تحميل رواية «قلبي بنارها مغرم» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تدور أحداث روايتنا داخل محافظة سوهاج عريقة الأصل والأصول، وبالتحديد داخل نجع النعماني والذي سُمي خصيصاً بهذا الاسم تيمنًا وانتسابًا لتلك العائلة العريقة، عائلة النعماني. البطلة: صفا زيدان عتمان النعماني، طبيبة بشرية، تبلغ الآن من العمر الخامسة والعشرون، وحيدة والديها وغاليتهم، فاتنة الجمال ذات طلة وجه ملائكي وبشرة بيضاء اللون، تمتلك عينان ساحرتان واسعتان باللون الزمردي يكسوهما رموش سوداء كثيفة مما أعطى لهما سحرًا ورونقًا يفوق ألف تعويذة على ناظريهما. تمتلك جسدًا متناسقًا أنثويًا من الدرجة الأولى...
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم روز امين
تسائل قدري مُستفسراً بنبرة مُرتعبة بعدما إستمع لصياح تلك الصارخة:
_ خبر إيه يا فايقة، إيه اللي حُصل لعويلك دي؟
إنطُجي يا مّرة هتاچيني چلطة من وراكِ.
اجابتة مُنتحبة بدموع التماسيح:
_ المّرة السَو اللي إسميها كوثر، إتصلت بيا دالوك وشندلَتني بسبب موضوع فسخ خطوبة قاسم لبِتها، وهددتني وجالت لي إن لو إنتَ وقاسم ما روحتولهاش بكرة، وطمنتوها إن الفرح هيتم يوم الخميس الچاي حسب الإتفاج الجديم.
وأكملت بنبرة مُرتجفة كي ثبثُ الرعب داخل روحهُ:
_ هتاچي بعد بكرة لسوهاچ وتجول لأبوك علي كُل حاچة وعتفضحك وتكشف سِرك جِدامه وجِدام العيلة كِلياته.
تحدث إليها بنبرة حادة غاضبة:
_ بِت المركوب، الله في سماه لأتصل بيها واشندِلها شَنديل، هي فاكرة إني عخاف وعتهت من حديتها اللي ملوش عازة وأتمم لها جوازة الندامة دي، دي وجعت مع اللي معيرحمهاش وعيسود لياليها.
وأكمل أمراً:
_ إديني نِمرتها بِت المحروج دي لچل ما أعرِفها مجامها صُح.
إرتبكت فايقة من حديثه الغير متوقع لديها وباتت تحاول إقناعهُ للرضوخ لها وإتمام الزيجة كي يتقي شر والده إذا علم بمخطتة السابق لكنهُ رفض وبشدة، اعتطهُ رقم هاتف كوثر التي تبادلتهُ معها كي يتحدا معاً لإتمام مخطتهم الشيطاني.
أغلقت فايقة معه وقامت سريعً بمهاتفة كوثر وأبلغتها ما يجب عليها قوله وفعله، أغلقت كوثر معها سريعً كي تُجيب علي ذلك المُستشاط الذي هاتف رقمها أكثر من ثلاث مرات أثناء ما كانت تُهاتف فايقة.
بدأ قدري حديثهُ بلهجة شديدة التهديد قائلاً:
_ إسمعي يا واكله ناسك إنتِ، شكلك إكدة معتعرفيش إنتِ بتلعبي ويا مين لجل ما تتصلي بمرتي وتهدديها بحديتك الخيبان دي، الله في سماه متفكِري تاچي البلد كيف مبتجولي لكون جاتلك ومتويكي والچن اللزرج معيعرفش لجِتتك طريج جُرة.
إرتبكت كوثر من لهجة ذلك الغاضب لكنها تمالكت من حالها وأستدعت ثباتها من جديد وتحدثت بنبرة أشدّ غضبً من لهجتة:
_ إسمعني إنت كويس يا عُمدة وسيبك من الشويتين بتوعك دول، إسمعني وحط كلامي ده في عين الإعتبار لأني ما بهددش، أنا بحذر مرة وبعدها بنفذ علي طول، ولو كُنت فاكر إني ست ضعيفة وهخاف وأكش من تهديدك ده تبقا غلطان، ولو إبنك أصّر علي رأية ولقيت بنتي هتنفضح قدام الناس فأنا مش هسكت وساعتها ههد المعبد علي دماغ الكُلو.
وأكملت أمرة بنبرة قوية هزت داخل قدري وجعلتهُ يتأكد من جبروت تلك المرأة التي لا تخشي شئ:
_ إبنك يتصل ببنتي إنهاردة ويتأسف لها علي كُل كلمة سخيفة قالها لها ، والفرح هيتم يوم الخميس الجاي علي حسب إتفاقك القديم معانا.
واسترسلت حديثها بتهديد صريح:
_ يا إما كدة يا إما متلومش غير نفسك من اللي هيحصل لك علي إيد العبده لله.
قالت كلماتها التهديدة وأغلقت الهاتف دون أن تُعطية حق الرد، أغلق معها وبات يصرخ بغضب ويسبها بألعن السُباب وأقذرهُ.
أسرعت علية ماجدة التي كانت تختبئ خلف الحائِط وتستمع لكُل ما يُقال بأذانٍ صاغية، سألته عما جري فقص لها الحكاية التي لم يكُن لديها عِلمً بها، فنصحتة بأن يرضخ لأوامر تلك المرأة الحديدية التي وقفت بجرأة وجبروت أمام قدري ولم تخشي تهديدة، وذلك كي ينأي بحالهِ من غضب والده التي ستخبرهُ كوثر بالتأكيد.
إتصل بقاسم الذي كان بالكاد قد وصل إلي مسكنة ودلف من بابهِ بقلبٍ مهموم وروحٍ مُتعبة، إستمع إلي رنين هاتفه أخرجهُ من جيب الجاكيت وتحرك إلي الأريكة وأرتمي فوقها بجسدهِ بإهمال وأجاب والدهُ بصوتٍ ضعيف مهموم قائلاً:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أجابهُ ذلك الغاضب قائلاً بنبرة هجومية:
_ سلام؟ وهياچيني منين السلام ده طول ما أنتَ مراسيش علي بر و واجع جلبي وياك يا حضرة المحامي اللكبير.
إعتدل قاسم بجلسته وتحدث مستفسراً بإرتياب:
_ إية اللي حُصل يا أبوي لجل ما تقجطمني بحديتك إكدة؟
أجابهُ قدري بفحيح:
_ اللي حُصل إن المّرة السَو اللي چنابك بلتني بيها، كلمتني في التَلفون وهددتني إنها هتاچي لچِدك وتحكي له علي كُل حاچة لو ما تممتش چوازك من الملعونة بِتها يوم الخميس الچايز.
فر قاسم وشعر بعالمةُ ينهار من تحت قدماه وتحدث بنبرة حزينة مُنكسرة:
_ متجلكش يا أبوي، أني هاچي بنفسي لچدي وأجول له علي كُل حاچة واجطع عليها الطريج، وهو أكيد هيعذرني ومعيجولش لصفا ولا لعمي زيدان.
صاح قدري عالياً بنبرة غاضبة:
_ حَرج أبو صفا علي اللي چابوها، أني كُل اللي عيهمني إن چِدك مِيعرفش إني چيت وياك للمّرة الحرباية دي، چدك ممكن يسامحك ويغطي عليك وميجولش لزيدان لما يعرف إنك كُت عتحب بِت المركوب دي.
وأكمل مُفسراً بنبرة تأكيدية:
_ لكن أني لا يا حَزين، معنديش عذر للي عملته، چدك معيرحمنيش يا قاسم، ده مستني لي علي غلطة وجالهالي بالفُم المليان يا ولدي، جال لي إن فاضل لي غلطة كمان وياه وعيحاسبني علي الچديد والجديم بالچملة.
إتسعت أعين قاسم من شدة صدمته في والدة الذي يحاول النجاة بحالةِ وفقط ولم يشعر بقلب ولدهُ المُتألم وضميرهُ الصارخ الذي يجلدهُ طيلة الوقت بدون رحمة، تحامل علي حالهِ بصعوبة وسألهُ مُستفهمً بفطانة:
_ وإية المطلوب مني يا أبوي؟
زفر قدري بضيق وتحدث بنبرة أمرة:
_ اللحكاية دي أني مكانش ليا دخل بيها من اللول ودخلت فيها لچل خاطرك وراحتك، يعني تروح للولية بُكرة وتتفاهم وياها، وزي ما ربط العُقدة بنفسك تُفكها وتخرچني منِيها.
وأكمل بنبرة ضعيفة كي يستدعي تعاطفةُ:
_ أني مش جَد غضب چِدك يا ولدي.
أجابة بنبرة حادة صارمة لا تحتمل الجدال:
_ معيُحصُلش يا أبوي، أني جولت كِلمتي ومعرجعش فيها حتي لو كان فيها موتي، وكفياك عاد لحد إكدة، كفياك چبر وأوامر يا أبوي.
وصاح بصراخ هيستيري:
_ معخونش ثجت عَمي أني ومعكسرش مّرتي يا أبوي، معكسرهاش ولو فيها موتي، سامعني يا أبوي، معسكرهاش ولو علي رجبتي.
صاح قدري صارخً به:
_ مّرتك ولا أبوك يا قاسم؟
وأكمل بنبرة مُنكسرة زليلة مُستنزفً مشاعر قاسم نحوهُ:
_ ترضاها علي أبوك يا قاسم، ترضي لي الذل والمهانة والطرد من بيت أبوي بعد العُمر ده كِلياته، چِدك معيرحمنيش يا ولدي، الله الوكيل معيرحمنيه.
هتف بنبرة حادة غاضبة:
_ بكفياك عاد يا أبوي، إنتَ ليه مُصر إنك تخليني خاين للنهاية، لية يا أبوي؟
وأنهي المكالمة بعد جدالٍ حاد إنتهي بالرفض التام من قاسم وغضب قدري الشديد علية وسبهِ بألعن السُباب.
***
قبل قليل بمنزل رفعت عبدالدايم.
إنتهت كوثر من حربِها الشرسة مع قدري وما أن أغلقت الهاتف حتي وجدت زوجها يدلف من باب المنزل ينظر إليها بملامح وجة غاضبة بعدما إستمع إلي حديثها مع قدري من خلف الباب وأنتظر حتي إنتهت كي يستمع للنهاية.
نظر إليها وتسائل بنبرة غاضبة:
_ الكلام اللي أنا سمعته منك ده صحيح يا كوثر، خطيب بنتك سابها بجد؟
إرتبكت بشدة وتغير لون وجهها وتحول لجميع ألوان الطيف وذلك لتحذير زوجها الدائِم وتوقعاتهُ لهذا الحدث طيلة السّنين السّبع المُنصرمة، لكنها دائماً ما كانت تتهكم عليه وتُغالطهُ وتؤكد له ثقتها اللامتناهية في قاسم وإتمامهُ للزواج.
صاح بأعلي صوتهِ مُتسائلاً من جديد وهو ينظر لإبنتهِ المُتكورة علي حالها فوق الأريكة ودموعها تنساب بشدة وتغطي وجهها بالكامل:
_ ردي عليا يا كوثر.
تحدث عدنان مهدءً من ثورة والده:
_ إهدي يا بابا من فضلك، ماما بتحاول تشوف حل للمصيبة دي، وأكيد قاسم هيتراجع قدام تهديدها ليه هو وأبوة.
جلس رفعت وطلب من الجميع إخبارهِ بكل التفاصيل وبعد مدة تحدث إلي كوثر بنبرة مستسلمة ضعيفة:
_ ما أنا ياما حذرتك ونبهتك وقُلت لك بلاش تغامري ببنتك يا كوثر، بس إنتِ مسمعتيش كلامي ولا قدرتي خوفي وقلقي علي بنتي، وأدي النتيجة.
وأكمل بنبرة إنهزامية تدُل علي مدي قهره:
_ أقول إيه لأهلي اللي رُحت عزمتهم وجايين يوم الخميس علشان يحضروا فرح بنتي اللي ليها سبع سنين مخطوبة، يا فضيحتك يا رفعت، يا كسرة ظهرك قدام إخواتك وقرايبك ومعارفك، ألطف بيا يا رب.
بكت إيناس بصوتٍ مُرتفع لم تستطع السيطرة عليه، حين تحدثت كوثر بنبرة حادة في محاولة منها لتهدئتهِ:
_ إهدي يا رفعت وسيبني أنا هتصرف، أنا هكلم أبوه تاني وههدده وأكيد....
إبتلعت باقي جملتها عندما إستمعت صياح ذلك الغاضب حيثُ قال:
_ هو أنا لسه هسمع كلامك تاني يا كوثر، مش كفاية سمعت كلامك لحد ما غرقتينا وفضحتينا وسط الناس.
وأكمل بنبرة جادة مُشيراً للجميع:
_ إنتِ تخرسي خالص، مش عاوز اسمع لأي حد فيكم صوت، وأنا هروح لقاسم بكرة وهتصرف معاه.
رمقوة ثلاثتهم بنظرة سلبية وكانوا متأكدين من أنهُ لم ولن يستطيع تغيير أي شئ.
***
صباح اليوم التالي داخل مكتب قاسم.
لم تأتي إيناس إلي المكتب وجاء عدنان فقط ولكن بقي داخل مكتبه يتابع عمله دون الإحتكاك بقاسم نهائياً.
دلفت السكرتيرة إلي قاسم بعد إستإذانها وتحدثت إلية:
_ أستاذ رفعت والد استاذة إيناس برة يا أفندم وطالب يقابل حضرتك.
كان مُنكبً علي أوراقة يتابع عمله بجدية لينتهي منهُ سريعً بعدما أنتوي السفر إلي سوهاج ليلاً، وذلك لإتخاذهِ قرارً بأنه سيذهب إلي جِدة ويعترف له بكل خطاياه وذنوبهُ العديدة التي إقترف جميعها عن جهلٍ وعِناد وعدم إستيعاب لخطورة ما يفعلهْ، ويطلب منه السماح والغفران وأن لا يُبلغ أياً من صفا أو عمه زيدان كي لا يراهُ شخصً خائنً للعهد، وأنتوي داخل نفسهِ بأن يعترف لصفا بكل ما فعل ولكن ليس قبل أن يجعلها تثق به ويمحوا عن قلبها حُزنها الذي أصابها جراء أفعالهُ المُشينة وحديثهُ المُميت لشخصِها ولإنوثتها ليلة الحِنة.
أخذ نفسً عميقً وزفرهُ وتحدث بملامح وجه مُستسلمة حزينة:
_ خلية يتفضل.
دلـف رفعت ووقف قاسم وتحرك إلية لإستقبالة وتحدث باسطً يده بإحترام:
_ أهلاً وسهلاً أستاذ رفعت.
وأكمل مُشيراً إلي الأريكة:
_ إتفضل إستريح، تحب حضرتك تشرب إية؟
نظر لهُ رفعت بعيون مُنكسرة مُحملة باللوم وأردف بحديث ذات مغزي:
_ شارب ومستكفي يا أبني.
حزن قلب قاسم لأجل ذاك الأب ثم نظر للسكرتيرة وتحدث قائلاً:
_ سبينا لوحدنا يا نيرة ومش عاوز أي إزعاج.
أومأت له بطاعة وتحركت للخارج، ساد الصمت لمدة ثواني مرت علي كلاهما كدهرٍ، ثم تشجع قاسم وتحدث كي يُكفي ذاك المسكين حرج اللحظة:
_ أنا عارف سبب زيارة حضرتك، وحقيقي أنا في منتهي الإحراج من الموقف اللي أنا وإنتَ إتحطينا فيه.
قاطعهُ رفعت قائلاً بنبرة مُستسلمة:
_ وفر كلامك يا أبني علشان ملوش لزوم، أنا عندي كلمتين وجاي أقولهم لك، بس عاوزك تسمعني بقلبك مش بعقلك.
قطب قاسم جبينهُ وتحدث بهدوء:
_ قول كل اللي حضرتك حابب تقوله وأنا سامعك.
تحدث ذلك المُنكسر:
_ من أول لما جيت عندي البيت وطلبت تخطب بنتي وشرطت إن الجواز هيتم بعد سّبع سِنين وأنا مش مطمن وكنت رافض الموضوع كله، بس للأسف لا مراتي ولا ولادي سمعوا كلامي وطاوعوني، وأدي اللي حسبته لقيته.
ثم نظر إلي قاسم وتحدث بنبرة لائمة:
_ زهقت خلاص يا أبن الأكابر ومش عاوز تكمل.
هز قاسم رأسهُ يميناً ويساراً وتحدث نافياً:
_ الحكاية مش كده خالص يا أستاذ رفعت، أنا لحد إسبوعين فاتوا بالظبط ما كُنتش ناوي أسيب إيناس ولا بفكر حتي.
وأكمل بعيون متأثرة:
_ بس كلمة عمي وهو بيسلمني بنته وبيوصيني عليها بترن جوة وداني لحد إنهاردة، أنا مش خاين ولا غدار يا أستاذ رفعت، إيناس لسه الدنيا قدامها وإن شاء الله هيتقدم لها اللي يستاهلها بجد ويقدر يصونها ويحافظ عليها.
أردف رفعت قائلاً:
_ إسمعني يا أبني، أنا عارف إنك قررت وإن مستحيل تتراجع عن قرارك ده، بس لازم تسمعني وبعدها تحكم.
اخذ نفسً عميقً وزفرهُ بألم ثم أسترسل حديثهُ سارداً:
_ طول عمري وأنا شخص مُسالم ومبحبش المشاكل، جيت زمان من الشرقية علشان أتعلم في جامعة القاهرة، خلصت كُليتي وتعييني بردوا جه هنا في القاهرة، أجرت شقة علي أدي وعيشت فيها وإتعرفت علي كوثر من خلال الشغل، كانت زميلتي في المكتب وإتجوزتها وخلفنا ولادنا.
وأكمل مهمومً:
_ كوثر كانت شديدة ومُتسلطة وأنا زي ما قُلت لك مُسالم ومبحبش المشاكل، فمنعاً لخناق كل يوم ولثقتي في عقلها الكبير سبت لها إدارة البيت والأولاد وأكتفيت بدور المُشرف، إخواتي ياما إعترضوا كتير علي إسلوبي معاها ووصفوة بالضعف وكانوا دايماً ينتقدوا تصرفاتي، لكن أنا إتحملت كلامهم وأتغاضيت عن تلميحاتهم الجارحة وقولت فدي راحة دماغي وإستقرار بيتي، إعترضوا علي خطوبة إيناس بعد ما عرفوا إنها هتستمر سبع سنين وخصوصاً إن إبن أخويا كان عاوز يخطبها.
وأكمل بيأس:
_ بس إيناس وأمها رفضوا إبن أخويا وهانوة وقارنوا بين ظروفك وظروفة، إخواتي زعلوا وقالولي جوز بنتك لإبن أخوك هو أولي بيها بدل الصعيدي اللي هيركنها جنبة سنين وممكن يزهق وميكملش، بس أنا عارضتهم وقولت لهم بنتي إختارت وأكيد إختيارها صح، إخواتي زعلوا مني بس أنا راضيتهم بعد كده.
وأكمل بنبرة حزينة إنهزامية:
_ أنا كنت عند إخواتي إمبارح بعزمهم علي فرح إيناس وأنا في قمة فرحتي علشان أثبت لهم إن أنا وبنتي تفكيرنا صح وإن خوفهم وتوجسهم مكانش في محلة، بس بعد اللي إنتَ عملته ده أنا مش بس مش هعرف أرفع عيني في وش إخواتي تاني، ده أنا مش هعرف أبص في وش أي حد أعرفه.
ثم مال بجزعة وأقترب عليه وأمسك كف يده ونظر داخل عيناه وأردف متوسلاً زليلاً بعيون مُنكسرة داخلها لمعة لدموع تريد الصراخ ومن يسمح لها بالخروج:
_ أرجوك يا أبني بلاش تكسرني أنا وبنتي قدام الناس، إرحم ضعفي وشيبتي.
وأكمل بترجي:
_ إنتَ وهي إشتركتوا في الغلط ومش من العدل ولا من الرجولة أنك تسيبها تتحمل النتيجة لوحدها، كل اللي بطلبة منك إنك تتمم الجوازة علشان الفضيحة وكلام الناس اللي مش هيرحمها وهينهش في عرضها، أنا بناشد الراجل الصعيدي اللي جواك في إنك ترحمني وترحم بنتي.
انخلع قلب قاسم من هول ما رأي، وها هي دُنياة تضعهُ في مأزق جديد وطريق مسدود، هاهي تضعهُ من جديد في خانة الإجبار، "إختيار إجباري".
لم يُفكر الأن بشئ سوي بهذا الأب الملكوم وكيف سيخرجهُ من هذا المأزق الكبير الذي لا ذنب له به سوي أنهُ سلبي ضعيف الشخصية مُسلم بأمور زمامهِ إلي زوجته المُتسلطة.
بصعوبة أخرج صوتهِ وتحدث وهو يُربت علي كف رفعت قائلاً:
_ أنا هتمم الجواز بس ده علشان خاطر حضرتك، بس أنا اللي هكتب عقد الجواز بنفسي وحضرتك إختار بنفسك الشهود اللي تمضي علية.
وأكمل مُفسراً:
_ أنا مش هقدر أكتب رسمي عند مأذون، لأن ساعتها لازم يروح إخطار بجوازي لمراتي وده اللي أنا مش هقدر أتحملة ولا هسمح بإنه يحصل علي الأقل في الوقت الحالي.
تحدث رفعت من جديد بنفس النبرة الزليلة التي تقشعِرُ لها الأبدان:
_ مش هينفع يا أبني، أنا راجل فلاح وإخواتي لازم ييجوا ويحضروا كتب كتاب بنتي بنفسهم ويشهدوا عليه، هقولهم إية وقتها؟
وأكمل مقترحً بنبرة عاقلة:
_ ولو علي الإخطار اللي هيوصل لمراتك فدي محلولة وامرها سهل، إنتَ مُحامي كبير وليك وضعك ومعارفك في كل المحاكم، شوف الدايرة اللي هيطلع منها الإخطار وأدي فلوس للمحضرين وهما هيوصلولك الإخطار علي مكتبك، وبكدة تبقا حليت موضوع مراتك.
نظر له بتوجس وقلق، لكن حديثهُ عاقل، كيف لتلك الفكرة أن لا تمُر علي عقلهِ القانوني.
تحدث إلي رفعت موضحاً:
_ كدة يبقا متفقين، بس فاضل أهم نقطة لازم نتكلم فيها.
نظر له رفعت مترقبً لحديثه فأكمل قاسم:
_ الجواز هيكون لمُدة معينه وبعدها هطلق إيناس وأديها جميع حقوقها الشرعية، نقول مثلاً ست شهور؟
لم يجد رفعت خيار أمامهُ سوي الموافقة بشرط قاسم لكنه تحدث طالبً بتوسُل:
_ خليك كريم ومد الفترة لسنة يا ابني، وبعدها طلقها براحتك ولو مش حابب تديها أي حقوق أنا راضي، المهم بنتي تتستر قدام الناس ومتتفضحش وسمعتها تتإذي.
وافقهُ قاسم الحديث وأردف قائلاً:
_ فيه نقطة تانية حابب أتكلم معاك فيها.
أردف رفعت بقبول:
_ إتفضل يا أبني، أنا تحت أمرك في كل اللي تطلبة.
حزن قاسم لهذا الأب الذليل المُنكسر، فحقاً قهر الرجال ما أصعبه، تحدث قاسم بنبرة تعقلية:
_ طبعاً مراتي مش هتعرف اي حاجه عن جوازي من إيناس، لأن لو عرفت هتحصل مشاكل كتير جداً أنا في غني عنها.
وأكمل بحديث ذات معني:
_ فياريت تبلغ مدام كوثر وإيناس إن لو مراتي عرفت عن طريقهم هيكون نهاية فسخ عقدي وإتفاقي ده مع حضرتكه.
هز رفعت رأسهُ وتحدث بتفهم:
_ مفهوم مفهوم، ما تقلقش أنا هتكلم معاهم وهنبه عليه.
هب واقفً وتحدث وهو يمد يده بوجه مُنير ونبرة شاكرة:
_ أنا مش عارف أشكرك إزاي يا أبني، ربنا ما يوقعك في ضيقه أبداً ولا يكشف سَترك قُدام عِبادة.
وتحرك للخارج وأرتمي قاسم بجسدهِ فوق الأريكة واضعً كف يدهُ فوق وجههُ ومسح عليه بطريقة عنيفة، ثم قام بسحب شعر رأسهُ للخلف في حركة تعصبية تدلُ علي مدي وصولهُ لدرجة عالية من الغضب والسَخط واليأس، "ولكن" ساخطً غاضبً مِن مَن؟ فكل شئ للأسف من صنع يده ومن تخطيته السابق، والأن حان جني وحصاد أخطاء الماضي.
***
أبلغ رفعت كوثر وأولادها بما جري بينهُ وبين قاسم وابلغت كوثر سريعً فايقة التي شعرت بروحها رُدت إليها وان زمانها قد تبسم لها وسينصفها، وأستعدت بالأخذ بثأرِها البارد من زيدان، ثأرها التي باتت تَعدُ له طيلة سنوات وسنوات كي يخرج بشكل يليق بجرح كبريائها وكرامتِها التي ذُبحت علي يد مُتيمها الوحيد، بل وأسر قلبها وسالبها العقل والمنطق.
أما كوثر التي حاولت تهدأت إبنتها التي جن جنونها منذ أن علمت بشروط قاسم فيما يخص بطرح مُدة للزواج وأيضاً وضع شرط إذا ما علمت زوحتة بأية وقت سيكون الإتفاق والزواج لاغيً في التو واللحظة.
تحدثت إيناس بنبرة غاضبة وهيئة جنونية بعدما دلفت لغرفتها وأوصدت بابها عليها هي وكوثر:
_ الكلام اللي قاله لبابا ده ملوش عندي غير معني واحد يا ماما.
ونظرت لها وجنون ونار الغيرة الشاعلة تخرج من عيناها:
_ إنه حب الملعونة بنت عمه، شكلها سحبته وأنا خِسرته للأبد خلاص يا ماما.
رمقت كوثر إبنتها بنظرة ساخرة مُقلله من شأنها وتحدثت بتهكم:
_ كُنت فكراكي أذكي من كدة يا حضرة المحامية النابغة، كل ما في الموضوع إن حضرة الأفوكاتو العظيم قعد مع نفسه وحسبها صح، قال لنفسه إن لو عمه عرف بجوازة منك مُمكن يغضب ويثور لكرامة بنته ويطلقها منه، وبكدة هو هيخسر الكِنز اللي إتفتح له بمُنتهي السهولة وهيغرف منه من غير حساب.
وأكمل:
_ واللي يأكد لك كلامي ده إنه حط شرط إن لو حاولنا نعرف مِراته بأي وسيلة إنه إتجوز عليها هيطلقك في لحظتها.
وأكمل بنبرة إستحسانية:
_ وبصراحة هو في النقطة دي طلع ذكي وعجبني، البنت وأبوها لازم يفضلو نايمين علي ودانهم علي الأقل لحد ما باب الكنز يتفتح لقاسم ويبتدي يغرف منه.
وأكمل بنبرة طامعة جشعة:
_ وأكيد هيغرف ويديكي منه، علشان كدة لازم أتصل بأمة الغبية وأنبة عليها وأفهمها خطورة الموضوع، لإنها ست جاهلة غبية وكل اللي يهمها هو الإنتقام من سلفتها وبس.
وأكمل بتفسير:
_ تقريباً كدة وعلي ما فهمت من كلامها إنها غيرة سلايف وحِقد مدفون بقاله سنين، ولولا كدة مكنتش اللي إسمها فايقة دي عبرتنا ولا حاولت تساعدنا.
وأثناء حديثهما إستمعت إيناس إلي صوتٍ يُعلن عن وصول رسالة صوتية بهاتفها، فتحتها وكان صوت قاسم وهو يتحدث قائلاً بنبرة صارمة:
_ أظن والدك وصل وبلغك بالإتفاق اللي حصل بينا، وأنا للمرة التانية بنبه عليكي يا إيناس.
وأكمل رسالتهُ بنبرة حادة تهديدية:
_ صفا لو عرفت عن موضوع جوازنا إعتبري إتفاقنا لاغي، حاجة كمان لازم تعرفيها وتبقي عاملة حسابك عليها من الوقت علشان ما تتفاجأيش، وهي إن جوازنا هيكون صوري، يعني أنا مش هلمسك ولا هعاملك معاملة الازواج، وأظن ده هيكون كويس علشانك، علي الأقل متكونيش خسرتي كل حاجه، ولما تتجوزي بعد ما أسيبك أكيد الموضوع ده هيكون نقطة تُحسب لك.
صاحت إيناس وتحدثت إلي أمها بنبرة جنونية:
_ شفتي قلة ذوقه يا ماما، البية بيملي عليا شروط المَلِك المُنتصِر، وصلت بيه الوقاحة إنه يقول لي إنه مش هيلمسني، ده بيهيني وبيهين إنوثتي يا ماما.
ضحكت كوثر وتحدثت إليها بنبرة خبيثة:
_ هو الكلام بفلوس، خليه يتكلم زي ما هو عاوز، و لما يتقفل عليكم باب واحد ساعتها قواعد اللعبة كُلها هتختلف وإنتِ اللي هتلعبيه علي الشناكل.
وأكملت بنبرة مُقلله:
_ ده راجل قِفل وخام ولا لف ولا دار مع بنات قبل كدة، وأكيد بنت عمه قفل وغبية زيه، وأديكي سمعتي كلام عدنان بنفسك لما قال إنها شبه الرجاله، يعني أخرة تلبسي له لانجري من اللي انا شرياهم لك علي شوية دلع منك وساعتها هيريل عليكِ ويجي لك راكع وزاحف علي بوزة.
ثم ضحكت بخلاعة وأكملت بكبرياء:
_ وساعتها هينسي الإتفاق وممكن ينسي نفسة أساساً.
ونظرت لإيناس بقوة وتحدثت:
_ الكلام ده لازم يحصل بسرعة يا إيناس علشان تلحقي تدبسية وتجيبي له حتة عيل نقُش بيه ونغرف من عِز النعماني.
وأكملت رافعة قامتِها بكبرياء:
_ ولما تبقي أم إبنهم ساعتها بس هنروح ونحط صوابعنا في قلب عين التِخين فيهم، والناس دي مش هما اللي بيرموا لحمهم ويتخلوا عنه.
تنهدت إيناس براحة وأبتسمت وجلست فوق تختها بعدما شعرت بالهدوء والسكينة يتسللان لروحِها وعقلها بعدما استمعت لحديث والدتها الذي أثلج صدرها.
***
ليلاً داخل مسكن صفا.
كانت تجلس فوق فراشها مُمسكة بهاتفها بكف يدها وترفعهُ إلي وجهها بين الثانية والأخري وتنظر بشاشتهِ بترقب شديد، تنتظر عاشق عيناها ومُتيمها الذي تغير كُلياً بمعاملتهِ معها وبات ينثُرها بإهتمامهُ الزائد إينما ذهب، إنتظرت وانتظرت ولكن دون جدوي، غفت بجلستها وهي تنتظر ذاك القاسي ليحِن.
أما هو فكان يجلس في بهو مسكنه وتوجد أمامهُ الكثير والكثير من أقداح مشروب القهوة الفارغة التي صنعها كي تُهدئ من روعه وتُقلل من شعورةِ المُميت بالذنب والخَيبة والخيانة والتخلي.
أمسك هاتفه ونظر بشاشته مّرات ومّرات وكلما ضعف وكاد أن يضغط علي رقم معشوقته تراجع علي الفور ورفع أصبعه عن زر الإتصال، كيف له ان يُحدثُها وماذا سيقول لها، أيقول لها أنه أصبح خائنً بالفعل وتأمر للتو علي كسر قلبها وتحطيم كبريائها وكرامتِها من جديد!
لما دائماً يضعهُ القدر بمواقف لا يُحسد عليها، في الماضي كان كُل ما يفعله من صُنع يداه، ولكن الآن الوضع مُختلف كلياً عن ذي قبل، فالأن هو مُجبراً علي المضي قدمً بزواجهِ بالإكراه من تلك الشيطانة التي رسمت وخطتط لكل شئ منذ البداية، وها هي الأن ستظفر بنتائِج خِطتِها، أما هو فسيخسر إنسانيتة ورجولته وسيتحول خائنً بالفعل بعيون حاله.
***
مّرت أيام الإسبوع وكانت ثُقال علي الجميع، حتي جاء يوم الأربعاء وهو اليوم الذي يسبق حفل زفاف قاسم وإيناس، ويعدُ هذا اليوم هام جداً لصفا فهو يوم إفتتاح المشفي، الحُلم الذي إنتظرته وحلُمت به طيلة السنوات السبع المُنصرمة "لكن كعادتها" دائماً ما تأتيها فرحتِها ناقصة، دائماً تأتيها السعادة غير مُكتملة، فمُنذ يوم سفر قاسم وإتصالهِ بها وإغراقها داخل الأحلام الوردية، بعدها إنقطع إتصاله ولم يُكررها مرةً آخري، وقد تسبب هذا بإيلام قلبها وإصابتها بالحُزن والخزلان والخَيبات المُتكررة.
كان الجميع يتواجدون داخل حديقة المَشفي، ينتظرون ضيف شرف الإفتتاح سيادة المحافظ علي قدمٍ وساق، وذلك بعدما وجه له الحاج عتمان كبير المركز دعوة للحضور كي يقوم بقص شريط الإفتتاح للمشفي الذي سيقدم الخدمات الطبية المجانية لأهل النجع بل وللمركز بأكملة.
حضر الإحتفال الحَاج عتمان وزيدان و ورد التي أصّرت أن تحضر تلك المناسبة الخاصة والمُميزة لدي صغيرتِها، قدري ومُنتصر فارس ويزن وحسن وجميع عائلة النعماني والنجع بأكملة، أما مريم التي إنتوت الحضور بإعتبارِها فردً من كيان هذا المشفي، لكن لسوء حظِها إرتفعت حرارة إبنتِها في آخر لحظة، فتغلبت أمومتها علي طموحها وضلت بصحبة صغيرتها التي تم الكشف عليها من جهة صفا وأعطتها جُرعة العلاج المطلوبة وطلبت من مريم ان تداوم علي عمل الكمدات الباردة حتي تنخفض الحرارة.
أما عن الدكتورة أمل التي أتت من القاهرة مُنذُ الأمس لتُشرف بنفسِها وتتأكد من جاهزية القسم الخاص بها، تحركت لتقف بجانب صفا المتوترة وتحدثت لتُطمإنها قائلة بنبرة جادة:
_ القلق ده مش كويس علشانك، أنا مقدرة إنك لسه مدخلتيش الحياة العملية وإندمجتي فيها وأخدتي خبرة، بس كمان الكُلية بتاعتنا إحنا بنشتغل فيها وبنمارس عملنا من يوم ما بندخلها، يعني لازم يكون عندك ثقة في نفسك أكتر من كده.
نظرت لها صفا التي تحمِل بقلبها هماً أكبر مما تفكر به تلك الأمل وهو عدم مراعاة زوجها وتلاشية الوقوف بجانبها في أكثر يوم هي تحتاجة به وتحدثت بنبرة هادئة:
_ مُتشكرة جداً يا دكتورة علي كلامك المُحفز ده، لكن الحجيجة أنا واثقه في ربنا وفي نفسي وفيكم ومتأكدة إننا هنجدر علي النچاح، وإن شاء الله المستشفي تثبت وچودها ويكون لها إسم وسمعة في أجرب وجت بينا كِلياتنا.
إقترب يزن عليهما وتحدث إلي أمل بنبرة متهكمة فهو لم يتقبلها ودائما يراها مغرورة مُتكبرة:
_ منورة النچع كلياته يا دكتورة.
رمقته بنظرات حادة وتحدثت بإقتضاب ونبرة صارمة ووجهٍ كاشر:
_ مُتشكرة.
مال علي آذن صفا وتحدث ساخراً:
_ يا أبوووووي، الله الوكيل وشها يجطع الخميرة من البيت، أني معارفش ياسر وجع عليها فين البلوة دي وبلانا بيها.
إبتسمت رُغمً عنها من حديث إبن عمها الساخر وتحدثت إلية بعيون محذرة:
_ وبعدهالك عاد يا يزن، خلي ليلتك تفوت علي خير أوم.
أو أما أمل التي رمقتة بنبرة غاضبة لتيقُنها الشديد أنهُ يتلامز عليها.
إقتربت ورد من صغيرتها وأحتضنتها بشدة وتحدثت:
_ خلاص يا جلب أمك، بجيتي دَكتورة جد الدِنيي وهتداوي جراح الغلابه وعتشرفي أبوكي جدام النچع كلياته.
إبتسمت لها صفا وتحدثت بنبرة فخورة وهي تنظر لوجه أبيها الواقف بجانب عتمان:
_ أبوي هو اللي مشرِفني جِدام الدنيي كلياتها يا أمّا.
ربتت ورد علي ظهر غاليتها وتسائلت مُستفسرة:
_ هو قاسم مهيجيش ولا إية؟
تنهدت بأسي وكادت أن ترد لكنها وبلحظة تيبسْ جسد تلك العاشقة واتسعت عيناها وبات قلبها يدق بوتيرة عالية عندما رأتهُ يدلف أمام عيناها بسيارته من مدخل حديقة المشفي، وكأن روحها كانت تفارقُها ورُدت إليها من جديد، تنفست عالياً وأبتسمت تلقائياً وآُنير وجهها المُنطفئ.
نزل من سيارته بهيئة مُهلكة، كفارس هارب من إحدي أساطير الحكايات، أغلق زر حِلتهِ الأنيقة ومال بجزعهِ فوق مقعد السيارة، إلتقط باقة من أروع الزهور وأندرها وأغلق باب السيارة.
بات يدورُ بعيناه باحثً عنها مُتلهفً، بمجرد رؤياها بات قلبه ينتفض معلناً عن دق طبول الحرب والعصيان، كاد قلبةُ أن يقفز من مكانهُ ليذهب إليها مُهرولاً ويحتضنها ضاربً عرض الحائِط بكُل العادات والتقاليد، تحرك بطريقهُ بجاذبية و وسامة ووجهٍ مُنير تأثُراً برؤياها.
إقترب من عتمان بعدما ألقي السلام علي الحضور، ومال بجذعهِ علي كف يده وقبلهُ بإحترام قائلاً:
_ كيفك وكيف صحتك يا چديتهللت أسارير عِتمان ككل مرة يري فيها عزيزه وحفيده المُقرب إلي قلبه وتحدث بنبرة حنون:
_ أني بخير طول ما أني شايفك بخير يا سَبعي.
وقف أمام والدهُ ونظر لهُ نظرة لوُم وحُزن وتحدث بجمود:
_ كيفك يا أبوي.
إحتضنهُ قدري وربت بشدة علي ظهرهِ عندما رأي داخل عيناه الحُزن ثم همس بداخل آذنه قائلاً:
_ إنسي يا ولدي وإجمد أومال، اللي حُصل حُصل وخلاص، إنسي وبص لجدام.
لم يُعر لحديثهُ إهتمام و تحرك إلي زيدان ومنتصر وورد والجميع حتي جاء إلي التي أصبحت تمثل لهُ المعني الحقيقي للحياة، أصبح عاشقً لبسمتها الرقيقة، نظرةُ عيناها الساحرة، نظر لها ومد كف يدهُ للمصافحة وتشابكت الأيادي وتلامست بنعومة، بات يضغط عي كف يدها يدغدغهُ بإثارة شارحً من خلالهِ كم إشتاقها بجنون، نظر لعيناها وبدأ قلبهُ يدق بوتيرة سريعة وصدرهِ يعلو ويهبط من شدة إشتياقهِ إليها، نظر لشفتاها الكنزة بلونها الذي يُشبة حبات الفراولة الناضجة، وتحدث بنبرة حنون:
_ كيفك يا صفا.
ما كان حالها ببعيدٍ عنه، فقد أذاب الإشتياق ما تبقي من صبرِها وتحمُلها الواهي، تحدثت إلية بنبرة تذوبُ عِشقً:
_ الحمدلله، حمدالله علي سلامتك.
مد يدهُ إليها بباقة الزهور وتحدث:
_ الله يسلمك.
تحدثت إليه شاكرة وهي تحتضن باقة زهورها المُميزة:
_ مُتشكرة علي الورد وعلي حضورك الغير متوقع يا حضرة الأفوكاتو.
إبتسم بخفة وتحدث بنبرة حنون:
_ كان عِندك شك إني مهاجيش إياك!
أجابتهُ بدلال ونظرات مُلامة:
_ أصلك مكلمتنيش من لما مَشيت غير أول يوم وبعدها كَنك نسيتني، عشان إكدة جولت أكيد نسيت ميعاد الإفتتاح، بس چدي جال لي إنهاردة إنه كلمك وجال لك تاچي.
كان يستمع إليها بقلبٍ يسبح في فضاء السعادة لرؤيتهِ غيرتها المُرة وعشقها الهائل وإفتقادها له داخل عيناها.
أردف قائلاً بنبرة رجولية أهلكتها:
_ مش صفا زيدان اللي چوزها ينساها ولا تغيب عن باله ولو دجايج.
إنتفض قلبها وصار مُتمرداً علي كبريائها، وَدْ لو ينتفض ويخرج من بين ضلوعها ليصرخ مُعلناً للجميع عن عشقهِ الهائل بل ذوبانهِ في عشق ذاك القاسم.
حين تسائل قاسم مُداعبً إياها:
_ وبعدين لما چوزك واحشك جوي إكدة متصلتيش لية عليه وريحتي جلبك وجلبه؟
إبتلعت لُعابها من شدة توترها من نظراته وكلماته وحركاته المذيبة لقلبها العاشق، تمالكت من حالها وتحدثت حفاظً علي كرامتِها التي دائِماً تضعها بينهما:
_ ومين بجا اللي ضحك عليك وفهمك إنك وحشتني؟
أشار علي يسار صدرهِ وتحدث بعيون تصرخ من عِشقها غير مبالي بمن حوله:
_ جلبي هو اللي جال لي، وجلبي طول عُمرة دليلي يا نبض جلبي.
إتسعت عيناها وكادت تصرخ من شدة لذتها والإستمتاع بما تستمعهُ آُذناها من حبيبها الأبدي.
قطع وصلة غرامهم فارس الذي حاوط كتف شقيقهُ بعناية وتحدث إليهُما بدُعابة:
_ أحب أنوة علي حضراتكم وأحيطكم عِلمً إن كل اللي عيحصل بيناتكم دي مُذاع ومباشر علي الهوا، كل الخلج عيطلعوا عليكم ولا كَنهم عيتفرچوا علي مشهد رومانسي من فيلم جديمضحك قاسم وتحدث بنبرة جديده عليه وهو ينظر لداخل عيناها:
_ واحد ومَرته عيتحدتوا في حكاية عشجهم، عدخلوا حالكم ما بينهم لية!
سحبت بصرها عنه خجلاً من كلماتهِ الجريئة أمام فارس التي أخجلتها.
هنا إستمعت لصوت الجد الذي تحدث إلي صفا بنبرة جادة مفخمً إياها بين الحضور:
_ چناب المحافظ وصل يا دَكتورة، تعالي چاري لجل ما تستجبلية.
إبتسم زيدان وربت علي ظهر إبنته وطمأنها، وتحرك قاسم بجانبها مُمسكً بكف يدِها برعاية وحنان ومؤازرة.
همس قدري المُستشاط غضبً داخل آذن مُنتصر المجاور لهُ قائلاً بتهكم:
_ علي أخر الزمن عنجفوا ونشيعوا للمحافظ لجل ما ياچي يفتتح مستشفي بالشئ الفُلاني لحِتة عيلة مفعوصة لا راحت ولا جت، وأكمل بنبرة ساخطة:
_ كان لازمِتها إية المصاريف دي كِلياتها، مش كان عِمل بيهم مشروع لفارس ويزن بدل المسخرة اللي عتحصُل دي، بجا بِت زيدان الدلوعة عَتشغِل مستشفي وتنچيحها؟ الله الوكيل أبوك دي عيجلطني بعمايلة.
رمقهُ مُنتصر بنظرة ساخطة وتحدث بحديث ذات مغزي:
_ والله دي فلوسه وهو حُر فيها، يعمل بيها ما بدالة، وبعدين المستشفي اللي معچباكش دي هتعالچ أهل البلد الغلابه ببلاش.
وقفت صفا بجوار زوجها وجدها ووالدها وقابلت المحافظ الذي قابل الخطوة بإستحسان كبير وتمني لها النجاح وقص الشريط وألتقطت الكاميرات الخاصة بالمحافظة بعض الصور التذكارية ورحل المحافظ بعدما قُدم لهُ واجب الضيافة.
أما قاسم الذي كان يرمق ياسر بنظرات نارية بين الحين والآخر.
في تلك الأثناء تحرك كمال أبو الحسن كبير نجع الديابية وعضو مجلس الشعب إلي جوار الحاج عتمان وقاسم وتحدث بنبرة معاتبة:
_ ألف مبروك يا حاچ، أني چيت أجضي الواچب وأبارك لحفيدتك ولو أني عاتب عليك.
أجابهُ عِثمان بمراوغة:
_ ليه بس إكدة يا حاچ كمال، ربنا ما يچيب بيناتنا زعل.
تحدث كمال بنبرة خبيثة:
_ وصلتني أخبار إن چنابك ناوي ترشح ولدك زيدان لإنتخابات مجلس الشِعب.
وأكمل بحديث ذات مغزي:
_ بس أني جُولت لحالي دي أكيد إشاعة مُغرضة واللي طلِعها عاوز يوجع بيني وبين الحاچ عِثمان، مهو مش معجول يا حاچ تُبجا بتساعدني في الإنتخابات كل دورة وتخلي بلدك كلياتها تنتخبني، وتاچي الدورة دي ترشح ولدك جصادي! العيبة دي متطلعش مِنيك يا حاچ.
تطوع قاسم بالرد عليه وتحدث بنبرة حادة:
_ الحاچ عِثمان عمر العيية ما تطلع منية يا حاچ كمال، وطول عمره خيرُة علي الكُل، وعمي زيدان ما أتجدمش للإنتخابات غير لما وصلتنا أخبار إن سيادتك خارچ ترشيح الحِزب السنة دي.
إنتفض كمال وتحدث بنبرة حادة:
_ كِدب، إشاعات مُغرضة الغرض منيها تسويئ سُمعتي مش أكتر يا حضرة الأفوكاتو.
تحدث قاسم مُؤكداً بنبرة مُعارضة:
_ الأخبار صحيحة يا حاچ، وچاية لي من چوة مطبخ الحزب بذات نفسية.
هتف كمال موجةً حديثهُ إلي عِثمان:
_ عاچبك الحديت اللي عيجولة حفيدك ده يا حاچ؟
هتف قدري بخُبث:
_ إهدي يا حاچ كمال، أكيد الحاچ عِثمان ميعرفش إن...
لم يُكمل جُملتة عندما رمقةُ والدهُ بنظرة ساخطة فصمت وتحدث عتمان قائلاً بنبرة تعقلية:
_ إسمعني زين يا حاچ كمال، أني طول عمري وأني واجف في ظهرك وبدعمك في الإنتخابات وبخلي بلدي كلياتها تديك أصواتها، بس لما وصلتني أخبار إن الحزب معيرشحكش السنة دي جولت زيدان ولدي أولي من الغريب، وإنتَ أكيد عتحب لولدي الخير وعتساعدني زي ما أني ساعدتك كتير جبل سابج.
إنتفض كمال وتحدث بنبرة غاضبة:
_ بس إنتَ إكدة بتشتري عداوتي يا حاچ، وأني اللي بيعاديني بشيل يدي عن حمايتة.
جحظت أعين عِثمان وأستشاط داخلهُ غضبً وهتف بنبرة صارمة لوجهٍ غاضب:
_ حماية مين يا واكل ناسك إنتَ؟ إوعاك تكون صدجت حالك إنك نايب بجد وعتحمينا يا حزين!
تحدث كمال بوقاحة:
_ عنشوف يا حاچ إذا كُنت بحميك إنتَ ومالك ولا لا.
صاح به قاسم بنبرة صارمة:
_ إتكلم علي جَدك يا كمال ومتنساش إنك واجف جدام الحاچ عثمان النُعماني.
رمقهُ كمال بنبرة غاضبة وهتف مهينً لشخصه:
_ مبجاش إلا اللصغار كمان اللي عتتحدت.
تحدث زيدان وتحدث بنبرة صارمة مفتخراً بعائلتة:
_ عيلة النُعماني مفيهاش صغار يا كمال، عندينا ولادنا بيتولدوا رچال.
تحرك كمال برجالهُ غاضب مُتوعداً بالرد القاسي علي عتمان وعائلتة.
إنفض الإحتفال وعاد الجميع وجلسوا ببهو المنزل، كان ينظر لحبيبتة بنظرات متشوقة مُتلهفة، كان ينوي المبيت داخل أحضانها الدافئة حيث قرر الإعتراف أمام عيناها بعشقهِ الهائل لها، وبعدها سيسافر في الصباح الباكر لحضور مرافعته لقضية مهمة لديه بالمكتب، وأيضاً ليُنهي مسألة زواجهُ المضطر أسفً لإتمامة ويعود إليها من جديد.
وقف مُنتصب الظهر ونظر إلي صفا وتحدث بنبرة جادة:
_ أني هطلع أريح فوج عشان مسافر الفَچر.
نظرت لهُ رسمية وتحدثت بنبرة حنون:
_ وإية يا ولدي اللي عيخليك تسافر الفجرية، متجعد ويا مرتك وتُبجا تمشي يوم السبته.
هتفت فايقة بنبرة قوية مُراوغة:
_ معينفعش يا عمه، أصل أني وأبوة عنسافر وياه لجل ما أكشف علي راسي اللي عتوچعني اليومين دولتحدثت نجاة إليها بنبرة قوية مُذكرة إياها:
_ طب متنسيش تچيبي التحاليل بتاعت بِتك من المعمل عشان نسافروا بيها تاني للدكتور ونشوف أصل اللحكاية إية.
تنفست عالياً وكظمت غيظها من تلك النجاة التي باتت تؤرقها بشدة وتُسبب لها المتاعب مؤخراً.
حزن داخل قاسم من ما يفعلهُ بحبيبتة وبحاله وعمه، فقد قرر قدري وفايقة حضور زفاف قاسم لأجل أن لا يترُكاه لحاله في يوم كهذا، ولتشهد فايقة علي أولي خطوات إنتصاراتها وذبح روح إبنة مُعذبها وذابحُه.
تحدث قاسم بنبرة قوية إلي صفا:
_ يلا بينا نطلعُ علي شُجتنا يا صفا.
إنتفض قلبها وبات يدق بوتيرة سريعة من شدة سعادتِها، وقفت وتحركت بجانبه، نظر لداخل عينيها بعيون هائمة وأمسك كف يدها وصعدا أولي درجات المصعد سوياً.
أوقفهُما صوت الغفير الذي تحدث بهلع:
_ إلحجنا يا حاچ، إبن مدكور النُعماني خبط واحد بالعربية والحكومة جبضت علية، وسي مدكور مشيع لك ولدة الكَبير واجف برة، وعاوزين سي الأستاذ قاسم حالاً لجل ما يجف وياه في التحجيحات في المركز.
أغمض عيناه بيأس وتألمت روحة ونظر لها وتحدث بنبرة ضعيفة مُحبطة:
_ إطلعي إنتِ يا صفا وأني هخلص الموضوع دي وأحصلك علي فوج.
أومأت له بضعف وحالة من اليأس تملكت منها وظهرت لهُ داخل عينيها الصارخة والمُطالبة إياه بألا يرحل، تحامل علي حالهِ وترك كف يدها المُتمسك بهِ بصعوبة بالغة وقلبٍ يصرخ ويلوم علي حظهِ السئ، تحركت للأعلي بخيبة جديدة تُضاف إلي قائمة خيباتها معه، ذهب هو إلي قسم الشرطة التابع للمركز وضلت التحقيقات مستمرة للساعات الأولي من اليوم الجديد ولذلك لم يستطع الصعود إلي حبيبتة ولا حتي توديعها، بالكاد وصل إلي الطائرة في اللحظات الآخيرة قبل إقلاعِها بصحبة والديه تحت حُزن شقيقهُ علي حاله المُؤلم.
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم روز امين
في تمام الثامنة صباحًا من يوم الخميس، فاقت من نومها على صوت المنبه المزعج. أوقفته بضغطة من يدها، ثم سحبت جسدها لأعلى بتكاسل وأرجعت ظهرها للخلف مستندة على خلفية السرير. تنفست بهدوء ثم مسحت على وجهها بكفيها بإرهاق، وذلك لعدم أخذها القسط الكافي من النوم. تنهدت بأسى حين تذكرت لحظة رحيل حبيبها، حتى قبل أن يدلف معها إلى مسكنهما ولو لدقائق.
كانت تتأمل المبيت في حضرته، حتى وإن لم تحظَ بالغفو بداخل أحضانه، فكان سيكفيها أنها بجواره تستنشق رائحة جسده العطرة التي باتت تحفظها عن ظهر قلب. يا له من شعور مميت مخزٍ أن يتركها وحيدة ويرحل بعدما أخبرتها عيناه ومنتها بالكثير والكثير من الوعود التي جعلت من روحها سارحة في فضاء العاشقين. كم كانت لحظة مؤلمة عندما ترك يدها ورحل دون وداع. كم شعرت بتألم روحه وصرخة عيناه حينما كان مُرغمًا على الرحيل.
نفضت رأسها من تلك الأفكار المؤرقة لعقلها، ثم تحاملت على حالها وتحركت إلى المرحاض. توضأت وخرجت لتأدية صلاة الضحى. انتهت وجلست على سجادة الصلاة وباتت تناجي ربها وتحدثه بدموع قائلة بنبرة توسلية:
"إلهي، لقد هرم قلبي وشاب جراء الابتعاد. لقد استنزفت طاقتي ولم تعد لدي قدرة الاحتمال. أناجيك إلهي أن ترحم ضعفي وقلة حيلتي، فقد خارت قوتي وأشعر أنني أتجه نحو الهلاك."
تحاملت ولملمت حالها واتجهت إلى المرحاض من جديد. غسلت وجهها بالماء الفاتر، وهاتفت مريم كي تتجهز لتذهب معها إلى المستشفى لاستلام وظيفتها. ثم اتجهت لخزانة ملابسها وأرتدت ثيابها العملية وتحركت متجهة إلى الأسفل. وجدت الجميع يلتفون حول طاولة الطعام يتناولون فطورهم بشهية.
تحدثت إلى الجميع بوجه بشوش متحاملة على حالها لإظهاره:
"صباح الخير."
رد الجميع الصباح وتحدثت الجدة:
"تعالي افطري يا دكتورة."
أجابتها بنبرة هادئة لصوت مجهد:
"مجراش يا جدة، مليش نفس."
تحدثت نجاة بنبرة حنون:
"كيف ملكيش نفس يا بتي، انتِ لازمن تاكلي لجل ما تصلبي طولك وإنتِ عم تشتغلي."
وتحدث يزن وهو يشير إليها باهتمام:
"اجدي كلي لك لجمتين واشربي كباية حليب يا صفا، متطلعيش من البيت إكدة."
