تحميل رواية «خائنة خلف جدران الحب» PDF
بقلم صفاء حسني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يا رهف آنتي يا بنتي اتفضلي طول اليوم فى الشارع اطلع يا بنتى انتى مش صغيره كانت رهف واقفة في الشارع، عينيها بتلمع وهي ماسكة العجلة من دراعها، وبتبص لمامتها. رهف يا ماما بالله عليكي.. عاوزة أركب العجلة، بس شوية.. دوري والله، كل الولاد لعبوا وأنا لسه! الأم يا رهف، إنتي طول النهار في الشارع! اطلعي بقى، إنتي مش صغيرة! رهف حاضر يا ماما.. الأم بطلي جدال! أقول لأبوك؟! أقسم بالله! رهف طيب أعمل إيه؟ مفيش بنات في سني ألعب معاهم.. سكتت الأم شوية، وبعدين ابتسمت وهي بتبص للبلكونة اللي جنبهم. الأم شايفة البنت...
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم صفاء حسني
فى مكتب الظابط - إضاءة خافتة، وأوراق مبعثرة، والصمت مسيطر إلا من صوت أنفاسهم.
محمد (والد مومن) قاعد قدّام الضابط، ماسك الموبايل القديم في إيده، وبيتكلم بصوت هادي لكنه مليان وجع:
محمد: تنهدت وأنا بفتح الرسالة الأخيرة... الرسالة دي مخرجتش من دماغي، ولا من قلبي... الرسالة الوحيدة اللي خلتني أبكي، رغم كل اللي شوفته.
الضابط - بيبص له باهتمام:
الضابط: رسالة من تركيا؟
محمد - يومي برأسه وهو بيطلع الموبايل ويفتح صورة الرسالة:
محمد: أيوه... شوف بنفسك. كانت بتقولي: "أنا ماليش ذنب... بس عاوزة أخلّي البلد دي آمنة، مش عاوزة غير أمي تعرف إني عايشة."
وفي الآخر كتبت: "لو في يوم وصلتلك الرسالة دي، اعرف إني حاولت بكل طاقتي أنقذ أرواح، حتى لو محدش عرفني... حتى لو أمي افتكرتني مت."
الضابط - بعد لحظة صمت، بص له بتركيز وقال:
الضابط: وإنت شاكك في مين؟
محمد - بصله بعين حزينة وقال:
محمد: هي بنت... كانت بتوصل المعلومة، كل مرة، من غير ما تطلب حاجة... لا اسم، لا أمان، لا مقابل.
الضابط - بهدوء وبنبرة رسمية:
الضابط: لو هي لسه عايشة، يبقى علينا نحميها مش نحاكمها. إحنا مش ضد حد بيحب البلد... بالعكس، دي رسالة أمانة، ولازم توصل.
محمد - اتحشرج صوته وهو بيكمل:
محمد: كل اللي عاوزه... أوصلها لأمها. مش طالِب غير كده.
الضابط - وهو بيقوم من مكانه ويمد إيده:
الضابط: هات كل اللي عندك... الرسائل، الأرقام، والتواريخ. وعد مني، هنوصلها... ونوصل أمها ليها.
مومن داخل الشقة، مرهق من الشغل، شايل شنط، يفتح الباب ويلاقي البيت هادي جدًا، بس مفيش أثر لرهف، ولا حتى ريحة أكل.
يحط الشنط، ويفتح التلاجة يلاقي كل حاجة بردة، يسحب موبايله ويتصل.
مومن (بحدة):
مومن: إنتي فين؟
رهف (بصوت عادي):
رهف: في النادي... مع ماما والبنات، قلت أغير جو شويه.
مومن (نبرة فيها خيبة أمل وديقة):
مومن: إنتي أم فاهمة؟ ولا مش فاهمة؟ كل يوم نادي... كل يوم خروج... والبيت فاضي! وأنا راجع من شغلي ملاقيش حتى لقمة أكل؟
رهف (بتحاول تضحك وتخفف الجو):
رهف: يا سيدي ماما كانت موجودة، ولما لاقتني متضايقة من ضغط العيال، قالتلي أخرج أغير جو... أنا مش بتهرب، بس فعلاً مبقدرش أتحمل لوحدي.
مومن (نفخ بضيق، وصوته بدأ يهدى بس فيه غُصة):
مومن: وأولادك؟ سايبهم لمين؟ إنتي عايزة تعيشي نفس العيشة اللي عيشتها؟ اللي اتربى من غير ما يحس بحضن أمه؟ إنتي حتى حرمتِهم من لبنك، وحاطّاهم على الصناعي، وطول الوقت والدتك هي اللي بتراعيهم...
رهف (بصوت منخفض لكن فيه غيظ):
رهف: هو ده اللي مضايقك؟ أنا مش مقصّرة، والأكل هيتسخن في خمس دقايق...
مومن (وقف، وبص لها بعيون مجروحة):
مومن: لا... اللي مضايقني إنك مش شايفة! بدأت أحس إني عايش لوحدي... حتى وإنتِ موجودة، بحس إنك مش هنا... فاكرة لما وعدتيني تتغيري؟ تبقي شريكة حياة... مش ضيفة!
رهف (ترد بخفوت):
رهف: أنا بحاول يا مومن...
مومن (قاطِعها وهو بيقوم واقف):
مومن: إنتي بتحاولي تحافظي عليا... بس مش علينا! فيه فرق كبير... وبينّا دلوقتي في مسافة... مسافة بتكبر كل يوم، وكل يوم بحس إنك مش شايفاها، أو يمكن مش فارق معاكي.
رهف (عيونها لمعت بالدموع):
رهف: يعني خلاص؟
مومن (اتنهد، ومسك موبايله وهو بيتجه ناحية أوضته):
مومن: أنا راجع أوضتي... مش قادر أتكلم أكتر من كده دلوقتي. اتصلي بمامتك تجيب العيال... أولادك بيضيعوا يا رهف، وفي يوم هيسألوك: كنتِ فين يا ماما...؟ ومش هيلاقوا إجابة.
يختفي مومن وراه باب الأوضة، ورهف تفضل واقفة في نص الشقة، مابين دموعها، وصوت بكاء التوأم اللي بيزيد من وجع قلبها.
رهف قاعدة على الكنبة، باين عليها الانهيار.
رهف مسكة موبايلها، بتتصل بمامته.
رهف (بصوت مكسور):
رهف: ماما... هآتى حياة وميرت بسرعة ... مومن قفل على نفسه راضي يتكلم معايا وزعلان انى رجعت من غيرهم ...
بعد شوية... يتفتح الباب، وتدخل الأم والأب، تبص الأم.
صوت التوأم بيبكوا.
رهف وتحتضنها وهي بتعيط، والأب واقف بيبص لها بعتاب.
رهف (في حضن أمها):
رهف: يا بابا... مومن بقى يكرهني... بيتهمني إني مش أم! وأنا والله بحاول...
الأب بيقرب منها وبيمسك إيدها، وبيقعد قدامها على الكرسي:
الأب (بهدوء لكنه حاسم): محدش قال إنك مش أم يا رهف... لكن كل اللي حواليك شايفين إنك مش جاهزة تبقي أم فعلاً... البيت، والطفلين، والزواج، مش لعبة... آه إحنا عارفين إن الحمل تقيل... وعارفين إن التوأم مش سهل... بس... إنتي اتعودتي على إن المسؤلية مش عليكي، كل ما تضغطي، تروحي النادي... تخرجي مع صحابك... حتى بعد الجواز، مديتيش لنفسك فرصة تتعلمي، ولا تبقي ست بيت.
رهف (بدموع):
رهف: أنا مش قصدي... بس أنا تعبت...
الأب (بصوت فيه مرارة):
الأب: التعب مش مبرر للتهرب يا بنتي... أنا وأمك كنا كل يوم نقول: رهف هتكبر، رهف هتتعلم... بس مفيش... الدلع فضل يغلب... وجيتِ الجواز، واستغليتي حب مومن ليكي... وسبتي أمك تشيل الحمل...
الأم (اتكسفت شوية):
الأم: أنا كنت بساعدها يا حاج...
الأب (بص لها):
الأب: كنتي بتساعديها؟ ولا كنتي بتبرري لها الكسل؟ فاكرة لما كنت أعاتبك وأقولك علميها تطبخ وتقوم بشغل البيت؟ كنتِ تقولي إيه؟
الأم (اتكسفت أكتر، بصوت واطي):
الأم: كنت بقولك... هو نفس الأكل، بس بدل ما نعمله لاثنين، نعمله لأربعة...
الأب (بحزم):
الأب: وهو ده اللي خلى بنتنا النهاردة مش قادرة تبقى أم... ولا زوجة... ومومن، رغم كل حبه، وصل لمرحلة مش قادر يشيل لوحده.
رهف (برعشة دموع):
رهف: أنا بحبه يا بابا... ومش عايزة أخسره.
الأب (بهدوء):
الأب: لو عايزة تحافظي عليه... ابتدي بنفسك. خدي خطوة حقيقية، مش وعود... مفيش جواز بيكمل على الحب بس... فيه جواز بيعيش بالمسؤولية، وبالوعي، وباللي يشيل مع اللي بيحبه مش فوقه.
الأم (حضنت رهف):
الأم: هنفضل جنبك يا حبيبتي... بس لازم تبقي قد بيتك... عشان ولادك... وعشان نفسك.
رهف سكتت، وبصت في الأرض، وعينيها بدأت تلمع بنظرة ندم مختلفة... نظرة بداية جديدة.
مومن قاعد لوحده على كرسي بلاستيك.
يدخل أبو رهف، ويقعد جنبه، بعد ما يطمن على بنته.
الأب (بهدوء وهو بيصبله كوباية شاي):
الأب: تشرب يا بني؟ ولا لسه متضايق؟
مومن (بيتنهّد):
مومن: مش زعلان يا عمي... بس تعبت... حاسس إني بشيل لوحدي.
الأب (بيهز رأسه بتفهُّم):
الأب: عارف يا مومن... وعارف كمان إن الحمل تقيل... بس فاكر أول مرة جيت تطلب إيد رهف؟ فاكر أنا قلتلك إيه؟
مومن (بص له بحذر):
مومن: قلتلي استنوا شوية... رهف لسه متدلعة ومتعتمد على أمها في كل حاجة، وده هيبقى ضغط عليك.
الأب (ابتسم بمرارة):
الأب: بالضبط... وإنت ساعتها وعدتني... قلتلي: أنا قدها... أنا اللي هعلمها تبقى زوجة... وهستحمل لحد ما تكبر وتفهم.
مومن (بص في الأرض، وسكت شوية):
مومن: كنت فاكِر إني هقدر... بس التعب كتر عليا.
الأب (بص له بنظرة أب مش بيعاتب، لكنه بيوجه):
الأب: أنا مش بلومك يا مومن... بس الراجل الحقيقي... مش اللي يشيل يوم ولا اتنين... الراجل اللي يشيل ويعلّم، ويصبر، ويعيد من أول وجديد... عارف إن رهف مدلعة... بس دلع البنت بيتقوّم بالحب، مش بالصوت العالي.
مومن (بص له بنظرة فيها شجن):
مومن: بس أنا حاسس إني لوحدي... هي حتى مبقتش تحاول.
الأب (بإصرار وحنية):
الأب: بتحاول يا مومن... بس بطريقتها... وبعدين، لو كل واحد فينا استنى شريك حياته يتغير لوحده، عمرها البيوت ما عمرت. إنت مش واخد واحدة جاهزة... إنت واخد بنتنا عشان تبني معاها... ولازم ترجع تبص لها بعين الراجل اللي حبها من البداية، مش بعين الراجل اللي تعب.
مومن (بهمس):
مومن: بس أنا فعلاً تعبت.
الأب (بيحط إيده على كتفه):
الأب: واللي بيتعب، يرتاح شوية... بس مايسيبش المركب تغرق. إنت رجل البيت... ولما الراجل يستسلم، الست بتضيع، والولاد بيتوهوا.
مومن سكت، وبص في الشارع، وعينيه بدأت تدمع شوية، كأنه بيعيد حساباته.
بعد ما دخلت رهف غرفتها بعدت رساله ل إيمان، وحكيت كل حاجه حصلت.
ارسلت رساله ايمان:
إيمان: يا رهف... أنا عارفة إن الدنيا دايرة بيكي، وحاسة إنك تايهة شوية... بس عايزة أقولك حاجة من قلب واحدة بتحبك... لو بتحبي مومن بجد، لازم تتعلمي تعيشي معاه... مش تعيشي جنبه. كل واحد فينا عنده عيوب، بس الفرق إن اللي بيحب بيحاول، وبيتعلم، وبيتغير مش عشان حد بيجبره... لأ... عشان مش عايز يخسر اللي بيحبه. وإنتِ يا رهف... جميلة، ونضيفة القلب، وكلنا عارفين إنك مدلعة شوية، بس ده مش عيب... العيب إنك تفضلي كده وما تحاوليش. أنا معاك... عايزة أطبخ؟ أصورلك كل خطوة... مش عارفة تهتمي بالبيت؟ أقولك تعملي إيه يوم بيوم... وإن شاء الله هرجع، وأكون معاكي، بس لحد ما ده يحصل... كوني إنتي الست اللي مومن يستاهلها. جميلك على راسي... وواجب عليا أساعدك تبقي أحسن... مش بس علشانك... علشان ولادك... علشان بيتك... وعشان الحب اللي بينكم مايضيعش.
الظابط محمود: مسؤول التحقيق في قضايا التنظيم.
اللواء سالم: مسؤول كبير.
محمد محسن: والد مومن.
أحد المحققين.
الضباط المكلفين بمتابعة خيوط القضية.
الظابط محمود (بتركيز):
الظابط محمود: كل الرسايل دي، من رقم مجهول واحد... من أكتر من سنتين، وبتسبق كل عملية إرهابية بيوم أو ساعات. واللي أغرب... إن المعلومات كانت دقيقة، بالمكان والساعة، وحتى أسماء الشهداء أحيانًا. دي مش مجرد تحذيرات، دي شغل استخباراتي نظيف.
اللواء سالم (بصوت حاسم):
اللواء سالم: يعني متأكد إن المصدر دا كان من جوه التنظيم؟
الظابط محمود:
الظابط محمود: مش بس من جوه... دا كمان بيحاول يفككه من جواه. وبحسب تتبعنا... آخر رسالة جت من تركيا... وبعدين كل حاجة وقفت.
محمد محسن (وهو بيقلب في رسايل ورقية):
محمد محسن: أنا مشفتهاش... لكن حاسس إني عرفتها... في مرة جاتلي رسالة بتقولي: "أنا ماليش ذنب، بس نفسي البلد تكون آمنة... ونفسي أمي تعرف إني لسه عايشة." من يومها... الرسائل وقفت.
اللواء سالم (ينظر له باهتمام):
اللواء سالم: اسم البنت؟
محمد (بصوت متردد):
محمد: اسمها إيمان... وكانت قاصر لما غرروا بيها... بس كل الرسايل بتثبت إنها مش إرهابية، بالعكس... كانت بتحاول تنقذ البلد.
الظابط محمود:
الظابط محمود: عملنا تقاطع لكل المعلومات اللي جت في رسايلها مع ملفات العمليات اللي حصلت... فعلاً أنقذت أرواح كتير. قبضنا على ٧٠٪ من قيادات التنظيم بفضل الرسايل دي.
اللواء سالم (بحسم):
اللواء سالم: يبقى نفتح ملفها الرسمي... ونتأكد من هويتها المصرية... ونرجّع حقها.
الظابط محمود (بصوت منخفض):
الظابط محمود: في مشكلة... إثبات جنسيتها خد وقت، مفيش أوراق رسمية معاها... لا بطاقة ولا جواز، لأنهم أخدوها وهي طفلة من أهلها وغسلو عقلها...
محمد (بصوت فيه وجع):
محمد: يعني هتفضل هناك؟
الظابط محمود:
الظابط محمود: لا... بس محتاجين نتحرك بسرعة... نرجعها، مش بس كحق ليها، دا كمان للي قدمته للبلد. البنت دي لو كانت خافت... كانت ضاعت معاهم.
اللواء سالم:
اللواء سالم: رجّعوها... وخلوا الدنيا كلها تعرف إن في بنت مصرية... أنقذت بلدها من بعيد، وهي في حضن عدوها.
بعد شهور من البحث والقبض على أعضاء التنظيم... وصل لإيمان استدعاء رسمي من السفارة المصرية في أنقرة، مكتوب فيه:
"برجاء التوجه فورًا إلى السفارة المصرية... للاستجواب والمتابعة الأمنية."
قلبها كان بيرفرف، إيدها بتتهز، وعينيها بتهرب من أي عين تقابلها...
كانت ماشية في الشوارع التركية بخوف، وبتفكر:
"هو ده الطريق لنهايتي؟ ولا لبداية تانية؟ يعني بعد كل اللي عملته... هيتحاسبوني؟ ولا هيصدقوني إني كنت بحاول أحمي بلدي؟!"
داخل السفارة، في غرفة التحقيق:
ضابط الأمن المصري بصّ ليها بنظرة فاحصة، وفتح الملف الضخم اللي قدامه.
الضابط (بنبرة هادية بس حاسمة):
الضابط: إيمان محسن عبد الغفار؟ مصريّة، ٢٦ سنة، مقيمة في غازي عنتاب، مشتبه في انتماء سابق لتنظيم إرهابي... وفي نفس الوقت... في رسايل من رقمك أنقذت أرواح، وكشفت عمليات.
إيمان (بصوت مرعوب وواطي):
إيمان: أنا... أنا كنت مجبورة... بس عمري ما خنت مصر... كل رسالة بعتها كانت وأنا قلبي بيتقطع... أنا كنت واحدة منهم من برّا... بس من جوّا، كنت مصر كلها.
الضابط (بعد لحظة صمت):
الضابط: عايزين نسمع قصتك... كاملة. من أول لحظة دخلتي فيها التنظيم... لحد آخر رسالة بعتّيها.
إيمان (وهي بتشد نفس عميق):
إيمان: هقولكم كل حاجة...
الضابط المصري (وهو بيبص في الملف):
الضابط المصري: احكيلي يا إيمان... إزاي وصلتِ لده؟
إيمان (بصوت مبحوح وعنيها بتلمع):
إيمان: أنا ما اخترتش أكون بنت أبويا... هو كان في التنظيم، وأنا من صغري ماشية ورا أوامره... كنت لسه مخلّصة الثانوية، فجأة قالولي اتجهزي... اتجوزت دكتور، وكتبوا كتابي وسافرنا على سوريا... غصب عني.
الضابط (بيهز راسه ويفتح ورقة تانية):
الضابط: وفين جوزك الدكتور؟
إيمان (بتتنهد بمرارة):
إيمان: سمعت إنه استُشهد هناك... في معركة ضد جيش بشار... بس ما شفتوش من يوم ما نزلنا المعسكر.
الضابط (بهدوء):
الضابط: ووالدك؟
إيمان (هزت راسها بالنفي):
إيمان: مات... لما افتكر إني استُشهدت... كان شايفني نقطة شرفه، ولما فقدها، فقد حياته.
الضابط (وهو بيقلب في ملف تاني):
الضابط: في تحليل البصمة أثبتتي إنك مصرية، بس محتاجين دليل تاني... عملتي كشف طبي في مصر؟
إيمان (بثقة مهزوزة):
إيمان: آه... في المدرسة، وكمان كشف قبل الجواز... كان فيه تحليل دم كامل.
الضابط (واقف وبيقرب منها):
الضابط: يعني انكتب كتابك في مصر؟
إيمان (بإيماءة هادية):
إيمان: آه... قبل ما يسفروني، كتبوه بسرعة وخرجت... من يومها وأنا بين نارين... مش عارفة أنقذ نفسي ولا أنقذ بلدي.
الضابط (وهو بيقفل الملف ويقوم):
الضابط: تمام... هنعمل تحاليل تكميلية، ونراجع كل ورقك، وإذا اتأكدنا... هترجعي مصر.
باب شقة والدة إيمان بيخبط بخفة...
الست الكبيرة بتفتح وهي مش متوقعة أي زائر.
تلاقي بنتها واقفة قدامها... وشها متغير... نحيف، لكن عينيها زي ما هي... نفس العيون اللي كانت بتدعي تشوفها يوم واحد بس.
إيمان (بصوت مكسور):
إيمان: ماما... أنا رجعت.
الأم (بهمس، مش مصدقة):
الأم: إيمان؟... إيمان؟!
تترعش رجليها، وتحط إيدها على صدرها... وتوقع في حضن بنتها، ويغمى عليها من الفرحة.
إيمان (بفزع):
إيمان: مامااااا!!
إيمان بتجري وهي بتسند والدتها على تروللي إسعاف، بتلهث ودموعها ما بتقفش.
الممرضين بياخدوها بسرعة على الطوارئ... في نفس الوقت، في نفس المستشفى...
رهف كانت خارجة من غرفة التطعيم، شايلة حياة، ومومن شايل مراد.
رهف (بتكلم الممرضة):
رهف: الحقنة خفيفة؟ عشان مراد بيعيط.
الممرضة (بابتسامة):
الممرضة: ما تخافيش، كل حاجة تمام.
وفجأة... رهف تشوف من بعيد... حد بيجري في الطرقة... وشخصين على تروللي، واحدة شابة منهارة...
رهف بتضيق عينيها... ووشها بيتغير.
ترفع إيدها تحجب الضوء وتبص كويس...
"إيمان؟!!"
رهف بتتجمد في مكانها، وبعدها تبص لمومن اللي مش واخد باله، وتهمس لنفسها بخوف:
رهف: يا رب ما يشوفها...
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم صفاء حسني
اقتربت رهف من مومن وسلمته الطفلين وقالت:
"حبيبي معلش ممكن تسبقينى على العربية؟ هسأل على حاجة وهرجع بسرعة."
يتفهم مومن ويأخذ أطفاله ويتجه إلى العربية، ويضع الشنط إلا فيها الأطفال في الكرسي الخلفي.
عند رهف، تجري ناحيتهم، وتلاقي أم إيمان فوق سرير في حالة مستقرة، وإيمان قاعدة جنبها، ملامحها مرهقة، ووشها غرقان دموع.
رهف (وهي داخلة بصوت باكي ومش مصدقة): "إيمااااان!!!"
إيمان تقوم بسرعة، وعيونها تدمع من جديد، تحتضنها بقوة.
رهف (بأحضان ودموع): "وحشتيني... أقسم بالله وحشتيني. أنا آسفة، جوزي هنا، وإنتِ عارفة طبعه ومينفعش يشوفك فجأة. بس والله... والله مشتقالك من قلبي."
إيمان (بهدوء وهي تهز رأسها): "فاهمة يا رهف... كفاية إنك هنا... كفاية حضنك ده."
والدة إيمان (بصوت ضعيف وهي بتفتح عينيها): "ده مش حلم؟ إنتي رجعتيلي بجد؟"
إيمان (بابتسامة دامعة): "رجعتلك يا أمي... وربنا ما يحرمنا من بعض تاني."
رهف تمسح دموعها وتبوس إيد الست الكبيرة: "الحمد لله إنك بخير... أنا هروح دلوقتي عند مومن قبل ما يقلق... بس هرجعلكم تاني... ومش هسيبك يا إيمان."
رهف قاعدة جنب مومن في العربية، ماسكة شنطة فيها حاجات التوأم، وباين عليها متوترة شوية... تتنحنح وهي بتحاول تفتح الكلام.
رهف (بهدوء): "ممكن أطلب منك طلب؟"
مومن (وهو سايق، ومركز في الطريق): "خير؟"
رهف (بصوت واطي): "أنا كنت بفكر... التطعيم ممكن يعمل سخونية لحياة ومراد... وأنا مش هعرف أتعامل لوحدي، خصوصًا لو الاتنين تعبوا مع بعض."
مومن (بصوت عادي، من غير ما يبص لها): "ماشي... يعني؟"
رهف (بتبص له في خجل): "كنت بفكر أروح عند ماما... أقعد هناك النهاردة. هي أكتر واحدة هتعرف تساعدني، ولو حد سخن أو تعب، هتبقى موجودة جنبي."
مومن (يتنهد بهدوء وهو بيعدل المراية): "إعملي اللي يريحك، رهف."
رهف (بسرعة وهي بتحاول تمسك الفرصة): "بجد؟ شكراً... أنا عارفة إنك تعبان، بس ربنا يجازيك خير."
مومن (بصوت خافت): "ربنا يجازينا كلنا..."
رهف (بتحاول تغيّر الجو، وتضحك ضحكة خفيفة): "أوعدك لو تعبوا مش هصحيك، ماما هتسهر معايا."
مومن (بنظرة شبه مرهقة): "أنا مش مزعلني السهر يا رهف... مزعلني إننا بقينا كل واحد في مكان."
سكتت رهف للحظة، وفضلت تبص من الشباك... ما قدرتش ترد... لكنها حست بقلبها بيتكسر وهي شايفة قد إيه المسافة فعلاً كبرت ما بينهم.
---
العربية بتقف قدام بيت أهل رهف.
مومن ينزل يفتح الباب الخلفي وياخد شنطة الأطفال، ويسلمها لمامتها اللي كانت مستنياهم.
رهف نازلة وهي شايلة حياة، وميرت نايم في الكاري كوت.
تبص لمومن قبل ما يدخل العربية تاني.
رهف (بصوت ناعم): "هكلمك أول ما يناموا."
مومن (بيومّي لها براسه): "خلي بالك من نفسك... ومنهم."
يركب عربيته ويمشي، وهي واقفة تبص وراه، وبين قلبها اللي بيضرب من خوف اللحظة... وبين مشاعر ما بقتش عارفة توزنها.
---
رهف قعدت على طرف السرير، بعد ما نام التوأم... قلبها مشغول، ومخها مش قادر يهدى من ساعة ما شافت إيمان.
مسكت موبايلها، وفتحت الواتساب، ودوس على اسم "إيمان"، وبدأت تسجّل بصوت فيه عتاب خفيف واشتياق.
رهف (بصوت منخفض، فيه زعل): "إيمان... إزاي ترجعي ومتعرفينيش؟ أنا شفتك بالصدفة في المستشفى، تخيّلي! ولا رسالة... ولا حتى تليفون؟"
تسكت لحظة، وتاخد نفس، وتكمل بنبرة حنينة شوية: "أنا عارفة إنك أكيد مشغولة... بس والله اتصدمت... اتصدمت إني شوفتك فجأة، ومش عارفة حتى إمتى رجعتي ولا إنتي فين دلوقتي؟ فينك يا إيمان؟"
تبعت التسجيل، وتفضل تبص للموبايل مستنية الرد... قلبها بيخبط، كأنها بتكلم أخت غايبة عنها بقالها سنين. وكمان خايفة لو مومن شافها إيه العمل يفتكرها وإلا.
في اللحظة دي، تطرد كل أفكارها، عينها تدمع شوية من الشوق، من إلا جاية وتحس قد إيه كانت محتاجة إيمان جنبها، خصوصاً الأيام دي. لكن خايفة من بكرة.
---
🎧 تسجيل صوتي من إيمان لرهف:
"رهف... ياااه، والله ما تتخيّلي قد إيه قلبي وجعني وأنا سمعت تسجيلك. بس سامحيني... سامحيني يا أختي إني حطيتك في موقف زي ده... أنا والله ما كان بإيدي."
(صوتها بدأ يرتجف شوية، تحاول تهدى وتكمل):
"أنا من يوم ما دخلت سفارة مصر في تركيا... وأنا من أمن لأمن، ومن تحقيق لتحقيق... مرة مع الأتراك، ومرة مع المصريين، كل شوية ياخدوا تليفوني، ما كانش معايا وسيلة أكلم بيها حد. حتى وأنا راجعة مصر، كنت على أعصابي... معرفتش أتنفس غير لما وصلت المطار."
(تسكت لحظة، كأنها بتلم نفسها):
"والله العظيم لسه راجعة من ساعة يا رهف، ساعة بس... وحتى ماما لما شافتني، ما صدقتش... وقعت من طولها، ضغطها عالي، وكان لازم أنقلها المستشفى فورًا."
(تتنهد بصوت خفيف):
"أنا آسفة، آسفة جدًا... بس والله أول ما الدنيا تهدى شوية، هاجيلك... وآخد حضن يشيل تعب السنين دي كلها. وحشتيني أوي يا رهف... وحشتيني أوي."
---
بعدت تسجيل صوتي رهف لإيمان:
"يا قلبي إنتِ... أنا اللى آسفة، والله، سامحيني إني زعلت انى كنت ف لحظة مجبورة اسيبك. تنهدت ايمان بقلق. عارفة كويس إنك عمرك ما هتغيبي عني من غير سبب، وإنك دايمًا بتحملي الدنيا لوحدك. بس يا رهف ... صوتك وجعني، حاسة بيك انك قلقان."
(نبرة صوت رهف ب قلق):
"طنط عاملة إيه دلوقتي؟ طمنيني عليها، ضغطها نزل؟ وانتوا لسه في المستشفى؟ ولا رجعتوا البيت؟ لو محتاجة أي حاجة، حتى لو تيجي تباتي هنا، قولّي، والله أجي لك فورًا."
شكرتها ايمان وقالت:
"لا يا قلبي متتعبيش نفسك كفاية عليك التوأم ربنا يعينك."
---
تتنهد رهف: "وحشتيني يا إيمان، مش عارفة أقولك قد إيه... أنا كنت محتاجة أشوفك من بدري، محتاجة حضنك، محتاجة صديقتي اللي عمري ما حسّيت بالأمان غير معاها... قولّي آنتِ فين وانا جاية فورًا... هسيب التوأم مع ماما وهاجى أطير ليكِ... مش قادرة أبعد أكتر من كده."
---
🎧 تسجيل صوتي من إيمان (بحنان وحزم):
"لااا يا بنتي، متتعبيش نفسك ولا تسيبي الولاد... ماما بقيت أحسن والحمد لله، والدكاترة طمنونا... وإحنا في طريقنا دلوقتي، وهعدي أنا وماما على طنط... مش قادرة أتأخر أكتر، وحشتوني كلكم."
---
🎧 تسجيل صوتي من رهف (بضحكة دافئة):
"فكرة حلوة أوي... منتظراكوا يا أغلى حد في حياتي... هجهزلك الشاي اللي بتحبيه، وحضن كبير أوي مستنيكي..."
---
في مكتب مومن - الساعة قرّبت على العصر.
كان مومن قاعد على مكتبه، سايب القلم من إيده، وعينيه تايهة في نقطة مش موجودة أصلًا... زهقان، ومش عارف هو زهقان من إيه.
عدى عليه زميله "نادر"، ومد إيده بكوباية قهوة.
نادر (بابتسامة): "اتفضل... قول بقى، مالك؟ شايل هموم الدنيا على دماغك ليه؟"
مومن (ابتسم بفتور): "مفيش هم... أنا تمام، والله."
نادر (بص له شوية وسحب الكرسي وقعد جنبه): "عينك في عيني كده... إنت يا ابني طفشان دايمًا من البيت... بتسهر هنا أكتر ما بتسهر مع مراتك! أنا كنت زيك... مخنوق، خصوصًا بعد أول بيبي جالي. الست كانت كل اهتمامها للبنت، وكنت حاسس إني بقيت ضيف في بيتي!"
