تحميل رواية «خادمة القصر» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الخدامه الجديده وصلت يا باشا، أنا مثبتها قدام باب الخدم مستني إشارة من حضرتك؟ هى عارفه إني عايش وحيد داخل القصر؟ أيوه عارفه يا باشا، هو فيه حد في المنطقة كلها يستجرى يرفضلك طلب يا باشا؟ أنا مطلبتش من حد يشتغل عندي يا محمود، اللي يشتغل هنا لازم يكون جاي من نفسه من غير إجبار. طبعًا يا باشا مفهوم. نهض آدم ووقف أمام الشرفة المطلة على الحقول، في إيده سيجارته، مرتدٍ قميص موف يبرز صدره القوي وشعره الناعم يغرق وجهه العاجي، ووضع البستاني خلف ظهره. بص ناحية البنت البسيطة اللي واقفة قدام باب الخدم، فتاة صغ...
رواية خادمة القصر الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم اسماعيل موسى
تسلل محمود الجنايني مع رجال محسن الهنداوي لداخل القصر بعد أن قاموا بتقييد الحارس المسؤول عن حراسة البوابة. جريمة نظيفة، هكذا أرادها محسن الهنداوي!
كان كيمو واكا لحظتها يتمشى في الحديقة بعد أن أصابه الملل، يتسكع فوق العشب الأخضر، يتفكر في جدوى الحياة التي تنتظره. كيمو واكا غير مستعد لتحمل مسؤولية زوجة وأطفال يركضون خلفه طول اليوم!
وكان يفكر بإمكانية إقناع ميمي بتأخير الحمل لبعض الوقت.
غارق في تصوراته، سمع كيمو واكا صوت خطوات الرجال المسلحين. قفز بسرعة خلف شجرة، وكان كل همه أن ينقذ الآنسة ميمي فربما يسحقها بشري بحذائه أو يضربها بخلفية البندقية. ركض كيمو واكا بسرعة من خلف القصر وتسلق الجدار وسرعان ما أصبح في الطابق العلوي.
يدرك كيمو واكا أن جماعة مسلحة تقتحم منزل في منتصف الليل لم تأتِ من أجل النزهة، وكان على وشك هبوط السلالم، لكن محمود الجنايني الذي يحفظ القصر أكثر من اسمه، أخذ معه رجلين وصعد تجاه غرفة آدم وطلب من بقية الرجال المسلحين أن يراقبوا الخدم.
تراجع كيمو واكا خطوتين حتى ارتطم بباب غرفة آدم. انفتح الباب وشعر آدم بالحركة، سحب مسدسه وقبل أن يخرج من الغرفة وجد محمود الجنايني في وجهه يصوب تجاه رأسه بندقية آلية.
"نزل سلاحك يا آدم، مش عايز أقتلك قدام مراتك!"
فتحت ديلا عينيها، كان الجو ظلامًا، "فيه إيه يا آدم؟"
"كل خير يا حلوة." أجاب محمود الجنايني بصوت رخيم، "لو فتحتي بقك أو صرختي هقتل المحروس جوزك."
آدم: "ملكش دعوة بيها، مشكلتك معايا أنا."
قهقه الجنايني حتى بانت أسنانه السوداء، وضرب آدم بدبشك البندقية في دماغه، ضربة قوية شقت رأس آدم "الكلام دا معدش ياخد يا آدم."
"كتفوه." أمرهم محمود الجنايني، قيد الرجال آدم وأجبروه على النزول على الأرض.
"خدوه على الجنينة من غير ما حد يحس واقتلوه وأنا جاي وراكم."
جر الرجال آدم الفهرجي، أجبروه على السير وتوغلوا به داخل الحديقة.
اقترب محمود الجنايني من ديلا ووضع كمامة فوق فمها، "أقسم بالله يا مرة، أي حركة مقاومة أو صراخ هقتلك."
كان كيمو واكا أيقظ ميمي وركض بسرعة تجاه الحديقة، أخبرها أن هناك مداهمة مسلحة على القصر وأن وجودهم يشكل خطرًا كبيرًا عليهم.
"علينا أن نهرب." وضح كيمو واكا كلامه، أطاعت ميمي كيمو واكا وركضت خلفه، لكنهم اصطدموا بالرجال الذين يجرون آدم الفهرجي على أرض الحديقة بين الأشجار.
تسلق كيمو واكا شجرة قريبة ورافقته ميمي، "سيقتلوه." قال كيمو واكا بجدية، "هذا الرجل لا يستحق الموت بتلك الطريقة التافهة."
"وإحنا هنعمل إيه؟ مفيش بإيدنا حاجة." قالت ميمي بحزن.
كان آدم تحت شجرة التوت مباشرة ركبتاه على الأرض ويده خلف رأسه وماسورة بندقية آلية مصوبة على نفوخه.
"لا توجد فرصة للنجاة." همس كيمو واكا، "إمكانية نجاته من طلقة في الرأس مستحيلة، النسبة ١ إلى ٩٩٪."
"لا تغادري مكانك." أمر كيمو واكا ميمي، "مهما حدث!"
"يلا يا عم اقتله وخلص، إحنا هنفضل هنا لحد الصبح؟" قال واحد من الرجال بقلق وهو يتلفت حوله.
رد الآخر: "هنستنى محمود الجنايني."
الرجل: "فكرك محمود الجنايني هيسيب الموزة بتاعته وهيجي هنا؟ يا عم خلصنا خلينا نمشي."
وشعر آدم أن قلبه يشق لما ذكروا حبيبته ديلا وما يمكن أن يفعلوه بها، حاول أن يحرك نفسه لكنه تلقى ضربة غشيمة أسقطته على الأرض.
أجبره الرجل آدم على الجلوس مرة أخرى، ألصق ماسورة البندقية بدماغه ووضع يده على الزناد، ثم أطلق الرصاصة في اللحظة التي قفز فيها كيمو واكا وميمي أمام رأس آدم ونزع محمود الجنايني العقد من رقبة ديلا، كانت نفس اللحظة كأنها مضبوطة بدقة ساعة بيج بن.
شعر الرجال بالحركة، ودب قلق داخل قلوبهم.
بينما سقط جسد آدم على الأرض والدماء تغطي كل رأسه.
"يلا بينا يا جدع، حسيت باللي أنا حسيت بيه؟"
أجاب الرجل الذي يحمل البندقية: "شكله قط ولا نمس مرعوب؟"
"لازم نمشي دلوقتي دا محسن الهنداوي هيدلعنا لما يسمع الخبر."
"ليس بعد." قال الرجل وهو يعيد تصويب البندقية على آدم مرة أخرى، "لازم نتأكد من موته." وأطلق رصاصة أخرى في صدر آدم.
سمعت ديلا صوت طلقات الرصاص وراحت تصرخ وتبكي ومحمود الجنايني يجرها بلا رحمة ولا شفقة نحو البوابة.
"عملتوا إيه يا رجالة؟" سأل محمود الجنايني، "مات؟"
قال الرجل: "مات وشبع موت كمان، يلا بينا قبل ما حد يحس بينا."
غادروا القصر، ساروا بين الحقول حتى وصلوا طريقًا ضيقًا يصل القرية بالطريق الزراعي، وكانت ديلا تمشي ساهية شاردة غير دارية بحالها، ولم تبدِ أي مقاومة أو حتى حاولت الهرب.
كانت هناك سيارة تنتظرهم، في لمح البصر انطلقت السيارة تجاه فيلا محسن الهنداوي، بعد أقل من ساعتين وصلت السيارة الفيلا، كان محسن الهنداوي في انتظارهم داخل القبو.
"عملتوا إيه يا رجالة؟" قال محسن الهنداوي لما شافهم.
"قتلناه يا باشا."
"متأكدين؟" سأل الهنداوي وهو يشعل سيجارة.
"متأكدين يا باشا فرغنا فيه خزنة كاملة."
كانت ديلا تقف خلف محمود الجنايني بلا مبالاة، تائهة الفكر.
"أنا شايف إنك خدت جايزتك يا محمود؟"
"أيوه يا باشا، خدت انتقامي وجايزتي."
وقف محسن الهنداوي وكان لم يلحظ ديلا بعد، وكان على وشك أن يرفع يده ويرحل الجنايني مع غنيمته. لكن وجه ديلا برق مثل القمر في ليلة مظلمة.
نهض محسن الهنداوي وتفقد ديلا بصمت، هذا الجسد وذلك الوجه الأصفر باهت المعالم، صامتة كأنها فقدت الوعي.
"طيب يا محمود البنت دي هتفضل هنا لحد ما تلاقي مكان تأوي فيه!"
تلعثم محمود الجنايني، "بس قال أمرك يا باشا." نادى الهنداوي على واحدة من الخدم وأمرها أن ترافق ديلا نحو الغرف العلوية وتنتظر أوامر، رافقت الخادمة ديلا التي كانت تسير بتيه بعينين نصف مغلقتين.
تناول محسن الهنداوي رزم نقود من حقيبة كانت أمامه ودفعها للرجال، ثم أمرهم بالرحيل.
وارتسمت على شفاهه ابتسامة خبيثة، لم يقتل آدم فقط، لكنه استولى على زوجته أيضًا، آدم الذي كان يعتبر نفسه أفضل منه، آدم الذي اختارته تالا وتركته. الآن امتلك زوجته، الآن سيدوس شرفه مثل عقب سيجارة.
وشعر بنشوة وراح ينفخ أنفاس الدخان وهو يصعد درجات السلم، ثم أمر الخادمة أن تنقع ديلا وتنظفها، ثم تحضرها لغرفته، وكانت ديلا مستسلمة ليد الخادمة التي تعبث بها، كأن الأمر لا يعنيها وأن التي تجلس في البانيو ليست هي.
رواية خادمة القصر الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم اسماعيل موسى
تجمّلت ديلا، تزيّنت ووضعت فوق وجهها المساحيق. الخادمة لمعتها، وكان وجه ديلا ناصعًا بارقًا يجمل كل شيء يقترب منه. تجرأت الخادمة لما اقتربت من محسن الهنداوي:
"فيه شيء غريب في البنت دي يا محسن بيه! البنت ما نطقتش حرف واحد، ولا عملت أي حركة، تحس إنها جسد بلا روح."
محسن الهنداوي:
"مريضة يعني؟"
الخادمة:
"مش عارفة يا بيه، مريضة أو مريضة نفسية أو حتى مجنونة."
وكانت ديلا واقفة جنب الخادمة كأن ما يتحدثون عنه لا يعنيها. نفث محسن الهنداوي دخان سيجارته وهو يعاين ديلا، وبدت له باهتة كعود ذرة يابس. وفكّر محسن الهنداوي وهو يتأمل الفتاة إن كانت هذه خطة! فإن محسن الهنداوي قادر على اكتشافها. صرف محسن الهنداوي الخادمة وأغلق الباب على ديلا.
