تحميل رواية «قدري المر» PDF
بقلم سارة فتحي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جميعًا نولد بصفحات بيضاء، ونتذبذب بينهنا وهناك، وتبقى النفس هي العدو الأول لك، فالنفس أمارة بالسوء فعليك أن تجاهدها وتروضها على الثبات بأن تلجمها دائمًا حتى لا تقع في غياهب المعاصي والشهوات والمنكرات، فتصبح حينها مسخًا مشوهًا بسير على خطى الشيطان، فالنفس دائمًا تزهو بما تروي وبما يجود الساقي. *** حل الليل وسط ترتيبات حفل الحناء لتصنع أجمل صورة تسُر الناظرين أمام بيت آل رشوان. كانت تجلس بجوار حماتها تستقبل الضيوف بملامح هادئة، أو بالأحرى جامدة، هي لا تبالي لنظراتهم أو تعليقاتهم. كأنها في عالم آخر...
رواية قدري المر الفصل الأول 1 - بقلم سارة فتحي
جميعًا نولد بصفحات بيضاء، ونتذبذب بينهنا وهناك، وتبقى النفس هي العدو الأول لك، فالنفس أمارة بالسوء فعليك أن تجاهدها وتروضها على الثبات بأن تلجمها دائمًا حتى لا تقع في غياهب المعاصي والشهوات والمنكرات، فتصبح حينها مسخًا مشوهًا بسير على خطى الشيطان، فالنفس دائمًا تزهو بما تروي وبما يجود الساقي.
***
حل الليل وسط ترتيبات حفل الحناء لتصنع أجمل صورة تسُر الناظرين أمام بيت آل رشوان.
كانت تجلس بجوار حماتها تستقبل الضيوف بملامح هادئة، أو بالأحرى جامدة، هي لا تبالي لنظراتهم أو تعليقاتهم.
كأنها في عالم آخر تشعر بشيء ما لا تعلم ما هو، خوف أو حزن، شعور جاثم فوق صدرها.
نظرت أمامها لتطالعه يرقص بجنون مع أصحابه ويطلق أعيرة نارية في السماء.
كان احتفالًا عبارة عن طقوس عنصر النار؛ الألعاب النارية تملأ المكان.
شابًا طائشًا لا يعرف همًا إلا للهو وبعثرة المال، لم يتحمل مسؤولية بحياته.
لا تعلم كيف وافقت على الزواج منه.
مالت حماتها عليها وهي تهمس في أذنيها ببعض الكلمات وتشير بيدها نحو أخو زوجها المستقبلي وهو يقف مع كبار البلد، فهو يبدو عكس أخيه.
هزت رأسها ثم أعادت بصرها لخاتم الخِطبة وهي تحركه في يدها من الأعلى للأسفل.
فجأة وقف إطلاق النار، الأغاني من حولها، وعلت صوت الصرخات.
رصاصة طائشة استقرت في قلبه، ليتحول الفرح لمأتم ويزف إلى مثواه الأخير، يزف إلى مكان لم يخطر على باله.
الفرحة المنتظرة والقدر.
عادات وتقاليد سيئة، كيف تبدأ الحياة الجديدة بإزعاج وترويع الآخرين.
كيف تبدأ الحياة الجديدة وسط إفزاع الصغار.
***
قبل الفرح بأسبوع.
دائمًا ما نسعى خلف البساطة في كل شيء، خلف الاختيار الأسهل، لكن الحياة تعاندنا دومًا بالعقبات لنسقط في شرك مأزقها.
ألقت نظرة لحبات المطر التي تناثرت على زجاج الشرفة الصغيرة، ثم عادت بعينيها مرة أخرى نحو الحقيبة الصغيرة التي أمامها والتي تحوي ملابسها التي ستنقل لبيت زوجها.
كتمت آه طويلة.
فتح الباب وولجت والدتها ومن خلفها والدها الذي حدثها قائلًا:
- بت يا روان، انتِ لسه مخلصتيش دا كله؟ شوية ويخلص ضهر الجمعة وننقل العزال، مش كنا كتبنا إنهاردة لكن حكمتي رأيك قدام الكل يبقى يوم الفرح.
وزعت نظراتها بين والدها ووالدتها وتحدثت بتوسل قائلًا:
- يا بابا، أنا مش عايزة الجوازة دي، بلاها. أنا مش مرتاحة وبعدين أنا سألت عليه وعرفت أنه مدمن، يِرضيك أتبهدل معاه؟
نظر لها والدها بغضب وهو يقول:
- عايزة ومش عايزة، هو فستان جديد. وبعدين إيه مدمن دي؟ هو بياخد برشام ولا بيشم بودرة، دي كلها سيجارة حشيش ودا عادي، كل الشباب كدا. وتتبهدلي دا لو مش لاقي ياكل، لكن دا مقتدر هو وأهله، وهو لا عمره هايجي يقولك هاتى دهبك أنا مزنوق ولا أنزلي شغل. وهو لو كان واحد كحيان كنت وافقت. أنا عايزلك السعادة.
استقامت "روان" والصدمة جعلتها دون إدراك ووعي تنظر له بخزى.
بينما هو مد يده يغلق حقيبتها دون اعتبار لمشاعرها.
فهمست قائلة:
- الحشيش عادي إزاي دا النبي نهي عن كل مسكر ومفتر؟
وقف أمامها والدها وهو يسحب حقيبتها قائلًا:
- طب ابقي خليه يبطل، اهو تاخدي ثوابه يا روان. وبعدين هو أنا كنت بصرف عليكِ عشان أجوزك واحد مش لاقي ياكل، دا هيعززك ويعززنا معاكِ والواد هيتجنن عليكِ دا في شهرين كان مخلص كل حاجة. يلا بلا دلع دا وكلام ماعادش ينفع.
نظرت لوالدتها بعد أن انصرف والدها من الغرفة، فربت على كتفها قائلة:
- دي عين يا روان يا حبيبتي، دا البنات كلهم بيحسدوكِ على الجوازة المرتاحة دي. وبعدين صحباتك اللي في الشغل وسألتيهم عنه دول غيرانين منه وبيقولوا كدا عشان نفوسهم مش حلوة. يلا يا بنتي صلي ركعتين واستعيذي من الشيطان.
هي صفقة مربحة ولا أكثر، هذه الحقيقة، حقيقة قاتلة ومفزعة من الأمل والبراءة، الحقيقة مرة.
***
تسللت أشعة الشمس داخل الغرفة، فولجت والدته وازاحت الستائر، ثم نظرت نحو ابنها الغافي.
كانت تعلم أنه سيأتي، فهو لا يضمر لأخيه أي شر، تعلم أيضًا أنه لم يكرهه لأنه أخيه من لحمه ودمه.
جلست على حافة الفراش تهزه برفق وهي تهمس باسمه:
- مروان، مروان.
حاول فتح عينيه لكنه اغمضها سريعًا بسبب الضوء، ثم همس بجفاء:
- صباح الخير يا أمي.
- صباح الفل يا قلب أمك.
استقام من مكانه قاصدًا المرحاض وهو يغمغم:
- قلب أمك. قلب أمك عشان نفذتي كلامك.
اقتربت منه والدته بنبرة جامدة:
- تاني يا مروان، ما خلاص بقى، ماتكسرش فرحة أخوكِ وهو مش بيصعب عليك.
- هو ليه على طول حاطه في دماغك، أنا مشكلتي مع أخويا، انتِ عارفة بحبه قد إيه، بس ابنك دا هيتجوز إزاي وهو لا بيشتغل ولا يعرف مسؤولية، دا غير الزفت اللي بيشربه دا. هو الجواز لعبة.
رمقته بسخرية قائلة:
- طب ما انت بتشتغل وقد المسؤولية وبتحايل عليك تتجوز مش راضي اهو، واحد يفرح قلبي. وبعدين شغلايه، هو محتاج يعني، وكمان هو بيشرب أكتر من السيجارة والشباب كله بيشرب. ومين عالم مش ممكن مراته تهديه، دا هيتجنن عليها وشكلها متربية وبنت ناس.
نظر لها بصدمة، حسرة، شعر بثقل من حديثه معاها.
فتنهد قائلًا:
- الشغل دا مالوش دعوة، محتاج ولا لأ. يعني يبقى بيمد ايده ياخد مصروف ويتجوز. وبعدين الشباب كله بيشرب، أنا مالي، أنا ليا أخويا. على العموم يا أمي ربنا ييسر له الخير ويهديه.
- أيوه، يبقى ادعيله ومتنكدش عليه في يوم زي دا، انت دلوقتي بمثابة أبوه.
هز رأسه بأسف غير راضي عن كلام والدته وتربيته لأخيه.
كادت أن تكمل حديثها لكنه قاطعها عندما تركها وتوجه للمرحاض.
***
كان ينتظره بالأسفل بعد أن قام بتغيّر ملابسه، ممسكًا بيده قدحًا من القهوة، يرتشف منه وهو ينظر للأعلى.
رفع معصمه ينظر في ساعته.
وضع القهوة على الطاولة وصعد للأعلى، ثم ولج لغرفة أخيه وجده نائمًا.
- ريان، رياااان.
انتفض من على الفراش يقف أمام أخيه قائلًا:
- إيه إيه، أنا اهو، معلش غفلت.
رفع حاجبيه وهو ينظر له، ثم نظر في الساعة قائلًا ببرود:
- لو هنزعجك من النوم نأجل الفرح إنهرده.
حك مؤخرة رأسه باحراج قائلًا:
- معلش بقى سهرت شوية إمبارح، خمسة وهاجهز.
- سهرت؟! أنا مش شايف أمك شايفة إيه فيك يصلح للجواز.
- طب بذمتك يا مروان مش نفسك في بيبي صغير يقولك يا عمو؟ طب أيه رأيك بقى إن أول عيل انت اللي هتربيه وهسميه كمان مروان على اسمك.
- يا بوشكاش بيضحى عشان متقولش الواد وأبوه مش متربيين.
قهقهة مروان وهو يهز رأسه، ثم جذبه لحضنه، رابتًا على ظهره وهو يقول:
- لأ أنا هربي أبوه وهو يربيه، متفتكرش بجوازك هتكبر عليا.
- لا عاش ولا كان اللي يكبر عليك يا مروان.
ثم تابع مروان:
- ريان، الجواز مسؤولية مش زي ما في بالك ولازم تبقى قدها، أوى تخليني أندم إني وافقت. هتراعي ربنا من هنا ورايح والزفت الهباب اللي بتشربه تبطله.
هز رأسه وكل ما فيه يبتسم بسرور قائلًا:
- تندم إيه، دا أنا هرفع راسك للسما. عيب، إحنا جامدين أوي.
حدجه مروان بنظرات تحذيرية.
فتحمحم ريان قائلًا:
- هاتغير والله وعشانها كمان، دي تحس كدا إنها ملاك يا مروان، كفاية أخلاقها. والله يا مروان هاتشوف واحد تاني، وأنا والله بدأت.
ابتسم مروان قائلًا:
- طب يا عريس، أجهز وأنا مستنيك تحت.
هز رأسه وتوجه مسرعًا نحو المرحاض.
في هذه الأثناء صدح صوت هاتف مروان، فتوجه نحو الشرفة لسوء التغطية ليبحث عن بقعة إرسال ليستطيع الرد، وقد استغرقت مكالمته عدة دقائق، وما أن انتهى من المكالمة استدار ليعود من الداخل، لكن الصدمة ألجمته عندما سمع همهمة أخيه في الهاتف قائلًا:
- بلا ريان بلا زفت بقى، مش قولت خلاص يومين والفرح يتم ونكتب الكتاب، اطمني، مالك خايفة ليه؟ مش كلمت أبوكِ وحددنا ميعاد كتب الكتاب، انتِ قدام الكل كدا مراتي ومحدش هيعرف العلاقة اللي حصلت ما بينا قبل الجواز ولا بعده، اهدى بقى.
أغلق الاتصال ودس هاتفه في جيبه، بينما هو الصدمة ألجمته، كان الذهول في عينيه حقيقي، حاول أن يستوعب تلك المصيبة، كيف تجرأ أخيه في المعاصي لهذا الحد.
أغمض عينيه رغم الصاعقة التي وقعت التي ضربت أحشائه، لكنه تماسك قائلًا:
- ماشي، بس يعدي الفرح وهحاسبك براحتي على المصيبة دي.
***
اليوم الموعود.
في المشفى.
جثى قربه واضعًا كفه على قلب أخيه الذي يحاول أن يستشعر منه نبضة واحدة بعد أن توقفت أنفاسه.
رفع مروان رأسه للطبيب هامسًا:
- أرجوك الله يخليك اعمل حاجة، أي حاجة والحقه ودخله العمليات.
أغمض الطبيب عينيه بأسف هاتفًا قبل أن ينصرف:
- البقاء لله.
هز مروان رأسه دافنًا رأسه في عنق أخيه يذرف دموعًا عاجزة، عاجزة ومقهورة.
- رياااان، ريان متسبنيش عشان خاطري يا ريان.
جثى والدته بقربه تأخذ جسده الهامد من حضن أخيه، كان كقطعة جليد باردة، وصرخت بصوت مجلجلًا رج جدران المشفى.
- ريان مات يا مروان، مات والحنة في إيده، ملحقتش أفرح بيه يا مروان.
اقترب منها مروان يضمها هي وجسد أخيه الهامد، يبكي كطفل صغير.
***
يا لَلقدر وألعابها.
أحيانًا تجتمع المصائب دفعة واحدة لتكون كارثة طبيعية كالزلزال، والبراكين، أو ربما إعصار يمر بحياتك ليدمرك.
انتهى، انتهى كل شيء، لكن تبقى نظرات الناس، الجميع ترمقها بين شفقة، شماتة، حزن، فالنفوس البشرية مختلفة بالنهاية هي مادة خام للنميمة.
تحت المياه المنسابة على رأسها وقفت روان وهي ترتدي كامل ثيابها، دموعها تتسابق في الانهمار مع المياه، إحداها تبرد جسدها وأخرى تبرد روحها.
كانت ترتعد من شدة البرد بشفاه زرقاء، لقد غسلتها المياه لكن لا، لم تغسل حزن روحها، فهي لم يكن الزواج يومًا هدفها ولا تسعى إليه.
***
بعد مرور أكثر من ثلاث أسابيع.
فرغ من صلاته والحزن يثقل صدره، جلس في إحدى الزوايا وأسند رأسه للخلف، لم يصدق أنه مر على موت أخيه ثلاث أسابيع.
جلس بجواره خاله وبيده مسبحته الخشبية هاتفًا:
- وحد الله يا مروان يا بني، ربنا خد أمانته وكلنا رايحين في الآخر، ادعيله بالرحمة ربنا يغفر له.
- الله يرحمه يا خال، بس كأن روحي فارقتني ومش عارف أعيش.
- البركة فيك يا بني وتاخد بالك من أمك.
أغمض عينيه بألم ثم همس بوجع:
- عايز أقولك على حاجة يا خال.
ابتسم بحنو يحثه على الكلام قائلًا:
- قول يا بني وخفف عن صدرك.
سرد له المكالمة التي سمعها قبل زفاف أخيه.
توسعت عين خاله ثم هتف بذهول:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه كدا يا ريان يا بني، الله يرحمك بقى. اسمع يا بني ريان كان تايب من الذنب وبيصلح غلطه، وإذا كان ربنا قبل أو لأ دي بتاعة ربنا، لكن البنت دي سمعتها كدا هضيع.
تنهد ثم قال بجدية:
- تسمع مني يا بني.
- طبعًا يا خال، اُمال بحكي ليه.
هز رأسه ثم ربت على كتفه قائلًا:
- يمكن ربنا خلاك تسمع حاجة زي دي عشان تنول شرف ستر مسلم، لو تسمع نصيحتي يا بني كمل اللي أخوك كان بيعمله، تأخد ثوابها وتسترها وتبقى بتصلح غلط، يا ابن أختي أنا عارف أنك مش بتفكر في الجواز بس دا ستر على بنت من الفضيحة، حتى لو طلقتها بس اسمها اتسترت.
ثم تابع قائلًا:
- من كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرج على مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة يوم القيامة، ومن ستر مسلم ستره الله يوم القيامة.
نظر له مروان مصدومًا لم يتوقع رده هذا، قائلًا:
- إيه اللي بتقولُه دا يا خال؟
رّبت على كتفه قائلًا:
- اللي شايفه قولته وانت اللي هتأخد القرار يا مروان، انت مش مُلزم بحاجة. قوم بينا نصلي ركعتين وندعي ربنا يدلك على الخير.
***
في غرفة مروان.
مع إشراقة الفجر يقف في غرفته يشاهد بزوغ الشمس، ليلة مؤرقة لم يزُر النوم عيناه.
نظر للأعلى، فهو دائمًا يستبشر بطيور الحمام وهي تسبح في السماء.
عزم أمره وخرج من غرفته وتوجه نحو والدته وجده تجلس تقرأ في المصحف ودموعها تنهمر.
جلس بجوارها يقبل رأسها، فأغلقت المصحف هامسة:
- صدق الله العظيم، قلبي وجعني على أخوك، أنا قصرت في تربيته، كنت بقول شاب ويعيش حياته، دلوقتي إيه اللي ممكن ينفع؟
أغمض عينيه بألم، هي محقة، لكنه أراد التخفيف عنها.
- ربنا يرحمه ودا نصيبه ومتقلقيش، أنا بعمل خير كتير ليه يا أمي، صدقات جارية ليه طول ما أنا فيا نفس، ادعيله بالرحمة والمغفرة انتِ.
تنهد ثم أكمل قائلًا:
- كان في موضوع كدا حابب أكلمك فيه، مش كنتِ على طول عايزاني أتجوز؟ أنا أخدت قراري.
ضيقت حاجبيها ثم سألته بإستنكار:
- دلوقتي عايز تتجوز؟
- آه، هتجوز خطيبة ريان يا أمي.
ضربت صدرها ونهضت واقفة تحدثه بحدة:
- إيه الكلام دا؟! تتجوز مين البت النحس دي، ومين هيوافقلك على الكلام دا؟ ويوم ما تحب تتجوز مالقتش غير اللي كان عايز يتجوزها أخوك يا مروان.
شعر بخفقة وجع ضربت قلبه في المنتصف، كان يعلم، لذلك كان مستعدًا، فتنهد قائلًا:
- ولا عمري كنت هفكر فيها ولا في الجواز، بس عندي أسبابي.
- وإيه هي بقى أسبابك؟
تنفس بصعوبة والتقط أنفاسه الثائرة بصعوبة، لا يحق له فتش سر أخيه، فأخيه في دار الحق الآن، حسابه عند خالقه.
- عشان ريان يا أمي، كل يوم يجيلي في الحلم يطلب مني كدا، ولما سألت خالي قال نفذ طلبه عشان يرتاح.
جلست على الأريكة خلفها ودموعها تملأ عينيها قائلة:
- دا طلب ريان ابني يا قلب أمك يا غالي.
***
أشرقت الشمس ببهاءها داخل غرفتها، وتلك الأصوات والإبتهالات، كل هذا لم يترك بها إلا أثر واحد، الحنين لحياتها السابقة، الاطمئنان، راحة البال.
عملها في المشفى كممرضة، كل ما سبق من مشاعر هاجمت قلبها لتعلن الحرب على سقوطها وجموده.
انهضت من مكانها وتوضأت لتصلي، وما أن انتهت من الصلاة خرجت من غرفتها التي ظلت حبيستها الأيام الماضية.
كانت ترتدي فستانًا باللون الأسود وخمارًا باللون الأزرق، وما أن رآها والدها جذب يدها بقوة وهو يصرخ بها:
- إيه اللي انتِ لابساه دا وعلى فين؟
- لابسة هدومي وهاروح شغلي.
صرخ بها بحدة قائلًا:
- لابسة ألوان ولسه الراجل ميت! الناس تقول إيه، ولا بلاش لو حد وصل الكلام لأهل خطيبك هيكون ردهم إيه واحنا لسه ما تكلمناش في حقوقك والشقة اللي فرشنها. ادخلي جوه يلا.
أغمضت عيناها تتذكر السبب الرئيسي من زواجها من هذا الشاب، أنه هو الذي تحمل الجزء الأكبر من تكاليف تلك الزيجة، وكأنها سلعة راكدة معدومة القيمة.
قبل أن تجيبه صدح صوت الطرق على الباب وفجأة تحولت حالتها وكأن هناك يد خفية اعتصرت قلبها.
توجهت نحو الباب وفتحته ولم تعلم هوية الواقف أمامها.
فجاء والدها من خلفها يهتف بترحاب:
- مروان بنفسه عندنا والله، كنت لسه بقول لروان هنروح للحاجة إنهرده نطمن عليها ونشوفها محتاجة إيه، والله الحزن ملا قلوبنا الله يرحمه.
لم ينتبه لحديثه وهو يرمق الواقفة التي ترتدي الألوان الفاتحة ويبدو أنها لم تحزن على أخيه تلك العا..
قطع حديثه مع نفسه مستغفرًا ثم جلس بعد دقائق كان يضع كوب الشاي أمامه ثم تنهد قائلًا:
- أنا جاي أطلب إيد بنتك للجواز منك وأنا أحق بيها، لو وافقت هاكتب الكتاب في بيتك هنا الأسبوع الجاي وهاخدها على إسكندرية من غير فرح ولا أي حاجة.
ابتسم والدها بسعادة وألتمعت عيناه بطمع قائلًا مسرعًا:
- وإحنا لينا قول بعد كلامك، موافقين طبعًا.
رواية قدري المر الفصل الثاني 2 - بقلم سارة فتحي
قالت روان جملتها الاعتراضية وهي تخلع خمارها وترميه أرضًا.
صرخ بها والدها قائلًا:
- ومين طلب رأيك أصلًا؟ أنتِ حقك تحمدي ربنا إن حد بص لك أصلًا بعد السمعة اللي هتطلع عليكِ.
غصة مريرة في حلقها، قلبها يحترق، تشعر بالذل والهوان.