مومن (استغرب وهو بيعدل قعدته): "طب عملت إيه؟ يعني مش فاهم..."
نادر (ابتسم وهو بيرتشف من القهوة): "عدّلت المسار يا صاحبي... قلت بدل ما أسيب نفسي للزهق، أعمل حاجة لروحي... رُحت اشتغلت شغل إضافي."
مومن (رفع حاجبه): "استغفر الله العظيم... شغل إيه؟! إحنا نعصي ربنا يعني؟!"
نادر (ضحك): "يا عم هو أنا كفرت؟ قصدي شغل محترم... إضافي فعلاً... بقيت بدرس في كليات التعليم المفتوح. الناس اللي بتكمل تعليمها متأخر... الكبار اللي نفسهم يدخلوا الجامعة، والطلبة اللي محتاجة دعم في الحقوق..."
مومن (نبرته اتغيرت واهتمامه زاد): "بجد؟! يعني لسه في ناس بتبدأ تعليم في سن كبير؟"
نادر (بحماس): "آه، وبتشوف الفرحة في عيونهم... كبير صغير، كلهم بيجاهدوا عشان يتعلموا... ولما بقعد معاهم بحس إني رجعت طالب تاني... بفرح من قلبي... وفرقت كتير معايا في علاقتي بمراتي وببيتي... بقيت بهدى، وبطلت أدور على العيب فيهم. لقيت نفسي بعيش وبتعلم وأفيد غيري."
مومن (بصله بإعجاب خفي): "أول مرة أحس إن لزهقي ده حل... غير الزعيق أو البُعد. شكلك فهمت اللعبة قبلنا بكتير يا نادر."
نادر (ضحك وضرب على كتف مومن): "البيت مش حرب، والمرة مش خصم... دي شريكة، بس أوقات الشراكة محتاجة صبر وتوازن. ولو كل راجل فَضَّل يهرب بدل ما يفكر، محدش هيبني حاجة."
مومن (وهو بيضحك نص ضحكة): "طيب خدني معاك... أقدّم وراهم في الجامعة... يحطوني في أي تخصص حتى لو تنظيم المرور!"
نادر (انفجر ضحك): "هههههه يا راجل! لا متقلقش... لسه ماوصلتش لمرحلة تنظيم المرور! ده إنت عامل دراسات عليا وماجستير كمان، وفاكر كويس إنك كنت ناوي تدخل مجال النيابة زمان؟ يبقى ليك مكان مخصوص."
مومن (بص له بدهشة وفرحة خفيفة): "يعني... ينفع؟"
نادر (بثقة): "ينفع وبزيادة... وبصراحة؟ هينور المكان بيك."
مومن (ضحك وهو بيقف): "طب إيه رأيك... تأخدني من دلوقتي؟ أنا عايز أبتدي الرحلة دي بجد... يمكن تخليني أرجع لروحي تاني."
نادر (قام جنبه وربت على ضهره): "إوعى تكون فاكر إننا اتخلقنا نعيش نشتكي وبس... الحياة فيها باب تاني دايمًا، وإنت دلوقتي بتفتحه."
مومن (اتنهد وهو بيلم ورقه): "وأهو أهو يمكن كمان مراتي تفتكرني بقى... مش بس لما أولادنا يعيّوا!"
نادر (بضحكة واسعة): "ادعي إنها كمان تراجع نفسها... بس البداية منك. وريني الهمة يا بطل!"
---
دخل مومن الشقة بهدوء... حط المفتاح على الكومود، بص حواليه... الصمت كان مالي المكان... ولا صوت رهف، ولا ضحكة "حياة" أو بكاء "ميرت".
مومن (بنفسه، وهو بيقلع الجاكيت): "آه... نسيت إني أنا اللي قلتلها تروح تقعد عند ماما النهاردة... التطعيم وكلامها إن التوأم بيتعبوا بعدها."
قعد على الكنبة، مد إيده على الطاولة، شال الكوباية، وبص فيها كأنه بيدور على حاجة تهوّن عليه.
مومن (بصوت هادي): "الوحدة تقيلة أوي... حتى وأنا متجوز... رجعت ألاقي البيت فاضي... وأنا اللي كنت بفتكر الجواز يعني حضن دافي وصوت ضحك ولمة... بس يمكن... يمكن أنا استعجلت."
سكت لحظة، وبص للسقف، كأنه بيحاور حد مش شايفه.
مومن: "يمكن حمايا كان عنده حق... كنا لسه صغيرين، لا هي كانت مستعدة تبقى أم، ولا أنا كنت جاهز أكون زوج وأب في نفس الوقت. بس برضو... مش قادر أنسى اليوم ده... يوم ما وقفت قدامي... أدام الرصاصة... مش قادرة أخرج المشهد ده من دماغي."
(اتنهد تنهيدة طويلة وهو بيقفل عينه): "كانت ممكن تموت... كانت ممكن الرصاصة تجيلي أنا... بس هي اختارت تحميني... يعني مينفعش أرمي تعبها كله عشان شوية دلع ولا غلطة."
قام ببطء، راح ناحية أوضة الأطفال، بص من فتحة الباب... فاضيين السريرين.
مومن (بابتسامة باهتة): "حتى العياط بتاعكم وحشني... أنا فعلاً لازم أصبر... محدش كامل... وأنا كمان مش ملاك."
قفل باب الأوضة برفق، ورجع يقعد، مسك تليفونه وفتح صور لأول لحظة شاف فيها "حياة" و"ميرت"، وصورة تانية لرهف وهي بتضحك بكل طيبتها.
مومن (بصوت خافت): "ربنا يديني طولة البال... وأنتِ يا رهف... ارجعي بكره، البيت ناقص من غيركم."
---
كانت قاعدة رهف وإيمان في البلكونة.
النسيم كان بيهف على وشهم، والسكوت مالي اللحظة... رهف قطعت الصمت وسألت بابتسامة خفيفة:
"نويتي على إيه بقى يا ست إيمان؟ رجعتي خلاص... وهترجعي لحياتك؟"
إيمان بصت قدامها، والشجر مع لمعة الشمس، وتنهدت تنهيدة طويلة فيها وجع وراحة:
"هكمل تعليمي... سمعت إن نظام الجامعة المفتوحة اتفتح للناس اللي معاهم شهادة الثانوية... وأنا معايا... وقررت أقدم." وكمان اشتغل.
رهف (باندهاش وفرحة): "بجد؟! طب ده خبر يفرح! ياااه، انتى كنت من المتفوقين وهتنجح."
إيمان (ضحكت ضحكة هادية): "كنت لكن خايفة ل منجحش. أنا عشت ظلم وكنت محرومة من حاجات كتير، بس عمري ما حرمت نفسي من الحلم. وسنين كتير كان كل أملي إني أرجع مصر... وأكمل. دلوقتي الحلم بقى له رجلي يمشي بيها."
رهف (بصت لها بحب): "وإنتِ هتمشي، وهتوصلي... وأنا أول واحدة هصفقلك يوم ما تلبسي الروب وتتخرجي."
إيمان (نظرت لها بامتنان): "وجودك جنبي يا رهف نعمة... أنا مش بس هرجع أتعلم، أنا..."
إيمان (بابتسامة كلها دفء): "وهرجع أعيش... وكمان هساعدك ترجّعي جوزك ليكي... ويرجع الحب ما بينكم زي الأول وأحسن."
رهف (بصت لها بدهشة ودموع صغيرة فى عيونها): "إزاي؟ تقدري؟ بعد كل اللي حصل؟"
إيمان (هزت راسها بثقة): "طبعا... أنا عارفة إنك بتحبيه... وعارفة إنك غلطتي بس مش عن قصد، دلعك زيادة شوية... بس القلب لسه بينكم، وأنا هساعدك تفهميه وتحسي بيه... هعلمك تهتمي بيه بطريقتك، وأعلمك تطبخي له اللي بيحبه، وتخلي البيت دافي وهادي، وتخليه يرجع يشتاق يرجعلك كل يوم..."
رهف (ابتسمت بحب): "وهو فعلا بقى يبعد... وبقيت حاسة إني خسراه..."
إيمان (مسكت إيديها): "ومش هتخسريه طول ما أنا جنبك... هنتعلم سوا، ونكبر سوا، ونعيش سوا... وبإذن الله مش هعدّي سنة إلا وانتي وهو بتضحكوا من قلبكم، وحياة وميرت حواليكم بيهزروا."
رهف (بحب ودموعها نزلت): "ربنا ما يحرمنيش منك يا إيمان... انتي دايمًا أمان."
---
إيمان قاعدة جنبها في العربية، لمّة عليها شال خفيف، بتبص لرهف اللي بتعدل طرحتها بسرعة.
إيمان (بابتسامة فيها تشجيع): "أوعِى تتراجعي… دي لحظة رجوعك مش للبيت، لقلبه."
رهف (بتتنفس بعمق): "يا رب… ساعدني."
إيمان (وهي بتلمس إيدها): "قولي له وحشتني… زي ما كنتي بتقوليها زمان… بسيطة، بس بتدخل القلب."
[رهف تفتح باب البيت بهدوء]
البيت في هدوء تام، نور خافت، الساعة متأخرة.
تتسلل بخطوات ناعمة، تروح على أوضة التوأم، تنيمهم تبص عليهم وهما نايمين، وتغطيهم بحنان.
رهف واقفة قدام التسريحة، بتخلع حجابها ببطء، شعرها ناعم ومتسشور، ملموم من الطرف بستايل بسيط وأنثوي.
تلبس قميص نوم ناعم، لونه هادي، مش فاضح لكنه أنيق، وتبص لنفسها في المراية بتوتر بسيط… وبعدين تبتسم لنفسها بتشجيع.
[تدخل الأوضة، تلاقي مومن نايم على السرير، مستلقي على ظهره، عيونه نص مفتوحة من صوت الباب]
منطفأ الأنوار، تاركةً فقط ضوء القمر يخترق ستائر الشرفة.
جلس مومن على الأريكة، وجهه شاحبٌ من التعب والإرهاق.
اقتربت رهف منه بخطواتٍ هادئة، عيونها تحمل بحرًا من المشاعر.
وضعت يدها بلطف على كتفه، ثمّ احتضنته بقوة، دافئةً إياه بحنانها.
ارتعشت جسد مومن بين ذراعيها، وكأنّ حضنها هو ملاذه الوحيد من عاصفةٍ عاتية.
شهق شهقةً خفيفة، ثمّ غرس وجهه في شعرها، مستنشقًا عطرها الذي طالما اشتاق إليه.
همست رهف في أذنه بكلماتٍ هادئةٍ حانية: "أنا هنا، لا تقلق".
رفع مومن رأسه، نظرتها في عينيه، رأى فيها كلّ ما يريده: الأمان، الحب، والأمل.
مسح بيده على خدها بلطف، ثمّ قبلها قبلةً طويلةً رقيقة، كأنّها تعبر عن كلّ ما لم يستطع قوله.
في تلك اللحظة، اختفت كلّ همومه، لم يبقَ إلاّ هو وهي، في عالمٍ خاصٍّ بهما، مُحاطٌ بحبٍّ عميقٍ لا يُوصف.
جلسا معًا، متلاصقين، يشعران بدفءِ اللحظة، وهدوءِ الروح.
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم صفاء حسني
صباح جديد، الجو دافئ، والشمس طالعة بنورها الهادي.
صحى مومن وهو حاسس براحة وسعادة بعد ليلة دافية كان مفتقدها من شهور طويلة. لف وشه على السرير وهو بيبتسم، بس ملاقاش رهف جنبه.
نهض من على السرير، دخل الحمام خد شاور سريع، وبدأ يلبس هدومه عشان يروح الجامعة.
وهو بيلبس، حس بفضول وقلق بسيط، خرج من الأوضة يدور عليها. لقاها في أوضة الأطفال.
كانت قاعدة على الأرض، ضهرها للحيط، وشعرها مفكوك وبينزل على كتفها، وعينيها مغمضة من التعب. شايلة "مراد" بإيد، و"حياة" نايمة على رجلها التانية. الاتنين بيزحفوا حواليها وهم بيضحكوا بصوت واطي، وهي مغمضة نص غمضة كأنها بتقاوم النوم.
وقف مومن بعيد وفضل يتأمل المشهد. قلبه اتقبض.
سند راسه على الحيطة، وقال بصوت واطي:
"قد إيه بتتعب... وأنا اللي كنت شايف إنك مقصّرة!"
بهدوء خرج من الأوضة، وفتح موبايله، وبدأ يتصل بوالدتها. صوته كان باين عليه التقدير:
"ماما، ممكن تيجي النهارده تقعدي مع رهف شوية؟... هي محتاجة حد يسندها."
رهف كانت سامعاه، دمعة خفيفة نزلت من عينيها، بس كانت دمعة فرح. ابتسمت وقالت لنفسها:
"كويس... أخيرًا حاسس بيا."
سمعت صوت الباب بيتقفل وخرج مومن، وساعتها بسرعة خدت موبايلها واتصلت بإيمان.
رهف:
"إيمان، ممكن تيجي تساعديني شوية؟ الولاد صحيو وأنا تعبانة خالص."
إيمان ردت وهي بتجري في الطريق:
"أنا في طريقي للجامعة هقدم الورق، بس هعدي عليكي بعدين فورًا... خليكِ قوية، أنا جنبك."
رهف بصّت للأطفال وهما بيضحكوا، وضمتهم لحضنها، وقالت بحنان:
"طالما في ضهر بيسندني... هفضل واقفة."
إيمان كانت ماشية بخطوات مترددة وسط حرم الجامعة المفتوحة، لابسة عباءة بسيطة، وحاطة شنطة جلد صغيرة على ضهرها، من الإيشارب التركي الطويل اللي دايمًا ملفوف بنعومة حوالين جسمها.
وقفت قدام المبنى الإداري، وخرجت تنهيدة طويلة من صدرها، وكأنها بتستجمع شجاعتها كلها.
إيمان (في سرها):
"يا رب... يا رب بداية جديدة... بعد سنين وجري وهروب... آن الأوان أعيش ليّا."
دخلت المكتب، وابتسمت للموظفة اللي كانت قاعدة ورا الشباك.
إيمان (بهدوء):
"السلام عليكم... أنا جاية أقدّم في نظام التعليم المفتوح، معايا شهادة الثانوية."
الموظفة (بابتسامة رسمية):
"أهلاً وسهلاً... طيب اتفضلي يا أستاذة، هاتي الأوراق اللي معاكي."
طلعت إيمان من شنطتها شهادة الثانوية، وصورة البطاقة، وشهادة الميلاد، وكل الورق اللي جهّزته بصعوبة من يوم ما رجعت.
الموظفة (وهي بتراجع):
"تمام... التقديم مفتوح لتخصصات كتير، تحبي تدخلي قسم إيه؟"
إيمان (لحظة تفكير):
"حقوق... نفسي أدرس قانون، يمكن أقدر أساعد غيري في يوم."
الموظفة:
"حلو جدًا، حقوق متاحة. هندخلك امتحان تحديد مستوى في العربي والإنجليزي، وبعد كده نكمل باقي الإجراءات. وبالنسبة للمصاريف، بتكون حوالى ٥٠٠٠ جنيه في السنة، بتدفعي على ترمين، وفي تسهيلات كمان لو محتاجة."
إيمان (هزت راسها بتفهم، بس كانت بتحاول تخبي قلقها):
"تمام... ممكن أسأل عن الجدول والكتب؟"
الموظفة:
"أول ما تخلصي الإجراءات، هيتبعتلك الجدول على الموبايل... وهيبقى عندك محاضرات أونلاين وحضور في الأيام الجمعة والسبت."
إيمان:
"يعني ممكن أذاكر من البيت؟"
الموظفة (بابتسامة مشجعة):
"بالضبط... وربنا يوفقك، واضح إنك جادة ونيتك حلوة."
طلعت إيمان من المكتب وقلبها مليان مشاعر... خوف من البداية... حنين لحلم قديم... وإصرار إنها تبني مستقبلها من تاني.
وقفت على جنب في ساحة الجامعة، طلعت موبايلها، وبعتت تسجيل صوتي لرهف:
إيمان (بصوت فيه ابتسامة):
"قدّمت خلاص يا ستّي... رسميًا هبقى طالبة حقوق... نفسي ألبس الروب يوم وأرافع في المحكمة... أنا بدأت المشوار... ودورك بقى ترجّعي الحب في بيتك... شدّي حيلك، وبلاش دلع بزيادة."
في نفس الوقت اللي كانت فيه إيمان خارجة من المبنى الإداري، بخطوات متفائلة ومليانة أمل...
كان مومن داخل من الباب التاني، لابس قميص كلاسيك وساعة جلدية شيك، شايل في إيده دوسيه كبير فيه كل أوراقه ومستنداته.
وقف قدام مكتب شؤون هيئة التدريس، ونفخ بهدوء كأنه بياخد قرار كبير.
موظف شؤون أعضاء هيئة التدريس (بيبتسم):
"اتفضل يا أستاذ... حضرتك جاى تقدم على وظيفة محاضر؟"
مومن (بثقة):
"آه، معايا ماچستير قانون جنائي، ودرّست قبل كده ضمن هيئة النيابة... حابب أكمّل كدكتور مساعد."
الموظف:
"حضرتك شخصيّة كبيرة أهو، الجامعة محتاجه ناس زيك. اتفضل الأوراق دي هتملأها، ونحتاج منك خطة تدريس ونسخة من الرسالة. وهنبعت لحضرتك ميعاد مقابلة مبدأيّة."
مومن (وهو بيملأ الورق):
"أكتر حاجة نفسي فيها دلوقتي... إني أعلّم، وأعيد التوازن في حياتي."
كان قاعد على طاولة خشب جنب الشباك، والشمس داخلة على وشه، باين عليه التعب بس في عينه إصرار.
في الخارج، على بعد أمتار... كانت إيمان لسه واقفة بتبعت تسجيل لرهف.
إيمان رفعت وشها للحظة، حست إن الجو حوالين الجامعة فيه طاقة غريبة... طاقة أمل.
إيمان (بصوت داخلي):
"يمكن الحياة فعلاً بتبدأ من هنا... من أول قرار ناخده بإيدنا، مش بظروفنا."
داخل، مومن بيقف، ويسلم الورق، ويتجه ناحيه المخرج.
في اللحظة اللي بيخرج فيها من الباب التاني...
إيمان بتعدي من الباب المقابل.
مسافة صغيرة جدًا... بس محدش شاف التاني.
إيمان كانت طالعة من المبنى، ماسكة ورق التقديم، ووشها شاحب، دماغها مشوشة. بتبص في ورقة المصاريف، والهمّ مالي ملامحها، وفجأة تشعر بدوخة.
خطوتها اتلخبطت. رجليها خانتها. كادت تقع على الأرض.
وفي اللحظة دي، إيد ثابتة تمسكها. مومن، اللي كان معدّي من الناحية التانية، ومد إيده بسرعة من غير ما يشوف ملامحها كويس.
مومن (بقلق):
"خلي بالك يا انسه ... أنتي كويسة؟"
إيمان (بصوت واطي وهي بتحاول تقوم):
"آه... أنا آسفة... مش عارفه ازاي فقدت توازني."
مومن يسمع صوته مش غريب عليه. بيبص لها، متأمل ملامحها:
"إنتي... وجهك مش غريب عليا."
إيمان (بتحاول تبتسم وتهرب من الموقف):
"مش بيقول يخلق من الشبه أربعين."
مومن (بيفكر):
"ممكن... أنتي طالبة؟"
إيمان (بهدوء):
"لسه بقدم... تعليم مفتوح."
مومن (بإعجاب خفيف):
"حلو... الناس اللي بتبدأ من جديد بيكون عندها قوة مش عادية."
إيمان (بنبرة فيها حذر):
"فيه ناس مبتخترش الظروف... بس بتحاول تعيش من تاني."
مومن (بصوت هادي):
"كلنا بنحاول."
يسيبها تمشي، لكن نظراته بتفضل معلقة بيها. هي تبعد بخطوات سريعة، وقلبها بيخبط في صدرها. مش عارفة ليه حسّت بحاجة غريبة في صوته. وهو واقف مكانه، حاسس إن البنت دي في ملامحها حاجة مألوفة. بس لسه مش قادر يفتكر فين شافها.
وصلت إيمان عند رهف واقفة على الباب، شايلة شنطتها وورق تخرجها، ووشها كله فرحة، بتخبط بخفة وهي مبتسمة.
رهف (وهي بتفتح الباب، ووشها بينور):
"ألف مبروك يا قلبي، اتقبلت؟"
إيمان (بحماس طفلة):
"آآآه، الحمد لله! أنا رسمى بقيت طالبة! ورجعتلك بقى، عندى طاقة الدنيا. خلي بالك إنتي من مراد وحياة وأنا أطبّلك المطبخ."
قعدت رهف الأطفال في عربيتهم ودخلت بيهم مع إيمان. اللي دخلت المطبخ بسرعة، لابسة مريلة بسيطة، وبتلف شعرها، وبتبص حوالين المطبخ كأنها داخلة معركة.
رهف قاعدة على طرف الرخامة، بتضحك من حماسها.
إيمان (بحماس):
"بس قبل أى حاجة، لازم نعمله أكلة يفتح بيها قلبه. كفاية شكوى!"
رهف (بمزاح):
"هو انتي داخلة عشاني ولا عشان تراضي جوزي؟"
إيمان (بضحكة بريئة):
"الاتنين. لو رجّعناهلك قلبه... إنتي كده رجعتي قلبك لنفسك."
مش بيقول المثل أقرب لقلب الرجل معدته.
رهف (بصوت دافي):
"أنا محظوظة بوجودك."
في المطبخ الصغير... كانت إيمان واقفة جنب رهف، بتساعدها في ترتيب الحاجات، ولقيت الفرصة إنها تديها نصيحة بسيطة بس فعّالة.
إيمان (بنبرة خفيفة):
"اتصلي بوالدة مومن يا رهف... واعرفي جوزك بيحب إيه، يمكن تعملي له حاجة يفرح بيها."
رهف ترددت لحظة، وبعدين خدت نفس واتشجعت، ومدّت إيدها على التليفون.
رهف (على التليفون بنبرة ودودة):
"إزي حضرتك يا طنط، أنا رهف... كنت بس عاوزة أسألك عن أكلة مومن المفضلة، عشان بنحضّره مفاجأة."
والدة مومن (بضحكة فيها شجن):
"هو بيحب الحمام المحشي، والملوخية... ولو لقيتوا رز معمر بالحليب، قلبه هيرجع طفل صغير!"
سكتت لحظة وبعدين قالت بلطافة:
"بس هتعرفي تعمليهم يا رهف؟"
إيمان كانت واقفة جنبها وسمعت الكلام، فردّت بسرعة:
إيمان (بحماس):
"متقلقيش يا طنط، أنا معاها."
والدة مومن (باستغراب):
"آنتي مين؟"
إيمان (بابتسامة):
"أنا إيمان... بنت صديقة طنط منى. مشكورة حضرتك وزوجك حضرة القاضي إنكم رجعتوني من تركي، وأنا ناوية أساعد رهف وأعلمها كل حاجة."
والدة مومن (بابتسامة فيها رضا):
"أهو ده الكلام! ربنا يوفقك ويصلح حالهم يا بنتي."
إيمان بدأت تقطع الخضار، بتحشي الحمام، ورهف واقفة جنبها بتساعد، بتحاول تتعلم كل تفصيلة.
إيمان (وهي بترتب على الترابيزة):
"شوفي، السر مش في الأكل بس... السر في الاهتمام... في إنك تحسسيه إنك موجودة عشانه، بتفتكريه، بتفكري فيه."
رهف (بابتسامة ندم خفيف):
"وأنا كنت بفكر في نفسي بس..."
إيمان (وهي تلمس إيدها بلُطف):
"بس دلوقتي بتتعلمي... وأنا هنا عشان أساعدك."
السفرة جاهزة، والأكل شكله يفتح النفس، ورهف واقفة متوترة لكنها مبتسمة.
إيمان (بهمس):
"أنا همشي قبل ما ييجي، البسي هدوم حلوة... وقولي له: السفرة دي معمولة مخصوص ليك."
كانت رهف واقفة قدام المرآة، بتزبط شعرها وبتحاول تخبي توترها، لسه صوت إيمان بيرن في ودانها:
إيمان (بابتسامة خبيثة وهي بتلم هدومها):
"أنا همشي قبل ما ييجي، البسي هدوم حلوة... ولما يدخل قولي له: السفرة دي معمولة مخصوص ليك."
ضحكت رهف بخجل، وهزّت راسها بتوتر، وإيمان نزلت على السلالم وهي مبسوطة إنها قدرت تسيب لمستها.
في نفس اللحظة، كان مومن راكب الأسانسير التاني.
وهو طالع، شمّ ريحة أكل ماليه الدور كله. ريحة حمام محشي، وملوخية سخنة، وقلبه بدأ يدق بسرعة من غير ما يعرف ليه.
كل ما يقرب من شقته، الريحة بتقوى أكتر وأكتر. فتح الباب. دخل بهدوء، وساب الشنطة على الكومود.
قبل ما ينادي على حد، جري عليه مراد وحياة بضحك بريء. وهم يزحفون.
مراد (وهو ماسك إيده):
"باباااا..."
حياة (بتشد هدومه):
"بابا..."
ابتسم مومن. وهو عينيه تلمع من المفاجأة.
ولما دخل الصالة، كانت السفرة متزينة بألوان الأكل. حمام محشي، ملوخية، رز معمر بالحليب، وشمع بسيط مضوي بهدوء.
بصّ على رهف اللي كانت واقفة بتوتر وشوية خجل. وعينيها بتلمع بتردد، قالت بصوت واطي:
رهف:
"السفرة دي... معمولة مخصوص ليك."
مومن قعد على السفرة، وهو بيشم ريحة الأكل اللي كانت مالية الشقة. ابتسم وقال وهو بياخد أول لقمة:
مومن (مستغرب ومبسوط):
"يا نهار أبيض! إيه ده؟ الأكل ده جاي منين؟ اسمه إيه المطعم ده؟! طعمه جامد جدًا بجد!"
رهف وقفت بعيد بتراقبه وهي بتضحك في سرها، قلبها بيرقص من الفرحة إنه عاجبه.
بس عقلها شغال:
"هو مصدقش إن ده أكلي؟! بس ماشي... ليه لأ؟ أفهمه إنه فعلاً شغلي، وأطلب من إيمان تساعدني وتطبخ كل يوم، هي محتاجة فلوس للجامعة، ومش هتقول لأ أكيد."
قربت منه بخطوات هادية وقالت له وهي بتحاول تكتم ضحكتها:
رهف:
"تعال يا سيدي شوف الحلل بعينك... يمكن تصدقني! ولو مش مصدق، دوق بنفسك... وهتعرف تفرق، ده مش أكل مطعم ولا أكل ماما... أنا استعنت بالنت، وكل يوم كنت بجرب وأخترع، لحد ما بدأت أتعلم بجد."
بص لها مومن، وابتسامته وسعت، وبعينه امتنان ما يتوصفش.
مد إيده، مسك إيدها بحنية، وقبلها بلطف وقال:
مومن (بصوت دافي):
"تسلم إيدك يا رهف... والله العظيم أكلك ده بيضرب في القلب."
تاني يوم.
في المطبخ، رهف واقفة عند الرخامة، عينيها حمرا ووشها باين عليه إنها كانت بتعيط. تسمع صوت جرس الباب، تروح تفتحه. تلاقي إيمان واقفة.
رهف (بصوت متهدج):
"تعالي... تعالي يا إيمان، أنا مش قادرة... محتاجة مساعدتك أوي."
إيمان (قلقة):
"خير يا حبيبتي؟ في إيه؟"
رهف (بتمثل إنها متأثرة):
"دلوقتي الأكل، عجب مومن أوي... وافتكر إن أنا اللي عاملاه ولما حاولت أعمل زيك باظ مني الأكل وهو قال إنه أحلى من أكل المطاعم، و... وافتكر في الأول ماما، لكن هو حافظ أكل مامته ومامتي. أنا مش عاوزة أضيّع اللحظة دي، مش عاوزاه يرجع ياكل يزعل مني تاني، بس... أنا مش هقدر أعمل ده لوحدي كل يوم."
إيمان (بهدوء):
"يعني عاوزاني أساعدك في الطبيخ؟"
رهف (بتاخد نفسها):
"أنا فكرت... إنتي تشتغلي كإنك موظفة في مطعم، أنا هاخد الفلوس منه عادي، وأديهالك... بس من غير ما يعرف. قولولي، ينفع؟ أنا فعلاً محتاجة أكلك، ومومن محتاج يحس إنه في بيت... مش مجرد شقة وسكوت."
إيمان (ساكتة لحظة، وبعدين بنبرة حزينة):
"وهو يعرف؟ يعرف إن الأكل من إيدي؟"
رهف (بهدوء وهي بتمسح دموعها):
"لا... وهيفضل يفتكرني أنا، بس أنا مش بضحك عليه، أنا بتعلم... وباخد منك كل حاجة حلوة. إنتي موهوبة... وأنا مش هخلي تعبك يضيع."
إيمان (بصوت فيه قهر):
"أنا رجعت من تركيا مش لاقية حتى أشتغل في مجالي... معاش أمي مش مكفّي، ومفيش مكان هيرضى بيا، حتى لو بريئة، اسمي اتحط في أمن الدولة... خلاص. أنا فعلاً محتاجة شغلانة... بس أكيد مش بالشكل ده."
رهف (تمسك إيدها بحنية):
"أنا عارفة... عارفة كل حاجة، وعارفة إني مديونة ليكي برجوعك، بس صدقيني، دي البداية... ومن هنا نقدر نعمل حاجة لينا إحنا الاتنين."
إيمان (تتنهد، ووشها مليان حزن وتعب):
"خلاص... اتفقنا. أنا هساعدك، وهستلم الأكل كل يوم، بس... متنسيش إن فيه قلب بيتوجع عشان يفرح غيره."
رهف (بصوت واطي):
"عمري ما هنسى... إنتي طوق نجاتي."
الصبح، كانت رهف قاعدة في الصالة وعينيها باين فيها التعب، بتحاول تمثل إنها منهارة وعيانة، وفجأة دخلت إيمان وهي شايلة شنط الأكل.
رهف (بصوت مكسور):
"أنا مش قادرة أتحرك... كنت عاوزة أطلب منك تساعديني، باهتمام ب حياة ومراد."
إيمان بصّت لها، وفضلت ساكتة، مش عارفة ترد، بس قلبها حاسس إن في حاجة مش مظبوطة.
من اليوم ده، بقيت إيمان تروح كل يوم تستلم الشقة، وتجهّز الأكل، وأوقات كانت تهتم بالأطفال، خصوصًا التوأم، اللي ابتدوا ياكلوا كويس معاها، وارتاحوا لها، لحد ما بقت المسؤولة الأولى عن كل حاجة.
بقت تشتغل من بعد ما مومن يخرج من البيت، لحد الساعة ٥ أو لما رهف ترجع. ورغم إن رهف أوقات كانت في البيت، إلا إنها سابت كل حاجة على إيمان، واتفقت معاها على مرتب شهري ٥ آلاف.
