تحميل رواية «خادمة القصر» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الخدامه الجديده وصلت يا باشا، أنا مثبتها قدام باب الخدم مستني إشارة من حضرتك؟ هى عارفه إني عايش وحيد داخل القصر؟ أيوه عارفه يا باشا، هو فيه حد في المنطقة كلها يستجرى يرفضلك طلب يا باشا؟ أنا مطلبتش من حد يشتغل عندي يا محمود، اللي يشتغل هنا لازم يكون جاي من نفسه من غير إجبار. طبعًا يا باشا مفهوم. نهض آدم ووقف أمام الشرفة المطلة على الحقول، في إيده سيجارته، مرتدٍ قميص موف يبرز صدره القوي وشعره الناعم يغرق وجهه العاجي، ووضع البستاني خلف ظهره. بص ناحية البنت البسيطة اللي واقفة قدام باب الخدم، فتاة صغ...
رواية خادمة القصر الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
توقف قلب ديلا عن النبض للحظة، حيث تملكها الرعب، وحل صمت رهيب حتى أنها سمعت دقات قلبها بوضوح.
كان من المستحيل أن تنطق، فسيعرف آدم صوتها المتهدج باللهفة.
مشت ديلا تجاه المطبخ واختفت بداخله.
من هناك، وهى تبتسم، همست بصوت غير واضح: "بشرب ميه يا آدم بيه!"
مرة أخرى، ارتحلت النبرة الهادئة الرقيقة على بساط الريح وسقطت داخل أذن آدم الفهرجي.
ترك آدم الفهرجي الكتاب على الطاولة وفرك أذنه. لقد صرف الخادمة شهد للتو، وغير مقبول أن ينادى عليها لتقف أمامه.
وظن أنه يتخيل، وأن افتقاده لخادمته ديلا حقيقي ولا يمكن إخفاؤه.
حتى أنه لام نفسه لتسرعه في طردها بتلك الطريقة المهينة. ربما كانت الفتاة محتاجة أو لديها ظروف.
وها هو الآن يجلس وحيدًا جوار مدفأته، وديلا بعيدة عنه، وليس من الممكن أن تسند رأسها فوق ساقه بوجهها البريء بعد أن أقسمت أن لا تنام مئة مرة.
حرك آدم ساقه التي كأنها اشتاقت للماضي.
وكان نظره مثبتًا على تمثال من المعدن يحاكي منحوتة كليجمنت لفتاة في متناهية الصغر، منحنية على عربة ورد مبتسمة مثل حورية.
"اللعنة على الذكريات، إنها لا تتركنا أبدًا مهما حاولنا قتلها ودفنها، تظهر مرة أخرى."
وفكر آدم الفهرجي أنه سيكون من المحرج أن يتحدث مع الخادمة شهد مرة ثانية.
فتركها تتحرك في المطبخ والفضول ينهشه.
انفتح باب غرفة الخادمة شهد وخرجت بوجه باهت الملامح، جافاه النوم.
لم يلاحظ آدم كل ذلك، كان غارقًا في شروده وأوهامه، وهو يظن أن التي تتحرك وتحدث جلبة هي الخادمة شهد.
ثم أنه قرر عدم التحدث إليها مرة أخرى.
وقع قلب ديلا على الأرض، قفز من صدرها ورأته يزحف على الرخام.
وقفت مكانها متسمرة مثل عصا مكنسة نسيتها ربة المنزل مركونة جوار الباب.
همست في سرها: "يارب استر."
"وقفت شهد لحظة تبص على الرواق. فيه صوت وصل ودانها وهى نايمة."
"آدم بيه كان بيتكلم مع شخص، لكن مفيش حد قاعد مع آدم بيه، الراجل قاعد لوحده."
"ياترى بيكلم نفسه؟ طيب هو صوته بقى مايع كده ليه؟"
في حين لم تجد ديلا قدامها غير الثلاجة والغسالة.
وكان عليها تختار هتستخبى فين قبل ما تتكشف.
لكن شهد مشيت ناحيت آدم الفهرجي قرب المدفأة وتركت مساحة وراها تسمح لديلا بالهرب.
تسحبت ديلا مثل "كبرص" ودخلت القبو بأنفاس مقطوعة كحنفية مياه تسقط آخر قطرة من المياه المخزنة.
قالت شهد: "تسمح لي يا آدم بيه أقعد قرب النار شوية؟"
آدم الفهرجي بلا مبالاة ودون ما يرفع بصره ناحيتها: "مفيش مانع."
شعرت ديلا بالغضب والغيظ.
آدم ملكها وحدها.
مفيش حد هيشاركها فيه مهما حصل.
وعنيها كانت بتبص على شهد بحقد وغيره.
فما كان منها إلا أن أطفأت نور القبو ومسكت مقعد ورزعته في الأرض عمل صوت مرعب ضخم.
نهض آدم بسرعة وقفزت شهد من الخوف.
يعرف آدم أن القبو فاضي، محدش بيدخله.
في حين ركضت ديلا لاخر القبو وفتحت الباب ناحيت الحديقة وعلى وشها ابتسامة خبيثة مستعدة للفرار.
"آدم انتي سمعتي اللي سمعته يا شهد؟"
"شهد: أيوه يا بيه الظاهر فيه حرامي جوه القصر."
أخرج آدم مسدسه من الدرج وفتح باب القبو وشهد ماشية وراه بخوف.
فتح النور وقبل ما النور يوصل آخر القبو لمح آدم طيف أسود يهرب ناحيت الحديقة، لكنه مكنش متأكد.
صرخت شهد: "الحمد لله القبو مفيهش حد، يمكن قطة يا بيه وقعت الكرسي."
بس آدم بعين متمرسة لاحظ بقايا فتات طعام على رخام القبو وشاف كمان الكنبة وقماشها المكرمش.
خرج آدم من باب القبو ناحيت الحديقة وشهد وراه بتصرخ: "بتدور على إيه يا بيه؟"
"آدم بحزم: مفيش. ناوليني مصباح وبعدها تقدري تروحي تنامي، أنا هتمشى شوية في الحديقة."
نفذت شهد الأمر وقفلت باب القبو ودخلت غرفتها، لكنها كانت خايفة مرعوبة.
"آدم بيه مش على طبيعته من أول الليل."
ديلا كانت بعدت عن القبو ومشيت وسط الأشجار، لكنها كانت شايفة نور المصباح في إيد آدم بيتحرك وسط الأشجار.
وراحت تركض وهي بتضحك.
نسيت كل اللي حصل معاه.
نسيت ضرب والدها النزاوى ليها وحبسها.
نسيت دموعها وأوجاعها.
وكان آدم الفهرجي يتحرك داخل الغابة وفي باله شيء واحد: إذا تجرأ شخص ودخل القصر لازم يعرف.
وراح يتجول داخل الحديقة الكبيرة في إيده المسدس.
بعد ما مشى مسافة كبيرة وقف في مكانه وقرر يرجع القصر.
التف ومشى خطوتين ثم سمع صوت خطوات راكضة توقفت فجأة.
وكان الصوت قادم من الناحية الشمالية البعيدة عن القصر.
واصل سيره مرة أخرى إلى الناحية البحرية.
ولاحظت ديلا أنه ممكن يشوفها ويتعرف عليها، فسارت بحذر تحت الصور والتفت ناحيت غرفة الحمام واستخبت فيها.
وصل آدم نهاية الحديقة وحاول يربط الأمور ببعضها.
وأصبح لديه شك كبير إن فيه شخص كان جوه القبو عايش معاهم.
وتذكر الطيف اللي شافه جوه الحديقة الليلة السابقة.
طيف أنثوي نحيل يشبه جذع ديلا، لكنه مكنش متأكد.
رجع آدم على القصر وحاول ينسى كل اللي حصل.
دخل غرفته وتمدد على السرير وهو يفكر أن كل اللي بيحصل أوهام من اختلاق عقله.
لما اطمأنت ديلا رجعت تاني ودخلت جوه القبو ورمت نفسها على الكنبة.
جسمها كان لسه بيرتجف من الخوف.
المغامرة اللي قامت بيها كانت محفوفة بالمخاطر.
رغم كده، كانت سعيدة.
شافت آدم الفهرجي واتكلمت معاه.
وكانت الفرحة مش سيعاها.
وكأنها خلقت من جديد داخل أروقة القصر.
نامت ديلا وصحيت في وقت مبكر وكأن جسدها يتذكر الأيام اللي كانت تخدم فيها داخل القصر.
سمعت سعال آدم في غرفته.
وكانت غرفة شهد مغلقة، لم تستيقظ بعد.
كانت عارفة أن قلبها ومشاعرها هتقضي عليها.
ودون أن تشعر، دخلت المطبخ حضرت إفطار آدم الفهرجي.
ووضعته على صينية وصعدت درجات السلم بهدوء دون أن تحدث أي صوت.
وضعت الصينية أمام غرفة آدم وطرقت الباب أربعة طرقات مثلما كانت تفعل في الماضي.
ثم ركضت ناحيت الرواق ووقفت على باب القبو.
فتح آدم باب الغرفة ووجد طعام إفطاره أمامها.
يحاول أن يتذكر إذا كان ما سمعه حقيقي.
أربعة طرقات تذكره بديل.
لكن آدم يتذكر جيدا أنه مقلش لشهد تعمل كده.
بص آدم على الرواق وعلى غرفة شهد ولم يلمح الخادمة في الرواق أو حتى في المطبخ.
حمل آدم الصينية ودخل بيها غرفته.
وضعها على الطاولة وابتسم.
"لست أحمق. شهد تعمل هنا منذ أكثر من ثلاثة أشهر ولم يراها قبل ذلك تعد الإفطار بتلك الطريقة."
"لكن كيف يتأكد من ذلك؟"
لم يتبقى أمامه سوى أن ينتظر بعض الوقت داخل غرفته حتى يكتشف الحقيقة.
إذا صنعت شهد طعام الإفطار وقدمته له فهذا يعني أن ظنونه حقيقية وأن ديلا تعيش معه داخل القصر وربما هي التي تعيش داخل القبو.
في موعدها، استيقظت الخادمة شهد، بعد أن غسلت وجهها ونظفت يديها.
دَلَفَت للمطبخ وحضرت الفطار الذي يتناوله آدم بيه كل يوم.
وكان آدم في غرفته ينتظر على نار اكتشاف الحقيقة بعد أن سمع سعال الخادمة شهد في الطابق الأرضي.
حملت شهد الصينية النحاسية وصعدت درجات السلم.
رواية خادمة القصر الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
توقفت الخادمة شهد في منتصف السلم، تذكرت أنها لم تبدل ملابسها التي تحمل بقعة وسخ كبيرة.
فعادت لتترك صينية الطعام على الطاولة ودلفت لغرفتها لتبدل ملابسها.
ديلا، التي تراقب شهد من خلف الباب، خرجت بسرعة، سحبت صينية الطعام نحو القبو وأغلقت الباب.
لم تستغرق شهد سوى خمسة دقائق في تبديل ملابسها.
وعندما خرجت، كانت صينية الطعام مختفية.
رفعت الخادمة شهد بصرها نحو غرفة آدم الفهرجي، وقبل أن تسأل نفسها: "معقول يكون آدم بيه بنفسه هبط للرواق وأخذ الطعام؟"
رأت آدم الفهرجي يفتح باب غرفته ويخرج الصينية ويتركها أمام الباب، قبل أن يدخل غرفته مرة أخرى ويغلق الباب.
