكات بتاعتك بقت معايا والقضية اللي رافعها عليك الخصم أصبحت فشنك وزي قلتها.
نظر لهُ متلهفًا ثم تمهل قليلاً وتفكر وهتف بفطانة:
_ طب ممكن أعرف إيه المطلوب مني قصاد الشيكات دي؟
ابتسم لهُ الضابط بخفوت.
وأكمل حسين بذكاء:
_ ما هو مش معقول هتيجي لحد هنا وتجيب لي شيكات بـ إثنين مليون جنيه ومتكونش عاوز قصاد إنك تديهم لي خدمة، وأكيد خدمة كبيرة كمان.
أردف الضابط قائلاً بنبرة واثقة:
_ اطمن، اللي أنا طالبه حاجة بسيطة جداً قصاد قيمة الشيكات.
نظر لهُ حسين مترقبًا تكملة الحديث.
فأكمل الضابط بدهاء:
_ كل اللي مطلوب منك إنك تتصل بالمدعي حالاً وتبلغه إن المحامية بتاعته باعته وأديت لك الشيكات مقابل مبلغ مادي كبير.
وأكمل شارحًا:
_ ولما الخصم يرفع قضية على إيناس عبدالدايم، تروح النيابة وتشهد إنها أخدت منك الفلوس وأديتك الشيكات بعد ما فهمتك إنها وسيط بينكم، وإنها هتدي الفلوس للخصم وتسحب القضية اللي بالطبع مبقتش موجودة في حالة عدم وجود الشيكات معاه.
نظر لهُ حسين وتسائل بترقب:
_ بس كده؟
رفع الرجل كتفاه بمعني فقط لا غير.
فتسائل حسين بفطانة وهو يحُك ذقنه بكف يده:
_ طب وإنتَ إيه مصلحتك في كده؟
تحدث الضابط بنبرة حادة أرعبت حسين:
_ مش شغلك، إنتَ كل اللي يهمك تاخد شيكاتك اللي كانت هتتقدم بكرة للنيابة وهتلبس فيها على الأقل من تلات لسبع سنين سجن.
ثم وقف وتحدث بنبرة غاضبة كي يجبر حسين على الموافقة:
_ ولو مش عاجبك العرض اللي بقدمهُ لك يبقى تنسى إنك شوفتني وتعتبر نفسك ما قابلتنيش أساساً.
وكاد أن يتحرك أوقفهُ هتاف حسين الذي ترجاه بالتوقف، وأمسك الهاتف وتحدث بنبرة هادئة وأبلغ الخصم بما أملاهُ عليه ذاك الغريب الغامض بالتفصيل الممل، مما جعل الخصم يستشيط ويقرر التحرك على الفور متجهًا إلى مكتب إيناس ليتأكد بنفسهِ من ذاك الخبر المشؤوم قبل أن يتخذ إجراءاته القانونية.
في حين أخرج الضابط هاتان الورقتان وتحدث وهو يبسط ذراعهُ بهما قائلاً بإستحسان:
_ مبروك عليك الشيكات يا حسين بيه.
التقطهما حسين متلهفًا ودقق النظر من إمضائه ثم تنهد براحة بعدما تأكد من خطهُ وتحدث بسعادة وشكر وهو يمزقهما إربًا:
_ أنا مش عارف أشكرك إزاي على اللي عملته معايا، إنتَ مش عارف إنتَ عملت لي إيه لما اديتني الشيكات دي، أنا كان بيتي هيتخرب.
تحدث الضابط وهو يقف استعدادًا للمغادرة:
_ أشكر الظروف اللي خلت مصلحتنا تبقى واحدة.
وأكمل بتأكيد:
_ أهم حاجة زي ما اتفقنا، لما يستدعوك في التحقيق تقول اللي اتفقنا عليه.
وأكمل بنبرة تهديدية وتعابير وجه مرعبة:
_ وإوعا تفكر تغير في الكلام ده لأن ساعتها هضطر أزعل، وأنا زعلي وحش اوي يا حسين، والمحامية إيناس أكبر دليل على كلامي ده، فاهمني يا حسين؟
انتفض داخل حسين من تغيير ملامح هذا المجهول الصارم وتحدث مفسراً:
_ وأنا إيه مصلحتي إني أغير اتفاقنا، الشيكات وأخدتها وقطعتها كمان، يعني هروح أقول لهم لو سمحتم احبسوني؟
ذهب الضابط بعدما حقق انتقامهُ الذي بات يعد لهُ عدة شهور ليُنهي على مسيرة إيناس المهنية مثلما فعلت معه وليكن العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم.
داخل مكتب إيناس رفعت عبدالدايم.
كانت تجلس داخل مكتبها، ترتدي نظارتها الطبية، تبحث ملف قضية لرجلٍ فاسد كمعظم قضاياها التي باتت تقبلها وتعمل بها، وذلك بعدما اختارت هذا الطريق ليصبح نهجًا لها. وقد قررت هذا لما يدفعهُ أصحاب تلك القضايا من أموال طائلة ستحقق لها هدفها الرئيسي من الحياة، وهو جني المال الوفير بأقصى سرعة وبأي وسيلة.
وبرغم انشغالها بعملها اللاأخلاقي، فلا يغيب عن عقلها قاسم وما فعلهُ بها، فقد كانت تفكر طيلة الوقت بالطريقة التي سترد عليه بها وبقوة، لكنها أجلت انتقامها لحين وجود ثغرة له داخل عمله أو حياته، فقاسم لا يقبل سوى القضايا النظيفة وينتقي موكليه من أصحاب السمعة الطيبة وهذا ما جعل انتقامها صعب حاليًا.
انتفضت بجلستها حين فُتح الباب سريعًا ودلف منه ذاك الثائر المسمى بـ عاطف وهدان، ويليه عدنان وهو يحاول إيقافه متحدثًا:
_ ما يصحش كده يا عاطف بيه.
وقف عاطف مقابلاً لهما وتحدث بنبرة حادة:
_ هو إنتم لسه شفتوا مني اللي ما يصحش يا شوية نصابين.
واسترسل مهددًا:
_ ده أنا هوديكم في ستين داهية لو الكلام اللي وصلني طلع صحيح.
سألته إيناس بنبرة متعجبة لأمره:
_ فيه إيه يا عاطف بيه، إيه اللي حصل لكلامك ده! ثم إزاي تسمح لنفسك تقتحم مكتبي بالطريقة الهمجية دي؟
تحدث ساخرًا بوجهٍ مستشاط:
_ فين الشيكات بتاعتي يا حضرة المحامية المحترمة.
قطبت جبينها بإستغراب وتحدثت بنبرة واثقة:
_ الشيكات بتاعتك موجودة في خزنتي اللي هنا.
أشار بيده وهتف قائلاً:
_ طب لو موجودة بجد اتفضلي وريها لي حالاً.
استغربت طريقتهُ الفظة والمليئة بالاتهام لكنها فضلت الصمت، وتحركت نحو الخزنة وقامت بفتحها ومدت يدها بكل ثقة لتخرج ذاك المظروف الأصفر التي تضع بداخلهُ الشيكات.
لم يأتِ بمخيلتها أن ذاك الضابط التي لفقت له من ذي قبل تهمة الإدعاء وتلفيق تهمة المخدرات التي أوقفت مسيرتهُ وسببت لهُ العديد من المشاكل هو من سيعمل على تدميرها.
فقد وضع شخصًا لمراقبتها وأيضًا طلب من أحد معارفهُ مراقبة هاتفها، وقد خدمهُ الحظ عندما استمعها بإحدى مكالماتها المسجلة مع أحد موكليها تتحدث عن شيكان بمبلغ مليوني جنيه مصري. وقد كان، فقد شعر أنهُ قد آن الأوان لأخذ الانتقام الذي صبر عليه ستة أشهر كاملة ليأكلهُ على البارد ويتلذذ به.
فقد بعث رجالهُ المخلصين لهُ والمتخصصين داخل جهاز الشرطة وقاموا بفتح باب المكتب بمهارة عالية، بعدما ارتدوا القفازات حرصًا على ترك بصماتهم داخل مسرح الجريمة، ودلفوا منه بكل هدوء وفتح أحدهم الخزنة بكل سلاسة بعدما تفقدوا المكتب جيدًا ولم يعثروا عليهما. وبالفعل تم العثور على الشيكات ورتبوا المكان جيدًا كي لا يثيروا الشكوك وانسحبوا كما عادوا بعدما تمت مهمتهم بنجاح.
جحظت عيناي إيناس عندما وضعت يدها داخل المظروف وأخرجتها خاوية.
جن جنون ذاك الـ عاطف الذي هتف بطريقة فظة:
_ فين الشيكات يا نصابة.
ابتلعت لُعابها وهتفت بنبرة حادة مصطنعة بصعوبة:
_ من فضلك يا عاطف بيه تهدي وبلاش تغلط علشان ما ترجعش تندم.
صاح بها عالياً ومهدداً:
_ بتقولي لي أنا هندم، ده اللي هندمك على شبابك اللي هيضيع وإنتِ مرمية في السجن لحد ما تتعفني يا نصابة يا حرامية.
ارتبكت هي وتدخل عدنان بنبرة مهدئة:
_ اهدأ يا عاطف بيه واتفضل حضرتك روح على شركتك وإحنا لما نلاقي الشيكات هنتصل بيك ونطمنك.
صاح به وهتف بنبرة غاضبة:
_ أنا همشي فعلاً، بس مش على شركتي يا شريك زعيمة العصابة، أنا هخرج من هنا على قسم الشرطة علشان أقدم بلاغ في الهانم المحترمة اللي خانت الأمانة وباعت الشيكات للمدعي عليه.
انتفض قلبها وأسرعت إليه لتُمسك بذراعه وتتشبث به وهتفت لتنفي حديثهُ:
_ الكلام اللي حضرتك بتتهمني بيه ده ما حصلش.
وأكملت برجاء:
_ أرجوك اتفضل أقعد واديني مهلة ربع ساعة بس، وأنا هقلب فيها المكتب على الشيكات وأكيد هلاقيهم.
نظر لها بعيون تطلق شزرًا.
فتحدث عدنان:
_ من فضلك يا عاطف بيه توافق، هي ربع ساعة.
استحدث قائلاً بنبرة صارمة:
_ مع إني متأكد إنهم مش موجودين بس هخليني وراكم لحد ما أشوف هتوصلوني لفين بكذبكم ده.
قطبت إيناس جبينها مستغربة تلك الثقة التي يتحدث بها المدعو عاطف وهدان.
فتساءلت بذكاء:
_ وإيه اللي خلاك متأكد أوي كده إن الشيكات مش موجودة؟
ثم أكملت بنبرة تشكيكية وعيناي ضيقتان:
_ ثم إيه اللي خلاك تيجي تسأل عنهم في الوقت ده بالتحديد؟
أجابها ساخراً بنبرة تهكمية:
_ شريكك اللي رحتي بعتيه ليه هو اللي اتصل عليا وقال لي اصحي يا مغفل وشوف اللي بيحصل من ورا ضهرك.
اتسعت عيناها بذهول وهتفت نافية:
_ محصلش، والله ما حصل.
أجابها بنبرة حادة:
_ على العموم كله هيبان الوقت.
تحركت سريعًا هي وعدنان والسكرتيرة وقلبوا المكتب رأسًا على عقب ولم يجدوا أثر للشيكان.
فذهب عاطف وهدان تحت توسلات إيناس وعدنان والتي ضرب بها عرض الحائط وتوجه مباشرةً إلى مركز الشرطة وقدم بلاغًا يتهم به إيناس بخيانة الأمانة القانونية وبتبديد الشيك وبيعهُ إلى المدعي عليه.
وبالفعل تم استدعاء إيناس والتحقيق معها في الواقعة، وقد أنكرت الاتهام وتمت المواجهة بينها وبين حسين عيسى الذي اتهمها بأنها سلمته الشيكان واستلمت المليوني جنيه وذلك بعدما أبلغته أنها آتية بأمر من عاطف وهدان وتحت رعايته لحل الخلاف بينهما.
استمعت النيابة إلى المدعي عليه الذي أصبح شاهدًا في عدم وجود الشيكات وأمرت بحبس إيناس أربعة أيام على ذمة التحقيق.
تحدثت بإرْتياب إلى عدنان:
_ مفيش غيره قاسم النعماني اللي عمل فيا كده.
أردف عدنان قائلاً بنفي:
_ مظنش إن قاسم يكون بالاخلاق دي، ثم إحنا اشتغلنا معاه كتير وياما حاولنا نقنعه بإنه يقبل القضايا اللي بتحتاج شغل من النوع ده وهو رفض.