مرت الأيام، ولما بدأت الدراسة بعد شهر ونص، رجعت إيمان الجامعة يوم الجمعة والسبت، واتفقت مع رهف إنها تجهّز الأكل قبلها بيوم، وكل اللي عليها إنها تسخنه.
ورغم إن كل حاجة كانت ماشية طبيعي، رهف بدأت تلاحظ إن مؤمن، في أيام الإجازة، بقى بيخرج لوحده. في البداية افتكرت أنه عمره ما سألت أو زهقان.
في يوم الجمعة، دخلت إيمان الجامعة، لابسة فستان سادة طويل، وحجابها مغطيها بالكامل، وشايلة كتبها، ودخلت القاعة.
بعد شوية، دخل مومن، وبدأ يشرح. وطول ما هو بيتكلم، كان مركز مع الطلبة، لكن لما بدأ يسأل سؤال، ردت عليه إيمان بكل ثقة وذكاء.
مومن اتجه ناحية الصوت، وقرب منها، وبص فيها شوية. قلبه اتقلب.
كانت هي!
نفس البنت اللي شافها أول يوم ورجعت له في الحلم. نفس النظرة، نفس الهدوء.
وقف للحظة، وساب السؤال، وبص لها بصّة أطول من اللازم. بس بسرعة رجع تاني يكمّل الشرح، وهو جواه ألف سؤال وسؤال.
فجأة...
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم صفاء حسني
قطع شروده صوت واحد من آخر القاعة بيسأل بنبرة حادة:
– "هو القانون بيتطبق صح في بلدنا؟ ولا مجرد كلام بندرسه؟"
يا دكتور، رفعت إيمان إيدها بهدوء وهي بتقول بثقة:
– "ممكن أجاوب أنا يا دكتور؟"
بص لها مومن باستغراب، وابتسامة صغيرة ارتسمت على وشه:
– "اتفضلي."
استقامت في جلستها، وبصوت ثابت مليان إيمان بكلامها، قالت:
– "القانون هو اللي بيحمي كل واحد في البلد. لو القانون ما كانش بيتطبق، ما كانش يبقى لينا الحق نتعلم في أي سن أو أي وقت. القانون هو اللي وافق إن الجامعات المفتوحة تتأسس لكل الأعمار، عشان اللي ضاعت عليه فرصة يقدر يعوضها.
القانون داخل في كل حاجة في حياتنا، وكل بلد فيها الحلو وفيها الوحش… لكن أنا عندي يقين، بلدنا كبيرة وعظيمة، فوق أي بشر أو أي فاسد."
الكلمات خرجت من قلبها قبل ما تطلع من لسانها، وصوتها كان فيه قوة وإصرار يخلي أي حد يسمعها يصدقها.
مومن، من مكانه، حس بدهشة وإعجاب غريب… إزاي واحدة بالذكاء ده، والحضور ده، ما كملتش تعليمها من زمان؟
وإيه اللي رجعها بعد سنين للجامعة المفتوحة؟
كان مومن قاعد في المدرج، بيستمع لآراء الطلبة بعد ما طرح سؤال خارج المنهج:
مومن: "طيب… كل واحد فيكم يقول هو ليه قرر يكمل تعليمه في السن ده؟"
رفع شاب إيده وقال بصوت فيه شوية خجل:
شخص: "عشان أعرف أشتغل… أنا شغال دلوقتي بقدم شاي وقهوة في مكتب محامي، وفيه شباب أصغر مني متخرجين وشغالين معايا، حسيت إني لازم أعلي من نفسي… يمكن أقدر أغيّر مكاني."
ابتسم مومن بإعجاب، وبصّ لسيدة في الصف الأمامي، أشارت إنها حابة تتكلم:
السيدة: "أنا… بنتي دخلت كلية حقوق، وكنت دايمًا حاسة إني قليلة في نظرها ونظر أصحابها… حبيت أدرس معاها وأثبت لنفسي قبل أي حد إني أقدر."
مومن وهو بيكتب ملاحظات بسيطة على ورقته، رفع عينه ناحية إيمان… كان مستني منها الرد.
سكت شوية، لقاها بتاخد نفس عميق وكأنها بتحارب دمعة بتقاوم النزول.
إيمان: "أنا… في الأول وانا صغيرة، كان نفسي أكون دكتورة… بس الدنيا كانت قاسية عليا. جبرتني أكون مذلولة لكل الناس… سواء كان أبويا أو حتى أصحاب، عشان أعيش. ولما وقعت… كان لازم أقف على رجلي من تاني… عشان أقدر أشتغل شغل في شركة بدل ما أكون خدامة في البيوت."
سكتت لحظة… والهدوء سيطر على المدرج.
مومن وهو بيسمعها، حس بشيء غريب جواه… كان مستغرب إزاي واحدة بالذكاء ده، بالقوة دي، ماكملتش تعليمها زمان… وإزاي بعد السنين دي كلها اختارت تفتح كتاب من جديد في الجامعة المفتوحة.
ومن يومها… بدأ يلاحظها أكتر، أسلوبها في الكلام، تفكيرها المختلف، وطريقتها اللي فيها مزيج بين الحذر والقوة.
وكان بيحب يوم الجمعة والسبت أكتر من أي وقت… بيحس فيهم براحة نفسية.
وفي آخر يوم في السنة الأولى لإيمان في الجامعة وكانت جايبة تقدير امتياز وكلهم فرحانين إنهم اجتازوا أول سنة، مومن وهو ماشي في الجامعة، سمع صوت مش غريب عليه… صوت حفظه من زمان. كان صوتها… وبتقول توشيح ديني عن محبة الرسول ﷺ… والكل حواليها بيصفق.
صوت ناعم دافي، مليان إحساس بيخترق الهوا.
مومن وقف، لف وشه ناحية مصدر الصوت.
كانت مجموعة طلبة واقفين تحت شجرة كبيرة في ركن هادي من الجامعة، بيحضروا نشاط ديني تطوعي، والبنت اللي بتتكلم واقفة وسط البنات، فستان واسع سادة، حجاب طويل لونه سماوي، ماسكة ورق في إيدها، وبتتكلم وكأنها مش بتحكي.. لأ، دي عايشة اللي بتقوله.
مومن حس بصوتها بيخبط على حتة جوه قلبه.. صوت كان سامعه قبل كده؟
أيوه… أيوه هو ده الصوت اللي سمعه مرة في البيت، يومها كانت بتقرا قرآن.. وهو كان راجع تعبان، والصوت ده هو اللي هداه.
قرب منها من بعيد، فضل واقف ساكت وبيسمع.
مولاي إني ببابك قد بسطت يدي
من لي ألوذ به إلاك يا سندي
مولاي يا مولاي مولاي إني ببابك
مولاي إني ببابك مولاي إني ببابك
أقوم بالليل والأسحار ساجية أدعو وهمس دعائي
أدعو وهمس دعائي بالدموع ندى
بنور وجهك إني عائد وجل
من يعذ بك لن يشقى إلى الأبد مهما لقيت من الدنيا وعارضها
فأنت لي شغل عما يرى جسدي
تحلو مرارة عيش في رضاك
تحلو مرارة عيش في رضاك تحلو مرارة في رضاك
وما أطيق سخطا على عيش من الرغد
من لي سواك ومن سواك ومن سواك يرى قلبي ويسمعه
كل الخلائق ظل في يد الصمد
أدعوك يا رب أدعوك يا ربي
فاغفر زلتي كرما واجعل شفيع دعائي حسن مرتقبي
وانظر لحالي وانظر لحالي
في خوف في طمع هل يرحم العبد الله من أحد
قد بسطت يدي من لي ألوذ به إلاك يا سندي مولاي
"الكل أعجب بالـ توشيح بصوته"، وقال شخص منهم:
– "فعلاً أجمل احتفال بالـ توشيح."
ابتسمت إيمان تكمل:
– "إحنا محتاجين نرجع نحب النبي زي ما الصحابة حبوه، مش بالكلام، بالسلوك.. بالرحمة، بالستر، بالحُسن، وبالصدق، لأن اللي بيحب حد، بيقلده."
الناس اللي حواليها كانوا بيبصولها بإعجاب، لكن مومن كان بيبصلها بدهشة.
جواه حوار صامت:
"إزاي؟ إزاي بنت بالوعي ده، بالثقة دي، كانت سايبة التعليم؟ وراجعة دلوقتي تكمل؟ إزاي قدرت تحافظ على نقاوتها وسط اللي شافته؟"
ما حسش بنفسه غير وهو بيقرب أكتر.. بس وقف بعيد، سايب مسافة محترمة، ومتردد يبين إنه بيراقب.
إيمان خلصت الكلام، وضحكت ببساطة وهي بتشكر الحاضرين، وهي ماشية لمحت عينه، اتشدت للحظة.. بس كملت طريقها عادي.
وهو فضل واقف..
لأول مرة من سنين، حس إنه محتاج يسمع تاني.. مش صوتها بس.. لأ، محتاج يسمع الكلام ده.. يعيش جوه العالم ده.
مومن (لنفسه وهو بيهمس):
– "جميلة في هدوءها.. مفيش فيها حاجة ملفتة.. بس هي كلها ملفتة."
أصبح بيحب يوم الجمعة والسبت.. دول أكتر يومين بيحس فيهم براحة نفسية غريبة، يمكن عشان بيبعد عن القواضي، عن البيت، عن الزحمة النفسية كلها.
كان مومن ماشي في ممرات الجامعة بعد ما انتهى اليوم الدراسي. صوته الداخلي ما سكتش، وكان بيعاتب نفسه:
– "إيه اللي بيحصلي؟… أنا جيت هنا عشان أشتغل وأحافظ على بيتي… عشان ميكونش عندي وقت أفكر في عيوب أو ألوم رهف… وكمان رهف بدأت تتغير فعلاً وتكون أحسن…"
شعر بوخزة في قلبه، إحساس ذنب ثقيل… واستغفر ربه بصوت منخفض، كأنه بيحاول يطرد أي فكرة مش لازم تكون موجودة.
قطع خطواته السريعة، وقرر يروح على البيت.
— فى البيت —
كانت رهف تتحدث (بهمس):
– "أنا محتاجة أي معلومة عن شخص اسمه عبدالله… كان زوج إيمان، وفقدته في سوريا. مش عارفة إذا كان حي ولا ميت… عايزة أساعدها تلاقيه… وبسرعة لو كان عايش."
جاءها صوت الرجل من الطرف التاني، غامض وثابت:
المجهول: "تمام… هيتم البحث… وأول ما نوصل لأي جديد، هتكوني أول واحدة تعرف."
ضغطت رهف على التليفون وأنهت المكالمة، وعيونها فيها خليط من الإصرار والتوتر… وكأنها داخلة على خطوة هتغير حاجات كتير.
رهف كانت قاعدة في أوضة المعيشة، بتقلب في تليفونها بملل، فجأة… إشعار واتساب من رقم غريب.
فتحت الرسالة، وقلبها وقع:
– "أهلاً بالقاتلة المحترفة."
شهقت رهف، إيدها بردت فجأة، وكتبت بسرعة:
– "إنت مين؟! وإيه الكلام الفارغ ده؟"
الرد جه فورًا، بلهجة ساخرة:
– "طبعًا هتعملي نفسك ملكة قطة سيام… وإنتِ عارفة كويس، اللي بيقرب منك أو بيحاول ياخد حبيب القلب، نهايته الموت أو الرحيل… صح؟"
اتنهدت رهف، الغضب بدأ يطغى على خوفها:
– "إنت مين وبتقول إيه؟ أنا أبلغ عنك مباحث الإنترنت!"
جاءه الرد مع ضحكة مكتوبة:
– "ياريت! عشان جوزك يعرف حقيقتك… ويعرف إنك السبب في شلل بنت خاله، بس عشان حسّيتي إنها بتحب مومن وأنتم صغيرين… فاكرة؟
أو مهتاب… أخت صديقه، لما لمّحت إنها واقفة مع مومن وبيضحك معاها في الجامعة، أيام ما كنتوا لسه طلاب… وهو بيعمل دراسات عليا. وقتها سلطتي عليها شوية شباب قذرين يشوهوا سمعتها بعد ما سرقتي صور شخصية ليها… فاكرة يا قلبك الأبيض؟"
رهف اتجمدت، عينيها تلمع بخوف، إيدها بترتعش… حاجات كانت فاكراها اندفنت زمان، دلوقتي بتطفو من جديد.
الرسالة الجاية كانت ضحكة طويلة:
– "مصدومة صح؟ يوم الحساب قرب… يا رهف هانم."
رهف كتبت بخوف واضح:
– "عايز إيه؟… أو الأصح… عايز كام؟"
الرد جه أبرد من التلج:
– "مش عايز فلوس… عايز أكشفك قدام الكل.
إنتِ مهووسة بمومن، ومستعدة تقتل أي حد يقف بينك وبينه… هوسك مش طبيعي… وهوسك هو اللي هيكون سبب موتك."
حاولت رهف تسيطر على نفسها:
– "طيب… نتقابل في النادي، أديك المبلغ اللي إنت عايزه… أوكي؟ أبعت لك العنوان."
الرد كان بضحكة مستفزة:
– "أنا عارف كل تحركاتك… وعارف إن آخرك تلعبي دور القطة البريئة. لكن لو جوزك عرف، هقدر أخد ملايين… أو أقل حاجة، أكسب من وراها كتير."
رهف كتبت بسرعة:
– "تكسب من ورا إيه بالظبط؟"
آخر رسالة وقعت على قلبها زي الحجر:
– "ورقة صغيرة تضيع من وسط أوراق… القضية الأخيرة اللي بيحقق فيها النائب. وكده… القضية تبقى لصالح موكلي.
فكرّي يا قطة سيام."
كانت رهف تحت ضغط التهديد والابتزاز والخوف من الماضي.
وصل مومن للبيت، وهو جاي من الجامعة وعقله مشغول، بيحاول يهرب من مشاعره المتلخبطة ناحية إيمان بالعودة لحضن زوجته.
مفتاح في الباب… صوت القفل بيلف… رهف ارتبكت راحت على المطبخ، واقفة قدام الحلة والبخار بيطلع، بس عقلها بعيد… بعيد قوي.
الرسائل، التهديد، الكلام عن الماضي اللي ظنت إنه انتهى، ابتسامات الشر من الشخص المجهول، وحقيقة إنها لو انكشف سرها… الكل هيتقلب عليها.
"مومن دلوقتي ملكي"، قالت لنفسها في صمت وهي بتحرك الملوخية… "حتى لو شاف إيمان يومًا، هتكون متزوجة، وهو مش هيفكر فيها أبدًا".
في الشقة، مومن فتح الباب ودخل، ماسك في إيده شوية ورق مهم جابهم معاه من الشغل، خايف عليهم ليضيعوا. رهف حسّت بيه ودخلت المطبخ على طول، بتجهّز الأكل وبتفكّر في اللي بيبتزّها وعارف كل حاجة عنها. خايفة أوي أهلها يعرفوا، ومؤمن كمان. كانت فاكرة إن الماضي ده خلاص اتقفل عليه، وإن مؤمن بقى بتاعها هي وبس، حتى لو إيمان ظهرت في حياتهم تاني، هو خلاص متجوّزها ومش هيفكر فيها.
خطوات تقرب… ودفء جسم بيجي من وراها فجأة.
مومن، بابتسامة هادئة، لف إيده حوالين خصرها.
حضنها من ضهرها، كأنه بيهرب من مشاعر غريبة جواه، مش عارف إيه سببها ولا ليه حسّ بيها، بس المهم إنه عايز يهرب من كل حاجة مضايقاه.
رهف اتخضّت ولفت ليه: "يا حبيبي خضّتني!"
قالت: "دقيقة والأكل يكون جاهز."
وبعدين سألها مومن: "الأولاد فين؟"
ابتسمت وقالت: "نايمين في أوضتهم."
ابتسم مومن وشدّها ليه: "أنا عايزك إنتي، مش عايز أكل ولا شرب."
رهف فرحت أوي إنه اختار حضنها هي، مش الأكل. احتضنته بكل حب وشوق ودخلت معاه الأوضة.
جوه الأوضة، مومن قفل الباب بالراحة، وضع الورق اللي في إيده على المكتب، مش عايز يضيع أي لحظة دلوقتي.
وبصّ لرهف وعينيه فيها لهفة كبيرة. قرّب منها بالراحة، مسك إيديها وحطّهم حوالين رقبته.
"رهف،" همس باسمها بحنية، "إنتي كل حاجة عندي."
رهف ابتسمت بخجل ورفعت إيديها تلمس وشه بحب. "وإنتَ دنيتي كلها يا حبيبي."
مومن باسها بوسة خفيفة على جبينها، وبعدين باس عينيها وخدودها، وفي الآخر باس شفايفها. كانت بوسة طويلة مليانة شوق وحب، بتعبّر عن كل المشاعر اللي في قلوبهم لبعض.
بعد شوية، مومن بعد عن شفايفها وبص في عينيها على طول. "بحبك يا رهف، بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا."
"وأنا بحبك أكتر يا مومن،" رهف ردّت بصدق وعينيها بتلمع بالدموع.
مومن حضنها جامد، وحسّوا إنهم روح واحدة في جسمين. مفيش حاجة في الدنيا أهم من الحب اللي بينهم.
مومن بدأ يبوس رقبتها بالراحة، وبعدين نزل على كتفها ودراعها. رهف كانت بتاخد نفسها بالعافية من كتر الإحساس، وإيديها ماسكة في ضهره جامد.
فجأة، مومن وقف وبص في عينيها بقلق. "إنتي كويسة يا حبيبتي؟"
"أيوة كويسة،" رهف ردّت بصوت واطي، "بس... خايفة."
"خايفة من إيه؟" مومن سألها بحنية.
"خايفة أخسرك، خايفة أي حاجة تفرّقنا."
مومن ابتسم وباسها على جبينها تاني. "مستحيل يحصل كده يا حبيبتي. أنا بتاعكِ للأبد."
وبعدين رجع باسها بشغف، وانطلقوا مع بعض في رحلة حب وعشق، مفيش فيها مكان للخوف ولا للقلق.
هدأت الأنفاس… الصمت غطى الغرفة.
مومن مستسلم للنوم، جسده العاري على السرير، والراحة باينة على ملامحه… راحة ما يعرفش إنها بالنسبة لرهف كانت مجرد هدنة.
رهف انسحبت من حضنه بهدوء، التفاف سريع بالملاءة على جسدها، وخطواتها متجهة برا الغرفة… في يدها هدف واضح.
على طاولة الصالة، وضعت كومة الملفات اللي جابها مومن.
إيدها بدأت تقلب، ورقة ورقة… ملف ملف… أنفاسها سريعة، وعيونها تتحرك بسرعة ما بين العناوين والأختام.
حتى… توقفت يدها فجأة.
ملف أزرق… عليه رقم قضية مألوف.
رهف فتحت الملف، قلبها بيدق، وابتسامة صغيرة انتصرت على ملامح التوتر.
رفعت الموبايل، وكتبت رسالة للشخص اللي بيبتزها:
– "الملف معايا. قول عايز ورقة إيه تضيع… بس ما تأثرش على شغل مومن. مفهوم؟"
الرد جه فورًا تقريبًا:
– "متخافيش… حتى لو ساب الشغل، هو دلوقتي شغال دكتور في الجامعة."
رهف اتسعت عينيها:
– "إنت بتقول إيه؟"
ابتسامة شريرة ظهرت في نص الرسالة الجديدة:
– "معلومة جديدة عليكِ، صح؟ جوزك بقاله سنة بيشتغل دكتور في جامعة القاهرة، ومع شغله في مكتب النائب يعني أكل عيشه مش هيتقطع.
القضية دي مش مهمة أوي… هي بس مفيدة لينا إحنا. يعني هتعدي.
كان ممكن نتصرف وإحنا في النائب، لكن بعد اللي حصل قبل كده لما خدنا ورق، بدأ يخاف وياخد كل حاجة البيت.
كنا بنحاول نتعامل مع حد عندكم… بندور على أي غلطة للخادمة… إيمان.
لكن وإحنا بنبحث… لقينا إنتي البوس.
أخطائك كتيرة… وهتنفعني.
اسحبي ورقة رقم 6 من الملف، وكمان رقم 10، عشان نتحفظ بالقضية لعدم اكتمال الأوراق."
رهف قعدت متنحة، مش مستوعبة اللي بيحصل. يعني مؤمن طول الوقت ده شغال دكتور في الجامعة ومخبي عليها؟ وإزاي الشخص ده عارف كل حاجة عنها وعن مؤمن؟ الخوف بدأ يتملكها أكتر وأكتر.
بصت على الملف اللي في إيدها، مترددة تعمل اللي بيقول عليه. لو عملت كده، ممكن تضر مؤمن وتخليه يخسر قضيته. ولو معملتش، ممكن الشخص ده يفضحها ويكشف سرها قدام الكل.
دموعها بدأت تنزل على خدها، مش عارفة تتصرف إزاي. مسحت دموعها بسرعة وقامت وقفت، قررت إنها لازم تفكر بهدوء وتشوف هتعمل إيه.
دخلت الأوضة تاني بالراحة، بصت على مؤمن وهو نايم، شكله كان تعبان أوي. قربت منه وقعدت جنبه على السرير، فضلت باصة عليه شوية، وبعدين مسكت إيده وباستها.
"يا رب سامحني، أنا مش عارفة أعمل إيه،" همست بصوت واطي.
قامت من مكانها وراحت ناحية المكتبة، فتحت النور وبدأت تدور على الملف اللي الشخص ده عايزه. قلّبت في كل الملفات اللي موجودة، لحد ما لقت الملف المطلوب.
أخدت الملف وطلعت برة الأوضة تاني، قعدت على الكرسي وبدأت تقلب في الورق. دورت على ورقة رقم ستة ورقم عشرة، ولما لقتهم، بصت عليهم كويس أوي.
كانت الورقة رقم ستة عبارة عن شهادة شاهد مهم في القضية، والورقة رقم عشرة كانت عبارة عن دليل بيثبت تورط المتهم الرئيسي. لو الورقتين دول اختفوا، القضية هتضيع والمتهم هيخرج براءة.
رهف فضلت قاعدة تفكر، مش عارفة تعمل إيه. ضميرها بيأنبها، مش قادرة تضر مؤمن وتضيع تعبه ومجهوده. بس في نفس الوقت، خايفة من الشخص اللي بيهددها.
فجأة، جالها فكرة. ابتسمت بخبث وقامت وقفت، أخدت الورقتين وراحت ناحية المطبخ. فتحت البوتاجاز وولعت النار، وبعدين رميت الورقتين جوة النار.
"أنا مش هخليك تضر مؤمن، ومش هخليك تفضحني،" قالت بصوت عالي.
الورق بدأ يتحرق، ورهف واقفة باصة عليه لحد ما اتحول لرماد. ابتسمت بانتصار ورجعت قعدت على الكرسي تاني، مستنية رد فعل الشخص اللي بيهددها.
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم صفاء حسني
النار التهمت الورق. لون الرماد غطى الطاولة، ورائحة الحريق لسه بتملأ المكان.
رهف وقفت على بعد خطوة، تراقب الأوراق وهي تتحول لرماد، وكأنها بتحرق معاها التهديد نفسه.
رفعت موبايلها، صورت كومة الرماد، وبكل هدوء بعتت الصورة للشخص اللي بيبتزها.
ثواني... ورد الرد الغاضب:
"آنتي مجنونة! رسمي أنا بتعامل مع مجنونة! أنا طلبت تجيبي الورق... مش تحرقيه!"
ابتسمت رهف بسخرية، وردت ببرود قاتل:
"أنا نفذت اللي طلبته. قلت أخفي الورق... خفيته. ولو حد فكر يقرب مني تاني، سواء إنت أو أي عدو، أنا بنت نائب رئيس الوزراء... فاهم يعني إيه؟ ولا أفهمك يعني ما بتهددش؟ ومفيش مع السلامة."
وأغلقت المحادثة بحظر كامل للرقم... مكالمات وواتساب.
في مكان آخر... الشخص ضغط الموبايل بعصبية، نفخة غاضبة خرجت منه:
"إيه المصيبة اللي خليتني أتعامل معاها دي؟! حرقت الورق... أنا كنت عايز الورق عشان أديه للخصم، يقدر يعترض على الحكم... لكن المجنونة حرقت كل حاجة."
ضحك الشخص اللي كان جنبه، وهو بيشرب قهوته بهدوء:
"ولولو... عادي. كده كده الملف ناقص. إحنا تأكدنا. هنبلّغ عن التحقيق ونثبت إن الملف ناقص... وجوزها يروح في داهية. هو أصلاً طلع نائب غبي... متجوز واحدة مريضة وما اكتشفهاش. خليه يشرب."
رهف قاعدة على سريرها، إيدها بتترعش وهي ماسكة الموبايل، قلبها بيدق بسرعة من التهديدات اللي وصلتها. بتاخد نفس عميق وتتصل برقم سرّي تابع لمكتب أبوها.
رهف:
"أيوه يا سامي... أنا رهف... اسمعني كويس، الموضوع مستعجل جدًا ومينفعش يتأخر."
صوت سامي بيجي هادي لكن فيه جدية:
"خير يا آنسة رهف؟"
رهف (بصوت منخفض وحازم):
"هبعَتلك دلوقتي رقم واحد بيهددني... عايزاك تعمل هكر على موبايله، تمسح أي رسايل قديمة عنده، وتبعت من موبايله رسايل تهديد لرقمي. وكمان... هبعتلك صورة ليا أنا ومؤمن، قصّها بطريقة تبان وحشة وتحطها في الرسايل."
سامي:
"تمام، وبعد كده؟"
رهف:
"بعدها افكّ الحظر من عندي عشان استقبل الرسايل، وأروح أقدّمها لمباحث الإنترنت. المهم تخلص الشغل بسرعة ومحدش يشك."
رهف تبعت رقم الشخص والصورة لسامي، أصابعها سريعة على الكيبورد.
بعد دقائق، تليفونها بيرن بنغمة الرسائل...
تفتح وتشوف رسايل التهديد ومعاها الصورة المشوّهة، عينيها بتلمع بنظرة انتصار صغيرة وسط خوفها.
رهف (بهمس لنفسها):
"كويس... كده الورق كله معايا."
تقوم بسرعة، تلم حاجتها، وتخرج من أوضتها متوجهة على مباحث الإنترنت، خطواتها ثابتة، وعينيها فيها لمعة إصرار.
الصبح، شمس خفيفة بتدخل من شباك البيت، مومن لابس بدلة سودة وكرفته بسيطة، ماسك في إيده شنطة جلد صغيرة فيها الورق المهم. وشه متوتر لكن عينه فيها إصرار.
فتح باب البيت وطلع بسرعة، خطواته تقيلة بس قلبه بيخبط بقوة. ركب عربيته واتجه على المحكمة، طول الطريق دماغه شغالة بأفكار كتير.
وصل قدام المحكمة، السلم عالي والزحمة كبيرة، ناس طالعة وناس نازلة، كل واحد شايل همّه. دخل من البوابة بعد ما اتفتش، وراح على القاعة رقم ٤.
القاعة مليانة، القاضي قاعد على المنصة، وصوت الموظف بينادي على القضايا.
الموظف:
"القضية رقم ١٤٥... مومن عبد الهادي ضد..."
مومن وقف واتقدم، حط الشنطة على الترابيزة وفتحها، طلع الورق وسلمه للقاضي.
مومن (بصوت ثابت):
"سيادة القاضي، الأوراق دي بتثبت حقي وبتكشف كل حاجة."
القاضي بدأ يبص على الورق، لكن قبل ما يكمل، محامي الخصم قام واقف، ابتسامة خفيفة على وشه.
المحامي:
"مع احترامي، لكن الأوراق دي فيها خلل واضح... في توقيعات ناقصة، وفي صفحات مش مختومة."
مومن اتفاجئ، قلبه وقع، بص في الورق بسرعة.
مومن:
"إزاي؟! الورق كان كامل."
المحامي كمل بثقة:
"واضح إن فيه تلاعب، وممكن نطالب بإبطال المستندات."
همس الناس في القاعة بدأ يزيد، ومومن حس كأن الأرض بتتهز تحت رجليه.
والمحامى يبدأ يلمح ان أكيد حتى بيلعب فى اورق القضية اللي كان المفروض يساعده، قاعد في الصفوف الخلفية بيبص للأرض، ملامحه مريبة.
في اللحظة دي، فهم مومن إن عاوزين يورطه وإن اللعبة أكبر منه، وإن الورق اتلعب فيه قبل ما يوصل القاضي.
فجأة، عيناه لمحت من بعيد رهف وهي داخلة القاعة. استغرب جدًا، قلبه دق بسرعة، وكأنه مش فاهم إيه اللي جابها في اللحظة دي.
اقتربت رهف بخطوات ثابتة، ملامحها جدّية، ووقفت قدام القاضي باحترام. قالت بصوت واثق:
"حضرتك... في شوية أوراق كانوا موجودين في ملف تاني لزوجي، لكن أنا عندي شكوى... إن فيه ابتزاز حصل من بعض المحامين المحترمين، ومباحث الإنترنت معايا، وواضح إنه كان فيه محاولة لتوريط زوجي."
مدّت إيدها وقدمت للقاضي باقي الأوراق ومعاهم ملف قضية مباحث الإنترنت. القاضي استلم الأوراق وهو بيرفع حاجبه باستغراب، وبدأ يقلب فيهم باهتمام، والقاعة كلها اتشدت لمعرفة إيه اللي هيحصل بعد كده.
القاضي بعد ما قلب في الورق وبص لرهف بنظرة حازمة، قال:
"الكلام اللي بتقوليه ده خطير يا مدام، ولازم يتأكد. المحكمة هتحوّل الموضوع للنيابة العامة عشان تحقق فيه فورًا. ولو ثبت فعلاً إن فيه ابتزاز أو تلاعب بالأدلة... كل اللي شارك فيه هيتحاسب بالقانون، مهما كان منصبه."
ابتسمت رهف وهي تبصّ للمحامي بنظرة انتصار، وابتسامة صغيرة ارتسمت على وشها كأنها بتقول "اللعبة خلصت".
ضحكت بخفة وهي شايفة علامات الصدمة بتغزو ملامحه مع كل اتهام بيتوجه ضده، لحد ما القاضي نطق بقراره الحاسم:
القاضي (بصوت صارم):
"بعد ثبوت الاتهامات الموجهة للمحامي... تقرر المحكمة وقفه عن العمل فورًا، وإحالته للمحاكمة الجنائية."
المحامي وقف مذهول، عينيه بتتنقل بين القاضي ورهف، وهو مش قادر يستوعب إزاي الأمور اتقلبت عليه بالشكل ده، في حين إن رهف كانت واقفة ثابتة، وعينيها مليانة قوة ورضا بالنصر اللي حققته.
ابتسمت رهف وهي بتبص للمحامي، ضحكت ضحكة انتصار كأنها بتقول من غير كلام: "أنا كسبت الجولة"، المحامي اتصدم وهو بيسمع كل الاتهامات اللي وُجهت له، لحد ما جاله القرار بوقفه عن العمل وتقديمه للمحاكمة.