تنهدت شهد: "هل يغفر لها الباشا تهاونها وتكاسلها عن خدمته؟"
لكن الباشا لم يتذمر ولم يطلبها ليوبخها.
صعدت الخادمة شهد السلم وأخذت الصينية، لكنها انتبهت لشيء هام.
الصينية مختلفة عن التي رصت الطعام فوقها، لكن العقل له أحكام ومن الوارد أن يكون اختلط عليها الأمر.
أخيراً، ابتعلت ديلا ريقها، وضعت الطعام أمامها وراحت تأكل بشهية.
"إلى متى سأظل غامضة مختفية؟ وماذا سأفعل إذا اكتشف آدم وجودي داخل القبو؟"
تعرف ديلا أن آدم ذكي وأنه قد يتمكن من ربط الخيوط ببعضها، حينها ستكون في ورطة.
محمود الجنانى يبحث عنها ووالدها لن يرحمها، فشعرت بالغم وتوقفت عن الأكل.
"لابد أن أجد حيلة تمكنني من الكلام مع آدم وشرح الحقيقة له."
لكن عليها أن تختفي ولا تظهر إلا بعد أن تهدأ كل هذه الجلبة التي أحدثتها في اليومين الماضيين.
وظل الوضع هادئاً داخل القصر خلال هذه الفترة، وكان آدم الفهرجي دائم الشرود بصورة ملحوظة.
كانت ديلا تراه ينظر نحو الحديقة وهو يدخن لفافات التبغ، كأنه ينتظر موعداً أو رؤية شخص معين.
وأحياناً أخرى يقترب من القبو ويكون على وشك فتح بابه، فتركض ديلا هاربة من الناحية الأخرى.
لكن آدم الفهرجي يتوقف في آخر لحظة ويعود أدراجه.
حتى فوجئت ديلا في اليوم الثالث بجلجلة خارج القبو، وكانت نائمة حينها.
ثم انفتح باب القبو ودلف منه آدم الفهرجي.
سار داخل القبو حتى وصل الباب المغلق من الجهة الأخرى.
ثم وقف أكثر من دقيقة يفكر وعلى وجهه نظرة شارده، قبل أن يطلب الخادمة شهد ويهمس لها ببعض التعليمات.
بعد نصف ساعة، شوهدت الخادمة شهد تجر سريراً وتضعه داخل القبو.
كان سريراً معداً للنوم بالوسائد والبطانية.
تركته هناك ورحلت.
جلس آدم الفهرجي على طرف السرير وهز جسده عدة مرات، ثم أرخى جسده على السرير وتمدد.
وتعجبت شهد: "آدم بيه سينام داخل القبو؟"
لكن حيرتها تبددت لما لمحت آدم الفهرجي يخرج من القبو ويغلق الباب خلفه.
ثم جلس في الرواق وأشعل لفافة تبغ، ونظره مثبت على باب الرواق، وعلى وجهه ابتسامة غامضة.
وكانت ديلا مختفية داخل الحديقة تسأل نفسها: "ماذا حدث؟"
مدركة للورطة التي وقعت فوق رأسها.
"لو قرر آدم النوم في الرواق، سأتشرد في الحديقة، حيث أنها كانت تتابع كل ما يحدث من ثقب في باب القبو."
أدركت ديلا أنها لن تقدر أن تدخل القبو ولا تنام فيه بعد ما حدث.
"ممكن آدم يدخل في أي لحظة، أصله مش معقول يكون وضع السرير داخل القبو من أجل الديكور."
ومرت ليلة تعيسة على ديلا، جالسة أمام باب القبو تسترق النظر لرؤية آدم الذي كانت تسمع صوته في الرواق يسعل من تدخين السجائر.
مر أكثر الليل وصوت آدم يصلها، حتى قرر آدم النوم وصعد لغرفته.
حاولت ديلا تنام على أرض الحديقة، لكن جسمها لم يرتح.
ففكرت أنه من الممكن أن تدخل للنوم وتستيقظ بعد الفجر.
وضعت مقعداً خلف باب القبو المطل على رواق القصر ونامت بقلب قلق وخوف مستعر.
حتى أنها لم تتجرأ لتغطية جسدها بالبطانية حتى لا تغرق في النوم.
مضت ليلة وليلتان، وبدأت ديلا تشعر بالطمأنينة وأن ما حدث ربما فعله آدم من باب كسر الملل.
وراح نومها يصبح أكثر عمقاً وهدوءاً وثقلاً.
في الليلة الثالثة، قضى آدم سهرته وصعد لينام.
وتبعته ديلا في النوم، حيث أنها كانت تضبط نومها على موعد نوم آدم.
لكن آدم عاد مرة أخرى، وكان قد مضى ساعة على صعوده لغرفته، وفي فمه لفافة تبغ.
مشى تجاه باب القبو بهدوء وحاول فتحه، لكن الباب لم ينفتح وكان عالقاً بمقعد خلفه.
فما كان منه إلا أن خرج من القصر والتف حول الجدار ناحية الباب الآخر.
الباب كان موروباً.
توقف آدم لحظة ينظر داخل القبو المظلم.
فتحت ديلا عينيها الساعة الثامنة صباحاً.
وجدت نفسها ممتدة على السرير متغطية ببطانية عنّابية اللون.
وكانت ديلا تعرف أنها لم تستخدم البطانية، مما جعل جسدها يرتعش.
كان هناك جيبة باللون الكريمي وبلوزة لبني متروكة على الطاولة.
تكورت ديلا على السرير برعب وسحبت قدميها ناحية جسدها.
ثم فتحت فمها وعينيها بدهشة ورعب.
كان هناك جورب أحمر في قدميها، وشاح باللون البندقي حول عنقها، وكانت إحدى يديها مربوطة بخيط في عمود السرير.
قطعت ديلا الخيط ونهضت مفزوعة راكضة تجاه الحديقة.
لم يستوعب جسدها ولا عقلها الصدمة، ولم تتوقف عن الركض إلا بعد أن توغلت داخل الأشجار الضخمة.
جلست واتكأت على جذع شجرة.
"ماذا حدث؟ وكأنه حلم لا تتذكره ديلا."
لكن في الأحلام لا تستيقظ ونجد نفسك ترتدي ملابس مختلفة.
لقد شكت ديلا في نفسها للحد الذي دفعها للنظر في ملابسها التي تفوح منها رائحة العفونة.
وكان آدم الفهرجي ممتطياً حصانه يركض به داخل الحديقة.
سمعت ديلا بوضوح صوت خطوات الحصان وتشجيع آدم له.
كان آدم قريباً جداً منها وسمعته يخاطب الحصان: "أنتِ مهرة جيدة ومطيعة وراعٍ يلعب في شعر عنقها، هيا تشجعي أريدك أن تركضي بسرعة كأننا في سباق."
رواية خادمة القصر الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
ظلت ديلا حبيسة الحديقة ولم تتجرأ على مغادرة مكانها بين الأشجار التي تحلق فوقها طيور مختلفة. كان عليها أن تعرف الشخص الذي يعرف حقيقتها، الذي يعرف أنها ديلا وأنها تقيم داخل القبو. وبصفة خاصة الوغد الذي انتهز استغراقها في النوم ومارس ألعابه ليجعلها تبدو مثل مهرجة ترتدي جوربًا أحمر ووشاحًا لبنيًا، وقام بربطها في سريرها. والذي لم يكتف بذلك فقط، بل ترك لها ملابس على مزاجه لترتديها.
على مدى البصر، شاهدت ديلا الخادمة شهد تحمل ملابسها قاصدة باب القصر. وكان على وجهها ابتسامة كبيرة لا تليق بشخص طُرد من عمله للتو. وكان في يدها مظروف تخرج منه عملات مالية ترمقها باستمتاع.
أنهى آدم خدمة شهد داخل القصر ومنحها مكافأة معتبرة، هكذا فكرت ديلا. لكن لماذا؟
وبدا كل شيء واضحًا أمامها تقريبًا. آدم الفهرجي يعرف أنها داخل القصر وتنام في القبو. لكن لماذا يفعل كل ذلك؟
أطلقت ديلا ابتسامة عريضة لكن متوترة. وسارت بخجل نحو القصر، لكن بعيدًا عن شرفة آدم.
دلفت نحو القبو وسمعت سعال آدم داخل غرفته. ماذا يريد آدم مني؟ لماذا يفعل كل ذلك معي؟
ثم نظرت تجاه الملابس التي تركها آدم على الطاولة، وكانت تشعر أنها متعفنة بالفعل وتحتاج حمامًا ساخنًا.
بسهولة خرجت ديلا تجاه المطبخ وحملت ما وقع تحت يدها من الثلاجة نحو القبو. وأكلت حتى شبعت، مراقبة غرفة آدم مستعدة للهرب في أي لحظة.
هبط الليل وزادت برودة الجو بصورة مزعجة. هبط آدم من غرفته وجلس جوار المدفأة يدخن لفافة تبغ باستمتاع وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، متحاشيًا النظر تجاه القبو، مكتفيًا بالنظر إلى الرواية التي يقرأها ويهز ساقيه باستمرار. ملقيًا الحطب داخل المدفأة وهو يدندن بأغنية قديمة.
شعرت ديلا بالشوق يعصف بها كورقة شجر داخل عاصفة. وغمرتها اللهفة كقرصة لئيمة في مؤخرة الظهر لا نصل إليها بأيدينا. وتمنت لو تمكنت من الجلوس جوار المدفأة حتى دون الحديث لآدم. أن تتمكن من النظر إليه دون خوف، أن تتأمل ملامحه الجميلة، أن تغرق فيها وتغترف منها حتى تمتلئ عينيها.
انفتح باب القبو وتعمدت ديلا أن تحدث صوتًا، حتى تحظى بانتباه آدم أو التفاته منها، تسهل اللقاء الذي طال انتظاره. وكان وجهها محمرًا من الخجل.
لكن آدم الفهرجي لم يرفع بصره ولم يلقِ لها أدنى اهتمام، كأنه لا يسمع أو يرى أي شيء.
اغتاظت ديلا. إذا كان فعل كل ذلك من أجلها وطرد الخادمة حتى تستطيع الحركة في القصر، فلماذا يتحاشاها بتلك الطريقة المزعجة؟ إذا كان يعتقد أنني سأركض نحوه وأطلب غفرانه ومسامحته، فهذا لن يحدث أبدًا. لقد تخلى عني عندما كنت مظلومة. أنا من أستحق اعتذاره. وعليه أن يعرف أنني لن أخضع للابتزاز كفتاة قاصر أحبت ابن الجيران.
وكأنهم زوجين متخاصمين، مشت ديلا ناحية المطبخ بخطوات مسموعة لتصنع كوب شاي وأنفها مرفوعة حد السماء، غير مبالية بوجود آدم من عدمه. لقد تفاجأت ديلا من جرأتها، فقد كانت في الماضي تخشى آدم وتخاف منه.
وسمعت صوت آدم النقي: "اعملي لي كوب شاي معكِ يا شهد."
ضحكت ديلا، لم تتمكن من منع نفسها. يظن أنني لم أر شهد تغادر القصر؟ حيلته مكشوفة. لكنها قالت بصوت ناعم: "أمرك يا آدم بيه."