أجابته بنبرة غاضبة وملامح وجه حادة:
_ ده في اللي يخص شغله يا أستاذ، لكن هو قاصد يأذيني ويسبقني بخطوة قبل ما انتقم منه على اللي عمله فيا.
وتحدثت بنبرة مستسلمة:
_ روح له يا عدنان وقول له إني خلاص مش هاأذيه، اطلب منه يخرجني من القضية زي ما دخلني فيها وأنا هسيبه في حاله.
أطاعه عدنان وذهب مباشرةً إلى مكتب قاسم الذي أصبح من أكبر ثلاثة مكاتب محاماة داخل العاصمة وذلك لذكاء قاسم وفطنته وايضًا سعيهُ الدائم واجتهادهُ، بالإضافة إلى ضميره المتيقظ دائمًا مما جعلهُ يكتسب احترام العملاء والثقة به من قبل الجميع.
وقف أمام سهى السكرتيرة وطلب منها الدخول إلى قاسم، فأخبرته سهى بأن أجندة العمل الخاصة بقاسم ممتلئة لمدة لا تقل عن شهر مقدمًا، فتوسل إليها وطلب منها الدخول إلى قاسم وإخبارهُ بأنهُ يريد مقابلتهُ ضروري وبشكل شخصي.
دلف سهى إلى قاسم وأخبرته، وبدورهُ وافق لعلمه بقضية إيناس، فعالم المحاماة لا يخفي به شيء.
دلف عدنان وجلس وبعدما نقل رسالة إيناس إليه تحدث قاسم بنبرة حادة:
_ إنتَ اتجننت يا عدنان، إنتَ إزاي تفكر في إني ممكن أعمل التصرف اللاأخلاقي ده مع أختك أو غيرها؟
زفر عدنان بإستسلام وتحدث بنبرة ضعيفة:
_ أنا كمان قولت لها نفس كلامك ده يا قاسم، بس غصب عننا، دماغنا هتنفجر من كتر التفكير في اللي ممكن يكون عمل كده، ومش قادرين نوصل لحاجة.
رمقهُ قاسم بنظرة حادة وهتف قائلاً:
_ أعداؤكم كثرت بسبب شغلكم المشبوه يا رجل القانون، أكيد ضحية من ضحاياكم اللي بتجنوا عليهم في القضايا الشمال اللي بتترافعوا فيها، تلاقيه واحد منهم وحب ينتقم.
تنهد عدنان لصحة حديث قاسم وتحدث بنبرة راجية:
_ أنا ليا عندك رجاء يا قاسم وأرجوك توافق.
قطب قاسم جبينه منتظرًا الاستماع لباقي حديث عدنان الذي تحدث بعينين راجية:
_ أنا عاوزك تمسك القضية بتاعت إيناس وتترافع فيها، إنتِ قدرت تحقق سمعة طيبة كمحامي وبقا ليك مصداقية عند القضاة، وأكيد سمعتك الطيبة هتفرق في الدفاع عنها وتعزز موقفها قدام المستشارين والقاضي اللي هيحكم.
نظر له قاسم وتحدث برفض قاطع:
_ آسف يا عدنان، أنا مش هضحي بسمعتي اللي إنتَ أشدت بها دي عشان أي حد.
أردف عدنان قائلاً بنبرة استعطافية:
_ أرجوك يا قاسم تقبل القضية، اقبلها حتى إكرامًا للعيش والملح اللي كانوا بيننا.
نظر إليه وتحدث بإستهجان:
_ أي عيش وملح اللي بتتكلم عنه ده يا عدنان، العيش والملح اللي خنتوه وحاولتوا بكل قوتكم إنكم تهدوني وتدمروا كل حاجة صح في حياتي؟
وأسترسل مستشهداً:
_ وآخرهم علاقتي بمراتي اللي أمك وأختك جم بكل بجاحة عشان يفضحوها ويكسروها قدام البلد كلها ويعرفوا الناس إني متجوز عليها؟
وأردف قائلاً بنبرة نادمة:
_ إنتوا أكتر ناس أذيتني في حياتي برغم إنكم أكتر حد اتعاملت معاه بنية طيبة وأمنت لكم.
وأكمل بنبرة صارمة:
_ إنتوا صفحة سودة في حياتي وقفلتها ومن الغباء إني أرجع وأفتحها من جديد.
وأكمل بنبرة صارمة:
_ إنتَ وأختك اخترتم طريقكم ومشيتوا فيه، وده النتيجة الطبيعية لاختياركم، جه وقت دفع الحساب يا عدنان.
وأكمل بمرارة:
_ أنا دفعت حسابي بالكامل وسددت كل ديوني، سيبوني بقى أكمل حياتي على نضيف مع مراتي وابني، وأحاول أعوضهم عن القهر والظلم اللي شافوه على إيديا بسببكم.
انكس عدنان رأسه وخرج من المكتب يجر أذيال خيبته نتيجة ما صنعته أياديهم.
ذهب الضابط إليها في اليوم التالي وتحدث بنبرة شامتة:
_ إيه رأيك في هديتي ليكي، بقا لي كتير أوي بجهز لك فيها وبتمنى إنها تعجبك.
جحظت عيناها وهتفت بذهول:
_ إنتَ اللي ورا اللي حصل لي ده؟
قهقه عالياً وأجابها بكل فخر:
_ ومين غيري بيعزك لدرجة إنه هيخليكي تعفني وإنتِ مرمية في السجن يا حقيرة.
وأسترسل حديثهُ ساخرًا:
_ ليكي حق ما تعرفيش تحددي مين اللي ورا اللي حصل لك.
وأكمل متهكمًا:
_ وإنتِ هتحددي إزاي يا مسكينة من كتر ضحاياكي اللي ظلمتيهم بألاعيبك القذرة وبتلاعُبك بالقانون اللي تفوقتي في فهمه، وبدل ما تستفادي منه وتحاولي تخدمي الناس المظلومة وتجيبي لهم حقوقهم، استخدمتيه في نصرة الظالم وتجبره، وظلم المظلوم أكتر.
وأكمل شامتًا:
_ بس ضميرك الملوث وقلبك الأسود وقعوكِ في شر أعمالك ورموكي في طريقي وخلوكي جيتي عليا، وأنا اللي بييجي عليا بفرمه تحت جزمتي زي الصرصار.
كانت تستمع إليه بذهول ورهبة.
وأكمل بنبرة تهديدية وتعابير وجه مرعبة:
_ ورحمة أبويا اللي عمري ما بحلف بيه باطل، لأخليكِ تقضي اللي باقي لك من عمرك مرمية على البورش وكل ما تخلصي مدة عقوبة لقضية، هخترع لك قضية غيرها وألبسك فيها.
فأكمل وهو يودعها ويتجه إلى الباب:
_ وده جزاة اللي يلعب مع أشرف عساف يا شاطرة.
خرج هو وارتمت هي فوق المقعد بإستسلام لمصيرها المظلم الذي بات محتومًا، وذلك لعلمها جبروت أشرف عساف ولكن غبائها وذكائها الخارق في القانون جعلها تغتر بحالها وتتلاشى التفكير بجزئية أخذ انتقامهُ منها.
وبهذا قد يكون تحقق وعد الله بأن رد كيدهم في نحورهم، وبعدما كانت هي من تسعى لأذية قاسم، وضع الله في طريقها من يؤذيها ويرد كيدها في نحرها.
وصلت القضية إلى المحكمة ودافع عنها عدنان ولكنه خسر القضية أمام الأدلة المثبتة عليها، وحُكم عليها بالسجن ثلاث سنوات ودفع غرامة خمسون ألف جنيه، مما جعل رفعت عبدالدايم يتألم لما وصل به حال ابنته وكعادته الضعيفة، ترك المنزل إلى عدنان وكوثر منسحبًا بإذلال، واستقال من عمله وعاد إلى الشرقية بعدما أصيب بإكتئاب مزمن ليقضي ما تبقى له من حياته منعزلاً عن الجميع وكأنه يعاقب حاله على ضعفه المهين أمام سطو زوجته وجبروتها واعوجاج أبنائه وسلوكهم لطريق الشيطان.
أما كوثر فقد أشرفت على فقدان عقلها بسبب ما حدث لابنتها التي دائمًا ما اعتبرتها كنزها الثمين وهدفها الذي سيوصلها لتحقيق أحلامها بالغناء الفاحش بأسرع الطرق وبكل الوسائل، ولكن انظر ماذا حدث بسبب طمعها هي ونجليها.
❈-❈-❈
بعد مرور حوالي سبعة أشهر.
كان يغفو فوق سريره بثبات عميق، منبطحًا على بطنه، شعر بشيء يصعد فوق ظهره ويتحرك بسلاسة حتى وصل لنقطة الأمان في منتصف الظهر وتوقف. وضع كفه الرقيق وبدأ بإصدار صوت ملاطفة لأبيه الغالي وهو يحاول جاهدًا نطق كلمة "بابا".
في محاولة لمالك وهو يحاول إيقاظهُ بعدما انتقل من مهده الملتصق بتخت أبويه، مما جعل ذاك الناعس يستفيق على الفور وينظر إلى صغيرهُ بسعادة غامرة لقلبه السعيد.
مد ذراعهُ بحرص شديد وهو يتمسك بغاليه خشية وقوعهُ من فوق ظهره، وسحبهُ برفق ووضعهُ داخل أحضانه وتحدث إليه بابتسامة واسعة بينت صفي أسنانه:
_ صباح الفل يا جلب وعجل بابا.
ضحك الصغير وفرك بيداه وساقيه بسعادة بالغة.
رفع قاسم رأسهُ وبات يزغزغهُ ويداعبهُ تحت سعادة وضحكات الصغير التي صدحت في الغرفة وأضافت إليها البهجة والسعادة.
سحب قاسم جسدهُ لأعلى سانداً ظهرهُ بظهر التخت، وحمل صغيرهُ فوق صدرهُ وتحدث إليه بإستفهام وكأنهُ يفهمه:
_ هي ماما سابتنا وراحت فين، تكونش هجت؟
وقام بدغدغة جسدهِ مما جعل الصغير يكركر فأكمل قاسم:
_ شفت آخرة دلعك عليها إنتَ وأبوك، الست طفشت منينا وهجت ومعرفولهاش طريق تاني.
ثم استمع لصوت المياه داخل المرحاض فتحدث بإطمئنان لطفلهِ الذي يستمع إليه بإنصات وكأنهُ يفهم كلماته:
_ ظلمناها، لسه جايه جوة في الحمام.
وبعد قليل فُتح باب المرحاض وخرجت منه صفا وهي ترتدي ثوب الاستحمام (البرنس) وتلف رأسها بمشفة كبيرة.
مرر بصرهُ فوقها من رأسها لحتى أخمص قدميها بإعتراض.
في حين تحدثت وهي تنظر إلى كلاهما بنظرات متشوقة:
_ صباح الخير يا حبايبي، أخيراً صحيتوا.
وهمهم صغيرها الذي ينظر إليها ويشير عليها متشوقًا لضمة حضنها.
فهرولت إليه وألتقطته من فوق صدر حبيبها وأردفت قائلة وهي تدلل صغيرها وتهددهُ:
_ صباح الفل يا مالك جلب ماما.
وباتت تقبلهُ بشغف.
أخرجها من لحظات السعادة الغامرة مع طفلها صوت ذاك المعترض بصوته الحاد حيثُ قال:
_ مين اللي سمح لك تدخلي تاخدي شاور لوحدك يا هانم؟
وأسترسل معاتبًا إياها:
_ ومنين جات لك الجرأة تجومي وتفوتي حضني؟
نظرت إليه وابتسمت خجلًا ثم تحدثت لاسترضائه:
_ ما هونتش عليا يا حبيبي، لقيتك رايح في النوم صعبت عليا أصحيك، جولت أدخل آخد حمام دافي بسرعة وأخرج أصحيك.
رد عليها متوعدًا بغيظ:
_ طب جهزي حالك عشان عتدخلي دلوك وياي تعيدي الشاور اللي فرحانة لي بيه دي.
ضحكت بدلال وتحدثت وهي تناوله الصغير:
_ طب بطل دلع وخد ولدك حطه في سريره، وجوم خد لك شاور على ما أمشط شعري لجل ما ننزل تحت ونلحق الفطار.
وضع صغيرهُ داخل مهدهِ وتحرك إلى تلك التي حررت شعرها من تلك المنشفة لتبدأ بتمشيطهُ.