مؤمن ما قدرش يمسك نفسه، اتجه ناحيتها وهو فخور بيها، لكن عينه كان فيها سؤال:
"ليه ما بلغتينش بكل اللي حصل؟"
تنهدت رهف وهي بتبص له بحب، وقالت بنبرة صادقة:
"أنا وعدتك إني أحميك من أي خطر... أنا بعشقك يا مؤمن، ومحدش في الدنيا يقدر يضرك طول ما أنا موجودة."
قرب منها أكتر وسأل بقلق:
"طب... فين حياة ومراد؟ سبتيهم مع مين؟"
ردت بسرعة وبثقة:
"سبتهم مع أمي... كان لازم أكون أسرع من أي خطر ممكن يقرب منك."
"ورهف نجحت تقرّب منه، وطلبت منه يخرجوا يتغدوا بره. فعلًا خرجوا وحسّوا كأنهم رجعوا لأيام الخطوبة. بدأوا يتكلموا، وفي وسط الكلام سألته:
"حبيبي، بتروح فين جمعة وسبت؟ سمعت إنهم إجازتك."
ضحك مؤمن وقالها:
"مش دايمًا إجازة، بس هفهمك. أنا اشتغلت دكتور في الجامعة عشان كنت محتاج أهدّي الضغط النفسي اللي بشوفه في النيابة، وبحس براحة نفسية وأنا بعلّمهم."
ابتسمت رهف وهي مبسوطة وسألته:
"في كلية إيه؟"
مؤمن خد رشفة من العصير، وابتسامة هادية ظهرت على وشه وهو بيرد:
"في كلية الحقوق... يمكن تستغربي، بس التدريس هناك بيفكرني أنا ليه دخلت المجال ده من الأول، وبيديني إحساس إني لسه بقدر أغيّر في حياة حد."
رهف ميلت راسها بخفة وهي بتحاول تخبي فضولها:
"كلية الحقوق... حلو... طب يا ترى بتدرّس لمين؟ لطلبة صغيرين ولا..."
ضحك مؤمن وهو بيقطع كلامها:
"أغلبهم كبار في السن... وده أكتر سبب بيخليني أحب الموضوع، بحس إني قدامي ناس عايزة تتعلم بجد، مش بس عشان الشهادة."
في اللحظة دي، عين رهف لمعت وهي بتحاول تربط بين كلامه وبين اللي كانت سمعاه قبل كده... وفي دماغها بدأت تدور فكرة مش هتسيبها في حالها."
بعد ما خلصوا الغدا، طلبت منه يوصلها على البيت ويروح يجيب هو حياة ومراد عشان هي حاسة بتعب.
وافقها واعتذر منها إنها اتعرضت لموقف زي ده بسبب شغله.
فعلًا وصلها ومشي على بيت أهله.
رهف اتصلت بإيمان وطلبت تقابلها فورًا.
وفعلًا إيمان قالتلها إنها فوق في شقتها.
طلعت رهف وهي كلها غضب، وفتحت الباب وبصت لإيمان وقالت:
"إنتي لازم تسيبي الكلية لو عايزة تكملي شغل معايا."
إيمان استغربت من كلامها:
"إنتي بتقولي إيه؟ يعني إيه أسيب كليتي؟ رهف فوقي على نفسك."
زعقت رهف:
"إنتي مديونة ليا، تسمعي كلامي. أنا اللي رجعتك لمصر وخرجتك من كل التهم، وبقولك سيبي الجامعة."
رفضت إيمان وقالت:
"أنا محدش يتحكم فيا. ولو على الشغل، عندك مش عايزة."
مسكتها رهف بعنف:
"رايحة فين؟"
سحبت إيمان إيدها وقالت:
"رهف أنا مش عايزة أخسرك، بس إنتي واضح إنك فاكراني من ممتلكاتك، لا انسي."
جت تمشي ورهف مسكت فيها، وفجأة وقعت رهف واتخبطت في ترابيزة وأغمى عليها.
إيمان شهقت وشالت رهف ونزلت جري على الأسانسير ووقفت تاكسي وصرخت:
"على المستشفى بسرعة!"
"-في الطوارئ، دخلت إيمان وهي لاهثة، ووجهها شاحب من الصدمة، تصرخ:
"حد يلحق! هي وقعت على دماغها!"
الممرضين أسرعوا ونقلوا رهف على النقالة، وإيمان تمشي جنبها وهي بتحاول تفسر للطبيب:
"كانت واقفة وبعدين وقعت فجأة... خبطت راسها في الترابيزة..."
الطبيب دخل رهف فورًا على غرفة الفحص، وأغلق الباب، ووقفت إيمان في الممر، قلبها بيدق بسرعة، مش عارفة هي خايفة على رهف فعلاً ولا من اللي ممكن يحصل بعد كده.
بعد دقائق، خرج الطبيب وقال بلهجة جدية:
"محتاجين نعمل أشعة مقطعية فورًا، وفي احتمال إنها فقدت الوعي بسبب ارتجاج أو نزيف بسيط... هنحتاج نبلغ أهلها."
إيمان ابتلعت ريقها، وقررات. تتصل ب ولدة رهف
في بهو البيت، كان مومن واقف قدام أم رهف، بيحاول يلهي الأطفال وهو بيستعد ياخدهم. فجأة، رنّ موبايل الأم.
رفعت السماعة، صوت إيمان كان على الطرف التاني، متوتر وأنفاسها متقطعة:
"أنا آسفة إني بكلمك فجأة... بس رهف في المستشفى."
اتسمرت الأم مكانها، والدمعة نطّت من عينها قبل حتى ما تستوعب الكلام، شهقت شهقة قوية وصوتها اتكسر:
"رهـــــف؟!"
الأطفال انتبهوا لصوت جدتهم العالي، وابتدوا يبصوا حوالينهم بقلق. مومن اتجمد، قلبه بيخبط في ضلوعه، وهو بيحاول يفهم إيه اللي بيحصل.
مؤمن وقف مذهول... عيناه اتسعت
أم رهف تحس الدنيا اتشقّت تحت رجليها، تشهق شهقة قوية وصوتها يصرخ:
"رهف!"
مؤمن، اللي كان واقف جنبه الباب، يتجمد في مكانه والدم ينشف في عروقه، عينه تتسع وهو بيبص في الأرض بصدمة.
ممرات المستشفى كانت مليانة أصوات خطوات ونداءات الأطباء، وريحة المطهرات مغرقة الجو.
مؤمن بيجري وهو لابس جاكيت مفتوح، أنفاسه متقطعة، وعينيه بتلف تدور في كل اتجاه.
مؤمن بصوت عالي وهو بيقرب من مكتب الاستقبال:
"لو سمحت! رهف... فين أوضة رهف؟!"
الممرضة رفعت عينيها من الورق، مستغربة:
"مين حضرتك؟"
مؤمن مش قادر يسيطر على صبره:
"أنا جوزها... رهف فين؟! حالتها إيه؟"
في اللحظة دي، أم رهف ظهرت وهي ماسكة إيدين الأطفال اللي بيجروا وراها، ووشها شاحب، عينيها حمراء من البكا. أول ما شافته شهقت:
"مؤمن!"
الأطفال سابوا إيدها وجروا على ايمان
-ايمى ايمى - هى جريت عليهم ركعت في نص الممر، حضنتهم بسرعة، وحاست بإيدينهم الصغيرة بتترجف، وبصت في وش أم رهف الا بتسالها :- إيه اللي حصل؟! فين هي؟!
بصت ايمان له بعيون كلها خوف ودموع:
"- في العمليات......"
مؤمن وقف متجمد، قلبه وقع في رجليه، وعقله رجع على طول لصورة الطالبة اللي بيشوفها في الجامعة... هي نفس الاسم... ونفس الملامح.
نظر لها مومن بعيون كلها غضب وملامحه مشدودة:
"إنتِ هنا ليه؟! ومالها مراتي؟ وتعرفيها منين؟"
ابتدت إيمان توضح وهي بتحاول تهدي الموقف:
"حضرتك... أنا بكون صديقتي مدام رهف."
هز مومن راسه باستنكار، وصوته عالي وفيه شك واضح:
"أنا عارف كل أصحاب رهف، وعمرها ما قالت إن عندها صديقة زيك! واضح إنك من طرف الناس اللي عاوزين يأذوني، وروحتي عندها عشان تقتليها!"
اتسعت عيون إيمان من الصدمة، ونزلت دموعها وهي بتهز راسها رافضة الاتهام:
"أقسم بالله... ما عملت حاجة! هي اللي وقعت لوحدها!"
كانت إيمان تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة، بينما مومن يشتعل غضبًا. اقترب منها خطوة، وكأنه وحش كاسر يستعد للانقضاض على فريسته.
مؤمن:
"كفاية تمثيل! فاكرة إنك هتقدري تخدعيني بدموع التماسيح دي؟ أنا مش غبي، وشايف الكذب في عينيكي كويس أوي."
إيمان (بصوت مرتعش):
"صدقني يا أستاذ مؤمن، أنا عمري ما أذيت حد. رهف صاحبتي، ومستحيل أفكر أعمل فيها كده."
مؤمن (بتهكم):
"صاحبتك؟ يا سلام! وإيه اللي يثبت كلامك ده؟ وريني دليل واحد بس يخليني أصدقك."
نظرت إيمان حولها بيأس، تحاول أن تجد أي شيء يثبت براءتها. ثم تذكرت شيئًا في حقيبتها. أخرجت هاتفها المحمول بسرعة، وبدأت تبحث عن شيء ما.
إيمان:
"استنى يا أستاذ مؤمن، ثواني بس. أنا معايا صور وفيديوهات لينا مع بعض، هتشوف بنفسك."
بينما كانت إيمان تحاول فتح الصور، خطف مؤمن الهاتف من يدها بعنف. بدأ يتصفح الصور والفيديوهات بسرعة، وعيناه تشتعلان بنيران الغضب والشك.
مؤمن (بعد أن شاهد الصور):
"حتى لو كلامك ده صح، برضه مش هصدقك. ممكن تكوني اتعرفتي عليها قريب، أو بتخططي لحاجة أكبر. أنا مش هسمحلك تأذيها."
إيمان (بصراخ):
"يا ربي! أعمل إيه عشان تصدقني؟ أنا مش قادرة أصدق إنك بتتهمني كده."
اندفع مؤمن إلى الداخل ليجد رهف ملقاة على الأرض فاقدة الوعي. ركض نحوها بفزع، يحاول إفاقتها دون جدوى.
مؤمن (بهلع):
"رهف! رهف حبيبتي! ردي عليا!"
في هذه اللحظة، دخل طفل صغير وطفلة أكبر قليلًا إلى الغرفة.
حياة (بصوت قلق):
"بابا! ماما مالها؟"
مراد (بخوف):
"ماما نايمة؟"
تجاهل مؤمن سؤال الأطفال، وعيناه مثبتتان على رهف. ثم نظر إلى إيمان بغضب.
مؤمن (بصراخ):
"إنتِ عملتي فيها إيه؟ إيه اللي حصلها؟"
إيمان (بصدمة):
"أنا... أنا ما عملتش حاجة! هي فجأة وقعت قدامي!"
فجأة، تدخل مراد الصغير في الحديث.
مراد (ببراءة):
"طنط إيمي هي اللي بتعمل لنا الأكل كل يوم. هي كويسة أوي."
ثم أضافت حياة الصغيرة:
حياة (بحب): "طنط إيمي بتحكي لنا قصص حلوة قبل ما ننام."
توقف مؤمن عن الصراخ، ونظر إلى الأطفال بذهول. ثم نظر إلى إيمان، وعيناه تحملان خليطًا من الغضب والارتباك والدهشة.
مؤمن (بصوت هامس):
"إيه اللي بيحصل هنا؟ إيه طنط إيمي دي؟ وإنتوا مين؟"
نظرت إيمان إلى مؤمن بحزن، ثم نظرت إلى الأطفال بحب.
إيمان:
"أنا إيمان، و... أنا اللي برعى أولادك في غياب رهف."
صمت مؤمن للحظات، وعيناه تتنقلان بين إيمان والأطفال في حالة من الذهول التام. لم يستطع استيعاب ما يسمعه.
مؤمن (بصدمة):
"؟ من إمتى؟ وإزاي ما عرفش حاجة زي دي؟"
نزلت دموع إيمان رغماً عنها، وهي ترى نظرة الضياع في عيني مؤمن.
إيمان (بحزن):
"من 3 شهور يا أستاذ مؤمن."
قطع حديثهم الدكتور وهو يقول:
"المدام عندها نزيف فى المخ وهنعمل لها عميلة محتاجين موافقة."
سقط مؤمن على ركبتيه، غير قادر على استيعاب حجم الصدمة.
"طيب أنا مش فاهم… رهف تعرفك من إمتى؟"
تنهدت إيمان وقالت:
"من زمان… إحنا كنا جيران وأصدقاء في المرحلة الإعدادي والثانوي."
انصدم مؤمن وسألها:
"إنتي كنتِ معانا في مدرسة فريدة الخاصة؟"
هزت إيمان رأسها بالنفي:
"كنت في مدرسة فتيات مصر الجديدة الأزهر الشريف."
بصّ لها مؤمن باندهاش:
"دي المدرسة اللي جنب مدرستنا!"
هزت إيمان رأسها:
"آه… كنت الفترة الابتدائي والإعدادي هناك، وبعدين اتنقلت في الثانوية عند رهف."
هز مؤمن رأسه وكأنه بيتذكر:
"آه… أنا وقتها كنت اتنقلت آخر سنة لمدرسة عسكرية عشان أتهيأ وأدخل الشرطة."
سألته إيمان بلهفة:
"إزاي حضرتك ظابط وكمان دكتور؟"
تنهد مومن وتابع بنبرة عتاب:
"ليه رهف خبت عليا إنها جابتك تساعدها في أمور البيت؟ أنا عارفة إن العيال كانوا تعبنينها… ومكنتش هرفض."
إيمان ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي بتحاول تدافع عن موقف رهف:
"ممكن عشان شغلك… وممكن كانت حاسة إنك هترفض إني أنا بالتحديد أشتغل عند حضرتك."
مؤمن استغرب وسألها باستفهام:
"مش فاهم… ليه؟ إنتِ عليك إيه بالظبط؟"
إيمان تنهدت بخجل وقالت بصوت واطي:
"حضرتك… أنا للأسف بنت واحد كان عضو في تنظيم."
مؤمن (بصوت عالٍ، ملامحه متصلبة):
"تنظيم إيه بالظبط؟ يعني شكوكي كانت في محلها من البداية؟!"
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل السادس عشر 16 - بقلم صفاء حسني
الطبيب: "يا أستاذ مؤمن، المدام عندها نزيف في المخ، ولازم نعمل لها عملية حالا. محتاجين موافقتك."
رفع مؤمن رأسه ببطء، وعيناه ملؤهما الدموع واليأس.
مؤمن (بصوت مرتعش): "عملية؟ يعني... يعني في أمل إنها تخف؟"
الطبيب: "الوضع خطير، بس لازم نحاول. نوقف النزيف بيزيد، وكل دقيقة بتفرق. لو ما عملناش العملية، ممكن نخسرها."
نظر مؤمن إلى رهف الممددة على السرير، ثم نظر إلى حياة ومراد اللذين كانا ينظران إليه بخوف وقلق. لم يكن يعرف ماذا يفعل.
مؤمن (بتردد): "أنا... أنا موافق. اعملوا اللي لازم تعملوه. بس... بس أرجوكم، أنقذوها."
الطبيب: "تمام يا أستاذ مؤمن. هنبدأ نجهز للعملية فورا. بس محتاجينك تمضي على بعض الأوراق."
---
أتجه نحو الطبيب، ثم يعود ببصره إلى . يمد يده المرتعشة، يمسك بالقلم وينظر إلى أمها نظرة استغاثة صامتة. ثم يوقع، وكأن هذه اليد كانت توقع على قلبه قبل الورقة.
بعد التوقيع، يسلم مؤمن الورقة للطبيب، الذي يختفي مسرعًا في الممر. يعود مؤمن إلى مكانه، ينظر إلى إيمان وأم رهف، نظرة تجمع بين الحيرة والألم.
انتهى مومن من التوقيع وتم نقل رهف للعمليات كان الممر في المستشفى هادي نسبيًا، وفجأة ارتفع صوت أنين والدة رهف وهي بتحط إيدها على راسها وتتأوه.
أول ما تشوف بنتها داخله على العمليات
إيمان أول واحدة جريت عليها:
- "يا طنط... مالك؟! طنط!"
مومن كان واقف مش بعيد، لمح المشهد فاندفع بخوف:
- "امى ! إيه اللي بيحصلك؟!"
قبل ما حد يلحق يتكلم، والدة رهف وقعت على الأرض، عينيها مغمضة وأنفاسها متقطعة.
مومن بص لإيمان بعصبية وهو مرتبك:
- "نادي الممرضين بسرعة!"
إيمان جريت وهي بتصرخ:
- "حد يلحقنا! ممرضة! ممرضة!"
الممرضة وصلت ومعاها النقالة، بسرعة بدأوا يرفعوها عليها.
الممرضة وهي بتفحص النبض:
- "ضغطها عالي أوي... فيه اشتباه في جلطة، لازم نلحقها فورًا."
تم نقلها بسرعة لغرفة الطوارئ، وإيمان في إيدها الموبايل بتتصل بوالدتها وهي بتلهث:
- "ماما، تعالي المستشفى حالًا... وحكت الا حصل وكمان طنط منى وقعت ومحتاجينك عشان الأولاد."
بعد أقل من نص ساعة، والدة إيمان وصلت، عينيها فيها دموع حزينة وهي شايفة صديقتها في الحالة دي وبنتها فى العمليات.
أبو رهف كان واقف على جنب، وشه شاحب وبيحاول يتمالك نفسه بالعافية.
مومن قرب منه بهدوء وقال:
- "خليك قوي... إحنا محتاجينك، ورهف محتاجاك أكتر."
ثم بص للممرضة وقال:
- "من فضلك، خلي دكتور يراجع الضغط والسكر عنده... مش عايزين أي حاجة تحصل له."
الممرضة أومأت وهي بتكتب الملاحظات، وعيون الكل مليانة قلق وترقب.
---
الكاتبة صفاء حسنى
بعد ساعات من التوتر أومأ مؤمن برأسه، ونهض من مكانه بتثاقل. كان يشعر وكأن جبلًا قد انهار فوق رأسه. توجه بينما كانت إيمان تحاول تهدئة الأطفال.
إيمان (بحنان): "متخافوش يا حبايبي. ماما هتبقى كويسة. الدكتور هيخليها كويسة."
حياة (بدموع): "بس أنا عايزة ماما تصحى. أنا مش عايزة ماما تكون تعبانة."
ضمّت إيمان حياة ومراد إلى صدرها، وهي تحاول أن تخفي دموعها. كانت تعلم أن الوضع خطير، . لكنها كانت تحاول أن تزرع الأمل في قلوب الأطفال، وأن تمنحهم بعض الطمأنينة في هذا الوقت العصيب.
ذهب مومن إلى الأطفال وجلس بجوارهم. نظر إليهم بحب وحنان، ثم قال:
مؤمن (بصوت حزين): "أنا عارف إنكم خايفين، وأنا كمان خايف. بس لازم نكون أقوياء عشان ماما. لازم ندعي لها كتير عشان ربنا يشفيها وترجع لنا بالسلامة."
أومأ الأطفال برأسيهما، وبدأوا يدعون لرهف بالشفاء. نظر مؤمن إلى إيمان، وشعر بالامتنان تجاهها. كانت تقف بجانبه في أصعب الظروف، وتساعده في رعاية أطفاله.
مؤمن (بتقدير): "إيمان... أنا مش عارف إزاي أشكرك. إنتِ عملتي كتير عشانا. النهاردة أنا مش عارف كنت هعمل إيه من غيرك."
إيمان (بتواضع): "أنا ما عملتش حاجة يا أستاذ مؤمن. ده واجبي. أنا بعتبر حياة ومراد زي أولادي، ورهف زي أختي. ومستحيل أتخلى عنكم في وقت زي ده، وطنط منى امى التاني وللأسف الضغط علي عليها ونايمة كمان على السرير وهما جمايلهم مغرقينا وانا وامى مش هنسيبهم دقيقه ."
ابتسم مؤمن ابتسامة باهتة، ثم نظر إلى السماء ودعا من قلبه أن يشفي الله رهف، وأن يعينه على تحمل هذه المحنة.
خائنة خلف جدران الحب الكاتبه صفاء حسنى الفصل
مؤمن قعد قدامها وهو باين عليه الحيرة، وسألها بنبرة جدية:
ـ "طيب أنا مش فاهم... رهف تعرفك من إمتى؟"
تنهدت إيمان وقالت:
ـ "من زمان... إحنا كنا جيران وأصدقاء في المرحلة الإعدادي والثانوي."
انصدم مؤمن وسألها:
ـ "إنتي كنتِ معانا في مدرسة فريدة الخاصة؟"
هزت إيمان رأسها بالنفي:
ـ "كنت في مدرسة فتيات مصر الجديدة الأزهر الشريف."
بصّ لها مؤمن باندهاش:
ـ "دي المدرسة اللي جنب مدرستنا!"
هزت إيمان رأسها:
ـ "آه... كنت الفترة الابتدائي والإعدادي هناك، وبعدين اتنقلت في الثانوية عند رهف."
هز مؤمن رأسه وكأنه بيتذكر:
ـ "آه... أنا وقتها كنت اتنقلت آخر سنة لمدرسة عسكرية عشان أتهيأ وأدخل الشرطة."
سألته إيمان بلهفة:
ـ "إزاي حضرتك ظابط وكمان دكتور؟"
تنهد مومن وتابع بنبرة عتاب:
موضوع كبير لكن
ـ "ليه رهف خبت عليا إنها جابتك تساعدها في أمور البيت؟ أنا عارفة إن العيال كانوا تعبنينها... ومكنتش هرفض."
إيمان ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي بتحاول تدافع عن موقف رهف:
"ممكن عشان شغلك... وممكن كانت حاسة إنك هترفض إني أنا بالتحديد أشتغل عند حضرتك."
مؤمن استغرب وسألها باستفهام:
"مش فاهم... ليه؟ إنتِ عليك إيه بالظبط؟"
إيمان تنهدت بخجل وقالت بصوت واطي:
"حضرتك... أنا للأسف بنت واحد كان عضو في تنظيم."
مؤمن (بصوت عالٍ، ملامحه متصلبة): "تنظيم إيه بالظبط؟ يعني شكوكي كانت في محلها من البداية؟!"
إيمان (ترفع يديها بذعر، تحاول الدفاع عن نفسها): "لا يا أستاذ مؤمن، أرجوك تفهمني... أنا ماليش أي ذنب في أفعال والدي. كنت صغيرة جدًا وقتها، وكل حياتي وأنا بدفع ثمن أخطائه... أنا فقط كنت بساعدة رهف، لأنها كانت لطيفة معي."
أبو رهف (يتدخل بصوت حزين، يمسح دموعها بمنديل ورقي): "الحقيقة يا مؤمن، رهف هي إلا طلبت منها المساعدة. كانت خايفة أن تعرفك ، لتفتكر أنها غير قادرة على إدارة شؤون بيتها... كانت تقول دائمًا أنك لو عرفت هتزعل وهى صدقت إن علاقتكم اتحسنت
وأنا إلا كنت بدفع راتب ايمان
، ."
مؤمن ينظر إلى أبو رهف ، ثم يعود بنظره إلى إيمان، الشك والارتباك بادٍ على وجهه.
مؤمن (بصوت أخفض): "يعني كانت تحاول حمايتي علاقتنا ... ..."
مؤمن (بصوت مهموم): "مش عارف... مش عارف إيه الصح وإيه الغلط دلوقتي."
صمت للحظات، يقطعه صوت الطبيب الذي يظهر في الممر.
الطبيب (بنبرة مستعجلة وهو بيبص حوالين):
ـ يا جماعة، محتاجين دم فورًا... المريضة نزفت كتير!
مؤمن وايمان اتبادلوا نظرة سريعة، قلبهم وقع من القلق، ومن غير ما يترددوا ولا ثانية، قاموا واقفين واتجهوا بسرعة على غرفة التبرع، خطواتهم سريعة وصوت كعب رهف بيخبط في الأرض مع أنفاسها المتلاحقة، ومؤمن ماسك إيدها كأنه بيشدها عشان يوصلوا أسرع.
ممرات المستشفى كانت مليانة حركة وقلق، الأطباء والممرضات رايحين جايين قدام باب غرفة العمليات، أصوات خطواتهم تختلط بصوت الأجهزة والنداءات. ملامح التوتر باينة على وشوش الكل، والوقت بيعدي ببطء قاتل.
دخل مؤمن غرفة التبرع، الممرضة استقبلتهم بسرعة وهي ماسكة ورق الاختبار:
ـ اسمك إيه وفصيلة دمك إيه؟
مؤمن بص لها وقال:
ـ طب جربي أنا...
الممرضة أخدت منه العينة، وبعد دقايق رجعت تهز راسها هي كمان:
ـ لا... مش مطابقة.
طلبت ام ايمان تجرب
وفعلا أخدوا العينة منها
الممرضة هزت راسها بأسف:
ـ للأسف، مش هي الفصيلة المطلوبة.
قبل ما يحسوا بالإحباط، صوت هادي جه من وراهم:
ـ طب جربوا أنا...
التفتوا يلاقوا إيمان واقفة على باب الغرفة، ملامحها ثابتة لكن عينيها فيها قلق. الممرضة أخدت منها العينة بسرعة، وبعد لحظات طلعت النتيجة.
الممرضة بابتسامة ارتياح:
ـ الحمد لله... الفصيلة مطابقة تمام.
الطبيب دخل وقال بحماس:
ـ يلا بسرعة نبدأ التبرع، كل دقيقة بتفرق.
إيمان قعدت على الكرسي، شدوا على دراعها الرباط، والإبرة دخلت بهدوء، لكن قلبها كان بيدق بسرعة وهي حاسة إنها أخيرًا هتقدر تنقذ حياة صديقتها .
مؤمن وقف جنبها، بيبص لها بنظرة امتنان ممزوجة بدهشة، بينما كانت امها ماسكة إيدها وبتقول:
ـ ربنا يجزيكي خير يا إبنتى ...
في نفس اللحظة، كان خبر إصابة رهف وصل لأهل مؤمن، فاندفعوا بسرعة على المستشفى، القلق والخوف ماليين عيونهم.
كانت ايمان قاعدة في غرفة صغيرة بالمستشفى بعد التبرع شربة عصير وقاعدة هى وامها مع الأطفال، بيحاول يهديهم ويهتم بيهم، ووشها باين عليه الإرهاق والحزن. كانت ماسكة المصحف، تقرأ آيات بهدوء وصوتها يرتجف بالدعاء:
"اللهم اشفها شفاءً لا يغادر سقماً... اللهم احفظها لأولادها."
وبين كل دعوة والتانية، كانت تصلي ركعتين، دموعها تنزل وهي ساجدة، لحد ما الأطفال غلبهم النوم، وناموا في حضنها.
بهدوء، غطتهم بالبطاطين، وبصت لهم بحنية، ثم خرجت بهدوء وطلبت من أمه :
- "ممكن تفضلي معاهم دقايق؟ أنا رايحة أطمن على رهف يا امى والاطفال امانه معانا "
هزت راسها الام
أكيد يا بنتى
اتجهت بخطوات سريعة ناحية العناية المركزة، قلبها بيدق بقوة وهي شايلة هم الخبر. وفي نفس الوقت، كان والد مؤمن واقف جنبه، يقرب منه ويسأله بصوت مليان قلق:
- "يا مؤمن... إيه اللي حصل بالظبط؟"
مؤمن كان قاعد على الكرسي قدام باب العناية، عينه زائغة، إيده بتتحرك بعصبية، ووشه شاحب. أول ما سمع صوت والده، رفع عينه ببطء، وكأن الكلام تقيل على لسانه.
الوالد كرر السؤال، نبرته أعلى شوية:
- "بقولك إيه اللي حصل؟"
مؤمن بلع ريقه، حاول يتكلم، لكن صوته طلع مخنوق:
- "بابا... أنا مش عارف وبدأ يحكى الا حصل ..."
سكت، دموعه غرقت عينه، حاول يمسحها بسرعة عشان ما يبانش ضعيف.
الأب اتنهد بوجع، قعد جنبه وقال:
- "أنا مش جاي ألومك، أنا عايز أفهم... عايز أعرف مين عمل كده وليه."
في اللحظة دي، كانت إيمان قربت من المكان، وقفت بعيد، بتبص عليهم من وراء الزجاج اللي بيفصل بين ممر العناية المركزة ومكان انتظار الأهالي. قلبها اتقبض وهي شايفة رهف من بعيد، نايمة على السرير، وجهها شاحب، والأجهزة حواليها بتصدر أصوات متقطعة.
إيمان مسكت أطراف إحرام الصلاة اللي لسه على كتفها، وغمضت عينيها وهي بتتمتم:
- "يارب... قومها بالسلامة... ما تحرمش ولادها منها."
خطوات الممرضة على الأرضية جذبت انتباهها، قربت منها وقالت بهدوء:
- "حالها مستقر، بس محتاجين ندعيلها."
إيمان هزت راسها وهي بتكتم دموعها، وبصت ناحية مؤمن وأبوه، عارفة إن اللي جاي مش هيكون سهل على حد فيهم.
اقتربت إيمان من القاضي محمد، تنهدت وكأنها بتجمع شجاعتها وقالت بصوت هادي لكنه مليان رهبة:
- أنا هقولك كل اللي حصل يا فندم...
نظر لها القاضي محمد، وعينيه مليانة اندهاش وحنين قديم:
- إيمان! إنتِ رجعتي من تركيا يا بنتي؟ حمد الله على السلامة.
هزّت رأسها بابتسامة باهتة:
- حضرتك لسه فاكرني؟ أنا كنت فاكرة إن ملامحي اتغيّرت عليك.
كان مومن واقف جنبهم، بيتابع الحوار وعقله مش قادر يستوعب:
- ممكن أفهم؟ أنتم تعرفوا بعض من إمتى؟
تنهد القاضي محمد وهو بيبص لمومن وبعدين رجّع نظره لإيمان:
- إيمان دي بنت شجاعة جدًا... قدرت توقع شبكة تنظيم كبيرة، وزمان هي السبب إني أنقذتك من الموت... وهي نفسها أنقذتني من الموت.
اتجمّد مومن في مكانه، ووشه بدأ يتغير، عينيه بتلمع بين الصدمة والفخر، بينما دموع نزلت بهدوء على خد إيمان وهي تهمس:
- اللي عملته كان واجب... مش بطولة.
القاضي محمد حط إيده على كتفها بإحساس أبوي وقال:
- لا يا بنتي... اللي عملتيه مش أي حد يقدر يعمله.
وفي الخلفية، كانت أصوات الأجهزة في العناية المركزة بتدقّ بإيقاع ثابت، كأنها بتشارك في لحظة الاعتراف اللي قلبت الموازين.
نزلت دموع "إيمان" وهي بتحاول تمسحها بسرعة، وقالت بصوت مكسور:
- هو أنا مكنتش أعرف إن ابن حضرتك هو زوج "رهف"، وواضح دلوقتي فهمت ليه "رهف" طلبت مني أسيب الكلية بتاعتي وبدت تحكى إلا حصل ...
