تحميل رواية «قدري الاجمل» PDF
بقلم ندا الهلالي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
«اتجوزت صاحبة خطيبتك يا مالك!» نطقت بها تلك التي اقتحمت الغرفة بغضبٍ شديد، وهي تصرخ بكلماتها، وقد احمرّ وجهها: — لا… لا، إنت اتجننت رسمي! إزاي قدرت تعمل كده؟ مش مصدقة إن اللي قدامي ده أخويا، اللي كنت بحلف بحبه من صغري! في المقابل، كان مالك جالسًا ممسكًا بفرشاته، لا يزال تركيزه منصبًا على اللوحة أمامه، غير عابئٍ بأخته أو بغضبها. اقتربت منه بانفعال، وانتزعت الفرشاة من يده: — أنا مش بكلمك ولا إيه؟! رفع عينيه إليها بملل، ثم نهض واقفًا بلا مبالاة: — عاوزاني أقولك إيه يعني يا مريم؟ أيوه، اتجوزت مها إم...
رواية قدري الاجمل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندا الهلالي
كانت ساحة الجامعة تعجّ بالحركة، ضحكات متناثرة، خطوات متلاحقة، وأصوات تختلط بلا معنى… إلا عند مكّة.
كانت تمشي وكأن العالم كله بعيد، حقيبتها معلّقة على كتفها، ونظرتها ثابتة للأمام، تحاول إقناع نفسها أن هذا اليوم لا يختلف عن سابقه.
لكنها اصطدمت به.
ارتطام خفيف… كفيل بأن يزلزلها من الداخل.
رفعت عينيها ببطء، لتقع نظرتها على مالك.
تجمّد الزمن للحظة.
هو واقف أمامها، نفس الملامح، نفس النظرة التي تحفظها عن ظهر قلب، لكن بعينين مشتعلتين لا تعرف الهدوء.
— إزاي؟
قالها بصوت منخفض لكنه كان يضرب بقوة.
— إزاي عرفتي تتجوزي؟
اقترب خطوة، وصوته بدأ يهتز رغم محاولته السيطرة عليه:
— وإزاي تخطّيتي؟ وليه… ليه تعملي فيَّ كده؟
مكّة شدّت كتفيها للخلف، ورفعت ذقنها قليلًا، ملامحها باردة، جامدة… مصطنعة.
— إنت بتتكلم عن إيه؟
قالتها وكأن وجوده لا يعني شيئًا.
— لو سمحت، أنا مستعجلة.
لكن عينيها كانت تفضحها.
ارتباك خفيف، رمشة أسرع من اللازم، وأنفاس لم تنتظم كما تدّعي.
مالك لاحظ.
دائمًا كان يلاحظ.
ابتسم ابتسامة موجوعة، ومد يده يمسك معصمها:
— بصّي في عيني وقولي إنك نسيتي.
وقبل أن تنطق…
— مكّة.
صوت هادئ، لكنه حاضر بقوة.
ظهر تميم من خلفها، اقترب منها بخطوة واحدة، ثم ضمّها إليه دون تردد، وكأن المشهد لا يحتمل تفسيرًا.
يده استقرّت على كتفها بحماية واضحة، وصوته خرج ثابتًا:
— اتأخرتِ عليّا.
عروق رقبة مالك برزت فجأة، فكه اشتدّ، وعينيه اشتعلوا بنار غيرة عمياء.
دفع تميم بكتفه بعنف:
— إبعد عنها!
لم يتراجع تميم.
ردّ اللكمة بواحدة أقسى، لتشتعل الساحة فجأة بمشاجرة لم يتوقّعها أحد.
لكمات… صراخ… تجمّع طلاب.
— بس!
صوت مكّة خرج ضعيفًا، مرتجفًا.
تراجعت خطوة… ثم خطوة… والدنيا لفت بها.
لاحظ تميم تغيّر ملامحها في لحظة، ترك مالك فورًا، واندفع ناحيتها قبل أن تسقط.
التقطها بين ذراعيه وهي فاقدة للوعي، صوته خرج مذعورًا:
— مكّة! مكّة فوقي!
مالك وقف مكانه، أنفاسه لاهثة، ينظر للمشهد وكأن حد انتزع قلبه قدّامه.
لم ينتظر تميم.
حملها بسرعة واتجه نحو سيارته، والجامعة كلها تشهد بداية حرب لم تنتهِ بعد…
عاد مالك إلى الفيلا بخطوات ثقيلة.
أغلق الباب خلفه بعنف مكتوم، واستند عليه للحظة، وأنفاسه متلاحقة، وعيناه تلمعان بدموع رفضت السقوط.
مستحيل.
مستحيل يتنازل عنها… مستحيل تكون مكّة عملت كده بسهولة.
كان عقله يرفض الفكرة كما يرفض جسده الألم.
كلما تذكّر صورة تميم وهو يحملها بين ذراعيه، شعر بأن رأسه سينفجر، أفكاره تهرب، تتبعثر، لا تعرف طريقًا للهدوء.
استقام أخيرًا، واتجه نحو السلم ليصعد إلى غرفته… فتجمّد مكانه.
مها كانت جالسة على الأريكة.
ظهرها منحنٍ قليلًا، يداها متشابكتان بتوتر، وملامحها مرهقة، شاحبة، كأنها لم تنم منذ أيام.
اقترب منها بخطوات ثابتة، باردة.
رفعت رأسها بصعوبة، وصوتها خرج منهكًا:
— طلقني يا مالك.
ابتسم… ابتسامة استهزاء موجعة.
— طلاق إيه اللي عايزاني أطلقك منه؟
ضحك ضحكة قصيرة خالية من الفرح:
— إحنا جوازنا باطل أصلًا… حتى المأذون كان باطل.
ثم انفجر ضاحكًا بهستيريا، وهو يضرب كفًا بكف:
— ولا تكوني فاكرة إني مش فاهمك من يوم ما اعترفت بحب مكّة قصّاد الكل؟
شهقت مها من الصدمة، عيناها اتسعتا، وكأن الاتهام سحب الهواء من رئتيها.
— أنا كنت بحمي محمود من أبوكي…
قالها مالك بصوت حاد، ثابت:
— دي الحقيقة الوحيدة. علشان كده عملت كل ده… بس ماكنتش بحمي مكّة منك.
اقترب منها ببطء… كالثعلب قبل الانقضاض.
— علشان اللي يفكّر… مجرد يفكّر… يمس مكّة،
مال بجذعه قليلًا، وصوته خرج مخيفًا:
— أنا همحيه.
أشارت مها إلى نفسها بارتباك، وشفتيها ترتجفان:
— ق… ق… قصدك إيه؟
ردّ ببرود قاطع، لا يقبل نقاشًا:
— قصدي واضح أوووي… أوووي.
كل اللي حصل ده كان من لعبك إنتِ.
آه، ماكنتيش قاصدة اللي حصل مع محمود، بس قاصدة اللي حصل معايا.
وإلا كنتِ قلتي: مش عارفة مين اللي عمل كده فيّا وخلاص.
انهارت دموع مها كالشلالات، وصوتها خرج مكسورًا:
— كفاية ظلم بقى… كان هيموتني!
صرخ فيها بغضب أعمى، صوته دوّى في أرجاء الفيلا:
— إنتِ اللي كفاية تضحكي على نفسك!
فوقي بقى!
استدار وتركها غارقة في دوّامة واحدة…
سؤال واحد يطاردها بلا رحمة: هل كانت فعلًا تقصد كل ما حدث؟
كان الليل ساكنًا على غير عادته، وغرفة النوم يغمرها نور خافت يتسلّل من مصباح صغير جوار السرير.
رحيم كان ممدّدًا فوق الفراش، جسده ساكن، أنفاسه متقطّعة، وملامحه تحمل آثار تعب سنين طويلة.
بجواره جلست فاطمة، ثابتة كالدعاء، تمسك المصحف بين يديها، تقرأ بصوتٍ منخفض لا يكاد يُسمع، وكأن كل آية تخرج من قلبها قبل لسانها.
وضعت كفّها برفق فوق كفّه، لم تشدّ… لم تضغط… فقط لمسة أمان.
كانت تقرأ عن التوبة…
﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾
[سورة الشورى: 25]
عن بابٍ لا يُغلق، وعن ربٍّ يقبل من عباده الرجوع مهما أثقلهم الذنب، ربٍّ يفرح بعودة عبده أكثر مما يفرح العطشان بقطرة ماء.
تحرّكت أنامل رحيم قليلًا… ثم فتح عينيه بصعوبة، نظر إليها طويلًا، وكأنها أوّل ما يراه في حياته.
— فاطمة…
صوته خرج مبحوحًا، متكسّرًا.
اقتربت منه فورًا، أغلقت المصحف بهدوء، وعيناها معلّقتان بوجهه.
— شكرًا…
قالها بعد جهد.
— شكرًا إنك استحملتيني… وتقبلتيني…
وغمض عينيه لحظة، كأنه يجمع قوّته:
— وغفرِتِ لي اللي عملته زمان… أنا من غيرك كنت ضعت من زمان… ضعت بجد.
انسابت دمعة صامتة من عينيه، فتح عينيه مرة أخرى، بنبرة وجع صادق:
— بس…
تنفّس بعمق.
— بس شكلّي لسه ما كفّرتش عن ذنبي يا فاطمة.
في حركة سريعة حنونة، رفعت يدها، ووضعت أناملها على شفتيه، أوقفته عن الكلام.
— متقولش كده…
قالتها بصوت دافئ مطمئن:
— مافيش إنسان ملاك يا رحيم… كلنا بنغلط. إنت توبت لربنا، وعملت اللي يرضي الله، وما قصّرتش يوم.
ويشهد ربنا…
سحبت يدها قليلًا، ونظرت في عينيه بثبات:
— إني مسمحاك، ومش شايلة في قلبي ليك غير كل حب… وبس.
تنهد رحيم عالياً:
— يارب مكه تسامحني يافاطمه.
نظرت إليه بآلم:
— مكه بنتك وبتحبك وهي مقدره انت بتحبها قد إيه.
فتحت مكّة عينيها فجأة… وقامت من مكانها دفعة واحدة، زي حد كان ماشي في طريق هادي وفجأة لقى عربية طالعة عليه من العدم.
لهث صدرها، وعينيها دارت في الأوضة، ولما استوعبت إنها في القصر، وقعت نظرتها على تميم.
قاعد جنبها… قريب زيادة عن اللزوم.
صوتها خرج مرتعشًا، مليان خوف:
— مالك… عملت إيه في مالك يا تميم؟
من غير ما يحس، نار غريبة ولعت جواه.
غيرة مفاجئة، حادة، هو نفسه مش فاهم سببها.
