تحميل رواية «قلبي بنارها مغرم» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تدور أحداث روايتنا داخل محافظة سوهاج عريقة الأصل والأصول، وبالتحديد داخل نجع النعماني والذي سُمي خصيصاً بهذا الاسم تيمنًا وانتسابًا لتلك العائلة العريقة، عائلة النعماني. البطلة: صفا زيدان عتمان النعماني، طبيبة بشرية، تبلغ الآن من العمر الخامسة والعشرون، وحيدة والديها وغاليتهم، فاتنة الجمال ذات طلة وجه ملائكي وبشرة بيضاء اللون، تمتلك عينان ساحرتان واسعتان باللون الزمردي يكسوهما رموش سوداء كثيفة مما أعطى لهما سحرًا ورونقًا يفوق ألف تعويذة على ناظريهما. تمتلك جسدًا متناسقًا أنثويًا من الدرجة الأولى...
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم روز امين
في صباح ذلك اليوم الموعود، وصل يزن إلى المستشفى منذ الصباح الباكر كي يتابع أعماله الخاصة بالمستشفى، والتي باتت من أهم أولوياته في الفترة الأخيرة. كان يشعر برغبة ملحة بداخله تحثه وتقوده على الذهاب إلى مكتب أمل وخلق الفرص لمقابلتها وإطالة الأحاديث التي بدأت تشعره براحة عجيبة لم تنتابه من قبل.
والأغرب هي حالة الانسجام التي بدأت تبدو على كلاهما أثناء وجوده مع الآخر. كان يتحرك برواق المستشفى ثم توقف فجأة عندما لمح صفا وأمل وياسر مقبلين عليه، قاصدين الخارج. نظرت أمل إليه، وجدت أنه يتنفس براحة تبدو على ملامح وجهه وهو ينظر إليها ويتمعن في ملامح وجهها كعادته مؤخراً.
تفرقت نظراته على ثلاثتهم بعدما لمح خجلها وتهرب عينيها من نظراته المتفحصة، وسألهم بوجه بشوش:
"على فين العزم أكده أومال يا دكاترة؟"
نظر له ياسر بملامح وجه يائس حزين. هذا أصبح حاله منذ ابتعاد مريم عن عينيه. فمنذ تلك الليلة المشؤومة وهو يحاول الخروج من دائرة عشقها البائس، المدمر لأحلامه الوردية التي راودته في عشقها، ولكن دون جدوى. فكل يوم يمر عليه ما يزيده إلا تمسكاً بعشقها الملعون.
أجابه مذكراً إياه بنبرة هادئة:
"أنا يا ابني مش قايل لك من أسبوع إن عندنا مؤتمر في القاهرة وهنحضره إحنا التلاتة."
أجابه يزن ساخراً من حاله وذاكرته التي خانته:
"معلش يا دكتور، الزهايمر شكله أكده مستعجل على جِله أصله وياي."
ضحكت كلتاهما على حالة الانسجام الدائمة بين هذا الثنائي المرح. نظر إلى صفا وسألها مستفسراً:
"وانتي كمان غيرتي رأيك ومسافرة وياهم إياك؟"
أجابته بابتسامة هادئة:
"سفري ده سر ميعرفوش غير جدي وأبوي وأمي وانتَ، ومش لازمن حد يعرفه يا يزن."
ضيق عينيه وسألها مستغرباً:
"والمتر معارفش بسفرك إياك؟"
حركت رأسها يميناً ويساراً بنفي مصاحبة لنظرات ذات معنى. أمال لها رأسه بتفهم وعلم من مغزى حديثها أنها ستذهب لمقابلة قاسم ومفاجأته بتواجدها بالقاهرة.
نظر من جديد إلى أمل وتحدث بنظرات تتفحص ملامحها التي أصبح يراها جميلة بعد أن كان يبغضها كل البغض، فسبحان الذي يغير ولا يتغير:
"متتأخريش علينا يا دكتورة، انتِ عارفة، مبجناش نقدروا نستغني عنيكي في المستشفى."
ثم فاق على حالة وخشي من ملاحظة الجميع لمشاعره الوليدة وتحدث مفسراً:
"انتِ خابرة إن مفيش غيرك إهنية تخصص نسا وتوليد."
ابتسمت بخفة وأجابته بنبرة هادية، فهي إلى الآن لم تعِ على حالتها وتفسر شعور الراحة الذي ينتابها في حضرته على أنه صداقة بريئة:
"أكيد مش هنتأخر، إحنا حاجزين تذاكر الرجوع انهاردة بالليل يا باشمهندس، يعني اطمن مش هنوقف لك المستشفى."
ابتسم لها بخفة وتمنى لهم السلامة والتوفيق في المؤتمر. تحركوا جميعاً قاصدين محطة القطار واستقلوه متجهين إلى القاهرة.
بعد مدة، كانوا داخل القاعة الخاصة بعقد المؤتمر. وبعد حوالي ثلاث ساعات متواصلة قضوها داخل المؤتمر، خرج الجميع.
تحدث ياسر إلى أمل:
"أنا هروح أشوف أهلي وأطمن عليهم ونتقابل الساعة 5 المغرب زي ما اتفقنا."
ووجه حديثه إلى صفا بجدية:
"وانتي يا دكتورة، حاولي متتأخريش هنا لو سمحتي، ياريت تكوني في المستشفى بعد بكرة علشان تتابعي حالاتك."
أجابته بنبرة حماسية:
"إن شاء الله مش هتأخر، أني هبات الليلة وهرجع في القطر بكرة بعد أذان العصر."
تفرق الثلاث كلٌ على وجهته. وذهبت أمل مع صديقتها دكتورة مي التي كانت معها بالمؤتمر، وتحركت بصحبتها لقضاء ما تبقى لها من وقت، مع والدة مي التي كانت تنتظر أمل على أحر من الجمر وذلك بعدما علمت بحضورها المسبق من مي، وجهزت لها كل ما لذ وطاب من الأكلات التي تعشقها أمل لتسعد قلبها وتحاول تعويضها فقدانها للأم والشقيقة اللتان إلتهيتا عن ابنتهما بزواج ريماس من رامي وانغماسهما داخل دائرة الترف وتذوق حياة الأغنياء.
***
حضر قاسم جلستين بالمحكمة وتحرك بعدها إلى أحد المطاعم الشهيرة. تناول به غداءه سريعاً كي يتابع باقي أعماله، فقد كان يومه مزدحماً للغاية. وكان لابد أن يبدأ بمراجعة ملف القضية التي تم تحويلها إلى مكتبه من خلال أمجد التهامي بأقصى سرعة لاقتراب موعد المرافعة.
هاتف إيناس وأخبرها أن يتقابلا داخل المكتب كي يدرسا معاً الملف، لكنها نبهته إلى أن وقت انتهاء العمل داخل المكتب قد قرب على مشارف الانتهاء. وأبلغته أنه ليس من المعقول أن يتواجدا في غياب الموظفين داخل مكتبهما، وخصوصاً أن الجميع يعلم بأمر زواجهما، فكيف سيفسران حراس الأمن تصرفهما ذاك. وطلبت منه الحضور إلى مسكنهما المشترك، فرفض بشدة قاطعاً.
فاقترحت عليه الذهاب إلى سكنه السابق، فقابل اقتراحها أيضاً بالرفض التام. فأعلنت استسلامها وتركته له الخيار. وبعد تفكير وحيرة وتشتت، لم يجد أمامه سوى اقتراحها الأول لينتهي به دراسة تلك القضية التي أجبرته على العودة مرة أخرى إلى الجلوس معها على طاولة عمل مشتركة.
ولكنه أقسم لحاله ووعدها أنها ستكون المرة الأخيرة التي يرضخ بها لأمر مجبر على فعله، ومهما كلفه الأمر من خسائر فادحة بالعمل، سينفذ ما أنتواة. فقد قرر أن تنتهي تلك القضية وسيُنهي لإيناس وعدنان عقدي عملهما معه، وكنوع من التعويض عن ما بذلاه داخل مكتبه من وقت وجهد سيدفع لهما مبلغاً مناسباً من المال ليبدأ به ويعملا على افتتاح مكتب خاص بهما. وبعدها سيضع تلك الصفحة جانباً حتى يمر العام ويحل حالة من ذلك الوعد الأسود الذي قطعه على حاله، وبعدها سيغلق تلك الصفحة السوداء ويطويها للأبد.
هكذا مني قاسم حالة ونسي أن "ليس كل ما يتمناه المرء يدركه".
بالفعل توجه إلى الشقة. وبالصدفة البحتة، وكأن القدر يريد فضح مخططه بشكل مرتب، وصلا معاً بنفس ذات اللحظة ورآهما حارس البناية ورحب بهما ثم أشار إلى عامل الجراج ليأخذ سيارتيهما ليصفهما لهما بداخل جراج البناية كي لا تحدث فوضى بالمكان.
بنفس التوقيت، ذهبت صفا إلى مكتب المحاماة الخاص به دون أن تهاتفه كي تقوم بمفاجأته كما قررت واتفقت مع والدتها. تحركت لداخل المكتب التي أتت بعنوانه من موقع جوجل. سألت أحد رجال الحراسة الواقف ببداية ممر المكتب، أشار لها على مكتب السكرتارية.
دلفت إلى المكتب وتحدثت بوجهها البشوش:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
نظرت لها السكرتيرة وأجابتها بنبرة جادة:
"وعليكم السلام، تحت أمر حضرتك."
أجابتها صفا بنبرة هادئة:
"عاوزة أقابل دكتور قاسم النعماني."
تناديه دكتور بعد حصوله مؤخراً على الدكتوراه في القانون التي ناقشها قبل زفافه من صفا بعدة أسابيع فقط، ليعزز من مكانته بين نظرائه من عمالقة القانون.
ابتسمت السكرتيرة وأردفت بدعابة:
"دكتور قاسم مرة واحدة كده."
وأكملت وهي تشير لها بيدها في دعوة منها للجلوس:
"طب اتفضلي حضرتك اقعدي وقولي لي نبذة مختصرة عن قضيتك، وأنا هقول لحضرتك مين من الأساتذة التلاته اللي هيفيدك أكتر."
ابتسمت لها وتحدثت مفسرة:
"انتِ فهمتيني غلط، أني مش جاية بخصوص قضية، أني جاية أقابل الأستاذ قاسم بنفسه."
أجابتها السكرتيرة:
"للأسف يا أفندم مش هينفع، لأن دكتور قاسم عنده جلسات في المحكمة إنهاردة وهيخرج من المحكمة على بيته على طول، وأصلاً الوقت اتأخر وزمانه خلص ورجع على بيته."
حزنت من حالها عندما تذكرت أنها وإلى الآن لم تعلم عنوان منزل زوجها، فطلبت من السكرتيرة برجاء:
"طب ممكن تديني العنوان إذا سمحتي."
أجابتها برفض قاطع:
"للأسف ممنوع يا أفندم، معنديش أوامر أدي عناوين الأساتذة لأي حد."
دلفت إحدى المحاميات المعينة في المكتب وتوقفت حين استمعت إلى صفا وهي تتحدث:
"من فضلك تديني العنوان، لأني محتاجة المتر في حاجة ضروري."
وأكملت بمراوغة كي لا تتعرف السكرتيرة على شخصيتها وتخبر قاسم لتسعده ويضيع عنصر المفاجأة على صفا:
"أني قَريبته من سوهاج وكان عندي شغل إهني ومحتاجاه في خدمة ضرورية، وللأسف معييش رقم تليفونه لأن تلفوني القديم ضاع بكل أرقامه اللي كانت عليه."
تحدثت السكرتيرة بذكاء:
"بسيطة، خدي رقم التليفون وكلميه وخذي منه العنوان بنفسك."
قاطعتها المحامية قائلة:
"دكتور قاسم قافل تليفونه من قبل ما يدخل القاعة، وتقريباً كده نسي يفتحه، لأن أنا لسه مكلماه حالاً كنت محتاجاه في استشارة ضرورية ولقيت فونه مقفول."
وأكملت:
"وبعدين يا سها الأستاذة بتقول لك إنها قَريبته، فيها إيه يعني لما تديها العنوان."
وأكملت بتهاون:
"ثم انتِ ليه محسساني إنها أسرار حربية."
أجابتها سها السكرتيرة:
"يا أستاذة عبير مينفعش، دي من أبجديات شغلي، ممنوع منعاً باتاً إني أدي لأي حد عنوان الموظفين هنا."
"خلاص خلاص، متشكرة لحضرتك،" كانت تلك كلمات صفا التي تحدثت بها إليهما وانسحبت للخارج بملامح وجه يائسة، وقررت مهاتفته بعدما فشلت محاولتها في إيجاد حل لتقوم بمفاجأته.
كادت أن تخرج من باب الشركة لولا صوت المحامية التي استوقفتها قائلة وهي تعطيها ورقة بها عنوان قاسم الجديد، والذي ذهبت إليه بصحبة العاملين في المكتب يوم عزيمة إيناس لهم كي يقدموا التهنئة بمناسبة زواج قاسم وإيناس:
"يا أستاذة، اتفضلي العنوان أهو."
نظرت لها صفا بعيون متسعة غير مستوعبة أن القدر يقف بجانبها والحظ يحالفها والأمور تسير وفق تخطيطها. ثم استرسلت المحامية حديثها قائلة:
"معرفش ليه حسيت إنك محتاجة تشوفي الأستاذ ضروري وخصوصاً إنك جاية من سفر."
وأكملت برجاء:
"بس ياريت ما تقوليش للأستاذ إني أنا اللي اديتك العنوان، علشان ما تتسببليش في مشكلة."
كانت تنظر لها بسعادة هائلة والتقطت من بين أصابعها الورقة كما الغريق الذي تعلق بقشة وهتفت بسعادة بالغة:
"أني مش عارفه أشكر حضرتك إزاي، ومتجلجيش، أكيد مهجولش لقاسم أي حاجة."
ابتسمت لها عبير وتحدثت باستحسان وانبهار ظهر بعينيها:
"على فكرة، انتِ جميلة أوي، مش بس شكلك، لا، روحك وحتى لكنتك الصعيدية زيداكي جمال وحلا."
شكرتها صفا بامتنان وتحركت في طريقها بالسيارة التي كانت قد استدعتها عبر تطبيق داخل هاتفها الذكي لتوصيلها إلى حبيبها التي تتشوق رؤيته. أعطت للكابتن العنوان وانطلقا إليه.
كانت تشعر وكأن روحها ترفرف بسعادة في السماء، كم كانت تتشوق لرؤية وجهه وهي تخبره بحملها لقطعة منه داخل رحمها الطاهر. تخيلت سعادته التي ستبدو على وجهه وهو يتلقى ذاك الخبر السعيد.
خجلت وابتسمت بسعادة عندما تخيلت ليلتها التي ستقضيها داخل أحضانه. كم اشتاقت لضمته، رائحة عطره المثيرة لأنوثتها، قُبلاته التي ينثرها بسخاء على جسدها بالكامل، نظرات عينيه التي تنطق عشقاً وهو يتأملها. تخيلته وهو يقضم الشيكولا المفضلة لديها كعادته ويطعمها إياها بفمه لتتناولها منه بإثارة وجنون لكلاهما. اكتست وجنتاها بحمرة الخجل حينما وصل تخيلها وهو يزيدها من عشقه الذي تتلقاه داخل عالمهما الخاص بهما.
***
عند قاسم وإيناس.
خرجا من المصعد سوياً وهاتفت هي متجر البقالة وأخبرتهم بقائمة ببعض المواد الغذائية التي يحتاجها مطبخها، وطالبتهم بإحضارها على وجه السرعة.
أما قاسم فدلف إلى داخل المسكن بساقين ثقيلتين مجبرين على الدخول. تحرك سريعاً إلى غرفة المكتب وخلع عنه جاكيت بدلته ثم وضعه فوق مقعد جانبي بعناية فائقة كي لا يفسد مظهره. وضع مفاتيحه جانباً وجلس فوق مقعده. التقط نظارته الطبية من حقيبته وارتداها، ثم مد يده من جديد وأخرج ملف القضية وقام بفتحه وبدأ بقراءته بعناية وتركيز.
أتت التي دلفت إلى داخل غرفتها لتخلع عنها ثيابها العملية وتبدلها بأخرى مريحة. ولم يخلو الأمر من تعمدها الدائم لإثارته، حيث ارتدت متعمدة كنزة بدون أكمام مفتوحة من الأمام وتظهر مقدمة نهديها واستدارته، وشورت قصير يظهر سيقانها العارية ونثرت عطرها الأنثوي. تحركت وجلست بجانب الذي لم يعر لدخولها ولا لما ترتديه أية اهتمام. كظمت غيظها من تعمده لعدم النظر إليها وإهاناته المتعمدة دائماً لأنوثتها التي تراها هي هائلة.
بدأ يحدثها وهو ينظر لتلك الأوراق ويحرك قلمه فوق الكلمات المراد ذكرها، وأخبرها عن اكتشافه لوجود ثغرات قانونية داخل المحضر الخاص بإثبات الواقعة.
إندمجت معه وبدأ يتناقشان ويدرسان الملف بكل دقة واهتمام.
فجأة شعرت بصداع وتحدثت إليه وهي تمسك بمقدمة رأسها بإرهاق:
_ أنا هقوم أعمل لنا فنجانين قهوة علشان نعرف نركز.
تنهد بنبرة حادة أرعبتها وجعلتها تنظر إليه بحدة واستغراب:
_ مش هشرب حاجة، إعملي لنفسك وياريت بسرعة علشان منضيعش وقت على الفاضي.
تنفست بغضب وتحركت إلى المطبخ لصنع القهوة وهي تحاول تهدئة حالها من حالة الغضب التي أصابتها من أسلوبه الحاد.
***
تنهدت بارتياب عندما توقف السائق وأخبرها أنها أخيراً وصلت لمقصدها وتأكدت منه أنها وصلت للعنوان الصحيح المتواجد داخل الورقة.
ترجلت من السيارة بعدما أعطته ثمن رحلتها وشكرته.
وصلت لمدخل البناية وأردفت متسائلة حارسها:
_ الأستاذ قاسم النعماني موجود؟ فوق في شقته لو سمحت؟
أجابها بنبرة تأكيدية:
_ إيوة يا ست هانم، لسه طالع من شوية هو ومراته.
ابتسمت ضاحكة وهتفت من جديد إلى الحارس التي فسرت حديثه على أنه تشابهت عليه الأسماء ليس إلا.
هزت رأسها يمينًا ويسارًا وتحدثت:
_ أني قصدي على الأستاذ قاسم المحامي اللي ساكن في الدور الرابع.
أجابها بنبرة تأكيدية بها بعض التملل:
_ ما أني لسه قايل لك إنه موجود يا ست، لسه طالع من يا دوب نص ساعة هو ومراته الأستاذة إيناس اللي بتشتغل معاه محامية في المكتب بتاعه.
قشعريرة باردة أصابت جسدها وكأنها تلقت موجة صقيع مفاجئة أصابتها برعشة مفاجئة.
وبرغم ارتباكها ونفضت جسدها إلا أنها كذبت هذا الرجل وقررت عدم الجدال أمام هذا الأبله وتحركت إلى المصعد واستقلته وضغطت زر الصعود للأعلى، وهيأت حالها لرؤية حبيبها.
خرجت من المصعد وباتت تعدل من وضع ثيابها وهيأتها.
أخذت نفسًا عميقًا وهي تحاول طرد حديث هذا الأبله التي تكاد تجزم من أنه غائب عن الوعي بسبب تعاطيه لمادة مخدرة أفقدته توازنه وبات غير مدرك لما يخرج من فاهه.
ابتسمت وانتش قلبها بسعادة ممزوجة بخجل وتوتر لرؤية وجه حبيبها.
ضغطت زر الجرس وانتظرت.
انقباضة داهمت قلبها وهزته بصدمة شديدة حين استمعت لصوت أنثوي يأتي من الداخل قائلاً:
_ افتح الباب من فضلك يا قاسم.
لكنها تراجعت سريعًا عن توترها ومهدت حالها أن هذا هو العنوان الخطئ وهذا هو التفسير الوحيد للعبث الذي يحدث معها الآن.
تراجعت للخلف عندما استمعت لصوت تحريك مقبض الباب، لتعطي له مساحة وتعتذر منه على الخطأ غير المقصود وتغادر على الفور، ثم تهاتف حبيبها ليرحمها من تلك التيهة التي أصابتها عن طريق الخطأ.
وبلحظة تسمرت مكانها وشعرت بدوار شديد غزى رأسها وبأن عالمها ينهار تحت قدميها عندما رأت متيم روحها ومالك زمام أمرها وهو يقف أمامها بكامل هيئته، مرتدياً بنطاله وقميصه الذي يشمره إلى منتصف معصمه، وما أكمل عليها وذبح روحها هو نطق تلك التي تقبع داخل مسكن زوجها وتناديه بحبيبي!!!!!
***
وصلت صفا إلى الفندق واستقلت الباص الذي تحرك بجميع الأطباء الذين أتوا من محافظة سوهاج لحضور المؤتمر.
جلست بجانب أمل التي سألتها بارتياب عندما رأت تغير وجهها برغم ارتدائها لنظارتها الشمسية العريضة التي خبأت نصف وجهها:
_ انتِ كويسة يا صفا؟
نظرت لها من خلف نظارتها وهزت رأسها نافية، وأنسابت دموعها كشلالات تجري فوق وجنتيها وكأن شحنة قوة تحملها قد نفذت وحان وقت الانهيار.
سحبتها أمل لداخل أحضانها بعدما شعرت بوقوفها على حافة الانهيار.
رمت حالها باستسلام وبكت بشدة وانهيار.
أسرع قاسم إلى المطار وسأل عن موعد إقلاع الطائرة المتجهة إلى سوهاج.
علم أنها ستتحرك في غضون الساعة، ولحسن حظه أنه وجد أماكن خالية بالطائرة.
على الفور قام بحجز تذكرة عودة بها وجلس داخل صالة الانتظار حتى يراها.
جاء موعد الإقلاع وبدأ الجميع الصعود على متن الطائرة دون ظهورها مما أصابه بالرعب عليها.
أخرج هاتفه سريعًا وهاتف ورد لتيقنه بعلمها بخط سير ابنته.
تحدث بنبرة مرتبكة خشيةً من أن تكون صفا قد قالت له عن ما حدث:
_ أني واقف في المطار والطيارة خلاص قربت تطلع وصفا مجاتش لحد دلوقتي.
وأكمل كطفل تائه ينظر بعيون زائغة تتلفت هُنا وهناك باحثًا عن مصدر أمانه:
_ معتردش على تليفوناتي ومعرفش أوصل لها.
أجابته باستغراب:
_ صفا ركبت القطر من يا دوب ساعة وأكثر.
وأكملت بتساؤل مرتبك:
_ هو إيه اللي حصل بيناتكم يا قاسم، طمن قلبي على بتي يا ولدي الله يرضى عليك.
أجابها وهو يهرول إلى سلم الطائرة ويصعده بسرعة فائقة بلحظاته الأخيرة قبل رفعه عن الطائرة استعدادًا لإقلاعها في الهواء:
_ متجلجيش يا مرة عمي، أني وصفا بخير.
وأكمل بنبرة صوت مختنقة أصابت قلب ورد بالخوف الشديد مما هو قادم:
_ هي بس بتدلع عليه جوزها لجل متعرف غلاوتها عندي، بس هي متعرفش إنها أغلى الغوالي، والله العظيم أغلى الغوالي ومقامها عالي قوي جوه قلبي.
أنهت ورد مكالمتها معه ورمت حالها فوق المقعد بإهمال ونظرت أمامها بشرود تنتظر حضور زيدان من الخارج ليجاورها وهما ينتظران الكارثة الكبرى التي دائمًا ما كانت تشعر بقدومها بقلب الأم.
***
وصل قاسم مطار سوهاج وبسرعة الرياح تحرك للجراج المجاور للمطار والذي يضع بداخله سيارته الخاصة وذلك ليستقلها إذا عاد يومًا متأخرًا ولم يرد إزعاج من بالمنزل.
استقلها وذهب سريعًا متجهًا إلى محطة القطار.
وقف ينتظر وينتظر بقلب يأن ويصرخ ألمًا على حبيبة قلبه التي لم يدق قلبه يومًا لسواها.
داخل القطار، كانت تقبع فوق مقعدها المريح التي هيأته لها أمل وأراحته للخلف كي يكون مريحًا لها ولا تشعر بمتاعب السفر لأجل جنينها الذي يسكن أحشائها ولا يعرف مصيره مما يحدث.
تحرك ياسر إلى كافتيريا القطار وجلب لهما بعض الشطائر والمشروبات الغازية وتحدث بهدوء وهو يترقب ملامح وجه صفا الصامتة التي لا تنذر بالخير أبدًا:
_ جبت لكم سندوتشات معايا لما لقيتكم مش حابين تاكلوا في الكافتيريا.
بسط ذراعه إلى تلك الشاردة التي تنظر أمامها في اللاشيء وكأنها فقدت النطق والحدس:
_ خدي السندوتش يا صفا، انتِ ما رضيتيش تاكلي معانا وإحنا في الفندق وقولتي هتتغدي مع جوزك، وأكيد مأكلتيش لأنك متأخرتيش عنده.
لم يتحرك لها ساكن وكأنها لم تستمع إليه من الأساس.
تناولت أمل منه الشطيرة وأمسكت كتفها وتحدثت إليها بهدوء كي تحثها على تناول الطعام:
_ لازم تاكلي أي حاجة يا صفا، كده خطر على حياة الجنين.
انتبهت على كلماتها الأخيرة وكأنها تناست أمر صغيرها وسط زحمة مشاعرها التي انتابتها جراء مصابها الجلل.
نظرت لأسفل بطنها ثم وضعت كف يدها فوق أحشائها ومازال الجمود يسيطر على ملامح وجهها.
وبرغم قلقها على صغيرها إلا أنها رفضت تناول الطعام رفضًا قاطعًا مما جعل أمل وياسر يستسلمان لرغبتها.
قرب ياسر فمه بجانب أذن أمل وسألها بهمس لم يصل إلى مسامع تلك الشاردة، عن ما جرى لها وجعلها تبدو هكذا كالأموات.
أخبرته أن لا علم لديها وأنها احترمت صمت صفا وعدم رغبتها في الإفصاح عن ما حدث معها أثناء زيارتها المفاجئة لزوجه.
مما جعل ياسر على يقين بأنها ضبطته متلبسًا بوضع مخل مع إحداهن، وهذا هو التفسير الوحيد لحالتها تلك.
فاقت على ارتفاع صوت رنين هاتفها، اضطرت للنظر لشاشته لتيقنها أنها والدتها التي تموت رعبًا عليها ولذلك تهاتفها كل نصف ساعة تقريبًا.
أبلغتها ورد أن قاسم قد وصل إلى محطة القطار وهو الآن ينتظرها.
لم تعلق على حديث والدتها إلا بكلمات بسيطة جدًا خشية هلع والدتها عليها وهي بعيدة عن محيط أنظارها.
بعد مرور بعض الوقت.
أخرجت هاتفها حينما تيقنت من اقتراب وصول القطار عند المحطة، طلبت رقم يزن الذي كان يجلس بالمحجر بصحبة العمال وهم يتبادلون بينهم الأحاديث المثمرة والضاحكة للتسلية.
ابتعد عن العمال ورد عليها مستغربًا اتصالها بذلك الوقت المتأخر من الليل:
_ كيفك يا صفا.
أجابته بصوت مهزوز ضعيف يئن ألمًا:
_ تعالّ خدني من المحطة يا يزن، إوعاك تتأخر عليا.
ارتعب بداخله وهتف سريعًا بلهفة:
_ خبر إيه يا صفا، مالك، إيه اللي حصل؟
أجابته بصوت واهن وكأنها تحتضر:
_ تعالّ بسرعة يا يزن، عاوزة أنزل المحطة ألاقيك مستنيني يا أخوي.
أجابها مطمئنًا إياها وهو يستقل سيارته الجيب وينطلق بها بسرعة فائقة:
_ مسافة السكة وهكون عندكِ، متخافيش.
***
أما زيدان الذي دلف بسيارته من البوابة الحديدية، وجد ورد تقف بالفيراندا الخاصة بمنزلهما وكأنها تنتظره ويبدو على وجهها القلق وهي تفرك كفيها بتوتر شديد، مما جعل الرعب يدب بداخل أوصاله.
تحرك سريعًا إليها بعدما صف سيارته بعشوائية.
قصت له ما حدث فتحدث هو بنبرة مطمئنة لها برغم القلق الذي تملكه:
_ وإيه اللي مخليكي قلقانة جوي كده، مش قاسم قال لك إنها بتدلع عليه، يعني بسيطة إن شاء الله.
أجابته بارتياب:
_ بتضحك على حالك ولا عليا يا زيدان، أني وانتَ عارفين زين إن صفا مش من البنات اللي بتدلع على رجالتها كده، وحتى لو اتدلعت، بتفوتها في مصر وتركب القطر لحالها من غير ما تتجول كده؟
وأكملت وهي تشير بكف يدها بريبة:
_ لاااااا، أني قلبي بيقولي إن فيه حاجة كبيرة جوي حصلت لبنتي في مصر.
ارتعب زيدان من تلك التي تشعر دائمًا بحال ابنتها ولا يخيب حدسها أبدًا.
أخرج هاتفه وحدث صغيرته وأبلغها أنه سيذهب لانتظارها واصطحابها.
رفضت وأخبرته بصوتها الضعيف الذي أشعل نار زيدان، أنها قاربت على وصولها إلى المحطة وأن لا داعي لذهابه إليها في وجود يزن.
***
وصل يزن إلى محطة القطار وترجل من سيارته وما أن رآه قاسم حتى اهتز بداخله واشتعل نارًا.
تحرك يزن إليه وتساءل باستغراب:
_ قاسم؟ بتعمل إيه هنا، ووصلت امتى من مصر؟
بادله السؤال بآخر قائلًا:
_ إيه اللي جابك يا يزن؟
أجابه:
_ صفا اتصلت بيا من شوية وقالت لي إنها على وصول، وطلبت مني أستناها لجل ما أوصلها للسرايا.
هتف باقتضاب:
_ مفيش داعي لوجودك هنا، روح انتَ وأني هجيبها وأجي.
أردف يزن برفض استفز به قاسم:
_ معقدرش أروح إلا لما تيجي صفا وأطمن إنها بخير، وبعدها همشي طوالي وأفوتكم لحالكم.
ثم نظر له بتتمعن وأردف بنبرة تشكيكية:
_ هي إيه الحكاية بالظبط يا قاسم، صفا تسافر لك الصبح وتجول إنها هتبات عندك، وبعدها تتصل بيا وتجولي استناني في المحطة، وأجي ألاقيك واقف هنا مستنيها، مش غريب شوية الموضوع ده؟
صاح بضيق وغضب، فأخر شخص كان يتمنى رؤيته بهذا التوقيت هو يزن:
_ مليكش صالح انتَ بالموضوع ده وروح يا يزن.
وأكمل بنبرة حادة:
_ واحد ومراته، بتحشر حالك بيناتنا ليه؟
لم يكملا نقاشهما الحاد وتوقف كلاهما عندما توقف القطار وبدأ الركاب بالنزول منه.
جري عليها قاسم حين وجدها تترجل بضعف وتساندها أمل بكلتا يديها.
تنفس براحة حين وجدها أمام عينيه سالمة.
هرول إليها وكاد أن يقترب من وقوفها ليضمها لداخل أحضانه ويطمئن عليها بعد رعبه الهائل الذي أصاب قلبه قلقًا عليها، بعيدًا عن خوفه من افتضاح أمره.
حتى شاهدته هي وتراجعت للخلف سريعًا ووضعت كلتا يديها كسد منيع وهتفت بنبرة تهديدية حادة:
_ إوعاك تجرب مني ولا تحاول تحط يدك عليّ.
رفع كلتا يديه لأعلى في حركة استسلامية وتحدث مهدئًا إياها:
_ خلاص اهدِ، مهجربش منكِ، بس تعالي اركبي معايا العربية لجل ما أوصلك البيت ونطلع على شقتنا ونتكلم.
وصاحت به وهي ترمقه بنظرات كارهة مشمئزة مما جعل يزن يقف مذهولًا مذهولًا مما يرى:
_ لسه بتجول شقتنا، إحنا خلاص يا متر، معادش فيه حاجة هتجمعني بيك تاني بعد النهارده.
اقترب منها يزن فأسرعت هي إليه وأمسكت ذراعه لتحتمي خلف ظهره وتحدثت بعيون مستعطفة ونبرة ضعيفة قطعت بها أنياط قلوب المحيطين حزنًا عليها:
_ خدني من هنا ووديني عند أبوي يا يزن.
جحظت عيناه عندما رآها تستنجد بغيره لتحتمي منه، اشتعلت نار صدره وجري عليها وجذبها بقوة وأمسك كف يدها بعناية وكأنه يخشي هروبها منه، وبدأ بسحبها خلفه إلى مكان السيارة تحت نظرات المحيطين بهم الذين يشاهدون ما يحدث من حولهم بترقب وكأنهم يتابعون فيلمًا سينمائيًا.
جري يزن عليه حين استمع لصوت صفا وهي تستنجد به وتحاول فكاك يدها من قبضته القوية بكل ما أوتيت من قوة.
جذبها يزن من يدها بقوة وتحدث إلى أمل التي تشاهد ما يجري أمامها بقلبٍ مُرتجف وجسدٍ ينتفض:
_ دخليها عربيتي بسرعة يا دكتورة.
أسرعت عليها أمل وساعدتها في الصعود إلى السيارة وأحكمت غلقها عليها تحت دموع تلك التي تنظر على قاسم ويزن وهما يقتتلان بعنف ويحاوطهما بعضٌ من البشر، وياسر الذي تدخل لفض تشابكهما الذي وصل لضرب كلاهما للآخر بطريقة عنيفة.
أفلت يزن حالها من بين يديه وجرى على سيارته وأستقلها سريعًا تحت صياح قاسم الذي يُكبل جسده من قبل المتداخلين لفض الاشتباك. صاح بهما بغضب وخلص جسده المكبل بغضب، وجرى على سيارته وأستقلها وتحرك خلف يزن بجنون.
نظر ياسر إلى أمل وتحدث بارتياب:
_ العيلة دي كل رجالتها مجانين رسمي.
تنهدت بأسى وتحدثت بنبرة حزينة:
_ من فضلك يا دكتور توقف لي عربية علشان توصلني السكن، وياريت لو كلمت يزن وطمنك على دكتورة صفا تبقي تتصل بيا وتطمني.
أومأ لها بموافقة وتحركا سويًا.
نظر يزن إلى صفا وسألها مستغربًا:
_ إيه اللي حصل يا صفا ووصل قاسم لحالة الجنان اللي هو فيها دي؟
أجابته بنبرة واهنة ودموع غزيرة شقت بها صدر يزن:
_ ولد عمك دبحني يا يزن، المحامي الكبير طلع مستغفلني ومتجوز عليا وجاعد ويا عروسته يقضي شهر العسل في مصر.
قور يده ودق بها مقود السيارة بعنف وتحدث من بين أسنانه وهو يسبه بغضب:
_ عملتها يا قاسم ال....، خنت ثقة جدك وعمك فيك برغم إني حذرتك.
توقفت عن البكاء ودققت النظر للجالس بجانبها وسألته:
_ معناه إيه الكلام اللي بتقوله ده يا يزن؟ كنت عارف بموضوع جوازه إياك؟
زفر بضيق وتحدث بنبرة غاضبة وهو يتابع القيادة بسرعة وحذر ليتفادى ذلك المجنون الذي يقود سيارته بطريقة جنونية ويتتبعه:
_ الحكاية ليها أصل يا صفا، موضوع عشقه لزميلته دي من زمان قوي، من ياجي تمن سنين وأكثر.
كانت تستمع إليه بذهول. ذبحت كلماته القاسية قلبها العاشق، شعرت بتداخل أصوات عالية وغريبة وأحداث كثيرة تداخلت وتراكمت فوق بعضها وأحدثت فوضى بعقلها، باتت الذكريات والمواقف تغزو عقلها وبدأت تتذكر ليلة تخرجها وما قاله لها من حديثٍ مميت لكرامتها وأنوثتها. تيهت وذهلت وكأنها داخل دوامة تسحبها داخلها وتمنعها من التركيز، باتت تفرق نظراتها على من يجلس بجوارها وهو يقص عليها كل ما يعرف عن قصة غرام قاسم بصديقة دراسته وعمله والمكالمات الهاتفية التي كان يستمع إليها بالصدفة، حتى مكالمته ليلة الحنة ذكرها لها.
حولت بصرها للذي ينادي على اسمها بصراخ وهيأة جنونية وهو يحث يزن على التوقف الفوري ويترجاها بعينيه الصارخة. شعرت بصداع شديد من شدة تداخل الأحداث ببعضها ومن عدم قدرة عقلها على استيعاب كل تلك المعلومات التي أصابتها بالجنون. ضمت رأسها واحتوتها بكفيها وهي تضغط بهما فوقها وتهز رأسها يمينًا ويسارًا بعدم تصديق لكل ما يجري حولها.
ما شعرت بحالها إلا عندما توقفت السيارة عن الحركة فجأة وهي تحدث صوتًا عاليًا نتيجة احتكاك إطارات السيارة بالأسفلت. نظرت حولها بتيهة وجدت والداها ينتظرانها بترقب والقلق يظهر فوق ملامحهما. وما أن شرعت في النزول حتى وجدت سيارة قاسم هو الآخر قد توقفت بنفس تلك الطريقة وكأنه مشهد مكرر أمام عينيها.
نزل يزن من سيارته وأيضًا قاسم الذي جرى على صفا وتحدث برجاء:
_ بلاش تضيعي كل اللي بينا في لحظة غضب يا حبيبتي، تعالي نطلع فوق في شقتنا وأنا أقولك على كل حاجة.
بكت بدموعها الغزيرة وتحدثت وهي تميل رأسها بضعف:
_ مبقاش فيه لزوم حديثك.
وأكملت وهي تهز رأسها بضياع ومرارة:
_ معرفت كل حاجة خلاص، عرفت إني أكبر مغفلة لما صدقت واحد الخيانة بتجري في دمه كيفك يا حضرة المحامي، عرفت إني كنت مجرد تسلية بتتسلي بيها في وقت فراغك وإنت قاعد بعيد عن حبيبتك.
أمسكها من يدها فنفضت يده وصاحت بصراخ خرج على أثره جميع من بالمنزل بأكمله:
_ بعد يدك عني يا خاين ناسك.
جرى عليها زيدان وتحدث بنبرة غاضبة:
_ هتقولي إيه يا صفا؟
نظر لها قاسم يهز رأسه بتوسل ويترجاها بنظراته أن لا تفصح عن ما حدث كي لا تخلق فجوة كبيرة بينه وبين عمه.
ضربت بتوسلاته عرض الحائط وحولت بصرها وهتفت بألم شق صدر زيدان لنصفين وتحدثت:
_ أقول اللي عرفته وشوفته بعنيا يا أبوي، ابن أخوك المحترم طلع متجوز عليا بقاله شهر.
اتسعت عينا زيدان بذهول حين دبّت ورد على صدرها بصرخة مؤلمة دوّت بأرجاء المكان. أما فايقة التي كانت تنظر من شرفتها بالطابق العلوي بعدما خرجت سريعًا على صياح صفا واستمعت لاعترافها، فنزل الخبر عليها كالصاعقة الكهربائية وأرتعب جسدها لعدة أسباب، أهمها هو غضب عتمان على ولدها وطرده وحرمانه من جنة النعماني وأموال العائلة، يليه طلاق قاسم لإيناس الذي أصبح مؤكدًا وهو لم يلمسها إلى الآن، وبالتالي لم تستطع تحقيق انتقامها الأسود بالشكل الذي يليق بإهانة زيدان لها.
وليلي التي تقف أيضًا بشرفتها وهي تربّع ساعديها وتضعهما فوق صدرها وتنظر إلى انهيار صفا التي ترمي داخل أحضان زيدان بجسدٍ هزيل ينتفض من شدة بكائها المتواصل، ابتسمت بشماتة وهي تهز ساقيها بسعادة وروحها تحلق حول السماء، وكأنها تتراقص على صوت شهقات صفا التي تصل لأذنها كسيمفونية رائعة قام بعزفها أعظم الموسيقيين.
ومريم التي خرجت أيضًا بشرفتها وقلبها ينزف دمًا على ابنة عمها الخلوق التي لم تستحق ما فعله بها من عشِقته حتى أتى العشق منتهاه، يجاورها ذلك المتألم لأجل ابنة عمه وشقيقه الواقف كالمدبوح.
وقدري الذي لا يعلم كيف نزل الدرج وأصبح بجوار نجله كي يساندَه في مصيبته تلك.
توقف الجميع عن الحديث عندما استمعوا لصوت الجد الغاضب الذي صاح من نافذة حجرة تحدث بنبرة صارمة:
_ ما عايزش أسمع لحد فيكم صوت.
وهتف بحدة:
_ زيدان، هات بتك وتعالي على المندرة.
ورمَق قاسم بخيبة أمل وتحدث بحدة وغضب:
_ وإنتَ كمان تعالي يا ولد قدري.
تنفس بيأس عندما الـنـداه جده بابن قدري، فهذا اللقب ينادي به عندما يخيب أمله به.
داخل حجرة الاجتماعات الخاصة بالعائلة كان جميع من يهمهم الأمر يقفون متأهبون لمناقشة تلك المصيبة الكبرى التي حلت على رؤوس الجميع بلا استثناء.
عثمان، رسمية، زيدان، ورد، قاسم، صفا، قدري، فايقة، وفقط لا غير، حيث أخرج الجد باقي الحضور لتكون الجلسة لمن يمسه الأمر وفقط.
كانت تجاور والدها واقفًا وهو يحتويها بذراعيه ويلفهما حولها برعاية ليطمئن روحها المهترئة. أما هو فكان يقف بمنتصف الغرفة كالمتهم الذي ينتظر النطق بإصدار الحكم عليه، مصوبًا عينيه أمامه في نقطة معينة بالجدار وذلك لعدم قدرته النظر بكم العيون المصوبة إليه وكم هائل من الأسئلة تدور بأذهانهم وتظهر بأعين الجميع، وأهمها لما؟
كم كان يشعر بخزي وعار لموقفه الذي وضع به أسفًا.
دقق عثمان النظر إليه وتحدث قائلاً بنبرة بائسة، نادمة، لائمة:
_ تعرف إيه هي غلطتي الوحيدة وياك؟ غلطتي إني إديتك الأمان ومتوقعتش إن الطعنة هتيجيني منك. آمنت لك وأمّنتك على جوهرتي وجوهرة أبوها الغالية، بس نسيت إنك ولد قدري.
واسترسل بفحيح وإهانة:
_ نسيت إن الغدر والخيانة عيجريوا جوا دمك كيف الماية مبتجري جوات المجري.
وأكمل بإهانة:
_ طلعت ولد أبوك صح يا قاسم.
وأكمل وهو ينظر إلى قدري باشمئزاز:
_ وراثة أصلها.
ثم دقق النظر إلى قدري وبحديث ذات معنى ومغزى تفوه قائلاً:
_ بس أبوك غدر باللي يستاهل.
ابتلع قدري لعابه رعبًا ونظرت فايقة إلى زوجها مضيقة العينان غير مستوعبة ما يقصده عثمان. نفضت رأسها من تلك الأفكار التي طرأت على مخيلتها جراء نظرات وحديث عثمان، فهي الآن ليست بحاجة إلى ما يزيد من تشوش عقلها أكثر.
أعاد عتمان ببصره من جديد إلى قاسم الواقف متخشبًا بصمود وملامح وجهه مبهمة واسترسل حديثه:
_ لكن إنتَ تخون بت أبوها الزينة ليه؟
وصاح بأعلى صوته، غاضبًا وهو يدق بعصاه الأرض بحدة أرعبت الجميع:
_ تخوني وتخون ثقة عمك فيك ليه،، ليه يا ولد قدري ليه؟
وهنا قرر الخروج عن صمته بعدما استفزه عثمان بنبرته المرتفعة وحديثه المهين، وسأله بصوت جهوري غاضب وكأنه كان ينتظر لحظة الانفجار وها هي قد حانت:
_ صح معرفش إني ليه عملت أكده يا جدي؟
وأكمل بنبرة غاضبة لكي يكشف له حقيقته المرة ويريه حقيقته العارية أمام عينيه، وكيف فعل بأحفاده عندما قام بإجبارهم. تحدث متناسيًا تلك التي تقف بكيان مدمر:
_ عملت أكده لجل ما أكون أخدت قرار واحد لحالي، حبيت أعيش شعور إني راجل وليا رأي وكلمة، حبيت أحس إني إنسان وليا كياني ومن حقي الاختيار، حبيت أخرج مرة واحدة من تحت عبايتك وجلابيتك اللي مغمّي بيها عنينا طول الوقت وساحبنا وراك كيف المواشي، كان نفسي أجرب شعور الاختيار وإن مش كل حاجة بالإجبار.
وإنتَ عشت عمرك كله متساجل ومليش كلمة ولا رأي وكنت راضي، ويوم ما تجرؤ تبقى راجل وليك رأي وقيمة، يكون أول قرار ليك هو دبحي وخيانتك وغدرك بيا؟
جملة تفوهت بها صفا بنبرة ساخطة.
تحرك إليها قدري ووقف قبالتها وتحدث بحدة:
_ المرة اللي بتتكلمي جوزها وتهينيه أكده جدام الرجالة، تبقي مرة ناقصة تربية ومحتاجة اللي يعيد تربيتها من جديد يا عديمة الأدب والتربية.
وقام برفع كف يده لأعلى ليقوم بصفعها، سبقه قاسم الذي جذبها وأدخلها داخل أحضانه ولف أحد ذراعيه حول ظهرها والآخر حمى به رأسها التي دفنها داخل صدره بعناية وخوف شديد.
والتف بجسده ليقابل هو والده مخبئًا صفا بين أحضانه وتحدث قاسم إلى والده بعيون تشع غضبًا:
_ أبوووي، بعد يدك وبلاش تحط حالك جدام طوفان غضبي، لأني مهسمحش لمخلوق يمس شعرة واحدة من مرتي طول ما أنا عايش على وش الأرض.
جرى عليه زيدان الذي جذب تلك التائهة المتخبطة من بين أحضانه وأدخلها بصدره محتويًا إياها هاتفًا بصياح:
_ مرتك مين يا ولد اللي بتتكلم عليها دي، إنتَ فكرك إني هخليك حتى تشم ريحتها بعد اللي عملته فيها يا بايع ناسك.
شعر بجملة عمه وهي تشطر صدره لنصفين. أحال بصره سريعًا على تلك الباكية، وجدها تنظر إليه بذهول والمرارة والألم يسيطران على قلبها النازف، حينها شعر بكم الأذى النفسي الذي تلقته حبيبته على يده عندما تحدث بوضوح لكي يظهر لعثمان حقيقته البشعة، ونسي تلك الواقفة التي استمعت لاعترافاته المميتة لشخصها ولقلبها العاشق.
حين تحدث الجد إلى قدري بصياح وصدر يعلو ويهبط بغضب عارم:
_ كأنك اتجننت يا عديم المروءة، بقا عاوز تمد يدك على بت أخوك في وجودي ووجود أبوها يا عويل.
وأكمل بإهانة لرجولته:
_ طب ولما أنتَ راجل أكده وبتعرف تربي، مش كان من الأولى إنك تربي مراتك وبنتك، على الأقل مكنوش كسروا رقبتك وخلوك مسخرة جدام الكل يا دلدول المرة.
أنزل قدري بصره للأسفل خجلًا من نظرات الجميع المشمئزة منه.
حين نظر زيدان إلى قاسم بعيون لائمة لنجله الذي لم ينجبه مثلما دائمًا يلقبه:
_ جبت بالكسرة كيف على بتي يا ولد أخوي؟ هي دي أمانتي اللي وصيتك عليها وهو دي وعدك ليا؟
وأكمل بعيون شبه باكية هزت كيان قاسم بالكامل:
_ مش جلت لي إنك معتكسرهاش ولا عتزعليها في يوم؟
وأكمل وهو ينظر داخل عينيه ويسأله بحدة:
_ ده أنتَ وعدتني يا واد، خونت عهدك ودوست على كلامي وكرامة بتي بجزمتك ليه؟
وأكمل وهو يشير إليه بكفه:
_ طب كيف جبتها على حالك تطلع عيل صغير ومنتاش جد كلمتك اللي إديتها لي؟
كان يستمع لكلمات عمه كأنها سياط حادة تنزل على جسده بقوة وبدون رحمة وتجلده حتى النزف وتمزق كل إنش به. كم شعر بضآلته وخسته بتلك اللحظة، حتى أنه تمنى في تلك اللحظة أن تنشق الأرض لنصفين وتبتلعه ويصبح نسياً منسياً.
ابتلع سائل لعابه وأجاب عمه مبررًا بصوت ضعيف منكسر ونظرة عين خجلة:
_ على عيني كسر وعدي ليك والله يا عمي، كل اللي حصل كان غصب عني واتغصبت عليه.
وكاد أن يكمل لولا صوت تلك الغاضبة التي رمقته باشمئزاز وصاحت بقوة وصراخ:
_ كذااااب، كذاب ومليش كلمة ولا عهد يا قاسم.
حول بصره إليها سريعًا ونظر لها بعينان متسعتان فأكملت هي بنبرة عالية وعيون غاضبة كارهة:
_ كذاب والكذب بيجري جوه دمك كيفه كيف الخيانة، مرتك اللي اتجوزتها دي كانت زميلتك في الجامعة، وبعدها خدتها وشغلتها وياك في المكتب لجل متكون غريبة منك.
اتسعت عيناه بذهول ودب الرعب بأوصاله، ودار سؤال بباله.
من أين لها بكل هذه المعلومات؟ طرحت عليه سؤالاً وهي ترمقه بعيون متسعة من شدة غضبها:
_ تنكر إنها حب عمرك وبقالك تمن سنين بتكلمها في التلفون وتحب فيها؟
نظر لها بإستعطاف وأمال برأسه لليمن يترجاها بأن ترحم قلبه من نظراتها القاتلة لروحه، وبأن تصمت لحين صعودها معه لمسكنهما الخاص، وحينها سيأخذها بداخل أحضانه ويطيب جراحها أولاً، ثم يشرح لها كل ما حدث معه منذ البداية وحتى اليوم.
مسكين أيها القاسم، فيبدو أنك وإلى الآن لم تتعرف جيداً على الوجه الحقيقي لابنة أبيها العزيزة.
كانت تبادله نظراتها بكراهية، وفي لحظة تحولت إلى منكسرة، خانتها دموع الحسرة والألم وأردفت قائلة بنبرة نادمة جالدة لذاتها:
_ بس إنت مش غلطان، إني اللي رخصت حالي لما جيت أتجوزك بعد ما جيت لي جبل فرحنا بأسبوعين وطلبت مني أروح لجدّي وأقول له إني مابيش الجوازة دي.
وأكملت:
_ كان لازم أعرف إن فيه في حياتك واحدة تانية لما دبحتني وجلت لي إن مش إنت الراجل اللي هيجيب إن غيرك يختار لك المرة اللي هتنّام في حضنك.
اتسعت عيناي ورد ووضعت كف يدها تكتم به شهقتها من ذهولها الذي أصابها مما استمعت إليه.
أما زيدان الذي استشاط غضباً واشتعل داخله من كم الإهانات التي تعرضت إليها صغيرته وخبأتها بداخلها وتحملتها لحالها كي لا تحزن أبويها.
صاح بنبرة غاضبة وهو يسألها بنبرة حادة:
_ كيف سكتي ورضيتي بالمذلة دي يا صفا، مته تربيتك على الرضوخ والمذلة إني؟
حولت بصرها إلى جدها ووجهت إليه نظرات لائمة لتحمله ذنب كل ما حدث لها وتحدثت بدموع وضعف:
_ اسأل جدّي مين اللي خلاني أرضخ وأحط كرامتي وقيمتي تحت رجلي حفيده الكبير، وكل ده لجل ما يضمن وجوده جارة.
وأكملت بدموع مؤلمة ونبرة منكسرة شقت بها قلب عثمان وأدمته:
_ مش إني وجتها اترجيتك وجلت لك بلاش ترخصني جوي كده يا جدّي؟
ورفعت يديها وكتفيها بإستسلام وأكملت بدموعها:
_ شفت وصلتني لفين، سلمتني بيدك للي دبحني وداس على قلبي وكرامتي بأوسخ جزمة عندي.
شهقة عالية خرجت من رسمية نتيجة دموعها الأبية نادرة الهبوط والتي ذرفتها حزناً على صغيرة ولدها الغالي الذي يقف بقلب بأن ألم لأجل صغيرته.
أما عثمان فأنزل ببصره لأسفل قدميه خزياً وألماً على ما أوصله به تلك الأبية.
نظر زيدان وهتف بأعلى صوته إلى قاسم أمراً غير مبالياً بالجميع:
_ طلقها يا ولد، ارمي عليها اليمين.
انتفض قلبه رعباً ونظر لها بعيون مرتعبه وتحدث بقوة وإستماتة:
_ مفيش جوه على وجه الأرض تجبرني إني أطلق مرتي.
ونظر لداخل عينيها الباكية وتحدث بقوة:
_ صفا مرتي ومهي بعدنيش عنها غير الموت.
صاح زيدان بكل صوته قائلاً بنبرة غاضبة وكأنه تحول إلى غول:
_ يبقى تطلقها ورجلك فوق رقبتك.
وأكمل مهدداً:
_ يا أما موتك هيُبقى على يدي لجل ما أخلص بنتي منك يا خاين العهد.
انتفض قدري رعباً من هيئة زيدان الجديدة على الجميع، وفايقة التي كانت تقف كالفرخ المبلول من شدة غضب عثمان وزيدان أيضاً.
وهنا تحدثت ورد التي صاحت بدموع رافضة حديث زيدان قائلة بنبرة متألمة:
_ معادش ينفع يا زيدان، بتك مينفعش تطلق.
حول بصره إليها سريعاً وتساءل بذهول قائلاً:
_ إنتِ اللي بتقولي كده يا ورد؟
نظرت إليه وهتفت بدموع مريرة:
_ بتك حامل يا زيدان.
اتسعت عيناه من شدة ذهوله، وتسارعت دقات قلبه بوتيرة عالية، كاد قلبه أن يقفز من بين أضلعه ويسرع إليها ليحتضنها ويطبطب على قلبها الجريح، ويضع يده على أحشائها ليطمئن صغيرة من حالة الهلع التي أصابته بالتأكيد.
جحظت عيناي فايقة التي قامت بإطلاق الزغاريد وكأنها وجدت كنزاً ثميناً.
نهرتها رسمية التي هتفت بقوة أخرستها وجعلتها تنكمش على حالها:
_ اسكتي نفسك يا مرة يا سو لأكتمهولك إني.
فرقت نظراتها إلى الجميع بتيهة، وفجأة شعرت بغيمة سوداء تقدم عليها وتبتلعها داخلها، فاستسلمت لها وما شعرت بحالها إلا وجسدها يتهاوى وكاد أن يسقط أرضاً معلناً عن استسلامه وعدم قدرته على التحمل بعد.
جرى عليها سريعاً وتلقى جسدها بين ساعديه قبل ارتطامه بالأرض.
حين صرخت ورد باسم ابنتها التي حملها قاسم بين يديه كجثة هامدة.
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم روز امين
صرخت ورد باسم إبنتها التي أعلنت عن إنهيارها التام وكأن جسدها لم يعد لديه القدرة على التحمل بعد، فقام برفع رايته البيضاء واستسلم لتلك الغيمة السوداء التي سحبتها بداخلها، وكأنها بفقدانها للوعي الكامل قد أعلنت انسحابها من تلك المعركة غير المتكافئة.
هرولت ورد خلف ذلك الذي حمل حبيبتها بقلب يرتجف رعبًا على من ملكت الفؤاد وأصبحت له المعنى الحقيقي للحياة. كان يصرخ بكل صوته ويأمرهم بإحضار طبيب ليفحصها. أسرع لخارج الحجرة سريعًا واتجه بها إلى غرفة جانبية مجهزة ومخصصة لاستقبال أية زائرين تضطرهم الظروف للمبيت داخل سرايا النعماني.
انتفضت مريم من جلستها وفارس الذي يجاورها الجلوس بالأريكة وباقي أفراد العائلة الذين كانوا ينتظرون نتائج تلك الجلسة الساخنة، بقلوب ترتجف رعبًا على ثنائي العشق.
عدا تلك الحاقدة التي وصلت سعادتها عنان السماء بعدما استمعت إلى خبر زواج قاسم على غريمتها التي لم ولن تبغض وتمقت أحدًا في هذا العالم مثلما بغضتها، إنها ليلي لا غير.
أسرع الجميع يهرولون خلف قاسم عدا الجد عثمان الذي ظل جالسًا بمقعده، ساندًا وجهه على كفيه المتكئة على عصاه الأبنوسية، ناظرًا أسفل قدميه بخزي وقهر وألم مميت. غصة مرة وقفت بمنتصف حلقه جعلته يشعر بمرارة وبشاعة ما اقترفت يداه بحق أحفاده الذي جني عليهم بإجباره الأعمى، وإصراره على الدخول بطريق لم يرده أيًا منهم بل وإرغامهم بالمضي قدمًا واستكماله حتى النهاية، برغم ما يشعر به جميعهم من مرارة وألم وضياع داخل تلك الزيجات.
برفق شديد، وضع قاسم صفا فوق التخت وتحدث بنبرة مرتجفة ونظرة عين هلعة:
"دكتور، حد يجيب دكتور بسرعة."
انتفض يزن بوقفته وبسرعة البرق كان يقف أمام سيارته التي مازالت مصطفة بمدخل حديقة السرايا عندما أحضر بها صفا من محطة القطار. وضع كف يده ليفتح باب سيارته ليترجلها، توقف مكانه حينما استمع لصوت تلك الغاضبة التي صاحت من خلفه وهي تهتف متسائلة بتعجب:
"رايح فين يا يزن، لتكون سمعت كلام الممحون اللي اسمه قاسم ورايح تجيب دكتور لجلوع أبوها دي كمان؟"
وأكملت بنبرة مقللة لوضع صفا:
"متخافش على بت ورد جوي أكده، دلوك جدتك رسمية هتكسر لها بصلة وتدعك لها بيها مناخيرها وتجوم كيف الجردة."
وأكملت وهي تتمشى بغنج وتتحرك إليه بأنوثة اكتسبتها عن جديد وفقًا لما خططته لها والدتها فاقدة العزة والكرامة، في محاولة منها لاستعادته إليها من جديد:
"تعال نطلعوا فوق على شجتنا لجل ما نتحدت ويا بعض ونتصافى، وصدقني يا حبيبي، هعيشك ليلة كيف الملوك، هكون لك جاريتك المطيعة اللي هتوريك الهنا بألوانه."
شملها بنظرة اشمئزاز واحتقار مهين لكرامتها التي وضعتها جانبًا لحين الانتهاء من الخطة التي وضعتها لها فايقة بجانب انتوائهما الذهاب إلى المشعوذ التي تعتقد أنه بإستطاعته إرجاع يزن لأحضانها من جديد.
وهتف بنبرة مميتة لشخصها:
"تعرفي يا ليلي، إني كل يوم بجلد حالي وبلومها على إنها عطتك فرصة وكانت دائمًا توصيني بالصبر عليكِ. إنتِ إيه، شيطان معندوش قلب."
واكمل بسؤال ساخر:
"إلا جولي لي يا ليلي؟ إنتِ بتلعقي ريقك زيينا أكده عادي؟ يعني معتخافيش للسم اللي جوه خشمك ده يسمم جسدك ويقتلك؟ ولا إنتِ كيفك كيف الحية بتقتلي غيرك بسمك ومهتتأذيش منه."
ورمقها بنظرة اشمئزاز شاملة وصعد سيارته وقادها سريعًا تحت غضبها العارم من حديثه الساخر. وذهب إلى المركز التابع له نجعه لإصطحاب دكتورة أمل بعدما هاتفها لتتجهز استعدادًا لفحص صفا.
أما ذلك العاشق، الجاني والمجني عليه، الجارح والمجروح، الظالم والمظلوم بحكايته، فكان ينحني بجسده على مالكة القلب والروح، يضرب برفق وجنتها بكف يديه كي تستفيق.
حدثها بصوت يرتجف من شدة قلقه وألم قلبه على متيمته:
"فوقي يا صفا، فتحي عينيكي يا نبض قلبي، جومي علشان خاطري."
فوجئ بمن يكمشه من حِلتِه بقبضة يده الحديدية ويجذبه للخلف ويصيح بوجهه غاضبًا لملامح كاشرة:
"بعد يدك عن بتي لأقطعها لك وإنجلع من هنيه."
نظر إلى عمه وما زال متسمرًا بوقفته بجانب تلك الغائبة عن الوعي وهتف بنبرة صامدة:
"مهتحركش من مكاني غير لما تفتح عينيها وأطمن إنها بخير."
أتت العاملة حُسن وهي تهرول وتبسط إحدى ذراعيها باتجاه رسمية وتحدثت بنبرة مرتجفة:
"البصلة يا ستي الحاچة."
التقطتها منها وكادت أن تقربها من أنفها لولا يد قاسم الذي أبعدها بعنف وتحدث إليها محذرًا:
"إيه اللي هتعمليه ده يا جدة."
ثم نظر إلى مريم التي تزرف دموعها بغزارة على ابنة عمه الغالية وهي تتسطح فوق الفراش بجسد يشبه الأموات، وهتف بطريقة آمرة:
"هاتي أي برفان من عندك يا مريم، بسرعة."
اعترضت رسمية التي قربت يدها من جديد بجانب أنف تلك المغشي عليها التي وبالفعل بدأت بالتملل والاستفاقة التدريجية. حركت أهدابها عدة مرات متتالية في مقاومة منها بفتح عينيها. تنفس بعمق وشعر بأن روحه قد ردت إليه بعدما كان قد افتقدها مع فقدان أميرته لوعيها.
وصل يزن تحت مسكن أمل في أقل من عشرة دقائق وذلك لسرعة قيادته الجنونية ولقرب المسافة بين النجع والمركز.
نزلت سريعًا وبغضون ثوانٍ معدودة كانت تهبط من المبنى حاملة حقيبتها الخاصة بالفحص بعدما وضعت بها كل ما يلزم لفحص صفا. تحركت إلى السيارة وأقلتها بجانبه.
رمقها بنظرة حادة وتحدث وهو ينظر إلى الثياب المنزلية التي ترتديها بعدم رضا:
"إنتِ هتاجي معايا أكده؟"
أجابته وهي تتفحص حالتها باستغراب:
"أكده اللي هو إزاي يعني مش فاهمة؟"
أجابها باعتراض:
"أقصد لبس البيت الضيق دي، هتاجي معايا بيه أكده؟"
رمقته بعينان متسعة من شدة ذهولها وتحدثت وهي تشير بيدها في إشارة منها لحثه على التحرك:
"أولًا ياريت تتحرك حالًا لأن مفيش عندنا وقت علشان نضيعه في الكلام الفاضي ده."
تحرك سريعًا وكأنه وعى على حاله وأكملت هي بنبرة تهكمية:
"ثانيًا بقا، هو سعادتك كنت عاوزني أقعد ألبس وأتمكيج وإنتَ بتقولي الدكتورة حصل لها إغماء مفاجئ؟"
واسترسلت حديثها بتساؤل حاد:
"ثالثًا بقا وده الأهم يا حضرة، إنتَ مالك بلبسي يا باشمهندس؟"
كان يستمع إلى حديثها الذي أصابه بالضيق وهو ينظر إلى الطريق ويقود بسرعة عالية. بصعوبة بالغة تمالك من حاله وأجابها بلا مبالاة اصطنعها بصعوبة:
"هتفتحي لي تحجيج عشان كلمة جولتها إياك! خلاص إنتِ حرة، أني اللي غلطان عشان معايزش حد يجيب سيرتك بكلمة بطالة ويقول عليكِ نازلة بخلجات البيت."
استشاط داخلها عندما استمعت لكلماته وتساءلت بحدة:
"وده مين اللي أمه داعية عليه وهيقف قدامي وكمان يتكلم عني؟ وبعدين إنتَ ليه محسسني إني نازلة ببجامة ولا كاش، أنا لابسة ترنج محترم وواسع ومغطي كل جسمي، والناس في القاهرة بتخرج بيه عادي."
تنهد باستسلام من عناد تلك المشاكسة التي لن يستطيع إقناعها بوجهة نظره مهما حاول، فتحدث بنبرة غائرة وهو ينظر لتلك الخصلة الهاربة من خلف حجابها التي وضعتة على عجل بدون إحكام:
"طب على الأقل دخلي شعرك ولفي حجابك زين."
وأكمل متهكمًا:
"ولا دي كمان بتعملوها عندكم في القاهرة عادي؟"
شعرت بالخجل من حالها وبسرعة رفعت كفي يداها وعدلت من حجابها وأحكمته جيدًا على رأسها.
أوقف السيارة سريعًا داخل سور السرايا وترجلت هي وتحركت خلفه حيث يسبق خطواتها كي يرشدها للطريق تحت استغراب ليلي التي كانت تتوقع حضور دكتور ياسر.
دُلفت إلى صفا وخرج الجميع عدا ورد ورسمية ونجاة. وقف على باب حجرتها ساندًا بمقدمة رأسه على جدارها الملصق بالباب، كان يشعر بمرارة غزت حلقه، أصابته حالة من الندم وجلد الذات جعلته يحتقر حاله. تمنى لو أن الزمن عاد به إلى ما قبل سبعة أعوام.
رمقه زيدان بنظرة حارقة وهتف بنبرة تهديدية:
"بتي لو جرى لها حاجة مهيخلصكش من يدي غير الموت يا قاسم."
وضع قدري يده على كتف زيدان وحدثه بطمأنة قائلاً:
"إهدي اومال يا زيدان، دلوك الدكتورة هتعرف وتطمنا عليها وهتبقى زينة."
همست ليلي بصوت ضعيف إلى والدتها التي تجاورها الجلوس في الفيراندا بعيدًا عن الجميع:
"هو يزن مجابش الدكتور ياسر ليه، ومين المهشكة اللي جايه من بيتها بالترنج دي كمان؟"
أجابتها فايقة بنبرة هادئة تدل على راحتها واستقرار داخلها:
"دي لازم دكتورة النسا اللي بتشتغل في المستشفى بتاعت جدك، وأكملت بإشادة: حريم العيلة بيقولوا عليها شاطرة قوي."
قطبت ليلي جبينها واستفسرت باستغراب:
"ودكتورة النسا هتيجي لبِت ورد تعمل لها إيه؟"
تنفست بانتشاء وأجابتها بسعادة ظهرت على وجهها:
"هو إني مجلتلكيش، مش بت زيدان طلعت حبلى."
نزلت تلك الجملة على قلب تلك الحاقدة وكأنها قنبلة نووية أحـ.ـرقت معها الأخضر واليابس.
أكملت فايقة بملامح وجه ضاحكة بهيئة شريرة دون الشعور بالتي تجاورها الجلوس وبداخلها نارًا شاعلة لو خرجت لفحمت المنزل بأكمله:
"كأن كفة ميزانك هتعطُب وتتعدل والدنيا هتعضحك لك من تاني يا فايقة."
رمقتها تلك التي تكاد تخرج دخانًا من رأسها من شدة غيرتها وهتفت بنبرة غاضبة:
"ومالك فرحانة لها قوي أكده، الله الوكيل لو إني اللي حبلى ماكنتي هتفرحي أكده."
نظرت لها باستغراب وتحدثت بقلب مهموم:
"بتقولي لي إني الحديت دي يا ليلي؟ ده إني مفيش حاجة جدرت عليا وكسرتني جد موضوع حبلك دي، دي جهرتك متفارقش جلبي يا بتي وخيبتي فيكِ جوي جوي، بس إني مش ضعيفة لجل ما أجعد ألطم وأعدد على اللي راح."
وأكملت بنبرة حاقدة:
"وغلاوتك عندي لدوق كل واحد في السرايا دي المر بأنواعه، كل واحد منهم ليه عندي نايبه من المصايب اللي هتربط فوق نفوخهم، وكله هياجي بالدور."
تفوهت ليلي بنبرة غاضبة:
"برضه مجاوبتيش على سؤالي، إيه اللي مفرحك قوي أكده إن المدعوجة طلعت حبلى؟"
وأكملت بنبرة تهكمية:
"ولأجل أكده كنتي هتزغردي يا أما!"
ابتسمت وأجابتها بتهكم:
"هقولك إيه، ما إنتِ عقلك صغير ومعتفكريش إلا بعشق المعدول ابن نجاة اللي رماكي ومهيعبركيش."
وأكملت بتفسير:
"زيدان كان على شعرة ويطلق بتّه من قاسم ومحدش كان هيقدر يقف قُصاده ولا يلومه بعد اللي عرفوه حتى جدك بذات نفسه، وكان هيجوزها لأي حد تاني وياخد هو الجمل بما حمل."