أخذت نفس عميق وكملت وهي دموعها بتنزل:
- أنا بحب "رهف" جدًا، لأنها كانت الأمل الوحيد ليا للعالم الخارجي... هي اللي كانت الحب اللي شعّ من خلف الجدران. هي كمان بطلة، ساعدتني كتير... وأول جواب بعدته لحضرتك، كانت هي المرسال. لولاها مكنتش عرفت أنقذ أي حد.
ابتلعت ريقها وكملت بصوت بيرتعش:
- أبويا كان مزروع في المنطقة دي مخصوص عشان يجمع معلومات عنكم... ولما فشلت خطط كتير، كانوا التنظيم بيجنّني... حد منهم طلب إني أتنقل مدرسة أولادكم عشان يجندوني وأعرف خطواتكم. كنت حاسة إني في مصيدة، وكل يوم كنت بخاف إن السر ينكشف أو إنكم تتأذوا بسببي...
القاضي "محمد" كان بيتأملها بعينين فيها صدمة وحزن، ومؤمن واقف جنبهم مش فاهم إزاي الدنيا لفت وربطت مصيرهم بالشكل ده.
استغرب مومن كل الكلام اللي بيتقال، وحاسس إنه فجأة في حالة غباء تام، كأن دماغه مش قادرة تستوعب.
قال وهو بيبص لها باندهاش:
- يعني رهف هتمنعك ليه عن الكلية؟
إيمان تنهدت بخجل، وبصت للأرض وهي بتحاول تجمع كلامها:
- أكيد عرفت إن حضرتك دكتور في الجامعة، وربطت إني بدرس هناك... خافت ل تعرف إني بشتغل في البيت عند حضرتك أو عند واحدة من صحابك... أكيد كان عندها سبب.
وبصوت متقطع من العياط قالت وهي رافعة إيدها:
- وأقسم بالله العظيم... أقسم بالله العظيم مرة تانية... أنا ما قربتش منها، هي اللي كانت ماسكة إيدي وبتمنعني أمشي. أنا سبت إيدها وروحت على الباب، فجأة سمعت صريخها...
صوتها اهتز وهي بتكمل:
- التفت، لاقيتها واقعة على الأرض وغايبة عن الوعي... قربت منها وبحاول أفوقها، لقيت دم على إيدي جاي من راسها...
---
قطع صوت صريخ مومن وهو بيهاجم إيمان ويتهمها بالكذب، ووشه كله غضب وشك.
لكن القاضي محمد حاول يهدي الوضع وقال لمومن:
- تعال معايا يا ابني، أعصابك تعبانة، وأنا هحكيلك كل حاجة.
بص القاضي محمد لإيمان بنبرة حانية وقال:
- خدي العيال وارجعي البيت يا بنتي... نومهم في المستشفى غلط، وكمان والدة رهف، وبكرة بإذن الله هتبقى بخير.
مومن كان بيعترض بعصبية، مسك إيد أبوه وقال بإصرار:
- تعالى معايا، اسمع كلامي.
لكن فجأة صرخ مومن وهو بيبعد إيده، وعيونه كلها شر متوجهة ناحية إيمان:
- إزاي تسمح لواحدة كانت عايزة تموت رهف إنها تاخد بالها من أولادي وتدخل بيتي؟
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل السابع عشر 17 - بقلم صفاء حسني
حاول أبوه محمد يشرح له بهدوء:
- مش أنا اللي سمحت يا ابني... رهف هي اللي عملت كده من زمان، وأولادك كانوا لسه شهور، وكبروا وهما شايفين إيمان أم تانية ليهم. ودلوقتي رهف لسه خارجة من العمليات... تعال معايا وهتفهم كل حاجة.
---
محمد (الأب) وهو بيبص لمومن بعين فيها إصرار:
ـ مش أنا اللي سمحت يا ابني... رهف هي اللي عملت كده من زمان. وأولادك كانوا لسه شهور، وكبروا وهما شايفين إيمان أم تانية ليهم. ودلوقتي رهف لسه خارجة من العمليات... تعال معايا وهتفهم كل حاجة.
مومن يتنهد بعصبية، صوته فيه انفعال:
ـ إنت ليه مصرّ تاخدني وإنت عارف إني سايب مراتي مريضة وكمان أولادي؟
محمد يهز راسه بجدية:
ـ هوريك حاجة وهترجع... إنت لازم تفهم اللي أنا فهمته عشان تعرف تتعامل.
- السيارة تتحرك وسط صمت مشحون]
مومن قاعد جنب أبوه، مش فاهم حاجة، بس إحساس جواه بيقوله يسمع كلامه.
بعد وقت وصل للبيت
[داخل بيتهم - مكتب الأب]
محمد بيفتح المكتب ويطلع رزمة أوراق ورسائل، ويحطها قدام مومن، وهو بيقوله:
ـ شوف يا مومن... ده تكملة الحكاية.
محمد يفتح طابعة رسائل موبايله، يعرض تسجيل لمكالمة قديمة من رقم إيمان، نفس يوم الحفلة اللي كانوا هيقتلوك فيها.
[ مشهد من فيديو الحفلة]
يطلب،مومن يوقف الفيديو عند وش إيمان، ويفرّز الصورة على لبسها وقتها، وصوت الإنشاد شغال في الخلفية.
محمد يكمل:
ـ وقتها... إنت دخلت الحفلة، وجيه اتصال من والد إيمان، بعد ما رهف كلّمت والدها. شوف نص المكالمة.
[صوت رهف في التسجيل]
ـ فاعل خير.
بنتك هى الا بتسرب كل مخططكم
وبتقفل الخط.
محمد يتنهد وهو بيقلب في الورق:
ـ نفس اليوم ده، إيمان ضحّت بنفسها واتجوزت شاب من التنظيم بعد ما هددوها، وعرفت منه إن مهمته يقتلك.
[كان مومن -فى حالة صدمة]
إيده بتتقلب في الورق، وعينيه مش قادرة تصدق:
ـ طب... مدام كانت عارفة إني في خطر، ليه ما بلغّتنيش؟
محمد يبص له بثبات، صوته واطي لكن تقيل:
ـ ده اللي كنت هتجنن أعرفه بعد التحقيقات... بس بعدين فهمت. رهف... مهووسة بيك. بتحبك لدرجة الجنون.
[داخل إحدى غرف المستشفى - الإضاءة هادئة، الجو ساكن، ورهف قاعدة على الكرسي جنب سرير، ملامحها هادئة وكأنها مفيش فيها أي تعب. جنبيها ست أكبر منها في السن - عمتها - قاعدة بتتفرج عليها.]
العمة (بهدوء وهي مائلة عليها):
طيب مدام كنتِ خايفة جوزك يعرف كل حاجة... ليه عملتي دراما إنك عندك نزيف وكمان خلّيتيهم يسحبوا دم منك؟
رهف (ابتسامة خبيثة وهي بتتكلم بثقة):
منكرش يا عمتي... كنت غبية شوية، بس متنسيش إنتِ اللي زمان غيّرتِ ما بيني وبين إيمان... وإنها البنت الحقيقية للنائب، وحطيتوها عند أهلها. دلوقتي بعد ما بنتهم ماتت، أنا أخدت مكانها... بس لسوء حظي، رجعت ظهرت تاني.
فلاش باك
العمة واقفة في نص الشارع الضيق، الشمس ضاربة على وشها، بتبص للبنت الصغيرة اللي قاعدة على الرصيف بتلعب بعروسة مقطوعة الإيد.
العمة بلهجة مترددة وهي بتمسح عرقها:
ـ "بُصي يا حبيبتي... أنا عمّتك... أخت أبوك."
البنت رفعت وشها ببراءة:
ـ "عَمّة؟! إنتي بتقولي إيه؟"
العمة خدت نفس طويل وكملت كلامها وهي بتبص بعيد، كأنها بتشوف حاجات قديمة:
ـ "للأسف... أخويا ومراته عملوا حادثة. أخويا مات... ومراته كانت حامل... ووقتها أنا كنت لسه ممرضة صغيرة ومش عارفة أتصرف. كان صعب أربيك... وأنا حتى معنديش بيت ثابت."
وقفت لحظة، وبصت للبنت بعينين فيها دموع:
ـ "وقتها جات في دماغي فكرة... فكرة أنا لحد النهاردة مش عارفة أقول إنها صح ولا غلط... كنت عايزاك تعيشي في بيت مستواهم كويس، تتربي زي الأميرات... ووقتها عرفت إن في زوجة شخص مهم بيشتغل في الوزارة كانت بتولد... أخدتك، وحطيتك مكان بنتها... وبنتها أنا خدتها ونزلت بيها على دور الناس البسيطة."
البنت ابتدت ملامحها تتغير، تمسك العروسة أكتر، كأنها بتدور على أمان وسط الكلام اللي بيهد الدنيا حواليها.
العمة بصوت واطي:
ـ "هناك... كانت في واحدة لسه والدة... بس للأسف طفلتها ماتت... حطيت بنت الرجل المهم مكان طفلتها اللي ماتت... ومن وقتها وأنا بتابعك من بعيد... بعرف أخبارك، بفرح لما بشوفك سعيدة... لكن اتصدمت لما البنت الحقيقية جات وسكنت قدامك... قربت من أهلها."
قربت خطوة من البنت، ونبرتها بقت جادة ومليانة تحذير:
ـ "أنا الأول افتكرت إن أهلها شاكّين، وإنهم بيعملوا كده عشان يبدّلوكم... عشان كده جيت أحكيلك. لو في يوم من الأيام اكتشفوا إنك مش بنتهم... هيعملوا إيه؟ هيرموك... وياخدوها مكانك."
الكاميرا تتثبت على وش البنت، عينيها بتلمع بخوف، وكأن كل لعبها وضحكها اللي فات ما كانش ليه أي معنى...
بلهجة مترددة وهي بتمسح عرقها:
ـ "بُصي يا حبيبتي... أنا عمّتك... أخت أبوك."
البنت رفعت وشها ببراءة:
ـ "عَمّة؟! إنتي بتقولي إيه؟"
العمة خدت نفس طويل وكملت كلامها وهي بتبص بعيد، كأنها بتشوف حاجات قديمة:
ـ "للأسف... أخويا ومراته عملوا حادثة. أخويا مات... ومراته كانت حامل... ووقتها أنا كنت لسه ممرضة صغيرة ومش عارفة أتصرف. كان صعب أربيك... وأنا حتى معنديش بيت ثابت."
وقفت لحظة، وبصت للبنت بعينين فيها دموع:
ـ "وقتها جات في دماغي فكرة... فكرة أنا لحد النهاردة مش عارفة أقول إنها صح ولا غلط... كنت عايزاك تعيشي في بيت مستواهم كويس، تتربي زي الأميرات... ووقتها عرفت إن في زوجة شخص مهم بيشتغل في الوزارة كانت بتولد... أخدتك، وحطيتك مكان بنتها... وبنتها أنا خدتها ونزلت بيها على دور الناس البسيطة."
البنت ابتدت ملامحها تتغير، تمسك العروسة أكتر، كأنها بتدور على أمان وسط الكلام اللي بيهد الدنيا حواليها.
العمة بصوت واطي:
ـ "هناك... كانت في واحدة لسه والدة... بس للأسف طفلتها ماتت... حطيت بنت الوزارة مكان طفلتها اللي ماتت... ومن وقتها وأنا بتابعك من بعيد... بعرف أخبارك، بفرح لما بشوفك سعيدة... لكن اتصدمت لما البنت الحقيقية جات وسكنت قدامك... قربت من أهلها."
قربت خطوة من البنت، ونبرتها بقت جادة ومليانة تحذير:
ـ "أنا الأول افتكرت إن أهلها شاكّين، وإنهم بيعملوا كده عشان يبدّلوكم... عشان كده جيت أحكيلك. لو في يوم من الأيام اكتشفوا إنك مش بنتهم... هيعملوا إيه؟ هيرموك... وياخدوها مكانك."
الكاميرا تتثبت على وش البنت، عينيها بتلمع بخوف، وكأن كل لعبها وضحكها اللي فات ما كانش ليه أي معنى...
اكملت رهف
ست سنين وأنا حاطة إيدي على قلبي... خصوصًا إني عارفة أمّي "منى" كانت بتحبها أوي، وكمان أبويا "عماد". فاكرة إنتِ اللي بلغتيني إنها هي، ووقتها لعبت في دماغها عشان تكشف أهلها إنهم في تنظيم... وتيجي الشرطة وتقبض عليهم وتمشي .
بس لما زهقت، أقنعت بابا إننا نعزل من المنطقة.
العمة (بضحكة خفيفة):
عارفة... بس هواسك وحبك لمؤمن كان ممكن يفضحني.
ابتسمت رهف
بالعكس انا اختارت الانسان الصح وهى ليه الفضل انى اقرب منه كنت لما بقلدها فى حاجه بعجب بي
العمة (نكست راسها بتفكير):
أنا مش عارفة حقيقتي اللي عملته في إيمان هيظهر واحدة واحدة... خصوصًا بعد ما حماك القاضي دخل اللعبة، وجمع معلومات كتير وقت رجوع إيمان.
رهف (تكمل بسرعة وكأنها بتدافع عن نفسها):
عشان كده خليتها تشتغل عندي... عشان لو حصل حاجة أعرف أتصرف. بس الصدمة الكبيرة... إن مؤمن طلع دكتور في الجامعة وشافها! ساعتها عقلي وقف.
ولما سحبت إيده ووقعت وهي ماشية... كنت لازم أتهمها إنها حاولت تقتلني. خبّطت راسي جامد في الترابيزة، وبعتلك رساله عشان تتصرفي بحكمة إنك ممرضة. والحمد لله عرفتي ابعت ليك رساله وبعت سواق اخدنا عل. المستشفى الا انتي شغالة فيها وجهزت الدكتور وطاقم التمريض... بس رجوع مؤمن مع أبوه على بيته يكشف نص الخطة. لكن فى الاخر مبرر كنت طفلة صغيرة كانت بتساعد صاحبتها... وشوية غيري عليه وحب .
العمة (تتنهد بقلق):
قلبي مش مرتاح... أنا نصحتك من البداية تبعدي عنها. كان لازم تساعديها وترجعيها.
رهف (بتصرخ بعصبية، عينيها فيها شر):
هو أنا اللي رجعتها؟! انا صدقت انها مشيت وبعت رساله ل أبوها انها خانت التنظيم بتاعهم وعقابها وسفرها وفرحت لم ماتت لكن بعد كده لم وصلت منها رسالة يوم فرحى كنت على أخري وكان لازم اتجوب معها واعرف بتعمل إيه وفعلا فضلت على كدة شهور
وعمري ما كنت أفكر أرجعها!
لكن يوم ولادتي ... اتجمعت أمها الحقيقية مع اللي ربتها، وأبوها اللي هما أصلاً فاكرين انى بنتهم ... وكمان أهل مؤمن. وطبعًا حمايا العزيز استلم الموضوع، خصوصًا إنه عارف إنها السبب في إنقاذ مؤمن.
رهف وهي بتعض على شفايفها من الغيظ، بصت في عين عمتها وقالت:
- يومها حسيت إن الدنيا كلها بتقفل عليا، كلهم كانوا حوالين بعض، وأنا اللي واقفة زي الغريبة... بس قلت مش هسيبها تكسبني، حتى لو كان لازم أخلص عليها للأبد. لكن انصدمت انها رجعت وكمان الهانم امى منى وقربت من أمها سماح إلا ربيتها بقوا سمن على العسل وأصدقاء وكل يوم يتجمعوا مع بعض قلت اشغلها وتيجي تخدمني
العمة قربت منها وهمست:
- رهف... إنتي مش فاهمة، وجودها هنا بيكشفنا واحدة واحدة، وحماكي مش سهل... الراجل ده شاطر، وبيجمع الخيوط من بدري.
رهف ابتسمت ابتسامة باردة:
- عارفة... وعشان كده أنا سبقتهم خطوة. خليت كل حاجة تبان إنها ذنبها، إشتغلت عندى وكمان فى نفس الجامعة الا فيها مومن ، وقتها يشك فيها انها عاوزة تسرق حياتنا
. وخليت الناس تشوفها وهى بتنقلنى على المستشفى بعد ما بعت ليك رساله تجيب تاكسي يوصلنا للمستشفى الا انتى شغال فيها سبحان الله نفس المستشفى الا اتولدت وانخطفت منها رجعت تاتى عليها ، لكن دلوقتي
ل اتهمها انها مجرمة وحاولت تقتلنى
... ولو الخطة مشت، هي هتخرج من حياتنا تاني زي المرة اللي فاتت.
العمة بصت لها بريبة:
- والخطوة الجاية؟
رهف قامت من مكانها ببطء، وقربت من الشباك وهي بتبص بره، وقالت بصوت واطي بس كله تحدي:
- الخطوة الجاية... هتسجن والا يسجنها هو أبوها وامها بيدهم ويكون ضدها... وضحكت ضحكة خبيثة.
مش حاولت تقتل بنتهم الا هى انا
حتى مومن نفسه. يسجنها، وساعتها هتنهار، ومش هتلاقي غير قضبان السجن
العمة هزت راسها وقالت:
- ربنا يستر، لأني حاسة إنك بتلعبي بالنار... والنار دي ممكن تولع فينا إحنا قبلها.
رهف رجعت تبص لها بعينين بتلمع خبث:
- وأنا طول عمري بحب اللعب بالنار يا عمتي... تلميذتك النار دي هي اللي بتحميني.
---
فكرت رهف وهي بتقرب من عمتها بنظرة مليانة مكر، قالت وهي بتضحك ضحكة خبيثة:
- هو مش ممكن نستغل إنها موجودة دلوقتي؟ نطلب منها دم تاني... مدام هي الوحيدة اللي ينفع تتبرع لي،
العمة بصوت فيه خبث:
ـ "إنتي صدقتي؟... إنتي ناسية إني متفقة مع البنات اللي بيسحبوا العينة يقولوا مفيش تطابق؟... كله عشان نجبر إيمان تتبرع."
رهف ضحكت ضحكة باردة، مفيهاش ذرة ندم، وقالت وهي تبص للعمة:
ـ "والحقنة اللي اتزرعت في جسمها ... كانت مستعملة، صح؟... عشان لو في أي عدوى، تسيب أثرها فيا."
العمة مالت قدام، عينيها فيها لمعة انتصار:
ـ "بالضبط... وده أضمن طريقة نخلي إيمان في الآخر ما مفيش مفر غير إنها تخسر حياتها عشانك."
ابتسمت رهف
خليهم يطلبوا منها دم تأنى المرة دي نسحب كتير... كتير قوي... لحد ما يغمى عليها.
وبعدها... خديها إنتِ، واعملي بيها أي حاجة... إنتِ شاطرة في الموضوع ده وخدى قرشين حلوين وابعت لي نصيبي .
العمة بصتلها بتركيز، وكأنها بتحاول تفهم إذا كانت بتهزر ولا بتتكلم جد.
رهف كملت وهي بتعدل خصلتها وابتسامتها بقت أوسع:
- أنا حاولت أرجع الزفت جوزها ليها... بس واضح إنه مات بجد.
العمة تنهدت وقالت وهي بتكتم انزعاجها:
- رهف... إنتي مش بس بتلعبي بالنار... إنتِ بتسكبي عليها بنزين.
رهف لمعت عينيها:
- وأهو... لما النار تولع، مش هتفرق تحرق مين الأول.
---
حسوا إن فى حد جاي
رجعت رهف مكانها و عاملة نفسها نايمة، عينيها مغمضة ركبت عمتها إلا هى الممرضة الا معها كل الاجهزه حوليها لكن ودانها شغالة كويس، بتحاول تلتقط أي حركة أو نفس.
كان المحامي اللي خسر قضيته واتشوهت سمعته، واقف خارج الغرفة وشه مليان غل، كان عايز يقتلها لكن لم سمع كلامها إيده ماسكة موبايله بيسجّل كل حاجة.
سألتها رهف
أخدت الدفتر من البيت
يجي صوت ارتباك واضح وبعدين صوت عمتها بيصرخ من بعيد:
"إنتي مجنونة؟! حد عاقل يفضح نفسه ويكتب كل حاجة زي دي؟"
رهف بنبرة مكسورة:
تنهدت رهف
"عاوزين أعمل إيه وأنا كنت صغيرة،،وجي تقول ليا كل ده ومكنتش أنفع أتكلم مع حد أو أفضفض... المهم،يا عمتي جبت الدفتر،
المهم، بعت حد يجيبه...
صوت العمة، بعد لحظة صمت مشحون:
"آه... ومعايا... في الأوضة بتاعتي."
المحامي يقفل التسجيل فجأة، يضغط أسنانه ويقوم واقف بسرعة، يفتح الشباك وياخد نفس عميق، وبعدين يبعت رسالة نصية على موبايله بسرعة لشخص مجهول:
"اسمع... هتروح فوراً تجيب الدفتر من أوضة الممرضة الا موجوده معها بسرعة ، ومعاك التسجيل ده. أي نسخة منه... كله. وتبعتهم على طول للقاضي محمد. لو حصل معايا حاجة، هو عارف يتصرف."وكمان الشرطة والنائب العام انا طلبت منه يعطيني موافقة على التسجيل وكمان الشرطة عندها علم لكن انت عارف واحدة زى ده ممكن تخرج منها فاضل أجيب اعترفها
المحامي يفضل واقف، ماسك الموبايل بإيد بتترعش، وعينه بتتحرك ناحية الباب وكأنه حاسس إن في حد بيراقبه...ويقترب منها
- "
فجأة، حسّت رهف بخطوات تقيلة بتقرب من سريرها، قلبها دق بسرعة، لكن فضلت ثابتة في تمثيلها.
ضحك ضحكة قصيرة خبيثة، وبص حواليه وهو بيكمل التسجيل.
ثم دخل عند رهف
فاكرة نفسك أذكى من الكل يا مدام رهف؟... أنا بقى جاي أسمع وأشوف بعيني كل اللي بتلعبيه."
رهف فتحت عينيها فجأة، ونظرت له ببرود:
- "إيه يا أستاذ... رجعت تدور عالشو تاني؟ ولا جاي تسترزق من ورايا؟"
هو ابتسم ابتسامة كلها تحدي:
- "أنا جاي آخد حقي... وحقي المرة دي هيبقى فوضى في حياتك، وأنتي بنفسك اللي هتفتحي الباب."
ساعتها رهف اتكأت على مخدتها، ووشها اتغير لنظرة مليانة استفزاز:
- "بس تعرف... الفوضى أنا بعرف أرقّصها على مزاجي."
المحامي قرب أكتر، وصوته بقى أوطى:
- "وأنا بعرف أستغلها لحد ما تقعك في حفرة ما تعرفيش تطلعي منها."
عيونهم اتثبتوا في بعض، والجو بينهم بقى كله حرب صامتة...
فى مكان تأنى
عند مومن - بيت رهف
مومن كان قاعد على طرف السرير، ماسك تليفون رهف، بيقلب في الرسائل بينها وبين إيمان. كل الكلام كان فيه مودة وأخوة، لكن في نص الكلام، عينه وقفت على تفاصيل صغيرة... إيمان بتحاول تفهّم رهف، تنصحها، تحذرها من الغلط.
مومن بدأ يحس إن الصورة مش كاملة... حس إن ورا الكلام ده حاجة تانية.
قام، وبدأ يفتّش في هدوم رهف. وسط الهدوم،
الكاتبة صفاء حسنى
📍 داخل غرفة المستشفى - الإضاءة بيضا وهادية بشكل مخادع
رهف قاعدة على السرير، ملامحها فيها خبث وهدوء متعمد، وبتبص للمحامي اللي واقف قدامها.
رهف (بابتسامة باردة):
"انت جيت للموت برجلك... مش لعبت قبل كده لعبة التهديد؟ فشلت... وجاي تاني تلعب نفس اللعبة؟ انت مش بتتعلم."
المحامي يتنهد وهو بيقرب خطوة:
"يعني أنا هددتك بصورة ليك يا مفترية."
رهف تضحك ضحكة قصيرة وساخرة:
"لا... انت هددتني إني عندي ضحايا كتير... بس الجديد بقى؟ إنك هتكون الضحية رقم خمسة."
رهف تومئ بعينيها ناحية الممرضة - عمتها - وكأنها بتقول كلمة السر:
"رزقك جيه برجله... اتصرفي."
العمة تبتسم ابتسامة شيطانية وهي بتعدل الجوانتي الطبي في إيدها.
في نفس اللحظة، يدخل اتنين دمرجية من ورا المحامي بدون صوت تقريباً... حركة سريعة، حقنة بتغرس في رقبته...
المحامي يحاول يتكلم لكن صوته بيختفي، إيده بتترعش، عينه بتتسع، وركبته بتخونه...
وفجأة... ---
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم صفاء حسني
باب الغرفة بيتفتح بعنف، وصوت رجولي حاد:
"ولا حركة!"
كاميرات صغيرة على صدر اتنين رجال أمن بيسجلوا كل حاجة... والممرضة العمة بتتجمد مكانها، ورهف ملامحها بتتبدل من الثقة للصدمة.
الشرطة دخلت بخطوات سريعة وحاسمة، معاهم المحامي اللي كان بيجهز خطته من شهور عشان يكشف رهف.
رهف كانت فاكرة إن كل حاجة تحت سيطرتها... لكن المحامي كان ماشي بخطى ثابتة، وفي دماغه بيرجع يتذكر لحظة بداية الخطة.
فلاش باك - مكتب القاضي محمد
المحامي: "حضرتك أنا مظلوم... وبسبب مرات ابنك مستقبلي ضاع. اتوقفت عن ممارسة المحاماة بعد سنين تعب."
القاضي محمد - بعينين غاضبة: "يعني إنت مكنتش عايز تضيع مستقبل ابني، وطلبت منها تخفي ورق من القضية؟"
المحامي - بصوت منخفض: "منكرش... لكن كل اللي طلبته ورقة واحدة، ملهاش علاقة بالقضية. كنت بشيل اسم شاهدة... الست دي متجوزة وعندها بيت وأسرة، وكنت عايز أستر عليها لأنها كانت على علاقة بالمتهم. والله عمري ما فكرت أذي حد أو ابن حضرتك... لكن مرات ابنك مش سهلة، وشغلها مشبوه... وأنا كشفتها."
القاضي - صارخًا: "اخرس! ما تبليش زوجة ابني وهي بين الحياة والموت! جاي تقول الكلام ده دلوقتي؟"
المحامي - محاولًا يقنعه: "مرات ابنك سليمة... مفيهاش حاجة. اتفرج يا فندم..."
وفتح الموبايل... عرض فيديو لرهف وهي قاعدة في غرفة عمليات مزيفة، بتاكل وتشرب عادي... بينما برا، الكل فاكر إنها تحت مشرط الجراح.
القاضي محمد - مصدوم: "دي غرفة العمليات...؟"
المحامي - برأس مهزوز: "أيوه... أنا مش فاهم إيه هدفها إنها توجع قلب الكل عليها... وتخلي الطاقم الطبي يشاركها الخداع."
تنهد المحامي وقال: "تعال معايا... أنا هفهمك كل حاجة."
مكتب النائب العام
المحامي والقاضي محمد قدموا الأدلة... التسجيلات، الصور، وفيديوهات المراقبة.
تم إصدار إذن رسمي بالتسجيل والتصوير... ومن هنا بدأوا متابعة كل حركة، لحد ما وقعوا على التسجيل الصوتي الكامل لاعتراف رهف، وكمان دفتر أسرارها اللي فضح كل أفعالها.
عودة للحاضر - المستشفى
الشرطة اتحركت فجأة على غرفة رهف، فتحوا الباب بعنف... رهف انتفضت من على السرير، والعمة اتجمدت مكانها.
الضابط: "رهف عماد الخولي... إنتِ وعمتك متهمين بالاتجار في الأعضاء، والشروع في القتل، والتآمر."
رهف - بابتسامة باهتة: "إنتو فاكرين هتقدروا تلمسوني؟"
الضابط - ببرود: "اللي في إيدينا كفاية يجيبلك حكم مؤبد."
الكاتبة صفاء حسنى
إيمان ومنى وعماد كانوا في الممر، ووجوههم متجمدة من الصدمة... شايفين رهف وهي خارجة مكبلة، وعنيها مليانة كره وهي بتصرخ:رهف وهي خارجة، حاولت تبص لإيمان،
"مش هسيبك يا إيمان... والله ما هسيبك!"
لكن الضابط شدها بعنف،
الضابط بصوت حازم:
-إنتِ ليك عين تتكلمي يا "رهف، تهمة تهديد وسط تهم كتيرة آنتى متهمة رسمياً بالتلاعب، والخداع، والتسبب في إيذاء مرضى... "وتجارة اعضاء يلا معانا!
رهف اتجمدت مكانها، عينيها بتلمع بخوف وصدمه، واللممرضة اللي كانت معاها بتترعش وهي شايلة شنطتها الصغيرة.
الشرطي مسكهم هما الاتنين، وسحبهم ناحية الباب وسط نظرات كل اللي واقفين.
إيمان وقفت مذهولة، مش قادرة حتى تطلع صوت... منى وعماد واقفين جمبها، والصدمة مرسومة على ملامحهم، كأنهم مش مصدقين اللي بيحصل.
---
الكاتبة صفاء حسنى
إيمان وقفت قدام الشرطة، صوتها عالي وهي بتزعق:
- "رهف مريضة! واخدينها ليه؟! أنتم مين أصلاً؟!"
الضابط بصّ لها بابتسامة ساخرة وقال:
- "سبحان الله... إنتِ لسه بتدافعي عنها؟ رغم إنها سرقت كل حاجة منك!"
إيمان اتجمدت، قلبها دق بسرعة وهي مش فاهمة قصده:
- "حضرتك... بتقول إيه؟! أنا مش فاهمة حاجة!"
إيدها راحت تلقائيًا على الموبايل، واتصلت بمؤمن بسرعة، صوتها بيرتعش:
- "الحق يا دكتور مؤمن... واخدين رهف! ومحدش فاهم حاجة!"
على الطرف التاني، صوت مؤمن جه هادي لكن تقيل:
- "سيبيهم ياخدوها يا إيمان... وهات الأولاد، وعمّي عماد، وعمّتي منى، وتعالي لي... وأنا هفهمك كل حاجة."
إيمان اتسعت عينيها من الصدمة، وبصّت ناحية رهف اللي كانت محاطة بالشرطة، سألتها بنبرة فيها رجاء وخوف:
- "رهف... في إيه؟! إيه اللي بيحصل؟!"
رهف رفعت راسها، ونظرة حقد في عينيها، ابتسمت ابتسامة باردة وقالت بصوت واطي لكن مليان سم:
- "في إني... هموّتك يا إيمان. مش هسيبك... أقسم بالله... مش هسيبك."
الشرطي شدّها بعنف، وهي لسه عينيها معلقة بإيمان، وكأنها بتحفر آخر تهديد في قلبها قبل ما تتسحب برّه.
مؤمن قفل الخط مع إيمان بهدوء... لكن عنيه كانت بتلمع بقلق وغضب.
مد إيده تليفون كان تحت هدوم رهف ، وطلع منه تليفون أسود قديم... التليفون السري اللي كانت مخبيها عن كل الناس.