قام واقف مرة واحدة، ومسك كتفيها بقوة، صوته خرج غاضبًا:
— مالك مين يا روح أمك؟
شدّ قبضته أكتر:
— مالك وماله؟ ومالك خايفة عليه قوي كده ليه؟
رفعت مكّة عينيها فيه، نار الغضب بتلمع فيها:
— إنت نسيت نفسك ولا إيه؟
— إنت بتساعدني أنتقم وبس… ماتنساش ده!
الغضب اشتعل أكتر في عينيه، وهزّها بعنف من غير ما يحس بنفسه:
— وأنتِ ما تنسيش نفسك!
صوته بقى أعلى:
— أنا جوزك، وإنتِ على عصمتي!
انتقام بقى مش انتقام…
— إنتِ على اسمي، ويا ريت متنسيش ده!
وفي لحظة فقد فيها السيطرة، دفعها بعيد عنه.
سقطت على الأرض، وبصّتله بذهول… صدمة خالصة، وهو واقف لحظة، كأنه مصدوم من نفسه، وبعدين لفّ وخرج من الأوضة بعنف.
ثواني معدودة… والباب اتفتح.
— مكّة!
دخلت هالة بفزع، عينها جابت المشهد كله في ثانية.
جريت عليها، سندتها، وقعدتها على السرير، وشدّتها في حضنها بحنان أمّ.
— يا حبيبتي… إيه اللي حصل؟
قالتها وهي بتمسح على شعرها:
— خناقة؟ هتلاقيها خناقة وعدّت… ما فيش بيت من غير صوت عالي شوية.
مكّة كانت ساكتة… عينها ثابتة في الفراغ، روحها في حتة تانية خالص.
هالة كملت بنبرة هادية دافية:
— اسمعي مني يا بنتي… الجواز مش دايمًا وردي، فيه شدّ وجذب، فيه كلمة تطلع زيادة، وفيه عصبية بتعدّي.
رفعت وشها لمكّة بابتسامة مطمئنة:
— الراجل ساعات يغلط، والست الشاطرة هي اللي تعرف تحتوي، وتعدّي المركب من غير ما تكسرها.
لكن مكّة ما ردّتش.
حضن هالة كان دافي… بس قلبها كان بيرتعش.
تميم؟ عمرها ما شافته كده.
ولا الصوت ده… ولا الإيد اللي زقّتها.
جلس مالك في شرفة الفيلا، الليل فرد عباءته بهدوء مهيب، والسماء صافية كأنها مغسولة للتو، نجوم متناثرة بخجل، والقمر في المنتصف… كاملًا، يزيّن العتمة كجوهرة معلّقة في صدر السماء.
كان ينظر إليه بشرود، وكأن القمر يعرفها… وكأنه الشاهد الوحيد على وجعه.
همس بصوتٍ واهن، يستدعي كلماتٍ قالها قيس يومًا لفراق ليلاه:
أمُرُّ على الديارِ ديارِ ليلى
أُقَبِّلُ ذا الجدارَ وذا الجدار
وما حبُّ الديارِ شغفنَ قلبي
ولكن حبُّ من سكنَ الديارا
انسلت دمعة من عينيه دون إذن، لم يحاول مسحها، تبعها غيرها… كأن القمر كشف كل ما كان يخفيه.
داخل صدره اشتبكت مشاعر لا تُحتمل: خوف… قلق… اشتياق يحرق، غضب أعمى، وغيرة تنهش روحه بلا رحمة.
مدّ يده المرتجفة، أمسك هاتفه، فتح صورها… مكّة كما كانت، ضحكتها الهادئة، ملامحها الطاهرة، كأنها ملاك هبط خطأً إلى أرض لا ترحم.
ابتسم بمرارة، وتمتم بصدقٍ موجوع:
— طلع من إيه داهية الدكتور ده؟ ورايحه تتجوزيه؟ هتجنّنيني يا بنت رحيم.
ثم اشتد صوته، وانعقد فكه، وعينيه لمع فيهما قسم خطير:
— بس لو فاكرة إني مش هدفعِك تمن اللي عملتيه، تبقي غلطانة.
وقف، وأسند يديه على السور، ونظر للقمر مرة أخيرة:
— لما ترجعي لحضني الأول…
سكت لحظة.
— وده وعد.
الليل ظل صامتًا… لكن القمر شهد على وعد قد يقلب كل شيء.
وقفت مكّة على الشرفة، مستندة على الدرابزين، عينها شاخصة نحو القمر، شارده لا تفهم شيئًا، كأن العالم كله توقف عند هذه اللحظة، والنسيم يلمس شعرها بهدوء.
وفجأة، صوت جي من أسفل الشرفة فاجأها، رفعت رأسها، فتحت فمها بصدمه:
في الأسفل كان تميم واقف في منتصف قلب مرسوم على الأرض، مرسوم بالنار، يحتوي على كل مشاعره، الغيرة، الحب، والغضب… كل شيء بداخله متوهج.
يحمل بين يديه بوكيه ورد، وصوته يعلو بأقصى ما عنده:
— أنا آسف… كان بينقطع لساني قبل ما أزعلك!
مكّة ما زالت مصدومة، همست:
— ده… مجنون رسمي!
كأنه سمع همسها، صرخ فجأة:
— شوية… مش كتير!
وفجأة، السماء فوقهم تحولت إلى لوحة نارية ساحرة، القمر كامل يسطع، النجوم تومض حولهم، والنسيم يلمس شعرها… كل شيء حولهم أصبح رومانسية ساحرة وكأنهم في حلم.
تميم مد يده نحوها، ومعه علبة قطيفة حمراء صغيرة، تلمع فيها سلسلة ألماس رقيقة تتلألأ تحت ضوء القمر، تصميمها ناعم وراقي، وكأنها صنعت خصيصًا لها.
ابتسم وهو ينظر إليها، بنبرة دعابة:
— أنا هفضل على الوضع ده كتير… انزلي بقى، خلي عندك دم!
ضحكت مكّة بصوت عالي، مثل طفلة، وبدون تردد انطلقت نحو الأسفل، فرحة جدًا، كأن والدها حضّر لها لعبة لأول مرة.
وفجأة ظهر سامر، دخل المشهد وضحكته تسبق كلامه:
— إيه ده؟ تميم بيخوني… آه قلبي؟
ثم آكمل بعدم إستيعاب:
— ده فيلم ولا إيه؟
وابتسم آسر من الخلف، صفّر بمشاكسه، كأنهم كلهم في لعبة، وكل لحظة فيها مفاجأة.
وسط الضحك والمزاح، دخل الجميع القصر.
مكّة كانت، ترتدي حجابها، عينيها لامعة بدهشة وفرحة، ووجهها يعكس كل مشاعر الصدمة والفرحة، جسدها مرتجف قليلًا من مفاجأة اللحظة.
وفجأة، تميم لم يكتفِ بالمشي بجانبها… رفعها بين ذراعيه، يحملها بكل حنان وثقة، ومشى بها عبر الحديقة، وسط الجميع، كما لو أنها أغلى ما يملك.
الكل تجمد للحظة، صدمة ودهشة على وجوههم.
مكّة شهقت بصوت منخفض، ابتسامة مختلطة بالخوف والدهشة ارتسمت على وجهها، وعيونها تتلألأ في ضوء القمر.
كأن صوته يقول:
— متقلقيش… أنا هاحميكي… ومافيش حد يقرب منك.
في الخلف، سامر استند على آسر بتمثيل للصدمة:
— شيلني يا آسر… ده تميم واخد كل المشهد!
ضحك الجميع، والمزاح والدهشة يملأهم.
مكّة ضحكت كطفلة، بعين ستموت من الخجل، ويدها ممسكة بحذر بكتف تميم، وكل شيء حولها أصبح مليئًا بالدفء والسحر.
دلوقت اخيرا ليلتفوا حول السفره.
الليلة كلها كانت مليئة بالضحك والمفاجآت والحب…
القصر تحول لعالم صغير خاص بهم، حيث الدفء والسعادة يسيطران على كل لحظة.
همسات هاله:
— من زمان ماشوفتكش مبسوط كده ياتميم؟!
في حين كانت فايزه تدعوا الله آن يحفظ لها حفيدها من شر نفسه وعقله.
في المساء الساعه واحده في منتصف الليل.
في غرفة تميم، كان تميم نايم على الكنبة بهدوء، متناغم مع الليل، ومكّة لا تزال نائمة على السرير، قلبها مضطرب وعينيها نصف مفتوحة.
شعرت بالملل والقلق، قامت تتحرك بخطوات هادئة في الغرفة، ثم فتحت الباب ونزلت إلى المطبخ، حيث الضوء الخافت يملأ المكان.
تفاجأت بـ الدادة واقفة تنظف الطبخ بهدوء وحب، يديها تتحركان بعناية، وابتسامتها الدافئة تملأ المكان دفئًا.
تقدمت مكّة بخجل، وعيونها الواسعة مليئة بالفضول، وقالت:
— اسمك إيه يا ست الدادة؟
ابتسمت الدادة بحنان، وأجابت:
— صابرين يا حبيبتي.
جلست مكّة بجانبها على الطاولة، وأحضرت لها الدادة كوب شاي دافئ، وجلستا يشربانه معًا، لحظات هدوء وحنان بعد ليلة طويلة مليئة بالتوتر.
ثم بدأت الدادة تتحدث عن أوبسيدين بصوت مليء بالحنان:
— أنتي شبه أوبسيدين جدًا… كانت ملاك، طيبة جدًا وحنينة، كل القصر كان بيحبها… كانت صغيرة وعفوية، قلبها مليان حب لكل حد حواليها… كانت بتعامل الكل بمحبة واحترام، حتى خدام القصر كانوا بيحبوها… كانت شخصية نادرة، كأنها الضوء اللي بيدفي كل قلب حوالينها…
مكّة نظرت إليها بدهشة وفضول:
— أوبسيدين؟ ماتت ازاي؟
أجابت الدادة بصوت حزين:
— ماتت بطريقة غريبة جدًا… ماتت هي والدكتور حسام ابو الدكتور تميم … ماتوا في نفس اليوم.
شهقت مكّة، عيونها اتسعت، قلبها كاد يتوقف:
— هما ماتوا مع بعض؟!
هزّت الدادة رأسها بأسف، وأضافت بحب وحنان:
— كانت ست طيبة وحنينة… وماحسستش الدكتور تميم بأي نقص… ولا حسسته بوفاة الست أُولفت، الله يرحمها.
قفزت مكّة من مكانها، الصدمة اجتاحت عقلها بالكامل:
— مين آولفت؟!
ابتسمت الدادة بحزن، وصوتها خافت:
— الست أُولفت… أم الدكتور تميم.