استشاط داخل ليلي من اهتمام يزن الزائد بعدوتها اللدود، وعلى الفور رمقتها بنظرات حاقدة وتحدثت إليها بنبرة جامدة:
"وانتِ بجا جايلة لجوزك إنك خارچة، ولا ماشية على كيفك وجوزك أخر من يعلم؟"
نظر الجد إلى صفا يترقب ردة فعلها، حين رمقتها هي بنظرة واثقة وتحدثت بقوة:
"مش بت زيدان النعماني اللي تتخطى الأصول وتخرج من غير علم جوزها."
وأكملت لتضع لها حدودًا كي لا تتخطاها فيما بعد:
"وتاني مرة لما تاچي تتكلمي وياي يا ريت تبقي تنجي ألفاظك وتنتقيها، عشان أني ما بمشيش على كيفي يا ليلي. أني دكتورة ومن الطبيعي إن كل يوم هخرچ وهروح على شغلي."
وأكملت بنبرة صارمة:
"يعني مش كل يوم هلاجيكي واقفه لي وتسمعيني كلامك الماسخ اللي ملوش عازة ده."
نظر لها الجد باستحسان، في حين قهقه حسن وفارس عاليًا وتحدث فارس إلى شقيقته بنبرة ساخرة:
"عتجيبي الحديت لحالك ليه يا بت أبوي، فاكرة حالك جوية ونافشة ريشك على الكل."
ونظر إلى صفا وتحدث بضحكة ساخرة:
"أهي جت لك اللي عتطلع الجديم والجديد على جتتك."
وأكمل بنبرة ساخرة مشيرًا بيداه بطريقة أضحكت الجميع:
"من أول مواجهة جصفت جبهتك بمدفعية هاون جابتها لك الأرض."
استشاط داخل ليلي وأكثر ما أشعلها ضحكات الجميع الساخرة منها ونظرات يزن الساخطة والحزينة على حالها بذات الوقت.
بسط الجد يده مادًا إياها في اتجاه صفا ممسكًا بكوب من الحليب وتحدث باهتمام:
"اشربي دي من يدي يا دكتورة."
نظرت إلى جدها بحب واقتربت عليه ومالت على يده الممسكة كوب الحليب ووضعت عليها قبلة احترام ثم تناولتها منه وأردفت قائلة بنبرة شاكرة:
"تسلم يدك يا حبيبي."
وبدأت بارتشافها.
تدلت مريم الدرج وكانت غاية في الرقة والشياكة مما لفت انتباه فارس الذي نظر لها مطولًا بعيون متفحصة. فهي في الفترات الأخيرة غابت متعمدة عن مرمى عيناه كي تتجنب رؤياه التي باتت تشعرها بدونيتها وعدم أهمية وجودها بالحياة، فقد أوصلتها تصرفاته وتلاشيه لوجودها إلى فقدانها للثقة بنفسها.
تحدثت بنبرة مرتبكة إلى صفا:
"أني جاهزة يا صفا."
نظرت لها صفا وتحدثت باستحسان ودعابة:
"إيه الجمال ده كلياته يا أستاذة مريم، على فكرة انتِ رايحة تتوظفي في مستشفى، مريحاش مسابقة ملكة جمال انتِ."
ضحكت لها في حين تحدث الجد بنبرة حنون كي يبث الثقة داخل روح حفيدته الرقيقة:
"مبارك عليكي التعيين يا مريم."
أجابته بسعادة بالغة وذلك بفضل اهتمامه بها:
"يبارك في عمرك يا جدي."
وتحدث منتصر وهو يتبادل النظر بينها وصفا:
"خلي بالك من نفسك يا بتي ولو عزتي أيتها حاجة أختك وياكي هناك."
ابتسمت له صفا وسعدت بوصف عمها لها بشقيقة ابنته وتحدثت لطمأنته بنبرة حنون:
"متجلجش يا عمي، مريم في عنياتي."
تحدث يزن إلى صفا بنبرة جادة:
"أني رايح على المحجر عندي شغل مهم ولازم يخلص إنهاردة، وأني جايل لدكتور ياسر ومفهمه طبيعة الشغل المطلوب من مريم زين، ما عليكِ إلا إنك هتعرفيها عليه وهو هيسلمها شغلها ويفهمها المطلوب منها حاليًا."
ثم نظر إلى شقيقته وتحدث بنبرة مطمئنة:
"وأني هخلص ولما أچي هفهمك باقي شغلك يا مريم، متجلجيش يا حبيبتي، أني ماسيبكيش لحد ما تفهمي كل حاجة زين."
شعرت بارتياح بعد كلمات شقيقها وأردفت قائلة بنبرة شاكرة:
"ربنا يخليك ليا يا يزن."
ثم تحركت إلى نجاة واحتضنت طفلتها التي تجلس فوق ساقي جدتها وتحدثت إلى نجاة:
"خلي بالك على جميلة يا أما."
أجابتها نجاة وهي تربت على كتف ابنتها بحنو:
"متشليش هم جميلة يا بتي وخليكي انتِ في شغلك."
نظر لها فارس وانتظر أن تلتفت إليه أو تعنيه بأي حديث، لكنه استغرب تجاهلها التام إليه. حين نظرت إلى الأمام وتحركت بجوار صفا متجهتان مباشرة إلى الخارج.
خرجتا للحديقة ثم تحدثت مريم إلى صفا بنبرة ارتيابية:
"أني خايفة جوي يا صفا، حاسة حالي رايحة امتحان ومش متذكرة فيه أيتها حاجة كمان."
أمسكت صفا كف يدها للمؤازرة ثم أجابتها بإنكار للذات كي تبث داخل روحها الثقة:
"يعني هو أنا اللي كنت اشتغلت قبل كده يا مريم، ما الحال من بعضه يا بنت عمي، وأدينا هنساند بعضينا لحد ما نتعلم."
هدأت مريم واطمأنت وتحركا للجراج الخاص بالسرادق.
استقلت سيارتها وبجانبها مريم، أشعلت مشغل الموسيقى الخاص بسيارتها واستمعتا إلى صوت فيروز وهي تتغنى:
"صباح ومسا، شي ما بينتسي، تركت الحب وأخذت الأسى.
وشو بدي دور؟ لشو عم دور؟ على غيره.
في ناس كتير، لكن بيصير ما فيه غيره.
صباح ومسا، شي ما بينتسي، تركت الحب وأخذت الأسى.
حبيبي كان هني وسهيان، ما في غيره.
حملني سنين، مانن هاينين، كتر خيرة."
كانتا ترددان الأغنية معًا بعيون سعيدة وهما تنظران لبعضيهما وتتبادلان الابتسامات المشجعة كلتاهما للأخرى.
وصلتا إلى المستشفى ودلفتا من الباب تتحركان داخل رواق المستشفى الطويل.
كان يخرج من باب غرفة الكشف التابعة له، نظر أمامه بتلقائية وبلحظة تخشب جسده وانتفض قلبه واتسعت عيناه وهو يرى أنه وأخيرًا قد عثر على حوريته الهاربة منه.
وقف متسمرًا بمكانه حين رآها تقترب من وقفته بجوار صفا التي وقفت وتحدثت إليه بنبرة تشع أملًا وحماسًا:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
رد عليها وما زال بصره معلقًا بحوريته التي خطفت أنفاسه من طلتها الأولى. فتحدثت إليه صفا وهي تشير إلى مريم قائلة:
"دي بقى الأستاذة مريم النعماني، الموظفة الجديدة يا دكتور."
ثم حولت بصرها إلى مريم وأشارت إلى ياسر المذهول وتحدثت:
"وده دكتور ياسر اللي هيسلمك مكتبك ويعرفك طبيعة شغلك والمطلوب منك يا مريم."
حدث حاله وهو ينظر لمقلتيها الصافية، "أيُعقل أن تأتي إلي بكل تلك البساطة بعدما فقدت الأمل في لقياكِ غاليتي. يا لي من محظوظ."
نظر لها وأردف غير مستوعبًا:
"معقولة حضرتك تبقي أخت الباشمهندس يزن؟"
نظرت إليه مستغربة نظراته العجيبة إليها، فأكمل هو حين وجد دهشتها داخل عيناها:
"هو انتِ مش فاكراني؟!"
ضيقت بين حاجبيها تحاول تذكر ذلك الوجه تحت استغراب صفا لحاله ياسر العجيبة، فتحدث هو مجددًا مذكّرًا إياها:
"أنا اللي قابلتك في الجنينة يوم فرح الدكتورة صفا، لما الفون وقع منك."
كان يتحدث بنبرة حماسية وعيون متشوقة مما استدعى استغراب الفتاتان وتحدثت مريم بنبرة باردة بعدما تذكرت:
"افتكرت حضرتك، أهلًا وسهلًا يا دكتور."
تنهد بارتياح وتساءلت صفا مستفسرة:
"شكلكم تعرفوا بعض قبل كده، على العموم وفرتوا عليا كتير، أسيبك مع دكتور ياسر يوريكي مكتبك وأروح أنا أشوف شغلي يا مريم."
أومأت لها مريم وانصرفت صفا. نظرت مريم لذلك الواقف متيبس الجسد ومسلط العينان داخل مقلتيها وتحدثت باستغراب لحالته:
"هو حضرتك هتفضل واقف كده كتير، أنا عاوزة أعرف طبيعة شغلي."
وعى على حاله ثم ابتسم لها وتحدث بدعابة:
"هو انتِ دايما عصبية كده ولا طبعك ده معايا أنا بس؟"
ضيقت عيناها مستغربة حالة ذلك الأبلة وتحدثت بنبرة صارمة كي تضع له حدودًا وقواعد للتعامل معها:
"وأنا أعرف حضرتك منين عشان تجولي كده، مكانتش مرة اتقابلنا فيها صدقًا."
وأكملت بنبرة جادة:
"وريني مكتبي من فضلك عشان ما أضيعش وقتك ووقت المستشفى."
تحمحم خجلًا من حاله وعذر طبيعة نشأتها وحدودها التي تضعها بينهما في التعامل، فأشار لها إلى مكتبها ودلفا كلاهما وبدأ بشرح طبيعة ما يجب عليها فعله، وتفهمت مريم طبيعة العمل سريعًا واندَمجت، وخرج ياسر من مكتبها مُجبَرًا، وشكر ربه على أنه أخيرًا وجد ضالته الضائعة، وقد قرر التقرب منها بهدوء وجعلها تعتاد عليه أولًا ومن ثم سيفاجئها بعشقها الذي أصاب قلبه وتملك منه من أول طلة رأتها فيها عيناه.
بعد مدة دلف عامل البوفيه حاملاً كأسًا من عصير الليمون الطازج وتحدث إليها:
"صباح الخير يا أستاذة، الدكتور ياسر باعت لحضرتك الليمون ده وبيقولك نورتي المستشفى."
تحدثت للعامل باحترام:
"متشكرة، تسلم يدك."
خرج العامل ونظرت هي لكأس العصير وتحدثت بارتياب:
"إيه حكايته الراجل الملزق دي كمان، فاكر حاله في نادي العشاج إياك! ده كان هيُبقى مرار وطافح يا مريم."
***
مساء نفس اليوم.
داخل مسكن قاسم المملوك والمعروف لجده وللجميع، كانت تجلس فوق مقعد داخل الشرفة تضع ساقًا فوق الأخرى وتنظر أمامها بكبرياء وتبتسم ابتسامة ملك منتصر، متجهزة بثيابها الأنيقة المحتشمة وتتأهب لحضور حفل زفاف نجلها الذي سيحقق لها النصر التي طالما حلمت به سنوات وسنوات وها هي اليوم ستظفر بالانتصار وانكسار قامة زيدان الذي صفعها صفعة مهينة، وها هي تتأهب لردها وبقوة أكثر، بل وبدمار روح ابنته.
أما قدري فكان يرتدي ثيابه داخل الغرفة الخاصة له ولفايقة.
رن هاتفها معلنًا عن وصول مكالمة من وريثة عرش حقدها المعظم.
أجابتها على الفور قائلة بنبرة جامدة خالية من لهفة ومشاعر الأمومة:
"كيفك يا ليلي، إيه الأخبار عندك؟"
أجابتها بنبرة حاقدة:
"الأخبار مطمنش يا أما، جدي بعت للي ما تتسمي اللي مسميها ورد وجال إيه، رايد ياكل من يدها محاشي مشكلة وكشك، وجت ووقفت في المطبخ ولا اللي يكون دوار أبوها، وهي وعمي قعدوا واتغدوا ويانا وهاتك يا ضحك وهزار كيف ما يكونوا بيحتفلوا بعدم وجودكم في السرادق."
وأكملت بنبرة تهكمية:
"ولا الهانم مرت ولدك اللي دايرة على مزاجها كيف اللي مالهاش راجل يلمها، ركبت عربيتها اللي بتتمختر علينا بيها من الصبح وراحت على المخربة اللي جدي عملها لها اللي اسمها المستشفى ولساتها راجعة من إشوي هي والست مريم."
استشاط داخل فايقة وتحدثت بنبرة حاقدة:
"خليهم يضحكوا ويفرحوا لهم يومين من نفسهم، أما نشوف مين اللي هيضحك في الآخر."
تنبهت ليلي على نبرة والدتها التي توحي بتدبيرها بكارثة تنتظر الجميع وتنهدت براحة، ثم تساءلت باهتمام:
"جبتي لي التحاليل بتاعتي من عند الدكتور يا أما؟"
أجابتها فايقة:
"هنروح نجيبها بكرة أنا وأبوكي."
أجابتها ليلي بنبرة حزينة:
"أنا خايفة جوي من اللي بتعمله مرت عمي منتصر لو طلع فيا عيب يمنعني من الخلفة، خايفة ليكون كلام الدكتور اللي روحنا له آخر مرة في المركز صحيح، ده حتى أبونا القسيس اللي روحنا له جال لي روحي لحكيم يداويكي من اللي شربتيه."
قاطعتها فايقة بنبرة حادة قوية:
"ما عايزاش أسمع منك كلمة خايفة دي طول ما أنا جنبك. انتِ بنت فايقة النعماني، يعني الخوف هو اللي يخاف منك، فهماني يا بت؟"
استمعت إلى صوت قدري وهو يتحدث إليها:
"بتتحدتي ويا مين يا فايقة؟"
تحدثت إلى ابنتها تحثها على إنهاء المكالمة:
"اقفلي دلوقتي يا ليلي، وأنا هكلمك الصبح وأقولك أنا عملت إيه عند الدكتور."
أغلقت معها ونظر لها وتساءل:
"هو ولدك لسه جوه؟"
زفرت بضيق وأردفت قائلة:
"من وقت ما رجع من المحكمة وهو قافل على حاله ومبيشوفش خلجة حد."
صاح قدري بآخر صوته مناديًا على ولده، فتح الباب وخرج بوجه عابس وذقن نابت غير مهذب، مرتدياً حلة سوداء أنيقة كي يحافظ على هيئته أمام الحضور، وتحرك إليهما. فنظر له قدري بوجه عابس لأجل ما يحدث مع ولده. نعم هو رجل طامع حاقد على الآخرين، جشع يعشق اقتناء المال ولا يهتم بوسيلة جمعه، وحقًا يفتقد قدرة التعبير عن مشاعره لأبنائه، لكنه بالنهاية أب ولولديه مشاعر أبوة ويخاف على صغاره من الزمن.
اقترب قدري على ابنه وربت على كتفه بمؤازرة وتحدث:
"يلا بينا يا ولدي لجل ما ننجز المشوار ده ونخلصوا منه."
نظرت تلك المرأة منزوعة الرحمة وتحدثت إلى ولدها التي لم تشعر به يومًا:
"جالب خلجتك ليه كده يا ولدي، إفرد وشك أومال."
كان ينظر لها بجمود مستغربًا حالة اللامبالاة وعدم الشعور بقلب صغيره الذي يصرخ مستنجدًا، يريد التشبث بأي طوق ينجيه من الهلاك المحتم المقبل عليه. أخذ نفسًا عاليًا ثم زفره وتحدث بلهجة محذرة:
"مش عاوز أعيد كلامي عليك وأقولك إن الموضوع ده لو اتعرف في النجف هيكون فيه نهايتي وهلاكي."
نظر له قدري وتحدث بنبرة صادقة:
"متجلجش يا ولدي، أكيد أمك مش بالغباء ده لجل ما تودرك بيدها. هي عارفة ومتأكدة زين إن يوم جدك وعمك زيدان ما يعرفوا بجوازة الشوم دي هتغفلك على الكل وأكثر واحد هيتأذى فيها هو أنتَ."
ثم رمق فايقة بنظرة تحذيرية أرعبتها فتحدثت بنبرة صادقة حيث أنها حقًا تريد أن يعلم الجميع اليوم قبل الغد بزواج قاسم على ابنة زيدان حتى تسحق قلبه سحقًا على غاليتها، لكنها بالتأكيد تخشى على قاسم من بطش عثمان وطردة من جنة نعيمه. فصبرت حالها بأن عثمان لم يتبق لديه الكثير من الأعوام كي يحياها، وبعد وفاته سيحق لها الإعلان عن الانشطار النووي لقنبلة الموسم.
تحدثت بنبرة صادقة:
"محدش هيخاف عليك ولا هيحبك ويتمنى لك الخير جدي يا قاسم، طمن بالك يا ولدي."
تحرك ثلاثتهم إلى القاعة المقرر بها إقامة حفل الزفاف، كان رفعت وأهله متواجدون بالفعل. استغرب أهل رفعت وأشقائه أن العريس لم يأتِ سوى بوالديه فقط. استقبل قدري المأذون ودلفت إيناس إلى القاعة بصحبة والدها الذي قادها للداخل وذهب بها إلى مقر الجلسة المُعدة من قبل إدارة الأوتيل لعقد القران، مع استغراب الحضور لعدم استقبالها من جانب قاسم الجالس بجانب المأذون الشرعي غير مبالٍ بدخول عروسه إلى القاعة.
جلست إيناس وهي تنظر إلى ذلك الناظر أمامه بجمود ويبدو للجميع إجباره على تلك الزيجة من خلال ملامح وجهه العابس.
بدأت مراسم عقد القران وقام المأذون بخطبته الشهيرة وبعد مدة انتهى رفعت من قول ما أملاه عليه المأذون وجاء الدور على قاسم.
فتحدث المأذون إلى قاسم قائلاً:
"قل ورايا يا عريس، قبلت الزواج من موكلتك."
نظر له قاسم وكاد أن يصرخ معلنًا للجميع عن تخليه عن تلك الزيجة التي ستذبح روحه قبل متيمته. وَد لو أن له رفاهية الوقوف والخروج من ذلك المكان الذي يضغط على أنفاسه بقوة حتى أنه بات يشعر بالاختناق. وَد الخروج مسرعًا ضاربًا بكل شيء عرض الحائط، وَد الذهاب إلى حبيبته والارتماء داخل أحضانها الحنون.
انتبه على صوت المأذون وهو يكرر على مسامعه كلماته السابقة مستغربًا حالة التيه والتشتت اللتان تظهران على هيئة العريس وتحدث:
"انت سامعني يا ابني؟"
استشاط داخل كوثر التي تقف بجوار جلوس ابنتها واشتعلت النار داخل قلبها من ذلك الذي جعل جميع الحضور يتهامزون فيما بينهم. أمسك قدري يد ابنه ونظر إليه ليحثه على استكمال الإجراءات لانتهاء تلك المراسم وذلك الزفاف الذي أجبر عليه هو وولده.
حينها نظر رفعت إلى قاسم واستمال له بعيون متوسلة أرهقت قلب قاسم وجعلته يتحامل على حاله لينهي مأساة ورعب ذاك المرتاعب ضعيف الكيان المسمى برفعت.
تنفس قاسم عاليًا وبدأ بقول ما يُمليه عليه المأذون وكأنه آلة إلكترونية يكرر ما يؤمر به دون روح أو قلب أو أية مشاعر. انتهت المراسم وقامت النساء الحاضرات بإطلاق الزغاريد معلنين عن فرحتهم بإتمام الزيجة ومن بينهم فايقة التي كانت تزغرد بقلب سعيد شامتا وكأنها حققت أعظم انتصاراتها.
تنفس رفعت ونطق الشهادة بينه وبين حاله وحمد الله كثيرًا على إسدال ستره العظيم على ابنته وعليه أمام الحضور والعلن.
وقف قاسم وتحامل على حاله وذهب لجلوس إيناس التي تشعر بلذة الانتصار وبأنها أخيرًا ظفرت بلقب حرم قاسم النعماني وهذا ما حلمت به منذ أن رأته بأول يوم لها داخل كلية الحقوق حين قدمه لها عدنان لتتعرف عليه باعتباره صديقه المقرب إلى قلبه طيلة الثلاث سنوات دراسة.
أمسك يدها ليوقفها متضررًا وكأنه يحتضن شوكًا يؤلمه بشدة ويسحب منه روحه. تحرك بها حتى وصل إلى المكان المخصص لجلوسهما وهنا تركها سريعًا وجلس هو قبلها مما جعلها تكاد تزْهَق روحها من شدة الخجل التي شعرت به أمام الحضور الذين يسلطون أبصارهم على العريس ووجهه الكاشر ويتهامزون بوجوه مستغربة.
جلست وهي تنظر للجميع بكبرياء لحفظ ماء الوجه ثم نظرت إلى قاسم وتحدثت بنبرة رقيقة أخرجتها بصعوبة بالغة:
"مبروك يا حبيبي."
نظر لها وابتسم بجانب فمه وتحدث ساخرًا:
"حبيبك؟ انتِ مصدقة نفسك، تبقي كارثة لتكوني مصدقة المسرحية الهزلية اللي بتحصل دي؟"
تحاملت على حالها وتحدثت بنبرة زائفة كي تسترضي رجولته:
"أنا عارفة إنك زعلان مني بسبب الكلام اللي أنا قولته، بس ده كلام طلع وقت غضبي يعني ما أتحاسبش عليه يا قاسم، خلينا نستمتع ونفرح باليوم اللي ياما حلمنا بيه كتير."
وأكملت بنبرة أنثوية في محاولة منها لسحبه إلى عالمها من جديد:
"فاكر يا حبيبي، فاكر قد إيه حلمنا واتمنينا إن اليوم ده ييجي؟"
رمقها بنظرة اندهاش مستغربًا حالة الإنكار للواقع التي تتعايش داخلها غير مبالية بأفعاله المهينة لشخصها.
هتف العامل المسؤول عن إدارة تشغيل الموسيقى وتنظيم الحفل وأردف قائلاً وهو ينظر إليهما:
"سقفة كبيرة يا جماعة للعريس والعروسة اللي هيتفضلوا معانا على الدانس فلور عشان يفتتحوا الفرح برقصتهم الأولى."
صفق الجميع وابتسمت إيناس بتفاخر ورفعت قامتِها بغرور وهيأت حالها للوقوف. فاجأها قاسم الذي أشار بيده معتذرًا للعامل مما جعل الجميع ينظر للعريس مرة أخرى مستغربين حالته.
صدمت إيناس وتخشب جسدها وتصنمت بجلستها، أما كوثر التي تمنت لو أن الأرض شقت وابتلعتها حتى تتفادى نظرات الحضور التي تنهشها وتشمت بها و بكبريائِها الدائم.
تساءلت زوجة شقيق زوجها بنبرة تهكمية:
"هو العريس ماله كده زي ما يكون مجبور على الجوازة يا كوثر؟"
ابتلعت لُعابها من شدة خجلها ثم استجمعت قوتها وتحدثت بنبرة قوية حادة:
"مجبور؟ فشر يا حبيبتي، ده حفيدي زمان على ما بنتي وافقت عليه واختارته من بين كل اللي اتقدموا لها."
وأكملت بنبرة زائفة لحفظ ماء الوجه:
"كل الحكاية إنه صعيدي ومتحفظ شوية وملوش في الرقص والمسخرة دي."
أما زوجة شقيق زوجها الأخرى والتي تقدم ولدها لطلب الزواج من إيناس وقُبل بالرفض، فقد هتفت بنبرة تهكمية:
"ويا ترى التكشيرة اللي مالية وشه دي كمان بردوا عشان صعيدي؟"
نظرت لهما بعيون حادة كالصقر وتحركت بصمت عندما لم تجد ردًا لديها. حين أطلقت السيدتان ضحكات ساخرة على تلك المغرورة الدائمة التكبر والتعالي على أهل زوجها.
تحركت كوثر إلى فايقة وجاورتها الجلوس تحدثت بنبرة مشتعلة:
"عاجبك اللي البيه ابنك عامله ده؟ ده فضحنا في وسط المعازيم، الناس أكلت وشي وهرتني تريقة."
تنهدت فايقة وأردفت بنبرة حزينة:
"بنتك اللي خايبة ومعرفتش تفرفشه وتشده ليها، على العموم ملحوقة. لما يروحوا شقتهم تبقي تتدلع عليه وتخلي الحديد يلين."
نظرت لها متحدثة بإلحاح:
"فهمي بنتك زين وأكدي عليها إن لازم قاسم يدخل عليها الليلة."
وأكملت بغل شديد من بين أسنانها:
"وإلا هخسر الرهان اللي عشت أستناه عمري كله."
نظرت لها كوثر وتحدثت بكبرياء وثقة:
"متخافيش على إيناس دي تربيتي، وبعدين ابنك بيحبها وهيموت عليها على فكرة، ميغركيش الوش الخشب اللي مركبهولنا من وقت ما دخل القاعة ده، هو بس زعلان منها شوية، وأول ما يتقفل عليهم باب هيجري عليها وياخدها في حضنه ويتمنى ترضي عليه."
وأكملت بغرور:
"ما هو بالعقل كده يا مدام، معقولة فيه راجل هيكون مقفول عليه باب واحد مع ست بجمال وسحر إيناس كده وما يلمسهاش؟"
رمقتها فايقة بنظرات ساخرة ولَوت فمها من تهويل تلك الموهومة الشديد في جمال ابنتها التي رأته فايقة أقل من العادي، ولكنها فضلت الصمت وعدم الدخول في مهاترات.
تحدثت إيناس إلى قاسم بنبرة حزينة منكسرة:
"انت ليه مصر تكسرني وتذلني قدام الناس يا قاسم؟"
أجابها بنبرة جامدة وهو ينظر أمامه:
"أنا وانتِ نستاهل الذل والكسرة لأنه حصاد طبيعي لزرعة الأنانية والخداع اللي زرعناها من سبع سنين."
تحرك قدري إلى زوجته وجلس بجانب فايقة وتحدث بنبرة ساخطة ناظرًا إلى كوثر التي تقابله الجلوس:
"أوعاكِ يا حرمة تكوني فاكرة إني تممت الجوازة دي لجل كلامك اللي مايسواش عندي مليمين على بعض، واحمدي ربنا إن لسه عايشة بعد ما اتجرأتِ وهددتي قدري النعماني بجلالة قدره."
ثم حول بصره ناظرًا على رفعت الجالس بجانب أشقائه وأكمل ساخرًا:
"وادعي لخيال المآتة اللي انتِ متجوزاه اللي لولا محلسته وكهن الحريم اللي عمله، الله الوكيل قاسم ما كان هيتراجع عن رأيه لو السما انطبقت على الأرض."
رفعت قامتِها بكبرياء وتحدثت بذكاء:
"بلاش نقلب في اللي فات يا عمدة وخلينا ولاد النهاردة، وخلينا متفقين إن كلنا بنعمل أقصى ما عندنا عشان نشوف أولادنا مرتاحين ونضمن لهم مستقبل أحسن."
وهمت واقفة وتحدثت بقوة:
"هخلي الوتر يجيب لكم عصير فريش عشان يهدي لك أعصابك يا عمدة."
وتحركت هي وهتف قدري بنبرة ساخطة وهو ينظر عليها باحتقار:
"جبر يلم العفش."
تحدثت فايقة إلى قدري قائلة:
"اعمل حسابك هنروحوا من اهني على شقة قاسم نبات فيها عشان ننجز بدري ونعدوا على المعمل نجيب التحاليل بتاعت ليل، وبعدها هنروح لقاسم شقته نطمن عليه ونسافروا."
رمقه قدري بنظرة حارقة وأردف متحدثًا بنبرة تهكمية:
"هتروحي لقاسم عشان تطمني عليه ولا تطمني جلبك وتطفي نارك اللي والعة بقالها سنين يا فايقة؟"
انتفض جسدها واهتز قلبها وابتلعت لُعابها رعبًا خشيةً من أن يكون قدري قد افتضح أمرها، فأكمل هو بنبرة محذرة:
"اعجلي يا مرة وحطي مصلحة عيالك قدام عينيكي ولو مرة واحدة، سيبك من الغل اللي ماليكي من ناحية ورد وبطلي مكايدة وشوفي المصلحة اللي هتطلع لولدك من ورا جوازته من بنتها."
"وإياكِ يا فايقة عجلك يجل وشيطانك يوزك وتجيبي سيرة الجوازة المهندلة دي قدام ورد ولا بنتها ولا حتى المجنونة بنتك."
أكمل مهددًا بنبرة صارمة:
"الله الوكيل يومها ما هعمل لعشقك الملعون اللي معشش جوه قلبي حساب يا فايقة."
رمقته بنظرة ساخطة وفضلت الصمت والمشاهدة بتلذذ واستمتاع لهذا المشهد العظيم المثلج لصدرها المشتعل منذ قديم الأزل.
انتهى حفل الزفاف باكرًا بناءً على طلب قاسم الذي تحجج بإصابته بنوبة صداع نصفي شديد وانهى الحفل. تحرك العروسان بسيارة قاسم الذي قادها عدنان وأوصلهما لمسكنهما الجديد دون إضافة كلمة واحدة من ثلاثتهم.
فتح الباب وتحرك بساقيه للداخل تاركًا إياها بالخارج في مشهد مهين لشخصها. نظرت له بقلب مستشيط مشتعل لكنها كظمت غيظها ودلفت للداخل وأغلقت الباب خلفها. تحرك هو بخطوات سريعة نحو غرفته وهي تتبع خطواته. وضع يده على ربطة عنقه وفكها بطريقة عنيفة تدل على مدى وصوله للمنتهى. وقف عند مدخل الباب والتفت بجسده ناظرًا عليها وتحدث بنبرة صارمة مشيرًا بكف يده إلى الغرفة المُعدة للأطفال:
"أوضتك اللي هناك، ودي أوضتي أنا."
جحظت عيناها باتساع وتحدثت بذهول خشية إفشال خطتها للتقرب منه:
"يتبع..."
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم روز امين
وضع يده على رابطة عنقه وفكها بطريقة عنيفة تدل على مدى وصوله للمنتهى. وقف عند مدخل الباب والتفت بجسده ناظرًا إليها وتحدث بنبرة صارمة مشيرًا بكف يده إلى الغرفة المعدة للأطفال:
"أوضتك اللي هناك، ودي أوضتي أنا."
جحظت عيناها باتساع وتحدثت بذهول خشية إفشال خطتها للتقرب منه:
"إيه أوضتي وأوضتك إيه يا قاسم؟ أرجوك تهدي ومتخليش اللي حصل ينسيك أنا أبقى إيه بالنسبة لك؟"
اقتربت عليه وكادت أن تضع كف يدها فوق موضع قلبه، لكنه فاجأها برجوعه للخلف سريعًا كمن يتفادى لسعة عقرب سام. اتسعت عيناها وهتفت بصياح غاضب:
"فوق يا قاسم، أنا إيناس، حبيبتك وحلم حياتك اللي حققته النهاردة بعد صبر سنين."
أجابها بقوة ونبرة متألمة:
"اللي أنا فيه النهاردة ده مش حلم، ده كابوس مزعج وطابق على نفسي لدرجة إني مش قادر آخد نفسي منه."
وأكمل مشيرًا على حاله بتألم:
"دخلت فيه وأنا فاقد أهليتي وكياني وكينونتي، ولما فقت وأدركت حقيقتي المرة وحبيت أعدل المسار، كان خلاص الوقت فات، واضطريت أكمل فيه وأنا مجبر ومغصوب على أمري."
كانت تستمع إليه بقلب صارخ مشتعل وتحدثت بصياح حاد:
"خلي بالك يا قاسم، أنت كده بتهيني."
تحدث إليها وهو يدلف إلى غرفته:
"لو فعلاً عاوزة تصوني نفسك وتتفادي أي إهانة يبقى تتفضلي تدخلي أوضتك وتخليكي بعيد عني النهاردة."
ودلف للغرفة وأوصد بابها وتركها واقفة تنظر في طيفه بذهول وعدم تصديق لما وصلت إليه علاقتهما.
***
كانت تجلس فوق مقعدها بشرفة غرفة نومها، تنظر للسماء بترقب، حيث كانت ليلة مختفي بها القمر كليًا مما جعل السماء معتمة خالية من أية نجوم. تنهدت وأغمضت عينيها بإرهاق. أخذت شهيقًا عاليًا وزفرة في محاولة منها لضبط أنفاسها وهدوء مشاعرها المبعثرة. التقطت هاتفها ونظرت لشاشته على أمل أن ترى مكالمة فائتة منه لم تستمع لرنينها.
تنهدت بأسى وتحدثت بنبرة محبطة:
"وماذا بعد يا قاسمي؟ ألم يحن الأوان لعودتي من غربتي؟ إلى متى سيطول تلاعبك بمشاعري؟ إلى متى ستظل ترفعني معك عاليًا إلى عنان السماء وبعدها تجعلني أتهاوى وكأني أسقط من فوق أعالي الجبال؟"
عند قاسم، دلف لغرفته وأمسك رابطة عنقه وألقى بها أرضًا ثم خلع عنه حلته وطرحها أرضًا بكل ما أوتي من قوة. دلف إلى المرحاض ونزع عنه ثيابه كاملة وتحرك إلى تحت صنبور الماء الفاترة واضعًا يداه على الحائط وأغمض عينيه متألمًا. تمنى لو أن فيه أن يصرخ بأعلى صوته ليعلن بتلك الصرخات عن احتجاجه على ما تفعله به الدنيا، وإجباره بهذا الشكل المهين لرجولته ولشخصه.
***
بعد الظهيرة، استيقظت إيناس بصعوبة بعد ليلة قضتها بدموعها وحقدها واستشاطة داخلها الذي أصابها جراء أفعال ذلك القاسم الذي تجبر عليها وأهانها بما يكفي. دلفت إلى المطبخ وقامت بتجهيز فطور لائق، ثم تحركت إلى غرفتها ووقفت أمام خزانة ثيابها وانتقيت ثوبًا للنوم، كاشفًا كل جسدها حيث كان مصنوعًا من قماش الشيفون الذي يكشف جميع جسدها بكل تفاصيله وثيابها الداخلية. نظرت لحالها بإعجاب واستحسان ورفعت قامتها لأعلى بكبرياء بدون حياء لهيئتها الفاضحة. نثرت عطرها الجاذب لأي رجل يشمه والذي جلبته والدتها لها خصيصًا لأجل الإيقاع بقاسم داخل براثنها. تحركت إلى غرفته ودقت بابها بخفة فلم تستمع صوتًا للسماح.
دلفت ووجدت الغرفة خالية. في تلك الأثناء خرج قاسم من خلف باب المرحاض، ظهر أمامها بهيئة رجولية خاطفة لأنفاس تلك اللعوب، حيث كان عاري الصدر ولا يرتدي سوى منشفة كبيرة يلفها على خصره. أما عن شعر رأسه فكان مبتلًا تتدلى منه قطرات الماء تنزل على صدره بطريقة جاذبة لأنوثتها.
اتسعت عيناه غضبًا حين وجدها أمامه بتلك الملابس الفاضحة والتي يعلم المغزى من وراء ارتدائها، فتحدث بنبرة حادة قوية:
"إنتِ مين اللي سمح لك تدخلي هنا؟"
تحركت إليه بحركات بها دلال وأنوثة وتحدثت بغنج وهي تقترب عليه وتنظر على شعر صدره برغبة ظاهرة داخل عينيها:
"ده سؤال بردوا تسألهولي يا حبيبي، واحدة وداخلة أوضة جوزها حبيبها."
اقتربت عليه وكادت أن تلمس صدره، دفعها بقوة للأمام قائلًا بنبرة مهينة:
"اخرجي برة ومشوفش خلقتك دي في أوضتي تاني."
نظر لها باشمئزاز وتحدث بنبرة مهينة:
"وإيه القرف اللي إنتِ عملاه في نفسك ده؟ إنتِ مش مكسوفة وإنتِ واقفة قدامي وبتعرضي نفسك عليا بالرخص ده؟"
تمالكت من حالها وتحدثت بقوة واهية:
"وهتكسف من إيه، إنتَ جوزي واللي أنا بعمله ده الدين نفسه هو اللي بيطالبني وبيأمرني بيه يا حضرة المحامي ياللي دارس الشرع والدين."
أجابها بنبرة ساخرة:
"طول عمرك وإنتِ بتاخدي من الدين اللي على مزاجك وتسيبي منه اللي هيقف ضد تحقيق رغباتك."
وأكمل لإفاقتها:
"ولعلمك يا أستاذة يا بتاعة الشرع والقانون، جوازنا اللي بتتكلمي عنه ده شرعًا باطل، لأنه تم تحت ابتزاز مشاعري ورجولتي قدام كلام أبوكي، زائد إنه جواز مشروط بمدة زمنية معينة، يعني شرعًا أنا وأنتِ ارتكبنا معصية ولازم نكفر عنها."
وأكمل محذرًا إياها:
"وياريت لحد المدة دي ما تعدي ما تحاوليش تقربي مني لأن مهما عملتي أنا عمري ما هشوفك ست قدامي."
واسترسل حديثه بنبرة مهينة:
"والوقت اطلعي برة ومش عاوز أشوف خلقتك دي في أوضتي تاني."
كانت تستمع إليه ودموعها تنساب على وجنتيها وشعور مميت بالإهانة يجتاح داخلها، فقد كانت تنفذ ما أملته عليها والدتها وكلها ثقة بأن قاسم سيخر راكعًا تحت قدميها مثلما أبلغتها كوثر. لم يأتِ بمخيلتها رفضه المهين والصادم لها، حيث أنه لم ينظر حتى ولو نظرة على جسدها أثناء ما كان يحادثها، بل كان ينظر لوجهها بنظرات مقللة لشأنها حينما كان يسمعها كلماته المهينة لشخصها.
صاحت بنبرة حزينة ودموع منهمرة:
"حرام عليك يا قاسم، كفاية بقى كفاية."
اقترب عليها وهتف بنبرة حادة وملامح وجه صارمة:
"هو فعلاً كفاية، اتفضلي اطلعي برة وحااااالًا."
واتجه إلى الباب وفتحه وأكمل بصياح حاد وهو يشير إليها طاردًا إياها:
"يلاااااااا."
انتفض جسدها رعبًا من نبراته شديدة الغضب وأسرعت إلى الخارج وأغلق هو فور خروجها الباب بشدة هزت أرجاء الشقة بأكملها.
وقفت أمام الغرفة ومسحت دموع التماسيح وتحدثت بنبرة حقودة:
"ماشي يا قاسم، إن ما خليتك تيجي لي راكع ما أبقاش أنا إيناس عبدالدايم."
وتحركت بغضب إلى غرفتها لتتجهز لاستقبال أهلها حيث أبلغتها والدتها أن أهل والدها سيأتون بصحبتهم كي يطمئنوا عليها ويقدمون لها هدايا الزواج قبل أن يعودوا إلى الشرقية مرة أخرى.
***
بعد غروب الشمس، ارتدى ثيابه الأنيقة وتحرك إلى المرأة. نثر جسده بعطره الرجولي وتحرك إلى الخارج. وجدها تجلس فوق مقعد داخل البهو منكمشة على حالها. وقفت سريعًا حين وجدته مهيئًا للخروج وتساءلت باستفسار:
"إنتَ خارج؟"
أجابها باقتضاب:
"مسافر سوهاج وهقعد هناك أسبوع."
اتسعت عيناها بذهول وتحدثت بنبرة حادة معترضة:
"يعني إيه مسافر سوهاج؟ إنتَ ناسي إني لسه عروسة ومكملتش يوم واحتمال في أي وقت يجي لنا ضيوف تبارك لنا؟"
وأكملت متسائلة بصياح:
"إنتَ عاوز تفضحني بين الناس يا قاسم؟"
أجابها بمنتهى البرود وهو يعدل من ياقة قميصه متأهبًا للخروج:
"ابقي اعتذري لهم واخلقي لهم أي حجة."
ثم نظر لها وتحدث ساخرًا:
"وأظن إنك مش هتغلبي في حاجة بسيطة زي دي، يا ملكة الحجج والخطط والمؤامرات."
وتحرك متجهًا إلى الباب تحت صياحها واعتراضها، خرج وصفق خلفه الباب غير مبالٍ بصرخاتها العالية.
استقل سيارة مستأجرة وذهب لأحد أفخم محلات الحلوى وأبتاع نوعًا فخمًا من الشيكولاتة لعلمه أنها المفضلة لديها حين أتى لها بها زيدان وكانت سعيدة جدًا وهي تتناولها بتلذذ، وأيضًا ابتاع لها خاتمًا من الألماس كي يكون أولى هداياه الخاصة لها. وتحرك إلى المطار عائدًا إلى ملاذه التي اكتشفها "ولكن" للأسف بعد فوات الأوان!
وصل إلى النجع ليلاً ودلف إلى المنزل دون أن يراه أحد سوى حسن العاملة التي استقبلته بحفاوة. صعد لمسكنه ودلف بمفتاحه وجد سكونًا تامًا. تحرك إلى المنضدة ووضع عليها الأكياس التي يحملها. وتحرك إلى الغرفة وفتحها بهدوء ظنًا منه أنها غافية بنومها.
قبل قليل، كانت تخرج من المرحاض مرتدية مأزر الحمام (البرنس) الذي بالكاد يصل لفوق ركبتيها وفتحة صدره المفتوحة بإهمال، تضع منشفة حول شعرها لتسريع عملية تجفيفه. تحركت ووقفت أمام مرآتها وسحبت المنشفة وبدأت بتمشيط شعرها المبتل والذي بدأت تنساب منه بعض قطرات الماء على عنقها ومقدمة نهديها في مظهر ملفت للنظر. وفي لحظة تخشبت حين فُتح باب الغرفة ووجدته يدلف أمامها.
اتسعت عيناها وابتلعت لُعابها حين رأت انعكاس صورته أمامها بالمرآة، نظرات زائغة متشوقة متلهفة دارت بينهم.
تخشب بوقفته حين رآها بتلك الحالة المهلكة لقلبه العاشق. نظر لإنعكاسها في المرآة والتقطت العيون وتحدثت بلغة العاشقين.
حدثته عيونه بلهفة: "اشتقتك فاتنتي، لم أحتمل البُعاد كما خُيل لي فعُدتُ مُنساقًا لنداءات قلبي الصارخة، فهل لي اليوم من ضمتك نصيب؟"
أجابته عيناها: "أرجوك لا تفعلها مجددًا وترفعني بسموات عشقك السبع ثم تطرح بآمالي أرضًا."
فاق من حديث عيناه وتحمحم لينظف حنجرته كي يستطيع إخراج صوته الذي احُتجز جراء ما رأى.
وأردف قائلًا بنبرة حنون لعينين هائمتين عشقًا:
"كيفك يا صفا؟"
ابتلعت لُعابها وتحدثت بصعوبة بالغة بشفتين مرتعشتين:
"الحمد لله، حمد الله على السلامة."
ابتلع لُعابه من شدة اشتياقه وأجابها:
"الله يسلمك."
خجلت عندما وعَت على ما ترتديه فتركت فرشاة شعرها سريعًا وبدأت بغلق مأزرها جيدًا وإحكامه على نهديها. وتحركت سريعًا نحو خزانة ملابسها وانتقيت منامة وكادت أن تغلق الخزانة لكنها توقفت عند ما شعرت بأنفاسه الساخنة تلفح خلف عنقها بحرارة اقشعر لها جسدها. ثم لف ذراعيه حول خصرها ملتصقًا بجسدها من الخلف وتحدث هامسًا بجانب أذنها:
"لحد ميتى هنفضل نهربوا من بعض كده؟"
انتفض جسدها ووقع ثوبها من بين يديها وتحدثت بنبرة مرتجفة لجسد منتفض:
"ابعد يا قاسم."
"مجاديرش يا جلب قاسم"، جملة قالها بهمس عابث فاهتز لها جسدها وانتفض.
وعت على حالها وتحدثت من جديد بنبرة أقوى حين تذكرته وهو ينطق لها جملته تلك بذاتها ولكن بمعنى مختلف كليًا:
"مجاديرش دي قولتها لي من أكتر من شهر فات، فاكر يا قاسم؟"
أجابها بهمس زلزل كيانها:
"كنت غبي يا صفا، مكنتش عارف قيمة الألماظة اللي ربنا حاططها في طريقي لجل ما يكافئني بيها ويفتح عيوني ويرد لي بصيرتي."
ثم شدد أكثر من ضمّتها ودفن أنفه داخل عنقها وبدأ يستنشق بعمق وتلذذ عبق جسدها الذي يشبه نسائم تفتح زهور ثمرة البرتقال.
أردفت متسائلة بقوة وهي تنظر لانعكاس عينيه:
"عندي سؤال ولازم تجاوبني عليه بصراحة يا قاسم."
رفع بصره إليها وضيق بين حاجبيه ينتظر سؤالها فتساءلت هي بغيرة شديدة:
"لما جيت لي من شهر وجولت لي إنك مجاديرش تتمم جوازك مني، كنت تقصد إيه لما جولت لي إن مش إنتَ الراجل اللي تجبل إن غيرك يختار لك المرة اللي هتنام في حضنك؟"
قطب جبينه بعدم استيعاب لحديثها فأكملت وهي تبتلع لُعابها برعب خشية من صدق حدسها:
"إنت فيه واحدة في حياتك يا قاسم، عشجان يعني؟"
وأكملت بتوتر وقلب يتمزق:
"ما أنتَ مهتيجيش تجول لي الحديث دي من الباب للطاق أكده من غير ما تكون راسم لحياتك بعدي."
شعر بغصة مرة غزت قلبه وشطرته لنصفين من تساؤل عينيها المؤلم ونبراتها المرعبة. بماذا سيخبرها؟ هل سيخبرها أنه أغبى إنسان عرفته البشرية منذ بداية الخليقة؟ هل سيخبرها أنه بعناده وتمردة الأعمى ورط حاله في زيجة لو اكتشف أمرها سيخسر معشوقة عينيها التي اكتشفها عن جديد؟ لا والله لن يفعلها ويخسر ذاك الملاك بعد أن عثر على استكانت روحه داخل أحضانها الحانية.
نظر بمقلتي تلك التي تنتظر إجابته كمن يقف خلف القضبان وينتظر حكم القاضي عليه.
قرب شفتيه الملتهبة بنار الاشتياق من وجنتها الساخنة جراء خجلها واشتياقها، ووضع قبلة ساخنة فوقها زلزلت جسدها وجعلته ينتفض ويثور عليها، ثم نظر لها وتحدث بكل مصداقية:
"وغلاوة صفا العالية، عمري ما دُقت للعشق طعم غير على يدك ولا اتمنيت حضن غير حضنك."
ثم أغمض عينيه متهربًا، دفن أنفه من جديد داخل تجويف عنقها وبات يستنشقه بارتياح. تأوه بصياح وتلذذ أذاب جسدها، شعر بجسدها يستكين بين يديه ويلين، بهدوء لفها إليه ونظر لداخل مقلتيها والتقطت العيون من جديد، توسل إليها بعينيه بأن ترحمه من لوعة الاشتياق وما كان من قلبها الملعون العاشق سوى الاستسلام التام.
مال بجذعه على شفتيها وبدأ بتقبيلها بهدوء سرعان ما تحول لجنون واشتياق جارِف، شعر باستجابتها معه رغم عدم خبرتها ولكنها انساقَت معه بشعورها البريء. ابتعد عنها ليعطي لرئتيهما المجال للتنفس، نظر لها بلهث ولهفة وجد صدرها يهبط ويعلو بشدة، وجد وجنتيها تلونت باللون الوردي من أثر عشقها ومزيج السعادة والخجل معًا.
أمسك طرفي مأزرها وفك وثاقه وبلحظة تخشبت حين وجدت مأزرها ملقى أرضًا بإهمال. لم يعطها المجال للخجل ورفعها بين أحضانه وضمها حتى أصبحت ساقيها معلقتين بالهواء.
احتضنها مشددًا كمن يحتضن صغيرته التي يخاف عليها. تحرك بها حتى وصل لسريره ووضعها فوقه بخفة ورقة، وخلع عنه ثيابه متلهفًا وغاصا معًا بعالمهما الخاص، عالمًا جديدًا عليها وعليه ليتعلما معًا لغة جديدة، لغة تناغم الأجساد بين العشاق.
بعد مرور وقت لم يكن معلومًا لكليهما وذلك لشدة اندماجهما وتناسيهما لمن حولهما، كان ممدد الساقين يجلسها فوق ساقيه ويحتضنها بشدة كمن وجد أخيرًا ضالته بعد عناء وشقاء دام لسنوات. كان مغمض العينين يغمس أنفه داخل خصلات شعرها ليشتم عبيره.
أما هي فكانت مستكينة داخل أحضانه مسترخية بين ذراعيه كقطعة الشيكولاتة الذائبة داخل فنجان القهوة الساخنة.
تحدث وما زال مغمض العينين:
"حبيبتي."
"أم..." كانت تلك هي همهمتها الساحرة.
رد عليها وتحدث:
"أني هيمان ومحاسيش بروحي ولا بجسمي، هيمان وفرحان لدرجة إني خايف أفتح عيوني ليطلع إحساسي ده مجرد سراب وملقكيش جوه حضني بجد."
اتسعت عيناها ذهولًا حين استمعت لحديثه العاشق. أحقًا يقصدها بذاك الحديث المعسول؟
شعر بها وبصعوبة فتح عينيه من تأثير حالة النشوة التي امتلكته، وأبعد وجهها عنه ثم حاوطه بكفيه. نظر لداخل عينيها بهيام ثم مال على جانب شفتيها ووضع قبلة رقيقة حنون وابتعد من جديد ينظر لمقلتيها قائلًا:
"مبسوطة يا صفا؟"
أنزلت بصرها سريعًا وتوردت وجنتيها خجلًا وبلحظة حزن داخله حين تذكر تلك المتبجحة وهي تطلب تقربه منها بمنتهى التبجح. شعر بمرارة على من أوهم حاله عمرًا بعشقها الواهي الكاذب، ولكن بعد ماذا يا قاسم! لما لم تفق مبكرًا أيها الأحمق عدو حالك. لو أنك فقت مبكرًا لكفيت حالك وكفيت تلك العالية شر ما صنعت يا فتى.
نفض من رأسه تلك الأفكار المؤرقة لقلبه، والتقط من فوق الكومود تلك العلبة الصغيرة وفتحها وأخرج منها خاتمًا رائع الصنع. أمسك إصبع يدها وألبسها إياه تحت ذهول تلك التي أشرفت على توقف قلبها من شدة سعادته التي تخطت عنان السماء. أيعقل أن يتحقق كل ما تمنته طيلة أعوامها المنصرمة بأكملها في ليلة واحدة!
صوب نظره داخل مقلتيها ثم رفع إصبعها إلى فمه وامتصه بين شفتيه بمنتهى الإثارة لتلك التي تفتح فاهها وتنظر إليه ببلاهة وعيون متسعة غير مستوعبة ما يحدث معها.
نظرت إلى الخاتم بانبهار وسعادة لم تحظ بمثلها طيلة حياتها. لم تعِ على حالها إلا وهي ترمي بحالها لداخل أحضانه وتلف ذراعيها حول عنقه بسعادة بالغة وتحدثت بنبرة تهيم عشقًا:
"بحبك يا قاسم، بحبك."
شعر بروحه تتراقص على أنغام كلمات غزلها له واعترافها الصريح بعشقه. شدد من ضمتها وتحدث:
"وأني عاشقك وعاشق روحك يا نبض جلب قاسم."
ظل متشابكي الأحضان ويشددان من ضمتهما لبعض. على مضض أبعدها من أحضانه ونظر بعينيها وتحدث مبتسمًا بنبرة حماسية:
"محضر لك مفاجأة!"
نظرت لداخل عينيه متلهفة باقي حديثه فأكمل هو:
"حجزت لنا أسبوع في فندق في شرم الشيخ."
وأكمل بغمزة وقحة من عينيه:
"لجل ما نقضي فيه شهر عسلنا الجديد يا عروسة."
ابتسمت بسعادة ونظرت إليه بعيون عاشقة فتحدث هو:
"يا بووووووي، كيف كنت غافل أني عن بحر عيونك الغريق دي يا صفا. عيونك بحر غويط ملوش آخر توهت جوات أمواجه العالية يا صبية."
وأكمل بغيرة:
"من النهاردة ما عايزكيش تبصي لحد غيري، فاهمة يا صفا؟ عيونك بتاعة قاسم وبس، كلك ملك قاسم يا جلب قاسم."
كانت تستمع إليه بذهول غير مستوعبة ما يحدث حولها. أحقًا هذا قاسمها! رجلها التي طالما حلمت به وبضمته تلك؟ كلماته وغزله ذاك؟ عيناه ونظرات العشق الهائمة تلك! أحقًا شعر بها وبغرامها المنسي؟
وبدون مقدمات انسابت دموعها ونزلت تجري فوق وجنتيها الحمراويتين.
انتفض قلبه واتسعت عيناه رعبًا وهتف متسائلًا بلهفة:
"طب ليه البُكا عاد يا عيون قاسم؟ زعلتك في إيه أني يا نبض قلبي؟"
أردفت من بين شهقاتها:
"ممصدقاش إني بسمع منك الحديث دي يا قاسم، كنت فاكرة إن عمري هينتهي قبل ما أسمع منك كلمة حلوة."
نظر لها بعيون حزينة متألمة وأردف واعدًا إياها:
"هعوضك يا صفا، وغلاوة صفا لعوضك وأعوض حالي عن سنين العجاف اللي عيشناها."
وضمها لصدره بشدة كأنه يخاف من فقدانها.
بعد مرور وقت طويل وهما ما زالا على وضعهما، تحدثت هي من بين أحضانه:
"هروح أجهز لك العشاء."
أجابها مبتسمًا بنبرة هائمة وهو يشدد من ضمتها ليمنعها الرحيل:
"ما عايزوش أكل أنا، ما عايز من الدنيا غير حضنك وبس."
شعرت بسعادة الدنيا داخل قلبها الذي طال انتظاره للوصول لهذه اللحظة العظيمة، وتحدثت بإصرار:
"إنتَ جاي من سفر ولازم تاكل."
أجابها بحديث وقح ذي معنى:
"ومين قال لك إني مكلتش، أومال أنا كنت بعمل إيه من شوية."
وضمها أكثر مشددًا وهو يتنفس بعمق وتحدث:
"ما عايز أخرجك من حضني تاني يا جلب جوزك، كفاية اللي فات من عمري وأني غافل عن سعادتي وراحة قلبي اللي تعبته كتير وياي."
ابتسمت له بسعادة، ولكنها تمللت من بين أحضانه وتحدثت بإصرار:
"هروح أجهز عشا ونأكل وبعدها أنا اللي مهخرجكش من حضني يا جلب صفا."
أبعد وجهها عنه وتحدث بعيون متوسلة:
"وعد يا صفا؟"
"اوعديني إنك ما تبعدنيش عن حضنك مهما حصل، لو في يوم زعلتي مني خلينا نقعد ونتفاهم ونحل مشاكلنا لحالنا من غير ما ندخلوا حد يكبرها لنا، اوعديني تسمعيني الأول وتفهميني وتحكمي عقلك الكبير يا صفا."