"اقعدي هنا."
أمرها محسن الهنداوي وكان يشير بيده نحو السرير، وكأن ديلا لا تسمع ظلت واقفة بهدوء. وكاد محسن الهنداوي أن يشعر بالغضب، لكنه نهض وأمسك بيد ديلا وجذبها ببطء نحو السرير. استجاب الجسد وجلس، وكانت يد ديلا دافئة هكذا شعر محسن الهنداوي، دافئة وناعمة مثل الحرير. وحاول محسن الهنداوي أن يتحدث معها لكن ديلا لم ترد، فما كان منه، إلا أن أنبها، أرهبها، هددها، حتى إنه أخذها من يدها وقرّبها من كلابه المسعورة في القبو لكن ديلا لم تفتح فمها.
وفكّر الهنداوي أنه حتى لو جعل كلابه المسعورة تنهش جسدها فإنها لن تتحدث.
جلس محسن الهنداوي على كرسي في غرفته وديلا جالسة دون حراك يفكر كيف يدفعها للحديث؟
ولم يجد بدًا من نبش الماضي، في دفتر الماضي مغامرات وذكريات، حزن وأسى وفرحة. وقال كلماته بكل حقارة ذاكرًا آدم وكيف تخلص منه، وكيف أن زوجته، حلاله، تقبع في غرفته الآن تحت رحمته تستعد أن تُداس، وأنه كان يتمنى أن يشاهد آدم ذلك بعينه ويحدث أمامه، لكن آدم مات، قتله رجاله وربما جثته تعفنت الآن.
لم يتغير وجه ديلا المصفر لكن الدموع غزت عيونها، كانت روحها محبوسة داخلها. وقال محسن الهنداوي:
"لا يمكن للمشاعر أن تموت!"
"تحسّين إذًا؟"
"تذرفين الدمع على شخص حثالة؟"
"محسن الهنداوي يأخذ ما يريده بالطريقة التي يحبها."
انغلقت أضواء الغرفة وحل على العالم صمت كئيب، ومضت ليلة طويلة على ديلا. ومن بعيد على الشاطئ الآخر كانت ساقيه تدور وترسل في الليل صريرًا خافتًا يختلط بالأنين. وفي الصباح هناك حيث تقبع القرية كان الصمت يخيم على الحقول وأشعة الضحى الصفراء تعطي لكل شيء لونًا شاحبًا.
وحضر محمود الجناني ليأخذ ديلا كما وعده الباشا، لكن الباشا رفض مقابلته فمضى حانقًا بائسًا يتلوى من الغيظ.
وفي قلبه شيء على الباشا، فجلس على القهوة يحتسي الشاي ويتمتم بصوت هامس:
"والله وعملها الباشا وضحك عليَّ."
وقلب في جيبه رزم المئات التي منحها له الباشا ولم يكن يحلم يومًا ما أن يتحصل على كل تلك النقود. ثم فكّر محمود الجناني لو عاجباه أسيبهاله، بس يدفع، وراح يختلق قصة تلمح للباشا أنه لا يمانع في ترك ديلا له نظير أن يمنحه مقابلًا عادلًا.
ومحسن الهنداوي جالس في الحديقة يدخن سيجارة باستمتاع واضعًا قدمًا على قدم، ناظرًا نحو الشرفة حيث ترك ديلا هناك مرمية جسد بلا روح، وصدره ينبض بحنق دفين على آدم.
وكان يتابع الأنباء التي تصله من القرية، عندما أشرقت الشمس وجد أهل القرية الغفير مقيدًا وآدم مرميًا في الحديقة والدماء تغطي كل جسده. ولم تحضر الشرطة للقصر ولا حتى طبيب المديرية، وصلت أوامر صارمة بالابتعاد عن القصر ولم يجد أهل القرية من بد، إكرام الميت دفنه، إذا كانت الشرطة لم تحضر فهذا يعني أن كل شيء تمام، ونقلوا آدم للمقابر وقاموا بدفنه.
ثم انصرف الناس نحو حقولهم ولم يتبقَّ غير شخص واحد، الخادمة هايدي والتي ظلت جالسة تبكي آدم الفهرجي وكان الهر كيمو واكا واقفًا خلف المقبرة إلى جواره ميمي.
كيمو واكا ونظره مثبت على المقبرة:
"كيمو واكا واثق إن الراجل ده ما ماتش."
ميمي:
"ماذا تعني يا كيمو واكا؟"
كيمو واكا:
"لقد فعلت ما بوسعي ووفقًا لنظريتي الرصاصة انحرفت عندما اخترقت جسدي!"
لعقت ميمي جرح كيمو واكا وتذكرت عندما سقط على الأرض وشعرت أنه ميت فركضت نحوه وراحت تلعق جسده بأسى.
حتى قال كيمو واكا:
"ابعدي لسانك، أتعتقدين إني قطعة سردين؟"
وكان كيمو واكا يقف بترنح.
كيمو واكا:
"يعتقد إن الراجل ده سيموت إذا تركناه هنا أكثر من اللازم، إنه حي، روحي تشعر به، إنه داخلي."
فكّرت ميمي وكانت ترغب بمساعدة كيمو واكا ولفت انتباهه:
"هناك امرأة طيبة تسكن القرية المجاورة يمكنها أن تساعدنا."
وهمس كيمو واكا:
"كيمو واكا يعرف الست دي، التقى بها من قبل."
ثم نظر تجاه ميمي ورمق جسدها الرشيق بشبق وشعرت ميمي بجسدها يلتهب. ثم قال كيمو واكا:
"اركضي واحضري المرأة كيمو واكا سينتظر هنا."
رواية خادمة القصر الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم اسماعيل موسى
ركضت الهِرَّة ميمي بين الحقول المخضرة، وأشعة الأصيل تصبغ القرية بلون محمر شاحب، ونسمة ريح توشوش أعواد الذرة الحُملي بأكواز يابسة. وعلى سطح النهر حتى الضفة الأخرى يسري لون فضي تخترقه فلوكة صياد يغني بموال: "من صغر سني وأنا شعري شاب". ومرت على فلاح متعرق يجلس على مؤخرته واضعًا يده خلف رأسه، وزوجته تقرب منه صحن جبن أبيض. وكانت تمر من خلال قناية الماء برشاقة وتقفز فوق حوائل الفحاير كمُهرة سباق. قطعت المسافة كلها بنفس واحد حتى وصلت المنزل النائي، تسلقت الجدار وقفزت من خلال الكوة المتعلقة بالسقف الواطي داخل الدار الذي كان خاليًا ولا أثر لأي حياة فيه. مسحت ميمي البيت كله ثم خرجت لتقف تحت شجرة الصفصاف الكبيرة ولعقت الماء الجاري الساقع، وظلت هناك حتى غابت الشمس ولم تظهر المرأة. وكانت ميمي تفكر في كيمو واكا وكيف ستكون نظرته نحوها عندما تعود خائبة في أول مهمة أوكلت إليها.
وشردت نحو الحقول بأسى وظلام الليل يطبق بمخالبه السوداء حتى سمعت: "الله أكبر".
كانت المرأة أمام المنزل تصلي مستقبلة الكعبة، وفي وجهها بريق سطع فوق ذرات الظلال.
كيف ظهرت فجأة؟ سألت ميمي نفسها.
وكانت المرأة تقرأ القرآن بصوت طرب وقور فيه شجن حزين، وميمي تراقبها برهبة وأمل.
أنهت المرأة صلاتها وجلست بعد أن مسحت وجهها بيديها.
فقالت: اقتربي يا ميمي!
وتعجبت الهِرة، كيف تستطيع المرأة محادثتها بلغتها. مشت ميمي بخجل واستقرت بين يدي المرأة التي ربتت على جسدها.
ميمي: أنتِ تعرفين لغتي؟
المرأة: كله بأمر الله يا ميمي.
وقالت ميمي: أنا واقعة في ورطة، لست أنا وحدي، لكن كيمو واكا معي.
ابتسمت المرأة.
فقالت: كيمو واكا؟ وما العلاقة التي تربط كيمو واكا بهرة جميلة مثلك؟
قالت ميمي بخجل: أنتِ تعرفين كيمو واكا، لذلك أرسلني لطلب مساعدتك.
المرأة: ربنا اللي بيساعد الكل، احنا مجرد أسباب يا ميمي.
روت ميمي للمرأة ما حدث داخل القصر وكيف أن كيمو واكا متأكد أن صاحب القصر حي، وأن الرصاصة انحرفت عن مسارها بزاوية قطرها 7 من 221 درجة، هكذا يقول كيمو واكا، إنه يشعر به في داخله.
ابتسمت المرأة، نظرت نحو السماء، كان القمر لم يظهر بعد.
فقالت: سنتحرك بعد قليل.
قالت ميمي بخجل: هل يمكنني أن أسبقك؟ كيمو واكا مجروح ويحتاج من يعتني به.
لا مانع، قالت المرأة.
انطلقت ميمي تركض وهي لا تزال تفكر كيف هذه المرأة تفهم لغتها وتتحدث معها.
لما وصلت ميمي وجدت كيمو واكا قاعد على الأرض يلعق جرحه.
وحلت ليلة أخرى على ديلا، في مكان آخر لا تعرفه، ترى خدمًا وحشمًا وتسمع كلامًا، تأكل وتشرب بلا عناية وتنام عندما يطلب منها.
وكان محسن الهنداوي يفكر كيف أن هذه المرأة فقدت روحها، وهل يستطيع الحب أن يفعل ذلك؟ أن يجعلنا جسدًا بلا روح؟
وكيف بإمكانه أن يجعل المياه تسيل مرة أخرى داخل ديلا.
كان يظنها نزوة، يرغب بدهسها وينتهي الأمر، فلماذا يشعر أن يفقد شيئًا ما؟
وكان يتخيل ديلا تضحك وتتفاعل مثل أي أنثى أو حتى ترفض وترغب بالهرب.
وتخلى للحظة عن طبيعته السادية وشعر بالشفقة عليها، فصعد درجات السلم حيث غرفة ديلا فوجدها جالسة فوق السرير شاردة بعيدًا عن الفيلا وناسها.
جلس محسن الهنداوي جوار ديلا ووضع نظره فوق خدها.
وتمنى أن يرى هذا الوجه يضحك وتتراقص غمازتيه، فلمس شعرها ببطء وسألها: ما بكِ؟
رفعت ديلا عيونها ورأى الهنداوي صورته داخلها، عيون واسعة تتلألأ بالدموع.
وكان داخل ديلا عذاب وجمر يحرقها لكن كلماتها محبوسة داخلها.
لمس محسن الهنداوي الجسد المرتعش.
وقال: لتعرفي أنني لن آخذك غصب، سأفعل ما بوسعي لأعيد الفرحة لكِ مرة أخرى. أعرف أنكِ تسمعين وتفهمين ما أعني، وأقسم لكِ أن لا ألمسكِ مرة أخرى دون رغبتكِ.