الصدمة اجتاحت مكّة بالكامل:
قلبها دق بسرعة، عقلها يحاول استيعاب كل شيء دفعة واحدة، عيونها اتسعت، فمها مفتوح قليلًا، كل المشاعر اختلطت وشلت تماماً وهي تقول بصوت بالكاد يسمع:
ـ أمه؟؟؟؟!
رواية قدري الاجمل الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندا الهلالي
في اللحظة اللي مكّة عرفت فيها الحقيقة، انتهى الأمان… وبدأ الخوف.
مكّة شُلّت تمامًا، أعادت النظر إلى صابرين، وقالت كمن تاه في عالم لا يعرف طريق العودة منه:
— أمه؟ إزاي يعني؟!
وسكتت لحظة، ثم أضافت بصوت مرتبك:
— أومال أوبسيدين دي تبقى مين؟
صابرين ابتسمت بلطف، كأنها اعتادت استقبال الصدمات بهدوء:
— أوبسيدين تبقى مرات حسام بيه… اتجوزها بعد وفاة الست أولفت.
كانت خدامة معانا هنا.
همّت مكّة واقفة، وكأن عقلها يصرخ: كفاية!
— خدامة؟!
وضحكة قصيرة خرجت منها بلا وعي:
— إيه الصدمات اللي مش شبه بعضها دي؟
قهقهت صابرين بخفة:
— يا بنتي وإنتِ ليكي إيه في ده كله؟
وبنبرة واثقة:
— إنتِ ليكي الدكتور تميم… ربنا يحفظه، الحب ليكي باين في عينيه.
لكن مكّة ما كانتش هنا… كانت شارده بعيد.
فاقت على رعشة خفيفة مع صوت تميم، قال برفق:
— صابرين… ومكّة؟ خير؟
ضحكت صابرين عاليًا وقالت بسرعة:
— قهوتك هتكون جاهزة بعد ثواني.
مكّة كانت شارده فيه من غير ما تقصد.
ابتسم بخفة:
— عارف إني قمور… بس مش للدرجة دي.
لم ترد.
صفّق أمام عينيها بخفة:
— مالك؟ روحتي فين؟
انتفضت، وقالت بابتسامة متكلّفة:
— أبدًا… إنت ليه صاحي دلوقتي؟
رفع تميم حاجبه، ينظر إليها تارة وإلى صابرين تارة، وكأن عقله – كعادته – يربط الأحداث، وتصل إليه الحقيقة أسرع من نبضة قلبه حين يستشعر الخطر.
— ورايا شغل.
أغمضت مكّة عينيها بتعب:
— دلوقتي الساعة أربعة الفجر… شغل إيه ده؟
مدت صابرين فنجان القهوة:
— اتفضل يا تميم بيه.
أمسكه، ثم مال على مكّة، رفع ذقنها بلطف، وقال بابتسامة غامضة:
— ما تسأليش كتير يا نونه.
وتركها غارقة في حيرتها… وأسئلة تكدّست في عقلها بلا إجابة.
في مكان بعيد… أشبه بصحراء خالية من الناس، خالية من الأصوات، لا يقطع الظلام سوى نور كشافات السيارات.
نطق بحذر وهو يدعس سيجارته أسفل حذائه:
— حبيتها؟
نظر إليه الآخر بحدة:
— مستحيل… إنت ناسي دي تبقى مين؟
ابتسم بخبث:
— بس باين إنك حبيتها.
ضحك عاليًا، وقف منتصب القامة، وضع يديه في جيبه وقال بثقة:
— تميم العاصي ما بيحبش.
ردّ الآخر بثبات:
— تميم العاصي واقع على وشه.
التفت إليه بغضب:
— حمزة!
قال بلامبالاة:
— طيب خلاص… تميم مش بيحب.
وسكت لحظة:
— نعمل إيه بقى؟
مسح تميم وجهه بيديه:
— لو قعدنا مية سنة بالطريقة دي مش هننفّذ حاجة.
— ما هو أصلًا الدنيا ضاقت بيك، ومصمم تعمل المصنع على الأرض دي.
قال تميم بنبرة قاطعة:
— المصنع ده كان حلم أبويا… ولازم يتحقق.
حمزة بضيق:
— فهمنا… قول بقى، إزاي هناخد الأرض؟
— دي ملك لعيلة الهلالي.
شرد تميم بعيدًا… ثم ابتسم بهدوء لا يطمّن.
وقفت مكّة قدّام المراية، ساكنة… كأنها بتحاول تتعرّف على نفسها من جديد.
الخمار الأسود كان منسدل بهدوء على كتفيها، قماشه ناعم، بسيط، لا فيه تكلّف ولا مبالغة… زيها بالضبط.
مغطي شعرها بالكامل، ومرسوم بعناية حوالين وشّها، مخلّي ملامحها أوضح، أهدى، وأنقى.
فستانها كان طويل، لونه غامق يميل للرمادي، واسع من غير ما يخفي أنوثتها، قماشه سايب، يتحرك معاها في كل نفس، كأنه بيعكس اللي جواها… هدوء ظاهري، واضطراب مستخبي.
وشّها كان شاحب شوية، عينيها واسعة، سودا، فيهم نظرة تايهة، نظرة واحدة كفاية تقول إن صاحبة العيون دي شافت أكتر مما كانت مستعدة له.
قربت خطوة من المراية، رفعت إيدها وعدّلت طرف الخمار عند جبينها بحركة تلقائية، بس إيديها كانت بترتعش.
همست لنفسها، صوتها barely مسموع:
— دي أنا؟… ولا دي واحدة تانية؟
حدّقت في انعكاسها طويلًا، وكأن المراية مش بتوري شكلها… بتفضح خوفها.
اقتربت من المكتب تحمل بين يديها حقيبتها.
وماكادت تغادر الغرفه حتي اصتدمت بصدر تميم العريض لتعوض للخلف خطوه بتأوه.
تميم وهو يربط يده أمام صدره:
— شكلك كنت ناويه علي الرحيل.
مكه وهي تنظر إليه بغضب:
— اه في حاجه؟!
هز تميم رآسه بلا:
— لأ يامكه.
بنفس الغضب:
— بلاش فين؟!
تميم بكل برود:
— علي جامعتك يانونه.
ضربت مكه الأرض بغضب:
— ايه نونه دي يابنى آدم انت وبعدين هو انا عيله صغيره مش هعرف اروح جامعتي وحدي.
هز رآسه تميم يلا بكل برود:
— لأ عيله متجوزه من تميم العاصى ولازم تعرف ده غالي قد ايه.
تنفست عالياً اقتربت منه ببطأ لتشب بقدمها وتقترب من أذنه في حركه شلت حركته.
في حين هي قالت بثبات:
&شكلك يادكتور تميم العاصى بدأت تنسى انا هنا ليه؟!
تميم اغمض عينيه ضربات قلبه تضارب صدره علي وشك تدمير قفصه الصدري ....
تمالك قوته بصعوبه لينطق بكل برود:
&لأ ازاي مش ناسي ياحرم تميم العاصي.
مكه وهي تنظر إليه بغضب علي وشك الجنون ضربت الأرض بقوه لتحرك أمامه وهي في قمه غضبها وتسبه بداخلها وتلعن غبائه.
وبسبب غضبها كانت هناك ضباب علي عينها جعلها لا تلاحظ تلك التي ماسكة فنجان شاي في إيد، ولوحة صغيرة في الإيد الآخرى قريبة من صدرها كأنها بتحميها.
كانت لابسة فستان بسيط بلون هادي، محتشم وأنيق من غير أي مبالغة، قماشه ناعم، سايب، بيتحرّك مع حركتها بخفة.
شعرها كان سايب على كتفيها، طويل، ناعم، أسود مائل للبني، خصلاته مرتّبة بعفوية، ولا خصلة في مكانها بالغلط.
ملامحها رقيقة بس مش ضعيفة، عينيها فاتحة شوية، نظرتها صاحية، فيها ثقة واحدة متعودة تعتمد على نفسها.
الاصطدام خلّى الفنجان يهتز، والشاي ينسكب دفعة واحدة.
— مش على الأرض… لكن فوق اللوحة.
اللون تمدّد فوق الورق، طمس خطوط كانت مرسومة بعناية، وكأن حد مسح تعب ساعات في ثانية.
رهف ثبتت مكانها لحظة، بصّت للوحة، ثم رفعت وشّها ببطء.
الغضب كان واضح في عينيها.
— إنتِ مش بتفتحي عينيك؟!
صوتها طلع حاد، متفجّر.
شدّت اللوحة ناحيتها، إيديها بترتعش من القهر، ثم اندفعت خطوة لقدّام، ودفت مكة بعنف.
— إنتِ عارفة دي كانت إيه؟!
مكة اتصدمت، رجعت لورا بخضة، العالم لفّ بيها.
وقبل ما تقع.
— إيد تميم لفّت كتفها، سحبها ناحيته، وثبّت جسمها.
— إنتِ اتجننتي؟!
صرخته قطعت المكان، نظراته كانت نار وهو بيبص لرهف.
وقف قدّام مكّة، جسمه ساترها، وصوته نزل أخطر:
— اعتذري… دلوقتي.
رهف وقفت مشدوهة، غضبها لسه مولّع، لكن هيبته خلتها تتراجع نص خطوة.
— هي اللي خبطتني!
قالها بتحدي.
ردّ تميم بنبرة أخطر، منخفضة لكنها قاطعة:
— مهما حصل… إنتِ ما تمديش إيدك.
قرب منها خطوة:
— وبتعتذري.
رهف قبضت إيديها، نظرتها عدّت على مكّة، شافت الصدمة، وشافت إيد تميم حوالين كتفها.
بلعت غضبها بالقوة، وقالت ببرود قاسي:
— آسفة.
لكن الكلمة خرجت مكسورة… مش ندمانة، غضبانة.
مكة كانت ساكتة، أنفاسها متلخبطة، مش قادرة تستوعب اللي حصل.
وتميم؟ نظراته ما نزلتش من رهف، غضبه منها كان واضح… غضب حد حسّ إن حد قرّب من اللي يخصه.
ليشد مكه متجها به نحو سيارته التي تمشيه خلفه في صمت وحزن من كل ماحدث.
أمام باب الجامعة.
أمام باب الجامعة كان تميم يصف سيارته ليهبط منها بكل روجولية طاغية.
يتفحص بعينه المكان، ثم يتجه ليفتح لتلك التي تشرد في تعامله معها.
لا ينكر أنه قد نال قلبها دفاعه عنها.
تميم بغمزة:
— أنزلي يا عسل.
مكة ضمت شفتيها بتزمر.
أمام باب الجامعة، وقف مالك ثابتًا، كأن المكان كله وقف احترامًا له.