- سمعة إيه؟! بعدين مين قال لك إني عايزة أتجوز؟ أنا بصرف على نفسي ومش محتاجة لحد.
- أنتِ ما حدش مالي عينيك؟ هتذلينا على الكام قرش اللي بتجبيهم؟ وبعدين مش كانت حجتك تاني عيل طايش وبيشرب؟ دا بقى حتى السيجارة مش بيشربها وبيصلي الفرض بفرضه. اعملي حسابك كتب الكتاب الجمعة الجاية.
اتسعت عيناها وشهقت بصدمة قائلة:
- هو غصب؟ ما كفاية المرة اللي فاتت. لو أصريت أنا هرب صدقني.
انقض عليها يقبض على خصلات شعرها ويجذبها بعنف قائلًا:
- تهربي وتجيبي لي العار؟ دا أنا أموتك وأخلص منك.
تدخلت والدتها تفلت خصلات شعرها من يد والدها قائلة:
- خلاص أبعد أنت وأنا هاتكلم معاها. روح شوف كنت رايح فين.
انصرف وهو يتمتم.
فاقتربت والدتها قائلة بعتاب:
- كده يا روان؟ دا كلام يتقال برضه وتجيبي لنا العار، وتوقفي حال إخواتك؟ والله دي عين وصابتنا، ربنا يهديكِ. دا عريس ميتعيب.
تتطلع إليها في صمت دون أن تنطق، وكأنها تسألها أين مشاعر الأبوة.
ردت عليها كمتهم يائس من الحياة باكتاف متهدلة وظهر منحني:
- ماشي، وذنبى في رقبتكم لو حصل لي أي حاجة. حتى لو محصلش أنا ذنبي في رقبتكم.
***
بعد أسبوع.
تنهد بثقل. ذلك المشهد لا يغادر عقله، لا يتوقف في صحوته ونومته. موت أخيه بين ذراعيه يعذبه. هو يفعل كل ذلك أملًا في خالقه ليتقبل توبة أخيه. فرك فروة رأسه، لكنه ابتسم بهدوء عندما قابل رفيق أخيه.
رفيق عمره، فحدثه قائلًا:
- عامل إيه يا رامي؟
- بخير. من ساعتها وأنا مش مصدق ومش عايش.
ابتلع غصة بحلقه والدموع زادت حرقة، هاتفًا:
- الله يرحمه يا رامي. مش هاوصيك على أمي يا رامي. أنا لازم أنزل إسكندرية عشان شغلي، وأنت بس هتخلي بالك من أمي لو تعبت. تقولي وهى في واحدة بتيجي تساعدها في البيت.
خيم الحزن عليه قائلًا:
- بتوصيني على مين؟ دي أمي يا مروان. أنت هتكتب الكتاب دلوقتي؟
هز رأسه بالإيجاب:
- مستني خالي هيجيب المأذون وهنكتب على طول ونطلع.
- وصلوا يا مروان.
أوفى الداخل يجلس المأذون بين مروان وأبيها. تحدث عن أهمية الزواج، وكيفية إقامة علاقة صالحة ومراعاة الزوجة، وبعض النصائح.
رفعت روان نظرها نحوه، وجدته يبتسم بسخرية. انتفضت من داخلها رياح عاتية تنتزع ثباتها. شرع المأذون في مراسم عقد القرآن. وبالأخير وضع الدفتر أمامها. تضرعت لله في سرها. ثم أمسكت بالقلم ونقشت حروف اسمها في الرقعة البيضاء. دقائق وكان المأذون يقول:
- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
أغمضت عيناها. فهل مصيرها سيكون الزواج ثم الإنجاب فقط من شخص لا يرغبها ولا هي تريده، كحال الكثير من الزيجات؟
وقف في الخارج ينتظرها ليأخذها معه شقته بالإسكندرية.
اقترب منه خاله وهو يمسك مسبحته الخشبية، ثم نظر للأرض قائلًا:
- أنت مشيت في طريق بإختيارك. أوعى ثم أوعى تعمل خير يتقلب عليك شر.
قطب حاجبيه وهو ينظر إليه. فتابع خاله وهو يرفع بصره إليه:
- طبعًا أي كلمة هتقولها غلط أو تحاول تكسرها. الثواب كله ضاع، ومش بس كدا لأ، هتشيل ذنب. خد بالك.
***
شعرت فجأة بكفه التي سحبتها. تجمدت كأنها لوح خشب.
سارت خلفه بصمت حتى وصلت لسيارته. وفتح لها باب السيارة لتجلس، ثم أغلق الباب خلفها.
بعد مرور نصف ساعة، كان مروان يضغط أكثر على دواسة الوقود مضاعفًا سرعته لدرجة خطرة، غير عابئ بالمخالفات التي سجلها. تحكم في المقود بإحدى قبضتيه وكفه الأخرى يفرك مقدمة رأسه.
أما هي، غمامة سوداء غشت عقلها طوال الطريق. تفكر في مصيرها المجهول. لم تفق من غمامتها سوى أمام المبنى الذي به شقته. صعدت. وما أن فُتح الباب، صدمت من هيئة الشقة. غير نظيفة، تحوي تراب كثيف وشبكة عنكبوت وبقايا طعام فوق الأثاث. منظرها مقزز. وملابس مبعثرة في كل مكان. رفعت يدها تضعها على أنفها. رائحة كريهة تملأ المكان. ظلت تتطلع له تارة وللشقة تارة أخرى. ثم همست بذهول:
- إيه القرف اللي أنت جايبنا فيه ده؟
رمقها بإستنكار. هل يثير منظر الشقة نفورها وإشمئزازها؟ ولم يثر إشمئزازها ما فعلته مع أخيه قبل عقد القرآن؟
أجابها بخشونة:
- الشقة كانت مقفولة.
تركها وغادر الشقة دون أن يعطيها أي اهتمام. أما هي، بحثت في الغرف عن غرفة لتنام بها. ثم حملت حقيبتها معها وأغلقت الباب خلفها. وأخرجت بعض الملابس المريحة وبدأت بتغييرها. ثم غطت شعرها واضطجعت على الفراش. تدثرت بكل الألحفة والبطانيات المفروشة تناشد الدفء. فهذه الشقة المقززة وهذه الغرفة النائية. تشعر بالضعف. خناجر من الألم تنغرز في جوفها، تشعر بالعجز. حاولت أن تغمض عينيها ولو دقيقة واحدة. عقلها سيجن من كثرة التفكير. وبالفعل غفت ولم تشعر بنفسها.
***
- ما قولتلك يا طه أمي هي اللي أصرت عليّ.
تلك الجملة قالها مروان لصديقه طه الذي أجابه مستنكرًا:
- يعني اتجوزت اللي كانت هتكون مرات أخوك عشان أمك أصرت؟ طب ما طول عمرها بتصر إنك تتجوز.
أفف بضجر قائلًا:
- ما خلاص يا طه. هو حوار اتزفت واتنيلت وخلاص. إيه أخبار الشغل؟
- اللهم لا شماتة بس أنا شمتان إنك اتهببت واتنيلت. بالنسبة للشغل متقلقش. طول الفترة اللي فاتت تمام ونزلت معايا مها الشغل كله عشان مصلحة الشغل. يعني ورايا في البيت وفي الشغل.
تثاءب ثم ارتشف آخر رشفة من قهوته قائلًا:
- والله مها مظلومة معاك أنت وابنك. المهم هاروح أنام وأجيلك بكرة. سلام.
تمتم طه بامتعاض:
- أديك اتنيلت زي ما بتقول. كلها كام شهر وهتصدق كلامي.
ابتسم بسخرية وهو يهز رأسه، ثم نهض منصرفًا في صمت.
***
ثلاثة أيام مرت. ثلاث أيام بلياليها حبيسة غرفتها لا تغادرها إلا بعد أن يطرق هو الباب هاتفًا لها بأنه أحضر طعامًا في الخارج ووضعه على الطاولة. كانت تنظر أن ينصرف لتخرج وتأخذ الطعام وتدخل غرفتها ثانية. لم يصدر منها أي رد فعل، فقط متعبة، كارهة للحياة.
نهضت من على الفراش محاولة استجماع قوتها ولتتخلص من ضعفها. هي وافقت على الزواج وانتهى الأمر، وعليها تقبل حياتها الجديدة. جلبت هاتفها وشرعت في تشغيل القرآن عليه. وبدأت في تنظيف الشقة. جذبت الستائر المتسخة لتضعها في الغسالة. استغرقت اليوم بأكمله في تنظيف الشقة. عانت كثيرًا. ثم اتجهت للمرحاض لتنظف نفسها هي الأخرى. وما أن انتهت، توجهت إلى خالقها كي تصلي العشاء. ودعت الله كثيرًا ورجته أن يزيح ثقلها ويريح قلبها.
قبل دقائق، دلف مروان للشقة. واحتلت الدهشة ملامح وجهه وهو يرى الشقة نظيفة ورائحتها فل وياسمين. اقترب من غرفة المعيشة وجدها تصلي. وقف يراقبها.
أنهت صلاتها واستدارت، ووجدته أمامها واقفًا. يتبادلان نظرات. وكل ما يرواده أن ملامحها البريئة المشعة هي التي غوت أخيه كي يقع في الخطأ. أبعد نظره عنها وهو يتمتم مستغفرًا. ثم حدثها وهو يوليها ظهره:
- الأكل عندك بره.
وعندما لم يضف أي كلمة أخرى، سألته بتوتر بالغ:
- أنت مش هتتعشى؟
- لأ، كلي أنتِ.
ابتعلت ريقها بإحراج قائلة مسرعة:
- طب مافيش داعي. أنا بعمل أكل، يعني ممكن أطبخ. بس لو في طلبات.
كان يستمع وهو موليها ظهره، هز رأسه ومضى في طريقه.
***
ممددة على الفراش. طريقته تضربها بقسوة. هزت رأسها بقهر. كيف تلومه وهي لم تستطع أن تنقذ نفسها من هذه الزيجة. لم يغمض لها جفن. ظلت شاردة في السقف حتى سمعت أذان الفجر. فاستقامت لتصلي واتجهت للحمام لتتوضأ. لكنه فاجأها وهو يخرج من الحمام ويتمتم بالأذكار. إذ أن الأضواء كانت خافتة بعض الشيء. حدق بها بعينيه حادتين. لكن ظلمة الغرفة لم تتيح له الفرصة لتتمعن في ملامحها. فسألها:
- رايحة فين؟
- هاصلي؟
ضحك بسخرية وهو يقول:
- تصلي؟ سبحان الله!
- ليه يعني؟ أنا طول عمري ببقى سهرانة وبصلي الفجر.
أجابها بمغزى:
- طبعًا مش ممرضة وتبقى سهرانة برا البيت.
حاولت أن تدقق في ملامحه لتدرك مغزى حديثه. لكنه تجاوزها مسرعًا. وقفت مكانها وانفاسها تضيق.
***
في صباح اليوم التالي.
خرجت من غرفتها. وجدت على الطاولة جميع أغراض البقالة، ومختلف أنواع الفاكهة. نفخت بنفاذ صبر وحملت الأكياس وتقدمت نحو المطبخ ترص المشتريات في الثلاجة. وأسرعت في تحضير الطعام بكل همة.
في المساء.
وضعت العشاء على الطاولة وقامت بتغطية الطعام. وكانت تنتظر عودته خلف باب غرفتها. وما أن التقطت صوت أقدامه، سمعت أيضًا باب غرفته يغلق. خرجت على أطراف أصابعها. وجدت الطعام كما هو. شعرت بجرح غائر بكرامتها من تجاهله لها.
يوم تلو يوم، بدأت حالتها النفسية تسوء أكثر. شعرت أنها حبيسة في هذه الشقة. فهو يقفل الأبواب عليها. غضب عارم. هي ليست جارية. ظلت تنتظره فوق الأريكة. مرت ساعة والأخرى وهي تنتظره. وبالأخير رأته يدخل من الباب. رمقها بإستغراب. لكنه لم يعقب. ألقى السلام فقط ومر إلى غرفته. لكنها أوقفنه بصوتها العالي قائلة:
- أنت استنى هنا.
انقبض فكه وقبض على أصابعه حتى ابيضت مفاصل يدها.
استدار وهو يسألها من بين أسنانه:
- أنتِ بتكلميني أنا كده؟
حدقت به بشراسة ثم أجابته بسخرية:
- هو في حد هنا غيرك؟
- أنتِ اتجننتِ.
وقفت أمام وجهه الغاضب تصرخ به:
- ممكن أفهم أنت حابسني هنا ليه؟ هو أنا في سجن؟ بتقفل عليا ومنعني من النزول ليه؟ ممكن أفهم؟
نظر لها بنظرات مشتعلة ثم أجابها بشراسة قائلًا:
- لأني مش بثق في واحدة زيك.
صدمت من كلماته ولم تتوقع ردة هذا. فصرخت بجنون:
- واحدة زى أنا؟ واحدة زى أنا؟ أنت اتجننت؟ أنا يتحلف بأخلاقي. وأكبر دليل جريكم أنت وأخوك الصايع ورايا. ولأني عارفة تربيتكم أنا اللي كنت برفض.
انقض عليه يلوي ذراعها خلف ظهرها قاصدًا أن يؤلمها. هاتفًا بعصبية مفرطة:
- أخويا الله يرحمه. اياكِ تجيبي سيرته على لسانك. فاهمة؟ فاااهمة. أما بالنسبة إني اتجوزتك فأنا عشان أستر عليكِ.
تأوهت بألم وهي تسأله:
- تسترى عليا أنا؟
صدره يعلو ويهبط من فرط الغضب وسرعة أنفاسها أجبرته على قول ذلك. فدفعها بحدة قائلًا:
- أمي قالت محدش هيقبل بيكِ في البلد. اتجوزك وأستر عليكِ. بس يكون في علمك أنا مش زي أخويا. وأي غلط مش مسموح. وتقعدي هنا وأنتِ حافظة لسانك.
دفعه بحدة لترتمي على الأريكة خلفها. أصبحت كشظايا البلور المكسور.
رواية قدري المر الفصل الثالث 3 - بقلم سارة فتحي
الحياة تسير ولا تتوقف والوقت يمضي، وشعور السخط بداخلها يتزايد.
عاد من عمله وما أن ولج، تسمرت عيناه على شعرها الأسود الكثيف المموج يصل حتى أسفل ظهرها. وما أن شعرت به، استدارت ترمقه بغضب. بينما هو، ولأول مرة، يتأمل ملامحها المشرقة، والنمش يحتضن وجهها. شعرها مع وجهها كانت لوحة فنية كأنها ملكة إغريقية.
لكنها كشرت أنيابها كوحش كاسر لتقطع لحظات تأمله هاتفة:
- اسمع أما أقولك، أوعى تكون فاكر عشان جيبتني من البلد هتدوس عليا. لا، أنا إستحالة أقبل ومش هتحبس هنا. أقسم بالله أصرخ وألم عليك العالم.
أقترب منها يقف أمامها وعينيه تطلق شرار. شعرت بالرهبة، فاقترب منها أكثر. فرفعت عيناها لترى عينيه السوداء المحاطة بالرموش الكثيفة. كانت عينيه أجمل عن قرب. همس من بين أسنانه:
- لسانك طويل وعايز قص.
استعادت ثباتها ودفعته كلبؤة شرسة:
- انت مشترتنيش بفلوسك.
تركها ثم خبط على الطاولة بعصبية هاتفًا:
- انت ليه مصرة ومصممة تخرجى أسوأ ما فيا يابنت الناس؟ متعرفيش تخليكي في حالك؟
- رجعني البلد، رجعني البلد. ها أقعد هناك وأنا ها أخليك في حالك.
أنهت جملتها تزامنًا مع طرق الباب. رمقها بطرف عينيها ثم توجه نحو الباب، لكنه توقف يرمقها.
- هتقفي كدا كتير؟ أدخلي جوه.
مشت عدة مرات، فطريقته الفظة جعلتها تود الصراخ به، لكنها لم تفعل واتجهت للداخل. فتنهد وهو يمضي ليفتح الباب، فوجد صديقه وزوجته مها وابنهما الصغير عمار.
ضحك طه قائلًا:
- ايه يا عريس؟ صوتك جايب لأخر الشارع ليه؟
لكزته زوجته فى كوعه. فأبتسم مروان بتهكم:
- متتعبيش نفسك يامها، دا مش متربى. أتفضلوا.
وما أن ولجوا، كان طه يدور حول نفسه بإنبهار هاتفًا:
- الشقة بقت كدا إزاى؟ ايه النظافة دي؟ لا أكيد دا شغل العصايا السحرية.
جذبته مها من معصمه ليجلس بجوارها. فنهض مروان متجهًا نحو غرفتها. طرق الباب ثم نظر نحو طه الذى كان يراقبه، فأدار المقبض وولج دون استئذان.
- دا صاحبى ومراته. إلبسي حاجة وتعالى عشان تسلمى عليهم.
- كل حاجة أوامر عندك.
فرك وجه متسائلًا:
- فين الأوامر؟ بقولك تطلعي تسلمي على الناس.
- إسمها لو سمحتِ.
رفع حاجبه ثم أمال رأسه نحو اليسار قليلًا قائلًا بتحدٍ:
- دقيقتين وتكوني برافى الخارج.
جلس عمار على ساق مروان هاتفًا:
- وحشتني أوى يا مروان.
- وانت اكتر يا عمار. اخبارك أيه؟
قبل أن يجيبه، كانت تخرج هي من الداخل بابتسامة هادئة. مدت يدها لتصافح مها، فاسرع طه يمد يده ليصافحها. فاطرقت رأسها ولم تمد يدها هامسة بإحراج:
- اهلًا بحضرتك.
لا يعلم مروان لماذا شعر بسعادة تغمره. تحمحم طه قائلًا:
- أنا عرفت أن مروان مروح بدرى قولتتلات بالله ما يحصل لازم نيجى نقعد معاكم.
توسعت عين مها بصدمة هاتفة بعصبية:
- انت بتقول ايه؟ مش قولتلى أن مروان هو اللى محددالميعاد من يومين؟ انت مش هتتغير والله هتموتني.
أجابها إبنها الصغير:
- حراام عليكِ طاطا دا قمر. انتِ اللى على طول تصرخى فينا وتقولى عايزة تطفشى.
- اهو إبنها شهد عليها أهو.
ضحكة رنانة أخترقت اذنها. أذلك الرجل يضحك؟ ولماذا دائمًا يُكشر عن أنيابه معاها. هزت مها رأسها بيأس بينما هو هتف:
- أنا قولتلك يا مها من زمان سيبيه. أصرتي عليه وديالنتيجة.
ضحك طه قائلًا:
- يا جدع خليك محضر خير.
ثم تابع موجهًا حديثه لروان:
- أنا ومها ومروان كنا زمايل من الجامعة.
هزت رأسها ثم نهضت وهى تقول:
- ربنا يديم المحبة بينكم.
انصرفت نحو المطبخ وغابت بضع دقائق واحضرت صينية بها اكوب عصير وقطع كيك. كان أول من مد يده عمار ليتناول قطعة كيك وما أن تذوقها صاح بفرحة:
- الله كيكة جميلة غير بتاعة ماما المحروقة.
رفع طه يده قائلًا:
- اهو بردوا جت من إبنها.
وضعت الكيك فى الاطباق ووزعت عليهم وبقى هو. مدت يدها له بتردد فأخذه منها وتناول الشوكة وبدأ فى تذوقها ليلوكها فى فمه بتلذذ. كان طعمها حلو بحق حلو. لم يتذوق قطعة كيك حلوة مثلها. اخذ يُكملها بنهم. انتبه على نفسه أنه أكل صحنه بالكامل ووضعه بإحراج يتلاشى النظر إليها.
انقذته مها قائلة:
- بجد روعة. انتِ لازم تعلمينى يا روان بقى اتفقنا.
ثم تابعت قائلة:
- احنا هنستأذن وإن شاء الله هنستناكم عندنا الخميس الجاى.
توسعت عين طه قائلًا:
- هنروح فين ونسيب الكيكة دي.
- يارب صبرنى.
تمتم طه بصوت منخفض قائلًا:
- يعنى لا منك ولا كفاية شرك.
ثم أكمل بصوت مرتفع وهو يوجه حديثه لروان:
- تسلم ايديكِ على الكيك وعلى الشقة. حقيقى كانت مقلبزبالة.
رمقت مروان من فوق انفها. أمتعضت ملامح مروان هاتفًا:
- يلا يا طه قوم امشى.
بعد أن وقف على اعتاب الشقة، مال طه على مروان قائلًا:
- بس ليها حق الحاجة تصر عليك العروسة.
براكين بداخله توحشت عيناه واصبحت قاتمة السواد كليلة شتوية غاب القمر فيها. هتف:
- طه إياك تعيد الكلام دا لحد هنا ومش بقبل هزار.
***
يجلس فى مكتبه يفكر فى كلام طه معه. كل الحقفقد تحول البيت إلى جنة بعد أن كان أقرب إلى مقلب القمامة. لم يتخيل أبدًا أن تتغيير قناعته عن الزواج ليندثر تفكيره العقلانى، لتحتل مشاعر جل منابع التفكير. إذا كانت هذه أبسط واجبات الزواج، فكيف يكون الزواج المكتمل؟ فقد تجرد من ثوب البلوغ وتملك منه ثوب الطيش.
هز رأسه سريعًا ينفى الفكرة وكلمة عاهرة تسيطر على عقله بغضب. لو بيده لحرقها حية.