الكاتبة صفاء حسنى
ضغط زر التشغيل... وبدأ يفتح الرسائل المسجلة.
أول رسالة، صوت رهف وهي بتتكلم مع عمتها، نبرتها مليانة خبث:
رهف: "أي حد يقرب مني... بتسلميهولك. وانتِ عارفة تتصرفي... زي ما عملنا قبل كده."
رسالة تانية... كلام بيقشعر له البدن:
رهف: "إيمان لازم نخلص منها ... الخطة ماشيه كويس. كل اللي نحتاجه اول ما ادخل المستشفى . والدكتور اللي هيكشف عليا ... يخلي التقرير يقول نزيف في المخ... وبعدها نعمل مشكلة وسط العملية. ونمنع أي حد يتبرع ليا غير إيمان. والحقنة... لازم تكون مستعملة. لو كانت من مريض سرطان... يبقى برافو عليكِ."
مؤمن اتجمد مكانه، نفسه بدأ يتقطع، قلبه بيرجع يفتكر كل لحظة كان بيظن فيها إن رهف إنسانة ضعيفة أو محتاجة حماية.
ضغط على التسجيل اللي بعده...
رهف: "لازم نخلص منها قبل ما حد يعرف إنها بنت نائب رئيس مجلس الوزراء... عماد الخولي... ولدي العزيز."
مؤمن مسك رأسه بيده... إحساس الخيانة والاشمئزاز بيغلي جواه.
كل المشاهد اللي فاتت اتجمعت قدامه... رهف، ابتسامتها المصطنعة... دموعها اللي كانت بتطلع وقت ما تحتاجه... تمثيلها إنها ضحية.
لكن دلوقتي... هو عارف إنها مش بس خطيرة... دي كانت بتلعب بحياة الناس زي ما الطفل بيلعب بقطع الشطرنج.
القاضي محمد ماسك التسجيلات ودفتر كشف رهف، عينه بتتحرك بين الورق وبين الشخص اللي جابهوله، ووشه بيشد أكتر مع كل كلمة بيسمعها.
اقتربت إيمان من أهل رهف، ملامحها فيها قلق وحيرة، وقالت بصوت عالي شوية:
"أنا مش فاهمة حاجة... كل اللي قاله مومن إني آخد الأطفال ونروح عنده، وهو هيتصرف... بس لحد دلوقتي مش فاهمة إيه اللي بيحصل!"
منى كانت منهارة، عينيها حمرا من كتر البكا، وصوتها مبحوح وهي بتصرخ في وش عماد:
"أكيد حد بيكرهك ومتبلي على بنتي!... ده اللي أخدته من منصبك... بنتي قبضوا عليها، وسمعتنا هتبقى على كل لسان... هتبقى سيرة الناس في كل مكان يا عماد!"
عماد حاول يمسك أعصابه، لكن وشه كان متوتر، وإيده ماسكة التليفون بيكلم حد:
"استني يا منى، أنا بحاول أوصل لمعلومة أكيدة... لحد دلوقتي كل اللي عارفه إنهم بيقول إنها كانت متفقة مع ممرضة فى بيع أعضاء ... ده اللي مخلّي موقفها وحش أوي."
منى قربت منه خطوة، دموعها نازلة:
"موقفها وحش إزاي؟!... دي بنتك... بنتنا... إنت مش شايف إن لازم تتحرك أسرع؟! لو اتأخرنا، ميتلفق لها تهمة عمرها ما هتطلع منها!"
إيمان كانت واقفة بينهم، قلبها بيخبط، مش عارفة تدافع عن مين، ولا تعرف الحقيقة فين، بس إحساسها بيقول إن في حد ورا الموضوع ده... حد بيخطط من بدري.
---
الكاتبة صفاء حسنى
خارجة ايمان من باب المستشفى، ماسكة إيدين الأطفال بقوة، عينيها مليانة دموع لكنها بتحاول تخفيها قدامهم. وراها أمها، ومنى، وعماد اللي بيجري ناحيتهم وهو متوتر.
عماد (بلهفة):
استني ايمان ! أنا جاي معاكي...
ايمان مش بترد، بتسرّع خطواتها ناحية العربية. عماد يلف عشان يركب عربيته وهم، لكن فجأة يقف قصاده القاضي، واقف بجسمه يسد الطريق، وعربيه الشرطة واقفة على الجنب جنب باب المستشفى، وضباط جوه العربية بيراقبوا.
القاضي (بنظرة صارمة):
مش كل حاجة تمشي على مزاجك يا أستاذ عماد... النهارده مش إنت اللي هتقرر.
عماد (بعصبية):
إبعد عن طريقي...
القاضي (هادئ لكن حاد):
لو على طريقك... أنا واقف فيه. ولو على بنتك... بنتك اقدمك أهي ليها حق تعيش من غير خوف.
---
انصدم عماد، وشه قلب أحمر من الصدمة، وصوته طلع عالي وهو بيصرخ:
- "بنت مين؟! إلّا أقدّمي بنتي أخدوها دلوقتي على قسم الشرطة! وأنا لازم ألحقها! بدل ما تساعدني، واقف أقدّمي ومش عايز ألحقها!"
منى واقفة بتترعش، عينيها مليانة دموع، وبتبص على عماد بخوف وقلق.
محمد حاول يهدّي الموقف، مد إيده قدّامهم وقال بحزم:
- "تعالوا... انت ومدام منى ومدام سعاد، هنروح عند مؤمن، وهناك هتفهموا كل حاجة."
عماد مسك نفسه بالعافية، قلبه بيخبط من الغضب والخوف، وبص لمنى وقال:
- "أنا مش فاهم حاجة، بس لو فيه حاجة مستخبيّة عني... والله ما هسيب حد!"
منى دموعها نزلت، وصوتها واطي:
- "أنا كنت خايفة أقولك... كنت خايفة تخسرني... وخسرتك أكتر."
محمد قطع الكلام:
- "يلا بينا قبل ما الوقت يضيع."
الجو بقى مشحون، والكل ساكت، مفيش غير صوت خطواتهم وهما خارجين بسرعة... رايحين لمؤمن، ومستعدين يسمعوا الحقيقة اللي هتغير كل حاجة.
حياة ومراد كانوا واقفين بيتفرجوا على الموقف بعينيهم الواسعة، مش فاهمين حاجة من اللى بيحصل، نظراتهم رايحة جاية بين الكل، والدهشة مرسومة على وشوشهم.
إيمان مدت إيديها وضمّتهم لحضنها بكل قوتها، وكأنها بتحاول تحميهم من حاجة حتى هي نفسها مش فاهمها، عينيها بتلمع بدموع الخضة والحيرة.
من غير ما حد ينطق، اتحركوا كلهم بسرعة ناحية بيت مؤمن.
في البيت، مؤمن كان واقف كإنه حجر، عيناه بتلمع بصمت والصدمة مغرقاه. دماغه مليانة بصور وكلمات مش قادرة تترتب.
دخل الحمام بخطوات تقيلة، قلبه بيخبط في صدره، ووشه شاحب.
فتح البانيو، والمية نازلة بصوت ثابت، قعد فيه وهو لابس، وساب المية تغمره، بدأ يغطس وشه وجسمه كله تحت المية، وكأنه بيحاول يمحي كل حاجة شافها وسمعها من على جلده ومن جوه قلبه.
في البانيو، المية السخنة بتغرق وشه وجسمه، وأنفاسه بتتقطع وهو مغمض عينه...
دماغه رجعته لأول مرة شاف فيها إيمان، كانت واقفة قدامه بعينين مرتبكة وابتسامة صغيرة، قلبه وقتها دق دقة غريبة، كأنه شاف حاجة ناقصاه طول عمره.
افتكر المرة اللي شافها وهي بتضحك من قلبها وسط الناس، والضحكة دي دخلت جواه من غير ما يستأذن... والمرة اللي شاف دموعها وهي بتحاول تخبي ضعفها، واللي كسر قلبه أكتر من أي وجع.
افتكر اللحظة اللي كان بيقف جنبها، حاسس إنها قريبة منه لدرجة إنه سامع دقات قلبها، بس برضه بعيدة وكأن بينهم ألف حاجز.
المية غمرت وشه تاني، بس المرة دي دموعه نزلت وامتزجت بيها... قلبه كان بيصرخ جوا صدره:
"ليه كل حاجة حلوة في حياتي بتروح؟ وليه هي بالذات؟"
--
كان البخار لسه مالي الحمّام، والمية بتتزحلق على كتف وهو واقف قدام المراية بعد ما خرج من البانيو. مسح الضباب من على الإزاز، وبص لنفسه، كإنه بيحاول يقرأ ملامحه اللي اتغيّرت من سنين.
في اللحظة دي، عقله رجّعه لورا... كل مرة شاف فيها إيمان.
أول مرة شافها كانت واقفة في الشارع تحت المطر، بحجابها لم وقع منها كتبها فيها خوف وارتباك. المرة التانية لما شافها بتضحك مع رهف، ضحكة بريئة، بس كان فيها حاجة غريبة بتشد قلبه من غير ما يفهم ليه. وآخر مرة... كانت عينيها بتلمع بالدموع وهو بيحاول ما يبانش إنه متأثر.
صوت باب الشقة بيخبط بيتفتح فجأة
قطع شريط الذكريات، خلا قلبه يدق أسرع. مسك الفوطة يلفها حواليه وبدأ يغير هدومه بسرعة، يحاول يخفي أي ارتباك في ملامحه.
تمام، هنكمل المشهد بنفس أسلوبك الدرامي ونحافظ على الجو المشحون بالأحداث.
دخلت إيمان وأهل رهف وراهم، وعماد كان بيتكلم مع محمد، لكن محمد اختار الصمت لحد ما يوصلوا البيت عند ابنه، وكان فاكر إن ابنه مش عارف أي حاجة وعايز يفتح الكلام مرة واحدة.
حتى لما سعاد طلبت إنها تنسحب هي وبنتها وقالت:
سعاد:
"يلا يا إيمان نمشي، إحنا نايمين الأطفال وتعالي."
لكن محمد رفض وقال بصوت ثابت:
محمد:
"لا، استني يا ست سعاد... إنتي وإيمان، في موضوع مهم جدًا... لازم الكل يعرفه النهاردة قبل بكرة."
الجو اتوتر فجأة، كل العيون اتوجهت لمحمد، وعماد حس إن الموضوع مش هيعدي عادي، قلبه بدأ يدق أسرع، وإيمان واقفة مكانها متجمدة، مش عارفة تتوقع إيه.
محمد بصوت مليان حدة:
"أنا ساكت على ظلم حصل من ، لكن النهاردة مش هسكت... كل حاجة لازم تتقال... وكل واحد يتحاسب على عمله!"
بصت ايمان بقلق لوالدها، وسعاد ضمت بنتها في حضنها، بينما عماد حاول يسيطر على الموقف وقال بهدوء مصطنع:
"مش فاهم يا محمد، احنا عايزين نعرف مين وراء سجن رهف بنتى وازى ياخدوها من المستشفى...
لكن محمد رد بسرعة:
"... لأن اللي حصل النهاردة كفاية إنه يفتح كل الملفات القديمة والجديدة."
---
القاضي محمد كان قاعد قدامهم، صوته هادي لكن عينه بترقب كل حركة في وشوشهم.
قال وهو بيبص ل عماد :
ـ أنتم ولّدتوا بناتكم فين بالظبط؟
بص عماد له باستغراب:
ـ إيه السؤال ده يا محمد وايه علاقته بحبس بنتى رهف ؟
القاضي مال بجسمه لقدام، وكأنه بيغوص جواهم:
ـ أجاوبك ليه؟ لأن المكان اللي اتولدت فيه البنات، ومع التحقيقات بتأكد إن رهف متنكش بنتك
اتوترت منى ،
، القاضي كمل وهو مش شايل عينه عنهم:
ـ عشان كده لازم تحددوا ميعاد الولاده واسم المستشفى
اتجمد، عماد صوته اتلخبط:
ـ إنت بتقول إيه! التخريف ده
كان "القاضي محمد قاعد ، وشه جامد وميبشرش بالخير. بص للأمهات اللي قاعدين قدامه وقال بحزم:"
القاضي:
الأمهات ترد عليا الأول وبعدين أفهمكم في إيه.
"منى، ست في أواخر الأربعين ، متوترة وباين عليها القلق، ردت بسرعة:"
منى:
أنا خلفت بنتي في المستشفى الخاص اللي في... مدان الحجاز ].
"سعاد، اللي كانت واقفة جنبها، اتصدمت من كلامها ووشها جاب ألوان. قالت بصوت مهزوز:"
سعاد:
أنا كمان ولدت إيمان في نفس المستشفى، بس في قسم التأمين.
"القاضي بص لهم بتركيز، وبعدين بدأ يشرح لهم بعد ما طلب من كل واحدة تقول كانت بتعاني من إيه وقت الولادة، وكانت ولادة طبيعية ولا قيصري. منى اتكلمت وقالت:"
منى:
أنا خلفت بنتي قيصري، وطلبت من عماد إني أولد من غير وجع. حاولوا يولدوني طبيعي بس معرفوش، فعملوا لي قيصري.
"سعاد اتنهدت بحرقة وقالت:"
أنا كان عندي مشكلة عشان مكنتش بتابع مع دكاترة. في نص التامن حسيت إن نبض البنت ضعيف، روحت المستشفى حجزوني على طول وولّدوني وكشفوا على البنت.
"فجأة، مؤمن خرج من الأوضة اللي جنبهم، شكله متعصب ومضايق. قاطع كلام سعاد وقال:"
مؤمن:
يعني بنتكِ كان قلبها ضعيف، لكن إيمان قلبها سليم ومفيهوش أي حاجة. وده يثبت كلامهم .
"مؤمن طلع موبايله بسرعة وفتح تسجيل صوتي. سمّعهم تسجيل الممرضة ل رهف وهي بتتكلم بصوت واطي ومريب."
ضغط على زر التشغيل، وبدأ صوت عمة رهف يخرج واضح في الغرفة:
"أنا كنت عارفة إني مش هقدر أربيك، فبدلتك مع بنت عيلة تانية... خليتك مكان بنتهم، وخدت بنتهم مكانك... كل ده علشان تعيشي حياة أحسن من حياتي."
الصمت خيم على المكان، وكل العيون اتجهت ل ايمان
منى وضعت إيدها على فمها وهي مش مصدقة، ودموعها نزلت فجأة:
ـ يعني... إيمان بنتي
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم صفاء حسني
سعاد اتراجعت للخلف، كأن الأرض بتتهز تحت رجليها، وإيمان نفسها وقفت مصدومة، مش عارفة تتحرك ولا تنطق.
القاضي محمد أضاف بهدوء قاتل:
ـ أهو الدليل أهو وإخراج تقرير ب والدة رهف واسم الام الحقيقة الذى كانت اخافتها العمة عن الجميع … وأظن بعد اللي سمعناه، مفيش شك إننا لازم نكمل التحقيق للآخر.
صرخت سعاد
انت بتقول انت بتكذب صح ايمان بنتى أنا
أكمل القاضي ب أسرار
أكيد "إيمان" بنتك آنتى إلا ربيتها لكن الحقيقة
انها بنتكم الحقيقية يا حضرة النائب …
القاضي محمد اعتدل في مكانه ونظر لتسجيل الصوت، وبعدين رفع عينه على منى وعماد :
ـ يبقى كده واضح إن في لعبة كبيرة اتلعبت عليكم... بس عايز أسمعها منكم. أنتم ولدتوا فين؟ في أي مستشفى؟
اتلخبط عماد وهو يبلع ريقه:
ـ فـ... في المستشفى الجامعي... يومها كان في زحمة رهيبة.
القاضي قرب ورق قدامه وقال بحدة:
ـ والممرضة اللي سلمتلكوا البنت... متأكدين إنها نفس الممرضة طول الوقت؟
منى بدموع وارتباك:
ـ لأ... يومها جات ممرضة غير اللي شوفناها قبل كده، قالتلنا إن دي بنتنا، وإحنا صدقنا... ما خطرش في بالنا لحظة إنها ممكن تكون مش بنتنا.
القاضي هز راسه وكأنه بيربط الخيوط:
ـ يعني اللي حصل إن عمة رهف بدلت البنات من أول لحظة... بنتكم اتخطفت من سريرها واتحط مكانها رهف.
كل الأنفاس اتحبست للحظة، وإيمان شهقت ودموعها غرقوا خدودها:
ـ يعني أنا طول عمري عايشة وسط ناس مش أهلي؟!
منى قامت من مكانها وجرّيت إيمان في حضنها بقوة، وهي بتبكي:
ـ لأ يا بنتي، أنتي دمي ولحمي... أنتي حياتي اللي ضاعت مني ورجعتلي دلوقتي.
حاتم بص لإيمان بعيون كلها صدمة وحزن، مد إيده يلمس وشها المرتعش:
ـ سامحيني يا بنتي... إحنا اتسرقنا منك ومن عمرنا معاك.
القاضي بص لهم بنبرة حاسمة:
ـ لسه في تفاصيل كتيرة لازم تنكشف... بس الحقيقة ظهرت. إيمان هي بنتكم، وكل اللي فات كان لعبة خطيرة من رهف وعمتها.
---
الكاتبه صفاء حسنى
---
قسم الشرطة – غرفة التحقيق الفرعية.
الجو مشحون، لمبة بيضا قوية نازلة فوق دماغهم، والجو كله توتر. رهف قاعدة على الكرسي قدام عمتها، ووشها شاحب من الصدمة. العمة متوترة، بتتحرك يمين وشمال، وصوت كعب جزمتها بيخبط في البلاط، كأنها مش قادرة تثبت في مكانها.
رهف ، وشها شاحب وعينيها منتفخة من كتر البكا. الباب اتفتح ودخلت السجانة عمتها ، عينيها كلها غضب ، لكن برضه فيها ندم .
رهف بصتلها بمرارة:
ـ ليه عملتِ كده فيا؟! ليه خلتيني أعيش كدبة كبيرة؟!
العمة حاولت تمسك إيدها، بس رهف سحبتها بعصبية:
ـ كنتِ فاكرة إنك بتحميني؟! إنتِ رميتيني في نار!
العمة بصوت مكسور:
ـ يا رهف... أنا كنت لوحدي، ماعرفتش أربيك ولا أحميك، قلت أديكي حياة أحسن... بس أنا غلَطت، غلطة عمري!
رهف صرخت:
ـ غلطة؟! الغلطة دي ضيّعت حياتي... ضيّعتني أنا
و بصوت مبحوح، وهي بتحاول تمسك دموعها:
ـ كرهتيني في إيمان، خليتيني حارباها من غير سبب، حولتيني من طفلة كل أحلامها العرايس واللعب... لبنت بتخطط وتدبّر! ليه عملتِ كده فيا؟
خائنة خلف جدران الحب الكاتبه صفاء حسنى
الفصل الاخير الخاتمه الأولى
سعاد اتراجعت للخلف، كأن الأرض بتتهز تحت رجليها، وإيمان نفسها وقفت مصدومة، مش عارفة تتحرك ولا تنطق.
القاضي محمد أضاف بهدوء قاتل:
ـ أهو الدليل أهو وإخراج تقرير ب والدة رهف واسم الام الحقيقة الذى كانت اخافتها العمة عن الجميع … وأظن بعد اللي سمعناه، مفيش شك إننا لازم نكمل التحقيق للآخر.
صرخت سعاد
انت بتقول انت بتكذب صح ايمان بنتى أنا
أكمل القاضي ب أسرار
أكيد "إيمان" بنتك آنتى إلا ربيتها لكن الحقيقة
انها بنتكم الحقيقية يا حضرة النائب …
القاضي محمد اعتدل في مكانه ونظر لتسجيل الصوت، وبعدين رفع عينه على منى وعماد :
ـ يبقى كده واضح إن في لعبة كبيرة اتلعبت عليكم... بس عايز أسمعها منكم. أنتم ولدتوا فين؟ في أي مستشفى؟
اتلخبط عماد وهو يبلع ريقه:
ـ فـ... في المستشفى الجامعي... يومها كان في زحمة رهيبة.
القاضي قرب ورق قدامه وقال بحدة:
ـ والممرضة اللي سلمتلكوا البنت... متأكدين إنها نفس الممرضة طول الوقت؟
منى بدموع وارتباك:
ـ لأ... يومها جات ممرضة غير اللي شوفناها قبل كده، قالتلنا إن دي بنتنا، وإحنا صدقنا... ما خطرش في بالنا لحظة إنها ممكن تكون مش بنتنا.
القاضي هز راسه وكأنه بيربط الخيوط:
ـ يعني اللي حصل إن عمة رهف بدلت البنات من أول لحظة... بنتكم اتخطفت من سريرها واتحط مكانها رهف.
كل الأنفاس اتحبست للحظة، وإيمان شهقت ودموعها غرقوا خدودها:
ـ يعني أنا طول عمري عايشة وسط ناس مش أهلي؟!
منى قامت من مكانها وجرّيت إيمان في حضنها بقوة، وهي بتبكي:
ـ لأ يا بنتي، أنتي دمي ولحمي... أنتي حياتي اللي ضاعت مني ورجعتلي دلوقتي.
حاتم بص لإيمان بعيون كلها صدمة وحزن، مد إيده يلمس وشها المرتعش:
ـ سامحيني يا بنتي... إحنا اتسرقنا منك ومن عمرنا معاك.
القاضي بص لهم بنبرة حاسمة:
ـ لسه في تفاصيل كتيرة لازم تنكشف... بس الحقيقة ظهرت. إيمان هي بنتكم، وكل اللي فات كان لعبة خطيرة من رهف وعمتها.
---
الكاتبه صفاء حسنى
---
قسم الشرطة – غرفة التحقيق الفرعية.
الجو مشحون، لمبة بيضا قوية نازلة فوق دماغهم، والجو كله توتر. رهف قاعدة على الكرسي قدام عمتها، ووشها شاحب من الصدمة. العمة متوترة، بتتحرك يمين وشمال، وصوت كعب جزمتها بيخبط في البلاط، كأنها مش قادرة تثبت في مكانها.
رهف ، وشها شاحب وعينيها منتفخة من كتر البكا. الباب اتفتح ودخلت السجانة عمتها ، عينيها كلها غضب ، لكن برضه فيها ندم .
رهف بصتلها بمرارة:
ـ ليه عملتِ كده فيا؟! ليه خلتيني أعيش كدبة كبيرة؟!
العمة حاولت تمسك إيدها، بس رهف سحبتها بعصبية:
ـ كنتِ فاكرة إنك بتحميني؟! إنتِ رميتيني في نار!
العمة بصوت مكسور:
ـ يا رهف... أنا كنت لوحدي، ماعرفتش أربيك ولا أحميك، قلت أديكي حياة أحسن... بس أنا غلَطت، غلطة عمري!
رهف صرخت:
ـ غلطة؟! الغلطة دي ضيّعت حياتي... ضيّعتني أنا
و بصوت مبحوح، وهي بتحاول تمسك دموعها:
ـ كرهتيني في إيمان، خليتيني حارباها من غير سبب، حولتيني من طفلة كل أحلامها العرايس واللعب... لبنت بتخطط وتدبّر! ليه عملتِ كده فيا؟
رهف بصتلها ببرود ممزوج بجرح عميق:
ـ مش هقدرة. اسامحك .. الجرح اللي عملتيه مش هيتداوى.أرجوكى يا عمتى خرجين منها قولي إنك إلا مدبر كل حاجه وانا مليش دعوه وضحية ليك
.......
عند ايمان
كانت مصدومة إيمان بدأت تحس بدوخة، إيديها بردت، عينيها دمعت وهي بتهمس:
ـ لأ… مش معقول… أنا طول عمري كنت غريبة… محدش كان عايزني… ولما لقيت مكان أحس فيه بأمان… واطلع فى الاخر إني بنت نائب وزير؟! سنين الغربة بعد ما ابوي بعنا للجماعة واستغربت ازى الاب يعمل كده وازى أنا مش متقبلة إلا بيعمله كنت مستغربه ازى وأنا طفلة لكن عقلي مخلين ارفض أي حاجه بيعملها
منى حاولت تهديها:
ـ إيمان، اهدي يا حبيبتي…
لكن فجأة، إيمان مسكت صدرها وحسّت بكتمة، لونها اصفر، وقع جسمها قدامهم على الأرض بلا وعي.
سعاد صرخت:
ـ إيييمااان!!
الكل جري عليها في لحظة. مومن دخل يجري وشافها مرمية على الأرض، قلبه وقع من مكانه. نزل بسرعة شالها بين إيديه وهو بيصرخ:
ـ بسرعة… لازم مستشفى حالًا!
الجميع جري وراه، والجو كله بقى دوشة وصريخ.
في المستشفى
مومن بيصرخ في وش الدكتور:
ـ عندها تسمم في الدم!!
الكل اتجمد مكانه، بصوا له بصدمة.
منى شهقت:
ـ إيه؟! إنت عرفت إزاي؟!
مومن تنهد ودموعه في عينيه:
ـ يوم ما أخدو منها عينة دم في التحقيق… حقنوها بحقنة ملوثة… كانوا عايزين ينهوا عليها من غير ما حد يعرف.
---
كانوا كلهم واقفين حوالين سرير إيمان، لونها شاحب، عرقها مغرقها وبتنهج بصعوبة. مومن ماسك إيدها ومش قادر يسيبها ولا ثانية، عينه مليانة دموع وهو بيصرخ في الدكتور:
مومن (بعصبية وهو بيترجى):
أغسل دمها بالله عليك، اعملها تحليل، واعرف الحقنة دي نقلتلها مرض إيه بسرعة!
الدكتور بصله باستغراب وهو رافع حاجبه:
الدكتور (ببرود):
حضرتك إحنا في مستشفى حكومي مش خاص، يعني مش أي حاجة تطلبها هنعملها. وبعدين إحنا عارفين شغلنا كويس، ماتملاش علينا تعليمات!
صوت مومن علي أكتر وهو بيترعش من الغضب:
مومن:
دي مش هزار… دي حياتها!
في اللحظة دي قام عماد واقف بغضب، صوته هز المكان:
عماد (صارخ):
إنت قصد الكلام ده؟! أوكي… هتشوف دلوقتي!
المكان اتوتر، الممرضات بصوا لبعض بخوف.
قربت ممرضة شابة بخطوات مترددة، وقالت بهدوء وهي بتحاول تفهمهم الحقيقة:
الممرضة:
حضرتك هو ماقصدش يضايقكم… بس المشكلة فعلاً إن الأجهزة هنا كلها مستهلكة، ومعظمها مش شغال. وكمان اللي شغال متحجز لمرضى تانيين… لو عايزين تلحقوا بنتكم، أنقلوها مستشفى مجهزة قبل ما الحالة تسوء أكتر.
سكتوا كلهم لحظة… قلبهم وقع.
إيمان بدأت تتنفس بصعوبة أكتر، ومؤشرات الأجهزة بتضعف.
عماد مسك تليفونه بسرعة، ووشه احمر من الغضب:
عماد (بعزم):
أنا مش هستنى!
اتصل بواحد من الوزراء، وصوته كان مليان حزم وهو بيأمر:
عماد:
عايز أجهزة غسيل دم فورًا… سرير مجهز… معدات كاملة… كل حاجة ممكن تنقذ حياة بنتي تتجاب على المستشفى الحكومي ده حالًا!
اللي واقفين اتصدموا من سلطته وسرعة رد فعله، ومومن كان ماسك إيد إيمان وبيهمس بدعاء وهو بيبكي:
مومن (بصوت مكسور):
استحمليني يا إيمان… هتلحقي… أوعدك هتلحقي.
---
المكان: مستشفى حكومي مزدحم، أصوات أجهزة وممرضات رايحة جاية.
إيمان نايمة على السرير، جسمها مرهق، وعماد واقف مش قادر يسيطر على أعصابه.
الدكتور بصوت ثابت:
– "إحنا عملنا التحليل وهيوصلنا النتيجة من المعمل بعد شوية… في الوقت ده هنبدأ نجهز لغسيل الدم وننقيه من أي تلوث."
الممرضة وهي بتدي ورق:
– "حضرتك لازم تمضي على الموافقة… الحالات دي محتاجة سرعة، وأي دقيقة بتفرق."
عماد وهو ماسك القلم بإيد مرتعشة:
– "أنا عندي استعداد أوفرلكم أي حاجة… أجهزة، أدوية، دم… حتى لو أجيب لكم مستشفى كاملة هنا، بس بنتي تعيش بالله عليكم."
الممرضة بصوت متأثر:
– "ما تقلقش يا دكتور عماد، التمريض كله متجهز، والأجهزة وصلت من الوزارة، هنبدأ فورًا."
الكاميرا تركز على فريق التمريض وهما بيلبسوا جوانتيات وبيجهزوا المحاليل والأنابيب، والدكاترة واقفين مركزين جدًا.
وفي نفس الوقت، في المعمل: جهاز التحليل بيطلع نتيجة تدريجيًا، والأخصائي بيراقب الشاشة بتركيز.
قطع المشهد على عماد وهو ماسك إيد إيمان وبيتمتم بدعاء، وصوته بيتهدج:
– "يا رب… يا رب ما تحرمنيش منها."
---
في المستشفى، الدنيا متوترة جدًا… أجهزة التحاليل شغالة والكل بيجري عشان ينقذوا إيمان، وهي على السرير عينيها نص مفتوحة وصوت جهاز ضربات القلب عامل رهبة.
الممرضة دخلت بخطوات سريعة، ماسكة ظرف مقفول بإيدها، وبتبص حواليها بتوتر. راحت للدكتور المناوب وسلمته الظرف:
"دكتور… ده جالي من وحدة في السجن قالت لازم يوصل لحضرتك فورًا."
الدكتور فتح الظرف بسرعة، لقى تقرير مكتوب بخط رسمي، جواه ورقة صغيرة مطوية زي رسالة شخصية. عينه وقعت على أول سطر في التقرير، قلبه وقع:
"في الحقنة… مادة سُمّية بتضرب الرئة مباشرة."
وقف مصدوم، وبعدين فتح الرسالة الصغيرة. كان مكتوب فيها بخط العمة:
"أنا الوحيدة اللي عندي المضاد. رهف بريئة… كانت مجرد أداة في إيدي. لو عاوزين البنت تعيش، لازم القاضي وعماد ومؤمن يوافقوا إن رهف تخرج من القضية وتكمل حياتها مع جوزها وولادها. القرار في إيديكم… حياتها قدامكم مرهونة بتوقيعكم."
الدكتور رفع وشه، عينه مليانة صدمة:
"الموضوع اتقلب ابتزاز واضح…!"
عماد وهو واقف قلبه بيتهز، مسك راسه بإيديه:
"يعني البنت دي… بتساومنا على حياة إيمان؟! بنتي بتموت وأنا مربوط بإيدها؟"
مؤمن شد نفسه لقدام، صوته متحشرج:
"الموضوع لازم يوصل للقاضي فورًا… ده مش طب ولا علاج… ده لعبة قذرة على حساب أرواح."
الجو في أوضة المستشفى بقى خانق، الأجهزة شغالة، صوت الأنابيب، وأنفاس إيمان المتقطعة، والكل بينهار بين خيارين: ينقذوا إيمان ويسيبوا رهف، ولا يخسروا الاتنين.