وقف خلفها وحاوط خصرها وألصقها به ثم دفن أنفهُ وفمهُ داخل عنقها وتحدث بدلال:
_ طب تعالي معي لجل ما تساعديني وأخد الشاور بسرعة.
أبعدت جسدها عنه وتحدثت بنبرة تعقلية رُغمًا عنها:
_ بطل دلع يا قاسم ودخل يلا، اتأخرنا على جدي وزمان الفطار بدأ.
أقربها منه من جديد وتحدث بإشتياق:
_ وإيه يعني لما ننزل بعد ما الفطار يبدأ، ولا حتى نفطروا إهنه ونجضي اليوم كله في حضن بعضينا إحنا وولدنا.
استدارت له ثم لفت ساعديها حول عنقه وتحدثت بدلال:
_ لو إنتَ مشتاق لي جِراط، أنا مشتاجة لك أربعة وعشرين، بس بالعجل يا حبيبي.
وأكملت شارحة:
_ إنتَ عارف إن أبوي وأمي ما يجيلهمش نفس ولا هيفطروا غير لما يشوفوا مالك بعنيهم وياخدوه جوة أحضانهُم.
وأكملت بدلال لاسترضائه:
_ وليك عليا يا سيدي بعد الفطار نسيب مالك عند أمي ونطلع نجضي اليوم كله هنا لحالنا.
تنهد بإستسلام وفك وثاقها بعدما وضع قبلة حنون فوق شفتيها وتحرك إلى المرحاض.
بعد حوالي الربع ساعة.
كانت جميع العائلة مجتمعة حول طاولة الطعام الكبيرة، وذلك بعدما قرر عثمان جمع عائلتهُ بالكامل حولهُ، حتى يزن وأمل اللذان انضما إلى المنزل بعد سفر ليلى إلى زوجها منذُ ستة أشهر.
تحدثت ورد إلى ابنتها مستغربة ارتدائها لثياب المنزل على غير العادة:
_ إنتِ مريحة المستشفى انهاردة كمان ولا إيه يا دكتورة؟
خجلت من تساؤل والدتها وتحدثت بنبرة خافتة وهي تنظر إلى صحنها مما استدعى ضحكات ذاك الذي يجاورها الجلوس:
_ حاسة حالي تعبانة شوي ومقدرش أروح يا أما.
ابتسم الجد على خجل تلك الجميلة التي تغيبت عن عملها لمدة يومان لتكون بجوار حبيبها الذي ترك عملهُ مؤخرًا بالقاهرة وسلمهُ للمحامي أحمد صديقهُ واكتفى هو بمتابعة العمل إلكترونيًا والسفر إلى القاهرة فقط لحضور الجلسات داخل المحكمة، وأحيانًا يضطر للسفر لمقابلة العملاء المميزين.
نظر زيدان إلى ابنته التي تحول لون وجهها إلى الأحمر الداكن من شدة خجلها الذي أصابها جراء حديث والدتها وتحدث كي يرفع عنها الحرج:
_ وماله يا بتي لما تريحي لك يومين من الشغل، إنتِ بتتتعبي فيه كتير، وبعدين المستشفى بقى فيها دكاترة ياما يسدوا مكانك لو غيبتي.
اندَمج الجميع بتناول الطعام.
نظر قدري إلى صحن الجُبن وكاد أن يبسط ذراعهُ ليتناول قطعة منه. سبقته يد فايقة التي تراقبهُ بشدة كي تفعل لهُ كل ما يخطر على بالهُ حتى تسترضيه ليعود معها كسابق عهدهُ ويُرجعها إلى قلبهِ من جديد ويتوجها ملكة على قلبه كعهدها السابق.
لكن أحبطها وقام بإفشال مخططها عندما رمقها بنظرة اشمئزاز رافضًا يدها التي قدمت بها الصحن وتحدث بنبرة حادة:
_ ما يعوزش جبنة خالص.
حزن داخلها واستشاطت عندما رأت جميع العيون مسلطة فوقها. حزن قاسم وفارس لحال والدتهم وما وصلت إليه بفضلها، فقد أصبحت مهمشة من الجميع حتى رسمية التي قامت بوضع ورد على رؤوس الجميع، حيث سلمت لها الإشراف على أعمال السرايا وخاصة المطبخ الذي أمر عثمان بأن لا يضع أحدًا أيًا كان يده بصنع الطعام سوى ورد.
فاق الجميع على تلك التي أمسكت بيد زوجها وضغطت عليها بشدة متألمة مما جعلهُ يسألها بنبرة مرتعبة:
_ مالك يا أمل، فيك إيه؟
تنفست عاليًا وأمسكت بطنها المنتفخ جراء وصولها للشهر التاسع بحملها بجنينها الأول، وتحدثت بنبرة ضعيفة حاولت بها تخبأة ما أصابها من تعب مفاجئ عن ذاك اليزن:
_ مفيش حاجة يا يزن، ما تقلقش أنا كويسة.
انتفضت نجاة من جلستها وتحركت إلى تلك التي تغير لون وجهها وتحدثت متسائلة:
_ مالك يا بتي، حاسة بإيه جولي.
لِتَزْفِر بقوة، وصرخت بعدما شعرت بـ آلام الولادة المبرحة تقتحم جسدها:
_ تقريبًا كده بولد يا ماما.
وقفت صفا ومريم بجانبها وتحدثت إليها صفا:
_ اهدئي يا أمل وخدي نفس عميق.
انتفض داخل مريم من مشاهدتها لتـ ألم أمل الذي ظهر على وجهها، وبتلقائية وضعت كف يدها فوق أحشائها المنتفخة جراء وصولها بحملها للشهر الثامن.
هتف عثمان بنبرة قلقة وهو يحث يزن الذي تسمر بجلسته وكأنهُ التصق بمقعده من شدة تلبكهُ وارتباكهُ:
_ جوم يا ولدي خد مراتك وبسرعة وديها على المستشفى، شكلها كده بتولد.
انتفض بالفعل وحملها وتحرك سريعًا تحت حزن فايقة واستشاطة قلبها لأجل ابنتها، بالرغم من بدأ تعودها على الحياة بجانب المحب عبدالعزيز الذي يعاملها برزانة وحكمة وعقل بجانب غمرها بالحب وفي بعض الأحيان يصل لدلالها، إلا أن المشكلة تكمن في قلب فايقة نفسها وليست بالأشخاص.
تحرك قاسم سريعًا وقاد سيارته وأوقفها أمام الدرج الرخامي للمنزل. فتح فارس الباب ليزن الذي يحمل زوجتهُ ويضمها برعاية والخوف والرعب ينهشان داخلهُ لأجل حبيبته، أجلسها بهدوء وجلس بجانبها واحتضنها ليسيطر على هلعها، وجاورتها نجاة وهي تحاول تهدأتها، وجلست صفا بالمقعد الأمامي المجاور لقاسمها.
وصلت أمل إلى المستشفى بعدما هاتف يزن دكتورة مي المتواجدة بسكن المستشفى، وذلك بعدما أتت خصيصًا من القاهرة منذ أسبوع هي وزوجها دكتور ياسر، مع العلم أن دكتور ياسر قد ترك المستشفى منذ خمسة أشهر وتزوج من مي واستقرا داخل القاهرة، وقد حضرا امتثالاً لرغبة أمل التي أرادت أن يولد طفلها على يد مي، وأيضًا مي التي أصرت أن تأتي لتقف بجانب صديقتها أثناء حضور صغيرها الأول إلى الدنيا.
كان الجميع يقف أمام باب غرفة الولادة بترقب، أما ذاك العاشق فكان يرتعب ويتألم كلما استمع لصرخات حبيبته التي تصارع بالداخل لتجلب لهُ مولوده الأول والأغلى وذلك لظروفهُ.
بعد قليل خرجت عليهم الممرضة التي تحمل الصغير وتوزع ابتساماتها للجميع، وتحدثت بسعادة بعدما استقر بصرها فوق يزن:
_ مبارك يا باشمهندس، ربنا رزقك بولد كيف الجمر الله أكبر.
انتفض داخلهُ ولم يدري بحالهُ إلا وهو يهرول إليها ليلتقط صغيرهُ من بين يديها لينظر في وجههُ الملائكي، وكم هائل من المشاعر يسيطر عليه.
هرولت عليه نجاة التي احتضنت ولدها وهتفت بسعادة بالغة:
_ مبارك عليك عوض ربنا ليك يا ولدي.
انهالت عليه المباركات من جميع الحضور، قدري منتصر زيدان، وورد التي تحمل مالك، أما فارس الذي كان يجاور مريم الباكية من تأثرها بصرخات أمل المدوية التي كانت تصدح بالمكان منذُ القليل، فكان يحاوطها بعناية ويحاول التخفيف عنها جراء الهلع الذي أصابها لقربها لشهرها التاسع.
أما ذاك العاشق الذي فاق على حاله بسبب ما أصابه من ارتباك جراء رؤيتهُ لصغيرهُ الذي كان ينتظر مجيئهُ سنوات وسنوات، وسأل الممرضة بنبرة متلهفة:
_ الدكتورة أمل كيفها؟
أجابته الممرضة بإبتسامة مشرقة:
_ زي الفل الله أكبر وهتخرج كمان عشر دقايق.
اقترب زيدان واحتضن ابن شقيقهُ وربت بشدة على كتفه قائلاً بنبرة حنون:
_ مبروك عليك يا ولدي، يتربى في عزك إن شاء الله.
وأخرج محفظة نقوده من جيب جلبابه وأخرج رزمة من الأوراق المالية من الفئة العالية وبدأ يغمر بها عمال المستشفى تعبيرًا عن مدى سعادته.
وأيضًا قدري الذي احتضن يزن وهنأهُ وبدأ أيضًا بتوزيع النقود تعبيرًا عن سعادته لقدوم صغير ابن شقيقهُ الذي طال انتظاره.
أما منتصر ونجاة فحدث ولا حرج عن مدى سعادتهما بوصول أول حفيد لهما من ولدهما البكري، فقد تخطت سعادتهما عنان السماء.
بعد حوالي الساعة كانت أمل تجلس فوق سريرها وتجاورها نجاة التي تحتضنها برعاية وحب الأم، لا الحما، والجميع يحاوطوها ويقدموا لها التهنئة والدعم النفسي.
أمسك يزن صغيرهُ وأذن داخل أذناه ثم تحدث إلى أمل وهو يناولها إياه بسعادة تخطت عنان السماء:
_ حمد الله على سلامتك يا أم فارس.
نظر الجميع إلى بعضهم البعض في حين انتفض قلب فارس من بين أضلعه، جراء استماعه لما قرره يزن بإطلاق اسم فارس على صغيره، مما يدل على مدى محبته وصداقته لشقيقهُ الذي لم تلده أمه.
تحدث فارس بدعابة وهو يحاوط كتف مريم بذراعه وينظر إلى موضع جنينه المنتظر:
_ شكلك كده راسم على إني أسمي الواد اللي حيلتي يزن.
وأكمل بنبرة ساخرة مصطنعة جعلت الجميع يدخل في نوبة من الضحك:
_ يلا، لجل ما تكمل، أصل الحكاية ناقصة.
❈-❈-❈
ليلاً داخل غرفة قاسم وصفا.
دلف للداخل وجدها تتوسط الفراش بمظهرها الذي يدعوهُ إلى الجنون كلما رآها.
تحرك إليها وأمسك كف يدها ومال بطوله الفارع ليضع قبلة حنون بباطن كفها مما أسعدها وجعلها تشعر بأهميتها لديه.
سحب يدها لأعلى ليحسها على الوقوف، ثم سحبها وحاوط خصرها وهتف قائلاً بجرأة:
_ عاوزك ترقصي لي يا صفا.
جحظت عيناها وهتفت بنبرة خجلة:
_ واه يا قاسم، عاوزني أقف أرقص لك بدون خشي إكده؟
قطب جبينه ناظرًا إليها بإستغراب وهتف ساخرًا:
_ لا طبعًا ما يصحش يا صفا، يعني إيه الست تقف ترقص لزوجها، دي حاجة في منتهى التسيب والاستهتار.
وأكمل ساخرًا ليستدعي غيرتها المجنونة:
_ أنا هبعت أجيب رقاصة من المركز حالًا لجل ما ترقص لي أنا وإنتِ.
وأشار بسبابته على مقدمة رأسهُ قائلاً لاستشاطتها:
_ أنا أتمزج وأتكيف من رقصها، وإنتِ تتفرجي وتبسطي لإنبساطي.
بالفعل حدث ما خطط له ذاك الماكر، فقد استشاط داخلها واشتعلت النار داخل قلبها.