كان طويل القامة، جسده ممشوق، وعضلاته بارزة من خلال قميصه الأسود الضيق، وياقة مفتوحة تكشف عن جزء من صدره، تضفي عليه هيبة صارخة.
حذاؤه الجلد الفخم يلمع تحت ضوء الشمس الخافت، كأن كل حركة له محسوبة.
نظراته؟ مكثفة… ثاقبة… كصقر يتربص بفريسته.
عيناه السوداوَان كالليل، يكتشف كل حركة، كل تردد، كل خفقة قلب.
كل التفاصيل الصغيرة حوله لم تمر دون أن تمر عبر عقله الحاد.
تقدم خطوة واحدة، صوته خرج منخفضًا، بارد، قاتل:
— غلط كبير يا تميم العاصي.
ضم كفيه، عروقه بارزة على يديه، كأنه مستعد للانفجار في أي لحظة.
مكانه كله صمت، لكن الصمت كان أثقل من أي ضجيج، حتى الهواء كان يهاب وجوده.
الكل يعرف أن مالك ليس مجرد شخص… هو عاصفة تنتظر الفرصة المناسبة لتضرب.
تميم ومكة بين الهمسات والعيون.
في حين دلفت تمشي بجوارها تميم ليصرخ بالهمسات، والعيون تحسدها على ذلك الذي كان فتي أحلام فتيات الجامعة.
تميم يمشي بجوارها وكأنه يود إخفائها من كل تلك العيون.
همس بصوت بالكاد يُسمع، وهو يبطئ حركته وينظر إلى الترابيزة أمامه:
كانت تجلس عليها مها، جسد فقط بدون روح، تشرد في عالم لا تعرف من أين خرجت، غارقة في خيباتها، لا تعلم متى ستنتهي كل تلك الخيبات.
واحد… اثنان… ثلاثة…
نظرت إليه لتضم حاجبها وتقول بهمس:
— بتتعلم الرياضة على كبر.
نظرت إلى ما ينظر إليه، فلم تكن سوى مها التي تقترب منها نادل كافيه الجامعة لتقدم لها كوب قهوة.
ابتسم تميم وهو يضع يديه في جيبه ويقول ببرود:
— علشان ما تقوليشي إني ناسي اتجوزتك ليه.
وما كاد ينظر إليها حتى هرولت مكة نحو طاولة مها بكل قوتها بعد أن فهمت ما يقصده تميم… ليحرمه من يديها، بينما كانت الأرض تستقبل فنجان القهوة.
في حين همت مها واقفة بسعادة شديدة، تريد أن تضمها بين يديها، لم تبالِ بما فعلته مكة، فهي فقط تريد حضنها.
قاطعتها مكة بخيبة أمل:
— ياريتني كنت موت وقتها…
كانت تتحدث عن يوم الحادثة، ثم تركتها وهرولت.
في حين ضرب تميم كفًا على الآخر وقال بهمس:
— مادام مش دراكولا، ليه بتتشبحي من الأول؟
وقفت مكة على سطح الجامعة… يضربها الهواء، والدموع شلالات لا تتوقف من عينيها.
نطق بهدوء:
— قولت من الأول… جو الشر ده مش لايق عليكي.
قالت بألم:
— الانتقام سهل، بس الخصم أعزّ ما كنت أملك.
تنهد تميم، لكنه شُلّ تمامًا من حركة مكة المفاجئة حين ألقت بنفسها بين ضلوعه، وسمحت لنفسها أن تبكي بحُرقة، وعقلها يذكّرها بكل شيء.
ثوانٍ تردّد فيها تميم، هل يستغل الفرصة؟
لكنه ضعف… وضمّها إليه بامتلاك وقوة.
حمحمت مكة، وأفاقت لنفسها، فابتعدت عنه سريعًا وهي تقول بارتباك:
— أنا آسفة… أنا…
أوقفها تميم فورًا:
— والله يا بنتي جوزِك!
كادت مكة تتحدث مرة أخرى، فأشار لها بإصبعه أن تصمت، حين أعلن هاتفه الرنين. رفعه إلى أذنه، ثوانٍ قليلة، ثم قال وهو ينوي الهبوط:
— ثواني، وألاقيكي في السكشن.
هزّت رأسها بنعم… تنفست بعمق، وما كادت تنوي النزول، حتى أوقفها صوته… الصوت الذي أعلن الخراب في قلبها قبل عقلها.
قال بهدوءٍ قاتل:
«أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيارِ لَيلى أُقَبِّلُ ذَا الجِدَارَ وَذَا الجِدَارَا ومَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِى ولَكِنْ حُبُّ مَن سَكَنَ الدِّيَارا»
نظرت خلفها… فارتعش جسدها، وانقبض قلبها، وتجمعت الدموع في عينيها.
هذا هو أمانها الوحيد… كيف لها أن تهرب منه الآن؟
اقترب منها ببطء، ووقف أمامها مباشرة.
بحركة بسيطة من أنامله، مسح دموعها التي تهبط كالشلالات.
عيناه تتفحصانها، تسأل: هل أنتِ بخير؟ هل ما زال قلبك ينبض لي؟
شدّه الغضب… والغيرة.
ثوانٍ، ثم فاقت وهي شاردة في عينيه، هناك شيء يسحبها إلى داخله رغمًا عنها.
قال بهمسٍ بالكاد يُسمع:
— لسه ما اتخلقش اللي ينزّل دموعك وأنا عايش.
نظرت إليه لحظات… تحولت نظراتها من حب واشتياق وعتاب، إلى كراهية… حقد… غل.
شاهد مالك ذلك التحول السريع، فقطع الصمت:
— اسمعيني… لو مرة واحدة… مش ممكن تندمي.
قالت بغضب أعمى:
— أنا عمري ما هاندَم على حاجة غير إنك كنت في حياتي في يوم.
قال مالك بانكسار، لا يظهره إلا أمامها:
— كفاية لحد كده… أنا تعبت.
أمسك كفها بقوة، ووضعه على صدره:
— اسمعي ضرباته… يمكن تفهمي إني مش بخير، وإني ما أقدرش أعيش من غيرك.
شلت حركتها، وتوترت، ثم نزعت يدها بعنف، تصرخ كالمجنونة:
— ياريت إنت اللي تستوعب بقى إني واحدة متجوزة، وبحب جوزي! وما كرهتش حد قد ما كرهتك يا مالك… فاهم؟!
ألقت كلماتها كالسكاكين، دون أن تدري أنها فتحت بها بركانًا لا سدّ له.
ظل مالك يحدّق في طيفها، وعيناه تحوّلتا إلى لون الدم.
ــــــــــــــــــــــــ
واخيرا بعد يوم طويل لم تكن فيه مكه مع آحد كانت مع صراعات كثيره بين الماضي والحاضر والخوف من المستقبل.
كانت ترتدي تيشرت أبيض اللون بآكمام فراشه يزينه في الممتصف صوره ورده باللون الاسود وترتدي جيب بنطلون أسود اللون وترتدي طرحه باللون البنك.
وكانت تشبه القمر بوجهها المستدير.
تنظر من الشرفه نحو السماء.
تنظر من الشرفة نحو السماء… تتساءل بداخلها: هو أنا إيه اللي بعمله ده؟ هو ده صح ولا غلط؟ هم ليه عملوا فيا كده؟ هو أنا فعلًا كنت أستاهل؟ ولا بقيت أستاهل… لأني حبيتهم أكتر من نفسي؟
تنفست عاليًا… لكن أنفاسها توقفت حين لمحت آسر جالسًا في الحديقة بمفرده، لا ترى منه سوى ظهره المنحني كأنه شايل همّ أكبر من سنه.
ابتسمت بهدوء، ونوت أن تنزل إليه.
نزلت بخطوات بطيئة، وما إن اقتربت حتى صُدمت… آسر كان يبكي.
ليس دمعتين… بل بكاءً حقيقيًا، مكبوتًا، كأن صدره لم يعد يحتمل.
وقفت أمامه، عقدت حاجبيها وقالت بنبرة تحاول تخفيف الموقف:
— إنت كل شوية بتعيط يا آسر! ما فيش في الحياه غير ثانوية عامة ولا إيه؟
مسح وجهه بعنف، وصوته خرج مكسورًا:
— أنا خسرت درجات كتير في امتحان الأحياء… ومن ساعة ما دخلت السنة دي وأنا بخسر بس. مش قادر ألاقي نفسي، حاسس إني فاشل وضايع، وكل ما أحاول أقف أقع تاني. حاسس إني هخسر أكتر… وتايه، وخايف أوي. إني آفضل أرسم طريق وفي الآخر ماوصلش لآي حاجه. خايف آطلع في الآخر بضحك علي نفسي وانا مش قد حاجه.
جلست أمامه، تنظر إليه بتركيز… وكأنه يشرح حالتها هي، دون أن يدري.
قالت بهدوء عميق:
— بص يا آسر… اللي بيجتهد ربنا ما يضيّعش تعبه، حتى لو النتيجة ما ظهرتش دلوقتي. إحنا نقع؟ آه. نكسر؟ وارد. بس نفضل واقعين؟ لأ.
صمتت لحظة ثم أكملت:
— ثانوية عامة دي محطة… مش نهاية السكة. دي بداية طريق، مش الهدف نفسه. الهدف الحقيقي إنك تقوم، تحاول، وتكمّل. باب الأمل عمره ما بيتقفل، غير في عين اللي قرر يقف.
ثانويه عامله اول طريق يعلمك تتعلم مها تقع تقف تاني وان الحياه فيها احلام كتير كل ماتفشل في حلم حقق غيره المهم ماتقفش عند حلم واحد وبس.
رفع رأسه ينظر لها، ودموعه هدأت قليلًا.
قالت بابتسامة خفيفة:
— ومهما خسرت جولة… ما ينفعش تعلن هزيمتك في الحرب كلها.
وقبل ما يرد، دخل سامر فجأة وهو يقول:
— إيه ده؟ اجتماع كئيب من غير ما تعزموني؟ ولا أنا داخل على مسلسل تركي؟
انفجروا ضحكًا… ضحكة بسيطة، لكنها كسرت ثقل الجو.
آسر مسح دموعه وضحك، ثم قال وهو يضرب على كتف آسر:
— عندك حق… إحنا قدّ الممكن والمستحيل يا وحش. وعادي لو القطر فاتني مرة، مش همشي من المحطة… هفضل مستني لحد ما ييجي القطر اللي شبهي.
نظر بعدها إلى مكة… وكأن كلامه موجّه لها أكثر مما هو لآسر.
قال سامر وهو يربت على كتف آسر:
— الفشل ما بيزورش غير الناس الضعيفة… اللي مش مؤمنة بنفسها يا آسر.
ابتسم آسر … ولأول مرة منذ وقت طويل، شعر أن الأمل لا يزال حيًا.
