تحميل رواية «خادمة القصر» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الخدامه الجديده وصلت يا باشا، أنا مثبتها قدام باب الخدم مستني إشارة من حضرتك؟ هى عارفه إني عايش وحيد داخل القصر؟ أيوه عارفه يا باشا، هو فيه حد في المنطقة كلها يستجرى يرفضلك طلب يا باشا؟ أنا مطلبتش من حد يشتغل عندي يا محمود، اللي يشتغل هنا لازم يكون جاي من نفسه من غير إجبار. طبعًا يا باشا مفهوم. نهض آدم ووقف أمام الشرفة المطلة على الحقول، في إيده سيجارته، مرتدٍ قميص موف يبرز صدره القوي وشعره الناعم يغرق وجهه العاجي، ووضع البستاني خلف ظهره. بص ناحية البنت البسيطة اللي واقفة قدام باب الخدم، فتاة صغ...
رواية خادمة القصر الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم اسماعيل موسى
قبل ولادة ديلا بأسبوع، أعلنت المرأة أنها مستعدة لتطهير القصر من الشر الذي بداخله، وأن على آدم الفهرجي أن يعود لقصره مرة أخرى ويستقر داخله.
لم يجادل آدم الفهرجي ولم يغرق المرأة بالأسئلة، عليه فقط أن يعرف ما بإمكانه فعله، والمرأة كانت حريصة على كل كلمة، وضحت لآدم الفهرجي أنه سيعرف كل شيء في حينه.
وكان كيمو واكا يجلس اليوم بطوله عند قبر ميمي ولا يتحرك إلا مساءً عندما يحتاج لقضاء حاجته، مجرد دقائق معدودة، وفور عودته يجد الطعام موجودًا إلى جوار المقبرة، في كل مرة يحدث ذلك، وكان كيمو واكا يعتقد أن المرأة الصامتة تحضر له الطعام وتتركه وتنصرف، وكانت الهرة توتا لا تأكل إلا عندما يمد كيمو واكا لسانه نحو الطعام.
في النزع الأخير من الليل، حيث كان صياد بائس يلقي شباكه في السيالة وطفله الصغير الناعس من شقاوة النهار يجدف بهدوء حتى لا يزعج الأسماك المركبة فوق الهريف، فكل ضربة مجداف بحساب، الجو ساكن حتى الريح توقفت عن الغناء. عندها كان كيمو واكا يجلس على شاطئ النهر، ولحظتها أيقظت المرأة آدم الفهرجي وطلبت منه أن يتطهر ويصلي ركعتين ثم يتبعها نحو القصر، ثم انطلقا نحو القصر تحيط بهم الحقول الصامتة المسبحة بحمد الله، وبين هنا وهناك يسمعون صوت طائر، صرير صرصور ونقنقة ضفدع متخفٍ بين نجيلة قنايا الري أو نباح كلب بعيد.
عندما وصلت المرأة القصر لم تدخله، وقفت خارجه مثبتة نظرها على القصر تهمهم بالتلاوات والأدعية وآدم إلى جوارها يسبح الله ويذكره، وكان الشر داخل القصر يقاوم ويصرخ بسخرية من خلال صوت محمود الجناني الضاحك.
عندما حضرت صلاة الفجر رحلت المرأة، عادت مرة أخرى لمنزلها، وتكرر الأمر في كل ليلة توقظ فيها المرأة آدم يتوضأ ويصلي ثم يذهبا للقصر، عشر مرات تفعل ذلك.
في الليلة الحادية عشرة، دخلت المرأة القصر وجلست في الحديقة على الأرض وصلت على التراب، وكانت المرة الأولى التي يسمع فيها آدم صراخًا بمثل هذا الرعب، صراخ يشق ظلام الليل بحشرجة خانقة.
صراخ آخر جندي في جيشه يواجه الأعداء بمفرده، وكانت هناك أطياف تتراقص في الحديقة وبين الأشجار وفوق سطح القصر، خيالات سوداء تركض بسرعة مشكلة دائرة حول آدم والمرأة، ارتعب آدم. والمرأة تقرأ وهي مغمضة عينيها:
"اجلس يا آدم، قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا."
وكان آدم يعرف الآية يحفظها لكنه ليس مؤمنًا حق الإيمان ولا يعرف كيف يوجد التوكل داخله، ذلك التوكل الذي يكسبه القناعة والرضا، عندما لا يتبقى لك أي شيء تخسره تجد السلام النفسي. حاول آدم أن يهدأ وألا ينظر لتلك الأطياف ولا يلقي لها بالًا، فهو في معية الله وحفظه، فجلس على الأرض وترك عظمة الله وجلاله تتوغل داخله، فكيف لإنسان أن يخاف وهو في معية الله وحفظه.
وراحت الأطياف تتناقص واحدًا تلو الآخر حتى تبقت خمسة، تجمعت في كيان واحد، ولاح خيال أسود ضخم بوجه قبيح، كان وجه الشر، وقف بثبات في مواجهة المرأة، لم يتقدم منها لكنه لم يهرب.
قالت المرأة:
"سنرحل الآن يا آدم، لا تنظر خلفك مهما حدث."
وسار آدم جوار المرأة وهو يشعر بأمان غير عادي فقد غمرته الطمأنينة وحفته السكينة ثم توقف في مكانه وصرخ:
"أنا لست خائفًا منك!"
ابتسم الطيف بسخرية وصدح صوت محمود الجناني:
"إذا لم تكن خائفًا ادخل القصر."
استدار آدم تجاه القصر ونظر تجاه المرأة ينتظر نصيحتها، لكن المرأة كانت اختفت ولم يعد لها وجود.
وضعت ديلا طفلًا أسماه محسن الهنداوي آدم، وظل رفقة ديلا داخل المشفى حتى خرج من جسدها المخدر، كان يعرف أن المرأة تشعر بألم رهيب بعد الولادة وقرر أن يظل جوار ديلا رغم رغبته في احتضان ابنه والصراخ بالفرحة مثل كل أب.
استعادت ديلا وعيها وطلبت الطفل ليكون في حضنها، وكان المشفى عامرًا بالفرحة بعد أن وزع الهنداوي الهدايا والنقود على العاملين وطاقم التمريض.
وحضرت شاهندة والدة محسن تبارك لابنها، لكن محسن الهنداوي لم يبالِ بها ولم يقبّل يدها مثلما اعتادت في كل مرة، حملت شاهندة آدم ابن محسن وقلبها تعتصره الغيرة.
فهذا ابنها جالس على الأرض جوار فتاة حثالة كانت زوجة عدوه الذي أخذ منه حبيبته، وابتسمت بسخرية، محسن ابنها يدور في فلك آدم، يعيش مع مخلفاته، وتذكرت آدم الذي مات، قتله ابنها محسن وفكرت كيف يكون حال ديلا إذا عرفت أن محسن الهنداوي قتل زوجها؟
وكانت تنتظر الوقت المناسب لتنفث سمها في أذن ديلا، لكن ابنها لا يغادر مكانه ولا يترك أحد يتحدث مع ديلا.
انتهت الزيارة وكان على شاهندة أن ترحل، في طريقها نحو السلم قابلت واحدًا من رجال محسن الهنداوي، وكان يعرف أنها والدة محسن ولا شر بينهم.
قال الرجل:
"عايز أقابل محسن بيه!"
سألته شاهندة بعنجهية:
"ليه؟ ابنها مشغول مع طفله، وإذا كان لديه خبر أو أمر طارئ عليه أن يخبرها به."
قال الرجل:
"آدم الفهرجي ظهر داخل القصر."
ابتلعت شاهندة الصدمة:
"ظهر إزاي؟ أمال أنتم كنتوا بتعملوا إيه؟"
تلعثم الرجل وسالت منه الأسرار وعرفت شاهندة أن آدم الفهرجي حي، صرفت الحارس وهي تبتسم بسخرية، ستعلم محسن الهنداوي أنها أهم شخص في حياته، ستلقنه درسًا أن الأم التي تضحي من أجل ابنها لا تُترك هكذا مثل حشرة معدية.
عادت نحو غرفة الولادة، كان محسن الهنداوي جالسًا جوار سرير ديلا.
قالت شاهندة:
"محسن، آدم الفهرجي ظهر مرة تانية في القصر، يعني ما تخلصتش منه زي ما قلت؟"
ورغبت أن تسمع ديلا كلامها.
وقال محسن الهنداوي إن آدم غير مهم الآن، وإنه إذا فكر أن يدخل الفيلا سيقوم بقتله دفاعًا عن النفس.
ولم تبدِ ديلا أي ردة فعل كما توقعت شاهندة عندما ذكر اسم زوجها أمامها، وكان على شاهندة أن تعرف السبب، فقد استخدمت السحر قبل ذلك وتعرف آثاره، وارتج صدرها من الفرح.
عندما ينفك سحر ديلا سترفض محسن الهنداوي، تستحقره وتتركه للعذاب، وقررت أن تفك سحر ديلا بنفسها فقد كانت تعرف دجالًا يختص في تلك الأعمال السفلية والسحر الأسود.
في طريقها راحت تتذكر آدم الفهرجي، كان مجرد شاب صغير عندما التقت به أول مرة، الآن أصبح شابًا وسيمًا مثل ابنها، ومحسن اختطف زوجته وقام بمحاولة قتله، لا بد أن لديه نية في الانتقام.
ولم تكن حتى تلك اللحظة تنوي شرًا لابنها، فقط أن تلقنه درسًا لا ينساه أبدًا.
وقررت أن تتواصل مع آدم وتخبره أنها ستساعده على الوصول لزوجته.
داخل الغرفة التي ملأتها الأبخرة قال الدجال إن سحر ديلا مضاعف ومترابط مع زوجها آدم وإن السحر كي يفك وينحل عليها أن تحضر آدم هنا أمامه.
رواية خادمة القصر الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم اسماعيل موسى
كما عليك أن تبتلع هزيمتك بمفردك، الحياة تجبرك على اتخاذ بعض القرارات المصيرية. وجد آدم نفسه بمفرده في مواجهة قوى الشر الساخرة، وليس هناك أقدر على خلط الأمور من الشيطان الذي يتخذ من إحباطك طريقًا يتسلل داخل روحك. يهمس، يقول: "لقد حاولت مرة وفشلت، لا فائدة، كيف تتوقع أن تعود والسفر طويل وزادك نضب؟ وفرضًا إذا ما قررت العودة، من أدراك أن تُقبل بعدما فرطت؟"
لكن، كل ما عليك فعله هو الوصول إليه، إنه بانتظارك، لن يردك ولو حتى بعد ملايين المرات.
هل يمكنك أن تحصي؟ واصل، إذًا لديك الأسبقية، لا تضيعها.
كان الطيف الأسود القبيح يبتسم بكل وقاحة، وظن آدم لوهلة أنه غير قادر على مجابهة الأمر. وجود المرأة إلى جواره كان يمده بالطمأنينة. تسمّر آدم في مكانه، منذ شهور حذّرته المرأة من دخول القصر بمفرده، لكنها الحياة تبقينا أوقاتًا كثيرة بمفردنا دون سند أو مؤازرة.
ثم حرّك قدمه وقلبه ينبض بقوة، لا أحد يهرب من مصيره، لكل شيء سبب، ولكل طامح أمل وحلم. وسمع الأصوات المرعبة تصدح في أذنيه تشتته، وما أكثر الملاهي في هذه الحياة. وكان بمقدور آدم الفهرجي أن يدور حول الكيان ويبتعد عنه، لكنه أراد إثبات على أنه قادر. مضى آدم الفهرجي في طريقه وهو يردد اسم الله، مضى نحو الكيان المشتعل بالنار، ثم في غمضة عين عبر من خلاله ووجد نفسه داخل القصر المظلم الذي تنبعث منه رائحة العفونة. القصر بارد، مثلج، جعل جسد آدم يرتعش واصطكت أسنانه.
سمع آدم صوتًا قادمًا من مطبخ القصر، خطوات ثقيلة تمشي بهدوء، فتقدم وأشعل مصابيح الإضاءة. كان محمود الجنايني يسير بجسد متخبط وفمه يسيل دمًا، كرشه متدلٍ فوق بنطال قذر.
أغلق النور.
طلب محمود الجنايني وهو يحمي عينه بيده: "الظلام يلائمني."
تفاجأ آدم بهيئة محمود الجنايني المزرية وعيونه التي تبرق بالسواد كقطعة فحم كبيرة، ولاحظ أطرافه المرتعشة وفمه الذي يتلوى بالكلام كأنه مرغم.
"تأكل؟"
"جسدك يخبرني أنك من زمن لم تذق طعم اللحمة."