أمسكت بجنون تلابيب قميصهُ وهتفت بنبرة حادة مهددة إياه بعينين تطلق شزرًا:
_ طب فكر بس تعمله إكده وعتشوف اللي هيجري لك على يدي يا ولد النعماني.
ابتسم بسعادة وجذبها ليقربها منه وتسائل بتسلي:
_ وإيه هو بقى اللي هيجري لي على يدك يا نبض جلب ولد النعماني.
تحدثت بقوة وشراسة قطة ذات مخالب:
_ الله لا يوريك غيرتي المرة يا قاسم.
تحدث بإستفزاز:
_ طب هترقصي لي ولا أتصل أنا على الرقاصة؟
اتسعت عيناها بذهول فتحدث هو مجددًا بتأكيد ودلال:
_ كيفي طالب رقص ومعيتنازلش عنه الليلة دي، جولت إيه يا دكتورة؟
_ إنتَ خليت فيها دكتورة، جملة ساخرة نطقت بها صفا.
تحدث هو من جديد بإثارة:
_ حبيب ورايد يتجلع على حبيبه، إيه اللي يمنع يا جَلبي.
وبعد محاولات منه تنفست عاليًا لتستدعي شجاعتها، وأخذت الخطوة رغم خجلها الشديد.
اتجه هو إلى مشغل الموسيقى وقام بوضع موسيقى راقية، وأتجه إلى التخت وتحدث وهو يجلس فوق الفراش:
_ الليلة دي أنا عاوز أكون هارون الرشيد، عاوز أتجلع من مرتي الحلوة، هتعرفي تخلعيني كيف الناس ولا إيه؟
نظرت إليه بتحدي وتحدثت بقوة بعدما استدعت استفزازها:
_ هتشوف يا سي هارون يا رشيد بت زيدان هتعمل فيك إيه.
انتفض داخلهُ بسعادة وقامت هي بأولى خطواتها بتمهل ثم بالاندماج مع الموسيقى رويدًا رويدًا، كانت تتحرك وتتمايل بخصرها بكل رشاقة كفراشة تتطاير بين الزهور، أما ذاك المسحور عاشق متيمتهُ والذي أراد أن يفعل معها ويحصل على كل متع الحياة الحلال من خلالها، فكان حالهُ حال.
باتت تتراقص وتتمايل بدلال ورُقي مع الموسيقى دون ابـ.ـتـ.ـزال، راقية هي حتى في رقصاتها، مما استدعى جنونهُ الحاد ورغبته الشديدة باحتضانها والتقرب لها.
تحرك إليها وأمسك كفي يداها وبدأ بالرقص معها مما شجعها أكثر وجعلها تتناسى حالها وتُبدع وكأنها ولدت راقصة محترفة.
انتهت الموسيقى ورفعها هو وتحرك بها إلى فراشهما ليُذيقها من بحر عسلهما المميز ويكافئها على تلك الرقصة التي أدخلت السرور على قلبه وجعلتهُ يشعر وكأنهُ ملك متوج على مُلك عرشها.
❈-❈-❈
ظهر اليوم التالي.
داخل منزل يزن الخاص.
كانت تتمدد فوق فراشها وبجانبها صغيرها الذي غمر المنزل بأكمله بالسعادة والسرور لأجل ذاك اليزن وزوجته الحنون حسنة الخُلق.
تُجاورها رسمية التي تتمدد بجانبها وهي تنظر لنجل حفيدها الخلوق وسعادة الدنيا تقطن داخلها.
دَلفت ورد وهي تحمل صينية موضوع عليها صحن ملئ بالحساء الساخن ويجاورهُ صحن بهِ دجاجة كاملة. دلفت خلفها نجاة التي تحركت وحملت الصغير ووضعته فوق ساقيها بعدما جلست فوق المقعد المجاور لتخت أمل.
وتحركت ورد بالحساء وجلست بجانب أمل ثم وضعت الصينية فوق ساقيها وتحدثت وهي تُقرب الملعقة من فم أمل:
_ يلا يا بتي كُلي لجل ما تاخدي علاجك.
اتسعت عيناي أمل وتحدثت:
_ إيه الأكل ده كله يا ماما، مين هياكله ده؟
هتفت رسمية بنبرة صارمة كي تحسها على تناول طعامها:
_ إنتِ اللي هتاكليه يا دكتورة لجل ما تصلبي طولك وتجوي حالك، وكمان لجل ما عيلك ينزل له لبن وتجدري ترضعيه.
وافقته ورد ونجاة التي تحدثت بنبرة حنون:
_ كُلي يا بتي لجل ما تعوضي جسمك اللي فجده من الولادة.
دلف يزن إليهم بعد الاستئذان وهو ينظر بلهفة على حبيبتهُ الجالسة وتحدث وهو يقترب عليها تحت نظراتها الحنون له:
_ كيفك يا أمل، زينة؟
أومأت له بإيجاب وأردفت لطمأنتهُ:
_ أنا كويسة الحمد لله.
واسترسلت حديثها بنبرة حنون:
_ تعالي يا يزن اتغدى معايا.
ابتسم بسعادة هو والجميع لحنانها واهتمامها بزوجها حتى وهي بتلك الحالة، وتحدث بنبرة حنون وهو ينظر إلى مقلتيها بهيام:
_ بالهنا والشفا على جلبك، أنا اتغديت ويا جدي في السرايا.
حرك بصرهُ إلى ملاكهُ الغافي داخل أحضان والدتهُ الحنون التي تحملهُ باحتواء وحنان وكأنهُ كنزها الثمين.
وتحدث وهو يتحسس وجنتهُ بسعادة بالغة:
_ لسه نايم يا فارس باشا.
ضحكت ورد وهتفت قائلة:
_ لسه نهاره مجاش، تعالي بالليل وإنتَ تسمع مزيكة حسب الله على حج.
ضحك الجميع وتحدثت رسمية بنبرة حنون صادقة:
_ ربنا يبارك لك فيه يا ولدي ويجعله سندك في الدنيا بعد ربنا، ويرزقك بعشرة زيه.
ضحكت أمل والجميع وتحدثت نجاة:
_ عشرة بحالهم يا مرت عمي، طب قولي اتنين كفاية.
ضحك يزن الذي يسلط بصرهُ على غالية فؤادهُ الحنون والتي أتت له كي تنير لهُ دربهُ العاتم.
تحدثت الجدة إليه:
_ اجعد ويا جدك وشوف عيدبـ.ـح لولدك كام دبيـ.ـحة لجل ما يفرح أهل الله، وأنا كنت نادرة دبيـ.ـحة كبيرة عفرجها لأهل الله لما ربنا يرزقك بعيال.
ابتسم لجدته وتحرك تجاهها وقَبّل جبهتها وكف يدها تحت سعادة أمل التي شكرت الله على لطفهُ بها وتعويضه لها بتلك العائلة الحنون التي كانت لها العوض الأعظم عن كل ما خسرته أثناء رحلتها الصعبة.
ليلاً داخل منزل زيدان.
دلف لداخل غرفتهُ وجدها تقف أمام مرآتها تمشط شعرها الغجري.
اقترب عليها ولفها لتقابلهُ وتحدث بنبرة حنون:
_ لحد امتى عتفضلي تحلوي إكده يا ورد؟
وأكمل بنظرة عاشق:
_ مر العُمر ولساتك زينة صبايا النجع كله، بالراحة على جَلبي مش إكده، الرحمة حلوة يا بت الرجايلة.
ضحكت برقة كعهدها معه وتحدثت بنبرة حنون وهي تتلمس وجنتهُ:
_ ربنا يخليك ليا يا سيد الرچالة وسيد جَلبي ويديم عليا عشرتك الزينة.
أردف قائلاً بنبرة حنون:
_ ويخليكِ ليا يا حبيبتي.
نظر على سريره وتحدث ساخرًا عندما وجد مالك يغفو عليه:
_ هو قاسم بيه عيفضل يجلع في حاله ويروج على نفسه ويضيقها على المسكين زيدان لحد امتى؟
ضحكت بدلال وتحدثت:
_ سمي في جلبك وجول الله أكبر وربنا يديم عليهم السعادة.
وأكملت هامسة:
_ وبعدين وطي حسك للواد يصحى.
وأكملت بدلال:
_ ولو على الواد، أنا مجهزة لك الأوضة الجبلية ومروقهالك على الآخر.
تنفس بإنتشاء وتحدث بنبرة سعيدة:
_ أهو كده الحديث الزين صح.
ابتسمت له وتسحبا خارج الغرفة خشية إفاقة الصغير وذهبا معًا للغرفة المجاورة.
بعد عدة أيام أقام عثمان وليمة ضخمة واحتفال هائل تعبيرًا عن سعادته وشكرهُ لله الذي أنعم على حفيدهُ ورزقهُ بالخلف الصالح بعد عدة سنوات، تحت سعادة الجميع سوى فايقة.
❈-❈-❈
بعد مرور حوالي ثمانية أشهر أخرى.
داخل فرنسا بلد السحر والجمال، وبالتحديد داخل الـ Suite الذي حجزهُ قاسم لإقامة العشرة أيام التي اتخذها للتنزه بهم هو وزوجتهُ وصغيرهُ منتهزًا فرصة المؤتمر الطبي العالمي التي أتت حبيبة لحضوره لمدة يومان فقط.
كان يخرج من المرحاض الخاص بالـ Suite وهو يحمل صغيرهُ مرتديان (البرنس) وذلك بعد أخذهما لحمامٍ دافئ كي يُنعشهما قبل وصول صفا من حضور المؤتمر المتواجد بنفس قاعة الأوتيل القاطنين به.
وقف قاسم أمام المرأة وأمسك فرشاة الشعر الخاصة بصغيرهُ وتحدث وهو يقوم بتمشيط شعره:
_ إيوه كده يا مالك باشا، كده ماما تيجي تلاقينا زين وريحتنا مسك كمان.
تحدث الصغير الذي بدأ بالملاعبة وتفسير بعض الكلمات وذلك لإقترابهِ على إتمام العامان:
_ صفا، بابا.
قهقه عالياً وتحدث بمداعبة صغيره:
_ عارف أحلى حاجة فيك إيه يا ولد النعماني، إن في عز ما أنتَ مهزأ الكل وهتناديهم بأسمائهم، حتى جدك عثمان مسلمش من لسانك.
وأكمل بنبرة فخورة:
_ بس بتيجي لحد أبوك وتجف عوچ وتتحدت عدل.
قهقه الصغير برغم عدم تفسيره للكلمات بالشكل الصحيح مما جعل قاسم يدغدغهُ وباتت ضحكات الصغير العالية تصدح بالمكان وتملؤهُ بالسعادة.
دَلفت صفا من الباب مرتدية ثيابها العملية ونظارتها الطبية التي ما تزيدها سوى وسامة ووقار ورزانة لطبيبة شابة متطلعة، وما أن دلفت للداخل حتى انفرجت أساريرها واتسعت ضحكتها لما رأتهُ من تقارب واندماج زوجها وصغيرها.
تحدثت بنبرة حنون وهي تنظر لكلاهما:
_ وحشتوني يا حبايب جَلبي.
أجابها ذاك الذي اشتاق إليها بجنون:
_ حمد الله على السلامة يا حبيبتي.
ابتسمت له وهتف الصغير وتهافت وهو يشير على والدتهُ بتشوق:
_ صفا، صفا.
تحدثت على عجل وهي تتحرك إلى المرحاض:
_ ما ينفعش أشيلك وأنا إكده يا جلب صفا، ثواني آخد شاور سريع وأطلع آخدك وأخبيك جوة جَلبي.
بالفعل دلفت لداخل المرحاض وبعد قليل كانت تقبع داخل أحضان ذاك الذي يتمدد فوق الفراش مستنداً برأسهِ فوق وسادة عالية، ويحمل صغيرهُ فوق صدره ويفرد ذراعه ليضم به حبيبته برعاية في مشهد يسر البصر.
نظر إلى زوجتهُ وصغيرهُ وتحدث بنبرة دعابية:
_ إحنا محتاجين ناخد صورة تذكارية ونكتب عليها عائلة أبو برنس.
أطلقت ضحكة عالية أثارت داخلهُ العاشق لها فتحدث بنبرة جادة وهو ينظر إليها بحنان:
_ تعرفي يا صفا.
نظرت له بإهتمام وترقب فأسترسل هو:
_ أنا كل يوم بحمد ربنا وبشكر فضله على إنه أنعم عليا وكرمني بوجودك في حياتي إنتِ وولدنا، بشكره إنه فاجئني ورجعني من طريق التوهة والضياع اللي كنت ماشي فيه ومستسلمتنه.