---
غرفة التحقيق الخاصة
القاضي محمد، عماد (نائب الوزير)، ومؤمن دخلوا الغرفة بخطوات سريعة، والعيون كلها مركزة على رهف وعمتها الجالسين وراء الطاولة. رهف في حالة انكسار واضح، دموعها محبوسة، والعمة عينيها مليانة تحدي غريب كأنها لسه ماسكة الخيوط.
جلس القاضي على الكرسي قدامهم، ضرب بيده على الطاولة وقال بسخرية:
"يعني إنتي بتهددي قاضي، ونائب وزير، وكمان نائب عام؟ إنتي هبلة ولا بتستعبطي؟ فاكرة تلوّي دراعنا بابتزاز رخيص؟"
ابتسمت العمة بثبات:
"لا سمح الله أتخطى حدودي مع ناس زيكم… لكن أنا السبب من البداية. دخلت رهف اللعبة، وكل تصرفاتها كانت نابعة من غسيل مخ أنا عملته، من تعليماتي. هي كانت مجرد أداة."
نظرت لعماد بعيون متحدية وقالت:
"والغلط مش بس فيا… الغلط فيكم كلكم. دلعتوها زيادة، عمر ما حد حسبها على غلطة، ما فكرتوش تودوها لدكتور نفسي وهي طفلة ولا تخلوها تعيش حياة سوية. ساعتها أنا مكنتش هقدر أقتحم حصونكم ولا ألعب في دماغها. رهف بريئة في نظري، مجرد عروسة لعبة بخيوط في إيدي. لكن دلوقتي؟ حرام تتسجن بذنب مالهاش علاقة بيه. كل جريمتها إنها عرفت الحقيقة وخبت."
ضرب مؤمن الطاولة بغضب وصوته اتغير:
"جريمتها الخيانة! خانت الكل، لعبت بمشاعر الكل، ومش بعيد حتى ضربة الرصاص اللي اتصابت بيها كانت تمثيلية… لعبة جديدة عشان تظهر نفسها ضحية. والنهاردة نفس اللعبة، ابتزاز بحياة إيمان مقابل حريتها."
العمة ابتسمت باستهزاء وهي ميلة لقدام:
"يبقى كده عرفت كل حاجة… بس في الآخر مفيش ورقة قانونية واحدة تدين رهف. أنا آه، عندكم عليا أدلة، لكن هي؟ مجرد ظلّ. واللي معايا يا إما يقتلوني يا إما يهربوني… ده نصيبي. بس أولادك يا سيادة النائب… إيه ذنبهم يعيشوا من غير أم؟"
وقفت العمة ونظرت مباشرة في عيني مؤمن:
"إنت طول عمرك فاكر نفسك ظابط شاطر، وبعدين نائب عام بارع، لكن ما عرفتش تفتح قلب زوجتك في سنتين، ولا تكون صديقها، ولا حبيبها الكافي اللي تخاف تخسره وتقولك كل حاجة. الفشل مش بس في رهف، الفشل جوا بيتكم."
مؤمن بصوت متحشرج:
"الدلائل عندنا… الدفتر، تسجيلات المكالمات، كل حاجة."
ضحكت الممرضة اللي كانت واقفة في الركن بصوت بارد:
"دلائل ولا مش دلائل، قلب الستات أضعف من قلوب الرجالة. نفس التهديد وصل لماما إيمان… الست اللي ربتها. والام الحقيقة منى وسلمونى الدفتر والتليفون كل حاجه مقابل حياة ايمان
القرار في إيدكم: تختاروا حياة إيمان… ولا عقاب رهف."
---
طلب مومن يدخل ل رهف وتكون ل وحده بعيد عن عمتها وبالفعل الظابط ساعده
في زنزانة صغيرة ملامحها باهتة من كتر البرد والظلمة، رهف قاعدة على الكرسي الحديدي وإيدها بتترعش. الباب اتفتح فجأة، دخل مومن بخطواته الهادية بس عينيه كلها قسوة
كانت رهف قاعدة على الكرسي، دموعها محبوسة في عيونها، وشعرها باين من تحت الحجاب، عينيها فيها خوف وغضب متداخل.
دخل مؤمن والغضب ظاهر على ملامحه.
رهف بصوت مكسور أول ما شافته:
"الأطفال… حياة ومراد… طمّني، عاملين إيه؟"
مؤمن وقف قدامها، ابتسم بخبث:
"إنتِ عايزة تفهميني إنك بتحبي أولادك أكتر من نفسك؟ أنا مش غبي يا رهف. أنا كاشفك من زمان. عارف إنك أنانية… بس ما كنتش متصور إنك توصلي تتفقّي مع عمتك وتستغلي حياة إيمان عشان تخرجي ."
اقترب منها، صوته اتغيّر وبقى صرخة غاضبة:
"تسمم إيمان؟! … بس أقولك إيه… دين تدان!"
رهف شهقت وبدأت تدافع:
"أنا… أنا ما قصدتش…"
مؤمن قطع كلامها بصوت هادر:
"يعني كنتِ بتتعاملوا مع التنظيم! عرفتيهم مكاني… واخترتي رجلي بالذات عشان تكسري ظهري واطلعي من الشرطة. صح؟"
رهف رفعت راسها بشوية ثقة غريبة وقالت بدموع:
"عشان كل البنات كانوا بيجروا وراك… البدلة بتاكل منك حتة كل يوم البنات بيفضلوا يتكلموا عنك … بس إنت لي ، أنا الوحيدة اللي ليّا الحق فيك. محدش يمتلكك غيري!"
مؤمن ابتسم بسخرية جارحة:
"خلي جشعك يظهر كمان وكمان؟ حتى لما ايمان حذّرتك وقالتلك هات عنوان القاضي… عشان ابنه في خطر؟ إنتِ اللي بعت المكالمة للتنظيم بنفسك. عشان تتعاقب! كنتِ عارفة إنهم هيودوها سوريا… وعارفة إن هناك حرب… بس أنانيتك فاقت كل الحدود."
اقترب منها أكتر، عينه في عينها:
"ولما اتصلت بيك من تركيا وقالتلك إنها هناك… نفس الندالة! بلغتِ التنظيم وجوزها… عشان يوصلوا لها. بس خططك كلها طلعت في الهوا… لأن إيمان رب الكون حماها. واليوم اللي الرسالة اتلقطت فيه… كلهم وقعوا، واتمسكوا. والكارثة؟ إنهم عرفوا إنك اللي بعتيهم. سلّمتِهم في تركيا!"
رهف ابتلعت ريقها، جسدها بدأ يرجف.
مؤمن واصل بصوت مرعب:
"يعني حتى لو خرجتي … هما مش هيسيبوك. عقابهم جاي. أما جوز إيمان؟ باطل… زواج بلا دليل، ولا دخل بيها… إنتِ كنتِ عارفة ده، وبرضه بعتّي ناس تدور عليه عشان يرجع ياخدها. ولما وصلك خبر موته… اتوترتي… وبدأتي تقعي في الغلط ورى الغلط."
رهف انهارت… بكت بحرقة، أول مرة تبين انكسارها الحقيقي.
---
. وقف قدامها وقال بصوت بارد:
مومن:
هتخرجي يا رهف… بس بشروطي.
رهف (بانفعال):
شروط إيه تاني؟!
مومن (ابتسامة ساخره):
أول شرط… هتمضي على ورق التنازل عن أولادك.
رهف اتنفضت وحاولت تعترض، بس هو رفع إيده يوقفها وكمل بنفس البرود:
عندي ألف دليل أظهر بيهم إنك مش أم صالحة. الأولاد هيبقوا معايا… وتشوفيهم وقت ما أنا أسمحلك. يا تمضي… يا تفضلي في السجن.
رهف اتنهدت بضعف، عينيها مليانة دموع:
:
يعني ممكن تضحي بحياة إيمان وتسبني هنا؟
ضحك مومن ضحكة باردة وهو يرد:
إظهري على حقيقتك يا رهف… إيمان ربنا هو اللي حافظها، اتعرضت للموت مليون مرة ورغم كده رجعها ليا.
إنتي اللي محتاجة الديل ده… نكمل ولا أخرج وأسيبك؟
رهف هزت راسها باستسلام، لكنها همست بخوف:
رهف:
بس أنا… ممكن بعد ما أخرج آخدهم منك… إيه اللي يضمنلك؟
مومن ضحك بتهكم وهو يرد:
مومن:
ده شغلي بقى.
تاني حاجة… هتمضي على ورق طلاقنا. أنا معنديش استعداد أعيش ثانية مع واحدة مجنونة زيك.
رهف صرخت بجنون، صوتها رج الزنزانة:
رهف:
إنت ملكي أنا… كلك ملكي! لو مش ليا… مش هتكون لحد غيري!
مومن ابتسم بسخرية، وعينيه كلها تحدي:
مومن:
هترجعي تقتلي كل اللي يقرب مني زي زمان؟ جربي… وأول ما تعمليها هرجعك السجن.
ورايح… ما أشوفش وشك.
وقف لحظة وسكت، وبعدين بص لها ببرود وهو يديها الورق:
أهلك إلا ربوكى مهنوتش عليهم للأسف بعد كل ده فقررار
هيكون ليكي فلوس في حسابك… تعيشي بيهم.
لكن ممنوع سحب كاش… بس أكل وشرب.
الأولاد… أنا اللي هاجيبهم ليكي ساعة ما أحب.
وممنوع تنطقي كلمة زيادة مش عايز أولادى يطلعوا مرضي نفسينا زيك
تمام يا قلبي 🌹، خليني أرتبلك المشهد ده بشكل درامي متماسك ومنسق من غير ما أفقد أي تفصيلة:
مومن كان قاعد قدام رهف، فتح الأوراق قدامها وحط القلم في إيدها وهو بيقول ببرود:
ــ امضي هنا… إمضي وخلي الموضوع يخلص.
رهف إيديها كانت بترتعش، دمعها مغرق وشها، لكن مضت على ورق الطلاق والتنازل عن الأولاد.
وبمجرد ما خلصت الإمضاء، مومن رفع راسه وقال ببرود جارح:
ــ آه، نسيت أقولك حاجة…
شكراً إنك خليتي إيمان هي اللي تربي أولادي. شكراً إني كنت أناني، أفضل خروجي ونواديي على حساب ولادك. عارفة؟ ولادك دلوقتي بيسألوا على إيمان أكتر منك… حتى افتكروكي “طلعتِ عند ربنا”. وبيفضلوا ليل ونهار يدعوا إنها ما تروحش عند ربنا وتفضل معاهم.
كلماته نزلت عليها زي السهام، قطع قلبها قبل ما يسيبها ويمشي من غير ما يبص وراه.
رهف فضلت تصرخ وتلطم وتعيط لحد ما صوتها رجّ المكان كله. الشرطة دخلوا بسرعة، مسكوها وهي بتقاوم وودوها على زنزانة انفرادي.
مومن بعدها راح لعمة رهف، دخل عليها وقال وهو بيرمي الورق:
ــ خلاص، موافقين تخرج… ده إخلاء سبيلها.
وبالمناسبة، في حساب باسمها في البنك، لو عايزة تخلصي الورق وتطلعيها قبل ما تموت نفسها جوا.
العمة شهقت، وشها اتبدل:
ــ تموت نفسها؟! بتقول إيه يا مومن؟!
مومن ابتسم بسمة كلها خبث:
ــ عشان اطلقني. إنتي أكتر واحدة عارفة بنت أخوكي مجنونة بيا قد إيه… أول ما فكرت تبعد عني عقلها اتلخبط. يا تلحقيها… يا متلحقهاش.
العمة اتصدمت، لكن وهي مضطربة اضطرت تقول له على مكان العلاج من التسمم، همست له بكلمة سر ما بينه وبين الدكتور.
مومن طار على طول على عيادة في حارة ضيقة، دخل وقابل الدكتور اللي مستني الكلمة. أول ما قالها، الدكتور سلمه العلاج في علبة صغيرة.
لكن ما لحقش يخرج… الشرطة اللي كانت متتبعة خطواته اقتحمت المكان، وقبضوا على الدكتور.
ولما فتحوا غرفة جانبية في العيادة… كانت الصدمة.
تتبع
رهف بصتلها ببرود ممزوج بجرح عميق:
ـ مش هقدرة. اسامحك .. الجرح اللي عملتيه مش هيتداوى.أرجوكى يا عمتى خرجين منها قولي إنك إلا مدبر كل حاجه وانا مليش دعوه وضحية ليك
.......
عند ايمان
كانت مصدومة إيمان بدأت تحس بدوخة، إيديها بردت، عينيها دمعت وهي بتهمس:
ـ لأ… مش معقول… أنا طول عمري كنت غريبة… محدش كان عايزني… ولما لقيت مكان أحس فيه بأمان… واطلع فى الاخر إني بنت نائب وزير؟! سنين الغربة بعد ما ابوي بعنا للجماعة واستغربت ازى الاب يعمل كده وازى أنا مش متقبلة إلا بيعمله كنت مستغربه ازى وأنا طفلة لكن عقلي مخلين ارفض أي حاجه بيعملها
منى حاولت تهديها:
ـ إيمان، اهدي يا حبيبتي…
لكن فجأة، إيمان مسكت صدرها وحسّت بكتمة، لونها اصفر، وقع جسمها قدامهم على الأرض بلا وعي.
سعاد صرخت:
ـ إيييمااان!!
الكل جري عليها في لحظة. مومن دخل يجري وشافها مرمية على الأرض، قلبه وقع من مكانه. نزل بسرعة شالها بين إيديه وهو بيصرخ:
ـ بسرعة… لازم مستشفى حالًا!
الجميع جري وراه، والجو كله بقى دوشة وصريخ.
في المستشفى
مومن بيصرخ في وش الدكتور:
ـ عندها تسمم في الدم!!
الكل اتجمد مكانه، بصوا له بصدمة.
منى شهقت:
ـ إيه؟! إنت عرفت إزاي؟!
مومن تنهد ودموعه في عينيه:
ـ يوم ما أخدو منها عينة دم في التحقيق… حقنوها بحقنة ملوثة… كانوا عايزين ينهوا عليها من غير ما حد يعرف.
---
كانوا كلهم واقفين حوالين سرير إيمان، لونها شاحب، عرقها مغرقها وبتنهج بصعوبة. مومن ماسك إيدها ومش قادر يسيبها ولا ثانية، عينه مليانة دموع وهو بيصرخ في الدكتور:
مومن (بعصبية وهو بيترجى):
أغسل دمها بالله عليك، اعملها تحليل، واعرف الحقنة دي نقلتلها مرض إيه بسرعة!
الدكتور بصله باستغراب وهو رافع حاجبه:
الدكتور (ببرود):
حضرتك إحنا في مستشفى حكومي مش خاص، يعني مش أي حاجة تطلبها هنعملها. وبعدين إحنا عارفين شغلنا كويس، ماتملاش علينا تعليمات!
صوت مومن علي أكتر وهو بيترعش من الغضب:
مومن:
دي مش هزار… دي حياتها!
في اللحظة دي قام عماد واقف بغضب، صوته هز المكان:
عماد (صارخ):
إنت قصد الكلام ده؟! أوكي… هتشوف دلوقتي!
المكان اتوتر، الممرضات بصوا لبعض بخوف.
قربت ممرضة شابة بخطوات مترددة، وقالت بهدوء وهي بتحاول تفهمهم الحقيقة:
الممرضة:
حضرتك هو ماقصدش يضايقكم… بس المشكلة فعلاً إن الأجهزة هنا كلها مستهلكة، ومعظمها مش شغال. وكمان اللي شغال متحجز لمرضى تانيين… لو عايزين تلحقوا بنتكم، أنقلوها مستشفى مجهزة قبل ما الحالة تسوء أكتر.
سكتوا كلهم لحظة… قلبهم وقع.
إيمان بدأت تتنفس بصعوبة أكتر، ومؤشرات الأجهزة بتضعف.
عماد مسك تليفونه بسرعة، ووشه احمر من الغضب:
عماد (بعزم):
أنا مش هستنى!
اتصل بواحد من الوزراء، وصوته كان مليان حزم وهو بيأمر:
عماد:
عايز أجهزة غسيل دم فورًا… سرير مجهز… معدات كاملة… كل حاجة ممكن تنقذ حياة بنتي تتجاب على المستشفى الحكومي ده حالًا!
اللي واقفين اتصدموا من سلطته وسرعة رد فعله، ومومن كان ماسك إيد إيمان وبيهمس بدعاء وهو بيبكي:
مومن (بصوت مكسور):
استحمليني يا إيمان… هتلحقي… أوعدك هتلحقي.
---
المكان: مستشفى حكومي مزدحم، أصوات أجهزة وممرضات رايحة جاية.
إيمان نايمة على السرير، جسمها مرهق، وعماد واقف مش قادر يسيطر على أعصابه.
الدكتور بصوت ثابت:
– "إحنا عملنا التحليل وهيوصلنا النتيجة من المعمل بعد شوية… في الوقت ده هنبدأ نجهز لغسيل الدم وننقيه من أي تلوث."
الممرضة وهي بتدي ورق:
– "حضرتك لازم تمضي على الموافقة… الحالات دي محتاجة سرعة، وأي دقيقة بتفرق."
عماد وهو ماسك القلم بإيد مرتعشة:
– "أنا عندي استعداد أوفرلكم أي حاجة… أجهزة، أدوية، دم… حتى لو أجيب لكم مستشفى كاملة هنا، بس بنتي تعيش بالله عليكم."
الممرضة بصوت متأثر:
– "ما تقلقش يا دكتور عماد، التمريض كله متجهز، والأجهزة وصلت من الوزارة، هنبدأ فورًا."
الكاميرا تركز على فريق التمريض وهما بيلبسوا جوانتيات وبيجهزوا المحاليل والأنابيب، والدكاترة واقفين مركزين جدًا.
وفي نفس الوقت، في المعمل: جهاز التحليل بيطلع نتيجة تدريجيًا، والأخصائي بيراقب الشاشة بتركيز.
قطع المشهد على عماد وهو ماسك إيد إيمان وبيتمتم بدعاء، وصوته بيتهدج:
– "يا رب… يا رب ما تحرمنيش منها."
---
في المستشفى، الدنيا متوترة جدًا… أجهزة التحاليل شغالة والكل بيجري عشان ينقذوا إيمان، وهي على السرير عينيها نص مفتوحة وصوت جهاز ضربات القلب عامل رهبة.
الممرضة دخلت بخطوات سريعة، ماسكة ظرف مقفول بإيدها، وبتبص حواليها بتوتر. راحت للدكتور المناوب وسلمته الظرف:
"دكتور… ده جالي من وحدة في السجن قالت لازم يوصل لحضرتك فورًا."
الدكتور فتح الظرف بسرعة، لقى تقرير مكتوب بخط رسمي، جواه ورقة صغيرة مطوية زي رسالة شخصية. عينه وقعت على أول سطر في التقرير، قلبه وقع:
"في الحقنة… مادة سُمّية بتضرب الرئة مباشرة."
وقف مصدوم، وبعدين فتح الرسالة الصغيرة. كان مكتوب فيها بخط العمة:
"أنا الوحيدة اللي عندي المضاد. رهف بريئة… كانت مجرد أداة في إيدي. لو عاوزين البنت تعيش، لازم القاضي وعماد ومؤمن يوافقوا إن رهف تخرج من القضية وتكمل حياتها مع جوزها وولادها. القرار في إيديكم… حياتها قدامكم مرهونة بتوقيعكم."
الدكتور رفع وشه، عينه مليانة صدمة:
"الموضوع اتقلب ابتزاز واضح…!"
عماد وهو واقف قلبه بيتهز، مسك راسه بإيديه:
"يعني البنت دي… بتساومنا على حياة إيمان؟! بنتي بتموت وأنا مربوط بإيدها؟"
مؤمن شد نفسه لقدام، صوته متحشرج:
"الموضوع لازم يوصل للقاضي فورًا… ده مش طب ولا علاج… ده لعبة قذرة على حساب أرواح."
الجو في أوضة المستشفى بقى خانق، الأجهزة شغالة، صوت الأنابيب، وأنفاس إيمان المتقطعة، والكل بينهار بين خيارين: ينقذوا إيمان ويسيبوا رهف، ولا يخسروا الاتنين.
---
غرفة التحقيق الخاصة
القاضي محمد، عماد (نائب الوزير)، ومؤمن دخلوا الغرفة بخطوات سريعة، والعيون كلها مركزة على رهف وعمتها الجالسين وراء الطاولة. رهف في حالة انكسار واضح، دموعها محبوسة، والعمة عينيها مليانة تحدي غريب كأنها لسه ماسكة الخيوط.
جلس القاضي على الكرسي قدامهم، ضرب بيده على الطاولة وقال بسخرية:
"يعني إنتي بتهددي قاضي، ونائب وزير، وكمان نائب عام؟ إنتي هبلة ولا بتستعبطي؟ فاكرة تلوّي دراعنا بابتزاز رخيص؟"
ابتسمت العمة بثبات:
"لا سمح الله أتخطى حدودي مع ناس زيكم… لكن أنا السبب من البداية. دخلت رهف اللعبة، وكل تصرفاتها كانت نابعة من غسيل مخ أنا عملته، من تعليماتي. هي كانت مجرد أداة."
نظرت لعماد بعيون متحدية وقالت:
"والغلط مش بس فيا… الغلط فيكم كلكم. دلعتوها زيادة، عمر ما حد حسبها على غلطة، ما فكرتوش تودوها لدكتور نفسي وهي طفلة ولا تخلوها تعيش حياة سوية. ساعتها أنا مكنتش هقدر أقتحم حصونكم ولا ألعب في دماغها. رهف بريئة في نظري، مجرد عروسة لعبة بخيوط في إيدي. لكن دلوقتي؟ حرام تتسجن بذنب مالهاش علاقة بيه. كل جريمتها إنها عرفت الحقيقة وخبت."
ضرب مؤمن الطاولة بغضب وصوته اتغير:
"جريمتها الخيانة! خانت الكل، لعبت بمشاعر الكل، ومش بعيد حتى ضربة الرصاص اللي اتصابت بيها كانت تمثيلية… لعبة جديدة عشان تظهر نفسها ضحية. والنهاردة نفس اللعبة، ابتزاز بحياة إيمان مقابل حريتها."
العمة ابتسمت باستهزاء وهي ميلة لقدام:
"يبقى كده عرفت كل حاجة… بس في الآخر مفيش ورقة قانونية واحدة تدين رهف. أنا آه، عندكم عليا أدلة، لكن هي؟ مجرد ظلّ. واللي معايا يا إما يقتلوني يا إما يهربوني… ده نصيبي. بس أولادك يا سيادة النائب… إيه ذنبهم يعيشوا من غير أم؟"
وقفت العمة ونظرت مباشرة في عيني مؤمن:
"إنت طول عمرك فاكر نفسك ظابط شاطر، وبعدين نائب عام بارع، لكن ما عرفتش تفتح قلب زوجتك في سنتين، ولا تكون صديقها، ولا حبيبها الكافي اللي تخاف تخسره وتقولك كل حاجة. الفشل مش بس في رهف، الفشل جوا بيتكم."
مؤمن بصوت متحشرج:
"الدلائل عندنا… الدفتر، تسجيلات المكالمات، كل حاجة."
ضحكت الممرضة اللي كانت واقفة في الركن بصوت بارد:
"دلائل ولا مش دلائل، قلب الستات أضعف من قلوب الرجالة. نفس التهديد وصل لماما إيمان… الست اللي ربتها. والام الحقيقة منى وسلمونى الدفتر والتليفون كل حاجه مقابل حياة ايمان
القرار في إيدكم: تختاروا حياة إيمان… ولا عقاب رهف."
---
طلب مومن يدخل ل رهف وتكون ل وحده بعيد عن عمتها وبالفعل الظابط ساعده
في زنزانة صغيرة ملامحها باهتة من كتر البرد والظلمة، رهف قاعدة على الكرسي الحديدي وإيدها بتترعش. الباب اتفتح فجأة، دخل مومن بخطواته الهادية بس عينيه كلها قسوة
كانت رهف قاعدة على الكرسي، دموعها محبوسة في عيونها، وشعرها باين من تحت الحجاب، عينيها فيها خوف وغضب متداخل.
دخل مؤمن والغضب ظاهر على ملامحه.
رهف بصوت مكسور أول ما شافته:
"الأطفال… حياة ومراد… طمّني، عاملين إيه؟"
مؤمن وقف قدامها، ابتسم بخبث:
"إنتِ عايزة تفهميني إنك بتحبي أولادك أكتر من نفسك؟ أنا مش غبي يا رهف. أنا كاشفك من زمان. عارف إنك أنانية… بس ما كنتش متصور إنك توصلي تتفقّي مع عمتك وتستغلي حياة إيمان عشان تخرجي ."
اقترب منها، صوته اتغيّر وبقى صرخة غاضبة:
"تسمم إيمان؟! … بس أقولك إيه… دين تدان!"
رهف شهقت وبدأت تدافع:
"أنا… أنا ما قصدتش…"
مؤمن قطع كلامها بصوت هادر:
"يعني كنتِ بتتعاملوا مع التنظيم! عرفتيهم مكاني… واخترتي رجلي بالذات عشان تكسري ظهري واطلعي من الشرطة. صح؟"
رهف رفعت راسها بشوية ثقة غريبة وقالت بدموع:
"عشان كل البنات كانوا بيجروا وراك… البدلة بتاكل منك حتة كل يوم البنات بيفضلوا يتكلموا عنك … بس إنت لي ، أنا الوحيدة اللي ليّا الحق فيك. محدش يمتلكك غيري!"
مؤمن ابتسم بسخرية جارحة:
"خلي جشعك يظهر كمان وكمان؟ حتى لما ايمان حذّرتك وقالتلك هات عنوان القاضي… عشان ابنه في خطر؟ إنتِ اللي بعت المكالمة للتنظيم بنفسك. عشان تتعاقب! كنتِ عارفة إنهم هيودوها سوريا… وعارفة إن هناك حرب… بس أنانيتك فاقت كل الحدود."
اقترب منها أكتر، عينه في عينها:
"ولما اتصلت بيك من تركيا وقالتلك إنها هناك… نفس الندالة! بلغتِ التنظيم وجوزها… عشان يوصلوا لها. بس خططك كلها طلعت في الهوا… لأن إيمان رب الكون حماها. واليوم اللي الرسالة اتلقطت فيه… كلهم وقعوا، واتمسكوا. والكارثة؟ إنهم عرفوا إنك اللي بعتيهم. سلّمتِهم في تركيا!"
رهف ابتلعت ريقها، جسدها بدأ يرجف.
مؤمن واصل بصوت مرعب:
"يعني حتى لو خرجتي … هما مش هيسيبوك. عقابهم جاي. أما جوز إيمان؟ باطل… زواج بلا دليل، ولا دخل بيها… إنتِ كنتِ عارفة ده، وبرضه بعتّي ناس تدور عليه عشان يرجع ياخدها. ولما وصلك خبر موته… اتوترتي… وبدأتي تقعي في الغلط ورى الغلط."
رهف انهارت… بكت بحرقة، أول مرة تبين انكسارها الحقيقي.
---
. وقف قدامها وقال بصوت بارد:
مومن:
هتخرجي يا رهف… بس بشروطي.
رهف (بانفعال):
شروط إيه تاني؟!
مومن (ابتسامة ساخره):
أول شرط… هتمضي على ورق التنازل عن أولادك.
رهف اتنفضت وحاولت تعترض، بس هو رفع إيده يوقفها وكمل بنفس البرود:
عندي ألف دليل أظهر بيهم إنك مش أم صالحة. الأولاد هيبقوا معايا… وتشوفيهم وقت ما أنا أسمحلك. يا تمضي… يا تفضلي في السجن.
رهف اتنهدت بضعف، عينيها مليانة دموع:
:
يعني ممكن تضحي بحياة إيمان وتسبني هنا؟
ضحك مومن ضحكة باردة وهو يرد:
إظهري على حقيقتك يا رهف… إيمان ربنا هو اللي حافظها، اتعرضت للموت مليون مرة ورغم كده رجعها ليا.
إنتي اللي محتاجة الديل ده… نكمل ولا أخرج وأسيبك؟
رهف هزت راسها باستسلام، لكنها همست بخوف:
رهف:
بس أنا… ممكن بعد ما أخرج آخدهم منك… إيه اللي يضمنلك؟
مومن ضحك بتهكم وهو يرد:
مومن:
ده شغلي بقى.
تاني حاجة… هتمضي على ورق طلاقنا. أنا معنديش استعداد أعيش ثانية مع واحدة مجنونة زيك.
رهف صرخت بجنون، صوتها رج الزنزانة:
رهف:
إنت ملكي أنا… كلك ملكي! لو مش ليا… مش هتكون لحد غيري!
مومن ابتسم بسخرية، وعينيه كلها تحدي:
مومن:
هترجعي تقتلي كل اللي يقرب مني زي زمان؟ جربي… وأول ما تعمليها هرجعك السجن.
ورايح… ما أشوفش وشك.
وقف لحظة وسكت، وبعدين بص لها ببرود وهو يديها الورق:
أهلك إلا ربوكى مهنوتش عليهم للأسف بعد كل ده فقررار
هيكون ليكي فلوس في حسابك… تعيشي بيهم.
لكن ممنوع سحب كاش… بس أكل وشرب.
الأولاد… أنا اللي هاجيبهم ليكي ساعة ما أحب.
وممنوع تنطقي كلمة زيادة مش عايز أولادى يطلعوا مرضي نفسينا زيك
تمام يا قلبي 🌹، خليني أرتبلك المشهد ده بشكل درامي متماسك ومنسق من غير ما أفقد أي تفصيلة:
مومن كان قاعد قدام رهف، فتح الأوراق قدامها وحط القلم في إيدها وهو بيقول ببرود:
ــ امضي هنا… إمضي وخلي الموضوع يخلص.
رهف إيديها كانت بترتعش، دمعها مغرق وشها، لكن مضت على ورق الطلاق والتنازل عن الأولاد.
وبمجرد ما خلصت الإمضاء، مومن رفع راسه وقال ببرود جارح:
ــ آه، نسيت أقولك حاجة…
شكراً إنك خليتي إيمان هي اللي تربي أولادي. شكراً إني كنت أناني، أفضل خروجي ونواديي على حساب ولادك. عارفة؟ ولادك دلوقتي بيسألوا على إيمان أكتر منك… حتى افتكروكي “طلعتِ عند ربنا”. وبيفضلوا ليل ونهار يدعوا إنها ما تروحش عند ربنا وتفضل معاهم.
كلماته نزلت عليها زي السهام، قطع قلبها قبل ما يسيبها ويمشي من غير ما يبص وراه.
رهف فضلت تصرخ وتلطم وتعيط لحد ما صوتها رجّ المكان كله. الشرطة دخلوا بسرعة، مسكوها وهي بتقاوم وودوها على زنزانة انفرادي.
مومن بعدها راح لعمة رهف، دخل عليها وقال وهو بيرمي الورق:
ــ خلاص، موافقين تخرج… ده إخلاء سبيلها.
وبالمناسبة، في حساب باسمها في البنك، لو عايزة تخلصي الورق وتطلعيها قبل ما تموت نفسها جوا.
العمة شهقت، وشها اتبدل:
ــ تموت نفسها؟! بتقول إيه يا مومن؟!