وكان آدم مثبتًا نظره على محمود الجنايني ينتظر منه أن يأتي بحركة شيطانية من التي سمع وقرأ عنها.
أطلق محمود الجنايني ابتسامة مختلطة بالشر، وعاد ليفتح باب الثلاجة.
"تعالَ."
أمر محمود الجنايني آدم.
سار آدم تجاه الثلاجة الكبيرة التي كانت ممتلئة بقطع اللحم والأطراف البشرية.
صُعق آدم وفتح فمه عندما قضم محمود الجنايني إصبع جثة طفل كأنه قطعة نقانق كبيرة.
"ليس هناك ما يدعو للاندهاش يا سيد آدم، أنا لا أعيش هنا بمفردي، لقد أصبحت ساكنًا للقصر معهم ومعك."
ولم يفهم آدم الفهرجي ماذا يعني محمود الجنايني بقوله "معك؟"
لقد توضأ وقرأ القرآن والسكينة تغمره وليس هناك بمقدور شيء، أي شيء أن يؤذيه.
صرخ آدم الفهرجي: "أنا لست معك ولا معهم!"
"هراء."
قهقه محمود الجنايني ومن جوفه خرج صوت غريب.
"أنا من سمح لك أن تدخل."
"ليس إيمانك."
ثم ضحكة تعيسة وطويلة.
وارتجت جدران القصر وانغلقت شرفاته ونوافذه وأبوابه وارتفع صوت معكّر: "أنت واحد منا."
واختل آدم وتعكّر صفو سكينته وبدأ ذهنه يعانده، كيف أكون واحدًا منكم؟
"أنا لست واحدًا منكم."
"أنت واحد منا."
وانطلق الصوت كالسيل داخل أركان القصر وغرفه والحديقة وكل مكان من الممكن أن يصل إليه عقل آدم.
وانبطح محمود الجنايني على الأرض وأتى بأفعال مقززة ومن فمه يسيل اللعاب الأسود المتقيح.
انفتح باب القبو وكانت الجثث متكدسة داخله، جثث فتيات شابات اختفين في ظروف غامضة يراها آدم بعينه.
التوكل على الله ليس سهلًا، ليس مجرد كلمة، إنه شعور يحتل كل أركانك، تسليم مطلق بقدرته وآخر على أنك في معيته ويقين عميق بالبلاء والابتلاء، لا تجعل ضربة واحدة تسقطك.
همس آدم: "أنا ليس معكم، لا يمكن أن أكون معكم."
قهقه محمود الجنايني: "ستظل معنا هنا يا سيد آدم، لقد حُكم عليك بالنفي الأبدي، لن تجد روحك مرة أخرى."
"لن تخرج من القصر، لن ينقذك أي شخص."
"الله سينقذني."
كرر آدم الكلمة: "الله سينقذني، لا أحتاج مساعدة أي مخلوق مادام الله معي."
وسكنت الأصوات، هدأت واختفت وعيون آدم الدامعة تراقب لسانه الموحد بذكر الله.
والقصر مغلق الأبواب لم يفتح بعد وكل شيء من حول آدم يلف ويدور كأنه في مجرة خارج حدود الأرض.
مضت الليلة بأكملها وآدم محبوس داخل القصر، جالس على الأرض رأسه بين ركبتيه يردد اسم الله، ومضى النهار وجاء الليل مرة أخرى وصوت في أذن آدم يهمس: "لا فائدة أنت تحت السيطرة المطلقة، ومهما تحاول ستفشل، كلما اقتربت أبعدك."
ثم انبثق نور مضيء خارج القصر قادم من الحديقة مثل قنديل زيت، هالة مضيئة وشخص يتلو القرآن وتمكن آدم من رؤية المرأة خارج القصر، ككيان نوراني مضيء وتعجب كيف لم يلحظ ذلك من قبل؟
رفع آدم رأسه وخطى على البلاط المثلج وسط رائحة العفونة المقززة واللحم الملقى في كل ناحية، انفتح الباب أمامه ووجد نفسه خارج القصر ورأى المرأة جالسة في الحديقة.
مشى تجاهها ودون كلام جلس إلى جوار المرأة.
"تعلمت الدرس؟"
سألت المرأة.
"أجل."
أجاب آدم بقناعة: "تعلمته، لست مستعدًا بعد."
المرأة: "إذًا أنت مستعد يا آدم، ضع يدك هنا واقرأ معي."
وضع آدم يده على المصحف وراح يتلو معها.
"إذا لم تكن مستعدًا فأنت مستعد، أنت الروح الثانية المطلوبة التي كانت تغذي الشر."
"الآن يمكننا أن نتخلص من الشر."
وفي غرفة مغلقة أخرى، وسط القاهرة كان هناك من يحاول فك سحر ديلا، وكانت الأخبار تنتقل من مكان لمكان ينقلها شيطان مسترق، وراح السحر يضمحل وينزوي والمرأة ترش الماء الطاهر حول القصر ومحمود الجنايني يصرخ مثل الطفل والأطياف تخرج من جسده، هبت عاصفة وتكسّرت شرفات واندحست مقاعد وأواني حتى سكن كل شيء وخرج محمود الجنايني من باب القصر يتقيأ بلغم أسود نتن مقزز.
تطهّر القصر من الشر، الشرطة التي حضرت على مضض وجدت جثث الفتيات المختطفات والأطفال كانت ممزقة بطريقة وحشية، وفُعل بها الكثير من الأشياء المقززة الإنسانية.
قُيّد محمود الجنايني بالحديد ووُضع داخل السجن تحت حراسة مشددة بعد أن تجمّع أهالي القرية حول نقطة الشرطة يريدون قتله.
استعمل آدم الكثير من الناس لتنظيف القصر وتطهيره وكان يعمل معهم بنفسه، يساعد هذا وذاك والناس مستغربة.
آدم الفهرجي، الباشا، يعمل معهم؟ وكان آدم يتفهم كل ذلك فقد وجد الراحة أخيرًا.
بعد أيام طُهر القصر تمامًا، وكانت المرأة لم ترحل بعد، حتى اطمأنت على آدم وعلى أن الشر رحل بلا رجعة.
خارج القصر ودّعت المرأة آدم، انتهى دورها هنا، لديها مكان آخر تذهب إليه.
"اسمع يا آدم، الشر الصغير رحل، تبقى الشر الكبير، عليك مواجهته بمفردك."
واختفت المرأة تاركة آدم يفكر هل هناك شر أكبر من الذي رآه بعينه؟
ولم تمضِ سوى ساعات حتى وصل رسول شاهندة هانم لآدم الفهرجي، محسن الهنداوي تزوج ديلا وأنجب منها طفل.
"ضع يدك في يدي لتستعيد زوجتك وأستعيد ابني."
وانصدم آدم كيف يتزوج الفهرجي امرأة متزوجة؟ لكنه ميت في نظر القانون، عليه أن يفهم ذلك، وطالما أنه ميت في نظر القانون فهو ميت حتى لو كان حيًا يتنفس أو واقفًا أمام قاضي العدالة، الأوراق أوراق، وربما نُسبت إليه تهمة الاحتيال ووجد في نفسه شيئًا على ديلا ولم يفلح عقله بإيجاد مبرر لزوجته في حضن محسن الهنداوي وأحس أن جسده يتصدع، قالت المرأة أن ديلا بأمان، من أجل ماذا قد تكذب؟
القصه بقلم إسماعيل موسى.
وكانت الحياة في القرية تمضي وكيزان الذرة استوت والفلاحون يجذون أعواد الذرة ويطرحونها أرضًا ويدوسونها بالنعال بلا رحمة بعد أن حملت إليهم الخير الكثير، كانت هناك مذبحة كبيرة هكذا وصف كيمو واكا أعواد الذرة الملقاة على الأرض، وكان قلبه لازال يتألم فليس هناك أجزع من اجترار الذكريات، وإنسان عاش مع ذكرياته من الصعب أن يخرج منها.
أطلق كيمو واكا سُبة، لقد خانته العديد من الهررة لكنها الوحيدة التي شقت قلبه.
وتساقطت عليه أوراق شجرة الصفصاف مع هبة ريح عاتية.
رفع كيمو واكا بصره نحو الأفق الممتد وتساءل إلى متى سيظل هكذا؟
فنهض من مكانه وودّع ميمي: "سأختفي لبعض الوقت يا حبيبة، لا تقلقي سأعود مرة أخرى."
وسار وسط الغيطان العارية من الخضرة نحو النهر.
وسارت توتا في محاذاته وهي تنظر إليه بإجلال وحب حتى وصل كيمو واكا شاطئ النهر وهناك جلس ينظر نحو الماء الجاري، النهر يغسل كل شيء وكان على وشك أن يقفز في النهر دون أن يحرك ساقيه لكن توتا ظهرت له.
كانت على وجهها ابتسامة عريضة ولاحظ كيمو واكا نحولها.
"لماذا لم ترحلي؟ ها؟ قلت لك كيمو واكا انتهى، ليس لدي ما من الممكن أن أعطيه لك."
قالت توتا: "وأنا لا أريد منك شيئًا، أريدك هكذا."
نخر كيمو واكا: "لكنني محطم يا امرأة، ألا تفهمي؟ محطم وبائس وتعيس."
وأحست توتا بالجزع واقتربت من كيمو واكا وتوقعت أن يصرخ في وجهها كعادته.
لكن كيمو واكا سكن وسمح لها أن تتلمسه ثم أطلق تنهيدة ألم طويلة وقال: "أنا متعب حقًا."
ونزلت الدموع من عينيه، وضعت توتا رأس كيمو واكا تحت رأسها وقالت: "أنا أشعر بك."
"لا يمكنك تحمل الألم بمفردك، أرجوك اسمحي لي أن أتقاسمه معك."
"لكن قلبي مات."
قال كيمو واكا بحشرجة: "قلبي لا يمكن إحياؤه."
"لا أريد أن أظلمك معي."
"أرغب بك هكذا."
همست توتا وهي تقبل كيمو واكا.
"ماذا تنتظرين من هر محطم يا توتا؟"
توتا: "أنتظر كل شيء."
"لا أنتظر أي شيء."
وفكر كيمو واكا في الأخير هذه الهرة ليست ساذجة كما توقعها، فالذين يرغبون بكل شيء لا يحصلون على أي شيء.
"ليست خدعة؟"
سأل كيمو واكا: "اليوم تقولين ذلك وبعد يومين تطالبينني بالمزيد؟"
"أنت المزيد يا كيمو واكا وجودي إلى جوارك يعني لي كل شيء."
"وصدقني أنا مكتفية بك عن كل العالم."
تحضر آدم للذهاب للقاهرة، بعد أن استعاد القصر وعين الخدم واستخرج ورقة تثبت أنه حي، وكان عليه أن يقابل شاهندة بعيدًا عن الفيلا والبدراوي وحرسه، أن يسمع منها ما ترغب بقوله، فآدم يعرف أن شاهندة ليست سهلة، امرأة لئيمة، لكن ديلا تستحق منه أن يطرق كل باب حتى لو كان مغلقًا.
وصل آدم القاهرة، وانتظر شاهندة على ناصية شارع العقاد حيث رافقها لكافيه شبابي، وكان في طريقه يتأمل شاهندة وهيئتها، كانت المرأة تبدو صغيرة السن عن آخر مرة رآها فيها، متصابية هكذا استشف آدم، بتنورة قصيرة وقميص أبيض لامع وحذاء شانيل أرضي، تاركة شعرها كيرلي وتخفي عينيها بنظارة ريبان واضعة حقيبة فكتوريا سيكرت على كتفها.
رواية خادمة القصر الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم اسماعيل موسى
إزيك يا آدم؟ أنت اتغيرت كتير عن آخر مرة شفتك فيها.
آدم: بخير شاهندة هانم، الدنيا مش بتسيب حد في حاله.
وتعجبت شاهندة، لم تتمكن من فهم كيف يقول شخص غني مثل آدم الفهرجي هذا الكلام السوقي، كلام الناس العاديين، فالدنيا بالنسبة لها سهلة وكل ما تطلبه تجده.
وكان آدم قد ترك لحيته تنمو دون تهذيب مما زاد وجهه تأنقًا مغريًا.
شاهندة: أنت عارف طبعًا إن ديلا في فيلا محسن ابني. أنا ما حضرتش هنا عشان أكون شوكة في ضهر ابني في النزاع اللي بينك وبينه. أنا عندي رغبة واحدة، محسن يرجع لي، يرجع زي زمان بيحب والدته وميقدرش يستغنى عنها. الكلام ده مش هيحصل غير لو ديلا مشيت من الفيلا وابنها كمان، أكيد دي حاجة تناسبك؟
وقال آدم الفهرجي إن هذا ما يسعى إليه تحديدًا، وأنه لا يرغب في مشاكل أخرى مع محسن الهنداوي الذي دبر حادثة قتله واختطف زوجته ويدعي أن طفلها من صلبه.