تنهدت هي براحة ووضعت كف يدها تتلمس ذقنهُ النابت بلمسات حنون، أمسك كف يدها ووضع بباطنه قبلة حنون وأكمل:
_ أول مرة أحس إني أغبي إنسان في الكون، حب حياتي كان قدام عيني طول الوقت وأنا بغبائي كنت أعمي عيني ورافض أجرب لأضعف.
وأكمل شارحًا بقلبٍ يتألم:
_ حبك كان نقطة ضعفي وكان هو الرابط الوحيد اللي هيربطني بالنجع ومعيخلنيش أعرف أهرب منه كيف ما كنت مخطط، ودي كانت أول حاجة خلتني أنكر عشجك جوه ودفنته لدرجة إني محسيتش بيه أصلاً من كتر ما أنا بهرب وبنكره جوه.
وأسترسل بإعتراف وعيون متأسفة:
_ أنا عمري ما حبيت إيناس يا صفا ولا عمرها شدتني ليها كأنثى، طول عمري وأنا بستغرب حالي وياها، كنت بخدع حالي وأبنجها وأقول لها بكرة هتيجي الحب مع العشرة بعد ما يتجفل عليكم باب واحد.
وأكمل الإعتراف:
_ فاكرة اليوم اللي جيت لك فيه وطلبت منك تروحي عند جدك وتجولي له إنك مريدانيش، كنت جاي وأنا بتتقطع وحاسس إن روحي هتطلع مني وهتفارقني بمجرد ما دبلتي تفارق صباعك، معرفش كنت بفكر كيف وجتها.
وأكمل بندمٍ ظهر داخل عيناه وبنبرات صوته الحزين:
_ كل اللي كنت بفكر فيه ومسيطر عليّ وجتها هو الهروب من تحكمات جدي وجبره ليا في كل حاجة تخصني، من أول كليتي، شقتي وعفشها، عربيتي، حتى المرة اللي هتنعم في حضني لما يختارها لي بكل جبروت.
قطب جبينه ونظر لها بتدقيق وتحدث:
_ تِعرفي يا صفا، اللي أنا متأكد منه دلوقتي إن لو جدك مكانش اختارك ليا كنت أنا اللي طلبت يدك من عمي زيدان.
ابتسمت له بعيون سعيدة وتنفست بإنتشاء وتابعت الاستماع لإعترافاتهُ الصادقة النابعة من أعماق القلب.
وأكمل مفسرًا:
_ لما لقيتك عاندتي قصادي ووقفتي بكل شموخ وجولتي لي إني هطلع أرجل منك وأروح لجدك وأفكك من الربطة السودة دي، معرفش ليه جَلبي اتنتش وحسيت بالضياع والتشتت، ولما جدي قال إنه موافقش وهددنا لو مسمعناش الكلام هيسحب منينا كل حاجة، ورغم اعتراضي وغضبي إلا إن إحساس بالراحة والسكينة اتملّك مني كيف معرفش.
ويوم دخلتنا لما شفتك قدامي بفستان الفرح، جَلبي اتخطف وحسيت إني مخلوق لك وإنك مخلوقة علشاني.
وأكمل متذكرًا:
_ ولما طولتي لسانك عليّ وعاندتيني، حسيت إنك فرسة جامحة وعايزة الخيال الصح اللي يروّضها.
وأكمل مبتسمًا بفخر:
_ وأنا كنت خيالك الزين يا بت زيدان.
ابتسمت بعينين شبه دامعة تأثرًا بإعترافاته وأكمل:
_ معاكِ لقيت كل اللي كان ناقصني، جوه حضنك لقيت روحي اللي كانت تايهة، لقيت المرسى في عيونك يا صفا.
وأكمل بقوة:
_ وجتها قطعت وعد على حالي إني مش هتجوز اللي اسمها إيناس لو السما انطبقت على الأرض، جررت إني هعيش معاكي وأحاول أراضيكِ وأستسمحك وأعوضك عن كل كلمة عفشة جولتها لك في ساعة شيطان وزعلتك مني، اتأكدت إنك عوضي الحلو عن كل اللي قاسيته في حياتي.
وأكمل بنبرة متألمة:
_ بس مش كل حاجة بتمشي كيف ما بنرتب لها.
واسترسل بإبتسامة سعيدة:
_ تِعرفي يا حبيبتي، لما راجعت حالي بعد كلام جدي اللي جاله لي عن عشقي ليكِ من زمان، اكتشفت إني بحبك من زمان جوي.
من لما كنتي في أولى ثانوي، لما كنتي تهلي وتطلعي في بلكونتك وتنوري الدنيا كيف الشمس، كنت بحس حالي ملك وملكت الكون لما كنتي تبصي عليّ وتضحكي لي.
وأكمل مفسرًا:
_ بس كنت بفسر كل دي على إني بحبك كيف أختي.
ولما كنتي تيجي تفطري ويانا في السرايا وتجعدي تبصي عليّ، مكانتش تحلا لي اللقمة غير لما آخدها من صحنك وأقسمها وياكي يا ضي عيني.
وأسترسل بنبرة عاشقة:
_ وكيف ما جولت لك قبل سابح، أنا اكتشفت إني مولود وعشجك ساكن جوه وموصول بنبض جَلبي.
كانت تستمع إليه بذهول جراء سيل الاعترافات التي أسعدت قلبها وأشعرتها بأنها تطير فوق السحاب.
سألته بنبرة متلهفة:
_ صح كنت بتعشقني كيف ما كنت بعشقك يا حبيبي؟
تنهد براحة وانتشاء وأردف قائلاً بنبرة حنون:
_ لا يا صفا، كنت عاشقك لآخر منتهى العشق، يعني عشقي ليكِ فاق عشقك بكتير.
لفت ذراعها حول عنقه ودفنت وجهها داخله وهتفت بنبرة سعيدة:
_ بعشقك يا قاسم، بعشقك وعموت من عشجي ليك، مبقيتش أقدر أبعد عنيك لو ليوم واحد.
وأكملت شارحة بدلال:
_ اليوم اللي بتسافر فيه مصر لجل ما تحضر فيه جلسة، ما يجيليش نوم ولا بيرتاح لي بال.
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم روز امين
ليلًا.. ليلة وقفة عيد الأضحى
داخل منزل زيدان
كانت الساعة قد تخطت الثانية عشر مساءً ومازال هؤلاء الأطفال يمرحون ويركضون حول ذاك الجالس ببهو منزلهُ بسعادة بالغة وكأن الله يعوضهُ هدوء منزلهُ وعُزلتهُ السابقة بهولاء الملائكة الصغار.
تحدثت ورد التي أتت من المطبخ تحمل بين ساعديها هي وصابحة كُل ما لذ وطاب من حلوي ومُسليات وفواكة العيد التي تُدخل البهجة والسرور علي قلوب الجميع:
_ معتناموش ولا إيه إنتوا إنهاردة؟
وأكملت بنبرة حنون:
_ يلا روحوا إجلعوا الخلجات دي جَبل ما تتكرمش وتبوظ وتحتاچ تتكوي، ولا يدلج عليها وَكل ولا عصير من اللي عتاكلوه ده.
وأسترسلت حديثها بعدما وضعت ما بيدها ورفعت كفيها لأعلي في حركة إستسلامية:
_ أني وصابحة وهدية معادش فينا صحة تاني لا لغسيل ولا مكوى.
ضحك زيدان وتحدث بنبرة تهكمية:
_ مش كان نفسك في عيال كَتير زمان، وكنتي عتشتكي من الهدوء اللي عايشين فيه.
وأكمل ساخراً:
_ أهي بِتك وسلايفها رموا لك العيال لجل ما يروجوا هما علي حالهم، إتحملي بجا يا أم العيال.
ضحكت وهي تجلس بجوارة وتناولهُ مشروب الشاي الذي أتت به تلك العاملة هدية:
_ متحملة يا سيادة النايب وعلي جلبي كيف العسل كُمان.
وأردفت مفسرة:
_ أني بس عوزاهم يدخلوا يناموا لجل ما يفوجوا علي صلاة العيد ويصلوا وَيّا چدهم الحاچ عِثمان.
تحدث مالك الذي بالكاد أكمل عامهُ الرابع:
_ مش تخافي يا تيتا، إحنا عنفضل صاحيين ومش عنام وعنصلي مع چدي ونحضر الذبـ.ـح ونفرجوا اللحمة كمان.
وأكمل مُفسراً بفخر:
_ بابا هو اللي جال لي إكده.
وافقاه الرأي الصغيران فارس ويزن التابعان لمالك ويتحركان بأمره ويتبعاه كظله، حيثُ أنهُ يكبرهم بعام ولذا يعتبر حالهُ مسؤلاً عنهما.
هرولت جميلة التي أكملت عامها السابع إلي زيدان وتحدثت بإعتراض وغضب طفولي:
_ ليه يا چدي مش جبت لي بدلة ظابط كيف مالك ويزن وفارس؟
ضحكت ورد بصوت عالي وهتفت بمرح:
_ وه يا بِت فارس، عاوزة تلبسي كيف الصُبيان إياك؟
تحدث إليها الصغير مالك الذي يرتدي بدلة الضابط ويحمل المسـ.ـدس الذي ينبعث منه أنواراً وأصواتً تصنع البهجة لدي الأطفال:
_ چدي زيدان چاب لي المسـ.ـدس والبدلة عشان أني عكون الظابط، وكمان عحميكم في العيد من اللصوص اللي عيخطفوا العيال الصغيرة.
وأكمل بتفاخر وكبرياء كأبيه سابقً:
_ علشان هو عارف إني أجوي واحد إهنيه.
وتحرك إلي زيدان ووقف قبالتهُ وتسائل بدلال وهو يُميل برأسهِ في حركة إبتزاز عاطفي ليحثهُ علي موافقته لحديثهُ كعادته:
_ مش إكده يا حبيبي؟
وكعادتهُ زيدان يشعر وكأنهُ إمتلك العالم أجمع حينما يقف أمامهُ صغير إبنتهُ ويناديه بحبيبي ويقوم بدلالهُ، أمسكهُ بكفاي يداه ووضع قُبلة شغوفة فوق جبهته وتحدث بتفاخر:
_ إكده يا بطلي وبطل النُعمانية كلاتهم.
أردفت ورد بنبرة دعابية:
_ أه منك ومن لؤمك يا مالك، معرفاش طالع بكاش لمين يا واد، أبوك كان چَد من وهو عيل إصغير.
دبت جميلة بساقيها بإعتراض وتحدثت وهي تحتضن تلك العروسة التي أحضرها لها زيدان ككل مناسبة، حيث إعتبر حالهُ المسؤول عنهم ودائماً ما يغمر أحفادهُ بالهدايا القيمة والملابس:
_ أني معيزاش حد يحميني يا مالك، أني أكبر منيك وأني اللي عحميك إنتَ وفارس ويزن أخوي كُمان.
صدح صوت جرس الباب، فتحركت صابحة وفتحته وجدت بوجهها فارس الذي تحدث:
_ كيفك يا صابحة، عمي صاحي؟
أجابته صابحة بإبتسامة:
_ صاحي يا سي فارس.
وأكملت وهي تُشير إليه للدخول:
_ إتفضل.
دلف للداخل وألقي السلام علي عمهِ وزوجته التي تحدثت بنبرة حنون:
_ إجعد يا ولدي إشرب الشاي ويّا عمك.
أجابها ذاك الخلوق:
_ تسلمي يا مّرت عمي، أني چاي أخد چميلة لچل ما تنام.
إعترضت تلك الجميلة التي تحركت إلي أبيها سريعً وتحدثت بنبرة توسلية:
_ خليني أبات إهنيه يا بابا.
أجاب طفلته بهدوء بعدما حملها تحت غضبها الطفولي:
_ معينفعش تباتي برات البيت يا چميلة، إنتِ كبرتي خلاصه.
هتفت بنبرة معترضة:
_ إشمعنا يزن أخوي بايت إهنيه، وكمان مالك وفارس بايتين وياه؟
أجابها بهدوء:
_ عشان هما ولاد يباتوا برة عادي، لكن إنتِ بنت معينفعش تباتي برة بيتك.
تحدث زيدان بنبرة حنون:
_ خليها بايتة يا فارس، عيچري لها إيه يعني، دي في بيت چدها.
قاطعته ورد التي تحدثت بحكمة:
_ اللي فارس عيعمله هو الصُح يا سيادة النايب، البيت مطرحها ومكان نومها لازمن يكون چار أمها.