وأكملت بما أرعب تلك ليلي:
"ومش بعيد وقتها جدك كان هيجوزها ليزن ويضرب عصفورين بحجر واحد، الأول لجل ما فلوس زيدان المتلتلة متخرجش بره العيلة كيف ما قانون العيلة بيقول، والتاني لجل ما يزن يخلف منها العيال اللي هيمدوا جذور العيلة ويخلدوا اسم النعماني في الدنيا."
وأكملت بابتسامة سعيدة:
"بس كلمة المدعوجة ورد جت وقتها بالمظبوط، أول مرة تعمل حاجة صح وتكيفني."
وأكملت بانتشاء وتمني:
"ويسلااام لو الحظ ضحك وأخوك جاب منها ولد، أكده كفة ميزانا هتعطُب والزمن نصفنا وضحك لينا كلياتنا، أخوك هيعوش على كل مال زيدان وشقايا بعد زيدان بنفسه ما يكتبه كلياته لبِته وولدها، وإنتِ هتضمني إن يزن يفضل أكده من غير جواز."
تنهدت براحة وسألتها بتملل:
"طب ميتا هتعوديني للشيخ اللي هيخلي يزن يبقى خاتم في صباعي كيف ما قولتي لي؟"
أجابتها بثبات:
"قريب، خليكي ماشية ورا حديثي وأني هخليه يرجع لك ويترمي تحت رجليكِ ويتمنى رضاكِ عليه."
تنهدت براحة شديدة ورفعت قامتها وهي تبتسم بسعادة من مجرد تخيلها برجوع يزن لعالمها من جديد.
التفتت سريعًا إلى والدتها وتحدثت بتذكر:
"إلا جولي لي يا أما، إنتِ كنتي عارفة إن قاسم متجوز على المخفية صفا؟"
ضحكت فايقة وتحدثت بانتشاء وهي تضع ساق فوق الأخرى بكبرياء:
"فكرك حاجة مهمة زي دي هعَدّي من تحت يدي؟"
هتفت بنبرة غاضبة:
"ومجولتيليش ليه؟"
أجابتها بابتسامة جانبية:
"عشان عارفك غبية ومعتفكريش بعجل كيف أبوكِ بالمظبوط، كنتي عايزاني أقول لك عشان تروحي تقولي لها لجل ما تشفي غليلك منها وتبوظي لي تخطيطي اللي عم بستناه من سنين كتيرة قوي."
ألحت ليلي على والدتها كي تقص لها أصل الرواية وبدايتها، فقَصتها لها مع تشديد فايقة بعدم إخبار ليلي لأي أحد بما استمعت.
بعد مدة من الوقت، انتهت أمل من فحص صفا. دلف زيدان ليطمئن على صغيرته بعدما منع قاسم من الدخول وهدده. وجدها تتمدد ومعلق بيدها كانولا متصلة بأنبوب محلول معلق في عليقة الملابس كي يساعد جسدها على المقاومة والاتزان، وكانت أمل قد أحضرت المحلول لعلمها أن ما حدث لصفا ما هو إلا إجهاد وضغط عصبي شديد تعرضت إليه بالإضافة إلى عدم تناولها لأي طعام مما أدى إلى هبوط في الدورة الدموية.
تحرك زيدان إلى وقوف أمل وسألها عن وضع غالية أبيها فأجابته أمل بنبرة مطمئنة:
"إطمن يا زيدان بيه، الدكتورة كويسة لكن محتاجة تهتم بنفسها أكتر من كده، اللي حصل لها ده طبيعي نتيجة للضغط العصبي والنفسي اللي اتعرضت ليه."
ونظرت إليها وتحدثت بنبرة لائمة:
"ده غير إن الدكتورة مأكلتش أي حاجة من إمبارح."
تحدثت جدتها التي تجاورها الفراش بنبرة حنون وهي تتحسس وجنتها التي ما زالت دموعها الجافة تلصق بها:
"إني هخلي حسن تطيب لك دِيك شمورد وتاكليه بشوربتها بالهنا والشفا لجل ما يسند قلبك ويقويكِ يا ست البنات."
هزت رأسها برفض تام وتحدثت بنبرة ضعيفة:
"معايزاش أكل."
أجابتها أمل:
"لازم تاكلي يا دكتورة عشان خاطر الجنين، هو حاليًا محتاج لك عشان تاخدي بإيده وتساعديه على البقاء، لازم تعودي نفسك من إنهاردة إنك مبقيتي حرة في قراراتك، لازم كمان تعملي حسابة في كل خطوة بتخطيها."
وأكملت بحديث تقصد به والدتها:
"وإوعي في يوم ما يحتاج لك تخزليه وتتخلي عنه، لأنك بكده بتدمريه وبتخسريه للأبد، وهو حاليًا في أشد الاحتياج لك."
هتف رسمية بإشادة:
"يسلم فمك يا بتي، كلام زين وموزون."
اقترب زيدان من جلستها فأفسحت له ورد المجال ليجاور غاليتها. مال على جبهتها ووضع قبلة حانية فوقها وأردف متسائلاً بنبرة ضعيفة:
"عاملة إيه دلوك يا جلب أبوكِ؟"
نظرت إليه بانكسار وتحدثت برجاء:
"خدني على دارك يا أبوي، مطيجاش أقعد هنيه، حاسة حالي بتخنج وروحي عتتسحب مني."
تنهد زيدان وهم بالوقوف وتحدث بنبرة طاعة لأمر صغيرته وهو يستعد لحملها:
"فكراني هسيبك هنيه تاني بعد اللي حصل إياك؟"
أسرعت أمل في الحديث لتمنعه من حملها قائلة بنبرة هلعة:
"صفا مينفعش تتحرك نهائي على الأقل إنهاردة، ده ممكن يكون فيه خطورة كبيرة على الجنين."
ثم تحدثت إلى رسمية قائلة:
"ياريت حضرتك تجهزي لها الأكل اللي قولتي عليه وعلى ما تأكلوها أنا هتحرك للمستشفى أجيب لها حقنة تثبيت للجنين، محدش عارف الإجهاد والضغط اللي اتعرضت له طول اليوم ممكن يكون ضر الجنين بإيه، عشان كده لازم أبادر وأديها حقنة التثبيت كضمان."
وأكملت وهي توجه حديثها إلى صفا قائلة بتنبيه:
"وطبعًا مش محتاجة أقول لك يا دكتورة إن الحركة حتى ولو كانت مجرد خطوات ممكن تضر ببقاء واستقرار الجنين إزاي."
سألها زيدان مستفسرًا:
"وهتقعد راقدة كتير في السرير أكده يا دكتورة؟"
أجابته بهدوء:
"يعدي أربعة وعشرين ساعة وبعدها لو مفيش مشاكل ظهرت تقدر تتحرك لحد بيت حضرتك اللي على ما فهمت إنه بعيد عنها بخطوات، بس طبعًا هتحتاج راحة في البيت لمدة أسبوع على الأقل."
وافق الجميع وتحركت رسمية إلى الخارج وتلتها أمل وتركا صفا بصحبة والديها وأعاد غلق الباب من جديد.
نظرت صفا إلى زيدان وهتفت برجاء ودموع:
"طلقني منيه يا أبوي، مأقدرش أعيش معاه بعد اللي عمله فيا."
أومأ لها بإيجاب، بكت ورد بحرقة على عجزها أمام صغيرتها وما جرى لها من تلك الزيجة التي دائمًا كانت تشعر بالريبة من إتمامها.
تحدثت بنحيب وهي تلوم زيدان وتجلده بنظراتها قبل كلماتها:
"ياما حذرتك وجولت لك إني مأرتحاش للجوازة دي يا زيدان، جولت لك إني حاسة إنها هتبقى سبب شقا بتي ووجع جلبها، اتريجت عليّ ومصدقتنيش."
أنزل بصره إلى الأسفل خجلًا.
خارج الغرفة.
تحرك قاسم إلى أمل وسألها متلهفًا بلكنة قاهرية:
"طمنيني عن وضع مراتي لو سمحتي."
أسرع الجميع حيث وقوفها ليطمئنوا.
تنفست عاليًا وأخبرته بحالة صفا بنبرة حادة وذلك لعدم تقبلها لشخص قاسم الذي يذكرها بخائنها الذي فضل عليها فتاة أخرى، شقيقتها التي وافقت بذبحها على يدها. نعم هي لم تكن على دراية بأية تفاصيل مما حدث مع صفا ولكن الأمر واضح وينذر بوجود امرأة أخرى.
صوبت وجهتها إلى يزن وتحدثت بنبرة عملية:
"من فضلك يا باشمهندس، محتاجة لحضرتك توصلني بعربيتك للمستشفى عشان أجيب حقنة تثبيت للدكتورة."
أخرجت ليلي شهقة عالية وهي تسألها بنبرة تهكمية بطريقة غير لائقة:
"اسمعيني تاني أكده بتقولي إيه يا بيضة!"
"يزن مين اللي هيجول معاكي في الوقت ده مستشفى مقفولة يا مهشكة إنتِ."
نظرت إليها بملامح منكمشة مضيقة بين حاجبيها وذلك لعدم فهمها لبعض الكلمات وتحدثت مستفسرة:
"إنتِ تقصدي إيه بكلامك الغريب ده أنا مش فاهمة، ويعني إيه مهشكة دي؟ ومين حضرتك أصلًا؟"
تحدثت ليلي بكبرياء وهي ترفع قامتها لأعلى:
"إني مرت الباشمهندس يزن يا حبيبتي."
رمق يزن ليلي بنظرات تحذيرية وعيون تطلق شزرًا وتحدث إلى أمل مغيراً معنى الحديث:
"هي تقصد إنها خايفة عليكِ من طريق المستشفى بالليل أكده."
تحرك بالسيارة واتجه في طريقهما إلى المستشفى.
أردفت أمل إلى يزن:
"مراتك شكلها بتحبك وبتغير عليك أوي."
وابتسمت وأكملت باعتراف:
"على فكرة، أنا كنت فاهمة كلامها كويس جدًا بعيدًا عن كلمة مهشكة، وعارفة إنها كانت غيرانة عليك من وجودي معاك."
قهقه عاليًا بشكل مثير مما جعلها تنظر إليه بإعجاب، وصحح لها قائلًا:
"مهشكة، مش مهشتكة."
وأكمل بتوضيح:
"ويكون في معلومك، ليلي مش مرتي."
قطبت جبينها وسألته باستغراب:
"مش مرتك إزاي يعني؟"
تنفس بأسف وأجابها بضيق وذلك لصعوبة الموقف عليه، فيزن ليس بالرجل الذي يكشف أسرار أهل بيته، لكنه كان مضطرًا لذلك، كي يضعها معه في الصورة ولمغزى داخل عقله سنتعرف عليه عن قريب:
"أني وليلي في حكم المطلقين، يعني أني معاش وياها في مكان واحد، ولولا جدي كان زماني طلقتها، ويمكن مكنتش اتجوزتها من الأساس."
ابتلعت لعابها ولا تعلم لماذا شعرت براحة عجيبة غزت قلبها بعد استماعها لهذا الاعتراف.
لكنها تحدثت إليه:
"غريب أوي موقفك منها، مع إني شايفاها ست جميلة جدًا وتجذب أي راجل ليها."
قالت كلماتها وترقبت إجابته بأنفاس محبوسة، حين تفوه هو:
"وهي الحريم بالجمال أكده؟"
"أومال بإيه يا باشمهندس؟"
سؤال خبيث وجهته أمل إليه وانتظرت إجابته، لماذا؟ هي بالتأكيد لا تدري.
ابتسم بجانب فمه لعلمه مغزى سؤالها، وتحدث بدعابة وهو ينظر لعيناها تارة ولطريقة تارة:
"بجنانها ولسانها اللي سابقها في الرد كيف ما تكون الداية اللي ولدتها سحبتها منها."
ابتسمت بخجل لعلمها أنه يقصدها بحديثه فهتفت بنبرة جادة من بين بسمتها:
"بتكلم جد على فكرة."
رد عليها بنبرة جادة وحديث ذي مغزى:
"ومين جالك إني بهزر."
ابتلعت لعابها وسحبت بصرها عن مرمى عينيها الهائمة التي تقطر عشقًا، وصلا للمستشفى وصف سيارته ودلف كلاهما إلى المستشفى تحت استغراب حراس الأمن. دلفت إلى داخل غرفة حجرتها لتجلب أنبولة الدواء، حين ذهب هو إلى مكتبه لإحضار أوراق مهمة كان يحتاج إليها، وبعدها ذهب إلى حيث مكتبها ودلف من بابه في توقيت خروجها واصطدام بينهما أدى إلى اختلال توازنها وجعلها تتهاوى وكادت أن تنبطح أرضًا لولا ساعديه الذي أمسك بهما كفي يداها وجذبها إليه. استقامت بوقفتها وتلاقت الأعين وتحدثت، ثوانٍ، مجرد ثوانٍ معدودة مرت عليهما كدهر.
سألها بعيون هائمة جراء حالة العشق التي تملكت منه لاقترابه منها لهذه الدرجة:
"لقيتي اللي بتدوري عليه؟"
استوعبت حالها وابتعدت سريعًا وتحدثت إليه بعيون متهربة زائغة تتلفت هنا وهناك:
"لقيته، يلا بينا عشان مانتأخرش على صفا."
استقلا كلاهما السيارة وعادا إلى السرايا بصمت تام، ولكن بقلوب منعشة، تعيش حالة جديدة لم يشعر بها أي منهما من ذي قبل.
دُلفت إلى صفا وتأكدت من أنها تناولت طعامها ثم حقنتها وتحركت إلى الخارج. وجدت قاسم يقف بالمرصاد لزيدان الذي يمنعه الدلوف إلى صفا.
هتف قاسم بنبرة حادة:
"مش من حقك تمنعني أدخل أطمن على مراتي."
أجابه زيدان بقوة:
"وأني جولت لك متدخلش يعني متدخلش."
خرج عثمان على مناكرتهم وتحدث بحدة إلى قاسم:
"متسمعش الكلام ليه يا ولد قدري، عمك جالك متدخلش."
وأشار بيده لأعلى وتحدث بنبرة آمرة:
"اطلع دلوك على شقتك نام والصباح رباح."
رمق جده بنظرة غاضبة وأردف معاندًا إياه:
"لحد أكده وخلاص يا جدي، زمن الجبر والأوامر انتهى."
واسترسل حديثه بنبرة صامدة:
"أني هدخل لمرتي، ومفيش جوه حد هيمنعني إني أطمن عليها وأطمنها على حالي."
تحدث زيدان بنبرة أشد حدة وهو يقف أمام باب الحجرة ويسده بجسده العريض:
"وريني هتدخل إزاي غصب عني يا واد أبوه."
وهنا قررت أمل التدخل لفض هذه المشادة الكلامية التي من الممكن أن تتحول إلى اشتباك بالأيدي نظرًا لعناد كلا الطرفين وتشبت كل منهما برأيه:
"أستاذ قاسم لو سمحت، إحنا هنا مش في خناقة ولا حد عاوز يمنعك إنك تدخل لمراتك وتطمن عليها."
وأكملت بتفسير:
"كل ما في الأمر إن دكتورة صفا اتعرضت لإجهاد شديد ولضغط نفسي وعصبي أدى لهبوط في الدورة الدموية عندها وسبب لها إغماء، ولحد الوقت اللي بنتكلم فيه ده أنا مقدرش أجزم إن مراتك والجنين بقوا في أمان، أنا عن نفسي اديتها إبرة مثبتة للجنين تحسبًا لتفادي أي حاجة طارئة ممكن تحصل لها وللجنين."
وأكملت ما جعله يتراجع:
"ولو حضرتك دخلت واتكلمت معاها وهي في الحالة دي، من المؤكد إنك هتزيد بنقاشك الضغط على أعصابها وبكده أكيد هتتعرض لانتكاسة ممكن جدًا تؤدي لخسارة الجنين."
وتحدثت بنبرة واثقة:
"فلو حضرتك مش فارق معاك لا مراتك ولا الجنين اتفضل ادخل لها، وأنا أوعدك إني هخلي زيدان بيه يبعد حالًا ويدخلك."
هتفت فايقة بصياح:
"اطلع على شقتك واغزي الشيطان يا ولدي والصباح رباح كيف ما قال جدك."
رمقها عثمان بنظرة ساخطة، ثم حول بصره ونظر بإستحسان لتلك الذكية ذات العقل الواعي التي استطاعت بكلمات مرتبة إقناع ذلك الثور الهائج بالتراجع عن موقفه وحدته. أما يزن فكان ينظر إليها بإعجاب وقلب ينتفض من ما شعر به تجاهها بعدما تلاقت أعينهم عن قرب داخل المستشفى.
نظر قاسم إلى أمل وزفر بأسف وتحرك كالإعصار لخارج المنزل والشر يتطاير من عيناه وكل ذرة بجسده تنتفض غضبًا.
حالة من الهدوء والسكينة أصابت المكان بعد خروج ذلك الغاضب. تحدث الجد إلى مريم بنبرة هادئة:
"خدي الدكتورة يا مريم على مندَرة الضيوف البحرية، وخليها ترتاح لحد ما حسن تجهز لها العشاء."
وأكمل وهو ينظر إلى أمل:
"وإنتِ يا بتي، هتنورينا إنهاردة وتباتي هنيه عشان الوقت اتأخر."
استشاط داخل ليلي من قرار جدها بمبيت تلك الدخيلة التي لم تشعر بالراحة في حضرتها.
أما أمل فأجابته برفض هادئ:
"متشكرة جدًا لذوق حضرتك، بس مش هينفع."
أردف يزن مفسرًا وهو ينظر لساعة يده:
"هتروحي فين دلوك والساعة داخلة على 3 الفجر، باتي اللي باقي من الليل هنيه وبكرة أنا هوصلك للمستشفى."
تحدثت باعتراض:
"يا جماعة بجد مش هينفع، إزاي هروح المستشفى بكرة بالترنج؟"
أجابتها مريم بهدوء:
"لو على الخلجات محلولة يا دكتورة، أنا وإنتِ نفس المقاس، وعندي هدوم لسه شاريَاهم إمبارح من على النت ووصلولي أون لاين، يعني هدوم زينة وهتعجبك، اطلعي وياي وشوفي الطقم اللي يناسبك منهم وإلبسيه."
نظر يزن إلى شقيقته بإستحسان لقلبها الرحيم.
أكد زيدان على حديث أبيه قائلاً بنبرة قلقة:
"معلش يا دكتورة اسمي كلام الحاج، وكمان أنا خايف لصفا يجري لها حاجة."
اقتنعت بكلام زيدان وأردفت قائلة بنبرة خجلة:
"أوكي."
أما صفا فكانت تقبع فوق فراشها بقلب يئن ألمًا وحزنًا وهي تستمع إلى صوت ذلك الثائر الذي يصر على الدخول إليها. كانت واضعة ذراعها تحت رأسها ودموع عينيها المنسابة تبلل وسادتها لغزارتها، أما دموع القلب فكانت تزرفها دمًا على من آمنت له وسلمته عن طيب خاطر قلبها البريء وكل كيانها، ولم تجني من وراء ذلك العشق الملعون سوى الألم والمذلة والانكسار.
تائهة هي كطفلة فقدت مصدر أمانها، تشعر بانهيار عالمها الحالم وعش غرامها الواهي التي باتت تبني تفاصيله بكل قطرة من دمها، وبالنهاية ماذا فعل يا ترى؟ خدعها واستغل عشقها له للوصول لدق حصونها العالية، ارتضى لها المهانة والانكسار أمام الجميع.
أما ورد فكانت تتمدد بجانب صغيرتها وتحتضنها من الخلف، تزرف دموع الألم وغصة مرة تقف بحلقها على ابنتها التي لم تكتمل فرحتها بخبر حملها لجنينها الأول، بل وانكسارها على يد من عشقت منذ نعومة أظافرها.
كانت أمل تجلس فوق الفراش داخل حجرة الضيافة، تنظر لكمية الطعام الموضوعة فوق المنضدة والتي أحضرتها لها إحدى العاملات بناءً على تعليمات عثمان بنفسه بعدما أعجب بحديثها السلس وتأكد من حكمتها بالحياة وحسن تصرفها بالمواقف الحياتية.
استمعت لطرقات خفيفة فوق الباب فسمحت للطارق بالدلوف. ابتسمت حين رأت أمامها تلك الخلوقة التي تمتلك ابتسامة رائعة تجعل كل من يراها من الوهلة الأولى يشعر بالاستكانة والسلام الروحي.
تحدثت أمل ببشاشة وجه:
"إتفضلي يا مريم."
اقتربت عليها وبسطت ذراعيها بعدة أثواب جديدة وتحدثت وهي تضعهم فوق مقعد جانبًا:
"لما لقيتك راضيةش تطلعي معايا عشان تجيب فستان، جولت أكيد مكسوفة، وجبت لك الخلجات لحد هنيه وإنتِ اختاري اللي يعجبك من بينهم، وعلى فكرة، كلياتهم متلبسوش ونضاف."
ابتسمت أمل وتحدثت إليها:
"متشكرة ليكي جدًا يا مريم على كرم أخلاقك."
شكرتها مريم وسألتها وهي تنظر إلى الطعام الموضوع كما هو:
"مأكلتيش ليه يا دكتورة، وكلنا معجبكيش إياه، ولا تكوني مش مأمنة لنظافة الوكل عندينا؟"
أجابتها سريعًا وهي تنفي:
"أكيد مش قصة الأكل مش عاجبني أو شاكة في نظافته يا مريم، الكتاب بيبان من عنوانه وأنتم ماشاء الله."
وأكملت بتفسير:
"الحكاية كلها إني ماشية على نظام غذائي عشان كان عندي مشكلة نفسية من فترة وسببت لي مشاكل في المعدة، ومن وقتها وأنا ماشية عليه، وآخر وجبة بأكلها الساعة 7 مساءً، فيا ريت متزعليش ومن فضلك ابعتي حد ياخد الصنية لأني مش هقدر أنام وهي موجودة في الأوضة."
أومأت فأكملت أمل بتساؤل جاد:
"هو إحنا مش هنشوفك تاني في المستشفى ولا إيه يا مريم؟ أنا سألت صفا عليكِ قالت لي إنك قعدتي عشان تاخدي بالك من بنتك."
أجابتها مريم بابتسامة صادقة:
"ده حقيقي يا دكتورة، ما أنكرش إني لقيت نفسي في الشغل وياكم وحبيتكم قوي وحبيت شغلي، بس لما فكرت لقيت بتي وزوجي أولى بوقتي."
وافقتها أمل وتمنت لها الأصلح وخرجت مريم وبعثت بإحدى العاملات أخذت الصنية إلى المطبخ.
تحركت أمل إلى النافذة المطلة على الحديقة وبدأت بالتدقيق والتمعن في جمال الأشجار الخضراء والطبيعة الخلابة المبهـ.ـرة، وبلحظة وجدت يزن يتحرك في الحديقة وكأنه يحاول تصفية ذهنه بالنظر إلى تلك المناظر الطبيعية كي يستطيع النوم.
لا تعلم لماذا باتت تشعر مؤخرًا براحة غريبة تغزو قلبها كلما رأت وجه ذلك اليزن. ابتسمت حين وجدته ينظر إليها ويبتسم وهو يهز رأسه لها كتحية منه، ردتها له بمثلها ثم أغلقت النافذة وتحركت إلى الباب وأوصدته جيدًا بالمفتاح كي تضمن أمانها، ثم تحركت إلى الفراش وتمددت عليه وما زالت ابتسامتها ترافقها، باتت تسترجع كل ما حدث بينهما اليوم من مواقف، وما كان حاله ببعد عنها وكأنهما يتذكران ويفعلان الأمر ذاته بنفس التوقيت.
تحركت مريم داخل مسكنها بقلب حزين وبعد مدة من نقاشها مع فارس حول ما حدث اليوم.
تحدثت بنبرة حادة وعينان متسعتان من شدة ذهولهما:
"يعني إنتَ كنت عارف إن أخوك متجوز على صفا وساكت يا فارس؟"
"جبلتها على بت عمك كيف؟ دي صفا يا فارس، صفا اللي عمرها ما أذت حد فينا ودايمًا كانت بتجابل معاملتنا السيئة بالحسنة، طب بلاش صفا، رضيتها كيف على عمك زيدان اللي طول عمره بيعتبرنا كلياتنا كيف ولاده؟"
تنفس بعمق وأجاب بنبرة ضعيفة خجلة:
"سكاتي كان غصب عني يا مريم، وصدقيني اللي حصل كلياته كان غصبن عن قاسم نفسه، قاسم انجبَر على الجوازة دي."
رمقته بنظرة حادة وهتفت بنبرة غاضبة:
"متحاولش تبرر له خيانته لوعد عمه بس لأنه أخوك."
وأكملت لائمة:
"يا خسارة يا فارس، افتكرتك راجل زين وبتعرف ربنا ومابترضاش بالظلم."
أردف قائلًا بتفسير:
"يا حبيبتي افهميني."
أردفت متسائلة بنبرة تشكيكية:
"أني حبيبتك صح يا فارس؟"
وأكملت بارتياب:
"تعرف يا فارس، إني بجيت خايفة منك لتغدر بيا كيف أخوك وترجع تجولي كان غصب عني يا مريم."
جحظت عيناه وتحدث إليها بنبرة غاضبة:
"هي دي فكرتك عني يا مريم؟ للدرجة دي شايفاني واحد خاين وغشاش وممكن أغدر بيكي؟"
هتفت بنبرة حادة لعيون غاضبة:
"اللي بيقبل المهانة والمذلة على بت عمه اللي بيعامله كيف أبوه، بيقبلها على غيره عادي."
قالت كلماتها وهرولت لداخل حجرة نومها سريعًا واختفت من أمامه تحت حزن فارس وخزلانه من حاله وألمه الذي أصاب قلبه على ما آوى إليه شقيقه.
وبرغم وجعه الذي أصابه من حديث مريم، أمسك هاتفه محاولًا الوصول لشقيقه الذي ذهب إلى الخارج ورفض أن يصاحبه فارس وأبلغه أنه يريد البقاء والانفراد بحاله.
داخل مسكن قدري.
كان يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا ب وجه غاضب وعيون متسعة من شدة غضبها، واضعًا هاتفه على أذنه محاولًا الوصول إلى نجله الذي لم يكلف حاله عناء الإجابة عليه.
تحدثت إليه فايقة في محاولة منها لتهدئته:
"إهدي يا قدري واقعد، ولدك مش صغير لجل ما تقلق عليه أكده."
أجابها بنبرة حادة:
"ولدك عنيد وممكن يضيع حاله بعناده قدام أبوي وزيدان أخوي، خايف عليه ليضيع عندده ويسمع لحديت زيدان ويطلق البت ويخسر كل حاجة."
ابتسمت ساخرة وأكملت لطمأنته:
"من الناحية دي طمن بالك وحط في بطنك بطيخة صيفي، ابنك غرقان لشوشته في عشق بت ورد وهيعمل اللي ما يتعمل لجل ما ينول الرضا ويرجعها لجوه حضنه تاني."
تنهد بأسف وتحدث بنبرة انكسار وقلق أب على نجله:
"خايف ومعرفش الحكاية المغفلة دي هترسي على إيه. لو قاسم ضعف قصاد عشجه واستسلم لأوامر زيدان وطلق البت اللي اتجوزها في مصر، مش بعيد المرة السو اللي اسمها كوثر تيجي وتفضحنا قدام أبوي."
وأكمل مهمومًا:
"وجلجان لو جاله لجدّه إنه هيكمل السنة لجل ما يوفي بوعده لأبو المحروقة بتاعة مصر، زيدان أخوي يعاند ويغصب يطلقها ويُبقى خسر كل حاجة."
أجابته باطمئنان:
"ميتا أبوك سمح لحد بالطلاق في العيلة لجل ما يسمح لبت زيدان، وبعدين البت طلعت حبلى في شهرين، يعني ربنا نجَدنا بآخر وقت."
وبلحظة تحركت إلى قدري وتحدثت بتذكر:
"إلا جولي يا قدري، أبوك كان يقصد إيه لما جاله لولدك أبوك غدر باللي يستاهل؟"
ابتلع سائله لعابه رعبًا وبلحظة قرر الصمود وقلب المواقف، فتحدث بنبرة حادة واتهام:
"أكيد كان يقصد اللي عملناه مع يزن في حكاية التحاليل."
وأكمل لائمًا إياها كي يبعد الشبهة عنه:
"وكله من ورا تخطيطك المجندل ومن تحت راسك يا فايقة، ياما نصحتك وجولت لك وقتها بلاش، بس إنتِ اللي أصريتي ونشفتي راسك، واديكي شفتي بعينيكي اللي حصل."
دقت النظر لداخل عينيه وتحدثت بنبرة تشكيكية:
"وأبوك برضه هيقول على يزن يستاهل الغدر يا قدري؟"
ارتبك بوقفته وصاح بكامل صوته وهو يتحرك إلى الفراش هاربًا من تلك فايقة:
"أني جولت لك اللي فهمته من حديث أبوي، ولو ممصدقاش هناك أبوي تحت، روحي عنده واسأليه لو تقدر."
وأكمل وهو يتمدد على التخت:
"وبطلي رط أكده واقفل النور دي لجل ما الحاج ينام لساعة قبل النهار ما يكشف، ونبدأوا من جديد في اجتماع ومرار طافح ملوش آخر."
أما قاسم فقد ذهب إلى إحدى المساحات الزراعية المملوكة لجده وأفترش أرضًا، نارًا شاعلة تكوي صدره لأجلها ولما أوصلها له وبيده، قضى ما تبقى من الليل على وضعه وعند ظهور أول شعاع لضوء الصباح تحرك عائدًا إلى المنزل. دلف للمنزل وجده خاليًا إلا من العاملات التي بدأن بالتنظيف بهدوء وتجهيز المخبوزات وإحضار الحليب وإدخاله إلى المطبخ. وقف عند باب الحجرة التي تقبع داخلها ساحرة عيناه ودق بابها بهدوء شديد.
تحركت ورد وقامت بفتح الباب بهدوء وأمسكته بيدها لتمنعه الدلوف.
تحدث إليها قائلًا وهو يدور بعينيه متلهفًا داخل الغرفة باحثًا عن مالكة قلبه:
"صفا عاملة إيه دلوك يا مرت عمي."
رمقته ورد بنظرات لائمة وهمست متسائلة بتهكم:
"هواك قوي صفا وجاي تسأل عليها؟"
أجابها بصوت مرهق:
"عاوز أشوفها يا مرت عمي."
أردفت بتوتر:
"عمك موصي ماتدخلهاش، اطلع نام قبل ما يجي من البيت ويشوفك واقف أكده ويتعارك وياك."
أردف متحدثًا بنبرة راجية:
"وسعي عشان أدخل يا مرت عمي، هشوفها وأطلع على طول قبل ما عمي يجي، غير أكده مهتحركش ولو قعدت شهر بحاله واقف هنيه."
زفرت بضيق وتحركت لتفسح له المجال باستسلام كي لا تشعر صغيرتها وتستفيق من غفوتها التي بالكاد دخلت بها.
دلف للداخل وتحرك على أطراف أصابعه كي لا يزعجها، حتى وقف بجوارها يتأمل ملامح وجهها بكيان مدمر لأجلها. انفطر قلبه حينما وجد آثارًا لدموع جافة فوق وجنتيها، ملس على شعرها بهدوء وتألم لأجلها، كاد أن يميل عليها ليضع قبلة اعتذار فوق مقدمة رأسها، لكنه خشي من أن يفسد عليها غفوتها.
تحركت إليه ورد وهمست بضيق:
"مش شفتها واطمنت عليها كيف ما جلت، يلا بجا اطلع قبل ما عمك يجي وتبجا مصيبة."
تنهد بألم وألقى نظرة على أميرته النائمة وتحرك إلى الأعلى كي لا يفتعل المزيد من المشاكل مع زيدان. ارتمى بكامل ثيابه فوق تخته بإهمال، وبلحظات خر صريعًا داخل غفوته من شدة إرهاقه وتعبـ.ـه.
في مساء اليوم التالي.
أخذ زيدان صغيرته إلى منزله بعدما اطمئن عليها بعد فحصها من أمل، جُن جنون قاسم بعد رفض زيدان القاطع دخوله لحجرة صفا والحديث معها، وطلب زيدان من أبيه اجتماع مصغر من رجال المنزل ووالدته وفقط لبحث مستقبل ابنته وجنينها.
حضر الاجتماع، عثمان، زيدان، قاسم، قدري، منتصر، رسمية، فارس الذي حضر بناءً على إلحاحه لمساندته لشقيقه.
كان يجلس بمقعد جانبي كالمنبوذ، ساندًا ساعديه فوق ركبتيه، ناظرًا برأسه إلى أسفل قدميه بملامح وجه يكسوها الندم والألم والضياع.
تحدث عثمان موجها حديثه إلى زيدان قائلاً بنبرة جادة:
"شوف إيه اللي يرضيك ويرضي بتك وقاسم هينفذهولك يا زيدان."
هتف زيدان بنبرة حادة وهو يرمق قاسم بنظرات نارية:
"مفيش حاجة هترضيني وتبرد نار بتي غير الطلاق يا أبوي."
أردف قدري مترجيًا زيدان بعينيه:
"عجل وفكر مليح ومتخربش على بتك يا زيدان."
أجابه زيدان بنبرة صارمة:
"الخراب ابنك اللي بدأ بيه يا قدري، مش أنا."
تحدث منتصر محاولًا تهدئة الوضع:
"طلاق إيه بس يا أخوي اللي هتتكلم فيه وبتك حبلى."
ثم نظر إلى قاسم وهتف من جديد:
"قاسم غلط وهيعمل غلطته ويطلق المصراوية ويرجع لمرته واللي في بطنه."
رد زيدان بلهجة صارمة:
"بتي ما عايزاهوش، هغصبها على العيشة معاه إياك؟"
تحدث عثمان بتعقل:
"بتك رايداه يا زيدان ومتنساش إنها شايلة ولده."
نظر زيدان لأبيه وتحدث بقوة وثقة:
"صفا وصتني وإني جاي لهنيه إني مرجع لهاش إلا ومعاي بشرة طلاقها من اللي خان الوعد."
وأكمل بثقة:
"ولو ممصدقنيش يا أبوي تقدر تروح لعنديها وتسألها، ولولا إن الدكتورة منعاها من الحركة كنت جبتها لكم هنيه وجالت لكم الحديت ده بنفسها."
تحدث قاسم مترجيًا إياه:
"خليني أقعد وياها وأني هرضيها وهفهمها على كل حاجة، صفا غضبانة ومعرفاش هي بتجول إيه."
صاح زيدان بنبرة حادة ساخرة:
"إياك فاكر حالك هتعرف تضحك على عقلها بكلمتين وهي هتعتقد وترجع تأمن لك من تاني، دي بت زيدان النعماني اللي معترضاش بالذل والمهانة أبدًا، تربية أبوها اللي معتسلمش حالها للي خان."
رد عليه قاسم بنبرة حادة وتحدي:
"طالما واثق فيها قوي أكده، حارمني منها ومعايزنيش أقعد وياها لجل ما نتحدت ليه يا عمي؟"
نظره زيدان قائلاً بنبرة صارمة:
"متجولش كلمة عمي دي تاني على لسانك، معايزش أسمعها منك يا بياع ناس."
تنهد قاسم بأسف، وحزن فارس على حال شقيقه، حين تحدثت رسمية بنبرة تعقلية:
"إهدي يا ولدي عشان صحتك، ومتخليش غضبك ينسيك قانون العيلة عندينا، ناس إياك إن قانون العيلة بيقول إن مفيش طلاق مهما حصل؟ ده غير إن بتك حبلى ولساتها عروسة مكملتش شهرين، الناس هتقول عليها إيه يا ولدي."
أردف زيدان بقوة وجبروت:
"تتحرج الناس على حديثهم اللي ملوش عندي أي توها عازة، إني كل اللي فارق وياي هي بتي وبس، وبخصوص العيل اللي في بطنها إني كفيل بيه وهربيه أحسن تربية."
وأكمل وهو يرمق قاسم بنظرات غاضبة:
"ولولا إنها هتبقى كبيرة من الكبائر كنت وديتها للحكيمة وسجنتها وخلصت بتي منها كيف ما خلصتها من أبوها، بس هعمل إيه، قدرها تشيل عيل من اللي خانها وكسرها وخلاها مسخرة الخلج."
تحدث بنبرة حادة:
"معاش ولا كان اللي يخليها مسخرة، صفا مرتي وهرجعها لحضني هي وولدي، وميهبعدنيش عنها غير الموت، سامعني يا عمي، ميهبعدنيش عنها غير الموت."
هتف عثمان بنبرة صارمة موجها حديثه إلى الجميع:
"خلاص أكده، كل واحد جاله اللي في نفسه وارتحتوا؟ اسمعوا بجا حكمي اللي معايزش فيه نجاش من حد فيكم."
نظر إلى قاسم وتحدث:
"أول حاجة قاسم هيطلق المصراوية أول ما يرجع مصر، ويقوم يحب على عمه وعلى يده ويطلب منه السماح."
وأكمل وهو ينظر إلى زيدان:
"وإنتَ يا زيدان، هتخليه يقعد ويا مرته ويتفاهم وياها ويراضيها، معايزينش نضحكوا الخلج علينا ونشمتهم فينا يا ولدي."
هتفت رسمية بنبرة حماسية:
"عين العقل يا حاج."
هتف عثمان متسائلاً زيدان:
"جولت إيه في حكمي يا زيدان؟"
برغم كم الغضب الهائل الذي يسكن قلب زيدان ويشعل كيانه بالكامل، إلا أنه رضخ واستسلم لحكم والده وتحدث رغم عنه:
"مفيش قول بعد قولك يا أبوي."
أومأ برأسه وتحدث بإستحسان:
"تسلم وتعيش يا ولدي."
ثم نظر إلى قاسم بنظرة ساخطة وتحدث إليه بنبرة حادة:
"مسمعتش رأيك في حكمي يا ولد قدري."
نظر قدري إلى ولده ولأول مرة مشفقًا على حاله وما أوى إليه بفضل ما صنعت أياديه هو وفايقة.
حين تحدث قاسم وهو ينظر إلى عمه بنظرات يملؤها الندم والاعتذار:
"لو على الأسف أني مستعد أتأسف لعمي ومرتي وأقضي اللي باقي من عمري كلياته وأني بحب على يدهم ورجليهم لجل ما يسامحوني على اللي حصل مني."
نظر له الجميع بإستحسان وترقبوا لباقي حديثه الذي أصابهم جميعًا بالصدمة والذهول.
أكمل قائلًا بنبرة ضعيفة منكسرة:
"بس إني مينفعش أطلق زميلتي إلا بعد ما يعدي على جوازنا سنة."
يتبع.
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم روز امين
في حين تحدث قاسم وهو ينظر إلى عمه بنظرات يملؤها الندم والاعتذار:
لو على الأسف، أني مستعد أتأسف لعمي ومرتي وجضي اللي باقي من عمري كله، وأني بحب على يدهم ورجليهم لجل ما يسامحوني على اللي حصل.
نظر إليه الجميع باستحسان وترقبوا لباقي حديثه الذي أصابهم جميعاً بالصدمة والذهول والخزلان.
أكمل قائلاً بنبرة ضعيفة منكسرة:
بس أنا ما ينفعش أطلق زميلتي إلا بعد ما يعدي على جوازنا سنة كاملة.
نظر الجميع إليه بذهول، فأكمل هو بنبرة خافتة:
ده شرط بيني وبين أبوها، وما ينفعش أرجع في وعدي اللي قطعته على حالي معاه.
ححظت عينا زيدان وهتف بصياح عالٍ وبنبرة غاضبة:
لا والله أصيل يا واد، ما ينفعش ترجع في كلمتك اللي اديتها للغريب، لكن ترجع في وعدك لعمك وتغدر بيه وتطعنه في ظهره عادي!
أجابه مفسراً بنبرة يكسوها الحزن والألم والندم:
الحكاية ليها أصل يا عمي، وعشان تقدر تفهمني وتقدر موقفي لازم تسمعها، وأنا هحكي لكم الحكاية من أولها وما أخبيش عنكم حاجة واصل، لأن خلاص معادش ليها لزوم.
وأكمل بمرارة وغصة مرة تقف بحلقه:
اللي كنت أخاف عليها وأخبي عشانها عرفت، وبأسوأ طريقة، طريقة عمري ما اتخيلتها حتى في أسوأ كوابيسي.
هب زيدان واقفاً بغضب من جلسته وتحدث بنبرة حادة:
وأنا ما عايزش أسمع منك غير يمين الطلاق اللي ترميه على بنتي يا بائع ناسك لجل ما تشتري الغريب.
أكمل وهو ينظر إلى والده باحترام:
أظن بكده إني عملت اللي عليا وذانبي العيب، ودست على حالي ورضيت بحكمك رغم إنه ضد رغبتي ورغبة بنتي اللي راجدة على فرشتها جثة بلا روح كيف الأموات من اللي عمله فيها حفيدك. وافقت بس لجل ما أرضيك ولأنك أمرت بكده، بس كده الموضوع دخل في لعب عيال صغيرة، وأنا ما عندي وقت أضيعه وأنا قاعد أسمع هلفطة عيال.
وقف قاسم وصاح بنبرة غاضبة تنم عن وصوله لقمة غضبه:
حاسب على كلامك وما فيش داعي للغلط يا عمي، أنا راجل ليا وزني وما أجيبش بحد يغلط فيا مهما كان هو مين.
انفعل زيدان بحدة وكاد أن يرد لولا صوت عثمان الذي صدح بحدة:
خلاص إنت وهو، هتتعاركوا قدامي إياكم.
ثم نظر إلى زيدان وتحدث برجاء:
وإنت يا زيدان يا ولدي، اجعد وخلينا نسمع حكاوي ابن قدري ونشوف آخرتها إيه الحكاية المغفلجة دي، وبعدها هنشوف هنعمل إيه، وصدقني يا ولدي، كل اللي صفى عايزة إني هنفذهولها، بس إلا الطلاق.
أكمل بتهكم وإسلوب ساخر وهو يشير باشمئزاز إلى قاسم:
اتفضل يا سي قاسم، امسك ربابتك وغني علينا وسمعنا.
ابتلع قاسم إهانته المرة من حديث جده المتهم على شخصه، لكنه تحمل لأجل استعادة صغيرته إلى أحضانه من جديد.
بدأ بقص حكايته على مسمع ومرأى من الجميع، من بداية تمرده على حياة الإجبار مراراً بتوههمه لإصابة قلبه بعشق زميلة دراسته، حتى خطتهما المحكمة بموافقته الشكلية على خطبته من صفا. وبرر ذلك بخوفه المبرر من أن يصبح النسخة المكررة من زيدان ويفقد كل المميزات التي يحصل عليها بكونه الحفيد الأكبر والأقرب لقلب عثمان. وأيضاً أخبرهم أنه مثلما خشي على حاله وضع صفا صوب عينيه وحرص على حصولها لأكبر قدر من المكتسبات التي ستحصل عليها من وضعه لتلك الخطة، وهي دخولها للكلية التي طالما حلمت بها وتمنتها وكانت ستحرم من دخولها لولا.
ثار زيدان بعدما استمع إلى اعترافات قاسم المهينة لكرامة ابنته الأبية التي طالما عاملها باحترام لكيانها منذ نعومة أظافرها، ودائماً ما كان يزرع بداخلها أن الأنثى بلا كرامة كنهر جفت مياهه وأصبح بلا حياة بلا فائدة. وما جعل النار تشتعل بصدره أكثر هو شعوره المخجل عند اكتشافه كم كان أحمق وتم التلاعب به وبصغيرته من ذلك الحقير الذي طالما اعتبره ولده، لكنه بالمقابل أصابه بالخزلان وخان وعده.
جن جنونه ولم يعد في استطاعته السيطرة على غضبه، فهرول إلى قاسم وأحكم من قبضته على تلابيب جلبابه الصعيدي وتحدث بنبرة غاضبة وهو يهز جسده بعنف:
للدرجة دي كنت شايفني مغفل ومليش قيمة يا واد، عملت لك إيه لجل ما تعمل في بنتي كده يا واكل ناسك، ده أنا اعتبرتك ولدي اللي ما خلفتوش من صلبي، أمنتك على وحيدتي اللي ما عنديش أغلى منها، وبيدي اللي عايزة أقطعها دي سلمتهالك.
أكمل بجنون وهو يهزه بعنف أكثر تحت صمت قاسم وإنزال بصره للأسفل من شدة خجله، وعدم مقاومته واضعاً كفيه يداه جانباً باستسلام:
ليه يا واكل ناسك، ليه؟
هرول قدري ومنتصر وفارس إلى زيدان، محاولين تخليص قاسم من قبضته الحديدية. تركه زيدان بصعوبة بالغة.
حالة من الصمت اقتحمت المكان وأصابت الجميع بعد صوت عثمان الذي صاح به محذراً الجميع وإلزامهم بالصمت التام. تحدث قدري بنبرة ضعيفة مؤنباً حاله:
اللي حصل كله كان غصب عن ولدي يا زيدان، اعتبره ولدك وغلط واديه فرصة تانية يا أخوي.
انتبه زيدان إلى قدري ونظر له قاطباً بين حاجبيه وتحدث متسائلاً بنبرة تشكيكية:
إلا جولي يا أخوي، إنت كنت خابر بالعملة المجندلة اللي عمله ولدك ببنتي دي؟
تنهد قدري وظهر على ملامح وجهه الأسى وكاد أن يتحدث بالإنكار لولا صوت قاسم القوي الذي تحدث نافياً ليعفو والده من حرج اللحظة ويبعده عن مرمى غضب الجميع ولعنتهم:
أبوي ملوش علاقة بالموضوع يا عمي، أبوي عرف امبارح زيه زييكم بالظبط.
رفع بصره سريعاً ونظر بقلب مفطور يئن ألماً ويريد الصراخ على نجله الذي وبرغم كم مصائبه التي أتته على عُجالة، مازال يحاول جاهداً أن يخفي أمر معرفته بالأمر كي لا يجعل الجميع ينظرون إليه باشمئزاز وانتقاص لرجولته.
صاح قدري قائلاً بعيون شبه دامعة بعدما قرر لأول مرة المواجهة كرجل وأن يتحمل نتائج بعض أخطائه ليرفع عن صغيره كاهل الظلم الذي يقع على عاتقه:
لساتك عتداري على أبوك يا قاسم حتى بعد كل اللي حصل لك بسببي؟ أنا خابر زين ومتأكد إن أنا السبب في توهتك دي يا ولدي، وإنت بنفسك قلتها لي قبل سابقة، حقك عليا يا ولدي.
ثم نظر إلى زيدان وتحدث بنبرة صادقة:
أنا عرفت قبل دخلة قاسم على صفا بأسبوع واحد يا زيدان.
أكمل وهو ينظر أرضاً من شدة الخجل:
أنا اللي أقنعته يتمم فرحة على بتك لجل ما يتفادى غضب جده عليه بعد ما كان جاي ومصمم يعترف لكم باللي حصل ويفض خطبته على صفا ويتجوز من البت زميلته.
أكمل تحت تعجب قاسم وفارس اللذان ينظران له والذهول سيد موقفهما، بعد استماعهما لأبيهما الذي طالما عاش حياته لنفسه ولتحقيق أغراضه الشخصية وفقط، ولطالما كان المثال السيء للأب الذي لا يحتذى به ولا يدعو أنجاله إلى التشرف به، بل وكان هو السبب الرئيسي لتشتت روحيهما وضياعهما وتوهتهما بالحياة.
قدري بنبرة نادمة واستسلام:
لو عايز تحاسب حد على اللي حصل لك إنت وبنتك، حاسبني أنا يا زيدان، لأن أنا اللي عملت كده في ولدي، أنا اللي بطمعي وخوفي عليه من غضب جده وطرده من نعيم جنته، جبرته وخيرته بين إنه يتجوز بت عمه وينول رضا جده ويحفظ نصيبه من تركة العيلة، يا إما هغضب عليه وهتبرى منه، وهددته إني أوصي الكل إني لو مت ميحضرش دفنتي ولا يجف ياخد عزايا.
نظر بعيون متأسفة نادمة إلى قاسم الواقف بقلب يئن ألماً من شدة حزنه على موقف أبيه المخجل الذي وضع بداخلة والخزي الذي يشعر به الآن. كان يريد أن يهرول إليه ويحتضنه ويطلب منه الصمت ليعفيه حرج وصعوبة الموقف.
نظر لوالده وأمال برأسه جهة اليمين مترجياً إياه بعينيه وتحدث بصوت متألم لأجل غالية:
بكفياك الله يرضى عليك يا أبوي.
أجابه بنبرة صوت محتقنة بفضل دموعه التي لأول مرة تحضر وتريد من يفسح لها المجال لتنطلق للخارج معلنة عن حالة الفوضى والعصيان والتمرد التي أصابت داخله:
لازم أتحدث وأبرئك من تهمة الخيانة يا ولدي، لازم أطهر حالي من ذنوبي الكثيرة اللي إنت شلتها بدالي.
أكمل وهو ينظر للجميع بجرأة جديدة عليه:
ابني ملوش ذنب يا أبوي، ملوش ذنب يا زيدان، ملوش ذنب يا خلق، بلاش تحاكموه وتاخدوه بذنبي.
رمقه زيدان بنظرات متهمة وتحدث بإلقاء تهمة الكذب للابن وأبيه:
إياك تكون فاكرني مخبول لجل ما أصدج التمثيلية الخيبانة اللي عتضحك بيها إنت وولدك علينا لجل ما تستغفلني من جديد؟
هتف عثمان قائلاً بنبرة صوت ضعيف نتيجة خجله الشديد:
أخوك بيقول الصدق يا زيدان.
وجه الجميع أبصارهم إلى كبيرهم، حين أكمل عثمان بقلب محمل بثقل بفضل الهموم التي تراكمت بقلبه جراء ما فعلته يداه بحق حفيده الأكبر وجوهرته الثمينة وأوصلهما بعناده إلى تلك الحالة المزري.
وبدأ بقص تفاصيل تلك الليلة المشؤومة على مسامع الحاضرين:
أكيد كلياتكم فاكرين زين الليلة اللي صفا دخلت لي أوضتي وبعدها قاسم حصلها، في الليلة دي صفا طلبت مني أحلها من وعد جوازها من قاسم. جالت لي إنها اتفقت وياه على إنهم يحلوا روحهم من الجوازة دي وما يكملوهاش. وجتها قاسم جالي نفس اللي قاله دلوقتي، إنه ما جابلش على حاله يتجوز واحدة أعلى منه.
أكمل بأسى وهو يهز رأسه عدة مرات متتالية بنظر منخفض لأسفل قدميه:
أنا كمان ما رحمتوش كيف أبوه ما عمل بالضبط، جولت له إني هحرّمه من الميراث. جالي موافق وما عايزش منك حاجة وأنا كفيل بحالي.
ابتسم ساخراً واسترسل:
فكركم رحمتُه على كده؟ جولت له هاخد منك الشقة والمكتب والعربية اللي جبتهم لك بمالي.
أكمل بنبرة انهزامية:
وافقت، لما لقيته لساته مصمم هددته وجولت له هسحب منك كل مليم في الحساب المشترك بينا في البنك. وياريتني اكتفيت على كده، ده أنا كمان هددت صفا إني هسحب منها المستشفى وعجزها لحسن ولد منتصر وعجزها في البيت لو ما وافقتش على جوازها مني.
ثم أكمل بمرارة ظهرت بصوته:
بس ميتى كان الخير في الجبر، ربنا يعلم باللي كان في نيتي وجتها ناحية أغلى اثنين على قلبي.
واسترسل بمرارة تملأ قلبه:
ما كنتش خابر إني بكده بأذية وبجبره على إنه يخطى برجله أول خطوة ناحية بير الخيانة ويرمي حاله جواه بإرادته المجبرة.
رفع بصره ونظر لداخل عيني قاسم وهتف بنبرة رجل منهزم:
أنا اللي فشلت يا قاسم مش إنت.
أردف زيدان بتعابير وجه مصدومة:
يا أبووووووي، يعني كلياتكم كنتم خابرين وشاركتوا في دبـ.ـح بنتي ومــ.ـوت جلبها بالبطئ، كيف رضيتوا لها بالــ.ـذل والمـ،هانة، كيف؟
وأكمل لائماً لوالده ومتعجباً:
وإنتَ يا أبوي، جبلتها كيف على حفيتك اللي بتقول إنك بتحبها! تجوزها لواحد كارهها ومجبور عليها ليه يا أبو قدري؟
أنزل عثمان بصره هارباً من عيني زيدان المملوءة بالمعاتبة وإلقاء اللوم.
هتف قدري برجاء:
خليك رحيم كيف ما اتعودنا دايماً منك يا زيدان، ولدي رايد بنتك وبيتمنى لها الرضا، رجعها له وخليه يعيش فرحته بحبلها وابنه يتولد على إيده.
أما زيدان الذي خالف جميع التوقعات كباقي أشخاص الجلسة الاستثنائية التي ستكتب بتاريخ العائلة لغرابتها، فتحدث بشموخ ورأس مرفوع بكبرياء ضارباً كل ما قيل من تبريرات بعرض الحائط وكأنه لم يستمع إليها من الأساس:
بنتي مهياش ملزمة لجل ما تصلح وتدفع من كرامتها وكبريائها تمن أغلاطك إنت وولدك يا قدري. من النهارده كل واحد هيحاسب على غلطة، وبنتي ما غلطتش وياكم في شيء. غلطها الوحيد إنها أمنت وسلمت للي ما يستاهلش. يبقى الحق بيجول إنها تطلق مني وتكملوا حياتها مع واحد ابن حلال يعرف قيمتها ويستاهلها بجد.
اتسعت أعين الجميع وكادت أعصاب قاسم أن تنفلت منه لولا فارس الذي تحرك إليه وأمسك ذراعه وهمس له وطالبه بالصمت كي لا يزيد من حدة وضخامة الوضع.
تحدث الجد متوسلاً إلى زيدان:
إهدي يا زيدان وخلينا نتحدث بالعجل، ولد أخوك غلط وانجبر وعطى وعد لراجل غريب عنينا، وكان لازم يطلع راجل جدامه بعد ما اترجاه لجل ما يستر عرض بنته اللي كانت هتتفضح بعد ما ولد أخوك قعد خاطبها سبع سنين بحالهم.
وأكمل وهو ينظر إلى قاسم باحتكار:
أوعاك تكون فاكر إن بحديثي ده ببرر للخاين عملته السودا في حقنا وحق مرته، أنا بس حطيت حالي مطرح أبوها الدلدول اللي قبل بوضع مهين له ولبيته، واللي ما جابلوش على بناتنا ما جابلوش على بنات الناس يا زيدان.
واسترسل بإقناع زيدان:
أقولك، خدها من باب الستر للبنت يا ولدي وربنا بإذن الله هيجازيك خير النية.
وأكمل بترجي:
ودلوك أنا اللي أترجاك يا ولدي، رجع الدكتورة لشقتها وسيبها منها لجوزها واني واثق من عجلها زين، اعمل كده لجل خاطري يا زيدان.
نظر لأبيه وتحدث بنبرة صارمة رافضة ذكرت الجميع بنفس موقفه بالماضي بقصة زواجه على ورد:
خاطرك غالي علي يا أبوي وفوق دماغي، بس متأخذنيش، أنا سمعت كلامك ونفذته قبل كده، وادي النتيجة قدامكم كلياتكم.
تحدث منتصر بتعقل:
طب مش تسأل بنتك اللول يا زيدان، مش جايز صفا حابة ترجع لجوزها وتربي ولدها في حضن أبوه؟
أجاب شقيقه متشبثاً برأيه:
وإنت فكرك إني بتكلم من حالي كده من غير ما أكون اتفقت مع بنتي وعارف رأيها زين يا منتصر؟
وأكمل بنبرة حادة ناظراً إلى قاسم:
اسمعني زين يا ولد أبوك، أنا دلوقتي اللي هحلك وهفك جيدك من الجوازة اللي ما كانتش على كيفك ولا من مجامك يا حضرة الأفوكاتو.
وأكمل بنبرة قاطعة تدل على مدى حسمه لقراره:
طلق بنتي يا قاسم ودلوقتي.
نظر له وتحدث بنبرة ضعيفة نتيجة تأثره بما يدور من حوله من اعترافات المذنبين بحقه:
أنا يمكن في الأول عنادي ورفضي لفكرة إني انجبر على حاجة صورت لي إني رافض وما طاوعش الموضوع، بس ربنا يعلم إن من اليوم اللي كتبت فيه كتابي على صفا، وهي بقت كل دنيتي وبقت عينيا اللي بشوف بيها ونبض قلبي اللي بعيش ليه. أنا ما أقدرش أبعد عن صفا لأني من غيرها كيف السمك لما يخرجوه من الماية.
رفع كتفيه وأنزلها وأردف باستسلام:
ما تفهمش ليه يا عمي، ما أقدرش على بعدها أنا.
أجابه بعناد:
طلقها يا قاسم لأني ما أمنش عليها معاك بعد كده.
هتف قاسم بنبرة أكثر عناداً:
جولتها لك عمي وهقولها لك تاني يا صفا، ما أطلقهاش ولو على موتي يا عمي، وعاوزك بس تعرف، إن محدش في الدنيا دي كلها بيحب صفا ويخاف عليها ويحميها كده.
تحدث فارس مترجياً عمه باستعطاف:
سامح قاسم لجل خاطري عندك يا عمي.
هتف عثمان بنبرة حادة بعدما رأى العناد والرفض القاطع بعين ولده:
وبعدهالك عاد يا زيدان، أنا ساكت وما رضيتش أتحدث وسايبك تخرج كل اللي جواتك لجل ما ترتاح، لازمته إيه كلمة الطلاق اللي عمال تعيد وتزيد فيها دي وإنت خابر زين إنه ما يحصلش.
اتسعت عيناي زيدان وتحدث إلى والده بطريقة حادة غير لائقة:
يعني إنت يا أبوي عاوز ترخص بنتي من جديد وترجعها للي جبل عليها الكسرة والمذلة؟
وبعد جدال طال من الجميع اقترح منتصر بذهاب الجميع إلى صفا وعرض الموضوع عليها من جميع الجوانب كي تفهم المغزى من تصرف قاسم، وإقناعها بالرجوع. وبالفعل ذهب الجميع إليها حتى قاسم الذي سمح له زيدان بمقابلتها في حضور الجميع وذلك بعد إلحاح عثمان عليه.
ذهب الجميع عدا عثمان الذي نكس رأسه وبات يؤنب حاله ويجلدها، فمهما بدا قوته وصموده أمام الجميع، إلا أنه كُسر عندما شعر بالفشل الذريع لقيادته لعائلته والوصول بأحفاده لبر الأمان الذي كان يراه صوب عينيه، واكتشف أنه كان سراب، مجرد سراب لا أثر له، حتى زيدان الذي يعلم علم اليقين أنه على حق، ويبرر له كل الأحقية في الدفاع المستميت عن غاليتة، لكنه يضغط عليه ويدعوه للتنازل والتسامح فقط من أجل تماسك العائلة وعدم إعطاء الفرصة لشماتة المترقبين للعائلة.
❈-❈-❈
دلف من باب الغرفة التي تقطنها صغيرته، انتفض قلبه وثار عليه عندما رآها أمامه تجلس فوق فراشها والإجهاد والتعب يظهران بشدة على ملامحها. ودّ الإسراع إلى أحضانها وسحبها إليه ليضمها إلى صدره الملتاع بالاشتياق، ويطيب جرحها النازف بفضله.
تمنى لو أن له الأحقية بأن يخرج الجميع ويبقيا بمفردهما، كي ينزل لمستوى قدميها ويقبلهما بندم ليطهر حاله من الذنب العظيم الذي اقترفه بحقها. أراد أن يريها بعينيها كم أصبحت قيمتها عنده للحد الذي يجعله يتنازل عن عزة نفسه وكرامته ويقوم بإذلال حاله عند الرضوخ تحت قدميها وتقبيلهما طلباً للعفو والسماح.
تحدث وهو ينظر إليها بوله وبصوت متألم لأجلها:
كيفك يا صفا؟
لم تُعر لسؤاله ولا لوجوده من الأساس أية اهتمام، وكأنه أصبح هواء أو مجرد سراب ليس له وجود. عذرها وكظم آهاته وآلامه بداخل صدره المهموم.
تحدث منتصر إليها قائلاً:
جدك بعتنا ليك لجل ما تاجي ويانا وترجعي لشقة جوزك يا دكتورة، يجولك إنه واثق في عقلك الكبير وإنك حطي مصلحة العيلة وتحلي الموضوع بالراحة بينك وبين جوزك من غير ما حد يدري من الجدع ونشمتوا فينا الخلق.
ابتسمت بخفوت حين تحدثت رسمية بنبرة أكثر تعقلاً قائلة:
وهي ست البنات بتقول إيه غير إنها موافقة ترجع وتعيش ويا جوزها لجل ما يربوا ولدهم اللي جاي بيناتهم، بس طبعاً مش دلوقتي يا منتصر، هي هتقعد في دوار أبوها كده أسبوع كده لجل ما أمها تغذيها وتغذي ولدها زين، وبعدها قاسم هييجي ياخدها على شقتها كيف الملكة.
وأكملت متسائلة بابتسامة:
مش كده يا زينة البنات؟
ضحكت بخفة وتحدثت بنبرة ساخرة:
لا يا جدة مش كده، أنا بنفسي اللي هاجي لحد السرايا وأحب على رجل راجل حفيدك الكبير وأتأسف له وأطلب منه السماح والمغفرة. بيتهيأ لي دي يرضيكم أكتر.
ثم نظرت إليهم بغضب وتحدثت:
إنتوا بتتكلموا جد ولا بتهزروا؟ أصلكم لو بتتكلموا جد تبقى مصيبة وعيبة كبيرة قوي في حقكم يا نعمانية.
تحدث منتصر بنبرة حنون مقدراً وضع ابنته أخته النفسي:
أنا عارف إنك غضبانة ومحدش يقدر يلومك على كده يا بتي، بس فيه حاجات كتير حصلت قاسم هيحكي لك عليها ويتأسف لك قدام الكل ويحب على راسك وإيدك كمان.
أجابت عمها بنبرة صارمة:
هو كان داس على رجلي من غير ما يقصد إياك يا عمي لجل ما يعتذر لي ويحب على راسي؟
وأكملت بشموخ:
اللي بيعتذر وينجبل اعتذاره، هو اللي بيعمل الغلط من غير ما يقصد يهين أو يجرح بيه غيره.
وأكملت بنبرة صارمة:
لكن ابن أخوك خطط وجرر ونفذ في سبع سنين بحالهم، يعني جريمة كاملة مكتملة الأركان ومع سبق الإصرار والترصد، كيف ما بيقول الأفوكاتو الكبير وهو بيترافع في المحكمة قدام القاضي.
هتف بنبرة هادئة قاصداً بها امتصاص موجة الغضب التي تتملك منها:
إهدي يا صفا علشان خاطر ما تتعبيش تاني، وخلينا نقعدوا لحالنا وأنا هفهمك على كل حاجة، فيه تفاصيل إنتِ متعرفيهاش ولازم أقولها لك لوحدينا.
ابتسمت ساخرة وتحدثت بنبرة تهكمية:
ما عايزش أتعبك وياي يا متر، وفر مبرراتك وجهدك اللي بتضيعه في كلام فاضي ما يفرّج معاي.
وأكملت وهي ترمقه بنظرة اشمئزاز:
ولا هيخليني أرجع أشوفك في عيني راجل من تاني.
اشتعلت النار بصدره من إهانتها له وما شعر بحاله إلا وهو يهتف بنبرة غاضبة:
صفاااا، ما تستغليش وضعك وغلاوتك جوة قلبي وتجولي كلام تتحاسبي عليه بعد كده يا دكتورة.
ضحكت ساخرة مما زاد من اشتعاله وتحدثت هي بتهكم:
هو إنتَ لساتك بتحاسبني يا متر، ده إنتَ يا راجل حاسبتني على اللي حتى ما عملتوش.
وأكملت بنبرة حادة وملامح وجه صارمة:
روح لحالك ويلا كلياتكم برة عشان عايزة أرتاح، وجولوا لـ جدي لو السما انطبجت على الأرض إني ما هرجع للي خان وغدر وأدي له من تاني الأمان. جولوا له كمان صفا بتقول لك مش هترجع مش بس لو سحبت مني المستشفى، لااا، أنا ما هرجع حتى لو قطعت من جسمي حتة ورميتها للكلاب.
ثم رمقت قاسم بنظرة غاضبة وهتفت بنبرة حادة:
وإنت، لو لساتك راجل وعنديك نخوة تطلقني دلوقتي.
اتسعت عيناه من هول ما استمع وتحدث بنبرة حادة وهو يجز فوق أسنانه:
ماشي يا صفا، حسابنا بعدين على كل الغلط دي. مش وقتُه.
حين هتفت رسمية بنبرة حادة:
عيب الحديث اللي بتقوليه لجوزك ده يا صفا.
أجابتها بنبرة صوت حادة:
العيب للي يعرفوا العيب ويخافوه يا جدة، ودلوك يلا فارقوني، ما عايزش أشوف حد منيكم هني.
وأكملت بنبرة حادة وصراخ يدل على عدم اتزانها ووصولها لمدى غضبها:
اطلعوا برة كلياتكم، جايين بوش مكشوف وعين بجحة جوية تجبروني لجل ما أرجع للي غدر بي واتجوز علي وأنا لساتني عروسة ما فرحتش حتى بـ هدوم جوازي؟
ثم نظرت إلى منتصر الواقف بخزي وهتفت بنبرة غاضبة:
لو كانت مريم اللي جوزها غدر بيها ورخصها كيف ما عمل وياي ولد أخوك؟ كنت هتقول لها بردك ترجع لجوزها يا عمي؟ كنت هترضي بالذل والمهانة على بتك، ولا كنت هخرب الدنيا وأطربجها على دماغ الكل كليلة عشانها.
وأكملت وهي تفرق نظراتها الكارهة للجميع باشمئزاز:
يا عيب الشوم عليكم وإنتوا جايين وهزين طولكم لجل ما تاخدوني وترموني كيف الجارية تحت رجلين سي قاسم النعماني، لجل ما يكمل ذل ومهانة فيا أكتر.
تحدث زيدان الذي كان واقفاً عند مدخل باب الحجرة كي لا يقال أنه كان يؤثر على قرارها:
ما أعرفش لسه الجديد يا بتي، قاسم بيه اللي جايين أهلك لجل يرجعوكِ ليه، ما يطلقش مرته المصراوية، يجول إنه ما يقدرش يطلقها قبل سنة عشان مدى وعد لأبوها.
نظرت إليه وهتفت بعيون تطلق شزراً:
طلقني يا قاسم وخلي عندك كرامة.
أجابها بهدوء في محاولة منه لامتصاص غضبها العارم:
جولتها لعمي وهجولها لك تاني يا صفا، ما أطلقكيش لو على موتي لأني ما أعرفش أعيش من غيرك، هصبر عليكي لحد ما تهدّي وترضي، مش هزهج من إني أجي لك كل يوم وأطلب منكِ السماح والرضا لحد ما ترضي يا غالية، وعاوزك تتأكدي إن أنا وإنتِ ما ينفعش نبعد عن بعض، لأني صدقت لقيتك ولقيت روحي الضايعة وياكِ.
أكمل بنبرة صوت مختنقة بفضل رغبته في البكاء:
خلي بالك من نفسك يا حبيبتي.
قال كلماته وهرول سريعاً إلى الخارج متجهًا إلى الإسطبل، امتطى حصانه العربي الأصيل وتحرك به منطلقاً إلى الخارج.
أما هي فكانت تنظر بصمود أمامها في نقطة معينة على الجدران، تركها الجميع وتحركوا للخارج تاركين لها المجال كي تختلي بحالها، حتى ورد زفرت بضيق وشعرت بنار مشتعلة تقتحم صدرها حين علمت صحة ما أخبرته به تلك الشمطاء المسماة بليلى، وتذكرت حديثها المسموم التي أخبرتها به قبل ساعتين من الآن.
عودة إلى قبل ساعتين من الوقت الحالي.
كانت ليلى تقف بداخل شرفتها تحتسي مشروباً بارداً وتنظر على منزل زيدان بتشفي بعدما عادت إليه صفا مثلما خرجت. اشتعل صدرها عندما وجدت مريم تحمل صغيرتها وتدلف إلى منزل عمها. تجهزت سريعاً وهبطت الدرج بعدما انوت الذهاب إليهما كي تفسد عليهما جلستهم.
دلفَت إلى الغرفة الجانبية التي سكنتها صفا مؤقتاً كي لا تصعد الدرج حتى لا يتأذى جنينها مثلما أخبرتها أمل وحذرتها الحركة وتجنبها لصعود الدرج. وجدت ورد ومريم يجاورا صفا التي تجلس بملامح وجه حزينة مهمومة.