وأمر الخادمة أن تعتني بديلا وأن تعتبرها سيدة الفيلا وتنفذ طلباتها وأوامرها.
وأحضر طبيبًا لمعاينتها وتعجب الطبيب من حالة ديلا واستبعد أن تكون صدمة نفسية، ومارس كل خبرته وطرقه دون فائدة، الشيء الذي كان يقبض على روح ديلا لا يعرفه الطبيب وكتب لها مهدئات أعصاب ومضادات اكتئاب ورحل وهو يضرب أخماسًا في أسداس فهو لم يرَ حالة مماثلة من قبل.
لما الليل انتصف وصلت المرأة عند المقابر وكان كيمو واكا في انتظارها، وكان مع المرأة معول فتحت به المقبرة.
ثم نزلت داخل القبر ولمست جسد آدم الفهرجي ووجدت الحياة لا زالت تدب داخله، أخرجت المرأة جسد آدم من المقبرة وكان كيمو واكا يفكر كيف ينقل آدم لمكان آخر.
لكنه دهشته انمحت عندما صهلت باكي راكضة بين الحقول.
عندما امتلأت حديقة القصر بالفلاحين زعرت المهْرة باكي، قطعت مربطها وهربت داخل الحقول وظلت شاردة حتى قابلت المرأة.
كان جسد آدم ممددًا على الأرض عندما وضعت المرأة عشبة داخل بلعومه.
ثم كافحت حتى تمكنت من رفعه فوق الحصان، وكان كيمو واكا يشاهد بذهول وهو يفكر أن هذه المرأة غير عادية.
وأنها تختلف تمامًا عن الشيء الذي شعر به أمام الشجرة داخل القصر.
اعتلَت المرأة العجوز الحصان وآدم أمامها ولكزت المهْرة نحو منزلها.
كيمو واكا: ميمي؟ كيمو واكا يشعر بالجوع، هل تعتقدي أن هناك طعام متبقي في ثلاجة القصر؟
ميمي: بقى ده وقته يا كيمو واكا، خلينا نروح نشوف الست هتعمل إيه؟
كيمو واكا: المرأة لا تحتاجنا الآن، تريد أن تكون بمفردها، كيمو واكا يعرف ذلك، سنذهب عندها بالغد.
رافقت ميمي كيمو واكا نحو القصر وكان الحديث يدور بينهم عن المرأة وكيف أنها تعرف كيمو واكا، ولماذا كيمو واكا لا يعرفها؟
أنزلت المرأة آدم على الأرض وأدخلته منزلها ومددته على الحصير، وأشعلت الحطب داخل الكانون ووضعت داخله سكينًا، ثم عرت جسده بالكامل ما عدا شيء يستر عورته.
وعاينت الرصاصة التي جاورت قلب آدم، ثم الطلقة التي في رأسه، والنفس البطيء الذي يخرج من صدره، وكان جوارها حقيبة طبية داخلها مطهر ومشارط ومقصات ومعقم طبي.
نظفت الجرح ثم أخرجت الرصاصة الأولى، قطبت الجرح وأخرجت قنينة فيها دهان وضعته على الجرح.
وكانت المشكلة في الرصاصة التي اخترقت الرأس وسكنت بين العظم، وتذكرت كلام ميمي أن كيمو واكا متأكد أن الطلقة انحرفت عن مسارها فأطلقت ابتسامة هادئة، دافئة مطمئنة. أنهت المرأة معالجة جروح آدم وأشربته الزعتر والبرينوف لمساعدة قلبه.
وكانت تعرف المرأة أن جسد آدم يحتاج أيامًا طويلة للتعافي وأنه علاجه تأخر جدًا حتى أن جروحه تعفنت وتباطأ نبض قلبه لأدنى حد، ثم ابتسمت المرأة باطمئنان وهمست: كيمو واكا حي.
رواية خادمة القصر الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم اسماعيل موسى
خارج البيت، كان القمر يصبغ الحقول باللون الفضي، وظلال عيدان الذرة متطاولة كوحش دون عينين بأذرع طويلة. المياه تجري في القناية مُحدثة خريرًا محببًا، والمرأة تصلي رافعة يديها فوق رأسها تقول: "الله أكبر، سبحان الله العظيم".
وكان النهر يبدو تحت أشعة القمر كصفحة من فضة، وأسماك الشلب تبقبق بين حشائش القصب المتأخمة للشاطئ، وصوت مقرئ قرآن يتلو بسكينة في مذياع صياد يستعد لرمي شبكته، ودخان ينبعث من بيت فلاح يشوي كيزان الذرة. كان الجو ساكنًا والكون كله يسبح بحمد الله.
وآدم ممدد على حصيرة من القش، أنفاسه بطيئة، وكل نفس يخرجه من فمه يقربه من الحياة.
وكان الهر كيمو واكا قد وصل القصر للتو، وميمي تسير جواره متأخرة خطوة احترامًا وخشية. وكان القصر حزينًا، مظلمًا وصامتًا بعد أن رحل الخدم عنه. وقف كيمو واكا على العشب في مواجهة ظلال القصر الكئيبة.
كيمو واكا يشعر أن هناك خطرًا تحرر داخل القصر، كيمو واكا يريد أن يهرب.
ميمي: عن أي خطر تتحدث يا كيمو واكا؟ القصر خالي ونحن قطط. ألم تخبرني أنك كنت تتسكع في الأزقة المظلمة؟ الله أعلم ماذا كنت تفعل هناك؟
أردفت ميمي كلماتها بغيرة!
كيمو واكا: أنتِ لا تفهمي، وكيف يمكنك أن تفهمي؟ أشعر أن الخطر تحرر واستوطن القصر. كيمو واكا فقد شهيته، كيمو واكا لن يأكل السردين.
قالت ميمي في محاولة للفهم: البشر رحلوا، لا يأتي الشر إلا من البشر.
والأرواح، قال كيمو واكا، والسحر. كيمو واكا أول مرة أحس بعمل مختفي داخل الشجرة، لكن العمل تحرر وبدأ عمله.
وتذكرت ميمي الحية التي كانت تقطن القبو وتختفي داخل الحديقة، وشعرت بالخوف، الجان يسكنون الحيات والقطط.
ثم فجأة شهقت ميمي وكأن ذاكرتها عادت إليها، تذكرت نرجس، نرجس كانت تحضر عمل قبل رحيلها، عمل من أجل ديلا.
همست ميمي: هل تعتقد أن العمل بدأ مفعوله؟
كيمو واكا: بلا أدنى شك، أشعر بلعنة السحر داخل القصر.
اسمعي، قال كيمو واكا: سأدخل القصر، أحضر بعض السردين ونرحل، إذا حدث لي شيء اركضي نحو المرأة.
سحب كيمو واكا ودخل من الباب الموروب حتى وصل الثلاجة، وكان يشعر بالخطر، وحركة غير مرئية تراقبه.
سحب كيمو واكا كيس السردين ثم ركض، وخلفه طيف من دخان يتشكل. على الباب وجد عقدًا لبنيًا مرميًا على الأرض أخذه في طريقه.
وهناك حيث الفيلا الفخمة كانت ديلا تتلوى من الألم وتصرخ داخل غرفتها، ومعدتها تتقطع بسكين تلم. مرعوبة الفتاة، منكمشة على نفسها، ترغب بالدخول في الجدار من الخوف.
اقتحم محسن هنداوي الغرفة وأخذ ديلا في حضنه وهو يحاول أن يعرف لماذا تصرخ؟ وكانت ديلا لم تتحدث بعد، لكن عينيها كانت مصوبة على الخزانة تكاد تقفز من الخوف.
عندما وصل كيمو واكا وميمي بيت المرأة، لاحظت العقد الذي تضعه ميمي على رقبتها.
تغيرت ملامح المرأة وسألت ميمي: أين وجدتِ العقد؟
كيمو واكا وجده، قال كيمو واكا بلا مبالاة.
همست المرأة: الشر في كل مكان، يسكن الخلاء والأشجار والبحار والمغارات والإنسان. كيف لإنسان أن يعيش بين كل ذلك القبح؟
ومدت يدها على العقد وأحجاره الكريمة ونزعته من عنق ميمي المستسلمة.
متى بدأتِ التذكر؟ سألت المرأة ميمي. أعني كيف عادت لكِ تلك الذكريات عن نرجس؟
قالت ميمي: خارج القصر عندما تحدث كيمو واكا عن سحر داخل القصر.
المرأة: القصر لابد أن يتطهر، لكن الوقت لم يحن بعد، القصر خطير الآن لا تذهبوا هناك مرة أخرى. لقد تبعكم الخطر حتى أبواب بيتي وأشارت بيدها للحقول لكنني تعاملت معه.
كان الوقت قبل الفجر، عندما خرجت المرأة من باب البيت ورقد كيمو واكا وميمي جوار آدم.
رواية خادمة القصر الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم اسماعيل موسى
عندما خرج الهر كيمو واكا من البيت بعد قليل هاربًا من قبلات الآنسة ميمي وهمساتها القادرة على إذابة الجليد، والتي جعلت كيمو واكا يشعر أنه يكاد يفقد السيطرة، وكيمو واكا يحب أن يكون كل شيء تحت سيطرته، لم يجد كيمو واكا المرأة العجوز وكأنها تبخرت. أدار كيمو واكا بصره في الحقول الساطعة تحت القمر، همس كيمو واكا:
"امرأة غريبة أطوار لكنها طيبة."
ثم تذكر كلام المرأة أن الخطر الذي كان يترصدهم وتبعهم حتى عتبة البيت، وتساءل:
"هل يكون رابط بين الحقول ينتظرهم؟"
وكيف يمكن أن تكون هيئته؟ فلا أحد يعرف شكل الخطر ولا الصورة التي من الممكن أن يتشكل بها.
كيمو واكا لا يقلقه سوى العصا وقذائف الأحجار التي تحلق من بعيد وتضرب جسده.
وعادت المرأة تتطوح بين الحقول، رآها كيمو واكا قادمة من جهة النهر تحمل فوق رأسها زلعة، وتمنى كيمو واكا لو كان بمقدوره مساعدتها لكنه هر في نهاية الأمر، والقطط لا تحمل السلال والقلل الفخارية فوق رأسها، وكان وجه المرأة يسطع ببريق أبيض وسط الظلمة، حولها هالة تحيطها بوقار نادر.
وجدت المرأة كيمو واكا خارج الدار يلعق جرحه، أنزلت المرأة جرة المياه وتوقع كيمو واكا أن تسأله عن سبب استيقاظه في هذا الوقت المتأخر، لكنها لم تفعل، لم يغضب كيمو واكا بل زادت دهشته.
رشت المرأة مياه النهر في أركان البيت وخارجه وفي كل ناحية وصلت إليها يدها وهي تتمتم بالأدعية.