وأكملت وهي تنظر لتلك الغاضبة وتحدثت لتهدأتها:
_ البِت ملكة يا چميلة ولازمن نحافظ عليها ونصونها چار أمها، لكن الصُبيان عيباتوا برة لانهم جُللات رباية.
ضحكت بعدما كانت غاضبة ونظرت إلي الأطفال الثلاث بكبرياء تحت غضبهم، وتحرك بها أبيها مُتجهً إلي مسكنهُ ومريم.
همس زيدان بجانب أذن ورد قائلاً بدعابة:
_ جومي نيمي الجرود دول لجل ما نلحج نجول كلمتين جبل ما الفچر يأذن.
إبتسمت له وتحدثت:
_ كلمتين إيه اللي عتجولهم يا راچل في وسط محطة مصر اللي إحنا فيها دي؟
ضحكا سوياً وأكمل حديثهما وسط ضجيج ومرح ولهو الأطفال الذين أضافوا البهجة والسعادة والسرور علي المنزل.
وصل فارس إلي مسكنه، وجد مريم تجلس بوسط البهو تُشاهد شاشة التلفاز وهي تتناول المُسليات ويبدوا علي وجهها الضيق والغضب.
تحركت إليها جميلة وأحتضنتها قائلة وهي تنظر إلي وجهها:
_ شكلك حلو جوي يا ماما وإنت مزوجة وشك إكده.
أما ذاك الذي نظر لها بإنبهار لجمالها الذي زاد من مجرد رتوش بسيطة وضعتها علي ملامح وجهها الرقيقة، وملابسها التي أظهرت مدي أناقتها وانوثتها، لكنهُ إستغرب حدة ملامحها وغضبها الظاهر علي وجهها.
سألها مُستفسراً بتعجُب:
_ مالك يا مريم، جالبة خلجتك ليه إكده؟
نظرت له بضيق وتحدثت إلي إبنتها:
_ إدخلي غيري هدومك ونامي يا چميلة عشان تجومي للعيد وإنتِ فايجة.
دلتف الطفلة وتحرك هو وجلس بجانبها وسألها من جديد وهو يضع كف يدهُ فوق وجنتها:
_ فيه إيه يا حبيبتي، مالك؟
نفضت يدهُ بشدة وتحدثت بنبرة حادة:
_ فيه إنك سايبني جاعدة لوحدي كيف الچارية اللي مستنية سيدها وجاعد تحت تضحك وتتساير يا فارس بيه.
إتسعت عيناه وتحدث بنبرة جادة:
_ كَنك إتچنيتي وعجلك طار يا مريم، محسساني إني كُنت جاعد في كبارية وعتفرچ علي الرجاصات وماسك الكاس في يدي.
وأكمل بنبرة ساخرة:
_ وبعدين ما أنتِ شيفاني وأني جاعد في الچنينة ويا قاسم ويزن وحسن.
هتفت بنبرة حادة:
_ قاسم وحسن طالعين لشججهم من ياچي ساعة وأكتر يا أستاذ، مش كيفك إنتَ ويزن بيه اللي مهملين حريمكم ولا كنها ليلة عيد.
ضحك وهتف بنبرة ساخرة:
_ هو ده اللي جاهرك جوي إكده.
وأكمل مُفسراً:
_ أني ويزن كان فيه موضوع مهم خاص بالمحچر ولازمن نتحدتوا فيه، إرتاحتي إكده يا مريم؟
نظرت إليه ومطت شفتاها بضيق، وإقترب منها وتحدث بنبرة ذات مغزي:
_ إنهاردة العيد يا أم يزن، إفرديها أومال الله يرضي عليكِ.
وأكمل بنبرة حنون:
_ وبعدين هو أني أجدر أبعد أو أتأخر عن الجمر ديل.
لانت ملامحها ونظرت إليه بعتاب حزين أحزنهُ فتحدث وهو يُمسك رأسها ويُقبل مقدمتها قائلاً:
_ حجك عليّ يا حبيبتي، متزعليش.
وأكمل بنبرة حنون:
_ كُله إلا زعلك يا مريم، وحياة فارس عندِكِ لتضحكي.
إبتسمت إليه ووقف هو وأمسك يدها وتحرك إلي داخل غُرفتهُما.
***
داخل شقة قاسم وصفائهُ النفسي والروحي، وبالتحديد داخل المطبخ، تقف تلك الجميلة أمام الموقد لتعد لحبيبها قهوتهُ المُفضلة، ترتدي ثوبً رقيق بصـ.ـدرٍ مفتوح وذراعين مكشوفين، قصير للغاية يكشف عن ساقيها وحتي منتصف الفخـ.ـدين، واسعً فضفاض كي يستوعب بطنها المنتفخ جراء وصولها لشهرها السادس من الحَمل. أنتهت من إعدادها وسكبتها ثم إلتفت لذاك الجالس حول تلك المنضدة التي تتوسط المطبخ.
أردفت قائلة بنبرة رقيقة حنون وهي تُبسط ذراعها لتناولهُ إياها:
_ جهوتك يا حبيبي.
تناولها من يدها وأردف بنبرة رجل عاشق:
_ تسلم يدك يا غالية.
وضع قدح القهوة أمامهُ ثم أمسك كفها الرقيق ووضع بهِ قُبـ.ـلة حنون وسحبها وأجلسها فوق ساقيه، إبتسمت إليه وتحدثت بنبرة قلقة:
_ خليني أجوم اجعد علي الكُرسي أحسن ما أوچع لك رچليك.
وضع كف يده فوق وجنتها وتحسـ.ـسها بحنان وتحدث قائلاً بنبرة دُعابية:
_ كَنك إتخبلتي ومعارفاش إنتِ متچوزة مين يا بِت زيدان، أتعيشُكي في جُدرات حبيبك إياك؟
ضحكت وتحدثت بنبرة نافية:
_ عارفة ومتوكدة زين إني متچوزة سَبع الرچال اللي ماله زيو.
وأكملت بنبرة حنون:
_ بس أني عخاف عليك من نسمة الهوا اللي عتجرب من رموشك يا حبيبي.
يا بوووووي علي كلمة حبيبي اللي كيف الشهد وهي طالعة من خاشمك.. جُملة هائمة قالها ذاك الولهان.
إبتسمت له، مد هو كف يدهُ وألتقط قدح القهوة وقربهُ أولاً من أنفهِ ليشتم رائحتها العبقة، أغمض عيناه وهمهمَ بتلذُذ تحت سعادة تلك الناظرة عليه بعيناها الهائمتان، أنزل القدح لمستوي فمه وأرتشف رشفتهُ الأولي بتلذُذ وأستمتاع وهو يُشدد من ضمته بيدهِ الأخري التي تحتوي خصـ.ـر حبيبته.
فتح عيناه ونظر إلي تلك المبتسمة التي سألته بإهتمام:
_ عچبتك الجهوة؟
أجابها بنبرة عاشقة:
_ أي حاچة عتحطي يدك فيها عتعچبني، وجوي كُمان يا ست البنات.
إبتسمت خجلة، وأمسك هو إحدي حباة الشيكولا المحببة لديها و وضعها بداخل فمها، أقتضمت نصفها تحت خجلها وقرب هو النصف الآخر من فمه وقام بمضغها، ثم أمسك رأسها وجذبها عليه ليلتقط شفتـ.ـاها في قُبلـ.ـه شغوفة يتذوق من خلالها طعم الشيكولا من فوق شفتاها، طالت بينهما القُبـ.ـلة بمنتهي المتعة والإشتياق الجارف حتي أخرجهما مما هما عليه ركلات صغيرها الذي تحرك داخل أحشائها بشدة ألمتها وانتفضت علي أثرها.
سألها مُتلهفً ذاك الذي إرتعب داخلهُ لأجلها:
_ مالك يا حبيبتي؟
وضعت هي كف يدها تتحـ.ـسس موضع جنينها الثاني وتحدثت متألمـ.ـة بدلال:
_ ولدك ممبطلش تخبيط فيا، تعبني جوي يا قاسم.
نظر لها بحنين ثم وضع كف يدهُ فوق أحشائها وتحدث إلي جنينهُ:
_ تاعب أمك وياك ليه يا زيدان.
إنتفض قلبها ككُل مرة تستمع بها منه إنتوائه علي إطلاق إسم زيدان علي جنينهما فتحدثت وهي تتلمس وجنتهُ بلمسة حنون:
_ چَد عتسمي ولدنا زيدان يا قاسم؟
نظر لها ومازال يتحـ.ـسس موضع جنينهُ بلمسـ.ـة حنون كي يبعث إليه الطمأنينة ويحسهُ علي التراخي، وتحدث بنبرة صادقة:
_ چَد يا جلب قاسم، وده عيكون رد لچميل عمي الكبير عليّ.
واسترسل بعيناي شاكرة:
_ أجل واچب أعمله وياه هو إني أخلد إسمه في الدنيي بعد ما سامحني علي كل اللي فات ورچع لي حياتي من چديد.
إبتسمت إليه ورمت رأسها علي كتفه وتحدثت بإستحسان وعِرفان:
_ ربنا يحميك ويحفظك لجلبي يا حبيبي.
لف ذراعيه حولها وتحدث بإنتشاء:
_ ويخليكِ ليا يا عيون جلب قاسم من چوة.
ثم تحدث ليحثها علي النهوض:
_ يلا يا حبيبتي ندخل أوضتنا لجل ما تفردي ضهرك علي السرير عشان متتعبيش.
وأكمل بنبرة حنون:
_ كفاية عليكِ تعب لحد إكده، وكمان عشان تلحجي تنامي لك كام ساعة جَبل ما نصحي لصلاة العيد.
إبتسمت إليه بعيناي شاكرة لحنانهِ الزائد عليها، ووقفت مستندة بيدها علي ظهر المقعد بحذر لأجل طفلها، ثم وقف هو وأمسك يدها وتحرك بجانبها متجهين إلي الداخل حتي وصلا إلي تختهما، أمسك بيده مُلاَءَة السرير ونفضها لتتطاير ورقات الورود المُتناثرة عليه والتي وضعتها هي بمساعدتهُ للإحتفال الخاص بليلة العيد التي تمت بين العاشقان مُنذُ ما يُقارب من الساعة.
حيث كان جو الغُرفة عبارة عن إضائة خافتة بجانب الشموع والموسيقي والورود التي أحضرها قاسم وقام بنثرها هو وحبيبتهُ وتوزيعها ليستمتعا معاً بتلك الأجواء الرومانسية.
ساعدها بتمددها علي التخت ودثرها بعناية تحت الفراش ثم تحرك للجانب الآخر وتمدد بجوارها، فرد ذراعهُ وسحبها بهدوء وأدخلها داخل أحضانهُ، ثم وضع قُبلة حنون بجانب شِفتها وتحدث بنبرة رجُل عاشق:
_ تصبحي علي خير يا نبض جلبي.
أجابته وهي تتثاؤب من شدة نُعاسها وإرهاقها المصاحب لها جراء حملها:
_ وإنتَ من أهله يا حبيبي.
وبعد قليل كانت تغفو بسلام داخل أحضـ.ـان ذاك الذي بات ينظر إليها بقلبٍ حنون محبٍ عاشق لكل ما بها، وبعدها غاص بغفوته.
***
داخل غرفة النوم الخاصة بيزن وأمل
كان يتمدد فوق فراشه فارداً ذراعهُ بجانبه فوق الوسادة، يحتضن به أمل التي أتتهُ كمكافأة من رب العالمين علي رحلة صبرهِ الطويلة علي إبتلائه الصعب بزواجهُ من ليلي.
نظر إليها وتسائل بعيون هائمة:
_ مبسوطة يا حبيبتي؟
إبتسمت خجلاً من مقصده وتحدثت بنبرة حنون:
_ وجودي جنبك وجوة حُضـ.ـنك ده بالنسبة لي أكبر سعادة يا يزن.
ثم وضعت يدها فوق ذقنهُ وتحسسـ.ـته قائلة بعيناي سعيدة:
_ إنتَ أحلا حاجة حصلت لي في عُمري كله.
وبدون سابق إنذار إبتسم ضاحكً وهتف ليُذكرها:
_ فاكرة يا أمل أول يوم إتجابلنا فيه أني وإنتِ؟
ضحكت بشدة واسترسل هو:
_ يا أبوووي علي تُجل دمك وتكشيرة وشك في اليوم دي.
إكفهرت ملامحها وخرجت من بين أحضـ.ـانه وتحدثت بنبرة حادة:
_ إتلم يا يزن وخلي ليلتك تعدي.