ضيقت شاهندة عينها: أنت بتقول إن الطفل ابنك يا آدم؟
آدم: دون أدنى شك ابني، أنتِ عارفة إن ابنك ما كانش بيخلف.
ولم يقصد آدم السخرية من محسن الهنداوي، لكنه كان يقول الحقيقة التي يعرفها.
شاهندة: الموضوع ده سهل التأكد منه، الطب اتقدم دلوقتي وتحليل صغير يقدر يكشف الطفل ابن مين. اللي عايزة أقوله سواء كان الطفل ابنك أو ابنه أنا عايزاك تحتفظ بيه. أنا هساعدك تدخل الفيلا وتاخد مراتك وابنها، لكن فيه مشكلة بسيطة، ديلا واقعة تحت تأثير السحر وممكن ترفض إنها ترحل معاك، لازم نحل مشكلة السحر قبل ما نتخذ أي خطوة، أنا حاولت أساعدها، لكن الشيخ أصر على وجودك قدامه عشان يقدر يفك السحر.
آدم: أنتِ متأكدة من الشيخ ده يا شاهندة هانم؟
شاهندة: طبعًا متأكدة، لكن في الأول عايزين نوصل رسالة لديلا.
آدم: رسالة إيه؟
شاهندة: رسالة مضمونها إنها بعد ما تتخلص من السحر مش لازم تخاف وتصرخ وتشتم محسن ابني. لازم تكتم خوفها جواها وتفضل هادية، ما تبينش حاجة يعني لحد ما نقدر نوصلها.
وتسأل آدم: كيف نفعل ذلك؟
شاهندة بنبرة واثقة: سيب الموضوع ده عليّ.
وفكر آدم، شاهندة ليست كالمرأة الأخرى التي كانت تقول اترك كل شيء عليّ. الأخرى ترتدي عباءة سوداء وحجاب، تصلي وتقوم الليل، أما هذه فتنورتها ضيقة وقصيرة تبرز مفاتنها.
نهضت شاهندة فجأة: من فضلك لازم نكون عند الشيخ بعد نص ساعة، الراجل منتظرنا.
وتحركت خطوة، اختل توازنها وكادت أن تسقط لولا أن آدم قبض على معصمها بيده العفية وجذبها نحوه حتى لامسته، وبرقت عينا شاهندة وتغيرت ملامحها، وطغى اللون البرتقالي على وجهها وقالت برقة: أشكرك.
داخل السيارة كانت شاهندة تتأمل آدم بنظرة مختلفة، لقد برقت كل الأفكار التي خبأتها في الفترة الماضية، لمعت وتزينت ورقصت طربًا.
دلفت شاهندة لغرفة الدجال أولًا ثم لحق بها آدم، وتوتر الرجل الذي يرمي البخور على الجمر، امتقع وجهه واصفر وسأل: أنت آدم؟
شاهندة بنبرة محفزة: أيوه آدم.
وقال الرجل: أنا مش هقدر أعمل حاجة في وجودك. وكان صوته مرتعب خائف.
آدم: لكن أنت قلت عايز آدم؟
فتح الرجل فمه: ما كنتش فاكر إنه كده. خليه يستنى بره وأنا هشوف أقدر أعمل إيه.
انتظر آدم خارج الغرفة لأكثر من ساعة وسمع أصواتًا مرعبة قادمة من داخل الغرفة، أصوات تشبه تلك التي سمعها في القصر حتى خرجت شاهندة مبتسمة.
شاهندة: كله تمام، أنا هوصل الرسالة لديلا وأقولك على الفرصة المناسبة لتهريبها من الفيلا.
على سريرها تلك الليلة وهي راقدة لمست شاهندة معصمها، كانت يد آدم لا زالت مطبوعة عليها، جعلت تتلمسها بشبق وعيناها مصوبة تجاه لوحة غوستاف كليمت "السيدة ذات المروحة اليدوية" وقلبها ينبض بقوة وحنين، شوق يندفع كسيل هابط من فوق جبل، مشاعر مخبأة، مدفونة في اللاوعي تدافعت على ذهنها وعصفت به. حاولت شاهندة أن تنام، وكيف لمنشغل البال أن يعثر على النوم؟ فجلست على السرير، سرير وثير واسع وأشعلت سيجارة، كانت الساعة تشير للواحدة فجرًا والنهر يجري على أطراف القرية ببطء مودعًا صيفًا جرارًا طويلًا وتوتا تلعق شعر كيمو واكا الناعم تحت شجرة التوت. وكان الحب ينمو داخلها ببطء ضاربًا جذوره في أعماق قلبها كشجرة زيتون على أطراف القدس أو ياسمين الشام أو الصفصاف في قريتي.
وفكرت شاهندة: لم لا؟
أخرجت هاتفها وتحدثت مع آدم، كان كلامًا عاديًا عن المهمة التي تنتظرهم والتخطيط لها، لكنها شعرت بسعادة، فرحة فتاة تلقت الاتصال الأول من شخص تحبه وتمنت أن تطول المهاتفة حتى الصبح لكن آدم سرعان ما نفض يده وودعها. وتخيلت إذا كان كل ذلك الجمال ملكها وحدها فماذا يمكن أن تشعر أكثر من ذلك؟
صبيحة اليوم التالي استعد آدم لتهريب ديلا، شاهندة أخبرته أن ديلا تحررت من السحر، وأن محسن الهنداوي ابنها سيكون في زيارتها ما بين الساعة الثانية والرابعة ظهرًا، وأن على آدم أن يراقب الفيلا ولا يتحرك قبل ذلك. وأعد آدم نفسه جيدًا من أجل ديلا، ديلا زوجته، سيأخذها وينطلق بها نحو قسم الشرطة ويتهم محسن الهنداوي باختطافها والزواج منها بالقوة وهي لا زالت على عصمته.
خارج الفيلا انتظر آدم الموعد المحدد، خرجت سيارة من خلفها سيارة الحراسة وابتعدت عن الفيلا، تسلل آدم داخل الحديقة، شاهندة وعدته أن الخدم سيقومون بمساعدته. ووجد الطريق مفتوحًا لداخل الفيلا. لا حراسة، لا خدم، فشعر بالراحة، كل ما يفصله عن حلمه دقائق معدودة، ما إن وضع آدم قدمه داخل الصالون حتى ظهر أمامه محسن الهنداوي. ثم لم يلبث أن ظهر بقية الحراس على باب الفيلا، وشعر آدم بالغدر والخيانة ولام نفسه لثقته بشاهندة، فالثقة المطلقة لا يأتي من خلفها غير المصائب، ابتسم محسن الهنداوي بسخرية: كنت فاكر إني معرفش خطتك؟ أنا بعرف دبة النملة يا آدم، يمكن فشلت في قتلك لكن ده من سوء حظك لأن اللي هعمله فيك أشد قسوة من القتل.
آدم: أنت ليه بتعمل كده يا محسن؟ إيه كمية الحقد والغل اللي جواك دي؟ خليت رجالتك يقتلوني وخطفت مراتي واتجوزتها وبتنسب ابني لنفسك.
صرخ محسن الهنداوي: ما تجيبش سيرة ابني على لسانك يا آدم، أنت اللي ابتديت، أخذت مني تالا وأنا أخذت منك ديلا.
آدم بصدمة: ديلا مراتي؟ أنت اتجوزت مراتي عارف نفسك بتقول إيه؟ إن الغل عماك، ده ارتباط غير شرعي أنت هبلغ الشرطة.
محسن الهنداوي: شرطة إيه يا آدم؟ أنت مش هتخرج من هنا. أنا عندي ليك مفاجأة جميلة تليق بيك.
وأمر حراسه أن ينقلوا آدم إلى القبو.
ديلا من على السلم: بلاش من فضلك! أرجوك يا محسن ما تأذيش آدم.
وتملى آدم ديلا بعد أن عادت لوعيها والدمعة تكاد تقطر من عينيه وصرخ: ديلا، حبيبتي!
وهمست ديلا: آدم حبيبي.
وشعر محسن الهنداوي أن جسده شُق جزأين بمنشار نجار بارع. وصوب نظره تجاه ديلا التي تحمل آدم الرضيع: مش هعمل فيه حاجة عشانك. احبسوه لحد ما أفكر هعمل فيه إيه.
جر الحراس آدم الفهرجي وحبسوه داخل غرفة بعدما قيد بالحبال.
همس محسن الهنداوي بارتياب وتشكك: بتحبيه؟
وكانت ديلا تخفي كل شيء داخل قلبها لكن عندما رأت آدم سال العشق على شفتيها وانسابت كلمات الغرام كالنهر المتدفق، انهارت حصونها وصرخت بحبه.
رواية خادمة القصر الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم اسماعيل موسى
لا تعتقدي أن قلبي أحب واحدة غيرك، قلبي مات معك منذ حين.
قال كيمو واكا وهو يقف على قبر ميمي، ثم نظر تجاه توتا:
ألقي التحية على حبيبتي.
ولم يكن يعلم كيمو واكا أنه بكل حماقة يجرح كبرياء قلبين، قلب ميت وآخر ينبض.
مرحبًا.
قالت توتا بحياء عارم:
كيمو واكا يحبك، أتمنى أن يتسع قلبه لشخص آخر، لكن الحياة تمضي وكيمو واكا يحتاج رفيق يعتني به، فأنت لا تعلمين كم هو مهمل وكسول.
ابتعد كيمو واكا عن القبر، كان يعتقد أنه بذلك أراح ضميره، وانهمرت الدموع من عيون توتا وحاولت أن تخفيها ولعقتها بلسانها. الحب لا يمكن استبداله ولكنها تراهن على الزمن، فكيمو واكا لديه قلب كبير وضمير شريف ولن يرضى مهما حاول أن يظلمها، توتا متأكدة من ذلك.
كان الوقت ظهر عندما انتهى كيمو واكا من مسرحيته التراجيدية وكان يشعر بالجوع والحزن فركض بين الحقول يبحث عن طعام وتوتا تركض خلفه. وكانت الحقول خالية من أي فأر أو عصفور صغير والفلاحين مبعثرين في كل مكان يعملون بجد لجمع المحصول.
شعر كيمو واكا بالتعب ولمح القصر من بعيد، القصر الذي يحمل إليه الذكريات التي يحاول أن يبتعد عنها. فما كان منه إلا أن تسلق السور وأصبح داخل الحديقة ثم مشى بحذر تجاه القصر، يعرف كيمو واكا صاحب القصر ولن يحرمه من وجبة طعام تسد جوعه.
عندما دخل كيمو واكا القصر بكل خيلاء وفخر، ركضت خلفه واحدة من الخدم بالحذاء. حاول كيمو واكا أن يحافظ على كبريائه ولا يركض أمام رفيقته، لكن عندما هبط الحذاء على نفوخه قفز وحاول الهرب، حتى صرخت هايدي الخادمة المسؤولة عن القصر:
اتركوه، أنا أعرف هذا الهر.
نظر كيمو واكا تجاه توتا المرتعبه وعيونه تقول:
ألم أخبرك أنا شخص مهم؟
لكن توتا كانت مترددة بعدما سمعت صفعة الحذاء على دماغ كيمو واكا.
وضع الطعام أمام كيمو واكا، السردين الذي يعشقه وبعض اللبن. أخرج كيمو واكا لسانه وتذوق الطعام، ثم لمح بيت ميمي الرملي، رغم كل التغيرات في القصر لم تمتد يد إليه. شعر كيمو واكا بالحزن والكسرة، لعق بلعومه ونظر تجاه توتا:
تناولي طعامك أنت، كيمو واكا فقد شهيته.
ثم انطلق لداخل بيت ميمي وتمدد داخله وهو يرمق توتا تلتهم السردين ثم رفع رأسه، وقال:
اسمعي يا امرأة إذا زاد وزنك عن ٤ كجم سوف أهجرك. الأنثى التي يزيد وزنها بعد الزواج وتكتسب أرطال من الدهون كأن رشاقتها كانت حكرًا على العزوبية لا تناسبني على الإطلاق.