وقفت ورد وتحدثت إلى ليلى بـ وجه مقتضب:
خطوة عزيزة يا ليلى، أنا هدخل المطبخ أكمل العشاء.
وأكملت وهي تنظر إلى مريم بحديث ذي مغزى:
وإنت يا مريم، خلي بالك على بت عمك ومتتعبيهاش بالحديث.
تفاهمت مريم حديثها وأومأت لها، في حين جلست ليلى وتحدثت غير مبالية بحديث ورد التي تعلم أنها المقصودة بمعناه:
عاملة إيه دلوقتي يا صفا، الله يكون في عونك يا بت عمي في المصيبة اللي حطت على دماغك، أنا لو مكانك كنت روحت فيها.
وأكملت بنبرة شامتة ووجه مبتسم:
أصلها واعر قوي على الواحدة منا إنها تعرف إن جوزها اللي اتمنته من صغرها وحلمت يكون راجلها، وفكرت بغبائها إنها ملكته لما اتجوزته، يطلع عشجان لغيرها وواقع فيها لشوشته، وكمان اتجوزها عليها وهي لساتها في شهر العسل، ومش بس كده، ده كمان بيموت في التراب اللي عتمشي عليه التانية وبيتمنى لها الرضا يرضيكِ.
كانت تستمع لها بقلب يتمزق ألماً. نهرتها مريم قائلة بنبرة حادة:
اقفلي خاشمك وبطلي حديثك السم ده يا ليلى، إنتِ شايفة إن دي وقت الحديث ده؟
ادعت الحزن وتحدثت بنبرة خبيثة:
مش بوعي بت عمي وأرسيها على الموضوع بدل ما تفضل على عماها كده.
ثم نظرت إلى صفا وهتفت بخبث:
اسكتي يا صفا، ده الموضوع طلع من ياجي تمن سنين وإحنا مدريانينش، أتاري قاسم أخوي كان خاطب زميلته المحامية دي من سبع سنين وواقع لشوشته فيها.
ححظت عيناها بذهول حين صاحت مريم قائلة:
بكفياكِ عاد يا ليلى، يلا قومي من هني، الدكتورة قالت صفا لازم ترتاح.
تحدثت صفا بنبرة جادة وملامح وجه صارمة:
سيبها تكمل يا مريم، أنا عايزة أسمع.
ابتسمت ليلى وبدأت بقص ما أخبرتها عنه والدتها بشأن قصة غرام قاسم لإيناس بل وزادت عليه، ضاربة بتنبيه والدتها لها عرض الحائط، فقط كي تشفي غليلها وهي تنظر بشماتة لتعابير وجه صفا التي تتألم عند استماعها لكل كلمة من حديث تلك الحية الرقطاء.
بعدما انتهت تحدثت مريم:
خلاص يا ليلى، ارتحتي كده لما بخيتِ سمك وسممتي بيه بدن المسكينة.
تحدثت بتأثر مفتعل قائلة:
يعني بردك طلع الحق عليا يا مريم؟
وتنفست براحة وتحدثت إلى مريم كي تسمم علاقتها بزوجها هي الأخرى:
حقك احمدي ربنا كل يوم يا مريم واشكريه على جواز أشجان بت خالتك، لولا كده كان زمان فارس أخوي سابج قاسم وواخد حبيبة اللي عاش عمره كله يتمنى تراب رجليها جوه حضنه ومخلف منها كمان.
نزلت تلك الكلمات المسممة على قلب مريم البريء أحرقته، حيث هتفت ليلى إلى صفا بنبرة شامتة:
كنت هنسى يا صفا، مبروك عليكِ الحبل اللي ملحقتيش تفرحي بيه، أكيد العروسة الجديدة هي كمان حامل وهتجيب لقاسم أخوي الواد.
وأكملت بنبرة حاقدة:
وإنتِ أكيد ما هتجيبيش غير بت وتتقطعي على كده كيفك كيف أمك بالضبط، ما هو المثل بيقول، اكفي القدرة على فمها، تطلع البت لأمها.
نظرت لها صفا وتحدثت بنبرة حادة:
كان نفسي أرد عليكِ الرد اللي يليج بعجوزة زيك، بس حظك إني متربية وبخاف ربي ومعشمتش في عطاياه ومنحه اللي عيدهالنا على شكل منح، روحي لحالك الله يسهلك بعيد عنينا، ويا ريت ما تكرريش الزيارة دي تاني، لأني مبجتش أطيق أشوفك جدامي.
ضحكت بشدة وتحدثت ساخرة:
ما تخافيش، الزيارة ما هتتكررش يا دلوعة أبوكِ، وإن كنتِ إنتِ ما تجيش تشوفييني جيراد، أنا ما أجيش أبص في خلقتك أربعة وعشرين.
وأكملت بشماتة تدل على شخصيتها المريضة غير السوية:
أنا بس حبيت أجي وأعرف كل واحدة فيكم مصيبتها وخيبتها الثقيلة، فرحانين بالحبل والولادة وإنتوا رجالتكم مجبورين على عشرتكم السودا، كل واحد فيهم عنده عشجان مالية قلبه وعجلة وهيجبر حاله لجل ما يبص في خلقتكم العكرة.
وأطلقت ضحكة شريرة وخرجت تاركة قلبي كلاهما ينزف ألماً.
عودة إلى الحاضر.
سقطت دمعة هاربة من عينيها مسحتها سريعاً، وذلك لامتثالها لوعدها التي قطعته لحالها على عدم ضعفها لمن دهس كرامتها حتى أصبحت هي والأرض سواء.
❈-❈-❈
دلف إلى المنزل عند بزوغ الفجر بعدما قضى ليلة وهو يمتطي حصانه العربي ويجوب به كالمجنون في الأراضي الواسعة المملوكة لجده، وذلك بعد رفض زيدان القاطع لرجوع صفا إليه وإخباره لوالده أنه قرر هو وصفا بقائها في منزله حتى نهاية العمر لو لم يتم الطلاق.
تحرك إلى غرفة اجتماع العائلة بعدما رأى نورها مشتعلاً وتأكد من وجود جده بها، فهو دائماً يقضي صلاة الفجر ويتحرك إليها ليجلس فوق مقعده المخصص له ويمسك مسبحته ويقوم بذكر الله حتى بزوغ الشمس وظهور أول خيط ذهبي لها.
أمسك مقود الباب وتنفس عالياً ليستعد لحديثه ثم أداره وفتح الباب بعد طرقه بخفة، ونظر إلى ذلك الجالس ورأسه منكساً يبصر لأسفل قدميه والحزن والأسى والخزلان يتملكون من ملامح وجهه المجعدة بفضل ما فعلت به السنوات.
تحرك بخطوات بطيئة وساقان يجرهما حتى وقف أمامه. لم يكلف عثمان حاله عناء النظر لوجهه وضَل ثابتاً على وضعه، وبلحظة خر بساقيه رامياً جسده باستسلام تحت ساقي عثمان كملك مهزوم أرهقته كثرة المعارك الخاسرة. رفع رأسه وهو ينظر لعيون جده الذي يحيل بهما عن ناظريه وكأنه يعاقبه بتلك الطريقة.
اقشعر جسد عثمان وانتفض عندما رمى قاسم رأسه فوق ساقي جده وتنهد بألم واستسلام. شعر بتيهة روح حفيده وعلم أنه أخيراً رفع راية الاستسلام من حالة العند والمكابرة.
رغبة ملحة كانت تطالبه بأن يضع كف يده الأصيل على رأس حفيده ويطمئن روحه التائهة، لكنه ظل على وضعه كي يشعره بقبح ما اقترفته يداه بابنة أبيها الغالية وأثمن جواهر عثمان.
همس قاسم بترجٍ وهو ما زال ملقياً رأسه فوق ساقي جده يتمسح بهما كقطة سيامي:
أنا عايز مرتي يا جدي، أحب على يدك ترجعها لي.
أخذ عثمان نفساً عميقاً ثم أخرجه بهدوء وتحدث بصوت مهزوم حزين:
ما كانت وياك، اختارت لك أغلى جواهري وأندرهم، حطيتهالك جوه حضنك بالغصب وأنا عارف إنها هي اللي هتمسك بيدك وترجعك من أرض التيهة اللي رميت حالك فيها وبقالك ياما بتلف فيها من غير ما تمل ولا تكل.
وأكمل بنبرة ضعيفة:
جولت لحالي بنت أبوها الزينة هي اللي هترجعك لأصلك وأرضك، عملت إيه، بدل ما تمسك يدها وتتمسك بها وترجع لي، مسكت خنجر مسموم ودبيته في جلبها البريء وكسرت به ضهر أبوها اللي أمنك عليها، وكسرتني في شيبتي.
يرفع رأسه له ينظر إليه بتيهة وهتف بصوت يئن ألماً:
ما أقدرش أعيش من غيرها ولا هي هتعرف تعيش بعيد عن حضني، أنا عايز مرتي لجل ما أضمها جوه حضني وأطيب جراحه.
رد عليه عثمان بنبرة قاسية:
متى كان القاتل هو الطبيب يا ابن قدري.
يسأل جده بنفس النبرة الضعيفة:
أول مرة تقولي يا ابن قدري؟
أجابه جده قائلاً بتفسير:
عشان لأول مرة أحس إن كل اللي عملته معاك راح مع أول ريح عاتية، وكأني كنت ببني بيت على الرملة وجت الريح هدت ومسحت معاها كل تعب السنين.
تنفس عثمان وأكمل بتذكر:
زمان لما أبوك جابك هني ورماك تحت رجليا كيف جعدتك دي بالظبط، جالي خد قاسم يا أبوي وحطه تحت جناحك وعلمه لجل ما يكون راجل زين شبهي. فرحت ببك لأنك كنت جاي لي في أشد أيامي وأصعبها، كنت لساتني خالعة ولدي الخلوج أبو جلب كيف الذهب وراميه برة أرضه بيدي، كانت روحي مدبوحة وجيت إنتَ طيبتها بنظرتك البريئة اللي تشفي العليل، شفت جوه عنيك نفس بصة عمك الحنينة، طيبت جراحي بضحكتك اللي كانت بتهون عليا كتير، خدتك تحت جناحي وكبرتك على المبادئ والأخلاق والخوف من الله، شفت فيك خلفي وجهزتك لجل ما تكون كبير عيلتك الحكيم وأسلمك زمام عيلتي من بعدي.
واسترسل حديثه قائلاً:
تمردت وشردت عن أصلك، جولت سيبه يا عثمان وما تخافش علية، ده تربية إيدك وما هيشردش كتير، هيـ.ـرجع. لما كبرت وبقيت أفوكاتو جد الدنيا واختارت تعيش لحالك في مصر، جولت سيبه يا عثمان، هيـ.ـرجعـ.ـه أصله وتربيتك الزينة ليه.
أكمل بنظرة رجل زادته تجاعيد وجهه خبرة ومعرفة يصعب على غيره اكتشافها:
كنت بشوف عشق بنت عمك ساكن جواه وإنتَ بتدوس عليه وبتخنجة بكل قوتك عشان تدفنه، ما كنتش بشوف ضحكتك ووشك اللي بيـ.ـنور غير لما تيجي ست البنات وتقعد قصادك وتاكل، ما كنتش تبص إلا للي في صحنها لجل ما تجسم وياها لجمتها وتاكل منها وتحس بطعم وحلاوة اللجمة في حنكك. كنت بشوفك وإنتَ بتهرب بعيونك وتجفلها لجل ما تمنعها إنها تبص عليها وتتملى في صنع ربنا اللي أبدع في جمال روحها قبل وشها.
كان يستمع إليه بعيون متسعة من شدة ذهوله، يستمع إليه ويسترجع ذاكرته ومواقفه التي تمر أمام عينيه كشريط سينمائي. ذُهل من حقيقة مشاعره التي كانت تائهة عنه كروحه.
الآن وفقط فهم مغزى شعوره الهائل وهو ينظر لبحر عينيها العميق ليلة دخلت عليه، الآن فهم معنى استكانة روحه وسلامه الداخلي الذي شعر به عندما امتلك روحها ووضع صك ملكيته الذي شهد على عفافها وطهارتها ونقاء روحها الطاهرة.
حين أكمل عثمان حديثه:
تمردك وعصيانك عليا وعلى عيلتك، منعك حتى تعترف بعشقها بينك وبين حالك، ولما لقيتك سايج في العوج، جبتهالك بيدي ودخلتها جوه حضنك.
ثم نظر إليه وتحدث بانهزام:
بس إنت طلعت كيف أبوك بالضبط، أبوك هو كمان راح رمى حاله في حضن حرمة مهشكة، بس أبوك له عذر، كان بيدور على راحته اللي ما لقاهاش عند بت سنيه اللي مفضياش غير لرسم الخطط، كان بيدور على هيبته اللي اتهرست تحت رجل عشق أمك الملعون.
كان يستمع لجده بذهول، والآن عرف بسر والده ولم يستغرب كونه خائن، فقد علم بأنها جينات قد ورثها عن أبيه.
أكمل عثمان بنبرة لائمة:
لكن إنت ليه يا قاسم، ده أنا اخترت لك فرسة أصيلة لجل ما تطاوعك وتكون وياك على الحلوة والمُرة، ولما تشرد بيها تجـ.ـمـ.ـح وتعصي عليك لجل ما ترجعك لعقلك تاني ولأصلك.
تحدث مترجياً باستعطاف:
طب رجعها لي وأنا أوعدك ما أخليش النسمة تعدي من جارها، هشج صدري وأحطها جوه حضني لجل ما أخبيها من العيون وأحافظ عليها.
ابتسم عثمان وأجابه بخفوت:
فرستك جمحت وأعلنت عصيانها عليك. روح رجعها وخدها من حضن أبوها لو تقدر.
نظر له مستعطفاً وهتف بنبرة مترجية:
إنت هتساعدني وترجعها لحضني من تاني، عمي زيدان ما يقدرش يرفض لك طلب، زمانه هدى وهيفكر بعجل ويسمع كلامك.
أجابه بنفي:
تبقى متعرفوش، عمك زيدان دلوقتي كيف الأسد المجروح، اللي يجرب من بنته هيقطعه بسنانه مهما كان هو مين.
وأكمل متسائلاً:
فكرك زيدان سلمني زمام بنته ليه؟
نظر له منتظراً تكملة حديثه فتحدث عثمان:
عشان كان متأكد إني ما حفرطش في أغلى جواهري، وعارف إني هسلمها لراجل زين يحافظ عليها ويحطها جوه عيني.
ثم هز رأسه مراراً وتحدث بنبرة انهزامية:
لكن إنت ما طلعتش جد الوعد، خنت وغدرت وطعنت في الضهر يا ولد أبوك، طلعت كيف أبوك بالضبط.
انتفض من جلسته ووقف سريعاً ودار بالغرفة مثل الأسد الجريح وصاح بنبرة غاضبة:
أنا مش كيف أبوي ولا عمري هكون زيه، أنا قاسم النعماني، شبه حالي وبس، وما هسمحش لحالي أكون نسخة مكررة من حد، سامعني يا جدي، أنا مش زي حد، وبلاها كمان من مساعدتك دي.
وأكمل بنبرة أكثر حدة:
ومرتي أنا هعرف أراضيها وأرجعها لحضني من تاني، وهاخدها هي وولدي ونبعد من هني، هعيش وياها بجنون قاسم النعماني وبس، جنون الرحمة وعدم الإجبار، هربي عيالي منها على الحرية وإن كل واحد منهم يعمل اللي يشوفه صح من وجهة نظره هو وبس.
كان يستمع إليه ويبتسم بخفة ثم تحدث بنبرة مهمومة:
لساتك ما شبعتش تيهة وشرود يا قاسم، لساتك بتكابر وعاوز تهرب من أصلك يا ولد.
ثم تنهد وتحدث بنبرة تعقلية:
ما فيش دنيا بتمشي من غير قوانين وكل واحد يعمل اللي على كيفه يا ولدي، كده نبقى عايشين في غابة.
ثم تنفس عالياً وتحدث:
إنت الوحيد اللي قادر تعرفنا كلياتنا إنك مش كيف أبوك، مستني أشوف حفيدي اللي ربيته على العجل والحكمة والأخلاق هيخرج حاله كيف من الورطة اللي وقع حاله فيها بيده، ورينا هترجع بنت أبوها العالية كيف.
نظر إليه جده بغضب وخرج كالإعصار وصعد إلى الأعلى سريعاً.
❈-❈-❈
بعد مرور أسبوع.
داخل قاعة المرافعات الخاصة بمحكمة النقض.
وبالتحديد داخل إحدى الجلسات المعقودة لبحث قضية رجل الأعمال الشهير "أمجد التهامي" والذي لُفقت إليه القضية من قبل أعدائه عديمي الضمير داخل سوق العمل المشترك بينهم.
كان يقف أمام هيئة المحلفين المكونة من قاضٍ جليل وهيئة استشارية متخصصة، يتحدث إليهم بكل طلاقة وجسارة كعادته، فدائماً كانت المرافعات تمثل له الحياة واللذة والنجاح الحقيقي والوحيد الذي استطاع تحقيقه. فدائماً ما يشعر وهو يترافع أمام هيئة المحلفين بأنه داخل إحدى ساحات المعارك العظمى التي طالما خرج منها كملك منتصر.
أنهى قاسم حديثه الصارم والذي كشف به لهيئة المحكمة براءة موكله وأن القضية ملفقة ويوجد وراءها دافع الحقد والغيرة وقصد الإضرار بالمدعو أمجد التهامي.
هتف قاسم بثقة وجسارة وهو يرفع قامته منتصب الظهر واثقاً بحاله كعادته:
وبعد اطلاع هيئة المحكمة الموقرة على المستندات والأدلة التي لا تقبل الشك والتأكد من صحتها، أرجو من سيادتكم الحكم ببرائة موكلي من التهمة المنسوبة إليه وفوراً، وذلك لثبوت براءته من تلك التهم التي لُفقت إليه من خلال منافسيه عديم الشرف والمروءة، حيث قاموا بها بدافع الإيقاع بموكلي والإضرار بسمعته الطيبة التي دائماً ما اتسمت بالنزاهة والشرف.
وأكمل بثقة عالية:
لذا أرجو من عدالتكم تنفيذ القانون وفوراً لتأخذ العدالة مجراها الصحيح من خلال حكم عدالتكم الحق، وشكراً لسعة صدركم لمرافعتي.
كان أمجد يجلس وهو ينظر إليه بإعجاب لطلاقته بالحديث وثقته العالية رغم صغر سنه الذي لم يتعدى الرابعة والثلاثون.
جلس بجانب إيناس الحاضرة لكونها شريكته بالقضية والتي تحدثت بنبرة حماسية:
هايل يا دكتور، مرافعة تاريخية تنضم لتاريخ مرافعاتك المميزة، أكيد هيئة المستشارين ستحكم بالبراءة.
وأكملت بنبرة أكثر حماسة برغم إشاحة قاسم ناظريه عنها وعدم تكليف حاله عناء النظر إلى وجهها البغيض بالنسبة له:
عندي إحساس قوي، إن القضية دي هتكون نقلة كبيرة لمكتبنا في دخوله الحقيقي من أوسع الأبواب لعالم قضايا كريمة المجتمع وصفوته.
ابتسم بخفوت وأجابها بحديث ذي مغزى:
هي فعلاً هتكون نقلة كبيرة ولكِ أكتر يا أستاذة.
ابتسمت بغباء غير مدركة لما يتم تخطيطه لها من قبل ذلك الغامض الذي يجاورها ويبدو على ملامحه الهدوء.
قاطعهم صوت حاجب المحكمة الذي نطق بصرامة جملته الشهيرة:
محكمة.
وقف الجميع وخرج القاضي وبجانبه المستشارون المصاحبون له وبعد الجلوس تحدث القاضي:
بعد الاطلاع على المستندات والأدلة وصحة ثبوتها، قررنا نحن براءة المدعى عليه أمجد أحمد حسين التهامي، الشهير بـ أمجد التهامي من التهم المنسوبة إليه، رُفعت الجلسة.
حالة من الهرج والتصفيق الحاد ملأت القاعة من قبل أنصار أمجد. أما قاسم فقد انتابته حالة من السعادة وتنفس بانتشاء يدل على مدى راحته.
وقف أمجد وبسط ذراعه موجهاً نحو قاسم وتحدث بابتسامة خافتة وثبات انفعالي رهيب يحسد عليه، فمن يراه الآن لم يصدق أن ذاك الرجل ذو الملامح الحادة الباردة قد حصل للتو على حكم بالبراءة من قضية كادت أن تزجه داخل السجن ويقضي به عدة أعوام ليست بالقليلة.
تحدث أمجد بنبرة واثقة:
مبروك عليك شهرتك وقضايا شركتي اللي هنقلها كلها لمكتبك يا متر.
ابتسم قاسم ببرود مماثل له وتحدث بلباقة:
شرف كبير لمكتبي نقل قضايا شركة سعادتك أمجد باشا، وألف مبروك على البراءة.
شكر أمجد أيضاً إيناس بامتنان وتحرك ثلاثتهم خارج القاعة وتحركوا داخل رواق المحكمة ليتفاجأوا بوجود الكثير من الكاميرات التي تلتقط لهم الصور ووجود بعض مذيعي بعض القنوات التلفزيونية الذين حضروا لينقلوا تبعيات آخر مستجدات المحاكمة الخاصة برجل الأعمال الشهير بالعاصمة وأيضاً بعض رجال الصحافة.
تحدثوا إلى أمجد الذي تحدث عن نزاهته وأشاد بثقته المطلقة بنزاهة القضاء المصري، وأشاد أيضاً بقاسم ولم يخلو الأمر من التفاخر وكسب احترام المشاهدين له حيث تحدث بنفاق:
أنا لما اخترت قاسم النعماني علشان يمسك لي القضية، اخترته من باب تشجيعي للوجوه الشابة وإعطائهم فرصة النجاح والظهور.
وأكمل:
قلت لنفسي، أظن كفاية كده على الحيتان الكبار اللي ليهم سنين محتكرين المهنة، واخدين كل قضايا البلد لحساب مكاتبهم الكبيرة، جه الوقت علشان الشباب تثبت جدارتها وتاخد فرصتها.
كان يستمع له ويبتسم من داخله على نفاق ذلك المدعي الذي لم يفلت تلك الفرصة كي يستغلها لصالحه حتى لو بالكذب والتلفيق.
أما قاسم الذي نقل إليه الحديث حيث وجه له وسأله أحد المذيعين عن الإجراءات التي سيتبعها بعد، فتحدث بثقة نالت استحسان أمجد بجدارة:
خطوتي الجاية إني هقدم بلاغ للنائب العام أتهم فيه كل من له يد وثبت تأمره على تشويه سمعة موكلي عن عمد، وهنطالب بمحاكمتهم أمام المجتمع ليكونوا عبرة لمن تسول لهم أنفسهم بتشويه سمعة الناس بالباطل، وبعدها هنطالب بتعويضات مالية ضخمة تعويضاً عن ما سببته القضية من أضرار نفسية واجتماعية وقعت على موكلي.
قامت إحدى المذيعات بسؤال قاسم قائلة:
إحنا عرفنا إن فيه محامية من مكتبك ساعدتك في القضية دي، وسمعنا كمان إنها مش أول قضية تشتغلوا عليها مع بعض.
وأكملت:
نقدر نفهم من كده إن حضرتك بتؤمن بنجاح المرأة وبعقلها الواعي واستحقاق إعطائها الفرص الكاملة لإثبات ذاتها داخل سوق العمل؟
نظر إلى إيناس وابتسم بخفوت وأشار لها وتحدث:
أكيد طبعاً بأمن بدور المرأة الفعال في نجاح أي عمل بتشترك فيه.
ابتسمت إيناس ورفعت رأسها بشموخ. أعادت المذيعة توجيه السؤال مرة أخرى إلى قاسم قائلة:
يا ترى هنشوفكم مع بعض مرة تانية في قضايا تشغل الرأي العام وتكون حديثة زي قضية رجل الأعمال أمجد التهامي؟
ابتسم بخفة وشد جسده للأعلى بصلابة وتحدث بما جعل إيناس توشك على إصابتها بسكتة دماغية من شدة فورانها:
للأسف الشديد، ده كان آخر تعامل بيني وبين الأستاذة إيناس، بس فيه مفاجأة حلوة تخصها مستنياها بكرة، وهو افتتاح مكتبها الجديد هي والأستاذ عدنان أخوها، وده هيكون جزء بسيط كتقدير مني وتعبيراً عن تعبهم معايا طول السنين اللي فاتت في المكتب بتاعي.
وأكمل مفسراً أمام الكاميرات:
ما حبتش أكون أناني وأفضل محتكر موهبتهم الفذة، وحابس ذكائهم جوه اسم مكتب قاسم النعماني.
نظر لتلك المذهولة التي تنظر إليه بعيون متسعة بشدة إثر هبوط ذلك الخبر على عقلها كصاعقة كهربائية كادت أن تودي بحياتها، وهي تتنفس بصدر يعلو ويهبط من شدة اشتعاله.
وتحدث هو ببرود وابتسامة سمجة:
مبروك المكتب الجديد يا أستاذة.
فـ.ـجـ.ـرَ قـ.ـنـ.ـبلـ.ـة وارتدى نظارته الشمسية وانسحب بلباقة قاصداً الخارج تحت قهقهة أمجد التي لم يستطع كظمها بعد إعجابه الشديد بذلك الذي فعل ما برأسه، ضارباً بكل شيء عرض الحائط، رغم تخطيط إيناس بـ جعله مكبلاً بقيدها.
صاحت باسمه بعد أن استوعبت صدمتها، وانسحبت بابتسامة مزيفة أجادت صنعها بصعوبة بالغة حفظاً لماء وجهها، هرولت خلفه بخطوات واسعة لتلتحق به وتجاوره الحركة، وهتفت متسائلة بنبرة غاضبة:
الكلام الفارغ اللي قولته للمذيعة جوه ده حقيقي؟
أجابها ببرود وهي يتحرك للأمام بخطوات واثقة:
من امتى وأنا بهزر في شغلي أو في حياتي عموماً علشان أقول خبر مهم زي ده من غير ما يكون فعلاً حقيقي!
وأكمل معللاً:
المفروض إنك حافظة شخصيتي بحكم السنين الكتيرة اللي قضيناها مع بعض في الشغل يا أستاذة.
أجابته بجنون:
مش من حقك تمشيني بالشكل المهين ده بعد كل اللي عملته علشانك، وعشان المكتب يوصل لمكانه اللي أصبح عليه بفضل مجهودي.
توقف عن الحركة ونظر إليها ثم أجابها بمراوغة وبرود أشعل روحها:
وهو أنا لاسمح الله كنت طردتك من المكتب! ده أنا كافأتك على تعب السنين ومجهودك زي ما بتقولي.
ونظر لها وابتسم ساخراً وأردف قائلاً بما جعلها تشتعل:
هي دي كلمة شكراً على المفاجأة اللي ليا أكتر من أسبوعين بجهز لك فيها؟
نظرت له وتحدثت بلغة التهديد وثقة زائدة عن الحد:
مش هتقدر تنفيني من المكتب بالطريقة المهينة دي يا قاسم، أمجد التهامي اللي أنا تعبت لحد ما وصلته وأديتك الخيط اللي إنت مشيت عليه علشان تكسب القضية اللي خلت المذيعين والصحف.
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم روز امين
أنتِ كُل البُعد عن سّكناتي
وبرُغم هذا مازلتِ الأقرب لحبل الوريدِ
بل ولكُل ذرةً بكياني
أضناني الهوا وأرهقني صغيرتي
وخارت برحيلكِ المُفجع قوتي
داخل مدينة القاهرة
وتحديداً داخل مسكن رفعت عبدالدايم
كانت تدور حول حالها كالمجذوبة بقلبٍ مُشتعل
وعينان تُطلق شزراً من شدة غيظها
تقص علي مسامع والديها وشقيقها ما دارَ بينها وبين قاسم من حديثٍ
هُ الذي سخر منها ووجه لها بهِ صفعةً قوية
جعلتها تشعُر بكَمْ الحماقة التي تعاملت به مع ذاك الداهي
صاحت كوثر بنبرة صوت غاضبة:
_ لو كان فاكر إنه بالساهل كده يقدر يخلص منك إنتِ وأخوكِ ويرميكُم بره المكتب يبقي غبي ومايعرفش مين هي كوثر
وأكملت بملامح وجه مقتضب ينمُ عن مديّ غضبها العارم:
_ ده أنا هروح له مكتبه بكرة وهفرج عليه أمة لا إله إلا الله علشان يعرف هو بيلعب مع مين
أما عدنان فكان يدور حول حالهُ هو الآخر
مُمسكً بهاتفهِ الجوال يحاول الوصول إلي قاسم
حيث أنهُ إتصل عليه عدة مرات ولكن دون فائدة
فبكل مرة ينتهي وقت الإتصال دون إجابة من طرف قاسم
تحدث وهو يسب ويلعن قاسم وينعتهُ بأبشع الألفاظ:
_ مش راضي يرُد عليا إبن النُعماني
أجابتهُ إيناس بملامح وجه مُقتضبة غاضبة:
_ ريح نفسك يا عدنان، قاسم مش هيرد عليك
قاسم شكله كان مقرر إنه يستغني عننا من مُدة كبيرة
ولما جاله الوقت المُناسب ما إترددش لحظة واحدة ونفذ خطته الدنيئة
وأكملت بفحيح كالأفعي الغاضبة:
_ أنا كُل اللي قاهرني ومخلي النار مولعة في قلبي
هو إن في الوقت اللي كُنت بـ أسعي فيه بكل قوتي علشان أحاول ألاقي ثغرات في قضية أمجد التُهامي وأجيبها له علشان تكون البداية لرجوعنا لبعض زي الأول
وأكملت بعيون تطلقُ شزراً:
_ كان هو بيخطت ويدبر إزاي يخرجنا ويرمينا بره المكتب
واسترسلت بنبرة تهديدية:
_ بس علي مين، أنا بكره هروح لـ أمجد التُهامي مكتبه
وزي ما خليته يبعت له ملف قضية الرشوة
أنا بردوا اللي هخلية يسحب كل قضاياه من مكتبه ويلغي التوكيل اللي عملهُ له لو فضل علي عِناده وصمم علي فصلي أنا وعدنان عن مكتبه
وأكملت وهي تدور حول حالها كالتي آُصيبت بالجنون:
_ ما هو مش بعد ما عرضَت نفسي للخطر وروحت لناس مشبوهه وخارجة علي القانون
ودفعت لهم نص اللي حيلتي علشان يجيبوا لي معلومات من مكتب محروس عبدالمجيد المنافس اللي كانت الشكوك كُلها بتحوم عليه وبتقول إن هو اللي لفق التهمة لـ أمجد
يبقا جزاتي إني أتطرد طردت الكلا.. ب من إبن النُعماني.
هتفت كوثر قائلة بإنفعال شديد:
_ يا خيبتك التقيلة اللي ماوردتش علي حد
خطتي ودفعي نص الفلوس اللي بقا لك سنين بتلمي فيهم بالمليم
وجيبتي له القضية زي البيضة المقشرة اللي جاهزة علي الأكل
وهو خدها علي الجاهز وأترافع وجاب البراءة من أول جلسة
وأصبح حديث الصحافة والإعلام والكُل بيتكلم عن المُحامي اللي مافيش منه إتنين
وأمجد عمل له توكيل بكل قضايا مجموعة شركاته
ومش كده وبس
ده بُكره مكتبه هيبقا من أشهر مكاتب المحاماة وقضايا الناس الكبار هتملي مكتبه
وأكملت بحقدٍ دفين:
_والندل قليل الأصل بدل ما يشيلك في عنيه ويشيل جميلك فوق راسه
رايح يرميكِ إنتِ واخوكِ في حِتة مكتب كحيان في العُمرانية
لا وقال إيه عاملك حفلة إفتتاح فيه بكره وعازم لك كل عمال المكتب
وطبعاً هو مش هييجيك
كانت كلماتها تخرج بحقدٍ ما زادَ إيناس إلا كُرهً وبغضً علي قاسم
وعدنان الذي كان يشتعل داخلياً حزنً علي سنوات عُمرهِ التي أفناها في خدمة هذا المكتب
حيثُ أنهُ لم يتوَاريَّ ولو لحظة عن بذل أقصي ما لدية من جُهد كي يجعل إسم المكتب يرتفع عالياً
ولكنهُ لم يفعل كُل ما أنجزهُ هباءً
ولم يكُن ليفعله من الأساس لولا وعد قاسم لكلاهُما بأن هذا المكتب لثلاثتهم وأرباحهِ التي كانت تتوزع بينهم بعدل الله علي قدر سّعي كُل شخصً منهم وإجتهاده
أردف عدنان قائلاً بنبرة ساخطة تُظهر كّم الغضب الذي أصابهُ جراء ما قام به قاسم من فعلةً مُشينة:
_قاسم بالحركة دي أثبت إنه ملوش أمان والغدر بيمشي في دمه
باع العشرة والعيش والملح اللي كان بينا في لحظة
دَويَّ صوت ذلك الجالس يستمع لهم بترقُب شديد وصمتٍ رهيب
وكأنهُ يُشاهد عرضً لمسرحية هزلية ولكن بدون جمهور سواه:
_ قاسم بيطبق الدرس اللي إتعلمه منكم يا عدنان
بس هو غير قواعد اللعبه
وبدل ما كان هيعمل كده في بنت عمه علي حسب إتفاقكم القديم
طبق الدرس عليكم إنتم
حولت كوثر بصرها ورمقة ذاك الضعيف بنظرة حارقة وتحدثت بشراسة:
_ رفعت، الحكاية مش نقصاك ولا ناقصة فلسفتك الفارغة دي
وأكملت بنبرة صارمة:
_ هو فاكر نفسه عمل عملته وفلت مننا
وأمسكت خصلة من خصلات شعرها وتحدثت بفظاظة:
_ بس وحياة ده ولا يكون علي واحدة ست
وماأبقاش أنا كوثر إن ما خليتك تندم علي كل ده يا قاسم يا نُعماني
وأكملت بنبرة حادة:
_ أنا بكره هروح له المكتب وهشرشحه قدام الموظفين والموكلين بتوعه
وأعرفه إن لحمنا مُرّ وإن مش كُل الطير اللي يتاكل لحمهُ
صاح رفعت من جديد بإعتراض ونبرة ساخطة:
_ يا عالم خلوا عندكم كرامة شوية
عيب إختشوا
الراجل كتر خيره سايب بنتك علي ذمته لحد الوقت برغم إن أهله عرفوا بجوازه منها
وإنتِ بنفسك قولتِ إن والدته كلمتك وقالت لك إن عمه خد بنته ورجعها بيته لما قاسم مرضيش يطلق بنتك
، يعني الراجل بيته إتخرب ومع ذلك لسه متمسك بكلمته اللي إداها له
وأكمل بصياحٍ غاضب:
_ وبدل ما تشكروه
قاعدين تخطتوا إزاي تجبروة يرجع عيالك تاني للمكتب
إختشي وإتلمي يا كوثر بدل ما الراجل يتنرفز ويطلق بنتك اللي لسه مكملتش شهر جواز ونتفضح قدام الخلق.
أردفت كوثر قائلة بشراسة:
_ هو أنتَ يا راجل عاوز تنقطني
لسه بتدافع عنه وتدي له العُذر بعد ما رمي ولادك الإتنين ونفاهم في حتة مكتب في منطقة شعبية
وخرجهم من المولد بلا حُمص
تقدر تقولي مين هيرضي يوكلهم في قضايا وهما مرميين في حتة مكتب زي ده ؟
وأكملت بنبرة صوت تهكُمية ساخرة:
_ وبالنسبة يا أخويا لكلام العقربه أمه اللي إنتَ متأثر بيه أوي كده
هي ماقالتهوش علشان صعبان عليها بيت إبنها اللي إتخرب زي ما إنتَ فاكر
لا يا حبيبي
دي بتقوله علشان تعرفنا إن قاسم مبقاش قدامه غير إيناس
بتديها الإشارة إنها تتحرك وتقربه منها من جديد
والمرة دي مش هيقاوم
جحظت عيناي رفعت من هول ما أستمع من حديث زوجته والذي لا يُصف إلا بالرُخص والإنحطاط
لكنهُ وكالعادة أخذ الصَمت من صفهِ وجلس بتخاذُل وضعف من جديد
حين أشارت هي لنجلاها وهتفت:
_ قومي إنتِ وهو غيروا هدومكم دي علي ما أحضر لكم العشا
وباتي معانا إنهاردة والصباح رباح
تحدثت إيناس بإعتراض وتوجس وهي تحمل حقيبة يدها الموضوعة فوق المنضدة وتتأهل للرحيل:
_ مش هينفع يا ماما
أنا مش لازم أسيب شقتي اليومين دول لأروح ألاقيه مغير الكالون ورامي لي هدومي عند البواب
بين كوثر عيناها بتفكر
في حين هتف عدنان مؤكداً علي حديث إيناس المتوجس:
_ إيناس معاها حق يا ماما
قاسم بقا عامل زي المجنون من بعد ما عمه أخد مراته منه
ومحدش عارف الضربة الجاية منه هتكون فين
أردفت إيناس مُتعجبة بملامح وجه مُكفهرة عابسة:
_ أومال لو كانت حلوة كان عمل إيه؟
ضحكت كوثر ساخرة وأردفت بتهكُم:
_ فلوس أبوها محلياها في عينه يا حبيبتي
الفلوس المتلتله تخليه يشوفها من قردة لـ ملكة
كان يستمع إليهم ويسخر في قرار نفسهِ علي كِلتا الموهومتان اللتان مازالتا تتشبثتان بحديثهِ الذي أوهم بهِ إيناس حينها
كي لا يُحزنها ويُدخل الغيرة داخل صدرها ويُشعلهُ علي خطيبها
وأقسم بين حالهِ أنهما إذا رأي وجه تلك الجميلة التي أشعلت قلبه وإقتحمت خيالهُ ولم تفارقهُ مُنذُ أن رأها وذاب داخل فيروزتيها
ستصاب كلتاهُما فور رؤياها بذبحة صدرية لا محال
في اليوم التالي
ذهبت كوثر بصُحبة إيناس وعدنان كي تري بعيناها هذا الإفتتاح الذي تم التحضير إليه من قِبل السكرتيرة الخاصة بمكتب إيناس
والذي حذرها قاسم من إخبار أياً من إيناس أو عدنان بالأمر كي يصدمهُما بواقع الآمر
بعدما أراد أن يرد لهما بعضً من الصدمات والخيبات التي تلقاها علي مدار سنوات معرفتهُ بكلاهما ويُذيقهما مرارتها
صدمة أصابت ثلاثتهم من تدني مظهر المكتب الذي يفتقر الكثير والكثير من الأدوات التي تجذب نظر الموكل إلي المحامي
فقد كانت البناية المتواجد بها المكتب مُتهالكة
حتي المكتب لم يكُن بالمظهر الجذاب للبصر
حيثُ كان عبارة عن غُرفتان بهما مكتبان متواضعان وصالة إستقبال صغيرة موضوع بها مكتب للسكرتارية
حضر بعضً من عُمال وموظفي مكتب قاسم الذين أتوا رُغمً عنهم
ويرجع ذلك لبغضهم الشديد لتلك المُتعالية التي كانت تتعامل مع الجميع بتعالي
وعلي أساس أنها خطيبة والأن زوجة مالك المكتب والعمل
نظرت كوثر علي تلك المنضدة المُستطيلة الموضوعة جانبً ومرصوص عليها أردئ أنواع الحلوي وبجانبها بعضً القنانات من المياه الغازية
تحدثت بنبرة غاضبة إلي إيناس:
_ اللي بيحصل ده إهانة لينا
وأنا لا يُمكن أعديها أبداً
ده جايب لك جاتوة من أرخص نوع في السوق
ده قاصد يستقل بيكِ و يعملك مسخرة قدام زمايلك إنتِ وأخوكِ
صاحت إيناس بغضبٍ من بين أسنانها:
_ ماشي يا قاسم
ما أبقاش أنا إيناس عبدالدايم إن ما خليتك تندم علي كل اللي عملته ده وترجع تترجاني علشان أقدر أسامحك تاني
تحدثت والدتها بثقة زائدة لا تدري من أين لها إكتسابها:
_ لازم يا إيناس تعلمية الأدب
وكويس إنك عامله إحتياطاتك وواخدة حذرك
من بكرة تروحي لـ أمجد وتخليه يسحب كل قضاياه من عنده ويلغي له التوكيل اللي عملهُ له
وزي ما كُنتِ السبب في نجاحه
لازم تكوني السبب في خراب مكتبه
نظرت إيناس بغضب إلي زُملائها بالعمل وهم يتلامزون فيما بينهم ويتبادلون الضحكات الساخرة
وهم ينظرون إلي البوفية الذي يدعوا إلي السُخرية
ولم يقترب أحداً من الزائرين منه بسبب رداءت مُكوناته
أسرعت إيناس إلي السكرتيرة الخاصة بها وهمست بجانب آذنها بنبرة غاضبة ومُهينة كعادة تعامُلها معها:
_ إية الجاتوة اللي إنتِ جيباه ده يا متخلفة إنتِ
ماعرفتيش تستنضفي وتجيبي حاجة عدلة عن كده
وأكملت بإهانة:
_ولا ده أخرك في النظافة والمستوي
أجابتها الموضفة بضيق بعدما فاضّ بها من معاملة تلك المُتعالية المغرورة سيئة الطِباع:
_ والله ده اللي موجود علي قد الفلوس يا أستاذة
أنا عملت كُل حاجة زي ما قالي دكتور قاسم بالظبط
وأكملت السكرتيرة بنبرة حادة:
_ بالمناسبة يا أستاذة
أنا حطيت لك إستقالتي علي مكتبك جوة
ياريت دي تبقا أول ورقة تمضيها في مكتبك الجديد
لاني من بكرة هتعين مع أستاذة أمنيه حسب تعليمات قاسم بيه
وأكملت مُفسرة بنبرة ساخرة منها:
_ كتر خيره
مرضيش يستغني عني ويخرجني من المكتب زي ما عمل معاكِ
لأنه كان عارف إني مش طايقه الشغل مع حضرتك ومستحملاه بالعافية
وتحدثت بنظرة كاشرة وهي تتحرك إلي الخارج:
_ مبروك المكتب الجديد وتتهني بيه يا أستاذة
إستشاط داخل إيناس وزاد سخطها وحقدها أكثر علي قاسم
لكنها ضلت متماسكة وتنظر لنُظرائها بتعالي وأبتسامات مُصطنعة بإعجوبة باتت تُفرقها علي الجميع كي لا تدع لهم الفرصة ليشمتوا بها
وعند الغروب
تحركت إلي مكتب أمجد التُهامي لتشتكي لهُ غدر قاسم لها
وكلها أمل وثقة أن أمجد سيقف بجانبها
لفتت السكرتيرة وتحدثت إلي أمجد قائلة:
_المحامية اللي إسمها إيناس عبدالدايم برة يا أفندم ومُصرة تقابل حضرتك
برغم إني قُلت لها إن جدول حضرتك مزدحم جداً
أشار لها بيده وتحدث من بين أوراقه دون النظر إليها:
_ مشيها وبلغي الأمن ما يدخلوهاش من باب الشركة تاني
وإلا هيتعاقبوا كُلهم
خرجت السكرتيرة وتحدثت إليها بنبرة حادة:
_ أمجد بيه مش فاضي يقابل حد
أردفت قائلة بترجي:
_ طب من فضلك
يا ريت تبلغيه إني عوزاه في موضوع مهم جداً ويخصه
زفرت السكرتيرة بضيق وتحدثت إليها بنبرة صريحة:
_ هو حضرتك مش عاوزة تفهمي ليه
أمجد بيه مش عاوز يقابلك
ونصيحة أخويه مني
لو عاوزة تحافظي علي كرامتك ياريت ماتجيش هنا تاني
لأنه بلغ الأمن يمنعك من الدخول لو جيتي مرة تانية
إستشاط داخلها وعلمت أنها خسرت جولتها أمام قاسم
ولابد لها من أخذ هُدنة كي تُعيد ترتب أفكارها من جديد
وتستعيد صفائها الذهني لتري ما عليها فعلهُ مع ذلك القاسم الذي وجه لها صفعة مدوية ستتذكرها علي مديّ سنوات عمرها القادمة
كانت تقبع داخل غُرفتها التي خصصها لها زيدان كي لا تصعد الدرج ويتأذي جنينها
ولحين تحسُن صحتها التي أصبحت في التدني بفضل ما حدث لها من أهوال لم تقوي علي تخطيها إلي الآن
أصبحت تلك الغُرفة كـ سِجنها التي تتواري خلفهُ عن العيون الشامته واللائمة وحتي المُشفقة
فقد أصبحت كل أمانيها هو إعتزال الجميع والإختلاء بحالها وفقط
حتي أبويها لم تعُد تُريد الجلوس بصحبتهما ورؤية حزنهما والتألم التي باتت تستشفهُ من داخل أعينهُم وهم ينظرون عليها
إستمعت إلي طرقات فوق بابها
دلف والدها مُطلاً برأسهِ من فتحة الباب بإبتسامته الخلابة التي جاهد لإخراجها
تحرك للداخل وهو يتمسك بصنية يحملها بساعديه
وضعها أمامها وباتت هي تتطلع إلي أصناف الطعام المُتعددة المرصوصة عليها بعناية
جلس مجاوراً إياها وتحدث بنبرة حنون:
_ عِملت لك الكبدة بالبصل اللي عتحبيها من يدي وچيت لجل ما أفتح نفسك وأكُل وياكِ
تنهدت وتحدثت بنبرة ضعيفة:
_ مجدراش أكُل يا أبوي
كُل إنتَ بالهنا علي جَلبك
تحدث إليها بصدقٍ وقلبٍ حنون:
_اللُجمة معتتبلعش من غيرك يا جلب أبوك
نظرت إليه بألم فحمل الصنية ووضعها جانبً
وسحبها لداخل أحضانه وبات يتحسس ظهرها بحنان
وأردف مُشجعً إياها كي يحثها علي البُكاء التي إحتجزته مُنذ ذاك اليوم وإلي الآن:
_ إبكي يا صفا
إبكي يا بِتي وخرچي كل اللي كاتم علي صدرك وتاعبك
ولو عاوزة تصرخي كُمان صرخي يا بِتي
وكأنهُ بتلك الكلمات البسيطة قد أعطي لها الإشارة
لم تدري بحالها إلا وهي تجهش بالبكاء الشديد
كانت تبكي وصوت شهقاتها تعلو وتجعل جسدها ينتفض من شدتها
بقلبٍ يتألم كان يحتضنها ويُشدد من ضمته إليها
وكلما زادت وعلت شهقاتها يُطالبها بنزول المزيد
ويمسح علي شعر رأسها بحنان يخبرها به أنهُ معها وبجانبها
وبعد وقتٍ غير معلوم
إستكانت بين أحضان أبيها
شعرت براحهة غزت صدرها بعدما أخرجت منه كل ما كان يضيق به علي هيأة دموع تساقطت بشدة كـ شلالات
عند غروب أشعة الشمس الذهبية
داخل الحديقة الخاصه بسرايا النُعماني
كان يقف بأرض الفيراندا مُنتصب الظهر بطولهِ الفارع
مُرتديً جلبابهُ الصِعيدي ومُصففً خُصلات شعر رأسهُ الفحمية بعناية شديدة
لقد كان حقاً جذابً وللغاية كعادته مؤخراً
حيثُ أصبح يهتم بأناقته ومظهره فقط لأجلها
بعدما كان قد زهد الحياة وشعر بحالهِ كالأموات طيلة العامان المُنصرمان
وبالتحديد عندما قرر جدهُ عقد قرانه علي ليلي التي كانت بالنسبة له بمثابة شهادة خروج روحهُ من جسده ودفنها تحت رُكام تلك البالية الروح والمعدومة الحدس والإحساس المُسماه بليلي
كان ينظر حولهُ مُستطلعً للمكان
إتسعت عيناه وأنتفض قلبهُ حينما أصابته هزة قوية من أثر رؤياه لطلتها البهية وهي تدلف من البوابة الحديدية الضخمة بمظهرها الحَسن وأناقتها المعهودة
إنشرح صدرهُ جراء رؤية تلك التي باتت في الأونة الأخيرة تُشرح قلبهُ وتُدخل عليه الكثير من السعادة والسرور
لم يدري بحاله إلا وساقيه تخطو سريعً نحوها وكأنهُ مُنساقً بلا وعيٍ
تحدث بطريقة دُعابية كعادتهِ مؤخراً في حضرتِها:
_ شكلك إكده خدتي حكاية مرض صفا حچة علشان ما كُل شويه تنطي لنا إهني لچل ماتملي عينك من شوفتي يا دكتورة
قهقهت بطريقة إستحوذت بها علي جذب إنتباههِ وانتفاضة قلبه
وهزت رأسها ساخره وأجابته:
_ نفسي أفهم إيه سر الغرور وطريقة العنجهه اللي بتتكلم بيها دايماً دي
عدل من جلبابه بطريقة بها تفاخُر مُصطنع وتحدث بدُعابة:
_ ده مش غرور يا استاذة
دي ثجة بالنفس يصعب فهمها علي أمثالك
قهقهت من جديد وتحدثت بدُعابة مماثلة وهي تنسحب من أمامهُ:
_انا هدخل عند صفا بدل ما أرتكب فيك جريمة حالاً
وتحركت بالفعل نحو منزل زيدان
تنفّس براحة وهو يتابع إنسحابها وقلبهُ يُحدثهُ بإعتراض علي ثباتهُ
ويحثهُ علي التحرك السريع خلفها كي يتشبع داخلهُ برؤياها البهية التي باتت تُدخل السرور والإستكانه لداخله
ولكي يتأنس بقُربِها المهلك لقلبهِ الذي بات عاشقً لتلك الراقية ذات النفس المُتصالحة علي حالِها
بالفعل كاد أن يستمع لنداء قلبه ويتحرك خلفها إلي منزل زيدان
وبأخر لحظة توقف وأستمع لنداء العقل الذي امرهُ بالتعقُل والثبات
إبتسم وحدث حالهُ بهمسٍ مسموع:
_ ماتعجل أومال يا ولِد النُعماني
عتخيب علي آخر الزمان وتجلب لمُراهج إياك
إستمع إلي صوت فارس الذي تحرك من جانبه وتحدث بنبرة صارمة ووجهٍ ذو ملامح كاشرة:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ألقي سلامهُ وتحرك وأكمل بطريقهُ إلي الخارج
إستوقفهُ يزن وهو يُمسكهُ من ذراعه ليحثهُ علي التوقف الجبري
وأردف متسائلاً بنبرة حزينة:
_ لحد ميتا عتفضل مجموص مني إكده يا فارس؟
وأكمل بنبرة صوت مُتأثرة وصادقة:
_مجدرش أني علي معاملتك دي يا أخوي
زفر فارس وتحدث مُتلاشئً النظر داخل عيناه كي لا يضعف ويتأثر بحديثهُ الصادق:
_ وعايزني أعاملك كيف بعد في اللي عِملته مع أخوي
وأكمل معاتبً بعيناي حزينة:
_ أني لو أخوك صُح كيف ما بتجول
كُنت عِملت لي حساب وركنت خلافك الجديم ويا قاسم علي چنب
وكنت سيبت له مّرته تركب وياه عربيته لجل ما يهديها ويشرح لها اللي حُصل صُح
وأسترسل بإتهام:
_لكن إنتَ إستغليت الموجف لجل ما تطلع قاسم عِفش كِدام العيلة يا باشمهندس
جحظت عيناي يزن وهتف بنبرة تحمل كّم الخزلان الذي شعر به من خلال حديث إبن عمه الذي يعتبرهُ بمثابة شقيقهُ الفعلي:
_ صُح شايفني بعنيك إكده يا فارس
لو الناس كلياتها شكت فيا وظلمتني هجول ميعرفونيش
لكن إنتَ تظلمني ليه يا أخوي ؟
وأكمل بنبره جادة:
_ الله الوكيل ما عملت اللي عِملته دي غير من خوفي علي صفا من الحاله اللي كانت فيها
أني لو سبت صفا لقاسم مش بعيد كانت رمت حالها من العربية وهي ماشية
ولا كانت عِملت حاچة وجلبت العربيه بيهم هما الإتنين لاجدر الله
وأكمل بإثبات حديثه:
_ واظن إنتَ شُفت بعينك صفا لما وصلت لهنيه كانت حالتها كيف
دي متحملتش الكلام ووجعت من طولها في وسطيهم
وأكمل بصدق وإخلاص:
_ولعلمك يا فارس
لو أي واحده من العيلة كانت مكان صفا كُنت هعمل معاها نفس اللي عِملته مع صفا بالظبط
وأكمل بنبرة متأثرة:
_ أني مش ظالم ولا حجود كيف ما وصفتني يا فارس
أني حركتني إخوتي لصفا وأحترامي لعمي زيدان
ولو الموجف إتكرر تاني هعيد اللي عِملته تاني لاني شايف إني بعدت النار عن البنزين وجتها
وأكمل بنبرة تخازلية:
_وألف شكر يا أخوي علي ثجتك الكَبيرة فيا
ودار وجههُ لتحرك بإتجاه المنزل
أوقفته يد فارس الذي لفهُ إليه وتحدث وهو ينظر له بأسي وأسف:
_ حجك عليا يا يزن
أني جولت اللي جولته دي من جهرتي وحرجة جَلبي علي أخوي واللي نابه.
تنفس يزن وتحدث بنبرة صادقة:
_ معارفش عتصدجني ولا لا يا فارس
بس الله وكيلي جلبي واچعني علي اللي وصل ليه قاسم يمكن أكتر من صفا كُمان
وأكمل مُفسراً حديثهُ:
_ طول عمري وأني بشوف قاسم أخويا اللكبير العاجل اللي عحبه وعحترمه
وعشان إكده صدمتي فيه كانت شديدة من اللي عِمله مع عمه زيدان وصفا
يعز عليا إني أشوفه في موجف المتهم وواقف خلف الجضبان وبيتحاكم بتهمة الخيانة وكسر العهد
واعرة جوي علي الراچل منينا يا فارس
وأكمل بنبرة حادة:
_ بس إنتَ عارفني زين يا فارس
طول عُمري وأني أكتر حاچة أكرهها في حياتي هي الكذب والغدر
وملهمش عِندي مُبرر
عشان إكده عتلاجيني حاد وصارم مع اللي عِمله قاسم ومجادرش أتجبلها منيه
تنهد فارس بألم لعلمهِ صحة حديث يزن
ثم إحتضنهُ وتحدث بقلبٍ صافي:
_ متزعلش مني يا يزن
أني مُخي واجف ومطايجش حالي من اللي حصل مع قاسم ومدريانش اني بجول ولا بعمل إيه
ده غير مريم اللي زعلانه مني عشان صفا
وأكمل بإعتذار:
_ حجك عليا يا أخوي
تقبل يزن حديثهُ وسألهُ:
_ أومال إنتَ لابس ومتشيك ورايح علي فين إكده ؟
واكمل مازحً بدُعابة كي يُخرجهُ من تلك الحالة المحزنة:
_ إوعاك تكون رايح تِعمل مع مريم أختي كيف عَملة أخوك اللمجندله مع صفا
الله الوكيل أعلجك من رجليك علي البوابة الحديد وأخليك فرچة للي رايح واللي چاي
قهقه فارس وتحدث:
_ الله يحظك يا يزن كيف ما ضحكتني وأني مهموم
وأكمل بنبرة جادة:
_ چدك باعتني للحاچ كرم لچل ما يتصل بشريكه وياچوا يتفرچوا علي محصول الذرة
اومأ له يزن بتفهم وتحرك فارس للخارج
وعاد يزن ليجلس داخل الفيراندا ينتظر بقلبٍ مُتلهفً خروج قمره الذي أنار لهُ عتمة ليله الكالح
في اليوم التال
داخل مسكن ماجده زوجة قدري وعشيقتهِ السريه التي يأتي إليها بين الحين والآخر ليأخذ قِسطً من الراحة وأستكانة روحه وإنعاشها
كانت تجلس وتجاورها صديقتها أحلام التي تحدثت مُستفسرة بإلحاح:
_ بردوا مش عايزة تقولي لي علي اللي ناويه تعمليه مع قدري النُعماني؟
ضحكت ماجدة بخلاعة كعادتها وأردفت قائلة بتخابث:
_ ده سّر بيني وبين نفسي
وأهو زي ما بيقولوا في المثل
داري علي شمعتك تقيد
وأكملت:
_إدعي لي بس إن اللي بخطط له يتظبط وينفع
وأنا أهيصك
قوست أحلام فمها وهتفت ساخرة:
_ مبخدش منك غير كلام يا ماجده
من وقت ما أتجوزتي المخفي اللي إسمه قدري وأنا ماشوفتش منك مليم أحمر
برغم إنك كُنتِ وعداني لو الحال إتعدل معاكِ هتشوفيني ومش هتنسيني
رمقتها ماجدة بنظرة حادة وهتفت بإستنكار:
_ تصدقي إنك عاملة زي القطط بتاكلي وتنكري
ده أنا من وقت ما اتجوزته من ييجي أربع سنين وأنا مشهيصاكي خروجات وعزومات وعمري ما خليتك تدفعي جنية واحد في خروجة
لوت صديقتها فاهها وهتفت بنبرة مُلامة:
_يا فرحة قلبي
خروجات وعزومات
هو ده أخرك في الشهيصه يا ماجدة ؟
وأكملت بنبرة منكسرة وهي تتصنع الحُزن:
_ده أنا ليا سنه بتحايل عليكِ تديني الخاتم الذهب أبو فص أزرق
اللي كان جابهولك هدية جواز بنته وإنتِ مش هاين عليكِ
اجابتها ماجدة بتهكم:
_ اديكي قولتيها بنفسك
هدية منه
ومن أمتي بقا الهدايا بتتهادي يا ست أحلام.
ثم أكملت بعيون طامعة وهي تنظر بشرود:
_ بس وحياتك عندي يا أحلام
لو اللي في بالي حصل لاكون عطيالك الخاتم وفوقه كمان خمس ألاف جنيه حلاوة الموضوع
إلتمعت أعيُن أحلام بنظرة طامعة وتحدثت:
_ أما أشوف يا ماجدة
خليني وراكِ لحد باب الدار
وبدأت برفع كأس العصير وبدأت بإرتشافه
إستمعتا كلاهما لقرع جرس الباب
فقامت ماجدة تتحرك بغنچ
إرتبكت ولطمت خديها عِندما نظرت من فتحة العين السحرية ووجدت امامها ذلك القدري
وذلك لعلمها كرههُ لصديقتها تلك
اسرعت لصديقتها وجعلتها تجلس بإحتشام وترتدي ثوبها العلوي وحجابها
وهي ايضاً إرتدت حجابها وتحركت إليه من جديد وفتحت الباب
هاجمها كعادته وتحدث بنبرة ساخطة:
_ساعة لطعاني علي الباب لجل ما تفتح
تحدثت بإرتباك واضح عليها:
_ مش كنت بلبس الطرحة وبستر جسمي يا أخويا
مش إنتَ اللي دايماً تزعق لي وتقولي متفتحيش غير وإنت ساترة جسمك وشعرك ؟
أجابها بإستحسان وهو يضُم جسدها إليه بإشتياق:
_ براوه عليكِ يا ماچدة
فك وثاقها سريعً حين إستمع لصوت تلك التي تخرج عليهم وتتحدث بإستئذان وخجل مُصطنع:
_ حمدالله على السلامة يا قدري بيه
بالإذن أنا
رمقها قدري بنظرة حادة وتحدث بضيق:
_مع السلامة.
خرجت وأمسك هو ذراع ماجدة وأحكم السيطرة عليه بطريقة ألمتها وتحدث بفحيحٍ غاضب:
_ إيه اللي چاب الوليه الناجصه دي إهنيه
أني يا مّرة مش جايل لك جبل إكده تجطعي علاجتك بيها و متدخليهاش البيت تاني.
تألمت من قبضة يده القوية وتحدثت بتلبك:
_ صدقني يا أخويا قطعت علاقتي بيها من زمان
بس لقيتها طابه عليا إنهاردة من غير إحم ولا دستور
قال إيه كانت مزنوقة في قرشين وكانت متأمله تاخدهم مني
وأكملت بكذب:
_ بس أنا وحياتك زعقت لها
وقولت لها مكنش ينعز يا الدلعدي
وقولت لها كمان إنك منبه عليا مشوفهاش
وكنت لسه هطردها لولا أنتَ سبقتني وجيت
وغلاوتك عندي زي ما بقول لك كده يا سي قدري.