ثم سكبت مياه داخل وعاء وطلبت من كيمو واكا أن يشرب.
لم يفهم كيمو واكا لماذا تطلب منه أن يشرب بينما هو لا يشعر بالعطش، لكنه استجاب لأمرها فقد كان كيمو واكا يجد لهذه المرأة قوة جذب لا تقاوم جعلت كيمو واكا يثق بها، وكيمو واكا نادرًا ما يثق في أي كائن.
شرب كيمو واكا الماء وشعر به يحرق بلعومه وكان على وشك أن يطلق سبة، لكن كيمو واكا سعل واستفرغ قيئًا أسود تسبح داخله ديدان سوداء.
قالت المرأة:
"هذا ما يجره عليك اتباع معدتك ومحاولة إرضائها بأي شكل، يوم ما ستقتلك رمرمتك."
كيمو واكا كان جائعًا وأكل التونة والسردين، كيمو واكا لا يعرف كيف يكون ذلك خطأ؟
قالت المرأة:
"رأيت الشر بعينك وشعر به قلبك، كان عليك أن تتوقع ذلك، السحر يسري في كل مكان داخل القصر."
وأمرته أن يوقظ ميمي قبل أن يقتلها السحر، وحدث مع ميمي مثلما حدث مع كيمو واكا لكن رائحة قيئها كانت أكثر عفونة، ودهست المرأة بحذائها الديدان السوداء التي حاولت أن تهرب.
"الفتاة في خطر، ديلا في خطر يا كيمو واكا، السحر يجري في جسدها ولا يمكنني أن أنقذها."
ثم نظرت تجاه آدم الذي يتنفس ببطء وقالت:
"لا زال أمامه وقت طويل."
"آدم في عنايتكم أنا مضطرة للرحيل."
ثم اختفت داخل الحقول قبل أن ينساب أول ضوء للصبح.
عاد محمود الجنايني للقرية، المرة دي مكنش مستخبي ولا بعيد عن العيون، رجع في وضح النهار وسار في طرقات القرية بفخر، بعد أن وفر له محسن الهنداوي الحماية القانونية واستأنف في قضيته، وكان الناس يتابعون محمود الجنايني اللي ماشي بفخر كأنه لم يقتل واحدة من بناتهم.
واصل محمود الجنايني سيره حتى وصل القصر، هناك أعلن أنه صاحب القصر الجديد والمسؤول عنه وعن الأراضي الزراعية التي كان يملكها المرحوم آدم الفهرجي، لأن أهل القرية الأغبياء لا يعرفون كم كان يحبه آدم الفهرجي وكيف أنه كتب كل شيء باسمه قبل وفاته، وأن على أهل القرية أن ينادوه بالباشا وأن من يفعل ذلك سيأخذ أموالًا كثيرة وسيوفر له محمود الجنايني فرصة عمل في الأرض أو داخل القصر، أما الآخرين فليس لديه لهم إلا ضرب البلغة.
ثم انصرف الجمع من أمام القصر ودلف محمود الجنايني بفخر يخطو فوق القرميد الذي يوصله بمدخل القصر.
أول حاجة عملها محمود الجنايني داخل القصر، جلس على الأريكة اللي كان بيقعد عليها آدم، وأشعل سيجارة مثلما كان يفعل آدم، ووضع ساق على ساق وهو ينظر نحو غرف الخدم وراح يتخيل نفسه يشخط ويتأمر والكل يطيعه ويقول له:
"أمرك يا باشا."
ثم ابتسم بسخرية، الصفقة التي وقعها مع محسن الهنداوي رابحة جدًا، ترك له ديلا نظير أن يتولى إدارة القصر وحده.
وعاجلًا أو آجلًا الهنداوي سيمل ديلا، فهو يغير النساء مثل أحذيته، حينها ستكون له وحده، سيحضرها للقصر هنا وتكون ملكه، ملك الباشا الكبير.
وكلما نطق كلمة باشا ازداد فخرًا وكبرياء وجرت في عروقه نرجسية لا آخر لها.
ثم تسلق بحذائه القذر درج السلم نحو غرفة آدم الفهرجي التي ستصبح غرفته واشتم رائحة عفونة في كل ناحية بالقصر وتوقع أن يكون هناك فأر أو هر متعفن، فتح محمود الجنايني باب غرفة آدم وتحرك طيف أمامه مثل الدخان لكنه اختفى فورًا، فرك الجنايني عيونه فعاد كل شيء طبيعي.
داخل غرفة آدم كانت هناك برودة شديدة رغم حرارة الجو بالخارج، اندفع محمود الجنايني خارج الغرفة، سيجعل الخدم ينظفون الغرفة قبل أن ينام فيها.
ثم هبط الطابق الأرضي ودخل المطبخ وشرب الماء وكان طعم الماء غريبًا لكنه شربه على أي حال ورغم أن عطشه كان طفيفًا، إلا أنه استمر في شرب الماء بلا توقف، وكان داخل الماء شيء جاذب يجبره على الاستمرار بفتح فمه ونزلت جرعات المياه داخل معدة محمود الجنايني وشعر بشيء غريب يدب داخله واتسعت عينيه ببريق أسود قاتم.
ثم تجشأ فخرجت من فمه جرعات عفنة من أنفاس نتنة.
ومرت غشاوة أمام عيونه ورأى أطيافًا ترقص، ثم انمحى كل شيء واختفى وظلت عيونه سوداء.
حبس محمود الجنايني نفسه داخل القصر ولم يخرج كما انتظر الناس وظل هكذا طيلة أسبوع والناس تتمسخر على القهاوي على الباشا الجديد الذي لا يغادر قصره، عامل نفسه المرحوم آدم الفهرجي باشا، وأنهم حتى الآن لم يروا فلوسه التي كان يتفاخر بها، ولم يعين حراسًا ولا خدمًا كما كان يدعي، والحقيقة محمود الجنايني لم يخرج من القصر إلا بعد أسبوع وكان خروجه ليلًا، تمشى بين الحقول المظلمة حتى وصل المقابر ثم عاد القصر فورًا ولم يراه أي شخص.
كان كيمو واكا جالسًا على شاطئ النهر الذي يجري مختلجًا ساطعًا يتسكع في طريقه إلى المجهول.
وأشجار التوت الأحمر تلقي بظلالها على المياه الفاترة وكان الضحى يملأ طرقات القرية بشمس أغسطس الحارقة والأنْسَام تهب على القرية طليقة رفافة، قطب كيمو واكا وأطرق برأسه لحظة ثم رفع وجهه ونظر في الظلال التي تلقيها أشجار التوت على الشاطئ، وتابع الفراشات الزرقاء التي ترفرف فوق دغل حشائش قريب منه، وسمع صوت طائر الزعاق الذي يرفرف بثبات في الجو مستعدًا للانقضاض على مشط سمك صغير، ولد للتو؟ هكذا فكر كيمو واكا، حياته انتهت!! وشعر كيمو واكا بالأسى على السمكة الصغيرة التي ابتلعها الطائر الجائع.
وخفق صوته الساخر على نبرات حزينة وزحفت على صدره كآبة غامضة، آدم لم يفتح عينيه بعد، كم مضى؟ سأل كيمو واكا نفسه، أكثر من أسبوع، المرأة متأكدة أن آدم سيفيق.
كيمو واكا لا يشك بذلك، لكن ماذا بعد؟ الدنيا باظت وزوجته في مكان بعيد توشك حياتها على الانتهاء، والشر داخل القصر كل يوم يتضخم ويسير في الليل والمرأة لم تظهر بعد، مضى أسبوع منذ رحيلها وكيمو واكا لا يعرف ما حل بها.
القصة بقلم اسماعيل موسى.
كان كيمو واكا هرًا حرًا يتجول في الأزقة والطرقات الموحشة ويفعل ما في مزاجه حتى تكلم مع البشر.
قطعت ميمي تأملات كيمو واكا وألقت برأسها فوق كتفه:
"ماذا يفعل حبيبي؟"
"لماذا تركتِ البيت؟ على أحدنا أن يكون حاضر هناك؟"
"ماذا سيحدث له؟"
دافعت ميمي بغضب:
"إنها مجرد دقائق لن تخرب الدنيا."
"نحن قطط، البشر دمروا حياتنا، لماذا لا نرحل من هنا ونترك كل شيء خلفنا؟"
"كيمو واكا قط يمتلك شرف يا امرأة، كيف أستطيع أن أتعايش مع الخيانة؟"
"لا تنسي كيف كان هذا الرجل يعطف عليك، وسمح لك باصطحابي داخل القصر."
ميمي بخجل:
"آسفة، أحلامي تجرفني لبعيد أحيانًا، لمكان لا يمكن الوصول إليه."
وشعر كيمو واكا بتعاسة ميمي فقبلها ولعق شعرها بحنان:
"لازم نرجع البيت حالًا، المرأة قالت لا تتركوا آدم أبدًا."
رواية خادمة القصر الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم اسماعيل موسى
عاد كيمو واكا يركض نحو المنزل، وميمي تزاحمه خطواته لاصقة جسدها الناعم بجسده، وكانت أعواد الذرة تتراقص من حولهم على نغمات الطبيعة، وبدت الحقول كمسطح لا نهائي من الخضرة، وطائر أبو قردان ينقر الأرض بجسده الذي يبدو كقطعة قطن كبيرة.
لمح كيمو واكا شيئًا يقف أمام باب البيت، فزاد من سرعته.
كان كلب أسود ضخم نتن يقدم ساقًا ثم يؤخرها، كأن شيئًا يمنعه من دخول البيت.
لكن الكلب كان مصرًا على المحاولة، أسنانه بارزة ولعابه يسيل بصورة مقززة.
ليس كلبًا عاديًا، هكذا فكر كيمو واكا.
مقْلب قمامة، قال كيمو واكا وهو يتقدم نحو الكلب.
شعرت ميمي بالخوف على كيمو واكا، كان مظهر الكلب مرعبًا جدًا.
لم يبدُ الكلب متفاجئًا بظهور كيمو واكا، ولم يعره أدنى اهتمام، كأنه حشرة، أو ذبابة التصقت بذيله، مثبتًا نظره على جسد آدم الممدد داخل البيت المفتوح وعيونه تأكل آدم.
وآدم يئن ويتألم، لعابه يتزايد بصورة مفرطة ويتساقط منه ديدان سوداء وعرف كيمو واكا ما يواجهه.
إنه الشر الذي تحدثت عنه المرأة، الشر الذي يسكن القصر والمخزن المهجور وقلوب بعض البشر ويتجول ليلًا خلال الحقول.
لاحظ كيمو واكا أن قدم الكلب التي تتعدى نقطة معينة، تُكوى، ويفوح منها رائحة شواء، كأنها وضعت داخل النار فيسحبها الكلب بسرعة ثم يعاود وضعها بإصرار.