أندفع الباب بحدة وولجت تنظر له بنيران مستعرة بغضب تشب وتلتهب بداخلها هاتفة:
- أنا ممكن أفهم الحبس دا هيتفك امته؟ وأنا محبوسة هنا بتهمة أيه؟
نهض مسرعًا ليمسك عضدها ويهزها بقوة قائلًا:
- انتِ ازاى ترزعى الباب وتدخلى كدا؟ انتِ فاكرة نفسك فى زريبة هنا؟
أحست وكأنها تضاءلت حجمًا أمام ضخامته وكتفيه العريضتين، لكنها هتفت بحدة وكبرياء شامخ:
- ما هي كانت زريبة فعلًا وأنا اللى نضفتها. ممكن انت اللى ترد على سؤالى؟ اخرة الحبس دا ايه؟
أحتقن وجهه بالدماء بسبب تعمدها إهانته، لكنه اجابها بحدة:
- طبعًا انتِ اللى زيك مش متعودة على قعدة البيوت. عايزة تلفى هنا زى هناك. بس هناك كان بحجة الشغل.
صدرها يعلو ويهبط بانفعال:
- قصدك أيه باللى زى؟ قصدك إيه؟ وبعدين ألف يعنى ايه بحجة الشغل؟ انت ايش عرفك بلفولا أروح الشغل؟ أنت ازاى تغلط فيا كدا؟ أنا مقبلش.
- قصدى مواعيد شغلك بتسهل لك كل حاجة وانتِ عارفة انتِ شغالة ايه؟
صرت على اسنانها هاتفة:
- انت ليه بتتكلم على أساس أن الممرضة ر قاصة؟ وبعدين لما أنا كدا انت ايه اللى جبرك فارق وريحني وريح نفسى.
نفرت عروق رقبته بطريقة مرعبة جعلتها ترتد للوراء، لكنه كان يقبض على يدها بقسوة هاتفًا:
- أنا مش بحب الكلام كتير طول عمرى. أى حاجة عايزاهامن بره هاأجبها. اى طلبات لكن خروج إنسى. باب المكتب تخبطى قبل ما تدخلى ولو مسمحتش بالدخول متدخليش نهائى. فاهمة؟ فاهمة؟
تلألأت الدموع بعيناها وبدت الرهبة تسيطر عليها من هيئته. فصرخ بغضب:
- ودلوقتى إطلعى بره.
إستدارت على عقبيها وهى تمتم بقهر:
- منك لله. مش مسامحاك.
******
مع الأيام كانت تذبل كزهرة قطفت دون رحمة. تكاد تختنق وتموت. إنه ليس لديه قلب. هل ستكمل حياتها حبيسة لديه؟ الرهبة سيطرت عليها. هل من الممكن أن تظل حياتها حبيسة هكذا؟ ليس لها حول ولا قوة.
بكت بحرقة. هذه ليست حياتها التى تمنتها. تمنت حياة بسيطة، تبدأ مع زوجها بركعتين وما أن تنتهى يضع يده على رأسها ليقول دعاء ليلة الزفاف.
نهضت من مكانها بخطوات ثقيلة لتتوضأ كى تصلى. كانت هذه الطريقة الوحيدة لتخفف ثقل روحها. فرشت سجادتها وشرعت فى الصلاة.
أما هو، قد أتي من الخارج يبحث عنها بعينه ولم يجدها. وقف أمام باب غرفتها يطرقه عدة مرات ولم ترد عليه. انتظر ثم انتظر ولم ترد عليه. زفر بغضب وهو يدير مقبض الباب ليجدها تصلى بخشوع.
لا يفهم حقًا كيف فرطت في نفسها بسهولة قبل الزواج. يعترف لنفسه أنها تجعله فى حيرة من أمره من تصرفاتها المتناقضة. هل هى البريئة الرقيقة أم هى مخادعة بارعة؟
عندما أنتهت هي من صلاتها، ألتفتت للباب وجدته يقف خلفها. فنهضت تحدثه بحدة:
- انتِ إزاى تدخل من غير أذنى؟
أجابها بتجهم واضح:
- خبطت ومردتيش. وبعدين انتِ هتحاسبينى؟
- اه احاسبك. مش ممكن انا نايمة. أنت رفضت أنى ادخلمكتبك من غير إذن. إفرض نايمة وواخدة راحتى.
دهش من كلامها. فتحمحم موضحًا:
- إستغربت انك مردتيش فدخلت.
ثم تابع:
- طه ومها مُصرين اننا نروح ليهم. فاضطريت انى اوافق. وقولتلهم إننا هنروح ليهم انهاردا.
أجابته بكبرياء وشموخ:
- هو بمزاجك يعنى؟ قررت سجنى هيتفك؟ أنا مش عايزة. مش حابة اروح فى حتة. روح انت لأصحابك.
أضاف بحزم:
- بقولك أجهزى.
- مش بمزاجك.
تنفس بعمق وهو يضغط على كفه هاتفًا:
- قدامك ساعتين. اعتبريها فرصتك للخروج من البيت.
أنهى جملته وهو يستدير للخارج. جلست على حافة الفراش. أصبحت هشة للغاية من الداخل والخارج. فارغة، محبطة. لكنها همست لنفسها: لا تستسلمى للسلبية والكآبة. إنه إبتلاء وإمتحان خاص وستنجحي به.
*****
بعد مرور ساعة، كانت تقف أمامه ترتدى فستانًا باللون الرمادي، وبلفة بسيطة جعلت خمارها الزهري غاية فى الجمال، الذى كان لونه ينعكس على وجنتيها المليئة بالنمش، فكانت غاية فى الجمال والإحتشام.
إقترب منها يشرف عليها بطوله المديد، رغمًا عنه شرد بها. رفعت عيناها ترمقه بهدوء ينافي تآكل روحها منشدة كبتها للنيران.
جلست بجواره فى السيارة تفتح الشباك رغم برودة الجو وتنظر للسماء وعلى وجهها إبتسامة واسعة. الحياة جميلة بحق. اغمضت عيناها تتنفس بعمق تشعر بحلاوة كل شئ حولها كأنها المرة الأولى. حتى أن عوادم السيارات كانت فى أنفها كأروع العطور الفرنسية.
ظهرت غيوم تملأ السماء وقطرات الندى تهبط. اخرجت يدها من نافذة السيارة.
كان يرمقها بطرف عينيه وهو يتابع الطريق يشعر بالذنب نحوها. لم ينتبه على نفسه إلا وهو يقول لها:
- اقفلى الشباك هتتعبي؟
قطع لحظاتها صوته. فهى تناست وجوده. إستدارت له هاتفة بسخرية:
- لا، وانت خايف عليا بصراحة. أهو تبقى خلصت مني.
هز رأسه بيأس وهو يتمتم مستغفرًا:
- استغفر الله العظيم. هو لسانك وردك على طول جاهز.
- ممكن تسيبني أشم شوية الهوا بهدوء.
تمتم بصوت خفيض:
- يارب امنحني الصبر على هذا الإبتلاء. الله يرحمك ياريان.
***
كانت جلسة هادئة لطيفة لم تخلو من مشاكسة طه وعمار. لكن بنهاية جلس كلا من طه ومروان وحدهما فى الجانب الآخر من غرفة الإستقبال ليناقش أمر خاصة بشغلهما.
كانت تنظر له بطرف عيناها. يبدو انه شخصية محترمة، محبوبة. حتى أنه مداوم على فرضه لما يتعامل معاها هكذا؟ هل يعتقد انها نذير شؤوم كما يقول البعض؟
تجمدت مكانها حين ألتقت عيناها بعيناه. أخفضت رأسها سريعًا وعادت تكمل حديثها مع مها. حتى قاطعها إتصال من هاتف مها. وما أن ردت على الهاتف تبدلت ملامحها هاتفة بفزع:
- ايه حصل؟ إزاى؟ طب وبابا كويس دلوقتى؟
هرول إليها طه متسائلًا:
- فى أيه يا مها؟
- بابا يا طه بيقول جاتلوا جلطة واتحجز فى المستشفى. أنا لازم اروح ليه.
- أكيد طبعًا وأنا جاى معاك.
هزت رأسها بإعتراض قائلة:
- خليك أنت عشان عمار مش هينفع اخده معايا فى الجودا.
- إزاى تسافرى لوحدك يعنى؟
تدخل مروان هاتفًا:
- خلاص هأوصلها أنا لحد البلد. متقلقش.
قاطعتهم روان لتقول بارتباك:
- أنا أخد عمار معايا واستاذ طه يسافر مع مها. أكيد هتحتاجوا معاها فى وقت زى داه.
هز طه رأسه سريعًا:
- دا حل كويس. حضرى هدوم عمار ويلا بسرعة.
أنا هدور العربية.
احتجز مروان على أسنانه يرمقها بغيظ. تأخذ القرارات دونأن ترجع إليه.
***
ما أن وصلوا البيت، أطلق زمجرة غاضبة من ثغره هاتفًا:
- ممكن أفهم ايه اللى هببتيه دا؟
- أفندم؟
قالتها بتشنج وهى تحدق. ثم أردفت:
- مافيش إنسانية خالص عندك. الست ابوها تعبان وأكيد هتحتاج جوزها سند ليها فى محنتها. مش انتوا اصحابة بردوا؟ ولا هو حلو إنك تروح تجرى توصلها؟
قال بنبرة متشنجة وعصبية:
- ألزمى أدبك وحدودك. أنا كل اللى يهمنى انت قد المسئولية اللى اتسحبتى من لسانك وفرضتى عضلاتك.
- متقلقش. انا مربية اخواتى الصغيرين كلهم.
قلب عينيه بملل والتو فكه هاتفًا:
- انتِ تربى؟ ما شاء الله. مربية إخواتك. ربنا يستر على الجيل.
بأها حدسها الأنثوى بسخريته منها، فاجابته:
- اه أنا أربى. تحب تجرب؟ ولا خلاص راحت عليك؟
أقترب أكثر حتى أصبح لايفصل بينهما إلا بضع إنشات. تجسده يختض من كلماتها التى اضرمت النار فى كل خلاياه وأصبحت عيناه أكثر قتامة. أما هى كان صدرها يعلو ويهبط برهبة، هيئته أرعبتها.
لكن قاطعهما صوت عمار هاتفًا:
- انت هتبوسها يا مروان زى ما بابا بيبوس مها.
لا يعلم لماذا نظر إلى شفتاها. كانت نظرة سريعة ثم عاد نظره إلى عيناها. كانت نظرة سريعة لكنها سرت على أثرها رجفة فى أوصالها، فتعالت خفقات قلبها.
حدثها بخشونة قائلًا:
- خدى عمار وخشى نامى يلا بسرعة من قدامى.
***
في اليوم التالى، عاد من عمله مسرعًا. بالظل مشغولًا على عمار رغمأن بداخله شئ مطمئن ولا يعلم ماهيته.
وما أن ولج سمع اصواتهما أتية من المطبخ فتوجه نحو المطبخ. وجدها تعد شطيرة (بيتزا) وعمار يتابعهابشغف. قامت بعمل عجينة دائرية ثم قربتها من عمار ليضع عليها الجبن أعلاه ثم وضع بعض الخضروات. فقامت بعد ذلك لنقلها داخل الفرن وصفقت بيدها قائلة:
- احلى بيتزا لأحلى عمار.
جذبها ليعانقها وهو يهتف:
- بحبك أوى يا روان.
إرسمت بسمة لا إرادية على ملامحه. قاطعه عمار قائلًا:
- مروان جه.
تبدلت ملامحه وهو يقول:
- مروان كدا حاف بلعب معاك فى الشارع.
- يوه بقى تعالى شوف البيتزا.
- هاروح اغير واخد دوش وأجيلك.
دقائق كان يخرج من المرحاض والمنشفة حول عنقه. فانقض عليه عمار قائلًا:
- شيلني يا مروان.
رفعه مروان للأعلى وهو يهز رأسه بيأس قائلًا:
- مفيش فايدة بردوا مروان. إنزل بقى عشان أصلى العصر.
- ها أصلى معاك. أنا صليت مع روان انهاردا وعلمتني إزاى أصلى.
إنحنى مروان ليسأله بجدية:
- هى اللى قالتلك ولا أنت اللى قولتلها أصلى معاكِ؟
- هى قالتلى مينفعش راجل زى عمار ميصليش.
إبتسم بسخرية وهو يتمتم:
- أنا مستغرب ليه أكيد وقعت ريان كداب.
بعد أن انهى صلاته، وجدها تخرج من المرحاض بعدأن ابدلت ثيابها بأخرى جلباب بيتى حريرى يرسم مفاتنها وشعرها الأسود رابطة لجامه للأعلى. وجهها بريء كبراءة الأطفال. نظرت نحوهما بطرف عيناها ثم توجهت نحو المطبخ منادية على عمار بأريحية:
- عمار تعالى البيتزا طلعت.
اسرع عمار خلفها وبالفعل رائحتها انتشرت بالشقة لتغزو انفه فتصدر معدته صوت دليل على الجوع. خرجت روان بالشطيرة الكبيرة ووضعتها على الطاولة تحت حماس عمار الذى صعد يجلس فوق الطاولة وأخذ شريحته وبدأ فى أكلها بسعادة. نظرت له روان هاتف:
- عمار قولنا ايه؟!!
- آه بسم الله. مروان يلا تعالى.
- كل انت يا عمار.
هبط عمار بسرعة يجذبه من يده قائلًا:
- لأ هتأكل معايا.
جلس على المقعد ثم نظر للشطيرة التى امامه. فتناولت هي صحن ومدت يدها له فتناول فى صمت ثم قضمها. فتلوثت لحيته بالجبن وبدأ عمار يضحك عليه وهى أيضًا. مسح لحيته وهو ينظر لها وهى تبتسم باستيحاء وتنظر له. على رغم أن مروان لم يكن يهتم بالنساء نهائيًا إلا أن طريقتها تلفت انتباهه.
أكمل طعامه ونهض ليكمل عمله في مكتبه. وبعد عدة ساعات سمع صوتهما فخرج وجدها تجلس على الأريكة وعمار يضع رأسه على ساقيها ويشاهد افلام الكارتون. كانت تشاركه المشاهدة وهى تضحك بضحكة رنانة. استفزه صوت ضحكتها العالية فخرج مسرعًا يغلق التلفاز. فقطبت حاجبيها ونهص عمار متذمرًا.
فحدثه مروان:
- ادخل جوه دلوقتى يا عمار يلا إسمع الكلام أنا مش بهزر.
- حاضر.
وما أن ولج عمار للداخل نظر لها باشمئزاز وبداخله غضب كبير يعتريه. حدثها بوحشية وكلمات تخرج من فمه كأسياط النار:
- عمار دا ابن ناس ومتربى وليه أهل يعنى الضحك بالطريقة دي قدامه غلط. وأنه يسهر للساعة ١٢ ونص بالليل دا غلط. أمه ست محافظة وبتنومه زي الأطفال الساعة ٩ بليلمش لحد دلوقتي. حضرتك انسحبتى من لسانك لازم تبقى قد المسئولية. عرفتى كنت رافض ليه؟ عشان ميتعلمش من واحدة زيك.
نظر مروان إليها بعد أن نفث كلماته التى تحمل القسوة والإهانة. رمقته بعدم تصديق ودموعها تنهمر على وجنتيها. وضعت يدها على فمها تمنع شهقاتها تهمس بتقطع:
- عملت أأ أيه أأاانا؟ عملت أيه لكل دا؟ أنا لما دخلت انومه عيط على مامته فقولت ينسى شوية. أنا مش عايزة أقعد هنا ثانية واحدة. مش عايزة. رجعني البلد وفك أسري. أنا مش حمل دا كله.
أمسك يدها بقسوة وهو يقول:
- هو مش حوار كل شوية أرجع البلد. أرجع هارجعك متقلقيش. مستعجلة ليه.
نظرت إلى يدها فتركها وهو يشعر بغضب لا يعرف له سببًا. أما هى هرولت إلى الحمام تكتم شهقاتها تجلس على الأرضية تبكى بحرقة. لماذا يكرهها هكذا؟ لماذا يوصفها دائمًا انها عديمة الاخلاق؟ ما الذى رأه منه حتى يستنتج مثل هذه النظرية المخزية عنها. رفعت رأسها للأعلى تناجي ربها هامسة:
- يارب الرضا بالقدر سعادة وأنا طول عمري راضية. بس خلاص تعبت ومش عايزة الحياة دي. يارب.
***
خرجت الطبيبة من خلف ذلك الساتر وبعد أن مسحتالمادة اللزجة التى وضعتها على بطنها هاتفة:
- مبروك يا مدام انتِ حامل.
رواية قدري المر الفصل الرابع 4 - بقلم سارة فتحي
مع أذان الفجر، هبط من سيارته. فهو يحتاج أن يتحدث مع خاله، فهو يتسم برزانة العقل والحكمة والقلب النظيف والدين.
وما أن انتهوا من صلاة الفجر، جلس خلفه هاتِفًا:
"تقبل الله يا خال."
استدار وهو في يده مسبحته التي لا تفارقه أبدًا، هاتِفًا:
"منا ومنكم صالح الأعمال، انت رجعت البلد امته يا مروان؟"
"أنا مرجعتش، أنا جاي ليك مخصوص."
سأله بتوجس هاتِفًا:
"خير يا بني، قلقتني."
تنهد بثقل، ثم سرد له ما سار معه منذ سفرهم. وأكمل:
"اللي مجنني أنها فاكراني مش عارف حقيقتها، فبتشتغلني. عاملة نفسها بتصلي وبتعرف ربنا."
"طب ما وارد أنها تكون تابت وربك كبير، بعدين انت متعرفش حاجة عن التفاصيل."
"تفاصيل إيه بس يا خال، بقولك عرفت اللي فيها. هي بتعمل كدا بس قدامي، أصل إزاي وهي عاملة ملاك كدا تعمل كدا. وبعدين المصيبة اللي عملتها دي ينفع معاها توبة."
تنهد خاله قائلًا بجدية:
"إيه يا مروان يابني مالك؟ كلنا معرضين للغلط يا بني وباب التوبة دايما مفتوح. يا مروان اللي يغلط يتوب وربُك اسمه الغفور الرحيم."
ثم تابع:
"هاتها هنا وسطنا يا بني، واضح أن الحمل تقيل عليك. وبدل ما تشيل ذنب إنك تجرحها بكلمة أو توجعها والزمام يفلت من إيدك والخير يتقلب شر. وبعدين أنتم اتجوزها وفي نيتك الستر عليها مش إنك تبقى جلاد عليها، دا المفروض أنت تعينها على التوبة مش أنت مؤمن بالله."
"ونعم بالله. متقلقش يا خال مش هأخلي زمام الأمور يفلت من إيدي. هأقوم عشان ألحق أروح، أنا هأبص على أمي ويادوب ألحق."
وما أن نهض وابتعد خطوتين، أوقفه خاله متسائلًا:
"هي اسمها إيه؟!"
قطب حاجبيه، ثم ارتخت ملامحه وهو يقول:
"روان."
ابتسم خاله، ثم أطرق رأسه هاتِفًا:
"في رعاية الله يابني، في رعايته وحفظه."
***
طالما كانت بداية أي حكاية اختيار، ونهايتها إجبار. أما هي، فكانت بدايتها إجبار ونهايتها إجبار.
بعد عودة عمار لأهله، بقت هي على حالها. تتجنب الاحتكاك به تمامًا. رمقت الشقة، ملابسه مبعثرة في كل مكان. نهضت تجمع ثيابه وترتب الشقة. ولجت إلى غرفته، فضربت أنفها رائحته. توقفت أمام فراشه تنظر إلى قميصه الأبيض، فتناولته لتشم رائحته، ثم ابتسمت:
"البرفيوم حلو وخسارة في جتتك."
"فى الخارج."
ولج من عمله ينظر إلى باب غرفتها. شعوره بالذنب يكاد يقتله. لم يغمض له جفن الأيام الماضية. فك أزار قميصه ووقف في الاستقبال عاري الصدر. عزم أمره، سيبدل ملابسه ثم يأخذها بجولة داخل الإسكندرية.
ولج يدفع الباب بحدة تزامنًا مع خروجها. فصرخت وهي تغطي وجهها بيديها. توسعت عيناه بصدمة. أسرع يديرها بهدوء لتواجهه، ثم أزاح يدها من على وجهها ومرر يده على وجنتها. كانت بشرتها ناعمة مخملية. لمس بيده النمش الذي كان دائمًا يُغريه لينظر إليها. أما هي، لمساته الدافئة، نظرات عيناه عن قرب، ورائحته جعلت الخدر يسري في جسدها. شعرت أنها لم تمتلك القوة.
همس لها لأول مرة باسمها:
"روان، انتِ كويسة؟ أنا مأخدتش بالي. مفتكرتش أنك هنا."
شعرت بشيء دافئ يسيل من أنفها. وضعت يدها على أنفها، وجدت الدماء تسيل من أنفها بغزارة. اقترب وهو مسرعًا يسألها بلهفة:
"دا دم؟ انتِ كويسة؟"
شعرت بدوار شديد برأسها، وقد أحست بإقتراب سقوطها. وبدأت تترنح وهي واقفة. وبالفعل، كادت تسقط لولا يدي مروان التي أسندتها، هاتِفًا:
"روان، روان."
حمل جسدها الضعيف متوجهًا بها للمرحاض. أسندها بيد وفتح صنبور باليد الأخرى وبدأ يغسل أنفها من الدماء. ثم حملها ثانية ووضعها على مقعد، وجثى على ركبتيه أمامها. وكادت ترفع رأسها ليتوقف النزيف، فهمس لها بخوف:
"مترجعيش رأسك لورا كدا غلط، خليكِ كدا لقدام."
وما أن أطرق رأسها، هبطت خصلات شعرها المبتلة من الماء على وجهها. كانت تنافس الليل في سواده. نهض واقفًا يلملمه ويده تمر بخصلات شعرها. فثقلت أنفاسه وغامت عيناه بمشاعر خنقت صدره. وبالأخير، رفعها للأعلى ككعكة. ثم جثى مرة أخرى على ركبتيه يسألها بلطف:
"إنتِ كويسة؟!"
هزت روان رأسها بإيماءة بسيطة دلالة على كونها بخير، ليقول مروان بنبرة متوجسة:
"بجد ولا ننزل المستشفى؟"
"لأ بجد. أحسن."