(الأمل مش موقف، ده طريقة حياة… وكل خطوة نوقف عندها نتعلم ونقوم أقوى.)
غمز سامر لآسر ليقول بمشاكسه:
— تيجي نسمع فيلم؟!
آسر وهو يضحك عالياً:
— ايوه الفشل.
ضحك سامر وهو يقول بمشاكسه:
— ياصحبي مش هياخد معانا القبر نجاح ولا عفاف.
ضحكوا معا سامر لمكه التي تبتسم بلطف:
— تيجي؟!
هزت مكه رآسها بلطف:
— انا نطلع انام.
موضع سامر يده علي كتف آسر ليقول بمزاحه المعتاد:
— شويه فشار مع فيلم هيخلوكي تندمي عمرك كله يافوازمكه وهي تشير علي نفسها لبسمه:
— انا فوازلتهزر رآسها:
— والله البيت ده من سامر كان أدفن بالنكد أكيد الراجل ده جه غلط هنا.
حركت رآسهت برضا علي نفسه لتتوجه نحو غرفتها قاصده الهروب فهي تخفف عن الآخرين. ولكن ليس هناك من يخفف آحمالها عنهاتسد جروح الآخرين وجرحها ينزف. ولكن هيئة تشد في ذاتها تريد أن ترى نفسها اين سيذهب بها مركبها هذه المره. ولكن توقفت أمام غرفه في الجنينه يخرج منها ضوء خافت تسمع صوت لامس قلبها وعقلها وقف أعصابها لثوان.
وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُؤْمِنِينَ (آل عمران: 139).
تنفست عالياً وكآن مع القرآن أكسجين مختلف عن الأكسجين الذي نتفسه.
وماكادت تتخطو بعيداً حتي جاء صوته الهادئ.
سلوي بلطف:
— تعالي يامكه.
فزعت مكه ولكنها أدركت أنها سلوى لتفتح الباب بترقب.
كانت سلوى تجلس علي سجاده الصلاه ولكن وجهها أشبه بالبدر المنير. فهذا نور مختلف نور الإيمان لا يعرفه جيدا الا من ينعم به يكون هادئ القلب مريح البال.
أشارت بكف يديها أمام سجاده الصلاه لتقول ببسمه:
— اقعدي يامكه.
جلست أمامها مربعه القدمين.
سلوي قطعت إرتبكاها:
— شايله طاجن ستك ليه يابنتي.
تنفست مكه أشارت علي نفسها:
— أنا.
ابدا.
سلوي ببسمه مطمنه:
— لازم نعترف أننا ضعاف يامكه. تخيلي كده معاكي جردل وقررتي تمليه ولو ماخلتيهوش يفضى اللي جواه هينفجر من كتر الضغط.
مكه بآلم وبدأت تتجمع الدموع في عيونها:
— مش عارفه ابقى كويسه انا مش كويسه انا تعبانه اوي ومش عارفه الدنيا كل شويه تحطني علي مركبه ومافيش مركبه عارفه انا ركبتها ليه انا والله تعبت انا اضعف من كل ده والله مافيش حاجه من اللي حصلت كنت عوزاها تحصل.
سلوي فتحت لها ازرعتها وبدون سابق انذار من مكه ألقت بنفسها بين ضلوعها.
سلوي وهي تربط علي كتفها:
— كلنا ضعاف اوي من غير ربنا يابنتي إحنا محتاجين ربنا في حياتنا القوه بتيجي بإننا ننادي ربنا ونعترف بضعفنا بين أيد سبحانه ربنا حنين اوووووووووووووووووي اوي بيستقبل العبد الضعيف والتايه اللي بيروحله ويقوله يارب انا العبد الفقير الي سبحانك الارض ومن عليها يحتاج الي رحمه ربنا يابنتي.
أخرجتها بلطف من بين ضلوعها قالت بهمس:
— متوضيه؟
هزت مكه رأسها بلا.
سلوى إشارت علي مرحاض صغير في الغرفه لتقول بنفس الهمس:
— قومي اتوضي وتعالي.
وبالفعل قد أدت مكه وضوئها. والمياه أول خطوه في مسح الالم من علي وجهها المرهق لتري سلوى ممده لها بإسدال صلاه وتركت لها الغرفه وسجاده الصلاه.
وقفت علي باب الغرفه لتقول ببسمه:
— ربنا السميع الرحيم يابنتي.
وتركته بمفردها الأدق أنها تركتها تبدأ في رحله من الحديث مع خالقها.
وبالفعل وقفت علي سجاده الصلاه ورفعت يديه لتقول بهمس:
الله آكبر.
لثواني اعادت الكلمه مره آخري:
الله آكبر.
نعم لم نقولها فراغ فشعرت بقيمتها.
الله آكبر اول خطوه اعتراف العبد لربه بآنه ضعيف بشكل مبالغ فيه يلقى فيها العبد بينها قله حيلته.
قالتها مره ثالثه:
الله آكبر لتكمل:
الله آكبر من همي وحزني وضعفى ووجعي وفقدي وآلمي وآشتياقي وإنكسارى.
الله آكبر من كل ماانا عليه.
ولكن ثواني وانهارت في بكاء شديد. تبكي ليس بحرقه بل بشكوى بتلك الدموع تشتكي لخالقها عما فعلته بها الدنيا وهي بمفردها.
ولكن ثواني احتلت في سجودها.
قد آدت ركعتين تمام علي سجاده الصلاه في وضع الجنين علي وجنتيها دموعها تهبط الدموع كالنسيم الناعم قلبها وكآن ريش ناعم يربط عليه بحنيه شديد تنهدت تلك التنهديه التي لم تحدث سوى عندما تتحدث مع خالقك لتغمض عينيها بعدها معترف أن المخلوق لديه قوه عظيمه في الدنيا قوه الخالق.
لحقت بها رحمه قلبها الذي لا يرد قط عبدا قال يارب.
وماان ذهبت في نوم عميق حتي فتح الباب برفق شديد.
ولكن توقف أمامه كيف تبدوا كالملاك الهادئ مسلمه تماما تنام وكأنها لم تحمل هما قط.
انحني علي ركبتيه بجوارها لايحرك أنامله علي وجهه برف.
دقائق حملها بين يديه ليضعها في سيارته من الخلف برفق شديد دون أن تشعر وكأنه لم تنام منذ سنين.
همس بجوار أذنها برفق:
— أسف مضطر.
رواية قدري الاجمل الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندا الهلالي
فتحت مكة عينيها فجأة، وإحساس غريب بالتعب مسيطر عليها. حاولت تتحرك، لكن جسدها كان ثقيل.
نظرت حولها ووجدت نفسها في غرفة واسعة وأنيقة. الجدران مزينة بألوان دافئة، والأرضية مغطاة بسجاد فاخر. نافذة كبيرة تسمح بدخول ضوء خافت، وكرسي مريح وطاولة جانبية صغيرة تكمل المشهد. كل شيء هنا يوحي بالثراء والفخامة، لكنه يحمل هدوءًا غريبًا ومخيفًا.
بدأت مكة تتحرك بحذر، تتفقد المكان خطوة بخطوة، وكل زاوية كانت تحوي ظلًا غامضًا يجعلها تشعر أن القصر نفسه يراقبها.
في نفس الوقت، في حديقة القصر، وقف تميم مبتسمًا، ضحكته مليئة بالسيطرة والغطرسة.
— دي لعبتي… كلها لعبتي.
وفجأة، ظهرت مكة شبيهة لها تمامًا، نور خفيف يحيط بها، وكأنها ملاك. كانت أوبسيدين. ركضت نحو مكة واحتضنتها بقوة، ودموعها تتساقط بغزارة.
مكة وقفت مذهولة، لا تعرف كيف تتصرف، وكيف لشخص يشبهها تمامًا أن يكون هنا. ثم همست أوبسيدين في ودنها بصوت مليء بالألم والخوف:
— سامحيني… ماكنتش أقصد أعمل كل ده…
وفجأة… اختفت بين يديها كما لو أنها كانت مجرد وهم.
صرخت مكة، صوته يرتجف بالغضب والخوف:
— إنت سيباني وحدي هنا ليه؟!
وبدون سابق إنذار، تصحى مكة مفزوعة، كأن قلبها خرج من صدرها. عيونها تتسع من الرعب، كل جسدها يرتجف من أثر الكابوس. تطلع على نفسها… تكتشف أنها لا تزال نايمة على سجادة الصلاة، يديها ملتفتين على صدرها، وكل شيء حولها نفس المكان الهادئ الذي نامت عليه.
تستعيذ بالله، تأخذ نفسًا عميقًا، تحاول جمع شتات نفسها، لكن كل دقيقة تلمح لها الحلم وكأنه ذكرى سريعة تمر أمام عينيها. الرعب لم يختفِ تمامًا، يبدأ التوتر يتصاعد معها، قلبها يدق بسرعة، عرق بارد يغطي جبينها، وتشعر بتعب وضيق في صدرها.
تنهض ببطء، تتجه نحو غرفتها، تفتح الباب بخطوات مترددة. عيناها تلتقطان ذلك الباب في الحائط، شبه صندوق قديم. قلبها يقفز، لكنها تجرؤ على الاقتراب، وفجأة… يظهر لها المشهد الذي يعيد لها صورة أوبسيدين من الحلم، واقفة أمامها. مسحت وجهها بتعب، تقترب منه ببطء.
مكة تتوقف، قلبها يختنق، وفجأة تتذكر كلام صابرين:
— أوبسيدين؟ دي مرات حسام مش أم تميم… كانت خدامة في القصر.
تفكر بقوة، عقلها يدور: ليه أبو تميم يتجوز خدامته؟ وليه أوبسيدين تحديدًا؟ ليه كل الناس حبوها لدرجة معلقين صورتها في كل مكان؟ وإزاي ماتت هي ووالد تميم في نفس الوقت؟
يبدأ الصداع يشتد، دماغها تقفل على نفسها من كثرة الأسئلة، وتحس بحالة من الارتباك الشديد. تتقدم بتعب نحو الفراش، وتلمح صورة لأوبسيدين على كومودينو تميم، تلتقطها بيد مرتجفة، تسرح في ملامحها، وتردد بصوت منخفض:
— الشبه بيننا مش طبيعي… ياترى إيه حكاتيك انت كمان؟
تضع الصورة مكانها مرة أخرى، لكن فجأة يلمع أمام عينيها شيء غريب: كلمة مكتوبة باللون الأحمر على حواف الصورة، كأنها دم، ولكن الحروف غير مفهومة بالكامل، صعبة التفسير. تتنفس بعمق، تحاول تهدئة نفسها، وتترك الصورة مكانها، لكن شعور الغموض لا يترك قلبها.