وأكمل بعيون صارخة من الألم:
"ساعات بننجبر على حاجات مكنتش حابين إنها تحصل، بس غصبن عنا بنرضخ ونكمل في طريق ما رضيناهوش."
وأكمل متوسلًا:
"اوعديني يا صفا."
ابتسمت له وأومأت بقلب صافٍ غير واعٍ لما يدبر له من خلف ظهرها، وأردفت قائلة:
"وعد مني هكون لك كيف ما بتتمنى وأكتر يا حبيبي."
شعر بغصة داخل قلبه ومرارة تملأ حلقه. شعر بمدى حقارته، لقد سقط في بئر سبع وانتهى الأمر، لكنه سيعافر محاولًا الخروج منه لأجل أن يحيا مع تلك الصافية الذي غفل عنها عقله المتمرد.
بعد مدة كان يجلسها فوق ساقيه من جديد ولكن بتلك المرة وهو جالس فوق مقعده حول تلك المنضدة المتواجدة داخل المطبخ. غرس الشوكة في طبقه ومد يده إلى فمها ليطعمها. كانت خجلة للغاية جراء جلوسها فوق ساقيه ولولا إصراره على عدم تناول الطعام إلا هكذا ما كانت فعلتها لشدة خجلها.
فتحت فمها وتناولت من يده وبدأت بالمضغ تحت خجلها وسعادة ذاك العاشق المستجد.
تحدثت بنبرة خجلة:
"كفاية يا قاسم، عمال تأكلني وإنتَ مأكلتش أي حاجة."
أجابها بنبرة عاشقة:
"بشبع أما بشوفك بتاكلي يا جلبي."
ابتسمت له ثم تحدثت بتذكر:
"قاسم، إنتَ جولت لجدك على سفرنا؟"
"وجدي ماله ومال سفرنا يا صفا!" جملة تساءل بها مستغربًا.
أجابته بارتياب:
"مش ممكن يعترض؟"
استشاط داخله وتحدث بنبرة حادة:
"يعترض على إيه؟"
وأكمل بنبرة حادة صارمة:
"اسمعي يا صفا، إحنا يمكن اتجوزنا مجبورين منه، بس بعد أكده ما عايزكيش تعملي حساب لحد واصل، حياتنا إحنا اللي هنمشيها على كيفنا ونرتبها حسب اللي يريحنا، كفاية عليه أوامر لحد أكده."
قال كلماته تلك ولم يدري ما فعله بتلك المسكينة. شعرت بحزن عميق يتملك من قلبها البريء. وقفت معتذرة بعيون منكسرة وملامح وجه حزينة وتحركت لخارج المطبخ متجهة إلى غرفة نومها.
زفر بحدة ولعن غباءه وتحرك خلفها على الفور. دلف وجدها تجلس فوق سريرها منكمشة على حالها تحجز دموعها بشدة. تحرك إليها وجلس بجانبها وقام بسحبها لداخل أحضانه التي وما إن سكنتها حتى استكانت روحها وارتعش جسدها بانتفاضة معلنة عن استسلامها لدموعها التي انهمرت بغزارة.
وضع كف يده فوق وجنتيها وتحسسها بحنان وأردف قائلًا بتفسير لموقفه:
"والله ما أقصد اللي جه في بالك يا حبيبي، صح جدك غصبنا على الجواز."
وأبعدها عن أحضانه لينظر داخل مقلتيها الفيروزيتين وأكمل بعيون مسحورة:
"بس أحلى غصبانية عملها في حياته، تعرف."
نظرت له تنظر باقي كلماته فأكمل مسترسلًا بنبرة عاشقة:
"لولا كبريائي اللي مانعني كنت رحت له ووطيت على رجله وبوستها لجل ما أشكرة على الهدية الغالية اللي لو عشت عمري كله أشكر ربنا عليها مش كفاية."
اتسعت عيناها بذهول وانفرج فمها بطريقة أذابت قلبه، وما كان منه إلا أنه نزل على شفتيها وبدأ بتقبيلها بطريقة رقيقة أذابتها وأندمجت معه لأبعد الحدود.
فصل قبلتيهما وتحدث بهدوء:
"صفا، مش عايزك تبقي حساسة أكده بخصوص الطريقة اللي اتجوزنا بيها، إيا كانت الطريقة فيكفي إنها قربتنا من بعض وعرفتني حقيقة مشاعري ليكي."
أومأت له بطاعة وتحدث هو:
"قومي نجهز شنطنا عشان هنسافر بكرة الصبح."
تحدثت إليه بنبرة خجلة:
"بس أنا لازم أتصل بأبويا وأستأذن منه الأول."
قهقه عاليًا وتحدث إليها:
"أبوكي ده كان زمان يا صفا، دلوقتي زمام أمورك في يد جوزك حبيبك."
تحدثت بنبرة حنون:
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي، بس أنا مجدرش أعمل حاجة من غير أبويا ما يعرف."
ابتسم لها بتفهم لحديثها وعذر تعلقها الزائد بوالدها، وأخذها داخل أحضانه وضمه بشدة، بادلتة ضَمته بسعادة ثم قاما بتوضيب حقائبهما وبعد مدة كانت تغفو فوق ذراعه وداخل أحضانه بنعيم. أما هو فكان يسند رأسها فوق ذراعه ويكبلها بساعديه ضاممًا جسدها ولاصقًا إياه بجسده العاري بشدة، نام براحة وهدوء نفسي لم يشعر به منذ أن تركها وذهب إلى القاهرة وحدث ما حدث.
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم روز امين
24=الفصل الرابع والعشرون
كم أعشق النظر إلي الغيوم في السماء
كم أنها تشبٌهني وتعبر عني بذكاء ، وكأنها تٌذكرٌني بروحي ،، وتٌذكرٌني أيضاً بعطايا الله لي بسخاءِ بعد سنواتٍ من العٌسرِ والحرمان والجفاء ،، أشعر عند رؤياها وكأن روحي تحومٌ وتتراقص بين السحاب ،،أترقبٌ هطول الغيثِ لتحومٌ حولهٌ روحي وتتراقص برخاء ،
وآٌداعبٌ بأناملي قطراتِ الماءٌ بصفاء
خواطر صفا النُعماني
روز آمين
فاقت باكراً من نومتِها الهنيئة يتخللها شعور بالراحة والسلام الداخلي لم تحصل علي درجتة تلك مُنذُ أن كانت طفلة صغيرة تغفي بسلام داخل أحضان والديها ، تملكت من جسدها إنتفاضة عِشق أشعرتها بلذة عالية وإرتعاشة حين وجدت من يُكبلها بساعدية ويحتضن جسدِها بلهفة وينظر إليها وجنون العِشق يْطِلُ من مقلتية الساحرتان ،
إبتسمت لهُ بسعادة وتحدثت بنعومة ودلال :
_صباح الخير يا حبيبي
مال عليها وإقتطف قُبلة ناعمة بجانب شِفتها ثم نظر إليها وتحدث بعيون هائمة في سماء عِشقها الهائل :
_ توها الشمس طلعت وسطع نورها لما صفا فتحت عيونها.
إبتسمت له بسعادة وتسائلت :
_هي الساعة كام ؟
أجابها بوجهٍ بشوش:
_ الفچر أذن من ساعة ولازمن نجوم علشان نِلحج ميعاد الطيارة
وتسائل هو بإهتمام :
_ نمتي كويس؟
أجابته وهي تتمطئ بين يداه بدلال آُنثوي أثار ذاك العاشق وجعل قلبهُ ينتفض عِشقً :
_عمري ما نمت براحة كِيف ما نِمت إنهاردة.
واكملت ضاحكة :
_ صحيت مرتين وفي كل مّرة ألاجيك مِشدد عليا ومكتفني بإديك كِيف اللي خايف لأهرب مِنيك .
أجابها بعيون حنون :
_ لو هربتي من ضمة جِسمي مش هتعرفي تُهربي من جلبي اللي روحك بجت معششه جواة يا نبض جلبي.
أهرب كيف وأني ما صدجت إني أترمي في حُضنك يا حبيبي، جملة حنون قالتها صفا بنبرة صارخة مُعترفة بعشق ذلك القاسم
ضمها بشدة لداخل حُضنة ودفن أنفهِ داخل خصلات شعرها ليشتم رائحتهِ المِسكية التي بات يعشقها وتحدث وهو يعتصرها لداخل حُضنة:
_ إوعي في يوم تسيبي حُضني يا صفا، لو بعدتي عني هضيع ويمكن وجتها تموت روحي اللي مصدجت إني لجيتها في ضَمتك
نظرت له بعيون مُترقبة ثم تسائلت بنبرة مُستفسرة:
_مالك يا قاسم؟
إنتَ لية من وجت ما چيت وإنتَ كُل كلامك غريب وكل شوي تجول لي متبعديش، متسبنيش؟
صرخ قلبه متألمً يحسهُ علي أخذ الخطوة بالإعتراف لها وتخليص حالهُ من حالة تأنيب الضمير والشعور المُميت بالذنب الذي يُلازمةُ مُنذُ أن وصل إليها ليلة أمس وبادر بأخذها لداخل عالمه وأندماج روحيهما وجسديهما معاً،
لكنهُ عاد لرُشدهِ من جديد لتيقنهُ أنه لو قام بمصارحتِها بوقته الحالي لم ولن تتفهم علية وتتقبل تصرفاته، ففضل إسدال الستار عن تلك الرواية وإبعادها عنها علي الأقل بالوقت الراهن، ولحين بناء جسوراً بينهما من الثقة ومتانة حالة عشقهما أكثر مما هي علية
تنهد ونظر لداخل عيناها ثم أحاط وجهها بكفية برعاية وحنان وتحدث بنبرة عاشقة لمست قلبها البرئ :
_أني حبيتك جوي يا صفا ومصدجت إني لجيتك وضميتك لحضني وحسيت بالراحة، من كتر ما أني مبسوط ومرتاح وياكي خايف لتضيعي مني ولا تُحصِل حاچة تبعدك عن حُضني .
كانت تستمع إلية بقلبٍ مُنتفض يُريد الصراخ والصياح عالياً ليعلن للعالم أجمع أنهُ وأخيراً مُتيمها ومالك روحها شعر بقلبها المُعذب وليس هذا وفقط، بل وأصبح يعشق قلبها ويتخوف من إفتقادة، يا لهُ من شعورٍ لا يوصف ولا توجد كلمات معبرة تعطيهِ قدر ما يستحق.
وضعت أنامِلها الرقيقة تحاوط بهما وِجنته وتحسستهما بنعومة وتحدثت إلية بنبرة مطمأنة لروحة ولقلبهِ الذي أصبح عاشقً بجنون بين ليلةٍ وضحاها، "ولكن" أيعقل أن يصل المّرء لمرحلة العِشق الهائل تلك خلال هذة المُدّة البسيطة ؟
أردفت صفا بعيون تنطق بإسم الهوي :
_ طمن بالك يا حبيبي، الحاچة الوحيدة اللي ممكن تبعدني عنك هي الموت، غير كدة عُمري ما أجدر أبعد عن ضمة حُضنك اللي يَامَا حِلمت بيها
علي الفور وضع أصابع يده فوق شِفتيها ليمنعها من إكمال حديثها وتحدث بعيون مرتعبة ونبرة رافضة:
_ إوعي اسمعك تچيبي سيرة الموت مرة تانية علي لسانك،
ثم ضمها بقوة وأغمض عيناة وتنهد بتألُم وتحدث بنبرة تصرخُ حنانً:
_بحبك يا صفا، بحبك ومعاوزش من دُنيتي كِلاتها أي حاچة غيرك، والله العظيم معاوز أي حاچة غير إني أكون معاكِ وتفضلي چوة حُضني.
إبتسمت بنعومة ثم وضعت كف يدها الرقيق فوق ظهرهِ وتحسسته بحنان وأحتواء، كم كانت غريبة ودخيلة تلك المشاعر الهائلة علي هذا المسكين الذي عاش حياتهُ مُفتقداً للمعني الحقيقي للإحتواء، ولم يتذوق لشعور الحنان طعمً سوي بداخل أحضان تلك الشفافة، صافية القلب والروح
إبتعد قليلاً عن أحضانها ونظر بهيام لداخل فيروزتيها وأبتسم ثم أقبل عليها ومال، وتناول شفتاها وبدأ يتذوق شهد عسلِها السائل علي فمِها بهدوء ونعومة، سُرعان ما تحول إلي شغفٍ جارف سحبهما داخل عالم السعادة اللذان باتَ يتذوقان بداخلة أحلا شرابٍ من العسل الخام الذي يُنعش روحيهما ويجعل الحياة أكثر جاذبية بنظريهما، بات يُذيقها ويُزيدها من العِشق ألوانً كي يُسعد قلبها ويعوضها غيابهِ القاسي كل تلك السنوات
بعد مده كانت تقف داخل كبينة الإستحمام بين أحضانة تحت صنبور المياة الذي يغمُر جَسديهِما معاً ويداعبها هو ويُدللها بغمر جسدِها بالماء وسائل الإستحمام بدلال ورعاية وإهتمام تحت خجلها الهائل الذي يُزيدهُ رغبة بها ، حقاً كان يُعاملها كطفلتةِ المُدللة التي يخشى عليها من كل شئ حولة
بعد مُدة خرج من غُرفة نومهُما مُرتديً ثيابهِ كاملةً حاملاً بيداه حقيبتي ملابسهُما، دارت عيناه تجوب المكان للبحث عنها وهدأت روحهِ حين وجدها تقف بجانب النافذة المتواجدة بالصالة وتطلُ علي حديقة السرايا، كانت تتحدث بهاتفها بنبرة جادة عملية ، تحرك بالحقائب نحو الباب الخارجي ليخرجهُما، وبالفعل وضعهما أمام الباب وأعاد غلقةِ من جديد وأتجة إليها، وقف خلفها وضم جسدها إلية ودفن وجههِ داخل تجويف عُنقِها ثم أغمض عيناه وتنهد براحة،
إرتعش جسدها بلذة جراء تقربهُ المُفاجئ لها لكنها تمالكت من حالة بعثرة مشاعرها التي تُصيبها كلما إقترب منها مُتيم قلبها،
إستعادت توازُنها وتحدثت بنبرة أكثر عملية قائلة:
_ تمام يا دكتور، واني هتابع معاك علي التليفون سير الشُغل خطوة بخطوة، ولو عوزت أي حاچة لحد ما أرچع من أچازتي الباشمهندس يزن موچود.
لم يدري لما إشتعل جسدة بنار الغيرة عندما تيقن بفطانتة أنها تُحادث ذلك الثئيل الذي يُدعي بياسر، زفر بضيق شعرت هي به فأنهت مكالمتها سريعً
وتحدثت بإلهاء لذلك المُكبل لها بشدة:
_ طلعت الشُنط برة يا حبيبي.
أومأ لها بهزة رأسهِ ثم تنهد وتسائل بنبرة مُتحفظة :
_ كُنتِ بتكلمي اللي إسمة ياسر ؟
تنفست بهدوء لعِلمِها عدم تقبلهُ لشخص ياسر فتحدثت بهدوء:
_ كُنت ببلغة إني في أجازة لمُدة إسبوع.
إبتعد عنها بجسدهِ وهتف بنبرة حادة غاضبة:
_ وهو مال اللي چابوة بأچازتك من عدمها، بتاخدي الإذن منية إياك ؟!
تنهدت ونظرت إلية بحيرة وتعجب لغضبهِ المبالغ به من ياسر وتحدثت بنبرة هادئة كي تسترضية:
_ مالة كيف بس يا قاسم، هو مش مسؤول معايا في إدارة المستشفي ولازم أعرفة كل خطواتي لجل ما يعمل حسابة ويوزع الكُشفات بتاعتي علية هو والدكاترة.
إمتعضت ملامح وجههِ وظهر عليها الغضب فأقتربت علية وبسطت يدها واضعة كف يدها الرقيق لتتلمس بهِ ذقنةِ النابتة التي تدعوها للإثارة والجنون وتحدثت بنعومة مُبالغ بها :
_ بلاش تكشيرتك دي علشان خاطري، دي أول خروچة ليا معاك، يرضيك نجضيها وإنتِ مكشر في وشي إكدة !
علي الفور لانَ جسدهِ المُتيبس وإنفرجت أساريرهُ وكأن بلمستها السحرية قد سحبت ما بداخلة من غضبٍ وثورة ، أمسك كفها الموضوع علي وجنته وشدد علية ثم قربهُ من فمهِ ووضع قُبلة حميمية بشفتاه بطريقة جعلتها تبتلع لُعابها
فتحدث وهو يلف خصرِها بذراعة محاوطً إياه بحماية ويحثها علي التحرك :
_ طب يلا بينا ننزل حالاً علشان لو فضلنا إهني أكتر من إكدة هيروح علينا حچز الطيارة، ويمكن منخرجوش من إهني لحد الإسبوع كِلاته ما يعدي.
إبتسمت بنعومة وتحركت بجانبة واتجها معاً نحو الدرج متشابكين الأيدي ، كانت تتدلي وهي تنظر لداخل عيناة بوله وعيون عاشقة حتي النُخاع،
في تِلك الأثناء كانت تخرج من المطبخ مُمسكة بيدِها صحنً كبيراً ملئً بالبيض الناضج في طريقها بهِ إلي وضعهِ علي سُفرة الطعام ،
إستمعت لهمهمات وضحكات خفيفة تأتي من أعلي الدَرج، رفعت قامتِها بتوجس لتكذيب آُذناها التي إستمعت لذاك الصوت التي تحفظةُ عن ظهر قلب، وبلحظة شهقت بصدمة وأتسعت عيناها بذهول، من يراها بتلك الهيئة يتيقن أنها رأت غولاً مُقبلاً عليها كي يلتهمُها ، لم تستطع السيطرة علي التماسك فأنفلت من بين يداها القّدر وتبعثرت وحدات البيض حولها بشكلٍ فوضوي ، خرجت نجاة من المطبخ سريعً علي صدي الصوت وتحدثت :
_خبر إية يا فايقة، إية اللي حُصل !
نظرت فايقة وهتفت بفحيح موجهه حديثها إلي قاسم بذهول :
_ قاسم، إنتِ بتعمل إية إهني ؟
وميتا چيت من مصر !
نظرت لها صفا وقطبت جبينها مُستغربة حالة تلك المرأة العجيبة التي ترمقهما بنظراتٍ نارية لو آُطلِقت لها العنان لأشعلت المنزل بأكملة
شدد هو من ضمة يد حبيبته وتحرك بها للأسفل برأسٍ شامخ وقامة مرتفعة
سبقتةُ حُسن بالإجابة قائلة وهي تنحني بجسدِها لتلتقط وحدات البيض :
_ سي الأستاذ قاسم چة بالليل متأخر بعد البيت كلياته ما نام
رمقتهُ بعيون غاضبة وقلبِِ مُشتعل حين تحدثت نجاة بإبتسامة حانية مُرحبة :
_ حمدالله علي السلامة يا ولدي، چدك وعمامك جاعدين برة في الفراندا بيشربوا شاي بحليب ، خد مرتك وأطلع لهم علي ما الفطور يچهز والشباب ينزلوا من فوج وتفطروا ويا بعض
أومأ لزوجة عمهِ وشكرها ودلف بجانب ساحرتهُ مُتجاهلاً تلك التي أشرفت علي الإصابة بذبحة صدرية جراء ما أصابها من خيبة أملها بولدها البكري الذي يحاول دائماً إفشال مُخطتها
تحرك للخارج وتبادلا السلام مع الجميع تحت سعادة عِثمان التي تخطت عنان السماء عندما رأي تشبث قاسم بيد صفا وراحة وجههُ الظاهرة وهو ينظر إليها، وما زاد من سعادتهُ هي تلك الصافية والفرحة التي سكنت عيناها وباتت ظاهرة كالشمس لكل من ينظر إليها
نظر قاسم إلي حُسن وأردف قائلاً بنبرة رحيمة:
_ خلي بدرية تطلع تچيب الشُنط اللي چدام الشُجة وتچيبهم إهني يا حُسن،
هتفت فايقة مُتسائلة بنار شاعلة :
_ شُنط إية دي يا قاسم؟
أجابها وهو ينظر لداخل عيناها بجمود:
_مسافر أني ومرتي هنجضي أسبوع في شرم الشيخ
قهقة قدري عالياً وتحدث لصغيرة المتمرد قائلاً بإستحسان وهو يتخيل وجة تلك الشمطاء المسماة بكوثر:
_ عفارم عليك يا قاسم ، إبن النُعماني صُح.
رمقتة فايقة التي تكاد أن تُصاب بالجِنون وهتفت بحدة :
_ وشغلة اللي في مصر يا أبو قاسم، هيهمله ويُجعد چار الست صفا إياك ؟
إستغرب الجميع حِدتها بالحديث ونبرتها الغاضبة مما جعل رسمية تهتف متسائلة إياها بنبرة ساخرة:
_ چرا لك إية يا فايقة، اللي يشوف خلجتك المجلوبة يجول إن صفا دي ضُرتك مش مّرت ولدك.
إبتلعت حديثها وباتت ترمق صفا بنظرات حادة غاضبة
في حين تحدث الجد وهو يُشير إليه بملامح وجه مستكينة:
_ إجعد يا قاسم إنت ومّرتك إشربوا الحليب علي ما الفطور يچهز ونفطروا كِلياتنا وَيَا بعض
تحدث مُعترضً بنبرة هادئة:
_ مهينفعش يا چدي، إحنا يا دوب هنسلم علي عمي زيدان علي الواجف إكدة ونتحرك بسرعة عشان نلحج ميعاد الطيارة، نبجا نفطر في شرم إن شاء الله
وافقة الجد وطلب منهُ أن يهتم لأمر إبنة عمهِ ويهاتفهُ حين يصل مباشرةً كي يطمأن علي غوالي قلبه.
أتت بدرية بالحقائب حين هتف قاسم مُناديً بأعلي صوتهِ علي الغفير عوض الذي يقف خارج بوابة القصر الخارجي، مد يدهُ مناولاً له مفاتيح السيارة وطلب منه أن يحمل الحقائب ويضعها داخل صندوق السيارة الخلفي
ثم تحرك تحت نظرات فايقة المُسلطة فوق صفا التي رأت بها نُسخة ورد المُصغرة وبصغيرها شبح عِشق زيدان الذي بات يؤرقها طيلة السنوات الفائتة
داخل منزل زيدان، كانت تُشدد من ضمتها لوالدها الذي يحتويها بذراعية داخل احضانة ويمسح فوق حجاب رأسِها بحنان، تنفست براحة
فتحدث ذاك الواقف يتطلع عليهما بإعجاب واحترام لتلك العلاقة الصحية:
_ لو فضلنا علي إكدة مهنلحجش الطيارة يا صفا؟
اخرجها زيدان ثم حاوط وجنتيها بكفي يداه وتحدث بنبرة حنون:
_ معيزاش حاچة ؟
حولت بصرِها إلي حبيبها وتحدثت بنبرة جريئة جديدة عليها:
_ هعوز إية وأني ويا چوزي يا أبوي ، ربنا يخلية ليا.
وهُنا تسلل إلي قلبهِ شعور يتعرف علية لأول مرة، لأول مرة يشعر بأنةُ رجُلً مسؤول عن حبيبة وضعت كل ثقتها وحِملها علي أكتافة الصلبة وعلية أن يعمل جاهداً كي يُثبت لها أنه علي قدر المسؤلية التي وضعت علي عاتقة.
سعد داخل زيدان عندما لمح سعادة صغيرته التي تملكت من روحها ورأي تبادل نظرات العشق التي يحفظها عن ظهر قلب، ومن أدري بحال العشق وأهلهِ أكثر من زيدان العاشق
تحدثت ورد إلي قاسم الذي يجاورها الوقوف لتحثهُ علي رعاية صغيرتِها :
_ خلي بالك منيها زين يا قاسم.
نظر لداخل مقلتي ساحرته وتحدث بنبرة هائمة مُتناسياً من حولة :
_ ما تجلجيش يا مرت عمي، صفا جوة جلبي وقافل عليها بضوعي .
نظرات عاشقة متبادلة بين ذاك الثُنائي التي تكادُ تتطاير من أعيُنهم قلوبً حمراء وتتراقص من حوليهما ضارببن بكل شئ عرض الحائط سوي عِشقهُما الوليد ، يتعاملان وكأن العالم قد خلي من الجميع إلا هُما
نظرت ورد إلي زيدان بإندهاش مُذهل لحالة ذلك القاسم التي تغيرت علي النقيض، تحدث زيدان بنبرة تهكمية ليجعلهما يستفيقا من حالتهما تلك:
_ قاسم، الطيارة عتفوتكم يا حبيبي.
وعت هي علي حالة هيامها وسحبت بصرها ونظرت أرضً من شدة خجلِها، إقتربت عليها والدتِها واحتضنتها برعاية وتحدثت:
_ خلي بالك علي حالك وعلي چوزك يا بِتي، وكُلي زين عشان وشك أصفر ومعاچبنيش اليومين دول
أومأت لوالدتها ثم تحركت بجانب زوجها واوصلوهما والديها إلي الباب الخارجي وأنتظرا حتي إستقلا سيارتهما تحت نظرات الجميع المودعة لهما، نظرت فايقة علي زيدان الذي يحاوط صغيرته بنظرات مُتلهفة قلقة وهي تتحرك بسيارة قاسم التي غادرت بإتجاة المطار
وأبتسمت بجانب فمِها شامتة منتظرة علي أحر من الجمر اليوم التي ستنكشف بهِ حقيقة زواج قاسم علي إبنة زيدان وورد، بل ومدللتهم العالية التي ستصبح إضحوكة جميع من في النجع عندما يعلمون أن تلك الطبيبة والتي يتباهي بها زيدان بين الناس ، فضل زوجها عليها إمراةٍ أخري بعدما إفتقد لوجود الراحة والسكون وانعدامهما
إشتعل داخلها وأختفت بسمتِها عند إستماعِها لعتمان الذي وجه حديثهُ إلي زيدان قائلاً بصوتٍ جهوري:
_ هات مرتك وتعالي إفطروا ويانا يا زيدان، عاوز اتكلم معاك بعد الفطار شوي
تحدث إلية بوجةٍ بشوش وطاعة عمياء:
_ أوامرك يا أبوي .
أمسك كف ورد وتحركا للداخل لإرتداء ثيابً تُناسب خروجهما من منزلهما،وبعد قليل دلف لداخل غرفة طعام العائلة بجانبهِ ورد التي تبتسم بسعادة تحت إشتعال روح فايقة وهي تري الرجل الوحيد التي تمنت وحلُمت بضمة حُضنهِ، وهو يجاور المرأة الوحيدة التي أضاءت شُعلة الغرام بداخل قلبهِ العاشق
❈-❈-❈
أسرعت فايقة إلي الحديقة الخلفية وأخرجت هاتفها وضغطت زر الإتصال بكوثر وباتت تتلفت حولها يمينً ويساراً مثل اللصوص وهي تترقب الرد
كانت تجاور صغيرتها الباكية بعدما هاتفتها ليلاً وقصت علي مسامعِها كُل ما حدث، غضبت كوثر كثيراً و ودت أن تذهب لإبنتها علي الفور لكنها تمالكت من حالِها كي لا تُظهر قلقها أمام رفعت الذي رمى عليها مسؤلية ما حدث معهُ ومع إبنته، فكظت غضبها وتحملت كي لا يشعر هو عليها، في الصباح أسرعت إلي مسكن إبنتها بعدما ذهب رفعت إلي عملهِ
صاحت تلك الغاضبة قائلة بنبرة صوت حادة:
_شفتي عمايل إبنك المُحترم ، بقا فية واحد إبن أصول ومتربي يسيب عروستة لوحدها يوم صباحيتها ويسافر
هتفت بها فايقة التي لا تقل غضبً عنها بل وتفوقها بألاف المرات:
_ بطلي نويحك ده يا مّرة وإحكي لي اللي حُصل بالراحة لجل ما أفهم .
تحدثت كوثر بصياح مُصطنع وهي تتطلع إلي إيناس الجالسة تترقب للحديث بقلبٍ مُشتعل مُحترق :
_ اللي حصل إن إبنك شايف دلاله أوي علي بنتي وبيستقوي عليها إكمنه عارف ومتأكد إنها بتعشقة،
وأكملت بنبرة تهديدية:
_بس ورحمة أمي لو ما أتعدل لاكون واقفة له ومعرفاة مين هي كوثر، هو فاكرها ملهاش حد يُقف معاها ويوقفه عند حدة ، لاااا ده يبقا غلبان أوي لو فكر بالشكل دة
صاحت فايقة بصراخ وتحدثت بضيق:
_يا ولية جولي لي إية اللي حُصل وبطلي ندبك ده علي الصُبح
تمالكت كوثر من حالة الغضب الكاذب التي إدعتها أمام تلك البلهاء كي تبّثُ الرعب داخل قلبها لتحث صغيرها وتُجبرهُ علي التعامل مع إيناس كزوجة طبيعية له ، وبدأت بقص ما حدث عليها
تحدثت فايقة بنبرة تهكمية :
_ بِتك كَنها خايبة وهتغفلِجها علي دماغنا كِلياتنا، بجا معرفاش تشد راچِلها وتخليه يدخل عليها ؟!
وأكملت بنبرة تهكمية:
_أومال لو مكانتش محامية وشِغلها كلياتة خِطط وألاعيب
تسائلت كوثر بتخابث:
_تقصدي ايه بكلامك ده ؟
أجابتها بفحيح :
_أجصد إنك تتصرفي وتوعي بِتك لجل ما تحاول بأي طريجة تغرية وتخلية يدخل عليها وتِحبل منية كمان ،
وأكملت بنبرة حادة غاضبة:
_ إنتوا إكدة بتخربطولي حساباتي خربيط .
أغلقت كوثر معها بعدما إتفقتا علي ما يجب فعلة، إستمعت إلي صوت جرس الباب، تحركت إلية وجدت عامل توصيل الطلبات التي طلبت منه وجبات مُتعددة باهظة الثمن، وقامت بتسديد ثمنها من الأموال الكثيرة التي تركها قاسم فوق المنضدة الجانبية للباب الخارجي قبل رحيلهُ
تحركت بالطعام وأفترشتة علي السُفرة بطريقة عشوائية دون إفراغة ورصِهِ داخل صَحون
وتحدثت وهي تحث إبنتها علي النهوض:
_ تعالي يا إيناس علشان تاكلي.
وقفت مُنتصبة الظهر وتحركت إلي والدتها ثم نظرت إلي الطعام وتحدثت بعيون مُتسعة بذهول:
_
إية الأكل ده كُله يا ماما؟
ومين أصلاً اللي هياكل حمام محشي وكباب وكفتة وشاورما ومحاشي علي الصُبح ؟!
رفعت لها قامتِها وتحدثت وهي تمد يدها وترفعها إليها بحمامة مُنتفخة جراء حشوِها بالأرز وذات لونٍ ذهبي داكن يُشهي العين والنفس لمن ينظر إليها :
_ إقعدي كُلي واللي هيتبقي هاخدة معايا لأبوكي وعدنان علشان مش قادرة أعمل غدا إنهاردة .
جلست بجانبها وتحدثت بنبرة يائسة :
_ أنا هتجنن من اللي حصل يا ماما، مش قادرة أستوعب، معقولة ده قاسم اللي كُنت بحركة علي كيفي زي حُصان الشطرنج؟
وأكملت بذهول:
_ ده إتحول وكأنة بقا واحد تاني أنا معرفهوش.
إبتسمت كوثر ساخرة وقضمت قطعة من الحمام داخل فَمِها وتحدثت أثناء عملية المَضغ قائلة:
_ الواد ده مطلعش سهل وقفل زي ما كُنا فاكرينة، ماهو بالعقل كدة، ناس زي قدري وفايقة هيخلفوا إية غير شيطان وطماع زيهم
نظرت لها إيناس وتسائلت مُستفهمة:
_تقصدي إية بكلامك ده يا ماما .
هتفت كوثر مُفسرة :
_أقصد إن قاسم ده طلع داهية ودماغة شغالة وعامل لكل خطوة حساب، هو مشي وراح مخصوص لبنت عمه علشان لو الموضوع إتعرف فيما بعد يقول لعمة ولجدة إنه كان مغصوب علي الجوازة، والدليل إن يوم فرحة سابك وراح لها،
وأكملت بإبتسامة ساخرة:
_ وبكدة الهبلة اللي هو متجوزها هتصدقة وتغفر له ومتخليش أبوها يخرجة من الجنة اللي دخلها برجلية وهيلاقي فيها العز اللي عُمرة ما كان يحلم بربعة .
قاطعتها إيناس معترضة:
_ بس قاسم عُمرة ما كان مادي ولا طماع يا ماما.
أجابتها بردٍ قاطع ويقين :
_ ده اللي هو حب يظهره في شخصيتة لينا علشان نشوفة كدة ونحترمة، لكن الحقيقة إن هو ما يفرقش في أي حاجة عن الشياطين اللي مخلفينة، بالعكس، ده يزيدهم لأنة بيخطط في الخفي بذكاء وخُبث .
تسائلت إيناس بإرتياب:
_ طب قولي لي هتصرف إزاي أنا معاه الوقت بعد اللي عملة معايا ده ؟
إنتقت قطعة من اللحم المّشوي ورفعتها لمستوي عيناها وباتت تُقلبها بين أصبع يدها بتمعن وتحدثت ببرود:
_ ولا حاجه، هتصبري لحد ما يرجع وبعدها هنشتغل له في الأزرق ،
وأكملت بتقليل وآستهانة :
_ وبعدين إنتِ ناسية كلام عدنان عن البنت اللي هو متجوزها،
واسترسلت حديثها بتفاخر :
_ سبيني أنا اتكتك له علي الهادي وإنتِ نفذي لما يرجع، وخلينا نشوف إبن فايقة هيقدر يتحمل ويمسك نفسة لحد أمتي.
وأردفت بتحذير:
_المهم إنتِ ماتخرجيش من هنا خالص وإقفلي تلفونك، وأنا اللي هيسألني من أصحابك أو قرايبنا هقول لهم إنكم سافرتم إسبوع عسل، واللي عاوز ييجي يبارك لكم يبقا ييجي الاسبوع الجاي، لما يبقا البية يوصل بالسلامه.
❈-❈-❈
داخل مسكن فارس ومريم، خرج من غرفتة يهندم جلبابه ويعدل من عِمامة رأسهِ ناصعة البياض ، نظر إلي غُرفة صغيرته التي تختبئ خلف جُدرانِها تلك المُتمردة التي أعلنت مؤخراً ورفعت راية عصيانها علية، زفر بضيق لشعورةُ بالإختناق وبأن الوضع بدأ يزدادُ سوءً بينهما، خصيصاً بعد تجاهُلها الكامل وتلاشيها الذي يُشعرهُ بإهانة رجولتة علي يداها
تحرك إلي باب الغُرفة وفتحهُ سريعً دون طرق، إنتفض جسدها رُعبً وقامت بإغلاق زرائر كِنزتِها بإرتباك وهتفت بنبرة حادة لائمة:
_فيه حد يدخل علي حد من غير إحم ولا دستور إكدة؟
أشارت الصغيرة الجالسة فوق التخت إلي أبيها بسعادة فتحرك إليها وألتقطها لداخل أحضانة وهو ينظر إلي تلك التي تُخبئ جسدها بعيداً عن نظراته المُتفحصة، فأراد أنّ يستشيط غضبها أكثر حيثُ أنّه مؤخراً أصبح يشتاق للجلوس معها أو حتي تواجدها والمرور من أمام أعيُنة مثل سابق
وتحدث بنبرة باردة :
_ هستأذن وأني داخل أوضة بتي لية إن شاء الله، داخل لرئيس الحّي إياك ؟
أجابته بنبرة حادة وهي تلف حجابها وتضع لمساتها الأخيرة للتأهب لذهابها للمشفي :
_ تستأذن علشان الدين والإصول بيجولوا إكدة يا مُحترم ، ولا أنتَ خلاص، بجت مِغمي عيونك علي كُل شى حتي عن الأصول؟
قالت كلماتِها وتحركت إلية وألتقطت طفلتِها من بين أحضانة بطريقة عنيفة أرعبته، لا يدري لما أصابة شعور بالتخوف عندما وجدها تتحرك بطفلته قاصدة باب الشقة التي فتحته بعنف ومنهُ إلي الأسفل، تحرك خلفها بقلبٍ مُحمل بأثقالٍ من الهموم
دلفت مريم وتلاها فارس إلي غرفة الطعام وجدوا الجميع يتناولون الطعام فتحدث فارس إلي زيدان بنبرة مُحبة :
_ وأني أجول البيت زايد نورة لية، أتاري عمي زيدان ومرته منورينا
إبتسم له وشكرة هو و ورد تحت غضب فايقة، حين تحدثت الجدة بإهتمام:
_ إجعُد يا ولدي كُل،
إنشغل الجميع بتناول طعامة، تحت إستشاطة قلب فايقة وإشتعال جسدها بالكامل.
❈-❈-❈
داخل الطائرة المُتجهه إلي شرم الشيخ
كانت تجلس بالمَقْعَد المجاور للنافذة مُسلطة ببصرِها علي مُجاورها وعاشق أنفاسها تنظر إلية بعيون تنطق عِشقً، مُكبلاً هو كف يدها الذي لم يتركهُ مُنذُ أن خرج من مسكنهما للأن، وكأنهُ يرتعب من فكرة إبتعادِها عنه أو تركهِ
سألها بإهتمام :
_سافرتي شرم الشيخ جبل إكدة ؟
أجابتهُ نافية:
_ لا، أول مرة هروحها، سافرت مع أبوي وأمي الغردجة والعين السُخنة والساحل الشمالي وأماكن تانية كتير، بس عُمري ما سافرت شرم
أردف قائلاً بتأكيد:
_ شرم مدينة چميلة وهتعچبك جوي.
سألتهُ بنبرة حماسية:
_روحتها جبل إكدة؟
أومأ لها متحدثً:
_ روحتها كذا مرة مع أصحابي وكمان حضرت فيها مؤتمرات خاصة بنقابة المحامين
وتحدث إليها:
_ إن شاءالله أظبط شُغلي الفترة اللي چاية وأخدك ونسافر برة مصر في البلد اللي تشاوري عليها
هتفت بنبرة حنون صادقة وعيون هائمة في عشق حبيبها:
_ مش مهم عندي المكان يا قاسم
وشددت من إحتضانها ليدة وأسترسلت:
_ المُهم عندي تكون معايا وتفضل ماسك ومشدد علي يدي زي ما أنتَ عامل إكدة
كيف أسيبك بعد ما لجيت فيكي روحي التايهه اللي عشت عُمري كلاته وأني بدور عليها، وما صدجت لجيتها چوة ضمة حُضنك،، كانت تلك كلمات مُعبرة بصدقٍ عن مشاعره
كانت تنظر له بإهتمام وأنبهار بكل كلمة تخرج منه فتحدث مُنبهراً أمام عيناها :
_ عيونك حلوين جوي
وتحدث مُتذكراً بنبرة غائرة:
_ مين اللي كان بيجول لك عيونك حلوين يا صفا؟
ضحكت مُتذكرة وتحدثت:
_ هو إنتَ لساتك فاكر.
هتف بحدة مُقاطعاً حديثها بنبرة غير قابلة للمزح :
_ مين اللي كان عيجول لك عيونك حلوين؟
أجابته بنبرة قوية شامخة:
_ محدش يجدر يتجرأ ويجول لي إكدة لأن طول عُمري وأني حاطة حواچز بيني وبين الناس عشان محدش يتخطي حدودة وياي
سألها:
_ اومال جولتي لي وجتها لية إكدة ؟
شددت من مسكة يدها ليدة وتحدثت بإعتراف :
_عشان أشعللك وأضايجك كيف ما كُنت بتضايجني بحديتك المَاسخ.
تحدث إليها بنبرة حادة ونظرات مُحذرة:
_طب ياريت متكرريهاش لأنك هتشوفي وش عمرك ما كُنتي تتخيلية
ضحكت فأكمل هو بحدة:
_ إتجي شر غيرتي العامية يا بِت زيدان، عشان لو المارد اللي چواتي طلع، الله الوكيل ليغفلجها علي الكُل
شعرت وكأن روحها تتراقص من شدة سعادتها ومالت علي كتفهِ واضعة رأسها علية بسعادة مما جعل إبتسامة جميلة تُزين ثغرهِ ورفع كفها ووضع بهِ قُبلة حنون وتنهد بثقل
❈-❈-❈
داخل مدينة شرم الشيخ
تحركت بجانبة داخل الأوتيل الشهير الذي إحتَجز به قاسم جناحً كاملاً لأجل دلال أميرتة،وذلك قبل عقد قرانة علي إيناس بثلاثة أيام حيث قرر أن يكون هذا بمثابة إعتذار علي ما بدر منه في حقِها وهو مُنساق بمنتهي الغباء
وقف أمام موظف الإستعلامات وبعدما إنتهي من ملئ جميع البيانات وأنهائةِ الإجراءت المطلوبة منهُما ،تحدث إلية الموظف ببشاشة وجه:
_ نورتونا يا أفندم.
وتحدث إلي العامل:
_وصل الباشا ل Suite 104 يا حسين .
شكرهُ وتحرك خلف العامل الذي يحمل حقائبهما، ومازال هو يحتضن كف يدها برعاية، دلف العامل وأدخل الحقائب وظل قاسم يقف خارجً ينتظر خروج العامل،
خرج العامل وشكره قاسم بعدما أعطاهُ ورقة مالية من الفئة المتوسطة، وأنتظر حتي أختفي العامل من الرواق بأكملة تحت إستغراب صفا
ثم وبدون مُقدمات مال بجزعه وقام بحملها بين ساعدية القويتان ونظر لداخل عيناها وتحدث بغمزة وقحة أعجبتها :
_ إنهاردة هتكون دُخلتك اللي بجد يا عروسة.
وتحرك بها إلي الداخل تحت إنبهارها من تصرفهُ، ذُهلت عيناها مما شاهدتهُ أمامها، فقد أخبر قاسم سابقاً إدارة الأوتيل بأنهُ حديثي الزواج ويُريد حجز Suite خاص مُجهز بكل ما يليق للإحتفال بليلة مميزة كليلة زفافه وعروسة
كانت تتطلع حولها بإنبهارٍ تام، نظرت إلي ورقات الورود بألوانِها المُتناسقة المنثورة بأرضية المكان بشكلٍ يجذب البصر ، وأيضاً فوق التخت وكَتبت إسميهما معاً بعناية فائقة داخل رسمة قلب كبير
والشموع ذات الروائح العطرية الموضوعة فوق المنضدة التي تتوسط الغرفة، ويوجد عليها أيضاً سلة فواكة مليئة بالأنواع المُختلفة المتنوعة ، وبعض حبات الشيكولاتة المُحببة لدي تلك العاشقة، وأيضاً أنواع الحلوي الشرقية التي تعشقها هي بجانب عصير التفاح ، مع تشغيل موسيقي ناعمة أدخلتهُما في حالة مِزاجية حسنة، حقاً قد تفنن ذلك العاشق في إختيار جميع الأشياء التي تُسعد قلب صغيرتة
نظرت لداخل عيناه وتحدثت بعيون مُغيمة بدموع فرحها:
_قاسم
أجابها وهو يُقربها من صدره ويضمها إلية مُداعبً أنفهِ بأنفها :
_ عيون قاسم وجلبة من جوة
لفت ذراعها حول عُنقهِ تحتضنهُ مُشددة من ضمتها الحنون وتحدثت بسعادة هائلة:
_كُل ده عِملته علشاني؟!
أنزل ساقيها وأوقفها بمقابلتهِ بهدوء وأحاط وجنتيها بكفية وتحدث بنبرة نادمة مُتألمة:
_ نفسي أمحي من جواكي ليلة دُخلتنا واللي حصل فيها
وأكمل بعيون متوسلة:
_ إنسيها يا صفا علشان خاطري، عاوز ليلتنا دي تتحفر جوة ذكرياتك وتكون هي البداية، بداية السعادة وبداية حياتنا الحقيقية ، نفسي أعيش معاكِ حياتي في راحة وهدوء وحُب، نفسي أخلف منك ولاد كتير ونربيهم علي الحُب والتفاهم والحوار،
وأكمل واعداً إياها :
_أوعدك إني من إنهاردة عُمري ما هعمل أي حاجة تزعلك مني، هكون لك الزوج والعاشق والأخ والصديق الوفي ، هكون لك فارس أحلامك اللي بيتمني إشارة واحدة منك ويسابق الزمن علشان يلبي النِدي
ثم ضمها لداخل أحضانة وشدد عليها وتحدث بتمني وهو مُغمض العينان:
_ بس إنتِ إوعديني إنك متبعديش عني يا صفا، إوعديني ما تسمحيش لأي حاجة حصلت في الماضي بإنها تنغص علينا وتوقفنا عن الإستمرار في حياتنا اللي حابين نبنيها مع بعض
كانت تستمع إلية بدموعٍ مُنهمرة من مقلتيها بغزارة
وهل فيها أن تبتعد عن من عاشت حياتها بالكامل تتأمل نظرة رضا واحدة من عيناها ؟
أيُعقل أن تخرج من جَنتِهِ التي كانت تغفو كل ليلة علي أمل الدخول بها يومً.
أبعدته عن حُضنها مُضطرة وأجابته بدموع غزيرة:
_ياريت لو أجدر أعبر لك ولو بسيط عن اللي جوة في جلبي ليك يا قاسم، كُنت هتعرف إن في بُعدي عن جنتك موتي، وإن طلبك ده ملوش داعي لأن من المستحيل أفكر فيه مهما حصل
وأكملت بدموع:
_ أني عِشت عُمري كلة بأستني اللحظة اللي هتجف فيها جدامي وتعترف لي بحبك ، معجولة بعد ما ربنا حجج لي أكتر من ما كنت بحلم، أسيبك ؟
كيف أسيبك وأنتَ ضي عين صفا اللي عتشوف بيه يا حبيبي
هموت يا صفا لو سبتيني، والله هموت ومش هجدر أتحمل بعادك عن حُضني ،، جملة قالها بعيون شبة دامعة وهو يترجاها بعيناه،
مما جعلها تسحبهُ سريعً إلي أحضانها وتربت علية بكف يدها ولمساتها الحنون التي تشعرهُ بإستكانة روحهِ،
تنفس عالياً كي ينظم أنفاسة ويعود إلي هدوئة، ثم أبعدها من داخل أحضانة وسحبها من كف يدها وتحرك بها ووقفا أمام المنضدة، مد يدهُ وألتقط واحدة من حبات الشيكولاتة ونزع عنها غُلافها، وأقتضم نصفها ثم وضع لها النصف الآخر بفمِها، وما أن بدأت بمضغِها حتي مال علي شفتاها ليمتصها برغبة هائلة ، وغاصا معاً داخل ليلة تفنن في إذاقتها من عشقة المُميز كي يجعلها ليلة مميزة محفورة داخل ذاكرتهما علها تُمحي تلك الليلةِ السوداء التي عاشاها تحت ألم قلبيهما
❈-❈-❈
ليلا بالفيراندا داخل السرايا
حيث الجميع حاضرون حتي زيدان و ورد الذي دعتهما رسمية لحضور جلسة العائلة وإحتساء مشروب الشاي معهُما
تحدثت نجاة مُتعمدة وجود الجميع كي تضع تلك المُتهربة تحت الأمر الواقع :
_ كان فية موضوع إكدة كُنت محتاچة حُكمك فية يا عمي
نظر لها عتمان فاسترسلت حديثها بعدما سمح لها عتمان بالحديث :
_ طبعاً حضرتك عارف إني سافرت السِبوع اللي فات أني ويزن وليلي وأم قاسم عند الحكيم اللي صفا جالت علية ، وهو طلب منينا تحاليل وإشاعات بعد ما كشف عليها وعلي يزن، وجال نبجي نروح له بالتحليل لجل ما يفهمنا إية السبب اللي مانع الحبل لدلوك
إرتعب داخل ليلي ونظرت مُستنجدة بوالدتها، حين رمقت فايقة نجاة بنظرات مُشتعلة وتحدثت بنبرة حادة وهي تتبادل نظرها بين زيدان و ورد:
_ عيب جوي حديت خاص زي دي يتفتح وسط الأغراب يا أم يزن.
شعرت ورد بالحرج ووقفت سريعً وتحدثت إلي رسمية:
_ أني هروح علي بيتي لجل ما أتصل علي صفا وأطمن عليها يا مرت عمي
جاورها زيدان النهوض وتحدث بنبرة هادئة:
_ وأني چاي معاكِ يا أم صفا
كاد أن يتحركا حتي إستمعا إلي صوت عِتمان الهادر الذي أردف بصياح أرعب فايقة:
_ غُرب مين اللي عتجصديهم بحديتك المايل دي يا واكلة ناسك إنتِ
كَنك إتچنيتي ونسيتي حالك يا بِت سَنية
وتحدث إلي زيدان بنبرة عالية:
_ إمسك يد مرتك وجعِدها في عزك ودارك يا زيدان
ودب بعصاه الأرض بحدة وتحدث إلي الجميع:
_ ويكون في معلوم الچميع، من إنهاردة زيدان هيرچع بمرته دوار أبوة اللي إتحرم علية، هياچي هو ومرتة من صباحية ربنا ياكلوا ويعيشوا معانا إهني ويروحوا لدوارهم علي النوم وبس
ونظر إلي ورد وأردف قائلاً بنبرة صارمة غير قابلة للنقاش :
_ سمعاني يا أم الدكتورة، من بكرة معايزش أكل غير من يدك، يعني تجومي من البدرية وتاجي تمسكي المطبخ وتشرفي علي الحريم اللي هيشتغلوا إهني، مفهوم !
نظرت ورد إلي زيدان تترقب رد فعلهِ، فأشار لها بعيناة بالموافقة فأومأت قائلة بطاعة :
_ أني تحت أمرك في كل اللي تؤمر بية يا عمي .
اجابها بهدوء:
_تشكري وتعيشي يا بِت الإصول
جلست ورد وزيدان من جديد ثم تحدث عِثمان إلي قدري الجالس بقلبٍ مستشاط بسبب رجوع زيدان إلي المنزل :
_ عجل مرتك وعرِفها حدودها في دواري زين يا قدري، بدل ما أجلب عليها وأوريها وش عِتمان اللي لساتكم كلياتكم متِعرفوش عنية حاچة.
إبتلعت فايقة لُعابها وتحدثت بنبرة مُنكسرة، ترتجف من شدة هلعِها:
_ حضرتك فهمتني غلط وهِنتني وأني مظلومة يا عمي
قاطعها عِتمان قائلاً بنبرة صارمة:
_ بلاش لؤم الحريم دي عشان مهيخيلش علي شيبتي يا فايقة، ودالوك خلي نچاة تكمل لجل منشوفك مهببه إية تاني، حَكم أني خابرك زين، جرابك اللي كيف جراب الحاوي مهيخلاش من المصايب
أكملت نجاة قائلة:
_ دالوك يا عمي كان المفترض إن أبو قاسم وأم قاسم يچيبوا وياهم التحاليل إمبارح ونروح بيها للدكتور كلياتنا تاني،
وأكملت وهي تنظر لفايقة بضيق:
_ بس أم قاسم جابتها وراحت بيها إمبارح للحكيم لحالها وجالت إنه جال لهم إن التحاليل زينة وكل اللي محتاچينه هو شوية وجت والحمل هيحصل لحاله .
واسترسلت حديثها بنبرة تشكيكية غاضبة :
_ بس أني ممصدجاش حديتها دي وعاوزة تحاليل إبني اللي مَرضياش تدهالي، وأني بنفسي اللي هوديها للحكيم وأشوف هيجول إية .
هتف قدري غاضبً:
_ متخلي بالك من حديتك زين يا نچاة، وإحنا هنكدبوا عليكي لية إن شاءالله ؟
أجابهُ منتصر الغاضب:
_ أومال مرتك مخبية التحاليل لية ومردياش توريهالنا يا قدري ؟
كانت تستمع لتلك المناوشات بقلبٍ مُرتجف وجسدٍ يرتعش وعيونً تترقب الجميع بهلع، نظرت إلي يزن وجدته ينظر إليها بعيون حزينة، حقاً هو متعاطف معها وحاول التقرب لها وأحتواء قلبها مراراً، لكنها دائماً تُجبرهُ علي النفور منها والإبتعاد بسبب تصرفاتها المُخزية مع الجميع وقلبها الذي يحمل الكثير من الحقد والكُرة الغير مُبرر .
تحدثت الجدة بنبرة حادة إلي فايقة:
_ وإنتِ مخبية التحاليل عنيها لية يا فايقة، الولية حجها تفرح وتشوف حتة عيل لولادها
تحدث عتمان إلي فايقة بنبرة حادة :
_ هاتي التحاليل دالوك وأديها ليزن يا فايقة، وإنتَ يا يزن، خد مرتك وادلي علي مصر وروح للحكيم وشوف هيجول لك إية عليها
تحدثت فايقة بنبرة قوية :
_ إذا كان علي التحاليل فأني هطلع أچيبها لكم حالاً يا عمي،
وأكملت بنبرة حزينة:
_ بس اللول لازمن تعرفوا إية اللي فيها بالظبط، وإية اللي خلاني كاتمة علي الخبر ومدارية وچعي وجهرتي جوات جلبي أني وچوزي وبِتي من وجت ما روحنا بالتحاليل للدكتور وجال لنا علي اللي فيها.
نظر لها الجميع بإرتياب وتحدثت هي بنبرة ضعيفة وهي تنظُر إلي يزن قائلة بنبرة حزينة مُنكسرة :
_ العيب طلع عِند يزن يا عمي .
يتبع
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم روز امين
نظرت فايقة إلى يزن وأردفت بنبرة صوت متألمة وعيون حزينة:
_ العيب طلع من عند يزن.
رفع يزن بصره سريعًا ورمقها بنظرة بها ذهول، ثم تحدث بنبرة صوت حادة جنونية:
_ إيه التخاريف اللي بتقوليها دي يا مرت عمي.
صدمة شلت حواس الجميع وجعلتهم غير قادرين على النطق.
هنا جاء دور شريكها بالخديعة كي يجيد حبكة القصة ويصدق على حديثها الكاذب. تحدث بنبرة منكسرة أجاد تقمصها بإتقان:
_ مرت عمك ما بتقولش تخاريف يا يزن، مرت عمك بتقول لك اللي عرفنا به الحكيم ومكناش عاوزين نقوله لجل شكلك قدام أهل السرايا يا ولدي.
تنهدت فايقة بأسٍ رسمته على وجهها ببراعة، وتحدثت وهي تنظر إلى ليلي التي تبكي بحرقة:
_ ليلي من وقت ما عرفناها امبارح من لما عدنا من مصر وهي يا قلب أمها، دمعتها ما نشفتش من على خدها ومبطلتش بكى.
نفت نجاة قائلة بنبرة حادة مشككة:
_ بطلي شغل الثلاث ورقات بتاعك ده يا فايقة، وقومي هاتي لي التحاليل اللي أنا متأكدة إنها حتكشف كدبك.
_ وأنا أكذب في حاجة زي دي ليه يا نجاة؟ إيه المصلحة اللي حتعود عليا من كده؟
جملة نطقتها فايقة بنبرة مليئة بالثقة.
أجابتها تلك المشتعلة:
_ عشان تخبي على عمايلك السودا والبلاوي اللي شربتيها لبيتك، واللي أنا متأكدة إنها السبب في تأخير الحمل عندها.