كان يتطلع لكل أنثى بها. عنقها الأبيض المرمرى يتحداه ألا ينظر إليه. غرست أسنانها في شفتيها وهي ترتجف. فالجو شديد البرودة وهي ملابسها مبتلة. كانت مغرية وشهية حد الجحيم. نهض مسرعًا بارتباك. فهو بالنهاية رجل بشر وليس محصنًا. ألتقط معطفه ومد يده به لها. ثم خرج من الغرفة بارتباك.
دقائق وكان يقف أمامها ومعه كوب بها ماء، فسألته:
"ايه دا؟!"
"ميه بسكر، اشربيها عشان الدوخة."
تناولتها وهي تنظر لعيناه. ونبضات خافقها تزداد. لكن هذه المرة ليس خوفًا أو كرهًا. طالت النظرات بينهما وصمت العالم من حولهما. كان هادئًا مسالمًا عكس كل مرة. نظرت أرضًا وبصعوبة تلتقط أنفاسها هاتِفة:
"شكرًا."
ابتسم يسألها بمشاكسة:
"دخلتي اوضتي ليه؟ أوعى تكوني ناوية تفجريني؟!"
لم تبتسم على مزحته. لكنه رفعت عينيها تنظر لطوله المديد والمنكبين العريضين. شعرت أنها قزمة بالنسبة له، فهتفت:
"أنا بس لميت الهدوم من الريسبشن وكنت بداخلها مكانها."
"آه لو كدا تمام. طب أنا جعان أوى."
رمقته باستنكار، فتابع هو:
"جهزى هننزل نتغدا برا، لأنك اكيد مش هتقدرى تعملي أكل وانتِ دايخة كدا."
"لأ لأ، أنا كويسة الحمدلله."
فرك فروة رأسه قائلًا:
"الله! اُمال مين اللي هوسني كل يوم عايزة أخرج. لا اجهزي بسرعة وخلينا نروح نأكل، أنا جعان اوى."
ثم ابتسم بهدوء قائلًا بمغزى وبقع الدماء تلطخ أطراف قميصه:
"أنا محتاج أغير. لو مش هتخرجي خليكِ وأخرج أنا."
اتسعت عينيها بصدمة. كان يقف عاري الصدر وهي تجلس أمامه دون أن تنتبه. كان يشبه ملكًا فرعونيًا بوقفته هذه. أخفضت بصرها ثم أجابته بتعلثم وهي تهرول للخارج:
"غير براحتك، غير. أنا ماكنتش واخدة باللي."
***
تجلس معه في مطعم على البحر، وخمارها الرقيق يزيد جمال وجهها. تنظر للبحر بسعادة، بينما هو يتكئ للخلف على مقعده يطالعها بنظرات متفحصة. يتابع كل حركاتها ونظراتها. عيناه مثبتة على النمش الذي يملأ وجهها. ابتسمت وهي تنظر للبحر، ثم استدارت تنظر أمامه. تفاجأت من نظراته التي أربكتها وزلزلت كيانها. فأطرقت رأسها. فتحمحم متسائلًا:
"هتأكلى أيه؟!"
هزت رأسها بالنفى هاتِفة:
"لأ، أنا شبعانة."
"هو يعني مينفعش أقول حاجة من غير ما تعترضى."
أجابته بسخرية وقد أخفت غضبها:
"انت حابسني ومش عايزني أعترض. ومش فاهمة ليه واخد موقف عدائي مني؟"
أطبق شفتاه على بعضهم حتى ابيضت هاتِفًا:
"أنا نفسيتي مش مظبوطة عشان موت الله يرحمه ريان."
أطرقت رأسها في حجرها وتمتمت:
"الله يرحمه."
نظر لها بتفحص. لا يبدو عليها الحزن على أخيه على الرغم مما كان بينهما. حاول كبح غضبه وسألها:
"هتاكلي ايه؟"
"بصراحة، أنا مش باكل سمك."
رمقها باستنكار:
"في حد مش بيحب السمك؟ دا أكلي المفضل."
أجابته بهدوء وهي تنظر للبحر:
"بالهنا والشفا. أنا مش جعانة."
في لحظة، استقام هامسًا:
"قومي يلا بينا."
أسدلت رموشها بحزن وهي تقول:
"احنا ملحقناش."
"قومي."
"طب مش هتاكل؟"
جذبها من يدها. ارتجف قلبها وتغيرت وتيرة خفقاته. يده كانت تضغط عليها لكن ليس بقسوة. بعد مرور عدة دقائق أخرى، كانوا يجلسوا في مطعم أخر على البحر أيضًا، لكنه مطعم للمشويات. نظرت له بإحراج:
"شكرًا، كلفت نفسك. أنا كنت هااكل لما أروح."
رمقها بصدمة، ثم أجابها:
"كلفت!! أوعى تكوني فاكرة إني مش بنزلك عشان الفلوس."
وجدتها فرصة لتلطيف الأجواء بينهما. فعقدت حاجبيها هاتِفة بمشاكسة:
"الصراحة، أنا متأكدة."
"لأ طبعًا."
وقف النادل يضع الطعام أمامهم. وما أن انتهى، رفعت بصرها إليه هاتِفة بعفوية:
"شكرًا."
بادلها بابتسامة قبل أن ينصرف هاتِفًا:
"بالهنا والشفاء."
"وحشت نظراته وغضب يشع من كل جزء بجسده. عيناه توحي أنها تجاوزت الحد تمامًا. حدثها بنبرة تشبه فحيح الأفعى:
"هو انتِ متعرفيش أنك لما يكون معاكِ راجل عينيكمتترفعش؟ واللّي كنتِ متعودة عليه قبلى انتهى. انتِ على ذمة راجل، فاهمة؟"
لمعت الدموع بعينيها؛ دموع قهر تزورنا في أوقات غير مناسبة:
"أنا أول مرة آكل برا وأُحرجت لما هو نزل الأكل فقولت كدا، يعني أنا مش متعودة على حاجة."
تقبض على كفها، تذم شفتيها لتكبح نفسها من البكاء والدموع تملأ عينيها. كل حركاتها زلزلت غضبه، فسألها بلطف:
"يبقى لازم تتعودي. بس ليه أول مرة تأكلي برا؟"
"مابحبش أكل الشارع بقرف منه."
أنهت كلامها واشاحت بوجهها الجهة الأخرى. فتحمحم قائلًا:
"المكان هنا نضيف، متقلقيش. وكلي بقى."
"أنا عايز أروح."
"تروحي!! أُمال مين اللي هوسني عايزة أخرج. أنا مش محبوسة."
رمقته بطرف عينيها، ثم نظرت للبحر دون أي كلمة. فتابعه:
"تعرفي بقالي يومين مأكلتش. وجعان اوى. لو قمنا دلوقتي، ذنبي في رقبتك."
ثغر ثغرها، ثم بدأت في تناول الطعام في صمت. تنهد مروان بخفة قبل أن يتناول الطعام مُغمغمًا:
"الأكل طعمه حلو."
لم ترفع عينيها هاتِفة:
"اكلي طعمه أحلى."
صمت مطبق. وكل منهما يلوك اللقمة في فمه. كانت تنظر إلى البحر، فتنهد هاتِفًا:
"بحر إسكندرية يسحر، خصوصًا في الشتا."
تناولت محرمة ورقية ومسحت يدها، ثم عدلت وضع حجابها هاتِفة:
"دي حقيقة، شكله يخطف القلب."
ثم تابعت:
"هو انت ليه يعني عايش هنا لوحدك؟"
"أنا شغل أبويا كان هنا وجامعتي كانت في الإسكندرية. ولما تخرجت أبويا قال لي شيل انت بقى المسؤولية. ومن يومها بقت حياتي البحر والشغل."
سألته بإندفاع هاتِفة:
"يعني بحر وشغل بس؟"
لعنت نفسها وأنبتها على استفسارها. نظر لها بعينين ثاقبتين، ثم أجابها:
"شغل وبحر بس."
أطرقت رأسها تشعر براحة طفيفة. وبداخلها شيء لم يعجبها. أجابته رغم أنها كانت إجابة متوقعة. فهو يشبه دب العسل في تصرفاته الهوجاء. فمن تقبل به؟ ابتسمت بداخلها بسخرية. تناقض نفسها هاتِفة: الكثير يكفي. رموشه الكثيفة. فهو رغم أنه بشرته خمرية، إلا أنه يخطف الأنفاس. تحمحمت وهي تنفض هذه الأفكار قائلة:
"طب بما أنك عزمتني على الغدا انهاردا، أنا عزماك بكرة."
قهقه وهو يستند بمرفقيه على الطاولة الزجاج:
"عازماني؟!"
ابتلعت ريقها بتوتر. تنازع إرتباكها وتوترها أمام سطوة ضحكاته وحضوره القوي. هامسة:
"أه."
"وأنا موافق."
قال جملته بهدوء وصوته الخشن كمن يقدم فروض الولاء والطاعة.
***
في اليوم التالي.
بعد أن عاد من عمله، جلس على طاولة الطعام ينتظرها. وضعت أمامه الصحون وهي ترمقه بتحدٍ. أغمض عيناه ورائحة محشي ورق العنب تغزو خياشيمه بضراوة. رائحة ذكية. هجم على صحنه وأنهها في غضون دقائق. وضعت له الكثير في الصحن. وما أن انتهى، كان يتنفس بصعوبة. كانت تنظر لها بترقب متسائلة:
"ايه رأيك؟!"
لم المكابرة. أجابها بكل صراحة:
"مش حلو."
قطبت حاجبيها وتهدلت أكتافها بحزن. فاسرع يقول:
"جبار."
ابتسمت بإتساع وهي تسأله ثانية:
"بجد؟"
"جدًا. وأنا بصراحة مش عارف كلت كل دا إزاي."
أسدلت أهدابها وهي تقول:
"بالهنا والشفا."
شعرها الأسود الطويل المتهدل على جذعها والنمش الذي يملأ وجهها. هيئتها شهية مغرية. تنحنح مروان نافضًا عبث شيطانه. كيف يحدث ذلك؟ هو الذي عاف النساء! بنبرة صوت رخيمة أجابها:
"شكرًا. تسلم ايديكِ."
نكزت رأسها بخجل. فهبطت إحدى خصلاتها وكأنها تشاركها خجلها. ونهضت مسرعة. كانت تقف في المطبخ تشعر باضطراب روحها التي تعبث طربًا من كلماته. لكنها حاولت أن تهدأ نفسها هاتِفة:
"عادي، دا جوزك والمفروض دا اللي يحصل وأكتر. ياروان. إهدي إهدي."
بعد قليل، أحضرت القهوة وتوجهت إليه تضعها أمامه. فنظر لها والصمت ثالثهما. فتناولها يرتشف منها. وكان ألذ كوب قهوة تذوقه بحياته. جعله يشعر بانتشاء. ثم سألها:
"فين القهوة بتاعتك؟"
"مش بشرب قهوة."
"أُمال عملتي قهوة ليه؟!"
أجابته باستيحاء وهي تخفض رأسها:
"اصلي بشمها كل يوم الصبح وبالليل وانت بتشربها. وعرفتانها كل يوم لازم."
ارتعشت ابتسامة مروان. ثم نهض واقفًا:
"تصبحى على خير."
هكذا ببساطة يذهب لينام ويتركها. الحجر الصوان أرق منه.
***
بعد ثلاث أسابيع.
تقف في المطبخ تحضر فطور هادئ. بيض وفول كما يفضله، والعديد من أنواع الجبن، وكوبايين. أحداهما شاي والآخر قهوة. كان يقف يراقبها وهي تعد الفطور بخفة. كانت ترتدي منامته الصفراء ذات حواف سوداء. لقد تعلق بوجودها معه. وكأن شيئًا خفيًا نادي عليها كي تلتفت للخلف بابتسامة هادئة. همست:
"صباح الخير."
"صباح النور. قولتلك مفيش داعي تتعبى نفسك في الفطار. أنا بفطر مع طه."
"أنا متعودة اصحي بدرى أصلا وبفطر بدرى من قبل المستشفى."
"ليه دخلتي تمريض؟"
عبست ملامحها وهي تجيبه قائلة:
"دخلته بمزاجي وكنت حابه المجال."
حفظ حركاتها عن ظهر قلب. أصبح يعلم متى تكون سعيدة أو متحمسة أو حزينة أو تشعر بالملل. فقط نظرة واحدة يستطيع فهمها. فتحمحم قائلًا:
"دا سؤال عادي على فكرة."
أجابته بحدة:
"لأ، مش عادي. كل شوية تلميحاتك أنها شغلانة مش كويسة. دا أنت ناقص تقول راقصة. على فكرة كلمة مهنة فيها الحلو والوحش. ومهنتنا دي أطهر وأبلغ مهنة. بس لكل قاعدة شواذ. ودول بقى أقلية بس. طلعت سمعة على المهنة كلها."
هز رأسه بالنفى ليصحح فكرتها هاتِفًا:
"الفكرة كلها أنا بس بعترض على مواعيدها. عشان بنت زيك ممكن تسهر وتبات برا."
"ولما واحدة تبقى تعبانة بالليل وتروح المستشفى، هو الدكتور هيقعد طول الليل جنبك؟ إحنا اللي بنقعد وبندي العلاج. وفي الآخر يتقال دي يا عم ممرضة."
ثم تابعت:
"الفطار اهو. عن إذنك."
مرت من جنبه لتجاوزه، لكنه أمسكها من معصمها، هامسًا أمام عينيه:
"أنا مقصدتش حاجة غلط صدقيني. أنا عندي تحفظ على السهر بالليل مش أكتر."
ثم تابع:
"هو حد يحضر الفطار لحد وينكد عليه؟ ياروان."
نزعت يدها هاتِفة:
"أنا مش نكدية."
أنهت جملتها وأنصرفت من أمامه. فكان ينظر في أثرها. عينيها السوداء وشعرها الناعم المنسدل خلف ظهرها. تشبه زهرة تتفتح في مقتبل الربيع. لم يفكر بامرأة هكذا من قبل. همس وهو يحك مؤخرة رأسه:
"لأ نكدية وربنا يستر من الجاي."
***
"يعني إيه؟ مش هتفطر معايا؟ الجواز غيرك يا مروان." وكانت هذه كلمات طه. فأردف مروان:
"سيب مارو اللي فيه مش في حد."
ابتسم طه وهو يقول بخبث:
"مالك ياض؟ أوعى تكون هنجت في أول الجواز وفضحتنا."
"ما تلم نفسك. دا انت أب والمفروض تكون عقلت."
تنهد طه وهو يقول له:
"وعلى سيرة الأب، روان بجد خلت عمار متعلق بالصلاة جدًا. ربنا يباركلها. دا غير الأذكار اللي حفظها. أنا بقيت مكسوف من نفسي وهو بيقول لي الحاجات دي كلها. بصراحة يابختك بيها. هو الكمال لله وحده بس هي عندها كل مقومات الزوجة."
حاول مروان ضبط أعصابه، لكنه لم يفلح. فصرخ به:
"ما خلاص بقى يا طه."
توسعت عين طه بصدمة شاعرًا بالإحراج، ثم أجابه:
"في إيه؟ متعصب ليه؟ دا أنا قصدي خير. ولا أنت دماغك راحت فين؟"
هز مروان رأسه بالنفى:
"عارف عارف. بس أنا أعصابي تعبانة شوية."
صمت طه قليلًا، ثم قهقه بصخب وهو يقول:
"أنتِ خلبوصة. بتغيري."
جز مروان على أسنانه، فنهض يلملم أشياءه هاتِفًا:
"تصدق إني غلطان. أنا ماشي. وأبقى شيل الشغل انت."
***
"سمعت أذان الفجر."
نهضت مسرعة تقف خلف الباب تراقبه كعادتها في الأيام السابقة وهو يصلي. ابتسمت بسعادة عندما رأته يخرج من المرحاض ويمسح وجهه بالمنشفة ويتمتم بالأذكار. أغمضت عيناها وهي تضع يدها على قلبها الذي تتسارع نبضاته. لا تصدق نفسها كيف تنتظر وقت صلاته لتختلس النظر إلى عيناه التي أفقدتها صوابه. لكنه غامض بالنسبة لها. لكنها لا تنكر أيضًا شعورها بالأمان كلما كانت جواره، خصوصًا الأيام الأخيرة. كان يعاملها بلطف. ربما مشاعرها هذه احتياج ليست أكثر. فهو حتى اسمها لا يناديها به. تنفست بعمق، ثم فتحت باب الغرفة وخرجت. ليأتيها صوته الرخيم، محدثًا إياها بهدوء:
"صباح الخير، عاملة إيه؟!"
أمتعضت ملامحها. نفس السؤال السخيف. كيف حالها؟ كيف سيكون وهي تعيش مع دب العسل؟ تود أن تمد يدها كي تخنقه. عندما لم تجيبه، همس لها:
"روان."
كانت تتذوق حلاوة اسمها من بين شفتيه. تشعر أنها انقطعت عن الواقع وسحبها لعالم الأحلام هاتِفة:
"صباح الخير، الحمدلله."
كان ينظر لإبتسامتها الناعمة مع الضوء الخافت. عبث صدره بسحرها كسحر أغنية قديمة لحنت على العود. احمرت خجلًا ثم تجاوزته تذهب للمرحاض. كالعادة، ترتدي عباءة مخملية ترسم مفاتنها ببراعة. غير عابئة بوجوده أو نظراته. وكالعادة، كان مدخل للشيطان. فابتسم بسخرية. كيف يفكر كالأبلة؟ لابد أنها تفعل كل ذلك لتوقعه في شباكها.
بعد أن أنهى صلاته، سمع صوت هاتفه فتوجه ليجيب. ليجده خاله:
"عامل أيه يا خال؟"
"مالها أمي؟"
"طب مسافة السكة."
خرجت من غرفتها وهي ترتدي إسدالها تسأله بفزع:
"في إيه؟ مالك؟"
"أمي تعبانة. إجهزي هننزل البلد."
***
قاسية تلك الذكريات التي نحاول أن نمحيها، وهي تحارب كي تبقى معنا.
أشرقت الشمس. وجدت نفسها تقف أمام باب ذلك البيت مرة أخرى. لا تدرى إلى أين تذهب أو ماذا تفعل. كل ما تشعر به غصة كادت تزهق روحه. بعد أن تقدم خطوتين، استدار يرمقها وهي تقف كالتمثال الصخري، فسألها بإستنكار:
"واقفة عندك كدا ليه؟ يلا تعالي."
أومأت مقاومة غصتها ثم تحركت خلفه. هزت رأسها بقوة لتطرد تلك الذكرى وكى تمنع نفسها من الإغراق في التفكير. فتح مروان باب البيت ودخل بهدوء. وعيناه دارت بالمكان. فوجد خاله يجلس على أريكة خشبية في مقابل الباب. فاقترب منه مسرعًا يسأله بقلق:
"مالها أمي يا خالي؟"
"بخير يا بني الحمدلله. سكرها وطى فجأة. جِبنا الدكتور ودلوقتي بقيت أحسن. متقلقش."
رمق خاله التي تقف خلفه منكسة رأسها والحزن يملأ عينيها. فابتسم بهدوء قائلاً:
"حمدلله على السلامة يا بنتي."
"الله يسلمك يا خالى."
تحرك مروان من أمامهم هاتِفًا:
"ها أطلع أشوف أمي يا خال. عن إذنك."
دقائق من الصمت الحزين قبل أن يقول لها:
"تعالي يا بنتي أقعدي، واقفة ليه؟"
هزت رأسها بإبتسامة هادئة لا تغادر وجهها طول فترة حديثهما. بعد لحظات، ربما دقائق، كان يهبط مروان من الأعلى هاتِفًا:
"لقيتها نايمة، مرضتش أصحيها."
"طب كويس. خد مراتك وعرفها طريق أوضتك وريحها من الطريق. ولما تصحى ابقى روح لها."
قلبها كان ينبض كالطبول الإفريقية من لفظه كلمة (مراتك). أول مرة تستشعر حلاوة الكلمة. بينما هو كان يقف ينظر إلى خاله كعامود إنارة خرساني لا يتحرك. ابتلع ريقه هاتِفًا:
"احنا هنسافر تاني أصلًا."
"هتسافر تاني وتسيب أمك؟ أكيد محتاجالها. اطلعوا يا بني ريحوا في اوضتك وبعدين يحلها حلال."
تنهد مروان وهو ينظر إلى خاله بلوم وعتاب. ثم وجه حديثه إليها:
"تعالي معايا."
صخب من المشاعر العاتية تجتاحها. اصطبغ وجهها باللون الأحمر. فتوهج خديهها بالنمش خاصتها. أشاح مروان برأسه بعيدًا يعرض عن اضطراب روحه التي يعبث بها النمش الذي يملأ وجنتها وأنفها. ولجت للغرفة وهو خلفها. كانت توزع نظرها في كل زاوية. حتى تحمحم هو فاستدارت تنظر للأعلى وكأنها لا تستوعب الهيئة الضخمة الواقفة أمامها. أشاحت ببصرها عنه ولازالت تدور بعينيها في الغرفة كأنها تتحاور في دهاليز عقلها. فأجابها هو بصوت عالٍ:
"هنضطر نقعد في أوضة واحدة. هي مسألة يومين. نطمن على أمي وبعدين نمشي."
"وليه؟!"
قطب حاجبيه مستنكرًا:
"هو إيه اللي وليه؟!"
"ليه يومين ونمشي؟ ما تخلينا في البلد."
"مش وقته الكلام دا. أنا هنزل تحت أروح أصلي مع خالي."
***
بعد مرور ساعتين.
خرجت من غرفتها لتذهب لغرفة والدته. فوجدتها تنظر للسقف. فابتسمت بهدوء وتقدمت نحوها هاتِفة:
"عاملة إيه دلوقتي؟"
"الحمدلله على كل حال. أهى أيام لحد ما أروح للغالي."
قاطعتها وهي تربت على يدها:
"ربنا يبارك في عمرك ويخليكِ."