أعدت كوب الشاي ومشت بهدوء سلحفاة تجاه آدم ووضعت الصينية النحاسية أمامه.
لم يرفع آدم بصره، اكتفى بقول: "شكرًا."
لكن شكرًا وحدها لم تكن كافية بالنسبة لديلا التي اشتاقت للكلام مع آدم. "تأمر بحاجة ثانية يا بيه؟"
رفع آدم بصره وكأنه يرى ديلا لأول مرة. وعندما قبض على ملامحها، تغير وجهه.
وقف آدم بغضب: "أنتِ إيه اللي جابك هنا يا لصة؟ دخلتي إزاي القصر؟ أنا لازم أبلغ الشرطة."
وكانت ديلا تظن أنها مزحة وعلى وجهها ابتسامة بريئة، تنتظر أن يضحك آدم. لكن آدم اقترب من الهاتف وضغط الأرقام التي جعلت ديلا ترتعش.
ركضت ديلا تجاه آدم، أمسكت بيده: "بلاش يا بيه والنبي، أبوس إيدك بلاش."
اختفت كل كلمات العتاب التي كانت محضرتها لآدم.
ترك آدم السماعة، وقال بصوت غاضب: "أنتِ بتعملي إيه هنا؟ أنا لازم أرجعك بيت أبوكي زمانه بيدور عليكي."
بكت ديلا، انتحبت مثل طفلة: "بلاش والنبي يا بيه بلاش."
صرخ آدم: "انطقي بتعملي إيه هنا!"
"اهدأ والنبي يا باشا. هقولك كل حاجة، اقعد كده واستهدى بالله."
ابتسم آدم في سره من طيبتها وبراءتها، لكن وجهه كان صارمًا غاضبًا.
جلس آدم على الكرسي وصرخ: "اتكلمي، مستنية إيه؟"
روت ديلا الحكاية لآدم من لحظة هجوم محمود الجنانى عليها وكيف أنه تقدم للزواج منها وهربها من منزل والدها واختفائها داخل القبو. كان آدم يعرف نهاية القصة، بس ما كان يعرف إلى عمله محمود البستانى ولا قذرته.
بعد أن سمع آدم القصة، صمت دقيقة: "أنا لازم أرجعك بيت والدك."
صرخت ديلا وارتَمت على ساق آدم تقبلها وتطلب عفوه ورحمته: "أنا هفضل أخدمك يا آدم بيه والله مش هعمل دوشة ولا أنام جنب المدفأة ولا هتسمع صوتي، بس خليني هنا. أوعدك معملش أي حاجة تضايقك."
هز آدم ساقه التي تمسكها ديلا ونفخ الدخان من فمه: "أنتِ هاربة من بيت أبوكي وعايزاني أتستر عليكي؟"
هزت ديلا رأسها.
"لازم تعرفي إن اللي حصل ده مش سهل وهيكون له ترتيبات تانية."
صرخت ديلا: "أنا موافقة على كل اللي تأمر بيه، بس أوعدني أفضل هنا ومروحش بيت أبويا."
"إممم،" هز آدم يده. "هتشتغلي خدامة عندي."
ديلا: "حاضر يا بيه."
آدم: "هتنفذي كل اللي يطلب منك؟"
ديلا: "حاضر."
آدم: "حركاتك هتكون بإشارة من إيدي، وعقابك هيكون الضرب."
ديلا: "حاضر، حاضر مفهوم."
"هتكوني ملكي مش بس خدامة، هعمل فيكي كل اللي أنا عايزه؟"
ارتعش جسم ديلا لحظة، لكن قالت: "حاضر، حاضر."
"طيب،" قال آدم أخيرًا. "أنا هتصرف في موضوع أبوكي ده. دلوقتي نضفي نفسك، أنا شامم ريحة عفونتك، والبس الهدوم اللي سابتها شهد في القبو. أنا هخرج أقابل أبوكي وأرجع، عايز لما أرجع ألاقيكِ متلمعة على سنجة عشرة. العشا جاهز والحطب مرصوص جنب المدفأة، فاهمه؟"
"فاهمه يا بيه، فاهمه."
كانت المرة الأولى التي يخرج فيها آدم من القصر. ارتدى معطفه الجلدي ووضع سيجارًا في فمه وقصد منزل النزاوى.
استحمت ديلا، لبست الهدوم اللي أمر بيها آدم، حضرت العشاء، قطعت الخشب ورصته جنب المدفأة وقعدت على الكرسي في توتر، عينها على باب القصر تنتظر آدم الفهرجي.
رواية خادمة القصر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
نحن لا ننسى الأشياء التي نرغب في نسيانها، والزمن ليس كفيلًا بدفن كل طعنة تعرضنا لها في مسيرة حياتنا. هناك أشياء تبقى مهما حاولنا طمسها أو التحايل عليها، فإنها تظل تؤرقنا.
عندما عاد آدم الفهرجي للقصر القابع على أطراف القرية الزراعية، كأنه غيمة داكنة. ظنت ديلا أن حياة جديدة بدأت، وأنها تخلصت من كل المنغصات التي كانت تؤذيها في حياتها. ظلت واقفة كفرع شجرة لبلاب، مستعدة أن تغمر آدم بأصناف المديح المعتبرة، ولسانها ملتصق ببلعومها يكافح ليتحرر.
رمق آدم العشاء الفاخر الذي أعدته ديلا محمود النزاري. المرأة قادرة على خلق بيئة أنيقة ورائعة عندما تشعر بالسعادة.
لوح آدم الفهرجي بيده تجاه ديلا المحلقة ببلاهة.
مشت ديلا تجاه آدم الذي رفع يديه ونزع معطفه الجلدي لبني اللون وعلقه بحرص على ظهر المقعد.
طوى آدم كمي قميصه الوردي، كان يرتدي ساعة روليكس، وشعر يده الكثيف يبزغ في ضوء المصباح.
بدرت التفافة من آدم تجاه ديلا النزاري، ولاحظ أنها ارتدت الملابس التي طلبها منها. وكانت ديلا جميلة وأنيقة، رغم أنها ما كانت مرتاحة في الجيبة والبلوزة.
قال آدم: "جيد أنك نفذتي التعليمات، والآن اجلسي بقربي."
جلست ديلا على الأرض، لكن آدم رفع يده.
"أعتقد فيه مقاعد كثيرة على الطاولة."
وقفت ديلا بأدب.
"ما بقدر أعمل حاجة ما طلبتيها مني!"
ابتسم آدم بسخرية.
"من ساعة بس كنتي مستعدة تقت*ليني."
"لقد رأيت غيظك قبل أن أحشرك في الزاوية."
"طبعًا عايزة تعرفي عملت إيه مع والدك؟"
قعدت ديلا بسرعة على الكرسي وسندت ذقنها بيدها، ورمت آدم بنظرة خطيرة كلها دلال وطاعة.
"لو ما كان عندك مانع يا آدم بيه."
"تعلمي بسرعة يشعرني بالخطورة يا ديلا، أصل مش معقول الإنسان يتغير في ساعة واحدة؟"
"أنا أبرمت اتفاق مع والدك، هتفضلي تخدمي هنا في القصر وراتبك هيوصل والدك أول كل شهر."
"ومحمود الجنان يا آدم بيه؟"
"ماتخفيش يا ديلا، محدش هيقدر يتعرضلك بأي خطر طول ما انتي في حمايتي."
"محمود طلع مش سهل، أنا أولته ثقتي وادته أكتر من اللي كان بيحلم بيه، لكن الإنسان اللي بيسكنه الشر صعب يتخلص منهم."
"محمود أشاع داخل القرية إني اعتدت على الخادمات اللي كانوا شغالين في القصر هنا."
"الغريب إن بعضهم اعترف كذب إني اعتدت عليهم وحاولت أعمل معاهم علاقة مح*رمة."
صمت آدم شوية كأنه يزن كلماته.
"والناس مش بتعرف غير اللي تسمعه، أنا في نظر الناس وحش م*غتصب لبناتهم، فاهمة ده معناه إيه؟"
"طبعًا بتسألي والدك وافق ليه يسيبك تشتغلي هنا في القصر رغم سمعتي الوحشة؟"
أجابت ديلا بسرعة: "يا ريت يا آدم بيه."
"شه*د ظهرت في آخر لحظة واعترفت باللي حصل من محمود معاها وإنه حاول يغت*صبها، وشهدت إنها مشفتش مني غير كل خير، بس أنا مضطر أغير شوية تفاصيل في القصر."
"هـ... تفاصيل إيه يا آدم بيه؟"
"آدم، الصراحة أنا كنت بفكر في الموضوع ده من زمان، شاب مدلل عايش لوحده بتخدمه بنات شابة أمر يثير الشبهات."
"عشان كده أنا قررت أتزوج."
سمعت ديلا الكلمة كأنها ضربة بلطة فوق دماغها. مش معقول آدم بيه هيتزوجني أنا!؟
وحست إن صدرها اتشق نصين وقلبها بيصرخ من الوجع، وما كانت عايزة تسمع باقي الكلام اللي هيخليها تعيش حزينة باقي عمرها.
كمل آدم كلامه بصرامة، وكان يشعر إن كل كلمة بيقولها سكين بيجرحه.
"أنا أرسلت في طلب إيد بنت كانت بتدرس معايا في فرنسا، ومنتظر ردها، وبفكر أجيب خادمة تساعدك في القصر."
وقفت ديلا في مكانها وتغيرت ملامح وشها. مسكت طبق بيدها بغيظ ثم تركته على الطاولة بعصبية ومشيت ناحيت غرفتها.
صر*خ آدم: "إنتي تعالي هنا، أنا لسه مخلصتش كلامي."
ديلا بعصبية: "عايزة إيه تاني يا...."
"آدم بيه." نطقتها بغيظ دفين.
"أنا عايزك ترجعي تقرأي في المكتبة، تقري كل الكتب وتحاولي تتعلمي إنجليزي وفرنسي. لو لقيت فيه تقدم في مستواكي هجيبلك مدرسين خصوصيين يعلموكي اللغة ومدبرة منزل تعلمك الأتيكيت."
صر*خت ديلا بعصبية ونسيت كل وعودها لآدم.
"عشان أعجب الهانم طبعًا اللي هتجيبها من بلاد بره صح؟"
ورزعت قدمها في الأرض مثل طفلة وبدأت في البكاء.
"إنتي قاسية جدًا ومعندكيش قلب والمصحف." وجلست على الأرض تبكي.
"إنتي بتبكي ليه دلوقتي؟ أنا قلت حاجة زعلتك؟" قال آدم وهو بيقرب من ديلا.
"مفيش هو، حتى البكاء محتاج إذن؟ أنا عايزة أبكي، ملكش دعوة بيا، أنا هفضل أبكي طول عمري."
تحرك آدم من مكانه، وقف ساكن دقيقة قرب ديلا اللي كانت بتنشج بحزن وضعف، وربت على كتفها بحنان قبل أن يمرر يده بطبطبة على شعرها المكشوف.
"الحياة علمتني مستسلمش بسهولة يا ديلا ولازم أحارب عشان اللي أنا عايزه. بعض الفرص بتتاح مرة واحدة، الإنسان لازم ما يتوقفش عن المحاولة."