زفر بضيق وفك قبضته وتحدث بنبرة أقل حدة مما كان عليه:
_ المّرة السو دي معايزش أشوفها إهنيه تاني
دي مّرة سمعتها مجندلة والمركز كِلاته عارف إكده
مخيفاش علي سُمعتك إياك؟
وأكمل بنبرة تهديدية:
_ودي آخر تنبيه ليكِ يا ماچدة
بعدها متلوميش غير حالك من اللي عيچري لك مني
مفهوم يا ماچدة
تحركت إليه بغنچ وتحسست صدرهُ بدلال وتحدثت بطاعة اثارته:
_ حاضر يا سيد الناس
كل اللي قولت عليه هنفذه بالحرف الواحد
بس إنتَ إهدي كده وروق دمك وكل أوامرك مطاعة
تحمحم وتحدث إليها بنظرات راغبة:
_ عاوزة تاكلي إيه لچل ما أتصل بالمحل يچهزه لنا علي ما ندخلوا نريحوا چوه شوي
أطلقت ضحكتها الخليعة التي تستطيع بها ذوبان قلب ذلك الأبله
تحركت وسحبته من يده منساقً خلفها كالمعتوه بدون عقل
عندما حل المساء
كان يدلف بسيارتة من داخل البوابة الحديدية
وتحرك بها لداخل الجراچ المُخصص لإصطفاف السيارات الخاصة بأفراد العائلة
وجدها تقف داخلهُ وكأنها تعلم ميعاد وصولهُ وتنتظرهُ
صف سيارته وترجل منها وهو يستغفر ربهُ علي إبتلائة بالنظر إلي وجه تلك التي تُشبه البومة في نظرتها الحقود
تحرك في طريقهِ قاصداً الخروج والتوجة إلي منزله
مُتلاشيً النظر لوجهها الذي بات يبغضهُ أشد البغض وكاد أن يتخطاها لولا وقوفها أمامهُ وقطع طريقهُ وهي تتحدث إلية بعيون مترقبة لإنفعالات ملامح وجهه عند رؤياها:
_ كيفك يا زيدان
لجيتك خفيت رچلك من السرايا من وجت اللي حُصل لبِتك
جولت أچي أعمل بأصلي وأستناك إهني لچل ما أسأل عليك وعليها
وقربت وجهها القبيح وسألته بعيون متفحصة وأبتسامة خافته شامتة:
_طمني
إنتَ مليح؟
هتف بنبرة ساخطة ناهراً إياها بضجر:
_ بعدي عن طريجي يا حُرمة خلينا أفوت
إبتسمت وتحدثت بنبرة ساخرة:
_ اللي يسمعك إكده يجول مستعجل علي دخول الچنه يا خي
عتلاچي إيه عِند بِت الرچايبة غير الحِزن والنكد والعويل
واكملت شامته:
_ إلا جولي يا زيدان
حسيت بإيه وإنتَ شايف كسرة جلب بِتك والنار شاعلة فيها
وهي عتتخيل راچلها وهو نايم في حُضن مّره غيرها؟
وأكملت بفحيح، بعينان مترقبتان بحقدٍ وبنبرة شامتة:
_ عيوچع الإحساس ويجتل صُح ؟
تنهدت بهدوء وأردفت قائلة بحُزنٍ مُصطنع وبنبرة هامسه كساحرة شريره تتراقص علي جُثث ضحاياها:
_ مچرباه أني ياما الإحساس دي
وعاوزه أجول لك إن مع مرور الوجت
النار في الجلب عتلهلب وتشعلل أكتر
وأكملت بتذكير:
_ إوعاك تكون فاكر إن نار بِتك عتطفي مع مرور الزمان
غلطان يا زيدان
نار العاشج ولهيبه معيطفيهاش غير جُرب الحبيب والنعيم جوات أحضانه
وأسترسلت حديثها بطريقة أمره مستفزة لمشاعر زيدان:
_ رچع صفا چوات حُضن حبيبها لجل ما تطفي نارها الشاعله يا زيدان
رجعها بدل ما تحزن عليها كُل يوم وإنتَ شايفها بتدبل كِدام عينيك لحد متروح منيك وتموت بحسرة وچع جلبها من بُعد الحبيب عنه
رغبة مُلحة تُطالبهُ الآن وبقوة بسحب مسدسهُ المرخص الموضوع بجنبهِ وتوجيههُ صوبها وتفريغ جميع ما بهِ من رُصاصات وتوزيعهُما بالتساوي ببن قلبها المُحمل بالسواد وبين عقلها الذي يتبني كل ما هو مُدمر لمن حولِها وكأنها مُكلفة من الشيطان
لكنه تمالك أعصابهِ وتمكن من ضبط النفس وتحدث بفحيح ونبرة بارده مماثله لبرودها القاتل:
_ وغلاوة بِتي عندي يا فايقة واللي عُمري ما أحلف بغلاوتها باطل
ماهيتكوي بالنار اللي عتجواي عليها دي ويتحرج بيها غير ولدِك
وبكره عفكرك يا واكله ناسك
ودلوك إخفي من وشي يا غُراب الشوم بدل ما أفجد أعصابي وأطلع طبنچتي وأفرغها چوة جلبك
واجتلك ويحسبوكِ عليا نفرم
عنت النظر لداخل عيناه وهتفت بفحيح وهي ترمقهُ بنظرات نارية:
_ وهو أنتَ لسه مجتلتنيش يا زيدان؟
ده أنتَ جتلتني بدل المّرة إتنين يا حبيبي
مّرة يوم ما چيت لك الچنينة وأتوسلت لك ترحم جلبي
وبدل ما تاخدني في حُضنك وتطمني
ضربتني وشندلتني
وأكملت بتذكر:
_والمّرة التانية يوم ما وجفت تتفرچ عليا وتترجص بفرستك وهما بيزفوني بكفني الابيض
وبييُسلموني بيدهم لعزرائيل اللي دبحـني وجبض روحي بحِتة عَجد كتبه المأذون بين أبوي وأبوك
ومن يوميها وهي روحي مفرجاني ومعاودتش
أردف قائلاً بنبرة لائمة موبخاً إياها:
_يا وليه عيب عليك إختشي
ده أنتِ بجيتي چِدة ولساتك عتفكري في المسخره دي يا حزينة ؟
وأكمل بنبرة حادة ونظرات كارهة:
_الله الوكيل لو يطولوني رجبتك ويحكموني عليها
لكون فاصلها عن جِتتِك لجل ما أريح العالم كِلياته من خُبثك وشرك اللي غلب خُبث الشيطان الرچيم
وتحرك مُسرعً من داخل الجراچ متجهً إلي منزله قبل أن يري كلاهما أحداً ويُثير الأقاويل
نظرت لخروجهُ بعيون يتطاير الشر والتوعد من نظراتها الحقودة
وعلي الفور رفعَت يدها التي تحمل بها هاتفها وطلبت رقم إيناس وأنتظرت الرد
أما إيناس التي كانت تجلس فوق أريكة منتصف المنزل بقلبٍ مازال مُشتعل ولم يهدأ بَعد
رفعت هاتفها لمستوي وجهها لتري من المُتصل
قوست فمها وإبتسمت بتسلي حين وجدت نقش إسم والدة بائعها
علي الفور أجابت بنبرة صوت تصنعت بها الحُزن والإحترام كي تستحوذ علي تعاطف تلك الحية الرقطاء وجبرها علي مساعدتها:
_ ألو
إزي حضرتك يا ماما
ضيقت فايقة عيناها مُتعجبة لنبرة صوت تلك القوية دائماً:
_ مال حِسك يا بِتي
في حاچة حُصلت إياك ؟
أجابتها إيناس وهي تُمثل صوت البُكاء كي تستجدي تعاطف ووقوف تلك البلهاء بصفها:
_ هو حضرتك ما تعرفيش إن قاسم خرجني من المكتب أنا وعدنان ولا إيه
إتسعت عيناي فايقة وتسائلت بتعجُب:
_ خرجكم كيف يعني
تجصدي طاحكم ورماكم برة المكتب ؟
إغتاظت إيناس من سوقية تلك المرأة الجاهلة وإسلوبها السئ في إختيار كلماتها المُبتذلة التي تُلقيها في وجه من أمامها دون تفكُر
أو ماذا ستفعل تلك الكلمات المسمومة به
ولكنها تغاضت عن كل هذا في سبيل الوصول إلي هدفها الأثمن
وهو مساعدة تلك الحمقاء ذات القلب اليابس
علي الفور إستعادت نبرة التسول مرةً آخري وبدأت تقص علي مسامعها ما بدر من قاسم وفعلتهِ المُشينة في حقها وحق عدنان
وأكملت وهي تُمثل شهقاتها العالية لتستجدي شفقة تلك البلهاء:
_ يرضيكِ يا ماما اللي قاسم عمله فيا أنا وعدنان بعد وقفتنا معاه طول السنين اللي فاتت دي كلها؟
وأكملت:
_ معقوله تكون دي كلمة شكراً اللي بيقولها لي بعد ما أتحملت معاه ظروفه وظروف عيلته وجدهتنهدت فايقة بضيق وغضب
ليس لأجل تلك الشمطاء التي لا تُمثل لها سوي أنها وسيلة ستُحقق لها غاية إنتقامها الأسود من معشوقها الأبدى
والذي تحول عشقه بداخلها كمرضٍ خبيث بات يأكل الأخضر واليابس دون رحمة
وتحدثت إليها بنبرة تعقلية:
_ إسمعي الكلمتين اللي عجولهم لك وحطيهم في دماغك وإعجليهم زين يا بِتي
قاسم دلوك عامل كيف الثور الهايچ من اللي عِملوه فيه چده وإعمامه
، و معيرحمش أي حد يُجف في طريجه اليومين دول
وأكملت بنُصح:
_ إبعدي عنيه دلوك لحد ما يروج ويفوج من اللي حصل له
وشويه إكده اللحكايه عتهدي وعمه هيسلم ويرچع له البِت لحد عنديه
وأكملت مبررة:
_ البِت حِبله ومعينفش تجعد كَتير في دوار أبوها لجل كلام الناس ميكترش ويجولوا غضبانة وجاعدة عِند أبوها ليه
إشتعل داخل إيناس عندما إستمعت بحمل غريمتها وهتفت بنبرة تحمل غضبً وغيرة واضحة:
_ حامل
حامل إزاي يعني
إستغربت فايقة سؤالها الأبله وأجابتها ساخرة:
_ حِبله كيف النسوان مابتحبل يا نضري
وحِبله شهرين كُمان
وأكملت بإشادة وأستحسان:
_بِت ورد طلعت واعيه وحِبلت من أول يوم دخل عليها قاسم فيه
وأكملت بنبرة ساخطة:
_ مش خايبه كيفك
بجالك ياچي أكتر من شهر متچوزاه ومعرفاش تخليه يدخل عليكِ لدلوك
إستشاط داخل إيناس من تهكم تلك الحقيرة عليها فأكملت فايقة بنُصحٍ وإرشاد:
_ علي العموم مش وجت الحديت دي
خلينا نتكلموا في المهم
أردفت إيناس مُتسائلة بطريقة تهكمية:
_ وإيه هو بقا المهم من وجهة نظر حضرتك يا ماما ؟
أجابتها فايقة بذكاء:
_ إن قاسم دلوك بجا خالي
ولدي راچل طول بعرض وفي عز شبابه الله يحميه
فكرك هيجدر يتحمل ويصبر يعيش من غير مّرة في حياته إياك
، وخصوصي بعد ما جرب الچواز وداج حلاوته ؟
اجابتها إيناس بضجر ونبرة يشوبها الإحباط:
_ ما أنا حاولت معاه قبل كده ومأخدتش غير قلة القيمة
إبنك بيعاقبني علي وقفتي أنا وأهلي في وشه لما كان عاوز يسيبني قبل الفرح بحجة الوعد اللي قطعة علي نفسه وإداه لعمه
وأكملت بدفاع عن حالها:
_ قاسم مش قادر يفهم إني كُنت بحارب وبدافع عن شرفي وسُمعتي اللي كان عاوز يحطهم تحت رجلين الناس علشان يدهسوهم وينهشوا في لحمي وشرف باباه
تفت فايقة بإهانه مفسرة المقصد من حديثها:
_ سيبك من رط الحريم اللي عماله ترُطي فيه دي
وكفياكِ عويل وندب علي اللي راح
ركزي معاي وإفهمي حديتي زين
واكملت بنُصح:
_ قاسم دلوك ضعيف وهو بعيد عن سحر المحروجة بِت ورد عليه
وأكملت بحقارة وحديث يدل عن إنعدامها للاخلاق وبطريقة تدل عن مديّ عدم معرفتها بشخصية نجلها الذي يضع الله ورضاه دائماً صوب عيناه:
_ يعني كيف معيجولوا
لو أي واحده شاورت له من بعيد مهيمانعش
فمابالك من مّرته حلاله اللي ربنا شرعها له
إلتمعت عيناي إيناس من صحة حديثها برغم إعتراضها علي سوقية تلك الشمطاء
وأقتنعت بحديثها وباتت تُعيد تفكيرها في تقربها مرةً آخري من قاسم ورمى شباكها عليه من جديد
دلف من باب مكتبه صباحً
كان يتحرك داخل الرواق بجسدٍ ممشوق ورأسٍ مرفوع ينظر أمامهُ غير مباليً بمن حوله
ليس غروراً أو كبرياءً
بل جمود وتيبس وشرود أصاب جسدهِ مثلما أصابْ حياتهُ بالكامل
مُنذُ إبتعاد من كانت تمثل لهُ الروح والحياة ومع رحيلها رحلت عنهُ دنيا
لفت إنتباههِ تداخل أصواتً مُتعددة ومتداخله ببعضها مما أحدث فوضي عمت بالمكان
بات ينظر حولهُ يترقب الإزدحام الشديد الناتج عن وجود مجموعات كبيرة من الشباب الذين ينتظرون داخل صالة الإنتظار
وما أن لمحته سُهى السكرتيرة حتي إنتفضت من مقعدها وأسرعت إليه في محاولة منها في مجاراته بالتحرك السريع إلي جانبه وهو يتجه إلي غرفة مكتبه
وتحدثت إليه:
_ حمدالله علي السلامة يا أفندم
تحدث إليها بهدوء:
_ الله يسلمك يا سُهى
ثم سألها بإستفسار وهو يترقب وجوه الجالسين والواقفين من الجنسين ممن لم يسعهم الحظ لوجود مقعداً خالياً وينظرون إليه بإنبهار شديد:
_ إيه الزحمه اللي في المكتب دي كُلها
وأكمل بنبرة ساخرة:
_هي وزارة الشؤن الإجتماعية نقلت مقر مكتبها عندنا وأنا ما أعرفش ولا إيه ؟
أمسك مقبض الباب الخاص بمكتبه وأدارهُ ودلف للداخل بخُطى ثابته
أردفت سُهى التي تتحرك خلفهُ قائلة بتفسير الموقف إلي سيدها:
_ دول المحاميين اللي جايين بخصوص الإعلان اللي حضرتك نزلته تطلب فيه تقديم C. V لوظايف خالية بمكتبنا يا دكتور
خلع عنه حِلته وعلقها بمكانها المختص
ثم شمر أكمامه لأعلي وتحرك إلي مقعده وجلس عليه ثم تحدث إليها قائلاً بتعجب:
_ وكل الأعداد اللي موجوده بره دي
جايه علشان طلبت خمس وظايف ؟
أجابتهُ سُهى بمفاخرة وفضلٍ لشخصه:
_هو حضرتك مش واخد بالك ولا إيه يا دكتور
إسم قاسم النُعماني إتنقل وبقا في حتة تانية خالص من بعد ما حضرتك كسبت البراءة في قضية التُهامي من أول جلسة
إبتسم بخفوت ساخراً من حاله وإسمهِ الذي أصبح رنانً وذو شأنً عالي في عالم المحاماة وكسب القضايا المُهمة
لكنهُ ولسخرية القدر فشل بكسب قضية حياتة
خسرها من أول جولة ولم يستطع حتي الدفاع عن حاله أو إثبات براءته من الإدعاءت التي وُجهت إليه بتهمة الخيانة والخزلان
واللتان ستلازما إسمه وتلحقا بهِ العار حتي النهاية
تحدث قاسم إليها بنبرة عملية:
_ من فضلك يا سُهى
خدي منهم ال C. v وقولي لهم إننا هنراجعها وهنتصل بيهم في أقرب وقت وهنبلغهم بالنتيجة
وأكمل:
_ فضي لي الرسيبشن من الزحمة دي علشان العُملا يلاقوا مكان يقعدوا فيه
وأمسك نظارته الطبية وأرتداها وتحدث إليها:
_ وهاتي لي ملف قضية كامل بطران علشان أدرسه
بالكاد فتحت فاهها كي تُجيبهُ وأغلقتته سريعً عِندما وجدت من تقتحم باب المكتب بطريقة همجية وبدون أدني تصرفات اللباقة وهي الطرق علي الباب للإستئذان
إنها كوثر التي تحدثت بنبرة ساخرة حادة وهي تُشير بيدها بطريقة سوقية:
_ يا تري يا متر شوية العيال اللي لاممهم من علي القهاوي وقاعدين بره دول
هما اللي هيملوا مكان الأستاذة إيناس والأستاذ عدنان عبدالدايم ؟
تحدث السكرتير الذي دلف خلفها حينما وجدها تقتحم دخول المكتب دون إستإذان:
_ يا أفندم ميصحش كده
وأكمل مُعتذراً ومُفسراً أسبابهُ إلي قاسم:
_أنا أسف يا دكتور
أنا قولت لها والله تستني بره لحد ما أدخل وأبلغ حضرتك بوجودها
بس هي تخطت وقوفي ودخلت بالشكل اللي حضرتك شفته ده
نظرت له بحدة فتحدث قاسم موجهً حديثهُ إلي الموظف بنبرة صارمة:
_ إتفضل يا أستاذ علي مكتبك
وبعدين هنتحاسب علي اللي الفوضي اللي حصلت دي
تحرك الموظف إلي الخارج بتخاذل
وأكمل قاسم بنبرةِ عملية:
_ وإنتِ يا أستاذة سُهى
إطلعي إجمعي ال C. v من الشباب وفي خلال عشر دقايق يكون المكتب فاضي
وجهزي الملف اللي قولت لك عليه ودخلهولي بعد عشر دقايق
أومأت سُهى وتحركت إلي الخارج وأغلقت خلفها الباب
نظرت كوثر بإستشاطة لذلك الذي لم يعر لوجودها أية إهتمام وتحدثت كوثر بنبرة حادة:
_ إيه يا إبن الإصول
هتفضل سايبني واقفة كده كتير
ولا إنتَ قلة الأصل خلاص بقت بتجري في دمك
إنتفض واقفً من جلسته وبقلبٍ يشتعل هتف قائلاً بحدة من بين أسنانهِ:
_ إحترمي نفسك يا ست إنتِ
وياريت ماتوصلنيش إني أضطر أنده لك الأمن علشان يخرجك بره المكتب خالص
صاحت بنبرة صوت غاضبة:
_أهو ده اللي ناقص يا سي قاسم
تنده لي أنا كمان الأمن يطردوني بعد ما أستغنيت عن ولادي اللي شالوا لك المكتب علي أكتافهم اكتر من 12 سنة
وإستحملوا معاك وداقوا المُر قبل الحلو علشان يكبروا المكتب
وأكملت بصياحٍ عالّ:
_ وأول ما ربنا عطاك من وسع وأتشهرت، إفتريت عليهم وطردتهم
بدل ما تاخدهم جارك وتدوقهم من الخير اللي بقيت فيه واللي هما السبب في وجوده
وأكملت متسائلة:
_ تنكر إن إيناس هي السبب في نجاح قضية التُهامي اللي كَسرت الدنيا وقفشت فيها فلوس قد كده من الراجل وعلي حِسها جالك بدل القضية عشرة ؟
أجابها بنبرة غاضبة جراء حديثها الذي أوصلهُ للإشتعال:
_ عيالك مين يا أم عيالك
إوعي تكوني مصدقة كلامك الأهبل اللي جايه تتحفيني بيه ده؟
وأكمل بنبرة حادة:
_أنا اللي نشلت عيالك من الضياع ونشلتك إنتِ وجوزك من الفقر اللي كان معشش في بيتكم وبياكل في جسدكم
لولا مكتبي اللي جدي فتحهُ لي ولمتهم معايا فيه
كان زمانهم بيشتغلوا زي الصراصير عند محامي ماصص دمهم وبيديهم فتافيت
وأكمل شارحً:
_أنا اللي عملت منهم بني ادمين
أتقيت ربنا فيهم وعاملتهم بما يُرضي الله
عُمري ما عاملتهم علي إنهم موظفين عندي
طول عمري وأنا بقول لهم إن المكتب ده بتاعنا إحنا التلاثة
كُنت بوزع الأرباح علينا بالتساوي في القضايا اللي كُنا بنشتغل فيها مع بعض
وأكمل بنبرة ساخرة:
_ جاية تهينيني في مكتبي بعد ما شبعتي من ورايا إنتِ وعيالك
إنتِ ناسيه كُنت بتعامليني إزاي أيام ما كُنتِ لسه ساكنة في الأوضة والصالة والحمام المُشترك اللي كُنتم بتدخلوه بالدور
وأكمل بغضب:
_مكنتيش بتقولي لي غير يا أبن الأكابر
إتمسكنتي لحد ما اتمكنتي إنتِ وبنتك والوقت جاية تتهميني بقلة الأصل يا سليلة الحسب والنسب
ردت علي حديثهُ قائلة بإعتراض ونفي:
_ اللي إحنا وصلنا له ده مش ببلاش يا حبيبي ولا صدقة منك
ده شقي عيالي وشغل سنين مصيت فيهم دمهم وفي الآخر رميتهم في حتة مكتب كحيان في العمرانية
بعد ما كانوا في مكتب في أرقي منطقة في مدينة نصر
هو ده رد الجميل؟
وأكملت بإتهام:
_ عملنا لك إيه علشان تكافئنا بالشكل ده
سبع سنين بحالهم وإنتَ خاطب البت في السر من غير ما أهلك يعرفوا وقولنا ماشي
نستحمل لحد ما تعدل أمورك وتظبتها مع أهلك
وحتي لما إتحوزت بنت عمك وطمعت في مال أبوها لوحدك
وكُنت عاوز تتخلي عن بنتي
وفي الآخر اتجوزتها بردوا في السر وقولنا ماشي
وأكملت بتساؤل غاضب:
_ عملنا لك إيه نستاهل عليه غدرك ده رد عليا؟
تحرك من وقفته ووقف مقابلاً لها وهتف بنبرة نادمة:
_ أقولك أنا عملتولي إيه
صنعتوا مني إنسان أناني حقير بعد ما كنت جاي من الصعيد علي فطرتي والطيبة سكناني
من أول ما اتعرفت علي صديق السوء إبنك
وبعدها بنتك
من وأنا لسه طالب وهما بيزرعوا فيا بذرة الأنانية والجحود
واكمل بصياح وغضب:
_بنتك أول واحدة إتعلمت علي إديها الكذب والمراوغة وقلة الضمير
لما فضلت زي الشيطان توسوس لي لحد ما خلتني أكذب أول كذبة في حياتي
واللي بعدها مشيت في طريق واكتشفت إن ممنوش رجوع
كذبة جرت وراها كذبة
لحد ما في يوم صحيت لقيتني باني جبل ذنوب طبق علي صدري لحد ما خنقني
وصرخ بها عالياً:
_ إنتم لعنة وصابتني
بنتك هي لعنتي في الدُنيا
ذبني اللي هعيش أكفر عنه كل اللي باقي لي من حياتي
وياريتني هخلص منه
وأكمل بنبرة ضعيفة:
_جايه تسألي عملتوا لي إيه
إنتوا دمرتوني
حولتموني لمسخ دميم
حولتموني لألة ماشية علي الأرض
أهم حاجة مصلحتي
خلتوني بعت ودوست علي اللي مني وأنا زي الأعمي المنساق ورا سحركم الملعون وببرر لنفسي خيانتي
وأكمل بألم:
_ بقيت بستخبي من نفسي واداري منها وأنا واقف قدام المرايا
علشان ما أشوفش ملامح وشي الدميمة
بنتك لعنة
لعنة صابتني ودمرتني
بس خلاص كل كذبي إنكشف وأنا نويت اتطهر من ذنوبي
وأول ذنوبي هما ولادك اللي كان لازم أبعدهم عني بأي شكل
الخطوة الجايه هي الطلاق اللي للأسف مش هقدر انفذة غير بعد ماتعدي المُدة
وده مش إحترامً لجوزك الهفأ عديم الشخصية
وأكمل معترفً:
_ لا
ده علشان ما أخسرش نفسي أكتر من كده وأحافظ علي ذرة الرجولة اللي لسه فاضلة لي بعد ما أتمحت رجولتي وكرامتي علي إديكم يا شوية رعاع
كانت تنظر إلية ولكم الغضب الدفين الذي يتحدث به وهي ترتعب من هيأته المُوحشة التي ولاول مرة تراها
وتحدث وهو يسحبها من يدها إلي باب الغرفة مما أرعبها:
_ والوقت إطلعي بره ونصيحة مني لوجة الله بلاش تيجي هنا تاني
ونبهي علي شلة النصابين اللي إنتِ مخلفاهم
إني لو شُفت منكم حد هنا تاني
قسماً بربي لأقتله وأخد فيه إعدام
إطلعي بره
يلااااااااا
إنتفضت وتحدثت بصوتٍ مُرتجف لم تستطع السيطرة علي الهلع الذي أصابها:
_ ماشي يا قاسم
ماشي
وتحركت هي للخارج وصفق هو الباب خلفها بقوة جعلتها ترتعب وتُهرول بأقصي سُرعتها بإتجاه الخارج
أما هو فبات يتنفس عالياً ويزفرهُ علهُ يُهدئ موجة الغضب التي أصابته جراء مُقابلتهِ لتلك المرأة التي تُمثل الشيطان في أقبح وجوههُ
وضع كف يدهُ فوق شعره وسحبهُ للخلف في حركة تُظهر كّم غضبة
وبات يلعن حالهُ ويؤنبها علي ما فعل بحاله
وكيف سيُخلص حالهُ وكيفية خروجه من بئر سبع الذي ألقي بحالهُ داخله
يُتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم روز امين
بعد حوالي ثلاثة أسابيع مرت على واقعة اكتشاف صفا لزواج متيم روحها عليها، عاد قاسم إلى السرايا بعد انقطاع مقصود، وذلك لعدم قدرته على النظر في وجه أحد. وأيضاً كي يعطي لصفا وقتاً كافياً لتهدأ به وتستعيد وعيها وعقلها، الذي فقدته خلال اكتشافها لتلك الكارثة.
دلف بسيارته من باب السرايا مع حلول بداية الظلام. صف سيارته وتحرك بساقين ثقيلتين. صعد الدرج المؤدي لباب منزل زيدان. قرع جرس الباب وكله اشتياق لرؤية عينيها، التي حرمت على عينيه النوم في ابتعادها. فتحت له تلك العاملة التي تدعى صابحة.
تحدثت بوجه بشوش:
_ حمد الله على السلامة يا قاسم بيه.
انتفض قلبه وكاد أن يخرج من بين أضلعه ويعلن عصيانه حينما استمع إلى صوتها العذب وهي تتحدث إلى والدتها.
تحدث إلى صابحة بنبرة هادئة:
_ الله يسلمك يا صابحة، عمي زيدان اهنيه؟
أفسحت له المجال وهي تشير إليه بيدها في دعوة صريحة منها إلى الداخل قائلة باحترام:
_ أيوه جوه، اتفضل يا سي قاسم.
ابتسم لها، وكاد أن يخطو بساقه أولى خطواته إلى الداخل، ولكنه توقف سريعاً، بل واتخذ خطوة إلى الرجوع للخلف عندما وجد زيدان وقف أمامه وحجب عنه الدخول، واضعاً ساعده على الباب بقوة كسد منيع.
ثم تحدث إلى العاملة بتهجم:
_ ادخلي جوه شوفي ستك ورد عاوزاكِ في إيه.
أسرعت العاملة للداخل وهي تؤمي له بطاعة وخوف من هيئته الغاضبة التي ظهرت عليه. في حين نظر إلى قاسم وسأله بنبرة حادة وملامح وجه مقتضبة:
_ خير يا قاسم، جاي عاوز إيه؟
ابتلع قاسم غصة مرة اقتحمت حلقه من تلك المعاملة المهينة لشخصه التي تلقاها من عمه. وما زاد من حزنه أنها تمت في وجود العاملة. تنفس بهدوء وتحدث بثبات نفسي اصطنعه بصعوبة:
_ كيفك يا عمي.
قلب زيدان عيناه بتملل وتحدث بنبرة حادة وملامح وجه صارمة:
_ جاي ليه يا قاسم؟
أجابه بنبرة متحفظة:
_ جاي أشوف مرتي وأطمن عليها يا عمي، وأكمل باحترام كي يستدعي رضا عمه عليه: ده طبعاً بعد إذنك.
أجابه زيدان باقتضاب وصرامة:
_ الدكتورة نايمة.
تمالك قاسم من حالة الغضب التي تملكت منه من معاملة عمه له، فتحدث بثبات:
_ نايمة كيف وأني لساني سامع حسها جوه.
_ جولت لك نايمة، تعتقدني إياك؟
كانت تلك إجابة زيدان الصارمة على قاسم. تنفس قاسم عالياً وحاول جاهداً كظم غيظه الذي أصابه من حديث زيدان المستفز وموقفه شديد الصرامة:
_ العفو يا عمي، أنا مقصدش أقول كده. أنا بس بقول إن ممكن حضرتك تكون عارف إن لسه صاحية.
وأكمل:
_ فبعد إذنك تخليني أدخل لها، وأوعدك أني مهطولش جوه.
زفر بضيق وأردف بنبرة حادة:
_ شكلك قافل ودانك ومسامعنيش أقول إيه من أصله، جولت لك نايمة، ناااايمة.
قال جملته وهو يستعد لغلق الباب بوجهه. بسرعة بديهة وضع قاسم كف يده مانعاً به غلق الباب وصاح بنبرة عالية:
_ اللي بتعمله ده حرام شرعاً ولا يجوز يا عمي، مش من حقك تمنعني من إني أشوف مرتي وتمنعها عني، إنت كده بتخالف شرع ربنا وبتجف في وشي.
تحدث زيدان بتهكم:
_ شرع ربنا؟ إنت آخر واحد تتحدث عن شرع ربنا.
واستكمل حديثه قائلاً بنبرة حادة:
_ شرع ربنا قال لك تخون العهد وتتزوج على بتي وهي لسه عروسة مكملتش شهر!
وأكمل بتساؤل غاضب:
_ إلا جولي يا حضرة الأفوكاتو، مش بردك شرع ربنا اللي بتتكلم عنه ده بيقول لك إن لما تيجي تتزوج على مراتك لازم تقول لها؟
وأكمل بهتاف عالٍ لشدة تعصبه:
_ والقانون اللي إنت درسته وبتقف قدام القاضي وتترافع بيه، مش بردك بعت إخطار للزوجة يعلمها فيه بزواج جوزها عليها؟ موصلش لبتي ليه الإخطار ده يا راجل القانون يا اللي دارس شرع الله وحلاله وشغلك مبني عليه؟
وأكمل باتهام:
_ ولا هو شرع الله بيأمرك ويقول لك ترشي المحضر لجل ما يمنع الإخطار ومايوصلش ليد بتي؟
كانت تجاور والدتها الجلوس وتتحدث إليها. استمعت لصياح أبيها ومن خلال كلماته الغاضبة استطاعت أن تكتشف هوية الشخص الذي جعل والدها يفقد هدوءه واتزانه. شعرت بانقباضة داخل قلبها وتغير لون وجهها من الوردي إلى أصفر باهت.
أما قاسم، فالكلمات الحادة لعمه نزلت على قلبه فألمته وحملته أعباءً أكثر مما هو عليه. تنهد بتألم وتحدث مفسراً:
_ بكفاية علشان خاطر ربنا يا عمي، أنا اعترفت بكل أغلاطي وذنوبي قدام العيلة كلها، وماعدتش قادر ولا متحمل أسمع اتهامات وإهانات أكتر من كده. أنا سبت حضرتك تلات أسابيع بحالهم وبعدت لجل ما تهدى، بس يظهر إن حضرتك معهدتش واصل.
وأكمل بنبرة عاقلة:
_ أنا تعبت وماعدتش قادر للمناهدة دي، الله يخليك تخليني أقابل مرتي لجل ما نحل الموضوع بيناتنا وترجع معي لشقتها معززة مكرمة.
قوس فمه ساخراً وسأله بحدة:
_ أي عزة وأي كرامة اللي بتتكلم عنهم يا ولد أخوي.
وأكمل بنبرة يائسة:
_ روح يا قاسم، روح لحالك وفوت بتي لحالها، أنا ما صدقت إنها بدأت تروق وترجع لوعيها بعد ما كانت هتفقد عقلها بعد اللي عملته فيها.
علم قاسم أنه لا فائدة من ذلك الجدال العقيم عديم المنفعة في ظل غضب زيدان الذي مازال قائماً ولم يتزحزح، بل وتزايد أكثر مما كان عليه.
أومأ له برأسه وتحدث بنبرة قوية بعدما فاض به الكيل:
_ أنا همشي دلوقتي يا عمي، بس عاوزك تعرف إن لا ضعيف ولا إني قليل الحيلة وجادر أدخل دلوقتي وأخد مرتي. أنا هصبر بس لجل خاطرك وغلاوتك عندي واللي ربنا وحده هو اللي يعلمها زين.
وأكمل بنبرة قوية ذات مغزى:
_ بس يكون في معلومك يا عمي، إن صبري له حدود، وياريت ما توصلني إني أفقد صبري وطولة بالي.
قال كلماته وتحرك سريعاً متجهاً إلى باب السرايا المقابل لمنزل زيدان. حين أغلق زيدان الباب وتنفس بضيق وغضب شديد أصابه جراء رؤيته لوجه من باع الوعد وكسر العهد وضحي بالغالي والنفيس لأجل وفائه لكلمة الغريب.
دلف قاسم من باب السرايا، وجد الجلسة ينقصها الكثيرون من أهل المنزل. أبوه على سبيل المثال، وذلك امتثالاً لأوامر عثمان الذي أصدرها أثناء واقعة يزن المعروفة. وأيضاً عائلة زيدان الذي ما عاد يحضر إلى السرايا، وذلك امتثالاً للحفاظ على كرامة غاليته وحالتها النفسية التي لم تعد كسابقها. ودون عثمان بذاته الذي يجلس حبيس حجرته وحيداً طيلة الوقت، وكأنه يعاقب حاله على ما وصل إليه أبناؤه وأحفاده من حالة مزرية ألمت قلبه الذي شاب من أفعال غواليه والتي لم تكن تراوده حتى في أبشع كوابيسه.
ألقى السلام بملامح وجه مقتضبة وصعد الدرج متجهاً إلى الأعلى دون أن يتحدث بحرف واحد.
صعد فارس الدرج سريعاً خلف شقيقه. تحرك إليه ووقف بجانبه وهو يضع المفتاح داخل فتحة باب مسكنه، وتحدث بترقب:
_ حمد الله على السلامة يا أخوي، ما جلتليش إنك جاي ليه لجل ما أستناك في المطار.
أجاب شقيقه برأس منكس:
_ جلت لحالي مافيش داعي أتعبك وياي يا فارس، وبعدين ما أنت عارف إن عربيتي مركونة في الجراج اللي جنب المطار.
وضع فارس يده على كتف شقيقه بحنو وهتف بترقب:
_ عاوز أتحدث وياك يا قاسم.
رفع كف يده في وجه أخيه وتحدث بنبرة استعطاف:
_ مجادرش يا فارس، الله يخليك سيبني في حالي يا أخوي.
أومئ له فارس وانسحب بهدوء بقلب يتألم لأجل شقيقه.
دلف قاسم إلى مسكنه. انقبض قلبه من ذلك الظلام الدامس القابض للروح والذي سكن المكان بعد رحيلها. داس على زر الإضاءة وبات ينظر حوله. رآها بجميع الزوايا. تخيلها وهي تخرج عليه من باب غرفة نومهما وتسرع عليه لتستقبله بابتسامتها الساحرة التي كانت تطيب قلبه وتصيبه بالسكينة والطمأنينة الذي افتقدهما برحيلها. نظر باتجاه المطبخ، تخيلها تقف أمام موقد النار تصنع له قهوته التي ما عاد يتمزج بها ويستحسن مذاقها سوي التي تصنعها يداها.
للحظة تسللت لأنفه رائحة المخبوزات الطازجة التي كانت تصنعها لأجله. ابتسم بمرارة على ما أصبح عليه وما حرم منه.
خطي بساقيه إلى باب حجرتهما التي كانت تمتلئ بالحياة والضحكات والأحضان الدافئة. الآن أصبحت كقبر يقبض أنفاس من يدلف إليه منهما. تنهد بألم وخطي للداخل. وجد كل شيء ظل بمحله سواهما.
تحرك إلى خزانتها وأخرج ثوباً كان يعشق رؤياها به. احتضنه وضمه إلى صدره بقوة. أغمض عينيه واشتم رائحة جسدها العطرة التي مازالت معلقة به رغم غسله. وكأنها تضع وشمها بكل شيء يخصها حتى هو. هو الذي وشم قلبه بعشقها الذي يشبه عشق أميرات الأساطير في رُقيه. وضع شفتيه فوق ثوبها العفيف. وضع به قبلة اشتياق تنم عن مدى توهة روحه في بعدها. أغمض عينيه ثم أخذ نفساً عميقاً للغاية واحتفظ به داخل رئتيه. فتح عينيه من جديد وبصعوبة أبعد ثوبها عن موضع قلبه. ثم وضعه برفق فوق الفراش بمحل نومتها بعدما قبله ومسح عليه برقة وكأنه تحول إليها. تحرك إلى الشرفة وفتحها وبلهفة نظر إلى شرفة غرفتها. أصابه الإحباط حين وجدها عاتمة مما يدل على عدم صعودها إليها.
تحرك إلى المرحاض وأدار مقوده وتنفس ثم فتح الباب. حزناً وألماً تملكا من قلبه، فكل شيء يذكره بها. تحرك إلى صنبور المياه وخلع عنه ثيابه وأخذ حماماً بارداً سريعاً. توضأ وخرج لقضاء صلاة العشاء وجلس بعد الانتهاء يناجي ربه بخشوع ويطلب منه العفو على ما فعل بحاله وأحبائه، وطلب منه العون فيما هو قادم. وقف منتصباً الظهر ورفع معه سجادة الصلاة ووضعها بمحلها.
استمع إلى قرع جرس الباب. زفر بضيق وتأفف لعدم رغبته بمقابلة أحد مهما كان سوى من ملكت الفؤاد وفقط. فتح الباب ووجد والدته التي تطلعت إليه بحزن حقيقي لما رأته من انطفاء لمعة عيني ولدها. وحتى وجهه وجسده الذي افتقد بعضاً من الكيلوجرامات مما جعله يظهر بجسد نحيف.
تنهدت بضيق على ما فعله بحاله ذاك العنيد. سحبته لداخل أحضانها وربتت عليه. الغريب أنه لم يشعر بحنينها أو أي شعور بالارتياح نتيجة ضمتها. وكيف له أن يشعر بالراحة داخل أحضانها المسمومة وهي سبب رئيسي فيما حدث ويحدث وسيحدث له.
خرج بهدوء من ضمتها وتحرك إلى الأريكة. جلس عليها بوجه مهموم. نظرت إليه بضيق وتنهدت وتحركت لتجلس بجانبه وهتفت بنبرة ملامة:
_ عامل في حالك كده ليه يا ولدي، لا أنت أول ولا آخر واحد يتزوج على مرته. ولو زعلان عشان صفا سابت لك البيت ماتجلجش، بكرة تعجل وترجع لحالها كيف ما مشيت.
زفر بضيق ورغبة ملحة تطالبه بوضع كفيه يداه فوق أذنيه كي لا يستمع لما يقال ويخرج من فمها. تحدثت فايقة بتحريض وكأنها الشيطان بذاته:
_ عاوز نصيحتي، سيبها هي وأبوها يخبطوا راسهم في أقرب حيطة تجابلهم ويرجعوا لحالهم تاني.
وأكمل بصدق:
_ أنا كل اللي كان مخوفني من الحكاية إن جدك يغضب عليك ويحرمك من ورثك كيف ما عمل مع عمك زيدان. بس طالما جدك طلع بيحبك وسامحك، يبقى تعيش حياتك وتكملها عادي.
وأكمل بنبرة خبيثة:
_ فيه حاجة كنت عاوزة أتحدث وياك فيها، وهي هجرك لمرتك المصراوية، اللي بتعمله معاها دي حرام يا ولدي وما يرضيش ربنا. ارجع شقتك وعيش وياها، هي كمان ليها حقوق عليك ولازم تديهالها، وإلا ربنا هيحاسبك على حرمانك ليها.
وأكمل بنبرة لائمة:
_ أومال لو مش انت محامي وعارف العدل والحق.
كادت أن تكمل، قاطعه هو حديثها بنبرة صارمة:
_ لو خلصتي حديثك يا ريت تروحي على شقتك لأني تعبان وعاوز أدخل أنام.
زفرت باستسلام وكادت أن تكمل حديثها لولا صوت قرع جرس الباب الذي صدح. قامت هي على الفور وفتحت الباب. وجدت رسمية التي تحدثت بأنفاس متقطعة موجهة حديثها إلى العاملة التي تحمل صينية كبيرة بها أصناف متعددة من الطعام المفضل لدى حفيدها، والتي أمرت العاملات بتجهيزه على وجه السرعة فور حضوره.
بأنفاس متقطعة تحدثت رسمية:
_ حطي الصينية هنا على التربيزة وانزلي إنت يا بهية.
وضعت العاملة ما بيدها وتحدثت بطاعة:
_ أوامرك يا ست الحاجة.
وقف قاسم وتحرك إلى جدته. أمسك يدها وأسندها وأردف قائلاً بنبرة لائمة محبة:
_ تعبانة حالك وطالعة السلالم وإنت تعبانة ليه يا جدة؟
أسندها وأجلسها بجانبه فتحدثت هي والتعب يظهر على صوتها وهيئتها:
_ هتعب لأعز منيك يا غالية.
تحدثت فايقة بنبرة خبيثة:
_ تسلم يدك يا عمه.
في حين تحدثت رسمية بنبرة صارمة ونظرات كارهة إليها:
_ فوتيني مع حفيدي لحاله ويلا روحي على مكانك.
أجابتها فايقة بنبرة ضعيفة كي تستجدي تعاطف رسمية:
_ خليني قاعدة لجل ما أوكله وياكِ يا عمه وأعمل له كوباية شاي بعد الأكل.
رمقتها بنظرة حارقة وتحدثت بحدة وتهكم:
_ هامك ولدك قوي، جولت لك روحي على مطرحك.
تحركت وهي تسب وتلعن بسرها تلك العجوز الشمطاء التي أصبحت لا تترك أية مجال حتى تهين كرامتها وتنقص من قيمتها أمام الجميع.
تحركت رسمية إلى حفيدها وجلست بجانبه. وضعت كف يدها الحنون فوق وجنته وهتفت بنبرة حنون:
_ كيفك يا جلب جدتك، زين يا حبيبي؟
أومأ لها وتحدث:
_ الحمد لله يا جدة.
تحدثت رسمية بنبرة صوت حنون:
_ مد يدك وكُل يا ولدي، أنا خليتهم يعملوا لك كل الأكل اللي إنت تحبه.
هز رأسه وأردف رافضاً بإصرار:
_ مجادرش يا جدة، ماليش نفس.
تنهدت بحزن لأجل حفيدها الغالي. سحبته لعندها ووضعت رأسه على ساقيها بهدوء. شعر براحة عجيبة غزت روحه بعكس ما حدث مع والدته. تنهد بعمق وراحة. وضعت كف يدها فوق ظهره وباتت تتحسسه بلمسة حنون اقشعر لها بدنه واستكانت بها روحه.
أردفت قائلة بحديث ذي مغزى:
_ اصبر وأتحمل يا وليدي، صح الريح عاتية وشديدة، بس ميتى الدنيا فضلت على حال، بتعدي. بكرة الريح بتهدي والدنيا بتروق والشمس بتطلع وتنور دنيتك العاتمة من تاني.
وأكملت بطمأنة:
_ بت أبوها عشقاك وعاشجاك لأنفاسك، متخافش، بتحن، عشقها بيغلب عنادها ويرجعها لحضنك من جديد، بس إنت اسعى لجل ما تنال الرضا والسماح.
تحدث مستعطفاً إياها بترجي:
_ كلمي عمي زيدان وخليه يسيبني أدخل لها يا جدة، إتوحشتها، نفسي آخدها في حضني، نفسي أشم ريحتها.
وأكمل بنبرة متألمة:
_ ملحقتش أفرح بخبر حملها، نفسي أحط يدي على بطنها وأطمن ابني ولا بتي وأقول لها متخافش، أنا معاكِ وعحبك وعاشج لتراب رجلي أمك.
تحدثت إليه بنصح وإرشاد:
_ طلق المصراوية وأنا هخلي عمك زيدان يرجعها لك.
زفر بصدر محمل بثقل بفضل الهموم:
_ ياريت كان ينفع يا جدة، ماقدرش أطلع عديم الرجولة حتى مع الغريب.
وأكمل بنبرة ضعيفة:
_ كفاية عليا العار اللي شايله قدامكم كلكم، وجودها سنة بحالها على ذمتي، يعتبر أكبر تكفير عن ذنوبي، لأن ارتباط اسمها على اسمي يعتبر أكبر عذاب ليا.
استغربت رسمية حديثه فسألته باستغراب:
_ إنت ماتحبهاش إياك؟
زفر بضيق وأردف مفسراً:
_ أنا ماعايش وياها يا جدة، ملمستهاش، الله الوكيل ما لمستها ولا علمسها، أنا انجبَرت على جوازها لجل ما أتحمل غلطي معاها زمان لما قعدت خاطبها سبع سنين بحالهم.
ضيقت رسمية بين حاجبيها متعجبة لحديثه، ثم أعادت سؤالها على قاسم مرة أخرى للتأكيد:
_ صح ملمستهاش يا قاسم؟
أجابها بتأكيد:
_ الله وكيل ما لمستها يا جدة، ولا حتى شفتها حرمة قدامي.
يسعد داخل الجدة لاستماعها بتلك الاعترافات التي ستساعد كثيراً في حل المشكلة لو علمت بها صفا، أو هكذا هي تخيلت. طلبت من قاسم تناول الطعام فرفض من جديد، وبعد محاولات من الجدة تناول بعض اللقيمات التي تعد على أصابع اليد الواحدة.
❈-❈-❈
كانت تقبع فوق تختها بعدما أصبحت تقضي معظم يومها وهي متقوسة على حالها فوقه، بعد أن أصبح ملاذها الآمن للهرب من أعين محبيها التي تحاوطها وتنظر إليها بعين الشفقة وهذا ما كان يؤلمها ولم تتقبله، ولذا فضلت الهرب من تلك النظرات. ليست ضعفاً أو استسلاماً، فهي ابنة زيدان القوية الأبية التي لا تعرف للانهزام يوم طريقاً. بل ما كان هربها واستكانتها سوى أنها استراحة محارب لتعود أقوى من جديد.
تنفست بضيق حين تذكرت صوته الذي وبرغم هدوئه المفتعل إلا أنه كان يحمل بين نبراته التي تحفظها عن ظهر قلب غضباً عارماً. تنهدت بألم، مازالت غاضبة منه. لا، ليست غاضبة بل تشتعل ولا تطيق حتى النظر لعينيه الكاذبة. كم كان مخجلاً شعورها بالخزي من حالها عندما اكتشفت كم الغباء التي تمتلكه برغم ذكائها الذي طالما شهد لها به الجميع.
الآن وفقط تيقنت أنها تمتلك الكثير والكثير من الغباء والسذاجة التي جعلتها تقع داخل براثن ذئبها البشري الذي افترس براءتها واخترق حصنها المنيع.
حدثت حالها بدموع وهي تضع كف يدها على صدرها فوق موضع قلبها وكأنها تحادثه:
_ كيف لك أيها الأبله عديم المنفعة أن تنجرف وراء كلماته الكاذبة وتصدق وعوده البائسة حين قال بأنني أصبحت حبيبته!
شهقت ونزلت دموعها بحرارة وتحدثت:
_ كيف لحدسي أن يصاب بالتيبس ويخدعني بتلك المهانة، لقد تحريت الصدق من عينيه حينما كانت نظراته تشملني وتجعلني أسبح بصحبته في عالم العشق والخيال.
ماذا أفسر قشعريرة جسدي التي كانت تنتابني وتزلزل كياني حينما كان ينطق ويناديني بصوته الحنون بحبيبتي؟ ألهذه الدرجة أنت بارع وموهوب في الخيانة قاتلي!
رفعت وجهها لأعلى ورمت رأسها للوراء وباتت تزرف الدمعات بغزارة وكأنها تعاقب حالها بتلك الطريقة.
وضعت كف يدها أسفل أحشائها وباتت تتحسسها بحنان وتحدث جنينها بحب:
_ لا تخف على مصيرك صغيري، فقط اطمئن واستكن داخلي، فلدي أم تتحرق شوقاً لرؤياك كي تزين أهدابي بالتطلع إلى وجهك البهي.
وشهقت بقوة وحدثته من بين شهقاتها الموجعة:
_ حتى والدك، فبرغم كل ما جرى إلا أنه بالتأكيد سيغمرك بالمحبة والدلال، وكيف له ألا يفعل وأنت ستصبح خليفته ووريث اسمه وامتداده في الدنيا.
ابتسمت ساخرة وأكملت:
_ ولا تخف على حالك من غدره عزيزي، اطمئن وتأكد أنك الوحيد الذي لم ولن يقوي على التخلي عنه والغدر به، وكيف له الغدر بك وأنت منه.
أمالت رأسها وسألت حالها بتعجب:
_ أولست أنا أيضاً كنت منه! أنا ابنة عمه، وبرغم هذا طعنني غادراً، وقام متعمداً بهدم حصوني المشيدة فوق عنقي فكسرها، وأصبحت لا أقوى على رفعها لأعلى كسابق عهدي.
فاقت على كلماتها الأخيرة واستنكرت ضعفها الذي تملك منها. رفعت رأسها بشموخ كالجبل وتحدثت:
_ لا عاش من كسرني وأصابني بالانحناء، فأنا ابنة أبيها الأبية ولم يخلق بعد من يحني قامتي ويجعلني أتواری خلف الأبواب.
وقفت ناصبة ظهرها وكأنها تحولت إلى هرة شرسة ذات حوافر مدببة مسنونة كالسيف الحاد. وعلى الاستعداد التام للدخول القوي إلى ساحة المعركة وللانتصار.
تحركت إلى الخارج قاصدة حجرة أبويها كي تخبرهما أنها نفضت ترابها التي كانت تندثر تحته وانتوت الخروج من قوقعتها التي فرضتها على حالها ومكثت بداخلها لأكثر من ثلاثة أسابيع.
وصلت إلى باب الحجرة ورفعت كفها لتطرق الباب وفجأة توقفت حين استمعت إلى ورد وهي تسأل زيدان بنبرة مهمومة:
_ يا حومتي، يعني هو كان عشجان لزميلته دي وهو لسه بيدرس في الجامعة؟
زفر زيدان الجالس بجوار ورد وتحدث بنبرة حزينة يائسة:
_ البنت كانت أخت زميله عدنان وعشقها من أول مرة شافها، ولما اتخرج جه لأبوي وطلب مني يفتح له مكتب هناك لجل ما يكون قريب منها ويشغلها معاه هي واخوها. وبعدها اتفق وياها على الجواز بس كان مستني لما المكتب يكبر واسمه يعلي.
وأكمل وهو مهموم:
_ بس أبوي سبقني بخطوة وخطب له صفا. قدري يقول إنه مكانش موافق من الأول وكان هتيجي لجده ويعترف له بكل حاجة. بس قدري وفايقة ضغطوا عليه. راح لأبو زميلته وخطبها منه، واتفق على إنه هيتجوزها بعد سبع سنين، واتفق ويا زميلته يجولوا لأبوي إنه موافق على خطوبته من صفا. وبعد ما صفا تخلص جامعتها ييجي ويقول لأبوي إنه مقدرش يتجوز صفا لأنها أعلى منه في العلم، وإنه رايد يتجوز من زميلته في الشغل.
كانت تقف بالخارج تستمع لكلمات أبيها والتي كانت تنزل على جسدها وتجلده كسياط يمزق كل ما يقابله. شعرت وكأن أحدهم يمسك بسكين حاد ويقوم بغرسه داخل قلبها ويطعنه بحدة، بطعنات متكررة.
لم تعد بحاجة إلى الاستماع للباقي من التفاصيل، فقد كانت على دراية بالبقية عندما أتى إليها قاسم وطلب منها تنفيذ الجزء الثاني من خطته الدنيئة. عادت سريعاً إلى غرفتها وأوصدت بابها ودموعها تنساب فوق وجنتيها بغزارة من هول ما استمعت. وضعت يدها فوق فمها تكتم بها شهقاتها المتعالية وتلعن غباءها وضعفها الذي يجعل دمعاتها الملعونة مازالت تنساب لأجل طاعنها.
أما بغرفة زيدان فاكمل هو باقي روايته إلى ورد التي سألته بنبرة حزينة:
_ يعني هو رفض جوازه من زميلته لجل صفا؟
أجابها زيدان بنبرة حزينة:
_ بيقول إنه حب صفا ومرضاش يكسر وعده ليا. راح لأبوها وفض الخطوبة وعرض عليهم فلوس.
وأكمل زيدان باقي التفاصيل التي قصها عليه قاسم.
بات الجميع بقلوب ومشاعر مبعثرة، تائهة. غفت بدموعها المنسابة والتي جفت فوق وجنتيها وجف معها نبع حنينها إليها وبحر عشقها اللامنتهي.
أما هو فكان يحتضن ثوبها ولم يتذوق للنوم طعم من شدة تألمه واشتياقه الجارف لرؤياها ولضمة أحضانها الحانية.
❈-❈-❈
شق الصباح ظلام الليل وظهرت أشعة الشمس لتعلن للدنيا عن ميلاد يوم جديد بآمال وأحلام وأمنيات جديدة.
ضل يراقب منزل عمه من وراء النافذة متوارياً كي لا يراه زيدان ويترصد نزوله. تحرك سريعاً للأسفل بعدما وجد زيدان خرج من البوابة الحديدية بعدما استقل سيارته. وقف أمام المنزل ودق بابه. فتحت له ورد التي نظرت بحزن إلى هيئته المبعثرة وشعره المشعث وعينيه المنتفخة والتي تدل على عدم نومه، ناهيك عن هيئته ككل وجسده الذي افتقد بعض الكيلوجرامات.
شعرت بألم غزي قلبها عليه. فبرغم كل ما حدث لابنتها على يده إلا أنها تعرف بحدسها أنه يعشق صغيرتها بل إنه أصبح متيماً وهذا ما استشفته من داخل عينيه الهائمة.
وبرغم شعورها هذا إلا أنها ادعت الجمود وتفوهت بقوة:
_ جاي ليه يا قاسم على الصبح كده؟
أجابها بنبرة رجل مهزوم:
_ جاي أشوف مرتي يا مرة عمي، عاوز أقعد وياها لحالنا ونتكلم.
زفرت بضيق وتحدثت:
_ مش عمك جالك مينفعش.
كاد أن يتحدث معترضاً لكنه ابتلع لعابه واهتز بعنف قلبه العاشق حينما رآها تطل عليه كقمر منير. فبرغم خسارتها لبعض وزنها وشحوب وجهها وذبولها، إلا أنها مازالت قمَره الذي أنار عمره العتي.
كانت تخرج عليه مرتدية ثياباً عملية كي تستعد للعودة لعملها. هتفت قاصدة بحديثها والدتها:
_ خلي المتر يتفضل يا أمّا لجل ما يجول الكلمتين اللي عندي ونخلص من الزن دي.
زفرت ورد وتحدثت إليها باعتراض:
_ أبوكِ لو عرف إنك قابلتيه واتحدثت وياه هيشند لنا شنديل.
أجابتها صفا باطمئنان:
_ متجلجيش يا أم صفا.
وأكملت وهي تنظر لذلك الواقف يتطلع عليها بعيون متلهفة تنظر لملامح وجهها بشغف ووله كما الظمأن في الصحراء في وضح النهار، الذي وجد أمامه قنينة ماء مثلجة:
_ المتر ما يطولش هنا، هما كلمتين يجولهم ويمشي على طول.
وأكملت بنبرة جافة وإهانة ابتلعها هو وعذرها عليها:
_ أنا أصلاً ورايا شغل مهم ومفضياش للحكاوي.
دلف وأشارت إليه للحجرة الجانبية الملصقة بالباب والخاصة باستقبال الزائرين الأغراب وتحدثت:
_ اتفضل يا متر.
خطت بساقيها وتحرك هو خلفها وتحركت ورد إلى الداخل لتترك لهما المجال للحديث. ابتلع لعابه وهتف بنبرة متلهفة وهو ينظر لعيناها باشياق جارف:
_ وحشتيني يا نور عيني.
وتحرك إليها مهرولاً وكاد أن يسحبها لداخل أحضانه الدافئة كي يطمئن روحها ويطفئ لهيب اشتياقه إليها الذي أذاب قلبه. توقف مكانه حين وجدها وضعت كف يدها بوجهه في إشارة منها لتحذيره من الاقتراب وتحدثت بنبرة صارمة:
_ خليك مكانك وخلصني وجول الكلمتين اللي جاي علشانهم.
توقف ناظراً إليها والألم يمزق داخله وبنبرة متألمة تحدث:
_ بلايش تبقي إنتِ والدنيا عليا يا صفا، ده أنا طول المدة اللي فاتت وأنا قاعد أصبر حالي وأوسيها وأقول لها اصبري، جراحك النازفة هتطيب من أول ضمة من حضن صفا. صبرت عليكِ وبعدت عنيكِ واني جلبي بيتجطع عليكِ وعموت وأخدك في حضني لجل ما أطيب جراحك، بعدت لجل ما تهدى وبعدها أجي لك وأفهمك.
وأشار إليها قائلاً بنبرة تشع حناناً وعشقاً:
_ خليني آخدك جوه حضني وأنسيكِ كل اللي حصل يا حبيبتي.
وقفت أمامه بشموخ وسألته باستنكار:
_ حبيبتك؟ إنت مين أصلاً لجل تطيب جراحي جوه حضنك؟ أنا معرفاكش، حاسة حالي بشوفك لأول مرة، ملامحك غريبة عليا ومعرفاهاش، عينيك كأنها صحرا فاضية مفهاش غير الخراب والموت المحتم للي يدخل في طريقها.
اتسعت عيناه من حديثها المؤلم فهتف بنبرة حنون:
_ أنا قاسم يا صفا، قاسم البني آدم اللي اتولد من جديد على إيديكِ، قاسم اللي أول حكايته بدأت وياكِ، قاسم اللي شاف الدنيا وعرفها وذاق حلاوتها جوه عينيكِ، بين إيديكِ لجيت راحتي وروحي التايهة اللي عيشت عمري كله وأنا بدور عليها، أنا قاسم يا صفا.
تحاملت على حالها كي تظهر أمامه بكل هذا الثبات وتحدثت بمرارة:
_ وأنا صفا، صفا الهبلة اللي صدقت عيونك الكدابة، صفا اللي شافت توهتك وحيرة نفسك التايهة وضمتك لحضنها وطمنت روحك الغدارة، صفا اللي أمنت لك وضمتك لصَدرها لجل ما أشربك من حنانها وأذوقك من العشق اللي عيشت عمري كله شايلاهولك إنتَ مخصوص، صفا اللي رمت حالها جوه حضنك وغمضت عينيها وأدتك الأمان.
وأكملت بنبرة حادة:
_ صفا اللي دفعت تمن ثقتها العامية غالي، مجنيتش من وراك إلا كل غدر وحزن وشجى، مشفتش من وراك خير يا قاسم، محسيتش منك غير بسكينة غدرك اللي كنت مداريها طول الوقت ورا ضهرك ومستني الوقت المناسب لجل ما تطعني بيها في نص قلبي بكل جبروت.
ونظرت إليه بجمود وهتفت بنبرة جاحدة:
_ ملعون أبو عشقك الكداب اللي دبحني وشج قلبي لنصين في عز فرحتي.
وأكملت وهي تضع يدها فوق أحشائها:
_ ده أنا ملحقتش أفرح بخبر حملي من الراجل اللي عشت عمري كله أحلم بيه.
نظر لها بعيون متوسلة وتحدث بنبرة رجل منكسر:
_ ارحميني يا صفا، كلامك هينزل على قلبي كيف النار بيكوي ويحرق كل اللي بيقابله في طريقه.
نظرت إليه وسألته بنبرة تهكمية:
_ صح عندك قلب وبيحس كيف الناس يا قاسم؟
أجابها بتأكيد وثقة:
_ عندي يا صفا، وإنتِ ساكنه ومالكة الروح يا بت قلبي.
وأكمل بأمل ونبرة حماسية مشجعة:
_ خليني الأول أحكي لك اللي حصل وبعدها أحب على راسك وأخدك في حضني ونفرح بابننا ولا بتنا اللي جاية، متخليش العند يضيع فرحتنا يا صفا.
ضحكت ساخرة وتحدثت:
_ بتحب على راسي؟ كنت دوست على رجلي من غير ما تقصد لجل ما تحب على راسي وأسامحك إياك؟ للدرجة دي شايفني مغفلة وهبلة؟
أغمض عينيه بتألم وأردف قائلاً برجاء:
_ ارحميني يا صفا، أنا تعبت وماقدرش أعيش من غيرك يا حبيبتي، من يوم ما فوتيني وأنا ملاقيش روحي جواتي، أدور على قاسم ما ألاقيهوش، ارجعي لي يا بت قلبي ورجعي لي حياتي.
وأكمل بنبرة جادة:
_ فيه تفاصيل كتير غايبة عنيكِ ولازم تعرفيها لجل ما يكون حكمك عليّ عادل.
ابتسمت ساخرة وأجابته بنبرة منكسرة:
_ وفر دفاعك ومرافعتك لقضية تكون كسبانة يا متر، قضيتك وياي خسرانة، لأن أي حاجة هتقولها ما هتغيرش إحساس الكسرة والمذلة والشعور بالمرارة اللي ملازمني ومالي جوفي ومفارقنيش من يوم اللي حصل.
ثم دققّت النظر لداخل عينيه النائمة وسألته بضعف ألم قلبه وأحرقه:
_ أذيتك في إيه أنا يا ولد عمي لجل ما تأذيني في قلبي وتدهس كرامتي تحت رجليك؟
وبرغم كم الوجع الذي أصابه جراء حديثها المؤلم إلا أن ما لفت انتباهه وجعله يعترض هو وصفها له ومناداته بابن عمها، فتحدث باعتراض بنبرة حادة:
_ أنا مش ولد عمك يا صفا، أنا حبيبك اللي ساكن روحك وعشقي بيجري جوه دمك.
قوس فمه وتحدثت ساخرة:
_ حبيبي، حلوة الثقة اللي لسه بتتكلم بيها دي رغم كل اللي حصل.
تنفس بضيق وتحدثت وهي تتأهل للرحيل:
_ بيتهيأ لي كفاية تضييع وقت لحد كده يا متر، أنا اتأخرت على شغلي وإنت كمان أكيد عندك حاجات أهم من كلامنا اللي لا يعود ولا يجيب.
أسرع عليها وأمسك ذراعها ليحثها على عدم التحرك.
نفضت يدها رافضة لمسة يده التي أصبحت كنار تحرقها فتحدث هو باعتراض:
_ ما تمشيش قبل ما تسمعيني وتعرفي الظروف اللي خلتني أتزوج يا صفا.
نفضت يدها وباتت تمسح مكان مسكته وكأنه يحمل جراثيم ستلوثها وتحدثت بفحيح:
_ بعد يدك عني، وجولت لك ملوش لازوم حديثك، لأنه لا هيقدم ولا هيأخر، اللي عرفته كان كفاية قوي يا متر.
أجابها بثقة:
_ لازم تسمعيني يا صفا، صدقيني الكلام اللي أقوله هيرضيكِ ويعرفك إن غضبك ده كله مش في محله.
تغاضت عن حديثه وسألته بقوة:
_ لو صح عاوزني أقعد وأسمعك يبقى تطلقها الأول، وده شرطي الوحيد لجل ما أسمعك.
ابتلع غصة مرة من عدم استطاعته لتنفيذ رغبتها المشروعة. أخذ نفساً عميقاً وزفره بضيق وأردف قائلاً بنبرة بائسة حزينة:
_ مينفعش يا صفا، ماقدرش أطلقها دلوقتي.
ابتسمت بجانب فمها ونظرت إليه وتحدثت:
_ وأنا كمان ماقدرش أسمعك دلوقتي.
هتف مترجياً:
_ بلايش عند يا صفا.
ردت بقوة:
_ أنا مش بعند، أنا بقولك شرطي وإنت حر في اختيارك.
أجابها بيأس:
_ ماعرفش أطلقها قبل سنة؟
عقدت ذراعيها فوق صدرها وتحدثت بنبرة صارمة:
_ بسيطة ومحلولة يا متر، يبقى نتجابل ونتحدث بعد سنة من دلوقتي.
جحظت عيناه واشتعلت روحه المتشوقة لضمتها وتسائل بذهول:
_ كأنك اتجننتي يا صفا، إنتِ عاوزانا نقعدوا بعيد عن حضن بعض سنة بحالها؟
قوس فمها وابتسمت ساخرة وتحدثت متعجبة مما جعل الدماء تغلي بعرقه:
_ ومين قال لك إن بعد السنة ما تعدي هرجع لحضنك تاني!
واسترسلت حديثها بقوة وشموخ أنثى أبية:
_ أنا كلامي واضح، جولت بعد ما تطلقها هبقى أقعد وياك وأسمع مبرراتك اللي هتقول عليها دي، ووجهتها هقرر وهشوف هعمل إيه، وأنا وكيفي وجهتها يا متر.
صاح بنبرة غاضبة:
_ اعجل حديثك يا بت الناس وشوفي حالك بتجولي إيه، أنا صابر عليكِ لجل غلاوتك اللي في قلبي واللي إنتِ بتستغليها بحديثك دي، بس لازم تعرفي إن صبري له آخر.
اقتربت عليه وتحدثت بندية وعناد:
_ أهو أنا بقى عاوزة أشوف آخرك دي.
امسك ذراعيها ونظر لداخل عينيها وتحدث بقوة:
_ أوعي تفكري إن صبري عليكِ إنتِ وأبوكِ ضعف مني ولا قلة حيلة، أنا ممكن أشيلك دلوقتي وأخدك غصب ونطلع على شجتنا وأقول لك كل اللي مايزاش تسمعيه، بس أنا عاوزها تيجي منك بالرضا والعجل.
نفضت يداها منه بعنف وهتفت بنبرة صارمة حادة:
_ أنهي عجل وأنهي رضا اللي جاي تطالبني بيه يا متر، هو اللي إنتَ عملته فيا كان فيه ريحة العجل؟ تطلع خاطب واحدة من سبع سنين في نفس الوقت اللي كنت خاطبني فيه وتجول لي عجل؟
وصاحت بكل صوتها وبنبرة غاضبة مشتعلة:
_ تتجوزها علي وأنا لسه عروسة مكملتش شهر وتجولي عجل، أقول لك طلقها تجولي مينفعش قبل سنة وتجولي عجل؟ إنتَ خليت فيها عجل ولا منطق لجل ما أفكر وأجيك بيه!
وأكملت بنبرة حادة:
_ اسمع يا ولد الناس آخر الحديث لجل ما توجعش دماغك ودماغي معاك أكتر من كده. لو السما انطبجت على الأرض ما هقعدش معاك ولا هيجمعني بيك مكان واحد قبل ما تطلق اللي اتجوزتها علي وكسرتني قدام الكل.
وأكملت بنبرة حازمة:
_ قبل كده مايزاش أشوف وشك قدامي. إحنا كان بيناتنا عقد ووعد وإنتَ أخلت بيه، ورتبت حياتك وأمورك بالشكل اللي يريحك ويناسب ظروفك.
وأكملت بندية:
_ أظن إني كمان من حقي أرتب حياتي كيف ما يحلالي وبالشكل اللي يناسبني ويريحني.
وأردفت قائلة بنبرة صارمة وهي تنهي الحديث:
_ ومن هنا لحد ما السنة اللي جلت عليها تعدي ياريت مشوفش طلتك البهية قدامي تاني.
وأكملت بنبرة تهديدية:
_ وإلا قسما بالله، هتشوف وش تاني لصفا وهتصرف بطريقة ماتحبهاش لا إنتَ ولا حامي الحمى جدك.
قالت كلماتها وأسرعت منسحبة إلى الباب وفتحته. أسرع إليها وأمسك ذراعها بقوة وهتف بنبرة حادة:
_ وقفي عندك رايحة فين، لسه ما خلصتش كلام.
نفضت يده بقوة وتحدثت بنبرة صوت حاسمة:
_ بس أنا خلصت كلامي وجولت لك اللي عندي، لما تنفذ لي شرطي أبقى تعالي، وساعتها هبقى أسمع مبرراتك اللي أنا متأكدة إنها ما هتفرق وياي، ولا هتغير وجهة نظري في اللي عملته معايا.
أجابها بثقة:
_ لازم تسمعيني يا صفا، صدقيني الكلام اللي أقوله هيرضيكِ ويعرفك إن غضبك ده كله مش في محله.
تغاضت عن حديثه وسألته بقوة:
_ لو صح عاوزني أقعد وأسمعك يبقى تطلقها الأول، وده شرطي الوحيد لجل ما أسمعك.
ابتلع غصة مرة من عدم استطاعته لتنفيذ رغبتها المشروعة. أخذ نفساً عميقاً وزفره بضيق وأردف قائلاً بنبرة بائسة حزينة:
_ مينفعش يا صفا، ماقدرش أطلقها دلوقتي.
ابتسمت بجانب فمها ونظرت إليه وتحدثت:
_ وأنا كمان ماقدرش أسمعك دلوقتي.
هتف مترجياً:
_ بلايش عند يا صفا.
ردت بقوة:
_ أنا مش بعند، أنا بقولك شرطي وإنت حر في اختيارك.
أجابها بيأس:
_ ماعرفش أطلقها قبل سنة؟
عقدت ذراعيها فوق صدرها وتحدثت بنبرة صارمة:
_ بسيطة ومحلولة يا متر، يبقى نتجابل ونتحدث بعد سنة من دلوقتي.
جحظت عيناه واشتعلت روحه المتشوقة لضمتها وتسائل بذهول:
_ كأنك اتجننتي يا صفا، إنتِ عاوزانا نقعدوا بعيد عن حضن بعض سنة بحالها؟
قوس فمها وابتسمت ساخرة وتحدثت متعجبة مما جعل الدماء تغلي بعرقه:
_ ومين قال لك إن بعد السنة ما تعدي هرجع لحضنك تاني!
واسترسلت حديثها بقوة وشموخ أنثى أبية:
_ أنا كلامي واضح، جولت بعد ما تطلقها هبقى أقعد وياك وأسمع مبرراتك اللي هتقول عليها دي، ووجهتها هقرر وهشوف هعمل إيه، وأنا وكيفي وجهتها يا متر.
صاح بنبرة غاضبة:
_ اعجل حديثك يا بت الناس وشوفي حالك بتجولي إيه، أنا صابر عليكِ لجل غلاوتك اللي في قلبي واللي إنتِ بتستغليها بحديثك دي، بس لازم تعرفي إن صبري له آخر.
اقتربت عليه وتحدثت بندية وعناد:
_ أهو أنا بقى عاوزة أشوف آخرك دي.
امسك ذراعيها ونظر لداخل عينيها وتحدث بقوة:
_ أوعي تفكري إن صبري عليكِ إنتِ وأبوكِ ضعف مني ولا قلة حيلة، أنا ممكن أشيلك دلوقتي وأخدك غصب ونطلع على شجتنا وأقول لك كل اللي مايزاش تسمعيه، بس أنا عاوزها تيجي منك بالرضا والعجل.
نفضت يداها منه بعنف وهتفت بنبرة صارمة حادة:
_ أنهي عجل وأنهي رضا اللي جاي تطالبني بيه يا متر، هو اللي إنتَ عملته فيا كان فيه ريحة العجل؟ تطلع خاطب واحدة من سبع سنين في نفس الوقت اللي كنت خاطبني فيه وتجول لي عجل؟
وصاحت بكل صوتها وبنبرة غاضبة مشتعلة:
_ تتجوزها علي وأنا لسه عروسة مكملتش شهر وتجولي عجل، أقول لك طلقها تجولي مينفعش قبل سنة وتجولي عجل؟ إنتَ خليت فيها عجل ولا منطق لجل ما أفكر وأجيك بيه!
وأكملت بنبرة حادة:
_ اسمع يا ولد الناس آخر الحديث لجل ما توجعش دماغك ودماغي معاك أكتر من كده. لو السما انطبجت على الأرض ما هقعدش معاك ولا هيجمعني بيك مكان واحد قبل ما تطلق اللي اتجوزتها علي وكسرتني قدام الكل.
وأكملت بنبرة حازمة:
_ قبل كده مايزاش أشوف وشك قدامي. إحنا كان بيناتنا عقد ووعد وإنتَ أخلت بيه، ورتبت حياتك وأمورك بالشكل اللي يريحك ويناسب ظروفك.
وأكملت بندية:
_ أظن إني كمان من حقي أرتب حياتي كيف ما يحلالي وبالشكل اللي يناسبني ويريحني.
وأردفت قائلة بنبرة صارمة وهي تنهي الحديث:
_ ومن هنا لحد ما السنة اللي جلت عليها تعدي ياريت مشوفش طلتك البهية قدامي تاني.
وأكملت بنبرة تهديدية:
_ وإلا قسما بالله، هتشوف وش تاني لصفا وهتصرف بطريقة ماتحبهاش لا إنتَ ولا حامي الحمى جدك.
قالت كلماتها وأسرعت منسحبة إلى الباب وفتحته. أسرع إليها وأمسك ذراعها بقوة وهتف بنبرة حادة:
_ وقفي عندك رايحة فين، لسه ما خلصتش كلام.
نفضت يده بقوة وتحدثت بنبرة صوت حاسمة:
_ بس أنا خلصت كلامي وجولت لك اللي عندي، لما تنفذ لي شرطي أبقى تعالي، وساعتها هبقى أسمع مبرراتك اللي أنا متأكدة إنها ما هتفرق وياي، ولا هتغير وجهة نظري في اللي عملته معايا.
أجابها بثقة:
_ لازم تسمعيني يا صفا، صدقيني الكلام اللي أقوله هيرضيكِ ويعرفك إن غضبك ده كله مش في محله.
تغاضت عن حديثه وسألته بقوة:
_ لو صح عاوزني أقعد وأسمعك يبقى تطلقها الأول، وده شرطي الوحيد لجل ما أسمعك.
ابتلع غصة مرة من عدم استطاعته لتنفيذ رغبتها المشروعة. أخذ نفساً عميقاً وزفره بضيق وأردف قائلاً بنبرة بائسة حزينة:
_ مينفعش يا صفا، ماقدرش أطلقها دلوقتي.
ابتسمت بجانب فمها ونظرت إليه وتحدثت:
_ وأنا كمان ماقدرش أسمعك دلوقتي.
هتف مترجياً:
_ بلايش عند يا صفا.
ردت بقوة:
_ أنا مش بعند، أنا بقولك شرطي وإنت حر في اختيارك.
أجابها بيأس:
_ ماعرفش أطلقها قبل سنة؟
عقدت ذراعيها فوق صدرها وتحدثت بنبرة صارمة:
_ بسيطة ومحلولة يا متر، يبقى نتجابل ونتحدث بعد سنة من دلوقتي.
جحظت عيناه واشتعلت روحه المتشوقة لضمتها وتسائل بذهول:
_ كأنك اتجننتي يا صفا، إنتِ عاوزانا نقعدوا بعيد عن حضن بعض سنة بحالها؟
قوس فمها وابتسمت ساخرة وتحدثت متعجبة مما جعل الدماء تغلي بعرقه:
_ ومين قال لك إن بعد السنة ما تعدي هرجع لحضنك تاني!
واسترسلت حديثها بقوة وشموخ أنثى أبية:
_ أنا كلامي واضح، جولت بعد ما تطلقها هبقى أقعد وياك وأسمع مبرراتك اللي هتقول عليها دي، ووجهتها هقرر وهشوف هعمل إيه، وأنا وكيفي وجهتها يا متر.
صاح بنبرة غاضبة:
_ اعجل حديثك يا بت الناس وشوفي حالك بتجولي إيه، أنا صابر عليكِ لجل غلاوتك اللي في قلبي واللي إنتِ بتستغليها بحديثك دي، بس لازم تعرفي إن صبري له آخر.
اقتربت عليه وتحدثت بندية وعناد:
_ أهو أنا بقى عاوزة أشوف آخرك دي.