دخل شعاع الشمس الأول من النوافذ الكبيرة، ينشر دفء اليوم الجديد على وجوه العائلة المتجمعة حول السفرة.
قطع آسر صمت الصباح بهدوء:
— هي مكه وتميم فين؟
أجابت هالة بهدوء متحفظ:
— مكه نايمه في أوضتها، وتميم ماجاش من إمبارح.
في تلك اللحظة، وقف آسر فجأة، ضحكته مشرقة وعيونه تلمع، تعكس ضوء الأمل الذي يشع منه. تحدث بنبرة كلها ثقة وثبات:
— أنا رايح أذاكر عند كريم.
هالة عبّست بغضب:
— مش معقوله، كريم كل شويه؟!
نظر إليها آسر بجدية:
— ياماما، حضرتك عارفة كريم صاحبي من زمان، ومن وقت الحادثة مش بيعرف يمشي.
ثم أضاف مبتسمًا:
— وبعدين ياماما، ربنا قال: إن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.
تنفست هالة ببطء، تهز رأسها فقدانًا للأمل:
— من أمتي…
وارتفع صوتها قليلًا، متعجبًا:
— …ويطلعلك صوت ياأستاذ آسر؟
ضحك سامر بخفة:
— لا، ماهو بياخد كل يوم درس خصوصي على إيد مكه.
ابتسمت هالة بخفة، بينما نظرت رهف بغضب، مستاءة من سيرتهم.
لكن سامر قاطع الكلام، في الوقت الذي غادر فيه آسر المكان بالفعل:
— في ضيف مهم جدًا جاي لي النهارده.
فايزة بجدية:
— مين ده يا بني؟
ضحك سامر بسعادة، وهو ينوي المغادرة:
— صديق الطفولة يا حجوج.
ثم هرول إلى الأعلى، قاصدًا غرفته.
وفي مكانٍ بعيدٍ جدًا… داخل مستشفى خاص بعلاج المدمنين.
كان محمود مستلقيًا على السرير، يصـارع الموت لحظة بعد أخرى، والسمّ يخرج من جسده بعنف. كانت الغرفة تهتز كل ثوانٍ من قوة صرخاته، صرخات رجلٍ يبحث عن أي يد تمتد إليه لتنقذه من هذا الهلاك… بلا جدوى.
اندفع فجأة، يضرب باب الغرفة الحديدي بقبضتيه، يصرخ مستغيثًا حتى خانته أنفاسه.
وفجأة… وقف أمامه رجل بهيبته المعهودة، يضع كفّيه في جيبيه، نظراته ثابتة لا تهتز.
هرول محمود إليه كالمجنون:
— مالك… طلعني من هنا، أبوس إيدك… أنا بموت يا مالك!
تنفس مالك بعمق، وقال بهدوء ثقيل:
— وأنت مين قالك تعمل في نفسك كده يا محمود؟
تراجع محمود مترنحًا، ثم صرخ بغضبٍ هستيري:
— أنا عايز أموت! مالك، ابعد عني… سيبني في حالي وخرجني من هنا!
ثقلت أنفاس مالك، وقبل أن يرد، سقط محمود على الأرض من شدة الإعياء.
هبط مالك إلى مستواه، وقال بجدية:
— أختك ما تستاهلش منك كده… وأبوك تعب في تربيتك يا محمود.
أَنَّ محمود بألم:
— كفاية… أنا مش قادر.
أمسك مالك كتفه بقوة، صوته ثابت كالصخر:
— زي ما عملت المعصية بسهولة، خليك قد إنك تكفّر عنها. سيب طريق الشيطان يا محمود… هياكلك.
انهار محمود في بكاء هستيري، التعب ينهش جسده:
— أنت بتعمل كده ليه؟
ابتسم مالك ابتسامة هادئة وقال:
— علشان هي بتحبك.
في تلك اللحظة، دخل الطبيب مسرعًا:
— مالك بيه.
وقف مالك بكل شموخ:
— فاضل كتير؟
تنهد الطبيب بأسى:
— للأسف… هو جاي في حالة متأخرة.
رفع مالك سبابته محذرًا:
— لو حصل له خدش بسيط، هتدفع التمن غالي.
— تحت أمرك يا فندم.
غادر مالك المستشفى بخطوات ثابتة، يمضي في طريقه دون أن يلتفت.
عند رحيم،
كان يدخل البيت مُنهكًا، ظهره منحني من ثِقل التعب… وتعبٌ آخر لا يُرى، تعب الكَسرة.
قاطعته فاطمة بصوتٍ يوجع:
— مالك وعدنا إن محمود هيبقى كويس…
هرولت مها من الداخل، ملامحها مختلطة بين الشوق والخوف، وبطنها بارزة قليلًا:
— م… محمود كويس يا عمو؟
هزّ رحيم رأسه بتعب:
— إن شاء الله يبقى كويس.
ثم نظر إليها وأضاف بنبرة أهدأ:
— إنتِ واللي في بطنك كويسين؟
نظرت مها إلى بطنها، وابتسامة مرهقة ارتسمت على شفتيها:
— الحمد لله.
جلست فاطمة على الأريكة الأمريكية، جسدها ينهار دفعة واحدة، وضعت يدها على قلبها وهمست بوجعٍ واشتياق:
— يا ترى… يا بنتي عاملة إيه؟
جلس رحيم جوارها بنفس الانكسار:
— ما ادّيتهاش فرصة تفهم… افتكرت نفسها قوية وعنيدة زي أمها. اتسرّعت… وضيّعتنا.
التفتت إليه فاطمة بعينين مشتعلتين:
— تقصد إيه يا رحيم؟
تنهد وقال بمرارة:
— رغم إنها تربيتك… بس واخدة كل صفات أمها.
انتفضت فاطمة واقفة، الغضب أعمى عينيها:
— مكة بنتي أنا يا رحيم! فاهم؟
صوتها ارتفع وهي تشير إلى صدرها:
— أنا اللي أخدتها لحمة على إيدي… فاطمة بنتي أنا وبس!
ثم اندفعت نحو غرفتها، خطواتها غاضبة، وباب الغرفة أُغلق خلفها بقوة.
وقفت مها في مكانها، فمها مفتوح من الصدمة، تنظر بين رحيم والباب المغلق، وضعت يدها على بطنها بلا وعي، وهمست لنفسها بخوف:
— يعني… مكة فين دلوقتي؟
ظل رحيم صامتًا، ينظر إلى الفراغ، وكأن السؤال أثقل من أن يُجاب.
كانت مكة تقف شاردة أمام ذلك الباب الذي يشبه باب خزنة، عيناها معلقتان به وكأنها تشعر أن خلفه سرًا ضخمًا ينتظر أن يُكشف.
تنفست بعمق، وهمست لنفسها:
— يا ترى الحاجه دي بتتفتح إزاي؟
مدّت يدها بتردد، تنوي تخمين الرقم السري، لكن قبل أن تتمكن في لمسه… صاعقة كهربائية خاطفة لسعتها بقوة، فألقتها إلى الخلف وهي تصرخ فزعًا.
وضعت يدها على موضع قلبها، تلهث بصعوبة:
— هي وصلت إنك تكهربه يا تميم بيه؟!
ورغم الرعب، نوت في داخلها أن تهبط إلى صابرين… ربما تجد عندها إجابة لبعض أسئلتها.
كانت تهبط الدرج بخفة كالفراشة، لكنها توقفت فجأة عند صوت رهف، وصل إلى أذنها حادًا وغاضبًا.
— إنتِ إيه اللي عملتيه ده؟!
أجابتها هالة بصوت متعب مكسور:
— يا بنتي… كنت عايزة مصلحتك.
صرخت رهف بانفعال:
— محدش يدخل في حياتي ويقولي مصلحتك! أنا ليا شخصيتي، ومش ناوية ألغيها علشان حد. أنا اللي أقرر أسافر ولا لأ!
تجمعت الدموع في عيني هالة:
— عايزة تسيبيني يا رهف؟ تسيبيني وأنا اللي استحملت تعبكم السنين دي كلها؟
ردت رهف ببرود قاسٍ:
— وأبويا؟ مش من حقي أروح أشوفه؟ ده برضه ليه حق عليّا.
شهقت هالة بصدمة:
— دلوقتي افتكرتي إن عنده عيال؟ ده سابني وسابكم علشان واحدة تانية!
سحبت رهف جواز السفر من يد أمها بقسوة:
— إنتِ اللي مش عايزة تقتنعي إنه أبويا زي ما إنتِ أمي.
ثم اندفعت للأعلى، لا ترى أمامها شيئًا.
ترنحت هالة وكادت تفقد وعيها، وفي اللحظة نفسها، هرولت مكة نحوها:
— طنط هالة!
أسندتها سريعًا وساعدتها على الجلوس، وضعت إصبعها على نبضها كما تعلمت في كليتها:
— ضغط حضرتك عالي قوي.
صرخت صابرين وهي تأتي مهرولة:
— نعم يا هانم؟
— هاتيلي كركاديه بسرعة.
بعد دقائق، كانت هالة مستلقية، ومكة بجوارها.
— حضرتك أحسن دلوقتي؟
انهارت هالة في بكاء:
— أنا اللي ربيت وكبرت وتعبت… وهو جاي ياخدهم مني على الجاهز.
جلست مكة قربها، تربت على يدها:
— رهف في سن مش دايمًا الواحد بيبقى فاهم نفسه فيه.
هزّت هالة رأسها بأسى:
— دفنت نفسي علشانهم… وهو فين لما ابنه مات؟ فين لما هي تعبت؟ فين لما آسر وقع مية مرة؟
اتسعت عينا مكة بصدمة… شعرت أنها أمام جبل من الوجع.
تمالكت نفسها وربتت على يدها:
— حضرتك صبرتي كتير.
— علشانهم… ضحيت بكل حاجة.
ثم تمتمت هالة وهي تغمض عينيها:
— إنا لله وإنا إليه راجعون.
ابتسمت مكة بحزن… الآن فقط فهمت من أين جاء هذا النور الإيماني. فهي من اولئك الذين قال المولى فيهم:
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
انسحبت بهدوء، تبحث عن صابرين، لكن أذنها التقطت أنين قطة.
تتبعت الصوت حتى وجدتها عالقة بين فروع شجرة. ضحكت بلا وعي:
— إنتِ بتعملي إيه يا شقية؟
حاولت إخراجها، فشلت، تعالت صيحات القطة.
قالت:
— خلاص… هجيبك.
لتنظر لآعلى وحولها بترقب وهي تذهب لعقلها الفكرة.
في اللحظة نفسها، توقفت سيارة فيراري سوداء أمام القصر.
هبط مالك الهلالي بكل شموخ، قميص جملي مفتوح الأزرار الأولى، أكمامه مرفوعة قليلًا، ساعته تلمع، وخطواته ثابتة كعادته.