وأكملت باتهام:
_ وبدل ما تيجي تقولي الحقيقة وتطهري حالك، تقوم تجيب العيب عند ولدي سيد الرجالة.
انتفض قلب ليلي وارتعب داخلها عندما نظر لها يزن مستغربًا حديث والدته الغامض بالنسبة له.
نهضت فايقة سريعًا وتحدثت بتلبك خشية انفضاح أمرها:
_ الله يسامحك على ظُلمك ليا يا أختي، على العموم أنا هطلع أجيب لك التحاليل وأوديها لأي دكتور هنا، وإنتي تعرفي إني مبقولش غير الحقيقة وربي شاهد عليا.
وجه قدري بصره نحو نجاة وتحدث بنبرة قوية أجاد تقمصها بعدما نظرت له فايقة طالبة العون منه والمساندة:
_ أنا مش فاهم لازمته إيه التشكيك ده يا نجاة، ما جوزك وولدك قاعدين منطقوش أهم، إشمعنى إنتي اللي اعترضتي وبتكذبي حديثنا؟
كانت أشبه بـ هرة شرسة على أتم استعداد لغرس حوافرها الحادة داخل لحم أي شخص يحاول أذية صغارها. رمقته بنظرات غاضبة وأجابته بقوة جديدة عليها لا تعلم مصدرها:
_ لأن محدش يعرف خبايا مراتك وتخطيها العفش جدي يا أبو قاسم.
وهنا هتف عثمان الذي عقد لسانه جراء صدمته من تلك الكارثة التي حلت بحفيده، فتحدث مستفسرًا:
_ عمالة تلفي وتدوري على إيه يا نجاة، متقولي طوالي تقصدي إيه بحديثك ده؟
نظرت له فايقة مستعطفة إياها بأن تلتزم الصمت وتحفظ السر الذي لا يعلمه سوى كلاهما وليلي.
تحدثت نجاة بقوة ضاربة نظرات فايقة التوسلية عرض الحائط:
_ أنا أقول لك على اللي بقى لي سنتين كتماه في بطني وجافلة عليه خشمي يا عمي، وإنت احكم بيناتنا.
واسترسلت بقوة وهي تشير بيدها إلى فايقة:
_ الست فايقة بقالها سنتين عتلف ببنتها عند دجالين المركز كله من وقت ما اتجوزت لحد دلوقتي، شربتها وصفات وخلطات ياما وأنا كنت ساكتة ومخروسة على أمل إن الحمل يتم وأشوف عوض ولدي بيجري قدام عيني.
دبت رسمية على صدرها وتحدثت باستنكار إلى فايقة:
_ يا حومتي، هي حصلت الدجالين يا مرة يا خرفانة إنتِ، وأمنت لبنتك كيف تدخل عند الناس العفشة دي يا حزينة؟
اتسعت عيون يزن بذهول وحول بصره لتلك المنكمشة على حالها تنظر عليه بترقب ورعب كالجرو المذعور.
حين هتفت فايقة مداعبة عن حالها وابنتها من تلك الاتهامات التي من الممكن أن تفسر بشكل خاطئ لدى الجميع:
_ أنا مهملتش بنتي دقيقة واحدة لحالها مع حد يا عمة، رجلي كانت سابقة رجلها في أي مكان بتدخل فيه، والناس اللي كنت بروح لهم كلهم محترمين وسمعتهم الطيبة سابقة.
هدر بها عثمان بنبرة صارمة وعيون مصدومة:
_ سمعة مين اللي سابقة يا مرة يا خرفانة يا أم عجل ناقص، هما دول يعرفوا ربنا من الأساس عشان يكون عندهم أخلاق؟
ثم حول بصره على قدري الذي يجلس داخل المقعد يكاد من شدة خجله وزعره أن يختفي بداخله، وتحدث متهكمًا:
_ وإنت يا دلدول الحرمة يا اللي محسوب عليا كبيري وإنت أصغر عيل في الدوار دماغه توزن عشرة من عينتك، كنت تعرف باللي عم تسويه غراب البين دي ويا بنتك؟
نطق سريعًا مخلصًا حاله من غضب والده الذي يشبه الإعصار:
_ الله الوكيل ما عرفت غير دلوقتي يا حاج، أنا زيي زيكم.
رمقه عثمان بنظرة اشمئزاز قائلاً بتهكم ساخر:
_ ما إنت لو راجل صح ومالي عين بنتك سنية مكانتش استغفلتك وعملت اللي على كيفها يا خلفة الشوم والندامة.
وقف يزن سريعًا وتحرك إلى موضع جلوس ليلي وأمسك كف يدها وسحبها بعنف قائلًا وهو يصفعها بقوة على وجهها:
_ مش هو لوحده اللي مرته عم تستغفله ومش معتبراه راجل ودايرة على كيفها يا جدي.
نطق كلماته الغاضبة بعيون تطلق شزرًا، نزلت الصفعة على وجنة ليلي جعلتها تتهاوى بوقفتها. فشهقت نساء العائلة ووضعت ورد يدها على فمها بذهول.
حين جرت فايقة على صغيرتها واحتضنتها قائلة بنبرة غاضبة وهي تنظر بشرًا إلى يزن:
_ اقطع يدك اللي مدتها على بنتي.
جرى فارس وأمسك يزن محاولًا تهدئته وتحدث:
_ مش كده يا يزن، امسك حالك.
أسرع قدري ووقف بجانب زوجته وابنته وتحدث موبخًا ابنه:
_ هو ده اللي ربنا قدرك عليه بعد ما ضربت اختك قدام الكل يا خلفة الندامة؟
ثم حول بصره إلى يزن وتحدث بنبرة خالية من الرجولة والشهامة والأصول:
_ وإنت يا عرة الرجالة، بدل ما تداري خيبتك وعجزك جاي تستقوي على بنتي وتضربها عشان تداري ضعفك.
جحظت أعين يزن وشعر بطعنة برجولته. شعور مميت بالعجز والخجل والنقصان تملك منه حتى أنه لم يقو على رفع عيناه في أحد من المتواجدين. وقعت الجملة على قلب فارس أحرقته لأجل ابن عمه وصديقه الصدوق بل وشقيقه ورفيق دربه، وتحدث بنبرة ملامة:
_ إيه اللي بتقوله ده يا أبوي؟
نظرت مريم من وسط دموعها الغزيرة إلى فارس باستحسان لما قام به من أجل شقيقها.
حين جرى عليه زيدان الذي شعر بابن شقيقه الذي يعتبره ولده الذي لم يحظ بإنجابه، وحاوطه بذراعه وتحدث إلى قدري قائلًا بنبرة غاضبة وعيون تطلق شزرًا:
_ إيه السم اللي حيعمل من خشمك ده يا بني آدم إنت؟
تحرك منتصر سريعًا إلى قدري وأمسكه من تلابيب جلبابه وهزه بعنف وتحدث:
_ بدل ما تتشطر على ولدي وتدبحه بحديثك ده، روح ربي مراتك القادرة اللي دايرة على كيفها وملبساك العمة يا عرة الرجالة.
جرت رسمية على أنجالها وهي تصرخ بعلو صوتها محاولة التهدأة والفصل بينهما، وزيدان الذي وقف يتوسط شقيقاه محاولًا بشدة فكاك قبضة يد منتصر الخانقة لقدري.
هدر عثمان بعلو صوته ودق بعصاه الأبنوسية الأرض وأردف قائلاً بنبرة حادة:
_ بعدوا يدكم عن بعض يا ولد منك له، والله عال يا أولاد عثمان، جاء اليوم اللي أشوف فيه عيالي ماسكين في هدوم بعض وبيتعاركوا قدامي.
ابتعد الجميع عن بعض جراء حديث عثمان، وأمسكت رسمية بتلابيب زيدان وهي تتهاوى وتغمض عيناها قائلة بنبرة ضعيفة مستنجدة:
_ إلحقني يا زيدان.
صرخ زيدان باسمها وحملها بين ساعديه تحت صرخات وارتياب الجميع وجرى بها سريعًا لداخل حجرتها وقام بتمديدها فوق التخت وجرى عليها عثمان بهلع محاولًا إفاقتها.
بادر فارس بالاتصال على دكتور ياسر وأبلغه بالحضور الفوري. أما يزن الذي ما زال متسمرًا بوقفته بعيون متحجرة غير واعٍ لما يجري من حوله وكأن روحه قد فارقت الحياة ولم يتبق منه سوى جسده البالي وفقط. تحركت تلك الباكية وقابلت وقوفه وتحدثت بدموعها وهي تتلمس كف يده بترقب:
_ يزن.
فاق على حاله وجذب يده بحدة ثم رمقها بنظرات مشتعلة مشمئزة وانسحب للخارج تاركًا المكان بأكمله. اتجه إلى حدائق الفواكه المتواجدة بغرب النجع، وجلس بها شاردًا بائسًا حزينًا على حاله وما آل إليه.
داخل السرايا، أتى ياسر وأجرى الكشف على رسمية التي اكتشف أنها مصابة بداء السكري ويرجع هذا بسبب تقدمها بالعمر وهذا ما ساعد بارتفاع شديد بضغطها. أعطاها الدواء المناسب لحالتها وتحرك للخارج مع فارس. لاحظ وقوف مريم واقفة بجانب ورد ونجاة وهي تبكي بانهيار تام لأجل ما أصاب شقيقها وانتهت بما حدث لجدتها من انهيار تام. اشتعلت روحه وصرخ قلبه متألمًا لأجل دموعها الغالية، فتحدث موجها حديثه إلى الجميع وهو يختصها بالنظر:
_ اطمنوا يا جماعة، الحاجة كويسة وإن شاء الله حالتها هتتحسن أكثر بعد ما أخذت الأدوية.
نظرت إليه مريم بضعف ألمه كثيرًا، ثم تحدثت إليه ورد بامتنان:
_ ربنا يطمن قلبك يا دكتور.
شكرها وانسحب مستأذنًا للخارج تحت استغراب فارس من تصرف ياسر ولكنه نفض من دماغه سريعًا لأجل الوضع الراهن لأهل المنزل.
أسرع الجميع إلى حجرة رسمية وجدوها تتمدد وسط عثمان وزيدان الممسك بكف يدها برعاية يتحسسيه بحنان ليبث الطمأنينة لقلب غالية قلبه وأول من عرف الحب على يدها، والدته الحنون القاسية. نظر عثمان على الجميع بوجه حاد وتحدث أمرًا بصرامة:
_ يلا كل واحد ياخد مرته وعياله وعلى فوق معايا، ما يعزش حد هنا واصل.
كاد زيدان أن يتحرك أوقفه صوت عثمان الذي تحدث قائلًا:
_ خليك إنت جار أمك يا زيدان.
انتفض قلب زيدان من شدة سعادته، هو بالأساس لا يريد ترك يد غاليتة.
وأكمل وهو ينظر إلى ورد موقرًا إياها ومعظمًا من شأنها كعادته في الآونة الأخيرة وكأنه بهذا التعظيم يعتذر منها على ما بدر بالماضي والظلم الذي وقع عليها سابقًا من جميع العائلة:
_ وإنتي يا أم الدكتورة، ادخلي المطبخ اعملي لحماتك شوربة الخضار اللي قال عليها الدكتور.
اشتعل داخل فايقة وكاد قلبها أن يصرخ من شدة الغضب والغيرة وهي ترى الجميع بدأ يمقتها وينجذب لتلك الساحرة الشمطاء على حد تفكيرها ووصفها لها.
أجابته ورد بنبرة طائعة:
_ من عيوني يا عمي.
ونظرت إلى رسمية وتحدثت إليها بنبرة حنون:
_ ألف سلامة عليكِ يا مرت عمي.
أمالت لها رسمية بعرفان وذلك لعدم قدرتها على الحديث.
أشارت فايقة بيدها إلى ورد مانعة إياها من التحرك في طريقها إلى المطبخ وتحدثت إلى عثمان بنبرة منكسرة حاولت بها جذب النظر إليها ورجوعها إلى مكانتها العالية كما السابق:
_ خليني أنا اللي أعمل الشوربة لـ عمتي يا حاج، لأن أنا أدري الناس باللي بتحبه عمتي.
هدر بها عثمان قائلاً بنبرة حادة وملامح وجه مكفهرة:
_ قلت لك اطلعي على مطرحك ومعايزش أشوف خلقتك قدامي، ما بتسمعيش الكلام ليه يا حرمة؟
هرولت إلى خارج الحجرة وبسرعة البرق كانت في نهاية أعلى الدرج.
أمسك زيدان كف والدته وتحدث بصوت حنون:
_ سلامة جلبك يا ست الكل.
نظرت إليه بحزن وانكسار المرض، فنزلت دمعة من عيناها وتحركت نحو أذنها جففها لها سريعًا ومال على جبهتها وقبلها بحنان.
نظر عثمان إلى زيدان وضيق عيناه بتفكر ثم تحدث بنبرة تشككية:
_ زيدان، أنا عاوزك تاخد ولد أخوك وتدلي بيه على مصر عشان تعيد له الكشوفات والتحاليل لأني مش مصدق ولا كلمة من اللي قالها أخوك هو والعجربة اللي اتجوزها.
هزت رسمية رأسها بضعف وتحدثت:
_ عين العجل يا ولد عمي، ولد منتصر كويس وزين زي أبوه وجده.
أومأ له زيدان بطاعة وتحدث باحترام:
_ من غير ما تقول يا أبوي، أنا كنت ناوي أعمل كده لأن كيف ما قالت نجاة، فايقة جرابها واعر كيف جراب الحاوي تمام، وبيرها غويط ملوش جرار.
❈-❈-❈
تحركت فايقة إلى شقة ابنتها كي توبخها بعدما رأت انهيارها ونظرة الرعب بأعينها بالأسفل أمام الجميع مما جعلها مرتابة ليشُك بأمرها الآخرون. وجدتها متكورة على حالها فوق التخت تبكي بشدة.
وقفت تتطلع عليها بكره، رافضة حالة الاستسلام تلك التي تتملك منها. كم تبغض أن ترى وريثتها بكل هذا الضعف والهوان. كم تمنت لها أن لا يصيب قلبها بلعنة العشق ولا يميل لأحدهم بتاتًا كي لا يضعفها غرامها وتبقى صامدة أبية ولا يستطيع أي كان كسرها أو إذلالها تحت اسم العشق.
تحدثت بنبرة حازمة وملامح وجه صارمة:
_ فوقي لحالك وبطلي نوح يا بت، أنا مش حاسبك على اللي عملتيه تحت قدام الكل، مش وقته، بعدين حنتحاسبوا، بس عاوزاكي تجمدي وتثبتي قدام الكل عشان الموضوع يعدي على خير.
صاحت بصراخ هيستيري:
_ كيف حيعدي يا أمي، يزن ضاع من إيدي خلاص، يزن مد يده عليا لأول مرة في حياته، وكل ده بسببك إنتِ.
جحظت عيناي فايقة بشكل مخيف وراحت تتساءل بنبرة حادة:
_ بسببي أنا يا واكلة ناسك إنتِ؟ صح ناكرة للجميل كيفك كيف بقيت ناسك. بقى هي دي جزاتي بعد اللي عملته عشان مأكسركيش قدام اللي يسوى واللي ما يسواش يا حزينة؟
شهقت ليلي من شدة بكائها فتحدثت تلك المتجبرة عديمة القلب والمشاعر قائلة بنبرة حادة:
_ قومي يا بت ادخلي الحمام واتسبحي عشان تفوقي من حالتك المشندلة دي.
وأكملت بنبرة قوية:
_ ما يعزش أشوفك كده، ما يليقش عليكي الضعف يا بت فايقة، يلا قومي.
قالت كلماتها الحادة الخالية من الإنسانية وانسحبت من المكان تاركة صغيرتها المنهارة دون أن تسحبها لأحضانها وتحاول طمأنة خوفها، أو حتى تحتوي ضعفها الذي يملأها.
هكذا هي فايقة النعماني، إنسانة عديمة الضمير، معدومة الحس والشعور حتى بمن يحمل جيناتها. فقد سحبتها دائرة الانتقام داخلها ونزعت من قلبها الرحمة حتى أنها أصبحت بلا شعور أمام أطفالها. عاشت حياتها بالكامل لم تحتوي صغارها، لم تتذوق حلاوة احتضانهم ولم تذقهم إياها. يا لكِ من مسكينة بائسة أيتها الفايقة، فقد خسرت وتخطتك الكثير من المشاعر الآدمية السامية وافتقدتها بسبب انتقامك الأعمى.
❈-❈-❈
دَلفت فايقة مسكنها وجدت قدري يجوب المكان إيابًا وذهابًا ويبدو على ملامح وجهه الغضب الشديد. وبمجرد رؤيته لها حتى تحرك سريعًا وقابل الوقوف وتحدث بنبرة ملامة مرعبة:
_ جلت لك بلاش منية الموضوع المجندل ده يا فايقة، جلت لك الدنيا حتولع من حوالينا مصدقتنيش، وأديها حتتطربق فوق نفوخنا وهنتفضح قدام الكل كله.
نظرت له بقوة وتحدثت بنبرة واثقة:
_ اهدي يا قدري وامسك حالك أومال، مفيش حاجة حتتكشف ولا حد حيعرف أيتها حاجة، التحاليل وهديهالهم يروحوا بيها وين ما بدهم.
وأردفت وهي تنظر أمامها بتعمق:
_ التحاليل سليمة وحتقول إن العيب من يزن وإن بتي صاغ سليم، ما أحنا مدفعناش الفلوس دي كلها في حتة ورقة وفي الآخر نقف خايفين كده.
رجعت بذاكرتها إلى قبل شهرين من الآن عندما أخبرتها ليلي وهي في قمة سعادتها قائلة:
_ كان اللي مستنيينه من زمان حصل يا أمي.
تساءلت فايقة مستفسرة:
_ خير يا ليلي، وإيه مالك فرحانة قوي كده؟
أجابتها بكبرياء وهي ترفع قامتها لأعلى:
_ خير بالجوي يا أمي، شكل كده زماني حيحصل لي وهترحم من كلام اللي يسوى واللي ما يسواش.
ضيقت فايقة بين حاجبيها ونظرت لها بعدم استيعاب فتحدثت ليلي مفسرة حديثها بنبرة خجلة بعض الشيء:
_ الدورة الشهرية ما جتش لي الشهر اللي فات، بس أنا ما أخدتش في بالي وجلت يمكن متخربطة زي ما حصل معاي قبل كده، بس الشهر دي كمان ما جتش ومعادها فات من أربع أيام.
وأكملت وسعادة الدنيا بعينيها:
_ شكلي حبلى يا أمي.
شعرت فايقة بسعادة الدنيا تسكن قلبها وبرغم أنها شبه تأكدت من حمل صغيرتها إلا أنها نوهت عليها بألا تخبر أحدًا وبالأخص يزن لحين ذهابهما إلى الطبيب والتأكد من صحة الخبر.
وبالفعل بعد يومين ذهبت إلى الطبيب وأخبرته بما تشعر. وبعد أن أجرى الكشف عليها أخبرها بعدم وجود حمل وطلب منها إجراء بعض الفحوصات. وبعد أن قامت ببعض الفحوصات وذهبت بها إليه وتفحصها جيدًا.
نظر لها بشك قائلاً:
_ التحاليل ظاهرة لي إن فيه مشكلة، بس مش هقدر أحددها بالظبط غير بتحاليل تانية عشان الصورة تكتمل قدامي وأتأكد من شكوكي.
سألتة فايقة بتخوف تحت نظرات ليلي المرعبة:
_ اللي هي إيه شكوكك دي يا دكتور؟
أجابها بعملية:
_ بلاش نسبق الأحداث يا مدام وخلينا ننتظر نتيجة التحاليل الجديدة.
أفضل.
كتبت له نوع الفحص الذي يريده منها إجراؤه.
وبالفعل ذهبتا إلى المعمل من جديد وقامت ليلي بعمل الفحص المطلوب منها وبعد يومين ذهبتا للطبيب من جديد متخفيان كعادتهما حيث قامت فايقة بإخبار رسمية بأن والدتها مريضة وعليها الذهاب لزيارتها والاطمئنان عليها بصحبة ليلي.
ذهبت إلى المعمل وأحضرت الفحوصات ثم اتجهت إلى الطبيب مرة أخرى وجلستا تترقبان حديث الطبيب الذي ظل يتفحص التقرير بتعمق شديد.
أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره وتحدث بملامح وجه تسيطر عليها الشفقة:
_ للأسف يا مدام ليلي، التقارير بتؤكد عدم وجود أي بويضات عندك نهائي.
_ معناها إيه الكلام ده يا دكتور؟
جملة مستفسرة نطقت بها ليلي بعدم فهم.
أجابها الطبيب بأسف:
_ يعني حصل لك انقطاع مبكر للبريود وللأسف حملك أصبح مستحيل، بالبلدي كده كأنك دخلتي في سن اليأس بس في سن مبكر جدًا.
صاحت به فايقة قائلة بحدة:
_ إيه التخاريف اللي بتقوليها دي يا دكتور الهَم إنتِ؟
كظم الطبيب غيظه من أسلوبها الفظ الخالي من آداب الحديث ولباقتها، لكنه راعى مشاعرها وعذر حدة حديثها الناتج عن ما أصابها من ذهول جراء ما استمعت.
وتحدث مفسرًا بنبرة تعقلية بعدما قام بضبط النفس:
_ دي مش تخاريف يا مدام، دي النتيجة الطبيعية بعد كل العك والجهل اللي عملتيه في بنتك، كمية الأدوية الكثيرة اللي اديتها لها مع الأعشاب والخلطات الخزعبلية اللي كنتي بتشربيها لبنتك عملت لها لخبطة في الهرمونات، مع طول المدة واستمرارك في اللي بتعمليه تحولت من لخبطة إلى خلل في الهرمونات.
واسترسل حديثه بنبرة ملامة:
_ بنتك كان عندها مشكلة بسيطة هي اللي مأخرة الحمل وكانت ممكن تتحل بس بالهدوء والصبر، وده الكلام اللي أنا قلته لحضرتك لما جيتي لي بيها بعد جوازها بشهرين.
وأكمل بأسف:
_ بس حضرتك ما صبرتيش وبقيتي بتوديها كل أسبوعين تقريبًا لدكتور شكل، وده طبعًا على حسب كلامك اللي قلتيه لي من يومين.
وأكمل لائمًا وهو ينظر لتلك ليلي الباكية بانهيار:
_ ويا ريتك اكتفيتي بالأدوية لوحدها، ده إنتِ كنتِ بتديها خلطات مجهولة المصدر وتغليها وتشربيها لها على الريق.
هز رأسه يمينًا ويسارًا وتحدث بأسف:
_ للأسف يا مدام، إنتِ دمرتي بنتك بإيديك وضيعتي عليها فرصة إنها تبقى أم.
مقتته بنظرات ساخطة وتحدثت وهي تهم بالوقوف:
_ أنا اللي ضيعت بنتي يا واكل ناسك إنت، الله الوكيل شكلك كده مفهم تحت رجليك، عمال تخرف وتخربط بالكلام وعاوزني أصدق تخاريفك دي؟
وأكملت بنبرة ساخرة:
_ قال إيه، بتي اللي مكملتش الثمانية وعشرين سنة وصلت لسن اليأس، يأس لما يأخذ أجلك.
وتحدثت آمرة بنبرة صارمة لابنتها الباكية:
_ قومي بينا يا بت عشان نشوف حكيم بيفهم صح.
أخذت ابنتها ونظر الطبيب إلى طيفهما ثم تحدث بوجوه مشمئز:
_ ست جاهلة متوحشة.
مرت الأسابيع سريعًا وما أن علمت من صفا عن أمر الحكيم الشهير حتى تشبثت بالفكرة واتجهوا إليه سريعًا على أمل أن يكون تشخيص الطبيب السابق خاطئ. وطلب الطبيب منهما القيام بعمل فحوصات ليزن ومريم كي يطلع على نتائج الحالة جيدًا.
وفي صباح الأمس، فاقت باكرًا حيث غفت بمسكن قاسم بعد انتهاء حفل الزفاف، ثم ذهبت بصحبة زوجها إلى معمل التحاليل الشهير الذي أرسلهما إليه الطبيب وذلك لدقة تقاريره.
وقف قدري أمام السكرتير المختص بتسليم التقارير الخاصة وأخبره أنه يريد مقابلة المختص كي يستفسر منه عن نتيجة الاختبارات بدقة. وبالفعل اتجهوا إلى مكتب المختص الذي نظر إلى الاختبارات وتحدث إليهما بعدما تفحصها جيدًا:
_ تحاليل الأستاذ يزن بتأكد إنه هو سليم 100%. ومعندوش أي موانع للخلفة.
وأكمل بتعابير وجه غير مبشرة بالمرة:
_ للأسف تحاليل الأستاذة ليلي بتؤكد عدم قدرتها على الحمل نهائيًا، البويضات عندها منعدمة، ونسبة حدوث الحمل مستحيلة بسبب دخولها في مرحلة انقطاع الطمث المبكر.
صدمة ألجمت لسان قدري وفايقة التي فقدت الأمل الأخير لها بهذه الكلمات التي وقعت عليها كصاعقة صعقت معها جميع آمالها وكسرت قامتها. ولكنها لم تكن فايقة إن استسلمت لقدرها وللواقع، ستحارب إلى نهاية المطاف إلى أن تحصل على كل شيء تريده.
استمعت إلى صوت قدري وهو يحثها على الوقوف ليغادرا، نظرت إليه بنظرات حادة كالصقر وتحدثت:
_ اقعد يا قدري، عندنا عرض زين قوي للدكتور.
نظر لها المختص وتحدث مستفسرًا:
_ عرض! عرض إيه ده يا أفندم اللي بتتكلمي عنه؟
أجابته بثبات انفعالي:
_ تاخد كام وتبدل التحاليل دي.
جحظت أعين قدري في حين وقف المختص وتحدث إليها بنبرة حادة:
_ إنتِ بتقولي إيه يا ست إنتِ، اتفضلي اخرجي برة بدل ما أطلب لك الشرطة وألبسك قضية رشوة.
تحدث قدري إليها بنبرة حادة:
_ قومي يا أم قاسم وبكفيانا فضايح لحد كده.
لم تلتفت إلى حديث زوجها ولم تعيره أي اهتمام، ثم وضعت ساق فوق الأخرى ونظرت إلى المختص وتحدثت بنبرة واثقة قوية:
_ 100 ألف جنيه وتغير لي التحاليل وتخلي عيب الخلفة من يزن.
ابتلع الرجل لعابه ونظر لها بتشكيك ثم نفض رأسه من الفكرة وكاد أن يتحدث قاطعته هي بتحدي:
_ 150 ألف وتعملي تقرير ما يخرش الماية وجبل ما آخده من إيدك حتنزل وياي في أي بنك أسحبهم لك حالًا، وده آخر كلام عندي يا إما أروح لأي واحد غيرك يعملي كل اللي أنا عيزاه بربع التمن ده.
سال لعاب الرجل فتساءلت هي بنبرة حادة:
_ جلت إيه يا دكتور؟
تحدث قدري محذرًا إياها:
_ بلاش يا فايقة، الحكاية اللي بتفكري فيها دي لو انكشفت حتخفلج على دماغنا ويمكن تكون فيها نهايتنا.
سبقها المختص بالرد بعدما أغراه المال:
_ أنا حكتب لك تقرير وأظبطهولك بحيث مفيش مخلوق يقدر يشك فيه.
وأكمل لإقناعه:
_ وأظن محدش حيُشك في مصداقية معمل عريق وكبير زي المعمل ده.
وبالفعل زور لهم المختص التقرير وتوجهوا بعدها مباشرة إلى المطار كي يستقلا الطائرة المتوجهة إلى سوهاج.
عودة للحاضر.
سألها قدري بنبرة قلقة:
_ العمل إيه دلوقتي يا فايقة لو الموضوع اتكشف؟
أجابته بنبرة باردة واثقة:
_ بسيطة يا قدري، حنقول الموظف لخبط وهو بيحط نتيجة التحاليل عند يزن، والموظف بقى بتاعنا خلاص، حنكلمه وهو هيصدق على كلامنا قدامهم ويجيب لهم التقرير الحقيقي وخلصنا.
تنهد بحيرة وتوجس من أمر تلك المتجبرة التي لا تترك شيء للظروف ودائماً تخطط لكل شيء بطريقة رائعة.
❈-❈-❈
بالأسفل، طلب عثمان من زيدان وورد المبيت معه داخل السرايا تحسبًا لأي جديد يحدث في حالة رسمية ووافق زيدان بترحاب هو وزوجته.
أما يزن فكان اليوم هو أسوأ يوم مر به منذ أن نشأ وترعرع وكبر. تأخر الوقت كثيرًا وهو ما زال بحديقة الفاكهة. هاتفته نجاة ومنتصر ومريم كثيرًا لكن دون جدوى وذلك لغلقه هاتفه للهروب مبتعدًا عن الجميع.
شعر بالتعب والنعاس فساقته رجله إلى المشفى. حاول فتح غرفة الكشف الخاصة بصفا أو ياسر وذلك لوجود سرير كشف بهما، لكن لسوء حظه كانتا مغلقتين. تحرك لغرفة أمل وفتحها وتحرك سريعًا إلى السرير الخاص بالكشف وتمدد بجسده المرهق عليه. لم يكمل دقائق حتى غفى بثبات تام من شدة إرهاقه.
ليلة حالكة صعبة قضاها الجميع ما بين منكسر وحزين وآخر مرعب من فكرة انكشاف أمره، ما عدا ثنائي العشق الذي غرد طائر حبه فوق عشهما السعيد فجعلهما وكأن روحيهما طائرة سابحة في جنة الغرام.
كان يجذب جسدها إليه لاصقًا إياه بجسده بحميمية، واضعة هي رأسها فوق ذراعه الممدود لها بحنان. ينظر كلاهما داخل عيون الآخر بهيام.
تحدث مداعبًا إياها وهو يتلاعب بخصلات شعرها الحريري بين أصابع يده:
_ شفتي كنتِ حارمة حالك من إيه بالمخدة اللي كنتِ حاشراها بيناتنا.
وأكمل:
_ بذمتك متعة نومك جوه حضني دي مبتحخليكيش تفكري إنك تولعي في مخدة الشوم دي أول ما نرجع؟
ضحكت عاليًا وتحدثت إليه:
_ ما أنا سيبالك إنت المهمة العظيمة دي.
وأكملت بنعومة سلبت بها عقله:
_ مش إنت وعدتني وإنت في القاهرة إنك أول ما نرجع سوهاج حتولع فيها؟
جذبها أكثر إليه وتحدث غامزًا بعينيه:
_ ملحقتش، كان عندي مهمة أسمى وأعظم وأهم، بس أوعدك إن أول ما نروح حتكون دي أول مهمة أقوم بيها.
ثم مال على شفتيها وقبلها بحنان وأكملا حديثهما ومداعـ ـباتهما التي تقرب روحيهما أكثر وأكثر، ثم غفا بأحضان بعضيهما بقلوب سعيدة مطمئنة.
ضل فارس جالسًا طيلة الليل بجانب مريم المنهارة لأجل شقيقها، يربت على كتفها بحنان، لا يدري أيداوي جراحها أم جراحه، فحقًا الألم مشترك بينهما والوضع منتهي السوء للجميع.
❈-❈-❈
في الصباح، أتت أمل باكرًا كي تستعد لتجهيز حجرة الكشف الخاصة بها وتجعلها لائقة لاستقبال المرضى. فتحت باب غرفتها وإذ بها ترى يزن ممددًا على السرير الخاص بالكشف يغط في نوم عميق. اتسعت عيناها من هيئته وتملك الغضب منها فتحركت إليه وتحدثت بنبرة حادة:
_ إنت يا محترم.
فُزع يزن من حدة صوتها وجلس سريعًا يتلفت وهو مذعورًا، يستكشف المكان من حوله حتى استقرت عيناه على تلك الغاضبة التي تحدثت من جديد وهي تضع يداها داخل خصرها:
_ ممكن حضرتك تفسر لي إيه اللي أنا شايفاه قدامي ده؟
وأكملت بتهكم:
_ مستشفى محترمة دي ولا لوكاندة يا باشمهندس.
وضع كف يده فوق وجهه وفركه بتعب ولا مبالاة وكأنه لا يستمع لصراخها من الأساس، وهذا ما أثار جنونها وزاد من حدتها حيث هتفت قائلة بشدة:
_ هو حضرتك مش سامعني، ولا أنا هوا واقف قدامك؟
وقف منتصب الظهر يهندم من ثيابه وتحدث متهربًا من عينيها:
_ أنا آسف يا دكتورة، أنا كنت هنا وتعبت فجأة وملقيتش غير أوضة الكشف بتاعتك هي اللي مفتوحة.
وأكمل معتذرًا:
_ أنا آسف وأوعدك مهتتكررش تاني.
شعرت بحالة البؤس والألم اللذان يخرجان من صوته وعلمت حينها أنه يواجه مشكلة عميقة وأنه ليس بخير. على الفور تراجعت وتحدثت بنبرة هادئة:
_ إنت كويس؟
أومأ لها باستسلام دون النظر بعينيها وتحرك متجها إلى الخارج بجسد هزيل يتهاوى وروح تائهة. نظرت أمل عليه مشفقة على حالته التي ولأول مرة تراه عليها.
انتبهت حين وجدت مريم تسرع إلى شقيقها وتحدثت بنبرة متلهفة:
_ إنت فين وسايبنا هنموت من الجلج عليك يا يزن؟ إنت كويس يا أخوي؟
هز لها رأسه وتحدث بصوت هزيل ضعيف:
_ أنا بخير.
أردفت قائلة بنبرة حزينة:
_ أبوك وأمك عم يموتوا عليك. ناموا طول الليل، يلا يا حبيبي روح خد دوش وغير هدومك دي ونام، وإن شاء الله خير.
تحرك وأكمل طريقه بجسد هزيل منهزم. نزلت دموع مريم فتحركت أمل التي كانت تستمع حديثهما الدائر أمام باب غرفتها. وقفت أمام مريم وتحدثت:
_ أستاذة مريم، إنتِ كويسة؟
هزت مريم رأسها نافية فسحبتها أمل من يدها وتحركت بها للداخل وأجلستها قائلة بنبرة مساندة:
_ ارتاحي وأنا حطلب لك عصير ليمون يهدي أعصابك.
دلف ياسر سريعًا بعدما شاهد خروج يزن بتلك الحالة المزري وسأل مريم باهتمام ولهفة بعدما رأى دموعها:
_ فيه إيه يا أستاذة مريم، هو الباشمهندس ماله؟
وقفت وتحدثت وهي تجفف دموعها بكف يدها الرقيق:
_ خير يا دكتور، مفيش حاجة.
وتحدثت منسحبة بهدوء وذلك لحرصها الدائم على التواجد مع ياسر بمكان يجمعهما سوياً:
_ بعد إذنكم.
تحركت للخارج ونظر ياسر إلى أمل وسألها مستفسرًا:
_ هي إيه الحكاية يا دكتورة؟
أجابته بنبرة متأثرة:
_ تقريبًا كده الباشمهندس بيمر بأزمة نفسية بسبب ما، تعابير وجهه بتقول إنه اتعرض لصدمة شديدة هزت كيانه بقوة، وغالبًا الصدمة دي خاصة بالعيلة، لأن الأستاذة مريم هي كمان عندها نفس الأعراض لكن على أخف وبشكل مبسط.
قطب جبينه وتساءل بطريقة دعابية:
_ إنتِ متأكدة إنك تخصص نسا وتوليد؟
ابتسمت له بهدوء فأكمل هو:
_ حضرتك بتتكلمي بمهنية متخصص نفسية.
تنهدت وتحدثت بنبرة محملة بالألم:
_ هموم الناس وقلوبهم المكسورة مش محتاجين دكتور عشان يقدر يشوفهم جوه عيونهم اللي بتصرخ من الألم، هما محتاجين حد بيحس مش أكتر.
نظر لها بتعمق وتأكد من أن بداخل قلبها ندوب عميقة ناتجة عن جرح لم يُشف بعد، فتحدث هو متعمدًا كي يخرجها من حالتها:
_ دكتور صفا كلمتك النهارده؟
حركت رأسها نافية وأردفت:
_ النهارده لا، لكن كلمتني امبارح كانت بتطمن على سير العمل.
❈-❈-❈
داخل كافيه بوسط مدينة سوهاج.
تجلس ماجدة بصحبة صديقتها أحلام تتناولان الطعام بشهية عالية.
تحدثت أحلام ناصحة لصديقتها:
_ أنا لو منك ما أسيبش الفرصة اللي جت لي على طبق من دهب دي تضيع من إيدي أبدًا.
نظرت لها وتساءلت بتهكم:
_ وكنتي حتعملي إيه بقى يا أذكى أخواتك لو كنتِ مكاني؟
أجابتها أحلام بنبرة جشعة:
_ كنت حطلب منه يجيب لي دهب ويحط لي في البنك مبلغ كده محترم، وأهدده لو ما نفذش حروح لأبوه وأقول له على جواز حفيده التاني على بنت ابنه، واللي حصل بموافقة وحضور قدري بذات نفسه.
ضحكت ماجدة ضحكتها الشهيرة الرقيعة مما جعل أبصار الرجال المتواجدين داخل المكان تتجه إليها فتحدثت غير مبالية بنظراتهم:
_ ده أنا أبقى أكبر مغفلة لو عملت كده، إنت عشان ماتعرفيش قدري وشرَّه سهل عليكي تقولي كلامك ده.
وأكملت وهي تنظر لها بعيون متسعة:
_ يا بنتي اللي زي قدري ده مستعد يعمل أي حاجة عشان يحافظ على اللي هو فيه، حتى لو حتوصل إنه يخلص مني.
وأكملت وهي تسترخي للخلف فوق مقعدها:
_ وبعدين أنا من مصلحتي إني أفضل الحضن الحنين لقدري، أهو بيصرف عليا ومعيشني في هنا وعز ما كنت أحلم بيه.
وأكملت وهي تنظر أمامها بتفكر:
_ وبعدين مين اللي قال لك إني ما فكرتش إني أستغل موضوع جواز ابنه على بنت أخوه ده.
وابتسمت لصديقتها وأشارت إلى مقدمة رأسها وتحدثت بتفاخر:
_ بس بالعقل يا أحلام، الموضوع محتاج تخطيط صح عشان ما يبانش إني بهدده وبحطه قدام الأمر الواقع.
ضحكت صديقتها بخفة وسألتها متلهفة:
_ أنا برضه قلت أكيد ماجدة مش حتسيب فرصة زي دي تعدي من تحت إيديها من غير ما تستفيد منها، قولي لي بقى على خطتك الجهنمية؟
ضحكت ماجدة بشدة وأجابتها بمراوغة:
_ لما يبقى ييجي وقتها حقول لك أكيد.
ضحكت اثنتيهما بخلاعة واكملا طعامهما مع حديثهما الذي لا ينتهي تحت نظرات الرجال على تصرفاتهم وضحكاتهم الخليعة.
❈-❈-❈
مر أربعة أيام على هذا اليوم المرير الموجع للجميع.
وصل فارس إلى المشفى كي يصطحب مريم معه عائدًا بها إلى منزلهما، حيث كان يمر من جانب المشفى وقرر أن يمر عليها ويصطحبها لأجل أن لا تتأخر على ابنته الغالية. دلف إلى رواق المشفى وجد دكتور ياسر يقف بجانب موظف الاستعلامات ممسكًا بيده دفتر يتفحصه باهتمام.
تحرك فارس إليه وتحدث بوجه بشوش:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نظر إليه ياسر ورد باحترام ووجه مبتسم:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلًا وسهلًا فارس باشا، وأنا أقول المستشفى نورت ليه، أتاري حضرتك مشرفنا.
ابتسم فارس لكلمات ذلك الرجل المجامل وتحدث بمثلها:
_ المستشفى منورة بوجودك يا دكتور.
أردف ياسر متسائلًا:
_ ياترى جاي للباشمهندس يزن؟
وقبل أن يجيبه دلف من مدخل المشفى رجل يصرخ من شدة الألم الناتج عن كسر مضاعف لساقه. التفت ياسر سريعًا إلى منبع الصوت، وأستدار من جديد وبسط يده بالملف وأعطاه إلى موظف الاستعلامات وتحدث إليه:
_ دخل ده للآنسة مريم وخليها تراجعه كويس عشان محتاجة إنهاردة.
وتحرك سريعًا إلى المريض، انفرج فاه فارس وتحدث بصوت ضعيف بالكاد مسموع لديه:
_ آنسة؟ يا سنة سوخة يا ولاد، بقى مرتي أنا بتتقال عليها آنسة بعد سنتين ونص جواز؟
وأكمل بتوعد وهو ينظر لأثر ياسر:
_ ماليش عينه أنا إياك ولد المركوب ده!
ودلف على عُجالة لتلك الجالسة بالمقعد المتواجد خلف مكتبها، تحرك إلى مكتبها ومال عليه بجذعه وتحدث إليها بنبرة حادة:
_ الدكتور اللي اسمه ياسر بيقول للموظف دخل الملف للآنسة مريم، هي الهانم مجتش هنا إنها متجوزة إياك؟ ولا أنا ماليش عينيك يا بت منتصر؟
كانت منكبة تنظر على الملف الذي وصلها للتو مع الموظف، رفعت وجهها ونظرت باستغراب على ذلك الذي يبدو من صوته الغضب الهائل وتساءلت مستفسرة:
_ فارس، إيه اللي جابك هنا؟
اعتدل بوقفته ونظر لها وتحدث بنبرة صارمة:
_ جاي آخدك عشان نروح مع بعض، وبعدين مجاوبتيش على سؤالي ليه؟ بيقول لك ياسر بيقول للموظف الآنسة مريم، ماليش عينه أنا إياك واكل ناسه دي؟
تنهدت بأسف ووضعت كفيها فوق المكتب وشبكتهما ثم تحدثت بلامبالاة استشاط غضبه:
_ وهو حيعرف منين إنك جوزي، ولا أنا متجوزة من الأساس؟
نظر لكفيها واتسعت عيناه حين لم يجد بهما خاتم زواجهما، استشاط بداخله وتساءل بنبرة غاضبة:
_ فين دبلة جوازك يا أستاذة، أتاري الراجل عم يناديكي بآنسة، عندي حق طبعًا وإنتِ عاملالي فيها ولا السندريلا سعاد حسني في صغيرة على الحب.
نظرت له بعيون منكسرة وتحدثت بنبرة حزينة متألمة:
_ دبلتي وجعت في بلاعة الحمام من أكتر من شهر، وجوزي ما أخدش باله ولا حتى لاحظ الموضوع إلا دلوقتي.
شعر بحزنها وتألم لأجلها ولم يدري لما شعر بالغيرة الشديدة وتحدث بنبرة حادة لم يستطع تمالك حاله:
_ وإنتِ ليه ما جولتليش يا مريم عشان ما أجيب لك دبلة غيرها؟
نظرت داخل عينيه بانكسار وإحباط، تحطمت روحه من نظرتها وشعر كم هو صغير بأعين حاله فتحدث وهو يبتلع لعابه بحزن:
_ طب يلا بينا عشان آخدك على المركز قبل ما نروحوا وأجيب لك دبلة بدل اللي وجعت.
تحركت معه بعدما انتهت من مراجعة الملف وإعطائه للموظف كي يوصله إلى ياسر، واستقلت السيارة بجانبه وذهب بها إلى المركز ودلفا إلى محل المصوغات الذهبية، وانتقى لها خاتمًا بنفسه وألبسها إياه برقة استغربتها مريم واستغربت حاله ككل حين تحدث:
_ الخاتم حياكل من إيديكي حتة، أول مرة ألاحظ إن إيديكي ناعمة قوي كده.
ابتسمت مريم بمرارة وتحدثت بنبرة ساخرة:
_ تطور هايل يا فارس بيه.
وأكملت بنبرة استسلام:
_ يلا بينا عشان نروح لجميلة.
شعر أنه مقصر بحق زوجته وأنها تستحق أفضل من تلك معاملة، فأمسك كف يدها ليحثها على الوقوف، ثم تحدث إلى بائع المجوهرات قائلاً:
_ عاوز سلسلة رقيقة عليها حرف الـ F، وزيها بس على أصغر لطفلة صغيرة وعليها نفس الحرف.
أومأ له الجواهرجي بطاعة وتحرك لإحضار طلبه.
حين تفاجأت مريم بتغيره وشعرت بالسعادة قليلاً من اهتمامه وتحدثت بنبرة ساخرة:
_ كده الموضوع اتحول لتهور ومبقاش تطور.
ضحك عاليًا وتحدث إليها بغمزة وقحة:
_ هو إنتِ لسه شفتي تهور.
أمالت نظرها للأسفل بحزن فتحدث هو سريعًا:
_ لسه حاخدك عند بتاع الكباب والكفتة وأشتري لك عشان عارف إنك بتحبيه، وكمان حعدي على محل الحلواني الكبير اللي هنا في المركز وعجيب لك منه البسبوسة بالمكسرات اللي بتحبوها إنتِ وجميلة.
وأكمل بتساؤل محب مهتم:
_ ها، عاوزة أيتها حاجة تانية يا ست البنات؟
اتسعت عيناها بذهول واستغراب مما تراه عيناها وتسمعه أذناها من ذلك الذي عاشت معه وعرفت على يده المعنى الحقيقي للإهمال وكسر الخاطر والنفس منذ زواجهما وإلى الآن.
سعد داخلها بعدما أمسك القلادة وألبسها إياها وتحدث بنبرة سعيدة:
_ مبروك عليكي يا مريم.
وأصطحبها ممسكًا كف يدها وتحرك بها داخل الأسواق ليبتاع لها كل ما تشتهي نفسها أو تشير عليه عيناها، مما أسعدها لا لأجل ما ابتاعته، ولكن لشعورها بالاهتمام والاحتواء التي ولأول مرة تعيشه مع زوجها.
*** ☆***☆ *** ☆***☆***
رواية قلبي بنارها مغرم بقلمي روز أمين.
داخل مدينة شرم الشيخ.
انتهت من ارتداء ملابسها بالكامل وهيأت حالها استعدادًا للخروج. وقفت منتظرة خروج متيم روحها من المرحاض كي يصطحبها إلى مطعم خارج الأوتيل ليتناولا عشائهما سويًا. تحركت إلى شرفة الجناح وباتت تمشط بعينيها معالم المكان وهي تنظر إلى وجوه المارة بتعمق، وبلحظة انتبهت وخُيل لها مرور أحد الوجوه المألوفة لبصرها. عادت ببصرها سريعًا إلى حيث رأت شبح هذا الوجه وباتت تتفحص الوجوه بتعمق متلهفة رؤيته، لكنها للأسف لم تعثر على شيء لشدة زحام الشارع المكتظ بالمارة.
اختفى الشخص وكأنه سراب وتبخر بين الزحام.
اهتز جسدها وانتفض رعبًا حين وجدت من يكبل خصرها ويحتضنها من الخلف. قطب جبينه وسألها مستغربًا حالتها ونظرتها المذهلة وجسدها المنتفض بين يديه:
_ إيه يا حبيبي، مالك؟
تنفست الصعداء حين استمعت لنبرة صوت حبيبها واستكانت وتراخى جسدها بين يديه بعدما شعرت بالأمان في حضرته ثم تحدثت:
_ سلامتك يا حبيبي، بس كأني شفت حد أعرفه معدي بين الناس.
ضيّق بين عينيه وتحدث إليها مستفسرًا:
_ حد تعرفيه زي مين يعني؟
أجابته بعقل مشتت:
_ معرفش يا قاسم، هو كان معدي في وسط الزحمة ومعرفتش أميز هو مين ولا أنا شفته فين قبل كده بالظبط.
لم يعطِ لحديثها اهتمام زائد وتحدث بلا مبالاة وهو يقبل وجنتها بحب:
_ تلاقي بس بيتهيأ لك يا حبيبتي.
وابتعد قليلاً وامسك يدها وهو يحثها على التحرك قائلاً:
_ يلا بينا ننزل عشان أنا جوعت جوي.
ابتسمت له ولامست ذقنه وتحسستها بيدها بحنان لمس قلبه وطمأن داخله وتحدثت هي:
_ يلا يا حبيبي.
بعد قليل كانت تجلس بالمقعد المقابل له، مبتسمة الوجه تنظر إليه وسعادة الدنيا تجمعت وسكنت قلبها ومقلتيها التي تغمره بنظرات تنطق عشقًا وحنانًا. أما هو فكان واضعًا يده فوق يدها الممدودة فوق الطاولة ممسكًا بها باحتواء مما جعلها تحلق في سماء العشق جراء سعادتها الهائلة. جاء النادل إليهما ليستفسر عن ما يريدانه.
فسألها قاسم بلكنة قاهرية:
_ تحبي تاكلي إيه يا دكتورة؟
نظرت له وتحدثت خجلًا:
_ حاكل من اللي حتاكل منه.
انتفض قلبه من شدة سعادته بطاعة امرأته التي تعشق رجُلها لدرجة الانصياع التام والتشبه به. تحمحم وحاول التماسك ثم نظر إلى النادل وتحدث إليه:
_ هات لنا بيكاتا بالشامبنيون مع رز أبيض وسلطة خضرا.
سأله النادل باحترام وهو يسجل ما يملي عليه:
_ تحبوا تشربوا حاجة مع الأكل يا أفندم؟
نظر لها قاسم فأجابته عيناها بترك الخيار له فتحدث:
_ هات لنا فيروز أناناس بس يكون ساقع ومشبر.
ابتسمت له لتيقنها أنه اختار هذا المشروب خصيصًا لتيقنه أنها تفضل شرابه عن غيره من المشروبات.
رحل النادل وتحدث قاسم إليها مستفسرًا:
_ عاوزة حاجة تاني يا حبيبي؟
حركت رأسها نافية وتحدثت بعيون مغرمة:
_ عاوزاك دائمًا جنبي ومحاوطني بحبك وبحنيتك يا حبيبي.
ابتسم لها بحنين وتحدث:
_ حتصدقيني لو جولت لك إني معرفش حرجع القاهرة كيف وأنا فايت قلبي وروحي في سوهاج. تعرفي يا صفا.
رقبت حديثه بكل حواسها فأكمل هو:
_ مبقيتش بحس بالراحة والسلام والسكينة غير وإنتِ نايمة جوه حضني.
ونظر داخل عينيها وأردف بنبرة حنون:
_ غيرتيني جوي يا صفا، حولتيني من آلة للشغل لا بحس ولا بستمتع بأي حاجة، لإنسان بحس وبفرح وبخاف، بخاف وبترعب من فكرة بعدك عن حضني وحرماني من أماني وسلامي النفسي اللي ملجتوش غير جوه روحك يا صافية.
وأكمل وهو ينظر داخل أعين تلك التي تستمع إليه بكل ذرة بجسدها:
_ تعرفي إن ليكي نصيب كبير من اسمك.
ابتسمت وتساءلت مستفسرة:
_ كيف يعني؟
أجابها بنبرة مستكينة:
_ روحك صافية شفافة، بتشد أي حد يجرب منها وتطهرة وتصفي روحه من التشتت والضياع والحقد، طهرتيني من ذنوبي الكثيرة يا صفا.
أردفت بنبرة هادئة وعيون تشع حنانًا:
_ إنت آخر واحد ممكن يعمل ذنوب أو يأذي غيره يا قاسم، ذنوبك كلها في حج حالك، دائمًا بتيجي على حالك وتأذيها عشان ترضي اللي حواليك.
ابتسم بفم مقوس ساخرًا من حاله وتحدث بنبرة متألمة وعيون نادمة:
_ إنتِ اللي بتقولي كده يا صفا، ده إنتِ أكتر واحدة أنا أذيتها بكلامي الأعمى وبغبائي وبأنانتي، ده أنا وقفت قدامك وجلت لك ما عايزاكيش، ومش أنا الراجل اللي غيري يختار له المرة اللي حتنام جوه حضنه.
وأكمل بنبرة صارخة من شدة ألمها:
_ أنا دبحتك بغبائي وتمردي الأعمى يا جلبي.
أشارت بيدها كي تحثه على الصمت وأردفت قائلة بنبرة بها رأفة على كليهما:
_ انسى يا حبيبي، انسى كل اللي عدى كيف ما أنا نسيته ودفنته في وسط دفاتري القديمة وردمت عليه بعشقك اللي زهر جواتي وملى حياتي حب وسعادة وفرحة، نستني كل آلامي ودموعي اللي عدت.
شعر بطعنة بقلبه وكأن أحدهم قام بكل جبروت بطعنه بخنجر حاد وبشق صدره وانشطاره لنصفين وتركه نازفًا متألمًا عاجزًا حتى عن الصراخ والتعبير عن اغتياله.
انتفض بداخله وزاد ارتعابه من فكرة علمها بما جرى وكيف سيكون مردود هذا الخبر المشؤوم على وقعها لو لا قدر الله علمت.
أخرجه من حالة تألم ضميره الصارخ الذي يؤنبه طيلة الوقت حضور النادل الذي أحضر الطعام وبدأ برصه فوق الطاولة بشكل منسق وطريقة حرفية وتحدث إليهما بكل احترام:
_ سهرة سعيدة يا حضرات.
بعد رحيل النادل تنفس قاسم عاليًا ونظر لها بعدما استعاد توازنه وتحدث بابتسامة مزيفة تحامل على إخراجها جراء همه الذي أصابه:
_ يلا كلي يا حبيبتي.
ابتسمت له وبدأا بتناول طعامهما تحت سعادتها التي تخطت عنان السماء وهي تحيا معه كل أول مرة!!
يتبع.
•
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم روز امين
غَصة تقف بمُنتصف كُل وجدانيتمنعني التمّادي بسعادتي والأمانيتُلقي عليا بظِلال الخوف والرهبة والفُقدانِغَصة خيانتي للحبيب ونقضي للعهودِيأقسم أنها تشُق قلبي شقاً وتهز كُل كيانيأخاف بل أكاد أموت رعباً من لحظة إزاحة الستار عن ذنبي في حق من أهدتني الحياةَ وأعادتني لأدميتيبعدما كُنت فقدتها داخل دوامة حياتيفهل سيشفع لي حينها عِشقي ؟!أم أن روحي ستُدفن وتنتهي سعادتي تسديداً لفاتورة تمردي وعنادي !خواطر قاسم النُعماني
داخل سرايا النُعماني وبالتحديد داخل مسكن فارس ومريم وبعد وصولهم من المركز مباشرةً
كانت تحمل صغيرتها التي تهتم بها نجاة طيلة فترة غياب مريم بالمشفي،
وضع فارس جميع الأكياس داخل المطبخ وعاد إليها من جديد،
أخرج من جيب جِلبابة العُلبة القطيفة وأخرج منها طوق صغيرته وأبتسم وتحدث بمرح وهو يُلبسها إياة:
_شوفتي أبوكي چاب لك إية يا سِت جلبي
ضحكت الصغيرة وباتت ترفرف بكفيها بسعادة وضحكات أضفت الفرحة علي قلبي فارس
ومريم،
إقترب فارس عليها مُستغلاً الوضع وحاوط ظهر مريم ومال بجذعةِ علي صغيرته القريبة من وجه والدتها ووضع قُبلة حنون ونظر بعيناي مريم وتحدث بحديث ذات مغزي:
_ مش هناكل الكباب ولا أية يا أم چميلة ؟!