امسك ذراعيها ونظر لداخل عينيها وتحدث بقوة:
_ أوعي تفكري إن صبري عليكِ إنتِ وأبوكِ ضعف مني ولا قلة حيلة، أنا ممكن أشيلك دلوقتي وأخدك غصب ونطلع على شجتنا وأقول لك كل اللي مايزاش تسمعيه، بس أنا عاوزها تيجي منك بالرضا والعجل.
نفضت يداها منه بعنف وهتفت بنبرة صارمة حادة:
_ أنهي عجل وأنهي رضا اللي جاي تطالبني بيه يا متر، هو اللي إنتَ عملته فيا كان فيه ريحة العجل؟ تطلع خاطب واحدة من سبع سنين في نفس الوقت اللي كنت خاطبني فيه وتجول لي عجل؟
وصاحت بكل صوتها وبنبرة غاضبة مشتعلة:
_ تتجوزها علي وأنا لسه عروسة مكملتش شهر وتجولي عجل، أقول لك طلقها تجولي مينفعش قبل سنة وتجولي عجل؟ إنتَ خليت فيها عجل ولا منطق لجل ما أفكر وأجيك بيه!
وأكملت بنبرة حادة:
_ اسمع يا ولد الناس آخر الحديث لجل ما توجعش دماغك ودماغي معاك أكتر من كده. لو السما انطبجت على الأرض ما هقعدش معاك ولا هيجمعني بيك مكان واحد قبل ما تطلق اللي اتجوزتها علي وكسرتني قدام الكل.
وأكملت بنبرة حازمة:
_ قبل كده مايزاش أشوف وشك قدامي. إحنا كان بيناتنا عقد ووعد وإنتَ أخلت بيه، ورتبت حياتك وأمورك بالشكل اللي يريحك ويناسب ظروفك.
وأكملت بندية:
_ أظن إني كمان من حقي أرتب حياتي كيف ما يحلالي وبالشكل اللي يناسبني ويريحني.
وأردفت قائلة بنبرة صارمة وهي تنهي الحديث:
_ ومن هنا لحد ما السنة اللي جلت عليها تعدي ياريت مشوفش طلتك البهية قدامي تاني.
وأكملت بنبرة تهديدية:
_ وإلا قسما بالله، هتشوف وش تاني لصفا وهتصرف بطريقة ماتحبهاش لا إنتَ ولا حامي الحمى جدك.
قالت كلماتها وأسرعت منسحبة إلى الباب وفتحته. أسرع إليها وأمسك ذراعها بقوة وهتف بنبرة حادة:
_ وقفي عندك رايحة فين، لسه ما خلصتش كلام.
نفضت يده بقوة وتحدثت بنبرة صوت حاسمة:
_ بس أنا خلصت كلامي وجولت لك اللي عندي، لما تنفذ لي شرطي أبقى تعالي، وساعتها هبقى أسمع مبرراتك اللي أنا متأكدة إنها ما هتفرق وياي، ولا هتغير وجهة نظري في اللي عملته معايا.
أجابها بثقة:
_ لازم تسمعيني يا صفا، صدقيني الكلام اللي أقوله هيرضيكِ ويعرفك إن غضبك ده كله مش في محله.
تغاضت عن حديثه وسألته بقوة:
_ لو صح عاوزني أقعد وأسمعك يبقى تطلقها الأول، وده شرطي الوحيد لجل ما أسمعك.
ابتلع غصة مرة من عدم استطاعته لتنفيذ رغبتها المشروعة. أخذ نفساً عميقاً وزفره بضيق وأردف قائلاً بنبرة بائسة حزينة:
_ مينفعش يا صفا، ماقدرش أطلقها دلوقتي.
ابتسمت بجانب فمها ونظرت إليه وتحدثت:
_ وأنا كمان ماقدرش أسمعك دلوقتي.
هتف مترجياً:
_ بلايش عند يا صفا.
ردت بقوة:
_ أنا مش بعند، أنا بقولك شرطي وإنت حر في اختيارك.
أجابها بيأس:
_ ماعرفش أطلقها قبل سنة؟
عقدت ذراعيها فوق صدرها وتحدثت بنبرة صارمة:
_ بسيطة ومحلولة يا متر، يبقى نتجابل ونتحدث بعد سنة من دلوقتي.
جحظت عيناه واشتعلت روحه المتشوقة لضمتها وتسائل بذهول:
_ كأنك اتجننتي يا صفا، إنتِ عاوزانا نقعدوا بعيد عن حضن بعض سنة بحالها؟
قوس فمها وابتسمت ساخرة وتحدثت متعجبة مما جعل الدماء تغلي بعرقه:
_ ومين قال لك إن بعد السنة ما تعدي هرجع لحضنك تاني!
واسترسلت حديثها بقوة وشموخ أنثى أبية:
_ أنا كلامي واضح، جولت بعد ما تطلقها هبقى أقعد وياك وأسمع مبرراتك اللي هتقول عليها دي، ووجهتها هقرر وهشوف هعمل إيه، وأنا وكيفي وجهتها يا متر.
صاح بنبرة غاضبة:
_ اعجل حديثك يا بت الناس وشوفي حالك بتجولي إيه، أنا صابر عليكِ لجل غلاوتك اللي في قلبي واللي إنتِ بتستغليها بحديثك دي، بس لازم تعرفي إن صبري له آخر.
اقتربت عليه وتحدثت بندية وعناد:
_ أهو أنا بقى عاوزة أشوف آخرك دي.
امسك ذراعيها ونظر لداخل عينيها وتحدث بقوة:
_ أوعي تفكري إن صبري عليكِ إنتِ وأبوكِ ضعف مني ولا قلة حيلة، أنا ممكن أشيلك دلوقتي وأخدك غصب ونطلع على شجتنا وأقول لك كل اللي مايزاش تسمعيه، بس أنا عاوزها تيجي منك بالرضا والعجل.
نفضت يداها منه بعنف وهتفت بنبرة صارمة حادة:
_ أنهي عجل وأنهي رضا اللي جاي تطالبني بيه يا متر، هو اللي إنتَ عملته فيا كان فيه ريحة العجل؟ تطلع خاطب واحدة من سبع سنين في نفس الوقت اللي كنت خاطبني فيه وتجول لي عجل؟
وصاحت بكل صوتها وبنبرة غاضبة مشتعلة:
_ تتجوزها علي وأنا لسه عروسة مكملتش شهر وتجولي عجل، أقول لك طلقها تجولي مينفعش قبل سنة وتجولي عجل؟ إنتَ خليت فيها عجل ولا منطق لجل ما أفكر وأجيك بيه!
وأكملت بنبرة حادة:
_ اسمع يا ولد الناس آخر الحديث لجل ما توجعش دماغك ودماغي معاك أكتر من كده. لو السما انطبجت على الأرض ما هقعدش معاك ولا هيجمعني بيك مكان واحد قبل ما تطلق اللي اتجوزتها علي وكسرتني قدام الكل.
وأكملت بنبرة حازمة:
_ قبل كده مايزاش أشوف وشك قدامي. إحنا كان بيناتنا عقد ووعد وإنتَ أخلت بيه، ورتبت حياتك وأمورك بالشكل اللي يريحك ويناسب ظروفك.
وأكملت بندية:
_ أظن إني كمان من حقي أرتب حياتي كيف ما يحلالي وبالشكل اللي يناسبني ويريحني.
وأردفت قائلة بنبرة صارمة وهي تنهي الحديث:
_ ومن هنا لحد ما السنة اللي جلت عليها تعدي ياريت مشوفش طلتك البهية قدامي تاني.
وأكملت بنبرة تهديدية:
_ وإلا قسما بالله، هتشوف وش تاني لصفا وهتصرف بطريقة ماتحبهاش لا إنتَ ولا حامي الحمى جدك.
قالت كلماتها وأسرعت منسحبة إلى الباب وفتحته. أسرع إليها وأمسك ذراعها بقوة وهتف بنبرة حادة:
_ وقفي عندك رايحة فين، لسه ما خلصتش كلام.
نفضت يده بقوة وتحدثت بنبرة صوت حاسمة:
_ بس أنا خلصت كلامي وجولت لك اللي عندي، لما تنفذ لي شرطي أبقى تعالي، وساعتها هبقى أسمع مبرراتك اللي أنا متأكدة إنها ما هتفرق وياي، ولا هتغير وجهة نظري في اللي عملته معايا.
أجابها بثقة:
_ لازم تسمعيني يا صفا، صدقيني الكلام اللي أقوله هيرضيكِ ويعرفك إن غضبك ده كله مش في محله.
تغاضت عن حديثه وسألته بقوة:
_ لو صح عاوزني أقعد وأسمعك يبقى تطلقها الأول، وده شرطي الوحيد لجل ما أسمعك.
ابتلع غصة مرة من عدم استطاعته لتنفيذ رغبتها المشروعة. أخذ نفساً عميقاً وزفره بضيق وأردف قائلاً بنبرة بائسة حزينة:
_ مينفعش يا صفا، ماقدرش أطلقها دلوقتي.
ابتسمت بجانب فمها ونظرت إليه وتحدثت:
_ وأنا كمان ماقدرش أسمعك دلوقتي.
هتف مترجياً:
_ بلايش عند يا صفا.
ردت بقوة:
_ أنا مش بعند، أنا بقولك شرطي وإنت حر في اختيارك.
أجابها بيأس:
_ ماعرفش أطلقها قبل سنة؟
عقدت ذراعيها فوق صدرها وتحدثت بنبرة صارمة:
_ بسيطة ومحلولة يا متر، يبقى نتجابل ونتحدث بعد سنة من دلوقتي.
جحظت عيناه واشتعلت روحه المتشوقة لضمتها وتسائل بذهول:
_ كأنك اتجننتي يا صفا، إنتِ عاوزانا نقعدوا بعيد عن حضن بعض سنة بحالها؟
قوس فمها وابتسمت ساخرة وتحدثت متعجبة مما جعل الدماء تغلي بعرقه:
_ ومين قال لك إن بعد السنة ما تعدي هرجع لحضنك تاني!
واسترسلت حديثها بقوة وشموخ أنثى أبية:
_ أنا كلامي واضح، جولت بعد ما تطلقها هبقى أقعد وياك وأسمع مبرراتك اللي هتقول عليها دي، ووجهتها هقرر وهشوف هعمل إيه، وأنا وكيفي وجهتها يا متر.
صاح بنبرة غاضبة:
_ اعجل حديثك يا بت الناس وشوفي حالك بتجولي إيه، أنا صابر عليكِ لجل غلاوتك اللي في قلبي واللي إنتِ بتستغليها بحديثك دي، بس لازم تعرفي إن صبري له آخر.
اقتربت عليه وتحدثت بندية وعناد:
_ أهو أنا بقى عاوزة أشوف آخرك دي.
امسك ذراعيها ونظر لداخل عينيها وتحدث بقوة:
_ أوعي تفكري إن صبري عليكِ إنتِ وأبوكِ ضعف مني ولا قلة حيلة، أنا ممكن أشيلك دلوقتي وأخدك غصب ونطلع على شجتنا وأقول لك كل اللي مايزاش تسمعيه، بس أنا عاوزها تيجي منك بالرضا والعجل.
نفضت يداها منه بعنف وهتفت بنبرة صارمة حادة:
_ أنهي عجل وأنهي رضا اللي جاي تطالبني بيه يا متر، هو اللي إنتَ عملته فيا كان فيه ريحة العجل؟ تطلع خاطب واحدة من سبع سنين في نفس الوقت اللي كنت خاطبني فيه وتجول لي عجل؟
وصاحت بكل صوتها وبنبرة غاضبة مشتعلة:
_ تتجوزها علي وأنا لسه عروسة مكملتش شهر وتجولي عجل، أقول لك طلقها تجولي مينفعش قبل سنة وتجولي عجل؟ إنتَ خليت فيها عجل ولا منطق لجل ما أفكر وأجيك بيه!
وأكملت بنبرة حادة:
_ اسمع يا ولد الناس آخر الحديث لجل ما توجعش دماغك ودماغي معاك أكتر من كده. لو السما انطبجت على الأرض ما هقعدش معاك ولا هيجمعني بيك مكان واحد قبل ما تطلق اللي اتجوزتها علي وكسرتني قدام الكل.
وأكملت بنبرة حازمة:
_ قبل كده مايزاش أشوف وشك قدامي. إحنا كان بيناتنا عقد ووعد وإنتَ أخلت بيه، ورتبت حياتك وأمورك بالشكل اللي يريحك ويناسب ظروفك.
وأكملت بندية:
_ أظن إني كمان من حقي أرتب حياتي كيف ما يحلالي وبالشكل اللي يناسبني ويريحني.
وأردفت قائلة بنبرة صارمة وهي تنهي الحديث:
_ ومن هنا لحد ما السنة اللي جلت عليها تعدي ياريت مشوفش طلتك البهية قدامي تاني.
وأكملت بنبرة تهديدية:
_ وإلا قسما بالله، هتشوف وش تاني لصفا وهتصرف بطريقة ماتحبهاش لا إنتَ ولا حامي الحمى جدك.
قالت كلماتها وأسرعت منسحبة إلى الباب وفتحته. أسرع إليها وأمسك ذراعها بقوة وهتف بنبرة حادة:
_ وقفي عندك رايحة فين، لسه ما خلصتش كلام.
نفضت يده بقوة وتحدثت بنبرة صوت حاسمة:
_ بس أنا خلصت كلامي وجولت لك اللي عندي، لما تنفذ لي شرطي أبقى تعالي، وساعتها هبقى أسمع مبرراتك اللي أنا متأكدة إنها ما هتفرق وياي، ولا هتغير وجهة نظري في اللي عملته معايا.
أجابها بثقة:
_ لازم تسمعيني يا صفا، صدقيني الكلام اللي أقوله هيرضيكِ ويعرفك إن غضبك ده كله مش في محله.
تغاضت عن حديثه وسألته بقوة:
_ لو صح عاوزني أقعد وأسمعك يبقى تطلقها الأول، وده شرطي الوحيد لجل ما أسمعك.
ابتلع غصة مرة من عدم استطاعته لتنفيذ رغبتها المشروعة. أخذ نفساً عميقاً وزفره بضيق وأردف قائلاً بنبرة بائسة حزينة:
_ مينفعش يا صفا، ماقدرش أطلقها دلوقتي.
ابتسمت بجانب فمها ونظرت إليه وتحدثت:
_ وأنا كمان ماقدرش أسمعك دلوقتي.
هتف مترجياً:
_ بلايش عند يا صفا.
ردت بقوة:
_ أنا مش بعند، أنا بقولك شرطي وإنت حر في اختيارك.
أجابها بيأس:
_ ماعرفش أطلقها قبل سنة؟
عقدت ذراعيها فوق صدرها وتحدثت بنبرة صارمة:
_ بسيطة ومحلولة يا متر، يبقى نتجابل ونتحدث بعد سنة من دلوقتي.
جحظت عيناه واشتعلت روحه المتشوقة لضمتها وتسائل بذهول:
_ كأنك اتجننتي يا صفا، إنتِ عاوزانا نقعدوا بعيد عن حضن بعض سنة بحالها؟
قوس فمها وابتسمت ساخرة وتحدثت متعجبة مما جعل الدماء تغلي بعرقه:
_ ومين قال لك إن بعد السنة ما تعدي هرجع لحضنك تاني!
واسترسلت حديثها بقوة وشموخ أنثى أبية:
_ أنا كلامي واضح، جولت بعد ما تطلقها هبقى أقعد وياك وأسمع مبرراتك اللي هتقول عليها دي، ووجهتها هقرر وهشوف هعمل إيه، وأنا وكيفي وجهتها يا متر.
صاح بنبرة غاضبة:
_ اعجل حديثك يا بت الناس وشوفي حالك بتجولي إيه، أنا صابر عليكِ لجل غلاوتك اللي في قلبي واللي إنتِ بتستغليها بحديثك دي، بس لازم تعرفي إن صبري له آخر.
اقتربت عليه وتحدثت بندية وعناد:
_ أهو أنا بقى عاوزة أشوف آخرك دي.
امسك ذراعيها ونظر لداخل عينيها وتحدث بقوة:
_ أوعي تفكري إن صبري عليكِ إنتِ وأبوكِ ضعف مني ولا قلة حيلة، أنا ممكن أشيلك دلوقتي وأخدك غصب ونطلع على شجتنا وأقول لك كل اللي مايزاش تسمعيه، بس أنا عاوزها تيجي منك بالرضا والعجل.
نفضت يداها منه بعنف وهتفت بنبرة صارمة حادة:
_ أنهي عجل وأنهي رضا اللي جاي تطالبني بيه يا متر، هو اللي إنتَ عملته فيا كان فيه ريحة العجل؟ تطلع خاطب واحدة من سبع سنين في نفس الوقت اللي كنت خاطبني فيه وتجول لي عجل؟
وصاحت بكل صوتها وبنبرة غاضبة مشتعلة:
_ تتجوزها علي وأنا لسه عروسة مكملتش شهر وتجولي عجل، أقول لك طلقها تجولي مينفعش قبل سنة وتجولي عجل؟ إنتَ خليت فيها عجل ولا منطق لجل ما أفكر وأجيك بيه!
وأكملت بنبرة حادة:
_ اسمع يا ولد الناس آخر الحديث لجل ما توجعش دماغك ودماغي معاك أكتر من كده. لو السما انطبجت على الأرض ما هقعدش معاك ولا هيجمعني بيك مكان واحد قبل ما تطلق اللي اتجوزتها علي وكسرتني قدام الكل.
وأكملت بنبرة حازمة:
_ قبل كده مايزاش أشوف وشك قدامي. إحنا كان بيناتنا عقد ووعد وإنتَ أخلت بيه، ورتبت حياتك وأمورك بالشكل اللي يريحك ويناسب ظروفك.
وأكملت بندية:
_ أظن إني كمان من حقي أرتب حيات
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم روز امين
تحدث عثمان بقلبٍ يرتجف خشية إستماعة لتأكيدها لما يُخبرةُ بهِ حدسة منذ الصباح:
_ إجفلي خاشمك وبطلي عويل وجولي لي إية اللي حُصل يا بِت ؟
أجابتة عَلية بصراخ وانهيار:
_ زيدان أخوي إنجتل يا أبووووي.
حالة من الفزع والهلع أصابت الجميع. ورد وصفا اللتان تصرخان بكُل صوتهما وهلعهما الذي أصابهما تخوفً من صحة الخبر المشؤم. عِثمان الذي لم تعُد ساقيه تتحملان جسدهِ الهرِم. رسمية، فايقة اللتان تتصطحتان الإرض وفاقدتا للوعي. قدري ومنتصر اللذان شُلت حركتهما وتحول داخلهما لنارٍ ستحرق الأخضر واليابس لأجل أخذ الثأر للإنتقام من قاتل غاليه.
ما هي إلا ثواني حدث بها كُل هذا.
سأل قدري شقيقته بنبرة صارخة مُتغاضيً عن تلك المُلقاه علي الأرض وليلي والعاملات تحاولن إفاقتها:
_ مين اللي جال لك علي الخبر الشوم دِي يا عَلية ؟
أجابتهُ تلك التي تضع رأس والدتها فوق ساقيها وتحاول إفاقتها هي ومريم ونجاة:
_البلد كِلياتها مجلوبة برة وعتتحدت يا أخوي، وعيجولوا إنهم إترصدوا لـ زيدان النُعماني وإصطادوه بره النچع وهو راچع وضربوه بالنار، ورچالة النچع واجفين بره بالسلاح رهن الإشارة لجل ما يشوفوا أبوي ناوي علي إيه.
تحدث عِثمان إلي قدري بنبرة قوية إصطنعها بصعوبة كي لا يضعف أمام أبنائه وأحفاده الذين يستمدون منهُ القوةَ:
_إتصل لي بالمأمور وشوف لي الخبر الشوم دي صحيح ولا لا.
وأكمل بقلبٍ يرتعب:
_ولو لاجدر الله صحيح، إسأله عن مكان أخوك وشوفه فين لچل ما نروح نچيبه.
أطاعهُ قدري ودلف للداخل سريعً ومنهُ للأعلي ليُحضر هاتفهُ.
أما حسن إبن منتصر الذي دلف للداخل وأتي بالسلاح وقام بتوزيعهُ علي الجميع، ثم أمسك بقطعة منه وضرب طلقة في الهواء مُعلنً بها أن الدمار أتيً لا محَال، وتحدث بغضب:
_ الله في سماه لاحزن أمك ومّرتك علي حياتك يا كامل يا أبو الحسن إنتَ ورچالة نچع الديابية كِلياتهم.
تحدث يزن الذي أمسك بندقية ألي وهتف بتهديد:
_ اللول نشوف صحة الخبر الشوم دي، وبعدها نچع الديابية بحالهْ معيطلعش عليه نهار.
وبلحظة صدح رنين هاتف فارس الذي يحمل سلاحهُ بقلبٍ مُشتعل، أخرجهُ من جيبه سريعً ونظر بشاشته وجدهُ قاسم الذي تحدث سريعً بنبرة متعجلة:
_ إسمعني زين يا فارس، عمك زيدان إنضرب بالنار عِند الترعة الغربية، وأني دلوك معاه في المستشفي، هات صفا وتعال حالاً لجل ما تخرچ لأبوها الرصاصة.
حالة من الهرج والغضب واللاعقل أصابت الجميع. وهُنا علا صوت العقل حين تحدث فارس إلي جده:
_ قاسم إتصل من المستشفي يا چدي وعيجول إنه مع عمي زيدان وإنه لساته عايش وبخير.
وهُنا كان التخبط سيد موقف الجميع حيث جري الجميع بسياراتهم متجهين إلي المَشفي ليجدوا جميع رجال النجع مُلتفون حول المَشفي، حاملين أسلحتهم وفي إنتظار إشارة من كبيرهم ليتحركوا إلي الحرب التي أصبحت مُحتمة.
❈-❈-❈
عودة إلي ما قبل الساعتان.
داخل أحد السُّرادق المنصّوب لغرض الدعاية الإنتخابية لـزيدان، والمتواجد داخل بِلدة مجاورة لنجع النُعماني والذي أعدهُ له كبير البِلدة إكرامً لصديق صِباه الحاج عِثمان.
كان يجلس أعلي، بالمكان المحدد له ليُخاطب أبناء دائرتة ويكشف لهم عن ما سيقوم بتقديمهُ من خدماتٍ لهم إذا ما حصُل علي مقعدهِ داخل البرلمان. كان مُحاطً بأبناء عائلتهُ العريقة من أعمامه وأبناء عمومته وأشقائه وأبناء أشقائة. فارس ويزن وحسن، والذين كانوا دائمين التحرك معهُ إينما ذهب إمتثالاً لتعليمات جدهم.
بعد إنتهاء المؤتمر، ضل زيدان لإكمال سهرته مع بعض أصدقائه من ساكني البلدة بدعوة مُلحة منهم، وأرسل أبناء أشقائه يزن وفارس وحسن رغم إعتراضهم علي تركهِ بمفردة، وذلك بناءً علي تعليمات جدهم عِثمان، إلا أنهم رضخوا لحديث زيدان بعد إصرارهِ لعدم إرهاقهم معه.
وصل قاسم إلي مطار سوهاج في وقتٍ مُتأخراً حيث تخطت الساعة الواحدة صباحً، أتي بهِ الشوق بعد غيابهُ إسبوعان كاملان عن من حرمته من التنعم داخل أحضانها الدافئة.
وكعادته مُؤخراً لم يُخبر أحد بميعاد وصوله، استقل سيارته التي يصفها داخل جراچ خاص بجانب المطار، وتحرك بها عائداً وكلهِ أمل أن يري وجه حبيبته ويستطيع إقناعها بالرجوع إلي أحضانهِ وعودة الروح إلي جسدهِ من جديد.
وأثناء قيادته وجد سيارة نقل مكشوفة تقف بمنتصف الطريق وتقطعهُ أمام سيارة ملاكي، ونزل منها ثلاثة رجال مُلثمين ويحملون السلاح بأيديهم ويتوجهون إلي السيارة الملاكي لينهوا ما بدأوة بعدما أطلقوا رصاصة آُصِيبت سائق الملاكي.
جن جنونهُ حين دقق النظر ورأي سيارة عمه زيدان من وسط الظلام الدامس، أمسك سلاحهُ المُرخص ثم أدار مصباح سيارته ووجههُ علي المأجورين الذين إنتبهوا له، وترجل من السيارة كالمجنون.
أخذ من باب سيارته ساتراً له وصوبَ بعناية ثم بدأ بإطلاق النار علي أحدهم، آصابهُ بمنتصف قدمه مما أرعب الرجلين الآخران وبدأوا بالتراجع عن تقدمهم بإتجاة سيارة زيدان. بدأ أحدهم بجذب الرجل المُصاب والآخر يحميهما بإطلاق النار علي قاسم حتي وقفوا خلف سيارتهم وأخذوا منها ساتراً لهم وبدأوا بتبادل إطلاق النار الكثيف قاصدين قتل قاسم والعودة إلي زيدان مرةً آخري لينهوا تلك المهمة التي أتوا من أجل إنهائها.
لفت إنتباههم ظهور بعض الخُفَرَاء (بعضً من الحَرس حاملي السلاح، التابعين لعُمدة البِلدة والمعينين من قِبل مأمور المركز). كانوا يأتون مهرولين ويطلقون بأسلحتهم بعضً من الطلقات النارية في الهواء لإرهاب هؤلاء الخارجين عن القانون، وأيضاً زعزع موقفهم وأرعبهم ظهور بعض الناس التي خرجت وتوجهت إلي المكان حيث تتبعوا خروج أصوات إطلاق الرصاص.
بسرعة البرق أسرع كِلا المُلثمين بإصعاد الرجل المصاب خلف السيارة. أما قاسم الذي كان يُدقق النظر بحكم عملهِ، كي يري أية دلائل توجههُ إلي معرفة هوية المجرمين وتتبعهم بالقانون.
وأثناء تفحصهُ للسيارة ومراقبته للأشخاص، لفت إنتباههُ شامة كبيرة ومميزة علي ذراع أحدهم. اثناء رفعهِ للمصاب ومساعدتهُ للصعود إلي أعلى السيارة.
وفروا هاربين كالجرزان بسيارتهم سريعً.
هرول قاسم إلي عمه وقام بفتح باب السيارة وجدهُ غارقً وسط دمائه نتيجة تلقيه رصاصة بصدره ويبدوا أنها بمنطقة خطر. كان زيدان ما زال واعيً وشاهداً علي كُل ما حدث، نظر إلي قاسم بلهفة، فهو كان ينتظر الموت المُحتم حين تلقي رصاصته علي أيديهم حين قطعوا عليه الطريق واطلقوا عليه الرصاصة كي يجبروه علي التوقف.
لم يستسلم زيدان وضل يقود سيارته كي ينأي بحاله من الهلاك، فأطلقوا إحدي الرصاصات علي إطار السيارة وأصابوه فتوقفت، وبعدها ترجلوا من سياراتهم ليُكملوا مهمتهم بالإكمال عليه وعدم تركهِ إلا بعد التأكد التام من وفاته.
تحدث زيدان وهو ينظر إلي قاسم بلهفة وأمتنان:
_ چيتني بوجتك يا ولدي.
يهتف قاسم بلهفة ليُطمأنه:
_ بلاش تتحدت يا عمي ومتخافش، أني هنجلك علي المستشفي حالاً وهتُبجا زين.
إتجه إليه خَفيران بأسلحتهم وتحدث أحدهم:
_ خير يا قاسم بيه، فيه حد إتصاب إياك.
صاح الخَفير الآخر عِندما تعرف علي هوية المُصاب:
_ يا سنة سوخة يا ولاد، ده زيدان النُعماني اللي متصاب، البلد عتتحرج الليلة والدم هيُبجا للرُكبة.
علي عجاله تحدث قاسم بلهجة حادة:
_ بطل رط وشيل وياي إنتَ وهو لجل ما أنجله في عربيتي عشان أوصله للمستشفي.
وبسرعة البرق إمتلئ المكان بالناس اللذين إلتفوا حول قاسم ورأوة وهو ينقل زيدان بمساعدة الخَفيران، ورأوا زيدان والدماء تسيل بغزارة من جسدهِ المُتراخي، بعدما فقد وعيه مما جعل البعض يعتقد أنهُ لقَيّ مَصرعهُ.
وصل قاسم المَشفي بصُحبة عمه والخَفيران في أقل من سبعة دقائق، سأل قاسم حارسي المشفي عن دكتور ياسر، فأخبرهُ أحدهم أنه بالإستراحة الخاصة به، إستدعوه سريعً لإستقبال الحالة.
بعد الفحص تحدث ياسر إلي قاسم بنبرة حزينة:
_ الرصاصة شكلها في منطقة خطيرة ولازم حد متخصص وماهر هو اللي يخرجها.
وأكمل بملامح وجه مقتضبة:
_ لأن أي غلطة ولو بسيطة، زيدان بيه هيدفع حياته تمنها.
صاح قاسم متسائلاً بجمود:
_ وإنت ماتعرفش تطلعها له ؟
أجابهُ ياسر بتفسير:
_ أنا مش جراح، مفيش قدامنا غير صفا هي اللي هتقدر تخرجها، لكن أنا مضمنش تماسكها جوة غرفة العمليات.
وهز كتفيه قائلاً بتفسير:
_ ده بردوا أبوها.
وأكمل بتناقض:
_ وفي نفس الوقت لو بعتنا نستدعي دكتور من العاصمة هياخد وقت طويل علي ما يوصل، ومن اللي أنا شايفه قدامي أقدر أقول لك إن عامل الوقت مهم جداً، وإن كل دقيقة بتعدي مش في صالح زيدان بيه، وقبل كل ده زيدان بيه محتاج نقل دم بدل الدم اللي فقده ده كله.
تحدث قاسم وهو يُخرج هاتفه ليحادث فارس:
_ أنا فصيلة دمي نفس فصيلة دم عمي زيدان، جهز كل اللازم لإجراء العملية، وأنا هكلم فارس يجيب صفا علي ما تسحب مني الدم اللي إنتَ محتاجه.
أردف ياسر مُفسراً له:
_ لازم الأول أعمل لك تحليل علشان أتأكد إنك نفس الفصيلة، وكمان لازم أتأكد من إنك مش مصاب بأي مرض أو فيروس يأثر علي المريض داخل أوضة العمليات ويسبب لنا مشكلة جوة.
زفر قاسم وصاح به بضيق من شدة توترهُ وقلقه علي عمه الذي يصارع الموت بالداخل وايضاً لعدم تقبلهُ لشخص ياسر:
_ ياسيدي قولت لك إني نفس فصيلته.
وأكمل شارحً لإقناعه:
_ من حوالي سنتين حسن إبن عمي كان عامل حادثة كبيرة بعربيته، وقتها إحتاج لنقل دم وكلنا عملنا تحاليل، وأنا وعمي زيدان وقتها طلعنا نفس الفصيلة.
وأكمل مُفسراً لإطمأنانه:
_ ولو علي خوفك من نقل الفيروسات فأحب أطمنك، أنا بعمل تشيك آب كل 6 شهور، وآخر مرة كان قبل فرحي بإسبوع، يعني تقريباً كده من ثلاث شهور ونص.
إطمأن ياسر لحديثهُ وأكمل قاسم مكالمته قائلاً:
_ فارس، عمك زيدان إنضرب بالنار، هات صفا وتعالي حالاً علي المستشفي.
❈-❈-❈
عودة إلي الحاضر.
بدأ ياسر بسحب أكياس الدماء من قاسم للتحضير إلى العمليه.
وأثناء ما كانت المُمرضة تقوم بسحب الدماء، أمسك قاسم هاتفهُ وطلب رقم رجل ذو منصب رفيع بالدولة، كان قد تعرف عليه مؤخراً من خلال إحدي قضاياه.
وتحدث إلية بنبرة وقورة:
_ عزام باشا، بعد إذن حضرتك، أنا طالب من سيادتك خدمة ضرورية وهيترتب عليها إنقاذ حياة ناس كتير جداً في سوهاج.
وقص لهُ الروايه وطلب منه إيصالهُ المباشر إلي مدير أمن سوهاج والمحافظ، وطلب منه توصيتهُما لبذل أقصي ما عِند كلاهُما لسُرعة كشف هوية المجرمين.
ما هي إلا ثواني وكان مكتب المُحافظ يهاتف قاسم وقاموا بإيصالهُ بالمحافظ مباشرةً والذي إستغرب وسأل قاسم مُتعجباً:
_ الحقيقة أنا إستغربت جداً لما عرفت إسمك الثُلاثي من مكتب سيادة مدير الأمن.
وأكمل متسائلاً بتعجُب:
_ هو إنتَ ليه وسطت بينا طرف ثالث وإنتَ عارف كويس إني صديق لجدك ولو كلمني ماكُنتش هتأخر عليه ؟
أجابهُ قاسم بصدق:
_ أنا بكلم سيادتك قبل ما جدي يعرف الموضوع علشان تلحق تتصرف، وتدي تعليمات جنابك لرجالتك علشان يتتبعوا خط سير المجرمين قبل مايهربوا برة المحافظة.
وأكمل مفسراً ليُطلعهُ علي خطورة الموقف:
_ جدي لو عرف قبل ما تقبضوا علي كمال أبو الحسن نجع الديابية هيتحول لبركة دم، وأظن حضرتك عارف صحة كلامي كويس، بما إن سيادتك بقا لك كتير في سوهاج وعارف تفكير الناس هنا وعوايدهم.
تفاهم المحافظ حديثهُ وأثني علي تفكير قاسم الحكيم، أعطي قاسم مواصفات السيارة والثلاث رجال وأخبرهُ عن إصابته لساق أحدهم والشامة، وأكمل قاسم:
_ أنا هحاول أمنع جدي من أي تصرف متهور، وهحاول أقنعه إننا نخلي العدالة تاخد مجراها وناخد حقنا بالقانون.
وأسترسل حديثهُ شارحً:
_ بس ما أقدرش أوعد سيادتك إن هقدر أسيطر لوقت طويل، فياريت حضرتك تعمل أقصي ما عندك قبل ما جدي يفقد صبره أو لا قدر الله عمي يجرا له حاجة.
أغلق هاتفهُ بعدما إتفقا علي ما يجب فعله.
❈-❈-❈
أتي الجميع مهرولين إلي المَشفي، وبدأ جميع رجال عائلة النُعماني الكبيرة بالإنضمام إلي قاسم والتسابق لغُرفة الفحص، لفحص زُمرة دمائهم وتجهيز المُتطابق منهم للتبرع بالدماء.
دَلفت صفا لداخل حُجرة الفحص بساقان مهتزتان تجرهما خلفها، أجرت الكشف علي غاليها بيدان ترتعشتان ودموعً منهمرة فوق وجنتيها لم تستطع التحكم بها، صُدمت وأرتعب داخلها حين وجدت إستقرار الرُصاصة قريبً جداً من القلب، مما جعل عملية إستخراجها أمراً في غاية الصعوبة ويحتاجُ إلي جراحٍ بارعًه.
هتفت ورد التي أصرت علي الدخول معها لتري معشوق عيناها:
_ أبوكِ ماله يا صفا، طمني جلبي علي حبيبي يا بِتي.
إبتلعت لُعابها وخبأت أهاتها داخل صدرها وتحدثت إلي والدتها بنبرة بها طمأنة رُغم هلعِها:
_ حاچة بسيطة يا أمّا إن شاء الله، أبوي كيف الأسد، مفيش حاچة عتجدر عليه وعيجوم لنا بالسلامة.
إقتربت ورد التي تستمد قوتها من إيمانها بالله، إلتصقت بحبيبها المُتمدد علي الشِيزلونج ثم دنت منه ووضعت قُبلة فوق جبينه، سقطت دمعه من عيناها فوق عيناه فتساقطت وظهرت وكأن عيناهُ هي من زرفتها، رفعت وجهها وتحدثت وهي تتحسس وجنتهُ بحنان:
_ مستنياك برة يا أسدي لچل متطلع لي سالم غانم.
وأكملت بتأكيد وكأنهُ يستمع إلي حديثها:
_ إوعاك تِخليّ بوعدك ليا يا إبن النُعماني.
وأكملت بقوة رغم دموعها التي تنهمر علي وجنتيها:
_ مش إنتِ وعدتني ليلة دُخلتك علي إنك معتسبنيش واصل؟
وجولت لي كُمان إنك معتخليش الدموع تعرف طريج لعنيا طول ما أنتَ چاري.
وأكملت بتيهه:
_ يكون في معلومك، أني معسامحش في اللي يفرط في كلمته واصل، سامعني يا زيدان، عستناك برة يا حبيبي.
وأكملت بتوصية وهي تضع قُبلة ما قبل الخروج والذي أجبرها عليه ياسر كي يأخذ زيدان لتجهيزهُ لدخول غرفة العمليات:
_ مطولش عليّ يا سِيد جلبي.
قالت كلماتها وخرجت بقلبٍ يتمزق حُزنً وهي تري حبيبها القوي مُمدداً فوق التخت لا حول لهُ ولا قوة، وهو القوي الذي لم يعرف الإنكسار يوماً طريقً له.
خرج قاسم من غرفة سحب العينات، وجد جميع أفراد العائلة حاضرة، النساء تنتحبن وشهقاتهُن تصدح بالمكان وتشق صدورهُن علي غاليهم الذي يقبع داخل الغُرفة فاقداً للوعي يصارع الموت.
أما الرجال فيقفون بقلوبٍ تغلي وتشتعلُ ناراً، كُلً مُمسكً سلاحهُ بيده وفي إنتظار الإشارة من كبيرهم كي يتحركوا ويحرقوا بطريقهم الآخضر واليابس ليثأروا لغاليهم.
تحرك إلي محل وقوف مريم الباكية وسألها مُتلهفً عن صفا، فأعلمته أنها بداخل غرفة الفحص.
قرر ان يهرول إليها لولا وجود المُمرضة التي أسرعت إليه وتحدثت بتوجس:
_ معينفعش تُجف إكده يا قاسم بيه، حضرت إتبرعت بكمية دم كبيرة ولازمن ترتاح علي السرير لجل جسمك ميتأثرش.
رفض بقوة فتحدثت زميلتها بالعمل إليها:
_ هاتي له علبة عصير يشربها يا هالة.
تحرك منتصب الظهر بطريقهُ كي يدلف إلي صفا، أوقفهُ صوت عِثمان الذي سألهُ بعيناي يُطلقان شزراً وملامح قاسية لرجُل يستعدُ لحرق كل ما ستطالهُ أياديه:
_ قاسم، إحكي لي كُل اللي حُصل وكيف عِترت في عمك.
توقف قاسم عن الحركة وأخذ نفسً عميقً وبدأ بقص كُل ما دار أمام عيناه.
أردف يزن قائلاً بنبرة عالية:
_ محدش يچرؤ يعمل العملة الخسيسة دي غير الچبان اللي إسميه كمال أبو الحسن.
صاح فارس بنبرة غاضبة مؤكداً علي حديث يزن:
_ عِندك حج يا يزن، هو الكلب اللي إسميه كمال مفيش غيره.
هتف حسن برعونة شباب ونبرة غاضبة وهو يرفع سلاحهُ لأعلي كنايةً لجاهزيته:
_ وحج رجدت عمي زيدان معيطلع النهار غير وهو وناسه العِفشه غرجانيين في دمهم الزِفروت.
تحدث إلي جدهِ بإلحاح:
_ إديني الإذن يا چدي وأني أروح أچيبهُ لك مِتكتَف وأرميهولك تحت رچليك جَبل ما أدبحه كيف الخروف وعيني في عينه، مش مستخبي زي النسوان كيف ماعمل هو.
هتف قاسم بنبرة صارمة:
_ إجفل خاشمك وبطل رط ملوش عازه يا حسن، حج عمي عناخده بالعجل وبالجانونه.
تفقد قدري بنبرة غاضبة معترضً علي حديث ولدهُ:
_ عجل وجانون مين اللي عتتحدت عنيهم يا قاسم، عمك إتغدر بيه وساح دمه علي إدين عالم رِمم متسواش وتجولي جانون؟
وأكمل بنبرة غاضبة:
_ الله في سماه معيطلع الصُبح غير وأني معلج كمال أبو الحسن علي باب السرايا، ومجطع من چِسمة بالساطور نساير كيف مبيجطعوا الچزارين من الدبيحه المِتعلجه.
دوي صوت مُنتصر الذي صدح بهتافٍ غاضب وحسم:
_ واني معاك يا قدري، وحج رجدتك يا زيدان لاولع في نچع الديابية دار دار.
صدح صوت قاسم الصارم وهو يحدث جده ويحثهُ علي التدخُل لوقف هذة المهاترات الغير مجديه بنفع:
_ عتفضل ساكت إكده يا چدي، متجول حاچة اومال!
كان يجلس فوق مقعداً، سانداً علي عصاه الأبنوسية، ينظر أمامه بعيون كذئبٍ خبيث يترقب فريسته لينقض عليها ويفتك بها، فتحدث بنبره هادئة عكس ما يدور داخله:
_ إنتَ إيه رأيك يا قاسم ؟
أجابهُ قاسم بنبرة قاطعة غير قابلة للجدال:
_ رأيي إن نسيب الجانون ياخد مجراه.
وأكمل بثقة:
_ أني شُفت الحادثة وعرفت تفاصيل إكتير عتخليني أصطاد الاندال اللي عِملوها كيف الفيران هما والخسيس اللي أچرهم.
وأكمل بقوة:
_ خليك واثج فيا يا چدي وتوكد إن حج عمي عچيبه في خلال ساعات، وكيف ماجولت من إشوي، عجيبه بالعجل وبالجانون عشان محدش من العيلة يتإذي والدم يبجي للرُكب بيناتنا وبين نچع الديابية.
علت الأصوات الرافضة لحديث قاسم المُنافي لعاداتهم والذي يُطالبهم بالرضوخ والمذلة وتسليم الآمر إلي القانون كالضعفاء والجبناء، وهذا ما لم ولن يتقبلوه رچال النُعمانية.
دَلفت دكتورة أمل وهي تهرول علي عُجالة بصحبة الموظف الذي بعثهُ لها ياسر كي يُجلبها بالسيارة لتقف بجانب باقي أطباء المّشفي للمساعدة في تلك الكارثة، كانت تتلفت حولها وتدورُ بمقلتيها متلهفة لرؤية من حرمَ علي عيناها النظر إلي وجههِ البرئ مُنذ الثلاثة أسابع المُنصرمة وبالتحديد من اليوم اللذانِ تشاجرا به.
وجدته يقف وعلامات الغضب والتشنج تستحوذ علي ملامحه، نظر إليها وبلحظة دق قلبهُ بوتيرة عالية وانتفض جسده جراء رؤياها ونظراتها المتفحصة لملامحه بلهفة وعناية، سحب عيناهُ سريعً إمتثالاً لكرامة الصعيدي بداخله التي تطالبهُ بالتمرد علي قلبه ودعسهُ تحت قدماه، ولا للمذلةِ لتلك المتبلدة المشاعر.
رغبه مُلحة كانت تُطالبها بالهرولة إليه وسحبهِ وضمهِ إلي أحضانها كي تُطمئن قلقه الظاهر بعيناه ولتُطمئن قلبهُ المتألم جراء مشاجرتهما الآخيرة، والتي حاولت الإتصال عليه مراراً كي تعتذر منه عليها، لكنهُ أضاف رقمها في قائمة الحظر إمتثالاً لعزة نفسه وكرامته التي آُهينت علي أيديه.
تحدثت إلي الجميع بألم من نظرته الجامدة وسحب عيناه عنها:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سلامة زيدان بيه، ما تقلقوش، إن شآء الله خير.
رد عليها البعض والبعض الآخر يقف بجسدٍ مُتيبسً مُترقبً لما سيحدث.
تحدثت إليها السكرتير الواقف:
_ الدكتور ياسر مستني حضرتك چوة هو والدكتورة صفا.
ألقت نظرة سريعة علي ذلك الواقف متيبس الجسد كاشر الملامح ثم دلفت سريعً تحت نظرات ليلي التي إستغربت حال تلك الأمل.
تحدث قاسم مترجياً جدهُ وهو ينتوي الدخول إلي تلك التي تستحوذ الآن علي قلبه وعقله ليراها قبل البدء في إجراء عملية إخراج الرصاصة:
_ أني داخل أشوف مّرتي يا چدي جبل ما تبدأ العملية، معايزش أطلع من چوة ألاجي مصيبة حصلته.
هز عِثمان رأسه بإيجاب. إطمئن وما أن تحرك بساقاه حتي وجد باب حُجرة زيدان يُفتح وتخرج منه تلك المنهارة والتي تهز رأسها بإرتياب وتهتف بهياجٍ شديد:
_ معجدرش يا ياسر، معجدرش.
هرول إليها قاسم وحاوط كتفيها بكفاه شاملاً إياها برعاية وهتف متسائلاً:
_ مالك يا صفا، عمي چري له حاچة ؟
نظرت له بتيهه، وكأنها تراه ولأول مره، مازالت تهز رأسها بإستنكار ورفضٍ تام.
تحرك الجميع يهرولون إلي وقفتها عَدا عِثمان الذي ينهش القلق داخل قلبه، ويجلس مُستسلمً لوضع أغلي غواليهُ الذي يقبع بالداخل يصارع الموت بجسدٍ مُنهك.
تحدث ياسر إلي قاسم والجميع:
_ الدَكتورة صفا مش عاوزة تعمل العملية لزيدان بيه.
نظرت لها ورد المُنهاردة وهتفت بحدة بالغة:
_ كيف يعني معايزاش تعملي العملية لأبوكِ؟
_ مجدراش يا أمّا، مجدراش. كلمات نطقت بها صفا برفض وتيهه وارتياب وتشتت وضياع.
جرت عليها ورد كالمجنونة وأمسكت ذراعها وهزتها بعنف وتحدثت بنبرة غاضبة:
_ معناتها إيه مجدراش دي يا بِت ؟
أبعد قاسم كف يد ورد عنها وتحدث إليها بهدوء:
_ إهدي يا مّرت عمي لجل مانفهموا إيه الموضوع.
ثم نظر إلي تلك المنهارة وحاوط وجهها بكفي يداه وتسائل بهدوء:
_ معايزاش تعملي العملية لأبوكِ ليه يا صفا ؟
نظرت له بتيهه ومالت رأسها له بتألم وتحدثت بدموعها المنهمرة فوق خديها:
_ معجدرش أمسك مّشرط وأشج بيه صدر أبوي.
وأكملت بصراخ وذهول:
_ معجدرش يا ناس، معجدرش.
تحدثت إليها أمل بتعقل كي تُعيدها إلي وعيها الذي فقدته جراء رؤيتها لغاليها وهو بتلك الحالة:
_ صفا فوقي، معندناش رفاهية الوقت علشان نستدعي جراح تاني، غرفة العمليات جهزت خلاص والآمر كله أصبح بين إديكِ.
مازالت تهز رأسها برفض وهزيان، أمسكها قاسم من كتفيها وهزها بعنف كي تستفيق من حالة اللاوعي والهزيان اللذان تملكا منها وهتف بصياحٍ عالّ:
_ فوجي وإوعي علي حالك يا صفا، أبوكِ راجد چوة بين الحياة والموت وإنتِ الوحيدة بعد ربنا اللي في إيدك تساعديه، كُل لحظة بتمر وإنتِ واجفة ضعيفة إكده بتجربه من الموت أكتر.
أمالت له رأسها بضعف وأردفت ببكاء:
_ كيف عتطلب مني أمسك مشرط وأشج الصدر اللي ياما ضمني وغرجني بحنانه.
أجابها بنبرة حنون:
_ كلامك ده لازمن يكون حافز ليكِ ودافع إنك تعملي له العملية، لازمن تمسكي مشرطك وتنقذي حياة أبوكِ لجل ميرچع ويضمك لصدره من چديد، فوجي يا صفا جبل مترچعي تندمي.
وأكمل لإرهابها:
_ بس ساعتها عيكون فات الآوان، ووجت الندم عدي وفات.
حثها علي التحرك قائلاً بعيون مترجية حانية:
_ يلا يا حبيبتي إلبسي جميص العمليات وإچهزي.
وأكمل بنبرة حماسية لبث روح الأمل بها:
_ وأني كمان هدخل ألبس وأتعجم وأدخل وياكِ غرفة العمليات.
إستمعت لحديثهُ وكأنهُ أزال رُعبها وقلقها فأستعادت به وعيها، هزت لهُ رأسها بطاعة بعدما شعرت بالأمان من بين كلماته المُشجعة وتحركت بجانب أمل لتتجهز، ودلف ياسر لنقل زيدان إلي غرفة العمليات.
خرج ياسر وتحرك بالترولي المتواجد فوقهُ جسد زيدان، هرول إليهِ الجميع.
وفايقة التي إقتربت عليه وهي تنظر إليه بقلبٍ ينزفُ دمً علي من ملك الروح والفؤاد، وأستحوذ عليهما حتي جعلها تفقد حدسها وشعورها بالجميع عَداه، وعَدا رغبة الإنتقام التي دائماً ما تصاحبها، فها هو حب فايقة المرضي لزيدان.
كان ينظر إليها بقلبٍ يشتعل، ذاك المُصاب بداء عِشقها الملعون والذي يجري بدمة كسريان الماء داخل الأنهار، كان دائم الشك لعشق ساحرتهُ لشقيقهُ الذي لم ولن يبادلها إياه ذات يوم، لكنهُ الآن بات متأكداً، وخصوصاً بعد وقوعها كجُثة هامدة بعدما إستمعت لخبر وفاته ومظهرها التي تبدو عليه الآن.
توعد لها بالعقاب الرادع لكن بالتأكيد ليس الآن، فالآن هو حقاً يرتعبُ علي شقيقهُ الراقد كجثة هامدة.
أدخل ياسر زيدان داخل غُرفة العمليات وخرج للتعقيم وإرتدائه للباس المُعقم، وجدها تقف بجانب ورد المُنهاره، تحتضنها في محاولة منها لتضميد جراحها.
رُغمً عن إرادته وجد حالهُ مشدود البصر للنظر إليها وكأنها سحراً أسود يجذبهُ إليها دون إرادة، إنتفاضة عنيفة هزت صدرهُ وكأن قلبهُ العاشق يُريد التمرد عليه وعلي كل شئ ويخرج من داخل صدره ليهرول إليها ويضمها لداخله ليطمأن هلعها وخوفها علي عمها.
وعي علي حاله بعدما وجدها تسحب بصرها عنه سريعً بعد أن نظرت عليه بشكل طبيعيً جداً وهو يخرج من غرفة العمليات، سحب بصرهِ عنها وتوجه إلي داخل غرفة التعقيم تحت إشتعال جسد فارس الذي ولسوء حظهِ رأي تلك النظرات العاشقة التي تُصوب من عيناي غريمهُ وتتجه نحو زوجته الرقيقة.
رُغم عنه كظم غيظهُ الذي لو خرج لأشعل المّشفي بأكملها، فبالتأكيد هذا ليس بالوقت المناسب لتلك المشاعر.
بعد قليل.
بدأت صفا بإجراء العملية لمالك قلبها بعدما إستجمعت قوتها وفصلت مشاعر البنوه عن عملها، وتعاملت مع الحاله وكأنها لمريضً وفقط، مجرد مريضً عادي وليس والدها الحبيب، ساعدها علي ذلك قاسم الذي كان يمدها بالقوة من خلال نظراته الحماسية الذي كان يغمرها بها بين الحين والآخر.
بالخارج، كان الجميع يجلس بقلوب مُترقبة مُرتعبه، دعوات وصلوات وتضرع إلي الله من الجميع طالبين من المولي عز وجل أن يُنجي غاليهم ويشملهُ برحمته وعطفه.
خرجت رسمية من الغرفة التي قبعت بداخلها مُنذ أن جلبوها إليها لفحصها من قِبل ياسر، بعد وقعتها جراء إستماعها لذلك الخبر المشؤوم، كانت تتسند علي مريم ونجاة، تحركت إلي جلسة عِثمان المُمسك بمسبحته ويقوم بذكر الله.
نظر لها وتحدث بحنان:
_ جومتي ليه يا حاچة، خليكي راجده علي السرير لجل ما ترتاح.
تحدثت بأنفاسٍ مُتقطعة وقلبٍ يتمزق لأجل ولدها الأقرب من قلبها:
_ وعتاچي منين الراحة والغالي راجد چوة ومعرفاش إيه اللي بيه.
وأكملت بنبرة تقطع نياط القلب:
_ النار ماسكة في جلبي ومشعلله في جِسدي كِلاته يا عِثمان.
أجلستاها مريم ونجاة وتحدثت وهي تنظر إلي عِثمان بمقلتان غاضبتان:
_ حج ولدي لازمن يتاخد جَبل النهار مايشج يا حاچ، مليكش صالح باللي عيجوله وِلد المدارس اللي شرد عنينا ونسي عوايدنا.
وأكملت بجبروت وهي ترفع سبابتها بوجه الجميع رغم تعبها:
_ وإلا ورب الكعبة معيچيب حجك يا زيدان غير أمك.
تحدث حسن بنبرة حادة مُؤكداً علي صِحة حديثها:
_ براوه عليكِ يا چده، هو ده الحديت الزين.
رمقهُ عِثمان بنظرة نارية وهتف بنبرة غاضبة:
_ إجفل خاشمك يا وااااد، معايزش أسمع حِس حد فيكم وإلا يمين بالله عطخُه بيديو.
وأكمل بنبرة غاضبة ولومً للجميع:
_ چايين تتحدتوا دلوك بعد خراب مالطه؟ كُان عجلكُم فين لما فتوه لحاله للكلاب تغدر وتنهش فيه مع إني موكد عليكم متفتهوش لحاله.
صمتٍ تام عم المَشفي بأكملها حتي رسمية المكلومة علي صغيرها الغالي صمتت خشيةً غضب ذلك الثعلب.
أما ذلك المستشاط الذي لم يعُد لديه القدرة للتحمل بعَد، تحرك بقلبٍ مُشتعل ناراً إلي جلوس مريم وتحدث إليها هامسً وهو يسحبها من يدها متوجهً بها داخل الغرفة المحجوزة لجدته:
_ تعالي معاي چوة.
دَلفت معه وأغلق هو الباب وتحدث بنبرة غاضبة:
_ تاخدي بعضك دلوك وتروِحي علي البيت لچل متكوني چار بِتك.
جحظت عيناها وهتفت بإستغراب:
_ عاوزني أروح وأفوت عمي چوة بين الحيا والموت يا فارس ؟
وأكملت بتعجُب:
_ وينه عجلك يا حبيبي!
صاح بها بطريقة جنونية لرجُل علي وشك فقدان عقلهُ:
_ عجلي اللي عتتكلمي عنيه دي عفجده لو فضلتي جاعده جصاد إبن المركوب اللي بره دي.
وأكمل بفحيح:
_ جسماً بالله يا مريم إن مامشيتي لأطُخهُ لك وأسيح دمه جِدام الكِلت.
_ جصد مين بحديتك دي يا فارس؟ سؤال طرحته مريم عليه بروَع وتلبُك لعِلمها الإجابة.
رمقها بنظرات حارقة وتحدث بإمتعاض:
_ بلاش شغل الحَريم العِوج دي يا بِت مُنتصر، إنتَ خابرة زين أني عتكلم عن وِلد المحروج اللي إسميه ياسر.
إرتاعب داخلها وانتفض من حالة الإحتدام التي تملكت من فارس، إقتربت عليه وأمسكت يده تتحسسها وتحدثت بهدوء:
_ إهدي يا فارس وفكر زين، أني معينفعش أمشي وأسيب صفا ومرت عمي وچدتي في الشَندلة اللي هما فيها دي، وأروح أجعد في البيت وأحط يدي علي خدي.
وأكمل بإرتياب وجسدٍ يرتجف وشفاهُ ترتعش خشية فقدانها لعمها زيدان الخلوق:
_ ده غير عمك اللي راجد چوة وحالته الصعبة واللي محدش عارف عيجوم من رجدته دي ولا...
وهُنا لم تستطع التماسُك وبكت بشدة وتحدثت:
_ عمك لو چرا له حاجة صفا ومرت عمك وچدتك عيروحوا فيها يا فارس، ده غير چدك اللي جاعد برة وعامل حاله كيف الأسد، وهو من چواته بيموت مع كِل دجيجة بتعدي وعمك راجد علي حاله چوة.
وبرغم رعبهِ من حديثها إلا أنه أمسكها من ذراعيها وهزها بعنف قائلاً:
_ أني اللي عنجلط لو اللي إسميه ياسر دي خرچ من چوة وبص لك تاني يا مريم، مجدراش تفهميني ليه؟
وأكمل بقَسم:
_ ورب الكعبة لو ما مشيتي دلوك علي بيتك لكون مبندجه واللي يحصل يحصل.
لطمت خديها وتحدثت:
_ عتضيع حالك يا فارس.
إقتربت عليه وتحدثت مُرغمة:
_ حاضر يا فارس، أني عمشي لچل ما جلبك يهدي ويرتاح.
نظر لها وصدرهُ يعلو ويهبط من شدة إشتعال جسده الغيور علي من ملكت قلبهُ وتملكت من كيانه مؤخراً بهدوئها وروحها السمحة الجميلة.
ما شعر بحالهِ إلا وهو يجذبها بعُنف لترتطم بصدرهِ بقوة، حاوطها بساعديه وضمها إليه بطريقة عنيفه وتحدث بنبرة حادة تنم عن مّديّ إشتعال روحه:
_ أني عحبك وعموت من غيرتي عليكِ يا مريم، ساعديني وخليني أكتم غيرتي چواتي بدل متُخرچ وتولع في الكِل كليلة.
حركت يدها فوق ظهرهِ وتحسسته بحنان وأردفت بنبرة صوت حنون:
_ عتعمل في حالك كُل دِه ليه يا فارس، ما أنتَ خابر زين إني عشجاك ومعشوفش بعيوني راچل غيرك.
أخرجها سريعً وحاوط وجهها بكفاه ثم نظر لداخل مقلتيها وسألها مُتلهفً بجنون:
_ صُح عشجاني يا مريم؟
اجابته بإبتسامة خافتة نظراً للظروف المحيطة بهما:
_ لساتك عتسأل يا فارس.
وأكملت مُبررة:
_ وأني إيه اللي كان مصبرني علي معاملتك الباردة ليا من وجت چوازنا غير إني عحبك.
شعر بإنتفاضة داخل صدرهُ وطالبها متلهفً:
_ جولي لي عحبك وعشجاك ومعشوفك راچل غيرك يا فارس.
إبتسمت له وكررت ما أملاهُ عليها كي تُريح قلبهُ العاشق الغيور، وتُدخل عليه السَكينة:
_ عحبك وعاشقة لتراب رچليك، وعيوني معتشوفش راچل في الدنيي كلاتها غيرك يا حبيبي.
ما أن إستمع لكلماتها التي غزت قلبهُ وادخلت عليه السرور برغم ما يُحيطهما من ظروف، حتي مال بجزعهِ عليها وألتقط شفتاها بين شفتاه وبات يُذيقها من قُبلاته العاشقة الممزوجة بالغيرة حتي إبتعدا رُغمً عنهما ليأخذا نفسً.
نظرت إليه بعيون صارخة بالعشق ورمت حالها بين أحضانه الحنون، بادلها بضمة قوية وتحدث بنبرة عاشقة وقلبٍ ينبضُ بشدة داخل صدرهُ:
_ عحبك يا مريم، عحبك وعموت عليكِ.
خرجت من بين أحضانه مجبرة وتحدثت بتعقُل بعدما وعت علي حالها:
_ بكفياك يا فارس لحد يدخل علينا.
هز لها رأسهُ بإيجاب وتحدث بنبرة حماسية:
_ عِندك حج يا حبيبتي، يلا لجل ما أوصلك علي البيت وأرچع لهم طوالي.
أومأت بإيجاب وكادت أن تتحرك للخارج جذبتها يده من جديد وأدخلها داخل أحضانهُ وضمها بشدة أسعدتها وأشعرتها بمدي قيمتها لديه، أخرجها ونظر لعيناها بوله وتحدث وهو يتحرك بها للخارج:
_ يلا يا حبيبتي.
خرجا سوياً وتحدث هو إلي جدهِ:
_ بعد إذنك يا چدي، عروح أوصل مّرتي عشان چميلة لوحدها في السرايا مع حُسن وزمنتها بتبكي وعرچع طوالي.
أومأ لهُ عِثمان حين تحدث قدري بنبرة حادة وهو ينظر إلي فايقة الجالسه تنظر أمامها بشرود وتيهه:
_ خد أمك وياك يا فارس.
حولّت له فايقة نظرها وتحدثت برفض تام غير مبالية بمن حولها:
_ أني معتحركش من إهنيه غير لما زيدان يطلع وأطمن إنه بجا زين.
وعت علي حالها عندما لمحت إشتعال نظرات قدري فتحدثت من جديد بتلبك وأرتباك:
_ وكمان معجدرش أسيب عمتي و ورد وهما في حالتهم المِشندلة دي.
نظر لها وتحدث من ببن أسنانهِ بطريقة تُظهر كّم الغضب الذي وصل إليه:
_ فااااايقة، جولت لك جومي مع ولدك وروحي علي بيتك.
إرتعب داخلها من إشتعال ذلك الذي يُشبه الثور الهائج بغضبه، فوقفت مُرغمة لتجاور فارس وهي تلعنه بداخلها.
تحدث أيضاً يزن مستغلاً الوضع كي يتخلص من رؤية تلك الليلي ووجودها الذي بات يؤرق روحهُ ويشعل كيانهُ بالغضب كلما تقربت منه وحاولت خلق حديث معه:
_ خد ليلي هي كمان وياك يا فارس.
وأكمل مُعترضً:
_ من ميتا الحريم عيجعدوا في المستشفيات إكده.
إعترضت ليلي بقوة حيثُ أنها إستغلت تلك الحادثة كي تجلس أمام يزن وتُشبع عيناها من النظر إلي من بات يُحرمها طلته، حيثُ أنهُ لم يعُد يحضر إلي المنزل ككقبل مُتعمداً، وبات يُقضي معظم أوقاته بالإستراحة المتواجدة داخل حدائق الفاكهة، كي يتجنب ذهابها المستمر إلي غرفته وعدم إستسلامها وأحترامها لقرار إنفصالهُ عنها.
ليلي بنبرة قوية وعِناد:
_ أني عفضل إهنيه مع چدتي.
رمقهُ يزن بنظرة لا تقبل الجدال وصاح بها غاضبً:
_ ليلي، معكررش حديتي تاني.
زفرت بضيق وتحركت بجانب والدتها ومريم بصحبة فارس واستقلوا سيارة فارس وتحركوا عائدين إلي السرايا.
❈-❈-❈
بعد قليل، دلف مدير أمن سوهاج ومأمور المركز التابع لهُ نجع النُعماني، وبصحبتهما لفِيف من رجال الأمن، وقف عِثمان صالبً طولهُ إحترامً لإستقبالهم، تم الترحيب بهم وبعد أن إطمأنوا علي وضع زيدان.
تحدث مُدير الآمن موجهً حديثهُ إلي عِثمان:
_ أنا جاي لك يا حاج وكلي ثقة في حكمتك إنك هتساعدنا في ضبط الأمن وعدم إثارة الفوضي في المركز.
تحدث عِثمان بمكرٍ كثعلب:
_ أني تحت أمرك وطول عمري راچلكم وفي خدمة البلد يا بيه.
وأكمل مدعيً بنبرة مستسلمه:
_ وأديني جاعد أني وناسي كيف ما سعادتك واعي، ماسكين كتاب الله بنجروا فيه، وجاعدين تحت رحمتة ومستنيين عفوه علينا، وخروچ ولدي من أوضة العمليات سالم غانم.
لم يقتنع مدير الآمن بحديث عِثمان الماكر، فادعي إقتناعه وأردف قائلاً بدهاء:
_ وهو ده المتوقع من عقل وحكمة الحاج عِثمان.
وأكمل بوعدٍ:
_ وأنا أوعدك يا حاج، إن مش هيعدي أربعة وعشرين ساعة، غير واللي عملوا الجريمة البشعة دي تحت إدينا.
أومأ لهُ عِثمان بهدوء، وأثناء حديثهم خرج زيدان من غرفة العمليات محمولاً علي الترولي ومعلق به جهاز تنفس إصطناعي ليُيساعدة علي التنفس، هرول الجميع إلي صفا التي كانت تجاور أبيها وتتحرك به قاصدة غُرفة العناية المُشددة كي تضعهُ علي الآجهزة ليضل تحت الملاحظة، فبرغم نجاحها في إخراج الرصاصة من جانب القلب، إلا أن الخطر علي حياته ما زالّ قائمً.
يجاورها قاسم الذي أدي دورهُ في دعمها وبث القوة والعزيمة داخل روحها علي أكمل وجه.
سألها عِثمان بتلهُف وهو ينظر لعزيز عيناه بقلبٍ ينتفض:
_ طمنيني علي ولدي يا بِتي ؟
أجابته بملامح وجه مُرهقة وصوتٍ ضعيف يدِلُ علي كّم الضغط والتعب التي تعرضت إليه داخل غرفة العمليات:
_ إطمن يا چدي، الرصاصة الحمدلله خرچت، بس الحالة لساتها محتاچة مُتابعة.
وأكملت بنبرة حنون:
_ إدعي له.
أما ورد التي هرولت إلي معشوق عيناها وأمسكت الترولي بيداها وهي تنظر إليه بعيون مُتلهفه، عاشقةُ هي لكُل إنشٍ بوجهه، تحدثت إليه بدموعها وكأنهُ يستمع إليها:
_ حمدالله علي سلامتك يا سِيد الناس.
ورسمية التي أسندتها نجاة لتصل إليه، تحسست وجنة ولدها وتحدثت بإبتسامة:
_ كُت خابرة إنك حنين ومعترضاش الوچيعة لجلب أمك يا ولدي.
وصلت صفا بوالدها إلي داخل غرفة العناية المُشددة، أوصلت جسدهِ المُنهك ببعض الآجهزة التي ستساعدهُ علي التعافي وتجاوز تلك الفترة الحرجة، ساعدها ياسر في ذلك الأمر، بعدما إنتهيا طلب منها ياسر الخروج لإخذ بعض الراحة لأجل جنينها.
أصّرت ورد علي المكوث مع حبيبها ورفضت بإستماتة تركهُ وحيداً داخل تلك الغُرفة البارده، أبلغت صفا إحدي الممرضات مساعدة والدتها في إرتداء ملابس مُعقمة لتجاور زوجها الحبيب.
جلست ورد بمقعدً مجاوراً لمعشوقها، تطلعت إليه بعيون متفحصة لملامحه الغالية وتحدثت بدموع:
_ زيدان، فتح عِنيك لجل ما الشمش تطلع يا حبيبي، معجدرش أني علي رجدتك دي يا غالي، جوم لجل حبيبتك يا زيدان.
أمالت علي كف يده الموصلة بأسلاك، وضعت قُبلة حانية بثت له بها مدي عِشقها الجارف لروحهِ.
في الخارج أتي إتصال إلي قاسم من مكتب مدير الآمن ليخبرهُ بأنهُ قد تم القبض علي الثلاث رجال والسائق بعدما عُثر علي السيارة التي أدلي قاسم بمواصفاتها لـ مأمور المركز، وقد تحرك المأمور برجاله وداهموا القرية التابعة لكمال أبو الحسن ووجدا السيارة في إحدي الجراچات.
وبعد التحقيقات والملاحقات إستدلوا علي الرجال من خلال وصف قاسم الدقيق لهم، وتم القبض علي كمال وشقيقاه وكل من شارك في تلك الجريمة البشعة، بعد إعتراف الرجال عليه.
تحدث عِثمان إلي قاسم بطريقة أمره:
_ أول ما النهار يشُج تروح علي المركز وتتابع التحجيج بنفسك، معاوزش كمال أبو الحسن يشوف النور بعنيه تاني.
وأكمل بملامح وجه غاضبة وعيون تطلقُ شزراً:
_ عاوزه يجضي اللي باجي له من عمره في السچن لچل ميعفن چواته هو ورچالته.
وأكمل بتأكيد:
_ فاهمني يا قاسم.
وأكمل شارحً:
_ أني سمعت كلامك ومشيت بعجلك ومرضيتش أتحرك لجل الدم ميسيحش ويغرج وياه المركز كِلاته.
أومأ له بطاعة وتحدث:
_ حاضر يا چدي، كل اللي حضرتك عايزة عيحصل وأكتر كمان.
وأكمل:
_ بس جوم روح وخد چدتي وياك لچل مترتاح.
تنهد بأسي وتحدث بنبرة ضعيفة:
_ معرتاحش غير لما أشوف ولدي مفتح عيونه وعيكلمني.
إقترب منه ودني للأسفل وأمسك ركبتا جده وتحدث مُطمأنً إياه:
_ إطمن يا چدي، عمي زيدان جوي وعيجوم بأمر الله، روح لجل متريح چسدك لتتعب لاقدر الله.
وتحدث إلي قدري ومنتصر:
_ وإنتِ يا أبوي إنتَ وعمي، خد چدي وچدتي ومرت عمي وروحوا لچل متريحوا چسدكم.