دقائق وكان يدخل مروان وخاله وزوجته. وما أن ولج، نهضت واقفة. فاقترب مروان يقبل يدها:
"كدا يا ست الكل تقلقيني عليكِ."
"حمدلله على السلامة يا حبيبي."
رفعت بصرها لزوجة أخيها هاتِفة:
"جيتي ليه يا سعيدة؟ أنا عارفة إنك تعبانة وعذرك معاكِ."
"هاجي لأغلى منك؟!"
اقترب زوجها يربت على كتفها هاتفًا:
"معنديش أنا أغلى منكم."
ابتسمت والدة مروان بوهن هاتِفة:
"لأ، كلنا عارفين أن مفيش أغلى منها."
أطرق زوجته رأسها بخجل. التي بدت في عقدها الخامس. كانت روان تراقب ذلك الرجل وهو ينظر لزوجته بكل عشق. رفعت نظرها لمروان. هو لم ينظر لها كما ينظر ذلك الرجل لزوجته. رفع بصره ينظر إليها فتلاقت نظراتهما. لكن سرعان ما أطرقت رأسها بقلب مكلوم. كان خاله يراقبهما. فتنهد قائلًا:
"سبحانه يا اختي بيحط الأسباب وبيؤلف بين القلوب في غمضة عين."
استأذنت تفر من أمامه متهدلة الكتفين بحر عينيه مرهق بعذاب أضناه. أما هو، عيناه كانت تراقبها يشعر بالعجز ولا يعلم ماذا يفعل. هز خاله رأسه بأسى. فابن أخته نظراته كالمتلهف الذي ينتظر حبيبته.
***
في المساء.
"مالك؟" كانت هذه كلمات مروان وهو يسألها عن حالها. فهي تبدو على عكس طبيعتها في الأيام السابقة. أما هي، كانت تريد أن تصرخ به: لماذا يمقتها؟ يعاملها كالمنبوذة ولم يكمل زواجه بها؟ هل ينتقم لموت أخيه؟ لكن ما ذنبها هي؟ أغمضت عيناها وهي تجيبه بصوت متحشرج:
"ماليش، بس قلة نوم."
"طب نامي. تحبي أطفى النور؟ أنا هاكون هنا على الكنبة."
حاولت كبح دموعها وهزت رأسها في صمت وتوجهت على الفراش وأنكمشت على نفسها. ثم دثرت نفسها بالأغطية. كان يرمقها بقلق. تبدو مريضة. ظل كما هو على جلسته. حاول أن يقاوم نفسه لكنه لم يقدر.
ونهض واقفًا يتحسس جبهتها خوفًا أن تكون حرارتها مرتفعة. ولم يقاوم نفسه ومد يده يتلمس النمش الذي بوجهه. ابتعد كمن لدغته عقربة وهو يتمتم مستغفرًا. هالته الملائكية ستجذبه إلى الفخ كما فعلت مع أخيه.
***
مدت روان يدها بالصحن لحماتها. فازاحته هي بقسوة هاتِفة:
"انتِ مابتفهميش؟ قولتلك مش عايزة حاجة من خلقتك. ولا ناوية تجيبى أجلى زي ابنى."
توسعت عيناها بصدمة هاتِفة:
"أنا، أنا؟ طب ليه كدا؟ وأنا مالي؟"
"بلا مالي ومش مالي. خدي الأكل دا واطلعي برة، سيبيني في حالي."
خرجت من عندها مندفعة وشعرها الطويل متهدل على جذعها وحجابها المهلهل حول رقبتها. وما أن رآها هو، جن جنونه. فسحبها من يدها كالماعز غير عابئ بتعثرها. وما أن ولج، صرخ بها بعصبية:
"الهانم ماشية في البيت وفردة شعرها عادي؟"
أجابته بحدة وداخلها يحترق:
"عادي، هو البيت فيه مين أصلاً غيرك؟"
صرخ بها وهو يقبض على معصمها:
"فيه خالى والبيت بابه مش مقفول. ممكن أي حد يدخل. عيال خالى، أي حد ييجي. انتِ عاملة تعرفي ربنا وكله تمثيل في تمثيل."
ألم وقهر انتابها من معاملته الجافة. كلماته السامة جعلتها تنفجر. لم تعد تحتمل أكثر. خبطت على صدرها بحرقة ودموعها تسيل على وجهها هاتِفة بمرارة:
"بتعمل معايا كدا ليه ها؟! بتعملوا معايا كدا ليه؟! انت اتجوزتني ليه؟! عشان تنتقم لموت أخوك صح؟ كنت موتني وريحتني. أحب أقولك أن دا قضاء وقدر وأنا ماليش ذنب فيه."
فقد سيطرته وانهارت حصونه أمام دموعها. اندفع يكتم شهقاتها بشفتاه ليمنعها من الكلام. أحاطها بذراعه يضمها إليه. مغمض عيناه متنفسًا رائحتها. شدد يده حول جسدها الرقيق. ويد الأخرى أزال حجابها وهو يمرر يده في خصلاتها. تفاجأت من فعلته. لكنها لم تستمر كثيرًا في صدمتها وتجاوبت معه. وبادلته القبلة بوجع. وما أن انتبه على وضعهما، انتفض كالملسوع بعيدًا عنها صارخًا:
"ابعدي عني ابعدي. كنت عارف أنك رخيصة وعايزة توصلي لكدا. ودا كل هدفك."
***
"لأ ما أنا مش هسكت بقى. كدا الوقت بيجري مني وهتفضحت."
"لكِ الكلمات قالتها الفتاة وهي تحدث ذلك الشاب الذي معاها. ثم تابعت تسأله:
"أنت قولتلي أخوه جه البلد؟"
"ايوة؟"
"يبقى هو الحل في المصيبة دي."
رواية قدري المر الفصل الخامس 5 - بقلم سارة فتحي
تضم ركبتيها إلى صدرها، تنتفض بألم والذكرى تجتاحها. وجع ينتشر بروحها وعقلها، طعنة مخزية في كبريائها وأنوثتها. هي بادلته قبلته ونسيت وضعهما الحقيقي. لحظة وما هو وضعهما الحقيقي؟!
اغمضت عيناها وهي تكتم شهقاتها، تشعر باشمئزاز من نفسها. شعور الذل والهوان يجتاحها.
انهضت متوجهة للمرحاض. وقفت أمام المرآة تشعر أنها منبوذة. غسلت وجهها بالماء لكنها لم تستطع أن تقاوم انهيارها. جلست في أرضية المرحاض تبكي بكاء مرير، وجع طاحن بقلبها. ضاقت بها الحياة لتشعر أن العالم كله يرفضها، منبوذة. وكأن قدرها أن تبقى روح بلا مأوى.
***
يشعر بإختناق بسبب ضعفه وبسبب جرحها. حمله ثقيل. مسح وجهه براحة يديه يشعر بالتعب. فمنذ أن توفى أخيه يشعر أنه في دوامة ولا يعلم متى الخروج؟! لا يعلم كيف انقض على شفتاها هكذا. دموعها والنمش الذي بوجهها جعله كالسكير.
سأله خاله وهو ينظر إلى ملامحه المجهدة:
- مالك يا بني؟!
كتم أنفاسه بقوة. يا لله هذا الكلام كيف ينطق به؟! ضاقت دنياه بما رحبت.
- تعبان يا خال.
تلك اللحظة كانت تهبط من الأعلى. شعر بها. رفع عينيه لها فتلاقت عيناه بنظرة زلزلت كيانه. ارتعدت أوصاله بعد أن كانت تجمدت لفترة. وما أن وقفت أمامه وهتفت:
- أنا عايزة أروح عند أهلي.
سألها مسرعًا بارتباك:
- هتروحي لأهلك ليه؟!
ابتسم خاله وهو يهز رأسه ثم تدخل هاتفاً:
- وما له يا بنتي تروحي لأهلك وتقعدي معاهم يومين.
- لأ.
أجابه خاله:
- متقلقش، والدتك بقت بخير وهي تقدر تروح يا مروان.
اسمع الكلام. روح وصلها وتعالى.
وما أن خرجا من باب المنزل سحبها من يدها هاتفاً:
- أنا مبحبش حد يلوى إيدي، فاهمة. المفروض كنتِ سألتيني أنا الأول.
نظرة عتاب تبقى أقوى من الكلمات. انطلقت من عيناها لصدره أحرقته بنيرانها. فنظر في عيناها. كانت كورقة ذابلة تهاوت من غصنها. فهمست بتقطع:
- طلقني.
كل إنسان منا على نفسه بصيرا. يعلم ما يجول فيه. مهما ادعينا العكس، أو أنكرنا المعلوم. جميعًا ضعاف أمام ما تخضع له قلوبنا. نعلم مواضع ضعفنا جيدًا.
همس لها:
- قدامي على العربية ولما ترجعي نتكلم.
***
كانت طوال الطريق منطوية عنه، تنظر بعينيها للناس التي تسير في الشوارع. تُرى هناك من يعاني مثلها؟ أهي الوحيدة التي تعاني في هذا العالم؟ أغمضت عيناها بحرقة. كان يراقبها وقلبه يرفرف بداخله كالطير المذبوح.
وما أن توقفت السيارة هبطت منها مسرعة دون أن تلتفت إليه. يود أن يلحقها، لكن ماذا سيقول لها؟ خبط على المقود عدة مرات ثم انطلق بسيارته يسابق الريح. لا يعلم إلى أين يذهب؟! قلبه يعتصر لألمها ولشعورها بالخزي. توقف بسيارته ثم استند برأسه للخلف على مقعد السيارة يشعر بثقل على صدره. ثم حزم أمره ونزل من سيارته وطرق الباب الذي أمامه.
لحظات وكان يفتح له صديق أخيه المقرب:
- مروان، حمدًا لله على سلامة. جيت امتى؟
- من يومين. اسمع يا رامي عايزك في خدمة. كدا بما إنك كنت قريب لريان الله يرحمه أكتر مني.
- الله يرحمه. أؤمرني.
تنهد مروان ثم حدثه بشيء من الارتباك:
- أنت تعرف عنوان المستشفى اللي كانت شغالة فيها الجماعة.
سأله ببلاهة:
- جماعة مين؟
- في إيه يا رامي مالك؟ ماتركز معايا. هتكون جماعة مين؟ جماعة مراتي.
تحمحم رامي وهو يفرك رأسه ثم أجابه:
- الصراحة مش فاكر قوي. بس أنا عارف المكان كدا بالشبه. تخاطيف. بس اديني كدا لحد بالليل وأنا هعرفلك العنوان بالضبط.
ربت مروان على كتفه وهو يتحرك قائلاً:
- طب متتأخرش عليا.
استقل سيارته مرة أخرى متوجهًا للبيت.
***
- يا بت مالك من ساعة ما جيتِ قاعدة كدا. جوزك زعلك ولا حاجة. بس إزاي دا. كل اللي يقابلني يقولي يابختك بجوز بنتك. دا راجل ولا كل الرجالة. ابن حلال وطيب ويعرف ربنا.
تلك الكلمات قالتها والدة روان. أما روان لم يكن ردها سوى دمعة، ثم أخرى، تلاها انفجار في البكاء.
ضربت أمها صدرها هاتفة بتوجس:
- يا بت مالك طمنيني عليكي. إيه العياط والحزن دا كله؟ أنا أمك. فضفضي وطمنيني.
أجابتها روان من بين شهقاتها:
- يعني لو قولتلك عايزة أطلق هتقفي معايا وتساعديني.
- طلاق!! طلاق إيه بعد الشر. والله دي عين ومسكتك من ساعة ما قولتي يا جواز. بعدين يا بت الراجل ومراته بيحصل بينهم كتير في أول سنة جواز وبعد كدا يولفوا على بعض. وإن كان زعق ولا شخط. اهو الرجالة كلها كدا والله. عين. أنا هقوم أجيب البخور وأبخرك.
ضاقت نظراتها والألم يتضاعف بداخلها. اغمضت عينيها بوجع وهي تسترجع تلك الذكرى. تتذكر أعين الجميع التي تشع غيرة وحسد بسبب زواجها. لا يعلمون كيف يعاملها. تمنت في هذه اللحظة أن تنهي حياتها، وتنحر شريان حياتها وتنتهي. لم تجد لأوجاعها مأوى وضاقت دنياها. استغفرت ربها سريعًا ونهضت مسرعة صوب المرحاض لتتوضأ وتصلي وتتضرع لخالقها.
***
في اليوم التالي. وقف وسط الأراضي الزراعية يصرخ في العمال بحدة. حتى جاءه صوت من خلفه:
- مروان.
استدار ليجده خاله. مضى نحوه:
- عامل إيه يا خال؟
- بالراحة يا مروان مالك طايح في الكل.
تنهد وهو يجلس بجانبه:
- هما كانوا مش بيشتغلوا أصلاً. ودا اللي خلاني زعقت.
جاء أحد العمال واضعًا أمامه القهوة. فتناولها مروان يرتشف منها. فتبدلت ملامحه هاتفًا:
- شيلها، شيلها خلاص مش عايز.
سأله العامل بحزن:
- ليه بس دي رابع مرة أعملها.
- البن طعمه مغير غير بتاع إسكندرية.
ربت خاله على كتفه متسائلاً:
- مراتك رجعت ولا لسه؟
- لسه. هي أصلًا طلبت الطلاق.
ابتسم خاله وهو ينظر أمامه قائلاً:
- طب يبقى جت منها وكدا تطلق ومهمتك تمت على خير.
رمقه بإستنكار هاتفًا:
- يعني إيه دا. لسه مكملناش كام شهر لما نتطلق. الناس تقول عليها إيه.
- أنت كانت نيتك الستر ليها واهو عملته. وبعد كدا عاشروهن بالمعروف ودا أنت مش عارف تعمله يبقى تشيل نفسك ذنب ليه؟
- أنا هتجنن يا خال. إزاي تفرط في نفسها بالسهولة دي. طب ما ريان كانت نيته جواز ليه تفرط كدا. بقى دا يرضي ربنا اللي بتصلي عشانه ليل نهار.
رفع خاله كتفيه بدليل عدم المعرفة هاتفًا:
- الله أعلى وأعلم. بس أنت سألتها عن السبب.
- لا طبعًا مش هستحمل أعرف حاجة زي كدا.
- مش هتستحمل.
أجابه بتوتر قائلاً وهو يقول عكس ما بداخله:
- آه مش هاستحمل أسمع أن أخويا عمل كدا وهو بقى عند ربنا دلوقتي. مش هاستحمل أسمع الكلام.
نهض خاله واقفًا وهو يقول:
- طب يا ابني ربنا بيقبل التوبة. وإذا كانت هي عرفت غلطتها وقررت تصلحه حقها فرصة. والحمد لله أنت عملت معاها كدا. دلوقتي تقدر تفارق مرتاح البال وربنا يجعله في ميزان حسناتك.
انصرف خاله. فوضع رأسه بين راحتيه. حاول الابتعاد وأن لا يقع في شباكها. كما حاول التماسك وعدم النظر إليها. كم كان قاسيًا. كان يذكر نفسه أنه كان يريد رضا الله عليه، وستر مسلم. فقط كان يعذب نفسه ويجلدها. لكن هي من راودته بتصرفاتها الهادئة.
***
مر يومان.
مر يومان ولم تأتِ. كل هذا الوقت منذ أن تركها أمام بيتها. حتى أنها لم تتحدث بكلمة. بل إحقاقًا للحق قالت إنها لن تعود ثانية. وعليه الإسراع في الطلاق. يقف الآن أمام بيتها يقنع نفسه أنها يجب أن تبقى تحت عيناه دائمًا. هي ليست أهلًا للثقة. فرك وجهه من صراعه الداخلي. حرب ضارية تنشب بداخله الآن. حزم أمره وهبط من السيارة متوجهًا نحو البيت.
بالداخل تجلس أمام الشرفة منكمشة على نفسها. وأمامها فنجان. لا تشرب القهوة وليس مزاجها بها. لكنها أدمنت رائحتها التي ترتبط به. فجأة أتفتح باب الغرفة. وكانت والدتها التي هرولت إليها هاتفة:
- قومي يا بت اغسلي وشك كدا وظبطي نفسك. جوزك برا.
- جوزي مين؟
- مروان يا منيلة. هو انتِ متجوزة غيره.
شعرت بانتفاضة في قلبها ثم همست بألم:
- جاي ليه. أنا مش عاوزاه. أنا عايزة أطلق.
انقضت عليها والدتها تكمم فمها هاتفة:
- اخرسي، اخرسي يابت. بقى الراجل جاي وعايز ياخدك معاه. وبيقول إنه سابك على راحتك. بس كفاية كدا. بطلي عبط. قومي كدا ظبطي نفسك.
ويحاولت السيطرة على دموعها دون جدوى هاتفة:
- بقولك مش مرتاحة معاه ولازم أطلق منه.
- دا كل البنات كانوا بيحسدوكي. بطلي هبل واستعيذي من الشيطان كدا.
***
دقائق وكانت تقف امامه. مسحت دموعها تخشى الضعف أمامه. وضعفها هنا يعني خزى. تخشى النظر لعينيه. تخشى أن تخسر كبرياءها. عليها أن تكون أكثر حزم وقوة. همست:
- عايز إيه؟! وجاي من غير المأذون ليه؟!
كانت عينيه تحدق بها بعمق عينيها الحزينتين. كانت تسرد ألف قصة وجع وقهر. مضى نحوها ثم مال هامسًا بنبرة رجولية خشنة:
- هنروح البيت وهنتكلم هناك براحتنا.
بدأ قلبها في النبض بجنون عندما مال هو عليها. رفعت عينيها ترمقه بنيران. فابتعد هاتفًا:
- يلا بينا.
***
ذهبت معه في السيارة مرة ثانية، عاجزة عن الاختيار. الشعور بالخذلان والعجز كالعلقم يدمر كل شيء بداخلك. ظلت صامتة طول الطريق حتى وصلت وهبطت من السيارة تسبقه إلى الداخل. فأوقفها قائلًا:
- روان.
لم يكن فقط ينطق اسمها لكنه كان يشكو عذابه. نظرت لعينيه في صمت فتابع:
- عايز أشرب فنجان قهوة.
هزت رأسها وأولته ظهرها هاتفة:
- ها أقول لحد في المطبخ يعملها.
- لأ لأ.
استدارت ترمقه بإستنكار فأردف بشيء من التوسل:
- لأ اعمليها انتِ. عندي صداع دماغي هتنفجر. محتاج فنجان مظبوط.
كانت تتفحصه. شعره الأسود، رموشه الكثيفة، ملامحه الحادة وطوله المديد يتنافى مع نبرته الطفولية. حتماً سيصيبها بالجنون. هزت رأسها ثم توجهت للمطبخ. قبل أن تبدل ثيابها أعدتها ووضعتها أمامه. تناولها وهو يمرر الفنجان أمام أنفه ليستنشق رائحته في أنفه هامسًا:
- تسلم إيديكِ.
***
في المساء.
- دا عنوان المستشفى يا مروان.
قبض مروان على ورقة بيده وهو يحاول ضبط أنفاسه هاتفًا:
- تعبتك يا رامي.
- ولا تعب ولا حاجة. بس خير.
ربت على كتفه هاتفًا:
- خير.
***
ولج مروان للمشفى التي كانت تعمل بها روان ليسأل عن أخلاقها. لعله يجد بعض الكلمات التي تريح قلبه. وجد أحد الرجال يجلس في استعلامات المشفى. فاقترب يسأله بتوتر:
- لو سمحت هو في ممرضة هنا كان أسمها روان.
قطب الرجل حاجبيه ثم أجابه:
- والله يا ابني في هنا كتير. أنا مباخدش بالي.
غمغم مروان قائلاً:
- هي بتلبس خمار كدا ووشها فيه نمش.
- آه عرفتها. خير عايز إيه؟
- معلش كنت حابب أسأل عن أخلاقها يعني.
هز الرجل رأسه بأسف هاتفًا:
- ربنا يستر على ولايانا. أنا مبحبش أجيب سيرة حد.
تسارعت أنفاس مروان وجف حلقه وهو يسأله:
- يعني إيه؟
- يعني اللي فهمته بالظبط. ولو سمحت بقي أنا عندي شغل.
رواية قدري المر الفصل السادس 6 - بقلم سارة فتحي
دائمًا لا تسمع لما تتفوه به الناس ولا تحكم على أحد قبل المواجهة والاستماع إليه. ارتقِ بأخلاقك وترفع عن القيل والقال. لا تتسرع بالأحكام، حتى لا تبقى ندبة بحياة أحدهم. كن ذكرى جميلة.
ولج للغرفة وجدها مظلمة وهي تنام بهدوء ولا تشعر بأي شيء حولها. اقترب ينظر لوجهها مع الضوء الخافت. كيف تكون بكل هذه البراءة من الخارج وبداخلها جحيم؟ أوقعت أخيه، والآن تدعي البراءة. كور يده محاولًا كبح غضبه. هو بحياته لم يؤذِ أحد، لم يسعَ لارتكاب أي فاحشة. وضع يده على صدره متألمًا. بخطوات مثقلة مضى نحو الأريكة ليجلس عليها وعيناه مثبتة عليها. ضجيج العالم في رأسه. ألم حارق يكويه. ليته لم يتزوجه، ليته يستطيع أن يفعل شيئًا لنزع هذا الشعور من داخله. نفض أفكاره التي تذبحه. لا يريد التفكير بها. سوف يطلقها وانتهى الأمر.
***
في الصباح، أعدت الفطور للجميع وصنعت له فنجانًا ووضعته بجانبه.
أزاحه بقوة ليقع أرضًا ويتهشم لشظايا، قائلًا:
- مش عايز زفت. متتصرفيش من دماغك.
ارتسمت الصدمة والذهول على ملامحها ثم سألته بتردد:
- ليه كدا؟
- انتِ هنا مش ست البيت عشان تتصرفي من دماغك.