إبتلعت لُعابها خجلاً وتحدثت إلية بنبرة هادادية كعادتِها:
_خد چميلة لجل ما أخد دُش بسرعة وأغير هدومي وبعدها أحضر الوكل
حمل عنها صغيرته وتحركت هي بإتجاة غُرفة صغيرتها كي تُحضر ثيابها التي قامت بنقل مُعظمها بخزانة صغيرتها لتخرج بعدها إلي المرحاض الخارجي كي تستحِمّ به كعادتها مُنذُ ليلة زفاف صفا وقاسم وما حدث بها
فأمسك كفها ليُجبرها علي الوقوف وتحدث إليها بعيون مُتوسلة:
_بكفياكِ هجران بجا يا مريم، عشان خاطر ربنا ترچعي لأوضتك لجل ما تنوريها من تاني
وأكمل بعيون متشوقة بها نظرات حنون تدِل علي مشاعر صادقة بدأت تُولد بداخلة لكنه لم يُصرح عنها إلي الأن ولن يتعرف عليها من الأساس:
_ إشتاجت لنومتك چاري ولونس روحك
قوست فمها وأبتسمت وأردفت ساخرة:
_ونس؟ هي دي كُل جيمتي عنديك يا فارس، الونس ؟
وكادت أن تتحرك مُكملة بطريقها، أمسك كف يدها من جديد وتحدث بحيرة:
_ مبعرفش أذوج الكلام أني
وأكمل بعيون متوسلة:
_ إتحميليني يا مريم علي ما أتعود وأكون لك فارس اللي إنتِ ريداه، أني محتاچك چنبي ، متفوتنيش لحالي إكدة
لان قلبها لكلماتهِ الصادقة ونظراته المتوسلة، شعرت بغُربة روحة ووحدتهُ التي يشعر بها هذا المسكين المتمزق والمُشتت ما بين الماضي والحاضر، فقررت إحتوائة كي لا يشرد أكثر عن دربهِ
بعد مُدة كان يجاورها الجلوس بالأريكة يحمل صغيرتة فوق ساقية ويُطعمها من الحلوي بداخل فمِها تحت سعادة الصغيرة،
أمسك قطعة من الحلوي وقربها من فَم مريم تحت إتساع عيناها بذهول من تصرفة الذي ولأول مرة يفعل هكذا تصرف
فتحت فَمها بخجل، وضع لها قطعة الحلوي داخله وهو يبتلع سائل لُعابة من شدة إحتياجة لها ولضمة حُضنِها وتحدث بنبرة حنون:
_ بألف هنا علي جلبك يا مريم
وسألها بإهتمام:
_ عچبتك البسبوسة ؟
هزت رأسها وهي تمضغ ما في فمها، وبات ينظران لبعضيهما بحنان ورغبة من كليهما واحتياج للأخر،
شعر برأس طفلته يميل فوق كتفة، أسندها سريعً ونظر بإبتسامة إلي مريم مُتحدثً:
_ چميلة نامت، هجوم أنيمها في سريرها علي ما تلمي إنتِ الحاچات دي
وضع صغيرتهُ ودثرها بغطائها جيداً وقام بوضع قُبلة فوق وجنتها برفق وحنين، ثم تحرك للخارج وجدها في المطبخ تصنع له مشروب الشاي بعدما جَلت الصحون وأعادت ترتيب مطبخها وأصبح نظيفً
تحرك إليها حتي وقف بجانبها وتحدث متحمحمً بنبرة حنون:
_ خلصتي اللي عتعملية؟
أجابته بنبرة خجلة وهي تنظر لجهاز فوران المياه:
_ خلصت وبعمل لك شاي
إقترب عليها وأمسك كفاي يداها وأحتضنهما برعاية وتحدث وهو ينظر لداخل عيناها بهيام:
_ معايزش شاى أني، أني عاوز مّرتي اللي وحَشتني
إرتبكت بوقفتِها، فسحبها هو من يدها مُتجةً بها داخل غرفتهما وأغلق بابها عليهما ليسترقا معاً من الزمن لحظات سعادة لينعما بهابعد مُدة كانت تقبع داخل أحضانة، قبل جبهتها وتحدث مُتسائلاً إياها:
_ أني لحد دلوك معارفش إنتِ إية اللي زعلك وخلاكي تسيبي أوضتك، بس أني معايزكيش تسيبيني تاني
ورفع وجهها إلية وتحدث بنبرة صادقة:
_ السرير بارد جوي من غيرك والأوضة كنها جَبري ( قبري ) يا مريم
تنهدت بأسي لكنها قررت عدم البوح بما يذبح روحها، حتي لا تُقلل من شأنها كأنثي لا يراها زوجها بل ومازال يدفن حالهُ داخل إسطورة الماضي العتيق
تحدثت وهي تضع كف يدها علي ظهرة وتمسحةُ بحنان إقشعر لهُ بدنه واستكانت به روحهْ:
_ إنسي كُل اللي فات يا فارس وأطمن،
أني مهسيبكش تبات لوحدك تاني،
وأكملت بنبرة توسلية:
_بس إنتَ ياريت تراعيني شوية ، بلاش تحسسني إني مفرجش في حياتك جوي إكدة
أجابها مُتعجبً:
_ مين جال بس إنك مفرجاش وياي يا مريم ، مفرجاش كيف وإنتِ بت عمي وأم بِتي ومّرتي، أني عاوزك تكَبري عجلك إشوي عن إكدة
تنهدت بأسي وسحبت حالها من داخل أحضانة وتحدثت وهي تلتقط مأزرها وترتدية قائلة بنبرة يائسة:
_ هروح أعمل لك الشاي
سحب حالةُ لأعلي وجلس مُستنداً علي ظهر التخت وتحدث بإنتشاء:
_ هات لي وياكِ حتة بسبوسة مع الشاي لجل ما أحلي يا مَريم
تحركت للخارج بقلبٍ مكسور من معاملة هذا الرجل التي تأكدت بأنها لم ولن تتغير حتي بعد كل ما حدث خلال اليوم ومحاولاتهِ إسعادها بشتي الطُرق، لكنهُ ختمها بجملتهِ المُميتة لإنوثتها حيث وصفها بأنها إمرأته وإبنة عمه وأم طفلته الغالية وفقط،
كم كانت تتمني نطقة لكلمة حبيبتي، خليلتي، رفيقة دربي وأحلامي، كم تمنت أن تستمع منه لكلمات الغزل التي باتت تحلم بالإستماع لها منه بعد أن تعلق قلبها به رويداً رويدا وأصبح هو فارس أحلامها ورجلها التي تتمناه ، لكن خجلها وحيائها يمنعاها بالإعتراف له بمشاعرها المكنونة
داخل مدينة شرم الشيخ
كانت تجلس بحياء ووقار بجانب ذلك المُتمدد فوق الشيزلونج أمام حوض السباحة المتواجد داخل الفندق،، مغرومةً هي بعيناه حيثُ أصبحت لا تُشيح بناظريها عنها طيلة وقتها، أما ذاك العاشق فكان مُمسكً بكف يدها بتشبُث وكأنهُ يخشي إضاعتِها
شعوراً رائع كان ينتابها من مسكة يده وأهتمامهُ الزائد ودلالهُ الذي يغمرها به مُنذ ان عادَ إليها من القاهرة
نظر لداخل عيناها وتحدث بنبرة حنون:
_مبسوطة يا صفا ؟
أجابتهُ بعيون عاشقة:
_ مبسوطة فوج ما خيالك يصور لك يا قاسم، مبسوطة لدرچة إني حاسة حالي هطير من كُتر سعادتي
شعر بإرتياح وسعادة وتحدث إليها من جديد:
_ ربنا يجدرني وأخليكي أسعد إنسانه في الدنيي كلها يا حبيبتي.
تحدثت إليه بنبرة حنون ونظرات عاشقة:
_ وچودك جنبي وحواليا كفيل إنه يخليني أسعد واحده في الدِنيي يا حبيبي
كان هُناك من يجلس مُقابلإ لهما علي الجانب الآخر لحوض السباحة،، وكعادتهِ مُمسكً بيدة أوراقة وقلمةِ الرُصاص اللذان يُلازماه طيلة الوقت ، يخطُ به ملامح وجهها الصافية التي جذبت إنتباههْ مُنذُ الوهلة الأولي التي رأها فيها مُنذُ أكثر من سبع سنوات ، وها هو يُكرر ما فعل من ذي قبل ويزيد من الشعر بيت بإضافة ذلك المُخادع من وجهة نظرة"نعم " ، إنه المجهول ذاته الذي رسم صورتها النقية فوق تلك المحرمة داخل اليخت
إستغرب حين وجدها مازالت مع ذاك الحاد الطباع،،
كانت تُمشط المكان بعيناها وبلحظة توقفت مقلتيها وذُهلت عندما رأته يجلس مقابلاً لها ، دقت النظر بوجههِ وبمقلتيه اللتان كانتا تنظر لها بتمعن ، لم تشعر بحالها من شدة السعادة التي إنتابتها عندما تذكرته علي الفور ، نعم تذكرت ملامحهُ الهادئة رُغم مرور كل تلك السنوات، لكن تظل ملامحهُ التي تتسم بالطيبة والهدوء والسلام النفسي كما هي، وحينها فسرت ذاك الوجة المألوف التي رأته وسط زحام المارة مُنذُ يومان
نظر لها قاسم وتحدثَ مُستغربً وهو ينظر بإتجاه ذاك الرجُل:
_ بتبصي علي إية يا صفا؟
إلتفتت إلية سريعً وتحدثت بنبرة يملؤها الحماس:
_تخيل يا قاسم مين موچود معانا إهني ؟
نظر لها منتظراً باقي حديثها فأكملت بنفس نبرة الحماس:
_ فاكر الراچل اللي رسم لي رسمة زمان فوج المنديل
ضيق عيناه بعدم إستيعاب فتحدثت هي بنبرة حماسية لتذكيرهُ:
_ الرسام يا قاسم، أني متوكدة إنه بيرسمني دالوكنظر إلية سربعً ليتأكد من حديثها وبالفعل تأكد حينما رأي وجههُ أعاد ببصرهِ إليها وتحدث بنبرة حادة غائرة:
_والهانم إية اللي مِفرحها جوي إكده إن شاء الله ؟!
نظرت إلية وبلحظة إنكمشت ملامحها وأنطفأت إبتسامتها وتحول وجهها المنير إلي حزين، تحدثت بنبرة يائسة:
_ ولا فرحانة ولا حاچة يا قاسم ،، إنسي كل كلامي
يشعر بغصة مُرة وقفت بحلقة عندما لمح حزنها الذي سكن عيناها، وما شعر بحالهِ إلا وهو يهب واقفً وسحبها إليه لتقابلهُ الوقوف وتحدث إليها بنبرة حماسية:
_ تعالي نروح نسلم عليه
إتسعت عيناها بذهول وتحدثت بعدم تصديق:
_ بتتكلم چد يا قاسم؟
تحدث وهو يحتضن كفها الرقيق ويسحبها بجانبه:
_ إمشي معايا بدل ما أرچع في قراري
ضحكت وهي تنظر إلية بعيون تكاد من الهيام تنطقُ صارخة، وصلا لموضع جلوسهُ وما أن شعر الرجل بأنهما يقصداه حتي أغلق أوراقةُ سريعً مخبئً إياها من أبصارهما، ثم وقف إحترامً وتقديسً لمجيأهم إلية
تحدث قاسم إلية بنبرة صوت رخيمة:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نظر عليهما الرجُل الذي تخطي عامهِ الثاني والأربعون ولكن يبدوا علي وجههِ البشوش أنهُ وبالكاد لم يتخطي الخامسة والثلاثون وذلك لنقاء روحهِ الذي يظهر علي وجهه
وتحدث بنبرة هادئة مريحة لسامعيها:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
نظرت هي إلية وتحدثت بحنين وكأنهُ يذكرها بطفولتها الماضية:
_ حضرتك مش فاكرني يا أستاذ؟
إبتسم لها وتحدث بنبرة هادئة:
_ وأنساكي إزاي بس يا صافية، إنتِ من الأرواح الشفافة اللي الواحد يقابلها مرة واحدة في حياتة وتتحفر ملامحها النقية جوة عقلة
إستشاط ذلك الواقف الذي بدأ يصُك علي أسنانة من شدة غيظة وغيرتة لكنة تمالك من حالة لأجل ألا يُحزِنها،
شعرت هي به عندما ضغط علي كفها بشدة هائلة غير واعي علي حالة
تحدثت سريعً وهي تُشير إلي قاسم:
_ ده قاسم چوزي، أكيد فاكرة هو كمان
ضحك الرجل بخفة وأجاب وهو ينظر إلي قاسم الرافع قامته وهو يرمقهُ بكبرياءٍ وضيق:
_ ولا الأستاذ قاسم هو كمان يتنسيه
زله قاسم رأسهُ بإستحسان فتحدث الرجُل قاصدها:
_ شايف إنك أزلتي خيوط العنكبوت اللي كانت بتقيد حركتك ومنعاكي من تحقيق أحلامك
ضحكت وتحدثت بنبرة حماسية:
_ هو أنتَ لسة فاكر، أني الحمدلله شيلت كل الحواجز اللي كانت في طريقي وحججت كُل احلامي
ونظرت إلي قاسم بهيام وتحدثت بنبرة أنثي تهيمُ عِشقً:
_وأهم وأعظم أنچازاتي هو چوازي من قاسم والسعادة اللي بعيشها في جُربُه
إبتسم الرجل بخفة وتحدث:
_مبروك يا صافية، بس إوعي تخلي الفرحة تغمي عيونك وتخليكي تلغي شخصيتك القوية اللي بتميزك عن غيرك، وتصبحي تابع لحد
نظر لهُ قاسم قاطبً مُستغربً حديثهُ الغير مباشر، حين إبتسمت صفا وتحدثت بنبرة هادئة:
_ متجلجش عليا، مش ناوي توري لي الصورة اللي رسمتها لي المرة دي ؟
إبتسم بخفة وتحدث نافيً:
_ للأسف، المرة دي أنا مرسمتكيش
خاب أملها وهتفت بنبرة حزينة:
_يا خسارة، لما لجيتك بتبص علينا وبترسم بجلمك، إفتكرتك بترسمني أني وقاسم، جيت لك بسرعة وأني متوكدة إني هشوف رسمة عظمة،
وأكملت بخيبة أمل:
_ بس يظهر إني مليش نصيب
حزن لأجلها وتحدث قاسم وهو يحتضن كفها:
_ يلا بينا علشان نسيب الأستاذ براحتة يا صفا
أومأت لهُ بإيجاب وأستأذنت من المجهول، وتحركت بجانبه مستسلمة حزينة، إستدارت سريعً حين إستمعت بمن يُناديها بصافية.
فنظرت إلية بتمعن فتحدث المجهول ناصحً لها:
_زي ما شيلتي خيوط العنكبوت اللي كانت معششة حواليكي ومكتفاكي ومعجزاكي عن تحقيق حلمك، ياريت تشيلي كمان الغمامة اللي علي عيونك، بصي حواليكي ودققي كويس ، متخليش الفرحة تمنعك من إكتشاف الأسرار
وأكمل مُبتسمً مشجعً إياها:
_ ومهما كانت الحقايق مُرّة وصعبة ، لازم دايما تكوني متأكدة إنك أقوي منها وهتقدري عليها، وهتتخطي كل الصعاب
إنتفض قاسم رُعبً من إستماعة لتلك الكلمات التي نزلت علي مسامعه كصاعقة كهربائيّة زُلزِلّ جسدهِ بفضلِها، إبتلع لُعابة حين نظر لهُ الرجُل داخل عيناه وكأنهُ يكشف ويستشف ما بأعماقةِ من أسرار لا تُحكي ولا يُفهم مغزاها إلا لمن وُضع وجُبر عليهانظرت له صفا بإستغراب وتحدثت ببراءة:
_ المرتين اللي جابلت حضرتك فيهم وكلامك ليا كيف الالغاز، مبفهمش منية حاچة أني .
أجابها بهدوء:
_ هتفهميه بعد ما يتحقق يا صافية، علي العموم متقلقيش، علشان إنتِ صافية أكيد ربنا هيشيل الغمامة اللي حوالين عيونك، بس كل شئ بأوان
لم يعُد يتحمل أكثر سخافة ذلك المجهول ، أسرع إلية ووقف قُبالته وتحدث بنبرة حادة وهو يتمعن داخل مِقلتية بنظرات غاضبة:
_إنتَ مين؟! وتقصد إية بألغازك دي ؟
إبتسم الرجُل وتحدث إلية قائلاً:
_أنا مجرد واحد عادي جداً، ربنا مانن عليا بمَلكة بيسمح لي بيها إني أقري جوة عيون البشر اللي مخبياة قلوبهم،
وأكمل نبرة مريحة:
_ رسايل، مجرد رسايل بتعدي قدام عيوني وبقدر أفهم من خلالها اللي مسموح لي إني أفهمة !
كان ينظر له بعيون مذهولة مما يستمع مما جعل تلك الصافية تنظر لكلاهما مُتعجبة حديثهما ونظرات كلاهُما للأخر وكأنهما يتحدثان بنظرات الأعيُن
إقتربت من وقفتهما التي تُشير بوجود حرب ستنشئ في القريب، أمسكت كف يدهُ بإحتواء وتحدثت إلية:
_ يلا بينا يا قاسم
إنتبة حينذاك علي وجودها والتف إليها سريعً، أومأ لها وتحرك بها للأمام بعد أن ألقي نظرة تحذيرية علي ذلك المجهول الذي إبتسم بخفة وجلس من جديد وأخرج تلك الرسمة التي خبأها عندما تأكد أنهما يقصُداهنظر إلي الرسمة والتي كانت عبارة عن صفا وقاسم يسحبها من معصمِها مُنقادة خلفةِ بإستسلام وهي معصومة العينان بشريطٍ أسود يُحجب عنها الرؤية تمامً، مُبتسمة بشدة بينت صفي أسنانها ناصعة البياض، من يراها يتأكد أنها تعيش أجمل لحظاتها، لكنها تعيش وهمٍ كاذب ستفيق منه علي كارثة ستُقضي علي جميع أحلامها الوردية
ليلاً
داخل غرفة يزن التي كان يقطن بها قبل زواجهُ وإنتقاله إلي مسكنه الخاص بصحبة زوجتة ، كان يتمدد فوق تختهِ تائهً شارد بذقنٍ نابت ، يُمسك بين صباعية سيجارةُ يُنفثها بشراهة وذلك بعدما إلتجأ إليها كي ينفث بها عن غضبة وقهر الرجال الذي أصابهُ بعدما علم بشأن عجزة عن الإنجابطرقات خافتة فوق باب حُجرته جعلته يخرج من شروده، لكنهُ لم يعر الطارق أية إهتمام وبرغم ذلك وجد من تقتحم الحُجرة،
إنها ليلي لا غيرها التي دلفت وتحركت إلية بهيئة جنونية وذلك بعدما هجرها يزن وعاد إلي غرفتة يمكُث بها بعيداً عن وجة تلك التي أصبح يمقت رؤياها البغيضة
هرولت إلية وركعت فوق ركبتيها أسفل تختهِ ومالت علي قدمة تُقبلها وتحدثت متوسلة بدموعها الصادقة:
_ أبوس رچلك يا يزن تسامحني وترچع لشُجتك من تاني
سحب ساقه سريعً يبتعد عن لمستها وإحتضانها لساقه التي تُشبة إحتضان الأفعي بجلدها الناعم وهي تحتضن وتلتف حول ضحيتها بكُل نعومة لتُشعرةُ بالطمأنينة، وهي في الأصل تُريد تكسير عظامه وسحب وتجفيف جسدهِ من أخر نقطة بدمه
هتف بحدة وهو يرمُقها بنظرات مُشمئِزة:
_ إنتِ إية اللي چابك إهني، أني مش جولت لك الصبح معايزش اشوف خلجتك جدامي ؟
أجابته بلهفة وعيون عاشقة:
_مجدراش أني علي البُعد دي يا حبيبيهتف بحدة:
_الله الوكيل لو ما خفيتي من وشي الساعة دي لكون فايت لك السرايا كلياتها وواخد هدومي وأروح أجعد في الإستراحة بتاعت الچنينة تحت
أجابته بنبرة صادقة وهي تقترب حيثُ جلسته:
_ يُبجي أنتَ إكدة ناوي علي موتي يا حبة جلبي
يوقف سريعً ونفض يدها التي لامسته بها بشمئزاز وتحدث بنبرة حادة:
_ مصدجة حالك إنتِ إياك؟ ميتا كانت جلوب الخونة عتعرف تعشج وتحس ؟
جحظت عيناها وهتفت بنبرة مذهولة:
_ بجيت خاينة خلاص في نظرك يا يزن ؟
أجابها بنظرات كارهة:
_ أومال عتسمي كدبك ولفك من ورا ضهري وإنتِ دايرة علي الدچالين الكَفرة بإية
ثم إقترب عليها وأمسكها من ساعدها ولفةُ خلف ظهرها في حركة جعلتها تتألم وتحدث إليها بفحيح:
_ كُتي عتنامي في حُضني كيف ومنين كانت بتاچيكي الجرأة تبصي چوة عيوني وإنت مستغفلاني ومضحكة الخلج عليا
أجابته بدموع عيناها الصادقة:
_ أني عِملت كُل ده علشان بحبك يا يزن، كان نفسي أچيب لك حتة عيل لجل ما أفرحك و أربطك بيا أكتر
ترك مِعصمها وتحرك ليُعطيها ظهره كي لا تري تألم روحة وصرخات عيناه وأجابها بحسرة ملئت صوته:
_ وأديني أني اللي طلعت معيوب ومهعرفش أكون راچل وأچيب حتة عيل من صلبي يحمل إسمي ويشيلني في شِيبتي وضعفين
نزلت كلماتةِ ونبراتهِ الضعيفة المُتألمة علي قلبها شطرته لنصفين، وبرغم حُزنها علية إلا أنها لم يطرق حتي بمخيلتِها أن تعترف له بالحقيقة التي تعلمها عِلم اليقين بعدما قصت عليها والدتها كل ما فعلاه هي وأبيها مع طبيب الفحوصات، بل وسعدت لما حدث بتوهمها أنها وبذلك التصرف الخالي من الضمير تحافظ علية وتضمن بقائة مُجبراً داخل أحضانها وللأبد
أخذت نفسً عميقً إستعداداً لإستمرار كذبها علية وأردفت قائلة بنبرة ناعمة كنعومة الأفعي:
_وأني جبلاك علي إكدة يا حبة جلبي ومعيزاش من الدنيي دي كلياتها غيرك إنتَ وبس، معيزاش لا عيال ولا مال ولا حتي ناس في حياتي
وأقتربت علية وتلمست ظهرة بلمسة حنون قائلة:
_معايزاش من الدِنيي كلاتها إلاك يا جلب ليلي
إنتفض بوقفته كمن لسعةُ عقرب وأستدار لها وتحدث والشرر يتطاير من عيناه قائلاً:
_ وأني معايزكيش ولا طايج أشوف خِلجتك جِدامي، إنتِ واحدة كدابة وخاينة للأمانة
وأكمل مُهدداً إياها بنبرة غاضبة:
_ وعليا اليمين لو مخفيتي دالوك من خِلجتي لأكون رامي عليكِ يمين الطلاج ومعاملش إعتبارات لأي حاچة واصل
إستمعت لذلك التهديد وأرتعب داخلها وأنتفض جَسدِها بالكامل رُعبً، وبسرعة البرق كانت مُنسحبة للخلف وتحدثت وهي تقترب من الباب إستعداداً للمغادر:
_ إهدي يا يزن، متخليش الغضب يعميك عن اللي عشجتك وسلمتك روحها وجلبها عن طيب خاطر،
وأكملت مُنسحبة:
_ أني هسيبك دالوك وهعذرك لجل غضبك اللي عاميك وعيخليك تجول حديت مش محسوب
رمقها بنظرة إشمئزاز حين خرجت هي سريعً خَشيةً فقدانةُ السيطرة علي حاله ووصولةُ لقمة غضبة وتنفيذةُ لتهديدة
خرجت وزفر هو بضيق وأخذ نفسً عميقً كمن كان يقبع داخل قُبة لا هواء بها ولا شئ يصلح للحياة
تحرك لتختةِ وأرتمي بجسدهِ علية بإهمال وعاد لأحزانة وقهرة قلبهِ، ثم مد يدهُ جانبً وسحب سيجارة من العُلبة وقام بإشعالها والتنفيث بها بشدة وكأنهُ يصب بها غضبة المكظوم الذي لو خرج لأشعل المنزل بجميع من يسكنه
كانت تقبع داخل أحضان ذلك العاشق الذي يجلس فوق الشيزلونج المتواجد داخل ال Suite, يُطعمها الشيكولا بيده ويُدللُها، مسح بإبهامه علي حافة شفتها وأمتص ما بها من بقايا شيكولاته جراء قُبلتهُ لها
وضعت رأسها علي صدرهِ بحنان وتحدثت بدلال إنثوي:
_قاسم، عوزاك تفضل تچلعني وتحبني إكدة علي طول
تنهد براحه وشدد علي ضمتها بذراع والأخر أمسك بكفهِ رأسها وضمها أكثر لصدره وتحدث بنبرة حنون:
_ إنتِ فاكرة إني بچلعك إنتِ إكدة؟
واكمل بحنان:
_ ده أني بچلع روحي وبهنيها بجربي منك يا بِت أبوكِ يا عالية
إبتسمت ودثرت بحالها أكثر داخل أحضانة وتحدثت:
_ هو إحنا هنرچع سوهاچ بكرة خلاص يا حبيبي؟
وأكملت بنبرة مُتألمة:
_يعني كُلها يومين وتسافر القاهرة ومهشوفاكش غير كُل إسبوع يوم ؟
تنهد وأمسك وجهها محاوطً إياة بكفيها وأردف إليها بنبرة حنون قائلاً:
_ معايزش أشوف الحُزن ساكن عيونك تاني يا جلبي، وصدجيني أني مبجتش أجدر أبعد عنك ولو حتي ثواني، إن شاءالله هحاول ما أجعدش في القاهرة غير الأيام اللي فيها جلسات في المحكمة وبس
إعتلت الفرحة ملامح وجهها وتساءلت مُتلهفة:
_ صُح هتعمل إكدة يا قاسم؟
مسح علي شعرها وأرجع خصله منه خلف آذنها وتحدث بإبتسامة:
_ صُح يا جلب قاسمنظرات عاشقة سكنت مقلتيهما وطالت وحركت مشاعر الرغبة بداخلهما، مال علي شفتها وبات يُذيقها من قُبلاتهِ التي تُذيب كلاهما وتنقلهما لعالم موازي، وحملها برقة واتجه بها نحو تختهما ليحيا معاً حياة العاشقين
بعد مدة كانت تقطن داخل أحضانة تنتفض من شدة سعادتها وشعورها بلذة الحياة،
تحدث إليها بنبرة مبحوحة أثارتها:
_ بحبك يا صفا، بجيت مچنون عشجك خلاص
إبتسمت خجلاً وهي تُداري حالها وتندثر داخل صدرة،
قهقه هو علي تصرفها وكاد أن يتحدث لولا إستمع إلي رنين هاتفة يصدح من فوق الكومود، تناولهُ ونظر به وأرتبك حين وجد نقش حروف إسم عدنان
مما جعلهُ يسحب جسدهِ ويتخلي عن ضمتهِ لها وهو يرتدي ثيابهُ ويتحدث إليها بإعتذار:
_ معلش يا حبيبتي، هرد علي التلفون في الرسيبشن برة علشان مش عاوز أدوشك بتفاصيل شغلي
أومأت له بإبتسامة وأنسحب هو خارج غرفة النوم، وكاد أن يضغط للإتصال الذي إنقطع لكنهُ تجدد بالرنين من جديد فضغط زر الإجابة وتحدث بنبرة رسمية جادة:
_ أفندم يا أستاذ عدنان
أجابهُ عدنان بنبرة مستائة وهو يجاور شقيقته الجلوس بشقتها:
_ أستااااذ عدنان، للدرجة دي إحنا بقينا بُعاد أوي كدة عن بعض يا قاسم ؟ مكنش العشم يا صاحبي تكلمني بالطريقة الرسمية ديت
نفس قاسم عالياً وتحدث بنبرة جادة:
_ إنتَ اللي وصلت علاقتنا للمرحلة دي بإيدك يا عدنان، فياريت متجيش تلومني علي الإسلوب اللي أنا إختارتة لشكل علاقتنا كرد فعل علي موقفك معايا وعلي اللي أجبرتوني ووصلتوني لية إنتَ وعيلتك.
زفر عدنان وتحدث بنبرة لائمة:
_ وبالنسبة للي إنتَ عملته مع أختي بدون ما تراعي العشرة والصداقة اللي بينا تسمية إية يا قاسم ؟
أشارت له إيناس بإكمال ما أتفقا عليه منذُ القليل وهي تنظر له بإستحسان، وأكمل ذلك المُلقن قائلاً بنبرة صوت حزينة كي يستدعي تعاطفة:
_ يرضي مين إنك تسيب إيناس تاني يوم فرحها وتسافر وتفوتها لوحدها منهارة بالشكل ده، البنت هتموت يا قاسم، أنا جيت لقيتها مغمي عليها من كتر حُزنها وقلة أكلها من يوم ما أنتَ مشيت
كان يستشف كذبة من نبرة صوتهِ، وعَلم بجلوس تلك الحية وتيقن من أنها من تلقنهُ كُل ما يتفوة بهِ كالبغبغاء بدون تفكير، فتحدث بنبرة حادة غاضبة:
_ عدنان، لو عندك حاجه مهمة بخصوص الشغل تستدعي نقاشنا ياريت تقول، غير كده أنا مُضطر أقفل السكة لأني مش فاضي للمهاترات اللي بتقولها دي.
إبتلع ذلك البهلوان لُعابهُ رُعبً من نبرة قاسم الشديدة وتحدث سريعً بنبرة يبدوا عليها الإرتباك مما أكد لقاسم شكوكهُ:
_ لا يا قاسم، الشغل كله تمام وماشي كأنك إنتَ وإيناس موجودين بالظبط .
تحدث إليه بنبرة حادة وهو يغلق الخط:
_ تمام، مع السلامه.
وأغلق دون أن يستمع حتي لردةِ مما جعل إيناس التي كانت تستمع إلي المكالمة عن طريق مُكبر الصوت تستشيط غضبً وتحدثت بنبرة غاضبة:
_ قليل الذوق، ماشي يا قاسم، إن ما خليتك تدفع تمن كل جَليتك وقلة ذوقك معايا ده غالي، ما أبقاش أنا إيناس رفعت
أردف إليها عدنان قائلاً بنبرة تعقلية:
_إعقلي يا إيناس وبلاش تلعبي مع قاسم النُعماني لأن وقتها هتخسري كل حاجة، وياريت متنسيش إنه صعيدي، يعني قرصتة ليكي وإنتقامة هيكون بدون رحمة وأكبر مما خيالك يصور لك.
أجابته بحدة:
_ يعني عاوزني أقف أتفرج وهو بيقلل مني وبيحتقرني بأفعاله المستفزة دي يا عدنان؟
اجابها بدهاء:
_ أكيد ما أقصدش كدة يا حبيبتي، أنا كل اللي عاوز أوصلهُ لك إنك تفكري وتخطتي وتحاولي ترجعي قاسم ليكي من جديد بدل ما تخسرية للأبد.
نظرت له بإستحسان وشعرت بصحة حديثةُ وتعقله
في الصباح
داخل فيراندا سرايا عِثمان، كان يجلس هو وزيدان ومُنتصر يتناولون مشروب الشاي بالحليب التي أعدته ورد وقدمتهُ للجميع بنفسها ، ودلفت من جديد لداخل المطبخ لتستعد لتجهيز وجبة الفطور لأهل المنزل ولرسمية التي مازالت تُلازم الفراش لشدة مرضها
خرج يزن وألقي عليهم السلام بنبرة حادة وعيون تتلاشي النظر لأيً كان، فهذا للاسف أصبح حالهُ مُنذُ تلك الليلة المشؤمة
وكاد أن يتحرك للخارج فاوقفهُ زيدان قائلاً بنبرة حنون:
_ تعالي يا ولدي إشرب لك كُباية شاي بحليب علي ما الفطور يچهز.
تحدث إلية متلاشي النظر بعيناه تحت نظرات مُنتصر المُتألمة لأجل إنكسار ولده:
_ هبجا أفطر في المحچر ويّاَ الرچالة يا عمي عشان فية شُغل مستعچل لازم يتسلم كمان شوي.
قاطع حديثهُ عِثمان قائلاً بنبرة صارمة:
_ وبعدهالك يا يزن، عتفضل علي حالك المايل ده كتير، أني مش جولت لك فضي
حالك يوم لجل ما تدلي ويا عمك علي مصر وتعمل تحاليل چديدة ؟
إشتعل داخلهُ وشعر بدونيتة ونقص رجولتة الذي بدأ يُلازمهُ عندما يُذكر أحدهم هذا الأمر أمامه وتحدث بنبرة حادة:
_ وأني جولت مرايحش يا چدي وبكفياك چبر فيا لحد إكدة
وأكمل بنبرة رجُل مهزوم:
_ مهروحش أني كل شوية للحُكما لچل ما يشفجوا علي حالي ويتفرچوا علي خيبتي وعجزي، أني عرفت نصيبي من الدنيي ورضيت بيه خلاص
في تلك الأثناء كانت فايقة تقف خلف الحائط الداخلي وتتسمع عليهم بعدما كانت في طريقها إليهم تحمل بيدها صَحنً كبيراً من المخبوزات لتقديمةُ إليهم كي تُكحل عيناها برؤيا زيدان التي مازالت تعشق تفاصيلة إلي الآن برغم السواد الذي يملئ قلبها، وأيضاً كي تنال رضي عِثمان عليها بعدما أصبح يبغضُ رؤياها بشدة
إبتسامة سعيدة إعتلت ملامحها حين إستمعت إلي حديث يزن المُثلج لصدرِها وأستشفت وتأكدت من إستسلامه وإعلانه الرايا البيضاء لما أخبرته بهِ هي وقدريتحدث إلية مُنتصر بنبرة غاضبة:
_حديت إية الماسخ اللي عتجولة ده يا يزن، كَنك إتخبط في نفوخك ، تايه إنتَ إياك عن لعب المحروجة اللي إسميها فايقة ؟
أجاب والدهُ بنبرة صارمة لا تقبل النقاش:
_ أنا جولت كُل اللي عِندي ولو ليا غلاوة في جلبك يا أبوي تنسي الموضوع ده ومحدش فيكم يفاتحني فيه تاني، وإلا قسماً بالله لكون مِطلج ليلي وأروح أبني لي أوضة في چنينة المانچة ومهتشوفوا وشي إهنية تاني
قال كلماته التهديدية وهرول مُسرعً خارج البوابة الحديدية حتي إختفي عن الأنظار، وضع مُنتصر كف يدهُ سانداً به رأسة وتحدث بنبرة مُنكسرة:
_ يا ميلة بختي في ولدي الكَبير
تحدث زيدان إلي شقيقةُ المهموم:
_ متعملش في حالك إكدة يا أخوي ليچري لك حاچة، وأصبر يومين تلاتة إكدة لحد ما يهدي اعصابة وأني بنفسي هاخدة وأعيد له التحاليل تاني
أما في الداخل تحركت فايقة عائدة بما في يدها إلي المطبخ من جديد بعد ذهاب يزن مباشرةً، وتحدثت إلي العاملة بإنتشاء وسعادة ظهرت فوق ثغرها:
_ خدي يا حُسن خرچي الصَحن دي للحاچ برة
رمقها نجاة بنظرة نارية وتحدثت بتهكم:
_ ملجتيش مواصلات إياك يا فايقة ولا زي عادتك، عِملتي الجراجيش حِجتك و وجفتي وأتسمعتي علي الرچالة وعاودتي
إبتسمت بجانب فمها وأجابتها ساخرة وهي تنظر إلي ورد قاصدة إياها بحديثها:
_أصلي لجيت إن مايصحش إن أسياد البيت يهينوا حالهم ويجوموا هما بشُغل الخَدم.
إبتسمت ورد لتيقُنها أنها تقصدها بذاك الحديث لتقديمها قبل قليل مشروب الحليب الممزوج بالشاي، فتحدثت ورد بنبرة متسامحة:
_عُمر خدمة الست منينا لچوزها وناسه ما كانت إهانة، الإهانة اللي بچد إن الإنسان يكون عارف ومتوكد إنه ماشي في طريج الشيطان، ومع ذلك مكمل في أذيته لخلج الله
إبتسمت ساخرة ورمقتها بنظرة إشمئزاز وتحركت للخارج
أما في الأعلي
كان يغفو وهو يحاوط جسدِها بذراعية من الخلف، تمللت من بين ضمته عندما إستمعت إلي رنين المنبة، مدت يدها بتكاسُل وضغطت علي زر التوقف، وكادت أن تتحرك لولا يداهُ التي كبلتها من جديد وتحدث بصوتٍ مُتحشرج ناعس:
_ خليكي نايمة چاري
إبتسمت بسعادة وأستغربت تحولهُ، وتحدثت إلية:
_ مهينفعش يا فارس، لازمن أروح المستشفي، صفا مش إهنية ولازمن أباشر المستشفي مكانها
شدد من ضمتة لها وتحدث وهو مُغمض العينان بتكاسُل:
_ بلاش المستشفي إنهاردة وخليكي چاري، أني كسلان ومش عاوز أجوم بدري وعاوزك في حُضني
ما كان منها إلا أن أطاعته وأستسلمت لضمته بل ونعمت داخل أحضانة وغاصت من جديد في نومتها الهنيئة داخل أحضان زوجها الدافئة الحنون التي ولأول مرة تشعُر بها
أما عن ياسر الذي قضي يومهُ العملي مُكتئبً لعدم رؤيتةُ لوجة فاتنتة الجميلة التي سحرته وأصبح يومهُ لا يكتمل إلا برؤياها الساحرة التي تُربت علي قلبه وتمنحهُ السلام النفسي
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم روز امين
وصل العاشقان إلي مطار سوهاج بسلام، وجدوا فارس بإنتظارهم ليقلهم بسيارتة إلي المنزل.
وبالفعل إستقلوا السيارة وجلس إثنتين بالمقعد الخلفي.
نظر فارس لإنعكاس كليهما بالمرأة وتحدث ساخراً:
_ سواج اللي جابوكم أني لجل ما تلطعوني جدام لحالي وتجعدوا تحبوا في بعض إكدة.
ضحك كلاهُما وتحدث قاسم الذي يُكبل كتف محبوبتة كمن يخشي هروبها:
_ يا تسوج وإنتَ ساكت يا تنزل وتركب لك أي تاكسي وأسوج أني.
أجابهُ ساخراً:
_ لا وعلي إية، أسوج وأني مكتوم لجل ما ترتاح حضرتك إنتَ والدكتورة.
وصل الثنائي إلي السرايا ولقيا إستقبالٍ حار من الجميع ما عدا يزن وذلك لعدم تواجدة حيثُ أنهُ أصبح يعود في وقتٍ مُتأخر من الليل وذلك حين يتأكد من أن الجميع قد غفي في ثبات عميق كي لا يراة أحدً من سُكان المنزل.
وأيضاً ليلي التي أصبحت حبيسة حُجرتِها بعدما تركها يزن وبات لا يطيقُ حتي النظر لرؤية وجهها البغيضُ بالنسبة له.
أما فايقة التي كانت تنظر بحقدٍ إلي صغيرها والسعادة التي تنطلقُ من عيناه.
كم بغضت رؤية الراحة والسلام اللذان إرتسما علي ملامحهُ وأستوطنا، بلحظة شعرت بالخطر وبأن عرش إنتقامها الأعمي بات مُهدداً بالإنهيار.
وأكثر ما أرق روحِها وأتعبها هو العشق الظاهر وأنسجام روحي هذا الثُنائي ونظراتهما العاشقة المتبادلة والتي تؤكد وتُظهر عِشق كلاهما للأخر.
تحرك قاسم وقبل مقدمة رأس عتمان وتحدث بنبرة صوت هادئ وملامح وجة مُبتسمة أكدت لعتمان أن حفيدهُ قد سامحهُ وتأكد من حُسن إختيارة له:
_ كيفك يا چدي وكيف صحتك.
ربت عِثمان فوق ظهر حفيدةُ وتحدث بنبرة إستحسانية:
_ بخير طول ما أنتَ بخير يا سَبعي.
إبتسم لهُ قاسم بإرتياح كقبل.
ثم تحرك إلي والدته بعدما إطمئن علي جدته وأحتضنها وتحدث إليها بنبرة هادئة:
_ كيفك يا أمّا، إتوحشتكم.
مالت علي إحدي أذناه وهمست بنبرة حادة عاتبة:
_ وعشان إكدة كُنت عامل حظر لرقمي وكل ما أتصل بيك يجول لي مجفول؟
أجابها بمراوغة، فهو حقاً كان مُفعل تلك الخاصية لرقمها وإيناس وكوثر وذلك لعدم إزعاجة هو وحبيبته.
وهذا ما أشعل روح فايقة وجن جنونها حين حاولت الوصول إلية بشتي الطُرق لتخبرهُ ما جري لشقيقته كي تُجبرهُ علي قطع إجازتة وعدم إعطائه هو وصفا الفرصة للتقرب أكثر والإستمتاع معاً كي لا تتقارب روحيهما أكثر.
_ الشبكة هناك مكناتش زينة يا أمّا، حجك علي.
تحدثت إلية من جديد:
_ عاوزاك تاجي معاي نطلع فوج لأختك لچل ما أحكي لك علي اللي حُصل لها من إبن المركوب اللي إسمية يزن.
إهتز داخلهُ لأجل شقيقته وتسائل مُتلهفً:
_ إيه اللي حُصل يا أمّا، إوعا يكون مّد يده عليها؟
_ مد يده بس، ده بهدلها جِدام العيلة كِلياتها، ومحدش منيهم نطج ولا حتي جال كلمة نصف بيها خيتك.
كانت تلك جُملة خبيثة نطقت بها فايقة لتُشعل داخل صغيرها تجاة يزن وتجاة جميع العائلة.
إستأذن من الجميع وصعد إلي مسكن شقيقتة هو وفارس الذي فهم مغزي همس والدتهُ إلي شقيقهُ وأصّر علي الصعود معهُ كي يمنع والدته من ملئ رأس قاسم بأحاديث مغلوطة وغير صحيحة بالمرة، وشحنهِ بالكراهية ضد يزن الذي هو بالفعل يبغضة لعلمهِ أنهُ يكنُ داخل صدرهِ عِشقً إلي صفا.
صعد إلي شقيقته وأخذها داخل أحضانة، وما كان من ليلي سوي الإنفجار بالبكاء الحاد وكأنها كانت تنتظر ضمتها إلي صدر أحدهم كي تشعر بالأمان داخلهُ وتُخرج كُل ما تكنهُ داخل صدرها وتُخفيه، وتُعلن عن إنهيارها.
ربت قاسم علي ظهرها بحنان وتحدث بنبرة حنون:
_ إهدي يا ليلي، إهدي يا حبيبتي وفهميني إية اللي حُصل.
وأكمل بنبرة متوعدة:
_ وصدجيني، هچيب لك حجك من كُل اللي چُم عليكِ وظلموكِ.
جلست فايقة وقصت علية ماحدث من وجهة نظرها الكاذبة الحقود.
إشتعل داخل قاسم وكاد أن يتحرك إلي يزن ليُلقنةُ درسً ويتقاتل معه، أوقفةُ فارس الذي أكمل لهُ الحديث التي تعمدت والدتهُ عدم ذِكرة، تحت غضب فايقة وسخطها علي فارس.
جحظت عيناي قاسم وتحدث مُلامً إلي والدتهُ قائلاً:
_ معجولة اللي بسمعة من فارس دي يا أمّا، كيف طاوعك جلبك تودي ليلي بيدك للناس الكَفرة اللي ميِعرفوش ربنا دول؟
ثم نظر إلي شقيقتة وأردف مُعاتبً إياها:
_ وإنتِ يا ليلي يا متعلمة يا اللي تعرفي حدود ربنا والصح من الغلط، كان فين عجلك وإنتِ ماشية تابع ورا أمك كيف العامية وبتغضبي ربنا وبتخدعي چوزك؟
أجابتهُ من بين شهقاتها الحادة ودموع الألم:
_ كُنت عاوزني أعمل إيه يا قاسم، أني كُنت كيف الغرجان اللي متعلج بجشاية، كُنت مستعدة أعمل أي حاچة لجل ما أچيب حتة عيل أفرح بية جلب يزن وأربطة بيا أكتر.
سحبها لداخل أحضانة وتحدث وهو يُربت علي ظهرها بحنان:
_ أني هاخدك وياي علي مصر وهوديكي لأكبر دكاترة، ومهسيبكيش غير لما ربنا يراضيكي ويديكي العيل اللي نفسك فيه.
إرتبكت ليلي في حين هتفت فايقة بنبرة قاطعة:
_ مبجاش لية لزوم المرواح والمجي يا قاسم، كل الدكاترة والتحاليل اللي عِملناها جالت إن أختك صاغ سليم والعيب من يزن، هو اللي معيوب ومعيخلفش واصل.
تنهد قاسم بأسي علي حال إبن عمهِ وما وصل إلية، فمهما كان يكِن لهُ بعض العداوة لأجل صفا إلا أنهُ يضل إبن عمه الذي يربطهما نفس الإسم والدم وبينهما الكثير والكثير من الذكريات الجميلة التي لم ولن تُمحي بمرور الزمن.
أردف فارس قائلاً بإعتراض:
_ متجوليش إكدة يا أمّا، يزن راچل من ضهر راچل، وأني متوكد إن فية حاجة غلط في التحاليل دي.
حول قاسم بصرهُ إلية وتحدث بنبرة هادئة:
_ طب ما تاخدة لمعمل كبير في مصر وتخلية يعيد له التحاليل من تاني ويتأكد.
إرعب داخل فايقة من إنكشاف أمر خِطتها وتحدثت بنبرة قوية مصطنعة:
_ الدكتور بعتنا لأكبر معمل في مصر كلياتها.
أكدت تلك التي ورثت خُبث وكذب والدتها كي تحمي حالها وعرشِها:
_ هي المعامل الكبيرة دي عتغلط بردك يا قاسم؟
تنهد قاسم وأجاب شقيقتة في محاولة منه لبث روح الأمل داخلها:
_ كل شئ جايز يا ليلي، ممكن جداً تكون عينات الفحص إتبدلت وحصل لغبطة من دكتور التحاليل وهو بيكتب التقارير.
تحدثت فايقة كي تُغلق ذلك الباب بوجة نجليها:
_ مليكش صالح باللحكاية دي يا قاسم لا أنتَ ولا أخوك، عمك مُنتصر ومرته مفكرينا عنكدبوا عليهم، وأي حد فيكم عيدخل معيصدجهوشي ولا هيأمنوا له، يُبجا أسلم حل نبعد خالص ومندخلش.
هتفت ليلي بنبرة تأكيدية:
_ أمي عنديها حَج يا قاسم.
إستمع قاسم حديث الأم وإبنتها وحزن كثيراً لأجل إبن عمه وما أصابه.
❈-❈-❈
بالأسفل كان زيدان يحتضن صغيرته برعاية تحت نظرات الجميع المُحبة.
خرجت صفا من أحضان أبيها وتحدثت إلي عمها مُنتصر:
_ أومال فين يزن يا عمي، مشيفهوش هو وليلي يعني؟
تحدث الجَد كي يرفع الحرج والحزن عن كاهل ولدهُ وزوجتة ذات القلب المُتألم لأجل نجلها الحبيب:
_ يزن عِندية شغل في المحچر وزمناتة چاي يا دكتورة.
أومأت مُبتسمة لجدها الحبيب، ثم أردفت متسائلة جدتها بعدما علمت بمرضها حين سألتها عن تغيُر لون وجهها وعيناها الذي يظهر المرض بداخلهما:
_ والدكتور ياسر كتب لك علي حُجن الأنسولين من أول ما عمل لك التحليل وأكتشف إن عِندك السكر يا جده؟
أجابتها الجَدة بصوتٍ واهن ضعيف:
_ أداني برشام أول يومين مرتاحتش علية، بعدها حلل لي وجال لي إني لازمن أخد إبر لجل ما تجيب معاي مفعول زين.
تحركت صفا وجلست بجانبها ثم رفعت كف يدها وقبلته بحنان وتحدثت:
_ ولا يهمك يا حبيبتي، أني هضبط لك الأكل وإن شاء الله مستوي السكر هينزل ومهتحتاجيش للأنسولين تاني.
تدلي قاسم بجوار شقيقهُ من فوق الدرج بوجهٍ مهموم لأجل شقيقتة وإبن عمة.
تحرك إلي جدته وقبل جبهتها وسألها عن حالها وصحتها وبعدها تحرك الجميع إلي حُجرة الطعام وتناولوا عشائهم بدون شهية.
إنسحب للأعلي هو وصفا دلفا لداخل المرحاض وأخذ كلاهما حمامً دافئً كي يُزيلا تعب السفر وجلسا سوياً داخل غُرفتهما.
وقص لها ما حدث مع يزن وليلي مما جعل صفا تتسائل بإستغراب:
_ كيف يعني العيب من يزن وأمّك بذات نفسيها أخدت مني عنوان الدكتور بعد ما جالت لي إن ليها سنتين ونص بتلف علي الدكاترة في المركز إهني، وكلهم بيجولوا لها إنها مسألة وجت؟
سألها مُستغربً:
_ جصدك إية بكلامك ده يا صفا؟
أجابتهُ بنبرة تشكيكية:
_ جصدي إن لو فعلاً الكلام دي صُح، كان علي الاقل دكتور منيهم طلب من ليلي إنها تخلي چوزها ياچي معاها ويعمل تحاليل، لجل ما يتأكد إن المريضة بتاعتة معِنديهاش مشكلة.
قطب جبينه وكاد أن يرد عليها لولا إستمعا كلاهُما إلي طرقات عالية متتالية فوق الباب، مما أفزعهما وأسرع هو بإتجاة الباب ليري من الطارق، أما هي فأسرعت لترتدي ثيابً ساترة لجسدها.
وجد فارس أمامة وتحدث بنبرة لاهثة تدل علي وجود كارثة حدثت:
_ چِدك عاوزك تحت حالاً يا قاسم.
سأل شقيقةُ بنبرة مُرتعبة:
_ إية اللي حصل يا فارس، إنطج وجول فية إية؟
أجابه فارس:
_ يزن تحت، وعيجول إن فية ناس تبع الشرطة هجموا علي المحجر وخرجوة هو ورچالتنا منية بالعافية.
خرجت لهما صفا وتساءلت بنبرة مُرتعبة:
_ فية إية فارس؟
أمسك قاسم مقدمة رأسها وقبلها بعدما قص عليها ما حدث، وتحدث إليها بنبرة مُطمأنة:
_ أدخلي نامي وإرتاحي يا حبيبتي، وأنا هنزل أشوف الموضوع وهطلع لك علي طول.
نزل بالفعل وجد جميع رجال المنزل و يزن بجاور جده فتحدث إلية بنبرة هادئة جديدة علية:
_ إزيك يا يزن.
أجابه يزن بإقتضاب:
_ الحمدلله.
تحدث إلية قاسم بمهنبة:
_ إحكي اللي حصل كله وشكلهم إية الناس دول، والراچل اللي قال لك إنة تبع الشرطة وراك الكارنية بتاعة؟
أجابه يزن بنبرة حادة:
_ أني مش صُغير علشان ينضحك عليا يا قاسم، ولا كُنت هسيب مكاني واتحرك برچالتي من غير ما أتوكد إنهم فعلاً شرطة وأشوف الكارنيهات بتاعتهم.
عذر قاسم حدتة بالحديث، واردف قائلاً بهدوء:
_ وأني مبجولش إنك صغير يا يزن، أني بس بتأكد إنك شوفت كارنيهاتهم.
تحدث جدة إلية:
_ أني كلِمت مأمور المركز بس جال لي إن شكلهم جاصدين المحاچر بتاعتنا مخصوص وإنة معينفعش يتدخل لأنه بكدية هيُبجا بيتحداهم وهيعملوا مشاكل هو في غنة عنيها.
وأكمل مُفسراً:
_ أني كان ممكن أجمع رچالة النجع كلياتها بالسلاح ونمشوهم بالجوة، لكن معايزش الموضوع يخلص بالعُنف وندخل الحكومة بيناتنا.
تنهد قاسم رأسهُ وتحدث:
_ شكلهم إكدة الظباط الفسدة اللي تبع كمال أبو الحسن وبيشتغلوا لصالحة في موضوع تهريب الاثار.
هتف قدري بنبرة حقودة وكأنة وجد مادة خصبة للحديث:
_ أني جولت من اللول إن اللحكاية دي مهيجيش من وراها غير الخراب ووچع الجلب، وأهو كلامي طلع صُح والمحاچر اللي هناكُل من وراها الشهد ضاعت منينا.
وأكمل وهو ينظر إلي زيدان قائلاً بنبرة أمرة وكأنهُ أصبح الأمر الناهي:
_ من بكرة تروح تسحب ورج الترشيح بتاعك يا زيدان، منجصينش مشاكل ووچع دماغ إحنا مع الحكومة.
نظر لهُ قاسم مُستغربً رد فعلةِ وتحدث بنبرة غاضبة:
_ كلام إية اللي عتجولة حضرتك دي يا أبوي، عاوز ولاد النُعمانية علي أخر الزمن يطاطوا راسهم لواحد حرامي كيف كمال أبو الحسن؟
صاح زيدان بنبرة حادة وهو ينظر لداخل عيناي قدري بثقة:
_ أني منكرش إني مكُنتش رايد موضوع الترشيح دي من اللول، بس بعد اللي حُصل من كمال دي، مسألة الترشيح بالنسبة لي بجت مسألة حياة أو موت يا قدري.
_ بعد الشر عنيك يا جلب أمك، إوعاك تچيب سيرة الموت ديت علي لسانك تاني.
كانت تلك جُملة رسمية التي أصّرت علي الجلوس معهم رُغم مرضِها.
أردف مُنتصر بنبرة قوية:
_ وأني وولادي التنين واچفين في ضهرك يا زيدان.
وافقاه يزن وحسن وأيضاً فارس الذي خجل من كلمات أبية الشامتة.
في حين هتف عِثمان الذي كان ينتظر ليري رد فعل الجميع، نظر إليهم جميعاً متلاشيً النظر إلي قدري وتحدث قائلاً:
_ هي دي رچالتي وعزوتي علي حَج، رچالتي اللي دائماً جلبهم علي جلب بعض ويدهم واحده جُصاد أي عدو ياجي علينا.
إنكمش قدري بجلسته خشيةً غضب أبية، حين تحدث قاسم إلي جدة بنبرة مُطمأنة:
_ مش عاوزك تجلج وإعتبر الموضوع إنتهي يا چدي.
وأمسك هاتفة وتحدث إلي رجُل ذو هيبة وموقع حساس بجهاز أمن الدولة، كان قد تعرف علية من خلال قضية مهمة لأحد أقرباءة وانتصر قاسم بها، ابلغةُ قاسم أن هذة المحاجر مِلكً للدولة، وجدة يدفع المال التي حددته الدولة له سنوياً.
قال له الرجل أن يذهب علي الفور إلي هؤلاء الرجال ويهاتفهُ أمامهم ويُفعل خاصية مُكبر الصوت، وبخلال تلك الفترة القصيرة سيُجري إتصالاتة ويتعرف علي هويتهم بطُرقةِ الخاصة والتي لا تصعب علية بكونةِ أحد الرجال الهامة في جهاز أمن الدولة، وقد ساعدة قاسم ومّدهُ ببعض المعلومات التي يعرفها عن كمال أبو الحَسن، وأيضاً أملاهُ يزن بأسماء بعض الرجال الذي رأي إثبات شخصيتهم.