تجمّد في مكانه… حين رآها.
مكة تقف قدمًا على غصن والأخرى على غصن آخر، تمد ذراعيها لتُخرج القطة. نجحت… وابتسمت بسذاجة، رفعت يديها فرحًا، لكن الفرحة تحولت في ثانية إلى صرخة نجدة.
سقطت للخلف… وأغمضت عينيها. ترفع قدمها والقطه لأعلى.
لم تستقبلها الأرض… بل يدان كانتا أحنّ من الدنيا كلها.
فتحت عينيها ببطء… ثم قفزت مبتعدة كمن لدغه عقرب.
نفض مالك يديه ببرود:
— مش هتبطلي حركات الأطفال دي؟
كانت تحدق فيه بذهول… ثم شردت في وسامته دون وعي.
ابتسم على شرودها، وغمز بمشاكسة…
مكه بصدمه :
انت بتعمل ايه هنا ؟!
مالك رفع كفيه بستسلام :
اتعودي علي كده
مكه بغضب :
هو بالعافيه انا بكرمك
مالك قاطعها :
بكرهك ايوه فاهم بس وجودي مش اختيار ده فرض
ثم تركها غارقة في صدمتها.
حتى دوّى صوت سامر:
— أوووه… مالك الهلالي بنفسه!
وفي اللحظة نفسها… كاد فم مكة يسقط من شدة الدهشة.
ضربت مكة وجهها بكفيها بصدمة:
— فوقي بقى… ده أكيد حلم، كابوس! فوقي يا غبية، مش وقت أحلام!
لكن الفضول كان أقوى. هرولت إلى الداخل تبحث بعينيها عنه، لم تجد أثرًا سوى رائحة عطره، ما زالت عالقة في المكان وكأنه لم يغادر.
وأخيرًا، دوّى صوت ضحك سامر العالي، بينما كان مالك يبتسم بهدوء.
اقتربت من باب الصالون بتردد، لا تريد شيئًا سوى أن تتأكد أنه بالفعل بالداخل.
وقفت عند العتبة، عيناها متسعتان، تحاول الفهم.
كان يجلس على المقعد المقابل، مائلًا للخلف بهدوء، ظهره مستقيم، وقدماه متباعدتان قليلًا… سيطرته تسبق حضوره.
رآها… فابتسم بلطف.
تبع سامر نظرتها وقال مبتسمًا:
— أوه… ياريجينا.
تحولت نظرة مالك فجأة، ضم كفيه حتى برزت عروقه، بالكاد تمالك أعصابه.
قال سامر بجدية:
— مرات ابن حسام… تميم. تعالي يا مكة.
ثم أشار إلى مالك:
— مالك الهلالي… أعز أصدقاء الطفولة والدراسة، وأكبر رجل أعمال.
لم تتحرك مكة، لم تجب، لم تنطق… شردت فقط.
ضحك سامر:
— صح يا مالك… اتجوزت ولا لسه؟
ظل مالك ينظر إليها… وفاقَت مكة على السؤال، رمقته بنظرة اشمئزاز.
أجاب مالك سريعًا:
— لسه.
اتسعت عيناها بصدمة، وهتفت في داخلها: يا كدّاب!
استدارت وغادرت المكان سريعًا، تلعن حظها.
وبينما تهرول، اصطدمت بصدرٍ صلب، فتراجعت متألمة.
أمسكها تميم من خصرها وضَمّها إليه:
— إيه يا نومة؟ مين مزعلك؟
نظرت إليه، ابتلعت ريقها، توترها ازداد بلا سبب مفهوم.
رفع حاجبه:
— في إيه؟
هزّت رأسها بلا، تحاول الإفلات من حصاره.
في اللحظة نفسها، مرت صابرين بعربة الضيافة الصغيرة. أوقفها تميم:
— مين هنا يا صابرين؟
— صاحب سامر بيه يا تميم بيه.
ارتفع حاجب تميم، بينما توترت مكة بشدة، تفرك يديها خوفًا من اللقاء.
رفع تميم ذقنها بلطف:
— مش هتقولي مالك يا نون؟
وقبل أن يُكمل… خرج سامر ضاحكًا، وخلفه مالك بهيبته الكاملة.
ابتلعت مكة ريقها.
ضحك تميم واقترب يصافحه بحرارة:
— يا سلام! مالك الهلالي بنفسه عندنا!
قال سامر بدهشة:
— إنت تعرف مالك يا تميم؟
غمز تميم:
— حق المعرفة.
تمالك مالك أعصابه بصعوبة.
اقترب تميم من مكة، لفّ ذراعه حول خصرها وقال ببرود قاتل:
— خطيب مراتي مسبقًا.
فتح سامر فمه:
— نعم يا خويا؟!
لم يرَ مالك شيئًا أمامه، لكنه وقف ثابتًا وقال بثقة:
— وأم عيالي مستقبلًا.
ارتعش قلب تميم لا إراديًا، ومكة لَعنت كل شيء… أولهم غباؤها.
سامر واقف لا يفهم شيئًا.
تحرك مالك بهدوء، وحين مرّ بجوار تميم، همس بصوتٍ سام:
— نزّل إيدك يا تميم… العاصي زعلي وحش.
وبلا وعي، أنزل تميم يده.
غادر مالك القصر بثبات.
وفي اللحظة نفسها… رنّ هاتف تميم.
رفع السماعة، ثوانٍ… ثم سقط الهاتف من يده وهو يحدق في أثر خروج مالك.
بصدمة.
رواية قدري الاجمل الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندا الهلالي
هرولت مكّة خلف ذلك الذي انطلق كالثور الهائج.
في حين ظلّ سامر يحدّق في طيفهما، عاجزًا عن استيعاب أيّ شيءٍ ممّا حدث.
فتح تميم باب غرفته كالأعمى، لا يرى أمامه سوى صورٍ قد نسيها منذ زمن.
وفجأةً شرد...
وانتزعت منه ذكرى خاطفة.
فلاش.
كان طفلًا في الحادية عشرة من عمره،
يصرخ بألمٍ وبكاءٍ هستيري: "بابا ما تسيبنيش يا بابا... أنا عاوز بابا!"
"عمتو هالة... عاوز بابا!"
فاق من شروده على دمعةٍ فرّت من عينه دون قصد.
لكنّه سرعان ما مسحها.
في تلك اللحظة، شلّت مكّة أمامه...
هل هذه دموع؟
اقتربت منه بتردّدٍ شديد، ومدّت يدها لتضعها فوق كفّه.
فانتفض تميم فجأة، ونظر إليها بعينٍ منكسرة تحمل الكثير:
حبٌّ دفينٌ،
وحقدٌ،
وكراهيةٌ أشد.
لم تستطع مكّة تفسير تلك النظرات.
قالت بألم: "إنت كويس؟"
ثم أضافت بصوتٍ منخفض: "أنا آسفة... أنا السبب في كل الدوشة اللي حصلت في حياتك دي."
تنفّس تميم بعمق، ثم قال بحدّة: "ممكن تسكتي؟ اطلعي برا... مش عاوز أشوفك."
نظرت إليه مكّة بصدمة.
فهذه أول مرة يتعامل معها بهذه الطريقة.
طريقةٌ خاليةٌ من أيّ شيء.
خفضت بصرها بارتباك، ثم اتجهت نحو الخارج بألم، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
تنفّست بعمق وهي تخطو خارج القصر.
فتفاجأت برهف جالسةً على أحد الكراسي، تحرّك قدمها بسرعةٍ وتوتّر.
اقتربت منها بحذر.
قالت بصوتٍ هادئٍ للغاية: "ر... ر... رهف."
نظرت إليها رهف بكراهية: "إنتِ عاوزة إيه؟!"
جلست مكّة بجوارها، وقالت بألم: "إنتِ ليه بتتعاملي معايا كده؟ هو أنا أذيتِك؟"
وقفت رهف بعنف: "أنا لا بحبك ولا بكرهك، وبصراحة مش طايقة وجودك أصلًا... إنتِ بسببك تميم رفع صوته عليّا."
اقتربت مكّة سريعًا، وضعت يدها على كتفها: "أنا آسفة."
أبعدت رهف يدها بعصبية: "إنتِ ليه عايشة جو البريئة؟"
ابتسمت مكّة بألم: "أنا..."
ثم أكملت قبل أن تغادر رهف مباشرة: "بلاش تخلي عقلك دايمًا هو اللي يتحكم يا رهف، بلاش تخسري اللي بتحبيهم علشان عايزة عقلك هو اللي يطلع صح... اسمعي لقلبك مرة."
توقّفت رهف، وظلّت كلمات مكّة عالقةً في أذنها لثوانٍ.
لاحظت مكّة تأثير كلماتها، فأكملت بجدية: "بلاش تخسري الست اللي تعبت قوي علشانك، علشان شايفة إنك عايزة تبقي حرة وتتحكمي في تصرفاتك."
انهمرت دموع رهف بألمٍ وهي تهمس: "بس أنا اتحرمت من الأب طول عمري... ما عرفتش يعني إيه سند، ولا حب الأب، ولا يعني إيه أكون محتاجة وأقول بابا."
"كل ده ليه؟ علشان هي رفضت تبقى زوجة تانية."
"عشنا في رعب، والكل كان متحكم فينا، وكل واحد يقول كلمة في حقنا علشان يربّينا..."
"وأنا أبويا عايش، بس كان بالنسبالنا ميت."
ابتسمت مكّة بلطف، وأمسكت بكفّها تبثّ فيها الأمان: "ما تقبليش على أمك حاجة ما كنتيش هتقبليها على نفسك يا رهف."
"هي عملت كده علشان كبريائها اتجرح، بس ما رمتكيش إنتِ وإخواتك."
"اختارت تبيع راحتها وشبابها علشانكم، وفضّلتكم على نفسها."
"بلاش ننكر فضل اللي بيحبونا علينا لمجرد إننا عايزين نشوفهم مذنبين."
"لو خسرتِ أمك بكرة يا رهف، مش هتلاقي اللي يعوضك عنها... فاهمة؟"
"ربّتت على كفّها، ثم قالت بهمس: "بلاش تنكري فضل حد عليك... الدنيا صغيرة."
دخلت مكّة.
بينما جلست رهف مكانها تبكي بحرقةٍ على حظّها.
فقد خرجت إلى دنيا غير عادلة.
بأبٍ أناني...
وحياةٍ قاسية.
مسحت دموعها بعنف، وعزمت على الذهاب إلى والدتها.
لتعترف بتقصيرها في حقها طوال هذه المدة.
كم كانت ترتدي قناع القسوة.
وتنكر الاعتراف بالمحبة.
وقفت رهف أمام باب غرفة والدتها.