قفز كيمو واكا داخل الحيز الذي لا يستطيع الكلب اختراقه.
هنا فقط لاحظه الكلب.
بدأ كيمو واكا يموء بغضب ورغم أن الكلب لم يكن قادرًا على الوصول إليه إلا أن شيئًا في عيونه الواسعة المشتعلة بدأ يسيطر عليه.
ورأى كيمو واكا كأنه لم يرَ.
رأى نرجس داخل عيون الكلب المستعرة كالجحيم.
وجد كيمو واكا نفسه يسير نحو باب البيت دون إرادة منه ولاحظت ميمي ذلك.
قفز كيمو واكا داخل المنزل حتى وصل جسد آدم ثم نظر لعنقه وقوة جبارة تأمره بقضم بلعومه، فتح كيمو واكا فمه وبانت أنيابه ووضعه على رقبة آدم.
***
بدأت أحوال ديلا تتحسن، اختفى اللون الأصفر من وجهها واكتسبت الكيلو جرامات التي خسرتها وعاد إليها جمالها وطراوتها وبان خديها وأذنيها بعد أن أمر محسن الهنداوي مصففة الشعر بقصه لتشبه مدام بوفاري.
وكانت نوبات فزعها قد قلت وتتمتع بعناية فائقة من خدم محسن الهنداوي، فقد جعل لها فريقًا كاملًا يعتني بها.
مصففة شعر ومكياج، أخصائية تغذية وأخرى بالموضة والملابس.
وامتلأ دولابها بمنتجات Louis Vuitton، Vogue Collection، حقائب Gucci، Chanel، Prada، Dolce & Gabbana، Fendi، Giorgio Armani، Bvlgari Roma.
كان محسن الهنداوي يعاملها كأميرة ولم يعرف أي شخص السر الذي يكمن وراء ذلك، اختفت رغبته بتعذيبها وكان يعاملها بلطف بالغ.
كان قد مضى أكثر من شهر على وجودها في الفيلا وبدأت تعرف الغرف والمطبخ وتجلس في الحديقة وراحت معدتها تنتفخ قليلًا.
اختفت رعشة جسدها عندما كان يقترب منها محسن الهنداوي كل مرة، وكان محسن الهنداوي يتحدث معها يسألها عن صحتها وحالها وديلا لا ترد.
كان قد اعتاد صمتها وكان يجلس بالساعات إلى جوارها يحدثها عن أعماله ومشروعاته، مشاكله وأحلامه، وكان قد وجد لذة في الحديث مع شخص صامت لا حيلة له يستمع إليه دون أن يناقشه، وكان يحدث أحيانًا أن يلقي نكتة أو مزحة فتتولد ابتسامة على شفتي ديلا تجعل يومه أكثر سعادة.
حتى جاء اليوم الذي سعلت فيه ديلا، واستفرغت كل الطعام من معدتها، هاج محسن الهنداوي وماج، أحضر الأطباء ولم يطمئن إلا بعد أن عرف أنها حامل.
***
وكان محمود الجناني لا يغادر القصر إلا ليلًا كل أسبوع وكلما خرج من القصر وتجول في الحقول اختفى طفل أو فتاة.
وكان يعود إلى قصره قبل حلول الصباح.
***
أحنى كيمو واكا رأسه ليقضم عنق آدم الفهرجي لكن جسد ميمي ارتطم فيه بقوة جعلته يتدحرج أرضًا.
برقت عيون كيمو واكا وماء بغضب وهجم على ميمي التي تركته يضربها ويخربشها حتى كاد يقتلها فدافعت عن نفسها.
لكن كيمو واكا كان يمتلك قوة جبارة وكلما اتسعت عيون الكلب ازدادت قوته.
قضم كيمو واكا جسد ميمي من وسطها وطوحها في الجدار بكل قوة.
ارتمت ميمي على الأرض بلا حراك، الدماء تسيل من فمها.
تركها كيمو واكا وعاد لآدم وفتح فمه.
الله أكبر، سمع كيمو واكا صدى الصوت خارج البيت، الله أكبر، هز كيمو واكا رأسه كأنه يتخلص من علقة.
رحل الكلب هاربًا وعاد كيمو واكا لذاته القديمة.
وجد ميمي مرمية على الأرض بلا حراك، الدماء تغرق فمها.
ركض كيمو واكا نحو ميمي، هزها، جذبها.
أنت فعلت ذلك، قالت المرأة من على ضلفة الباب، الشر تمكن منك.
لم يرد كيمو واكا، لعق خد ميمي، استيقظي أيتها العزيزة ميمي، ودمعت عينيه وسقطت على وجه ميمي.
من فضلك أفيقي، كيمو واكا لا يستطيع العيش بدونك.
رواية خادمة القصر الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم اسماعيل موسى
جلس كيمو واكا يبكي ويلعق وجه ميمي، وشعور بالحسرة والحزن يكاد يقتله.
شهق كيمو واكا: "توسل المرأة، أنقذيها؟"
المرأة: "لا أستطيع، سأبذل ما بوسعي."
وأحس كيمو واكا عندما سبقت كلمة "لا أستطيع" أنه تقيأ روحه على الأرض، وأنها تدحرجت نحو الجحيم.
تنهد الهر كيمو واكا، وأطلق مواء وهو يبكي: "لماذا لا تنقذيها مثل آدم؟ لقد تلقى الرجل عدة رصاصات اخترقت جسده! ألأننا مجرد قطط لا فائدة منها؟ يقتل واحد أو يهرب من قسوتكم، تحضرون عشرة وتتركونهم لأولادكم يلعبون بها."
وكانت المرأة تستمع لكيمو واكا بنظرة ثابتة حتى قال كيمو واكا بحنق: "نحن لم نختر أن نكون قطط متشردة تتسكع في الحقول والخرابات والمصارف، وأن كل المصائب لم تحدث لكيمو واكا إلا عندما تحدث مثل البشر واستمع إليهم."
كان كيمو واكا هرًا بائسًا منعزلًا يشعر بالوحدة ويقضي لحظات جنونه بمفرده حتى ظهرت ميمي.
شهق كيمو واكا بانتحاب كبير: "كنت أجوع يومًا وأشبع يومًا حتى منحتني ميمي الحب فما عدت أبالي بما يحدث معي."
وضعت المرأة الهرة ميمي بين يديها وقالت: "لا أستطيع أن أنقذ كائنًا مات من قبل."
وفكر كيمو واكا: "إنها امرأة قاسية بلا مشاعر متحجرة القلب، ولم يتمكن من فهم لماذا لا تبكي مثله وهي تقول ميمي ماتت."
وقالت المرأة مرة ثانية: "لا أستطيع أن أنقذ من مات مرتين، وأن على كيمو واكا أن يتقبل الأمر ويواصل حياته، يجد له هرة أخرى، يتزوج وينجب أبناء. لقد كان لقاؤه بميمي صدفة غير ممكنة الحدوث، وأن الروح المرتحلة كانت تفتقد الحب الذي وجدته عنده."
نخر كيمو واكا وقطع واحدة من هذياناته عندما يذهب عقله لبعيد: "كيمو واكا لن يحب مرة أخرى، كيمو واكا لن يتزوج وينجب هررة لعينة تتعذب بسبب الحب. كيمو واكا سيعيش ما تبقى من حياته متشردًا منعزلًا عن العالم متوحدًا مع الطبيعة حتى يتعفن جسده."
ثم أدار رأسه تجاه المرأة: "احرصي أن تنال ميمي مراسم دفن لائقة."
وأطرق كيمو واكا رأسه: "إلى اللقاء أيتها الحبيبة."
ولعق وجه ميمي والدموع تسيل من عينيه، ثم قفز مبتعدًا عن المنزل وسخط العالم كله يتجول داخله.
شهق آدم وفتح عينيه مع رحيل كيمو واكا، ولا يمكنك أن تفهم إن كانت مصادفة أم سر آخر.
وكانت عيون آدم الزرقاء رائقة ووجهه أبيض مصفر من طول الغفوة، حاول أن يتحرك لكن المرأة منعته بإشارة من يدها: "ليس الآن، جسدك ليس مستعدًا، هناك طعام في الأواني، الماء يجري خارج المنزل، الحطب هنا وأكواب الشاي والقهوة، جروحك التئمت لم يتبق سوى جرح قلبك."
تلمس آدم صدره ولم يجد جرحًا قريبًا من قلبه وظن أن المرأة تمزح.
وكان عقل المرأة بعيدًا حيث يركض كيمو واكا بكل سرعته بين حقول القمح وأشجار الليمون واليوسفي والموز البلدي القريبة من شاطئ النهر حتى كادت أنفاسه أن تتقطع وتنفجر رئتيه.
همست المرأة: "لا أحد يختار نهايته، البعض لا ينال النهاية التي كان يطمح بها."
ثم انسلت خارج البيت واختفت.
ووجد آدم نفسه مضطرًا لخدمة نفسه بعد أن استطاع أن يتحرك بسهولة.
كان يشرب من قناة الماء ويعد الطعام على الحطب وعقله في مكان آخر حيث توجد ديلا.
كانت آخر كلمات المرأة لآدم: "لا تدخل القصر بمفردك ولا تحاول أن تنقذ ديلا إلا بعد أن تستعيد صحتك."
وطمأنته على ديلا، قالت: "ما حدث معها قد حدث، لا أحد يلمسها الآن أو يقترب منها، وأنه بكل حال لا يمكنه أن يصلح الماضي وأن لحظة الاختيار ستحين لا محالة."
وعرف آدم أن زوجته محبوسة في فيلا محسن الهنداوي ولا تخرج منها.
وأن محمود الجنايني استولى على القصر ونصب نفسه باشا، وأن الشرطة تحميه وأن أهل القرية يظنون أنه ميت مدفون في قبره، والموتى لا يعودون.
بعد أن عادت إليه صحته كان ما يهمه إنقاذ ديلا من أجل ذلك قرر أن لا يظهر في القرية حتى لا تصل الأخبار لمحسن الهنداوي.
غسل ملابسه وقام بنشرها حتى نشفت وكانت لحيته عندما غادر القرية طويلة كثة تخفي وجهه.
وكانت ديلا لا تغادر السرير إلا تحت العناية والملاحظة، فقد عقد عليها محسن الهنداوي كزوجة بعقد رسمي بعد أن عرف أنها حامل وأنها ستهبه الابن الذي حرم منه.
فقد تزوج أكثر من مرة ولم يرزق بأطفال وكانت عصبيته تدفعه لتطليق النساء باستمرار.
انتفاخ بطن ديلا جعل أحلامه تعود مرة أخرى ولم يكن مستعدًا لفقدانها أبدًا.
من أجل ذلك كان يخدم ديلا بنفسه، ويطمئن عليها كل خمس دقائق وهو جالس جوارها: "أنتِ بخير؟ تشعرين بشيء؟ ينقصك شيء؟"
وكانت ابتسامتها المطمئنة الصريحة تجعل قلبه يطير من الفرحة.