ثم نظر إلي يزن وفارس وحسن وهتف قائلاً بقوة:
_ ومتجلجوش، أني إهنيه أني والشباب.
بالفعل ذهب الجميع وتبقي الأربع رچال وصفا وورد اللتان تجاوران غاليهم بغرفة العناية المشددة ويراقباه بقلوب متلهفة، ملتجأة إلي الله وتدعوهُ بتضرع ليُنجي لهما حبيبهم.
دلف قاسم إلي الغرفة مرتدياً اللباس المعقمة الخاصة بدخول غرفة الإنعاش، وجد ورد ممسكة بيد حبيبها وتنظر بتمعن لملامحهُ وكأنها تحسهُ علي النهوض.
حول بصرهِ إلي تلك القابعة فوق مقعدها وتغطُ في ثباتٍ عميق من شدة إرهاقه.
تحرك إلي زوجة عمه ووضع كف يده فوق كتِفها وتحدث بقوة:
_ عيجوم يا مّرت عمي، متخافيش عليه، عمي زيدان جوي.
حولت بصرها إليه وتحدثت بإمتنان ودموع:
_ ربنا يحميك لشبابك يا ولدي، لولاك كان زمان المچرمين دول مخلصين عليه.
تنهد بهدوء وتحدث:
_ دي تدابير ربنا يا مرت عمي.
ثم تحدث وهو يقترب من ملاكهِ الغافي إستعداداً لحملها:
_ أني عاخد صفا لچل ما أمددها برة علي سرير عشان اللي في بطنها مايتإذيش.
أومأت لهُ بموافقة فحملها هو بين ساعديه وضمها من صدره، افتحت عيناها سريعً ونظرت إليه بفزع وتحدثت:
_ أبوي چرا له حاچة ؟
طمأنها سريعً وتحدث متلهفً:
_ متخافيش يا صفا، عمي بخير.
نظرت حولها وجدت والديها، وعت علي حالها وتحدثت إلية بإقتضاب:
_ نزلني.
أجابها وهو يتحرك بها إلي الخارج متجهً إلي غرفة جانبية:
_ لازمن ترتاحي يا صفا، إنتِ تعبتي كتير وإكده في خطورة عليكِ وعلي ولدي.
نظرت إليه بحقد وتحدثت بتهكم:
_ متخافش علي ولدك يا متر، زي ما هو ولدك هو كمان ولدي.
وباتت تتملص بين ساعديه محاولة الفكاك منه ولكن هيهات، فكان يضمها ويُقربها من صدره مُشدداً عليها كما المقيدة حتي وصل بها إلي التخت ومددها عليه بعناية، وبدأ بفك القميص لها كي تغفي براحة.
تحدثت بنبرة حادة رغم تعبها وإنهاكها وهي تنفض يدهُ عنها وتُبعدها بعنف:
_ إطلع برة.
تحرك إلي الأريكة وفك قميصهُ هو الأخر وخلع عنه غطاء رأسهُ الخاص بملابس التعقيم، ثم خلع عنه حِلة بدلته وتحدث وهو يُلقي بجسده المُنهك فوق الأريكة وتحدث بنبرة هادئة:
_ نامي يا صفا، نامي وخليني أنام لي ساعتين جبل النهار ميشُج وأجوم أروح المركز لچل ما أتابع التحجيجات.
أجابته بنبرة صارمة وهي تتأهب للتحرك خارج الغُرفة:
_ تُبجا بتحلم لو خيالك صور لك إن ممكن يچمعنا مكان واحد من تاني.
إنتفض من نومته وتحرك إليها وأمسك ذراعها، وبعيون تطلقُ شزراً أرهبها قائلاً:
_ جسماً بالله لو إتحركتِ خطوة واحدة برة الاوضة دي لأكون واخدك علي الببت لجل ما تنامي فيه.
وأكمل بحده ونبرة رجُل يشتعل بنار الغيرة:
_ فاكراني راچل هفأ وعديم النخوة لجل ما أسيبك نايمة چار أبوكِ واللي إسميه ياسر داخل وخارچ عليكِ بحِچة متابعة الحالة.
أجابته بعِناد:
_ مليكش صالح بيا، أني أنام مكان مايعچبني ومليكش حُكم عليّ.
أمسك يدها وهتف بغيظ من بين أسنانة:
_ روحي علي السَرير وإتخمدي وخلي ليلتك السودة دي تعدي.
وأكمل مُهدداً بنبرة حادة:
_ إسمعيني زين يا بِت زيدان، إنتِ لساتك مشفتيش الوش الغبي بتاع قاسم، ونصيحة مني بلاش تستفزي الحيوان اللي چواتي وتخرچيه، عشان إنتِ مش جد جلبتي السودة ولا جد غضبي.
وأكمل بنبرة صارمة:
_ ودلوك إنجري علي السرير ونامي بدل ما أطلع غُلب اليوم كلياته عليك.
نظرت إليه بعيون مشتعلة تطلق شزراً لو خرجت لأشعلت في الغرفة بأكملها، لكنها الآن مُجبرة علي الإنصياع لتهديده لسببين، أهمهما أنها حقاً مُنهكة وجسدها يحتاج للراحة لأجلها ولأجل جنينها.
والآخر هو صحة حديثهُ بخصوص نومها بغرفة والدها في وجود ياسر، ولذلك فأئمن مكان مناسب لنومها هي تلك الغرفة في حضرته وحمايته.
زفرت بضيق وتحركت إلي التخت ومددت جسدها عليه بتعب وإرهاق، وتحرك هو إلي أريكته وارتمي بجسدهِ المشتعل وتمدد فوقها، ما هي إلا دقائق وأستمع لإنتظام أنفاسها التي تُعلن عن دخولها في ثبات عميق.
قام يتحرك علي أطراف أصابع قدماه كي لا يقوم بإزعاجها، إقترب منها بقلبٍ ينتفض عشقً وخوفً ورُعبً عليها، حزن من حاله لقيامه بإرهابها ومحادثتها بتلك الطريقة الجافة ولكن لم يكُن لديه طريقةً آُخري لترويض تلك الفرسة الجامحة سوي تلك، ليس لإرهابها، بلا لخشيتهِ عليها وعلي جنينهُ.
وصل لمكانها ومال عليها، وضع شفتاه فوق جبهتها وأغمض عيناه وبات يشتم عبير جلدها بقوة ليحتفظ به داخل رأتهِ، تغلغلت رائحة جسدها العطرة داخل انفه فجعلت من قلبهِ وجسده مُشتعلان، كان يُريد أن يشتم خصلات شعرها منعهُ حجابها المُحكم عليها، فتح عيناه وبات يُدقق النظر لملامح وجهها الملائكي، تنفس عالياً وزفر.
همس بنبرة حانية إستمعت إليها تلك التي وعت عِندما شعرت بلمسات شفتاه فوق جلدها، لكنها إدعت النوم وتلقت قبلاته بإستسلام لا تدري لما:
_ حجك عليا يا جلب قاسم من چوة.
وضع قُبلة خفيفة بجانب شفتاها ثم تحرك عائداً إلي أريكته مثلما أتي، تمدد عليها وفي خلال دقائق معدودة دخل في ثبات عميق من شدة إرهاقه.
نظرت عليه بدموع الألم والملامه وبعدها دلفت هي الآخري بدوامة نومها.
❈-❈-❈
بنفس الوقت.
كان يتمدد فوق الأريكة الخاصة داخل مكتبهُ ليُريح ظهرهُ قليلاً بعد عناء ذلك اليوم المّرير، واضعً كفاي يداه المُتشابكان تحت رأسه وينظر لسقف الغُرفة بشرود، إستمع إلي طرقات خفيفة فوق الباب.
تحدث قائلاً بنبرة ضعيفة:
_ خُش يلي عتخبط.
أخذت تلك الواقفه خلف الباب نفسً عميقً لتُشجع حالِها، ثم أدارت مقبض الباب وخطت بساقيها للداخل، وجدته مُمدداً، نظر عليها وأعتدل سريعً إمتثالاً لأخلاقة العالية وإحترامه لذاته قبله.
برغم إحترامه الذي أظهرهُ في حَضرتِها إلا أنهُ أزاح بوجههِ عن مقلتيها متلاشيً النظر لوجهه.
تحمحمت وأردفت قائلة بنبرة هادئة:
_ حمدالله علي سلامة زيدان بيه.
أجابها بجمود وبملامح وجه مقتضبة ومازال متغاضيً النظر لها:
_ الله يسلمك.
أردفت بنبرة خجلة:
_ عاوزه أتكلم معاك.
أجابها بجمود وهو علي وضعه برفضٍ قاطع:
_ سبج وجولت لك معادش فيه بيناتنا أي كلام.
إبتلع غصة مُرة من طريقته الجافة وتحدث بإصرار:
_ يزن، إحنا لازم نتكلم.
إنتفض قلبهُ حين إستمع لحروف إسمهِ وهي تتغناها، لكنهُ تمالك من حالهُ لأبعد الحدود وأدعي الجمود.
فأكملت هي:
_ أنا مش مرتاحة ومش عارفة أسامح نفسي من يوم اللي حصل بينا.
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم روز امين
إبتسمت له ثم وقفت وأدارت ظهرها إستعداداً للخروج.
إستمعت لصوتهِ يُناديها:
_ أمل.
إلتفتت إليه فأكمل بعيون تنطق عِشقً وصوتً هائمً:
_ أني عَاشجك.
إرتبكت وأنتفض قلبها فأكمل هو بعيون مُترقبه لردة فِعلها:
_ أني رايدك لچل متكوني مّرتي في الحَلال يا أمل.
لحظت عيناها وأنتفض جسدها بالكامل. هي تعرف في قرارة نفسها أنهُ جادّ في طلبهِ للزواج بها، ومُتيقنة من حبهِ لها بل عشقهِ الهائلُ الذي بدأ يتملك منه، وشعرت هي به من خلال الرسائلُ التي كانت تبثُها موجات عيناهْ ويصل إشعارها النـ. ـاري لعيناها ومنها لقلبها البرئ، الذي شعر بهِ قريبً من الروح والكيان.
لكنها خائفةً بل تمو. تُ رُعبً من مجرد تخيُلها لفكرة تِكرار خوضها لداخل تلك التجربةِ المّريرة، لذا فقد قررت عدم أخذ حديثهُ علي محمل الجَد للتخلص من طلبه.
تحدثت بدُعابة كي تُخرج حالها من هذا المأزق:
_ تفتكر ده وقت هزار يا باشمهندس؟
تحرك إليها بطولهُ الفارع، وقف قُبالتها ونظر داخل عسليتاها وهمس بنبرة رجُل عاشق:
_ بس أني معهزرش يا أمل، أني عاشجِك وعاشج لعنيكِ، وطالب أنول الرِضا بموافجتك لچل متكوني ملكة جلبي وتاچ راسي وخليلة أيامي.
إبتلعت سائل لُعابها من شدة تأثرها بهياته المُهلكة لقلبها النابض بعشقه رغم كَبحها لذلك العشق وضغطها الدائم عليه كي لا يخرُج ويُعلن عن ميلاده، إلا أنهُ تسلل داخلها وتمكن من أسّر قلبها، بل وتملكهُ وطُبعَ بوشم يزن النُعمانى وأنتهي الآمر.
بصعوبة بالغة أخرجت صوتها وتحدثت بنبرة ضعيفة يائسة:
_ مش هينفع يا يزن، أنا بعد تجربتي المريرة أخدت عهد علي نفسي بإني أقفل باب الحب والجواز وما أفكرش فيهم تاني.
إبتسم وأردف قائلاً بنبرة حنون:
_ عتضحكي عليا ولا علي حالك يا أمل، حب إيه يا بِت الناس اللي جفلتي بابه دي.
وأكمل هامسً بعيون عاشقة:
_ أومال اللي عيطُل من چوة عيونك الحلوين دول وعيحضن جلبي ويطبطب عليه يبجا إسمه إيه لو مهواش عِشج، وعِشج شديد جوي كمان.
تهربت بعيناها وسحبتها بعيداً عنه وكأنها تبحث عن اللاشئ. وانتفض قلبها جراء حديثهُ المعسول وعيناه التي تصرخ من شدة إحتياجها لعِشق الحبيبة.
تحدثت بنبرة حادة صارمة وكأنها تقُص علي مسامعهِ تقريرً من إحدي صفحات جريدة الصباح:
_ من فضلك يا باشمهندس، بلاش تستخدم إسلوب إبتزاز المشاعر ده معايا، أنا لا حبيتك ولا عمري اديت لك أي إشارة توحي لك إني بحبك، وأنا قولت لك رأيي بمنتهي الوضوح والمفروض عليك إنك تحترمة.
قاطعها يزن مكذبً إياها بقوة:
_ كدابه يا أمل، إنتِ عتحبيني كيف مابحِبك بالظبط ويمكن أكتر، ولو فعلاً معتحبنيش كيف معتجولي، يُبجا تجوليها وإنتِ عتبصي چوة عيوني.
إبتلعت سائل لُعابها وتلعثمت، فهدر يزن قائلاً بقوة:
_ خليكِ چريئة وبصي چوة عيوني وجوليها يا أمل.
حولت بصرها إليه وما أن نظرت لعيناه حتي سَبحت وغاصت داخل بحرهما العميق، تناست حالها داخل نظراتها الصارخة التي تُطالبها بالرحمة وإنهاء تلك المسرحية الهزلية كي ينعما داخل أحضان بعضهما ويُرزقا بالحُب الحلال.
بدون سابق إنذار إنهمرت دموعها أمامهُ كشلال، وهي التي أقسمت بألا تزرفُها أمام أياً من كان. يبدوا أن روحها قد شعرت بهِ خليلً ولهذا إرتضت وسمحت لدموعها الأبيةِ بالخروج.
نظرت إليه وأردفت قائلة بنبرة ضعيفة مُنكسرة:
_ خايفة يا يزن.
أجابها مُتلهفً بنبرة هائمة:
_ جلبي عيطمنك يا أمل، چوة حُضني عتلاجي أمانك، عكون لك السند والضهر والحماية، ووعد عليا معخلي الدموع تعرف لعيونك طريجو.
وأكمل بإلحاح:
_ بس إنتِ وافجي وريحي جلوبنا يا أمل.
واسترسل لإقناعها:
_ أني وإنتِ تعبنا كتير في حياتنا، وآن الآوان إننا نرتاح ونلاجي الراحة والسَكن چوة أحضان بعض.
نظرت إليه بتشتُت وتيهه، فهتف هو بعيون راجية:
_ جولي موافجة يا حبيبتي.
إرتعش جسدها وهزة عنيفة زلزلت قلبها من نُطقهِ لكلمة حبيبتي. علمت حينها أنها لم تعرف للعِشق طريقً قَبل ذاك اليزن، فها هي معه تغزوها مشاعر ولأول مرة تشعرُ بها، لعشقهِ طعمً لذيذ لأول مرة تتذوقُ حلاوة لذته.
هز لها رأسهُ عِدة مرات مُتتالية كي يُشجعها علي أخذ تلك الخطوة. إبتسمت لهُ وأعلنت رفع راية الإستسلام لغزو عشقهِ الراقي والذي يُشبه عشق الملوك في سموته.
هللَ وجههُ وأنير، وأنفرجت أساريرهُ من شدة سعادته حتي ظهر صف أسنانه وتحدث مُتلهفً:
_ وعد عليا معخلي الندم يعرف طريج لجلبك يا غالية، ومن إنهاردة أني راچلك وإنتِ مسؤلة مني، وأي حاچة عتحتاچيها عتكون تحت رچليكِ في التو واللحظة.
أشارت إليه بيدها ليتوقف وتحدثت برفضٍ قاطع:
_ أرجوك يا يزن تهدي شوية وبلاش التهور اللي إنتَ فيه ده.
إبتسم لها بسعادة وأردف قائلاً بنبرة حماسية:
_ هو إنتِ لساتك شوفتي تهور، ده لولاش رجدت عمي زيدان كان زماني طاير علي چدي ومصحيه من أحلاها نومة، وچبته لحد عِنديكِ لچل ما يطلب لي يدك الغالية.
وأكمل وهو يغمز لها بعيناه:
_ وفي خلال أسبوع بالكتير بجيتي مّرتي ومجفول علينا باب واحد.
خجلت من كلماته المتهورة التي تُظهر كّم إشتياقهُ لها وتعجلهُ لإتمام زيجتهِ بها. تحدثت بنبرة هادئة:
_ بيتهئ لي إن الموضوع محتاج شوية وقت يا يزن، يعني، لسه إجراءات طلاقك لبنت عمك، وترتيب المكان اللي هنتجوز فيه.
وأكملت بخجل:
_ ده غير إني محتاجة وقت علشان أتعرف عليك أكتر، وكُل واحد مننا يدرس شخصية التاني ويكتشف عيوبها ومميزاتها، علشان نقدر نتأقلم علي طباع بعض بسهولة بعد الجواز.
بهتت ملامح وجهه وأختفت إبتسامته التي كانت تُنير وجههُ. تحمحمَ لينظف حنجرته ثم تحدث بهدوء:
_ كُل اللي تأشري عليه عيتنفذ وأكتر كمان يا حبيبتي.
وأكمل بتلعثُم:
_ بس أني كُنت عاوز أشرح لك ظروف چوازي من ليلي.
وأكمل شارحً للوضع:
_ سَبج وجولت لك إن أني وليلي في حُكم المطلجين، أني معاييش وياها في الشُجة.
وأكمل علي إستحياء:
_ ومبيحصلش بِيناتنا أي حاچة من اللي بتحصل بين أي راچل ومّرته.
أومأت رأسها بخجل وتحدثت دون النظر لعيناه:
_ أيوة أنا فاكرة إنك قولت لي الموضوع ده قبل كده، واللي فهمته وقتها من كلامك إن موضوع طلاقكم مسألة وقت مش أكتر.
وأكملت بصدق:
_ وبصراحة ده السبب الرئيسي اللي خلاني أتمادي وأسمح لنفسي إني أحبك حتي ولو بيني وبين نفسي.
أخذ نفسً عميقً ثم زفرهُ بقوة إستعداداً للحديث، وأردف قائلاً بنبرة هادئة:
_ للأسف يا أمل، أني معينفعش أطلج ليلي.
وأكمل مؤكداً:
_ لو السما إنطبجت عاللأرض چدي معيوافجش.
قطبت جبينها غير مستوعبة لحديثه فأكمل هو:
_ جانون النُعمانية إكده، مفهوش طلاج.
ضيقت بين عيناها وسألته مُستغربة:
_ تقصد إيه بكلامك ده يا يزن، إنت عاوز توصل لي إن ممكن جدك مايوافقش فعلاً علي طلاقك لبنت عمك؟
هز رأسهُ نافيً، ونطق بتأكيد:
_ هو مش ممكن يا أمل، هو الأكيد إنه معيوافجش.
أردفت قائله بنبرة قاطعة:
_ بس إنتَ أكيد هطلقها يا يزن.
تنهد بيأس وتحدث:
_ حاولت والله يا أمل بس منفعش، الكلمة الآولي والآخيرة في المواضيع اللي كيف دي بتُبجا لچدي لحاله وممنوع النجاش فيها.
قطبت جبينها بإستغرابٍ شديد ثم أخذت نفس عميقً وتحدثت بصرامة لن تقبل النقاش:
_ بس أنا هتجوزك إنتَ يا يزن مش هتجوز جدك!
وأكملت بنبرة قوية مُدافعة بها عن ليلي متناسية أنها غريمتها وتُشاركها حبيبها:
_ وبعدين إنتَ إزاي هاجرها وهي لسه علي ذمتك يا يزن؟ شرعً ده حرام وظُلم بَيِن ليها.
وأكملت بضيق لأجلها:
_ ده غير إنه فيه إهانة كبيرة لكبريائها وإنوثتها، والمفروض إنها هي اللي كانت تثور لهدر كرامتها، وتطلب الطلاق من جدك وتصّر كمان عليه.
وأكملت بإتهام:
_ وعلى فكرة بقا، إنتَ كمان عليك إثم كبير في هجرك ليها، لأن المفروض إن ليها حقوق شرعية عندك وواجب عليك إنك تديها لها مهما كان زعلك منها أو إختلافك معاها.
وأسترسلت بتعقُل:
_ وعلشان تتخلص من الإثم ده يبقا لازم تطلقها يا يزن.
وأكملت بنبرة صادقة:
_ وممكن جداً بعد ما تطلقها تتجوز حد تاني يقدر يحتويها ويكون لها العوض، ويمكن تلاقي معاه الحب والتقدير اللي ما قدرتش تلاقيه في تجربتها معاك.
وأكملت بكبرياء وشموخ إمرأة:
_ ده غير إن عُمري ما هقبل علي نفسي إن يتقال عليا إني خطفت راجل من مراته.
وأسترسلت حديثها بإصرار:
_ علشان كده أنا مُصممة جداً علي رأيي في إنك تطلقها قبل ما يتم بينا أي شئ رسمي.
عتعجديها ليه يا بِت الناس؟ جملة قالها يزن بعيون راجية.
أجابته بنبرة حنون:
_ مش بعقدها والله يا يزن، أنا كل اللي طالباه إني أعيش معاك في هدوء ومن غير حاجة تنغص علينا حياتنا أو تسبب لنا مشاكل إحنا في غني عنها.
وأكملت والغيرة تظهر داخل مقلتيها:
_ ده غير إني مش هقدر أتحمل فكرة إن يكون لي فيك شريكة حتي لو كان مجرد جواز علي الورق.
إنفرجت أساريرهُ وهتف بنبرة تُشير إلي شِدة سعادته:
_ هي الدكتورة عتغير علي حبيبها ولا إيه؟
إرتبكت بوقفتها وقررت الإنسحاب من أمام ذلك الولهان وهيأته العاشقة وتحدثت مُتلعثمة:
_ أنا رايحة أطمن علي عمك وأشوف لو صفا وطنط محتاجين حاجة.
أخذ نفسً عميقً وتحدث بعيون عاشقة:
_ عاشجك يا أمل.
وأكمل:
_ حاضر، هروح لچدي وعجوله إني لازمن أطلجها لجل ما أريح جلب حبيبتي.
إبتلعت لعابها وأسرعت للخارج قبل أن تضعف وترتمي لداخل أحضان ذاك الفارس المغوار التي دائماً ما حلُمت بشخصيته ببداية صِباها وبدأ رسم شخصية فارس أحلامها الوردية.
تنهد هو براحة وذهب من جديد إلي أريكته وجلس فوقها وشعوراً هائل من السعادة والعشق يتملكان من قلبهِ الجميل الذي لم يحمل بداخلهِ يومً سوي الحب والخير للجميع.
❈-❈-❈
شق الصباح نورهُ ليُعلن عن إنتهاء الظلام وميلاد يومً جديد يتأملهُ الجميع بأن يكون أفضل من الأمس الذي عان منه الجميع وذاقوا به الأَمرَّينِ.
كانت تغُطُ في ثباتٍ عَميق، ويرجع أسبابهُ لشدة إرهاقها بعدما عانتهُ بالأمس من توتر وقلق ورعب علي غاليها ثم ضغطها داخل غرفة العمليات، بالإضافة إلي أنها بالأساس تُعاني بشدة في الفترة الآخيرة من إصابتها بحالة من الخمول والنُعاس الدائم نتيجة التغيرات الهرمونية التي حدثت لجسـ.ــدها جراء الحَمل.
فتح عيناه بثُقل وبات ينظر حولهُ بإستكشاف وإستغراب للمكان، حتي وعي علي حاله وتذكر ليلة أمس العَصيبة. حول بصرهِ مُتلهفً يبحثُ عنها. إطمئن قلبهُ وشعر بهزة عنيفة أصابت قلبهُ لمجرد رؤياهُ لملاكهِ الغافي بسلام. إعتدل بجلوسهِ ثم وضع كف يده فوق شَعر رأسهِ وأرجعهُ للخلف في مُحاوله منه لهندمته. أخذ شهيقً عالياً ثم زفرهُ.
ثم وقف مُنتصـ.ـب الظهر وتحرك إليها، بات ينظر إلي كُل إنشً بملامحها بإشتياقٍ جارح.
سحب مقعداً بهدوء شديد وجلس عليه أمامها. نظر بإرتياب إلي أحشائها التي تحمل جنينهُ الذي حُرم من الإحتفال معها بقدومه. غَصة مُرة تملكت من قلبه حين تذكر حالهُ وحبيبته وما وصلا إليه من حالة مُزرية. مد يده بحنين يتحسس موضع جنينهُ بأحشائها.
إنتفضت فزعة من نومتها تتلفت حولها.
أمسك كتفها سريعً ليُهدئ روعها وتحدث مُتلهفً بنبرة هادئة:
_ إهدي يا جلبي، أني قاسم يا حبيبي.
هدأت بالفعل وأطمأنت وأرجعت رأسها فوق الوسادة من جديد بعدما تيقنت أن اليد التي تحسستها هي لحبيبها. تنهد ووضع كف يدهُ فوق أحشائها من جديد.
إحتـ. ـرق قلب تلك الغاضبة وأمسكت يده ودفعتها بعيداً عنها بطريقة عَنيـ. ـفة قائلة بنبرة حـ. ـادة:
_ بعد يدك عني.
وضعها من جديد فأعادت فعلتها بطريقة أعنـ.ـف فتحدث إليها بهدوء:
_ إهدي يا صفا.
ثم أعاد وضع يدهُ فكررت ما فعلت وتحدثت بصياحٍ غاضـ.ـب وهي تتأهب للنهوض:
_ جولت لك شيل يدك عني وبعد عن طريجي.
إشتعـ.ـل جسدهِ من طريقتها الفظة وأسلوبها العنيـ .ـف فأمسك كتفها وأرغمـ. ـها علي الرجوع للخلف والتمدد من جديد وتحدث بنبرة صوت حـ. ـادة وملامح وجه غاضـ.ـبه:
_ صفاااا، معتسمعيش الكلام ليه.
إبتلعت لعابها وأستكانت خشيةً من هيأته الغاضـ.ـبة التي ولأول مرة تراهُ عليها. أغمض عيناه وزفر بقوة وما زال مُمسكً بكتِفها ليُرغمها علي التسطُح. فتح عيناه من جديد ونظر لأحشائها بحنان وأشتياق وكأنهُ يري جنينهُ أمام عيناه. ومن جديد وضع كف يدهُ وبدأ يتحسس موضع جنينهُ وكأنهُ يتلمسه.
إنتفض جسدها أثر لمسته. أخذ نفسً عميقً وتحدث إلي جنينة بصوتٍ مسموع وكأنهُ يطمأنه:
_ متخافش يا حبيبي، لما تاچي بالسلامة كُل حاچة هتُبجا زين بإذن الله.
حول بصرهِ إلي تلك الغاضبة التي تُشيحُ ببصرها عنه وتحدث:
_ صحيح أمك كيف الفرسَة الجَامحة، بس أبوك خيال صُح وهيعرف يرودها ويرچِعها لعجلها ولحُضنه من چديد.
رمقته بنظرة حادة وأردفت بنبرة تهكُمية:
_ اللي بتفكر فيه دي بعَيد عن أحلامك.
إبتسم بجانب فمه وتابع تلامسهُ الحنون علي جنينهُ وسألها بنبرة جادة:
_ عِنده كام شهر بالظبط؟
برغم غضبها الشديد منه ومن إجـ.ـبارها علي الخـ.ـضوع إلا أنها أجابت لتيقُنها أن سؤالهُ من حقهِ المشروع:
_ عُمره تلات شهور وتلات أسابيع.
سألها وهو ينظر إلي أحشـ. ـائها بحنين:
_ عِملتي سونار وعِرفتي نوعه؟
أجابته بإقتضاب:
_ عِملت من شهر وأطمنت علي نبضات جلبه، نوع الچنين مبيظهرش غير لما يكمل أربع شهور.
إبتسم بحنين وتحدث ومازال ينظر لموضع جنينهُ:
_ إوعي تفتكري إني عاوز أعرف عشان نفسي في واد.
وأكمل بنبرة راضية ويقين:
_ كُل اللي يچيبه ربنا فضل ونعمة.
ثم نظر لها وأكمل مُفسراً:
_ أصل أني حِلمت إن عمي زيدان چاي وبيمد لي يدُه ويچولي سمي بالله ومد يدك وخد عطية ربنا ليك، جولت له إيه دي يا عمي، رد وجال لي دِه مالك، ربنا بعتهولك عوض لجل ما تُملك بيه زمام أمورك.
كانت تستمع إليه بإستغراب فأكمل هو بإبتسامة في محاولة منه بإسترضائها:
_ بس لو عليا أني، أني نفسي في بنت تكون وارثة عجل وچمال وجوة أمها.
إستغلت تراخي جـ.ـسدهُ وتراخي يده المُكبلة لها بسبب حالة النشوة التي أصابته من حديثهُ عن جنينه، وانتفضت واقفة غير مبالية بحديثهُ المعسول.
تنهد بأسي لفِعلتها وتحرك مستسلمً إلي الأريكة مواليها ظهرهُ وتحدث وهو يلتقط حلة بدلته:
_ تعالي نطمن علي عمي وبعدها هوصلك للبيت تاخدي لك حمام دافي لجل ما يريح چسدك وتلبسي هدوم نضيفة وتاچي تاني.
وأكمل بنبرة جادة:
_ وأني هروح المركز لجل ما أتابع التحجيج مع المـ.ـچرم اللي إسميه كمال.
نظرت إليه وتحدثت متناسية خصومتهما:
_ عوزاك تبذل كُل چهدك لچل ما الخسيس دي ياخد أجسي عجوبة علي اللي عِمله في أبوي.
أجابها وهو يتحرك بإتجاه الباب ويُشير إليها لتتقدمه:
_ متجلجيش يا صفا، الله في سماه معخليه يخطي برچله ويشوف الشارع تاني.
تحركت أمامهُ داخل الرواق في طريقهما إلي غرفة العناية، لتجد يزن وفارس وحسن يجلسون أمام طاولة أحضرها لهم أحد العاملين موضوع عليها بعض الآطعمة التي أحضرتها لهم العاملة المصاحبة لرسمية التي أتت مهرولة مُنذُ أن شق الصباح نورهُ لتطمإن علي غاليها.
تحدث يزن إلي كِلاهُما متناسيً خلافهُ مع قاسم:
_ تعالي يا قاسم إنتَ وصفا لجل ما تفطروا.
نظر لهُ قاسم وتحدث بنبرة هادئة:
_ بالهنا والشفا علي جلبكم.
وتحرك بجانب صفا متجهين داخل غرفة العناية. إرتدا كلاهما الثياب المعقمة ودلفا للداخل، وجدا رسمية وعِثمان و ورد مُلتفون حول زيدان الذي مازال غائبً عن الوعي، ويقف بجانبه ياسر يتفحصه.
هرولت صفا وتحدثت بأسف وأسي إلي والدتها:
_ حجك عليا يا أم صفا، سيبتك لحالك ونمت من كتر التعب محسيتش بحالي.
أومأت لها بتفهُم فتحركت صفا إلي والدها وبدأت بفحصهُ والحديث مع ياسر بشأن الحاله.
وجه قاسم سؤالاً إلي ياسر بوجهٍ مقتضب:
_ هو ليه عمي مفاجش من الغيبوبة لحد دلوك؟
أجابهُ ياسر بنبرة واثقة:
_ دي مش غيبوبة حضرتك، دكتورة صفا حقناه بجرعة منوم علشان يتخطي ألـ.ـم ما بعد العملية اللي ماكنش هيقدر يتحمله.
تحدث عِثمان مُتسائلاً بقلبٍ يتألم لأجل صغيرهُ:
_ ميتا ولدي عيفوج ويفتح عنيه؟
تحدثت صفا التي تتفحص والدها وتفتح عيناه لتنظر بداخلها بعدستها الطبية:
_ عيفوج في خلال من خمس لعشر دجايج يا چدي.
وأكملت بنبرة هادئة طمأنت بها الجميع:
_ الحمدلله، مؤشرات وظائف الچسم الحيوية كلياتها تمام.
إطمأن الجميع ثم حول عِثمان بصرهِ إلي قاسم وتحدث:
_ مروحتش علي المركز لجل ماتحضر التحجيج من أوله ليه يا قاسم؟
أجابهُ قاسم بجدية:
_ المأمور كلمني بالليل وجال لي إن التحجيج هيبدأ الساعة تسعة، يعني لساته فاضل له ساعتين.
أومأ لهُ جدهُ بتفهم.
تحرك قاسم وإقترب من ورد التي مازالت علي وضعها كما تركها، مُمسكة بيد زوجها وكأنها تُطمأنهُ وتذكرهُ أنها هُنا، بجانبه ولن تتحرك بدونهُ. تحدث إليها بهدوء وأحترام:
_ جومي يا مّرت عم إفردي ضهرك في أي أوضة برة، ولما عمي يفوج هاچي أصحيكِه.
هزت رأسها وأردفت قائلة برفضٍ قاطع:
_ معجومش من مكاني ولا هتحرك غير لما زيدان يفتح عنيه، ومهخرجش من إهنيه غير ورچلي علي رچله.
تنهدت رسمية وتحدثت إلي قاسم بإستسلام:
_ ريح حالك يا ولدي، أني إهنيه بجا لي ياچي ساعة، ومن وجت ماچيت وأني عماله أتحايل عليها لجل متجوم حتي تحرك رچليها بره شوي، مرضياش كيف ما أنتَ شايف.
وأكملت بتقدير ومفاخرة:
_ طلعتي أصيلة يا بِت الرچايبة.
تحدثت صفا إلي الجميع قائلة:
_ من فضلك يا چدي، ياريت تطلع تجعد إنتَ وچدتي بره وخدوا وياكم المتر عشان ممنوع التجمع إهنيه، وأني لما أبويا يفوج هدخلكم عِنديه.
وأكملت حديثها إلي ياسر قائلة بنبرة عملية:
_ وإنتَ يا دكتور، إتفضل حضرتك لچل ما تچهز طجم المستشفي لإستجبال الحالات، وأني هجعد إهنيه أتابع الحالة.
أومأ لها بموافقة، وحزن داخل قاسم من معاملتها الجافة له أمام الجميع. كاد الجميع أن يتحركوا إلي الخارج حسب تعليمات صفا، لولا ورد التي كانت تحتضن يد زوجها وتتمسك بها وكأنها تطالبهُ بأن يتمسك بالحياة لأجلها. صاحت و إنتفض جسدها بالكامل حين شعرت بأصابع يد حبيبها وهي تتحرك بين راحة يدها. هتفت قائلة بنبرة حماسية:
_ أبوكِ عيحرك يده يا صفا.
وقف الجميع بإنتباه وترقُب بقلوب مُرتجفة داعية المولي بإفاقة غاليهم. أمسكت صفا جفن عين غاليها وبدأت بفتحهُ. إستجاب زيدان وبدأ بتحريك أهدابهُ محاولاً فتحها، وبالأخير إستطاع فتح عيناه. كان يتطلع أمامهُ وكأنهُ داخل حُلمً، يستمع لصدي أصواتٍ مُهلله وتُنادي بإسمه، لكنهُ لم يستطع تمييزها.
بدأ بالإستيعاب شئً فشئ. نظر علي وجه صفا التي تقف وتميل عليه وتُناديه لتسحبهُ من داخل تلك الدوامه وتُخرجهُ إليهم لعالمهم من جديد قائلة بنبرة جادة:
_ أبوي، فتح عِنيك يا حبيبي، إنتَ سامعني، لو سامعني حرك عنيك.
حرك أهدابهُ ليطمأن رُعبها التي وبرغم وقوفها صامدة إلا أنهُ رأهُ داخل مقلتيها الصافيتان. حرك عيناه ببطئ يبحث مُتلهفً عن صوت معشوقته الذي يستمع إليه كصدي داخل حُلمٍ. وقعت عيناه علي تلك العاشقة الواقفه وممسكة بيداه بشدة وكأنها تخشي إضاعته والتي تتحدث بنبرة سعيده وعيون تدمعُ فرحً:
_ حمدالله علي سلامتك يا تاچ راسي، الشمش طَلعت ونورت برچوعك يا غالي.
إنتعش قلبهُ لرؤياها التي تسُر قلبه وهمس بصوتٍ ضعيف متقطع:
_ ماتبكيش يا حبيبتي، أني بخير.
أسرع عليه عِثمان الذي شعر بعودة الروح لجسده الهزيل والذي شعر بإفتقادها مع فقدان ولدهَ لوعييه.
ورسمية التي هتفت وهي تبكي وتميل علي وِجنة ولدِها لتُقبلها بإشتياق وكأنهُ غائب عنها مُنذُ زمان:
_ حمدالله على سلامتك يا جلب أمك.
إبتسم لوالديه وطمأنهما بعيناه، ونظر إلي قاسم الواقف يترقب عودتهُ بعيون لامعة سعيدة وأومأ لهُ بإمتنان.
قابلهُ قاسم بإبتسامة وتمني لهُ السلامة.
فتحدثت صفا إلي الجميع بنبرة صارمة:
_ كله بره يا چماعة لو سمحتم.
وأكملت إلي ياسر وطلبت منه جهاز معين لفحص جميع وظائف والدها الحيوية لتطمأن عليه.
❈-❈-❈
في القاهرة الكبري، وبالتحديد داخل إحدي المجمعات السكنية الراقية والتي يقطنها ذوي الأموال الطائلة.
كان يجلس فوق مقعدهُ المخصص له علي تلك الطاولة الكبيرة المخصصة لتناول الطعام، يتناول وجبة إفطاره لحاله وهو يرتدي حلتهِ السوداء، مرتدياً نظارته الطبية التي جعلت منه وقوراً يليق بمنصب مدير مَشفي إستثماري كبير كالذي أسسها له والدهُ الدكتور الشهير.
تحركت إليه إلهام والدة زوجتهُ وتحدثت وهي تسحب مقعدها لتقابلهُ الجلوس:
_ صباح الخير يا وائل.
أجابها بملامح وجه مقتضبة ذاك الذي لم يَعُد يطيق الجلوس بالمنزل الذي إشتراه ليسكُن به بعد زواجه من ريماس ووالدتها التي تسكُن معهما:
_ صباح النور.
إبتلعت لعابها من هيأته الغاضبة وتحدثت إليه بنبرة باردة وهي تمد يدها وتلتقط إحدي الشطائر:
_ مالك يا وائل، فيه حاجه في الشُغل مضايقاك؟
نظر لها وتحدث بنبرة حادة:
_ اللي مضايقني هنا في البيت حضرتك، مش في الشغل.
وأكمل بنبرة معترضة:
_ تقدري تقولي لي أنا بفطر وأتغدي لوحدي كل يوم ليه؟
إرتبكت بجلستها فاكمل هو متهكمً:
_ أقولك أنا ليه، علشان الهانم اللي أنا متجوزها علشان تريحني وتشاركني حياتي مش فضيالي، الهانم بتنام لحد الظهر لأنها سهرانة مع أصحابها في الديسكوهات طول الليل وراجعة خلصانة، وبعدها تصحي وبدل ما تستني جوزها اللي راجع هلكان من المستشفي وتجهز له الغدا وتقعد معاه كأي زوجة طبيعية، بتروح النادي علشان تقابل شوية التافهين أصحابها ويبدأوا يومهم اللي مبيعملوش فيه أي حاجة مفيده لا ليهم ولا لغيرهم.
تحدثت إليه إلهام بنبرة مهدأه:
_ معلش يا وائل إصبر عليها شوية لحد ما تتعود، إنتوا لسه متجوزين من أربع شهور بس وهي لسه ما أخدتش علي جو المسؤلية، وبعدين ريماس لسه صغيرة وطايشة وعاوزة تتمتع بحياتها.
وقف وائل غاضبً وتحدث بنبرة تهديدية:
_ صغيرة، طايشه أنا مليش دعوة بكل الكلام ده، أنا صبرت عليها كتير وأتكلمت معاها في إنها تراعيني وهي لحد الوقت مطنشه كلامي، ياريت تتكلمي معاها وتعقليها لأن صبري عليها قرب يخلص.
وتحرك إلي الخارج بدون حتي توديعها.
قورت إلهام يدها ودقت بها فوق الطاولة وتحدثت بضيق وهي تلعن إبنتها بنبرة طامعة:
_ غبية يا ريماس، هتضيعي من إدينا مغارة علي بابا اللي ما صدقنا إنها فتحت.
خرج وائل وأستقل سيارته وقادها بغضـ.ـب، أخرج هاتفهُ وأخذ نفسً عميقً لضبط النفس ثم ضغط على نقش إسم أمل برقمها الجديد الذي تحصل عليه من خلال إحدي صديقاتها التي تعمل لديه بالمَشفي، بعدما أقنعها أنهُ يُريد التفاوض معها بشأن العودة مرةً آُخري إلي المَشفي، حيثُ أنها قامت بتغيير رقمها كي تبدأ حياة جديدة بإناسٍ جُدد، وإلقائها بالماضي وإناسهُ خلف ظهرها.
كانت تقف داخل غُرفة الكشف الخاصة بها، تقوم بتنظيفها بجانب عاملة النظافة كي تجعلاها جاهزة لإستقبال مريضاتِها اللواتي أصبحن يأتين إليها للمشاورة حتي بأمورهُن الشخصية وذلك لجمال روح أمل وتفهُمها لهُن ولأوضاعهن المختلفة، وإعطائهن النصائح التي تساعدهُن في إدارة حياتهُن بشكل أفضل.
صدح صوت هاتفها الموضوع داخل جيب معطفها الأبيض الخاص بالاطباء ( بالطو ). أمسكت هاتفها ونظرت بشاشته، زفرت بضيق حين ظهر لها نقش إسمهِ من جديد علي تطبيق التريكولور، ضغطت زر رفض المكالمة ووضعته من جديد لداخل جيبها وتابعت التنظيف بجوار العاملة كي تُنهيا سريعً.
زفر وائل بضيق، ثم قام بتسجيل رسالة صوتية قائلاً بمحتواها بنبرة صوت يبدو عليها الندم الشديد:
_ أرجوكِ يا أمل تردي عليا، أني عارف يا حبيبي إني غلطت في حقك وظلمتك وظلمت نفسي، بس عاوزك تتأكدي إني ندمت ندم يكفيني عمري اللي جاي وحقيقي عرفت قيمتك.
أخذ نفس وتحدث بصدق:
_ أمل أنا إكتشفت إني عمري ما حبيت ولا أتمنيت في حياتي غيرك، هي كانت نـ.ـزوة وأنا للأسف إتشديت وإنبهرت بحاجة كانت جديدة عليا، أنا هطلق ريماس لأنها كانت السبب في بعدك عني، هي اللي خطفتني منك يا أمل، ده غير إني إكتشفت إنها إنسانة أنانية وكل همها في الحياة نفسها وراحتها هي وبس.
وأكمل في رسالة آُخري:
_ أنا عارف يا حبيبي إنك زعلانه مني كتير، بس أنا هعرف أراضيكي يا أمل، خليني أشوفك ونتكلم ونتصافي وشوفي أنا هعمل إيه علشانك.
وأكمل بنبرة حنون:
_ بحبك يا أمل ومستني تكلميني بعد ما تسمعي رسالتي.
وأكمل مؤكداً:
_ هستناكي ومش هيأس.
إنتهي من تسجيل الرسائل وزفر بضيق وتابع القيادة وهو يلعن غباؤه علي التفريط في جوهرة ثمينة مثل أمل واللهث خلف تلك الفارغة المُسماه بريماس والذي إكتشف أن بريقها كاذب حين إقترب منها وأكتشف صدق مقولة، ليس كل ما يلمع ذهبً خالص.
أما أمل التي خرجت من غرفتها بعدما إستمعت لصوت وصول الرسائل وتجاهلتها، كانت تتحرك داخل الرواق بثقة في طريقها إلي غرفة العناية المُشددة كي تطمأن علي حالة زيدان قبل أن تنغمس داخل دوامة عملها.
وجدت شباب منزل النُعمانية يلتفون حول تلك المائدة يتناولون طعامهم، فتحدث يزن الذي طار قلبهُ حين رأها تُقدم عليهم:
_ تعالي إفطري ويانا يا دكتورة.
إبتسمت له بخفوت وتحدثت بنبرة جادة:
_ متشكرة يا باشمهندس، بالهنا والشفا.
أراد أن يُداعبها فتحدث بإصرار:
_ طب عليا الطلاج من ليلي لتاچي تُفطري معانا.
إستطاع أن يرسم البسمه علي وجهها بفضل مُداعباته لها والتي تفهم مغزاها جيداً.
رمقهُ فارس بنظرة حادة وزجره قائلاً:
_ وإيه اللي چاب سيرة ليلي ودخلها في الفطار يا يزن؟
أجابهُ بمراوغة ونبرة ساخرة:
_ ده بس لجل متعرف غلاوة أختك عِندي كَد إيه يا حبيبي.
هتف حسن قائلاً بدُعابه:
_ يزن بيجول إكده عشان متوكد إن الدكتورة معترضاش تاكل وَيانا، ويُبجا بإكده ضرب عصفورين بحجر واحد، منه خُلص من ليلي ومنه ياكل وَكْل الدكتورة.
قهقه يزن وفارس وإبتسمت أمل لروح الأخوة والمحبه السائدة بين أفراد تلك العائلة المترابطة.
وتحدث يزن إليها بنبرة هادئة مُتحكمً في مشاعرة لأقصي درجة:
_ تعالي كُلي ويانا يا دكتور.
إنتفض قلبها من نبرته الحنون ونظرته التي تشملها بالرعاية برغم مجاهدته بألا يظهر عليه أية مشاعر لحين إنتظار الوقت المناسب الذي سيفاتح به جدهُ اولآ بنقطة إنفصالهُ عن ليلي وايضاً زواجه من تلك الجميلة ساحرة قلبه.
تحدث فارس بمداعبه كي يستدعي مرحها ويجعلها تجلس وتتناول الطعام معهم:
_ إجعدي كُلي يا دَكتورة بدل ما يزن ياخدها حِجه ويطلج فيها ليلي.
وأكمل مازحً:
_ هي صحيح تستاهل بلسانها اللي عايز جطعه، بس مهما كان بردك دي أختي ومرضلهاش الأذية.
شعرت بالخزي من حديث فارس عن شقيقته، فأمسكت إحدي اللُقيمات ووضعتها بفمها علي إستحياء وتحدثت بنبرة حزينة شقت بها قلب حبيبها:
_ وأنا مايرضنيش الاذي لأختك يا أستاذ فارس.
إرعب داخل يزن من كلماتها خشيةً من أن تتتراجع جراء كلمات فارس لها، تحدثت مُتسائلة بإهتمام:
_ مفيش أخبار عن زيدان بيه؟
أجابها يزن سريعً:
_ فاج الحمدلله وصفا جالت إن حالته بجت مُستجرة، وكلها كام ساعة وهتنجله علي غرفة عادية بس لما تطمن عليه.
أومأت له وأردفت بإستأذان بنبرة هادئة:
_ حمدالله علي سلامته، هروح أطمن عليه قبل ما أبدأ شُغلي.
تحركت أمل بطريقها وتحدث فارس وهو يقتضم إحدي وحدات البيض:
_ سبحان الله، صدج المثل اللي عيجول عرفت فُلان؟ جال اه، جاله عاشرته؟ جاله لا، جال يبجا متعرفوش.
وأكمل شارحً حديثهُ:
_ أهي أمل دي أكبر دليل علي صحة المثل دي، أول ما شوفتها إهنيه يا بووووي، الله الوكيل ماكُت بطيجها، دمها كان تجيل و واجف علي جلبي، بس من ساعة وجفتها وَيّا صفا لما تعبت وكمان وجفتها معانا إمبارح وخوفها اللي ظاهر في عنيها غلااها عِندي جوي، وبين لي إنها بنت أصول ومعدنها طيب.
وضع يده علي مقدمة رأسه وتحدث بتفكُر:
_ بس باين عليها وراها حكاية واعرة جوي، أموت وأعرفه.
تنهد يزن بأسي ووقف وهو ينفض يداه ببعضهما قائلاً:
_ أني هروح المركز ويا قاسم لجل ما أتابع التحجيج مع وِلد المركوب وإنتوا خليكم چار چدكم وعمكم.
أومأ لهُ وخرج قاسم وتحرك معه يزن متجهين إلي المركز بعدما رفضت صفا الذهاب معهُ إلي المنزل ولو لمجرد دقائق.
❈-❈-❈
عودة لداخل فيلا ريماس، بعد خروج وائل مباشرةً، إنتفضت إلهام من جلستها وبوادر الغضب تكسو ملامِحها وتحركت إلي الطابق العلوي حيث جناح صغيرتها التي تغفوا داخله.
إقتحـ.ـمت باب الغرفة وذهبت سريعً إلي الستائر السوداء وقامت بفتحها بطريقة عنيفـ.ـة جعلت تلك الغافية تفيق من ثباتها وتجلس سريعً وهي تتطلع حولها بإرتياب. زفرت بضيق وهتفت إلي والدتها بصياحٍ غاضب:
_ فيه إيه يا مامي، حد يدخل يصحي حد بالطريقة المُرعبة دي؟
إقتربت عليها إلهام وتحدثت بنبرة غاضبة:
_ قومي يا هانم وإتعدلي كده وفوقي لي، وائل شكله كده ناوي لك علي حاجة.
قطبت جبينها وتسائلت بطريقة ساخرة:
_ وحاجة إيه دي بقا اللي ناوي لي عليها الدكتور؟
ردت عليها إلهام بتعنـ.ـيف:
_ بدل ما أنتِ قاعده تتريقي علي كلامي، فوقي لنفسك وخلي بالك من جوزك بدل ما تضيعية منك بإستهتار.
تأففت وهي ترفع وجهها لأعلي بتمرد:
_ أوف بقا يا مامي، إرحميني بقا إنتِ وهو من كلامكم ده، إنتوا عاوزين مني إيه بالظبط، عاوزني أدفن شبابي وأفنيه وأنا قاعده في البيت زي أمينه أستني سي السيد لحد ما ييجي من برة وأغسل له رجليه بالمايه والملح؟ ماتسبوني أعيش حياتي بالطريقة اللي تريحني.
واكملت بصياح وجنون:
_ دي حياتي أنا وهعيشها بالطريقة اللي أنا رسماها لنفسي، ومش هسمح لأي حد يقرر لي ويخطط لي أعمل إيه فيها أو أعيشها إزاي.
تنهدت إلهام بيأس من تلك المُتمردة التي ستُفقدهم حياة الطرف والبزخ التي دخلوا إلي عالمها عن جديد.
تحدثت إليها بتعقُل:
_ ماحدش طلب منك إنك ما تعشيش حياتك، بالعكس، عيشي وأتمتعي بالعز بس بالعقل، نظمي وقتك وأدي لجوزك جزء منه ودلعية وإهتمي بيه، بدل ما يسيبك ويروح لغيرك وترجعي تندمي.
وأكملت بإرتياب:
_ ونفقد مكانتنا الإجتماعية اللي إكتسبناها هنا في سَكنا في الكومبوند وسط الناس الراقية، ونرجع تاني لعيشتنا في وسط زحمة القاهرة وقرفها.
نظرت لها ريماس وألقت رأسها فوق وسادتها وتحدثت بلا مبالاة:
_ أخرجي وإقفلي الستارة وخليني أنام يا ماما، وأنا أوعدك لما أفوق هبقي أسمعك.
تنهدت إلهام بأسي وعادت إغلاق الستائر من جديد وخرجت تاركة خلفها تلك الفارغة من داخلها التي لا تعي لخطورة الموقف.
❈-❈-❈
داخل حُجرة نوم قدري وفايقة،
فاقت من نومها وجدت ذاك الواقف بجانبها ينتظر صحوها. نظرت إليه بإستغراب وتحدثت وهي تفرق عيناها بتعب وإرهاق:
_ مالك يا قدري، واجف ليه إكده.
وأكملت بإرتياب ورُعب ظهر بعيناها:
_ ليكون زيدان چرا له حاچة؟
مال بجزعهِ عليها وسألها بفحيح وعينان تطلقان شزراً:
_ ومالك مرعوبه جوي إكده عليه؟
إبتلعت لُعابها وتحدثت بتلبُك:
_ حديت إيه اللي عتجوله دي يا قدري، إنتَ معايزنيش إتخلع علي إبن عمتي وأخو چوزي؟
أجابها بفحيح وهو يقترب من وجهها:
_ أخو چوزك! من ميتا الحنيه دي يا فايقة، الله الوكيل لو كُت أني اللي إنطخيت ماكُنتي هتتخلعي عليا إكده.
وبدون سابق إنذار أمسك خصلات شعرها وقبض عليها بعنف وسألها من بين أسنانه بنبرة مُستشاطة:
_ إيه اللي كان بينك وببن زيدان يا واكله ناسك؟
إنتفض جسدها وارتعبت وتحدثت مُتلعثمه وهي تقف في محاولة بائسة منها للفكاك من بين قبضته:
_ كَنك إتچنيت يا قدري، حديت إيه الماسخ اللي عتجوله دي.
فاجأها بصفعة قويه أدمت شفتها السُفلي أثرها وتحدث بعيون مُتسعة من شدة غضبها:
_ إيه اللي خلاكي وجعتي من طولك لما سمعتي خبر زيدان يا مّره يا فاچـ.ـرة.
هتفت بنبرة مُرتعبه وهي تحاول إمساك يده لتُبعدها عن وجنتها خشيةً تلقيها بصفعة آخري:
_ معايزنيش أزعل علي وِلد عمتي إياك!
ناولها صفعتها الثانية التي وقعت علي الأرض أثرها وتحدث وهو يدنو من مكانها ويقبض علي خُصلاتها من جديد ويجذها ليُجبرها علي الجلوس وتحدث إليها:
_ فاكراني مختوم علي جفايا لچل ما أصدج حديتك الخيبان اللي معيفوتش علي عَجل عيل إصغير دي؟
وأكمل بإقتضاب وهو يقبض علي فكها ويهزها بعنف:
_ من ميتا وإنتِ عتخافي علي حد ولا عتعملي حساب لحد غير فايقة يا واكله ناسك.
تفت بكذب ومراوغة وكأنها وجدت السبيلِ إلي النجاة:
_ صُح كُنت خايفة ومرعوبة كُمان، بس خوفي مكانش لجل خاطر عيونه، أني خفت عليك وعلي عيالي من أخد التار والـ.ـدم اللي عيسيل لو كان زيدان چرا له حاچة.
وأكملت بتمثيلٍ بارع ودموع التماسيح:
_ خفت علي قاسم وفارس ليغرجوا في بحور الـ.ـدم اللي أبوك كان عيشُجها ويغرج الكِل فيها لو ولده الغالي اللي عيفضله عليك وعلي مُنتصر.
نظر لها بتشكيك لحديثها وتحدث بقهرة رجُل ذُبحت كرامته علي يد زوجته بل ومتيمة روحه:
_ ريحيني يا بِت سَنيه وجولي لي إيه اللي كان بينك وبين أخوي زمان؟
وأكمل بقلبٍ يتمزق وعيون مُشتعلة بنار الغيرة وهو يقبض علي خصلاتها تكاد أن تُخلع من جذورها من شدتها:
_ كُتي عشجاه؟ إنطجي يا مّره وريحيني، جلبي جايد ناااار.
إستغلت إشتعال صدرهُ وتحدثت بعيون عاشقه ونبرة حنون أجادت إصطناعهما بمنتهي الحرفية:
_ معشجتش غيرك يا قدري، نمت في حُضنك وخلفت منيك عيالي، جبت لك راچلين يسدو عين الشمش بتتباهي بيهم وسط النچع كلياته.
وأكملت بضعف ودموع كاذبة:
_ وف اللاخر چاي تتهمني في شرفي وتجولي إني كُت عاشجه أخوك؟
وأكملت بنعومة كحيةِ رقطاء وتحدثت بإستعطاف وضعف كي تستجدي تعاطفه وعشقه اللعين لها:
_ مكانش العشم يا چوزي، يا حبيبي، يا أبو رچالتيل.
أنت أعضاء جسـ.ـده وارتخت قبضت يده، أغمض عيناه بإرهاق ثم تركها ووقف مُنتـ.ـصبً وتحدث بنبرة صارمة وهو ينظر عليها بغضب:
_ الله الوكيل لو عِدتي عَملتك السودة دي تاني، ولا طلع فيه حاچة أني معرفهاش، لأكون متچوز عليكِ وجاهرك وچايب لك ضُره إهنيه تِذلك وتجلل من جيمتك جِدام الكِل.
مازالت مستنده بكفيها علي الأرض، رفعت وجهها المُلطخ بسواد الكُحل العربي الذي ساحَ من أثر دموعها الكاذبة ولطخ وجنتيها، ونظرت إليه بمقلتان مُشتـ.ـعلتان وتفوهت بنبرة حقـ.ـود:
_ إعملها لو تجدر يا قدري، وأني كُنت أجتـ.ـلك وأجتـ.ـله.
نظر لها بإشتعال فأكملت هي بثقة لعشق ذلك الأبله لها:
_ أني خابرة زين إن عشجي عيچري چوة دمك كيف المايه معتچري في التِرعة.
رمقها بنظرة غاضبة وتحدث بفحيح:
_ رچلك متخطيش بره الشُجه دي، وإلا إنتَ خابرة اللي هعمله فيك.
وخرج من الغرفة والمسكن بأكملة كالإعصار، تطلعت هي عليه بتوعد ورد الصاع صاعان ولكن بطريقتها، طريقة المنع والتمنُع كعقابها له والتي تتبعها معه مُنذُ زواجهُما وللآن.
❈-❈-❈
بعد مرور ثلاثة أيام.
ليلاً.
داخل غرفة عادية بالمَشفي كان يقطن زيدان الذي تحسنت حالته بفضل الله ثم إهتمام ورعاية صفا الزائدة له وأيضاً بفضل إلتفاف عائلته وغمرهِ من قِبل الجميع بالعناية والإهتمام، حتي قدري الذي كان يغمرهُ بالإهتمام والحب الآخوي الصادق برغم كل ما حدث لعلمه الشديد حبهِ لورد.
كان يتمدد فوق التخت وتجاورهُ عاشقة روحهُ التي لم تُغادر المَشفي إلا الآن رُغم توسلات الجميع إليها حتي زيدان بذاته، وبعدما يأس الجميع جلبت لها صفا ثيابً نظيفة من المنزل واخذت حمامً دافئً هنا وبدلت ثيابها وضلت بجوار حبيبها التي أقسمت ألا تترك المَشفي وتعود إلي منزِلها إلا وساقاه تسبقها بخطوة.
كانت تجاورهُ الجلوس واضعة فوق ساقيها صحنً به فاكهه متنوعه، مُمسكه بيدها قطعة من ثمار التُفاح وتُقربها من فم مُتيم عيناها. إقتضم نصفها واقتضمت هي النصف الآخر وهي ترمقهُ بنظرة حنون. إبتسم لها بعيون عاشقة.
أمسكت قطعة آخري وكادت أن تُقربها منه فأشار بيدهُ رافضً بنبرة ضعيفة:
_ بكفياكِ يا ورد.
قالت بإصرار وهي تُقربها من فَمه:
_ عشان خاطري يا زيدان تاكل الحِتة دي.
أبعد يدها بهدوء قائلاً:
_ مجادرش يا حبيبتي، شِبعت خلاص.
طب لچل ورد: جملة قالتها وهي تنظر لعيناه بترجي.
فتح فمه وتحدث وهو يقتضمها:
_ أني لچل عيون ورد الحلوة، أعمل أي حاچة.
إبتسمت له وتحدثت بعيون هائمة في سماء عِشقة:
_ ربنا يبارك لي فيك يا حبيبي ويديمك في جلب ورد.
أردف بنبرة صوت عاشقة تُظهر كّم عشقهِ الهائل لتلك الحنون:
_ عحبك يا زينة الصبايا.
ضحكت له بدلال آنثوي فأردف هو بجنون عاشق:
_ يا بووووي علي ضحكتك اللي عتشفي العليل يا ورد.
أخرجهُما من حالة الهيام إستماعهما لطرقات خفيفة فوق الباب. دلفت صفا بعد إستماع صوت والدتها بالسماح لها.
تحركت إلي والدها وقبلت جبهتهُ وسألته بإهتمام:
_ كيفك دلوك يا حبيبي.
إبتسم لصغيرته وتحدث بوجهٍ بشوش وافتخار:
_ اني بخير طول ما بِتي الدكتورة عتراعيني.
إبتسمت بسعاده فأردف هو بتملُل:
_ عتروحيني ميتا يا بِتي، زهجت من المستشفي ونفسي أعاود لبيتي لچل ما أرتاح فيه.
أجابته وهي تُفرغ تلك الحُقنة داخل الكانيولا الموضوعة بيد غاليها:
_ يومين كمان بالكتير وهكتب لك علي خروچ يا حبيبي.
وأكملت بدلال لتهون عليه:
_ زهجت مني إياك؟
إبتسم لها واستمعوا لطُرقات من جديد، دلف قاسم حاملاً معهُ عدة أكياس وتحدث بإبتسامته مُشرقة:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رد الجميع السلام، وابتلعت تلك العاشقة لُعابها من طلة ذاك الأسر لقلبها، فبرغم كُل ما حدث إلا أن لقلبها الملعون رأيً أخر. لكنها وبرغم ذلك لم ولن تستسلم لمحاولاته إلا بعد تنفيذهُ لشرطها. إكفهرت ملامحها وتحرك هو إلي المنضدة الموضوعة بمنتصف الغرفة ووضع الاكياس قائلاً:
_ يلا يا مًرت عمي هاتي صفا وتعالوا ناكلوا لجمه سوا.
وأكمل:
_ أني چايب لكم معاي من المركز مشويات إنما إيه، ريحتها بس تفتح النفس علي الوّكل.
أردفت ورد بنبرة حنون:
_ ملوش لزوم تتعب حالك وتكلف نفسك كل يوم يا ولدي، ما أنتَ عارف إن چدتك بتبعت الوكل مع حريم السرايا.
أكمل علي حديثها زيدان الذي لانَ كثيراً من ناحية قاسم لكنهُ لم ينسي ما حدث لإبنته علي يده:
_ بكفياك جاعدة في سوهاچ لحد إكده وإرچع لشُغلك يا وَلدي، من يوم اللي حُصل وإنتَ فايت شُغلك وحالك وجاعد چار.
ينظر لهُ وتحدث بنبرة صادقة:
_ فداك الشغل والدنيي كلياتها يا يا عمي، إن شاء الله لما تخرچ بالسلامة وتروح علي دارك هبجا أسافر.
وأكمل شارحً:
_ أديني جاعد بتابع التحجيجات وَيّا مُدير الآمن، وبرچع أبات وياك إنتَ ومرت عمي وصفا، وفي نفس الوجت بتابع شُغلي بالتلفون، يعني مافيش حاچة متعطِله بإذن الله.
كانت تستمع إلي حديث والديها معه بوجهٍ كاشر وملامح مُقتضبة.
فتح إحدي الأكياس وأمسك زجاجة عصير طارجة جلبها من إحدي المحال الشهيرة في المركز، وتحرك بها إلي عمه وتحدث وهو يفرغ لهُ بعضً منها داخل كأس زجاجيه:
_ إتفضل يا عمي، دي عصير برتُجال علي بنجر ومِحلي بعَسل أبيض، خليت الراچل عصرهُ لك مخصوص لجل ما يجويك ويعوضك عن الدم اللي فجدته.
إبتسم لهُ وتحدث بإمتنان:
_ مش بكفايه دمك اللي عيچري في شراييني يا ولدي، كمان چايب لي عصير.
أجابهُ بنبرة صادقة فهو دائما ما كان يري في زيدان الآب الحنون والناصح الآمين له:
_ أني أفديك بروحي يا عمي، الحمدلله إنك جومت لنا بالسلامة.
جلس هو و ورد يتناولا طعامهما بعدما إمتنعت صفا وأصرت عدم تناولها لأي شئ يُجلبهُ هو، وهذا ما جعلهُ يتناول بعض اللُقيمات البسيطة بدون شهية.
خرجت صفا متجهَ إلي مكتب أمل لتُجاورها الجلوس بعيداً عن ذلك الذي تُصيبها رؤيته بالغضب والضيق. تحمحم بعدما إنتهي من تناول طعامه وخرج ليبحث عنها.
تحدثت ورد إلي زيدان بنبرة حزينة:
_ عتعمل إيه مع قاسم بَعد كُل اللي عِمله معاك يا زيدان؟
وأكملت بتساؤل مهموم:
_ عترچع له البِت بعد اللي عِمله فيها؟
تنهد بقلبٍ مُحملاً بالهموم وتحدث:
_ اللي عيزاه بِتي هو اللي عيكون يا ورد، أني مع بِتي في أي جرار تاخده.
تنهدت ورد بأسي لعِلمها برأس إبنتها اليابس فهي حقاً بين نارين.
❈-❈-❈
أما بالخارج، دلف لغرفة أمل بعدما علم بوجود متيمة روحه بالداخل وقد إستغل الفرصة وتحدث إلي أمل بنبرة جادة لعلمهِ عدم رفض صفا لطلبه أمام أمل، ويرجع ذلك لعزة نفسها وأحترامها لذاتها أمام الجميع.
قاسم بنبرة جاده:
_ بعد إذنك يا دَكتورة، عاوزك تِعملي سونار دلوك لصفا لجل ما نطمن علي الچنين، إنتِ واعيه بنفسك لليومين اللي فاتوا والضغط اللي صفا إتعرضت له، فكنت حابب أطمن عليها وعلي اللي في بطنها.
كادت أن تعترض لكن سبقتها أمل واقنعتها بصحة حديث قاسم.
بعد دقائق، كانت تتسطح فوق الشيزلونج الخاص بالكشف، وقف هو بجانبها ونظر بترقب علي شاشة الجهاز الذي بدأ ببث صورة جنينهُ. شعر بهزة عنيفة إقتحمت قلبهُ حينما إستمع إلي صوت نبضات قلب صغيرهُ. تعالت صوت نبضاته واختلتطت بنبضات جنينهُ التي يستمع إليها وكأنها أعظم سيمفونية إستمع لها.
إبتسمت أمل وهي تزف لهما الخبر السعيد قائله بإبتسامة:
_ مبروك، نوع الجنين ظهر.
نظر لها مترقبً فتحدثت أمل:
_ ناوي تسمية إيه يا متر؟
إنتفض داخلهُ وسألها مُتلهفً:
_ هو ولد؟
هزت أمل رأسها بإيجاب وتحدثت بتأكيد:
_ ولد إن شاء الله.
لا يدري لما شعر بالفخر والإعتزاز برجولته، فهكذا هو حال كُل الرجال بوطننا العربي، دائماً يشعرون بالفخر عِندما يُرزقون بالذكور، ومهما أعلنوا عكس ذلك فيبقي الشعور الداخلي والتمني دائماً للذكر.
نظر لحبيبتة وأمسك كف يدها وضغط عليه بقوةٍ ممزوجة بحنان ولهفه وحب. نظرت لهُ ولا تدري لما شعرت بسعادة الدنيا تتغللُها عندما رأت لهفة سعادته داخل عيناه. ضل ينظر كلاهما للأخر بعيون عاشقة هائمة في بحور الهوي والسعادة غير عابئين بوجود تلك الأمل.
فهل سترضخ صفا لقلبها وتقبل العودة من جديد لأحضان قاسم وعفي الله عما سلف؟ أم أنها غفوة وستصحو منها إبنة زيدان الأبية لتعود إلي قوتها وكبريائها من جديد.
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم روز امين
كرهتُ أن يسدلُ الليلُ بستائرهِ السوداء كي لا أشعر بظلام روحي وقُبح كياني بدونِكِ.
من خواطر قاسم النُعماني.
تاهت بسحر عيناه وسَبحت معهُ داخل بحر عِشقهما العتيق.
للحظة خُيل لهُ أنها تخلت عن حقدها الذي ملئ قلبها مُنذُ أن علمت بقصة زواجهُ.
خُيل لهُ أيضاً أنها قد تخلت عن شرطها الصّارم.
"كم أنتَ مسكينًُ أيها القاسم."
فمن الواضح أنك لم تتعرف علي إبنة أبيها بَعد يا فتي.
نعم تعشقك بل تتنفسُ عشقك، لكن عندما يتعارض عِشقها أمام كبريائها، إذاً فليذهب العشق حينها إلي الجحيم.
وعت علي حالها وسَحبت كف يدها من راحته وأشاحت ببصرها بعيداً عن مرمي عيناه العاشقة التي تتفحصُ كُل إنشٍ بوجهها.
شعر بيإسٍ تملك من كيانه.
يا لها من صدمة عظيمة.
مُنذُ القليل كان يشعر وكأنهُ أمتلك العالم بأسّره بالحصول علي رضاها الواهي.
وما هي إلي لحظات وتملك من كيانه شعوراً بالإحباط واليأس وخيبة الأمل.
شَتان بين الشعورين.
تحدثت إلي أمل بنبرة صوت جادة وملامح قاسية صارمة:
_ كفاية إكده يا دَكتورة.