"الإنسانة اللي هربت من بيتها ونطت السور وعاشت داخل قبو مظلم لوحدها مينفعش تبقى ضعيفة كده."
"البنت اللي وقفت محمود الجنان عند حده مش ضعيفة، هي بس محتاجة تثق بقدراتها وأنا واثق إنها تقدر تحقق المستحيل."
ديلا بعياط: "وفايدته إيه المستحيل إذا كان مش هيوصلنا للي إحنا عايزينه؟"
آدم الفهرجي بابتسامة عريضة وهو بيشد شعر ديلا الناعم لحد ما وجعها قبل ما يتركه ويغمز بعينه الجميلة.
"مين قال كده؟"
رفعت ديلا دماغها ناحيت آدم بتشكك.
"بتتكلم بجد يا آدم بيه؟"
لكن آدم تركها في حيرتها وصعد درجات السلم والابتسامة لسه على وشه. وقبل ما يدخل غرفته التف ناحيت ديلا ولوح بيده.
"عايز أشوف نشاطك وهمتك قبل ما الهانم ما توصل من بلاد بره."
بعد ما أغلق آدم باب غرفته سمع صوت الأواني بتتكسر في الطابق الأرضي مع زعيق ديلا، وسمع صوت حذاء ارتطم بباب غرفته.
همس آدم وهو يكتم ضحكته: "مجنونة."
عندما خرج آدم للشرفة يدخن لفافة تبغ بعد مضي بعض الوقت، شاف ديلا ماسكة الفأس وعمالة تقطع في الخشب بغيظ وعصبية.
وكان على وشك يقول: "أوعي تعوري نفسك!"
لكنها خرجت: "إنتي بتعملي إيه؟ مين سمحلك بكده؟"
صرخت ديلا: "ملكش دعوة بيا!!"
"آها، طيب." دعس آدم عقب لفافة التبغ ونزل الطابق الأرضي ناحيت ديلا.
أول ما وصل عندها، سمع: "إيه؟"
"إنتِ بتقولي إيه؟"
"ملكش دعوة بيا." صر*خت ديلا بتحدي. "عايز ترجعني بيت أبويا، رجعني، مبقتش فارقة."
ثبت آدم نظره على ديلا قبل أن يمسكها من عنقها. دفعته ديلا في صدره بيديها، لكن آدم أحكم قبضته عليها ومسكها من شعرها وجر*ها جوه القصر.
قعد على الكرسي وهو ماسك شعرها.
"لازم تتعلمي الطاعة، وتسمعي كلامي."
صر*خت ديلا: "سيب شعري، بيوجعني."
"طيب." همس آدم. "مش هسيب شعرك غير لما تعتذري، وهتعملي كل اللي طلبته منك، وأنا بنفسي هتابع تقدمك في القراءة وتعلمك للغات. أنا هشكلِك بمزاجي وغصب عنك هتكوني مطيعة. اللي حصل دلوقتي مش هيحصل تاني، فاهمة؟"
"فاهمة، فاهمة، سيب شعري. إنت إيدك قاسية كده ليه؟"
ومرة أخرى ضغط آدم على دماغ ديلا وجذب شعرها.
"مخاطبتي لا تتم بهذا الشكل، اسمي آدم بيه ولما تتكلمي معايا لازم تذكري اسمي."
صر*خت ديلا: "حاضر يا آدم بيه، سيب شعري، بيوجعني."
هز آدم رجله وشعر ديلا في قبضته.
"نبرتك مش عجباني."
"لازم تتخلي عن كبريائك والتحدي، آدم مش بيقبل إلا نبرة تليق به."
وفهمت ديلا ما يريده آدم، ضغطت على نفسها وقالت: "حاضر يا آدم بيه." منحته ما يريده، فكل أنثى تعلم ما يريده الرجل منها.
وخرجت كلمة "حاضر يا آدم بيه" مستقيمة خالية من المشاعر، كأنها سيف.
"شعرك بيوجعك؟ شكلك مش بتحبي حد يمسك من شعرك؟"
"أيوه يا آدم بيه، شعري بيوجعني." أجابت ديلا.
وكان شعر ديلا لازال في يد آدم لما قال: "لازم تتعودي، لأن ده هيحصل كتير!"
"حاضر يا آدم بيه، حاضر."
وكأن آدم يتحدث بنبرة جدية لا مزاح فيها. أدركت ديلا ذلك.
ترك آدم شعر ديلا.
تنهدت ديلا في صمت ورمقت آدم بنظرة قاسية، لكن لما آدم بص عليها خبت نظرتها جواها ووقفت بثبات.
"آلة."
"تقدري تدخلي غرفتك ومتخرجيش غير لما أطلبك."
"حاضر يا آدم بيه."
دخلت غرفتها كانت ديلا تشعر بالألم، وجع مضاعف. لم يكن شعرها يؤلمها بل قلبها الذي شقته س*كين لنصفين.
هناك واحدة غيرها ستأخذ آدم، التهبت الغيرة داخلها وتقيح.
احترمت نفسها على السرير وكانت على وشك البكاء، بس تذكرت اللي حصل منذ لحظة وسرح خيالها رغم عنها.
آدم مسك شعرها، كانت منحنية أمامه بطاعة. هل يا ترى تأمل جسدها؟ هل من الممكن أن يحدث ذلك من شخص قاسي مثله؟
ثم طردت هذه الأفكار غير المحتشمة من عقلها، عندما نظرت ديلا للمرآة كان على وشها ابتسامة كبيرة متعرفش خرجت إزاي.
باغت آدم شعور منطوي على لذة قبض على كل مفارق عقله، وكان لسه قاعد على الكرسي بيبص على إيده اللي كانت ماسكة شعر ديلا، وكان يشعر بالسعادة، ليس السعادة فقط بل لذة، لذة تدفعك لتصورات هائلة.
بينما كانت ديلا في غرفتها تخلق مبررات لآدم: "أنا اللي عصبته، مكنش لازم أعمل كده."
وضعت ديلا إيدها على دماغها ومررت أصابعها داخل شعرها. وفجأة قبض آدم على يدها هكذا تخيلته، وهكذا انتفض جسدها من الخضة.
فضل آدم قاعد في الرواق، كانت ديلا سامعة سعاله وهو يدخن.
فتحت باب الغرفة ورفعت صوتها: "أنا عايزة أغسل وشي يا آدم بيه؟"
رفع آدم يده: "اتفضلي، مفيش مانع."
وكان لدى ديلا رغبة في تلطيف الجو.
"حضرتك تشرب شاي؟"
"مفيش مانع." أجاب آدم.
صنعت ديلا الشاي وقدمته لآدم وفضلت واقفة جنبه، ترمق ذلك الغامض الوسيم. لقد شعرت أنه يستحق طاعتها، وأن ذلك الوغ*د يتسلل داخلها بسلاسة ويسر.
"تأمر بحاجة تانية يا بيه؟"
فتح آدم فمه: "طيب ليه ما تبقيش كده على طول؟ ليه اضطرتيني أستخدم الع*نف؟"
"آسفة يا بيه، كان غصب عني، أوعدك ميحصلش تاني."
عندما استيقظ آدم كانت الساعة تجاوزت السادسة فجرًا.
الهواء مزدحم بتغريد الطيور في الحديقة المنهمكة بالانتقال من شجرة لأخرى.
أشعل آدم الموقد وغلى مياه معدنية وأعد كوب شاي بابونج.
وجلس يحتسي الشاي وعينه مصوبة على غرفة ديلا. انفتح باب غرفة ديلا على الحركة، خرجت تتمطى بجسدها ويدها على فمها تكتم تثاؤب. ورغم أنها استيقظت من النوم للتو بدت كملاك، وهذا نادر ما يحدث.
"أتمنى تكوني نمتي كويس؟"
تفاجأت ديلا بوجود آدم وهزت رأسها بطاعة دون أن تفتح فمها.
ثم مشت بدلال أنثوي ناحيت المطبخ، وكان جسدها الشاب يساعدها على تقصعات مثالية أخاذه.
رواية خادمة القصر الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
خرج آدم للحديقة، كان عليه أن يمارس تمارينة الرياضية من خلال الركض الصباحي. انطلق آدم يجرى فوق الدرب الترابي المدكوك بين الأشجار الضخمة. في العادة يقوم آدم بعشرة لفات كاملة، لكن تلك الصبحية استمر في الركض حتى انقطع نفسه. ولما وصل أمام القصر ارتمى على العشب، وكانت ديلا واقفة على باب القصر تنظر إليه.
"صباح الخير سيد آدم."
ثم نظرت تجاه السماء الغائمة.
"أعتقد أنها ستمطر اليوم؟ ستحتاج المدفأة الليلة؟"
"صباح الخير" أجاب آدم.
"كنتِ ممكن تقوليها جوه؟"
"آه، آسفة آدم بيه، كنت لسه صاحية من النوم واتفاجأت إنك صاحي."
"أنا بفكر إني أجري معاك سيد آدم، البنت كمان من حقها تمارس التمارين الرياضية!؟"
رفع آدم يده.
"حد منعك؟ اتفضلي المضمار ملكك."
"لأ" قالت ديلا. "الجرى عايز ترتيبات تانية، مش معقول هجرى بالعباية أو الجيبة والبلوزة، لازم أشتري طقم رياضي أولاً."
"كلام معقول" رد آدم.
"حضرتك تفضل تاخد فطارك دلوقتي؟ أدخل أجهزه؟"
بص آدم على ديلا، كان مستغرب كلامها وطريقتها الجديدة، لكن كان مبسوط من تحسن سلوكها.
"مفيش مانع يا ديلا، أنا هاخد شاور وأنزل، ياريت يكون الفطار جاهز."
أحضرت ديلا بيض ودقيق وحليب وصنعت فطيرة في المقلاة، وأضافت إليها الزبدة. ثم قطعت خس وطماطم وصنعت سلطة.
نزل آدم لقى الطاولة مرتبة بعناية وديلا بنظرة جديدة واقفة بتحط الرتوش الأخيرة.
قعد آدم على الطاولة.
"الفطار منظره شهي جداً، الظاهر ناوي تقضي على الدايت بتاعي؟"
مردتش ديلا، عقدت إيديها على صدرها بطريقة مغرية وركزت عينيها على الطاولة.
"أتمنى يعجبك آدم بيه."
وشعر آدم إنه يفتقد لملاظة ديلا ومشاكستها، وأن القصر دون صخبها وعنادها أصبح صامت مثل القمر، وأن ديلا تتعمد مضايقته بصمتها.
قال آدم: "رائع، أعتقد الهانم لم تصل من باريس هتكون مبسوطة منك!"
كتمت ديلا صرخة حاولت أن تخرج من جوفها عنوة، وقالت في سرها: "ده لو لقيتك لسه حي."
آدم: "بتقولي حاجة يا ديلا؟"
ديلا: "مطلقاً سيد آدم، أنا هكون سعيدة لسعادتك، أي حاجة تفرحك هتبسطني."
مكنش آدم منتظر الرد ده، حتى إن شهيته للأكل رحلت.
"اقعدي يا ديلا كلي معايا؟"
"ميصحش آدم بيه، أنا مجرد خدامة والخدم مش بياكلوا مع أسيادهم."
رزع آدم اللقمة على الطاولة وقام وقف.
"نفسي اتسدت" قال وهو بيطلع غرفته.