أغمضت عيناها بألم والدموع تغزو مقلتيها. حاولت كبت دموعها ونبرة صوتها الباكي هامسة:
- أنا تعبت، تعبت بجد من المعاملة دي. أنا كنت بعدت وريحتك. ممكن أفهم ده آخره إيه وبتعاملني كدا ليه؟!
صرخت بها حماتها قائلة:
- ما خلاص خلصنا بقى. جوزك ومتضايق هتفتحي له تحقيق.
رفعت عيناها تتأمله والألم يعتصر قلبها مردفة بصوت معذب ومطعون:
- هو جوزي بس إنه يهيني ويوجعني بالشكل ده، وانتِ تقولي عادي. أنا طلبت من ابنك الطلاق عشان ترتاحي أنتِ وهو مني. ياريت تقنعيه ونخلص.
لجت إلى غرفتها وظل الحال كما هو. تنام طيلة الليل والنهار تنعزل عن الجميع في صمت.
بعد يومين، ولج للغرفة لكنها لم تشعر به. فوجئت بوجوده. نظرت له للحظات بعد أن أدركت أن عينيه في عينيها. بنظرات تحكي الكثير، لكن نظراته كانت غامضة. شعرت أنها تغوص في بئر عميق متسع. كان يقف أمامها بكل جبروت. أغمضت عينيها بوجع. ماذا كانت تنتظر؟ أن يعود معتذرًا، نادمًا. نهضت تقف أمامه هاتفة:
- طلقني.
- بعينك. كبرت في دماغي، ما فيش طلاق وهتفضلي طول عمرك جوا البيت ده وما فيش خروج منه.
نظرت له بعيون تملأها الدموع وقالت بصوت مبحوح:
- طب ليه؟! أنا أذيتك في حاجة؟!
خفق قلبه بشدة، قبضة فولاذية تعتصره. لما الحياة ليست عادلة؟ كيف سيحيا الآن مع هذا الوجع؟ كانت حياته هادئة. صوته المنكسر وملامحها الشاحبة تعذبه. لم يجيبها وخرج مندفعًا لغرفة والدته. وما أن ولج تسمر في مكانه. والدته مغشيًا عليها. جثى على ركبتيه يصرخ بفزع:
- أمي! أمي يا أمي ردي عليا! متسبنيش يا أمي! أمي!
هرولت من غرفتها على صوت صراخه واقتربت من والدته تتحسس نبضها هاتفة:
- جهاز الضغط والسكر بسرعة واتصلي بالدكتور.
تحرك. نهض مروان وهو ينظر للمشهد الذي أمامه هاتفًا برعب:
- لا يا أمي متسبنيش.
حاولت أن تصفّي عقلها من نوبة ذعرها. أما هو حاول السيطرة على نفسه متوجهًا للدرج يجلب الأجهزة. شرعت هي تقيس السكر ثم نظرت إليه هاتفة بغضب من استسلامه:
- بقولك اتصل بالدكتور. أنت قاعد كدا ليه؟!
سرّع يتصل بالطبيب ثم اقترب من والدته يحيطها بيده ونهض بها يضعها على الفراش. أسرعت هي تعطي لحماتها جرعة السكر اللازمة. بعد مرور نصف ساعة قد وصل الطبيب الذي بدأ فحصها. اعتدل واقفًا:
- الضغط واطي وهنركب محلول.
بعد محاولة عديدة من الطبيب بغرس حقنة المغذي في يدها لكنه فشل، فتدخلت روان هاتفة:
- أنا ممكن أساعدك. أنا أعرف.
- تعرفي بجد؟! أنتِ دكتورة؟
- لأ، ممرضة. ممكن؟!
ابتسم الطبيب الشاب هاتفًا:
- ممكن؟! ده أكيد طبعًا. اتفضلِ.
اقتربت تربط ذراعها من الأعلى بالرباط المطاطي ثم تحسست بأناملها عروقها. تمتمت وهي تسمي الله، واخترقت الإبرة الوريد وظهرت قطرات الدم دليلًا على إتمام المهمة بنجاح. وضعت (الكالونة) ثم استقامت. فنظر لها الطبيب الشاب هاتفًا:
- برافو عليكِ. أنا فعلًا محتاج واحدة بشطارتك معايا في العيادة.
ابتسمت باستحياء. فقطع مروان حديثهما ناظرًا لروان وأمرها بصوت غاضب شرس:
- خلصتي تركيب ارجعي.
نظرت له بيأس عندما رأته يقف كالوحش الكاسر، يقف بتحفز وغضب. تحركت تقف بجانبه وهي تبادله النظرات.
أقترب الطبيب من والدته يقيس الضغط ثانية فابتسم:
- الحمدلله الضغط ابتدا يتظبط. المفروض إنها تنزل المستشفى عشان تبقى تحت الملاحظة، بس طالما بنت حضرتك معاكِ كدا تمام، هي هتعرف تظبط الدنيا.
أنهى كلماته وهو يستدير لها متسائلًا:
- هتعرفي ولا ننقلها المستشفى؟
هزت رأسها وهي تتمتم بخفوت:
- آه هعرف لحد ما يتظبط الضغط والسكر. وبسهولة يا دكتور انت مش هتيجي تاني عشان تشوف العلاج وتكتب علاج تمشي عليه باستمرار. أصل السكر والضغط على طول طالعين نازلين. بيتظبطوا يوم ويطلعوا يوم.
أجابها الطبيب بعملية وابتسامة تزين ثغره:
- لا متقلقيش طبعًا هاجي.
حدجها بنظرات نارية. صك أسنانه بغضب هاتفًا:
- لأ أنا هبعت أجيب ممرضة. تعبناك. اتفضل يا دكتور.
شعر الطبيب بحرج فنهض واقفًا يقول:
- المحلول يخلص وهتكون أحسن.
استأذن. لم يعقب على كلامه وصار خلفه حتى خرج من باب البيت. ثم انطلق للأعلى يطوي درجات السلم. فتح باب الغرفة يجرها خلفه كالشاه. ثوانٍ كان يدخل غرفته. دفعها بحدة حتى كادت أن تسقط فصرخ بها بشراسة وهياج:
- أيه الهانم مش قادرة تكون محترمة ونضيفة شوية؟ أي راجل لازم ترسمي عليه.
تمتمت بذعر وهي تراقب هياجه:
- أيه الكلام ده؟! أنت مش طبيعي والله مجنون؟!
اقترب منها وهو يسب ويلعن هاتفًا بغضب نابع من نيران تحرق صدره ولا يعلم ماهيتها:
- احفظي لسانك وأحترمي البيت اللي أنتِ فيه.
مخزون صبرها قد نفذ خصوصًا بعد ملاحظته الأخير. كم تتمنى لو بيدها الآن خنجر مسمومًا تطعنه في قلبه. ذلك الفظ، الذي أفسد حياتها، ليس فقط لتقدمه لزواجه بل لخوضه الدائم في عرضها. هو ليس كباقي البشر بل هو مريض نفسي. أغمضت عينيها وكل ما يدور بداخلها أفكار إجرامية للثأر لنفسها. أجابته بشراسة:
- أنا محترمة غصب عن أي حد واللي مش عاجبه أخلاقي ممكن يبعد ويطلق. لكن تملي الواحد بيشوف كل الناس زي نفس أخلاقه، ودي مش مشكلتي إنك كدا. توحش.
علاه عينيه. يعلم أنه لو بقى ثانية واحدة سيكون مصيرها الفتك. رمقها باشمئزاز وانطلق للخارج يغلق الباب خلفه.
****
في المساء، لم تكف عيناها عن ذرف الدموع على ما حدث لها. لحظات قاسية مرت عليها. لا تستطيع أن تنسى نظرات الشك والاستنكار بعينيه. لم تشأ أن تبقى معه تحت سقف واحد ثانية أخرى. يأست ولا يوجد أمل. سترحل وتلملم كرامتها المهدورة وكبرياؤها المبعثر تحت مسمى الزواج.
يقف أمام الشرفة في غرفة والدته عاجزًا عن النطق. تأوه بخفوت. غصة بقلبه يشعر بالإنهاك الشديد ليس جسديًا بل نفسيًا. هي كحمى الموت، ذهب لعلاجها فأصابته. أغمض عينيه بوجع واقترب من والدته النائمة ليطمئن عليها. ثم توجه نحو غرفته بخطوات مترددة. وما أن ولج لم يجدها. دار بعينيه في الغرفة يبحث عنها في الغرفة ولم يجدها. أسرع نحو الخزانة يفتحها لم يجد حقيبتها. جذب خصلات شعره بغضب وأسرع للأسفل.
- وبعدها معاكِ يا روان كل يوم زعلانة وسايبة بيتك يا بنتي. متعرفيش أن الراجل مش بيحب الست الشكاية.
تلك الكلمات أردفت بها والدة روان. فعقبت هي ساخرة:
- انتِ متعرفيش حاجة عن الجواز غير كدا.
- ياختي دا أنا ياما استحملت من أبوكِ. وبعدين خليكِ عاقلة وشغلي دماغك تكسبى جوزك. هقوم أنا أحضر العشا، والصبح نروح أنا وأنتِ وبالمرة أزور حماتك.
بمجرد أن خرجت والدتها أطلقت العنان لمشاعرها وسمحت لنفسها في الانهيار. ترتجف بشدة إثر الألم الذي يجتاحها. تشعر بالذل والمهانة في كل شيء في آن واحد.
بعد المرة التي لا يعرف عددها ردت على اتصاله. فكان رده حازم:
- أنا برا البيت واطلعي حالا.
- مش هاطلع يعني مش هاطلع.
- بلاش تخليني أتصرف وأعمل حاجة تضايقك أنتِ وأهلك. اتفضلي بدل ما البلد كلها تتفرج على الفضايح.
ألقت بالهاتف على فراشها وقالت بصوت متحشرج:
- اتفلّق مش هاطلع.
ولجت والدتها لتجدها بحالتها المُزرية تلك. ضربت صدرها:
- أنتِ لسه زي ما انتِ.
- أيوه وجه برا ومش هاطلع. ليه؟
- يا مصيبتي. اقصري الشر وروحي مع جوزك. لو أبوكِ عرف أصلًا هيسحبك ويطلعك ليه. والبيت ياما فيها. أطلعي روحي. طالما جه يبقى شارى وأنا أروح بكرة ليه أشد عليه شوية.
ليس أمامها سوى حنث وعودها لنفسها. بعد دقائق وكانت تسير نحو سيارته بإنهزام ودموع متحجرة. فتحت باب السيارة وجلست بجواره في الصمت. رمقها بطرف عينيه وصدره يعلو ويهبط بانفعال. حرك السيارة بسرعة جنونية وانطلق في ظلام الليل. لو كان بإمكانه الطيران لم يتاخر.
***
دلفت للبيت تشعر بروحها غريبة. صعدت للأعلى ولم تنتظره. ولج خلفها وأغلق الباب ثم اقترب يسألها:
- زعلتي لما قولتلك أنك تحترمي البيت اللي أنتِ فيه؟ هو في واحدة محترمة تخرج من البيت من غير إذن جوزها؟
استدارت له تجيبه بسخرية:
- جوزي؟ أنت مصدق نفسك. اللي بينا دا جوز على الورق بس مش أكتر. وإشمعنى دي عايزني أعتبرك جوزي؟
- كل اللي تاعبك كدا أن الجواز على ورق. خلاص نتمم الجواز.
قبل أن تستوعب ما نطقه فمه كان يجذبها من ذراعها بقسوة لتلصق بصدره يقبلها بقسوة وعنف على ثغرها. ثم انتقل لجيدها ويده تفك أزرارها بقسوة. كانت تتلوى بين يديه وهي عاجزة عن التنفس، تخاطب أذنه الصماء:
- سيبني كفاية، أنا آسفة، مش قصدي.
تلبسه شيطانه وأعمى عيناه، لكنه فاق في الوقت المناسب.
رواية قدري المر الفصل السابع 7 - بقلم سارة فتحي
جلس يضع رأسه بين يديه، عيناه محمرتان، أنفاسه متلاحقة، ما الذي كان سيفعله؟ كيف كان سيغلبه شيطانه هكذا؟ تذكر ما حدث، توسلاتها له، صوت صراخها وبكاؤها.
عاملها بطريقة وحشية، كان ينتقم لشيء ما بداخله يتألم، انتقام شديد لتفريطها بنفسها. ويتذكر أيضاً كيف فاق على نفسه وابتعد عنها في اللحظة الأخيرة.
نهض من مكانه، يقف أمام الغرفة وطرق الباب عدة مرات، ولم يجد استجابة. دب الرعب في قلبه، وبالكاد تماسك.
فتح باب الغرفة ليجدها ملقاة على الأرض فاقدة الوعي. جثى على ركبتيه بفزع، محتضناً إياها، يضمها إلى صدره وهو يزيح خصلات شعرها، هامساً باسمها بعذاب.
"روان، افتحي عينيك يا روان، أنا آسف يا روان."
لا توجد استجابة. شاحبة بين يديه كالأموات. حاول أن يستجمع كامل قواه من نوبة ذعره، فنهض مسرعاً، يدور حول نفسه في الغرفة، يبحث عن شيء يستره به بدلاً من ثيابها المنزلية. وكل ما يدور بذهنه إنقاذ حياتها.
ألبسها ثيابها وحمل جسدها بين ذراعيه، وهرول بها للخارج. ثم وضعها في السيارة وأغلق الباب، وهرول يجلس في مكانه. ثم انطلق مسرعاً، مد يده يمسك أناملها وهو يقول:
"حقك عليا يا روان، افتحي عينيك يا روان."
وصل إلى المشفى، فتحرك مسرعاً يفتح الباب وحملها بين ذراعيه، وولج بها للداخل. فسأله الطبيب ما أن رآه:
"خير، مالها؟"
نظر لها مروان بوجع دون أن ينطق. فأمره الطبيب أن يضعها على سرير الفحص، وشرع في الفحص. لاحظ بعد الكدمات في وجهها، فنظر له بريبة:
"إيه اللي حصل بالضبط؟ وأنت تقرب لها إيه؟"
ابتلع هامساً:
"أنا جوزها. طمني يا دكتور."
"هي الحمد لله، بس واضح إنها اتعرضت لضغط."
خرجت منها همهمة بوجع، فاقترب منها هو يحدثها:
"روان، أنتِ سمعاني؟"
أجابه الطبيب بعملية ونظرات الشك لا تفارقه:
"المحلول دلوقتي هيجيب نتيجة، وهبعت ممرضة تتابع حالتها."
اقترب مروان يهمس بجوار أذنيها بتوسل:
"روان، افتحي عينيكِ."
تحمحم الطبيب قائلاً بعملية:
"هي محتاجة ترتاح، لو سمحت سيبها لأنها تعرضت لضغط شديد."
هز رأسه بالإيجاب، وتوجه يجلس على المقعد أمام فراشها. انصرف الطبيب، ومرت ساعة، فنهض من مكانه بخطوات مترددة. ثم جثى على ركبتيه أمامها، هاتفاً بأنفاس متقطعة وهو ينظر إلى وجهها المتألم:
"روان، قومي لو سمحتِ، قومي، واللي هتطلبيه هنفذه."
تأوهات خافتة منها كسياط تهوي على نياط قلبه بلا رحمة، تمزقه بتلذذ. إحساس مرارته كالعلقم يأسره ليكون فريسته. أغمض عينيه بوجع وهو يتذكر صراخها. ثم فتحها، يمرر يده على وجنتها، هاتفاً بقهر:
"أنا كنت ناوي كام شهر وأبقى تممت المهمة وأسيبك يا بنت الحلال لحال سبيلك، بس غلبتيني وخللتيني زي المجنون. أنا ذنبي مش ذنبي يا روان."
رآها تنتفض كالعصفور المذعور في يد طائر جارح. تناول يدها بين يديه ليطمئنها. دقائق وكان يطرق باب الغرفة. ولجت الممرضة للداخل كي تطمئن عليها، وما أن نظرت في وجهها شهقت بفزع:
"إيه دا يا روان؟ روان يا حبيبتي، إيه اللي حصلك؟"
تابعت وهي تنظر لمروان متسائلة:
"أنت مين؟ وهي مالها؟"
تمتم مروان بصوت خفيض حنق:
"وطّي صوتك، هي تعبانة، بالراحة. أنا جوزها."
رمقته من أعلى لأدنى، ثم انحنت بجزعها تربت على وجهها، هاتفاً:
"يا نونا، نونا حبيبتي."
رفرفت بأهدابها تنظر حولها، لا تعلم أين هي. عقلها مشوش. رمقتها بوهن في محاولة لإعادة تركيزها:
"ياسمين!! أنا فين؟"
ردت باستنكار وهي تنظر بقوة في عين مروان:
"قلب ياسمين، أنتِ هنا معانا، متقلقيش. هو أنتِ محسيتيش بدخولك المستشفى؟"
قلبه يصرخ ليطمئن عليها. تشيح بنظراتها بعيداً عنه. اقترب يسألها:
"روان، أنتِ كويسة؟"
نظرت إلى ياسمين التي كانت تراقب الموقف، ثم ردت بجفاء:
"الحمد لله."
هتفت ياسمين وهي تمضي نحو الباب:
"أنا هروح أغير هدومي، شفتي خلاص وجاية أقعد معاكِ."
وما أن خرجت، اقترب مروان يمسك يدها بلين. لسعة كهربائية قد أصابتها بالفعل عندما مسك يدها، جعلتها تنتفض بقوة وترجف بملامح معذبة. حدثها:
"صدقيني أنا مش كده، وعمري ما كنت أنا..."
قاطعته وهي تقول:
"أنتِ تخصنيش، مش عايزة أعرف حاجة عنك ولا عايزة أسمع صوتك. ابعد عني بقى."
"إحنا لازم نتكلم في حاجات ما كنتش أحب أقولها، بس مضطر عشان موقفي الأخير."
قبل أن ينهي كلامه، كانت تدخل صديقتها ياسمين، حتى دون أن تطرق الباب. فرمقه مروان بصدمة قائلاً:
"مش المفروض فيه باب تخبطي عليه الأول؟"
هزت رأسها بالإيجاب:
"أيوه فيه، بس أنا غيرت لبس المستشفى، يعني أنا مش شغالة هنا، أنا جاية أزور صاحبتي."
"على فكرة هي، هي لازم تخبطي."
قبل أن ينهي جملته، كانت ممرضة أخرى تدخل من باب. دقائق، وكانت واحدة أخرى، وواحدة تلو الأخرى، حتى أن الطبيبات توافدن على غرفتها. مما حدث، بداخله ريبة، كيف ذلك؟
دقائق، وكان إحدى الأطباء يقف على أعتاب الغرفة هاتفاً:
"السلام عليكم، كنت حابب أطمئن على روان."
نظر له والنيران تستعر في أحشائه، أجابه بصوت مستنكر والغيرة تقتله:
"هو حضرتك الدكتور اللي متابع الحالة؟"
اقتربت ياسمين قائلة:
"ده دكتور زياد معانا هنا، اتفضل يا دكتور."
جز وهو يتنفس بعنف، وعروق رقبته قد نفرت. فابتسم الطبيب، ثم أطرق رأسه، وبعد أن اطمأن عليها، ربت على كتف ذلك العاشق هاتفاً:
"ألف سلامة عليها. بصراحة روان أخت لكل هنا، ما شاء الله عليها، كفاية أخلاقها والتزامها، والكل هنا بيحبها كأخت. فمعلش استحملنا، هنزعجك ونطمن عليها."
تجمد مكانه، لا يستوعب ما يقوله. دارت أفكاره وذكرياته معها. يخشى الوصول لنقطة معينة ستحرقه. رفع بصره له، فحديثه كان صفعة، وربما أكثر. فقط صفعات.
لم يعقب، بل كان يوزع نظراته في الغرفة بينها وبين معاملة صديقتها لها. بقى صامتاً كأنه لا يتقبل ما يقال.
تحمحم الطبيب قائلاً:
"هي تقدر تخرج على فكرة."
هز رأسه وقلبه ملكوم يتألم بشدة. رمقه الطبيب باستنكار، ثم هتف:
"يلا يا بنات عشان يجهزوا وهيمشوا."
خرج الجميع، ثم توقفت ياسمين أمامه هاتفاً:
"خد بالك، أنا هاجي أزورها وأطمئن عليها، فاهم."
رمقها مروان بذهول وصدمة، حتى خرجت وأغلقت الباب خلفها. بخطوات مثقلة اتجه نحوها ليعاونها للنهوض. فبعدته بحدة هاتفاً:
"أوعى إيدك تلمسني تاني، أوعى، أنا بقرف من نفسي."
نهضت تتحامل على نفسها. في أبشع كوابيسها، لم تتخيل أن يحدث ذلك لها. دمعة حسرة تلتها دمعة خزى.
بجملة واحدة وصل المعنى، وشعر بالدونية تسرب له عندما هتفت بملامح مشبعة بالحسرة، ملامح كسيرة مجعدة بالحزن.
رن الصمت بعد جملتها. شعور بتأنيب الضمير يجتاحه. كادت أن تقع، هرول إليها، لكنها أوقفنه بيدها. فظل مكانه يرمقه، يود أن يلمسها، أن يعانقها.
*****
وقفت أمام باب الغرفة، وهو من خلفها. استدارت ترمقه بجمود هاتفاً:
"مش هدخل هنا، أنا هدخل الأوضة التانية."
يشعر بالوجع. أجل، هذا ما يشعر به. خنجر مسموم ينغرس في صدره، يشطر روحه. كان يوم ممتلئ بالمصائب. نظر لها تارة، ثم للغرفة الأخرى تارة، محاولا استيعاب ما تقوله:
"ليه؟"
لم تجبه. ما زالت كما هي، تنظر بجمود. فاقترب منها أكثر ليخبرها بنبرة مختنقة بالحقيقة، بل يعرضها أمام عينيها:
"دي أوضة ريان، ومحدش دخلها من ساعتها."
أخيراً تحدثت بكلمات أصابته في قلبه، جعلته يتمنى لو أنها لم تجبه:
"أنا استحالة أقعد معاك تحت سقف أوضة واحدة، ومش هقعد غير في الأوضة دي."