بعد حوالي نصف ساعه كان قاسم وزيدان ومنتصر وقدري الذي ذهب بصحبتهم كي يستدعي رضا والده علية، وايضاً يزن وفارس وحسن ومُعظم رجال العائلة الذي إستدعاهم زيدان وعلي الفور لبي جميعهم النداء، يقفون أمام الضابط الفاسد ورجالة.
وقف الضابط الفاسد وتحدث إليهم بنبرة قوية مُهدداً إياهم:
_ جاي عاوز إية يا شاطر منك لية.
تحدث قاسم إلية بنبرة ساخرة:
_ شاطر دي تقولها للي بيقدم لك الشاي في مكتبك، إنما لما تيجي تُقف قدام رجالة النُعمانية أسياد النجع وأسياد المركز بحالة، تبقا تقف كويس وتتكلم بأسلوب يليق بأولاد وأحفاد عِتمان النُعمانيه.
هتف الضابط بنبرة حادة مُهينة لشخص قاسم:
_ وإنتَ بقا يا حيلة أمك اللي جاي تعلمني الإسلوب اللي هتكلم بيه مع امثالكم؟
أجابهُ قاسم بنبرة باردة وهو يضغط علي زر الإتصال برجُل الدولة المهم:
_ هو أحنا فينا من قلة الأدب وطولة اللسان ولا إية.
جن جنون الضابط وتحدث بنبرة غاضبة وهو يتحرك بإتجاة قاسم كي يتهجم علية ويلكمةُ:
_ ولسة كمان هتدوق طولة الإيد يا روح أمك.
تسمر مكانه حين أوقفتة يد يزن الذي إحتجزة كي لا يقترب من إبن عمه، وجحظت عيناه حين إستمع إلي صوت قاسم وهو يتحدث إلي رجُل الدولة:
_ إيوة يا باشا، الظابط اللي كلمت جنابك عنه واقف قدامي وسامعك.
تحدث الرجُل موجةً حديثةُ إلي الضابط الفاسد مهدداً إياه:
_ إسمع يا عُمر يا منشاوي.
جحظت عين الضابط فأكمل الرجُل حديثةُ:
_ متستغربش إني عرفت إسمك، أنا أعرف عنك كل بلاويك والمخالفات اللي عملتها في شغلك المشبوة مع النائب الفاسد اللي إسمة كمال أبو الحَسن.
وأكمل بنبرة تهديدية:
_ إسمعني كويس يا عُمر، أنا هدي لك فرصة عمرك وده بس علشان ما أدمرش مستقبلك وإنتَ لسة في بدايتك، قدامك خمس دقايق بالظبط وتكون لامم البلطجية اللي حواليك دول وماشي من نجع النُعمانية ومن سوهاج كُلها، ولو في يوم شيطانك وزك وحاولت تأذي أي حد من عيلة النُعمانية، ساعتها بس متلومش غير نفسك.
وأكمل بنبرة حادة:
_ مش سامع صوتك لية يا عُمر؟
إرتجف جسد عُمر وأجابهُ بنبرة مُرتبكة:
_ تحت أمرك يا باشا، حالاً هتحرك أنا ورجالتي.
تحدث الرجل إلي قاسم:
_ لو فيه أي جديد حصل يا متر يا ريت تتصل بيا علي طول وأنا هتصرف.
أجابهُ قاسم بنبرة شاكرة:
_ إن شاءالله يا أفندم، وشاكر جداً لأفضال جنابك.
أغلق الخط ونظر إلي الضابط الذي وبالفعل بدأ بجمع رجالة البلطجية وتحدث إلية بنبرة ساخرة:
_ يلا يا شاطر، جمع البلطجية بتوعك دول ومشوفش خلقتك في سوهاج كُلها وإلا إنتَ سمعت بنفسك الباشا قال إية.
سحب نظرة بعيداً عن مرمي نظر قاسم المُتشفي به وتحرك سريعً مُنسحبً هو ورجالة.
حين هتف قدري بنبرة تفاخرية بنجلة:
_ براوة عليك يا قاسم، سبع يا ولدي الله يحميك.
ربت زيدان علي كتف قاسم وتحدث بنبرة استحسانية:
_ ربنا يحميك لشبابك يا ولدي.
إبتسم لعمه وأمسك كف يدة وضغط عليها دلالة علي تضامنة.
وتحرك الجميع عائدون إلي السرايا بعدما هاتف يزن رجالة وعادوا من جديد إلي المحجر لحمايتة.
أما الضابط فهاتف كمال وقص علية تفاصيل ما حدث وأبلغهُ إنسحابهِ من القصة، غضب كمال وتوعد بالرد القاسي علي عِتمان وزيدان.
❈-❈-❈
في منزل زيدان النُعماني.
كانت تجاورهُ الجلوس فوق فراش نومتهما وتحدثت إلية بنبرة حزينة:
_ بلاش منية موضوع الترشيح ديه يا زيدان، أني جلبي ممطمنش للي إسمية كمال دي.
وأكملت وهي تنظر لداخل عيناه والخوف يُسيطر علي نظرتها له:
_ أني خايفة عليك يا حبيبي.
سحبها لداخل أحضانة وربت علي ظهرها كي يُشعرها بالأمان والطمانينة:
_ معادش ينفع الإنسحاب يا ورد، الموضوع كِبر وبجا مسألة كرامة، وأني مهتنازلش عن كرامتي وكرامة عيلتي واصل جدام اللي إسمية كمال دي.
وأكمل:
_ مش عايزك تخافي طول ما أنتِ چوة حُضني يا زينة الصبايا.
تنهدت بثقل وخبأت حالها داخل صدرة لتتناسي بضمتة أحزانها التي أصابتها جراء ما حدث.
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي.
فاق قاسم من غفوتة ثم أستعد وسافر إلي القاهرة تحت تألم روحة ودموع صفا وصرخات قلبها الذي ما عادَ يحتمل البُعاد عن وليفةُ ولو لساعاتٍ قِلة.
ذهبت صفا إلي المشفي في محاولة منها لمتابعة سير العمل لسببين، الأول أن تتناسي ألم قلبها الناتج عن إبتعاد الحبيب، والثاني أن تعود لعملها التي تعشق مزاولتة.
أوصل فارس مريم إلي عملِها بسيارته وترجلت منها داخل المَشفي وتحرك هو إلي أعمالة التي يكلفهُ بها جده.
دلفت وجدت بوجهها دكتور ياسر، نظر لها مُتلهفً لرؤياها فقد إشتاقها وأشتاق رؤية عيناها حد الجنون.
تسمر بمكانهِ لينتظر مرورها بجانبة، إبتسم لها برقة وتحدث بنبرة هادئة تدل علي عشق روحهِ لتلك الجميلة:
_ حمدالله على السلامة يا أستاذة مريمو.
أكمل بإبتسامة مُداعبً إياها:
_ إحنا هنبتديها تقصير كدة من أولها ولا إية؟
أجابتهُ بنبرة جادة:
_ أني أسفة يا دكتور، وإن شاء الله هتكون أخر مرة ومهتتكررش تاني.
إبتسم لها وتحدث بنبرة متسامحة:
_ ولا يهمك يا مريم، المهم طمنيني، إنتِ كويسة؟
أجابتة بنبرة صارمة وهي تنسحب للأمام في طريقها إلي مكتبها:
_ الحمدلله، بعد إذنكم.
هرولت سريعً حتي أختفت داخل مكتبها، تنهد وتحدث بصوتٍ يكادُ مسموع لأذنه:
_ لحد أمتي هتفضلي تهربي بعيونك مني يا مريم، لحد أمتي هتهربي من مشاعري وتعملي نفسك مش فاهمة ومش واخدة بالك من حُبي ليكِ.
تنهد ثم تحدث بنبرة متفائلة:
_ علي العموم هانت يا حبيبتي، أنا خلاص قررت أكلم يزن وأطلب إيدك منه، علشان خلاص، مابقتش قادر أصبر علي معاملتك الجافة والرسمية دي أكتر من كدة.
❈-❈-❈
ظهراّ داخل سرايا النُعماني.
ذهب عِثمان النُعماني إلي حديقة الفواكة ليطمئن علي المحاصيل بنفسة وليجلس مع يزن ويتحدث معه بخصوص إعادة الفحص مرةً أُخري.
أما رسمية فبعد أن أخذت جُرعة الدواء وإبرة الأنسولين دلفت لداخل حُجرتها لتأخذ قيلولتها.
أما ورد فكانت تجلس في البهو بجانب نجاة وتحمل إبنة مريم وتُدللها وتداعبها.
نظرت ورد إلي نجاة المهمومة وأردفت بنبرة مُلامة:
_ وبعدهالك يا نچاة، عتفضلي لميتا جاعدة حزينة ومستسلمة لحالتك دي؟
تنهدت نجاة وتحدثت بنبرة محملة بثقل من الهموم:
_ وأني إية اللي في يدي لجل ما أعملة يا خيتي ومعملتوش.
هتفت ورد بنبرة حادة:
_ في يدك كتير إنتَ ومُنتصر يا نچاة، إجعدوا وياة وحايلوة وخدوة لمصر من چديد لجل ما يعيد التحاليل.
وأكملت بنبرة تأكيدية:
_ كلياتنا وإنتِ أولنا خابرين زين إن فايقة ممكن تعمل أيتوها حاچة لجل ما تبعد الشك وتأكد للچميع إن عيب الخِلفة عند بِتها.
لم تكملا حديثهما حين إستمعتا صوت فايقة الهادر الذي يأتي من فوق الدرج وهي تُنادي علي العاملة إحسان بنبرة غاضبة، وهذا بعدما شاهدت ورد تحمل جميلة حفيدتها التي لم تحملها هي مُنذُ ولادتِها إلا مرات تُعد علي أصبع اليد الواحدة.
وهتفت عالياً:
_ إحسان، إنتِ يا اللي إسمك إحسان.
خرجت العاملة مُهرولة وتحدثت بنبرة مُرتبكة لحدة وغضب صوت تلك الفايقة:
_ نعمين يا ست فايقة.
أكملت فايقة حديثها بنبرة أمرة:
_ هاتي لي چميلة وطلعيهالي علي شُجتي.
وأنسحبت سريعً إلي مسكنها فتحدثت نجاة بنبرة غاضبة:
_ من ميتا وهي عتهتم بچميلة ولا حتي عتعتبرها حفيدتها.
ونظرت إلي العاملة التي تنتظر لتأخذ الصغيرة لجدتها وتحدثت إليها:
_ روحي علي المطبخ يا إحسان، چميلة أمانة أمها ليا ومعسلمهاش لحد غير لأمها أو أبوها.
وقبل أن تتحرك العاملة أوقفتها ورد التي تحدثت إلي نجاة وأقنعتها بحديث العقل وأن تبعث بالفتاة إلي جدتها، وبالفعل أخذت العاملة الصغيرة إلي فايقة التي وضعتها فوق التخت لحالها وخرجت إلي بهو الشقة تتحدث مع إيناس لتخبرها بسفر قاسم إلي القاهرة وأن عليها الإستعداد التام لإستقبالة بشكلٍ لائق ومُلفت للنظر.
أما بالداخل فتمللت الصغيرة بالجلوس لحالها وأرادت الذهاب إلي جدتها نجاة التي تداعبها وتغمُرها بالدلال طيلة الوقت،باتت الصغيرة تصرخ بالنداء علي جدتها ولكن لم تُعيرها ذات القلب المُتيبس أية إهتمام، بل تابعت ما تفعلةُ من تخطيط للإيقاع بفلذة كبدها داخل براثن إيناس ووالدتها، وذلك لتثأر من زيدان وإبنتة.
تحركت الصغيرة في محاولة منها للنزول، ولكن للأسف وقعت من فوق التخت المرتفع علي مفصل ذراعها مما أدي إلي كسرةِ في الحال، صرخت الصغيرة صرخة مُدوية إستمع إليها جميع من بالمنزل وتحركوا علي أثرهِ إلي الأعلى، إنتاب فايقة شعور سئ، أغلقت الهاتف بوجة إيناس وجرت سريعً إلي الصغيرة وجدت ذراعها ملتوي ومنتفخ بشكلٍ يستدعي الذُعر والقلق.
وقفت متسمرة بمكانها لا تدري ما عليها فعله، إستمعت إلي خبطات سريعة متتالية فوق الباب، جرت سريعً إلي الباب وفتحتة، وجدت نجاة وورد وليلي وجميع العاملات.
تحركن جميعاً وذُهلن من وضع الصغيرة التي ما زالت مُلقاة علي الارض، كادت نجاة أن تحمل الصغيرة فصرخت بها ورد وحذرتها من خطورة الوضع وتحدثت إلي حُسن:
_ هاتي أي خشبة عريضة نحطها تحت يد چميلة لجل ما تتأذي أكتر.
وبالفعل وضعت ورد ذراع الصغيرة وثبتته فوقة ببعض الأقمشة، في تلك الاثناء حضر فارس بعدما هاتفتة ليلي وأخبرته بما جري.
ذهب فارس والجميع إلي المشفي مما تسبب في ذعرٍ للجميع، هرولت صفا إلي فارس وتحدثت بنبرة هلعة بعدما رأت وضع الصغيرة:
_ إية اللي حُصل يا فارس؟
أجابها ذلك الذي يتقطع لأجل صراخ صغيرتة:
_ چميلة وجعت من فوج السرير يا صفا.
أتي ياسر بعدما أخبرته الممرضة بوجود حالة كسر مضاعف لطفله بالكاد تتخطي عامها الأول، فتحدث إلي فارس الذي يحتضن صغيرتة ممسكً بها ومشدداً:
_ حط البنت علي الترولي من فضلك يا أستاذ فارس.
نظر لهُ بتيهه فطمأنهُ ياسر، فوضعها تحت صرخات الصغيرة وتشبثها بيد أبيها الذي تحرك معها لداخل غرفة الأشعة، تحركت صفا إلي مكتب مريم وأخبرتها بهدوء، صرخت مريم وأسرعت إلي إبنتها، وجدتها مازالت داخل غرفة الأشعة وممنوع الدخول بأمر من ياسر وطبيب الأشعة.
سحبتها نجاة وأحتضنتها وربتت علي ظهرها بحنان.
تحدثت إلي والدتها بإستفسار:
_ إية اللي حُصل لچميلة وخلي دراعها ينكسر يا أمّا؟
نظرت نجاة إلي فايقة وتحدثت:
_ حماتك هي اللي عتجول لنا إية اللي حُصل، لأن بتك كانت معاها وجت ما دراعها إنكسر يا مريم.
صاحت فايقة وأردفت بنبرة عالية:
_ نصيبها يا حبيبتي، ربنا كاتب لها تنكسر وهي معاي، إيه، عتعترضي علي أمر ربنا وحكمتة إياك؟
سألتها مريم بنبرة حادة:
_ وإنتِ كُنتِ فين يا مرت عمي وجت ما بنتي إنكسرت؟
أجابتها بتبجح:
_ كنت في الحمام يا ست مريم، هتحكميني إنتِ كمان إياك.
سحبتها ورد إلي المرحاض كي تغسل وجهها وتُزيل عنها تلك الدموع كي لا تراها الطفلة هكذا وتنهار أكثر.
خرجت من المرحاض وجدت إبنتها قد خرجت ودلفت لحجرة الكشف، دلفت إليهم، وجدت ياسر وفارس وصفا مُلتفون حول الصغيرة وفارس يستعد كي يُجبر للصغيرة ذراعها.
جرت علي صغيرتها وتحدثت بدموعها:
_ چميلة، بنتي مالها يا فارس؟
نظر لها ياسر بذهول بعدما نزلت علية كلماتها فزلزلت كيانهُ، سألها بنظرات حائرة ونبرة مُرتبكة:
_ بنتك؟ بنتك إزاي يا مريم؟
إتسعت عيناي فارس حين رأي نظرات ياسر وتعبيرات وجهةِ المصدومة، وهُنا عاد بذاكرته وتذكر نظراته إلي مريم ووقوفهِ قبالتها وطمأنتهُ لها حين مرضت جدته رسمية.
إشتعل داخلة وأرتجف جسدة من شدة الغضب والغيرة وتحدث بنبرة غاضبة عالية:
_ بِتها مني يا دكتور، ولا هو سيادتك متِعرفش إن مريم تُبجا مرتي وأم بِتي چميلة.
إتسعت عيناي ياسر ولم يستطع السيطرة علي حالة وهتف بنبرة بائسة وعيون تصرخُ ألماً جراء أماله وأحلامهُ التي تحطمت بلحظة:
_ مراتك إزاي، وأمتي ده حصل؟
ونظر سريعً لأصبع مريم وصُدم واتسعت عيناه عندما رأي خاتم زواجها بيدها، حدث حالهُ صارخً: يا إلهي، سأجن، كيف ومتي حدث ذلك؟
إرتبكت مريم وارتجف جسدها رُعبً من نظرات فارس التي لا تنذر بخير أبداً.
حين تحدثت صفا بإستغراب:
_ هو فيه ايه يا چماعة.
نظر فارس إلي صفا وتحدث بنبرة حادة:
_ شوفي لي دكتور تاني يچبس لبتي دراعها.
ثم حول بصرهُ إلي مريم وتحدث وصدرةُ يعلو ويهبط من شدة الغضب والغيرة:
_ تِطلعي من إهني علي البيت طوالي، وأني هچبس چميلة وهچيبها لك.
هزت رأسها برفض وتحدثت من بين دموعها مُمسكة بكف صغيرتها التي تصرخ باكية:
_ أني مهسيبش بِتي يا فارس، ومهروحش غير ورِچلي علي رِچلها.
صاح بنبرة غاضبة وعيون تُطلق شزراً:
_ تروحي على البيت حالاً ومعايزش كُتر حديت يا مريم، ورچلك مهتخطيش المستشفي دي تاني، فهماني يا مريم.
نظرت له تترجاة بدموعها فبادلها إياها بتحذيرية، لأول مرة تراهُ بهذا الغضب، إرتبكت فأخرجتها صفا بعد أن رأت غضب فارس العارم، وعادت إلي السرايا بصحبة ورد بعدما أبلغتهم صفا أن مريم لم تعد تتحمل رؤية إبنتها بهذا الوضع، وهذا بعدما فهمت صفا مغزي الحديث.
أما بالداخل، وقف ينظر بغضب إلي ياسر الذي مازالت الصدمة تُلجم لسانة وتُسمر قدماة، وتحدث إلية بنبرة غاضبة:
_ واجف عنديك بتعمل ايه، جولت لك تتفضل تطلع برة.
بالفعل تحرك للخارج يجر ساقية بخيبة أمل كبيرة، تحت إشتعال روح فارس وغيرتة التي تُشعل جسدة، جاء طبيب العظام وجبر للصغيرة ذراعه.
بالخارج، تحركت نجاة مُنسحبة بهدوء كي لا تراها فايقة، ووصلت إلي غرفة طبيبة النساء والتوليد وتحدثت إلي أمل:
_ هو أني لو چبت لحضرتك تحاليل معمولة في معمل في مصر، وشاكة إنها متزورة وملعوب فيها هتِعرفيها؟
أجابتها أمل بنبرة صوت هادئة إرتاحت لها نجاة:
_ علي حسب، يعني ممكن تكون متزورة بطريقة مش مهنية فدي بسيطة وبسهولة نقدر نعرف إذا كانت ملعوب في نتايجها ولا لا، وممكن يكون اللي كاتبها حد مهني ومتخصص وساعتها هيكون صعب جداً إكتشافه.
تحدثت إليها نجاة بنبرة بائسة:
_ طب والعمل يا دكتورة؟
أجابتها أمل:
_ الحل الوحيد والمضمون علشان تقطعي الشك باليقين، هو إن المريض يعيد التحاليل من جديد، وساعتها هنقدر نعرف النتيجة الصح.
تنفسث عالياً واجابتها بإستسلام وملامح وجه حزينة:
_ مش راضي يعيد التحاليل، مستكترها علي حالة يا نضري.
حزنت أمل لأجل تلك المكلومة، مع العلم أنها تجهل أن شخصية يزن هي المقصودة بالحديث، وتحدثت إليها:
_ طب هاتي لي التحاليل دي وأنا هتصرف.
هزت نجاة رأسها بإيجاب وتحركت من جديد إلي الخارج تنتظر خروج الصغيرة من الداخل.
❈-❈-❈
داخل بهو سرايا النُعماني.
كانت تتوسط جدها وجدتها اللذان يحتضناها ويحاولا تهدأتهاتحدثت رسمية بنبرة حنون:
_ إهدي يا بِتي، دالوك هياچو بيها بالسلامة وهتُبجا زينة.
لم يكملا حديثهما حتي وجدوا فارس يحمل صغيرته وهي تغفوا بسلام بعدما حقنها الطبيب بإبرة منومة كي لا تشعر بألم ذراعها.
جرت عليه وباتت تُقبل كف يد ووجنة صغيرتها، تحرك بها ثم وضع الصغيرة فوق ساقي نجاة التي جلست بإسترخاء.
تحدثت جدته إلية:
_ حمدالله علي سلامة بِتك يا فارس.
أجابها بإقتضاب:
_ الله يسلمك يا چدة.
وتحرك إلي الدرج وتحدث بنبرة صارمة:
_ مريم، عاوزك فوج.
إبتلعت سائل لُعابها وأرتبكت تحت إستغراب الجميع لحالة فارس وملامح وجهةِ شديدة الغضب.
❈-❈-❈
داخل المشفي.
تحركت صفا إلي مكتب ياسر الذي ظل حبيسهُ إلي الآن وتحدثت إلية بنبرة هادئة:
_ ممكن تفسر لي إية اللي حصل جدامي ده؟
نظر لها وهز رأسهُ بيأس وتحدث بنبرة حزينة مُتألمة:
_ والله ما كُنت أعرف إنها متجوزة يا صفا.
وأكمل بعيون شبة دامعة:
_ أول مرة شفتها كان يوم فرحك، إتخبط فيها بالغلط وفونها وقع علي الأرض وميلت جبتهولها، أول ما بصيت لعيونها سحرتني، علي طول بصيت في إديها علشان اتأكد إذا كان من حقي أتمادي في مشاعري دي ولا لاء.
وهز رأسهُ بأسي وتحدث:
_ مكانتش لابسه دبلة، والله يا صفا ما كانت لابسة، أنا أستغربت لما لقيت في صباعها دبلة جواز إنهاردة، والله ما كانت لابسة طول الفترة اللي فاتت.
حزنت داخلها لأجل ذلك الخلوق لانها بالفعل تعلم مدي إحترامة وأدميتة.
إنسحبت للخارج تحت تألم روحها وروح ذلك المذبوح الروح وتركتة يتألم بصمت.
❈-❈-❈
بعد حوالي ساعة.
جلست بداخل مكتبها.
أمسكت هاتفها وضغطت زر الإتصال وتحدثت بنبرة جادة:
_ مساء الخير يا دكتور محمد، أنا دكتورة صفا زيدان اللي كلمت حضرتك من مُدة بخصوص حالة إبن عمي الباشمهندس يزن مُنتصر عتمان، ومراتة ليلي قدري عتمان.
أجابها الطبيب حين تذكرها وتحدث:
_ إفتكرتك يا دكتور، بس هو إبن عمك لية مجاش معاد الإستشارة وجاب التحاليل علشان أطلع عليها؟
نزلت كلماته علي مسامعها زلزلتها وهذا بعدما تحدثت مُنذ الصباح إلي زوجة عمها فايقة لتسألها عن ما أخبرها به الطبيب، وأكدت لها فايقة أن الطبيب هو من أخبرها بما أخبرت به الجميع.
سألته صفا:
_ مرات عمي هي اللي جابت لحضرتك التحاليل يوم الجمعة اللي فات يا دكتور.
أجابها مؤكداً ان التحاليل لم تأتي من الأساس وتحدث إليها:
_ أنا متأكد إن التحاليل دي بالذات أنا ما أطلعتش عليها، لأن دكتور حسن اللي موصيني علي حضرتك قالي أكلمة وأبلغة بنتيجة التحاليل أول ما تظهر، علشان هو هيبلغك بيها بنفسة.
وأكمل مُستغربً:
_ ثم أنا مبشتغلش يوم الجمعة من الأساس يا دكتور.
أغلقت معه الهاتف وألف سؤال وسؤال يُراودها، لما كذبت زوجة عمها وأخبرتها أنها قابلت الطبيب وهو بشخصةِ من أبلغها بنتيجة التحاليل؟ ومن أخبرها بتلك النتيجة إذا لم يفعل الطبيب؟ وهل ستُخبر يزن بما علمته، أم ماذا عليها أن تفعل؟
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم روز امين
صعدت مريم خلف فارس الذي استدعاها بنبرة غاضبة لا تنذر بخير. وجدته يقف عند مدخل مسكنهما. دلفت، وما أن تحركت بساقيها إلى الداخل حتى انتفض جسدها بالكامل من صوت غلق الباب الذي هز أركان المكان بأكمله.
تحرك سريعًا إلى غرفة نومهما وتحدث بنبرة حادة:
"تعالي ورايا."
تحركت خلفه ووقفت قُبالته. رمقها بنظرات نارية وسألها:
"أنا مستنيكي تحكي لي كل اللي أنا ما أعرفهوش."
نظرت إليه باستغراب وأجابته:
"إيه اللي هو إيه اللي أنتَ متعرفهوش ده؟"
نظر لها بتحذير وهتف بنبرة حادة:
"موضوع الدكتور اللي اتصدم لما عرف إن الهانم متزوجة."
وأكمل وهو يصك على أسنانه من شدة غيظه:
"البيه اللي آماله وأحلامه اتهدت لما سمع إن عندكِ بنت!"
وأكمل بنبرة صارمة:
"سؤالي بقى يا أستاذة يا محترمة، أنتِ ما كنتيش خابرة بمشاعره اللي باينة كيف عين الشمس دي ناحيتك؟"
وأكمل باتهام صريح:
"ولا كنتِ عارفة وحاسة بنظراته والحكاية كانت على كيفك، وعشان كده ما جبتليش سيرة عن موضوع الدبلة اللي أنا اكتشفته بالصدفة؟"
اكفهرت ملامح وجهها وزهلت من كلماته المهينة، بل واتهامه لها ولعفتها بكل وضوح. هتفت بنبرة حادة وحركات جسدية تدل على شدة غضبها:
"كأنك دبيت في نفوخك يا فارس، عتقولي أنا الكلام الشين ده؟ هي دي فكرتك عني يا ولد عمي؟ للدرجة دي شايفني مرة رخيصة بتنبسط بنظرات الرجالة ليها؟"
دب فوق دماغه بكفي يديه وتحدث بنبرة جنونية:
"أومال عايزاني أقول إيه وأفكر كيف بعد ما شفت نظرات العشق اللي خارجة من عين راجل غريب لمراتي اللي بتنام جوة حضني؟"
أجابته بنبرة واثقة:
"دي مشكلته هو، وأنا ما يهمنيش طالما واثقة في حالي ومحافظة على شرفي وشرف جوزي وعيلتي."
اقترب منها وأمسك كتفيها وهزها بعنف وهتف بنبرة تشكيكية:
"ولما أنتِ كنتِ ملاحظة إنه حاطط عينه عليكِ، ما جولتليش ليه أجيب لك الدبلة عشان تِقْفَلي جدامه الباب وتأكدي له إنك ست متزوجة وتحطي جدامه حدود؟"
أمسكت كفي يديه وأنزلتهما عن كتفيها وأردفت قائلة بنبرة ضعيفة:
"إمتى كنت موجود معايا عشان أقول لك يا فارس؟ طول عمرك وإنتَ باعد حالك عني. إمتى حسستني إني مراتك وخليلِتك؟"
ثم نظرت لهُ بإنكسار وهتفت بنبرة حزينة:
"فاكر يوم فرح صفا لما دخلت عليا هنا وأنا لابسة فستاني، كنت مستنية منك كلمة حلوة كيف اللي أي راجل بيقولها لمراته لما يشوفها لابسة حاجة جديدة. كان نفسي أسمع منك ولو كلمة واحدة تخليني آخد الخطوة وأبدأ وياك الحياة الجديدة اللي نويت بيني وبين حالي نعيشها سوا، لكن حتى النظرة استخصرتها فيا."
"ولما طلعت عشان أجيب الدبلة بعد ما نسيتها وإنتَ هملتني أطلع لحالي، ورجعت الفرح ومهانش عليك تطلع وياي ولا حتى تستناني عشان تدخلني الفرح، وجعت مني الدبلة."
واسترسلت بحزن:
"وبرغم كل اللي حصل منك كنت ناوية أقول لك عشان تجيب لي دبلة غيرها."
ومالت برأسها ونزلت دموع الألم من عيناها التي تصرخ وأردفت قائلة:
"بس اللي دبحني بجد وخلاني أكتم حزني جواتي لما لقيتك داخل ويا قاسم وبدأت تتلفت بلهفة وسط الحريم."
ضحكت ساخرة وأكملت بدموعها:
"قال وأنا من خيبتي فرحت وجلت لحالي إنك بتدور عليا، بس فرحتي ما طولتش لما شفت عينك لقيت مرساها ومبتغاها، أشجان يا فارس."
ابتلع لُعابهُ خجلاً، وحينها علم ما السر وراء هجرها له ولغرفته.
وأكمل وهو يدق بيدها بكل عزمها على صدرها:
"اتجهرت واتكسر قلبي ورقبتي وأنا شايفة جوزي وحبيبي وهو عم يطلع لمرة غيري وعنيهْ عيطل منها العشق. وجتها بس عرفت يعني إيه كسرة النفس ووجع القلوب. بقيت أبص حواليا وأشوف الحريم وهما عيبصوا عليا ويتصعبوا على الحرمة اللي مملياش عين جوزها ولسه عايش جواها العشق اللي فات."
نظر لها وتحدث بنبرة واهنة منكسرة:
"ما سألتيش حالك أنا ليه محاولتش أجرب منك ولا أديكِ وأدي لحالي فرصة عشان نعيش ونخلق حياة جديدة؟ ما سألتيش حالك أنا ليه كنت عتهرب من نظرة عينك ليا؟"
سألته مستفسرة:
"قول أنتَ ليه يا فارس؟"
ابتسم ساخراً وأجابها بنبرة رجل منكسر:
"عشان مراتي اللي نامت جوات حضني وخلفت منها بنتي كانت بتعشق أخوي وبتريده."
اتسعت عيناها ونزلت كلماته المنكسرة على قلبها شرختها.
وأكمل هو متألمًا:
"مجادرش أنسي نظرة عينك الغضبانة ووقوفك جدام جدك وإنتَ بتعترضي على جوازك مني. ولا جادر أنسي ليلة دخلتي عليكي وأني بجرب منكِ وحاسس بنفورك وإنتِ بتبعدي جسدك عن جسدي. مجادرش أوصف لك إحساسي وقلبي اللي كان بيجيد نار في كل مرة كنت بجرب فيها منكِ وتحضنيني. كنت بحس بروحي بتروح من جسدي وأني متخيلك عم تتخيليني قاسم لما بتضميني عليكي. وجتها كنت بحس بجسمك كأنه شوك بيتغرس جوات قلبي وبيشرخ فيه."
كانت تستمع لكلماته ودموعها تنهمر كشلال فوق وجنتيها. حدثت حالها بتألم:
"كم تعذبنا وذابت قلوبنا من الألم وذبلت، حبيبي، لما لم تصارحني من ذي قبل. لو كنت صارحتني لارحت قلبك من هذا الشك وبدأنا سوياً حياةً جديدة تليق بقلبينا."
اقتربت من وقفته وتلمست وجنته بكف يدها، وتحدثت بدموعها المنهمرة:
"ربنا يشهد عليا إني من يوم كتب كتابي عليك وأني عمري ما طيف راجل عدى على خيالي. لا أخلاقي ولا تربيتي تخليني أعمل اللي عتقول عليه ده. مش أنا الحرمة اللي تفرق بين الأخوة يا فارس."
وأكملت مفسرة:
"منكرش إني في الأول كنت رايدة قاسم، عادي، زيك زي أي بت شافت في ابن عمها فارس أحلامها."
وأكملت وهي تنظر لداخل عينيه والعشق ينطق من مقلتيها:
"بس بعد ما اتجوزتك وعاشرتك عرفت إن ربنا اختار لي الراجل الصح اللي كنت بتمناه. لقيت فيك كل حاجة اتمنيتها وحلمت بيها وبقيت فارس أحلامي يا فارس."
كان يستمع لها وقلبه ينتفض من شدة سعادته. نعم، فقد وجد بها كل ما يتمناه الرجل في امرأته: العفة، والروح الهادئة، والاهتمام، والطاعة، والأخلاق الحميدة. لكن علمه بعشقها السابق لقاسم ظل كسد منيع وقف بينهما وجعله يسجن حاله بداخل الماضي الأليم.
حاوط وجهها بكفي يديه وجفف لها دموعها ونظر داخل عينيها وتساءل متلهفًا:
"بتتكلمي جد يا مريم؟ صح عشقتيني وأنا بقيت راجلك وفارس أحلامك؟"
أجابته بنبرة عاشقة ونظرات هائمة:
"طول عمرك وإنتَ راجلي يا فارس، حتى من قبل ما تبقى حبيبي وأنا شايفاك راجلي وسندي وجوزي."
قال بسعادة ولهفة غير مستوعبًا اعترافاتها:
"قوليها تاني يا مريم، قولي لي يا حبيبي يا راجلي."
ابتسمت بخجل وتحدثت بنبرة رقيقة:
"بحبك يا فارس، يا راجلي."
صرخ متأوهًا من شدة اللذة وقال:
"يا أبووووووووي، وأنا عاشجك وعاشج التراب اللي عتخطي عليه رجليكي يا ست البنات."
رمت حالها داخل أحضانه باسترخاء وكأنها تخلصت من حمل ثقيل كان يؤرق روحها. أما هو فما عاد متحملًا رغبته بها. رفعها بين ساعديه واتجه بها إلى فراشهما كي يتوجا اعترافاتهما ويغوصا داخل عالم مختلف، أكثر تفهمًا، وأكثر صراحة، وأكثر راحة وعشقًا.
❈-❈-❈
داخل القاهرة.
كان يجلس داخل مكتبه حيث توجه من المطار إليه مباشرةً. رحب به جميع العاملين بالمكتب وبدأ هو بمزاولة أعماله.
استمع إلى طرقات فوق الباب فسمح للطارق بالدخول. وجد السكرتيرة التي تحدثت بنبرة وقورة:
"مدام كوثر، والدة الأستاذة إيناس، برة وعايزة تقابلك يا أفندم."
بالكاد أكملت جملتها ووجدت من تقتحم المكتب وتتحدث بنبرة باردة وابتسامة مصطنعة:
"أنا مستغربة إصرارك على إنك تستأذني من جوز بنتي عشان أدخل له."
شعر باختناق وكأن الهواء قد تم سحبه بالكامل من المكان بمجرد دخول تلك الحية الرقطاء. تحدث إلى السكرتيرة بوجه مبهم كاشر وما زال جالسًا بمكانه غير مهتم بدخولها:
"اطلعي برة واقْفِلي الباب وراكي من فضلك يا سهى."
أومأت له بطاعة وخرجت بالفعل.
تحركت إليه كوثر وجلست بالمقعد المقابل له، واضعة ساق فوق الأخرى، ثم تحدثت بنبرة قوية:
"حمد الله على السلامة يا متر."
وأكملت بنبرة لائمة:
"مش الأصول بردوا بتقول إن الراجل لما يرجع من السفر، يرجع على بيته الأول ويتطمن على مراته اللي سابها تاني يوم الفرح. اللي أعرفه عن الصعايدة إنهم رجالة وعندهم نخوة."
وأكملت بنبرة تهكمية مهينة:
"ولا أنتَ ما أخدتش من الصعيد غير الاسم يا ابن النعماني؟"
احتدمت ملامحه وهتف بنبرة حادة وعيون غاضبة:
"من غير طولة لسان وردح، قولي جاية ليه وعاوزة إيه وخلصيني. أنا عندي شغل متأخر ومش فاضي لكلام الحريم ده."
استشاطت داخلها واشتعلت روحها من عدم تقديره لها وكلامه الجارح المقلل من شأنها. لكنها قررت اللعب معه بذكاء كي تجبره على تنفيذ رغباتها.
وتحدثت بنبرة هادئة:
"أنا مش هحاسبك على إهانتك ليا ووصفك لكلامي بالردح. أنا بردوا بنت أصول ومتربية."
قوّس فمه وابتسم ساخرًا، فأكملت هي متلاشية سخريته منها:
"اسمعني كويس وحاول تفهمني يا قاسم. أنا أم وبخاف على أولادي وكل اللي عملته ولسه هعمله بعمله عشانهم. أنا هنسى إهانتك لبنتي وإنك سبتها يوم صباحيتها وسافرت سوهاج عشان تقضي فيه الأسبوع اليتيم اللي أخدته كشهر عسل واللي المفروض إنك كنت هتقضيه مع بنتي."
قاطعها بنبرة حادة:
"أظن ملوش لازمة الكلام ده يا مدام، وخصوصًا إن أنا وإنتي عارفين ظروف الجوازة دي كويس أوي."
أجابته بنبرة بائيسة:
"عندك حق، بلاش نقلب في اللي فات وخلينا نتكلم في اللي جاي."
وأكملت بنبرة جادة:
"طول الأسبوع اللي فات وزمايل إيناس في الشغل وقرايبها مبطلوش اتصال عليها عشان عاوزين يزوروكم ويباركوا لكم. وهي كانت بتتحجج لهم بإنكم مسافرين، بس خلاص أنتَ رجعت لشغلك، يعني مبقاش عندها حجج تاني تقولها."
زفر بضيق ورفع عيناه للأعلى وهتف بنبرة تهكمية:
"وبعدين بقا في مواضيعكم اللي ما بتخلصش دي. طب وإيه المطلوب مني إن شاء الله؟"
تمالكت من حالها وكظمت غيظها الذي أصابها من أسلوبه المستفز والمقلل من شأنها، وتحدثت إليه متلاشية كلماته المتهمكة:
"إيناس عاملة عزومة بكرة لكل زمايلكم هنا في المكتب، ولازم تقابلهم كويس وتتصرف بطبيعية مع إيناس زيكم زي أي اتنين لسه عرسان وفي شهر العسل. وده طبعًا عشان شكلكم قدام زمايلكم."
زفر عاليًا وأرجع شعر رأسه للخلف بطريقة تُظهر كم الغضب الذي أصابه جراء حديثها، ثم تحدث بنبرة غاضبة:
"وإنتوا بقا قررتوا وخططتوا لكل ده من ورا ضهري، وجايين تبلغوني بعد ما حطتوني قدام الأمر الواقع؟"
وقفت وتحدثت وهي تستعد للرحيل:
"معلش يا متر، ما أنتَ لو كنت فاتح تليفونك كنا بلغناك. على العموم العزومة دي مهمة لشكلكم أنتم الاتنين. أنا رايحة لإيناس الشقة عشان نجهز لعزومة بكرة."
واسترسلت بنبرة باردة أشعلته:
"وهعمل لك الغدا إنهاردة بإيدي عشان تعرف غلاوتك عندي قد إيه."
وأكملت وهي تتحرك إلى الباب، واضعة إياه أمام الأمر الواقع:
"أشوفك في البيت عشان نتغدى مع بعض."
وتحركت للخارج تحت استشاطة قاسم من تلك الحية الرقطاء وابنتها الشمطاء وتصرفاتهما المستفزة التي أصبحت لا تطاق.
❈-❈-❈
إنتهى دوام العمل داخل مكتب قاسم وتحرك عائدًا إلى مسكنه القديم، بعدما قرر رجوعه إلى مسكنه الذي كان يقطن به قبل انتقاله ليلة عقد قرانه المشؤوم من تلك الشمطاء. دلف وأخذ حمامًا دافئًا وخرج من جديد وتناول غداءه الذي جلبه معه من الخارج، وهاتف صفا الذي اشتاقها واشتاق وجودها بجواره حد الجنون، ثم غفى بثبات عميق.
أما داخل شقته التي تسكنها إيناس، كانت تجوب بهو المسكن إيابًا وذهابًا ويبدو على وجهها الغضب العارم.
أما والدتها التي تجلس بكل هدوء هتفت قائلة:
"ما تقعدي يا بنتي خيلتينى."
رمقتها إيناس بنظرات نارية وتحدثت بنبرة حادة:
"أقعد إزاي يا ماما والbéh إتحرك من المكتب بقاله أكتر من ساعة ونص على حسب كلام سكرتيرته؟"
أجابتها كوثر بنبرة باردة:
"شكله كده راح على شقته القديمة. على العموم أنتِ لازم تمشي على الخطة اللي رسمتها لك أمه. هي قالت لك إن ابنها عنيد وأكثر شيء بيجننه لما حد يجبره على حاجة، وهي أدري الناس بابنها."
وأكملت وهي تستعد للرحيل:
"أنا هقوم أمشي عشان ألحق أغدي أبوكي وأخوكي، زمانهم في البيت من بدري."
وأكملت بتوصية:
"وإنتِ البسي واتمكيجي عشان تشديه ليكِ، وروحي له على شقته واعملي اللي اتفقنا عليه."
وتحركت والدتها إلى مسكنها بعدما حملت معها كل ما لذ وطاب من الطعام التي صنعتها هي وابنتها لغداء اليوم وعزيمة الغد المنتظرة.
وبعد مدة كانت إيناس تقرع جرس منزل قاسم. تململ بنومته حينما استمع إلى جرس الباب. سحب حاله لأعلى وسند ظهره على التخت، واستعاد توازنه ثم تحرك إلى الباب وفتحه. زفر بضيق حينما وجدها تقف أمامه بكامل هيئتها وأناقتها وجمالها المصطنع.
تحدث إليها بنبرة باردة:
"خير يا أستاذة، إيه اللي جايبك لحد هنا؟"
تصنعت الحزن والبرائة وتحدثت بنبرة منكسرة:
"للدرجة دي مبقيتش طايق تشوفني قدامك يا قاسم؟"
دلف للداخل وأعطاها ظهره. فتحركت للداخل سريعًا وأغلقت الباب وأكملت حديثها مستعطفة إياه:
"راح فين حبك ليا؟ معقول كل اللي كان بيننا والناس كانت بتحسدنا عليه يضيع كده في لحظة؟"
ضل صامتًا، فاقتربت عليه واحتضنته من الخلف. انتفض على أثر لمساتها التي باتت تشعره بالإشمئزاز من حاله ومنها.
ابتعد عنها سريعًا كمن لسعته عقرب ونظر لها باحتقار وصاح بها بنبرة غاضبة:
"هو إنتِ ما بتحسيش؟ أنا مش قلت لك قبل كده وحذرتك من إنك تحاولي تتقربي مني تاني. اتقبلي إن اللي كان بيننا خلاص انتهى. علاقتنا أصلًا اتبنت غلط والفشل هو النتيجة الحتمية ليها."
أجابته بدموع مصطنعة كدموع التماسيح كي تستدعي تعاطفه:
"إنتَ بطلبك ده كأنك بتطلب مني أتخلى عن حياتي. أنا من غيرك مليش حياة يا حبيبي."
تململ بوقفته وأردف قائلاً بنبرة رافضة:
"كل كلامك ومحاولاتك دي مجرد تضييع وقت مش أكتر. فيا ريت توفري وقتك ومجهودك في حاجة تقدري تستفيدي منها."
وأكمل بنبرة جادة:
"وعلى فكرة يا إيناس، أنا وإنتِ مش هينفع نشتغل مع بعض في مكان واحد تاني. أنا هديكي مبلغ معقول تقدري تبدأي بيه في مكتب صغير باسمك، وإن شاء الله هيكبر بشغلك وشطارتك إنتِ وعدنان."
نجحظت عيناها واستشاطت داخلها. فلو حدث ذلك ستخسر قاسم وأموال جده وعمه للأبد، وهذا ما ستمنع حدوثه وتقف له بكل ما أوتيت من قوة.
فتحدثت بدموع التماسيح ونبرة استعطافية كما خططت لها فايقة:
"إنتَ كده فعلاً قاصد تدمرني. قاسم أنا مش هينفع أسيب شغلي معاك لأنك بكده بتكون بتكتب نهايتي المهنية بإيدك."
وأكملت بنبرة جادة:
"بعيدًا عن جوازنا وقصة حبنا اللي إنتَ قررت بين يوم وليلة إنك تنهيها بمجرد قرار ناتج في وقت غضبك."
وأكملت لإقناعه:
"لكن ما تنكرش إن أنا وإنتَ كابل هايل وبنحقق أعلى النجاحات في أي قضية بنشترك في حلها مع بعض. مش معقول هتضحي بكل ده عشان مجرد شوية زعل بينا وهيروحوا لحالهم مع الوقت."
تنهد وتحدث إليها بضيق:
"المشكلة إنك مش قادرة تقتنعي إن طريقنا خلاص مبقاش واحد، وإن أنا وإنتِ بقا مستحيل تجمعنا أي حاجة بعد كده، حتى الشغل بقا صعب جدًا نكمل فيه مع بعض."
زادت نار حقدها عليه ولكنها كظمت غيظها منه وتحدثت بنبرة هادئة عكس ما بداخلها، وذلك كي تصل إلى مبتغاها وتتقرب منه بشتى الطرق كي تحمل داخل أحشائها طفلًا منه وبعدها سيتنازل عن عناده ويرضخ لها.
"أرجوك يا قاسم، بلاش تكسرني بالشكل ده. على الأقل خليني معاك في المكتب لحد ما موضوع الطلاق يتم في المدة اللي إنتَ وبابا اتفقتم عليها."
وأكملت برجاء ودموع:
"على الأقل يبقى شكلنا طبيعي قدام الناس."
وأكملت بتألم مصطنع:
"وبعد الطلاق أقدر ألاقي فرصة جواز تانية كويسة لما الناس تعرف إني مش بتاعة مشاكل وعلاقتي بجوزي السابق كانت هادية وانفصلنا بطريقة متحضرة."
شعر بعجز أمام حديثها الذي يتسم بالكثير من العقل، وشعر أنه عاجز مكتوف الأيدي أمام قدره الذي ما زال يعانده ويعطيه صفعة تلو الأخرى.
نظرت إليه بتشفي عندما وجدت داخل عينيه نظرات الاستسلام والضعف، وحينها فهمت أن خطة فايقة بدأت تجني ثمارها. فتحدثت باستعطاف:
"يلا بينا على شقتنا يا قاسم، أنا ما اتغديتش لحد الوقت ومش هاكل غير معاك."
حول بصره إليها بحدة وتحدث برفض تام:
"قلت لك مش هينفع واتفضلي بقا من غير مطرود عشان تعبان وعاوز أنام."
ابتلعت لُعابها من حدته بالحديث وأردفت قائلة بنبرة ضعيفة:
"خلاص، خلينا نطلب أكل ونأكل وأبات هنا معاك."
نظر لها باحتقار وتحدث بنبرة صارمة وهو يشير إلى باب الشقة:
"لو سمحتي، اتفضلي وبلاش تجبريني على إني أتصرف معاكي بطريقة مش هتعجبك."
استشاطت داخلها وتحدثت بنبرة جادة:
"طب ياريت متنساش عزومة بكرة وبلاش تحرجني قدام الناس."
زفر بضيق ثم تحدث مجبرًا:
"مش هنسى، واتفضلي أرجوكِ عشان بجد تعبان ومحتاج أنام."
نظرت له بضعف وكسرة سكنت عيناها كي تحثه على التعاطف معها ويتراجع عن قراراته، ولكن هيهات، فهو بات يفهم ألاعيبها وسيتصدى لها بكل ما لديه من قوة حتى يتخلص منها بدون خسائر، هكذا حدث حاله وقرر داخله.
تحركت وأغلق خلفها الباب بقوة أشعلت غضبها عليه أكثر.
❈-❈-❈
في الثامنة مساءً.
هاتفت صفا يزن وطلبت منه الحضور عند منزل أبيها وأخبرته أنها تحتاجه في استشارة لأمر ما يخصها كي تجبره على الحضور. وبالفعل أتى وجلست هي تتوسط أبويها وجلس يزن مقابلًا لهم. قصت على مسامعهم ما دار بينها وبين الطبيب خلال المكالمة الهاتفية.
قطب يزن جبينه ثم تساءل مستفسرًا:
"معناته إيه الحديث اللي بتقوليه ده يا صفا؟"
تنهدت بأسى لحال شقيقها الروحي وتحدثت بذكاء:
"معناته إن مرة عمك كذبت علينا كلياتنا لما جالت لنا إنها راحت للدكتور بالتحاليل، وأنا متأكدة إنها زي ما كذبت علينا في دي، كذبت علينا في نتايج التحاليل بذاتها."
نظر لها يزن وسألها:
"وإنتِ إيه اللي مخليكي متأكدة من كلامك كده يا صفا؟"
ابتلعت لُعابها وتحدثت بتردد لخطورة الموقف، ومن المتوقع بأن حديثها هذا سيخلق فجوة كبيرة بين يزن وليلى ومن المحتمل أن يفسد علاقتهما ككل:
"بص يا يزن، مرة عمي فهمتني إنها عم تجري بليلى عند الدكاترة ليها سنتين ونص، وعلى حسب كلامها ليا وجدتها إن الدكاترة كانت بتقول لها المسألة مسألة وقت."
وأكملت بنبرة تشكيكية:
"لو ليلى سليمة كيف ما التحاليل الأخيرة بينت، معقولة ولا دكتور من اللي راحت لهم قبل سابق شك وطلب منها تجيب جوزها وياها عشان يكشف ويعمل تحاليل ويتأكد من إنه هو التاني سليم؟"
نظر لها زيدان وتحدث بإعجاب:
"عفارم عليكِ يا صفا، تفكيرك سليم وبيوكد كذب اللي اسمها فايقة."
تحدث يزن بتشكيك:
"لو الكلام اللي بتقوليه ده طلع صح، يبقى ليلى هي كمان تعرف كل حاجة ومشاركة في دبح رجولتي جدام العيلة كلها."
صمت تام أصاب الجميع. تحدثت ورد دفاعًا عن ليلى:
"متستعجلش في حكمك على مراتك يا ولدي، ليلى لا يمكن تعمل كده."
نظر إلى عمه وتحدث متلهفًا بنبرة حماسية:
"بعد بكرة هسافر أنا وإنتَ لمصر وهعيد التحاليل يا عم."
أسعد زيدان لقرار ابن شقيقه ولكن تحدث معترضًا:
"بلاش أنا يا ولدي، خد وياك فارس عشان يبقى شاهد على خيانة أبوه وأمه."
واسترسل حديثه محذرًا:
"بس جولة يخلي الموضوع في السر وميجولش لحد واصل، عشان نضمن إن فايقة تطمن، محدش عارف الحية دي ممكن تعمل إيه لو عرفت إنك هتكشف كذبها وخيانتها."
أكدت صفا على حديث والدها وأردفت قائلة بنصح:
"أبوي عندي حجة يا يزن، وياريت كمان الكلام اللي دار بيناتنا اهني ميطلعش لمخلوق وبالخصوص جدي، لأنه لو عرف ممكن يولع الدنيا ومش بعيد يموت فيها مرات عمي، جدي واجعاه الموضوع وواخدها على كرامته وكرامتك يا يزن، فبلاش نسبق الأحداث قبل ما نتوكدوا."
وافقها الجميع الرأي وأردفت ورد موجهة حديثها إلى يزن:
"ياريت يا ولدي متجيبش سيرة صفا في الموضوع ده لحد واصل، بتي مش جد أذية اللي اسمها فايقة، ده غير إن وضعها في الحكاية هيكون حساس جدام قاسم."
احتدمت تعابير وجه يزن وتحدث بنبرة غاضبة:
"الله الوكيل اللي هيمس شعرة واحدة من صفا لأكون قاتله، صفا دي أختي وفي حمايتي."
ابتسمت صفا وسعدت روحها لما استمعته من ابن عمها التي تعتبره شقيقها.
❈-❈-❈
تحركت صفا من بيت أبيها بصحبة يزن ووقفا بالحديقة يتحدثا سويًا فيما ينوي يزن أن يفعله. ولسوء حظ صفا كانت ليلى تقف بشرفة مسكنها. جن جنونها واشتعل قلبها عندما رأت زوجها يقف بصحبة متيمته السابقة والتي دائمًا ما تشك بأنها ما زالت تسكن روحه وقلبه.
خرج يزن من السرايا ليقضي سهرته داخل المحاجر كعادته مؤخرًا، واتجهت هي إلى السرايا. وجدت جدها وجدتها والجميع يجلسون ببهو المنزل.
قبلت يد جدها ومقدمة رأسه وتحدثت إليه بنبرة حنون:
"كيفك يا حبيبي وكيف صحتك؟"
ابتسم لها وتحدث بنبرة هادئة:
"أنا زين يا زينة البنات."
ابتسمت له ثم توجهت إلى جدتها قائلة:
"معلش يا جدتي اتأخرت عليكِ، حالًا هجهز لك الحجرة وأجي أديها لك."
قَبَّت رسمية على يد حفيدتها الغالية وتحدثت إليها:
"الله يقويكِ على اللي أنتِ فيه يا بتي."
نظرت إلى مريم التي تحمل صغيرتها الغافية ويجاورها فارس الجالس بوجه مطمئن مختلف تمامًا عن وجهه بالمستشفى. مالت على وجنة الصغيرة وقبلتها بحنان وتحدثت إلى مريم باستفسار:
"حمد الله على سلامتها يا مريم، كيفها جميلة دلوقتي؟"
أردفت مريم قائلة بنبرة هادئة:
"الله يسلمك يا صفا، الحمدلله، زينة."
تحركت إلى الداخل وجهزت الإبرة لجدتها وأعطتها إياها سريعًا وتحركت للأعلى كي تأخذ حمامًا دافئًا تزيل به هم يومها الطويل، ثم تهاتف متيمها العاشق ليتسامرا معًا بأحاديثهما الشيقة التي لا تنتهي.
وما أن وصلت إلى نهاية الدرج وتحركت إلى باب مسكنها، وجدت من تتدلى من الدرج الأعلى قاصدة إياها ويبدو على وجهها الغضب.
اقتربت منها وأمسكتها من كتفيها ودفعتها بقوة على الباب.
تأوهت صفا وأمسكت أسفل بطنها الذي ألمها في الحال. اقتربت منها تلك الشرسة وأمسكت ذقنها بكف يدها واقتربت من وجه تلك المذهولة وتحدثت بفحيح كالأفعى:
"مش أنا حذرتك قبل كده وجلت لك تبعدي عن يزن ومتحاوليش تقربى منه واصل. عاوزة إيه من جوزي يا جادرة؟ مش كفاية عليكي قاسم اللي عمره مسلم لحد، سحباه وراكي كيف المسحور، كمان عاوزة تسحبي جوزي وتخليه تابع ليكي يا فاجرة."
وأكملت بنبرة حقودة:
"مش كفاية عليكي خليتي ولاد العم يقطعوا بعض عشان فجرك ولعبك عليهم التنين. شكلك كده مهترتاحيش غير لما يقتلوا بعض وتشوفي دمهم سايح جدام عينيكي بسبب فجرك يا بت ورد."