ولما آدم مشي، ديلا قعدت تاكل بشهية وكانت منشكحة على الآخر.
انفتح باب غرفة آدم وصرخ من فوق السلم: "انتي جايلك نفس تاكلي؟"
ردت ديلا ببرود: "وما أكلش ليه سيد آدم، هو الأكل ممنوع؟"
رزع آدم باب الغرفة وأطلقت ديلا ضحكة كبيرة.
ظل آدم في غرفته النهار بطوله متذمر كطفل ضربته والدته.
عندما حل الليل، فتح باب أوضته ونادى على ديلا.
"جهزي المدفأة."
ديلا بثبات: "كل حاجة جاهزة يا فندم."
"ماشي" رد آدم بغيظ.
الساعة عشرة بالليل نزل آدم، ورغم البرد كان لابس تي شيرت وشورت جينز حدود الركبة.
قعد على الكرسي يدخن سجاير وهو شارد، وجد الحطب مرصوص ولا ينتظر سوى إشعاله.
أشعلت ديلا في الحطب ودخلت غرفتها فوراً رغم أنها كانت هتموت وتقعد مع آدم برا.
اكتر من ساعة وآدم قاعد صامت والسكون في القصر كله. وكان آدم على وشك الشعور بالملل والصعود لغرفته.
ونهض ليطلب من ديلا إطفاء النار وفجأة انقطعت الكهرباء.
أصبح القصر مثل القبر أو بحر مظلم، وسمع آدم صرخة ديلا المزعورة. كان القصر مظلم بعيد عن المدفأة، وركضت ديلا تجاه المدفأة مع تحرك آدم نحوها. مع ركضها وجدت ديلا نفسها في حضن آدم، ومن شدة خوفها عانقته بقوة.
"متخافيش" أمسك آدم يدي ديلا وسحبها ناحية المدفأة.
"أنا مش متخيل إزاي انتي مرعوبة من الضلمة كده؟"
وشعر بيد ديلا المرتعشة الصامتة.
قعدت ديلا جنب النار.
"أنا آسفة، بخاف من الضلمة."
وكانت للتو أدركت أنها كانت في حضن آدم وعصرته بقوة فشعرت بالخجل.
بدأت ديلا تهدأ وشاف آدم ابتسامتها البريئة اللذيذة. وفجأة سمعا صوت داخل القبو.
"حرامي!" صرخت ديلا وهي تقفز في حضن آدم الجالس على المقعد.
تعلق ديلا بعنق آدم.
"فيه حرامي في القصر، أنا هيغمى عليا من الخوف، ده في القبو دلوقتي هيطلع علينا."
رواية خادمة القصر الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
حرامي؟؟… انتي بتخرفي تقولي ايه؟
قالت ديلا: أنا متأكدة إن فيه حرامي في القبو…. أو..
وصمتت لحظة.
محمود الجنانى جاي ينتقم، عايز يقتلني.
ده مستحيل يا ديلا، الجنانى عارف إيه هيحصله لو دخل القصر مرة تانية.
استخبت ديلا في حضن آدم وحطت دماغها فوق رجليه.
رفع آدم دماغ ديلا بلطف.
أنا لازم أقوم أشوف فيه إيه، انتظريني هنا لحد ما أرجع.
همست ديلا: رجلي على رجلك يا آدم بيه، إنت عايز تسبني هنا إزاي؟
إنتِ مكبرة الموضوع ليه يا ديلا؟ ليه محسساني إن فيه مصيبة حصلت؟ ده يدوبك النور قطع، عادي يعني.
همست ديلا بحزن: إنت بتسخر من مخاوفي، أنا فعلاً بخاف أقعد في الضلمة لوحدي.
طيب تعالي معايا، أنا هفتش القبو، بعد كده هبص على لوحة الكهرباء، أكيد فيه قفلة حصلت.
مشى آدم ومشيت ديلا وراه، وحط إيده على باب القبو وفتحه، وصرخ: مين هنا؟ أكتر من مرة، مين هنا؟
بص آدم على ديلا وعلى وشه ابتسامة.
اطمنتي يا ستي.
وقبل ما يكمل كلمته، قفز شيء من داخل القبو على كتف آدم ومر فوق دماغ ديلا القصيرة.
صرخت ديلا وقفز آدم من الرعب.
ديلا مبطلتش صراخ لحد ما شافوا قط مرعوب واقف جنب الكرسي في ضوء المدفأة.
انقلب صراخ ديلا لضحك هستيري، بينما كان آدم يحاول يتمالك نفسه.
على فكرة إنت خفت زيي وأكتر. قالت ديلا بمكر.
أنا دمرتك.
رد آدم ديلا بنظرة ساخرة.
محصلش، أنا كنت خايف عليكي مش أكتر.
أنا لازم أصلح لوحة الكهرباء، خليكي هنا.
لاحظ آدم إن القطة واقفة في مكانها ومتحركتش رغم إنهم قربوا منها.
وديلا كمان لاحظت كده.
الظاهر القط ده عفريت. همست ديلا في ودن آدم وكانت ملتصقة بيه.
قلي خرافات وجهل، عفاريت إيه، ده كله كلام فارغ. ده قط أو قطة مسكينة محتاجة عطف، خديها في حضنك لحد ما أرجع.
ديلا بخوف: تفتكر يعني هيسيبني أخده في حضني؟
قرب آدم أكتر من الهرة اللي كانت واقفة بثبات ولاحظ إنها قطة وكانت بتبص على آدم بثبات.
إنتي جعانة؟ أنا هخلي الخادمة بتاعتي تحضرلك عشا، أكيد نفسك في لبن؟
بس أنا ليا طلب عندك، ياريت تفضلي مع خدامتي لحد ما أرجع. أصل قلبها خفيف وبتخاف من الضلمة.
سارت الهره بكبرياء ناحية آدم وحكت نفسها برجله.
شوفتي بقا مجرد قطة هزيلة وبائسة.
قالت ديلا: أنا خفت أكتر كده، إنت بتتكلم مع القطط؟ وبعدين ليه بتقول خدامتي؟ هي القطة هتفرق معاها خدامة من سيد؟
مش عايز كلام كتير، حضري العشا لميمي لحد ما أرجع. ميمي هتاخد بالها منك لحد ما أرجع، أنا مش هتأخر.
وسط اندهاش ديلا، خرج آدم من باب القصر عشان يصلح لوحة الكهرباء.
بصت ديلا على الهره، كأنها إنسان عاقل بيفهم.
إنتي فعلاً قطة ولا عفريت؟
ووطت عشان تلمسها، مأت القطة وقفزت بعيد عنها، قفزة خلت قلب ديلا يتخض.
حضرت ديلا لبن صبته في وعاء وقعدت على الكرسي تبص على الهره اللي بتلعق اللبن بجوع كبير.
مفيش عفريت بيشرب لبن. فكرت ديلا.
بقا إنتي يا قطة يا مفعوصة اسمك ميمي؟ وبتسمعي كلام آدم؟ أنا كمان نفسي أسمع كلامه، بس هو مش رقيق معايا زيك خالص، دايماً بيزعق، امبارح كان ماسكني من شعري وجرجرني على الأرض، أنا مش هستغرب لو صحيت من النوم ولقيته أكلك، ده متوحش.
رجع النور واشتعلت مصابيح الإضاءة داخل القصر.
استطاعت ديلا إن ترى الهره ميمي، قطة سيامية جميلة جداً وأنيقة تحس إن عمرها ما سرحت في الحقول ولا تشردت في الشوارع.
دخل آدم من باب القصر، وقفت ديلا بسرعة وقعد آدم.
القطة أنهت طعامها.
مد آدم إيده لعب في شعرها، ثم اختفت القطة داخل القصر.
دوبك قدرت ديلا ترجع لطبيعتها وتحس بالأمان.
أشعل آدم لفافة تبغ ودخنها وهو بيهز رجليه.
عدى نص الليل وبدأت دماغ ديلا تتأرجح.
همس آدم: ديلا، ادخلي نامي في غرفتك.
همست ديلا بصوت نعسان: خلينى شويه، متخافش يا بيه مش هنام هنا أنا وعدتك قبل كده.
وقبل ما آدم ما ينهي سيجارته كانت ديلا نايمة، دماغها عمالة تطوح يمين وشمال لحد ما رست على رجل آدم.
ما كان من آدم إلا إن راح يتأملها، سارح في اللي حصل، خوفها، صراخها، وقوعها في حضنه، التصاقها بجسده.
لكن تلك المرة كانت غريبة، لقد أهاج لمسها لآدم مشاعر دفينة عميقة كان يظنها ماتت.
دعس آدم عقب لفافة التبغ في المنفضة.
إنتي يا بنتي قومي ادخلي غرفتك أنا طالع أنام.
ممم، هي هو ها. أصدرت ديلا أصوات غريبة لما يفهمها آدم.
مسك آدم دراع ديلا عشان يوقفها.
نهض الجسد الناعس يترنح قبل أن يلقي بنفسه على صدر آدم ويتعلق بعنقه.
حاول آدم يحركها من غير فايدة، كان ممكن يصرخ فيها لكنه لزم الصمت وحملها بخفة نحو غرفته.
مددها على السرير وتذكر ليلة إن عثر عليها داخل القبو وكيف قام بربط ذراعها بخيط، لقد لبسها جورب من باب المزاح.
نفض آدم أفكاره وقام يمشي.
فتحت ديلا عينيها.
عارفة إن اللي بطلبه غلط يا آدم بيه لكن ممكن تفضل معايا لحد ما أنام، أنا لسه خايفة.
قعد آدم على كرسي في غرفة ديلا يدندن، وكان امتناعه عن الرد يقلقه وانسياقه خلف مشاعره مربك جداً.
نامت ديلا مثل الطفلة.
غطاها آدم وسمح لنفسه بنظرة مطولة لوجهها ويده التي لمست خدها.
ثم ظهرت القطة ميمي على باب غرفة ديلا، وكان مجرد رؤيتها كفيل أن يخرج آدم من تخيلاته.
انحنى آدم وضم القطة لحضنه.
إنتي بقا هتنامي في حضني النهاردة.
لم تعترض القطة، كانت ميمي مسالمة إلى حد بعيد وتفتقد الحنية.
مرت فترة الصبحية كالعادة دون جديد حتى لاح على باب القصر رجل مهندم يحمل حقيبة.
عرفه آدم بمدرس ديلا الجديد إلى كانت مهمته يعلمها اللغات.
ديلا كانت معتقدة إن آدم بيهزر، لكن وضح إنه جاد جداً.
استمرت حصة ديلا أكتر من ساعتين أخدت خلالها الحروف ولما رحل المدرس سمع آدم صوت ديلا بتكرر الحروف بصوت عالى.
رواية خادمة القصر الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
ترتدي قميصًا ورديًا ضيقًا ذا لمعة حريرية وتنورة زرقاء ضيقة بفتحة جانبية.
يتدلى من رقبتها سلسلة ذهبية رفيعة.
شعرها المائل للصفار مسرّح على ظهرها ضفيرة ذيل حصان، منتعلة حذاء لبني لامع.
بقامتها المائلة للقصر والنحالة، ظهرت على باب القصر كقمر فضي عند الفجر، ترتسم ابتسامة على شفتيها.
لوّح لها آدم بابتسامة ونهض لملاقاتها على باب القصر.