كان ينظر لها بألم. أي عذاب هذا الذي يحيا به؟ هز رأسه بيأس وأجابها بأسف وخزى:
"إنتِ ممكن تدخلي الأوضة، وأنا مش هقرب منها خالص."
رفضت نهائياً، ثم تجاوزته وولجت لغرفة أخيه وأغلقت الباب. تسمر يطالع باب الغرفة وهو يجمع أفكاره المبعثرة بداخله كقطع البازل المتناثرة. تنهد وولج لغرفته.
بعد مرور عدة ساعات، كان يدور في غرفته كالليث. لماذا ولجت لغرفة أخيه؟ هل اشتاقت له؟ لماذا منذ يومين بادلته قبلته؟ لماذا اشتعل كالبركان عندما حدثها الطبيب؟ هل وقع في غرامها أم يكرهها؟
تحرك من غرفته ليذهب إليها. طرق الباب ولم يجد أي استجابة. فتح الباب وولج، وجدها تجلس على الأريكة تضم ركبتيها لصدرها. جلس أمامها على الأريكة. كان هناك صمت تام بالغرفة. يألمه قلبه لما حدث.
أما هي، كانت تتحاشى النظر إليه، تشعر بالضعف والذل. لقد تم بيعها وانتهى الأمر. ابتسمت بمرارة وهي تنظر أمامها بشرود.
ملامحها المتألمة التي كان هو السبب بها تنحره هو من الداخل. همس:
"روان، عايزين نتكلم."
لا زال الصمت مسيطر على الغرفة حتى صدر منها نحيب، الذي تحول إلى شهقات عالية مصحوبة برجفة جسدها. كان عاجزًا عن فعل شيء. لا يعلم كيف يبرر لها فعلته ويبررها لنفسه. اقترب يرفع وجهها. انتفضت تنهض من فوق الأريكة وهي تصرخ به:
"والله لو قربت لأصرخ وأكون ماسمعة الدنيا كلها. ابعد عني. أنا بيني وبينك ربنا. ومش بس كدا، أنا بدعي ربنا يخلصني حقي من واحد زيك. مش بيخاف ربنا ومش بيتقي ربنا في الولاية. لو عندك اخت تتقبل تتهان كدا، ابعد واطلع بره الأوضة. اطلع بره."
دون أن تدري بوجعه وقهره، أطلقت كلماتها التي كانت باردة كالصقيع، التي زادت من عذابه وجعلته في مكان. لكنه لم يحتمل أكثر ونعض مسرعًا للخارج.
***
انتهى من صلاة العشاء وتهرب من خاله. لم يقو على النظر في عينيه. حتمًا سيفضح أمره. كأنه وقع في بئر عميق. شعر بأقدام تقترب منه. رفع عينيه ووجدها امرأة ترتدي عباءة سوداء وتغطي نصف وجهها بحجابها. وقفت أمامه هاتفة:
"انت مروان."
قطب حاجبيه متسائلًا:
"أنتِ مين؟"
تقدمت خطوات ثم أزاحت الحجاب عن وجهها هاتفة:
"أنا مين؟ موضوع طويل. ممكن أقعد عشان تعرف تفهمني."
"اقعدي واتكلمي بسرعة. إحنا قاعدين لوحدنا هنا."
هزت رأسها بالموافقة وجلست وهي تقول:
"الموضوع يخص ريان الله يرحمه."
انتبهت جميع حواسه وهو يسألها باهتمام:
"ماله ريان؟"
انفجرت باكية وهي تقول:
"آه الله يرحمه. ريان، ريان يبقى جوزي."
"نعم!! أنتِ بتخرفي بتقولي أيه؟! وإيه اللي يخلي ريان يخبّي علينا جوزه؟ وأمه كانت بتتمنى يتجوز. وبالفعل كانت هتجوزه."
تنهدت وهي تسرد له هاتفه:
"أنا وريان كنا بنحب بعض أوي وحصلت بينا علاقة. والله مرة واحدة. وهو جه اتقدم لابويا وكتبنا الكتاب كمان قبل ما يتوفى بـ 3 أسابيع بس. وكان قالي هيكمل الفرح دا عشان أمه وأخوه وهياخد لينا شقة في إسكندرية ونعيش هناك بحجة الشغل بتاعكم اللي هناك. وللأسف مفيش حاجة كملت."
صراع داخل عقله. تتضارب في أفكاره. ابتلع وهو يسألها:
"وأنا إيه اللي يخليني أصدق كلامك؟"
مدت يدها في حقيبتها وأخرجت ورقتين هاتفة:
"دي ورقة جوزي منه."
صمتت قليلًا ثم أكملت وهي تمد الورقة الأخرى هاتفة:
"دا تحاليل ليا أنا حامل من ريان وفي نص الشهر الرابع. ودا السبب اللي خلاني أجيلك هنا. أنا كدا هتفضح وسط أهلي. أنا مش عارفة أعمل أيه؟"
رواية قدري المر الفصل الثامن 8 - بقلم سارة فتحي
يقود سيارته هائمًا بشرود، والأحداث أمامه لا تتركه بحاله. منذ يوم زفاف أخيه، ومكالمته الغامضة، وزواجه هو منها، ودموعها وقهرها، ومعاملتها لعمار، لتختتم الأمور بكل زملائها في المشفى وحديثهما عنها.
مسح خصلاته بعنف، وراح تفكيره أن روان زوجته حلاله لم تكن هي المقصودة.
أوقف السيارة في الخلاء يصرخ. من يطيب جرحها الآني؟ أن يموت حالًا، كيف ظلمها؟ أخذ يهمس لنفسه:
"أنت انتهيت يا مروان، أنت غبي يا مروان."
أغمض عينيه يتذكر كلماتها الأخيرة، ثم أخذ يضرب موضع قلبه هاتفًا:
"لا يارب لأ، أنا ما كانش قصدي كدا، أنا مستاهلش كدا."
استند برأسه للخلف وهو يفكر كيف سيتصرف الآن.
***
في اليوم التالي.
تجلس على سجادة الصلاة تبكي بحرقة. حاولت جاهدة أن تتماسك لكنها تفشل. فكلما تعمقت في التفكير أيقنت أنه يحتقرها، ربما يعاملها كآفة ضارة.
فتح الباب وولج. فانتفضت هي في تلك اللحظة على صوت إغلاقه للباب. وجدها تجلس أمامه، فاقترب منها أكثر وأكثر ونبضات قلبه تعلو أكثر، حتى جلس أمامها.
وقبل أن تنهض كان يقبض على معصمها كي تجلس.
نزعت يدها بحدة:
"قولتلك أبعد عني."
"المرة دي ما فيش مفر، ولازم تسمعيني، لازم."
أخذ نفسًا عميقًا للداخل ثم زفره على مهل قائلًا:
"قبل أي حاجة عايزك تعرفي أني بني آدم مش وحش. أنا بعرف ربنا وبراعيه في كل كبيرة وصغيرة. الموضوع ممكن بس أنا غلطت في فهم الأمور."
ابتسمت بسخرية فـتنهد بأسف يسرد عليها ما صار معه وأسباب الزواج منها وصولًا بزوجة أخيه الحامل.
بقيت جامدة كما هي لم تتحرك. ابتسمت ساخرة وترتسم على ثغرها مسرحية هزلية. هي المظلومة داخل الحبكة والسرد لهذه المسرحية، هي من دفعت الفاتورة، هي من نالت العقاب، هي كانت كبش فدا للجميع.
أشارت لنفسها متسائلة وهي تقول:
"انت كنت مفكرني أنا كدا؟ أنت شفتني بالرخص دا؟ طب كنت أسألني، كنت اسألني بدل ما تظلمني؟ كنت اتأكد. أنتِ بوظت حياتي وهدمتها. أنت من أكتر حد بكرهه في الحياة هو أنت."
شُل لسانه عن الكلام يحاول أن يجد كلمات ليرد عليها. أخيرًا هتف بنبرة متألمة يتوسلها ويستجديها:
"لأ لأ، متقوليش كدا، أنا أقسم لك كانت نيتي الستر ليكِ وإني أتحمل غلط أخويا. أنا مسألتش عشان موجعكيش أو أجرحك."
نهضت بهياج وهي تضرب صدرها بقوة تعبر عن مدى ألمها وتعبها هاتفة:
"كل دا وموجعتنيش؟ كل دا ومجرحتنيش؟ دا كفاية نظرات القرف والإشمئزاز في عينيك، دا كفاية إنك كنت هتغت..."
صخبه وغضبه الداخلي كان يفوق حالتها مما جعله يصرخ بها قائلًا:
"متكمليش، متكمليش. أنا كنت عامل زي الطير المدبوح بيفرفر ومش عارف إيه وبيعمل إيه. الأول كان الموضوع عادي بالنسبة لي، بس في الأخر كان صعب عليا أوي. كان كلامك مع أي حد بيجنني زي الدكتور، كنت بربط الكلام على طول بمكالمة ريان."
"متكملش متكملش، انت مش عايزة أسمع ولا أعرف حاجة تاني."
تركت نفسها على حالتها. أقترب يحاوط كتفيها ولكنه أبتعد لدفعها له في صدره. ثم رفعت يدها تمسح عبراتها قائلة بجمود:
"هتطلقني دلوقتي؟ ومش هامشي غير لما ترمي اليمين. وروح لمرات أخوك ربنا يقدرك معاها على فعل الخير."
"ما فيش طلاق، انسيه. أنتِ مراتي فاهمة؟ وموضوع مرات أخويا تنسيه نهائي ولا كأنك سمعتيه."
سألته بنفس نبرة الجمود:
"يعني مش هتحل لها المشكلة وهتسيبها؟"
جذب خصلات شعره بعنف وهو يقول بنبرة مرهقة:
"هاكتب عليها عشان أهلها ما يعرفوش موضوع الحمل وعشان ابن أخويا."
صدرها أخذ يضج تزامنًا مع نبضات قلبها، كأنها ستسقط من أعلى الهاوية. كلما سقطت أكثر زاد الألم أكثر. إنها تتهاوى ببطء. سيتزوج عليها. ابتسمت ساخرة بداخلها وهو لم يتزوجها بالأساس، لكن لماذا قلبها يؤلمها بشدة؟ رفعت رأسها هاتفة:
"ومين بقى اللي هتوافق بالوضع دا؟ أنا هرفع قضية وهاكسبها وهتطلق غصب عنك، فطلقني بالذوق أحسن لك."
"اسمعي أنا غلطت بس أنا فعلا حبييتك لدرجة إني بموت من الغيرة وبقيت مجنون بيكِ. لو سمحتِ افهميني وبلاش توجعيني، أنا تعبان أوي."
غمغم بكلمات غريبة عن أسلوبه، نبرته منكسرة مستجوارحها، ونظراته كانت تزلزل كيانها. لكنها استعادت ثباتها ودفعته في صدره هاتفة:
"أنا هامشي ومش عايزة أشوف وشك غير وانت جاي عشان تطلقني."
***
"أنا ما حدش هيفيدني في الموضوع دا كله غيرك يا رامي."
تلك الكلمات قالها مروان لرامي الذي أردف:
"أنا رقبتي ليك."
"أنت صاحب ريان وما كنتوش بتفترقوا. هو ريان فعلا اتجوز من ورايا؟"
صمت قليلًا ثم بلل شفتاه قائلًا:
"الصراحة يا مروان أيوه، وأنا كنت شاهد على العقد. بس انت عرفت إزاي؟"
أغمض عينيه الأفكار تتزاحم بعقله ترجُمه بقسوة، ثم ربت على كتفه هامسًا:
"مش مهم، مش مهم يا رامي دلوقتي، يلا سلام."
***
"كويس إني لقيتك يا خال."
عادته يمسك مسبحته بيده وهو يبتسم بترحاب:
"تعالى يا مروان، أنا على طول موجود."
تنهد مروان يسرد عليه التفاصيل كاملة، لكنه لم يقص عليه الجزء الأخير الخاص بروان وكيف كان سيعتدي عليها. توسعت عين خاله بصدمة:
"إيه الكلام دا يا بني، مش قولتلك اتأكد من الأول. أكيد حقها الطلاق، والله البنت دي صعبانة عليا. ربنا يريح قلبها. طب والحل مع مرات أخوك؟"
"دي فيها حل يا خال، الورقة حقيقية ومش مزورة، واللي في بطنها بتقول ابن أخويا. ولو مش ابن أخويا مش هعرف أتاكد دلوقتي، لكن أنا لازم أحمي ابن أخويا."
تنهد خاله بيأس هاتفًا:
"طب دي هتكتب عليها إزاي دي في عدتها؟"
"عارف يا خال عارف، بس أنا هااتصرف ولازم أشوف صرفة."
"ربنا يريح بالك يا ابني ويهديلك العاصي."
مال مروان يقبل يده وهبطت منه دمعة. ما أصعب قهر الرجال هاتفًا:
"ربنا يخليك ليا يا خال، أدعيلي كتير، محتاج دعواتك دي أوي يا خال. قلبي كان طول عمره في أمان وبعيد، دلوقتي أنا بموت يا خال بالبطيء."
ربت على ساقه هاتفًا:
"بعد الشر عنك، لعل الخير يكمن في الشر. أنا واثق فيك."
***
ما أن وصلت بيتها ووقفت تنظر لهم كانت ترى ضبابة رمادية. والدها، والدتها، وأخواتها، الكل يسأل عن حالها، عن هيئتها. الأجابات صعبة ومبهمة. هي متعبة جدًا، منهكة، ضائعة. حاولت أن تلتقط أنفاسها بصعوبة.
"عايزين تعرفوا طيب وماله، عشان تعرفوا إنكم بعتوني بالرخيص."
ما أن انتهت من سرد ما صار معها أستسلمت لتلك الضبابة الرمادية لتقع أرضًا مغشيًا عليها.
***
بعد يومين كان يجلس معها بينما عقله يدور في مكان آخر. يدور مع من امتلكته، فهو لا يعلم عنها شيئًا. تركها على راحتها كي تستريح.
كانت تجلس هذه الفتاة بجواره، فهمس قائلًا:
"زي ما قولتلك هاقابل والدك انهاردا وهاظبط كل حاجة، متقلقيش."
رفعت عيناها إليه بنظرات صامتة ثم أجابته بدلال:
"اسمي نورهان."
لم يجيبها وألتزم الصمت قائلًا:
"تقدري تروحي، أنا كلامي مع والدك."
***
بعد مرور أسبوع.
صوان كبير مملوء بالمدعوين، الكل يبارك ونساء يطلقون الزغاريد. وهو يجلس وسط الرجال. وما أن أطلق المأذون كلمة:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
***
بعد مرور يومين.
كانت تقف أمام المرآة تكمل زينتها بإتقان، واثقة، تعلم ما تريد ومتى تريد. تلك هي واجهتها ولا يهمها شئ سوى أن تمتلكه، حتى لا يعود لزوجته. وهي تعرف ماذا تفعل.
أقتربت من فراشه كان عاري الصدر. رمقت نفسها نظرة أخيرة برضا. وإلى جلبابها المكشوف ثم تأوهت بصوت عالٍ:
"آه آه."
انتفض مروان من نومته ينظر حوله حتى عملت حواسه. أقترب منها مسرعًا يساندها متسائلًا:
"انتِ كويسة؟!"
وضعت يدها أسفل بطنها هاتفة:
"الحمل تاعبني أوى، الدكتورة قالتلي من الحزن. وغير إني قمت من الصبح عملت كل حاجة في البيت."
أنهت كلامها وهى تطلق آهات ثانية. أقترب يحملها سريعًا ليضعها على الفراش. شعر بلمساتها على صدره، أبتلع ريقه. بينما هي كانت تتعمد أقترابها منه وانفاسها تلفح رقبته. بالنهاية هي أنثى وهو رجل وثالثهما الشيطان. رفعت بصرها لتنظر لعيناه، ابتسمت بإنتصار وهي ترى تأثيرها عليه.
رواية قدري المر الفصل التاسع 9 - بقلم سارة فتحي
بعد مرور ثلاثة أشهر.
كم هي غريبة تدابير القدر، وكم هي يمكنها أن تفاجئك في لحظة.
كانت على وشك أن تبدأ حياتها مع رجل، فيقتحم أخوه حياتها.
حبيسة داخل قوقعتها، لا تريد الخروج منها. تريد الهروب من كل الأحداث التي مرت عليها كالجحيم. لا تريد أن تسمع شيئًا أو ترى أحدًا. شيء في داخلها تهشم، تكاد تسمع صوت التهشم بأذنيها. تريد الصراخ، بل تريد العويل. هي مذبوحة مقهورة.
لا يزال المشهد يتكرر أمام عينيها، وكل كلماته عالقة بين جدران قلبها، يتردد صداها بين ضلوعها كخنجر.
"هتفضلي قاعدة كده كتير؟!"
هتف والدها بملامح باردة.
جحظت مقلتاها من رد فعله اللامبالي، فحدثته:
"أعمل إيه؟ أنا حياتي باظت من قبل ما تبدأ، وأنت كنت السبب. كل مرة بتصر على رأيك وأنا اللي اتحملت كل ده."
كانت تحدثه بعصبية، فصبرها وصل إلى نهايته. فهي تحملت نتيجة قراراته الخاطئة.
أجابها بنفس عصبيته:
"قعدتي تقولي أنا أنا لحد ما الجوازة باظت. ارتاحي أنا. كلمته هو وخاله عشان الطلاق، وهو وافق. ارتاحتي كده؟ أكيد مراته التانية مش عاملة زيك غاوية نكد."
سرت قشعريرة بجسدها من كلمة الطلاق. أغمضت عينيها، وأخذت نفسًا عميقًا فانحسر بين ضلوعها وخرج مصحوبًا بسعال، ودموعها تنهمر بقهر.
***
"مالها روان؟"
تلك الجملة قالها مروان لخاله، الذي سأله فجأة.
"هيكون نظامها إيه يا بني؟ أنت كده ظلمتها."
تنهد بأسف قائلاً:
"دي حقيقة، عشان كده لما أبوها طلب الطلاق مقدرتش أعارضه. وهتاخد مؤخرها وكل حاجة بزيادة كمان كتعويض. واللي هيطلبوه هننفذه."
تزامنًا مع إنهاء كلماته، جاء رامي لينضم إليهم. ساد الصمت للحظات، ثم سأل رامي خاله:
"أنت يا رامي كنت شاهد في عقد الجواز يا ابني؟"
"آه يا خال، كنت شاهد. ويعلم ربنا أنا كنت عايز ريان يقولكم واتحايلت عليه كتير، بس مسمعش مني وكان مضطر يكتب الكتاب."
خاله هز رأسه بأسف، ثم سأل مروان:
"طب ونورهان هتعمل إيه يا ابني؟"
تحمحم قائلاً:
"مالها يا خال. ادعوا لها تقوم بالسلامة، اللي في بطنها ولدي يعني عوض عن ريان الله يرحمه. وأكيد هتربي ابنها وسطنا وهي مش هتسيبنا."
ابتسم خاله بسخرية وهو يقول:
"أكيد أكيد، اومال هنفرط في لحمنا."
***
دلفت نورهان إلى الشرفة تحمل صينية يعتليها كوبان من الشاي، كما اعتادت أن تفعل كل يوم بعد الغداء. وضعتهما وخرجت منها.
"أنا اتنهدت، فتنهد مروان.
"مش بتسمعي الكلام ليه؟ أنا قولتلك ريحي نفسك عشان صحة البيبي. أنا هاجيبلك من بكرة حد يساعدك."
"ده التعب بتاع الحمل عادي. وبعدين القاعدة في البلكونة بترد الروح. جو اسكندرية حلو قوي. ألا بحق، هو بعد الولادة هنعيش فين؟"
ابتسم بهدوء وهو يرتشف من الشاي قائلاً:
"المكان اللي يريحك طبعًا. هو أول كام شهر هيكون هنا، وبعد كده قرارك يعني هنا أو هناك براحتك."
اخفضت رأسها وهي تقول:
"معاك."
ابتسم باتساع قائلاً:
"يبقى هنا وهنا."
تشعر بالإنتصار وتأثيرها عليه، ما يشغل بالها انتهاء الحمل حتى ينتهي معه هذا التباعد.
صدح صوت الجرس، فهمت لتفتح الباب، لكنه أمرها ألا تتحرك، ونهض هو ليفتح الباب لتنزل عليه الصاعقة.
روان تقف أمامه لثوانٍ، لا يعرف كيف يتصرف. شلت الصدمة تفكيره، حتى سألها بجمود:
"إنتِ إيه اللي جابك هنا؟"
لم يخرج صوتها، بل كانت تنظر له باحتقار واشمئزاز. لكن ذلك لم يزده إلا ضيقًا، فعاد يزمجر بها:
"بقولك إيه اللي جابك هنا؟"
"عايزة أطلق. عرفت إيه اللي جابني."
صرخت بصوت عالٍ، مما جعل من تجلس في الشرفة تأتي من الداخل. كانت تحدقها بشماتة، ثم اقتربت تقول بهدوء:
"مروان تعالوا جوه كده. مينفعش الناس تسمعنا. كل شيء يتحل بالهدوء."
استدار مروان وأغلق الباب خلفه، ثم أمسك بهاتفه الذي صدح رنينه وهو يقول:
"ادخلي في بضاعة مهمة هأمن عليها، وبعدين نشوف حوارك."
غاب في مكالمته، استغرق أكثر من نصف ساعة. كانت روان تحدقها باحتقار. كانت ترتدي ملابس ملتصقة بجسدها ومساحيق التجميل تغطي وجهها. أما الثانية، فكانت تجلس على المقعد وهي ترمقها ببرود مستفز.
دقائق وقد انضم مروان ليسألها:
"خير. قولتي عايزة إيه؟"
حاولت أن تتحكم بدموعها وانهيارها، فأجابته باختناق:
"عايزة أطلق، وأظن ده أبسط حقوقي."