محسن الهنداوي الذي كانت في الماضي النساء تجلس تحت رجليه، يأمر ويتجبر ويضرب ويقسو ويهجر بات مستعدًا لتقبيل يد ديلا كل صباح وكل مساء وكل لحظة.
كان يطبع قبلته على يدها وينظر في عينيها بخضوع محبب.
يتأملها كأنها كنز أسطوري مستور ظهر له وحده.
وكان في بعض الأيام يذهب لغرفتها ويسرح لها شعرها بهدوء وبطء واستمتاع، كأب لديه ابنة وحيدة.
يقلم أظافرها ويصنع لها ضفائر في شعرها ويشتري لها الأقراط الغالية الثمينة.
وكانت ديلا تقابل كل ذلك بلا مبالاة جارحة، لكن الهنداوي كان يتقبل كل ذلك بنفس راضية.
وتشاجر مرة مع والدته عندما وجهت لديلا كلامًا بغضب.
ورغم أن ديلا لا ترد وغير مهتمة، لكن الهنداوي ثار.
وحذر والدته من تكرارها مرة أخرى.
صرخ: "ديلا زوجتي الكل يحترمها غصب عنه ويضع حذاءها فوق رأسه."
وغضبت شاهندة لكنها كتمت، والمرأة تنجح في كتمان غيظها دائمًا لأن الحياة توجه لها العديد من الصفعات في كل مرحلة من حياتها.
وتوقفت شاهندة عن زيارة محسن ابنها في فيلته وداخلها ينمو هاجس الفقد.
أن تفقد ابنها الذي كان دومًا ولاؤه لها، وكانت تعتبر ديلا دخيلة، حثالة، ثمرة متعفنة تفسد كل ما صنعته.
وكلما نقل إليها جواسيس الخدم اهتمام ابنها بديلا زاد غضمها وتضخم كوحش مستعد لالتهام فريسته.
كان الحب داخل قلب محسن الهنداوي يتضخم بصورة مرعبة.
حب غير قابل للكسر، حب يأخذه للقصص القديمة التي نسمع عنها في الروايات حتى أنه كان مستعدًا أن يلثم موضع قدمها ويمنع أي شخص أن يطأ ظلها.
وصل آدم الفهرجي أرض القاهرة وكان يتابع الفيلا من بعيد، والحراسة مشددة، محسن الهنداوي لا يغادر الفيلا.
وقلب آدم يأكله مثل هرشة لعينة تموت وتصل إليها يدك.
وظل أسابيع يراقب الفيلا على أمل أن يحظى بنظرة من ديلا أو يرى وجهها لكن حلمه لم يتحقق.
وبدأ جسده يمرض مرة أخرى، لكن تلك المرة مرض بلا علاج.
مرض الشوق واللهفة.
ولم يعد قادرًا على مجابهة أحزانه، فقرر التسلل في أول فرصة لغرفة ديلا وليحدث ما يحدث.
إنها زوجته ومحسن الهنداوي أخذها منه، راقب بحذر حتى حانت الفرصة.
محسن الهنداوي غادر الفيلا مع رجاله وما كان عليه إلا أن يتسلل للداخل.
وأصبح آدم داخل الفيلا وعرف أن غرفة ديلا في الطابق العلوي.
كانت الساعة تشير للعاشرة ليلًا عندما طرق آدم باب غرفة ديلا والتي لم ترد بالتأكيد.
رواية خادمة القصر الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم اسماعيل موسى
كانت ديلا جالسة على السرير محتضنة ركبتيها ورأسها مسنود عليهما، نظرتها تائهة، شاردة كأنها تفتش عن شيء ما بعيد جدًا ومجهول في نفس الوقت.
ادم: أنا آدم.
لم ترفع ديلا رأسها، لم يبدُ أنها سمعت أي شيء.
أعاد آدم الكلمة: أنا آدم.
وكان يتوقع آدم الفهرجي فرحة وعناق ودموع، لكن ديلا واصلت نظرتها الصارمة إلى حيث اللاشيء.
"وإنسان وصل حافة اللاشيء من الصعب إرجاعه".
سرت رعشة ثائرة في بدن آدم الفهرجي النحيل، ماذا فعل بك الجبناء؟ وتقدم منها، رفع رأسها وحدق بالوجه الضائع.
ادم: أنا آدم حبيبك!
ورأى عيونًا ميتة ودمعة حارقة تتولد داخل المقل.
ادم: أنا آدم.
كررها الفهرجي كطفل تمكن من نطق اسمه بعد طول معاناة.
تزحلقت الكلمة داخل جوف ديلا ووجدت بقايا روح عليلة محبوسة في نفق مظلم، اضطربت أنفاس ديلا عندما وضع آدم يده فوق خدها بحنان، عرفت آدم وفتحت فمها لتقول شيئًا ما لكن الكلمة خرجت مبهمة، مشفرة، لوغاريتمية.
ونزلت دموع ديلا، انسابت كقطرات أول مطر الخريف على وجه ديلا، وكان جسدها يختلج ويبدي ارتعاشات مضطربة.
ادم: لماذا لا تتحدثي إلي؟
وسكنت ديلا لحظة، كيف يرغم إنسان نفسه على الكلام ولسانه مقيد؟ من لا يفهم لغة العيون لم يحب من قبل، وامرأة لم تقابل رجلًا يقرأ عينيها تظل كتحفة لم تُكتشف بعد.
ولاحظ آدم الأساور المذهبة على معصم ديلا، عقود اللؤلؤ والأقراط الفاخرة، وقصة الشعر القصيرة والوجه الغارق في الزينة، وفكر للحظة أن ديلا استبدلته. كان يفكر أن الأنثى من الممكن أن تستبدل رجلًا بآخر وأن ديلا لا ترغب بالحديث إليه وشعر بالخيبة والخيانة.
همس: اخترتِ غيري؟ كان علي أن أفهم ذلك.
قالت ديلا: أنا أحبك، لطالما أحببتك وكانت روحي ميتة قبل أن أراك.
وخرجت الكلمات صراخًا مجلجلًا هز أركان الفيلا الساكنة وارتعشت ديلا ورأسها بين يديها تصرخ كالمجنونة.
ديلا: أنا أحبك، أحبك.
وكلما كررت الكلمة علت الصرخة ووثبت خارج الغرفة.
بصق آدم بلعومه على وجه ديلا.
ادم: أنا أستحق وأنتِ نكرة، تصرخين ليقبضوا علي؟
وكان على وشك أن يضربها لكنه سمع خطوات الخدم على السلم فهرب من الغرفة، تسلق مواسير الصرف وابتعد، ابتعد وقلبه يغلي، قلب يدق بالغدر والخيانة.
وصل الخبر لمحسن الهنداوي، ديلا تصرخ كالمجنونة وترفض أن يقترب منها أي شخص، تؤذي نفسها وهذا خطر على الجنين. قاد الهنداوي سيارته مثل الرصاصة نحو الفيلا، ديلا حبيبته تصرخ، تبكي وتنتحب وهو بعيد عنها.
وركض درجات السلم كالمجنون، الغرفة كانت ممتلئة بالخدم، طردهم محسن الهنداوي خارج الغرفة وظل واقفًا بعيدًا عن ديلا، رافعًا يده فوق رأسه بسلام.
الهنداوي: أنا آسف، آسف لأني تركتك بمفردك.
وكانت ديلا غير شاعرة بنفسها، نظرة الغل والغضب في عيون آدم تقطع صدرها.
الهنداوي: أنا آسف.
وجلس الهنداوي على الأرض، زحف ببطء حتى وصل إلى ركبتي ديلا، وضع يده عليها برفق وحنان وهو يحدق بعينيها العسليتين.
الهنداوي: اضربيني إن كان ذلك سيخفف آلامك يا حبيبة.
وضربت ديلا محسن الهنداوي تحت نظر الخادم اللئيم المتلصص خارج الغرفة، ضربته بكل قوتها وغضبها حتى هدأت واستكانت، وكان وجه الرجل الذي لم يُضرب من قبل يوجعه، لكنه ترك نفسه مكشوفًا أمام صفعات ديلا، حتى ألقت بنفسها في حضنه وراحت تبكي.
كم مضى؟ ربما ساعة، ربما أكثر والنحيب لا يتوقف حتى تبللت سترة الهنداوي بالدموع، وبكى الهنداوي، بكى لبكاء ديلا، واختلطت الدموع ببعضها ونامت ديلا في حضن الهنداوي.
وكان آدم يركض في الطريق كالمجنون لا يعرف وجهته تاركًا لساقيه أن تحدد أين سينتهي كل ذلك، والمارة يشجبونه ويشتمونه وآدم يركض، كان يركض وكل أمله أن تنتهي حياته في تلك اللحظة لكننا لا نملك حياتنا وليس لدينا الحق في اختيار نهايتها.
وكان كيمو واكا يركض من حقل لحقل ومن غيط لغيط وكلما أغلق عينيه ظهرت له ميمي في أحلامه، فيعود للركض مجددًا حتى وصل مزرعة هادئة، قرر أن يقضي فيها بقية حياته بعيدًا عن العالم وتمنى أن يصيبه مرض عضال يمنعه من الحركة حتى يتعفن جسده.
وما إن اتخذ وضع الثبات الموتي حتى ظهرت له قطة شابة صغيرة اقتربت منه بحذر.
القطة: لماذا تبكي؟
وكان كيمو واكا يعتقد أنه أغمض عينيه وأنه لا يبكي، لكن الدموع كانت منسابة أسفل منه كسيالة ماء ضيقة طويلة.
كيمو واكا: ابتعدي عني.
نهرها كيمو واكا بغضب، قفزت القطة مبتعدة عن كيمو واكا وجلست تراقبه من بعيد، لقد راقها هذا القط التعس بنحوله وعرفت أن خلفه قصة أليمة فحياة القطط لا تخلو من الأحزان.
قالت القطة لكيمو واكا: احكِ حتى يرتاح قلبك.
لكن كيمو واكا رمقها بنظرة غاضبة جعلتها تتيبس في مكانها.
كيمو واكا: لماذا لا يتركني العالم في حالي؟
تساءل كيمو واكا بحنق، ولم تمضِ سوى دقيقة حتى قفز أربعة من القطط ضخام الجسد، "يلعبون جيمانزيوم" هكذا فكر كيمو واكا وهو ينظر إليهم، ركضت القطط نحو كيمو واكا بعد أن قبضوا على الهرة الشابة.
أقواهم: تعالَ معنا.
أمره أقواهم، مشى معهم كيمو واكا بلا مبالاة كان يرغب بالموت أكثر من أي شيء آخر، حتى وصلوا بقعة خربة يوجد بها قط عملاق يعذب فأرًا وكان يولي كيمو واكا ظهره.