سمعت ديلا ترحيبات آدم من غرفة الدرس.
في العادة، لم تسمع ديلا آدم يتكلم مع أي شخص غيرها ومحمود الجنانى.
وتحوّل وجهها للون قاتم يشبه السحب التي على وشك المطر.
هل أحضر آدم خطيبته الفرنسية حقًا؟
وبدت ديلا متقزمة وهي تنظر للفتاة التي تشبه مضيفة طيران دانماركية.
لم تتمكن من فتح فمها أو حتى القيام بأي حركة.
وشعرت بصخرة كبيرة نزلت على دماغها.
اختلج جسدها بتقعصات لا إرادية.
"تعالي يا ديلا، سلمي على مدرستك الجديدة."
بلعت ديلا ريقها ومشت بخجل لتقبض على اليد الناعمة.
"الآنسة ماجي هتكون مسؤولة عن تعليمك اللغة الفرنسية."
"من فضلك رافقي الآنسة ماجي لغرفة التدريس."
"حاضر"، همست ديلا.
وبعد انتهاء الدرس، "عايزك ترافقي الآنسة ماجي للطابق العلوي عشان تختار غرفة تقيم فيها."
"الآنسة ماجي هتعيش معانا هنا لحد ما تتعلمي كويس."
حمل آدم بنفسه أمتعة الآنسة ماجي وصعد بها الطابق العلوي، ثم دخل غرفته دون تعبير واضح.
داخل غرفة التدريس، رمقت ماجي ديلا بنظرة مصغرة متهاونة.
"أنتي بقا الطالبة بتاعتي؟"
"ديلا: أيوه أنا."
أخرجت الآنسة ماجي من حقيبتها دفتر وملخصًا يحوي صورًا وحروفًا ووضعته على المنضدة.
"ممكن تقولي لي تعرفي إيه من اللغة الفرنسية؟"
"ديلا: معرفش حاجة."
"الآنسة ماجي: أها، مهمة صعبة، لكن مفيش مستحيل مع ماجي. أنا عايزاكي تركزي معايا كويس وتنطقي الحروف ورايا بكل حرص."
وسمعت ديلا الحروف كأنها لوغاريتمات، عقلها كان مشغولًا بأفكار وتصورات تانية.
"يلا بقا سمعيني إلى أنا قلته!؟"
فتحت ديلا بقها بغباء، "مش فاكرة أي حاجة."
"اسمعي"، قالت الآنسة ماجي، "أنا طول عمري ناجحة ومش عايزة بنت مفعوصة زيك تبوظ تاريخي التدريسي."
"آدم بيه طلب مني أقل له عن تقدمك الدراسي وقال إن أي تكاسل أو تقصير منك هيواجهه بعقاب قاسٍ، لازم تركزي معايا إذا كنتي مش عايزاني أبقى واشية قبيحة."
"عقاب إيه؟" قالت ديلا بتحدٍ، "أنا محدش يقدر يعاقبني."
"فتاة مدللة"، قالت الآنسة ماجي، لكن بنظرة تانية متفحصة أدركت أن ديلا مجرد فتاة قروية غبية وتافهة.
"أنا مقدرش أخوض النقاش ده كل يوم، أنا بلغتِك باللي قاله صاحب العمل، قال إنه هيعاقبك."
فتحت ديلا عنيها بغضب، "قلت لك محدش يقدر يعاقبني وأنا مش عايزة أتعلم حاجة، تقدري تقولي لآدم إني بتعلم كويس وتقضي أيامك هنا، تاخدي مرتبك وتمشي."
"الآنسة ماجي: أنتي عايزاني أكذب؟ أنا جيت هنا بتوصية من محمد فخري بيه، لولا كده عمري ما كنت جيت قرية هزيلة زي اللي أنتي عايشة فيها."
"ولازم تعرفي إني بعرف أؤدي عملي بدقة وأمانة، ودلوقتي الدرس خلص، أنا مضطرة أبلغ آدم بيه بكل الكلام اللي أنتي قلتيه، أنا مش ممكن أقبل كده."
وكانت ديلا في حالة من الغضب لا تسمح لها بإدراك ما تقوم به من حماقة ولا حتى ردودها العنترية.
"الآنسة ماجي: ممكن بعد إذنك تعرفيني غرفتي فين؟"
"ديلا: حاضر، اتفضلي معايا."
اختارت ديلا آخر غرفة في الطابق، الغرفة الأكثر بعدًا عن غرفة آدم.
فتحت الباب، "دي غرفتك!"
مسحت الآنسة ماجي الغرفة، "أعتقد السيد آدم قال إني ممكن أختار غرفتي بنفسي؟ أنا بطلب منك أشوف بقية الغرف."
رزعت ديلا باب الغرفة بقرف، وقالت بصوت مبحوح، "ماشي."
ولا تعلم لماذا اختارت الآنسة ماجي دون عن كل الغرف الغرفة المجاورة لآدم.
اعترضت ديلا، "آدم بيه مش بيحب أي إزعاج ولا أي شخص يقعد جنبه، اختاري غرفة تانية."
"الآنسة ديلا بهدوء، أعتقد السيد آدم هو الوحيد اللي ممكن يقرر كده."
وسحبت شنطتها من يد ديلا وقفلت الباب في وشها.
حضرت ديلا العشاء ولسانها ما بطلش كلام ولا شتيمة، كانت غارقة في همهمة سرية محدش يفهمها غيرها.
نزل آدم من غرفته وقعد على الكرسي.
بنظرة واحدة قدر آدم يفهم ملامح ديلا العصبية وقرر إنه يبعد عنها في اللحظات دي.
وعمل نفسه مش سامع رزع الأطباق وخبط الأرض بالرجل.
ديلا كانت هتحفر الأرض من غضبها وعصبيتها.
"العشا جاهز يا آدم بيه"، صرخت ديلا بنبرة حديدية، غاشمة وقاسية.
رفع آدم عينه على الطابق العلوي.
شافت ديلا آدم بيبص لفوق، "صرخت ديلا: أها الهانم اختارت الغرفة اللي جنبك."
"آدم بصوت واطي: طيب، اطلعي بلغى الآنسة ماجي إن العشا جاهز!"
كأنما اشتعلت عين ديلا وخرج منها دخان.
رفعت حاجب عينها الشمال وهي تتنفس غضبًا.
أخيرًا قال آدم، "خلاص أنا هطلع أناديها."
"اقعد أنت"، قالت ديلا بغضب، ولما بص آدم عليها قالت، "اقعد أنت يا آدم بيه، أنا هطلع أديها خبر."
بمشية عسكرية طلعت ديلا السلم، خبطت على غرفة الآنسة ماجي.
فتحت ماجي الباب نص فتحة، كانت لسه واخدة شاور ولابسة قميص نوم وشعرها لسه فيه أثر بلل.
"آدم بيه بيقلك العشا جاهز."
"حاضر، أنا نازلة حالًا."
لاحظ آدم الآنسة ماجي نازلة من فوق السلم مرتدية بيجامة بيج خفيف.
قال لديلا التي كانت واقفة جنبه، "ديلا اقعدي كلي معانا."
"ديلا بعصبية، مش قاعدة، أنا مجرد خدامة هنا."
بعد ما الآنسة ماجي ما قعدت وقبل ما تحط لقمة في بقها، ديلا قعدت على الطاولة جنب آدم.
ابتسم آدم ابتسامة خفيفة، "أتمنى الأكل يعجبك يا آنسة ماجي."
"ديلا بتطبخ حلو جدًا."
"أتمنى تكون شاطرة في الدراسة زي الطبخ."
"آدم بيه، لأن واضح إنها لسه مش مستعدة للتعلم."
"آدم بانتباه، تقصدي إيه يا آنسة ديلا؟"
بصت الآنسة ماجي ناحية ديلا، "أنا مضطرة أقول اللي حصل في غرفة الدرس يا آدم بيه، لو استمرت ديلا بالطريقة دي وجودي مش هيكون له فايدة."
وروت الآنسة ماجي لآدم اللي حصل في غرفة الدرس وكل ما ديلا سمعت كلام ماجي تكورت على نفسها ونزلت لتحت، كانت هتنزل تحت الطاولة، ما كانتش مصدقة إنها قالت كده أصلًا وشعرت بخوف وقلق.
"آدم، امممم، وقالت إن محدش يقدر يعاقبها؟"
"الآنسة ماجي: أيوه."
"آدم: ممممم، وقالت إنها مش عايزة تتعلم؟"
"ماجي: أيوه."
"أنتي قلتي كده يا ديلا؟"
"ديلا بخوف، أيوه قلت."
"يعني أنتي معتقدة محدش يقدر يعاقبك؟ كلام جميل، طيب كملي أكلك يا ديلا هانم."
لكن ديلا ما قدرتش تبلع ولا لقمة.
خلص الأكل وشربوا الشاي والقهوة وادم استأذن، طلع غرفته، غير هدومه ورجع.
لاحظت ديلا إن آدم لابس قفازات ملاكمة وتيشيرت عاري الصدر وشورت.
"ديلا تعالي ورايا."
"وراك فين؟" التفت آدم للخلف وبرق عينيه، "قلت تعالي ورايا."
مشيت ديلا خلف آدم، كان فيه غرفة مقفولة بابها متفرع من المطبخ.
"ديلا مشفتهاش مفتوحة أبدًا."
فتح آدم الباب وولع النور.
كانت صالة رياضية كاملة وفي وسطها تعلق كيس ملاكمة أسود.
وقف آدم قدام كيس الملاكمة وأمر ديلا، "تعالي هنا امسكي كيس الملاكمة أنا عايز أتدرب شوية."
ديلا كانت أول مرة تشوف كيس ملاكمة ومتعرفش يعني إيه تدريب.
حضنت كيس الملاكمة.
ضم آدم قبضته ولكم الكيس.
حست ديلا إن الضربة جات في نفوخها والكيس خدها ورجع بيها، عنيها زغللت وحست الدنيا بتلف وتدور بيها.
"بقا محدش يقدر يعاقبك؟"
"كلام معقول جدًا ومش عايزة تتعلمي؟ يعني محدش هامك ولا فارق معاكي، امسكي الكيس كويس."
دق دن دوك.
مجموعة من اللكمات في الكيس خلت جسم ديلا يرقص ويقع على الأرض.
وطى آدم على الأرض، حط جسم ديلا بين إيديه ودماغه فوق دماغها، "ها محدش يقدر يعاقبك؟"
رفع إيده، غمضت ديلا عينيها لكن آدم ضرب الأرض بقبضته، دوم، دوم.
سمعت ديلا صوت اللكمة بيخرم ودنها، ودون أن تشعر قبضت على عنق آدم وجذبته، اختل توازن آدم ووقع عليها.
تحرر آدم بسرعة من إيد ديلا المتوترة إلى لسه كانت حاسة الدنيا بتلف بيها.
"اتفضلي قومي"، همس آدم بصوت مرتعش، وكان جسده كله بيعاند.
وديلا راقدة بظهرها على الأرض وجهها تجاه سقف الغرفة.
"امسكي كيس الملاكمة!!"
"اسفه، أنا اسفه"، همست ديلا، "مش هعمل كده تاني."
صرخ آدم، "قلت امسكي كيس الملاكمة عايز أخلص تدريبي."
رواية خادمة القصر الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
دوم، دوم، دوم.