ظل آدم محبوس داخل الغرفة لأكثر من أسبوع، الطعام يقدم إليه في أوقات ثابتة ولم يتعرض للضرب أو الإهانة. وكان كلما لمح الحارس ظن أن حياته انتهت وأن محسن الهنداوي قرر قتله، لكن الأيام أثبتت له أن شكه ليس في محله، وكان يسمع أحيانًا صراخ طفله فيشعر بالأسى ويبكي. حتى الآن لم ينظر إليه، لم يحتضنه أو يقبله، وديلا لم تظهر بعد، ولم يفلح في إيجاد عذر لتخلف ديلا عن زيارته، حتى أن أفكاره أخذته لبعيد مرة أخرى، أن ديلا تخلت عنه وعقله لم يستطع التفكير في أمر خلاف ذلك.
قبل أيام!!
صرخت ديلا بحبه.
لم تكن الإجابة التي كان ينتظرها محسن الهنداوي، كان قلبه يستشعر أن ديلا قلبها معلق بآدم، لكن الأمل كان يحدوه أن تتغير بعد كل الوقت الذي قضته داخل الفيلا. وشعر أن صدره تقلص، فهمس للحراس:
خذوه.
ثم نظر إلى ديلا التي كانت تحتضن طفله:
هسيبه حي عشانك.
ولم يهدد ديلا أو حتى يؤنبها، قصد غرفته وجلس صامت يدخن لفافات التبغ دون أن يوليها أي اهتمام، ثم أمر الحارس بمنع أي شخص يحاول الدخول لآدم.
وقضى ليلته وهو يشعر بالتعاسة، ها هو آدم ظهر ليفسد حياته من جديد بعد أن أفسدها في الماضي، كأن آدم مكتوب له في قدره مع كل خطوة حلوة يتخذها، ثم ظل يفكر حتى الصبح، بعدها ذهب لغرفة ديلا وحمل الطفل. طفله آدم الصغير وبدأ بمداعبته واللعب معه حتى استيقظت ديلا على فزع.
وضع محسن الهنداوي الطفل في حضن ديلا:
متخافيش ده ابني زي ما هو ابنك. أنا عارف إنك لسه بتحبي آدم، لكن مش قادر أفهم السبب إن لسانك اتحرر يوم وصوله ليه؟ آدم كان ممكن يخطفك لولا الرسالة اللي وقعت في إيدي بالصدفة. مش عارف مين بيتعاون مع آدم وعايز ياخدك مني، لكن هعرفه وهدفعه التمن غالي جدًا. آدم هيفضل حي، لكنك مش هتشوفيه ولا تتكلمي معاه ده شرطي الوحيد عشان سلامتك وسلامة آدم.
فكرت ديلا للحظة، أدركت أن الرجل الذي يجلس أمامها لا يمزح، رجل مطعون في قلبه مستعد للانتقام، قالت:
حاضر أنا موافقة.
وصلت شاهندة القصر بطريقة عادية، أم تزور ابنها ووجدت محسن الهنداوي متغير وليس على طبيعته، اختفت السعادة التي كان يشعر بها وهو بعيد عنها. وشعرت بالسعادة، محسن بدأ يتعلم الدرس الذي أعدته من أجله، لكن لسه مش كفاية.
أنت متغير ليه يا حبيبي؟
مفيش حاجة.
وكل شخص يكون ممتلئ بالوجع يقول مفيش حاجة.
شاهندة:
لكن أنا حاسه إن فيه حاجة وكبيرة كمان. محسن أنا والدتك تقدر تتكلم معايا وأكيد هساعدك.
وهمس محسن الهنداوي:
مفيش حاجة.
حتى ظهر الحارس واستأذن من محسن الهنداوي بتوصيل الطعام للشخص المحتجز. وكانت شاهندة تعرف من الشخص المحتجز لكنها تمثلت الرعب:
أنت حابس مين يا محسن؟
مفيش.
كررها محسن الهنداوي.
صرخت شاهندة:
محسن، أنا هتعمل مصيبة جديدة قولي مين؟
آدم.
همس محسن ببطء.
شاهندة بغضب:
هو الكلب ده مش هيبطل يفسد حياتك؟ هو فين أنا هخلصك منه.
انتبه محسن الهنداوي لكلام والدته، وأطرق يسمع.
شاهندة:
هو فين؟ سيب المهمة دي على والدتك، خليك أنت بعيد عن المشاكل. أنا هخلصك من آدم خالص.
وأراد محسن الهنداوي أن يصدقها، رغب لمرة واحدة أن يراها كأم ويشعر بقربها، بعد أن كان بالنسبة لها مجرد لعبة، لقد أنجبته حتى يقال جابت الولد وحتى لا يجد والده عذر في قهرها لطالما تعاملها كأنه واحد من مقتنياتها القيمة لا أكثر ولا أقل، حتى تمرد عليها وقرر أن يخلق من جديد شخصيته التي قامت والدته بمحوها.
ها رأيك إيه؟
وفكر محسن الهنداوي، إن كانت صادقة في نيتها ستخلصه من آدم، وإن لم تكن صادقة ربما آدم يتخلص منها، ووضع ضميره على الأريكة جواره وتحرر من وخزته وقال:
موافق!!
شاهندة بعصبية:
سيبهولي بقى اللي جاي يفسد حياتك، مش كفاية أخد منك تالا وكنت هتنتحر.
وضغطت شاهندة على الحروف حتى تغير وجه ابنها وشعرت أنها تملكه مرة أخرى.
رغم ذلك ورغم كل ما قيل غادرت شاهندة الفيلا دون أن ترى آدم الفهرجي، قالت لابنها:
هرتب شوية حاجات وأرجع أخلصك منه.
في اليوم التالي في غياب محسن الهنداوي حضرت شاهندة للفيلا وحررت آدم من قيوده، معتذرة له عن ما حدث، شارحة له أن الرسالة وقعت في يد محسن ابنها وأنه أقسم على قتله.
اسمع يا آدم الوضع خطير.
وتسحبت لخارج الفيلا جاذبة آدم خلفها، وفي كل مرة يشكرها آدم على تعريض حياتها للخطر من أجله، وأنه ظن أنها اتفقت مع ابنها للتخلص منه وأن كل اعتذارات العالم لا توفيها حقها.
رافقت شاهندة آدم لإحدى الفيلات الخاصة بزوجها البدراوي فيلا بعيدة ومنعزلة لكنها مجهزة لاستقبال الضيوف.
أنت هتقعد هنا يا آدم لحد الأوضاع ما تستقر ومحسن يوقف بحث عنك. أنا مش عايزة أخسر محسن وكمان ضميري مش مستريح ومراتك بتنام كل ليلة في حضنه، ده حرام وميرضيش ربنا.
رواية خادمة القصر الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم اسماعيل موسى
لم تتحمل ديلا فراق آدم بعد أن عاد إليها مرة أخرى، كيف يكون بمثل هذا القرب ولا تستطيع رؤيته أو التحدث إليه؟
وفي كل ليلة كانت النار تأكل صدرها والدموع لا تفارق عينيها.
وكان قلبها يخفق بقوة وتشعر أن روحها تكاد تغادرها، وصورة آدم لا تبارح ذهنها.
اتخذت كل الطرق التي تمنعها من رؤية آدم، حتى أنها كانت تغلق الباب على نفسها حتى لا تتهور في نوبة شوق وتركض نحوه.
لكن القلب ما عاد يحتمل أكثر، كانت ميتة قبل ظهور آدم والآن ميتة بحرمانها من رؤيته.
وقررت أن ترى آدم وليحدث ما يحدث، فهبطت درجات السلم وكان الطريق خاليًا نحو الغرفة التي حُبس فيها آدم.
والفيلا ساكنة بلا حركة رغم أن الساعة لم تتعد العاشرة ليلًا، تكاد تشعر أنها مهجورة.
ورفرف قلبها، خفق ودق بشدة عندما اقتربت من الغرفة فبعض الأوجاع لا يشفيها إلا حضن دافئ طويل من شخص نحبه.
لم تجد ديلا آدم، الغرفة مفتوحة على مصراعيها، القيود مقطوعة ومرمية على الأرض، محسن الهنداوي غير موجود في الفيلا.
من أخرج آدم؟
من قام بتهريبه؟
وعلى قدر فرحتها شعرت بالتعاسة، كيف لأهم إنسان في حياتها أن يهرب ويتركها، يتخلى عنها؟
ورغم أن هناك هاجسًا داخل قلبها كان يصرخ أن آدم حضر للفيلا لينقذها لكن محسن الهنداوي قبض عليه، إلا أن عقلها رفض أن يصدقه.
همست ديلا بحزن: أنا زوجته.
وبكت: زوجته التي في قبضة رجل آخر.
وصعدت درجات السلم تشهق من التعاسة.
وصل محسن الهنداوي للفيلا ووجد والدته نفذت وعدها له، التخلص من آدم الفهرجي إلى الأبد.
ورغم أنه شعر بارتياح إلا أنه كان يعرف ما يعنيه ذلك لديلا، فرغم أنه يعتبر زوجها لكنه يتفهم ما قد يسببه ذلك لقلبها.
إنه يعرف أن ديلا طيبة القلب وبسيطة ويعرف أن روحها ستتحطم، وأحس بغصة في قلبه، فوجع ديلا وجعه.
فصعد لغرفتها من فوره، ودلف من الباب المفتوح، وجد ديلا جالسة على سريرها صامتة، شاردة، والدموع تنهمر من عيونها.
توقف محسن الهنداوي لحظة قبل أن يتقدم نحوها ثم احتضنها وهمس: أعرف ما تشعرين به، أعرف حجم الألم، أعرف ما سببته لك من تعاسة.
نظرت إليه ديلا بعيون دامية: ما هذا الإنسان؟ كيف تفهمه؟
أرادت أن تنحني وتقبل قدمه وتسترجيه أن يجمع بينها وبين آدم.
لكن من عين الرجل أطلت نظرة تفهمها ديلا: حبي لك وحدك وليس لأي كائن آخر.
مسحت ديلا عيونها: أنت وعدتني مش هتلمس آدم؟
محسن الهنداوي: ونفذت وعدي، أنا راجل بصون كلمتي.
ديلا بتهور: لكن آدم مش موجود في الفيلا، الغرفة اللي كان محبوس فيها فاضية.
ابتسم الهنداوي بسخرية وسألها: وأنتِ أين وعدك؟
تذكرت ديلا أنها عاهدت محسن الهنداوي عدم الاقتراب من غرفة آدم ولا حتى التحدث إليه.
صرخت ديلا: غصب عني! أنت ليه مش مقدر الحالة اللي أنا فيها؟
محسن الهنداوي: وأنتِ ليه ناسيه إنك مراتي؟ وإن اللي عملتيه يعتبر خيانة.
صرخت ديلا مرة أخرى: أنا زهقت من المسرحية دي، أنت خطفتني، اغتصبتني، ونسبت ابن آدم ليك، ناسي كل دا وعايزني أتعامل معاك عادي، أنت إيه معندكش قلب؟
صرخ محسن الهنداوي: آدم ابني أنا من الليلة اللي قضيتها معاكي.
ثم غيرت نبرة صوته لتصبح أرق: لو معنديش قلب مكنتيش هتشوفي الحنان ده كله.
ديلا: مش عايزة حنانك يا أخي، رجعني لجوزي!
وفكر محسن الهنداوي: لقد فعلت كل شيء من أجلها، ما لا تحلم به أي امرأة، كانت أسيرة عندي ومنعت نفسي عنها.
عاملتها برفق، توددت إليها وفي الأخير ترفضني؟
وتذكر تالا كيف رفضته هي الأخرى من أجل عيون آدم واشتعل الغضب داخله، احمرت عينيه وأطلق أنفاسًا ساخنة.
ورفع يده ليصفع ديلا، لكن قلبه لم يطاوعه على ضربها.
صرخ في الخدم: مش عايزها تطلع من غرفتها.
وكان ذلك أقصى شيء استطاع فعله.
دون أن يشعر أصبحت ديلا قطعة منه وأي أذى يمسها سوف يطاله هو الآخر.
وهبط للطابق الأرضي وغضب العالم كله يتضخم في عقله، هاتف والدته.
شاهندة: خير يا محسن فيه إيه؟
الهنداوي: عايزك تقتلي آدم، ولو مش هتقدري هبعت الحراس يقتلوه.
شاهندة: أنا قلتلك موضوع آدم سيبيه عليّ أنا هتخلص منه بطريقتي.
محسن الهنداوي: أنا عايز أسمع خبر موته قبل الشمس ما تطلع.
القصه بقلم إسماعيل موسى
وأحست شاهندة بغضب ابنها، وأن أي مبرر ستخلقه سيقابل بالرفض فهي تعرف كيف رأسه وعناده فقالت: خلاص اعتبره مات.
صرخ محسن الهنداوي: مفيش حاجة اسمها اعتبره مات، أنا عايزه يموت ويشبع موت حالًا.
قالت شاهندة بنبرة محايدة: حاضر، أنا هخلص عليه.