قهقه بشدة وهتف قائلاً بنبرة صادقة:
_ عغشك إياك يا أمل، مفكراش حالك وإنتِ عتتحدتي وياي يوميها إياك.
وأعتدل بجلستهِ وأكمل مُقلداً إياها حينها:
_ مش تفتح يا بني آدم إنتَ، إيه، أعمي مشايفش جِدامك؟
وأكمل ساخراً تحت ضحكاتها العالية التي لم تستطع السيطرة عليها:
_ ولما أنتَ مبتشوفش زين، عتسوج عربيات وتجرف الخلج وياك ليه؟
قهقهت عالياً علي طريقتهُ الساخرة وهو يُذكرها بما مضي وتحدثت بحنين:
_ يااااااه، إنتَ لسة فاكر يا يزن؟
نظر لها بعيناي عاشقة وهمس بنبرة حنون:
_ كيف أنسي وأني كُل لحظة جضيتها وياكِ محفورة جوي جلبي جَبل عجلي يا ضي عيني.
ترقرت عيناها بدموع الفرح من شدة سعادتها بحديث حبيبها النبيل، وتحدثت بنبرة حنون وهي تسحب رأسهُ وتُدفنها داخل صـ.ـدرها وتحتويه بذراعيها بحنان:
_ أنا بحبك أوي يا حبيبي، ومهما حاولت أقول لك كلام الدُنيا كله مش هيقدر يوصف لك ولا يعبر عن اللي جوايا ليك، وعن قد إيه أنا مبسوطة ومرتاحة في حياتي معاك.
وتنفست براحة وأردفت قائلة بنبرة صادقة:
_ ده أنا كُل يوم بحمد ربنا وبشكر فضله علي نعمة وجودك في حياتي يا يزن.
دفن رأسه أكثر داخل أحـ.ـضانها وتحدث:
_ ربنا يخليكِ ليا يا حبيبتي.
ثم خرج من بين ضمـ.ـتها، مال بجزعهِ جانبً ومد يده وفتح دُرج الكومود، أخرج عُلبة قطيفة وأعتدل إليها من جديد وتحدث بنبرة سعيدة وهو يُقدم لها الإسوارة التي بداخل العُلبة:
_ كُل سنة وإنتِ طيبة يا ست البنات.
إتسعت عيناها بذهول وتحدثت بنبرة شديدة السعادة:
_ الله علي رقتك وذوقك يا يزن.
وأكملت بحماس وهي تنظر إلي يدها والإسوارة التي ألبسها إياها للتو:
_ الأسورة تجنن، حلوة أوي بجد.
أمسك كف يدها ووضع قُبـ.ـلة رقيقة عليه ثم تحدث بحنان:
_ مبروك عليك يا حبيبتي، كل سنة وإنتِ طيبة.
إبتسمت إليه وهتفت بسعادة:
_ وإنتِ طيب يا قلبي.
***
كانت تتمدد بجواره فوق فراشهما، تسحبت علي أطراف أصابعها كي لا يشعُر بها ذاك الغافي ودلفت إلي المرحاض الخارجي وأخذت حماماً دافئً، بعد حوالي النصف ساعة كانت تقف أمام مرأتها بعدما صففت شعرها، ثم قامت بوضع مساحيق تجميل عدة فوق وجهها إستعداداً للذهاب متشوقة إلي منزل جدها لقضاء الإحتفال بعيد الأضحي، حيث أنها المرة الآولي التي تنزل بها إجازة مُنذ أن سافرت إلي زوجها كعروس.
تحركت إلي ذاك الغافي بعدما إنتهت من وضع جميع مساحيقها وتحدثت بنبرة هادئة وهي تُحركهُ بحذر من كتفهُ خشيةً غضب ذاك الذي يُصاب بالغضب من أقل تصرف:
_ عبدالعزيز، عبدالعزيز، يلا جوم، إكده عتتأخر علي صلاة العيد.
فتح عيناه شئً فشئ ورمقها بنظرة شامله لوجهها وثيابها وتسائل مُتعجبً:
_ هي الساعة كام؟
إستدارت وتحركت إلي التَّسريحة وأجابته بعدما إلتقطت قنينة عِطرها وبدأت بالنثر منها علي ثيابها ووجهها ويداها:
_ الساعة أربعة ونص، الفچر أذن جوم يلا عشان تتسبح وتلبس هدومك لجل ما نلحج صلاة العيد في الچامع بتاع چدي اللي چار السرايا ونعيدوا وياه.
تحدث بنبرة حادة ونظرات متعجبة:
_ وإحنا إيه اللي عيودينا نصلوا العيد ونعيدوا عِند چدك؟
نظرت إليه وتحدثت:
_ أومال يعني عاوزنا نجضي العيد فين يا عبدالعزيز؟
سحب جسدهِ وأعتدل بجلسته وهتف ساخراً:
_ علي رأيك عنجضوة فين، عيكون في بيتنا إهنيه ويا أهلي وعيالي مثلاً؟
شعرت بسخريتهُ وبداية غضبهُ فقررت اللعب معهُ بذكاء لتستدعي تعاطفهُ معها والانصياع لها كما نصحتها فايقة:
_ حرام عليك يا عبدالعزيز، دي أول أچازة ليا من يوم ما سافرت لك من أربع سنين، وچدي وأهلي وحشوني ونفسي أحضر العيد والدبيـ.ـح وياهم.
واسترسلت شارحة:
_ وبعدين عيالك وخالي ومّرت خالي چوم عِندينا في السعودية زيارة مرتين، وكل مرة كانوا عيجعدوا بالشهرين.
وأكملت بنبرة إعتراضية حزينة:
_ مش كفاية إننا واصلين من أولة إمبارح ومخلتنيش زرتهم لحد دلوك.
زفر بضيق ومسح علي وجههِ ليُسيطر علي غضبه سريع الحضور وتحدث:
_ يا فتاح يا عليم يا رزاج يا كريم، ما تصطبحي يا بِت الناس وتعجلي وتوزني حديتك زين.
وأكمل بنبرة حادة ساخراً:
_ لهو أني كُنت جاطع تذاكر وچاي الأچازة لجل ما أحضر العيد ويا چدك وعيلتك إياك؟
واسترسل بنبرة صارمة:
_ العيد عنحضره إهنيه وَيا عيالي وأبوي وأمي وخواتي، ومعاوزش لت حريم كَتير علي الصُبح.
دبت بساقيها بإعتراض لكنها كظمت غيظها وكلماتها خشية غضبة ذاك العبدالعزيز وتحولهُ المخيف الذي وبرغم عشقهُ لها إلا أنهُ صارم جداً وأحياناً يصل لتعنيفها والعقاب بالهجر والحجز داخل المنزل بالأسابيع دون رؤية الشارع نهائيً.
نفض عنه الغطاء وتحرك ووقف بجانبها، ثم أمسك ذقنها ورفع وجهها إليه وهتف معنفً إياها وهو ينهرها:
_ إيه اللي حطاه في خلجتك ده يا حزينة؟
إبتلعت لُعابها وأردفت بتلبك:
_ ده ميك اب، إنهاردة عيد وأني ليا أربع سنين منزلتش النچع.
ألبرأسهِ بتعجب وهتف:
_ ومال نزولك النچع بالهباب اللي دهناه علي خلجتك دي؟
ثم هتف بنبرة حادة وعيناي تشبه الصقر بحدتها لعلمهِ أنها تفعل هذا لأجل يزن ولأجل إغاظة زوجتهُ وأقربائها التي دائماً ما تُثرثر وتتهمهم بالغيرة والحقد عليها:
_ إدخلي الحمام إغسلي الهباب اللي ملخبطة بيه خلجتك دي ومعايزش أشوف حتي الكُحل في عنيكي.
وأكمل مهدداً بنبرة صارمة:
_ فهماني يا ليلي.
نظرت إليه وبدون سابق إنذار زرفت دموعها بقلة حيلة واستسلام، وما أن رأها ذاك المُحب حتي زفر بضيق وتحدث إليها بنبرة هادئة:
_ عتبكي ليه عاد يا بِت الناس؟
تحدثت بنبرة لائمة من بين شهقاتها:
_ صُح معارفش عبكي ليه يا عبدالعزيز؟
وأكملت بنبرة حزينة:
_ عبكي علي حظي اللي ملاجيهوش وَيّا حد واصل.
خبط كفاه ببعضيهما وتحدث:
_ لا حول ولاقوة إلا بالله، عتجولي ليه إكده بس يا ليلي؟
أجايته من بين دموعها:
_ كُل حاچة عِنديك بالإچبار، ميتا خدت برأيي في حاچة ولا عِملت لي اللي أني ريداه.
تنفس عالياً ثم زفر وأردف قائلاً:
_ اللي هو إيه اللي إنتِ ريداه يا بِت عمتي؟
وأسترسل شارحً:
_ بجا لك وياي أربع سنين بحالهم، لا إطبعتي بطبعي ولا حاولتي تريحيني لجل ما بالي يرتاح وأريحك وياي.
وأكمل بنبرة تعقلية:
_ بجا لي أربع سنين منزلتش النچع ولا حضرت العيد إهنيه، ويوم ما أنزل عوزاني أفوت عيالي وأهلي وأروح أرخص حالي عِند أهل مّرتي عشان يتجال عليّ دلدول المّرة؟
وأكمل متسائلاً بنبرة عاقلة:
_ ترضيها علي چوزك يا ليلي؟
تمعنت النظر إليه وهزت رأسها بنفي بعدما تيقنت صحة حديثهُ، أمسك كتفها وتحدث معترفً بنبرة غائرة:
_ أني كلمت قاسم بالليل وجُولت له إني عوديكِ عنديهم بعد المغرب، بس جولت له إني مرايدش يزن يكون موچود في السرايا وجتها.
وأكمل بعيون حادة من شدة غيرتة:
_ أظن من حجي أغير علي مّرتين.
نظرت إليه بحزن وهزت رأسها بموافقة، سحبها هو إلي داخل أحضانهُ وتحدث بنبرة هادئة:
_ ربنا يهديكِ ليا ويكملك بعجلك يا حبيبتي.
أخرجها من جديد وتحدث بنبرة حنون:
_ طلعي لي غيار وحصليني علي الحمام لجل ما نلحج صلاة العيد.
إبتسمت بخفوت وتحدثت إليه:
_ كُل سنة وإنتَ طيب يا عبدالعزيز.
أمسك وجنتها ووضع عليه قُبـ.ـلة حنون وتحدث بنبرة مُحبة:
_ وإنتِ طيبة وبخير يا ليلي.
***
داخل حُجرة قاسم
فاق من غفوته، سحب جسـ.ـده لأعلي وجلس ، وتحدث إلي تلك الغافية بجانبة:
_ صفا، إصحي يا جلبي لجل ما ناخد شاور عشان صلاة العيد.
تمللت تلك الناعسة التي تظل دائما متعطشة للنوم بسبب هرومونات الحمل، وهمهمت بإعتراض:
_ أممممم، أني نعسانة جوي يا قاسم، خليني نايمة وإنزل إنتَ.
مال علي وجنتها ووضع قُبـ.ـلةً حنون وأردف قائلاً:
_ معينفعش يا صفا، ده عيد ولو سيبتك نايمة الكُل عيجلج عليكِ وأولهم عمي ومَرته.
تمللت من جديد وأردفت بنُعاس وصوتٍ مُتحشرج:
_ حرام عليك يا قاسم، ده أني ملحجتش أنام ساعتين علي بعض.
تحدث وهو يحاول إيقاظها رُغمً عنه:
_ معلش يا حبيبتي، عننزل نحضر الصلاة وتعيدي علي الكل وبعدين عطلعك تنامي، وأنزل أني لجل ما أحضر ذبـ.ـح الأضاحي وتفريجها.
أطاعته وفاقت متغصبة علي حالها متجهة إلي المرحاض بعدما قام هو علي تجهيزهُ كي لا يُحملها عِبئً علي عبئ الحَمل.
أما داخل مسكن قدري، كان يقف أمام المرأه يلف عِمامتهُ البيضاء فوق رأسهُ بعناية بعدما خرج من المرحاض، حيث أخذ حمامً دافئً من تحضير تلك الفايقة التي إهتمت به للغاية ليلاً وصباحً كي تنال رضاه "ولكن هيهات"، فقد بات يعاملها أسوء معاملة حتي بعدما أصبح شغلها الشاغل هو إرضائهُ، لكنه يعلم علم اليقين أنها تفعل هذا فقط لنيل رضاه كي يُعيدها إلي قلبه من جديد ومنهُ إلي رضا رسمية وعودتها لمكانتها السابقة بالسرايا.