انطلقت لكمات آدم القوية السريعة كأنها رقصة قرد.
"مكاك ديلا بتذمر على فكرة، انت بتضربني أنا مش كيس ملاكمة! أنا حاسة إن كل لكمة جوه دماغي."
وكانت تزق كيس الملاكمة بإيديها الاثنين بعيد عنها.
ثم حبل كيس الملاكمة طويل عشان يتأرجح وكله فوق دماغي.
لكمة قوية من آدم جعلت كيس الملاكمة يتأرجح بقوة.
ديلا تعلقت بكيس الملاكمة وطارت معاه.
"والنبي كفاية، أنا دماغي لفت!"
جلس آدم على مقعده.
"هاتي الفوطة." أمرها.
"امسحي عرقي ودلكي كتفي."
وكانت ديلا على وشك أن تقول ملحوظة، لكن آدم ضم يده.
"بس أنا معرفش أدلك يا آدم بيه."
"أدلك أنا."
دخلت الآنسة ماجي بلبس رياضي من باب الصالة.
أخذت الفوطة ووضعتها على كتف آدم.
"روحي حضري الحمام." أمرها آدم.
ضربت ديلا رجليها في الأرض وتمتمت في سرها.
"والله حرام، ناس تضرب وناس تدلك! ده أكبر ظلم ممكن يقع على الإنسان."
"حركي!" زعق آدم.
بالخارج كانت ديلا تسأل نفسها إلى متى تستطيع أن تتحمل كل ذلك العذاب.
فلكل إنسان طاقة، وطاقتها أوشكت على النفاذ.
أحلامها أكبر من واقعها.
تعلم أنها واقعة في ورطة.
أنها مجرد خادمة.
تعرف أيضاً أن ما يفعله آدم نابع من طيبته وأصله الرفيع، وأنه ليس مضطر بالمرة أن يتحدث معها بتلك الطريقة أو حتى يتحمل حماقتها.
آدم ليس خطيبها أو زوجها ولم يكذب عليها.
أحضرها هنا من أجل الخدمة.
لكن تخيلات ديلا وأحلامها ليس لها حد.
وكل فعل كانت تقوم به كان خارج عن إرادتها، كأنها في حالة من الوعي.
وهذا القلب الذي ينبض داخلها خانها وأحب.
نعم قلبها خائن لأنه أحب من ليس من الممكن أن يكون له.
هذا الحب هو العذاب بعينه.
عندما تعشق شخص لن يكون لك حتى لو انقلبت السماء على الأرض.
أن تجلب عذابك لنفسك.
الغريب أنك أحيانا تتقبل العذاب بنفس راضية، كأن العذاب في حد ذاته لذة ومتعة.
ولا يمكن أن يوجد عذاب بمثل تلك الحلاوة.
إنها تشعر بذلك وتدركه داخلها.
وكانت كل خمس دقائق تفتح باب غرفة الصالة الرياضية بخجل وتلقي نظرة، ثم تهرب لعملها.
تعلم أنه ليس من المنطق، لكنه يحدث أحيانا.
تفقد غرفة أو متصفح إلكتروني أو ماسنجر أو حتى رسالة قديمة.
شجن.
وقد يعتقد الإنسان أنه نسي ومر وعبر، ثم بمجرد نظرة أو كلمة تتدافع كل الذكريات ناضجة مثل ثمرة، واضحة مثل لوحة أثرية بكل التفاصيل والرتوش.
مجموعة من الصور أمام عينك وتتذكر الماضي.
ولأنها بريئة لا تعلم كيف تمر من تلك الورطة.
لا يمكنها بأي حال أن تتخلص من قلبها، أن تنزعه وتنظفه وتعيده مرة أخرى.
لقد حاولت وفشلت.
ولا تزال تشعر بأصابع آدم تتهادى داخل شعرها ولمسته في الليلة المظلمة حاضرة داخل القصر.
نفضت ديلا رأسها متخيلة أن يفرغ من الأفكار أو أن تسقط على الأرض.
وكانت الآنسة ماجي تلعب الملاكمة وتضرب كيس الملاكمة بيديها الناعمتين وهي تزعق.
"هي ها هو!"
وكل صوت تقوم به يصل أذن ديلا.
إنها اللحظات التي يشعر فيها الإنسان بالعجز.
الحياة قاسية.
تبكي ديلا.
لو لم تكن الحياة قاسية لكانت هي مكان الآنسة ماجي.
لكنه الواقع وعليها أن تتقبله.
كانت الدموع مغرقة عيون ديلا.
عندما انتهت، بدلت ملابسها.
اختارت الطقم الذي طلب منها آدم أن ترتديه قبل ذلك.
فتحت باب غرفة الصالة الرياضية.
"الحمام جاهز يا آدم بيه."
رأى آدم الحزن الذي يسكن ملامحها.
وجهها كأنه وسادة تراكم عليها التراب.
كانت ديلا ترفل داخل ملابسها كروح تائه تبحث عن ذاتها في أزقة مدينة مهجورة.
توقف آدم عن اللكم، انتهى التدريب.
أخبر الآنسة ماجي وهو يقصد باب الغرف.
لحقت به الآنسة ماجي بجسد متقرح.
وكانت تهمس أحيانا "آه" أو "أخ" وهي تتحامل على نفسها لتمشي.
عندما خرج آدم للرواق كانت ديلا داخل غرفة التدريس ممسكة بالكتاب والقلم منكبة على المذاكرة.
عندما لمحت آدم نهضت مفزوعة.
"تأمر بحاجة يا آدم بيه؟"
"كملي مذاكرتك يا ديلا."
الآنسة ماجي أصدرت قرارها.
"سآخذ شور وأعود من أجل ديلا، التعليم يأتي أولاً."
صرحت الآنسة ماجي وهي تدلف لغرفتها.
وعندما عادت وجدت إنسانة جديدة تنتظرها في حجرة التعليم.
شخص مستعد للتعلم.
وتعجبت أين رحل كل ذلك العناد والطيش؟
كانت ديلا تنطق الحروف بصوت عال دون خجل مترقبة تعليمات مدرستها.
بعد ساعة أعلنت الآنسة ماجي انتهاء الدرس بنجاح وأنها ستأخذ قيلولة.
بينما ظلت ديلا تحفظ الحروف وتنطقها في سرها.
وفجأة ظهرت القطة ميمي، كانت مختفية في الأمس.
اقتربت الهرة من ديلا ووقفت بثبات تنظر إليها.
كانت ديلا تعلم أن القطة لا تطيقها، ترفضها مثل العالم الواسع الذي ليس لها مكان فيه.
لكن القطة قفزت في حضن ديلا ورقدت بسكون تستمع للدرس.
أخذت ديلا القطة في حضنها ممسكة بالكتاب وخرجت للحديقة.
تمشت على العشب وهي تنطق الحروف بصوت واضح أكثر مرة، سائرة وعائدة والكتاب في يدها حتى تعبت.
جلست تحت شجرة وأنزلت الهرة ميمي واتكأت على الجذع العجوز.
ثم راحت تحرك يدها، A, b وهي تنظر للقطة.
أكثر من ربع ساعة وهي مندمجة في المذاكرة.
مشت القطة، حكت جسمها بجذع الشجرة ثم جلست على الأرض وحكت بطنها بقدمها الخلفية.
"هل تعتقدي أنه من الممكن؟"
"ليس تخيل."
سمعت ديلا الصوت.
بعينيها البريئة تلفتت تبحث عن مصدر الصوت.
"ما هو الذي ممكن أو ليس ممكن؟"
"من يتحدث إلي؟"
لم يكن هناك غير ديلا والهرة ميمي.
الحديقة خالية من أي بشر.
"تافهة هزيلة، حثالة بشرية، لا تتذاكري علي يا فتاة."
ودوى الصوت داخل أذن ديلا.
لم يكن صوت واضح لكنه مفهوم إلى حد ما.
تحركت الهرة ميمي، مشت فوق العشب بجسدها الرقيق.
وصلت حدود القصر وغيرت رأيها، قفلت راجعة نحو ديلا.
"هل تعتقدين أني جميلة؟"
رواية خادمة القصر الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
الأشجار لا تتحدث، والقطط لا تتحدث، والفراغ لا يملك عقلًا. وطول عمري لم أسمع صوتًا للعشب!
اعتقدت ديلا أن عقلها مشوش، وأن الغيرة التي تنهش قلبها أثرت على قواها العقلية، وأنها إذا لم تحصل على فنجان قهوة ربما تفقد وعيها.
نحن لا نفهم الأشياء لأنها لا تفهمنا، ولا نعرف لغتها لأنها لا تعرف لغتنا.
تمشت ميمي على العشب، كان ذيلها منتصبًا كسهم، ثم قعدت على مؤخرتها وفتحت فمها بتثاؤب.
"فتاة غبية جدًا. عندما نخلق حلمًا علينا أن نكون قادرين على تحقيقه."
وكانت في مواجهة ديلا.
"لا تجعليني أندم أنني خضت ذلك الحديث الممل، لأنك تبدين فتاة تافهة."
فتحت ديلا فمها. لم يكن هناك أدنى شك، كان الصوت خارجًا من فم ميمي.
"أنت تتحدثين مثلنا؟" همست ديلا برعب وغباء.
"لحظة واحدة، قالت ميمي. أنا اخترت أن أتحدث معك لأنك فتاة غبية هزيلة وتافهة."
"لكن كيف أفهمك؟ أنت تقولين إنني أستطيع أن أتحدث مع القطط؟"
"احترمي نفسك، قالت ميمي. نحن مجتمع راقٍ."
"لكن كيف؟" كررتها ديلا.
"سأريح دماغك، قالت ميمي. تلك الليلة عندما كنت في القبو وانقطعت الكهرباء، حدث أمر في غاية الغرابة. كنت خائفة جدًا، عندها قفزت ومررت فوق دماغك. وكما تعلمين، القطط بسبعة أرواح. واحدة من أروحي دخلت دماغك، ولا أفهم لماذا حدث ذلك، لكن مؤكد من سوء حظي، فأنت غبية جدًا، غبية جدًا."
"هل تعتقدين أنني جميلة؟" سألت ميمي وهي تلعق عنقها وفمها.
"أجل، قالت ديلا. أنت قطة جميلة جدًا."
"نعم، أنا قطة جميلة ورشيقة، وأنت أيضًا من الممكن أن تكوني جميلة."
ثم نظرت تجاه ديلا.
"تحتاجين بعض التلميع ومعرفة مسبقة بالفاشينيستا. طبعًا لا تعرفين الفاشينيستا؟"
"ديلا: معرفش."
"كان علي أن أتوقع ذلك. ما الذي ممكن أن أنتظره من فتاة قروية بليدة؟ لذلك لا تمشي في شوارع القرية بمفردي."
"ميمي ستساعدك. ميمي ضليعة بالموضة، ميمي قطة جميلة."
"عليك أن تتخلي عن ملابسك تلك."
"لتحققي حلمك، عليك أن تفوقي التوقعات. هل تعين ذلك؟"
"طبعًا لا تفهمين أي شيء. يجب أن أتوقع ذلك، فأنت فتاة حمقاء غبية."
"اشتري ملابس جديدة، اطلبي من آدم أن يشتري لك ملابس جديدة على الموضة، فقط قولي ذلك، لا تزيدين ولا تقلين ولا تخربي الدنيا بغبائك."