أنهت شاهندة المحادثة مع ابنها محسن الهنداوي أمام نظرات آدم المصدومة.
جعلت شاهندة آدم يستمع المكالمة معها.
شاهندة: شفت بقى أنا بعرض نفسي للخطر بسببك يا آدم وممكن أخسر محسن عشانك.
ولم يعرف آدم كيف يشكر شاهندة التي أخفته في فيلا زوجها وتحضر له الطعام باستمرار حتى أنها خانت ابنها من أجله، وراح يلوم نفسه لأنه فكر بها بالسوء قبل ذلك وقال بطيبة: كيف لمخلوق بريء مثلك أن ينجب ثعبان كمحسن الهنداوي؟
أوشكت عيون شاهندة أن تدمع وهمست: النصيب، ضيعت عمري من أجله، حتى أن شبابي انطفأ بسببه انظر؟
نهضت شاهندة ودارت حول نفسها برشاقة كفراشة في ساعة صبحية، وهمست بحزن: اختفى كل جمالي.
ولم يرى آدم أمامه إلا امرأة مكتملة النضج، لا ينقصها شيء في ميزان الجمال، ورغم أنها تعدت الأربعين فمن ينظر إليها يقول إنها في الثلاثين من عمرها.
فكل تقسيم فيها فضح حيويتها وأناقتها وجمالها المستعر.
فقد كان لشاهندة جمال مستفز يدفعك للتحديق بها أكثر من مرة، أنثى لم تهزمها الحياة ولم يريها الزمن عمايله كأنها نسيها في عمر العشرين وتركها خلفه وكانت عصية على التجاعيد وتضع مساحيق خفيفة لا تؤثر هيئتها.
واستمرت تدور حول نفسها ببراعة حتى افتعلت تعثرًا، فما كان من آدم إلا أن أسندها بيده، اليد التي لا زالت شاهندة تتذكر قوتها وتحلم بلمستها.
آدم: أنتِ لسه جميلة يا شاهندة هانم.
وخرجت الكلمات من فم آدم عادية دون أي لؤم.
شاهندة: جميلة إزاي بس؟
ونزلت دموع شاهندة: أنا بعت نفسي عشان ابني، ابني اللي دلوقتي بيعاملني بقسوة.
عارف يا آدم، أنا بشبه حياتي بحياتك، فكل واحد منا صفعته الحياة أكثر من اللازم ونحتاج استراحة.
ثم وضعت يدها فوق كتف آدم برقة: أنا شايفة إن وجودنا مع بعض أكثر من مجرد صدفة.
رواية خادمة القصر الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم اسماعيل موسى
غاض النهر عدة أمتار في التحريقة الشتوية، وأصبح ماؤه أنقى واختفت عفرة المفيض وظهرت حشائش قصب النهر والقصبة على جوانبه. ارتفعت أشجار التوت والصفصاف على الشاطئ ونمت الحشائش بين الأحجار التي زرعتها وزارة الري على الضفتين، وشق الهريف النهر جزأين وقطع قلبه النابض مكونًا جزرًا صغيرة ترعى فوقها طيور الزعاق والبط العراقي ودجاج البحر والسكساكة. وكانت المياه تسيل في فحاير الفلاحين تروي الأرض المعزوقة حيث تتلهف حقول القمح والبرسيم والثوم والبصل لشربة ماء، وتحولت الأرض خلف مياه الري إلى قطعة من القطن الأبيض يرعى من خلالها أبو قردان مشكلًا إحدى اللوحات الزيتية لكلود مونيه، وتزينت الغيطان بأجساد الفتيات الشابات اللائي يساعدن عائلاتهن في الفلاحة.
كيمو واكا لا يغادر بيت ميمي، يظل اليوم بطوله راقدًا هناك يقلب ذكرياته على سطح فرش الرمل، وتوتا تتحمل وتحاول أن تجذب انتباهه، وفي كل مرة ينهرها كيمو واكا:
"قلت لك أنا هر بلا قلب ولن تفلح محاولاتك في تغييري، ولكل شخص قدره على التحمل والعطاء بعدها ينضب ويختفي الشغف."
فكانت تخرج من القصر، تتسكع في الحقول وطرقات القرية وهي شاردة تتأسى على حالها. جلست بين دغل حشائش مستقبلة الشمس تعلق شعرها الناعم، وكانت مستغرقة في تأملاتها عندما اقترب منها هر شاب وقف يراقبها لدقيقة قبل أن يتجرأ ويقول:
"مساء الخير هرتي الجميلة."
رفعت توتا رأسها:
"من أنت؟ كيف تقول هرتي؟ أنا لست هرة أحد."
"هذا لا يمنع أنك جميلة وحزينة."
"ما شأنك أنت جميلة أو لست جميلة؟"
نهرته توتا بكبرياء.
"ابتعد عني!"
"الحقول ليست ملك وحدك."
دافع الهر الشاب عن حقه.
"يمكنني أن أتجول، أنام في أي حقل أحبه."
نهضت توتا، نفضت شعرها:
"سأرحل أنا إذا."
ومشت بخطوات بطيئة مبتعدة عن الهر الوقح.
"توقفي ماء القط! أنت أجمل هرة رأتها عيني ولا يمكنني أن أتركك ترحلين بمثل كل ذلك الحزن!"
وتساءلت توتا:
"أحزنها يفضحها لهذا الحد؟ حتى الحزن له لغة تفضحه عند الذين يشعرون به."
"ليس شأنك!"
صرخت توتا.
"أحزاني تخصني وحدي."
ركض الهر وقفز برشاقة حتى أصبح قرب توتا:
"الحزن يحتاج لرفيق مثل الفرح يا جميلة الهرات، وحزنك يشق عينيك مثل نهر جارٍ."
"فقط ابتعد عني."
قالت توتا بنبرة منكسرة.
بقفزة أخرى أصبح الهر في مواجهة توتا واشتم داخلها الحاجة لمن يسمع بوحها.
"تحدثي، لن أفتح فمي."
"أفرغي حزنك داخلي، سأحمله عنك وأرحل، لا تقلقي، لن تري وجهي مرة أخرى."
ترددت توتا دقيقة ثم انهمرت في البكاء، وعندما تضعف الأنثى تمنح بلا حساب:
"أجل أنا أحتاج من يستمع إليّ، فرفيقي قليل كلام يعيش مع ذكرياته."
تسللت يد شاهندة، استكانت بين يد آدم الفهرجي، يد رطبة دافئة وحزينة، ضمها آدم بحنان:
"كل الأوقات السيئة ستمضي، عليكِ أن تتحملي أكثر."
"ما عدت قادرة على التحمل، تعبت من الجفاء وخواء المشاعر."
"أنت لا تعرف أنني في ورطة؟"
"ابني الوحيد يطالبني بقتلك ويحتاج دليل وقلبي يرفض ذلك، أنت تستحق حياة مليئة بالفرحة، سأفعل ما يمليه علي ضميري، أنا معك يا آدم، معك ضد ابني حتى تجد راحتك، أما بالنسبة لي فراحتي في قربك."
احمر وجه آدم الفهرجي، لم يعرف ما عليه قوله، إنه محتل بحب أبدي ولا يمكنه الفكاك منه.
بحنان قالت شاهندة:
"لا تضغط على نفسك، أنا لا أطالبك بشيء."
"فبعض البشر كتب عليهم الشفاء."
"لكن لدي رجاء..."
"من فضلك اسمح لي أن أظل قربك، اليوم أرغب بالنوم تحت قدميك هنا."
وكما كانت توتا تحكي للهر الشاب أحزانها وطموحاتها كانت شاهندة تتسحب ببطء نحو قلب آدم ومشاعره، تقص عليه ما عانته في حياتها حتى الآن.
وتوقف الزمن لحظة، الهر لعق دموع توتا بلسانه ويد آدم زحفت على شعر شاهندة القصير الناعم.
قبل الهر فم توتا على استحياء، حاولت الهِرة أن تمنع نفسها أن تبتعد لكن الهر حاوطها وفرك جسده بجسدها، بينما استكانت يد آدم على شعر شاهندة برقة.
وكان محسن الهنداوي بعد مضي يومين يسأل نفسه لماذا تكذب عليه والدته وتقول أنها تخلصت من آدم بينما هي تحتفظ به داخل الفيلا الخاصة بها؟
وقرر أن يراقب الفيلا ليعرف ما يحدث داخلها من خلال أعوانه المنتشرين في كل مكان، فكر محسن الهنداوي، كان لدي الحق أن أتشكك من نوايا والدتي وكان يحاول إيجاد مبرر لاحتفاظها بآدم، فوالدته لا تمنح أي شيء دون مقابل.
وكيمو واكا يتابع نزهات توتا التي تعددت في الفترة الأخيرة بقلب قلق.
توتا كانت لا تخرج نهائيًا من القصر، لكنها الآن تتأنق وتخرج كل عصرية ولا تعود إلا قبل انتصاف الليل، وقرر أن يذهب خلف توتا ويراقبها داخل الحقول، إن كان هناك سر فعليه اكتشافه، إنه يفضل الحقيقة عن العيش كمغفل. انتظر كيمو واكا حتى خرجت توتا ثم تسحب خلفها دون أن تشعر وراقبها من بعيد بينما كان محسن الهنداوي يجذب ديلا من يدها.
لأنه يحضر لها مفاجأة وكانت ديلا تتساءل ما تلك المفاجأة التي تدفع محسن الهنداوي لإخراجها بره الفيلا للمرة الأولى منذ لحظة وصولها، ولم يرد محسن الهنداوي على تساؤلات ديلا واكتفى بابتسامة ساخرة تظهر كل بضع دقائق، قاد محسن الهنداوي سيارته حتى وصل الفيلا التي تملكها والدته.
ثم طلب من ديلا أن تتحرك ببطء ولا تحدث أي صوت وقال إنه سيشرح لها كل شيء لاحقًا.
وكان كيمو واكا كامنًا خلف جذع شجرة عندما قابلت توتا الهر الشاب والذي ما إن رآها حتى قام بتقبيلها ولعق خدها وفمها.
بينما كانت ديلا تنظر بعيون منكسرة منهزمة من خلال الباب المفتوح حيث شاهندة في حضن آدم، تلك العيون التي ما لبثت أن نزلت دموعها بلا توقف ومحسن الهنداوي يراقب كل ذلك بابتسامة ساخرة، ولم تحتاج ديلا لشرح محسن الهنداوي فقد غادرت الفيلا بروح ميتة وقلب منهزم.
وكان كيمو واكا يركض نحو القصر بفم مفتوح وهو يلعن كل الهِررة وقلبه يحترق كشمعة.
رواية خادمة القصر الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم اسماعيل موسى
ظل محسن الهنداوي صامتًا في طريق العودة، ورغم سعادته، كان قلبه يخفق بقوة حزنًا على ديلا. في سبيل الوصول لغايته، جعل قلبها يتألم، وهو غير راضٍ عما فعله، لكن فكرة فقدان ديلا كانت غير مرحب بها تمامًا. إن ديلا بالنسبة له أهم شيء في الوجود، أهم من والدته وكل أعماله، فلم يكن سهلًا عليه أبدًا أن يفضح والدته أمام زوجته من أجل راحته الخاصة. لكن لحظة التشفي من آدم أعجبته وجعلت مزاجيته معتدلة جدًا. كان آدم يظن دومًا أنه أفضل منه، إنسان لا يخطئ، بينما كان هو غارقًا في ملذاته الخاصة مثل نحلة يرتشف رحيق امرأة ليذهب لامرأة أخرى. وكانت ديلا تبكي بحرقة، عقلها غير قادر على استيعاب ما رأته بعينها.
قال محسن الهنداوي بعد طول صمت:
"عرفتي ليه مكنتش عايزك تشوفي آدم؟"
"كنت عايز نظرتك ليه تظل كما هي، بس انتي أجبرتيني أعمل كده."
صرخت ديلا:
"متجيبش سيرته قدامي!"
وعرف محسن الهنداوي أنها اللحظة المناسبة للهجوم، اللحظة التي سمح بها القدر لتنفيذ خططه وطال انتظارها لشهور.
فهمس وقلبه يتقطع:
"لو عايزاني أطلقك وترجعي لآدم هطلقك، وأوعدك أبعد عنك وعن آدم خالص."
صرخت ديلا:
"قلتلك متجيبش سيرته، أنا مش عايزاه خلاص!"
محسن الهنداوي بلهفة:
"يعني مش عايزاني أطلقك؟"
ديلا ببكاء:
"أنا مش عارفة عايزة إيه، أنا عايزة أموت وأرتاح."