وصل آدم القرية، كان الجو ليلًا ومشى حتى وصل القصر، وكان القصر مظلمًا كالقبر.
ادم: إنه قصري ولابد أن أستعيده.
ونسي كل تحذيرات المرأة عن الشر الذي يسكن القصر، فآدم الآن لا يهمه سحر أو شر، وسار بخطوات ضائعة نحو باب القصر الداخلي.
رواية خادمة القصر الفصل الخمسون 50 - بقلم اسماعيل موسى
قضم الهر الضخم رأس الفأر واستدار ليواجه كيمو واكا وهو يقرمش الدماغ القذر. تملَّى الهر كيمو واكا بطرف عينه:
خسارة، كنت أعتقدك شكلًا آخر، لكنك لا تعدو كونك وغدًا من الأوغاد، لا شيء مميز بك.
لم يرد كيمو واكا، لا شيء يعنيه من كل هذا الحديث.
كمخبر سري، صفع أحد القطط الضخمة دماغ كيمو واكا بساقه وخدشه:
عندما يتحدث إليك القائد ترد!
ابتسم كيمو واكا بسخرية، هناك دومًا الباشا والقائد والمستر، كأن الحياة لن تسير دون ألقاب.
أنت بقا اللي توتا بتخوني معاك؟
كيمو واكا لا يعرف عن ماذا تتحدث. كيمو واكا يريد الرحيل بسلام ليقضي ما تبقى من حياته في عزلة.
نخر الهر الضخم واقترب من كيمو واكا ودفعه بساقه:
بتتهمك؟ أنت فاكر إني هسيبك تمشي من هنا؟ أنا حكمت عليك بالموت من قبل ما أشوفك.
تنهد كيمو واكا، لا شيء يزعجه أكثر من التبجح السمج:
إن كنت ستفعل شيئًا، افعله الآن. أقول لك شيئًا، إن كنت هرًا محترمًا اقتلني، هاكم رقبتي، اقضمها وأنهِ تلك المهزلة.
تعجب الهر الضخم، هذا الهر ليس عاشقًا ولا حتى مهتمًا بالحياة.
تعرف توتا؟
توتا مين؟ صرخ كيمو واكا بعصبية.
توتا حبيبتي. أجاب الهر الضخم بروية.
كيمو واكا لا يعرف توتا، ولكن كيمو واكا يعتقد أن توتا أو أيًا كان اسمها معها حق في خيانتك. أنت مجرد برميل غباء وحماقة.
تقدم الهرة ليضربوا كيمو واكا لكن الزعيم منعهم. لقد عاش مدة طويلة من حياته في الزيف والنفاق، وهذه أول مرة يخبره أحدهم بالحقيقة.
اتركوه. أمرهم الزعيم:
هذا الهر سيقوم بخدمتي.
كيمو واكا لن يخدم أحد. كيمو واكا اتخذ قراره بالموت.
ولم تعجب الزعيم طريقة كيمو واكا أمام حراسه، فأمرهم بمراقبته وإجباره على القيام بالأعمال الشاقة حتى يأتي راكعًا تحت قدميه.
قال الزعيم:
كلما تفلسف هذا القط اضربوه، حتى تفرغ رأسه من القصص والحكايات.
وظن كيمو واكا أنهم غير قادرين على ذلك، لكن كمية الضرب التي تعرض لها في اليوم الأول بعد أن حوله الحراس لكيس ملاكمة، أجبرته على الخدمة مثل عبد خاضع.
***
لا تدخل. تردد صدى صوت المرأة في أذن آدم الفهرجي:
إذا دخلت لن تعثر على روحك مرة أخرى، ستفقد ديلا للأبد.
أطرق آدم ونظر تجاه المرأة التي كانت واقفة خلف شجرة تراقب القصر.
لقد فقدت ديلا بالفعل، تخلت عني، خانتني وهجرتني.
قالت المرأة:
ديلا لم تتخلَّ عنك، ديلا تحت أثر السحر الذي قامت به نرجس قبل موتها.
تهلل وجه آدم وجرى في شرايينه الدم:
تقصدين ديلا لم تكن في وعيها؟
كان عليك أن تعرف ذلك. أجابت المرأة بحنق:
لكنك رجل، والرجال أول من يرحلون عندما يتعلق الأمر بخطأ امرأة تخصهم.
تنهد آدم بارتياح:
أنت امرأة طيبة، رأيت ذلك بعيني، أخرجي الشر من القصر!
ليس بعد. قالت المرأة:
الشر داخل القصر ضخم، إنه وقت غير مناسب، إذا دخلت لن أخرج مرة أخرى.
قال آدم بحنق:
أنت تصلين وداخلك بركة، كيف لا تستطيعين إخراج السحر؟
قالت المرأة:
ذُكر في الأثر "اعقلها وتوكل"، هناك عمل عليَّ القيام به قبل تطهير القصر، وأنت عليك أن تتطهر، داخل قلبك يوجد ما يحجب الهالة التي تحيط بك.
وسمع صراخ داخل القصر، صراخ متوحش مختلط ببكاء طفل صغير، وتراقصت أطياف فوق سطحه، أطياف مرعبة.
علينا أن نرحل الآن وبسرعة. وجذبت آدم من يده:
لقد شعروا بنا، التحصين كُسر.
وظهر كلب أسود ضخم، كان نفس الكلب الذي رآه كيمو واكا وكان السبب في قتل ميمي، وشعر آدم أن رأسه تلف وأن قدميه تعانده وأن قوة جبارة تجبره على دخول القصر.
فتوقف واستدار وسار تجاه القصر مرة أخرى.
وكانت هناك خربشات أظافر على جدار القصر، كائن برأس ثعبان يهبط نحو الأرض.
ركضت المرأة ووضعت يدها فوق رأس آدم وقرأت القرآن، سعل آدم وشهق وعادت إليه بعض إرادته وتبع المرأة لخارج القصر.
ودوى صوت مجلجل داخل القصر، صوت غاضب حانق ومرعب.
***
داخل القصر كان الشر يتضخم، لقد وجد الشر شخصًا بقلب لئيم قذر ونجس، نمى داخله وكبر وتحول محمود الجنايني دون أن يشعر لخادم للشر.
والشر الذي يتحكم في الجنايني شر لم تره البشرية من قبل.
شر طليق حر، فمن قام بالعمل مات وظل سحره يسير بين الناس، لا أحد يأمره ولا أحد يعرف به.
وكان محمود الجنايني يخرج بالليل بعد أن ينتصف ويتجول خلال الحقول، ثم لا يلبث أن يختار منزلًا منعزلًا يتسلل إليه ويخطف الأطفال والفتيات العذارى.
منذ أشهر اختفى عشرة من أطفال وبنات القرية، ولم يعرف أحد السبب. ومحمود الجنايني يفعل بالأطفال والفتيات أشياء مقززة قذرة.
وخلال ليلة من كل أسبوع تزهق روح بريئة يبتلعها الشر داخله. ولم يتبقى إلا القليل.
ثلاثة أرواح فقط.
أحدهم كان قريبًا.
والآخر بعيدًا.
والأخير يتسكع في طرقات الحياة بلا هدى.
وبين هذا وذاك، واحد منهم كان قريبًا، قريبًا للحد الذي تمكن فيه الشر من لمسه.
والشر لا ينمو بمفرده، الشر يحتاج أعوانًا، وأعوان الشر في كل مكان، وأحدهم لا يمكنك توقعه.
كان له وجه أسود عريض وقبيح، يبتسم كل ليلة وأذناه مفتوحتان كشراع سفينة، يرمق الأرجاء بسخرية فتظهر الحقول المخضرة صفراء يابسة وتنعق الغربان وتنقر جذوع الشجر، تقتل فراشات الحقل، وكان نظره ممتدًا حتى النهر، مسطح موحل مغروسة داخله أنياب مثل الحراب.
***
وكان داخل بطن ديلا ينمو الطفل، ولد هكذا أكد الأطباء لمحسن الهنداوي، طفل سليم معافى وقلبه ينبض.
وكانت ديلا سعيدة بحملها، تربت على بطنها باستمرار.
ولوحظت تتغنى للطفل.
ديلا التي لم تفتح فمها منذ وصولها الفيلا تغني.
وكان صوتها جميلًا، حتى أن محسن الهنداوي منع الخدم من الحديث عندما تغني ديلا.
كانت أول مرة يسمع فيها صوتها الطرب، كان يجلس جوارها بصمت يستمع للدندنات التي تشبه تفتح الزهور وكان يحاول أن يختار اسمًا للطفل.
لقد عرض أكثر من اسم على ديلا لكنها لم تبدِ موافقتها وكانت في كل مرة تهمس "آدم".
وكان الهنداوي لا يستطيع أن يسمع الكلمة حتى جاء اليوم الذي قال:
اسم الطفل كذا.
رفعت ديلا وجهها بغضب وقالت:
آدم.
وسمعها محسن الهنداوي، اخترقت الكلمة أذنه مثل دبوس طرحة، وتألم الرجل وكاد يصرخ:
آدم، آدم يلاحقني في كل مكان.
لكنه قال:
ترغبين باسم آدم؟
قالت ديلا:
نعم.
نطقت ديلا وتحدثت، كتم محسن الهنداوي وجعه، أطرق لبعيد حيث لا يمكن لأحد رؤيته.
وقال:
ما يرضيكِ يرضيني. ما يسعدك يسعدني. عاهديني ألا تتركيني يا ديلا مهما حدث!؟
لكن ديلا عادت لصمتها، كانت تريد أن تقول شيئًا وقالته ولن تتحدث مرة أخرى.
***
كانت المرأة داخل بيتها تحاول تحرير ديلا من السحر، أعادت العقد المنفرط وأصلحته، بخرت العقد وقرأت عليه، كانت تعرف أن الوقت ضيق جدًا وكانت تحتاج من يوصل العقد لديلا دون أن يشعر به أحد، الشر يراقب كل مكان، الطرقات والعقول والقلوب.
وحاولت أن تعرف مكان كيمو واكا، لكنه كان بعيدًا عنها، كان كيمو واكا يرزح في العبودية ويعامل مثل كلب، يُضرب ويُسحل ومُنع من الكلام، لقد حذرهم الزعيم:
إذا رأيت كيمو واكا يتفلسف سوف أقتلكم وأقتله.
وكانت الهرة توتا تراقب كيمو واكا بحزن وأسى، لقد تسببت في كل ما حدث له، لم يكن عليها الاقتراب منه وكانت تعرف أن قلبه مكسور مثل قلبها.
وكانت تنام كل ليلة والدموع تغرق عينها، كانت ليلة مقمرة والنسائم اللطيفة تهب باستمرار عندما قررت توتا مساعدة كيمو واكا على الهرب.
اقتربت من الهر الزعيم، ومنحته ما يرغب به، ضغطت على نفسها حتى أرضت غروره، حتى أن الزعيم لم يشعر بنفسه من الفرحة وأقام حفلة لحراسه، وليمة من فئران وأفراخ حمام صغيرة وسمك.