وقفت بجانبه ومسحت علي كتفه بعناية وتحدثت بنبرة حنون مصطنعة:
_ كُل سنة وإنتَ بخير يا قدري.
أجابها بنبرة جادة وملامح وجة مقتضبة:
_ وإنتٌ بخير.
أردفت قائلة بنبرة حنون في محاولة منها كعادتها لسحبهُ لعالمها من جديد:
_ لحد ميتا عتفضل زعلان مني إكده يا أبو قاسم، خاصيمك النبي لتنسي اللي حُصل وترچع وياي كيف اللول.
رمقها بنبرة حادة وأردف قائلاً بذكاء:
_ هو أنتِ يا مّرة معيتصلحش حالك واصل، تعدي السنين وتمر ولساتك كيف الحية اللي عتلف علي الضحية لجل ما تمص دمها.
وأكمل مسترسلاً بنبرة حادة:
_ فكراني أهبل إياك ومواعيش لتخطيتك اللي عتخططي له لجل ماترجعي كيف ما كنتي في البيت جبل ساب.
جردت عليه بمراوغة وكذب:
_ صدجني يا أخوي إنتَ ظالمني، أني كل اللي عتمناه دلوك هو رضاك عليّ وبس.
إبتسم ساخراً بجانب فمه وتحرك للخارج تاركً إياها لإستشاطتها ونارهـ.ـا الشاعـ.ـلة منه.
خرج قدري من باب مسكنه وجد قاسم يتحرك داخل الرواق وبجانبهُ صفا، محاوطً خصـ.ـرها بيده وهي تتحرك ببطئ ساندة ظهرها بكف يدها ويظهر عليها تعب الحُمل جراء وصولها للشهر السادست.
تحرك قاسم إلي والدهُ وتحدث بإحترام وهو يُقبل كف يده:
_ كل عام وإنتَ بخير يا أبوي.
أردف قدري قائلاً بإستحسان:
_ وإنتَ بخير وصحة يا ولدي.
ونظر إلي صفا التي تحركت إليه ببطئ وعايدته قائلة:
_ كل عام وحضرتك بخير يا عمي.
ربت علي ظهرها وسألها بعدما رد معايدتها:
_ كيفك يا بِتي، زينة؟
أجابته بنبرة هادئة:
_ بخير والحمدلله يا عمي.
أتت من خلفهم تلك التي وقفت وتحدثت إلي ولدها وزوجته:
_ صباح الخير.
إقترب منها قاسم وأمسك رأسها وقام بوضع قُبـ.ـلة حنون فوقها وتحدث بعدما إبتعد عنها قليلاً:
_ كل عام وإنتِ بخير وصحة يا أم قاسم.
إبتسمت له وربتت علي كتفهِ بسعادة وفخر.
مدت صفا يدها وعايدتها بوجهٍ مُبتسم قائلة:
_ كل سنة وإنتِ بخير يا مرت عمي.
ردت عليها تلك الفايقة بكلماتٍ محددة وبملامح وجهٍ قاسي خالي من أية تعبيرات تدل علي قبولها لتلك الصافية:
_ وإنتِ بخير.
فبرغم كل ما حدث إلا أنها لم تتقبل صفا ولا ورد بحياتها إلي الآن.
تحرك قدري إلي الدرج وتدلي ولحقته تلك الحية، أما قاسم الذي أمسك كف صغيرته ونظر لها وأماء بعيناه ليحثها علي ألا تحزن، إبتسمت لهُ تلك التي أخذت الأمر ببساطة وهدوء وتحركا سوياً إلي الدرج سانداً أياها من جديد.
حضر جميع من بالمنزل وحاوطوا الجد والجدة وقاموا بتقبيل كفاي يداهم ومقدمة رأسيهما تعبيراً عن الإحترام والتقدير الذي يكنهُ الجميع لهذا الثُنائي الأصيل.
وبدأ جميع الرجال بتوزيع العملات المالية " العيدية " علي الأطفال والنساء مما جعل الفرحة تعُم علي الجميع.
أسرع مالك إلي أبيه وتحدث:
_ كل سنة وإنتَ طيب يا بابا.
حملهُ قاسم بين ساعديه وقـ.ـبلهُ بسعادة وتحدث:
_ وإنتَ طيب وبخير يا حبيبي.
إقتربت منه صفا وقبلت وجنتهُ وهتفت بنبرة حنون:
_ كل سنة وإنتَ منور دنيتنا يا حبيبي.
حاوط الصغير عُنقها وقَبل وجنتها وتحدث بحنان وهو يتحـ.ـسس وجنتها كقطة سيامي:
_ وإنتِ طيبة يا ماما.
إلتف الجميع حول عِثمان داخل الفيراندا وتحدث هو بنبرة جادة وهو يتبادل النظر بين أنجالهُ وأحفادهُ وزوجاتهم:
_ أني رايد أخبركم بحاچة مهمة جوي لچل ما يكون عِنديكم عِلم، وأكون خلصت ضميري جِدام ربنا سبحانه وتعالي.
أدق الجميع النظر إليه فأكمل وهو ينظر إلي زيدان:
_ أني عدي لـزيدان ورثته مني كيفه كيف خواته.
إبتسمت رسمية بإستحسان لحديث زوجها الذي أخبرها به مِن ذِي قَبل، حين أردف زيدان قائلاً بقناعة ورضا:
_ أني معايزش حاچة يا أبوي، أني الحمدلله عِندي اللي يكفيني وكلياته تحت أمرك وأمر خواتي وعيالهم.
إبتسم عِثمان وتحدث بنبرة صادقة حنون:
_ ده حجك بشرع الله يا ولدي.
وأكمل بإبتسامة حانية أثرت قلب زيدان:
_ إوعاك تكون فاكر إني كُنت عخالف شرع الله وضميري وأظلمك صُح يا عزيز عين أبوك.
وأكمل وهو ينظر إلي قاسم المُبتسم:
_ إسأل إبن أخوك علي الوصية اللي خليته يكتبها لي من جبل خطوبته علي صفا بِتك بسَبوع.
نظر كُلً من قدري ومُنتصر ورسمية إلي زيدان وأبتسموا له في إشارة منهم بالموافقة والترحيب بقرار عِثمان ومباركة ودعم القرار، تحت إستشـ.ـاطة قلب فايقة التي شعرت بفوز زيدان بكل شئ حتي مال أبيه.
واسترسل الجد شارحً:
_ أني كاتب في الوصية اللي بصمت عليها وختمت لجل ما أأكد علي صحتها، إن ليك في ورثي كيفك كيف خواتك بالظبط، وكاتب فيها كمان حج خواتك الحَريم عشان محدش يظلمهم والشيطان يدخل بيناتكم بعد ما أموت.
نظر إليه الجميع بهلع يبعدون تلك الفكرة عنه، فتحدثت رسمية إلي زوجها الحبيب وعشرة عمرها:
_ ربنا يبارك لنا في عمرك يا غالي ويخليك لينا، ده إحنا منغيرك ولا نسوي حاچة.
أقبل زيدان علي أبيه ومال علي كف يده ليُقـ.ـبلهُ بإحترام وتقدير وتحدث بنبرة جادة صادقة:
_ ربنا يبارك في عُمرك ويديمك فوج روسنا يا أبوي.
إبتسم برضا إلي زيدان ثم توجه بحديثهُ إلي صفا قائلاً بنبرة جادة:
_ معلش يا بِتي، عترچعي العشرين فدان لچدتك لجل ما يتوزعوا بين الكُل بالعدل وبما يرضي الله.
إبتسمت لجدها وتحدثت بموافقة تحت إستحسان ورد وزيدان وتفاخرهُما بإبنتيهما:
_ أني تحت أمرك في كُل اللي عتؤمر بيه يا چدي.
وأكملت ضاحكة بخفة:
_ أني أصلاً مكنتش فكراهم غير دلوك لما حضرتك چبت سيرتهم.
إبتسم لها قاسم ولف ذراعهُ حول كتفها برعاية، نظرت عليه وتنفست بإنتشاء وسعادة.
صدحت أصوات المكبرين والمهللين عبر المكبرات داخل الجوامع لتعلن للجميع عن إقتراب موعد الصلاة، تحرك الرجال بسعادة مصطحبين الجد إلي المسجد المجاور للسرايا وبدأوا بإحياء شعيرة التهليل والتكبير مما خلق حالة من السعادة والبهجة علي جميع ساكني النجعبعد قليل كان الجد جالسً وسط الفيراندا ينظر علي أولادهُ وأحفادهُ وأطفالهم وهم يمرحون حول الجزارين الذين شرعوا بذبـ.ـح الذبائـ.ـح إتباعً لسُنة نبينا الهادي المؤكدة، وبدأوا الخفر وشباب العائلة بحمل الأكياس وتوزيعها علي الأهل والاقارب وساكني النجع جميعاً، مما أدخل السرور علي قلوب الجميع.
تحدث مالك إلي والدهُ:
_ بابا، هو أحنا ليه بنـ.ـدبح في العيد؟
نظر قاسم إلي جده الجالس بالفيراندا وأشار قائلاً بصوتٍ جهوري عالي:
_ روح لچدك الحاچ عِثمان وهو هيحكي لك الحكاية كلياتها.
وأشار إلي صغار العائلة قائلاً:
_ روحوا يا ولاد لچدكم عِثمان لجل ما يحكي لكم قصة سيدنا إسماعيل مع والدة نبي الله وأبو الانبياء سيدنا إبراهيم.
إبتسم الجد حين تذكر كيف كان يجمع أحفادهُ في الماضي ويقص عليهم قصة سيدنا إسماعيل مع حلم أبيه سيدنا إبراهيم.
إلتف الصغار حول الجد وبدأ هو بقص القصة والعبرة منها تحت سعادة الصغار ومناقشاتهم وأسألتهم الموجهة إلي الجد.
أما في الداخل بدأن النساء في طهي لحوم الأُضحية فور إدخالها إليهن.
تحدثت ورد إلي صفا التي كانت تريد الصعود لتغفو:
_ إجعدي كُلي لك حتة كِبدة محمرة تسند جلبك وتغذي عَيلك وبعدها إبجي إطلعي نامي براحتك.
وافقتها الجدة الجالسة علي مقعداً وسط المطبخ لتتابع تحضيرات الأطعمة الشهيرة والخاصة بذاك اليوم العظيم وتحدثت:
_ إجعدي لحد ما الوّكل يچهز وكُلي ويانا يا بِتي، بركة اللُجمة في اللمة وخصوصي لمة العيد.
نظرت إلي الجميع بتردُد فتحدثت مريم التي تصنع صنية الرقاق الشهيرة والتي لا يكتمل العيد إلا بها هي والفتة:
_ عتطلعي تنامي وتفوتي صَنية الرُجاج اللي ملهاش زي دي.
أكملت علي حديثها أمل التي كانت تقف أمام الموقد وتصنع معجون الطماطم الخاص بالفتة قائلة بتلذذ وهي تستنشق الرائحة:
_ ولا طشة الفتة اللي ريحتها جايبة أخر البلد.
نظرت لكلتاهما وسال لُعابها من مظهر الأكلات والروائح الذكية التي جعلتها تتشوق لتذوق الطعام فتحدثت بنيرة إستسلامية:
_ خلاص هجعد وأمري إلي الله، وبلاها نوم إنهاردة.
تحدثت نجاة التي كانت تقوم بتقطيع مكونات السلطة الخضراء بجانب فايقة الصامتة:
_ أهو إكده الكلام الزين، وبعدين كلياتنا منمناش ليلة إمبارح، نتغدوا وكل واحد يطلع علي مطرحه ينام براحته.
وافقها الجميع الرأي وبعد مرور حوالي ساعة، كان الجميع يلتف حول سُفرة الطعام المستطيلة والتي يصل طولها من بداية حُجرة الطعام إلي نهايتها، وكان عِثمان قد وصي بصُنعها خصيصاً ختي تستوعب جلوس جميع عائلتهُ حولها.
أما عِثمان الجالس بمقعدهِ يترأس المنضدة، فنظر ألي عائلتهُ وشعر بالفخر وهو يري الجميع يتناولون الطعام ويتبادلون الضحكات والأحاديث المُثمرة التي تؤلف بين قلوبهم وتُقرب وجهات النظر بينهم.
إبتسم للجميع وتحدث بنبرة صوت حنون:
_ كُل عام وإنتم بخير.
نظر إليه الجميع بإحترام وردوا عليه، وحينها شعر هو بإرتياح عندما تيقن بأنهُ وأخيراً رسي بسفينته إلي بر الأمان وأطمئن علي غواليه.