محسن الهنداوي بتصميم:
"ديلا عايزاني أطلقك؟"
همست ديلا:
"اعمل اللي انت عايزه."
تمالك محسن الهنداوي نفسه، فقد كان يظن أن ديلا ستنهار وتطالب بالبقاء في عصمته.
"ديلا، انتي عارفة إني بحبك ومقدرتش أعيش من غيرك، مش عارف الحب دا وصل إزاي أو كيف، لكن أنا بحبك وبعمل كل حاجة عشان أرضيكي، وكل أملي إنك تفضلي معايا."
"من فضلك ردي عليا، عايزاني أطلقك؟"
همست ديلا وقد تذكرت كل ما فعله محسن الهنداوي من أجلها:
"لا."
وطار قلب محسن الهنداوي من الفرحة:
"يعني هتفضلي معايا طول العمر؟"
ديلا:
"أيوه."
أبعد آدم الفهرجي جسد شاهندة المتكوم فوق رجليه بعيدًا عنه، بعد أن تحرك ضميره العفيف.
"أنا مش هقدر أعمل كده يا شاهندة، مش هقدر أعمل حاجة تغضب ربنا بعد أن وجدت لذة الإيمان. ربنا ساعدني كتير وأنا متأكد إن نجاتي إني استمر في طريق الهداية."
وشعرت شاهندة بالخيبة، فقد كان آدم قريبًا منها جدًا، قريبًا للسقوط في الوحل، لكنه الآن في نوبة شرف يرفضها. وتدللت أكثر وظهرت جمالها، لكن آدم الفهرجي أدار وجهه بعيدًا عنها. كان كلام المرأة صحيحًا، فقد قالت له إن الاختبار الأصعب ينتظره وعليه أن يعبره بمفرده، وإن شر الإنسان أقوى من شر السحر والجان. فابتعد عنها وكله ندم على ما فرطت فيه يداه وإن كان فعله بحسن نية.
"أنا لازم أمشي من هنا، مش هقدر أقعد تاني!"
"تمشي تروح فين؟ محسن لو شافك هيقتلك!"
وأحس آدم الفهرجي أن بقائه في الفيلا أشد خطرًا من محسن الهنداوي وحراسه، وأنه إن كان أغضب الله بعصيانه فعليه أن يبتعد لأبعد حد ويطلب مغفرته.
وظهرت له شاهندة على حقيقتها فما عاد يراها أنثى عادية بل شيطان يحاول الإيقاع به، وتحول جمالها في عينيه لقبح فتغيرت ملامحه وأصر على الرحيل.
صرخت شاهندة:
"انت فاكر نفسك في لعبة؟ آدم طلب مني أقتلك، يعني مش هتمشي من هنا."
صرخ آدم:
"محدش هيقدر يمنعني إني أمشي من هنا!"
"آه؟"
تحركت شاهندة من مكانها، وكانت لها مشية تجسد الإغراء في أكمل صورة.
"متطرنيش أوريك وشي التاني!"
آدم، بطيبة:
"شاهندة هانم أنا بشكرك على كل اللي عملتيه عشاني، لكن صدقيني لازم أمشي من هنا عشان مصلحتي ومصلحتك."
"الكلام دا مش بياكل معايا يا آدم، "إما أنا وإما لا شيء"."
"يعني؟"
صرخ آدم بغضب.
شاهندة ببرود:
"يعني هتعمل اللي أنا عايزاه، لاما مش هتشوف مراتك تاني."
وكان آدم يعرف ما ترمي إليه شاهندة، فصرخ:
"لا!"
"انتهى الكلام."
همست شاهندة بخيبة:
"كنت فاكراك ذكي، لكنك طلعت غبي زي محسن."
ثم ضغطت على قابس فظهر رجلان أشداء على باب الغرفة لم يرهما آدم من قبل.
"خدوه على تحت وضبوه وكتفوه واحبسوه زي الكل*ب."
دافع آدم عن نفسه، شعر أن يمتلك قوة لم يحس بها من قبل.
تعارك مع الرجلين وضرب أحدهما ضربة قاتلة ودفع الآخر بعيدًا عن الباب، ثم تلقى ضربة في مؤخرة رأسه من سلاح شاهندة جعلته يترنح. سقط آدم على الأرض، شل الرجلان حركة آدم وقيدوه بالحبال.
"خدوه من وشي وكتفوه، أنا هشرب سيجارة وأنزل."
قيد آدم من قدميه ويديه في ماسورة الصرف وظل يصرخ دون فائدة حتى نزلت شاهندة ولفافة التبغ في يدها.
"أنا مترفضش يا آدم، دي كانت أكبر غلطة في حياتك."
"انت كده كده ميت، لكن هأدبك الأول."
وسحبت كرباجًا بشراشف جدلت به جسد آدم حتى أدمته وهي تهمس:
"اصرخ يا شريف يا عفيف."
تمزقت ملابس آدم ولم يصرخ، تقطع جلده ولم يصرخ، كان لديه يقين عميق أنه يستحق ما يحدث له عندما استعان بإنسان وابتعد عن توكله على الله. ظلت شاهندة تجلده حتى فقد وعيه.
وكان كيمو واكا يحاول أن يبتلع هزيمته، رأى رفيقته في حضن هر آخر، لكن كل فلسفة العالم التي ينطق بها لم تمنع الحرائق التي اشتعلت داخله. بحث وفتش عن ذكرى تشفع لتوتا دون فائدة، فأرتمى على الرمل في بيت ميمي وهو يردد:
"هذا ما يحدث عندما تضع ثقتك في امرأة."
"لماذا فتحت قلبك مرة أخرى أيها الهر اللعين؟"
"ألم يكفيك جرح واحد حتى تفتح أبواب الجحيم على نفسك؟"
"ربما أهملتها؟"
همس كيمو واكا.
"لكنها كانت تعرف أنني رجل محطم داخله أشلاء قلب يعيش على ذكريات الماضي، كانت تعرف ذلك وقبلت به."
عندما وصلت توتا القصر وجدت كيمو واكا في انتظارها، من خلال نظرة عيونه أدركت أنه عرف ما حدث بينها وبين الهر، فما كان منها إلا أن ألقت بنفسها تحت أقدامه وطلبت منه أن يسامحها.
وكانت ديلا مرمية على السرير داخل غرفتها، وجهها غارق في الوسادة تبكي بحرقة.
تبكي حب ملك كل قلبها ثم انتحر.
"ليه عملت كده يا آدم؟"
"أنا كنت عايشة عشانك تخوني؟"
"انت الشخص الوحيد اللي حبيته ومنحته كل قلبي، اللي اتمنيت أعيش تحت رجليه عمري كله."
وكان عقلها ينادي بالانتقام بينما قلبها يطلب الرحمة له.
ونبض قلبها بفكرة، ربما كل ذلك من ترتيب محسن الهنداوي.
"ألم يراك آدم في حضن محسن الهنداوي وغفر لك؟"
"غفر لأنه كان يعرف أنك كنت مجبرة، وهذا ما حدث لآدم."
ثم فكرت أنها غبية جدًا، آدم لم يكن مرغمًا، لقد رأته بنفسها مرتاحًا في حضن شاهندة.
وفشلت كل محاولات قلبها في إيجاد الرحمة داخلها، فلو كان آدم مرغمًا ربما كانت وجدت عذرًا يبقى على حبه في قلبها.
وشعرت بغضب عارم وحنق ليس له آخر، وأرادت أن تعاقب آدم على خيانته، ستعاقبه بكل ما تملك من قوة. محسن الهنداوي ليس مثل آدم.
إنه رجل حقيقي ولا يرفض لها أي طلب طالما كانت بعيدة عن آدم، إنه لا يعاملها كخادمة بل كأميرة متوجة، لقد ملكت كل كيانه وما عليها إلا أن تنطق بأي رغبة سينفذها بلا تردد نظير ابتسامة رضا واحدة من شفتيها.
دفع كيمو واكا توتا بعيدًا عنه:
"انت هرة رخيصة وكيمو واكا لا يرغب بوجودك هنا."
"يمكنك أن ترحلي معه، كيمو واكا قرر أن يعيش ما تبقى من حياته وحيدًا بائسًا."
همست توتا:
"أنا آسفة، أرجوك سامحني!"
"كيمو واكا لن يسامح أي كائن أرضي مهما تبقى من حياته."
"كيمو واكا لن يتعرف على أي أنثى أخرى."
"هيا، ارحلي، اذهبي إليه، ذلك الهر اللعين الذي وجدتِ عنده ما لم أستطع أن أمنحه لكِ."
"أرجوك!"
وبكت توتا بنواح:
"لم يحدث شيء بيننا، كانت لحظة ضعف."
نخر كيمو واكا:
"لقد رأيتك في حضنه يا توتا، عيني لا تكذب."
"لكنني نهرته يا كيمو، أقسم لك نهرته وابتعد عني، أنا أحبك."
قال كيمو واكا:
"الحب وحده لا يكفي، يا لك من هرة غبية."
"كان عليكي أن تدركي أن كل علاقة تتخللها أزمات."
"لا أرغب رؤيتك مرة أخرى ولا تختبري صبري."
ثم همس كيمو واكا لنفسه:
"كل الذين يمتلكون قلبًا كبيرًا يعانون في هذه الحياة."
رواية خادمة القصر الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم اسماعيل موسى
خادمة_القصر
جزء ٢
21
الاخيره
"" نهض كيمو واكا وهو يترنح كان يشعر ان جسده سقيم وساقيه تعانده وان روحه ضبابيه ترى كل الأشياء باللون الأسود، ألقى نظره أخيره على القصر ومعالمه، بيت ميمى ثم تنهد قائلا، الذى يعيش بين ذكرياته يحكم على نفسه بالموت حى
وانت؟ "وصوب بصره على توتا
" اتمنى ان تجدى فى حياتك ما تستحقيه '' ثم حرك ساقيه وركض نحو الحقول
ليس هناك من عوده "، شهق كيمو واكا، سأفتقد وجبات السردين اللذيذه وامسيات الموسيقى الرائعه، اتمنى ان يكون حظ ادم افضل من حظى ""
"" وانطلق راكضا بين الحقول، ركض بكل سرعته يهرب من ذكرياته، ماضيه وحاضره وخزيه، ركض من كبريائه الذى تحطم على يد أنثى كاد ان يفتح لها قلبه، ""
نسى انه فى كل مره يفتح فيه المرء قلبه يتعرض للصفعه وبقوه"
'
قال كيمو واكا لنفسه، اخيرا تعرضت للخيانه وانا الذى كنت اظن ان ما من انثى قد تتخلى عنى وأطلق لعناته على كل النساء.
كنت قبل أن تدخل اى امرأه حياتى اعيش كهر حر اتجول واتسكع بسعاده لماذا سمحت بكل هذا الهراء؟؟
ثم واصل كيمو واكا جريه وعقله مشتت وقلبه يصرخ من الوجع، عبر الحقول والقرى وكأن الماضى يعيد نفسه وجد نفسه داخل المزرعه التى كان فيه اول مره، وما ان وضع قدمه داخلها حتى وجد الزعيم هناك، الهر الضخم الذى هرب منه كيمو واكا رفقة توتا، وكان الهر جالس هناك حزين شارد حتى انه لم ينتبه لكيمو واكا، لم يهرب كيمو واكا، كانت لديه رغبه عميقه بالتحطم فمشى ببطيئ حتى جلس جوار الهر الضخم الذى كان مغلق العينين ، رفع الهر الزعيم أنفه وتشمم الرائحه ثم فتح عينيه ورمق كيمو واكا بتركيز وتوقع كيمو واكا صفعه او خربوش يقطع وجهه، فتح الهر الزعيم فمه وقال خانتك مثلما خانتنى؟ رغم كل فلسفتك التى كنت تتشدق بها تناسيت ان الانثى التى تخون مره، تخون مرات؟ الان تتجرع من نفس الكأس، الان تشعر بوجعى، عش انت فى ندمك كل مستقبلك بينما كنت انا اتجرعه كل ليله.