سَحبت أمل الجهاز وفصلته، وأستعانت ببعض المحارم الورقية وكادت أن تُجفف لها ذلك السائل اللزج الذي وضعته لها فوق أحشائها ليُسهل عملية التصوير.
قاطعها قاسم الذي بسط يده وأخذهم منها ليقوم هو بتلك المُهمة عنها.
كادت أن تعترض.
قاطعتها نظرات أمل التي تبادلتها بينهما وأبتسامتها وهي تتحدث قائلة:
_ ربنا يخليكم لبعض.
ظمت غيظها كي لا تنفجـ.ـر وتنهرهُ وتُبعد يده من فوق أحشائها، لكنها دائماً كانت تُحكم صوت العقل أمام البشر للحفاظ علي مظهرهما كزوجان.
فـ أمل إلي الآن لا تدري ما الذي حدث في ذلك اليوم المشؤوم، لكنها إعتقدت أن الامر قد حُل وأنتهي حين رأتهم مُتماسكان أمام الجميع ويتعاملان بطبيعية.
كان يُنظف لها السائل بإهتمام ورفقٍ وليِن.
إلتقت عيناهما من جديد.
نظر لداخل عيناها وكأنهُ يترجاها بأن ترحمه وترحم ضعف قلبه الذي يإنُ من الألم.
أشارت إليه بأن يتوقف وسحبت جـ.ـسدها لأعلي و وقفت تعدل من ثيابها.
تحدثت أملّ بنبرة جادة وهي تمد يدها كي تُعطيها الروشته:
_ ده فيتامن هينفعك جداً في الفترة اللي الجايه.
وأكملت بتنبيه صارم:
_ ولازم تهتمي بأكلك شوية يا صفا، البيبي حجمه مش أحسن حاجة ولو فضل مكمل علي كده هيتولد ضعيف، ولا قدر الله ممكن يحتاج حَضانة.
مد قاسم يده وتناول الورقة وتحدث بهدوء:
_ ما تقلقيش يا دكتورة، إن شاء الله كل حاجة هتبقا كويسه.
إستمع الجميع لطرقات خفيفة فوق الباب فتحدثت أملّ بنبرة جادة:
_ إدخـ.ـل.
فُتح الباب ودلف منه يزن الذي تحمحم حين وجد قاسم وصفا لكنه تماسك.
وأشار إلي أمل وتحدث بنبرة جاده:
_ اني چاي لجل ما أوصلك علي السَكن بتاعك يا دكتورة.
واسترسل حديثهُ شارحً إقدامهُ علي ذلك التصرف وهو يتبادل النظر بينه وبين قاسم وصفا مُبرراً:
_ الوجت إتأخر ومعينفعش تعاود لحالها علي المركز دلوك.
أومأ لهُ قاسم بإستحسان، أما صفا فهتفت بتفاخُر واستحسان:
_ طول عمرك وإنتَ راچل صُح وعتفهم في الأصول يا يزن.
إستشاط قلب ذلك الواقف وشعر بنار الغيرة تقتحم قلبهُ العاشق وهو يري مُتيمة روحه وهي تُشعر في رجُل غيره.
إرتبكت أمل وأردفت قائلة بإعتراض مُصطنع، حيثُ أنها تُريد من داخل أعماقها إصطحاب يزن لها لتستمتع بصُحبته وحديثهُ الشيق الذي يُسعد قلبها وكلماتهِ المعسولة التي يُنثِرُها علي مسامعها، فتأسرُ قلبها ويُشعرُها هو كّم أهميتُها لديه:
_ أرجوك ما تتعبش نفسك يا باشمهندس، وأنا أكيد هلاقي أي عربية توصلني للمركز.
قاطعتها صفا قائلة بإعتراض:
_ إسمعي الكلام وخلي يزن يوصلك يا أمل، الوجت إتأخر و معتلاجيش عربيات خارچة برة النچع دلوك.
أطاعتها أمل بعدما أكد قاسم علي حديث صفا وأمسكت بحقيبة يدها وتحركت وتحرك الجميع خارج الحُجرة.
تحركت أمل بصُحبة العاشق يزن إلي خارج المَشفي، وأيضاً صفا التي تحركت بطريقها للعودة إلي غُرفة أبيها مرةً آُخري.
وما أن وصلت أمام غُرفة الفحص الخاصة بها، حتي وجدت يد ذلك العاشق المجاور لها تُكبلُ يدها وتسحبها لداخل الغُرفة ويُعيد غلق بابها بعدما دلف كِلاهُما.
وقف عائقً بجسدهِ العريض أمام الباب ليمنعها من الخروج ويُجبرها علي الإستماع لما يُريد.
نظرت إليه بعيون مُشتعلة بالغضب وهتفت بنبرة حادة:
_ كَنه عجلك طار وإتچنيت يا قاسم، إفتح الباب خليني أطلع.
تحرك مُقتربً عليها فتراجعت للخلف حتي إلتصقت بجدار الحائط، وأقترب هو منها وهتف بعيون غاضبة:
_ تِعرفي لو سِمعتك عچيبتي سيرة راچل غيري تاني علي لِسانك هعمل فيكِ إيه يا صفا؟
إرتبكت بفضل غضبه العارم فأكمل هو بنبرة تهكُمية وهو يُعيد جُملتها مُقلداً صوتها بطريقة ساخرة:
_ طول عُمرك وإنتَ راچل صُح يا يزن.
وتسائل بفحيح وهو يستند بساعديه علي الحائط ليحاوطها:
_ طب وچوزك يا بِت زيدان، مشيفهوش راچل صُح إياك؟
إبتلعت لُعابها من إقترابه الشديد ورائحة عِطرهِ التي تسللت لداخل أنفها فذكرتها بـ لياليه الماضية التي قضتها بين أحضانهِ الحنون، والتي برغم غضبها منه و إبتعاده إلا انها مازالت تسكُن روحها وتتغلغل بها هي وصورتهُ التي لا تُفارق عيناها لحظة، لا بصحوها ولا حتي أحلامها التي تُراودها بغفوتِها، وكأنهُ بات محفوراً بعقلها وقلبها بل وكُل كيانها.
إبتلعت لُعابها أثر إقترابه وتحدثت بنبرة مُرتبكة:
_ بَعِد عني خليني أخرچ.
أجابها وهو يقترب أكثر منها:
_ مهبعدش أني جَبل ما أتحدت وياكي.
تنفّس عالياً وتحدث بنبرة هائمة ونظرة لرجُلً يهيمُ عِشقً بحبيبته:
_ مجدراش تحسي بحبيبك ليه يا صفا؟
وأكمل بإشتياق وضعف:
_ بُعدك هَلك جلبي ونهي علي روحي يا صفا، مجادِرش أني عليه البُعد دِه.
إقترب منها ومال عليها بطولهِ الفارع، أسند جبهته علي جبهتها لتتقابل عيناهم عن قُرب أهلك روحيهما وتحدث أمام شفتاها بهمسٍ عَابث أثار داخلها وزلزلهُ:
_ إرچعي لي وريحي جلبي اللي جايد نار يا حبيبتي.
مسد علي خدها بأناملهُ الغليظة وبات يتلمسها بنعومة في حركة إقشعر لها جسدها وأهتز، وهمس هو من جديد:
_ إتوحشتك يا حبيبتي، إتوحشت ريحتك، حُضنك، ضمتك لچسمي وإنتِ عتُحضنيني وتطبطبي عليّ كِيف ما أكون وَلدك اللصغير، إشتاجت لك.
وسألها بنبرة هائمة مُحاولاً التأثير علي مشاعرها وسحبها لعالمه:
_ ما أشتاجتيش لحُضن قاسم يا جلب قاسم؟
فاقت علي سؤالهُ المُهين لكرامتها، فقد وعت علي حالها وفهمت مغزي تصرفاته، وفسرتها علي أنهُ يُريد سحبها إلي عالمه من جديد لتذوب معهُ داخل أحضانه الحانية، وتتناسي من داخلها خيانته و وضاعته وكسر وعده لها ولأبيها.
يُريد إختزال جميع ما حدث في علاقة جسدية كي يُزيل بها الجِدار العازل الذي وضعته هي وينتهي الآمر حينها بالتنازل.
التنازل عن كرامتها التي دُهست تحت قدماه بفعل ما قام به بحقِها، وعن كبريائها الذي إفتقدتهْ داخل أعيُن الشامتين بها.
حينها سيسقط حقها في الإعتراض أو التعبير عن رفضها لوضعها المُهين التي جُبرت عليه.
لن تكُن إبنة زيدان لو إرتضت ذلك الوضع المُهين علي حالها.
ولأجل هذا قررت الثأر منه لكرامتها ونظرت لداخل عيناه وبكل قوة وشموخ أجابته:
_ ملعون أبو عشجك الكداب يا قاسم، لتكون فاكرني مُغفلة لجل ما أصدج حديتك وأتلهي بيه وأدوب معاك چوة حُضنك الكداب وأنسي چواته غدرك وخيانتك لي.
رغم غضبها وحديثها المُهين له إلا أنهُ مازال يتملكهُ حالة الهيام المُسيطرة عليه جراء قُربهُما الذي جعلهُ علي حافة الجنون من شدة إشتياقه لمالكة الروح.
تحدث إليها بهمسٍ عابث:
_ إنتِ خابرة زين من چواتك ومتوكدة إن عشجي ليكِ هو الحجيجة الوحيدة في حياتي، عشجي ليكِ ساكن أنفاسي، بتنفسه كيف الهوا وهو اللي مخليني متحمل وصابر علي الكُل لدلوك.
وأكمل بنبرة خافتة وهو يُداعب بإبهامهِ شِفتها السُفلي بعبث جعلها ترتجف:
_ أني عاوزك يا صفا، مُشتاق لك شوج المسموم للترياج اللي عينچيه ويرچعة من چديد للحياة.
وأكمل وهو يحثها علي الذهاب معهُ:
_ تعالي نروح علي شُجتنا نتهني چوة أحضان بعضينا، وأوعدك إني عجول لك الكلام اللي يبرد نارك ويمسح من چواتك أي حُزن صابك.
وأكمل ليُطمأنها علي والديها:
_ وبعدها ناچي لهنيه لچل ما نبات مع عم.
قرب فمه من أذنها وتحدث بهمسٍ عابث بعثر بها كيانها وجعلها كورقة في مهب الريح:
_ الشوج جايد في جلبي ومشعلله نار يا صفا.
تَمالكت من حالها وسيطرت عليها لأبعد الحدود كي تقاوم ذلك الشعور اللعين الذي يُسيطر علي كيانها ويوشي لها بل ويأمرها بأن تُلقي بحالها لداخل أحضانه وتتناسي بداخمه ماحدث، ولتترك لهُ زمام أمورها وتُسلمهُ حالها ليمحو عنها حُزنها وألمها وجرح أنوثتها وهدر كبريائها الذين أصابوها جراء فِعلته الشنيعة بها.
هتفت بنبرة قوية ورأسٍ شامخ بعدما وعت علي حالها:
_ رُوح لمّرتك اللي فضلتها عليّ لچل ما تطفي لك شوجك ونارك.
_ مليش مّرة غيرك عشان أروح لها.
جُملة نطق بها بصدقٍ وعيون عاشقة وهو ينظر لداخل عيناها بتأكيد.
أردفت قائلة بقوة وأبتسامة ساخره وهي تحاول إزاحة جَسدهِ عنها:
_ أباي عليك يا مِتر، عتِنكر وچود حُب عُمرك اللي جعدت خاطبها ثَمن سنين بحالهم وإتچوزتها عليّ وأني لساتني عروسه؟
أجابها وهو يلتصق بها أكثر ويتمسك بكتفاها ليقوم بتثبيتها عن الحركة:
_ مليش حبيبة غيرك يا صفا، چوازي منيها مش كيف ما خيالك صور لك، ده مُچرد حِبر علي ورج، إنچبرت عليه لچل ما أسدد ديني الجديم وأكفر بيه عن ذنوبي اللي عِملتها في حَجك وحَج نفسي.
إبتسمت بجانب فمها ساخرة، وأردفت قائلة بقوة:
_ للدرچة دي شايفني غبية جِدامك لچل ما تستغفلني بحديتك الخيبان دِي.
أردف قائلاً بثبات:
_ وحياة صفا ما لمستها ولا جَربت منيها ولا حتي شُفتها جِدامي حُرمة.
وأكمل هائمً:
_ عيوني مشيفاش غير صفا وبس، إنتِ الوحيدة اللي جِدرتي علي جلب قاسم الجامح ورودتيه، چوة حُضنك لجيت اللي عيشت عُمري كله أدور عليه.
هتفت بقوة وأعتراض مُكذبه حديثهُ:
_ كذاب وممصدجاش ولا كلمه من اللي عتجوله.
نظر لمقلتيها وأردف بعيون صادقة:
_ بصي چوة عِنيا وإنتِ تعرفي إني عجول الصِدج.
أردفت بنبرة غاضبة مشتشهده بماضيها معه:
_ جبل إكده بصيت چوة عيونك اللي عتجول عليهم دول وسألتك جبل متجرِب مِني وجولت لك.
وأكملت بقوة لتذكيرهُ بتلك الليلة:
_ جولت لك كُنت تجصد إيه لما جولت لي مش أني الراچل اللي يسمح لغيره يختار له المّرة اللي عتنام في حُضنه.
وأكملت بتذكره:
_ فاكر اليوم دِه يا قاسم، يوم ما چيتني من مّصر بنفس حالتك دي وطلبت جُربي و ودي، وجتها سألتك جبل ما أسلمك حالي وجولت لك، فيه واحدة تانية في حياتك؟
وأسترسلت بملامح محتقنة بالغضب:
_ بصيت في عنيا وبكل چبروت رديت وجولت لي لا، كذبت عليا وإنتَ عينك في عيني لچل ما تُملك چسمي وتنول غرضك الدنيئ مني.
أردفت قائلة بقوة وثبات:
_ عتطلب مني كيف أصدجك دلوك وأني واعيه وخابرة ومچربه كذبك وخداعك اللي عيچروا في دمك يا ملك التخطيط.
إقترب منها ونظر لها بترجي وعيون متوسلة.
فأكملت بنظرات كارهه وهي تدفعهُ عنها بقوة وشراسة:
_ يا بچاحتك، چاي تطلب مني أنسي اللي فات وأرمي كرامتي تحت چزمتك وأترمي في حُضنك وأسلمك چسدي كيف الچواري والغواني!
ودقت علي صدره تدفعهُ من جديد وتسدد لهُ عِدة ضربات متتالية وتفوهت بشراسة وقوة و وعيد:
_ حُضني بجا أبعد لك من نچوم السما يا حضرة الأفوكاتو.
أمسك يداها وتحدث بقلبٍ مُتألم محاولاً تهدأتها:
_ إهدي يا جلب قاسم، إهدي.
سألتهُ بعيون تائهه غير مستوعبة بَعد، برغم مرور كل هذا الوقت فعقلها دائماً يقف ويرفض التصديق لما فعلهُ بها ذلك المُتيم:
_ عِملت لك إيه لچل ما تهيني وتدوس علي كرامتي بچزمتك وتخليني مسخرة الكِل؟
وأكملت بتعجُب:
_ جِبلتها عليا إزاي لو صُح حبتني كِيف معتجول!
وأسترسلت بقلبٍ ينزفُ دمً:
_ ده أني حبيتك وسلمتك جلبي وحالي وأمنتك علي روحي، نِمت چارك وأديت لك الأمان.
وأكملت وهي تدق بيدها بقوة علي صدرها:
_ خدتك چوة حُضني وعاهدت حالي إني عكون لك السَكن والسكينة اللي كُت عتدور عليهم، عكون الزوجة المُطيعة والحضن الدافي اللي عتلاجي فيه راحتك وترمي فيه أوچاعك وهمومك، عاهدت حالي إني عُمري مزعلك وشيلتك جوات عيوني وجفلت عليك برموشي لجل ما أحميك، عشت معاك شهرين عمري ما جولت لك لا علي حاچة ولا كسرت لك فيهم كِلمة.
وأكملت بدموعها التي إنهمرت رُغمً عنها:
_ نسيت رفضك ليا في اللول ونسيت مُعاملتك معاي وإهانتك لإنوثتي يوم دُخلتك عليّ.
سألته بهوان وضعف ودموع:
_ جولي علي حاچة واحده عِفشة عِملتها معاك أستاهل عليها اللي چرا لي منيك؟
كان يستمع إليها بقلبٍ صارخ يتمزق لأجلها ويلعن حالهُ ويسِبها علي ما أوصلها إليه.
تحدث بنبرة ضعيفة:
_ بكفياكِ تجطيع في جلبي يا صفا، عتوعي جلبي عليكِ بحديتك دِيو.
وأمال برأسهِ لليسار وهتف بعيون راجية:
_ معتحملش أني إكده يا جلب قاسم.
مّدت كفاي يدها سريعً نحو وجنتيها وجففت بهما دموعها ثم نظرت إليه بكُره وأكملت بنبرة تهديدية وهي تُشير بسبابتها في وجهه:
_ وحج كُل لحظة جضيتها چوة حُضني وإتهنيت بيها وأستبحت فيها چسمي وإنت مستغفلني، لأدفعك تمنها غالي، وغالي جوي يا قاسم.
إقترب منها وأمسك كف يدها وهتف برجاء:
_ إهدي يا صفا وإفهميني زين، جولت لك ملمستهاش ومشفتهاش جِدامي حُرمة، وحياة مالك ما لمستها.
صاحت به ودفعته من أمامها وهتفت بنبرة حادة:
_ متحلفش بحياة ولدي كِذب لجل ما تبرر لحالك خيانتك وندالتك وعمايلك السُودة.
جحظت عيناه وتحدث رافضً بقوة:
_ كَنك إتچنيتي يا صفا، بتشككي في حبي لولدي وإني ممكن أحلف بحياته باطل لجل ما أكسب رضاكي؟
إبتسمت ساخرة فاقترب منها من جديد وتحدث بقسم:
_ مجدراش تفهمي ليه يا صفا، الله وكيلي عمري ما حبيت ولا جلبي دج وعِرف العِشج غير علي يد.
دفعته عنه وتحدثت وهي تتحرك بإتجاه الباب:
_ لو عاوزني أصدج حديتك صُح نفذ شرطي وبعدها نجعد ونتكلموا كيف مجولت لك جَبل سابق.
خرجت وصفقت خلفها الباب بقوة دون إنتظار إستماعها للرد، تاركه خلفها ذلك المُستشاط وقلبهِ المُشتعل بنار العشق.
قبض علي يده وضرب بها الحائط بقوة ألمته، إعتدل بوقفته وزفر بضيق ومسح علي شعر رأسهِ بطريقة عنيفة كاد بها أن يقتلع خُصلات شعره.
أخذ نفسً عميقً لضبط النفس وتحرك إلي الخارج ليلحق بتلك العنيدة التي من الواضح أنها ستُذيقهُ العذاب ألوانً حتي ترضي.
***
عودة إلي يزن وأمل.
بعد خروج كلاهُما من المّشفي، تحركا معاً حتي وصلا إلي مكان السيارة.
تحرك سريعً وسبقها بخطوة وفتح لها باب السيارة كـ رجُل أرستقراطي راقي الخُلق.
نظرت إليه بإحترام وأبتسمت بهدوء.
إستقلت السيارة وانتظر حتي إعتدلت بجلستها وأغلق لها الباب برفق.
وتحرك إلي الجانب الآخر وجلس بجانبها وقاد محرك السيارة وتحرك بها ثم نظر لها وتحدث:
_ منورة عربيتك يا دَكتورة.
إبتسمت له وتحدثت بنبرة هادئة حنون:
_ ميرسي لذوقك يا باشمهندس.
وأكملت بتوصية:
_ ممكن بقا تبطل حركاتك اللي بتحرجني بيها قدام الناس دي وتحاول تتعامل معايا عادي.
وأكملت برجاء:
_ علي الأقل لحد ما تخلص موضوع ليلي مع جدك ويبقي فيه بينا حاجة رسمي.
أجابها بنبرة جادة وهو يُتابع قيادة السيارة:
_ متُبجيش حساسة جوي إكده يا أمل وتدي للحاچة أكتر من حجمها، قاسم وصفا عارفين إن دي طبيعتي ولجل إكده محسوش بحاچة ولا علجوا علي الموضوع أساساً.
وأكمل شارحً موقفهُ:
_ بصي يا أمل، هو بعيداً عن إنك حبيبتي وإني عخاف عليكِ كيف ضي عيني، بس لو كانت أي واحدة من اللي عيشتغلوا في المستشفي مكانك ومتأخرة عن سكنها، مكُنتش عسيبها إلا لما أوصلها وأطمن عليها إنها طلعت لمطرحها.
واسترسل حديثهُ بتأكيد:
_ اللي ما أرضهوش علي مريم أختي، مرضهوش علي بنات النا.
نظرت إليه بإحترام وإعجاب لرجولته وأردفت بنبرة فخورة:
_ إنتَ راجل أوي يا يزن، إنسان بجد وأنا محظوظة إني عرفت حد محترم زيك.
نظر لها وغمز بعينه وأردف قائلاً بنبرة جريئة:
_ هو أنتِ لساتك شوفتي حاچة من الرچولة يا حبيبتي.
أشاحت عنه بنظرها خجلاً وتابع هو قيادته للسيارة تحت سعادته.
بعد حوالي نصف ساعة توقف يزن أمام إحدي مَحال المصُوغات الذهبية.
نظرت له أمل بإستغراب وهتفت بتعجُب:
_ وقفت ليه يا يزن؟
نظر لها بحنان وتحدث بنبرة حماسية:
_ عاوز أچيب لك هدية يا أمل.
هتفت مُسرعة بنبرة رافضة:
_ مش هينفع قبل ما يبقي فيه حاجة رسمي بينا.
أجابها بنظرات مترجية:
_ عشان خاطري توافجي يا أمل، نفسي أحس إني راچلك وإنك مسؤلة مني، عاوز لما أبص في يدك ألاجي حاچة من ريحتي لمساكي ومحوطاك.
نظرت إليه بتردد فأكمل هو:
_ أني هنفذ لك كُل اللي إنتِ عوزاه يا حبيبتي، بس الكلام دِه عياخد شوية وجت، مهيكونش جبل أسبوعين علي الأجل عشان ظروف عمي زيدان اللي إنتِ وَاعية لها زين.
كانت تنظر إليه بملامح وجه يغلب عليها الحيرة والتردد، فنظر لها مترجيً إياها بعيناه، لانت ملامحها وأبتسمت له بموافقة بعدما شعر قلبها بصدق مشاعره.
دلفت لداخل المَحل تجاور الخُطي لذلك الذي يشعر بفخر وأعتزاز وهو يتحرك بجانب إمرأته التي إختارها بذاته وبكامل إرادته لتؤنس وحدته وتُدفئ لياليه البارده بنار عشقها الذي أشعل صدره وتُجاورهُ رحلة طريقهُ.
وقف أمام مالك المحَل وتحدث بنبرة حماسية سعيدة، قائلاً بشعور بالفخر والتملك:
_ عاوزك تچيب لي أغلا وأجيم طجم دهب عِنديك لمّرتي.
نظرت إليه سريعً بدقات قلب مُتسارعة من نُطقهِ لكلمة زوجته التي أشعرتها بالحماية والإنتماء، لكنها قاطعته قائلة بنبرة إعتراضية:
_ لا طقم إيه، كفاية أوي خاتم بسيـ.
قاطعها مُعترضً قائلاً بتصميم:
_ الدنيي كِلياتها تحت رچلين مّرت يزن النُعماني.
إبتسم الرجُل وتحدث بنبرة حماسية كي يُقنعها ليبتاع لها زوجها أكبر كّم من الذهب:
_ الباشا عنده حق يا أفندم، عيلة النُعماني معروفه بالكرم والجود مع الغريب، فما بالك باللي منهم.
جلب لهم الصائغ أجمل القطع وأندرها وأثقلها وزنً، لكنها إعترضت وأنتقت إسوارة هادئة مُزينة بفصوص باللون الأزرق، وكذلك خاتمً علي شكل فراشة رقيقة كرِقة قلبه.
تحدث إليهما الصائغ ليري ما إن كان المقاس مناسبً أم لا:
_ مبروكين عليكي يا هانم، إتفضل لبسها الخاتم يا يزن بيه عشان أشوف المقاس.
جذبت يدها وألصقتها بصدرها بحماية وتحدثت بإعتراض:
_ أنا هقيسه بنفسي.
شعوراً بالفخر والراحة تملكا من كيانه وحينها تأكد أنه آُختير الزوجة المناسبة التي ستحمي عرضهُ وتحافظ علي شرفه أثناء غيابهُ قبل حضورة.
إرتدت الخاتم والإسوارة تحت سعاده يزن التي تخطت عنان السماء.
تحركا من جديد مستقلين سيارته وقادها من جديد حتي وصلا لمقر مسكنها، نظر لها وتحدث بنبرة هائمة:
_ عحبك يا أمل.
خجلت من نظراته الولهه وفتحت الباب وتَرَجَّلت سريعً وتحركت في طريقها للداخل لولا صوت ذلك العاشق الذي جعلها تتوقف حين أردفَ مُناديً عليها بنبرة حنون:
_ أمل.
إلتفتت تنظر إليه بترقُب، فهتف بنبرة عاشقة وعيون ولهه:
_ خلي بالك علي جلبي، أني شايله أمانه عنديكِ لجل ما تطبطبي عليه وتنسيه مُر زمانه اللي شربه جَبل ما يشوفك.
إبتسمت بعيون لامعة بفضل دموع السعادة التي تكونت داخل مقلتيها من تأثُرها بكلمات ذلك الفارس.
أشار لها بيده بإتجاه الأمام وأردف قائلاً وهو يحثها علي الدخول:
_ تصبحي علي خير يا ست البنات.
تحدثت بنبرة حنون:
_ خلي بالك علي نفسك وإنتَ سايق، وأول ما توصل بالسلامة كَلمني وكمني عليك.
إشتعل داخلهُ من شدة سعادته وهتف قائلاً بتفاخر:
_ متخافيش علي حبيبك يا دَكتورة.
إحمرت وجنتيها خجلاً تأثراً من كلماته ونظراته العاشقة وتحركت سريعً إلي الداخل تحت نظراتهِ الهائمة وقلبهُ النابض بعشقها الطاهر.
***
عودة إلي قاسم الذي خرج خلفها وتحرك في طريقهُ إلي غُرفة زيدان، وجد فارس يجلس أمام الغرفة ويتحدث بهاتفهُ.
وقف أمامهُ وإستطرد قائلاً بنبرة جادة بعدما أغلق فارس هاتفه:
_ جوم روح لمّرتك وبِتك يا فارس.
رد فارس علي شقيقهُ مُعترضً:
_ معينفعش أسيب مكاني يا قاسم، أني جاعد بجابل الناس اللي عتاچي تزور عمك.
قاطعهُ قاسم بنبرة تعقلية:
_ الوجت إتأخر ومحدش هياچي دلوك خلاص، جوم يا حبيبي نام في فرشتك وريح چسمك، إنتَ من ساعة اللي حُصل وإنتَ مسبتش المستشفي إلا عشان تروح تاخد حمام وتغير هدومك وترچع طوال.
كان من داخلهُ يُريد الذهاب الفوري ليعود إلي حبيبته ويرتمي داخل أحضانها التي إشتاقها حد الجنون.
لكنهُ تحدث علي إستحياء:
_ معينفعش أفوتكم بايتين لحالكم إهنيه يا أخوي.
أجابهُ قاسم بنبرة حنون:
_ محناش لحالنا يا حبيبي، يزن راح يوصل الدَكتورة أمل وهيرچع لهنيه تاني، وحسن جاعد بره في الچنينه وشويه وهيدخل يبات چنبي إهنيه.
إقتنع بحديث أخيه وتحرك قاصداً الخارج، وجد بوجههِ دكتور ياسر الذي تهرب من نظراته المُتفحصة له وأسرع يختبئ من ذلك الوحَش الكاسر داخل غرفته لينأي بحاله من نظراتهِ الفتاكة.
نظر فارس لباب الغرفة المُغلق وتحدث بصوتٍ مسموع لأُذناه فقط من بين أسنانه:
_ جَبر يِلم العِفش.
وأكمل بتوعد غاضب:
_ إصبُر عليّ يا أبن المركوب، إن ما جطعت رچلك من المستشفي والنچع كلاته مبجاش أني فارس النُعماني.
همس بكلماته الغاضبه وتحرك تاركً المشفي بأكملها ليستقل سيارته عائداً إلي حبيبته ليتنعم داخل أحضانها الذي إفتقدها وذاب حنينً من الإشتياق إليه.
دلف قاسم بعدما طرق الباب واستمع إلي إذن الدخول، وجد عمه وزوجته مازالا يجلسان ويتسامران بودٍ و وجوة سعيدة، من يراهُما يظنهما ثُنائي عاشق يجلسان بإحدي الكافيهات ويتغزلان ببعضيهما داخل جولة عشقية.
وتلك العنيدة المُمسكة بهاتفها تتصفحه وهي جالسة فوق الأريكة، حيثُ بعثت لخفير السرايا كي يأتي لها بها من منزل أبيها ويُحضرها كي تُفردها ليلاً وتجعل منها تختً لها لتغفو فوقه، وكل هذا كي تبتعد عن ذلك الذي إستغل وجودهم بالمشفي ليُجبرها علي النوم معهُ داخل إحدي الغُرف المجاورة لأبيها، بحجة عدم تقبلهُ لنومها بغرفة أبيها، ويرجع ذلك لدخول ياسر ليلاً لمتابعة الحالة بالتناوب معها، وبعدما تحسنت حالة أبيها شئً ما وطلبت هي من ياسر عدم المجئ لمتابعة الحالة وستكتفي هي بالمتابعة الليلية، فكانت حجته عدم وجود تخت لترتاح به، لذا فقد أتت بها لتقطع عليه كل السُبل للتقرب منه.
نظر لتلك الأريكة بغيظ وأقسم بداخلهُ لو أن الآمر بيده أو سنحت له الفرصة سيحطمها ويمحو وجودها من الأثر.
إغتاظ داخلهُ من تلك التي لم تُعير لدخولهُ إية إهتمام وتُشيح بناظريها عنه وتحرمهُ النظر من وجهها.
تحرك إلي المنضدة الصغيرة المصنوعة من الحديد وإلتقط من فوقها زجاجة من العصير الطازج الذي جلبهُ وتحرك بها إلي مالكة الفؤاد وتحدث بنبرة حنون وهو يُبسط لها يدهُ:
_ إشربي العصير دي يا صفا.
لم تُعير لتصرفه إهتمام وتحدثت دون عناء النظر إلي وجهه:
_ معيزاش.
وضعها بجانبها بهدوء ليحثها علي تناولها بوقتٍ لاحق بعد خروجه.
ثم نظر إلي عمه وزوجته وهتف قائلاً بنبرة حماسية كي يستدعي إنتباهها وإرغامها علي مشاركتهِ الحديث:
_ شكلك مجولتيش لعمي ومّرت عمي علي الخبر الحلو اللي لساتنا عارفينه من إشويرم.
قَـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
ـ
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم روز امين
داخل مسكن فايقة،
دَلفت ليلي إليها وتحدثت بنبرة مُتسائلة:
_ أموت وأعرِف إيه اللي عِمل في وشك إكده يا أمّا ؟
شعرت فايقة بالضيق وهتفت بنبرة غاضبة:
_ وبعدهالك عاد يا بِت قدري، كام مرة عجول لك إتزحلجت في الحمام ووجعت علي وشي.
رمقتها ليلي بنظرة مُشككه قائله:
_ معرفاش ليه ممصدجاش حديتك ده، مدخلش عليّ وحاسه أن أبوي ليه يد في اللحكاية دي.
رمقتها فايقة بنظرة مشتعلة وصاحت بنبرة غاضبة:
_ إخفي من وشي الساعة دي و روحي علي شُجتك وفوتيني لحالي، منجصاش حرجة دم أني.
إقتربت عليها ليلي وجلست بجوارها وتحدثت:
_ خلاص عاد متزعليش، معتحدتش في الموضوع دِه تاني.
وأكملت بنبرة حماسية:
_ بجول لك إيه يا أمّا، متاچي نستغل إن الكُل مشغول مع عمي زيدان ومحدش مركز ويانا ونروح للشيخ اللي جولتي عليه، چدتي كل يوم بتروح المستشفي وبتجعد عند عمي مبتاجيش غير آخر الليل.
وأكملت بنبرة حزينه وعينان منطفأتان:
_ ولا عچباكِ جعدتي في شُجتي لوحدي كيف الجِرد إكده.
وأكملت بإرتياب شديد:
_ أني مرعوبه ليزن يسمع كلام چده ويتچوز عليا بجد، الله الوكيل أنجهر فيها وأموت.
نظرت لها فايقة بغضب وتحدثت بضيق:
_ كَن عِشجك الملعون لإبن نچاة طير عجلك وخلاكِ مخَبلة.
وأكملت شارحة:
_ عاوزاني أخرچ كيف يا حزينه بوشي اللزرج دي.
أجابتها ليلي بإلحاح:
_ إبجي إلبسي نجاب يداري وشك يا أمّا.
تنهدت فايقة وتحدثت لتهدأة إبنتها وطمأنتها:
_ إصبري يا ليلي لما اللأول نطمن علي عمك زيدان ووشي يروج شوي، وبعدها هعمل لك كُل اللي إنتِ عايزاه.
دقت ليلي الارض بساقها بطريقة تعبر عن إعتراضها وتحدثت بنبرة حزينة مُعترضة:
_ عمي زيدان كيف البِسه بسبع أرواح ومهيجرلوش حاچة، لكن أني اللي ممكن أنجلط لو يزن فكر يتچوز علي، مجدراش تحسي بيا ليه يا أمّا.
وأكملت بإشتياقٍ جارف وحنين:
_ يزن وحشني جوي، نفسي أرچع أنام چاره تاني علي السرير وأدفن روحي چوة حُضنه.
واسترسلت حديثها بنبرة شبه باكية:
_ أني مبنامش يا أمّا ولا عيني بتغمض من يوم حبيبي ما ساب فرشتي وهچرني.
زفرت فايقة وتحدثت بإقتضاب:
_ ملعون أبو عِشجك الخيبان اللي خلا إبن نچاة يتحكم فيكِ بالطريجة العِفشة دي.
وأكملت بإطمئنان:
_ إطمني يا ليلي، يزن شكله شايل موضوع الچواز من دماغة، بجا له ثلاث شهور هاچرك من يوم اللي حُصل، لو ناوي يتچوز مكانش إستني كُل دي.
إستمعا خبطات فوق الباب الخارجي،
تحركت ليلي وفتحت الباب وجدت قاسم أمامها.
أمسك مقدمة رأسها ووضع قُبلة هادئة وتحدث بنبرة خافتة تدل علي إرهاقه الشديد:
_ كيفك يا ليلي.
نظرت إليه وتحدثت وهي تُعيد غلق الباب من جديد:
_ أني زينة يا قاسمو.
أكملت بإستغراب:
_ غريبة، أول مرة من ساعة اللي حُصل لعمك تسيب المستشفي وتاچي علي البيت.
أجابها بإرهاق ظهر عليه وهو يتحرك للداخل باحثً بعيناه عن والدته:
_ كنت في المركز من الساعة سبعة الصُبح ولساتني مخلص التحجيج، جيت أبلغ چدك باللي حُصل، و لجيت حالي تعبان جولت أطلع أنام لي كام ساعة وأخد حمام وأرچع لهم تاني علي المَغرب.
وأكمل بتساؤل:
_ أمك فين عاد؟
خرجت تلك التي تفوهت بنبرة تهكمية وهي تنظر علي نجلها بضيق، وذلك لتواجدهُ الدائم بالمّشفي بجوار ورد وإبنتها:
_ لساتك فاكر إن ليك أمّ وچاي تسأل عليها؟
إتسعت عيناه فزعً حين وجد وجهها مُنتفخً وممزوجً باللونين الأزرق والأحمر الداكن جراء الصفعتان اللتان تلقتهما من قدري الغاضب، بالإضافة إلي قـ.ـذفهِ لها بحدة علي الأرض مما أحدث إحتكاكً بين الأرض و وجهها نتج عنه عِدة كدمات شديدة.
أسرع عليها وأمسك فكها ورفع وجهها يتطلع إليه بترقُب وفزع وهتف متسائلاً بإستفسار:
_ إيه اللي عمل في وشك إكده يا أمّا، حد إتهجم عليكِ إياك؟
أبعدت يدهُ عنها وتحدثت متهربه من عيناه:
_ مين بس اللي عيتهجم عليّ يا قاسم، ده أني إتزحلجت في الحمام ووجعت علي وشي.
ضيق عيناه مستغربً حديثها ثم هتف قائلاً بإهتمام ولهفة:
_ ومجتيش المستشفي ليه كانت صفا كتبت لك أي حاچة للكدمات دي!
أجابته بتهرب وهي تتحرك إلي الأريكة وتجلس عليها:
_ سيبك من وشي دلوك وجولي، عِملت إيه في التحجيجات، علي الله تكون جبت حَج عمك من إبن المحروج كمال.
أجابها بإختصار لعدم قدرته علي الحديث:
_ كله تمام يا أمّا.
وتحرك إلي جانبها وجلس مُلقياً بجسدهِ للخلف بتعب.
سألته بإستغراب:
_ مالك خسيت ووشك إتسخط ليه إكده.
إبتسمت ليلي وتحدثت بنبرة تهكمية حقودة:
_ مش جاعد جنب الدَكتورة هي وأمها وناسي حاله، وحتي شغله لما همله لجل خاطرها.
هتفت فايقة بنبرة حادة:
_ علي الله بعد كل اللي عِتعمله عشانها هي وأبوها وأمها يخلوا في عنيهم حَصوة ملح وتبطل چلع وترچع لبيتها، كفاية إنك كُت عتموت حالك جِدام المچرمين دول ووجفت كيف الأسد وضربت عليهم نار وخلصت عمك من بين إديهم.
وأكملت بإشادة:
_ ده غير دمك اللي صفيته وأديتهُ له، ونومك چارهم في المستشفي والتحجيجات اللي رايح چاي عليها لحد ما وشك عِدم ومبجاش فيه ريحة الدموية.
قطب جبينه ونظر لها بإستغراب وهتف قائلاً بإعتراض:
_ وإنتِ فكراني بعمل إكده لجل ما أرضي صفا وأخلي عمي يرچعها لي يا أمّا، ربنا يشهد عليّ إن كل حاچة عِملتها عملتها لجل خاطر ربنا الأول وعمي ومليش أي غرض من ورا كُل ده.
أردفت قائلة بتفهم وصدق لحديثهُ:
_ وأني معِنديش شك في رچولتك يا قاسم، أني بتكلم عنيهم هما، وبعدين هي لا أول واحدة چوزها يتچوز عليها ولا أخرهم.
أجابها بنبرة هادئة لرجُل عاشقً لإمرأته:
_ براحتها يا أمّا، صفا تعمل اللي علي كيفها كله وأني هصبر عليها وأفضل أراضيها لحد ما ترضي وربنا يهديها.
لوت فايقة فاهها بتهكم، في حين هتفت ليلي بنبرة حقود:
_ ما هي طول ما هي شيفاك مدلوج عليها إكده هتسوج العوچ فيها، عتچلع علي إيه بِت ورد؟ مش تحمد ربنا إنك رضيت بيها وأتچوزتها من الأولو.
وأكملت بنبرة تحريضية:
_ لو عاوز نصيحتي، سيبها تنفلج وروح عند مّرتك المحامية وعيش وياها وأتهني وإجهر جلبها، وساعتها هي اللي عتاچي لك زاحفة علي رچليها وتطلب منيك السماح والرضا.
إتسعت عيناه من شدة غضبه وهتف بنبرة تهديدية:
_ ليلي، إحترمي حالك وإبعدي سمك عن صفا، وإياكِ بعد إكده أسمعك تجولي بِت ورد دي.
وأكمل بنبرة شامخة أحرقت روح فايقة وليلي معاً:
_ إسميها الدَكتورة صفا زيدان عِثمان النُعماني.
وأكمل مُحذراً ليضع شقيقتهُ في الصورة:
_ إسمعيني زين يا ليلي وحُطي حديتي دي حلجة في ودانك عشان متنسهوش، صفا بالنسبة لي خط أحمر، و اللي عيجرب لها ويحَاول يأذيها حتي ولو بكلمة الله الوكيل ما عرحموا مهما كانت غلاوته عِندي، فهماني يا ليلي.
وأكمل مُحذراً:
_ إلا صفا يا بِت أبويا.
لوت فايقة فاهها وهتفت بنبرة ساخرة:
_ عتهدد خيتك لچل مرتك يا قاسم؟
نظر لها وهتف:
_ أني معجيش علي خيتي لجل حد يا أمّا، بس صفا تعبانة وفيها اللي مكفيها، وليلي أختي أني عارفها زين وعارف مكايدتها.
وأكمل وهو يقف ويتحرك في طريقهُ إلي الخارج:
_ أني رايح شُجتي لجل ما أنام لي ساعتين.
وأكمل:
_ عكلم فارس يچيب لك كريم وبرشام للكدمات دي وهُتبجي زينه بإذن الله، وتاني مرة خدي بالك يا أمّا.
وقفت فايقة وتحدثت:
_ عخلي ليلي تنزل تچيب لك وَكل من تحت لچل ماتاكل جبل ماتنامه.
هز رأسهُ نافيً وتحدث:
_ معايزش أكل يا أمّا، أني كل اللي عايزه دلوك هو النوم وبس.
أوقفته متسائلة بنبرة جادة:
_ قاسم، معرفتش مّرتك حِبله في إيه؟
نظر لشقيقته التي نظرت لوالدتها بحقد، حَزن من داخلهُ لأجلها وتحدث إلي والدتهُ وهو يبعث لها إشارات بعيناه يحثها بها علي الصمت لأجلها:
_ نبجا نتكلموا بعدين يا أمّا.
أصّرت تلك عديمة الإحساس علي سؤالها قائلة:
_ عنتكلموا بعدين ليه، هي أسرار حربية إياك؟
وأكملت بنبرة حادة:
_ متجول يا ولدي وتخلصنين.
نظر لها بغضب وأردف قائلاً بنبرة جادة:
_ فيها ولد يا أمّا، زين إكده.
وتحرك إلي الخارج تحت غضب ليلي من أخيها ودفاعهُ المُستميت عن غريمتها التي إختارتها مُنذُ الصغر لتجعلها عدوتها اللدود، وما زاد حقدها هو إستماعها لحملها أول حفيد ذكراً للعائلة وهذا ما سيُعزز من مكانتها عند الجميع أكثر واكثر حتى عند والدتها التي ظهرت السعادة المبالغ بها علي وجهها وتحدثت بحمد وكأنها عَثُرت علي أثمن كنوز الأرض:
_ الحمدلله، الدنيي نصفتك يا فايقة، وكيف ما أنتِ چبتي الحفيد البكري للنُعماني، ولدك كمان عيچيب له الحفيد الأول.
وتنفست بإنتشاء وأكملت بنبرة طامعة:
_ وبكرة الواد دي عياكل عجل زيدان ومش بعيد يكتب له كل أملاكه، وعيال نچاة يطلعوا من المولد بلا حُمص.
دلف قاسم إلي مسكنه بخطوات مرهقة وما ان وصل إلي التخت حتي خلع عنه ثيابهُ وشغل المُكيف وارتمي بجسده الذي ما عاد يتحمل أكثر، وبغضون دقائق كان يغط بثباتٍ عميق.
❈-❈-❈
في القاهرة
وبالتحديد داخل مكتب إيناس وعدنان.
غيرت إيناس معالم المكتب خلال فترة الشهران المُنصرمان، مُنذ أن طردها قاسم هي وشقيقها شَر طردة، وقام بنفيها داخل ذلك المكتب الذي لا يرتقي إلي كبرياء وغرور تلك الإيناس، لذا فقد قامت بتبديل جميع الأثاث وجعلت من المكتب لافتً للنظر، وبدأت بذكائها وفطانتها وعلاقاتها السابقة بجذب الموكلين من جديد إلي مكتبها وبدأ إسمها وأخيها يظهران داخل ساحة المحاكم من جديد، فحقا كانت شُعلة ذكاء تتحرك علي الأرض.
كانت تجلس خلف مكتبها المُنمق وهي ترتدي نظارتها الطبية التي جعلت منها وقورة، يجلس أمامها عدنان ويُقابلهُ أحد العملاء الجُدد الذي تحدث بنبرة منتقدة:
_ إسمحي لي في اللي هقوله وياريت ما تزعليش من صراحتي يا أستاذة، حضرتك بقا ليكِ إسم في عالم المحاماة، ده كفاية قضية المخدرات الشهيرة بتاعة عزيز عبدالجبار اللي إنتِ كسبتيها من إسبوعين ومكسرة الدنيا.
وأكمل مُتسائلاً:
_ مش شايفه إن المنطقة والعمارة اللي موجود فيهم المكتب ده لا يليقوا بيكِ وبإسمك.
تحمحمت وأشتـ.ـعل داخلها من سؤال ذلك الوقـ.ـح، لكنها أدعت الصمود وتحدثت بنبرة زائفة إدعت بها المثالية:
_ دي كلها شكليات ومظاهر فارغة يا مجدي باشا، وانا طول عُمري المظاهر ما تهمني.
نظر لها بإعجاب وتحدث:
_ مع إني غير متفق معاكِ في النقطة دي لان للأسف المظاهر بقت شئ مهم جداً في حياتنا، بس حقيقي برافوا عليكِ إنك قدرتي توصلي للمرحلة دي من السلام والتصالح مع النفس.
وأكمل بإستحسان:
_ بس حقيقي حابب اهنيكي علي البراءة في قضية عزيز عبدالجبار، وخصوصاً إن القضية كانت لبساه لبساه.
وابتسم قائلاً بتشكيك بذمتها القانونية:
_ ده الراچل كان ممـ.ـسوك مُتلبس بشحنة الحشـ.ـيش يا أستاذة.
وأكمل قائلاً بتهكم:
_ هو فيه كده.
نظرت إليه وتحدثت بنبرة زائفة لتضليله:
_ الموضوع كله كان متلفق من الظابط اللي قام بالضبطية، وده اللي قدرنا أنا وأستاذ عدنان إننا نثبته من خلال تحرياتنا اللي عملناها.
وأكملت بجدية لتحثهُ علي تغيير الموضوع:
_ ممكن حضرتك تدخل في الموضوع وتقولي قضية حضرتك نوعها إيه؟
علم انها تريد غلق الموضوع فتحدث:
_ قضيتي هي كمان مُلفقة، الإستيلاء علي أراضي الدولة وسرقة المال العام.
قص عليها كل التفاصيل فتحدثت بنبرة جادة:
_ بصراحة قضية حضرتك صعبة ومحتاجة لمحامي مُحنك وخبرة في النوعية دي من القضايا، علشان كده هبعتك للمحامي الوحيد في مصر اللي هيقدر يساعدك.
بعد محاولات مستميتة من الرجل بأن يجعلها توافق علي أخذ القضية إلا انهُ وافق مجبراً علي إقتراحها بعد إصرارها، أخرجت ورقة وكتبت عليها إسم قاسم وعنوان مكتبه وطلبت منه إبلاغ قاسم سلامها.
ذهب الرجل وانتفض عدنان صارخً بها:
_ إنتِ أكيد إتجننتي يا إيناس، إنتِ عارفة الراجل اللي إنتِ بعتيه لسي قاسم ده كان هيدفع لنا أتعاب كام في القضية دي؟
وأكمل متهكمً:
_ ولا إنتِ عاجبك المكتب الكحيان اللي إحنا فيه ده وناوية تخلينا نكمل باقي حياتنا فيه.
أرجعت ظهرها للخلف وباتت تتحرك بمقعدها يميناً ويساراً بتسلمي وتحدثت:
_ كُنت فكراك أذكي من كده يا حضرة المحامي المُحنك، الموكل ده مدسوس علينا من طرف الظابط اللي لبسناه قضية عزيز عبدالجبار.
وأكملت بتهكم:
_ بالهنا والشفا علي قلب إبن النُعماني، وأهو لو طلع عنده قضية بجد أدينا هنكسب بُنط عند قاسم ويبدأ يصفي لنا من تاني، ولو كان مزقوق علينا أهو شر وبعد عننا.
نظر بإستحسان لشقيقتة وهتف بإعجاب:
_ مش سهلة إنتِ بردوا يا إيناس.
إبتسمت ساخرة وأكملا عملهُما من جديد.
❈-❈-❈
داخل مسكن فارس،
كان يحتضن تلك الرقيقة التي تقف عند مدخل الباب لتوديعهُ وهو ذاهب إلي المشّفي بعدما أتي ليأخذ حماماً دافئً ويأخذ جوله عشقيه داخل أحضان حبيبتة ليُنفث بها عن روحهُ ويُمرر بها تلك الأيام العصيبة التي يعيشها هو وباقي العائلة.
كان يضُمها إلي صـ.ـدرهِ ويلف ساعديه حولها برعاية.
تُبادلهُ إحتضانهُ بإحتواء، تحدثت إليه بنبرة حنون ودلال أنثوي أسعد قلبه وأشعرهُ بالتفاخُر:
_ خليك معاي شويه كُمان يا فارس، لساتني مشبعتش منيك يا حبيبي.
يضمها أكثر إليه بإحتواء وهتف بنبرة عاشقة:
_ أني لو عليّ معاوزش أفوتك واصل يا مريم، بس إنتِ واعيه للظروف اللي إحنا فيها، علي العموم أني سألت صفا علي حالة عمي، وجالت لي إن هما يومين بالظبط وهتكتب له علي خروچ ونرتاح كلياتنا من الشحطته دي.
خرجت من بين أحضانـ.ـه ونظرت إليه وتحدثت بترقب:
_ كان نفسي أروح أشوفه وأطمن عليه وعلي صفا ومّرت عمي، بس عارفه إنك معتوافجش.
رفع وجههُ للأعلي وأغمض عيناه، ثم زفر بضيق وافتح عيناه من جديد ونظر عليها وهتف بنبرة حـ.ـادة:
_ وبعدهالك عاد يا مريم، معنخلصوش منيه الموضوع ده ولا إيه؟
مطت شفتاها بحزن وتحدثت بطاعة أثارت قلبهُ بها:
_ خلاص يا فارس، حجك عليّ، معفتحش وياك الموضوع دي تاني، إرتحت إكده.
إبتسم وظهرت السعادة والرضا داخل عيناه، وأمسك فكها ورفعهُللأعلي وتحدث مغرمً بعيناها:
_ ربنا يخليكِ ليا يا مريم ويريح جلبك كِيف ما انتِ دايماً مريحاني.
ومال علي شفتاها وضع عليهما قُبلة طويلة بث بها لها عن مكنون مشاعرة التي ولدت عن جديد لكنها تخطت وفاقت عشق سنوات.
❈-❈-❈
بعد مرور إسبوعان علي خروج زيدان من المّشفي وبدأ تماثلهُ للشفاء.
ذهب قدري إلي أبيه ليطلب منه أن يذهب معه وقاسم عند زيدان ليشفع لولده عندهُ وذلك بعدما رأي حزن ولده وحالهُ الذي تبدل بفضل إبتعاد زوجته عنه وهجرها له ولمسكن الزوجية.
وافق عِثمان علي حديث قدري وقام بمهاتفة قاسم وطلب منهُ المجئ ليذهب معه و وعدهُ بل وأكد عليه أنهُ سيُعيد له زوجته.
عندما حَل المساء.
أخذ عِثمان قاسم و نجليه قدري ومُنتصر وذهب إلي زيدان الذي ما زال يلتزم الفراش بتعليمات شديدة من صفا لتسريع عملية شفائه.
جلسوا بصحبته هو و ورد.
كان يقبع فوق تخته ويجاورهُ علي المقعد عِثمان وشقيقاه وقاسم الجالسون بالمقاعد المُنتشرة بالغرفة، أما رسمية فكانت تتمدد بجانب صغيرها علي الفراش وكعادتها تحتضن كف يده برعاية واهتمام.
وعِثمان الذي تهلل وجههُ وأبتهجت روحهُ عِندما بشرهُ قاسم بأن صفا تحمل لهُ ذكراً سيطل عليهم ليُضيف رجلاً جديداً في قائمة رجال العائلة، سعادة عِثمان تخطت عنان السماء لأنه سيُرزق بأول حفيد ذكراً من خلال حفيدهُ الأول بل والأغلي علي قلبه قاسموما جعل قاسم يزدادُ إحترامً في أعيُن الجميع ككُل، وعين عِثمان بالاخص وجعلهُ يتخذ قراراً بالوقوف بصفه لإرجاع زوجته إليه، هو موقفهُ المُشرف في حل قضية زيدان والذي جعل المركز بأكملة يتحدث بإنبهار وتفاخر عن كيفية أخذ عائلة النُعماني حق ولدها وثأرها الشديد من عائلة أبو الحسن والإنتقام منهم بأشد أنواعه وبالقانون دون إراقة نقطة د. م واحدة.
وأصبح قاسم حفيد النُعماني حديث المركز بأكمله حيثُ وصفه الجميع بأنهُ وريث النُعماني الصغير، وشبهوه بالثعلب الماكر الصغير حفيد الثعلب الكبير.
أردف عِثمان بنبرة حنون وهو يطمئن علي غاليه:
_ كيفك يا ولدي وكيف چرحك اليوم؟
أجابهُ زيدان برضا وهو يتحسس موضع الطلـ.ـقة:
_ الحمدلله يا أبوي، بجيت زين وكله بفضل الله.
ثم حول بصرهِ إلي قاسم وتحدث بإمتنان:
_ لولاش قاسم جاني في وجته كان زماني في خبر كان.
هتفت رسمية مُسرعة بنبرة حنون:
_ بعد الشر عليك، متجولش إكده يا جلب أمك، الحمدلله جدر ولطف.
وأكملت وهي تنظر إلي قاسم بإفتخار وتباهي:
_ وأهو أسَد النُعمانية چاب لك حجك وزياده، حبس الخسيس هو وأخوه وولاد أخواته كلياتهم وريحنا من البِذرة السّو دي، ده غير ولده اللي إنجتل علي يد الحَكومة، اللهم لا شماتة.
وأكمل عِثمان علي حديثها وهو ينظر إلي قاسم بإمتنان وتفاخر:
_ قاسم برد جلبي وشفي غليلي ومن غير ما نجطة د. م واحدة تسيل كيف ما وعدني.
إبتسم لهم زيدان والجميع وأثنوا علي حديثهما، وتحدث قاسم بنبرة جادة وتواضع:
_ كله بفضل الله يا چدي، وأني معملتش حاچة غير إني كنت سبب ربنا سخرهُ لعمي لچل ما ينچيه من تخطيط النـ.ـدل اللي إسميه كمال، وأهو خد اللي يستحجه من الله.
نظرت إليه ورد بإمتنان وأردفت قائلة بنبرة شاكرة:
_ ربنا يحميك لشبابك ويكفيك شر ولاد الحرام يا ولدي.
شكرها قاسم قائلاً بهدوء:
_ تسلمي يا مّرت عَمي.
تحمحم عِثمان وتحدث إلي زيدان بنبرة جادة:
_ أني چاي لك لچل ما أشفع لقاسم عنديك يا زيدان وبطلب منك تريح جلبه وترچع له صفا.
تنهد زيدان عالياً وشعر بضيق لأنه كان يتوقع ذلك الطلب حيمنا دلفوا إليه متجمعين، تحدث زيدان بنبرة إحترام وتقدير:
_ مچيتك لحد إهنيه علي عيني وراسي يا أبوي، ولو تطلب عيني عمري ما أخِرها عنيك وإنتَ خابر إكده زين.
ونظر إلي قاسم وأردف قائلاً بحنان:
_ وقاسم ولدي اللي مخلفتوش ولو طلب كُل ما أملك معزهوش عليه.
وأكمل بإعتراض خجل:
_ بس موضوع رچوع صفا مش بيدي ولا أملك الحُكم فيه.
هتف قدري متسائلاً بإستغراب:
_ أومال في يد مين يا زيدان لو مش في يدك؟
أجابهُ زيدان بنبرة هادئة:
_ في يد صاحبة الشأن يا أبو قاسم.
ومن ميتا البِنته عيتدخلو في شؤون الرچاله ويجرروا عنيهم يا أخوي؟
سؤال خبيث وجههُ قدري إلي زيدان.
أجابهُ زيدان بهدوء:
_ ده شرع ربنا يا أبو قاسم، وأني حاشي لله إني أعصاه أو أغضبه وأغصب علي بِتي تعمل حاچة غصبن عنيه.
تنهد قاسم وتحدث بنبرة هادئة:
_ محدش طلب منيك تغصب عليها يا عمي، ومش أني الراچل اللي هرچع مّرتي لدارها بالغصب.
وأكمل بنبرة حنون:
_ بالرضا، أني تحت أمر ست البنات لحد مترضي وترچع لشُجتها.
وأكمل مُعللاً:
_ صفا حِبلة خمس شهور، ومش معجول عتكمل حملها إهنيه، أني عاوز إبني يتولد في داره وفي حُضن أبوه يا عمي.
نظر عِثمان إلي ورد الجالسة فوق مقعداً جانبياً بإحترام وتنظر أرضً دون تدخل في الآمر وكأنهُ لا يعنيها وتحدث إليها بإحترام:
_ جومي يا أم الدَكتورة إندهي لها، وجولي لها چَدك عاوزك في موضوع مهم.
وقفت بإحترام وأردفت بطاعة:
_ حاضر يا عمي.
تحركت ورد وبعد قليل دلفت تلك العنيدة تطل عليهم بهيأتِها التي خطفت أنفاس متيم أنفاسها، حيثُ أنهُ لم يلمح طيفها مُنذ ما يُقارب من عشرة أيام وذلك لإنشغالهُ الشديد في مكتبه وإنغماسهِ في القضايا التي أهملها طيلة فترة مرض زيدان وإنشغالهُ بالتحقيقات بقضيته.
نظر بولهْ وقلبٍ ينتفض إشتياقً وبدأ يتفحص تلك التي إكتسبت بعض الوزن نتيجة دخولها في الشهر الخامس من حملها، وأيضاً إهتمام ورد ورسمية بغذائها بعدما أخبرهما قاسم عن ما أعلمته به الدكتورة أمل بشأن نقص وزن الجنين.
نظر لها بإشتياقٍ وحنين جارف، وما جن جنونهُ وأشـ.ـعل نار الإشتياق داخل صـ.ـدره هو لون وجنتيها التي إزداد إحمراراً ووزنً حتي أنهُ بات يُشبه ثمرات التُفاح التي طابت وحان وقت إقتطافها والتلذُذ بحُلو طعمِها.
إبتلع سائل لُعابهُ وأنتفض من جلستهِ سريعً وهب واقفً وهتف بنبرة عاشقة وعينان هائمتان في النظر إلي ساحرتهُ، لاحظ الجميع خالهُ وحزن لأجله:
_ كيفك يا صفا.
لم تُكلف حالها عناء النظر إلي وجهه وبملامح جامدة تحدثت بإقتضاب:
_ الحمدلله.
جلست بملامح وجه حادة وتحدثت إلي جدها بنبرة جادة:
_ خير يا چدي، أمي جالت لي إن حضرتك عاوزني في موضوع ضروري.
جلس قاسم بخيبة أمل جديدة، تُضم لخيباتهِ معها مؤخراً، وتحدث عِثمان بنبرة حنون ووجهٍ مُبتسم:
_ كُل خير إن شاء الله يا زينة الصبايا، أني چاي لچل ما أرچعك لبيت چوزك، بكفياكِ جاعدة عِند أبوكِ لحد إكده، زيدان خلاص بجا زين أهو وممحتاجش حد ويااه.
قطبت جبينها وتحدثت بنبرة إستفسارية:
_ ومين جال لحضرتك إني جاعدة إهنيه لجل تعب أبوي؟
وتسائلت بتهكُم:
_ هو حضرتك نسيت اللي عِمله فيا حفيدك ولا إيه؟
تحدثت رسمية بتساهُل وإبتسامة حانية:
_ عفا الله عما سلف يا دَكتورة، الراچل چاي لك وطالب الرضا، وأظن بعد اللي عِمله مع أبوكِ دي، يستحج منيكِ السماح.
رفعت رأسها بشموخ وأردفت بإستنكار وتعجُب:
_ وهو المِتر كان عيعمل إكده مع أبوي لچل ما يخليني أخضع وأرچع له إياك!
هتف قاسم بنبرة صارمة وهو يخاطب جدته بعدما غضـ.ـب من إسلوب صفا الساخر منه:
_ بعد إذنك يا چدتي، ياريت ما تدخليش الأمور في بعضيها، اللي عِملته مع عمي دي واچب عليا وملوش دخل بحكايتي مع مّرتي، ياريت تفصلي الموضوعين عن بعض.
صمتت الجده وأكمل قاسم وهو ينظر لها قائلاً بهدوء في محاولة منه لإسترضائها:
_ أني چاي لك لچل ما أراضيكي وأحب علي راسك جدام الكل يا صفا، چاي أطلب منيكِ السماح وأرجعك معززة مكرمة لشُجتك.
رفعت رأسها بشموخ وأردفت وهي تُشيح بناظريها عنه خشيةً إستسلامها لو نظرت لمقلتيه المُهلكة لقلبها:
_ إنتَ خابر شرطي زين.
جن جنون قدري عِندما رأي تجبُرها رغم إزلال ولده أمامها، فتحدث بنبرة حادة غاضبة:
_ ما بكفياكِ عاد يا بِت زيدان، مالك داخله في الكل شمال إكده، فيه مّرة عتتشرط علي چوزها جِدام عِيلته إكده!
رفع قاسم يدهُ لأبيه كإشارة منه لصمته وتحدث بنبرة هادئة:
_ سيبها يا أبوي.
وأكمل بنبرة جادة:
_ ست البنات تتشرط كيف ما يحلا لها، أني غلطت في حجها وچاي لچل ما أطلب منها السماح والرضا جِدام الكل، إرچعي معاي لچل خاطر ولدنا يا صفا.
وأكمل برجاء وعيون متوسلة:
_ ولچل خاطري.
إهتز داخلها من نظرته التي أصابت جـ.ـسدها كصاعقة كهربائية، فضلاً عن نبراته المتوسلة، وبرغم كل هذا كرامة الأنثي تغلبت علي عشقها وتحدثت بنبرة قوية مصطنعة:
_ طلجها اللول.
أجابها بإختصار:
_ معينفعش.
رمقته بنظرة مُشتـ.ـعلة وتحدث الجد عِثمان:
_ طلجها وخلصنا يا قاسم.
نظر لجده وتحدث:
_ والله العظيم لو ينفع لطلجتها من أول يوم كتبت عليها فيه.
وأكمل مفسراً وضعه:
_ أني مخليها علي ذمتي إبتغاء مرضاة الله يا چدي، أبوها راچل ضعيف وچاني مذلول وأترچاني لجل ما أستر عرض بِته وأحميها من كلام الناس اللي معيرحمش وعينهش في لحمها.
وأكمل شارحً:
_ سبج وحكيت لكم حكايتي معاها وكيف كُنت مخدوع وفاكر حالي عحبها، ثم نظر إلي تلك الغاضـ.ـبة وتحدث بنبرة تصرخُ عِشقً: بس لما أتچوزت صفا، إكتشفت إن عُمري ما حبيت ولا أتمنيت غيرها.
وأكمل كي يُسمعها التي دائماً ما ترفض إستماعه:
_ روحت لها هي وأمها وأخوها بعد فرحي علي صفا وفضيت وياهم الخطوبه ونهيت كُل حاچة وعرضت عليهم فلوس، أبوها وجتها كان مسافر عِند أهله في الفلاحين، ولما عاود وعِرف إني سبت بِته، چاني المكتب وأترچاني وكان عيميل علي رچلي يحب عليها لچل ما أستر بِته اللي ليها سبع سنين مخطوبه لي.
ونظر لجدهُ وسألهُ بنظرات ضعيفة:
_ مش إنتَ اللي علمتني إني أتجي الله وما أظلمش وما أرُدِش حد محتاچ لي ولا أرضيّ بذُل حد ضعيف جِدامي؟
تنهد الجد بيأس ونظر له بحيرة من أمرة.
فأكمل قاسم بنبرة حزينة:
_ ولما فكرت مع حالي لجيت إن إني كمان غلطت وأستاهل العجاب، وعجابي هو إني أكتب كتابي علي واحدة غير مّرتي وأتكوي بنار عذاب الضمير.
ونظر للجميع وهتف متألمً:
_ إوعوا تكونوا فاكرينها سهله عليّ إني أكسر عهد عمي وكلمتي اللي إدتها له، ده أني وصل بيا الآمر إن ساعات كُنت بتمني إن ربنا ياخدني لجل ما أرتاح من الصراع اللي عينهش چواتي.
تنهد عِثمان وأردف بنبرة جادة:
_ وأديك إتچوزتها وسترتها جِدام الناس كيف ما أبوها كان رايد، إيه بجا اللي مانعك لچل ما تطلجها دلوك؟
أجابهُ بنبرة جادة:
_ الوعد والكلمه اللي إدتها لأبوها إني معطلجهاش إلا بعد سنة.
ونظر إلي صفا التي ترسم علي وجهها الجمود وهي تصـ.ـرخ وتتـ.ـألم من الداخل، وتحدث قائلاً:
_ أني كتبت كتابي عليها وفوتها وچيت لك، وجت ما خدتك وسافرنا شرم الشيخ.
قوست فمها وابتسمت ساخرة علي حالها، لا تدري أتفرح أن حبيبها قد ترك عروسهُ بثوب زفافها وأتي إليها مُهرولاً كي يرتمي لداخل أحضـ.ـانها ويتنعم بداخلها أم تصرخ قُهراً من زوجها بارع الخيانة الذي تزوج عليها بعد مرور شهراً واحداً لا غير وأتي إليها بكُل جبروت وندالة ليستبيح جسـ.ـدِها ويتمتع به رغم خيانته لها.
رأي ألـ.ـم روحها الصَارخ بعيناها وتشتُتها، فتحدث بنبرة صادقة:
_ ملمستهاش يا صفا، وحياة ولدي ما لمستها ولا شفتها بعيني، أني جاعد لحالي في شُجتي الجديمة، وهي في الشُجه الجديدة اللي إنتِ شُفتيها.
أجابته بقوة بعدما تذكرت ذلك اليوم المُميت لكرامتها:
_ جصدك الشُجة اللي چيت وظبطتك فيها وياها وهي عم تناديك حبيبي.
وهتفت غاضـ.ـبة بعيون تُطلق شزراً:
_ چاي تغني عليّ بكلمتين فارغين وفاكرني عصدجك؟
أجابها مُتلهفً:
_ اليوم دي كان ليه ظروفه يا صفا، كان عندي جضية مهمة مشتركة وياها وكان لازمن ندرسها زين، ومواعيد المكتب ساعتها كانت خلصت، مكانش فيه حل جِدامي غير إني أروح أدرسها وياها، وللأسف مكانش ينفع نروح أي كافيه علشان سرية المعلومات بتاعة الجضية.
وأكمل بقوة:
_ بعد اليوم ده طردتها من المكتب هي وعدنان أخوها وتجدري تاچي معاي وتسألي وتشوفي بنفسك إنها معادتش تشتغل وياي في المكتب.
وأكمل صادقً:
_ مفيش حاچة بتربطني بيها غير حتة الورجة والمصروف اللي بحوله ليها بإسمها كل شهر، ودي لجل خاطر ربنا وبس.
وأستطرد قائلاً بتفسير:
_ چوازي منها باطل لأنه مشروط بمُده معينه ودي مخالف للچواز اللي أچازة ربنا وحلله، الچواز أساسه السَكن والسكينة والمودة والرحمة وتكوين أسرة، وكل ده ملوش وچود في حكايتي وياها.
هتف قدري وتحدث بنبرة تعقليه:
_ خلاص يا ولدي، أديك كتبت عليها وسترتها، كفاية عليها أربع شهور وطلجها وخليها تروح لحالها ورچع مّرتك.
تنهد بأسي وأجاب والدهُ:
_ معينفعش يا أبوي لعدة أسباب، أهمهم إن اللي مرضهوش لأختي مرضهوش علي بنات الناس، أني فعلاً كُنت عطلجها بعد ما صفا طلبت ده وحطته شرط لرچوعها.
وأكمل بعين الرحمة:
_ بس لما حطيت نفسي مكان أي راچل هياچي يتجدم لها بعد الطلاج، لجيت إني عفكر ألف مرة جبل ما أتچوز واحده معاها جسيمة طلاج بعد أربع شهور بس من چوازها، أي حد عياچي يتچوزها عيخاف ويتراچع.
وأكمل بصحوة ضمير:
_ وأبجي اني نهيت عليها بعد ما خليتها تجعد چاري سَبع سنين.