لم تتحمل صفا وصمتها بأبشع الاتهامات من تلك الشمطاء. وضعت كفي يداها على صدر ليلى ودفعتها للخلف مما جعلها تتراجع وكادت أن تقع أرضًا لو قوة بنيانها. رفعت صفا سبابتها أمام وجه تلك الحقود وتحدثت بنبرة حادة:
"اخرسي قطع لسانك، أنا أشرف منك ألف مرة."
وأكملت بكبرياء:
"أنا تربية زيدان النعماني وورد بت الرجايبة اللي علمتني كيف أعيش واتعامل بشرف وسط الناس، وأحافظ بروحي على اللي مني، ومخونش أبدًا اللي يأمن لي."
وأكملت وهي ترمقها بنظرات ذات مغزى:
"مش كيف ناس، الخيانة والكذب بيجروا جوات دمهم."
رمقتها بنظرات نارية وتساءلت مستفسرة:
"تُقصدي إيه بحديثك السوء ده يا بت؟"
رمقتها صفا بنظرة اشمئزاز وتحدثت بنبرة صارمة:
"اطلعي على شقتك يا شاطرة. وقسمًا برب العزة ما تمدي يدك عليا مرة تانية لأقطعها لك. أنا مش قليلة حيلة عشان أستنى قاسم ولا جدي ياخدوا لي حقي منك."
وأكملت ناصحة إياها:
"وبدل ما أنتِ واقفة في البلكونة تراقبي اللي رايح واللي جاي وسايبة الغيرة تنهش فيكي، روحي اقعدي ويا جوزك واتفاهمي وياه وحاولي ترجعيه لحضنك من جديد بدل ما تخسريه للأبد."
وضعت المفتاح داخل الباب وفتحتة ودلفت ثم اعتدلت ونظرت إليها بغضب ثم أغلقت الباب بوجهها. اشتعل داخلها من تلك القوية الواثقة من حالها. زفرت بضيق وتحركت إلى الأعلى سريعًا.
❈-❈-❈
بعد مدة من الوقت، كانت تجلس فوق فراشها بعدما أخذت حمامًا دافئًا وتوضأت وصلت العشاء. أمسكت أسفل بطنها الذي ما زال يؤلمها نتيجة دفعة ليلى لها على الباب. تنفست عاليًا. وما أن أمسكت هاتفها بيدها كي تهاتف متيمها حتى وجدت هاتفها مزينًا بنقش اسم حبيبها. ضغطت زر الإجابة على الفور وتحدثت بنبرة هائمة تدل على عشقها الهائل لذاك الذي اختطف قلبها:
"وحشتني جوي يا حبيبي."
كان يجلس فوق الأريكة مغمض العينين، هائمًا في صوتها الحنون وأردف قائلاً بنبرة عاشقة:
"وإنتِ كمان وحشتيني جوي يا جلب حبيبي."
وأكمل باحتياج:
"يومي ملوش طعم من غير ضمة حضنك ونظرة عينيكِ اللي بدوب جوة بحورهم الصافية يا حبيبتي."
تنهدت براحة وتحدثت بهيام:
"كلامك حلو جوي يا قاسم، بيدوب قلبي دوب."
وأكملت باستعطاف:
"هتيجي إمتى يا حبيبي؟"
أجابها بصدق:
"لو عليا، عايز أجي حالًا عشان أنام جوة حضنك، بس مش هعرف أنزل قبل تلات أيام عشان عندي فيهم جلسات في المحكمة."
تحدثت بنبرة متأثرة:
"متتأخرش عليا يا جلب صفا عشان بتوحش روحي."
تنهد بسلام واسترخاء وأجابها:
"حاضر يا صفا."
وأكمل متسائلاً:
"إنتِ زينة؟ صوتك ما عجبنيش، حاسك كيف ما تكوني زعلانة ولا تعبانة."
ابتسمت حين شعرت وتأكدت بأنهما أصبحا روحًا واحدة داخل جسدين، وذلك بعدما شعر بها عاشق عينيها من خلال نبرة صوتها. لكنها خبأت عنه كل ما جرى كي لا تجعلهُ يصاب بالقلق لأجلها أو لأجل شقيقتها وما تخبئه الأيام القادمة لها.
وتحدثت نافية:
"سلامتك يا حبيبي، أنا زينة الحمدلله، بس بعدك عني مؤثر فيا ومخليني كيف اللي روحها مفارقاها."
"بعد الشر عنك يا روح جلب حبيبي." كانت تلك جملة حنون نطق بها قاسم، وظل يكملان حديث العشاق حتى غفيا كلاهما وكُلٌ منهما هاتفه فوق أذنه، وذلك من شدة اشتياقهما.
❈-❈-❈
في مساء اليوم التالي.
داخل المشفي الخاصة بصفا، عند الغروب.
كانت تجري الكشف على أحد الأطفال. ناولته إحدى حبات الحلوى بوجه بشوش كي تفرحه. خرج الطفل بصحبة والدته بعدما تم فحصه وشكرها بلطف.
اتسعت عيناها بذهول عندما وجدته يهِلُ عليها كشمس ساطعة أنارت حياتها. أغلق خلفه الباب وجرت هي عليه متلهفة ورمت حالها لداخل أحضانه. أغمض كلاهما عينيه وهو يتنفس رائحة جسد الآخر بلهفة. كم اشتاق كلاهما للمسة ورائحة وضمتة للآخر.
أخرجها من داخل أحضانه ونظر لداخل مقلتيها متلهفًا وتحدث بجنون:
"وحشتيني يا جلب جوزك، وحشتني ضمة حضنك ونظرة عينيكِ وريحة جسدك اللي مفارقونيش يوم واحد في بعدك يا صفا."
كان صدرها يعلو ويهبط من شدة اشتياقهما له. أردفت بابتسامة سعيدة:
"وإنتَ وحشتني جوي يا جلب صفا."
نظر برغبة على شفتيها ثم مال عليهما والتقطهما متلهفًا وبدأ بالغوص داخلهما باستمتاع. بادلته قبلته المجنونة بلهفة أشد، غاصا معًا لأبعد الحدود وضَمَّها هو بشدة لجسده باحتياج. ابتعدا سريعًا حين استمعا إلى طرقات خفيفة فوق الباب.
تحدثت وهي تقف بجانب زوجها:
"ادخل."
دلف ياسر بخطوات بطيئة ونظرة عين حزينة ومنكسرة. للأسف أصبح حاله هكذا منذ ما حدث معه.
ارتبك حين وجد ذلك القاسم وتذكره وتذكر لقاءهما الحاد ليلة الاحتفال بالحناء. رمقه قاسم بنظرات محرقة. بادله ياسر بأخرى غير متقبلة. فألقى عليهما السلام ثم تحدث إلى صفا بنبرة جادة:
"لو سمحتي يا دكتورة، كنت محتاجك تيجي معايا على أوضة الكشف عشان تشوفي حالتها وتشخصيها، لأنها تخصصك أكتر مني."
كادت أن تجيبه لولا الذي سبقها وتحدث بنبرة صارمة وهو يمسك كف يدها بتملك قائلاً:
"الدكتورة رايحة معايا ومعندهاش وقت."
نظرت له وتحدثت بنبرة جادة قوية ردًا على تدخله في عملها:
"معلش يا قاسم، هروح أطلع على الحالة مع الدكتور وأجي لك بسرعة."
استشاط داخلة عندما وجد شبح ابتسامة شامتة وسعيدة بأنٍ واحد تخرج من ياسر الذي شمّ بكسر صفا لكبرياء ذاك المغرور، والسبب الثاني أنها لن تتخلى عن أداء واجبها لأجله ولم تستجب لتسلطه عليه.
بعد مرور حوالي النصف ساعة، كانت تجاوره الجلوس داخل سيارته بعدما تركت سيارتها بجراج المشفي، في طريقهما للعودة إلى المنزل.
اقتربت على ذلك الجالس فوق مقعده بجسد متيبس وملامح وجه مقتضبة تدل على مدى غضبه.
اقتربت منه ووضعت يدها فوق صدره وتحدثت بنبرة حنون:
"لحد إمتى عتفضل جالب وشك عليا كده؟"
هتف بنبرة غاضبة:
"عايزاني أرقص لك ولا أغني لك بعد ما كسرتي كلمتي وهيبتي جدام اللي اسمها زفت ياسر."
تنهدت بأسى وأجابته مفسرة:
"مسمهاش كسرت كلمتك يا قاسم، اسمها لبيت ندي شغلي ورضيت ضميري ورحت كشفت على حالة طفل كان بيتألم."
وأكملت وهي تلتصق به وتحدثت بدلال أثارته:
"وملوش ذنب في إن جوزي عيغير عليا وبيعشق مراته بجنون."
ابتلع سائل لُعابه بشدة من تأثره بهيئتها التي أثارت رجولته، فابتسم لها ورمت هي رأسها فوق كتفه وباتت تدلك له صدره مما أشعل نار اشتياقه لها.
❈-❈-❈
في مساء اليوم التالي كانت جميع العائلة حاضرة بناءً على طلب يزن المفاجئ للجميع. عثمان ورسمية التي بدأت تتحسن صحتها بعد اهتمام صفا وورد بها وبطعامها، صفا، قاسم، كل أهل المنزل كانوا حاضرين.
وقف يزن ينظر على الجميع بقامته المرتفعة ونظرته الثاقبة على فايقة وقدري وليلى وتحدث بنبرة حادة:
"طبعًا كلكم مستغربين استدعائي ليكم، وبتسألوا حالكم أنا مجمعكم كده ليه."
أشار بتلك الأوراق التي بيده وهتف قائلاً:
"دلوقتي هتفهموا وتشهدوا معايا وتشوفوا الحقيقة والمستور وهو بينكشف."
يُتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم روز امين
وقف يزن وهو يُلوح بتلك الأوراق عالياً وتحدث إلي الجميع بنبرة حزينة علي ما حدث له من كَسر رجولتة علي يد أقرب الناس إلية، عمة وزوجتة المَصون:
"الحجيجة كُلها موچودة إهنية"
إنتفض داخل ليلي ونظرت برعب إلي يزن، وشعرت أنهُ أنّ الأوان لإزاحة السِتار وكشف الأسرار، ولم يكُن حال فايقة وقدري ببعِدٍ عنها.
قطب عِثمان جبينةُ مُستغربً، وتسائل مُستفسراً:
"فية إية الورج دي يا يزن؟"
أجاب جدة بنظرات مختنقة بالألم:
"الورج ده فية دليل رچولتي اللي إنكسرت، وهيبتي اللي إنداست تحت الرچلين من أجرب الناس ليا يا چدي."
وأكمل بألم وصوتٍ واهن وهو يتناقل النظر بين عمة وليلي:
"الناس اللي المفروض يُبجوا سندي وستر وغطا علي، هما اللي كانوا السبب في حرجة جلبي وكَسرِتي جدام العيلة كلياتها."
نظر قاسم إلي صفا الجالسة بجانبة بإستغراب لحديث يزن الغير مفهوم بالنسبة له، تنهدت صفا بأسي وعاد كلاهُما ببصرهما من جديد إلي يزن لمتابعة إعترافاتة.
إنتفض مُنتصر وهب واقفً من جلستة وتحدث بنبرة حادة:
"متجول اللي عِنديك يا ولدي وتخلِصنا، هنجضوها حديت بالألغاز إياك؟"
تحدث يزن بنبرة حادة غاضبة:
"هجول بعلو صوتي يا أبوي، معادش للسُكات جواتي مكان."
ثم نظر إلي عمة وسألةُ بإستفسار:
"حضرتك جولت جِدامنا كلياتنا إنك روحت إنتَ ومّرتك للدَكتور اللي صفا بعتتنا لية، و وريتوا له التحاليل وهو اللي جال لكم إني عاچز عن الخِلفة ومهعرفش أخلف عيل من صُلبي واصل، مش إكدة بردك يا عمي؟"
إبتلع سائل لُعابة من شدة توترة، نظرت له فايقة وشجعتة بعيناها وحثتةُ علي الثبات، تمالك من حالِه وتحدث بنبرة مهزوزة أكدت كَذبةِ للجميع:
"إيوة حُصل."
أحال ببصرة إلي فايقة بعدما حصل منهُ علي ما يُريد، ثم سألها هي الأخري:
"وإنتِ جولتي جِدام العيلة كلياتها في نفس الصالة دي، إن الدَكتور جال لك بالحرف الواحد إن بِتك اللي هي مّرتي صاغ سليم، حُصل يا مرت عمي؟"
أجابتة بقوة وعينان مُتسعتان ثابتتان:
"إيوة حُصل، والدَكتور بذات نفسية اللي جال لنا إكدة."
وأكملت بتساؤل بنبرة حادة:
"وبعدين مالك نازل فينا سؤالات لية إكدة، مهنخلِصوش منها اللحكاية المغفلجة دي إياك؟"
وما أن إستمع لها فارس ولكَذبها حتي أنزل بصرة أرضً تحت قدماة من شدة خجلة، فهو كان شاهداً مع إبن عمة علي حديث الطبيب، وطبيب المركز أيضاً.
حين هتف لها يزن بنبرة هادئة ذات مغزي أربكتها:
"هنخِلصوا يا مّرت عمي، إصبري أومال علي رزجك."
ثم أقترب من ليلي وسألها هي الأخري:
"إلا جولي لي يا ليلي، لما كُنتي عتروحي للدكاترة في المركز مع أمك، كانوا عيجولوا لك إية علي حالتك؟"
إنكمشت بجلستها من شدة رُعبها وأرتبكت، وقف قاسم وجن جنونهُ بعدما فقد السيطرة علي حالة حين رأي الرُعب تملك من ملامح وجة شقيقتة، فتحدث بضيق:
"ما بكفياك عاد يا يزن، مالك، عاملي فيها وَكِيل نيابة ونازل أسئلة في الكُل لية إكدة؟ ما لو عنديك حاچة جولها وخلِصنا، منجصينش إحنا التوتر دي."
نظرت لهُ مُتيمة حبيبها وحزنت لأجله، وشعرت بإنقباضة داخل صدرِها لأجلة وسألت حالِها بتألم وهي تنظر له:
"معشُوق عيناي وكُليّ، كيف لك أن تتحمل ما ستستمع له آُذناك من دلائل ستؤكد لك كذب وأفتراء، بل وجريمة أهلك البشعة في حق يزن. ذاك البرئ الذي لم يستحق ما حدث له علي أيادى الشر التي طالتة ووجهت له أبشع وصمة يوصم بها رجُل صِعيدى."
في حين إبتسم يزن ساخراً علي حالة وأجابة بنبرة تهكُمية:
"المفروض إنك مُحامي وفاهم اللي هعملة زين يا متر."
وتسائل:
"مش عيجولوا عِنديكم بردك إن من حَج المُتهم يدافع عن حالة، ويحاول يكشف برائتة من الذنب الموجة لية بكل الطُرج؟"
أمسكت صفا بإحتواء يد حبيبها الباردة وكأنها لرجُلً فقد الحياة، وذلك بعدما بدأ بإستشعار القادم بحثةِ القانوني، نظر لها فطلبت منه بعيناها الهدوء والثبات النفسي.
حين تحدث عِثمان الذي فهم هو الآخر مغزي أسئلة حفيدة، وذلك لعلمةِ الشديد طبع حفيدة الجاد الذي لا يُحبذ الثرثرة ولا هي من طبعةِ من الأساس، بل أن يزن لا يُخرج الكلمات من فمة إلا بموضعها المُناسب، وجة حديثةُ إلي قاسم قائلاً بنبرة هادئة كهدوء ما يسبق العاصفة:
"سيب وِلد عمك يكمل حديتة وأجعد يا قاسم."
جلس بجانب حبيبتة بنبضات قلب مُتسارعة.
ونظر عِثمان إلي يزن وتحدث مُشجعً علي الإستمرار:
"كَمل يا ولدي سؤالاتك."
ثم نظر إلي حفيدتة وحثها علي التحدث قائلاً بنبرة أمرة:
"وإنتِ چاوبي علي چوزك يا ليلي."
إبتلعت لُعابها حين شكر يزن جدة بعيناة وعاد ببصرة إليها من جديد ونظر لها ينتظر ردها قائلاً:
"أني سامعك يا ليلي، چاوبين."
تيمّسكت بعد نظرات فايقة المشجعة لها والتي تحِثها علي الإستمرار والمُضي فيما إتفقتا علية من ذي قبل، وتحدثت بنبرة واثقة حادة:
"كُل الدَكاترة اللي روحت لهم كانوا عيجولو لي إني زينة وإن اللحكاية حكاية وجت مش أكتر."
نظر لداخل مقلتيها وهو يتحري الكذب من عيناها وأردف مُتسائلاً من جديد:
"طب مفيش دَكتور منيهم جال لك هاتي چوزك وياكي لجل ما نكشفوا علية لتكون المشكلة من عِندية هو؟"
هزت رأسها سريعً وأجابت بالنفيف.
أكمل هو:
"طب والدكَتور عامر البحراوي، اللي روحتوا له أخر مرة من ياجي شهرين، جال لكم إية؟"
إرتبك قدري وكادت ان تزهق روحة من شدة رُعبة جراء تيقنةُ من موعد إنكشاف الحقائق، هتف بحدة وصوتٍ غليظ موجةً حديثةُ إلي والدة قائلاً:
"خبر إية يا أبوي، إنت عاچبك المسخرة اللي عتحصُل دي إياك؟ جاعد تتفرچ علي حتة عيل إصغير وهو نازل فينا سؤالات كيف ما نكون مُچرمين وعيمرمط في بنتي و إنت عتتفرچ وساكت؟"
رفع عِثمان وجههُ من فوق عصاة الابنوسية العتيقة التي يستند عليها، ونظر لولدهِ بحسرة ملئت قلبة علي كبيرة الذي من المُفترض ان يكون قدوة لاشقائة وأنجالهم، "ولكن للأسف"، ليس كل ما يتمناةُ المّرء يُدركةُ.
ثم وجة حديثهُ إلي ليلي وهتف بصوتٍ مهموم:
"چاوبي علي سؤلات چوزك يا ليلي."
نظرت فايقة إلي ليلي بثبات وكأن بنظرتها قد مدت إبنتها بقوة المواصلة، نظرت ليلي إلي يزن وأجابتة بقوة وثبات:
"جال لنا نفس الكلام اللي جالة غيرة."
"كدابة يا ليلي، كدابة وخاينة وملكيش أمان، خونتي الراچل اللي أمن لك واداكي ضهرة بقلب سليم، وكان چزاته طعنة غدر شوهت رچولتة جِدام العيلة كلياتها."
كانت تلك كلمات حزينة قالها يزن بنظرة يأس وجهها إلي ليلي.
وأكمل متألمً:
"وكل ده ليه؟ لجل ما تطلعي إنتِ صاغ سليم جِدام الكِل."
وأكمل بسخط:
"ملعون أبو كذبك علي أبو عجلي الغبي اللي صدج واحدة مشوة ومريضة زيك."
وقفت فايقة وتحدثت بكل صوتها قائلة بتبجُح:
"إحفظ أدبك وإنتَ بتتحدت وّيا بت قدري النُعماني."
ورمقت قاسم وفارس الصامتان بنظرات نارية وتحدثت:
"وإذا كانوا إخواتها الرچالة سامعين وشايفين بعنيهم أختهم وهي عم تتهان وساكتين، فأني مهسكتش واصل."
صاحت رسمية بنبرة حادة بعدما بدأت بإسترداد عافيتها:
"إكتمي نفسك يا مّرة وآجعدي مكانك وإنتِ كيف المركوب، عتعلي صوتك في حضور الحاچ والرچالة يا واكلة ناسك؟"
أجابتها بنبرة مُنكسرة لكسب تعاطف الجميع:
"لا عِشت ولا كُنت لو كُنت جاصدة إكدة يا عمة، أني كُل اللي بعملة إني بدافع عن بِتي اللي كِلياتكم شاهدين علي إهانِتها من يزن وساكتين."
رد عليها يزن بتساؤل حاد:
"إهانة؟ هي فين الإهانة دِي لا سمح الله يا مّرت عمي؟"
أجابتة بنبرة تبجُحية:
"وإنتَ لما تجولها كذابة وخاينة يُبجا إية يا سى يزن؟"
كالأسد الجريح نظر لها وتحدث بنبرة غاضبة:
"أبجا بوصفها يا مرت عمي، يا اللي المفروض أني كيفي كيف ولدك، ومع ذلك جبلتي يتجال عليا إني معيوب ومنيش راچل ومهجيبش عيال."
إبتلعت لُعابها، حين حزن زيدان علي إبن شقيقةُ الجريح، أما مُنتصر فهتف بنبرة غاضبة:
"جول اللي عنديك من غير تزويج للحديت يا ولدي الله يرضي عليك."
وكأن بكلماتة قد أعطي الضوء الأخضر لولدة، فأخرج من جيب جلبابة هاتفهُ الحديث وتحدث بقوة وثبات وهو يبحث داخل هاتفه:
"أني معتكلمش يا أبوي، أني عسمعكم بودانكم اللي عرفتة وخلاني إتوكدت إني متچوز الشيطان بذاتة."
حسرة كبيرة ملئت قلوب كُل الحاضرين، ضغط يزن زِر الهاتف وصمت الجميع لينصتوا بتمعن لصوت الطبيب المصري التي أرسلتهم إليه صفاء.
صوت الطبيب المُسجل من قبل يزن دون عِلم الطبيب:
"أهلاً وسهلاً بيكم، إتفضلوا."
صدح صوت يزن وهو يسألة ويُعطية الملف الخاص بالتحاليل:
"أني چبت لحضرتك التحاليل الخاصة بيا."
قطب الطبيب وتسائل مُستفسراً:
"أومال فين التحاليل الخاصة بمدام حضرتك؟"
أجابةُ يزن:
"هچيبها لحضرتك في وجت تاني، المهم دلوك تطمني علي التحاليل بتاعتي، أني عِملتها في مكان تاني غير اللي حضرتك بعتنا لية."
نظر الطبيب لإسم المعمل وأشاد به ثم إطلع علي النتائج وتحدث بنبرة هادئة:
"التحاليل بتاعتك ممتازة ومفيش فيها ما يمنعك من الإنجاب نهائي."
إستمع الجميع إلي صوت فارس الواضح بالتسجيل وهو يقول:
"حضرتك مُتأكد من النتيجة دي يا دَكتور؟"
أجابةُ الطبيب بنبرة حادة:
"تقصد إية بكلامك ده يا أستاذ؟"
هتف يزن سريعً وأجاب الطبيب بعدما إستشف حنقةُ جراء حديث فارس:
"فارس ميجصُدش اللي حضرتك فهمتة يا باشا، أصل التحاليل اللي عِملناها جبل سابج جالت إني عقيم ومهعرفش أخلف واصل."
ضيق الطبيب عيناها وهتف قائلاً:
"إزاي ده، التحاليل اللي قُدامي بتقول إن حضرتك معندكش أي موانع تمنع الإنجاب."
أغلق يزن التسجيل ونظر إلي فايقة وليلي وقدري.
إبتسم ساخراً حين وجد وجوههم شاحبة كشحوب الموت.
يتنفس مُنتصر براحة وحمد ربهِ داخل سِرة في حين وقفت نجاة وجرت علي صغيرها واحتضنتة بعيون مُتسعة من شدة سعادتِها وتحدثت:
"أني كُنت متوكدة إنك سيد الرِچال وأسد كيفك كيف أبوك."
وحولت بصرها إلي فايقة ورمقتها بنظرات مُحرقة.
أما فايقة التي أصّرت علي إستكمال مُخطتها الحقير والإستمرار في مُسلسل الكذب وتحدثت بنبرة صارمة:
"أني بردك مفهماش، إحنا دخلنا إية في اللحكاية دي يا يزن."
إتسعت عيناة من شدة ذهولة من بجاحتها، تحدث مُنتصر إليها بنبرة غاضبة:
"يعني إية دخلك إية في الموضوع يا مرت أخوى؟"
"وهو مين اللي كان چاب لنا التحاليل المغفلجة دي وبلانا بيها وخلانا نعيش سبوعين سود؟"
وقف قدري ورمق مُنتصر وتحدث إليه بحدة وصوتٍ غليظ:
"وإنتَ چاي تسألنا إحنا لية، ماتروح تسأل المعمل."
سألتة رسمية بنبرة حادة متهكمة:
"والمعمل مالة يا زين الرچال؟"
أجابتها تلك المُتجبرة بعينان ثابتتان تحت إرتعاب جَسد ليلي:
"أكيد التحاليل إتلغبطت بالغلط چوة المعمل يا عمة."
سألها يزن بتشكيك:
"وتحاليل ليلي هي كُمان إتبدلت يا مّرت عمي؟"
سألتةُ فايقة مُستغربة بتصنُع يُخبئ ورائةُ إرتعاب بداخلها ظهر بمقلتيها ورأةُ يزن:
"وإية اللي دخل تحاليل ليلي في الحديت دي؟"
نظر لها وشبح إبتسامة شامتة ظهرت فوق ثغرة وذلك لبداية سقوط قناع القوة التي ترتدية، وتحدث:
"دلوك هعرفك دخلها إية."
مد كف يده داخل جيب جلبابة وأخرج إحدي الروشتات الخاصة بحكيم المركز تحت إستغراب الجميع، ذهب إلي المقعد التي تنكمش داخلة ليلي بقلبٍ ينتفضُ رُعبً وجسدٍ مُرتجف خشيةً فضح خطتهم البشعة، رمقها يزن بنظرة كصقرٍ غاضب، تمالك من حالِه بصعوبة كي لا ينقض عليها ويفترسها، رفع تلك الروشتة أمام عيناها وسألها:
"الروشتة دي بتاعت دكتور المركز اللي كُنتي عتروحي له، ودي الدوا اللي كان كاتبهُ لك صُح يا ليلي؟"
إبتلعت لُعابها رُعبً ولم تجد للهروب سبيلاً ولا مفر من كشف المستور، فاستسلمت وأجابتة بنبرة مُرتبكة:
"صُح."
هز رأسه بيأسٍ وأسف، كَم كان يتمني نفيها وعدم معرفتها بالأمر برُمتة، ولكن تحطمت أمالة، ثم تحرك إلي قاسم الذي نظر لهُ مُستغربً وتحدث يزن:
"خد الروشتة دي يا قاسم واتصل بالدَكتور وأفتح الإسبيكر لجل ما الكِل يسمع ويكون الحديت علي عينك يا تاچر."
نظر قاسم للورقة التي بيدة بتردُد لاحظةُ الجميع، وضل ناظراً بها حتي إستفاقَ علي صوت جدةِ الصارم وكأنةُ يأمرة وذلك بعد عِِلمة بمغزي ما يقوم به يزن:
"خد الورجة من إبن عمك وإتصل وناولني التَلفون يا قاسم."
شعرت تلك العاشقة بإنقباضة شديدة بقلبِها لأجل كَم الأذي الذي يتعرض إلية معشوق عيناها، إنتفضت فايقة بجلستِها وبدأ صدرها يعلو ويهبط، وتيقنت أنها النهاية، أما قدري فأرتبك وابتلع لُعابة، بسط ذراعةُ وتناول الروشتة من يزن ثم أخرج هاتفهُ وضغط زر الإتصال وفتح مُكبر الصوت ليصل إلي مسامع الجميع، إنتظر الرد.
إستمع الجميع لصوت الطبيب الذي صدح من خلال السماعة قائلاً:
"السلام عليكم."
أخذ قاسم نفسً عالياً ثم زفرة ليستعيد توازنة وتحدث مُتسائلاً:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، دِكتور شريف السلاب معايا؟"
أجابةُ الطبيب بإيماء، وتحدث قاسم بنبرة قلقة:
"الحاچ عِتمان النُعماني كبير نچع النُعمانية رايد يتحدت وياك في موضوع."
قطع يزن طريقةُ وهو يتحرك إلي جلوس جدة، وأمسك الهاتف من يدة وتحدث إلي الطبيب نبرة هادئة:
"أني يزن النُعماني اللي چيت لحضرتك وَيّا فارس وِلد عمي يا دكتور، چدي معاك وياريت تحكي له علي كُل اللي حكيتهُ لنا."
ثم سلم الهاتف إلي جدة بعدما وعدةُ الطبيب بقول كلمة الحق.
تحدث عِثمان إلي الطبيب بعدما عرفةُ علي حالة:
"عاوزك تجولي علي كُل اللي حُصل من وجت ما حفيدتي چت لعِندك هي والسِت والدتها."
وأكمل بنبرة تأكيدية:
"وخلي بالك من كُل كِلمة هتجولها يا دَكتور، لأن دي أمانة وهتتحاسب عليها جِدام رب العالمين يوم الجيامة."
تنهد الطبيب وتحدث مُفسراً موقفة:
"الباشمُهندس يزن فهمني الوضع وشرح لي الموضوع يا حاج، ومع إحترامى لشخص حضرتك الكريم، لكن لولا إني شُفت بعيني التحاليل المزورة اللي ورهالي وعرفت إن الموضوع فية تلاعُب وضرر نفسي ومعنوي واقع علية،"
وأكمل مُبرراً:
"ماكُنتش أفشيت سر مريضة عندي وخونت مهنتي مهما كان مين اللي بيكلمني، وكلامي طبعاً مايقللش من قيمة سيادتك عندي."
تنهد عِثمان وتحدث بنبرة شاكرة:
"وأني شاكر أفضالك يا دكتور، ويكون في معلومك، الحاچ عِثمان النُعماني مهينساش اللي بيُجف وياة واصل."
أجابةُ الطبيب بنفسٍ عفيفة وضمير حي نال بهِ إستحسان عِثمان والمُعظم من الجالسون:
"وأنا بعمل الموضوع ده لوجة الله يا أفندم، ومش مستني أي مُقابل غير من ربنا سبحانة وتعالي."
وبدأ بقص ما دار بينهُ وبين ليلي خلال زياراتها إلية بصُحبة والدتها علي مدار العامان والنِصف.
وأردف قائلاً بإستكمال تحت إرتجاف جسدي فايقة وليلي:
"ومن حوالي عشر شهور، جت لي مدام ليلي هي ومامتها في زيارة طبية بعد إنقطاع عن العيادة دام لأكتر من ست شهور، وكانت وقتها بتعاني من مغص مُتكرر في منطقة الرَحِم، طلبت منها تعمل تحاليل جديدة، لكن إنصدمت لما شفت نتيجة التحاليل اللي بينت لي إن الحالة سائت جداً وإن حالة البويضات أصبحت في خطر كبير، ولما سألتهم عن سبب التراجُع الكبير اللي حصل ده انكروا، لكن انا ضغطت عليهم وطلبت منهم يصارحوني علشان أعرف أساس المُشكلة واقدر أساعدهم. وقتها بس مامتها إعترفت إنها بتوديها لدجالين علشان يساعدوها في حل مُشكلة الحمل، والمصيبة إنها قالت لي إنها كل إسبوع بتوديها لدجال مختلف وكل واحد منهم بيديها مشروبات غريبة ومُضرة طبعاً، وده كُلة غير الأدوية اللي كانت بتاخدها من الدكاترة اللي بردوا متنوعين."
وأكمل بأسي:
"للأسف، مامت مدام ليلي كانت مُتسرعة وغير حكيمة بالمرة في تفكيرها، وإنها عاوزة حمل بنتها يتم بسرعة كبيرة."
وأكمل:
"أنا وقتها طبعاً نصحتها وحذرتها من خطورة اللي بتعملة ده، و طلبت منها توقف كل زيارتها للاطباء والدجالين الكتير أوي دول وتتابع معايا علشان أحاول ألحق أخر أمل لبنتها."
وأكمل بنبرة آسفه:
"لكن للاسف، والدتها ضربت بكلامي كُلة عرض الحائط وبطلت تيجي عندي العيادة."
وأسترسل حديثهُ:
"ومن شهرين بالظبط، لقيتها جاية وفرحانة جداً وبتقول لي إنها شاكة إن بنتها حامل في شهرين، لكن بعد الكشف والتحاليل اللي عملناها تاني أكدت إن مدام ليلي ضيعت أخر أمل ليها وإن الجرايم اللي والدتها عملتها فيها عملت لها لغبطة في الهرمونات وإتسببت لها في عُقم، للاسف، مدام ليلي من مستحيل تبقا أم."
صدمة ألجمت الجميع وشلت حواسهم، حتي عثمان، لم تكتمل فرحتة بيزن وأنكسر من جديد لأجل مّصاب حفيدتة الجلل، وقف قدري وتحرك إلي مجلس أبية وتحدث للطبيب بنبرة غاضبة:
"إنتَ راچل كداب وشكلك إكدة جبضت تمن الهلفطة اللي عتفتري بيها علي بِتي دي."
صدح صوت الطبيب من الهاتف وتحدث بنبرة صارمة:
"بيني وبينك ربنا والمعمل اللي المدام هتعيد فية التحاليل من جديد، ولو أنا فعلاً كذاب خلي مدام ليلي أو مامتها يكذبوني أنا والممرضة بتاعتي ومعمل التحاليل اللي مدام ليلي كانت بتجري فية التحاليل دائماً، والصيدلي اللي قدام عيادتي اللي كانت المدام بتصرف منة الأدوية في كل زيارة."
كانت تستمع لكلمات الطبيب المُميتة لأي آُنثي بقلبٍ يتمزج وعينان تزرِفُ منهما الدموع بألم وغزارة، وكأن الموقف برُمتِة أعاد إلي أذهانِها روايتها المؤلمة، شعر بإنتفاضة جسدِها جراء البكاء حبيبُ صِباها ونضوجها، إنةُ زيدان الذي أمسك يد معشوقتة وضغط عليها بإحتواء وكأنهُ يُخبرها أنهُ دائماً بجوارها، شاعراً بها ومُضمضً لجراحها التي تؤلمة كألمهان.
نظرت إلية بمقلتيها الدامعتان حُزنً علي تلك الليلي برغم أنها لا تستحِق.
نظر قاسم والجميع إلي ليلي وفايقة اللتان كادت روحهما أن تُزهق من شدة رُعبهما، حينها تأكد عِثمان من صحة حديث الطبيب وأغلق معةُ بعد أن شكرةُ.
ثم تحدث إلي قدري وهتف بنبرة حادة بعدما رمقةُ بنظرة نارية:
"ريح رچليك من وجفتك اللي كيف جلتها دي وروح إجعُد چار مّرتك وبِتك يا قدري."
إرتبك بوقفتة وتحرك بخزيٍ وجلس بجوارهم.
في حين هتف مُنتصر بنبرة غاضبة وهيئة ثائرة:
"يعني العيب طِلع من بِتك وچاية تلبسيها لولدي يا أم قاسم؟"
واكمل بنظرة مُشمئزة:
"يا عيب الشوم عليكِ يا بِت عمي."
وهتفت رسمية موجة حديثها إلي فايقة بنبرة غاضبة وقلبٍ يتمزق لأجل حفيدتِها:
"ضيعتي بِتك بچهلك وجلة عجلك يا مّرة يا خرفانة، ربنا ينتجم منك يا بعيدة."
صاحت نجاة بنبرة حادة:
"ويا ريتها خدت عِبرة من اللي حُصل لبِتها بإديها يا مرت عمي، إلا راحت وزورت الورجات وإتبلت هي وبِتها وچوزها علي ولدي سيد الرچالة."
وقف قاسم وتحرك إلي أبية ووالدتة وتسائل بذهول:
"صحيح الكلام اللي عم يتجال دي؟"
لم يتلقي ردً من كلاهُما، بل ضل صامتان ينظران في اللاشئ بوجةٍ مُحتقن بحُمرة الغضب وليس الخجل، وليلي التي تانُ وتبكي بإنهيار وتنظر خجلاً ورُعبً إلي يزن الواقف ينظر إليها بجمود وحِقد.
فصرخ بأبية قائلاً:
"رُد يا أبوي وكذب الكُل وجول لهُم إن كُل دي محصلش وإنة مُچرد سوء تفاهم."
ثم حول بصرة إلي والدتة وهتف بنبرة مُتألمة ذُبحت بها متيمتةُ العاشقة:
"إنطجي يا أماي، دافعي عن حالك وعن ليلي وإنفي التُهم البشعة دي عني."
رفعت بصرِها إلية وتحدثت بنبرة قوية غير مبالية لما فعلت من جريمة شنعاء:
"أني أم يا قاسم، وكنت بحمي بِتي وبحاجي عليها وبحمي بيتها من الخراب."
نزلت كلماتها علي قلبة دمرتة، حالة من الهرج والمرج أصابت الجميع، وعلت الأصوات اللائمة لتلك المُتبجحة ذات الوجة المكشوف الذي لا يعرف الحياء مُطلقً، اخرج الجميع من حالة الغليان صوت عصا عِثمان التي دبت بقوة علي الأرض وصوتهِ الهادر الغاضب حين تحدث:
"بكفياكم يا ولاد النُعماني، معايزش أسمع صوت حد فيكم واصل."
ونظر إلي فايقة وتحدث:
"يعني إنتِ بتعترفي إنك زورتي الفحوصات بتاعت يزن؟"
رد قدري مُدافعً عن حبيبته الذي لم يعشق سواها:
"إحنا مزورناش حاچة يا أبوي وتجدر تروح المعمل وتسأل فية وتتوكد بنفسك."
صاح عِثمان قائلاً بنبرة غاضبة:
"إسكت ساكت يا خِلفة الشوم والندامة، حسابك لساتة چاي يا جدري الشوم يا دلدول المّرة."
تنفست فايقة وتحدثت بنبرة واثقة أجادت صُنعِها وذلك لتاكُدها أن طبيب المعمل لم ولن يفصح عن ما تم بينهما من إتفاق دنئ مهما حدث، وذلك لأمانة قبلً منهُما:
"كيف ما جالك قدري يا عمي، نتيچة الفحوصات إحنا ملناش يد فيها، وتجدر حضرتك تتوكد من إكدة."
نظر لها بنظرة تشكيكية وسألها:
"وحكيم المركز، عيكدب ولا عيجول الحج يا فايقة؟"
تنهدت بأسي وتفوهت بالحق وذلك بعد أن تأكدت أن لا فائدة من الإنكار، بل أنهُ سيفقدها الكثير والكثير:
"الدكتور جال الحجيجة يا عمي."
وأكملت بدموع مُصطنعة:
"بس لازمن تعرفوا أسبابي اللول جبل ما تحكموا عليا وعلي بِتي."
"ويا تري إية هي بجا أسبابك اللي خلتك تِكسريني وتخليني معارفش أرفع عيني ولا اجيم رجبتي جِدام حد؟"
كان هذا سؤال يزن الغاضب لها.
أجابتة بنبرة ضعيفة ودموع مُصطنعة كي تستدعي تعاطفة معها:
"كُنت خايفة علي بِتي من كلام وشماتت الناس يا ولدي، إنت محدش شمت فيك، بالعكس، كلياتهم زعلوا عليك ووجفوا معاك لانهم عيحبوك، لكن أني وبِتي الشماتة كانت هتبجا عيني عينك."
تحدثت ورد من بين دموعها المُنهمرة:
"في حد عاجل يشمت في إبتلاء ربنا ورحمتة لينا، ونشمتوا كيف في بِتنا اللي وجعها بيوجعنا."
إستشاط داخل فايقة عندما إستفاقت من تيهتها وشعرت بوجود غريمتها اللدود وزيدان الجالس يترقب للجميع بصمت، وتحدثت بطريقة مريضة كي تذبح روحها، غير واعية ولا مُبالية أن إبنتها أصبحت داخل وضع أكثر صعوبة:
"عتجولي إكدة لأنك معيوبة ومحساش كيف بيكون حديت الناس."
نزلت كلماتها الموجعة الخالية من الشعور والإنسانية علي قلب تلك الوردة الصافية أحرقتة، إستشاطت صفا لأجل والدتها وكادت أن ترد، لكن نظرات والدها التحذيرية لها كانت كفيلة بأن تكظم غيظها بداخِلها وتصمت.
لترينظر قاسم إلي والدتة بأسي علي حالها الذي أصبح لا يُطاق.
هتف زيدان بنبرة غاضبة شرسة وكأنهُ تحول:
"إحفظي لسانك وإتحدتي زين يا فايقة."
وأكمل بكبرياء:
"أم الدَكتورة صفا النُعماني اللي النچع كلياتة بيحكي ويتحاكي عليها مهياش معيوبة،"
وأكمل بإهانة:
"المعيوب هو اللي الناس مسلماش من لسانة العِفش وتخطيتة الشيطاني."
صاح يزن بنبرة غاضبة بعدما جن جنونة وكأنةُ تحول إلي غول بفعل تلك التي فاقت الشيطان بتخطيتة:
"حضرتك عتفضل ساكت وسايب جلبي جايد نار كتير إكدة يا چَدي؟ مهتخدليش حج كسرت نِفسي إياك؟"
تنهد الجد الذي يجلس بأسي والألم والحسرة تملئ قلبة علي حال عائلتة، ثم تحدث بنبرة جادة:
"شوف إية اللي يرضيك يا يزن وأني هعملهولك."
رمق ليلي بنظرات نارية وتحدث بقوة:
"الطلاچ، الطلاج هو اللي هيبرد جلبي ويطفي ناري الشاعلة."
وقفت ليلي وجرت علية وتحدثت بدموع عيناها:
"يبجا بتحكم عليا بالموت يا يزن، أني مهجدرش أعيش من غيرك يا حبيبي، هموت لو فُوتني يا يزن."
رمقها بإشمئزاز وتحدث عِثمان بنبرة غاضبة:
"ولما أنتِ عتحبية إكدة يا واكلة ناسك، كيف طاوعك جلبك ومشيتي كيف العامية ورا الخرفانة أمك وتخطيتها الي كيف تخطيط الأبلسة؟"
وسألها بحدة:
"كيف كُنتِ بتنامي وعينك عتغفل چار چوزك وإنتِ دابحة روحة وشيفاه وهو عم يدبل چدام عنيكِ، جلبك مكانش بيتوجع علية؟"
أجابت جدها بدموع:
"اني عِملت اللي عِملتة دي لجل ما أحافظ علية."
أردف يزن بغضب مُتلاشياً حديث تلك الخائنة:
"أني مهجدرش أعيش مع واحدة خاينة وكدابة يا چدي، كيف هأمن لها من تاني واني نايم چارها."
حالة جديدة من الهرج والمرج أصابت الجميع، في حين أصدر عثمان عدة قرارات بنبرة صارمة بعدما اخرس الجميع:
"يزن هيتچوز من اللي يشاور عليها ويختارها بنفسة لجل ما يخلف منيها ويبجا له عزوة."
إشتعل داخل ليلي وجن جنونها، قاطع يزن جدة بإصرار:
"الطلاچ يتم جبل كُل شئ يا چدي، مهعيشش أني وياها يوم واحد."
أجابة عثمان بنبرة صارمة:
"إنتَ عارف زين إن جانون العيلة مفهوش كلمة الطلاج دي يا يزن، ده غير إن بِت عمك خلاص، معادش نافع لها چواز تاني."
إشتعل داخل فايقة خشيةً شماتت الحاضرين بها.
غضب يزن وعارض جده لكنة بالأخير إستسلم لتعصب عثمان وإصرارة علي ثبات موقفة، وصمت وجلس لمشاهدة ما تبقي من قرارات جدة بعدما اخبر الجميع أنه سيهجرها بالفراش ولن يعتبرها زوجة له من اليوم، تم ذلك تحت جنون ليلي ورفضها لزواج يزن عليها وهجرها له. ولكن اخرصها غضب عِثمان.
أكمل عِثمان وهو ينظر بألم لذلك المُنكمش على حالة خشيةً غضبة أبيةِ:
"وإنتِ يا كبيري يا أول فرحتي، يا اللي المفروض تكون جدوة لباجي عيلتك، بدل ما تحاجي علي وِلد أخوك وتاخدة تحت چناحك وتعتبرة واحد من عيالك، تجوم تتأمر علية وّيا الحرباية مّرتك وتِكسرة جدام العيلة كلياتها."
إبتلع لُعابة وحُزنٍ عميق أصاب قلبي زيدان ومُنتصر ورسمية والجميع، أما قاسم وفارس فشعرا بخزيٍ وعار من قدوتهُما السيئة.
تنفس عِثمان عالياً ثم أكمل:
"إنتَ إتفجت علي وِلد أخوك ورضيت بذُلة وكسرت عينة جِدام الكِل."
وأكمل بنبرة صارمة:
"من اليوم مليكش مكان في داري لا إنتَ ولا الجادرة اللي مصانتش عيشنا وملحنا اللي كلته ويانا."
إنشق قلب رسمية لنصفين.
وصُدم قاسم وفارس الواقفان صامتان والغزي والعار يشملهما، وإتسعت عيناي قدري وتحدث بنبرة مُرتعبة:
"هروح فين أني ومرتي يا أبوي، عاوز تطوحني برات البيت وتضحك الخلج عليا بعد العُمر دي كلياتة؟"
صاح عِثمان بنبرة غاضبة:
"تروح في ستين داهية إنتَ والملعونة اللي ماشي وراها كيف الدلدول."
وأكمل أمراً بنبرة غاضبة:
"بكرة الصُبح ملجيش خِلجتك في الدوار لا أنتَ ولا وش الخراب اللي چارك دي، مفهوم."
تحرك زيدان سريعً إلي والده وأردف قائلاً بنبرة مُترجية:
"بلاش يا أبوي، متخليش أخوي يدوج الذُل والمرار والمهانة اللي دوجتهم وعشت فيهم سنين أني ومّرتي وبِتين."
نزلت كلماتة علي قلب والدهُ حطمتة، ونظر قدري إلي زيدان بإستغراب وذهول من موقفة المساند له رغم أنهُ كان أول الداعمين لقرار عِثمان لنفي زيدان خارج منزل العائلة، شعر بخزيٍ من حالة وتحركت رسمية ومُنتصر ليدعما زيدان بقرارة.
في حين تحدث يزن بنبرة قوية:
"أني اللي إتغدر بيا وإطعنت في ضهري يا چدي، ومهسامحش في حجي ليوم الدين، وبرغم إكدة، أني مموافجش علي نفي عمي برات الدوار."
وأكمل وهو يترجي جدة:
"بكفياك جرارات ترچع تندم عليها كيف سابج."
وأكملت رسمية بدموع مُترجية:
"مبجاش في العُمر كتير لجل ما نجضية في الحُزن والفراج يا عِثمان."
نظر للجميع وشعر بغصة داخل صدرة، شعر بحُزن لما أوصل أولادة وأحفادة من ألام وأحزان بفضل قراراتة التي لم تكن منصفة للبعض.
تحدث وهو يتحرك لداخل حُجرتة بنبرة واهنة:
"إعملوا اللي يلد عليكم، بس من إنهاردة قدري ومرتة مهيجعدوش وياي علي سُفرة واحده ولا هتلمنا جعدة بعد إكدة."
تنفس قدري وشعرت فايقة بالإنتصار المُزيف من انها مازالت بالمنزل ولم تُنفي كورد وزيدان في السابق.
❈-❈-❈
تحرك قاسم سريعً إلي الخارج بوجةٍ مُحتقن بالغضب، وتحركت خلفة صفا التي باتت تُنادية بصياح ولكنهُ لم يلبي نداها وتحرك سريعً إلي سيارتة ووضع بها مفتاحة، وقبل ان يستقلها امسكتة تلك العاشقة حبيبت زوجها من ساعدية وتحدثت بدموع:
"رايح فين يا حبيبي."
أجابها وهو يواليها ظهرة لعدم قدرتة على النظر داخل عيناها:
"إطلعي علي شُجتك يا صفا، وأني هتمشي شوي بالعربية وأرچع طوالي."
إحتضنتة من الخلف وتحدثت بنبرة حنون:
"مهفوتاكش لحالك وإنتَ إكدة يا قاسم، رِچلي علي رِچلك منين ماتروح."
زفر بضيق وصاح بها عالياً وذلك لشعورةُ بالخزي من حالة ومنها:
"مهتسمعيش الكلام لية يا بِت الناس، جولت لك فوتيني لحالي، معايزش أجعد مع حد أني."
زادت من ضمتها له وتحدثت بإصرار:
"مهفوتاكش حتي لو فيها موتي."
إستدار لها سريعً وتسائل مُتلهفً بعيون مُرتعبة:
"صُح مهتفوتنيش يا صفا؟"
إبتسمت بخفة ونظرت لعيناة بولة وتحدثت:
"افوتك كيف وإنتَ النور اللي عشوف بيه يا ضي عين صفا."
تنفس وضمها إلية بقوة وبات يُشدد من ضمتها وهو مغمض العينان بتألم.
بعد مرور أكثر من الساعتان، كانت تتحرك بجانبه بين أشجار ثمار الفاكهة مُمسكة بكف يده مُشددة علية بحُب، وهو يتحرك بجانبها بألم لم يشعر به من ذي قَبل، لم يكن حزين لأجل ماحدث قدر حُزنة وخزيه من حالة وما فعل بحبيبتة الغالية، وعمه الذي وقف بظهر أبية رغم معرفتة وعِلمهِ بمّدي حقدة علية، وهل سيتحمل قلب جده ضربة قاضية أخري مثل تلك الفعلةِ الشنيعة التي فعلها بحق من أهدتة الحياة، يا لهُ من شعور مُميت وهو يري عشق وتمسُك تلك البريئة به وهو الي يطعنها بظهرها طعنة غدر قاضية.
بعد مرور أكثر من ساعتان قضاها كلاهما بالمشي كُلً بجانب الآخر يداً بيد، أخرجةُ من شدة رُعبة تلك التي رفعت كف يده وقربتة من فمها وقبلتة بحنان وسألتة بنبرة هادئة:
"لساتك متعبتش من المشي؟"
أخذ نفسً عميقً ثم أخرجةُ وأجابها بنبرة مُهمومة:
"مجادِرش أروح البيت وأشوف حد جِدامي يا صفا، حاسس حالي مخنوج وروحي عم تطلع من چسدي."
تحدثت بنبرة حنون:
"سلامتك من الخنجة يا ضي عيني، طب إية رأيك ننام الليلة في الإستراحة بتاعت الچنينة."
نظر لها وسألها:
"هتبات معاي إهنية؟"
إبتسمت وأجابتة:
"هبات معاك في أي مكان تكون فية، أهم حاچة متفارجش حُضني ولا تبعد عني."
تحرك كلاهما للإستراحة وتمددا فوق التخت، وسحبها هو لداخل أحضانة، تحدثت بتردد وخجل:
"قاسم، أني مش عيزاك تتأثر باللي حُصل..."
لم تُكمل جُملتها لمقاطعتةُ الحادة:
"معايزش أتكلم في اللي حُصل يا صفا."
تنهدت بأسي لحالة الحُزن والخزي التي أصابتة وتملكت منه، شددت من إحتضانها له، مال علي جبينها وقبلهُ بحنان وبعد مُدة غفت داخل أحضانة أما هو فظل مُتيقظ ومشدداً عليها داخل أحضانة وكأنةُ يخشي رحيلها عن أحضانة.
❈-❈-❈
ظهر اليوم التالي
ذهب يزن إلي المشفي كي يبحث عن أمل ليُخبرها بأنهُ أعاد الفحص وتأكد من أنهُ قادر علي الإنجاب بمنتهي السهولة، وأن رجولتة كاملة وليست منتقصة علي حسب فهمة، فمُنذُ أن رأي والدتة تخرج من مكتبها وعلم أنها أصبحت علي دراية بعجزةِ والنار تنهش داخل صدرة، وبات شُغلةُ الشاغل أن يُثبت لها أنة بكامل رجُولتة.
وجد باب مكتبها مفتوح، نظر علي موضع جلوسها وجدةُ خالياً طرق فوق الباب عدة طرقات ليتأكد لم يصلة رداً، دار ببصرة علي الشزلونج ليري ما إن كانت تفحص أحد مرضاها، وحينها تأكد خلو الغُرفة تمامً.
وما أن هَم بالذهاب ليبحث عنها حتي وجدها تُقابلة وهي تحمل قدحً من شراب القهوة، نظرت إلية بإستغراب وتسائلت:
"خير يا باشمهندس؟"
تحمحم وتحدث بنبرة هادئة:
"كُنت عاوز أتكلم وياكِ في موضوع إكدة."
ضيقت عيناها بإستغراب وتحدثت وهي تُشير إلية لداخل المكتب:
"إتفضلو."
تحركت أمامة وجلست فوق مقعدها بعدما وضعت قدح قهوتِها فوق سطح المكتب وسألتة:
"تحب أطلب لك قهوة؟"
هز رأسه بنفي ثم سألها بعدما أثارةُ الفضول:
"هو أنتِ لية لما بتحتاچي حاچة من الكافيتريا بتروحي بنفسك تچبيها؟ معتطلبيش لية اللي عوزاة من العُمال؟"
تنهدت وأجابتة بوجةٍ ونبرة صوت يشُعان طاقة وتواضع:
"مابحبش أتعب ولا أتسبب لأي حد في مشقة وتعب، وبعدين أنا بحب أعمل كُل حاچة بنفسي وبحب اتحرك كتير علشان أنشط الدورة الدموية بإستمرار."
نظر لها بإحترام وأعُجب بأدميتها وحُسن معاملتها للآخر، في حين أكملت هي بنبرة جادة:
"ما قولتليش، حضرتك كُنت عاوزني في إية؟"
تحمحم ونظر لها وهو يرفع قامتة بكبرياء رجُل إستعاد كرامتة بعدما هُدرت ودُهست تحت أقدام الجميع وأردف قائلاً:
"أني روحت عيدت التحاليل في مصر."
نظرت لهُ بلهفة إستغربها هو وتسائلت:
"طمني، التحاليل كانت غلط زي ما أنا توقعت؟"
رفع قامتة لأعلي وتحدث بكبرباء كطاووس ينفش ريشةُ:
"طبعاً غلط، التحاليل طلعت متبدلة في المعمل وأني طلعت صاغ سليم وراچل من ضهر راچل."
نظرت لهُ مستغربة حديثةُ الرجعي وتحدث بنبرة حادّة:
"علي فكرة يا باشمهندس، قُدرة الراجل علي الإنجاب مهياش دليل علي رجولتة الكاملة، ولا عدم قدرتة عليها ينقص منها حاجة، رجولة الراجل بتكتمل بأخلاقة ومبادئة وتنفيذة للوعود."
وأكملت بيقين:
"وبعدين دي مشيئة ربنا لعبادُة المُخيرين، وأكيد لية حكمة في كدة وهو وحدة اللي يعلمها."
شعر بالحرج من حالة وبضألة تفكيرةُ العقيم أمام تلك المتسامحة مع الحياة والمؤمنة بالقدر وبحكمة الله.
وتحدث مُفسراً لها الوضع:
"أني عارف كُل اللي جولتية دي."
وأكمل بنبرة مُتألمة وهو ينظر إليها بعيناة التي ملأها الحُزن:
"إنتِ بس عتجولي إكدة إكمنك معرِفاش عوايدنا، موضوع الخِلفة بالنسبة للراچل الصَعيدي واعر جوي يا دَكتورة، دي فية دبح لكرامتة وهيبتة جِدام مّرتة وكُل اللي حوالية، ومهما حاولت أشرح لك مهتفهميش الإحساس والمهانة اللي حسيت بيها وجت ما سمعت الخبر الشوم دِه."
كانت تستمع إلية بتمعن وإنصات، شعرت بأنها تُريد إطالة جلستة والإستماع إلية، سألتة بنبرة حزينة:
"ممكن أسألك سؤال، بس طبعاً لو مش حابب تُرد أنا هتقبل ده جداً."