جلس الهرين فترة العصريه كلها بصمت دون كلام، كل واحد منهم مغلق عينيه يراجع ذكرياته الأليمه، وعندما هبط الليل تفرقا، انسحب الزعيم اولا ثم تبعه كيمو واكا، لم يترك ولا واحد فيهم أثر يستطيع الآخرين تذكره به، كانا مجرد كلمات فى قصه كتبت ثم محاها الزمن ""
________________
كان ادم يتعرض للضرب المبرح كل ليله، شاهنده تعاقبه على شرفه لانه جرح كبريائها وكانت ان وجدت متعتها فى تألمه وصراخه، حذرته انها لن تتركه حتى يرضخ لرغبتها، ووضعت كل كبريائها فى كفه ورضوخ ادم فى كفه أخرى، سوف تكون معى برغبتك او دونها، ليس لانك شخص مميز، بل لانك الشخص الوحيد الذى رفضنى ولا شيء أكثر خطر على المرأه من تجاهل الرجل وفضولها
وكانت ديلا بدأت تعتاد حياتها الجديده، تلبس تتأنق تخرج فى نزهات، تبتسم وتضحك، ترافق محسن الهنداوى فى حفلاته، تجاريه فى الكلام بعد أن كانت صامته ووجد محسن الهنداوى سعادته التى كان يحلم بها، فلم يحرم ديلا من اى شيء تطلبه، وكان شديد الاحترام لها، ويفضلها على نفسه، ورغم انها منحته نفسها تلك المره بلا ارغام الا انه لم يحاول الاقتراب منها كزوجه، كان يعرف ان الوجع لا تمحوه ابتسامه وان القلب يحتاج للوقت لينفتح لحب اخر، وكانت ديلا تقدر له كل ذلك، اهتمامه منقطع النظير، احساسه بوجعها واحترامه للحاله الحرجه التى تمر بها.
ومضت الليالى والاسابيع والحياه فى القريه تتجدد مره اخرى، نمت المحاصيل واخضرت الأرض وارتفعت سنابل القمح وافرع البصل والثوم ورعت المواشى على البرسيم النابت وارتفعت الزغاريد ابتهاجا بعرس هنيه ابنة الحج محمود والتى وافق والدها اخيرا على زواجها من الشاب الجامعى الذى كانت تحبه، وعلى أطراف القريه امام البيت الطيني كانت ترى امرأه عجوز متسربله بعبأه بيضاء تقراء القرأن وتصلى حتى الفجر
وكانت توتا تعيش شهر العسل مع هرها الشاب متناسيه الماضي طامحه بحياه جديده كلها سعاده وفرح "" البعض لا يعتبر الخيانه فى سبيل سعادته خيانه حتى لو تحطم بها الآخرين "
تأنقت ديلا، إرتدت أجمل الملابس التى تملكها، وضعت مساحيق الزينه وتكحلت ومررت القلم الارجوانى على شفتيها رشت عطر توم فورد لوست تشيرى ودهنت نفسها بزيت بلاك هورس، اليوم ستمنح نفسها لمحسن الهندواى بكل مشاعرها، الليله ستجعله يرتشف رحيقها، تلك اللحظه مناسبه لقتل الماضى.
أمرت ديلا خادمه ان تعتنى بالطفل، وجلست فى غرفتها تنتظر محسن الهندواى لتكافأه على كل ما فعله من أجلها، ربما لا تحبه ربما لم تحبه بعد، لكنه استحقها بتفانيه فى اسعادها وكان بندور الساعه يسير ببطيء ناحيت لحظة الحسم
ديلا واقفه امام المرآه تلعب فى شعرها، تمرر اصابعها بين خصلاته السوداء الناعمه الطويله وعلى شفتيها تتراقص ابتسامه حائره !!
" لسه هناك يا محسن بيه، شاهنده هانم محتفظه بيه جوه الفيلا ومش بتسمح لأى حد يدخل عليه " "
ثم اختفى الصوت الهامس بعد صرخه غاضبه من محسن الهندواى، وسمعت ديلا ولكنها كانت شارده، كان ذهنها يحاول تجهيز نفسه للقادم
محتفظ بيه؟ رنت الكلمه عدت مرات داخل اذن ديلا حتى افلحت فى الوصول لعقلها
ادم، لسه هناك؟ وراح الماضى يتحرك داخلها، طيب على الأقل شوفيه مره قبل ما تنهى حبه فى قلبك، بصى فى عنيه وقوليله انك الليله هتمنحى نفسك للهندواى، هتكونى فى حضنه، شوفى نظرة التشفى فى عنيه، اكسرى قلبه زى ما كسر قلبك !!
ارتدت ديلا معطف طويل تحت الركبه، هبطت درجات السلم، محسن الهندواى كان مشغول مع حراسه، محسن انا خارجه ومش هتأخر، خلى بالك من ادم ""
اسماعيل موسى
ومنحها محسن الهنداوى الأذن ، هخلى السواق يوصلك؟
لا انا عايزه امشى اشم هوى شويه
وخرجت من الفيلا، استقلت سيارة أجره وكانت تعرف عنوان الفيلا التى زارتها قبل ذلك، وكان القدر لها بالمرصاد، اوقفت سيارة الأجره بعيد عن الفيلا وترجلت، شاهنده ليست موجوده فى الفيلا والحراس يتسكعون وفى ايديهم لفافات التبغ يلقون مزحات خادشه للحياء ويتندرون على ايام زمان
مرت من باب الفيلا وكاد واحد من الحرس ان يلمحها، لكن هره ظهرت من العدم قفزت أمامه وشغلت عقله
قصدت غرفة النوم التى رأت فيها شاهنده مع ادم، الغرفه كانت مرتبه ولا أثر لانسان داخلها، كادت ان ترحل بعد أن تفقدت غرفه أخرى، لكن آنين ضعيف متواصل وصل اذنيها، فتحت ديلا الغرفه بتوجس وقلق
كان ادم مقيد من يديه فى ماسورة الصرف التى تركت عاريه، ظهره تجاهها، ممزق من الضرب بالسوط جروحه شبه متعفنه وقدميه تكافح للبقاء فى وضع ثابت، جسد نحيل، مريض منتهى هكذا فكرت ديلا، ولم تشك للحظه انه ادم، اعتقدت انه واحد من الحرس تأدبه شاهنده، سعل الجسد وبصق دم على الأرض "" اقتلينى يا شاهنده انا مش هعمل إلى انتى عايزاه "" وكان ادم يظن ان الخطوات التى سمعها خطوات شاهنده برقت عيون ديلا والتمعت بالفرحه ، ادم بريء؟؟ سارت ديلا واحتضنت ادم من الخلف وهسمت ادم، سامحنى لانى شكيت فيك، ارتعش جسد ادم، وفتح عيينه، كان وجهه مدمى متورم عندما نظرت اليه ديلا
ديلا؟ همسها ادم كأنه فى حلم، انتى ديلا؟ ايوه انا ديلا يا ادم
انحنت ديلا وحلت قيود قدمى ادم، ثم كافحت لتصل لقيود يديه، قلتلك قبل كده انتى قصيره وزعلتى "" ضعى قدميك فوق قدمى وارتقى يا حبيبه، عندما حلت قيود ادم سقط على الأرض، تكوم الجسد المدمى كقطعه من الجبص.
عطشان، عايز اشرب ""
شرب ادم وارتوى، وضع رأس ديلا بين يديه التى تملأها السحجات، يد خشنه اوجعت خدود ديلا، لازم نهرب من هنا
الحراس فى كل مكان يا ادم
امال انتى دخلتى ازاى؟
اسماعيل موسى
ديلا / مش عارفه والله مريت بينهم وكانو مشغولين، تقدر تقفز فوق الصور؟
ضحك ادم، اطلق واحده من ابتساماته الرائعه،انتى شايفه ان واحد بحالتى دى ممكن يقفز صور؟
فكرت ديلا، طيب هنعمل ايه؟
وكان ادم على يقين ان الله معه، وانه سبحانه سيساعده ويغفر له ويسانده بعد أن رفض الرضوخ لشهواته والوقوع فى براثن الرزيله
نزلو درجات السلم ببطيء وحذر، الحديقه صغيره لكن فيها أشجار كبيره، وقف ادم وديلا يفكرو وهما مستخبين ورا شجره فجأه توقفت سيارة شاهنده ونزلت منها وهى فى كامل غصبها وصرخت فى الحراس إلى اتجمعو ومشيو وراها لداخل الفيلا دون أن يلاحظوهم ، خرج ادم الفهرجى وديلا محمود النزواى من باب الفيلا ناحيت الشارع ظهرت سيارة أجره تسير بسرعه فائقه ولم تتوقف لديلا رغم تلويحاتها المستمره لكن السائق ضغط فرامل عندما لمح هره تقف أمام السياره وكاد ان يترطم بالرصيف، سحبت ديلا ادم ودخلته جوه العربيه وسط اندهاش السائق
ادم، اطلع على العنوان ده وانا هديك كل الفلوس إلى هتطلبها وقبل ان يضغط السائق دواسة البنزين الهره قفزت داخل السياره فى حضن ادم، سوق بسرعه امرته ديلا، انطلقت السياره نحو الطريق الدائري قبل أن تنعطف لبعيد عن القاهره ثم مرت بين الحقول المخضرت حتى وصلت بعد ساعات قصر ادم، منح ادم السائق اجرته وزياده ولم يجعله يغادر القصر الا بعد أن تناول طعامه واخذ معه لاطفاله
القصه بقلم اسماعيل موسى
"" الحق يحتاج قوه ""
عين ادم مجموعه كبيره من الحراس حول القصر من اهالى القريه والذين تطوع بعضهم للحراسه بعد أن ظهرت معجزة ادم
الكل كان يظن ادم ميت تحلل جسده داخل قبره لكنه ظهر فجأه من العدم قبل أن يختفى مره اخرى
تلقى ادم علاجه وحدثت بعض المناوشات بين حراس محسن الهنداوى وحراس ادم لكن الشرطه تدخلت وقامت بالفصل بينهم، لم يستطع الضابط الكبير مساعدة محسن الهنداوى تلك المره بعد أن فتح ادم قصره لكل اهل القريه.
بعد أن استعاد ادم صحته رفع قضية بطلان زواج وإثبات نسب، المحكمه لم تستغرق وقت طويل بعد أن فحصت الادله حتى حكمت ببطلان عقد زواج محسن الهنداوى من ديلا
ثم كان الفصل فى نسب الطفل عن طريق تحليل Dna
الطفل كان طفل ادم.
اختفت الهره بعد وصول ادم وديلا للقصر، ركضت نحو أطراف القريه حيث المنزل الطينى وارتمت فى حضن امرأه عجوز ثم تبخرا الاثنين إلى العدم ولم ترى المرأه مره اخرى فى ذلك المكان !!!
انتهت
تعقيب
اتهم محسن الهنداوى والدته شاهنده بتهريب ادم الفهرجى بعد أن وعدته بالتخلص منه، بينما اكتشفت شاهنده ان ابنها كان يراقبها وان ديلا رأتها فى حضن ادم الفهرجى بترتيب محسن الهنداوى ابنها.
•
رواية خادمة القصر الفصل الستون 60 - بقلم اسماعيل موسى
كانت الأرض في القرية مخضرة بعد أن شبّت سنابل القمح وعيدان البرسيم والفول البلدي، مسطّح لا نهائي يكسوه ندى الفجر وتتصاعد الأبخرة من بين الحشائش، حيث إنك إذ كنت تتمتع بحدة نظر لا يمكنك ملاحظة فلاح يسير وسط عتمة الشبور يجر حيواناته نحو المراعي. وارتفعت أدخنة الحطب في البيوت الطينية من بين فسحات أسقف البوص والجريد، وكان هناك ديك يصيح رغم أن الشمس احتلت الأفق وديلا لم تغمض عينها بعد.
الطفل مزعج لا يتوقف عن الصراخ وديلا لا يمكنها تركه مع الخدم ولا تعرف علته، فكل الأطباء أخبروها أن الطفل لا يعاني أي أمراض. وكانت قد اقترحت على آدم أن يعملا سويًا على العناية بالطفل، كل واحد منهم أربع ساعات، ورغم أن آدم أبدى موافقته إلا أنه لازال نائمًا منذ منتصف الليل في غرفة مجاورة وديلا لم ترغب بإزعاجه، فقد كانت لديه وجهة نظر أن ما تحتاجه المرأة الكلام الطيب ثم هي ستقوم بكل شيء.
سعل آدم عندما اقتربت الساعة من التاسعة صباحًا وسمع نداء ديلا:
"آدم، الطفل لم ينام وأنا لم تغمض لي عين، من فضلك أكاد أن أُقتل وأُغمض جفني."
حمل آدم الطفل ملتزمًا بتعليمات ديلا: "الغطاء يكون ثقيل، رأسه لا تكشف للريح، الرضاعة كل ساعتين."
رفع آدم يده بتذمر:
"يمكنني من هذه التعليمات أن أفهم أنك قررتِ النوم النهار بطوله؟"
رفعت ديلا عينين تعستين مهزومتين وشدت الغطاء فوق جسدها. نزل آدم درجات السلم والطفل الشقي لازال يتملل ويرفص بأقدامه. خرج من باب القصر نحو الحديقة وتجول داخلها وسط ترنيمات عشق العصافير التي تحلق من شجرة لشجرة أخرى.