"وأنا قولت لوالدك إني مشغول الفترة دي، عندي حاجات مهمة. هاأخلصها وأنزل البلد أطلقك وأخلصك. لازمتها إيه إنك تيجي لحد هنا؟"
صرخت به هياج:
"أنت معندكش دم، معندكش إحساس. أنت فاكر نفسك مين؟ مش كفاية اللي عملته، كمان عايزني أستنى لحد ما حضرتك تحن وتطلقني؟ أقسم بالله واللي خلق الخلق لو مرمتش اليمين دلوقتي لأكون رافعة القضية."
قاطعتها نورهان بخبث:
"لأ لأ كدا مينفعش. مهما كان صوتك ميعلاش كدا عيب."
"مبقاش غير انتِ اللي تعلميني العيب والصح كمان."
قبض مروان على يد روان، وهو يقول بشراسة:
"خلصتي كلامك اللي عندك اعمليه، واتفضلي زي ما جيتي امشي."
***
ما أن خرجت من الشقة وهبطت عدة درجات، شعرت أنها غير قادرة على الحركة. خارت قواها وجلست على الدرج ساكنة، لا تتحرك سوى دموعها الحارقة بحرارة بركان من الألم تنحت على وجنتيها نفقًا من الخذلان. كل جزء بجسدها يئن.
حاولت أن تتحامل على نفسها لتقف. الألام تتكالب عليها. وقفت أخيرًا وهبطت أسفل البناية. كانت تبكي بحرقة، غير عابئة بالمارة.
في هذه الأثناء، هبط كل من طه وزوجته من سيارتهما، ينظرون إليها باستنكار:
"إيه دا روان؟ مالك بتعيطي في الشارع كده ليه؟"
جذبتها زوجته معها للسيارة هاتفة:
"تعالي جوا العربية نتكلم براحتنا."
سردت لهما أنه تزوج عليها دون الدخول في التفاصيل.
فشهقت مها وهي تقول:
"مش بقولك مروان حاله متلخبط وبقى غريب اليومين دول."
"أنا عايزة أرفع على مروان قضية."
ربتت مها على كتفها بروح المقاتلة من أجل الثأر لامرأة مثلها، هاتفة بشراسة:
"بالظبط. دلوقتي حالا هنطلع على المحامي ابن خالتي وهيجيبلك حقك."
جز طه على أسنانه هاتفًا:
"طب اهدوا، وأنا هاكلم مروان وأفهم الموضوع."
كانت دموعها تنهمر كالسيل. همست:
"كل حاجة انتهت، ومافيش تفاهم."
"بقولك يا طه، هو عشان صاحبك خليك حقاني. هتتحاسب قدام ربنا لو موقفتش جنبها."
أنهت مها كلامها، ومدت يدها نحوها بمحرمة ورقية قائلة:
"اهدي يا روان عشان خاطري. والله أنتِ غالية عليا قوي، وعمار ابني بيحبك."
ازدادت الدموع الساخنة على وجهها. أوصلهما طه على مكتب المحامي. بعد وقت طويل، تمالكت نفسها وبدأت تستجيب لأسئلة المحامي قائلة:
"أيوه، عايزة أطلق للضرر، لأنه اتجوز عليا، وده وضع ما أقبلهوش بيه."
تحمحم المحامي قائلاً:
"متقلقيش، القضية طالما فيها جواز سهلة، وعشان مها، في أسرع وقت هتكون خلصانة."
"والأتعاب حضرتك؟"
ابتسم المحامي وهو ينظر لعيناها:
"اسمي رائد. وبعدين عيب، ده أنتِ تبع بنت خالتي."
هزت رأسها بالنفى والحزن يخيم عليها:
"لأ معلش، لازم. وإلا هشوف محامي تاني."
تنهد وهو ينظر إلى ملامحها المتألمة هامسًا:
"طب هجيبلك الطلاق، وساعتها هتكلم في أتعابي."
ابتسمت مها قائلة:
"رائد عمره ما خسر قضية."
تنهد رائد وهو يهمس بصوت بالكاد يكون مسموع:
"بس المرة دي خسر."
كان طه يرمق الموقف بإمتقاض، كان يشعر بتغير صديقه، ولم يعلم أنه أصبح بدون مشاعر هكذا.
رواية قدري المر الفصل العاشر 10 - بقلم سارة فتحي
بعد مرور شهرين.
وقد حان موعد ولادة نورهان. فقد أراد أن يقفز الجنين للحياة في أول ساعات في يومها الأول في الشهر التاسع.
كان يقطع الرواق أيابًا وذهابًا حتى خرج الطبيب وهويزيح كمامته بعملية هاتفًا:
- مبروك المدام قامت بالسلامة هي والبيبى، دلوقتى هما هيطلعوه.
نزلت دموع مروان والممرضة تقترب منه لتعطيه المولود. فهمس بوجع:
- ابن ريان الغالي، ابن أخويا، وابن عمري.
أقترب منه رامي يسأله:
- هتسميه إيه؟
- مروان، هسميه مروان زي ما كان عايز أبوه الله يرحمه.
- أبوه؟
- أيوه ريان كان عايز لما يخلف أول عيل يسميه على اسمي وأنا اللي أربيه الله يرحمه كان قلبه حاسس.
أزاح اللفة عن وجه الصغير هاتفًا:
- بص كدا يا رامي شبهه صح؟
تحمحم رامي بتوتر هاتفًا:
- أيوه، شبهه الله يرحمها.
أقتربت الممرضة هاتفة:
- ممكن البيبي عشان نطلعه الحضانة ونطمن عليه.
رمق الصغير ثم رمقها وهو يناولها إياه هاتفًا:
- خلي بالك منه.
***
استيقظت نورهان من غفوتها، تسأل نفسها لوهلة عن مكانها. لكنها بعد أن نظرت جيدًا علمت أنها بغرفة المشفى ويدها معلق بها المحلول. لحظة واحدة. لحظة يدها الأخرى مكبلة، لماذا؟ فهمت أنها مكبلة بالسلاسل الحديدية.
أخذت تحرك يدها بجنون وهي تدور بنظرها في الغرفة. حتى فتح الباب وولج مروان ورامي الذي تجمد مكانه وهو ينظر لها برعب. فربت مروان على كتفه يحثه على التقدم قائلًا:
- ادخل يا رامي، ادخل مالك.
حدثتهما نورهان بضعف هاتفة:
- فين ابني؟ إيه اللي بيحصل؟ مش فاهمة حاجة؟
رفع مروان كتفاه بعدم فهم متسائلًا:
- ولا أنا الصراحة يا نورهان، بس رامي هيفهمني هو بقى قتل أخويا ليه؟
توسعت عين رامي بصدمة وأبتلع ريقه بصعوبة هاتفًا:
- قتل؟ قتل إيه؟ ريان الله يرحمه مات برصاصة غلط. مالك يا مروان؟
لكمه مروان بعنف مما جعله يسقط أرضًا ثم جذبه ثانية وهو يقبض على ياقة قميصه هاتفًا:
- قتلته ليه؟ دا كان طالع نازل معاك؟ دا رفض الشغل في اسكندرية عشان ميسبش شقيقه زي ما بيقول. دا انت أكلت عيش وملح في بيتنا أكتر من بيتكم. مغدرت بيه ليه؟ رد عليا غدرت بيه ليه؟ يوم فرحه، يوم فرحه عشان الشمال ديه.
- أنا معملتش حاجة. ماليش دعوة. ماليش دعوة.
دفعه من يده ليسقط أرضًا ثم اقترب من الفراش الذي ترقد عليه هي هاتفًا:
- عملتي كدا ليه؟ عشان تورثيه؟ ردي عليا؟
في هذه الأثناء حاول رامي التسلل لكنه صعق أن الباب موصد من الخارج. أستدار له مروان وهو يبتسم بشره هاتفًا:
- لا مقفول. فتقعد عاقل كدا وتكلم بذوق أحسن لك.
اقترب منه مروان ثم دفعه للحائط ومال يفتح الدرج بجواره واخرج منه مشرط طبي هامسًا:
- مش هتخرج صدقني. هشرحك وأشوهك. هيجيب أجلك هنا.
- والله يا مروان أنا ماليش دعوة. هي السبب.
- وأنا هاأصدقك؟ أنت أخونا من زمان. قول لي بالظبط وأوعدك إني أكون معاك.
- هأقولك الحكاية من الأول. أنا كنت أعرف نورهان وعرضت عليا نعمل مشروع. قولتلها منين؟ قالت لي صاحبك ريان دا مبسوط. حاول تدخله معانا شريك. قولتلها ريان مش في دماغه شغل. دا الفلوس عندهم قد كدا. قالت لي طب جرب كدا معاه. حاولت مع ريان رفض قال لي مش ناقص وجع دماغ. ابتدت تزن. أعرفها بيه. وفعلا أتعرفت عليه ومروان بقى مجنون بيها. في الأول، كان حنفية فلوس وأتفتحت علينا. هات يا ريان حاضر، أي طلب حاضر، ماما تعبانة خدي. وكله كان بالنص. لحد ما ابتدا يزهق ويمل. وطبعا كان بيحكي لي على طول وقالي أنه قرر يقطع مع نورهان. لما نورهان عرفت قالت لي إزاي وأنت لازم تتصرف. لحد ما فكرنا أنها تورطه بعلاقة. وفعلا حصل. بردوا ريان ابتدا يقرف من نفسه وكان بيقول لي هيقطع. لحد يوم قررت أنها تمثل أنها انتحرت. ولما عرفت أخدته وروحنا نجرى على المستشفى. واطمنا عليها وريان مرضيش يمشي اليوم دا لحد ما يطمن عليها. بس حصل اللي كان مش متوقع. ريان شاف الممرضة اللي كان هيتجوزها وركز معاها أوى. وأستمر وهو بيراقب الممرضة من بعيد لحد ما وقع في غرامها وبقى مجنون بيها. وقرر يسيب نورهان. وجه قال لي أنه عايز ينضف والممرضة هتكون السبب. وفي يوم وهو مع نورهان قال لها أنه خطب وفرحه بعد أسبوعين وهيبعد عنها وهيتجوز. نورهان لما عرفت أتجننت. مش بس عشان الفلوس. كرامتها كانت نقحت عليها. كانت عايزة تاخد حقها. كلمت ريان تاني وقابلها واتخانقوا جامد وريان قال لها انتي اللي فرطتي في نفسك وهوماله. كلمتني أتدخل وفعلا وعملت كدا وخلتهم يتقابلوا. وهي قابلته قالت له اتجوزني كام شهر وطلقني عشان الفضيحة. وباست ايده وريان وافق. وبعد كدا انتبه لفرحه وتجهيزاته وحنفية الفلوس اتقفلت عننا خالص. حتى سيجارة الحشيش اللي كان بيجيبها على طول على حسابه بطل. وفي يوم روحت قولت اجر رجله تاني واخدت سيجارتين وروحت له. راح ريان رمى سيجارة الحشيش واتهمني إني السبب في انه يمشي في الطريق دا. شديت معاه جامد وأتخانقنا واتضايقت جامد. حسيت أن نورهان معاها حق وأن خطيبته سحرتله. وكنت متغاظ من اتهامه لي. وروحت قابلت نورهان لقتها بتقول لي إيه رأيك في اللي يخليك معاك فلوس كتير. فرحت بس لما عرفت اللي في دماغها بعدت. وقولت لأ. وروحت عشان أقابل ريان وقولت هنتصالح دا صاحب عمري. وروحت بيتكم وسمعت ريان بيقول لأمك قول له نايم مش هاأقبله. اتضايقت وجريت على نورهان وخططت هي أنه يكتب الكتاب وبعد كدا نموته. تورث هي ونبقى بالنص. وجت لي فكرة أنه نأجر حد يضربه برصاصة ونقول كانت طايشة في وسط الفرح ولا من شاف ولا من دري وبتحصل كتير وضرب النار أساسي في أفراحنا وهيسهل كتير علينا. لكن رجعت في كلامي لما ريان جالي البيت وقالي حقك عليا يا صاحبي. روحت قولتلها أنا بره الموضوع خلاص. قالت لي خلاص كدا. إحنا كلمنا الراجل ودا مسجل خطر وعرفنا واتورطنا. وأن الموضوع هيعدي زي أي عريس في يوم فرحه مات برصاصة طايشة.
جذب مروان خصلات شعره وهو يدور كالنمر الحبيس هاتفًا:
- يا ولاد الـ... يا ولاد الـ... مش كفاية اللي أخدتوه. كنتوا سيبوه. دا أمه كانت نفسها تشوفه عريس. كنتوا سيبوه دا أخويا الوحيد.
- كدب. كدب. كل دا كدب. أنا ماليش دعوة. أنت بتعمل كدا أنت وصاحب أخوك عشان تاخدوا مني ابني صح؟
قهقه مروان بهستريا ثم صرخ بها فجأة:
- انتِ تخرسي. فاهمة؟ ولعلمك انتِ اللي كشفتي الموضوع. أنا فعلا أحيكِ خطة محكمة بس وقعت الشاطر بألف. لما قولت لك أنا عايز عنوان المأذون قولتي أول ما أروحه أعرفه من أبويا وأبعته.
صمت بوجع ثم تابع:
- الرقم اللي بعتي عليه، دا رقم خاص بأمي وريان بس. ومش مع حد تاني لأن كتير كنت بقفل الفون بتاعي عشان الشغل واريح دماغي. بس خوفًا تحصل حاجة مع أخويا وأمي جبت الرقم دا. اللي كنت برن منه على طول على رامي عشان أطمن على أمي أو ريان لو الفون بتاعهم مقفول. أنا استغربت أوي إزاي الرقم دا وصلك؟ دا مش مع حد غير أمي وريان. لما ركزت وكمان رامي. وهنا بقى ربطت الدنيا. راااامى اللي عرف أني رايح أسأل على روان واكيد جرى بلغك وانتِ متأخرتيش تقومى بالواجب وتروحي المستشفى وتفهمي الراجل اللي في الاستعلامات أن روان أختك وفى عريس جاى يسأل عليها. وتقولي للراجل أنها مغصوبة وأنه يقول كلمتين كدا عشان خاطر أختك. والراجل متأخرش. أنا بلغت البوليس من أول لحظة لما شكيت فيها. وأتفتح المحضر من الأول والتحري اشتغل وجابوا فيديو الفرح ودققوا في اللي ضرب الرصاصة. وطلع مش زي ما شهد رامي أنها خرجت من واحد من صحابهم. دا كان المسجل خطر اللي كان واقف وراهم. وأنا بغبائي لميت الدنيا ساعتها عشان أدفن أخويا وعشان عيل ميروحش فيها. نومت الدنيا. وكان لازم أمثل إني مصدق عشان أتأكد من نسب اللي في بطنك. ولما تأكدت من التحاليل اللي كنت بعملها ليكِ عشان صحتك انتِ والبيبى أن العيل دا ابن أخويا. كان لازم أديكِ الأمان أكتر لحد ما أشيله بين إيدي. وأخده منك. ولإني عارف أن كل كلمة بتوصل من رامي ليكِ كنت بتعمد أتكلم معاه وافهمه أن سبت مراتى ومبقاش ليا غيرك انتِ وابن أخويا. دا انتِ من رخصك حاولت معايا وانتِ في العدة واصريتي تقعدي معايا في بيت واحد. وكنتِ كل شوية تدخلي الاوضة عليا كل مرة بحجة شكل. انتِ رخيصة يا نورهان. معرفش إزاي أخويا بص للقرف دا.
جف حلقها هاتفة بضعف:
- أنا عايزة ابني.
- هشش، دا مش ابنك دا ابن ريان، ابن أخويا. انتي هتتحبسي، انت والخسيس دا ومش هارتاح غير لما تتعدمي.
رفع هاتفه على أذنه بعد أن ضغط زر الاتصال قائلًا:
- افتح الباب.
فتح طه الباب ومن خلفه رجال الشرطة. إنهار رامي وهو يصرخ:
- أنا ماليش دعوة. أنا ماليش دعوة.
***
بعد مرور عدة ساعات. وقف ريان في ممر المشفى مع مها وطه يحمل الرضيع في يده واليد الأخرى يحمل حقيبة الرضيع قائلًا:
- أنا مش عارف أشكركم إزاي على وقفتكم معايا؟
أبتسمت مها بهدوء قائلة:
- مروان عيب. إحنا أهل. والله بقولك سيب مروان الصغير معايا ومتحملش هم لحد ما تحل موضوعك.
تنهد قائلًا:
- دا الحل بتاعي مع مروان الصغير. ادعولي ربنا يصبر قلبي على فراق ريان اللي مات غدر، ويحنن قلب روان.
- روان لما تعرف أن المحامي وقف القضية، وأن الموضوع كله حوار وأنك اتصلت بينا وهى نازلة من عندك عشان نعمل كدا تفتكر هتسامحنا؟
تنهد بوجع وهو يقول:
- قلبها أبيض وهتسامح.
تحمحم طه قائلًا:
- طب يلا عشان نلحق نوصلك و مها تكون معانا في الطريق ومتسيبش مروان.
***
طرق الباب ووقف ينتظر. وما أن فُتح الباب، قابله والدها. وجلس معه ليستمع لوصلة العتاب حول غيابه وعدم سؤاله على بنته وعدم الإجابة على الاتصالات المتكررة والكثيرة. فقاطعه مروان معتذرًا ثم قال:
- هو أنا ممكن أدخل لروان وأتفاهم معاها؟
هز والدها رأسه وهو يشير إلى غرفة ابنته أملًا في صلح قريب. ولج مروان دون استئذان وجدها تعبث في هاتفها وخصلات شعرها تتدلى على وجهها. كان يود أن يجذبها لأحضانه ليعانقها بقوة. كم بدت جميلة كعادته. نظر لها طويلًا وهو يتنهد بحرقة. الله وحده يعلم عمق الجرح الذي تسبب فيه في قلبها. الله وحده يلهمه الصبر على وجع فؤاده. وشعوره بالذنب يقتله. لن يغفر لنفسه أبدًا. سار نحوها فشعرت بحركة رفعت عيناها سريعًا لتنتفض واقفة:
- إيه اللي جابك هنا؟ اطلع برا؟
- روان اهدى واسمعيني.
هزت رأسها بالنفى وهي تقبض على كفها لتمنع نفسها من الانهيار:
- مافيش سماع. لو جاى عشان تطلق ماشي. غير كدا اطلع برا اتفضل. أنا رافعة قضية وهاأكسبها.
صرخ الصغير على يده. أخذ مروان يهدهده كي يهدأ ولكنه فشل. فمد يده لها هامسًا:
- سكتيه أرجوكِ. لو سمحتِ يا روان دا طفل. حرام.
رمقته ببلاهة وهي تقول بصدمة:
- انت مجنون صح. انت مش طبيعي. أنت جايب لي ابنها عشان أسكته. أنا ماليش.
زاد بكاء الصغير. فرمقها ثم همس بتوسل:
- البيبي مالوش ذنب. سكتيه وهاقولك كل حاجة.
تناولته من يده وهي تسمي الله ثم أخذت حقيبته وقامت بإبدال حفاضته. ثم سريعًا أحضرت له الرضعة وأخذته بين أحضانها لتطعمه. فهدأ. ظلت تنظر له وهي تبتسم من بين دموعها. نكس مروان رأسه وامتلأت عيناه بالدموع. فما ذنب الصغير كي يولد دون أمان وسند الأب وحنان الأم. أقترب يجلس بجوارهما بهدوء حتى أنتهت من اطعامه وهدأ وقد غفى بين يدها.
نهضت تضعه على فراشها. أخذ يسرد عليها الحكاية بتفاصيلها. كانت علامة الدهشة والصدمة ترتسم على وجهها. ترمقه بعدم تصديق. وعندما بدأت دموعه تهطل على وجهه لوهلة شعرت بالشفقة. مشاعر إنسانية فقط. لكنها استعادت جمودها هاتفة:
- هو انت ماخدتش في ابتدائي، إن بعض الظن إثم. أنت ظلمتني ودمرتني وأخرها هنتني قصاد اللي اتجوزتها. وكأنك كنت بتتفنن في كسري حتى بعد ما عرفت الحقيقة.
- أقسم بالله، يا روان خفت عليكِ منها. دي مجرمة. كان ممكن تعمل حاجة لو تمسكت بيكِ. وكمان كنت عايز أتأكد من نسب ابن أخويا. وكان لازم تبقي مطمنة عشان لما ناخد منها عينة الدم ما تشكش. روان أقسم بالله أنتِ أول ست تدخل قلبي. أول حب في حياتي. أنا غلطت بس كنت خايف عليكِ من الصايع اللي ماشى وراها يأذيكِ. كان كل همي يعرفوا أن مالكيش مكان في حياتي. بس أنا عيني كانت عليكِ على طول.
- وأنا أتوجعت وأتهنت واتذليت. أعمل إيه ببنيتك أنت؟ ليه مش عايز تفهم؟ أنت اتجوزت عليا وكسرتني. إحنا مش هينفع نكون لبعض.
- لا مش جواز. دا المأذون تبع طه وعملنا كدا قدام الناس عشان الحمل. هي كانت معايا صحيح بس كانت تعتبر مرات أخويا. بس أقسم بالله ما قربت ولا فكرت في حد غير فيكي.
- طلق...
قبل أن تنهي كلمتها كان الصغير يصرخ. دون إرادة كانت تسير نحوه وتحمله بلطف وتهمس:
- لأ متعيطش. متعطيش. أنت مذنبكش حاجة. ولا أنا كمان ذنبي. أنا وانت مالناش ذنب في كل دا.
كلماتها وقعت عليه كفيض من الجحيم. هل ينفع الاعتذار؟ هل يمكن أن يصلح ما تشوه داخلها؟ كيف السبيل إلى شفاء قلبها وقلبه؟ يشعر أنه منهكًا، مرهقًا، ضائعًا. يرغب في القليل من الراحة. تركها بمفردها مع الصغير وغادر بعد أن هدأ.
ألتفتت إليه. وجدته قد غادر.