وأكمل بشهامة رجُل صعيدي:
_ وتاني سبب هو إني راچل صعيدي وأديت لراچل غريب وعد وكلمة، كيف عروح وأجول له معلش، اني طلعت عيل إصغير ومليش كلمة وهطلج بِتك بعد ما وعدتك وطمنت جَلبك عليها.
هتف زيدان بنبرة حادة مُتعجبً من أمر إبن شقيقهُ:
_ يعني إنتَ باجي علي وعدك للغريب ومفكرتش حتي في كلمتك اللي إدتهالي ووعدك ليا بإنك تحافظ علي بِتي!
أردف قائلاً بنبرة مُتألمـ.ـة نادمة:
_ ربنا وحده اللي يعلم إحساسي كان إيه وأني بكسر وعدي ليك يا عمي.
وأكمل شارحً موقفه:
_ بس إسمح لي أشرح لك الفرج بين وعدي ليك ووعدي ليه.
نظر إلي متيمة قلبهُ وتحدث بنبرة صادقة:
_ صفا مّرتي وحبيبتي وأم ولدي، مّرتي جِدام ربنا والناس كِلياتها شاهدة علي إكده، ليها عِندي كُل الحجوج ( الحقوق) والإحترام والتجدير، ومحدش من النچع عِرف بچوازي عليها وكرامتها وكرامة حضرتك محفوظة جِدام الكِلو.
وأكمل بإزلال كي يُثبت مدي حبهِ وأحترامه إلي زيدان:
_ وچزمتك علي دماغي من فوج يا عمي.
وأكمل بكلمات مُضادة:
_ لكن الراچل الغريب ملهوش عندي غير وعد وكلمة هلتزم بيها لحد ما تعدي المُدة اللي إتفجنا عليها وساعتها هطلجها بحتة ورجة وكأن شئً لم يكن، صفحة وهطويها من حياتي ومعيكونش ليها وچود من الأساس.
وأكمل بقسم صادق:
_ الله وكيلي وشاهد عليّ إن أني عامل الموضوع ده لوچه الله الكريم وبس، لكن لو عليها مكُونتش إتچوزتها أصلاً.
كانت تنظر إليه بملامح وجه غامضة لم يستطع تفسيرها.
أخذ نفسً عميقً مما يدُل علي الضغط النفسي والداخلي الذي يتعرض لهما من خلال تلك المواجهه، وذلك لكّم الإذلال الذي تتعرض لها رجولتهُ أمام الجميع، وهذا عكس طبيعته الحادة القوية والشامخة، لكنها ضريبة العشق وعليهِ أن يقوم بتسديدها، حتي ولو كان سيدفع الثمن من إهدار كرامته ورجولته اللتان أُهينا بما يكفي، وقد تحمل ما لم يتحملهُ طيلة حياته فقط من أجل الحصول علي خاطفـ.ـة أنفاسهُ.
وتحدث برجاء وهو يتنقل النظر بين صفا وزيدان و ورد:
_ أني كُل اللي طالبه منيكم إنكم تساندوني علي إني أجدر أكمل في الموضوع ده لجل ربنا، عاوزكم تنسوه خالص وكأنه مش موچود من الأساس.
وأكمل بوعد:
_ وأني أول ما العجد يتم سنه هطلج علي طول.
وقفت تلك التي كانت تستمع إليه بصمتٍ تام وتحدثت بنبرة هادئة عكس ما يدور بداخلها من بُركان شاعل:
_ تمام يا مِتر، يُبجا نتجابل بعد ما تخلص السنه بتاعة وعدك.
نظر لها الجميع بذهول وتحدث الچد:
_ إجعدي يا بِتي وإغزي الشيطان، قاسم غلط صُح وحب يصلح غلطه، بس الظروف كانت أجوي منيه وحطته في موجف عِفش، الراچل شاريكي ومعاوزش غيرك.
وأكمل إقناعها:
_ وكِيف ما سَمعتي، قاسم سايب لها الشُجة وعايش لحاله، وطاحها هي واخوها السّو من الشغل لجل ما يرضيكي، جالك إنه مخليها علي ذمته لوجه الله الكريم ولجل ما يُستر عرض البِنيه.
وأكمل بتعقُل:
_ واچب عليكِ تعينيه وتجفي چاره لچل ما تشاركيه الثواب.
إبتسمت ساخرة وتحدثت بتهكم:
_ معايزهوش أني الثواب ده يا چدي، متنازله عنيه للمتر يمكن ينفعه لچل ما يكفر بيه عن ذنوبه الكَتير اللي عِملها في حياته.
وأكملت بنبرة جادة وهي تنظر إليه:
_ إسمعني زين يا إبن الناس، إنتَ شرحت وجولت أسبابك اللي مخلياك رافض تتنازل وتطلجها.
وأسترسلت بنبرة ناقدة:
_ واللي بالمناسبة مدخلاش ذمتي ولا عجلي راضي يجبلها، ومع ذلك دِه حَجك.
وأكملت بقوة وشموخ:
_ بس أني كُمان من حجي أرفض حديتك دي وأصّر علي موچفي.
وقف وتحرك إلي وقفتها وتحدث بنبرة مُترجية:
_ ما تصعبهاش عليّ أكتر من إكده يا غالية، وحياة مالك ترضي وتسامح.
تحدث مُنتصر الذي لزم الصَمت مُنذ بداية عقد الجلسة:
_ خلاص بجا يا بِتي عاد، الراچل شاريكِ وعيترچاكِ جدامنا، وكيف ما جالك، هما 8 شهور وهيعدوا كيف الهوا ومعتحسيش بيهم.
باتت أصوات الجميع تتصاعد، رسمية، عِثمان، قدري وحتي ورد التي نظرت إلي إبنتها بضعف وتحدثت بقلب الأم التي تُريد الصلاح لإبنتها:
_ خلاص يا صفا، جومي روحي مع چوزك لجل خاطر اللي في بطنك.
تنفست بعمق ثم زفرت بهدوء وتحدثت بثبات وهي تنظر إلي عيناي ذلك المترقب بقلبٍ يكاد يفقد دقاته بسبب التوتر، وهتفت قائلة بقوة وصمود:
_ نتجابل بعد السنة ماتعدي يا مِتر.
يا لها من خيبة أمل، شعر بإحباط وحُزن العالم أجمع قد تكون داخل قلبه حين إستمع لقرارها المُميت والساحق لأحلامهنظر لها يلومها وتسألتها عيناه؛: أحقاً تريدين الإبتعاد عن أحضاني لحين الخلاص، أواثقةً من أنكِ تستطيعين؟
وأكملت عيناه بنظرات ضعيفة: فإن كُنتِ حقاً ستتحملين، فها أنا أُعلنها صريحةً أمام الجميع، أني والله لم أستطع ولن أطيقُ الإبتعاد.
نظرت إليه بقوة لتخبرهُ عيناها أنها حقاً قادرة وستستطيع.
تحدث قدري بنبرة حادة موجهً حديثهُ ألي زيدان:
_ ساكت ليه يا زيدان، ما تجولك كلمك لبِتك اللي ممكبراش حد ولا حتي عاملة حساب لوچود چده.
تحدث زيدان بهدوء ونبرة حزينة:
_ اللي عوزاه صفا هو اللي عيكون يا أبو قاسم، هي صاحبة الشأن ومن حجها تعيش حياتها بالطريجة اللي ترضيها وتريحها.
كاد عِثمان أن يتحدث فأوقفته كلمات قاسم القوية الذي ما زال ينظر داخل عيناي صفا ولكن بصمود وتحدي:
_ معدلوش لزوم الحديت خلاص يا چدي، الدَكتورة جالت كلمتها خلاص والموضوع إتجفل لحد إكده.
إنتفض قلبها رُعبً من كلماته ونظراته القوية الغامضة المتوعدة لها، فهي كانت تتمسك برأيها لأخر وقت كي تحثهُ وتجبرهُ علي التنازل، وحينها ستتحري الصدق من كلامه، وتتأكد من صحة حديثهُ الدائم عن عشقهِ الهائل لها.
حول بصرهِ إلي عمه زيدان وتحدث بجمود وقوة:
_ حمدالله علي سلامتك يا عمي والله لا يعودها.
وأكمل بقوة وهو يتحرك إلي الخارج كجبلٍ من الجليد:
_ السلام عليكم.
كم أنها مؤذية خيبة الأمل عندما تأتي من الشخص الذي لم يدق القلب لسواهُ يومً، شعور مرير بالإنكسار والخزلان أصابها جراء خروجهُ بهذا الشكل المفاجئ، وكأنهُ يُخبرها بأنها إستنفذت كل فرص الإسترضاء وحان وقت رؤيتها لوجههِ الآخر، وجه الجمود واللامبالاة.
صمتٍ تام أصاب الجميع وباتوا ينظرون علي تلك التائهه التي تقف كصَنمٍ بلا روح، يبدوا علي ملامحها الزُعر وكأنها فقدت للتو مصدر أمانها وقوتها بخروجهِ.
وعت علي حالها عِندما إستمعت إلي صوت رسمية التي أردفت بنبرة مُتألمة لأجل عزيزاي عيناها الغوالي:
_ ليه إكده بس يا بِتي، تمشي چوزك مجهور يا حبة عيني وهو كان چاي ومتأمل يرچعك وياخدك وياه.
وأكملت بدمعة عزيزة خانتها:
_ ده مكلمني في التلفون من صباحية ربنا يا حبيبي بعد ما چده كلمه و وعده إنه عيرچعك ليه، جال لي أخلي حُسن والبنات يطلعوا ينضفو لك الشُجة زين، وچاي فرحان وچايب لك وياه شُنط ياما وطلعها علي فوج.
وأكملت بقلبٍ نازف لأجل كليهما:
_ إكده تكسري فرحته برچوعك وتجهري جلبه.
كانت تستمع إلي كلمات جدتها وكأنها حُمّم بُركانية تنزل علي قلبها النـ.ـازف تكوي كُل ما يُقابلها بطريقها، تحركت بساقان مُتثاقلتان وخرجت تجر أذيال خيبتها العظيمة، صعدت إلي غُرفتها وأوصدت بابها عليها، ثم رمت حالها فوق فراشها وحينها تركت العنان لإنسياب دموعها الحبيسة، تعالت شهقاتها وبكت بكل صوتها، بكت علي ما وصل إليه كلاهُما.
سألت حالها بتشتُت:
_ لما يتمسك هكذا بوعدهِ الواهي لتلك الحقيـ.ـرة التي إختطفته من داخل أحضـ.ـانها وحرمتهما من التنعم داخل أحـ.ـضان بعضيهما، لما لا يحل حالهُ من ذلك الوعد الملعون ويعود إليها إذا كان حقاً يعشقُها!
أقسمت بداخلها لو عاد الآن وأخبرها أنه إنتوي إحلال حالهُ من ذلك الوعد الملعون ستلقي بحالها لداخل أحضـ.ـانه وتعوضهُ وحالها مُر ما حدث.
أما ذلك الغاضب الذي صعد الدرج مُهرولاً ودلف إلي مسكنه كالمجنون، دلف إلي المطبخ وأخرج كل ما أتي به من أطعمة وحلوي كان قد جلبها للإحتفال، وحتى نوع الشيكولاتة المفضل لديها والذي حلُم ومّنيّ حالهُ بأن يتذوقها من فوق شفتاها المُهلكة كما السابق.
لعن غباؤهُ ولملم كل الاشياء داخل كيسً كبير وفتح الباب وهتف بأعلي صوته الغاضب:
_ خالة حُسن، إبعتي لي أي حد من اللي عندك في المطبخ.
صعدت سريعً مُنيرة، تلك الفتاه التي تبلغ الثامنة عشر وتحدثت بإحترام:
_ تحت أمرك يا قاسم بيه.
أجابها بجمود ونبضات قلب كطبول الحرب:
_ خدي الحاچات دي وأديها لخالة حُسن تفرجها عليكم في المطبخ.
وأغلق الباب وهرول مُتجهً لداخل غُرفة النوم، نظر إلي التخت المُتناثر عليه ورقات الورود باللونين الأبيض والقرمزي اللتان تعشقهما هي، والذي نثرهما لأجل إسعادها.
وقعت عيناه علي ذلك الثوب الرقيق المخصصً للنوم والموضوع بعناية بين ورقات الزهور، والذي إبتاعهُ لها منذُ الأمس ليحتفل بهِ معها بعودتهما كما وعدهُ عِثمان وأكد عليه، تحرك إليه وأمسكهُ وخيبة الإمل تملئ روحهُ وتسكُنها، قبض عليه بقوة بين راحتاه واغمض عيناه بغضب، ثم قربهُ من عيناه المُشتعلتان بعد ان فتحهما من جديد، وألقاهُ أرضً بغضبٍ عارم، مال بجذعهِ وأمسك فراش التخت وجذبهُ بعنف وألقاه أرضً لتتناثر ورقات الورود بشكل عشوائي وتملئ أرضية الغُرفة.
أغلق الإضائة وتحرك إلي الخارج بوجهٍ غاضب، قابلته فايقة التي تسائلت بنبرة مستفسرة:
_ مچبتش مّرتك ليه يا قاسم، مرضيتش تاچي إياك؟
أجابها وهو يهرول علي درجات السُلم ويتدلاه بطريقة عنيفة تدل علي مّدي غضبه:
_ من إنهاردة كُل واحد حُر ويعمل اللي يريحه يا أمّا.
هرولت خلفهُ وسألته من جديد:
_ إنتَ رايح فين؟ وبتچري ليه إكده.
أجابها بنبرة حادة غاضبة:
_ رايح في ستين داهية، محدش ليه صالح بيا.
كاد أن يخرج من باب السرايا أوقفه دخول عِثمان وباقي الجمع، نظر لهُ عِثمان وسألهُ مستفسراً عندما وجد الغضب يسيطر علي جسـ.ـده وملامح وجههُ:
_ علي وين العزم يا ولدي؟
أجاب جده بملامح وجه صامده:
_ راچع القاهرة يا چدي.
هتفت رسمية بنبرة متوسلة:
_ إستهدي بالله يا حبة عيني وإطلع علي شُجتك دلوك، وأني شوية إكده وعروح لها تاني تكون هديت وعرچعها لك.
وأكملت بوعيد لطمأنت روحه:
_ ووعد مني معتباتش الليلة غير وهي چوة حُضنك.
أجاب جدتهُ بنبرة حادة غاضبة:
_ بعدي عن طريجي يا چده الله يرضي عنيكِ، مفاضيش أني للعب العيال دِه.
أفسحت لهُ وخرج هو مُسرعً واتجه إلي سيارته إستقلها وقادها بسرعة جنونية مما أحدث صوت صفيراً عالي، حدث نتيجة إحتكـ.ـاك إطارات السيارة بأرضية السرايا.
إرتاعبـ.ـت قلوب جميع الحاضرين جراء إستماعِهم لصوت الصَفير المُرعب، حتى تلك الباكية التي ترتمي فوق فراشها في الأعلي.
إنتفضت بجلستها وأرتعب داخلها حينما إستمعت إلي صياح فايقة المُرتعب علي ولدها وهي تصيح وتتحدث إلي قدري:
_ إتصرف يا قدري ورچع لي الواد ليچرا له حاچة وهو سايج إكده.
ثم رفعت بصرِها إلي أعلي حيثُ إضائة غرفة صفا وهتفت بنبرة حقودة لأمٍ ترتعب علي صغيرها حقاً:
_ علي الله تكوني إرتحتي يا بِت زيدان ونـ.ـارك بردت، أهو فات لك النچع كِلاته ومشي لجل ما تهدي، حَني إديكِ وأفرحي إنتِ وأمك.
وأكملت بتوعد مرتعب وصياحٍ عالي أسمع المنزل بأكملة:
_ بس الله في سماه، لو ولدي چرا له حاچة، لكون جتلاكي بإديا دولت.
تحدث إليها عِثمان الواقف بجوارها بنبرة حادة:
_ إجفلي خاشمك يا مّـ.ـره وإخفي من وشي الساعة دي.
إنتفض قلب صفا وأصابت جسـ.ـدها إرتعاشة هائلة، وضعت كف يدها علي فمها تكتم صوت شهقاتها الذي علابالأسفل.
هتف عِثمان قائلاً إلي قدري:
_ إتصل بفارس شوفه وين، وخليه يحصِل أخوه علي المطار ويهديه ويرچعه.
تحدث قدري سريعً بطاعة:
_ أوامرك يا حاجة.
هاتف قدري فارس الذي كان يجلس بصحبة يزن بالمحَجر، إرتعب فارس خوفً علي شقيقهُ، وبلحظة كان يستقل سيارتهُ وقادها بسرعة جنونية.
وأثناء قيادته أخرج هاتفهُ وضغط زر الإتصال بشقيقهُ لكنهُ لم يجب.
بالفعل وصل إلي المطار وألتحق بقاسم قبل صعوده إلي الطائرة بنصف ساعة.
تحدث إليه بنبرة حنون:
_ خلي بالك طويل شوي عليها يا قاسم، صفا مچروحة وبتعمل إكده لچل ما ترد كرامتها جِدام الكِلكان.
كان يجلس بجوار أخيه داخل صالة الإنتظار بجـ.ـسدٍ مُرهق وروحٍ مُتعبه، مسح علي وجههِ بإرهاق وتحدث بنبرة مرهقة ضعيفة لرجُل ما عاد لديه القدرة بَعد:
_ أني فايت لها النچع كِلاته وماشي، علي كيف كيفها بِت زيدان.
وضع فارس كف يده علي راحة يد شقيقهُ وتحدث بنبرة حنون:
_ طب جوم روح معاي يا أخوي، أبوك وأمك عيموتوا من جلجهم عليك، أبوك كلمني وصوته مرعوب، وچدك حزين لچل خاطرك يا قاسم، عشان خاطري تاچي معاي يا أخوي.
أجابهُ بإقتضاب:
_ عاوز أجعد لحالي شوي يا فارس، محتاچ أخد هُدنه وأبعد عن كُل الناس اللي حواليّ، ده غير شُغلي اللي محتاچ يتظبط، إكده أحسن ليا وللكُل.
إستمعا إلي النداء الذي يخبر الرُكاب بموعد إقلاع الطائرة، وقف ثم أحتضن شقيقهُ وتحدث:
_ خلي بالك من نفسك واللي حواليك يا فارس.
وأكمل علي إستحياء:
_ وخلي بالك من صفا.
كان يستمع إلي شقيقهُ بقلبٍ يتمزق وتحدث بإطمئنان:
_ صفا في عِنيا يا أخوي، خلي بالك إنتَ من نفسك، وبالله عليك ماتزعل حالك يا اخوي، بكره تتعدل وصفا ترچع لك من تاني.
أومأ بيأس لشقيقه وأحتضنه، ثم تحرك إلي سُلم الطائرة وصعدهُ تحت صرخات قلب فارس التي تإنُ علي حال شقيقهُ.
_____
بعد مرور إسبوع علي تلك الأحداث.
داخل مسكن قدري الخاص بماجدة.
كان مُنبطحً علي بطنهِ فوق التخت، مسلمً جسـ.ـدهِ لتلك الماجدة التي تُدلك لهُ ظهرهُ بمهارة عاليه وتضغط عليه بكفاي يداها المنغمسه ببعض الزيوت العطرية التي تساعد علي الإرتخاء.
تحدث بإستمتاع وهو مغمض العينان:
_ تسلم يدك يا ماچدة، معارفش لولاكِ ولولا شوية التدليك دول كُت عِملت إيه.
وأكمل بإشادة:
_ يدك تتلف في حرير يا بِت.
تحدثت بخلاعة وهي ما تزال تضغط علي كتفاه مروراً بظهره بنعومة:
_ انا جاريتك يا سي قدري وتحت أمرك، وكُل منايا في الدنيا دي هو رضاك وبس.
أجابها بصوتٍ خَامل من شدة الإستمتاع:
_ كُل الرضا يا ماچدة، ده أنتِ الوحيدة اللي عَلاجِي عِنديها راحتي يا بِت.
إبتسمت بخبث وتحدثت بدلال كي تفجر قُنبلتها التي باتت أربعة أشهر بالكمال تعَدُ لها عُدتها، حتي حدث ما كانت تتمناه وتسعي إليه:
_ بس سامحني بقا لو قصرت معاك الفترة اللي جاية، أصلي هبقا تعبانه ومش هينفع أعمل لك مساچ لمدة سبع شهور علي الأقل.
فتح عيناه وسألها مُستغربً:
_ تعبانه كيف يعني، مالك يا ماچدة.
إبتعدت عنه وتدلت من فوق التخت بدلال وأعتدلت بوقفتها، ثم وصعت كفاي يداها فوق أحشائها وتحدثت بخلاعة:
_ مبروك يا سيد الناس، هتبقا أب بعد سبع شهور بس.
إنتفض من نومته وجلس يتطلع إليها بفزع وعينان جاحظتان من شدة هلعهما وصاح بنبرة حادة:
_ وجعتك سودة ومجندلة علي نفوخك ونفوخ اللي چابوكِ، عتخرفي وتجولي إيه يا بِت المركوب إنتِ؟
يُتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الأربعون 40 - بقلم روز امين
انتفض من نومته وجلس يتطلع إليها بفزع وعيناه جاحظتان من شدة هلعهما.
صاح بنبرة حادة:
_ وجعتك سودة ومجندلة على نفوخك ونفوخ اللي جابوكِ. عتخرفي وتجولي إيه يا بت المركوب إنتِ؟!
ارتعبت أوصالها وارتجف جسدها من هيئته ونظراته التي تطلق شزراً ولا توحي بخير أبداً.
لكنها ادعت الثبات وتحدثت بلامبالاة وتعجب مصطنع:
_ فيه إيه يا أخويا، مالك قلبت وشك كده ليه وكأني قولت لك على خبر وحش!
قفز من فوق سريره وتحرك إليها وأمسك ساعدها وقام بلويه وضغط عليه بشدة.
تحدث بنبرة حادة:
_ بلاش تعملي عليا الشويتين بتوع الرجاصين دول يا واكلة ناسك. حبلة كيف يا بت وإحنا متفقين من جبل ما نكتب الورقة إن جوازي منكِ للمتعة وبس؟
وأكمل حديثه متسائلاً وهو ينظر إليها بتشكيك:
_ وبعدين حبلة كيف وإني جبل ما أدخل عليكِ بيومين شيعتك عند الحكيمة وركبت لك اللي إسمها اللولب دي. عتستغفليني يا مرة إياك؟
كانت تتلوى بين يديه متألمة.
هتفت وهي تحاول الفكاك من بين براثنه:
_ سيب إيدي يا سي قدري حرام عليك، دراعي هيتكسر.
لم يعر لتوسلاتها أي اهتمام، بل زاد من لّي ذراعها أكثر وقبض باليد الأخرى على شعر رأسها مما جعلها تصرخ متألمة.
أكمل متسائلاً من بين أسنانه:
_ بطلي رط يا مرة وانطقي لأقطع خبرك.
أجابته بنبرة مرتجفة:
_ حاضر حاضر، هتكلم.
وأكملت شارحة بتوتر وزيف:
_ من ييجي أربع شهور كده جالي مغص شديد. ولما روحت كشفت عند الدكتورة قالت لي إن اللولب عمل لي مشاكل ولازم يتبدل بواحد جديد. ونصحتني إني لازم آخد راحة عشان القديم متركب بقاله أربع سنين وعمل لي مشاكل لازم تتعالج.
وأكملت بنبرة زائفة:
_ ادتني حبوب منع الحمل، وشكلي كده نسيت آخدها في يوم وحصل اللي حصل.
صاح مكذباً إياها بنبرة حادة:
_ كدابة يا ماجدة ومصدقش ولا كلمة من اللي عتجوليه.
زرفت دموع التماسيح وسالت فوق وجنتيها.
هتفت:
_ وهي دي حاجة ينفع فيها كذب بردوا يا سيد الناس.
وأكملت بثقة عالية:
_ وعلى العموم يا أخويا لو مش مصدقني، تعال بكرة معايا للدكتور اللي إنتَ تختاره بنفسك وخليه يكشف عليا. ولو طلعت مش حامل بجد ابقى إعمل فيا ما بدا لك.
نظر لها بقوة بعد أن استشف صدق حديثها من قوة عينيها وثباتها الانفعالي.
فك قبضته من فوق ذراعها ودفعها بقوة فوق السرير لتسقط عليه.
اعتدلت سريعاً تنظر عليه بريبة وهي تتحسس ذراعها متألمة.
نظر عليها وتحدث أمراً وهو يشير بسبابته إليها بنبرة تهديدية:
_ اسمعيني زين يا بت المركوب إنتِ. من بكرة تروحي للدكتورة اللي عتتابعي وياها، وتتفقّي معاها إنها تسقطك وتاخد الفلوس اللي عاوزاها.
شهقت ودبت على صدرها وهتفت باعتراض:
_ يا مصيبتي، إنتَ عاوزني أعمل عملية إجهاض عشان أموت فيها؟
دقق النظر لعيناها وأردف قائلاً بنبرة تهديدية لا تحتمل الشك:
_ صح، ممكن تموتي وإنتِ بتعملي العملية، بس دي احتمال ضعيف.
وأكمل مهدداً وهو يتوعد لها بشر أرعبها:
_ لكن لو معملتهاش الأسبوع ده، موتك عيجب مؤكد يا حزينة.
انكمشت على حالها وضمت ساقيها بساعديها.
وأكمل هو محذراً بعيون تطلق شزراً:
_ حطي عقلك في راسك واعرفي إنتِ بتلعبي ويا مين يا ماجدة.
ثم ضيق عينيه ونظر لها وهتف بفطانة وذكاء:
_ إني واعي لك زين، وألاعيبك الخيبانة دي متفوتش على مخي.
وأكمل بتفاخر:
_ ده إني قدري النعماني يا بت إمبارح، قدري اللي السنين علمته وخلته يقدر يشوف في العيون اللي بتخبي النفوس الخبيثة جواها.
وأكمل كاشفاً ما بداخلها:
_ إنتِ جلتِ في عجل بالك أما أحبل من قدري وأدبسه في عيل وألوي له دراعه وأحطه قدام الأمر الواقع، وشيطانك جالك إنه لما تعملي كده، ما يكونش فيه حل غير إنه يكتب عليّ عند مأذون.
واسترسل ساخراً:
_ وتلاقي كمان شيطانك وشوش لك وجالك إن قدري المغفل ياخدك على السرايا تعيشي فيها كيف ما الهوانم اللي ساكنينها.
وأكمل بإهانة لشخصها:
_ غلبانة قوي إنتِ يا ماجدة، إيش جاب واحدة مهشكة زيك لهوانم النعمانية يا بت.
نظرت إليه ودمعة سقطت من عينيها وتحدثت:
_ ولما إنتَ شايفني مش قد المقام أوي كده، اتجوزتني ليه؟
أجابها بصوت صارم:
_ اتجوزتك لجل مزاجي يا بت وإنتِ خابرة كده زين. وأوعاكِ تعيشي في دور المسكينة عشان ما يليقش عليكِ.
تحرك إلى علاقة الثياب وأخرج حافظة نقوده من جيب جلابيبه المعلق.
وأخرج منها نقوداً عديدة وتحدث وهو يلقيها بوجهها بإشمئزاز:
_ خدي الفلوس دي وروحي للدكتورة وخليها تخلصك من المصيبة دي بالذوق، بدل ما أخلصك أنا منها ومن حياتك كلها. إني مبهزرش يا ماجدة وعجولها لك للمرة العاشرة. خافي على نفسك مني يا بت الناس عشان إنتِ مش كد قلبتي يا حزينة.
التقط ثيابه وتحدث إليها أمراً بطريقة فظة:
_ تعالي اغسلي لي ضهري من الهباب اللي دهنتهولي دي.
استشاطت داخله من ذلك الفظ الذي وبرغم جبروته إلا أنه يرتعب من أن تلاحظ عليه فايقة أي تغيرات. ولذلك دائم الحرص على إزالة جميع الأدلة والشواهد قبل مغادرته مقر ماجدة الذي يأتي إليه لأخذ متعته الحلال ويرحل.
بعد مدة كان مرتدياً ثيابه بالكامل ويتحرك إلى الخارج.
تتبعه تلك الحاقدة التي ترمقه بنظرات كارهة.
توقف عن الحركة واستدار إليها وتحدث أمراً:
_ ما يعايزش أعيد حدبثي اللي جلتُه تاني. تروحي بكرة للحكيمة وتخلصي حالك من البلوة دي.
وأكمل بهدوء مطمئناً إياها:
_ وأني إن كان عليا، هنسى عملتك المهببة دي وأرجع وياكِ كيف الأول تاني.
قال كلماته وتحرك إلى الخارج دون انتظار الرد، تحت نظرات ماجدة المتوعدة له.
ظلت ساكنة بمقعدها إلى أن تأكدت وصوله إلى منزله وأمسكت هاتفها وضغطت زر الاتصال.
كان قد وصل للتو بسيارته إلى حديقة المنزل وصفها وتحرك بطريقه إلى داخل السرايا.
أوقفه رنين هاتفه فأخرجه من جيب جلابيبه.
ضيق عينيه عندما وجدها ماجدة.
ضغط زر الإجابة وهتف قائلاً بضيق:
_ عايزة إيه تاني في ليلتك اللي ما فتش دي؟
وقفت وتحدثت بنبرة حادة صارمة:
_ عاوزاك تسمعني كويس أوي وتوزن كلامي يا قدري، عشان مش ماجدة اللي يتعمل معاها كده يا حبيبي. مش أنا اللي تاخدني لحم وعاوز ترميني عظم واقف أتفرج عليك يا عنيا. ده أنا ماجدة والآجر على الله.
وأكملت بنبرة قوية واثقة:
_ العيل اللي في بطني ده ابنك ومن لحمك ودمك، ومش هنزله حتى لو وقفت على شعر راسك. وتهديدك ده يا عنيا تبله وتشرب ميته. أنا مش تلميذة عشان أخاف من تهديدك الأهبل ده. ده أنا ماجدة اللي لفيتها كعب داير، مش على آخر الزمن هتيجي إنتَ وتخوفني يا ابن النعماني.
واسترسلت حديثها بقوة:
_ الواد هخليه وهتكتب عليا رسمي الأسبوع ده.
وأكملت حديثها بتهديد صريح:
_ ماذا وإلا هاجي النجع وهقابل أبوك وهقوله على حكايتي معاك. وبالمرة أبلغه عن تخطيطك لما رحت للراجل بتاع مصر واتفقت معاه عشان تجوز ابنك على بنت أخوك اللي مكانتش كملت شهر جواز. وكمان هبلغ الحرباية مراتك على جوازنا وإنك مستغفلها ليك أربع سنين بحالهم.
كان يستمع إليها بذهول.
ثم هتف بغضب عارم:
_ إنتِ واعية للي بتجوليه ده وعارفة بتجوليه لمين يا حزينة؟
ابتسمت ساخرة وتحدثت بجبروت وقوة:
_ أيوه يا قدري، أنا عارفة كويس أوي بتكلم مع مين. بس يظهر إن إنتَ اللي ما تعرف إنتَ متجوز مين.
وأكمل بقوة وتهديد صريح:
_ اسمع آخر الكلام ونهايته يا قدري. قدامك بالكتير أسبوع مفيش غيره وتكون كاتب عليا رسمي. بعد الأسبوع ما يعدي بيوم متبقاش تلوم غير نفسك.
وأغلقت الهاتف دون انتظار الاستماع للرد مما جعل قدري يصاب بالجنون وكاد أن يفقد السيطرة.
كاد أن يهاتفها أوقفه صوت تلك الواقفة بشرفتها تتطلع عليه باستغراب:
_ وواقف عندك بتعمل إيه وبتكلم مين في التلفون يا قدري؟
ارتبك بوقفته حين استمع إلى صوتها.
رفع بصره يتطلع إليها وتحدث:
_ ده واحد كان بيكلمني وعاوز تليفون قاسم. لجل ما يكلمه على قضية واعرى عنديه.
أومأت له وتحدثت:
_ طب يلا اطلع عشان تنام، الوقت اتأخر.
❈-❈-❈
في اليوم التالي.
دخل غرفة الضيافة الموجودة بحديقة السرايا والتي اتخذها يزن كي يجعلها مسكن له بعيداً عن تلك اللاصقة التي تقتحم حياته ولا تجعله يتنعم بالخصوصية والراحة اللتان حصل عليهما منذ أن من الله عليه ورزقه خير الابتعاد عنها.
كان يقف أمام المرآة يصفف شعر رأسه ويهندم ذقنه بعناية بعد أخذه حماماً دافئاً.
استمع إلى خبطات فوق بابه الذي يوصده عليه كي يقطع عن ليلي فرص اقتحامها للغرفة كعادتها.
تحرك إلى الباب وفتحه.
وجد نجاة التي تحمل بين يديها حاملاً موضوع عليه بعض المعجنات وكأساً من المشروب البارد.
حمله عنها وتحرك به إلى الداخل وهتف قائلاً باعتراض وهو يضع ذلك الحامل فوق الكومود:
_ لحد ميتى عتفضلي تعبانة حالك كده يا أم يزن؟
أجابته بنبرة حادة لائمة:
_ لحد ما ربنا يهديك وتتچوز وأطمن إن بقى لك واحدة تراعييك وتاخد بالها منك، وتجيب لي منها الحفيد اللي عموت عليه.
وأكملت بنبرة حزينة وهي تتحرك إلى السرير لتجلس عليه:
_ لحد ميتى عتفضل حارمني من إني آمن عيني بشوفة عوضك يا يزن. العمر بيجري يا ولدي وعيالك كده عيموتوا في ضهرك يا حزين.
قهقه بشدة وهتف قائلاً بتفاخر مصطنع:
_ متخافيش على أحفادك يا أم يزن، العيال في ضهري كتير بس الصبر.
أجابته بنبرة يائسة:
_ الصبر ملّ من كتر صبري يا ولدي.
وأكملت وهي تنظر إليه بترقب:
_ أقطع دراعي إن ما كانت الحرباية اللي اسمها فايقة عاملة لك عمل، وعشان كده متعرفش في الجواز على العجوزة بنتها.
ابتسم لها واقترب وجاورها الجلوس وتحدث بابتسامة حانية:
_ وإن جلت لك إني لقيت بت الحلال اللي كنت بدور عليها ونويت خلاص، عتجولي إيه؟
اتسعت عيناها من شدة سعادتها وتساءلت متلهفة:
_ بتكلم جد يا جلب أمك.
وأكملت بتلهف:
_ بت مين في النجـ.ـع؟
اشتدت سعادته عندما لاحظ لهفة وسعادة والدته.
فأخبرها بعيون تنطق فرحاً:
_ الدكتورة أمل اللي بتشتغل في المستشفى ويا صفا.
ابتسمت بسعادة وتحدثت مبتهجة:
_ الله الوكيل إني حبيتها أمل دي من أول مرة شفتها فيها. ده غير الكلام اللي بتجوله عنها أختك مريم، بتجول فيها شعر.
ابتسم بسعادة لحديث والدته المبهج الذي أدخل السرور على قلبه.
أما نجاة فقد اختفت ابتسامتها بلحظة وكأنها تذكرت شيئاً.
فتساءلت بترقب قلق:
_ بس تفتكر إن الدكتورة أمل عتوافق عليك يا ولدي؟
ضيق عينيه قائلاً بتعجب:
_ وإني عيبي إيه يا أمي لجل ما ترفضني؟
هتفت سريعاً بحنان وفخر:
_ إنتَ سيد الناس كلياتهم ومليش زي يا ضنايا.
وأكملت مفسرة:
_ بس متأخذنيش يا ولدي، دي لسه بت بنوت ومدخلتش دنيا قبل سابقة. وإنتَ يعني، راجل متجوز.
تنهد بارتياح وتحدث بهدوء:
_ من الناحية دي اطمني يا أم يزن، إني فاتحت أمل في الموضوع وهي وافقت، بس ليها شرط.
ضيق نجاة عيناها وسألته باستغراب:
_ ويطلع إيه الشرط ده كمان يا ولدي؟
تنفس عالياً وأجابها:
_ عاوزاني أطلق ليلي.
زفرت بضيق وتحدثت باستسلام:
_ أهو كده هي بتحط العقدة في المنشار، لأن جدك مستحيل يوافق على طلاق الملعونة ليلي.
تنفس بضيق ونظر أمامه بشرود يفكر فيما هو قادم عليه.
فأكملت نجاة بنبرة تشجيعية لتبث بداخله الحماس وذلك بعدما لاحظت الإحباط الذي أصابه جراء حديثها الواقعي بحكم معرفتها بتفكير عثمان.
_ بتكلم جدك ميتى؟
أجابها بنبرة هادئة:
_ إني كنت مستني لما عمي زيدان يشد حيله شوية، بس بصراحة خجلان أكلمه عشان اللي حصل مع قاسم وصفا.
زفرت نجاة وتحدثت بامتعاض:
_ ودي ماله ومال موضوع جوازك، ولا هي فايقة وعيالها عيفضلوا موقفين لك حياتك طول عمرهم.
تنهد بضيق وأقنعته والدته بأن يذهب إلى جده مساء اليوم ويفاتحه في طلبه.
بعد قليل، خرج من غرفته لنيته الذهاب إلى المشفى ليرى وجه فاتنته التي لم يعد يستطيع عدم رؤيتها طوال الوقت.
نظر للأعلى وجد فارس ومريم يجلسون في شرفتهم يتسامرون ويبدو على ملامح وجهيهما الانسجام.
تحدث إلى فارس بعدما ألقى التحية عليه وعلى شقيقته الغالية:
_ عاوزك في موضوع مهم يا فارس.
أومأ له وتدلى.
وبعد قليل كانا يجلسان في الحديقة الخلفية في صمت تام وترقب من يزن بعدما أبلغ فارس بنيته الزواج وإبلاغ جده طلاق ليلي.
تحدث يزن على استحياء خشية حزن صديقه:
_ إني جلت أقول لك الأول جبل ما أفتّح جدك في الموضوع لأنك صاحبي ومش عايزك تزعل مني.
أومأ له فارس الذي ينظر أرضاً حزناً على شقيقته.
وأردف قائلاً بتفهم:
_ إني عارف إن من حقك تتجوز وتخلف زي باقي الخلق، بس مكانش له لزوم تطلق ليلي يا يزن.
تحدث يزن مفسراً قراره على استحياء:
_ كده أحسن لـ ليلي يا فارس، إني ما ينفعش أكون معاها زي الأول تاني وإنتَ خابر السبب زين. ما عاوزاش أظلمها بهجراني ليها وأشيل ذنبها في رقبتي.
أومأ فارس بتفهم ثم سأله متعجباً:
_ ميتى حصل العشق اللي بينكم إنتَ وأمل ده!
قطب جبينه وسأله باستغراب:
_ ومين جالك إننا بنعشق بعض؟
نظر له فارس وتحدث بابتسامة خافتة:
_ عشان إني عارفك زين يا يزن، متخدش خطوة الجواز مرة تانية إلا إذا كنت عاشق على حق.
ابتسم على استحياء وفضل الصمت لعدم أذية مشاعر صديقه.
فربت فارس على ساق يزن بأخوة وتحدث بنبرة هادئة:
_ إنتَ راجل زين وتستاهل كل خير يا يزن، مبارك يا أخوي.
قال كلماته وتحرك إلى الخارج تحت ضيق يزن وحزن قلبه على أذية قلب صديقه الحنون.
❈-❈-❈
ليلاً.
جلس يزن بصحبة جده وأخبره أنه نوى الزواج من أمل، وأنه يريد الخلاص من تلك الزيجة التي تضغط على عاتقه ولا تدعه وشأنه.
استمع الجد له ووافق على الزواج لكنه اعترض بشدة متعللاً بقانون العائلة.
جن جنون يزن وهتف بنبرة غاضبة:
_ ملعون أبو القوانين اللي دمرتنا وخلتنا نلعن حياتنا ونكرهها.
أردف الجد قائلاً بصرامة:
_ اختشي يا يزن واسمع الحديث، مش كفاية إني وافقت على جوازك من واحدة ما نعرف لها أهل وكمان بتجول إن أمها وأختها ما يحضروا فرحها عشان بيناتهم مشاكل!
اعترض يزن بشدة فتحدث الجد مترجياً:
_ إعملها لوجه الله يا ولدي، بت عمك بجت كيف الأرض البور. محدش بيرضى يتجوز واحدة ما بتخلفش إلا إذا كان طمعان في مالنا وأراضينا.
هتف يزن معترضاً:
_ حرام عليك يا جدي، بكفاياك ظلم فيا لحد كده. ظلمتني زمان لما اخترت لي ليلي وحطيتها جوه حضني بالغصب.
وأكمل شارحاً:
_ وكانت النتيجة إيه؟ عشت وياها سنتين ونص جسد بلا روح، كنت بصبر حالي كل يوم وأجول ارضى بنصيبك يا واد لجل ربنا ما يراضيك. وحتى بعد اللي عملته فيا هي وأمها وجتلت رجولتي وطعنتني في ضهري جدامكم كلياتكم وحبيت أخلص منها، بردك وقفت في طريقي وجلت لي بت عمك وجانون عيلتي مفهوش طلاق. سكت وجلت سمعاً وطاعاً كيف العادة.
وأكمل صارخاً باعتراض:
_ بس دلوك ربنا فتح لي طريق جديد لجل ما أبدأ حياة جديدة وأخلف عيال ويبجالي بيت زي خلق الله.
وسأله بعيون متألمة:
_ مرايدش لحفيدي الراحة ليه يا جدي؟
تنهد عثمان بثقل، فحقاً كان الأمر ليس بالهين عليه وتحدث بنبرة حنون:
_ كيف تجول كده يا يزن، ربنا يعلم غلاوتك في قلبي كد إيه، ده كفاية إن إنتَ الوحيد اللي عمرك ما عملت حاجة تكدرني. طول عمرك طوع وراجل محترم وسداد.
وأكمل شارحاً:
_ بس غصب عني يا ولدي، لو سمحت لك تطلق ليلي عمك زيدان هيطلب مني إني أخلي قاسم يطلق صفا، وعقد العيلة هينفرط من يدي زي السبحة وما هعرف ألملمها تاني.
نظر لجده وتحدث بتألم:
_ يعني حضرتك لتاني مرة بتضحي بيا وبسعادتي لجل راحة قاسم؟
تنهد الجد بحيرة وتحدث:
_ متجولش كده يا يزن، واطمن يا ولدي، إني بنفسي هروح لحد الدكتورة في المستشفى وأطلب يدها لحفيدي الغالي.
انتفض من جلسته وتحدث بنبرة صارمة:
_ متتعبش حالك يا جدي، إني كفيل بإني أظبط أموري بحالي وما أحتاجش لحد وياي.
وأكمل بقوة أدمت قلب عثمان وشطرته لنصفين:
_ بس لازم تعرف إني ما مسامحش في حقي ليوم الدين.
وخرج غاضباً من الحجرة تاركاً عثمان لعذاب ضميره وألام روحه التي أصبحت لم تنتهي.
❈-❈-❈
داخل القاهرة في الساعة الثامنة مساءً.
فاق من غفوته على صوت قرع جرس الباب.
اعتدل وجلس يتطلع أمامه.
وتحرك إلى الباب وفتحه.
قطب جبينه وتحدث مستغرباً وهو يتطلع إلى تلك الزائرة غير المرغوب فيها:
_ إيناس، إيه اللي جابك هنا؟
أظهرت حزنها بعينيها وتحدثت بنبرة زائفة:
_ هي دي بردوا مقابلة تقابلني بيها يا قاسم بعد كل الفترة اللي بعدنا فيها عن بعض دي؟
زفر بضيق وهتف قائلاً بنبرة صارمة:
_ امشي من فضلك يا إيناس، أنا أصلاً تعبان لوحدي ومش متحمل أي مناهدة أو مناقشة من أي حد.
تحدثت بنبرة جادة:
_ أرجوك يا قاسم، فيه حاجات كتير محتاجين نتكلم فيها عشان نحط النقط على الحروف.
وأكملت بترجي:
_ أرجوك.
زفر بضيق ثم وضع يده فوق شعره وسحبه للخلف بطريقة تدل على كم الضيق الذي أصابه.
أشار لها بيده لتدلف وتحرك خلفها فتوقفت هي وتحدثت وهي تنظر إلى الباب قائلة:
_ نسيت تقفل الباب يا قاسم.
أشار بكفه سريعاً وتحدث بنبرة حازمة:
_ أنا قاصد إني أسيبه مفتوح، اتفضلي قولي اللي عندك بسرعة عشان عندي مقابلة برة بعد ساعة بالظبط، ولازم أكون مستعد لها قبل الميعاد.
اشتعل داخلها من انتقاصه الدائم لشخصها وعدم تقديره لكونها زوجته.
لكنها خفت مشاعر الغضب وأظهرت حزنها المصطنع وتحدثت بحزن:
_ للدرجة دي يا قاسم؟
أجابها بملامح وجه مقتضبة وتحدث بنبرة تدل على وصوله للمنتهى:
_ ياريت تقولي اللي عندك من غير تضييع وقت، لأن زي ما قولت لك معنديش وقت كافي أقضيه في عتاب وكلام لا هيقدم ولا هيأخر.
أخذت نفساً عميقاً لتهدئ به من روعها وغضبها من طريقته الفظة وتحدثت باستفسار:
_ ممكن أعرف إنتَ ليه رفضت القضية اللي بعتها لك الأسبوع اللي فات، الموكل رجع لي تاني وقالي إنك رفضتها؟
قطب جبينه ونظر لها باستغراب وتحدث بنبرة حادة:
_ رفضتها لسببين، أهمهم إننا خلاص انفصلنا عملياً ومش حابب إن يكون فيه بينا أي ارتباط تاني.
وأكمل بنبرة حادة:
_ وتاني سبب إن القضية دي مشبوهة يا أستاذة، وإنتِ عارفة إن طول عمري وأنا شغلي نضيف ومليش في القضايا الشمال والطرق الملتوية بتاعة بعض المحامين.
وأكمل برفع سبابته بوجهها:
_ وياريت الموضوع ده ما يتكررش تاني وإلا رد فعلي هيبقى غبي ومش هيعجبك ولا هتتحمليه.
اتسعت عيناها بافتعال وتحدثت بنبرة زائفة:
_ مشبوهة إزاي؟ ده الموكل شكله كان محترم جداً، وكمان كان باين أوي الصدق من كلامه. وبعدين أنا بعتها لك عشان حسيت إنها قضية مهمة ومن المؤكد إنها هتضيف لك وتعلي من رصيد اسمك ومكتبك في الوسط.
قوس فمه وابتسم ساخراً وتحدث بنبرة تهكمية:
_ ولما هي قضية جبارة كده وليها فوايد عظيمة ما أخدتيهاش إنتِ ليه على الأقل عشان تضيف لاسـ.ـمك إنتِ ومكتبك زي ما بتدعي؟
أجابته بمراوغة وعيون تدعي العشق:
_ ده الفرق اللي بيني وبينك يا قاسم، أنا حبيتك لدرجة إني بقيت أفضلـ.ـك على نفسي، لكن إنتَ ما حبيـ.ـتنيش بالشكل الكافي اللي يخليك تغفر لي موقفي وغضبي لما كنت حابب تفض خطوبتنا وتسيبني بعد ما علقت قلبي وروحي بيك.
وأكملت بنبرة حنون واشتياق:
_ إنتَ وحشتني أوي يا قاسم، أنا بعدت عنك واحتـ.ـرمت رغبتك، جيت على قلبي واتحملت وجعه المميت على أمل إن حبك وشوقك ليا هيرجعوك لحضني من تاني.
وأكملت بأسٍ مصطنع:
_ بس للأسف قلبك بقى قاسي أوي عليا، وبدل ما حبك يرجعك زدت في قسوتك ونسيت أنا كنت إيه بالنسبة لك.
تنفس بعمق ثم زفر بضيق وبمنتهى البرود واللامبالاة تحدث قائلاً شبه طارداً لها:
_ لو خلصتي كلامك اللي جاية عشانه ياريت تتفضلي عشان لازم أقوم أجهز نفسي عشان أنزل للمقابلة.
نزلت دموعها التي استدعتها بمهارة وتحدثت باعتراض:
_ أرجوك كفاية إهانات لحد كده يا قاسم، أنا إن كنت متحملة طريقتك دي فأنا متحملها عشان خاطر بحبك، بس لازم تفهم إن أنا إنسانة وعندي كرامة وشعور وبحس.
زفر بضيق وسألها باستفسار:
_ إنتِ عاوزة إيه من الآخر كده يا إيناس؟
_ عاوزاك يا حبيبي، جملة متلهفة قالتها إيناس بعيون راغبة.
وأكملت بخجل مصطنع:
_ يا قاسم أنا مراتك وبحبك، وليا عليك حقوق شرعية من حقي عليك تديها لي، ده شرع ربنا يا حبيبي، من حقي استمتع معاك بحياتنا الزوجية وأعيش معاك كأي زوجة طبيعية بتحب زوجها، من حقي أحصل على حقوقي الشرعية كاملة.
أجابها بملامح وجه صامدة:
_ الكلام ده كان ممكن أتقبله منك لو كان جوازنا حقيقي وجائز شرعاً، وأظن إن إحنا اتكلمنا قبل كده في الموضوع ده وشرحت لك الوضع.
وأكمل شارحاً من جديد:
_ إحنا جوازنا صوري وغير مكتمل للأركان اللي تخليه شرعي يا أستاذة القانون.
سألته بدموعها:
_ إنتَ إزاي اتغيرت كده، نسيت إزاي حبنا وأحلامنا اللي ياما حلمنا نحققها مع بعض، فين حبك ليا يا قاسم؟
أجابها بنبرة نادمة:
_ مكانتش أحلام، طلعت كوابيس خرجت منها مكسور ومتحطم.
وأكمل سارحاً:
_ اسمعي يا بنت الناس، وفري محاولاتك دي لأن أنا راجل بحب مراتي ومستحيل أخونها تحت أي مسمى.
أجابته بنبرة غاضبة واعتراض شديد:
_ حاسب على كلامك يا قاسم، أنا كمان مراتك زيي زيها وليا نفس الحقوق اللي ليها. وحتى لو مكنتش مقتنع بصحة العقد فده ما يديلكش الحق في إنك تجرحني وتوصف علاقتي بيك بأنها خيانة لمراتك التانية.
احتدمت ملامحه عند استماعه للقب (مراتك التانية) وتحدث بنبرة صارمة غاضبة:
_ قصدك مراتي الأولى والأخيرة، أنا مليش زوجة غير صفا ومش هيكون لي.
وأكمل وهو يقف لينهي هذا اللقاء غير المرغوب فيه قائلاً باقتضاب:
_ ولو مش عاجبك الوضع ومحتاجة تحسي إنك زوجة، ممكن تحليني من الوعد اللي رابطني من رقبتي وخانقني، وأطلقك وتروحي تتجوزي وتعيشي حياة طبيعية.
وأكمل بنبرة جادة:
_ وتبقي عملتي فيا جميل عمري ما هنساهولك.
وأكمل بإغراء لعلمه بمدى جشعها:
_ وصدقيني هعوضك مالياً بمبلغ محترم يأمن لك حياتك.
وقفت وتحدثت بنبرة زائفة مليئة بالحزن:
_ إنتَ كده بتقضي عليا وبتظلمني يا قاسم.
وأكملت متسائلة:
_ تقدر تقولي بعد ما تطلقني وأتجوز من راجل تاني،
وأكملت بحزن مصطنع:
_ ده لو فعلاً قدرت أعملها أصلاً وأكون مع راجل غيرك، هقول للراجل اللي هيتجوزني إيه لما يلاقي إني لسه virgin؟
نظر لها وتحدث بنبرة هادئة:
_ بسيطة، قولى له الحقيقة، وأنا كمان مستعد أروح له وقتها وأشرح له اللي حصل.
وأكمل بتضييق بين عينيه:
_ وأظن إن ده شيء يسعد أي راجل لما يكتشف إن مراته لسه بكر وإنه هيكون أول راجل في حياتها، ولا إيه يا أستاذة.
وأكمل بضيق شبه طارداً لها وهو يتجه إلى الباب المفتوح على مصرعيه ويقف بجواره:
_ اتفضلي يا أستاذة.
استشاطت داخلها من ذلك العنيد الذي ستخرج كعادتها بيد خاوية وهي التي أتت ومنت نفسها باستسلامه وخضوعه لها، خاصةً بعدما هاتفتها ليلي وأخبرتها بما حدث وكيف ترك النجع وهو يتوعد لزوجته التي أهانته أمام جميع العائلة.
تحركت ثم وقفت قبالته وتحدثت بنبرة حنون زائفة وعيون عاشقة:
_ أنا ماشية يا قاسم، بس عاوزاك تعرف إني هفضل قاعدة في بيتنا ومستنياك، لحد ما قلبك يحن ويعرف مين هي اللي بتحبك بجد ومستعدة تضحي بعمرها كله عشانك.
وأكملت بتمني:
_ هستناك لأخر العمر يا حبيبي.
كان واقفاً بشموخ، يستمع لها كصنم لم يتحرك له رمش ولم ينطق بحرف واحد.
وما أن خطت بساقيها متجهة إلى الخارج حتى استمعت إلى صفقة الباب بحدة اهتز لها بدنها وانتفضت على أثرها.
قبضت على يدها بشدة وتحركت بنارها متوعدة بعدم الاستسلام نهائياً حتى الحصول على ما حلمت به وتمنت، وهو التنعم بالعيش داخل ثروة النعماني وجلب حفيداً ترث به وتضمن به بقاءها على ذمة ذلك العنيد.
❈-❈-❈
داخل المشفى.
قص يزن على مسامع أمل ما أقره جده بشأن عدم موافقته على تطليقه لليلي وطلب منها الموافقة على الزواج منه على هذا الوضع وبأنه بدأ بتشييد منزلاً خاصاً به بجانب منزل عمه زيدان، وذلك كي يحميها من غدر ليلي وفايقة.
أجابته بقوة رداً على حديثه:
_ إنتَ عارف رأيي كويس بخصوص الموضوع ده يا يزن، أنا لا يمكن أكون زوجة ثانية تحت أي ظرف أو أي مسمى.
واسترسلت بنبرة قاطعة:
_ ده مبدئي ولا يمكن هغيره.
انصدم من ردة فعلها الحادة وسألها مستفسراً:
_ أفهم من كده إنك ما تبينيش؟
أجابته بثقة وهدوء:
_ بالعكس يا يزن، أنا عاوزاك ومحتاجة لك في حياتي أكتر ما إنت محتاجني بكتير.
سألها باستغراب حاد:
_ فزورة دي إياك، كيف عاوزاني ومقدرش على بعدي، وفي نفس الوقت بتستغني عني وترفضي جوازنا؟
تنهدت بأسٍ وأردفت شارحة له وجهة نظرها:
_ بس أنا ما رفضتش عرض جوازنا يا يزن، أنا فعلاً عاوزاك ومتمسكة جداً بيك، وحقيقي وصلت معاك لدرجة إني مش هقدر أستغني عن وجودك في حياتي.
_ مفهمكيش أني يا بت الناس، وضحي حديثك لجل ما أفهمك زين، جملة نطق بها يزن بتشتت واضح.
زفرت بضيق وأجابته بصرامة:
_ طلقها يا يزن، لو فعلاً بتحبني طلقها.
أجابها بنبرة حادة:
_ ما ينفعش يا أمل، جدي راضي.
نظرت له بضيق وتحدثت بنبرة قوية:
_ بس أنا هتجوزك إنتَ يا باشمهندس مش هتجوز جدك.
أردف قائلاً بنبرة مترجية وعيناه متوسلتان:
_ خلينا نتجوز ونطفي لهيب قلوبنا اللي عم بتتحرج في بعدنا وبعدها يحلها الحلال.
تحدثت بإهانة بالغة:
_ للأسف يا باشمهندس، إنتَ ضعيف قدام تحكمات جدك، وأنا آسفة، مش أنا اللي أتجوز راجل ضعيف.
اشـ.ـتعل داخله ورمقها بنظرة غاضبة بعد أن أهانت رجولته وتفوقت بما لا يقبله رجل صعيدي على كرامته وتفوه بنبرة حادة:
_ لحد كده وتلزمي حدك يا دكتورة.
وأكمل شارحاً لها:
_ إني لا ضعيف ولا جليل، إني راجل ابن عيلة ومتربي على الأصول والتقاليد صح، والأصول بتجول إن العيلة ليها كبير ولازم يتسمع كلامه، ده غير إن مفيش في عيلتنا حاجة اسمها طلاق.
تنفست عالياً وتحدثت:
_ دي مشكلتك مش مشكلتي، وأنا ولا يفرق معايا كل تقاليدكم وعاداتكم دي، أنا جلت لك شرطي للموافقة ولسه مصممة عليه.
صاح بنبرة حادة غاضبة:
_ ملعون أبو شرطك على أبو قلبي اللي عشق واحدة جلبها كيف الحجر زيك، مش إني الراجل اللي على آخر الزمن حرمة بتشرط عليه وتمشيه على كيفها.
وأكمل بقوة:
_ إني ماشي، بس جبل ما أمشي أحب أعرفك إني سحبت طلبي الملعون، ومن إنهاردة يا بت الناس إني في طريج وإنتِ في طريج.
قال كلماته وتحرك مسرعاً إلى الخارج، وتركها بقلب يرتجف ويشتعل حزناً على ما أوصل له ذلك البريء، لكنها مازالت مصممة على رأيها وعدم تغيير مبدأها حتى ولو كان لأجل قلبها، فليست هي من تقبل بلقب الزوجة الثانية مهما كان الثمن.
❈-❈-❈
قبل يوم واحد من انتهاء مرور المهلة التي أعطاها قدري إلى ماجدة.
كانت السرايا تـ.ـج بالزائرين من جميع المحافظة للاحتفال الضخم الذي أعده عثمان للاحتفال بفوز زيدان في الانتخابات البرلمانية وحصوله على مقعد البرلمان باكتساح.
حيث أقام احتفالاً ضخماً وقام بذبح الذبائح ومد الولائم الفاخرة أمام الحضور لأجل غاليه زيدان.
كان قدري يقف جانباً بـ.ـهيئة متوترة ويتحدث بالهاتف ويبدو عليه الاضطراب.
ذهب إليه فارس وتساءل مستفسراً:
_ مالك يا أبوي، فيه حاجة جـ.ـلجاك إياك؟
أجاب ولده بنبرة زائفة:
_ مفيش يا ولدي، ده إني كنت بتصل على أخوك أطمن وأشوفه وصل لفين.
بعد قليل أتى قاسم إلى الاحتفال حيث كان أول حضوره منذ تلك المواجهة الحادة.
دلف بسيارته عصراً ودلف لاحتفال الرجال داخل الحديقة تحت احتفاء بحضوره من جميع العائلة، وذلك بعد المجهود الذي بذله لإنجاح عملية وتنظيم الانتخابات.
أما تلك التي أصبحت حزينة جراء انقطاع حبيبها عن النجع، فكانت داخل سرايا النعماني، حيث احتفال النساء الذي لا يقل اهتماماً عن احتفال الرجال، حيث تقديم الأطعمة الشهية والحلوي والمشروبات بكل أنواعها.
اقترب من جلسة جده ومال بجذعه وقام بتقبيل كف يده وتحدث باحترام:
_ كيفك يا جدي وكيف صحتك؟
ربت الجد على ظهر حفيده بحنان وتحدث بتفاخر وسعادة:
_ إني بخير طول ما إنتَ وباقي رجالتنا بخير يا سبعي.
أومأ له قاسم وتحرك إلى أبيه الذي احتضنه بشدة وربت على ظهره بحنان مروراً بعمه منتصر حتى وقف أمام عمه زيدان ونظر له بهدوء وتحدث باحترام:
_ ألف مبروك يا حضرة النايب، وعقبال ما تاخد الدورة الجاية باكتساح بردك إن شاء الله.
وقف زيدان وتحدث باحترام وتقدير لدور قاسم قائلاً:
_ الفضل لله ثم ليك يا قاسم.
وأكمل بامتنان واستحسان:
_ لولا الرجالة اللي بعتهم لي من مصر لجل ما يساعدوني وينظموا لي التحركات والدعاية الكبيرة اللي عملوها لي في المحافظة كلياتها، ما كنتش آخد الكرسي بالعدد الكبير جوي ده.
ابتسم بخفوت لعمه وتحدث بنبرة جادة:
_ دخولك البرلمان شرف للعائلة وللنجع كله يا عمي، وحجيجي تستحقها، ألف مبروك.
تركه وذهب لشقيقه الذي احتضنه بحفاوة.
أما يزن الذي تحرك إليه ووقف يقابله ثم نظر إليه وتحدث بنبرة مترقبة:
_ حمد الله على السلامة يا قاسم.
أجابه قاسم بصمود:
_ الله يسلمك يا يزن.
شعر بخجله وتردده في إظهار مشاعر الأخوة والاشتياق.
فبادر قاسم بجذبه إلى داخل أحضانه وربت على ظهره بحماية وأخوة وتحدث بنبرة أخوية حنون:
_ اتوحشتك يا أخوي.
انتفض صدر يزن وشعر بحزن عميق تملك من قلبه، ولام حاله على تلك السنوات التي أضاعاها أبناء العم في عداوة واهية.
تحدث يزن الذي ما زال قابضاً من احتضانه إلى قاسم:
_ وإني كمان اتوحشتك جوي يا قاسم، حجك عليا يا أخوي.
آخرجه قاسم من داخل أحضانه ونظر له وتحدث وهو يربت على كتفه:
_ حجك إنتَ عليّ يا يزن.
كاد فارس أن يبكي جراء تأثره بتلك المصالحة التي تأخرت كثيراً، لكنها بالنهاية أتت، فأن تأتي متأخراً، خيراً من أن لا تأتي من الأساس.
جلس شباب العائلة يتسامرون لحين انتهاء الاحتفال.
ودلف الرجال لداخل السرايا.
كانت لا تزال بالداخل تجلس بجانب جدتها لحين ترى أسر عينيها الذي ابتعد وكأنه يريد إرسال رسالة إليها ويخبرها أنه ما عاد يهتم لرضاها أو الابتعاد.
دلف للداخل وألقى السلام على الجميع.
أسرعت فايقة إليه وقامت باحتضان صغيرها التي اشتاقته حقاً.
بادلها حضنها برعاية واهتمام.
ثم اقترب من جلسة جده ومال بجذعه على مقدمة رأسه وقبلها ثم أمسك كف يدها باحترام ووضع بها قبلة احترام وتقدير.
كانت تجلس بجانب جدتها بإلتصاق، تسللت إلى أنفها رائحة عطره الممزوجة برائحة جسده التي تعشقها، وذلك لقربه المهلك لقلبها العاشق حتى النخاع فجعلتها ترتجف بجلستها.
دق قلبها بوتيرة عالية تطالبها بالكف عما تفعله والرجوع والتنازل عن عنادها المميت، ولولا كبريائها وكرامتها لانتفضت واقفة لتلقي بحالها داخل أحضانه الحانية التي اشتاقتها حد الجنون.
نظر على ورد التي تجاور رسمية الجلوس بالجهة الأخرى.
ثم ألقى عليها السلام باحترام وقام بتهنئتها بحفاوة تحت اشتعال صدر فايقة وغيرتها من أن غريمتها أصبحت زوجة النائب وهذا ما سيعزز من مكانتها أمام المركز بأكمله.
ثم حول بصره إليها ينظر عليها بجمود.
وجدها تجلس كشمس صيف ساطعة فرضت أشعتها على كل ما حولها فأنارتة وجملته وأعطته رونقاً خاصاً.
طالبه قلبه بالتنازل عن كبريائه وأن يقوم بسحبها لداخل أحضانه كي يشبع روحه وروحها ويرحمهما من لوعة الاشتياق.
نظر لها بجمود وتحدث بنبرة حادة عكس ما يدور بداخله:
_ ألف مبروك لسيادة النايب يا دكتورة.
أما هي، فقد دق قلبها بوتيرة عالية حين رأته يقف أمامها بوسامته الطاغية وطوله الفارع.
فبرغم كل ما حدث منه وما فعله بها وأشعرها كم هي عديمة الفائدة ولا تعني له شيئاً، إلا أن ذلك الملعون المسمى بقلبها ما زال نابضاً بعشقه، بل متيم بغرامه المشؤوم.
وكعادتها استعادت توازنها على الفور وتحدثت بنبرة قوية وهي تنظر له بجمود مماثل:
_ الله يبارك فيك يا متر.
تحدث إلى الجميع وهو يتحرك بلامبالاة نحو الدرج للصعود إلى الأعلى:
_ تصبحوا على خير.
هتفت الجدة كي تستقطبه ليجلس بجانب صفا لعل يحدث في الأمر شيئاً ولينا قلبيهما وتصعد معه:
_ لسه بدري يا ولدي، تعال اجعد وياي شوي واتعشى معاي.
أجابها وهو يصعد للأعلى:
_ اتعشيت برة يا جدة، عطلع آخد حمام وأعمل كام تليفون للشغل.
شعرت بنار شاعلة داخل قلبها من إهانته لها وعدم تقديره الواضح وضوح الشمس إلى الجميع.
انتفضت بجلستها وتحدثت وهي تتحرك إلى الخارج:
_ إني ماشية، تصبحوا على خير.
وقبل خروجها من باب السرايا قابلتها تلك الحقود التي وشّت لها وهمست بكلمات كسـ.ـهام قاتلة قائلة كي تجعل الشك يتسلل داخل صدرها:
_ فكرك قاسم طالع لجل ما يعمل مكالمات شغل بجد؟
وأطلقت ضحكة شريرة وتحدثت:
_ تلاقيه اتوحش مراته المصراوية اللي راح رمى حاله جوه أحضـ.ـانها اليومين اللي فاتوا، وتلاقيه كمان عايز يرجع أمجاده وياها ومكالماته كيف زمان.
نظرت لها بصدر يعلو ويهبط من شدة اشتعاله بفضل نار الغيرة التي أصابتها جراء حديثها المسموم.
سرعان ما تملكت من حالها ونظرت لها بقوة وهتفت بعدما أنوت بقلب الأدوار:
_ تقصدي كيف يزن مع الدكتورة أمل كده؟
جحظت عيناها ونظرت لها بعدم استيعاب.
فأكملت صفا بقوة وعينان سعيدتان وهي ترى احتراق روح ليلي:
_ معرفاش إياك!
وأكملت شارحة بتشفٍّ:
_ مش يزن طلب يد الدكتورة أمل وهي وافقت، بس شرطها الوحيد إنه يطلقك ويرميكِ برة حياته لجل ما ينظف ويليج بيها.
وأكملت ضاغطة على كرامة تلك ليلي:
_ وهو وافق على شرطها لجل ما ينول رضاها عليه ويتنعم جوه حضنها بالحلال، وطلب من جدك كده.
وأكملت بنبرة حزينة مصطنعة:
_ بس يا خسارة، جدك مرضاش، مش عشان خاطرك، لا.
واسترسلت بمكايدة:
_ جدك مرضاش لجل ما يقطع عليا طريج إني كمان أتشجع وأطلب الطلاق من أخوكِ، يعني جدك موافقش لجل خاطري إني وقاسم.
نظرت لها باشتعال وتحدثت:
_ كدابة.
أجابتها بقوة وثبات:
_ يزن عندك، وأبوكِ وإخواتك اللي جدك بلغهم بالأمر، روحي اسأليهم، حتى أمك فايقة، تلاقيها عارفة ومستغفلاكي.
قالت كلماتها وتحركت إلى الخارج تحت اشتعال قلبها وقلب ليلي أيضاً.
بعد مرور حوالي ساعة، كانت تقف بشرفتها تراقب شرفته وتنتظر خروجه كي ترى ماذا يفعل بعدما اشتعل صدرها بنار الغيرة من حديث تلك الحقودة.
خرج إلى الشرفة ممسكاً بيده قدحاً من القهوة التي صنعها لحاله مع إحاطة الذكريات التي لم تتركه وهو يتذكرها عندما كانت تصنعها له بحب.
نظر أمامه وجدها تتطلع عليه بغيرة ونار شاعلة.
لم يعر لوجودها اهتمام، وبات ينظر للأعلى إلى السماء بترقب واستنشاق الهواء مع احتساء قهوته بلامبالاة.
كانت تنظر عليه والغل ينهش صدرها منه، كان يشعر بها ومستمتعاً بحالتها تلك إلى أن قطع حبل تفكيرهما دخول سيارة الشرطة إلى الحديقة وأزعجهما صوت سيرينتها العالي مما جعل قاسم ينتفض ويتحرك سريعاً إلى الأسفل.
وصل إلى الحديقة وجد جميع العائلة بدأت بالخروج لمعرفة ما يجري.
فتحرك هو إلى ضابط الشرطة وسأله باستفهام:
_ خير يا أفندم؟
أجابه ضابط الشرطة قائلاً بقوة:
_ معايا أمر بالقبض على السيد قدري عثمان بتهمة قتله لزوجته، السيدة ماجدة سمير عبداللطيف.
جحظت أعين فايقة ونظرت إلى قدري الذي تفوه بنبرة مرتعبه:
_ ماجدة اتـ.ـجتلت.
يتبع...