"اسمع يا ابني هذه ستكون حديقتك مثلما كانت حديقتي وحديقة آبائي وأجدادي من قبل، ستتعلم أن تحافظ عليها مثل عينك ولا تفرط فيها أبدًا."
ولم يُبدِ الطفل أي انتباه، كانت عينيه تجول بين الأشجار الضخمة التي لا يعرف بعد أن كانت وحوش أم مجرد منظر يسر العين. ثم واصل تقدمه حتى وصل الحظيرة وقال بفخر وهو يشير بيده:
"هذه باكي مهرة والدك التي أنقذ بها والدتك قبل زمن ليس ببعيد، عندما تكبر."
ورفع آدم نبرة صوته:
"سأدعك تركب الحصان، سأسمح لك بذلك، والدتك حاولت مرة من قبل وسقطت على الأرض لكني أعتقد أنك ستنجح لأنك من صلبي!"
ونظر الطفل تجاه المهرة التي تقف على أربع وترفع رأسها بفخر يزين عنقها شعر بني لامع، ورغب أن يتلمسها. كان لديه فضول رهيب أن يفعل ذلك، لكنه لا يستطيع الكلام ولا حتى أن يعبر عن رغبته، فأطلق من فمه مخاط أبيض لزج وهز ساقيه وحرك يده وضم أصابعه وفرطها في حركة متواترة.
وكان آدم يفكر: "المهرة لم تناول طعامها بعد، هايدي نسيتها مثلما تفعل في كل مرة."
ونظره بعيد عن الطفل الذي شعر بلامبالاة الرجل وعدم اهتمامه بتلبية رغباته، وأنه بدا واضحًا أنه ليس مثل الرجل الآخر الذي كان يحمله ويدلله ويلبي رغباته وهو يدندن ويغني له ويمسح مخاطه أولًا بأول حتى أنه كان يتعمد أن يسعل أو يتمخّط عندما تكون مزاجيته متعكرة أو يريد أن يخرج ريح حتى يحظى بتلك العين اللامعة الملهوفة التي تتفانى في خدمته. إنه رجل آخر تعس محطم وفي قلبه بقايا حب، وعليه أن يمنحه درسًا حتى لا يشرد مرة أخرى وهو يحمله معتقدًا أنه في نزهة مع حبيبه أو يتمشى على شاطئ البحر.
فأطلق صرخة وهو يتملل وكان حريصًا أن تكون الصرخة طويلة مولولة لأنه يعلم أن صوته لازال ضعيفًا. انتبه آدم لطفله الباكي وهمس بصوت رقيق:
"إش، إش بااااااس."
وزاد الطفل من صراخه بكل عناد لأنه لا يقبل أن يدلله ذلك الرجل مثل دجاجة أو ذكر بط. همس آدم مرة أخرى وهو يهدئ الطفل:
"ما رأيك أن نخرج للحقول؟"
مما أثار انتباه الطفل وتوقف عن الرفص.
"سوف آخذك في جولة في الهواء الطلق."
وخرج من القصر ومر بين الحقول الرطبة التي تتراقص على أنسام شتوية باردة، وبلل الندى بنطال والده النظيف الأنيق الأسود ماركة أديداس، مما زاد من سعادة الطفل وأطلق ابتسامة مرحة من تلك التي يرسمها الأطفال الصغار على أشفاههم. وسار آدم داخل فجوة يابسة قاصدًا النهر، أكثر من خمسة عشر دقيقة من السير على الأقدام، وهرب طائر أبو فصاد كان يكمن لدودة أرض وحلق لبعيد في حقل قريب، ولمح آدم من بعيد هر كهل يتمشى ببطء على ضفة النهر.
رواية خادمة القصر الفصل الحادي والستون 61 - بقلم اسماعيل موسى
كان الهر يمشي الهوينا شاردًا يرمق الأفق بنظرة تعسة غارق في الحزن، وغراب الفقد ينعق فوق رأسه. جسده الهزيل يترنح، يلعق ذهنه ويتقيأ ذكرياته، ويتساءل: لماذا لا تتبخر ذكرياته القديمة مثل مياه النهر التي تتكاثف جواره؟
كانت الشمس لا زالت في كفاحها المستميت لإغراق الأرض بأشعتها، وبدأت تظهر كلما أتاحت لها الغيوم الفرصة. وهنا وهناك تظهر فلوكة يجدف عليها صياد كالح يرتعش من البرد، وفي بوكسته عدد قليل من سمك الشبار لا يكفي ثمنه لابتياع إفطار لائق، يتمتم بحمد الله طامحًا أن يكون نصيبه في الغد أفضل. وتمضي الحياة بين حلم وواقع مرير نعيشه، ويبقى الأمل الذي يدفعنا أن نفتح عيوننا كل يوم.
جلس الهر تحت شجرة سرو عملاقة وحيدة نبتت على شاطئ النهر، أغصانها وارفة وجذعها قوي، على أنها لا تمتلك أي عائلة وتتساقط أوراقها دون أن تجد من يحزن عليها، فيكنسها الريح نحو النهر الذي يجرفها نحو مقبرة النسيان. وكان الهر لا زال يفكر: لم لا يكون التخلص من الذكريات بمثل تلك السهولة؟ تكفي هبة ريح لإسقاطها من العقل وجرفها نحو المجهول؟
وجسده يرتعش ليس من البرد بل من الحزن الذي كاد يقتله، فهو لا يرى أي معنى لحياته بينما لا توجد أي بارقة أمل تساعده على المضي قدمًا.
فكل مكان يحمل لديه ذكرى تغرس أنيابها في قلبه وتنهشه بلا رحمة. حملق كيمو واكا بالأفق الشاحب، الشابورة التي تغطي مياه النهر وتمتم:
"يوم مناسب للموت."
إلى الآن لا يعرف السبب الذي دفعه للحضور لأرض القرية، ولا يعرف لم ظهرت ميمي في أحلامه وطالبته بالركض نحو القرية التي يكرهها ويكره كل من يعيش فيها. ثم سمع سعال إنسان بشري.
بصق كيمو واكا، آخر ما ينقصه كائن متطفل يزيد من أوجاعه. رجل يمشي ببطء وعلى وجهه ابتسامة. كيمو واكا يشعر أنه يعرف الرجل لكنه لا يتذكره، وعندما رأى الطفل الوقح شعر باستياء، سيستخدمه الإنسان البشري كلعبة من أجل إرضاء طفله اللعين.
توقف آدم قرب كيمو واكا وراح يرمقه مطولًا، وآدم الصغير ينظر نحوه يحاول أن يكون فكرة عن هذا الحيوان الذي لمحه مرة يأكل من زبالة الشارع.
قال آدم:
"مرحبًا أيها الهر، أنا أعرفك."
وسمع كيمو واكا الكلمات وفهمها وحاول أن يرد. إنه لا يرحب بأي رفقة حاليًا، فمزاجيته متعكرة ويرغب بالموت، وخرج صوته على هيئة مواء غريب حانق.
ظل آدم مبتسمًا والطفل يحملق بوجهه باندهاش يتساءل: لماذا لم يقم ذلك الرجل الذي يحمله منذ الصباح بضرب الهر ردًا على إساءته؟ انحنى آدم بلطف وربت على ظهر كيمو واكا ومرر يديه بين شعره.
"أها!" نخر كيمو واكا باستنكار "يعاملني مثل كلب؟" أخرج الطفل رغاء من فمه، بعد أن لاحظ الخدوش التي تغطي جسد كيمو واكا، فقد تعرض كيمو واكا في الأيام الماضية لضرب لا يتحمله ثور حقل من كل الهررة التي قابلها.
"ترغب في طعام؟" سأله آدم "لدي السردين الذي تحبه وديلا ستسعد برؤيتك."
"يعرف نقطة ضعفي." تأوه كيمو واكا بامتياض "يوم ما معدتي ستكون سبب في قتلي."
قال كيمو واكا:
"اسمع أيها الرجل الذي أعرفه، لكني لا أتذكره بوضوح، أنا أفكر جديًا في الموت، لكني سأذهب معك وهذا لا يعني أننا سنصبح صديقين أو أن سعادة زوجتك البدينة برؤيتي تعنيني في شيء."
تحرك كيمو واكا داخل فحل شق حقلين وهو يحاول نسيان ذكرياته، فقد كان يعرف طريق القصر الذي عاش داخله أسعد أيام حياته. وتبعه آدم وهو يستحضر ذكريات الماضي محاولًا إحيائها مرة أخرى.
وكان الطفل صامتًا، ينظر أمامه للهر العجوز الذي يمشي مترنحًا، وشعر أن هناك هالة جاذبة تسير معه.
"لا بأس به." فكر الطفل "هر أحمق لكن أفكاره تعجبني." وقرر بينه وبين نفسه أن يحتفظ بالمخلوق داخل المكان الذي يعيش فيه، فسيشكل إزعاجه متعة حقيقية بالنسبة له.
وصل آدم رفقة كيمو واكا وطلب من هايدي الخادمة التي كانت تعرف كيمو واكا أن تعد له الطعام على وجه السرعة قبل أن يسقط من طوله. سمح كيمو واكا لهايدي أن تلمس شعره، كان السردين يشغل أفكاره ولا يرغب بإفساد الوجبة.
التهم كيمو واكا الوجبة قبل نزول ديلا من غرفتها، واستمتع بموسيقى هايدن وهو يحملق بلوحة بول سيزان "لاعبي الورق"، وكان ينظر خلسة نحو الطفل اللئيم الساكن في حضن والده.
كان الرواق نظيفًا حتى من بيت ميمي، شعر كيمو واكا بالاستياء، البشر قليلو الوفاء حطموا بيت ميمي التي ضحت بحياتها من أجلهم، وحرك قدميه صوب باب القصر وبدأ الطفل في الصراخ، نحيب متواصل طاغي. توقف كيمو واكا ونظر تجاه الطفل، سكت الطفل وهدئ.
قال كيمو واكا:
"اسمع، لن تنجح خطتك معي، منذ أول نظرة وأنا أعلم أنك تعد لمصيبة."
وانطلق صوت كيمو واكا مواء متقطع حاد:
"لن أظل دقيقة واحدة هنا، لم تنجح خطتك!"
صرخ آدم الصغير أكثر يستجدي قلب كيمو واكا الطيب.
قال كيمو واكا:
"لا تضغط عليّ!" ونهره "أنت لا تعرف ما فعلوه ببيت ميمي؟ حطموه وكأنها لم تمر من هنا."
قفز كيمو واكا وابتعد عن القصر واختفى في الحقول.
"لن أعيش مع البشر مرة أخرى." وتناهى لمسمعه أنين خافت جعله ينتبه. تسحب كيمو واكا بين أعواد البرسيم حتى اقترب من الصوت، كانت توتا تمارس الحب مع هر جلف يوسعها ضربًا.
لم يصدق كيمو واكا عينيه وكاد يصرخ عليها ويتدخل لإنقاذها، لكن لسانه علق في بلعومه. كل شخص يختار طريقه ويتحمل مسؤوليته. أدار كيمو واكا ظهره مبتعدًا عن المكان ولمحت توتا آخر جزء منه وشعرت أن قلبها يتحطم، لقد هجرها الهر الشاب الذي كان معها بعد أن ارتشف رحيقها وباعها لهر آخر ووجدت توتا نفسها بلا قوة منها تتحول لعاهرة ليل تنتقل من هر لهر آخر.
"كيمو واكا، كيمو واكا!" سمع كيمو واكا صرخات توتا المنادية عليه لكنه هرب، اختفى بين الحقول وعاد للقصر.
كان الطفل لا زال يبكي عند وصوله رغم محاولات ديلا المستنزفة لإسكاته.
"اصمت!" صرخ كيمو واكا وهو يقفز جوار ديلا "لا أسمع صوتك! لقد عدت ولن أسمح لك باللعب بي، أتفهمني؟ إذا مدت شعرة من يدك التي لم تنبت بعد على جسدي أقسم أنني سوف أقضمها!"
هدأ الطفل واستكان.
"المهم أنك رجعت، دعنا نؤجل الإشكاليات لوقت آخر."
"سأذهب للحديقة، هناك شيء عليّ رؤيته قبل أن أقيم في القصر. لا تفتح فمك حتى رجوعي."
اختفى كيمو واكا ولزم الطفل الصمت. تمشى كيمو واكا حتى وصل الشجرة التي يذكرها جيدًا، لعق جذع الشجرة بحذر وكان جذع الشجرة مرًا مالحًا.
"أها، لا زال بعض الشر موجود." قال كيمو واكا وهو يمسح المكان بعينه.