تسللت الهرة توتا، كانت تعرف أن لديها فرصة واحدة وأنها قد تفقد حياتها، اقتربت من كيمو واكا الذي كان يلعق جراحه.
سامحني. قالت الهرة توتا:
اسمح لي بمساعدتك، الحراس منشغلون يمكننا الهرب.
قال كيمو واكا:
لن أهرب معك، لا أحتاج لأي رفقة.
بكت توتا:
ستتركني هنا؟ تترك هرة شابة صغيرة بين يدي قط متوحش؟
وشعر كيمو واكا بالحزن:
حسنًا، سنخرج من هنا، ثم نفترق كل واحد في طريقه.
رواية خادمة القصر الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم اسماعيل موسى
وكانت النهاية تسيل داخل القنايا وبين أعواد الذرة والقطن، تتسحب ببطء نحو المجهول.
داخل البيت الطيني، حيث تخرج الأدخنة من الكوة الضيقة ليلًا، كان آدم الفهرجي يصنع طعام العشاء، واضعًا الحطب داخل الكانون وينفخ بفمه أسفل القش اليابس. كان عليه أن ينسى ما كان، بداية جديدة هكذا أخبرته المرأة، قالت:
"عليك أن تنسى كل ذكريات الماضي، إن كنت باشا أو ابن باشا أنت مجرد إنسان عليه أن يطهر قلبه."
في حلم لقاء ديلا مرة أخرى كان آدم الفهرجي مستعدًا لفعل أي شيء، لكن المفارقة أن آدم أحب حياته الجديدة، أن يخدم نفسه بنفسه ويخدم المرأة المسنة. استيقاظه كل ليلة قبل الفجر، تسخين المياه، الوضوء والصلاة أمام الحقول الشاسعة الخضراء التي تنبض بقدرة الله، وكانت السكينة تحوطه من كل مكان، وكان يجلس على الأرض يذرف الدموع على ما فات من حياته، عندما تتجلى قدرة الله في القلب يسبح بحمده سبحانه وتعالى.
عندما تشرق الشمس ينام آدم، وعند العصر يستلقي أمام البيت مستقبلًا أشعة شمس باهتة شاحبة، كصبارة تعلم الصبر وعدم استعجال الأمور، وكانت المرأة تختفي وتظهر وآدم لا يسأل عن السبب، فقد كانت تغرقه بالحكمة ويرى منها أشياء تفوق قدرته على الاستيعاب، وكانت تبكي كثيرًا، البكاء يطهر القلب هكذا تعلم آدم البكاء.
تسلل كيمو واكا رفقة توتا، عندما خرج من المزرعة قال للهره:
"اسمعي يا امرأة ستركضين كأن كل وحوش العالم تطاردك، لن تتوقفي عن الركض حتى تتورم أقدامك، حتى تتفجر رئتيك، كيمو واكا لن يقع في الأسر مرة أخرى."
"على الأقل أخبرني أن لديك خطة،" قالت الهرة توتا وهي تركض، "لا يمكنك تحدي فضول المرأة لا تحاول ستفشل."
وفكر كيمو واكا أن لديه فرصة واحدة في الوصول لبيت المرأة التي تفهم لغته. كيمو واكا لن يتعرض للضرب مرة أخرى، كيمو واكا جسده تورم من الضرب.
وركض كيمو واكا وتوتا تلحق به مثل ظله، عبروا حقول ومزارع وقرى، أشرقت شمس وغابت، هكذا تمضي بنا الحياة غير مبالية بأوجاعنا.
حتى وصل بعد أيام أطراف القرية. في الحقيقة كان كيمو واكا يلهث مثل كلب ضال حتى شعر بأنه قذر فألقى بجسده في النهر.
"لن تشم امرأة، أي امرأة رائحة عفونة خارجة من جسد كيمو واكا."
وكانت الهرة توتا تراقب كيمو واكا بإعجاب عندما خرج من النهر وبدأ ينفض الماء عن جسده، فقد كانت له طلة محببة ووجهه الغائر لا يخلو من الجماليات إذا دققت النظر. لطالما اعتبر كيمو واكا نفسه غير وسيم ولا يمكن لأي شيء على الإطلاق إقناعه بغير ذلك.
وكانت توتا تتأمل الهر الغامض وقلبها يدق كيد هون تهرس ثوم في الفخارة، والحب يبدأ بدقة قلب وينتهي بمأساة، رمت توتا نظرة ثائرة تجاه كيمو واكا نفضها كفكرة حمقاء ليئمه تقتل السكينة.
"لماذا تحدقين بي كقطعة سردين طازجة؟"
شعرت توتا بالخجل وأبعدت نظرها عن كيمو واكا:
"ساقي تؤلمني كيمو واكا!؟"
"وهل أبدو لك متخصص مساج لعين؟ تمددي هنا ستشعرين بالراحة."
لكن توتا لن تجد الراحة مرة أخرى، فهذا الشيء الذي سرى بداخلها ليس له علاج إلا اللقى.
وراحت توتا تلعق نفسها على استحياء وكيمو واكا ينظر لبعيد، كان يفكر في أمر ما توقعت توتا ذلك.
"عليك أن تجدي طريقك الخاص يا توتا، كيمو واكا سيرحل."
وأحست الهرة بضمور واضمحلال وصاعقة ضربت دماغها.
"ارحل إلى أين؟"
"إلى حيث تجدين هر غبي يرافقك في رحلتك التعسة يا توتا."
"توتا لا تريدك أن ترحل،" قالت توتا والدموع تكاد تفر من عيونها.
"لن أقع في المصيدة مرة أخرى،" هكذا فكر كيمو واكا، قلبه لا يزال منشقًا منذ رحيل ميمي، عليه أن يخلد ذكراها ولا يسمح لأي امرأة أن تأخذ مكانها.
"هذا أمر وضح كيمو واكا، الحقول والزراعات أمامك يوجد بها ألف قط جميل."
وتوتا لا ترغب بألف قط جميل، ما ترغب به يجلس أمامها، يرفضها بكل ازدراء.
"لن أرحل،" صرخت توتا بتحدي، "ارحل أنت، ابتعد عني، أنت قط قاسي القلب."
ركض كيمو واكا تاركًا خلفه حلمًا يتحطم وقلبًا يذوي مثل زهرة.
كان آدم في البيت عندما وصل كيمو واكا، جالس الرجل مستقبل الشمس غارقًا في شروده. وعرف آدم الهر لكنه لم ير ميمي، وسأل آدم:
"أين ميمي؟"
لم يفهمه كيمو واكا لكنه عرف ما يقصد، ماء كيمو واكا بصراخ.
"وكيف لك أن تعرف أو تهتم؟"
وراح يتشمم الأرض بحثًا عن قبر ميمي فقد طلب من المرأة أن تدفنها حتى يتمكن من زيارتها تحت الشجرة وجدها. وكانت شجرة الصفصاف تتراقص أغصانها الخضر والماء يجري تحتها.
"آه تألم كيمو واكا، ليس هناك أجمل من قبرك يا ميمي، حتى وأنت ميتة احتفظت بجمالك وأناقتك."
وجلس كيمو واكا يلعق جسده ويروي لميمي ما فاتها من حياته، وكان يشعر بها تسمعه وتبكي لوجعه ومصابه. ليس هناك أجزع من فقدان شخص كنت تحبه ويحبك ويفهمك على المطلق.
وكانت توتا جالسة داخل الحقل، تراقب كيمو واكا ودموعه السائلة تقضم شعرها بألم وحزن، فليس هناك أشد إخلاصًا وتعاسة من رجل يحفظ ذكرى امرأته.
بدأ محسن الهنداوي في استعدادات الولادة، أحضر سرير أطفال وواحدًا آخر، صنع أرجوحة في الحديقة، ابتاع ملابس وألعاب، صنع خيمة من قماش، لم ينس الهنداوي ولا تفصيلة حتى وإن كانت صغيرة، وكان من عاداته أن يهتم بالتفاصيل.
قبل ولادة ديلا أبرم الهنداوي صفقة كبيرة واعتبرها فال خير، هدية الطفل، حجز جناحًا كاملًا لولادة ديلا واستأجر أمهر الأطباء، فريق كامل جاهز لولادة ديلا، وأصر الهنداوي أن تقوم مجموعة من الممرضات بمرافقة ديلا قبل الولادة فالأمر لا يسلم، وكان كل شيء يمضي بخير والفيلا تنام وتصحو على سعادة، صرفت العلاوات ووزعت الهدايا، وشاهندة تراقب كل ذلك بحذر، لم تكن شاهندة ولا البدراوي مرحبين بزواج محسن الهنداوي من أرملة آدم، لكن البدراوي كان غير مبال طالما شاهندة في حضنه تمنحه الحب الذي يريده، ثم إن ابنته قد ماتت وليس لديه ما يهمه أو يبكي عليه. وتلك الأوضاع لم ترض شاهندة، فقد ابتعد عنها محسن ابنها لدرجة بعيدة جدًا حتى إنه توقف عن زيارتها.
وفكرت شاهندة إذا كان في هذا الحال والطفل لم يظهر بعد فكيف سيكون حالها بعد وجود الطفل، لقد منحت محسن الهنداوي كل شيء، المال والجاه، ضحت بنفسها وارتمت في حضن رجل مسن من أجله والآن يهجرها بذلك الشكل؟
كانت ابنة أربعين عندما تزوجت البدراوي والآن في الخامسة والأربعين وعقد العمر يهرب منها، وراحت تفكر في جدوى حياتها بعد أن ظهرت لها بوادر الخيانة من ابنها والبدراوي يتدحرج أمامها مثل ذكر الأوز مستندًا على عصاه وكلما لمحته شاهندة يمشي ازداد اشمئزازها وقرفها منه، لقد تحملت كل هذا من أجل محسن ومحسن الآن في حضن امرأة أخرى، واعتمرت الفكرة التي كانت تراودها منذ مدة طويلة عندما كانت ترى نظرات الشبق في عيون الرجال، النظرات التي جعلتها تثق أنها لا تزال مرغوبة ولم تعرف شاهندة ولا يمكنها أن تعرف أن رجلًا ينظر لامرأة متزوجة برميل قذارة.
لكن المرأة تحتاج وعلى الرجل أن يفهم كيف يرضيها.
وتسلقت ذكريات الصبا مخيلتها وسكنت في ذهنها وبات عقلها مهتمًا بالتفاصيل الجديدة ويصور لها متع الحياة الجديدة.
في تلك الأثناء وصلت الأخبار لمحسن الهنداوي أن آدم حي، جاءته عن طريق محمود الجنايني وبدأ حاله يتغير، لقد جلد كل الرجال الذين ادعوا قتله وزاد من الحراسة حول القصر.