مومن ابتسم بسمة كلها خبث:
ــ عشان اطلقني. إنتي أكتر واحدة عارفة بنت أخوكي مجنونة بيا قد إيه… أول ما فكرت تبعد عني عقلها اتلخبط. يا تلحقيها… يا متلحقهاش.
العمة اتصدمت، لكن وهي مضطربة اضطرت تقول له على مكان العلاج من التسمم، همست له بكلمة سر ما بينه وبين الدكتور
مومن طار على طول على عيادة في حارة ضيقة، دخل وقابل الدكتور اللي مستني الكلمة. أول ما قالها، الدكتور سلمه العلاج في علبة صغيرة.
لكن ما لحقش يخرج… الشرطة اللي كانت متتبعة خطواته اقتحمت المكان، وقبضوا على الدكتور.
ولما فتحوا غرفة جانبية في العيادة… كانت الصدمة
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل العشرون 20 - بقلم صفاء حسني
رواية خائنة خلف جدران الحب بقلم صفاء حسني
انصدم مومن لما شاف ثلاجات صف ورا بعض، وكل واحدة فيها أجزاء متقطعة من أجسام بني آدمين… مكتوب عليها أسماء، ومين المفروض يستلمها.
المنظر كان مرعب، مومن اتجمد مكانه والشرطة نفسهم اتصدموا.
---
اعترف الدكتور بعد القبض عليه وهو مرعوب:
ــ اللي كانت شغالة معايا من الأول هي العمة.
الكلمة دي قلبت الدنيا.
بدأت العمة في التحقيقات تنهار وتفضح أسماء تقيلة: مسؤولين، سماسرة، وحتى دكاترة كبار. اعترفت إنهم كانوا بيستغلوا الجثث اللي “ملهاش حد” أو المتشوهة، خصوصًا أيام المظاهرات… من 25 يناير لحد اعتصام رابعة. كانت بالنسبة لهم “سبوبة”.
كلامها كان صدمة… ناس كتير قلبها اتشحتف على أولادهم اللي اختفوا قسري، وناس تانية اتجننت من كتر الظلم. مومن كان واقف، قلبه بيتقطع وهو فاهم إن اللي قدامه مش مجرد جريمة فردية… دي شبكة كبيرة مربوطة بتنظيمات وعدو للبلد. الحقيقة ضاعت وسط الدم، ومحدش بقى عارف مين الصح ومين الغلط… والضحايا كانوا البسطاء اللي صدقوا الأمل، ودفعوا التمن غالي.
مومن ما فكرش في حاجة وقتها غير إيمان. بص للظابط وقال له:
ــ خليني أوصل العلاج… دي ل ايمان
الظابط هز راسه بابتسامة:
ــ روح يا صاحبي… وهفضل فخور إننا مسكنا قضية زي دي بسببك. اسمك مش هيتنسي.
جرى مومن بأقصى سرعة، وصل المستشفى، دخل عند الدكتور وسلمه العلاج.
تم حقن إيمان… والساعات اللي بعدها كانت كابوس. مابين الحياة والموت، نفسها بيتقطع، والأجهزة بتصرخ. لكن في الآخر… بدأت تسترد وعيها شوية بشوية.
مومن قعد جنبها، ماسك إيدها. أول ما فتحت عينيها شافت علبة صغيرة في إيده. فتحها… كان فيها خاتم.
ــ تتجوزيني يا إيمان؟
قبل ما تلحق ترد… حياة ومراد دخلوا جارين عليه، بصوت طفولي مليان براءة:
ــ يا طنط إيمان، إحنا بنحبك… ماما طلعت عند ربنا، وما لناش غيرك.
إيمان بصتلهم وهي مش فاهمة، لكن مومن غمز لها بمعنى “سيبي الباقي عليّ”.
في الوقت ده، كانت رهف خارجة من السجن، عربية خاصة واخداها على محافظة بعيدة. شقة مجهزة بكل حاجة وحراسة تحت البيت. لكن قلبها موجوع… فقدت مومن.
مومن اتفق مع الحراسة يراقبوها كويس.
كل يوم رهف كانت بتروح البحر، تقعد بالساعات تحكي مع خيال شايفاه:
ــ إنت سامحتني يا مومن؟ بتحبني؟
وكان الخيال يرد عليها:
ــ آه يا رهف… بحبك ومقدرش أعيش من غيرك.
كانت تبتسم وتصدق.
منى حسّت إن رهف لازم تتشاف. طلبت من مومن تزورها. راحت لها… لقت رهف قاعدة على الأرض ماسكة لعبة قديمة، بتكلمها كأنها طفلة:
ــ ماما منى… مومن معايا، ومراد وحياة معايا… رجعوا ليا. عايشين هنا معايا، بعيد عن إيمان والعمة وكل الناس الوحشة.
منى دموعها نزلت… حضنتها وقالت:
ــ سامحيني يا بنتي… معرفتش أكون الأم الصح ليكي. بس صدقيني، هتتعالجي، وهتبقي كويسة.
وفعلاً خدوها على مستشفى نفسي. هناك قابلت دكتور شاب بدأ يتكلم معاها ويدوي جراحها.
رهف لأول مرة حسّت إن في حد بيسمعها… بيديها اهتمام حقيقي.
شوية شوية، فهمت إن اللي كان عندها مش حب… كان هوس.
وإن الهوس عمره ما كان حب.
---
الكاتبه صفاء حسنى
---
كانت إيمان لسه مرمية ع السرير في المستشفى، وشها شاحب وعنيها باين فيها الإرهاق.. كل نفس بتاخده كأنه صراع بين الحياة والموت. ساعات بتسرح في اللحظة اللي كانت فيها خلاص هتفارق الدنيا، والدموع بتنزل من غير ما تحس.
دخل مومن عليها، واقف قدامها بابتسامة فيها خبث وقال:
"إيه يا إيمان؟ مش عايزة تفكري تراجعي نفسك؟ العرض لسه قائم، مكانك جنبي موجود."
بصت له إيمان بعنيها الضعيفة بس مليانة كرامة وقالت بصوت مهزوز:
"أنا ممكن أكون وقعت بين إيدك.. وممكن الموت نفسه كان أقربلي منك.. بس مستحيل أخون صاحبة عمري! رهف بالنسبالي مش مجرد صاحبة، دي أخت، وأي سبب في الدنيا مش هيخليني أخد مكانها."
ضحك مومن بسخرية، وقرب منها وهو يقول:
"هتفضلي مثالية كده لحد إمتى؟ الدنيا ما بترحمش يا إيمان، وأنا مش بلعب."
دمعة نزلت من عينها، مسحتها بسرعة وقالت بكل إصرار:
"حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدي.. مش هكون أنا السبب في كسرة قلب رهف. أنا عشت لحظة الموت وشوفت قديه الحياة قصيرة.. ومش هقابل ربنا بعار الخيانة."
سكت مومن للحظة، نظر لها بنظرة غامضة وقال:
"يبقى استحملي اللي جاي يا إيمان.. لأنك اخترتِ الطريق الصعب."
إيمان أخدت نفس عميق، ورغم ضعفها حسّت جواها إن ربنا واقف معايا ، وإنه مهما حاول مومن يلعب، عمره ما هيقدر يبدّل الحق بالباطل.
---
رجعت إيمان من المستشفى، ملامحها لسه باهتة من التعب، بس عينيها مليانة وجع وقرار صعب.
سعاد كانت ماشية جنبها ماسكة إيديها بحنان الأم اللي عمرها ما سابتها لحظة.
وقفت قدام البيت، لقت منى وعماد مستنيينها. ملامحهم مشوشة ما بين فرحة إنها بخير، وحزن من رفضها الدائم ليهم.
منى بصوت متقطع وهي بتحاول تمسك إيدها:
– "تعالي معانا يا إيمان… بيتنا بيتك، انتي مش غريبة عننا… انتي بنتي، بنتي اللي شيلتك جوا بطني تسع شهور."
إيمان هزت راسها، والدموع مغرقة عينيها، صوتها مبحوح لكنه ثابت:
– "بس مربتنيش… مربتنيش يا طنط. أنا كبرت هنا… وسط الست اللي كانت بتضرب وتتبهدل عشان تسد جوعي… الست دي هي اللي ربّتني، هي اللي علمتني أكون إنسانة."
عماد حاول يقرب، صوته فيه رجاء:
– "إيمان… محدش فينا اختار الظروف دي، رهف نفسها ضاعت في النص، ليه تكملي في العناد ده؟ انتي ليكي حق علينا."
إيمان اتحولت ناحيته بغضب مكتوم:
– "حق؟! وشرع مين أو دين مين اللي يخليني آخد مكان رهف؟! هي اللي اتظلمت… هي اللي اتسرق عمرها عشان الحقيقة دي. إزاي عايزني أكون بديل؟!"
منى وقعت على كرسي قدامها ودموعها نازلة:
– "بس انتي مش بديل… انتي بنتنا الحقيقة."
إيمان عضت شفايفها من القهر، قلبها بيتقطع، لكنها مسكت إيد سعاد وضمتها ليها:
– "الحمد لله… لولاك يا ماما ما كنتش بقيت واقفة هنا. يمكن أنتي مش اللي جبتيني الدنيا… لكن أنتي اللي علمتيني أعيشها. أنتي أمي… ومش هتخليكي."
سعاد بصت لمُنى وعماد بعينين كلها وجع ودموع، وقالت بهدوء:
– "البنات مش بالدم… البنت باللي يربيها ويصونها. إيمان اختارت… ومحدش هيقدر يغير اختيارها."
وسابتهم ماشيين وهي ماسكة إيد سعاد، وقلبها بينزف، بس عقلها رافض يعيش على حساب جرح صاحبتها رهف.
بعد أيام من المحاولات من رفض قرب حد منها أن كان مومن أو عماد أو منى
رجعت إيمان الجامعة بعد ما صحتها ابتدت تتحسن شوية، بس لسه عايشة في دوامة تعب نفسي رهيب. كل الناس حواليها كانوا مستغربين قرارها؛ ليه رفضت ترجع مع منى وعماد أهلها الحقيقيين؟ وليه رافضة تقبل حب مومن؟ محدش قادر يجاوب… حتى رهف نفسها ابتدت تتعالج، يمكن عشان خلاص عرفت إن إيمان اختارت طريق غيرها.
إيمان كانت بتحاول تعيش عادي، تحضر محاضراتها، وتذاكر، وتثبت لنفسها إنها قادرة تقف على رجليها من تاني. بس كان فيه عينين بتطاردها في كل ركن بالجامعة… عينين مومن.
كان دايمًا بيراقبها من بعيد، وأوقات يضغط عليها بكلمة أو محاولة يقرب، بس هي دايمًا تبعد وتصد.
وده كان بيجننه: "ليه؟ أنا مغلطتش فيكي…"
وفي يوم، وهي واقفة في نص ساحة الجامعة، فجأة لقت مومن بيقف قدامها، كأنه سد الطريق عليها.
ملامحه مليانة وجع، وصوته متكسر وهو بيقول:
"إنتي ليه رافضاني؟ رغم إنك عارفة إني ضحية زيي زيك… لعبوا بينا وخدعونا. أنا حبيتك إنتي… والله دورت عليكي، بس رهف كانت بتخفي أي طريق يوصلني ليكي. يمكن مكنتش أعرف إسمك ولا حياتك فين… لكن ملامحك! ملامحك عمرها ما غابت عن عيني. ليه دايمًا حاسة إني باخد مكانها؟"
سكت لحظة، عينيه مليانة رجاء:
"إيمان… صدقيني، أنا دلوقتي مش بشوف غيرك."
إيمان اتجمدت مكانها، عينيها لمعت بالدموع، وفجأة انفجرت فيه بصوت عالي قدام كل اللي في الساحة:
"عشان دي الحقيقة يا مومن! إنت عايز مربية لأولادك مش أكتر… الحب مش بيتولد في يوم وليلة! إنت كنت بتحب رهف، كنت بتنام معاها وتوعدها بكلام كله حب. هتنكر ده؟! كنت بتعيط بالدموع عشانها، واتهِمتني أنا إني السبب إنها في الحالة دي دلوقتي. وفجأة كده اكتشفت إنك بتحبني؟!"
"إنت عاوز إيه مني يا مومن؟! عاوز واحدة تربي عيالك وخلاص؟! أنا مش هبقى مربية عندك. إنت نفسك معرّفتش تفهم زوجتك، ولا حتى تعرف عنها حاجة… وعاوزني أصدق إنك في لحظة حبيتني؟! لا، إنت بتضحك على نفسك… أو بتنافقني!"
الكلمة الأخيرة وقعت عليه زي الطعنة، قلبه اتشل، بس مومن ماعرفش يبين ضعفه… عض شفايفه من الغيظ، ورفع صوته فجأة:
مومن (بانفعال):
"أنا منافق؟! طيب إنتي إيه؟ مش عايشة في دور البريئة اللي ملهاش ذنب؟! مع إنك عارفة كويس إن أنا وإنتي الاتنين ضحايا رهف! عارفة إنها لعبت بينا… ومع كده بتتعاملي كإني أنا الجاني!"
سكت لحظة، وصوته بقى أخشن وهو بيخفي وجعه:
مومن:
"ما تلعبيش دور المظلومة عليا، إنتي اخترتي البُعد، وأنا اخترت فبرحتك لكن هتندم يا ايمان
كانت واقفة قدامه، عينيها مليانة غضب ووجع وهي بتقول:
إيمان (بحدة):
صوتها كان مليان كسرة وقهر، وهي بتبعد خطوتين، دموعها بتنزل وهي بتكمل بصوت أهدى بس جارح:
"أنا مش هقبل أبقى بديلة لحد، ولا هعيش في وهم اسمه حب… اللي بيتولد من جرح."
إيمان اتجمدت مكانها، دموعها وقفت في عينيها، بس فضّلت ساكتة…
نظر لها بغضب
اخر كلام ماشي يا ايمان لكن هتندم
أما هو، لف وخرج بسرعة، سايب وراه جرح أعمق من اللي حاول يخفيه.
إيمان كانت لسه خارجة من المكان ، قلبها مخنوق بعد ما سابت مؤمن بالكلام الجارح اللي تبادلوا فيه. حاولت تمسك نفسها قدام الناس،
وتتذكر فلاش باك
إيمان قاعدة على السرير، غرفة هادية بالمستشفى، ملامحها شاحبة من التعب، وعينيها متعلقة في السقف كأنها بتسأل الدنيا "ليه؟".
الباب اتفتح فجأة وبهدوء، دخلت شخصية ملثمة، لابسة أسود بالكامل، خطواته تقيلة ومرعبة. إيمان رفعت عينيها بارتباك، تحركت على السرير بخوف:
ـ إنت مين؟! عاوز إيه؟
الملثم ما اتكلمش ولا كلمة، مدّ إيده بورقة صغيرة وسبها على الترابيزة جنبها، وبنفس الهدوء خرج وسابها مرتبكة، قلبها بيدق بسرعة، عينيها مليانة رعب.
مدّت إيمان إيدها المرتعشة وخدت الورقة، فتحتها بسرعة، وقرايتها خلت الدم يتجمد في عروقها:
"إياكي ترجعي لأهلك... أو تقربي من مومن... وإلا هنقتلك، ونقتل أمك سعاد، ومش بعيد مومن وأهلك كلهم."
إيمان شهقت بخوف، الورقة وقعت من إيدها، إيدها مسكت صدرها من الرعب، دموعها نزلت من غير ما تحس. همست بصوت مكسور:
ـ حتى هنا... حتى في المستشفى؟!
وضغطت راسها في المخدة وهي بتحس إنها محاصرة من كل ناحية، وإن حياتها اتحولت لسجن مالوش مفر.
بس أول ما قعدت على كرسي في جنينة الجامعة، موبايلها رن برسالة جديدة.
بإيد مرتعشة فتحتها…
"برافو عليكي 👏 نفذتِ المطلوب. كده والدتك في أمان بعيد عن الخطر."
الكلمات وقعت عليها زي الصاعقة. عينيها غرقت بالدموع، والموبايل وقع من إيدها.
جلست على الأرض وسط الطلبة، من غير ما تحس بمكانها ولا بالناس اللي بدأت تبص عليها. دموعها كانت بتنزل غصب عنها، وصوتها اتكسر وهي تهمس:
ـ "أنا مالي… أنا مليش دعوة… أنا تعبت… نفسي أعيش بسلام بقى… تعبت من التهديدات والصراعات… عايزة أرتاح… كفاية."
حضنت ركبتيها وبقت تبكي كطفلة ضايعة، مش عارفة تروح لمين ولا تصدق مين… كل اللي حاسة بيه إنها اتسحبت في دوامة أكبر من قدرتها.
بعد أيام وشهور من محاولات مومن مع ايمان ومفيش امل
تمام ✨ خليني أرتبلك المشهد بأسلوب درامي مشوّق ومنسّق من غير ما أفقد المحتوى اللي كتبتيه:
بعد شهور طويلة من محاولات مومن المستمرة مع إيمان، وهو بيجري وراها في كل مكان، كلام واعتذارات ووعود، وحتى أولاده بقوا وسيلته الأخيرة… مفيش فايدة.
كان مؤمن قاعد في شقته، وسط هدوء قاتل، وهو باصص لأولاده وهما نايمين في حضنه. قلبه بيتقطع كل ما يشوف ملامحهم البريئة اللي مالهمش ذنب في أي حاجة.
اتنهد وقال لنفسه:
"يمكن السفر هو الحل... أبدأ من جديد، بعيد عن كل الوجع، بعيد عن كل الوجوه اللي بتفكرني باللي ضاع."
وبالفعل، قرر ياخد أولاده ويسافر. أهله وافقوا، وأبوه بنفسه اتدخل وساعده في نقله كـ وزير خارجية مصر في دولة أوروبية. الكل اعتبر ده انتصار له، لكنه من جواه كان شايفه هروب.
لكن في يوم عادي، وهو بيحزم شنطه، جاله صديق قديم من الداخلية. دخل عليه بابتسامة فيها جدية وقال:
"يا مؤمن... نسيت إنك كنت السبب إننا نمسك شبكة كبيرة؟ الداخلية قررت ترجعك الشرطة تاني. وجودك مهم... وإحنا مش هنسيبك تمشي."
:
وقف مؤمن مذهول وهو بيسمع صديقه، عينيه متسعة وصوته فيه رجفة:
إزااااي؟! أنا رجعت الشرطة؟! مش من زمان نفس الداخلية دي رفضتني وقالوا الحادثة عملالي إعاقة! دلوقتي فجأة بقوا شايفني صالح للخدمة؟
تنهد الصديق وهو باين عليه حرج:
اللي عرفته يا مؤمن… إن زوجتك رهف هي السبب. وقتها قدمت تقرير من المستشفى، كتبه الدكتور، وكان صحيح بنسبة معينة. لكن لما الرئيس عرف إنك السبب في القبض على الشبكة الكبيرة… استغرب جدًا. إزاي نخسر ضابط زيك؟
قرب منه خطوة وقال بجدية:
بعد التحريات الدقيقة لقوا إن كل التقارير اللي اتبعت للداخلية كانت مزورة. وإنك في الحقيقة كويس، لا عندك إعاقة ولا حاجة تمنعك من الخدمة.
فضل مؤمن واقف في صمت، صراع رهيب جواه… بين فرح خفي إنه رجع لبدلته اللي طول عمره عشقها، وبين ألم عميق وهو بيكتشف أن رهف اللي كانت السبب فى كل حاجة … وصوته خرج مبحوح
مؤمن وقف مذهول، قلبه اتخبط من جوه، وصوته خرج مبحوح:
رهف… انتى دمرتني رهف… انتى دمرتني
أنا تعبت! مش قادر أعيش نفس الدوامة من جديد. أنا خلاص خسرت كل حاجة... الحب، الأمان، حتى راحتي."
الصديق قرب منه، حط إيده على كتفه وقال:
"عارف وجعك... بس يمكن ربنا كاتبلك تبدأ بداية مختلفة، مش عشان نفسك بس... عشان البلد اللي محتاجاك. أوقات الألم بيكون الطريق للرسالة اللي ربنا عايز يوصلها مننا."
مؤمن سكت، عينه دمعت وهو بيبص لأولاده. حس إن قدره بيرجعه رغمًا عنه.
وقف قدام المراية، وشاف ملامحه اللي اتغيرت من كتر الجروح، وقال لنفسه:
"يمكن دي فرصتي الأخيرة... إني أكون أب وأكون ضابط في نفس الوقت. يمكن المرة دي أقدر أكتب نهاية مختلفة."
"صاحبه كمل كلامه وقال: "واحنا بنعمل التحريات، اكتشفنا حاجة غريبة حصلت."
مؤمن سأل بفضول: "إيه كمان؟ قلبي مبقاش مستحمل."
صاحبه ابتسم وقال: "ماتخافش."
"فيه ممرضة دخلت لإيمان قبل ما ترجع بالعلاج وهددتها، وقالت لها لو فكرت تقرب منك أو ترجع لأهلها هيقتلوا أمها اللي ربتها."
"
مومن كان واقف مدهوش من كلام صديقه، عينيه مليانة قلق وحيرة، صوته مهزوز وهو بيقول:
إيه اللي بتقوله ده؟! يعني كل اللي حصل لإيمان ورفضها ترجع مش من نفسها؟!
صديقه قرب منه، حاطط إيده على كتفه كأنه بيطبطب عليه وقال بنبرة جدية:
أيوه يا مومن، الممرضة اعترفت بعد ما اتقبض عليها. قالت إن في ناس من الشبكة اللي كنت بتطاردها وصلوا لإيمان وهددوها، قالوا لها لو رجعتلك أو حاولت تتكلم هيموتوا الست اللي ربتها.
مومن فتح عينيه على الآخر، قلبه اتقبض، حس كأن جبل نزل فوق صدره:
يعني كل ده، كل البُعد، وكل الدموع... عشان التهديد ده؟! يا رب سامحني أنا ظلمتها، فكرت إنها اختارت تبعد عني!
صديقه اتنهد وهو بيكمل:
عشان كده يا صاحبي الداخلية غيرت قرارها. عرفوا إنك كنت مظلوم، وإنك كنت ضحية لعبة كبيرة. الرئيس نفسه استغرب إزاي واحد زيك يتركن على جنب! دلوقتي عايزينك ترجع، لأنك أثبت إنك مش بس ضابط، إنت بطل حقيقي.
مومن سكت لحظة، ماسك راسه بإيده، صوته كله وجع:
طب وإيمان؟! إزاي هبص في وشها تاني بعد كل اللي حصل؟! أنا جرحتها بكلامي، وكنت فاكرها بتبيعني!
صديقه ابتسم ابتسامة خفيفة، لكن عينه كان فيها جدية:
إيمان لسه بتحبك يا مومن، وده باين في كل كلمة قالتها وقت التحقيق. بس هي اتكسرت من جوا. لازم ترجع لها، وتثبتلها إنك سندها، زي ما هي كانت دايمًا سندك.
مومن رفع عينه للسما، دمعة نزلت غصب عنه، وقال بصوت خافت:
والله ما هسيبها تاني... ولا هسيب حقي ولا حقها يضيع.
كان مومن واقف في شرفة مكتبه ، عينيه مليانة تفكير وحيرة، ماسك كباية الشاي اللي برد من كتر ما سرح.
دخلت منى وهي شايلة ورق، وقبل ما تسلّمه لاحظت علامات الشرود على وشه.
سالته منى:
"واضح إنك سرحان أوى يا مومن… في إيه؟"
مومن وهو بيرسم ابتسامة صغيرة:
"عايزك تعمليلي خدمة يا طنط منى."
سالته منى باستغراب:
"أمر… إيه هي؟"
مومن:
"اتصلي بإيمان… وقولي لها تيجي النادي. قوليلها إن حياة ومراد نفسهم يشوفوها… وإنهم مشتاقين ليها."
سكتت منى لحظة، رفعت عينيها له بتردد وقالت:
"مومن… انت عارف إنها مش هتوافق. إيمان رافضة أي حد يقرب منها بطريقة صعبة. أنا قلت لنفسي يمكن وقت… يمكن أيام… شهور… لكن دلوقتي قربنا نكمل سنة وهي على نفس الحال!"
ابتسم مومن ابتسامة فيها إصرار غريب وقال بهدوء:
"اسمعي كلامي يا طنط منى… وهتفهمي كل حاجة."
كانت ابتسامته دي مش مجرد ابتسامة عادية… كانت ابتسامة راجل شايف الصورة من بعيد، وواخد قرار إنه مايسيبش إيمان تغرق أكتر في وحدتها وخوفها.
في الليل
إيمان قاعدة في الصالة، لابسة تريننج بسيط، شعرها مربوط بسرعة، وإيديها مشغولة بترتيب أوراق على الطربيزة قدامها. فجأة موبايلها يرن، بتبص فيه بتنهيدة، اسم امى منى ظاهر.
إيمان (بضيق وهي بترد):
– ألو يا طنط منى… خير؟
حزنت منى (بنبرة دافية):
– طنط ازيك يا إيمان؟ وحشاني والله.
إيمان (بتحاول تبقى باردة):
– معلش مشغولة، قولي عاوزة إيه.
طلبت منى وهى (بتاخد نفس طويل):
– بصي… في ناس مشتاقينلك أوي، حياة ومراد، عمالين يسألوا عليك كل يوم. حياتي الصغيرة بتقول عاوزة أشوف طنط إيمان.
إيمان سكتت لحظة، صوتها اتغير خفيف كأنها بتحارب دمعة:
– منى… بلاش تفتحيلهم باب مش هيتقفل.
ردت منى (بلطف أكتر):
– مش باب يا إيمان… ده حضن ناقص. الأطفال محتاجين يشوفوكي، وأنتي كمان… محتاجة تشوفيهم. صدقيني مش هيجرالك حاجة، دي ساعة واحدة في النادي، مكان آمن وزحمة.
إيمان (بعصبية دفاعية):
– قلتلك قبل كده، أنا مش عايزة أي حد يقرب مني. الموضوع منتهي.
اتكلمت منى (بإصرار وبنبرة واثقة، كأنها بتنقل كلام مومن):
– طيب اسمعي… “
– إيمان… تعالي بس شوفيهم، ساعة واحدة. هتحسي إن قلبك رجع يدق من جديد.
إيمان قلبها ضعف للحظة… الحنين للأولاد غلبها، واشتاقت تشوفهم.
وافقت، تانى يوم رجليها ودّتها للنادي.
أول ما وصلت، موبيلها رن برسالة جديدة.
فتحتها… وكانت الصدمة: صورة حياة وهي بتلعب على الزحلقة، ووراها سيدة غريبة بتجهز تزقها بقوة.
والكلمات اللي تحت الصورة خنقت قلبها:
"واضح إنك مش خايفة على أمك… طيب إيه رأيك البنت دي تموت؟"
قلب إيمان وقع في رجلها، الدم اتسحب من وشها، وصرخت وهي بتجري بجنون ناحية الزحلقة:
ــ "حياااة… انزلي فوراً!"
الكل في النادي استغرب حالة الذعر اللي مسيطرة عليها، بس هي ما فكرتش في حد.
طلعت بسرعة وجذبت حياة بالعافية ونزلتها، وحضنتها بقوة كأنها هتطير من بين إيديها.
ولما حياة نزلت، صرخت فيها إيمان بعصبية مرتجفة:
ــ "أوعي تطلعي هنا تاني… مفهوم؟!"
حياة وقفت مرتبكة، خوفها بان في عينيها، وحتى مراد سكت من كتر ما اتخض.
وبسرعة انسحبوا ناحية منى.
منى انفجرت فيها بغضب:
ــ "إيه ده يا إيمان؟! إزاي تزعقي في حياة كده؟ دي طفلة!"
إيمان دموعها كانت محبوسة، قالت بصوت مكسور:
ــ "سكتي ليها . ما تقولي أنهم أحفادك… عشان دي الكلمة اللي كل مرة بتوجعني. أنا مش قادرة… إنتِ جايباني هنا ليه؟ عشان تفرجيني إنك معاهم؟! دول أولاد بنتك… وهتفضلوا طول العمر تقولوا الكلمة دي. أبعدوا عني… أبعدوا عني، ممكن؟"
إيمان قالت كلمتها وهي على وشك الانهيار، وصوتها بيرتعش بين الخوف والوجع. ووقعت على الارض وهى منهارة
في نفس اللحظة اللى وقعت فيها إيمان على الأرض، ودموعها مغرقة وشها، ظهر مؤمن بخطوات سريعة وعيونه متسمّرة عليها. وقف قدامها لحظة، شايف في رعشتها وصوتها المكسور خوف كبير بتحاول تخبيه ورا عصبيتها.
قرب منها فجأة، مد إيده وخطف التليفون من إيدها بالعافية.
.
إيمان تصرخ بصوت مجروح وهي بتحاول تسترجع التليفون:
ـ إنت بتعمل إيه؟! سيب تليفوني بقولك! بقولكم سبونى في حالي!
منى بعصبية وانفعال، صوتها عالي وفيه قهر:
ـ واضح إنك اتجننتي وعاوزة تروحي تتعلاجي! هو إيه اللي انتِ عايشاه ده؟!
إيمان عينيها دمعت وصوتها اتكسر وهي بتصرخ:
ـ آه! دخليني مستشفى.. دخّليني وخرج بنتك! سمعت إنها اتحسّنت وبقت حلوة.. رجّعيها لأحفادك.. ولحضرة الظابط!
سادت لحظة صمت تقيل في .. منى واقفة مذهولة من كلامها، وإيمان منهارة على الأرض، دموعها نازلة بغزارة وصوتها بيرتعش، كأنها فجرت كل القهر اللي جوّاها مرة واحدة.
مؤمن تجاهل صرخاتها، فتح الموبايل بسرعة، وعينه وقعت على الرسالة. وشه اتبدل، ملامحه شدّت وطلع التليفون من جيبه التاني واتصل بحد.
بصوت حازم:
ـ يا سيادة النقيب… في صورة مبعوت دلوقتي، ل ايمان عايزك تدور على الست دي حالاً… أوعى تهرب منك، مفهوم؟
قفل بسرعة، ورجع ركع قدام إيمان وهو ماسك كتفها، صوته فيه قوة وهدوء في نفس الوقت:
ـ إهدي يا إيمان… محدش هيقدر يقرب من أي حد فيهم، مامتك في أمان… وأولادي؟ أولادي تحت عيني، أقدّم حياتي ليهم. إنتي اتحمّلتي كتير لوحدك، بس ورايح مش هتفضلي لوحدك.
إيمان تبص له بعينين غرقانين دموع وصوتها بيرتعش:
ـ تعبت… نفسي أعيش في أمان.
مؤمن مسك إيد حياة الصغيرة اللي كانت متشبسة في هدوم منى ووشها كله خوف. قعد قدامها وقال لها بابتسامة هادية رغم القلق اللي جواه:
ـ متخافيش يا حياة… في ست شريرة كانت عاوزة تأذيكي… عشان كده طنط إيمان خدتِك بسرعة قبل ما تقرب منك. بس دلوقتي؟ ولا حد يقدر يلمسك طول ما أنا موجود.
وحياة تبص له بريئة، وهي تحاول تصدقه وتتمسك بإيده أكتر