"الآن علي أن أرحل. إذا رآكي أي شخص تتحدثين مع قطة سيعتقدون أنك مجنونة، سيلقون بالتهمة علي، وميمي قطة سيامية جميلة لا تحب الوقوع في المشكلات."
قفزت ميمي قفزتين وابتعدت عن ديلا، ثم اختفت داخل الحديقة.
دخلت ديلا القصر مبلمة، غير واعية بنفسها. جلست على المقعد في عالم آخر.
لمحها آدم وجعل يتحدث معها، لكنها لم ترد ولم تفتح فمها. حذرتها ميمي أن تفتح فمها مطلقًا، قالت إنها ستخرب الدنيا.
"ديلا مالك؟"
"ديلا فيه إيه؟"
"انتي تعبانة؟ مريضة؟"
"أريد ملابس جديدة بعد إذنك سيد آدم. آه، ملابس على الموضة لو أمكن. يمكنك أن تطلبها، ممم، من شيء اسمه أمازون، ماركة شانيل، أحذية وتنانير وبلوزات وعطور كومو شانيل."
رمق آدم ديلا بدهشة. كانت نبرتها غريبة وكأنها تتحدث بصوت شخص آخر.
"أعرف أن الأمر غريب سيد آدم، وكلي أمل أن تلبي رغبتي."
"ديلا ترغب بملابس على الموضة بعد إذنك. أعرف أنني خادمة، لكنني لن أخذلك."
فتح آدم فمه.
"أعرف أن الوضع غريب، وأن ما أطلبه قد يبدو مزحة، لكن هل يمكنني أن أرى؟"
"عايزة تشوفي إيه يا ديلا؟"
"في هذا الموقع المدعو أمازون توجد صور. ديلا ترغب برؤية الصور."
أخرج آدم هاتفه، وبعد دقيقة رأت ديلا ملابس نسائية غريبة عليها تراها لأول مرة.
"ممكن تختاري؟" سألها آدم.
"ديلا ترغب الاحتفاظ بالهاتف لبعض الوقت، هل هذا ممكن سيد آدم؟ أعدك أن لا أعبث به وأن لا أتلفه أو أتفقد محتوياته."
ترك آدم الهاتف، وكان في قمة الاندهاش، مش قادر يفكر ولا حتى يلاقي إجابة لكل الغرابة اللي قدامه.
"اتفضلي ديلا."
احتضنت ديلا التليفون. وقفت.
"ديلا لن تتأخر، ستستغرق بعض الوقت لكنها ستعود."
"ديلا تحتاج بعض الوقت سيد آدم، هل هذا ممكن؟"
رفع آدم كتفه بقلة حيلة وصدمة.
"ممكن، اتفضلي."
مشت ديلا خارج القصر، مرت على العشب واختفت بين أشجار الحديقة.
رواية خادمة القصر الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى
لا احد يملك حق الجور على احلامنا ولا حتى ان يعبث بها، انها الأمر الوحيد الذى يتمتع بالخصوصيه ولا يمكن ازعاجه.
كان هناك حشائش وعشب تركها ادم تنمو بعشوائيه وكانت تصلها مياه خاصه صنعت ما يشبه بحيره صغيره جدا تزفزق حولها العصافير والفراشات وتغمر نفسها بالمياه خلال الأيام الحاره.
وكانت هناك اريكه مختفيه تحت أفرع شجره تراها ديلا لأول مره.
ميمى كانت جالسه هناك مستمتعه بدفيء الشمس.
"ها قد حضرت الفتاه الغبيه" قالت ميمى وهى ترفع قدمها بعصبيه.
"ماذا فعلتى؟"
"احضرت الهاتف" قالت ديلا على ان اختار ما يناسبنى.
"حسنآ، اختارى" قالت ميمى.
"لكن انا لا اعرف ما يناسبنى" قالت ديلا بحيره.
"ديلا محتاره يا ميمى، هذا جيد" قالت ميمى.
"وهذا ملائم كانت ترتديه السيده الانيقه التى كنت اعيش فى منزلها قبل أن ارحل، وهذا أيضا"
"اما هذا فسيبدو رائعآ عليك، عليك أن تبدى أجمل من الانسه ماجى، انا لا ارتاح لتلك الفتاه اللعي*نه، أشعر انها لئيمه، خبيثه وقد تفعل اى شيء للوصول لهدفها"
ا
ختارت ديلا كل الأشياء التى اعجبتها ووضعتها فى سلة التسوق.
"الأمر يقع على عاتقك الأن يا فتاه، ميمى لن تظل هنا طول العمر من أجلك، الرياح تهب بعصبيه وميمى سترحل لبعيد ولن تتمكنى من رؤيتها مره اخرى"
"انظرى للاشجار، انها تهتز، والسماء قاتمه، وميمى عليها ان ترحل، اوشك وقتى هنا على النفاذ"
"أحيانآ نفتقد الكلمه، نخسرها" قالت ديلا.
"شكرا لك"
"على الرحب والسعه" قالت ميمى.
"والان ارحلى ميمى الجميله تريد أن تستمتع بحمام شمس"
قر ادم طلب المشتريات وقام بدفع كلفته من خلال الفيزا كارت، وكان حتى تلك اللحظه يراقب ديلا بعقل وجل قلق.
لا يعلم ما الشيء الذى غيرها، صمتها يعذبه وجمالها يزداد تألقآ.
واضبت ديلا على تعلم اللغات بكل نشاط، اختفت روحها المرحه، ووضعت كل وقتها للدراسه.
بعد اسبوع استطاع ادم ان يسمعها تنظم جمله باللغه الانجليزيه وتنطقها بطلاقه.
وكانت حريصه على تأدية مهامها، بعيد جدا عن اختلاق المشكلات وتعامل الانسه ماجى باحترام جم، وكأن عقلها أصبح آلة كمبيوتر يسجل كل شيء يمر عليه.
لم يمضى الكثير من الوقت حتى بدأت تربط الحروف ببعضها وتحفظ الكلمات.
ولم تنسى آبدآ القراءه، فى كل ليله كانت لا تنام حتى تقراء صفحات كثيره من كتاب او روايه.
وكان ادم يفتقد وجودها وحركاتها، وأصبح القصر صامت مره اخرى بعد أن غمرته الحياه.
فى اليوم السابع عشر، استيقظت ديلا بوجه أخر، كأنها كانت فى رحله وعادت، لم تنسى ولا شيء من الذى حفظته، لكن طبيعتها عادت كما كانت، وظهرت الفتاه المتحديه مره اخرى.
اخذت ديلا حمام طويل واعدت طعام الإفطار وجلست تنتظر ادم الذى تأخر.
ثم صعدت درجات السلم وطرقت الباب.
"الفطار جاهز يا ادم بيه، ولا انت هتفضل نايم اليوم كله؟"
سعل ادم ولم يرد.
فتحت ديلا باب الغرفه ووجدت ادم راقد على السرير.
"انتى بتفتحى الباب ازاى من غير استأذان؟"
"يعنى فتحت باب الحاكم بأمر الله؟ بقلك الفطار جاهز وانت مش بترد المفروض اعمل ايه يعنى؟"
"طيب روحى صحى الانسه ماجى"
"انا بخدمك انت، الانسه ماجى مجرد مدرسه وانا مش مضطره اخدمها"
"بقلك روحى خبطى عليها"
"لا مش هعمل كده"
كان هيقف لكن تذكر انه نايم بهدوم داخليه.
"انتى رجعتى لعنادك تانى؟ متنسيش انك خدامه عندى؟"
"الشغل مش عيب على فكره، وانا اشطر خدامه دخلت القصر، يعنى لو قدمت السيفى بتاعى لأى شخصيه مهمه هتقبل فورا"
"ليه معتقده انك خدامه شاطره؟"
"لأنى الوحيده إلى قدرت استحملك الشهور دى كلها، يا اخى احمد ربنا، دا انت كنت كل شهر بتجيب خدامه جديده، دا انا استحق يتعملى تمثال"
"انتى، انتى بتقولى ايه؟ شكلك اتجننتى؟"
"لازم تعرف انى انسانه لديها مشاعر وحقوق، مش معنى أن الظروف اضطرتنى اشتغل عندك تبقى اشترتنى، خليك منصف يا ادم واعترف بالحقيقه، غير هدومك وانزل قبل الفطار ميبوظ، ومر على الانسه ماجى بالمره طالما مش هتعرف تفطر من غيرها"
"تصدق انتم الاتنين لايقين على بعض والله"
"لايقين على بعض ازاى؟"
قعدت ديلا على طرف السرير.
"بص اعتبرنى صديقتك لدقيقه واحده واسمعنى"
تفاجيء ادم بجلوس ديلا على طرف السرير وكتم ابتسامه.
"عايزه تقولى ايه؟"
"سيبك من خطيبتك الفرنسيه وفكر فى المصريه، صدقنى المصرى يكسب"
"ومين المصريه دى بقا يا انسه ديلا؟"
"مش هقول انا لا سامح الله، انا عارفه نفسى خدامه وعارفه مكانتى كويس واحلامى أصغر من كده بكتير، ايه رأيك فى الانسه ماجى؟ البنت حلوه ورقيقه وصغيره وتنفع معاك، عايزه افرح بيك يا اخى"
"امشى يا بت، انجرى اطلعى بره" وزقها برجله لكن بلطف.
نهضت من على السرير ومشيت ناحيت الباب.
"ابقى خبط على خطيبتك وانت نازل، انا هستنى تحت" ورزعت الباب بقوه وهى راحله.
مكنش سهل على ديلا تقول الكلام ده، رغم كده ابتسمت على الاقل اطمنت ان الانسه ماجى مش خيار قدام ادم وانه مش بيفكر فيها.
وصل الاوردر، توقفت سياره امام باب القصر واستلمت ديلا الحموله ونقلتها كلها لغرفتها.
استغرق ذلك نصف ساعه ولم يكن ادم ولا الانسه ماجى هبطا من الطابق الأرضى.
علقت ديلا التنانير والفساتين داخل خزانة الملابس، ثم اختارت تنوره روز وقميص ابيض وحذاء بلاك ارضى.
أرتدت ديلا الملابس ووقفت امام المرآه مش مصدقه نفسها، كانت جميله جدا وانيقه لدرجه مرعبه.
لفت طرحتها بطريقه بسيطه وعاديه ورشت بيرفن.
نزل ادم من غرفته وكان لسه متخلصش من المراره التى تركتها كلمات ديلا فى نفسه، وكان الاكل برد ومبقاش ليه اي لازمه حتى الانسه ماجى ابدت امتعاضها من طعم الاكل.
صر*خ ادم من على مقعده، "ديلا؟"
ثم تذكر كلام ديلا عن حقوقها ومشاعرها وانه ربما عليه ان لا يجرح مشاعرها امام مدرستها.
فاد ينادى مره اخرى بصوت هادىء.
"انسه ديلا؟ ممكن تشوفى حل للفطار ده؟"
انفتح الباب، وخطت ديلا على السجاد خارج الغرفه وفاح عطرها فى الرواق.
"طبعا ممكن سيد ادم"
ادم كان بيبص على الجريده، رفع وجهه ورأى الجمال يسير على قدمين، انفتحت عينيه وبلع ريقه.