نظر لها بإحترام وأردف قائلاً بنبرة حماسية:
"جولي وأني عجاوبك مهما كان الموضوع مُحرج."
أردفت مُستفسرة:
"اليوم اللي جيت لقيتك نايم فية هنا في المكتب، ياتري حالتك اللي أنا شفتك عليها، كان ليها علاقه بالموضوع ده؟"
سحب بصرهِ عنها وتنهد بأسي وتحدث بصدق:
"كانت أسوء ليلة شُفتها في عُمري كلياتة، كان أول مرة أحس بالمهانة وكَسرة النفس، وساعتها عِرفت يعني إية جَهر الرچال، الله لا يعودها تاني."
أردفت مُستفسرة بإستغراب ونبرة شجن:
"طب هو أنا لية مش حاسة ولا شايفة جوة عيونك فرحة إنك هتبقي أب؟"
أجابها:
"عشان الطريجة اللي عَرفت بيها إني معنديش مشاكل في الخِلفة كانت واعرة عليا جوي، وكشفت لي إني عشت سنتين ونص من عُمري وأني أكبر مُغفل."
وأكمل بألم:
"عارفة يعني إية تدي الأمان لحد وتدي له ضهرك وإنتِ مطمنة ومتفوجيش غير علي طعنة."
وأكمل وهو يصك على أسنانة من شدة غضبة:
"طعنة واعرة بطعم الغدر والخيانة والخِسة."
وأكمل وهو ينظر داخل عيناها بتمعن:
"وجتها بتحسي إن الدِنيي معادش فيها خير ولا ناس طيبين، وإن المفروض متديش الأمان ومتسلميش تاني لأي مخلوج علي وجة الأرض."
تنهدت بأسي وهي تستمع له بقلبٍ يتمزق وروحٍ تتهاوي بعد إستماعها لكلماتة المؤلمة والتي وكأنها تَصف ما حدث معها بالتفصيل داخل تجربتها المريرة مع دكتور وائل.
نظر لها ورأي ألم مُميت يسكن عيناها الحزينة، ظن أنها تأثرت لأجله، لا يعلم أنهُ وبحديثةِ هذا قد نزع بدون رحمة تلك الضمامة الهشة عن جرحها الذي مازال نازفً، فتنفس وأردف قائلاً لها بشبح إبتسامة واهنة تخرج من إنسان مُحطم نفسياً:
"ربنا ما يكتبها عليكِ ولا تعيشي الشعور المميت دي."
إبتسمت بجانب فمها ساخرة واردفت بنبرة واهنة تخرج من قلب إمراة مُحطمة:
"متأخرة أوي دعوتك يا باشمهندس."
وأردفت بدُعابة وأبتسامة حاولت بها عدم السماح لتلك الدموع الملعونة التي تصرخ وتأن كي تطلق لها العنان وتسمح لها بالتحرُر:
"للأسف أنا عيشت نفس إحساسك المُر، بس بطريقة أبشع ومُهينة لكرامتي وأدميتي، حكايتي غدر بطعم الإهانة، وعلي إيد أقرب الناس لقلبي وروحي، أو اللي كُنت مخدوعة وفكراهم كدة."
قهقه عالياً بطريقة جعلتها تخرج من حالتها وتنظر إلية بضيق وحُزن، وذلك لإعتقادها الخاطئ بأنهُ يسخر منها ومن ما ذكرتة.
بادر بالحديث سريعً عندما لاحظ بوادر غضبها، فرفع يدهُ وتحدث بنبرة ساخرة علي حالهُما:
"يعني إحنا التنين طلعنا كيف بعضينا، إتغدر بينا وأتداس علي كرامتنا من أجرب الناس."
تنهدت براحة عندما فسر لها ضحكاتة المُتألمة ونظرت إلية بأسي، نظر داخل عيناها وحزن لاجلها عندما رأي بهما ألم يدل على كَم الخزلان التي تلقتة تلك المغدور بها.
طال نظراتهما كُلٍ للأخر بتمعن وكأنة يقرأ رواية خزلانة في عين الآخ.
فاق على حالة، تحمحم ثم وقف وتحدث لها بنبرة هادئة:
"همشي أني لجل متشوفي شُغلك."
هزت رأسها بإيماء وأبتسامة خافتة، وتحرك هو للخارج، أما هي فأسندت ظهرها للخلف مُستندة على ظهر المقعد وأراحت رأسها وأغمضت عيناها بألم، وبدأت بإسترجاع ما حدث معها بالماضي.
❈-❈-❈
بعد مرور حوالي إسبوع على تلك الواقعة
داخل محافظة القاهرة الكبري وبالتحديد داخل مسكن قاسم وإيناس، كان يجلس داخل غرفة المكتب المُخصصة داخل الشقة يُراجع أوراقً هامة لقضية يجب دراستها بصحبة إيناس التي ذهبت إلي المطبخ لتعد قدحً من القهوة لها لزيادة التركيز بتلك القضية المُعقدة، أخرجةُ من تركيزةُ الشديد جرس الباب الذي إستمع له، وقف وتحرك إلي الباب حين تحدثت إيناس بصوتٍ عالِ وهو يقترب من الباب ليفتحة:
"إفتح الباب من فضلك يا قاسم."
لم يُكلف حالة عناء الرد عليها وقام بفتح الباب، ذُهل وهو ينظر امامةُ للطارق بعينان مُتسعتان من شدة ذهولهما لرؤيتة.
وما زاد الطين بلة هو صوت إيناس العالي وهي تُحدثةُ بنبرة أنثوية رقيقة:
"لو اللي علي الباب دليفري السوبر ماركت ياريت تحاسبة وتجيب لي الحاجة علي المطبخ لاني محتاجة السكر للقهوة ضروري يا حبيبي."
إنتهي البارت...
تُري من هو الزائر الغير متوقع والذي إنتفض قلب قاسم لرؤياه؟
يُتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثلاثون 30 - بقلم روز امين
إهتز قاسم بوقفته وأرتجف كامل جسده عندما وجدها تقف أمامه بهيئتها الجنونية والغير مستوعبة لما يدور من حولها، تنظر إليه بمقلتيها المذهولتان والكثير من الأسئلة المؤلمة تراودها وتكاد تفتك برأسها.
نظرت إليه وسيدان موقفها هما التشتت والذهول.
نظر قاسم إليها بذهول وبدأ صدره يعلو ويهبط من شدة رعبه، صدمة شلت حركته وربطت عقدة لسانه. بصعوبة حاول أن يتحرك ويسحبها بجواره إلى الخارج ويغلق ذلك الباب من خلفه ولا ينظر لما بداخله من حقيقة عارية. لم يرد لمعشوقته أن يصاب قلبها البريء بأذى الإطلاع على خباياه.
تسمرا كلاهما وحبست أنفاسهما حينما استمعا إلى صوت تلك إيناس الهادر من الداخل وهي تتحدث بنبرة يملؤها الدلال بأسلوب أنثوي قد اتبعته مؤخراً لتجبر قاسم على تعود أذنيه لاستماع تلك الكلمات حتى يصبح الأمر لديه عادي، وبعدها ستبدأ بجذبه إليها من جديد رويداً رويداً.
هكذا أوهمت حالها أنها بهذه الطريقة ستحصل على استرجاع قاسم وتملك قلبه كقبل.
إيناس بنبرة أنثوية رقيقة:
_ لو اللي على الباب الدليفري الخاص بالسوبر ماركت، ياريت تحاسبه وتجيب لي الحاجة على المطبخ لأني محتاجة السكر للقهوة ضروري يا حبيبي.
وهنا قد تأكدت تلك التي ذبحت على يد متيمها من حديث حارس البناية الذي حدثها به منذ قليل حين كانت تسأله عن إذا ما كان قاسم بالأعلى لتصعد لمقابلته.
شعرت بعالمها ينهار تحت قدميها، غصة مرة وقفت بحلقها وكأن القصبة الهوائية أُغلقت بفضلها واحتجز الهواء المفترض وصوله لرئتيها مما جعلها تشعر بالاختناق.
شعر بطعنة قاتلة داخل صدره شطرته لنصفين حينما رأى صدمتها ومعاناة روحها وذهولها الذي أصابها وظهر بعينيه.
بصعوبة بالغة أخرج صوته الواهن وأردف قائلاً بنبرة مهتزة متعجبة:
_ صفا!
نظرت داخل مقلتيه بتمعن وتساءلت بنبرة مشتتة ونظرات تائهة غير مستوعبة ما يجري من حولها:
_ ليه يا قاسم، عملت فيا ليه كده؟
جصرت وياك في إيه لجل ما تتجوز عليا وأني لساتني عروسة؟
شعر بأن ساقيه لم تعد تتحمل جسده وروحه المهترئة جراء الصدمة.
وأردفت هي قائلة بقلب محترق:
_ لما سألت بواب العمارة إذا كنت موجود فوق لجل ما أطلع لك، رد وقال لي إن لساته واصل من نص ساعة هو ومرته.
وأكملت وهي تهز رأسها برفض تام:
_ مصدقتش حالي وجلت أكيد الراجل ده مخبول ولا شارب حاجة توهت عقله.
ورفعت بكفي يداها ولوحت بهما في الهواء بوهن وضعف:
_ جلت لحالي أكيد يقصد حد تاني غير حبيبي.
مالت برأسها لليمين قليلاً وأردفت بنبرة مهزوزة وعينان تكونت بداخلهما لمعة الدموع التي تريد من يفسح لها الطريق كي تعلن عن عصيانها:
_ مهو مش معقول حبيبي يدبحني بسكينة تلمة ويخوني وأنا مفاتش على جوازنا إلا يدوب شهرين.
إبتسمت بجانب فمها بطريقة ساخرة وأردفت بتهكم على حالها:
_ طول ما أنا طالعة لهنية وأنا بقول لحالي مستحيل الكلام الفارغ ده يكون حقيقته، قاسم ما يعملش فيكِ كده يا صفا، مستحيل.
وبلحظة تحولت نبرتها الواهنة ونظرتها المنكسرة إلى نبرة غاضبة ونظرة حادة كالصقر وتحدثت:
_ بس فُجئت من وهمي وتغفيلي وجيت ما مرتَك الجديدة نادتك بحبيبي.
أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه وتحدث بنبرة متألمة لأجلها:
_ الموضوع مش كيف ما وصل لك يا صفا، تعالي نروح لشقتي وأنا هناك هفهمك على كل حاجة.
ضيقت عيناها وتساءلت بنبرة ساخرة:
_ شقتي؟
أومال دي شقة مين، لتكون قاعد في شقة المدام وعلى حسابها يا ابن النعماني؟
تنهد بأسى لحالة الذهول والألم والحسرة التي انتابتها جراء ما اكتشفته وتحدث وهو يمسك كف يدها ليحثها على المغادرة بصحبته:
_ إهدي يا حبيبتي وأنا هفهمك على كل حاجة.
نفضت يده سريعًا ونظرة اشمئزاز ملأت مقلتيها وهي ترمقه بها مما جعل الحسرة تملأ داخله وتألمت روحه لأجلهما.
خانتها دمعة ضعيفة فرت هاربة من عينيها مما أشعل روحه وكاد أن يصرخ من شدة تمزقه الذي أصاب قلبه جراء دمعتها الغالية التي نزلت بفضله. انوت الرحيل كي لا تضعف وتزرف الكثير من الدموع ويراها بضعفها المهين لكرامتها الشامخة.
إستدارت وهرولت سريعًا إلى موضع المصعد استعدادًا للمغادرة. صاح باسمها عالياً مما جعل إيناس تخرج من المطبخ لترى مع من يهمس قاسم.
إتسعت عينا إيناس وهي ترى صفا أثناء وقوفها أمام باب المصعد وهي تواليها ظهرها وتضغط زر استدعائه تحت صياح قاسم الذي تحدث برجاء:
_ استنيني يا صفا، هجيب مفاتيح عربيتي وأجي لك حالاً.
قال جملته على أمل أنها ستنتظره وتستمع بطاعة لحديث زوجها، كما عودته مدة الشهرين المنصرمين.
يندلف سريعًا للداخل تحت سؤال إيناس التي استغلت الفرصة التي أتتها على طبق من ذهب دون السعي إليها:
_ فيه إيه يا حبيبي، مين دي؟
نزلت كلمات تلك اللعوب على قلبه المغدور شطرته ومزقته وهدمت ما تبقى من كبريائه وشموخه العالي.
أغمضت عينيها بألم ونزلت دموعها عنوة عنها. لحسن حظها أتى المصعد في غضون ثواني وذلك لأنه كان يقف بالدور الأعلى لشقة قاسم مباشرة.
كانت إيناس تترقب التفاتتها إليها كي ترى وجه تلك القبيحة فاقدة الأنوثة مثلما أخبرها عدنان. تعجبت لإنوسة جسدها الخلفي. أما صفا التي أصرت على عدم استدارتها لعدم قدرتها على المواجهة مع تلك الشمطاء خاطفة زوجها الخائن. كم ودت أن تلتفت لترى تلك التي سحرت متيمها وجعلته يرمي بوعوده لها ولأبيها وجدها عرض الحائط. منعها اقترابها من حافة الانهيار التي لم ولن تسمح لأيًا كان بأن يراها على تلك الحالة المزري. في غضون ثواني كانت تدلف إلى المصعد وتضغط زر الإغلاق وهي تواليها ظهرها ويليه زر الهبوط دون الاستدارة مما أحبط إيناس التي كانت تتشوق لرؤيتها.
خرج سريعًا بعدما التقط مفاتيح سيارته وجاكيت حِلته الذي خلعه عنه أثناء حضوره ووضعه على مقعد المكتب بعناية خشية إفساد مظهره. شعر بإحباط عندما وجد المصعد يتحرك للأسفل. جن جنونه وهرول إلى الدرج يتدلاه سريعًا كالذي يسابق الريح تحت صياح إيناس وأسئلتها التي لم يعر حالة حتى عناء النظر إليها. مما استشاط داخل تلك التي شعرت بأمر غريب. هرولت سريعًا إلى الداخل واتجهت إلى الشرفة المطلة على مدخل البناية لترى منها كيف هي هيأة تلك صفا.
خرجت صفا من المصعد وهي تهرول إلى الخارج. ولحسن حظها وجدت سيارة تمر من أمامها فأشارت لها سريعًا وتوقفت.
صعدت وتحدثت إلى السائق:
_ مدينة نصر لو سمحت.
وجدت من يخرج من مدخل البناية ويشير إلى السائق ليتوقف. تحدثت سريعًا:
_ إتحرك بسرعة من فضلك.
وتحرك تحت صياح قاسم الذي شعر بحزن تملك روحه. قبض على يده وشدد عليها حتى ابيضت يده وظهرت عروقها ثم.
نفضها في الهواء بحركة تدل كم الغضب والجنون اللذان انتاباه تحت نظرات إيناس التي تشتعل بالأعلى على اللهفة التي رأتها بداخل عين قاسم.
دبت بأرجلها الأرض غضبًا لعدم استطاعتها رؤية تلك التي ارتدت نظارتها الشمسية ودلفت سريعًا داخل السيارة وهي تنظر بوجهها أسفل قدميها. ولكن ما لفت انتباهها هي أناقة تلك الصعيدية وتناسق ألوان ثيابها وخطواتها المتناسقة التي تدل على ثقة وثبات تلك صفا. وهذا ما تعارض كليًا مع وصف عدنان لها.
تحرك قاسم سريعًا لداخل الجراج الخاص بالبناية واستقل سيارته وتحرك باتجاه الطريق التي سلكتها صفا. بات يدور بعينيه باحثًا عن السيارة. دق بكف يده طارة القيادة بعنف حينما لم يجد للسيارة أية أثر. زفر بضيق، ثم أخرج هاتفه وضغط على رقمها ليهاتفها.
أخرجت هاتفها وضغطت فوق رقم أمل التي عادت إلى داخل الفندق مجددًا استعدادًا لمغادرته بسيارة النقابة التي ستقلهم إلى محطة القطار المتجهة إلى مدينة سوهاج.
تحدثت إلى أمل بصوت واهن ضعيف:
_ إنتوا فين يا أمل؟
إستغربت أمل نبرتها وأجابتها بهدوء:
_ إحنا وصلنا الفندق وبنتجمع ومستنيين الميعاد اللي هنتحرك فيه لمحطة القطار.
هتفت صفا برجاء:
_ متخليش السواق يتحرك بيكم للمحطة إلا لما أجي، أني في طريقي وإن شاء الله نص ساعة بالكثير وهكون عندك.
سألتها أمل مستغربة:
_ إنتِ مش قولتي إنك رايحة لجوزك وعاملاها له مفاجأة وهتباتي معاه النهاردة؟ إيه اللي خلاكي تغيري رأيك بالسرعة دي يا بنتي؟
تنفست عاليًا وأجابتها بنبرة مختنقة:
_ مجدرش أتكلم دلوقتي يا أمل.
بالكاد أنهت مكالمتها، وما أن وضعت الهاتف بحقيبة يدها حتى استمعت إلى صدح صوته لتخرجه من جديد لترى بشاشة نقش اسم ذابح روحها الذي هاتفها أكثر من سبع مرات أثناء هذا الوقت الضئيل. ضغطت زر الرفض بنظرات حادة وقلب يغلي.
صرخ ذلك الذي يستقل سيارته ويتحرك بها كالمجنون وهو يبحث بعينيه داخل الشوارع عن سيارة الأجرة التي استقلتها. ما عاد يعلم وجهته وإلى أين يذهب ليعثر على جوهرته.
نظر أمامه وحدّث حاله بألم:
_ إلى أين رحلتي وتركتي فؤادي يحترق حزنًا عليكِ غاليتي، ألم تشعري باحتراق روحي وقلبي الصارخ لأجلكِ، الرحمة أميرتي فقلبي لم يحتمل فكرة البُعاد. عودي لقلبي قبل أن يفقد دقاته رعبًا من فكرة رحيلك عنه. قلبي يا الله يشتعل نارًا، ساعدني ولا تتركني بتيهتي وغربتي وحيدًا.
طرت بمخيلته فكرة توجهها إلى المطار، فهي بالتأكيد ستذهب إليه لتستقل الطائرة المغادرة إلى سوهاج.
تنهد وعلى الفور عدل وجهته ليتجه إلى المطار وحدث حاله بتفاؤل:
_ مليكة فؤادي وأسرت قلبي، أنا آتٍ إليكِ مولاتي وسأخر راكعًا تحت قدماكِ ولن أكِلُ عن طلب السماحِ حتى تحني عليّ وتوهبيني العفو والغفرانِ. وحينها قسماً برب السمواتِ لأشقن أضلوعي ولأدخلنك بأعماق صدري حتى أخفيكِ عن عيون الناسِ.
من نافذة السيارة، استمعت لرنين هاتفها فنظرت إلى شاشته ووجدتها والدتها التي أرادت أن تطمئن عليها. وما أن ضغطت صفا زر الإجابة حتى هتفت ورد وتساءلت باهتمام ولهفة:
_ طمنيني يا نور عيني، وصلتي عند قاسم؟
ما أن استمعت لصوت والدتها الحنون حتى شعرت بحاجتها الملحة للبكاء التي تحتجزه بكل ما لديها من قوة، لكنها تحاملت على حالها وتحدثت بنبرة ضعيفة لم تستطع إخراج غيرها:
_ وصلت يا أم صفا.
سألتها ورد من جديد بنبرة حماسية:
_ جلتِ له يا صفا؟
إبتلعت غصة مرة داخل حلقها وشعرت بوجع شديد تملك بصدرها، ثم أخذت نفسًا عميقًا وتحدثت بجمود:
_ مجلتش حاجة يا أمي.
ردت ورد بنبرة لائمة:
_ ليه يا بنتي مجولتيش له لحد دلوقتي؟
ثم فاقت من حالة الحماس وشعرت بصوت ابنتها، فمنذ أن نطقت بحروفها الأولى داخل المكالمة وهي تشعر بشيء غريب بابنتها لكنها فسّرته على أنه مجرد إرهاق سفر بفضل حالتها ليس إلا.
سألتها بنبرة قلقة:
_ مالك يا بنتي، فيكِ إيه، ليكون قاسم زعل إنك سافرتي من غير علمه ونكد عليكِ؟
نطقت بضعف وصوت يريد أن يصرخ ويعلن عصيانه على الجميع:
_ مجدرش أتكلم دلوقتي يا أمي، أني جاية في طريقي ولما أوصل هحكي لك على اللي حصل.
أغلقت ورد الهاتف ثم وضعت كف يدها على صدرها وتحدثت بارتياب:
_ جيب العواقب سليمة يارب.
وهنا خارت قوى صفا ولم تعد تستطع التحمل بعد. نزلت دموعها بغزارة وكأنها شلال كان محتجزًا وأُطلق له العنان. نظر لها سائق السيارة وتنهد بألم على حال تلك الحزينة لكنه فضل الصمت احترامًا لقدسية اللحظة.
ضلت تبكي وتبكي بمرارة وشهقت بألم حين تذكرت السبب الذي أتت من أجله.
صباحًا.
كانت تفتح باب شقتها لتستعد للمغادرة إلى المشفى لمتابعة عملها ككل يوم. وجدت مريم تنزل من الدرج الأعلى وهي تجاور فارس الذي يضم خصرها إليه ويهمس إليها بوجه هائم وعينان عاشقتان تلهمانها بنظراته التي تقابلها مريم بخجل ممزوج بالسعادة الهائلة.
إنفرج فم صفا وسعد داخلها بشدة حين رأت السعادة تهيم على هذا الثنائي التي تحمل لهما داخل قلبها البريء كل التقدير والمحبة والاحترام. وما زاد من فرحتها هو التغيير الشامل الذي أصاب فارس وحالة الاهتمام المفاجئ التي بات يغمر بها مريم ولاحظه الجميع حتى ليلي التي اشتعلت لهذا.
خجل فارس وسريعًا قام بسحب ذراعه الذي يحيط به خصر مريم وتحدث متحمحمًا إلى التي وقفت تنتظر ذلك الثنائي باحترام:
_ صباح الخير يا مرت أخوي، كيفك؟
إبتسمت بسعادة لمناداته بزوجة أخي التي تعشقها لشعورها بتملك قاسم لها بتلك الكلمة وهذا الوصف. تحدثت إليه بابتسامة عريضة بينت صفي أسنانها من شدة سعادتها:
_ صباح النور يا فارس.
وسألتهما باستغراب:
_ أومال جميلة فين؟
أجابتها مريم بهدوء:
_ جميلة بايته مع أمي.
نظر فارس لكلتيهما وجد بعيونهما كلمات محتجزة تريد الخروج فأستأذن وتحدث إلى مريم بنبرة حنون تدل على مدى عشقه الذي تملك منه:
_ أنا هسبقك بس مهقولش من غيرك، متتأخريش عليا.
إبتسمت له بوجه بشوش وهزت رأسها بإيماءة خجلة أشعلت بها ناره الذي لم يعد لديه القدرة على السيطرة عليها كلما نظر لعيناها وكأنه يعوضها وحاله على ما فاتهما سابقًا.
تحرك للأسفل تحت رعاية عيناي تلك العاشقة التي لم تحول بناظريها عنه حتى اختفى طيفه من أمام عينيها الهائمة. ونظرت من جديد إلى صفا وجدتها تبتسم بسعادة وهي تنظر لها بتتمعن.
أمسكت كف يدها وتحدثت بنبرة بالغة السعادة:
_ مبروك يا مريم، مبسوطة جوي من حالة الإنسجام اللي باينة عليكِ إنتِ وجوزك.
وأكملت باستحسان:
_ فارس راجل صح ويستاهل جلبك اللي كيف الذهب.
إبتسمت لها وتحدثت بخجل:
_ الحمد لله.
وأكملت بحماس:
_ تعرفي يا صفا، حاسة حالي عايشة جوات حلم جميل جوي وخايفة أصحى منه.
إبتسمت لها وطمأنتها ثم تساءلت بجدية:
_ صح هتسيبي شغلك ومهترجعيش المستشفى تاني يا مريم؟
أجابتها بنظرة رضا:
_ فارس عاوز كده، وحجة عليا إني أطيعه وما أزعلهوش مني.
أردفت بتساؤل حزين:
_ وإنتِ يا مريم، فين حقك، بسهولة كده تستغني عن حلمك لجل ما تريحي سي فارس؟
تنفست براحة وتحدثت بنبرة هادئة مستكينة:
_ فاكرة يا صفا لما عرضتي عليا إني أشتغل وياكِ في المستشفى، وجتها فرحتي ما كانتش سايعاني، حسيت إني أخيرًا هيُبجا لي عزو وجيمة بين الخلق وأحس بكياني.
وأكملت بأسي ظهر بعينيها:
_ فارس ما كانش معتبرني موجودة في حياته يا صفا، وده خلاني أفقد الثقة في حالي وحسسني إني قليلة جوي بين الناس.
وبلحظة تحول الأسي إلى تفاؤل وهتفت بسعادة:
_ لكن دلوقتي فارس بقى بيهتم بيا واعترف لي إني حبيبته ومبقاش قادر يستغني عن جُربي واصل.
وأكملت وهي تضحك بسعادة:
_ أنا وجميلة بقينا جوات حضن جوزي طول الوقت، هعوز إيه من الدنيا تاني يا صفا.
كانت تستمع إليها بوجه مشرق سعيد لأجلها.
وفجأة توقفت مريم عن الابتسام ونظرت إلى صفا بتردد وسألتها:
_ كيفه دكتور ياسر؟
أخرجت صفا تنهيدة حارة دلت على كم الوجع التي لمسته من روح ذلك العاشق معدوم الحظ:
_ شاغل نفسه طول الوقت في الشغل، ربنا معاه.
ثم تفوهت باستحياء:
_ مريم، هو إنتِ كنتِ عارفة إنه يكن لكِ مشاعر جواتة؟
تنهدت بأسي وتحدثت بنبرة حزينة:
_ كنت حاسة من نظراته.
وأكملت بتبرير:
_ بس والله يا صفا ما ليا ذنب في كل اللي حصل ده، أنا عمري ما عشمته بحاجة ولا شجعته بنظرة على إنه يتمادى في مشاعره ناحيتي، ولولا إني خجولة ومليش كلام مع الرجالة كنت جلت له لجل ما يفوق من غفلته اللي كان حابس حاله جواتها دي. بس لما لاقيتُه بيخلق الفرص لجل ما يتجرب مني ويتحدث وياي، أخدت جرار إني لازم أخبره. وبالفعل كنت مستنية أي فرصة لجل ما ألمح جدامه وأخبره إني ست متزوجة عشان يشوف حاله بعيد عني.
وتنهدت بأسي وأكملت:
_ بس ربنا كان مرتب إنه يعرف بالطريقة دي، وأكيد ربنا ليه حكمة في كده.
تنهدت صفا وتحدثت وهي تشير لها بالتحرك:
_ الحمد لله على كل حال، دكتور ياسر راجل محترم وأكيد هيحارب إحساسه وينسى الموضوع كله. هي بس مسألة وقت.
تمنت مريم هذا وتحركا ثم سألتها وهي تنظر إليها بتتمعن:
_ مال وشك يا صفا، لونك متغير بقالك يومين.
أنزلت بصرها للأسفل وتحدثت بنبرة خجلة:
_ معرفش أجول لك إيه يا مريم، شكلي كده حامل.
أمسكت مريم يدها لتحثها على الوقوف وهتفت بسعادة:
_ جد حامل يا صفا؟
وضعت سريع يدها فوق فمها لتحثها على الصمت وأردفت قائلة:
_ وطي صوتك يا مريم لحد يسمعنا، أني لسة متأكدتش، هروح النهارده أخلي أمل تعملي تحليل لجل ما أتأكد وبعدها هجول لك كله.
حضنتها مريم بسعادة وتمنت لها الراحة والاستقرار مع زوجها.
داخل مسكن فايقة التي لم تخرج منه منذ كشف خطتها وفضحها أمام الجميع وذلك بناءً على تعليمات قدري بذاته وذلك بعدما أخجلته وجعلته يظهر أمام العائلة بصورة لا تمت بصلة لنجل النعماني الكبير. وما أثار خجله وجعله يستساغ غضبًا وينقلب عليها هو شعوره بنبذ الجميع له حتى نجلاه.
تحرك هو للأسفل ومنه إلى الباب الخلفي للمنزل المطل على الحديقة الخلفية وتحرك للخارج مباشرة من الباب الخلفي للحديقة كي لا يصطدم بأبيه.
تحركت هي الأخرى إلى الطابق الأعلى واتجهت إلى مسكن ليلي الزوجي والذي أصبح فردي بعدما أصدر يزن أوامره للعاملات وجعلهم يجمعون جميع أغراضه ونقلوها بغرفته السابقة كي يستقر بها بشكل مؤقت إلى أن يجلس مع حاله ويعيد ترتيب أحواله.
باتت فايقة تدق جرس الباب حتى ملت من الانتظار غير المجدي بالنفع. شعرت بالخطر على ابنتها فنزلت إلى مسكنها من جديد وتناولت المفتاح الخاص بمسكن ابنتها ودلفت إلى غرفتها سريعًا لتتفقدها. وجدتها تجلس القرفصاء فوق سريرها محتضنة ساقيها وتبكي بمرارة.
تنهدت براحة حين وجدتها تجلس بصحة تامة أمامها. وبرغم قلقها الذي أصابها على ابنتها إلا أنها لم تجرؤ على التحرك إليها إنش واحدًا وجذبها وإدخالها إلى أحضانها كي تطمئن روح صغيرتها وتبث داخلها شعور الراحة والسكينة. تلك هي فايقة، لا يوجد بقاموس حياتها ما يسمى بالحنان ودعم من تحبه، بل تعتبره هذه التصرفات ضعفًا لها.
تحركت إلى الشرفة بخطوات ثابتة وفتحتها لتنير تلك الغرفة شديدة الظلام. ثم نظرت إليها وهتفت بنبرة حادة:
_ عاملة في حالك ليه كده يا بت؟ الدنيا كانت خلصت إياك؟
رمقتها تلك الغاضبة بمقلتها الحادة النظر وهتفت بنبرة ساخطة:
_ ما عايزاكِش أشوف حد، همليني لحالي وإطلعي برة.
زفرت فايقة بضيق وتحسرت على حال صغيرتها التي تتملك منها روح الاستسلام سريعًا عكس والدتها. تحركت وجلست بجوارها وتحدثت:
_ أهملك تموتي حالك إياك، أني مش جلت لك قبل سابج ما أحبش أشوفك ضعيفة وخايبة كده.
وأكملت بملامة:
_ عشمِتِ فيا حريم الدوار يا حزينة.
إتسعت عيناها بذهول وهتفت بحدة:
_ إنتِ محساش بالمصيبة اللي وجعتيني فيها؟ أني بسببك اتحكم عليا إني مبقاش أم طول حياتي، ما أعرفش أشيل جواتى حتى عيل من جوزي، ده غير حبيبي اللي عشت عمري كله أحلم بالليلة اللي هيضمني فيها لجوات حضنه ويبجا ملكي لحالي، حتى دي استكترتيه عليا وضيعتيه من يدي بعمايلك السودة. أني بجيت وحيدة يا أمي، هقضي اللي باقي لي من حياتي في الأوضة الضلمة دي لحالي.
وخبطت بكفي يداها على فراشها وتحدثت بصراخ:
_ حبيبي مهينامش في فرشتي تاني بسببك، اتحكم عليا أعيش لحالي على فرشة باردة. ناقصها روح حبيبي. وانتِ كل اللي هامك وشاغل بالك ورد ونجاة اللي عشمِتوا فيكي؟ ملعون أبوهم أبو تفكيرك وغضبك وحقدك اللي خلاني ماشية وراكِ كيف العامية.
وأكملت بتساؤل مشمئز:
_ نفسي أعرف جلبك دي مصنوع من إيه؟ حجر صوان؟
أجابتها برأس مرفوع وعينان تشبه حدة الصقر خالية من المشاعر:
_ ومين جالك إني عندي جلب من الأساس، الجلب دي للناس الضعيفة، الجلب يضعف ميقويش، الجلب يخلي صاحبه ذليل كيفك كده يا بت قدري، وأكبر دليل على حديتي دي حالتي أنا وإنتِ.
وأكملت وهي تتحرك بالغرفة وتشير إليها:
_ بصي لحالك في المرايا وشوفي جلبك العاشق وصلك لإيه.
وأكملت وهي تنظر إليها بوجه غاضب وعينان مخيفتان من شدة اتساعهما:
_ العشق خلاكي ضعيفة وخلاكي عبدة ذليلة عند راجل ميسواش كيف ابن المركوب اللي اسمه يزن، ابن نجاة لما شاف عشقك ولهفتك عليه ساج دلالة وشاف حالك عليكِ يا حزينة.
ثم أردفت قائلة بتفاخر وكبرياء:
_ وأني جدامك أهو، عمري ما بللت ريج أبوكِ بكلمة زين ولا حتى نظرة رضا، ومع كده بيعيط عليا ويتمنى لي الرضا أرضي وأظن دي شيفاه بعينك كيف الشم.
شبكت بضعف وتحدثت بوهن:
_ يزن غير أبويه.
كلهم واحد، رجالة ناقصة خسيسة، الواحد منهم أول ما يحس ويشوف العشق في عين الصبية، يبعد عنها وتسجت من نظرة، ويروح يدور على واحدة ما بتعبروش ولا شيفاه جدامها لجل ما يرسم عليها ويخليها تحبه ويحس إنه بكده بقى راجل رغم إنه بيتحول لعبد ذليل عندي. كلياتهم صنف واحد، صنف واطي ميستاهلش دمعة واحدة من عين حرمة.
وتحركت إليها من جديد وسحبتها من يداها وتحدثت بعدما وجدت هدوئها واقتناعها بحديثها:
_ قومي اسبحي وإلبسي خلجاتك لجل ما نروح للشيخ عرفان.
وأكملت بنبرة حماسية وصلت إلى ليلي:
_ أيقولوا عنده خادم هيخلي الراجل خاتم في يد مرته وطايع لأوامرها.
وأكملت بوعيد:
_ وحياتك عندي يا غالية ما هيرتاح لي بال غير وأني جايبة لك ابن نجاة ومخليه ذليل وراكع تحت رجليكِ.
إتسعت عينا تلك البلهاء بذهول وهتفت متسائلة بلهفة:
_ صح الحديث دي يا أمي؟ هتخلي يزن يرجع لي بجد؟
إبتسمت لها فايقة ووضعت يدها فوق شعر رأسها تتلمسه وتحدثت بنبرة قوية:
_ ميتا أني جلت لك حاجة ومحصُلتش؟
إنتفضت ليلي من جلستها بحماس وتحركت سريعًا إلى المرحاض لتنفيذ أوامر والدتها كعادتها.
وبعد حوالي ساعة كانت تدلي الدرج بتفاؤل، بجانب والدتها. وما أن لمحتها رسمية التي كانت تخرج من المطبخ بجانب ورد التي تحمل صنية فوقها ثلاثة أكواب من مشروب الشاي الساخن.
حتى صاحت بنبرة حادة:
_ لابسة ورايحة على وين يا غندورة؟
كظمت غيظها الشديد من لكنة عمتها الساخرة بداخلها، وتحدثت بنبرة هادئة:
_ رايحة أنا وبنتي لجل ما نطل على أمي العيانة يا عمة.
رفعت رسمية وجهها إليها وتحدثت وهي تشير بسبابتها إلى الأعلى:
_ إطلعي على شقتك وإتلمي فيها يا مرة يا سو، وإحمدي ربك إن لساتك قاعدة في الدار بعد عمايلك الشوم دي كلها.
وأكملت بنبرة تهديدية غاضبة وهي تشير بيدها:
_ الله الوكيل لولا إن أخوي وصاني عليكِ قبل ما يموت، لكنت قتلتك بيدي دي وخلصت عيلتي من شرك يا واكلة خيرنا وناكراه.
تحدثت ليلي بحدة مداعبة عن والدتها:
_ ملوش لزوم الكلام ده يا جدة، وبلاش تكوني ظالمة، أمي من حقها تزور جدتي العيانة.
تنهدت رسمية بأسى لعلمها أن حفيدتها تتحرك بأوامر من والدتها بلا عقل كالتابع. وحزنت كثيرًا على حال ليلي التي يبدو على هيئتها أنها لم تستوعب الدرس الذي تعرضت له بمنتهى القسوة. يبدو أنها لم تستفق إلا على كارثة كبرى ستحرق معها الأخضر واليابس بحياتها البائسة.
تحدثت رسمية إلى حفيدتها بقلب منكسر لأجلها:
_ تعالي معايا يا ليلي، جدتك العجوز رايدة تتحدث وياكِ شوية.
ثم رمقت فايقة بحدة وصاحت بها عالياً:
_ وإنتِ يا واكلة ناسك، إطلعي على فوق وما أشوفش خلقتك تحت واصل.
نظرت لها بعيون حادة كالصقر وهتفت بنبرة حاقدة وهي تنظر إلى ورد التي تجاور نجاة الجلوس فوق الأريكة بهدوء، وهي تنتظر مجيء رسمية للبدء في تناول مشروبهم سوياً. وما زاد حقدها عليها هو جلوسها بأريحية وملامح وجه يظهر عليها الارتياح والسكينة وكأنها أصبحت سيدة القصر الآمرة الناهية بعد السلطة التي أعطاها لها كل من رسمية وعثمان.
_ حاضر يا عمة، أنا هسمع حديثك وأطلع أغير هدومي وأنزل لجل ما أباشر على تجهيز الغدا في المطبخ.
إتسعت عينا رسمية نتيجة غضبها العارم وهتفت بقوة:
_ هو إنتِ يا مرة محساش بالمصيبة اللي وجعتي حالك فيها وطبجت على راسك؟ كيف هتنزلِ وتجعدي وسطنا من تاني بعد ما سكينة غدرك رشجت جوة قلوبنا كلياتنا يا حزينة.
وأكملت باستغراب:
_ وبأي عجل يا مرة يا خرفانة مفكرة إني هخليكي تخطي برجليكِ اللي تنكسر المطبخ من تاني، شيفاني مرة مدبوبة لجل ما أمن لك على وكل أولادي وأحفادي بعد العملة المنيلة اللي عملتيه في يزن؟
وأكملت بنبرة حادة:
_ مطبخ العيلة اتحرم عليكِ من اليوم اللي اتكشفت فيه خيانتك وخستك وجلة أصلك، ودي أوامر كبير العيلة يا واكلة ناسك.
كانت تستمع بقلب يشتعل غضبًا وهي تشاهد قذائفها التي تخرج من فم عمتها وتتجه إلى صدرها لتفتك به وتزيد من اشتعاله. فقد تحولت رسمية وأصبحت جلادتها التي تسعى دائمًا لتضليل حجمها أمام الجميع، بعد أن كانت الداعم الرئيسي لها والتي كانت دائمًا ما تستمد منها قوتها. وهذا ما تسبب في تجبرها وطغيانها على الجميع.
تحدثت إلى رسمية وهي ترمق ورد بنار شاعلة:
_ بلاش تحكمي عليا وتشمتي فينا اللي يسوي واللي ميسواش من غير ما تسمعي أسبابي يا عمة.
رمقتها ورد بنظرة حادة لعلمها أنها تقصدها لا غيرها بحديثها المهين. في حين هتفت رسمية بنبرة قوية:
_ اللي عملتيه ما يحتاجش تفسير يا أم عجل ناقص، واللي ما تسواش هي المرة اللي الغدر بيجري في دمها وفتنت ووجعت بين الإخوة وبعضيها.
ثم حولت بصرها إلى ورد وتحدثت بنبرة نادمة:
_ أنا دلوقتي عرفت الفرق بين الذهب الخالص الأصيل، وبين اللمعة اللي كانت بتضوي في الضلمة ومن خيبتي كنت فاكراها دهب خالص.
وأكملت وهي تحول بصرها إلى فايقة وهتفت بنبرة حادة ورمقتها بنظرات مشمئزة:
_ لكن طلعت لمعة صفيح ومصدية كمان.
نهرتها بشدة جعلتها تتحرك إلى الأعلى عنوة عنها بقلب يغلي من شدة اشتعاله بنار الغيرة. أما رسمية فتحركت بجانب ليلي وسحبتها إلى حجرتها كي تتحدثا بعيدًا عن الكل. واستها ونصحتها بحنان بالابتعاد عن أفكار والدتها التي ستقضي على ما تبقى بينها وبين يزن، وذلك بعدما احتوتها داخل أحضانها وشددت من ضمتها لتطمئن روحها. جارتها ليلي بحديثها لتجعلها تطمئن لها.
ثم تحركت إلى مسكن والدتها وقصت لها ما دار بينها وبين جدتها ووعدت والدتها أنها لن ولن تتخلى عن حقها في امتلاك قلب وجسد وروح يزن، ولهذا ستفعل كل ما بوسعها لتحصل على مبتغاها، مما أسعد فايقة لعدم تخلي وريثة عرش حقدها عن انتقامها وعدم التخلي عن الامتلاك المرضي. تلك الصفة المشتركة بين كلتيهما.
داخل المستشفى بعد الظهيرة.
تحركت صفا داخل غرفة الكشف الخاصة بدكتورة أمل، وقد أخبرتها بما يجري لها من تغيرات هرمونية وجسدية. أخبرتها أمل أن جميع البوادر تشير إلى حمل مؤكد ولكن يجب عمل فحص دم للتأكد.
سحبت منها عينة دم وأجرت فحصها وبعدها تحركت صفا لتباشر عملها من جديد. وبعد حوالي نصف ساعة تحركت أمل إلى مكتب صفا وجلست فوق المقعد تنتظر.
حيث كانت تجري فحص مريضة. انتظرت حتى خرجت الحالة وتوجهت إليها مباشرة لتزف لها البشارة وهتفت بنبرة حماسية:
_ مقولتليش يا دكتورة، نفسك في ولد ولا بنوتة رقيقة شبه مامتها؟
نزلت تلك الكلمات على قلبها البريء كهطول الماء على نبتة صالحة فأروتها وترعرعت وتراقصت أوراقها. هتفت بنبرة متلهفة:
_ إنتِ متأكدة من كلامك ده يا أمل؟
ثم وضعت كف يدها سريعًا فوق أحشائها وتحسستها بشعور غريب ولأول مرة ينتابها، شعور رائع لم تستطع كل الكلمات المكتشفة وصفه.
إقتربت أمل عليها وتحدثت بابتسامة سعيدة لأجل تلك الخلوق:
_ مبروك يا دكتورة.
رفعت وجهها إليها وتساءلت بعيون لامعة بفضل تجمع دموع السعادة بها:
_ البيبي عندي كام أسبوع يا أمل؟
أجابتها أمل بنبرة عملية:
_ السونار هو اللي هيجاوبك على سؤالك ده.
توجهت كلتاهما إلى غرفة الكشف. فحصتها أمل وأخبرتها أن جنينها يبلغ من العمر شهران مكتملان، أي أنه وُضع داخل رحمها منذ ما حدث بينها وبين محبوبها ليلة الزفاف.
إبتسمت بخجل.
نظرت صفا إلى الأمام بتفكر، وتذكرت المؤتمر الطبي المقرر إقامته بعد يومين داخل محافظة القاهرة والتي كانت قد أخبرت ياسر وأمل أنها ستعتذر عن حضوره وذلك لما بدأت تشعر به مؤخرًا من إرهاق شديد والخمول الذي غزا جسدها بالكامل. وهذا ما جعلها تقدم على قرار عدم حضورها المؤتمر الهام لها كطبيبة.
لكنها الآن قد قررت الذهاب بعدما أصبحت على دراية بما يحدث لها من تغيرات ولسبب أهم، وهو نيتها بمفاجأة حبيبها بوجودها أمام عينيه وإسعاده وهي تزفه له بشارة خبر قدوم من سيأسر قلبيهما ويجعلهما أكثر ترابطًا مما هما عليه.
هتفت بنبرة حماسية:
_ بجول لك يا أمل، أني قررت أسافر وياكم وأحضر المؤتمر بعد بكرة.
ضيقت أمل عينيها وأردفت باستفسار:
_ إنتِ مش بلغتينا إمبارح أنا وياسر إنك مرهقة ومش هتحضري، إيه اللي خلاكي تغيري رأيك بالسرعة دي؟
تنهدت بسعادة وأردفت شارحة:
_ حابة أعمل مفاجأة لجوزي وأشوف رد فعله وأنا بخبره عن الحمل.
قامت أمل بالإثناء على تفكيرها وشجعتها على اتخاذ الخطوة وهتفت بنبرة عملية:
_ أوكِ يا صفا، بس كده هنضطر نلغي تذاكر الطيران ونحجز في القطر المكيف، لأن الطيران خطر على الحمل في أوله.
وافقتها صفا الرأي، وغادرت المستشفى سريعًا وتحركت بلهفة لتخبر والدتها وهي في قمة سعادتها. أما ورد التي لم يسعها عالمها شدة فرحتها بهذا الخبر السعيد وقابلته بدموعها الساخنة. طلبت صفا من والدتها عدم إخبار والدها بهذا الخبر لحين سفرها إلى قاسم وإعلامه، ثم بعدها ستخبر الجميع.
وأتفقت مع والدتها ألا تخبر أحدًا من أهل المنزل وذلك لجعل سفرها مفاجأة لمتيم روحها. أخبرت والدها بسفرها للمؤتمر عبر الهاتف وذلك لتواجده خارج المنزل لمتابعة أعماله التي تتزايد وتتوسع بشكل كبير للغاية. أخبرته بذهابها للمؤتمر فقط وأخذت منه السماح وطلبت منه سرية الخبر. ثم تحركت إلى عثمان الذي كان يأخذ قسطًا من الراحة بحجرته وأخبرته بسفرها وايضًا أكدت عليه السرية التامة. وتحججت بعدم إثارة غضب وحنق فايقة وليلي عليها، وإثارتهما وافتعال المشاكل إذا علما أنها ستسافر لحضور مؤتمر خاص بعملها وذهابها بعد ذلك لمفاجأة قاسم. لكنها لم تخبره ولا أباها عن خبر حملها.
وافق عثمان بعدما اقتنع بحديث حفيدته الذي يتسم بالعقلانية وسعد داخلة لتطور علاقة صفا بقاسم وأثنى على تقربها لزوجها تحت خجل صفا الشديد من جدها.
بنفس التوقيت داخل مدينة القاهرة.
قررت إيناس اللعب مع قاسم بوضع خطة محكمة لاستدعاء مشاعره إليها من جديد كذي قبل، ولكن بطريق مختلفة وذلك بعد محاولاتها الكثيرة التي باءت جميعها بالفشل الذريع.
فحينها تأكدت أن لا أمل للوصول لقلبه عن طريق إثارة رجولته وإغرائه بأنوثتها.
فقررت اللعب على عقله من الاتجاه العملي. وبعد التفكير والفحص الدقيق استقرت على صيدها الثمين. ذهبت إلى شركة كبرى لصاحبها رجل الأعمال الشهير، الذي يدعى أمجد التهامي والذي لُفقت له من قبل منافسيه عديمي الشرف قضية إعطاء مبالغ مالية كرشوة لموظفين بالدولة.
مما ساء سمعته وأُلقي القبض عليه وتم معه التحقيق بحضور أكبر محامي اسمًا بالبلاد وما زال التحقيق جاريًا. وخرج بكفالة مالية كبيرة وبضمان محل إقامته. وقررت النيابة عدم السماح له بمغادرة البلاد لحين انتهاء التحقيقات وثبات التهمة أو نفيها عنه. مما جعله يغضب من محاميه ويطلب منه التحرك بأقصى سرعة وأن يفعل كل ما بوسعه كي يثبت براءته ويحسن من وضعه أمام الرأي العام.
طلبت إيناس من سكرتيرتها الخاصة السماح لها بمقابلته وأعطتها بطاقة التعريف الخاصة بعملها.
نظر بها أمجد وتحدث إلى سكرتيرته بلا مبالاة وهو ينظر داخل البطاقة مضيقًا عينيه:
_ إيناس عبدالدايم، ودي عايزة مني إيه دي كمان؟
أجابته بعملية:
_ ما أعرفش يا أفندم، كل اللي قالتهولي إني أبلغ حضرتك إنها محتاجة تقابلك ضروري بخصوص قضية حضرتك. وقالت لي أبلغك إن حل قضيتك عندها.
استغرب استماتتها لمقابلته ثم طلب منها أن تسمح لها بالدخول. دلفت وتحدثت وهي تبسط ذراعها إلى الذي وقف احترامًا لها:
_ سعيدة جدًا بوجودي قدام قامة عظيمة ومثل مشرف في عالم الأعمال زي حضرتك يا أمجد بيه.
أومأ لها باستحسان وتحدث بنبرة عملية جادة:
_ أهلًا أستاذة إيناس، ياريت تدخلي في الموضوع على طول نظرًا لوقتي الضيق.
أومأت له بتفهم وجلست بعدما أشار هو لها وتحدثت بنبرة واثقة:
_ كان الله في العون يا أفندم، على العموم أنا جاية ومحضرة كلامي المختصر لأني عارفة ومقدرة مشغوليات ووقت حضرتك الثمين.
وأكملت:
_ أنا جاية أأكد لحضرتك إن خيط حل قضيتك أصبح في إيديا.
أرجع ظهره للخلف وقضب جبينه ونظر لها بتتمعن واستغراب وهو يحرك مقعده يمينًا ويسارًا.
فأكملت هي بثقة عالية:
_ ما تستغربش حضرتك، أنا ليا أسبوع ببحث وبدور بطرقي الخاصة لحد ما وصلت لبداية الخيط، وتقدر تقول إن قضيتك أصبحت منتهية وفي انتظار اطلاع هيئة القضاء الخاصة بالقضية على الأدلة اللي هتخليهم يحكموا بالبراءة من الجلسة الأولى.
سألها بنبرة صارمة وملامح وجه جامدة:
_ إنتِ متأكدة من الكلام اللي إنتِ بتقوليه ده ولا جاية تعملي شو وتضيعي وقتي؟ بس قبل ما تتهوري وتجاوبي، إنتِ عارفة الأول إنتِ قاعدة قدام مين؟
وأكمل بنبرة تهديدية:
_ وعارفة لو كلامك ده طلع فنكوش أنا ممكن أعمل فيكِ إيه؟
تنهدت وأجابته بثقة:
_ أنا مش صغيرة ولا غبية يا أفندم عشان أجي ألعب مع حد بحجم حضرتك.
وأكملت بكبرياء وهي تتحدث عن قاسم:
_ أظن حضرتك سمعت عن مكتبنا، وعن اسم قاسم النعماني اللي كان حديث المدينة طول المدة اللي فاتت، وده بعد ما اترافع في قضية المستشار عصام مجدي اللي كان متهم بغسيل أموال، وبفضل جهوده وذكائه حولها لقضية رأي عام وكسبها بشرف ونزاهة في وقت قياسي.
تنفس عاليًا وأجابها بثناء:
_ وده السبب الرئيسي اللي خلاني أسمح لك بمقابلتي بعد ما السكرتيرة قالت لي إنك من مكتب قاسم النعماني.
تحدثت إيناس بتفاخر وهي ترفع قامتها للأعلى:
_ أنا مش مجرد محامية في مكتب قاسم النعماني، أنا زوجته وشريكته في كل نجاحاته اللي وصل لها.
واسترسلت حديثها بثقة عالية أعجبت أمجد:
_ وصدقني يا أمجد باشا، أنا لولا متأكدة إن براءة حضرتك هتظهر للعلن في خلال أسبوع واحد بس بعد تولي مكتبنا لها، ما كنت جيت لحضرتك وعرضت عليك إننا نتولاها.
وأكملت لتزيده من الشعر بيت:
_ ومش بس كده، إحنا هنكشف قدام الرأي العام كل شخص كان له يد في الخطة الدنيئة اللي اتعملت لتسويء سمعة حضرتك الطيبة، وهنرفع لك قضية رد شرف وتعويض مادي كبير.
تحدث إليها أمجد قائلاً بوعد:
_ عارفة لو الكلام اللي بتقوليه ده اتنفذ زي ما بتقولي، أنا هكافئك بمبلغ عمرك ما كنتِ تحلمي بربعه.
وأكمل بنبرة عملية:
_ اعتبري ملف القضية اتسحب من هشام عبدالجواد وأصبح على مكتب قاسم النعماني، وأنا هتصل بيه بنفسي وأخليه ييجي لي هنا عشان نتكلم في تفاصيل الواقعة.
سال لعابها وسعد داخلها من وعده وتحدثت قائلة:
_ المكافأة دي شئ مفروغ منه يا باشا، أنا بتعامل مع أمجد باشا التهامي، بس أنا ليا طلب خاص عندك.
أشار لها بالحديث فأكملت:
_ أنا عايزة حضرتك تأكد على أستاذ قاسم إني أشتغل في القضية دي معاه.
ضيق عينيه مستغربًا وهتف قائلاً:
_ حضرتك بتطلبي مني أتدخل وأطلب من جوزك إنه يشغلك معاه في القضية؟ مش غريبة شوية دي؟ وبعدين إزاي بتقولي إنك بحثتي ولقيتي طرف الخيط، إنتِ اشتغلتي على القضية بدون علمه ولا إيه؟
أجابته بنبرة قوية:
_ دي تفاصيل صغيرة مش عايزة أشغل حضرتك بيها، كل اللي ممكن أقولهولك إن أستاذ قاسم جاد جدًا في شغله وفاصل بين حياتنا الخاصة والشغل، وهو مؤخرًا حابب يبعدني عن مشاركتي له في القضايا عشان حياتنا الخاصة متتأثرش، ونقعد طول الوقت نتكلم عن القضايا حتى في البيت.
أجابها أمجد:
_ يظهر إن أستاذ قاسم راجل حكيم وبيحب الاستقرار المنزلي وبيحبك، بدليل إنه عاوز يعيش حياة هادية معاكِ.
إبتسمت بغرور وتحدثت بتأكيد مزيف:
_ ده حقيقي، لكن أنا مش حابة قراره ده وشايفة إن مشاركتنا في قضايا المكتب بتزيدني خبرة وتعلي من مكانتي واسمي في المكتب معاه.
اقتنع أمجد بحديثها الموضوعي وبالفعل هاتف قاسم وحدد له ميعاد وطلب منه اصطحاب إيناس رفقة معه مما أثار استغراب قاسم. ذهب بالفعل بصحبتها وبعدما اتفقا طلب منه مشاركة إيناس معه وبرر ذلك بأن إيناس لديها المعلومات، وصارحه بأنها هي التي أتت إليه وطلبت منه تحويل ملف القضية إلى مكتب قاسم، فلهذه الأسباب أصبحت مشاركتها بالقضية مشروعة.
في بداية الأمر رفض قاسم هذا الشرط بشدة. استغربها أمجد، لكنه وبعد إصرار أمجد عليها اضطر على الرضوخ والموافقة، نظرًا لما ستحققه هذه القضية من مكاسب معنوية وشهرة واسعة لمكتبه وتجعل من اسمه مرتفعًا فوق جميع نظرائه.
حقًا كان من الصعب على قاسم رفض شرط أمجد التهامي رجل الأعمال ذو الاسم الرنان والشهرة الواسعة والسمعة الطيبة. وما جعل قاسم يتنازل ويقبل بهذا الشرط هو سحب ملف القضية من مكتب قامة كبيرة في عالم المحاماة وإرسالها لمكتبه الذي لا يضاهي مكتب هذا المحامي الشهير. وهذا كفيل بأن يرفع اسمه لعنان السماء، وإنه لمن الغباء رفض تلك الفرصة التي أتت إليه على طبق من ذهب ولن تتكرر.