تفرك يديها بتوتّرٍ، فهذه أول مرة تأتي لتجلس معها وتتحاور.
لطالما كانت لقاءاتهما تنتهي بالشجار.
ودائمًا ما رأت في والدتها المذنبة الوحيدة.
تنفّست أخيرًا.
ودقّت الباب مرة...
ثم ثانية...
ثم ثالثة...
دون إجابة.
فتحت الباب بهدوء.
وقعت عيناها على والدتها نائمة على الفراش بسلامٍ عميق.
سلامٍ يشبه الأمان.
كانت كالبدر.
نورٌ هادئ يكسو وجهها.
وراحةٌ غريبة تسكن ملامحها.
ابتسمت رهف دون وعي.
واقتربت ببطء.
جلست إلى جوارها.
وأمسكت بكفّ يدها وهمست: "ماما..."
لكن الابتسامة تلاشت.
برودةٌ قاسية تسلّلت إلى أطرافها.
عقدت حاجبيها بقلق.
ثم دقّقت النظر.
في شفتيها الزرقاوين.
في جسدٍ جامدٍ كأنه سُحب من دفء الحياة.
كانت الصاعقة.
هزّتها رهف بعنف.
وصوتها يرتجف: "ماما! ماما فوقي! ماما!"
لا رد.
وفي ثوانٍ...
ومن غير أيّ مقدمات.
اهتزّ القصر بأكمله من صرخةٍ واحدة.
صرخةٍ خرجت من قلبٍ انكسر للأبد.
جاء الجميع على صرخة رهف.
تجمّد الكل في أماكنهم.
وصار الصمت أثقل من الصوت.
هرول تميم نحو عمّته.
وضع يده على موضع نبضها.
ثوانٍ معدودة.
ثوانٍ فقط.
ثم هزّ رأسه كالمجنون: "عمّتي... لا."
وفي اللحظة نفسها.
انهارت فايزة على الأرض وهي تصرخ بفزع: "بنتييييي!"
أما مكّة.
فقد وضعت يدها على فمها بصدمة.
تهزّ رأسها نفيًا.
ثم فرّت الدموع من عينيها فجأة.
كأنها كانت محبوسة تنتظر الإذن.
في أقلّ من ثوانٍ.
سكن الحزن البيت.
وتلبّد بالغيوم.
مرّت ساعات.
لم تكن هيّنة على قلب أحد.
فقد خسروا أحنّ القلوب.
وأطيبهم.
وقفت مكّة أمام قبرها.
تبكي بحرقةٍ شديدة.
قالت بصوتٍ مكسور: "في ريحة جميلة قوي طالعة من قبرك..."
"الكل مش قادر يستوعب جمال الريحة دي جاية منين."
"بس أنا عارفة."
تنفّست بعمق. ثم أكملت: "إنتِ سبتي دنيا مزعجة. سعيتي فيها لرضا ربنا.
ودلوقتي رايحة تتمتعي بصبرك وعبادتك..."
"وربنا قال:"
"إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ"
"أنا اتعلمت منك إن الدنيا دي فانية.
وإن اللي هيفوز فيها بجد هو اللي كان مع ربنا."
رفعت عينيها إلى القبر: "أهو أنا شايفة ده في النور اللي طالع على وشك.
وفي قبرك اللي بيطري.
وفي المسك اللي طالع منه.
وفي ابتسامتك اللي كأنها شافت هي رايحة على فين."
ابتسمت بحزنٍ عميق: "إنتِ معجزة جميلة.
علمتيني أسعى...
علشان أنا كمان عاوزة أبقى في المكان اللي إنتِ فيه دلوقتي."
صمتت لحظة.
ثم انكسر صوتها: "بس... هتوحشيني قوي."
وفي الجهة الأخرى.
كانت رهف واقفة تبكي بحرقة.
ثم سقطت على ركبتيها.
وجهها شاحب.
عيناها ذابلتان.
شعرها مبعثر.
صرخت بألم: "كنتِ صبرتي شوية...
كنت جاية أقولك إني بحبك.
كنت جاية أفهمك إني غلطت في حقك...
كنتِ صبرتي شوية صغيرة، اسمعيني ولو مرة يا ماما!"
وضعت يدها على موضع قلبها.
ثم صرخةٌ خرجت منها.
هزّت كل من في المكان: "آاااه!"
"اتأخرت في حضنك.
واتأخرت في اعتذاري.
وما اتأخرتيش في الرحيل."
أسرعت مكّة نحوها.
فارتمت رهف بين ضلوعها.
تهتزّ بعنف وهي تبكي بندمٍ يمزّق الروح: "راحت قبل ما أفهمها إني بحبها..."
"ماتت وسابتني.
وهي اللي قالتلي لو فضلت وحشة طول عمري مش هتسيبني..."
"مشيت بسرعة ليه؟ ليه؟ لييييه؟"
شدّت مكّة ذراعيها حولها بقوة.
كأنها تحاول أن تمنع قلبًا آخر من الانكسار.
مرّ شهران.
كان القصر يغرق في صمت قاتل.
هدوء ثقيل يسيطر على كل ركن فيه.
ومكّة تذهب أحيانًا إلى جامعتها برفقة تميم الذي لم يفارقها منذ ذلك اليوم.
وعلى الرغم من ذلك، ما زال يعاملها ببعض القسوة الغامضة التي لا تدري سببها.
وفي كل مكان تذهب إليه، كانت ترى مالك جالسًا، يضع قدم على الأخرى، ينظر إليها ببرود.
كأن عاصفة خفية تترقب خلفه.
وفي صباح يوم جديد.
استيقظت مكّة على جو القصر المغيم بالكآبة الشديدة.
ذهبت إلى المرحاض، وأدّت صلاة الضحى، ثم قرأت وردها الصباحي من القرآن والأذكار.
وقفت أمام المرآة، تتأمل نفسها برضا.
تشعر بنور الإيمان الذي قررت أن تلحق به.
كما فعلت هالة من قبل.
وهكذا كانت دائمًا تذكر نفسها: السعي نحو النور، مهما كان الطريق صعبًا.
جلست على الأريكة مرتدية الكوتشي.
ثم نظرت مرة أخرى في المرآة.
عدّلت خمارها.
وأحست بالرضا عن مظهرها المتناسق: خمار نبيتي اللون، وفستان كافيه رقيق يشبه شخصيتها.
كوتشي أبيض، وشنطة بيضاء.
كانت على وشك النزول لقضاء آخر امتحان في السنة.
حتى انفجر صوت سامر في أركان القصر. مملوءًا بالغضب:
"باقي شهر على امتحاناتك وأنت مقضيها نوم!"
ماتفوق ونظم نفسك يا آسر، هتضيع تعب سنة كاملة يا زفت!
آسر نظر إلى الأسفل، عاجزًا عن مواجهة الواقع.
شعوره بالفراغ بعد فقد والدته غرقه في عالم بلا شغف، بلا حياة، بلا معنى.
نظرت إليه مكّة بألم شديد، مدّت شفتيها بحزن عميق.
آسر بلامبالاة:
— مش فارقة… مش عاوز السنة أصلاً.
انفجر غضب سامر، ورفع يده بسرعة لتضرب وجه آسر.
لكن اليد هبطت على وجه آخر لم يراه أنها وقفت امامه.
في تلك اللحظة، دخل تميم ببطء، عينيه تتسعان من الصدمة.
ثم انهال نحو سامر كالمجنون، يشد يد مكّة خلفه، صوته يرتفع:
— انت اتجننت؟
فتح سامر فمه، مذهولًا مما حدث.
تحدثت مكّة بسرعة، محاولة التوضيح:
— هو ماكنش يقصد…
لكن تميم قاطعها بغضب جامح:
— عملت إيه علشان تستجرأ تعمل كده؟
فاق سامر سريعًا، صوته يرتجف:
— أنا ماكنتش قصدي…
رفع تميم إصبعه السبابة، موجهًا له تحذيرًا صارمًا:
— الحاجة الوحيدة اللي صبرتني علي، إني ما نسفكش حالًا… أنك عمى.
شدّ مكّة خلفه للخارج، دون أن تفهم شيئًا، بينما وقف آسر يراقب، قلبه مثقل بالصدمة.
ولم يستطع أن يتحرك لمواجهة سامر، الذي جلس، فقدان الأمل واضحًا على وجهه.
كأن العالم كله انهار حوله.
عاد الهدوء القاتل إلى القصر.
لكن ثقل اللحظة كان ثقيلًا على القلوب.
يزرع ألمًا صامتًا في كل من عاش الغضب أو فقد الأمل في ذلك اليوم.
***
وقف تميم بسيارته في ساحة الجامعة.
فتح لها الباب بهدوء معتاد.
وهي تهبط منه بغضب، تصرخ أمامه:
— ممكن تسمعني بقى!
تميم بلا مبالاة، نظر إلى خدها المتهالك بآلم حاول إخفاءه:
— اطلعي على لجنتك يا مكّة.
تحدثت بغضب قبل أن تغادر:
— سامر كان هيضرب آسر، وأنا اللي خدت الضربة مكانه عن قصد… علشان هو مش ناقص!
تركت المكان بسرعة.
في حين نظر تميم إلى طيفها وابتسم برفق.
وضع يده على قلبه وقال بآلم مكتوم:
— وبعدين معاك… هو ده اللي هنخليها تندم إنها بنتها… هو ده الانتقام؟
اعترف أمام كبريائه وشرّه أنه يحبها… نعم، حبّها حد الجنون.
ثم أغلق باب السيارة بغضب أعمى وتحرك للداخل بهدوئه المعتاد.
توقف أمام لجنة الامتحان، المسؤول عن مراقبتها.
رفع هاتفه ببرود:
— عاوز إيه يا حمزة؟
— من وقت ما حرق مالك الهلالي المصنع بتاعك وأنت ساكت ومختفي…
تنفّس تميم ببرود:
— معلش، أنا معايا قلبه… ده أقل واجب منه.
أجاب حمزة بهدوء:
— اقفل الحرب دي يا تميم… انت مش قدها.
تميم بتحدي:
— الحرب هتبقى بتاعتي، وأرض الهلالي هاخدها!
ثم أغلق الخط في وجهه دون أن يستمع.
***
كانت مكّة تتحرك في الدور متجهة نحو لجنتها.
حتى شعرت بيد تسحبها بقوة، لم يكن سواه، يسحبها خلفه وهي تصرخ بغضب:
— سيبني يا مالك! بتعمل إيه؟
وقف بها في سطح الجامعة، حاصرها بينه وبين الحائط.
نظر إلى خدها وهو يضم كفه بغضب أعمى:
— مين اللي عمل فيكي كده؟
سحبت يديها بغضب:
— ابعد عني بقى، وروّح اهتم بمراتك وابنك وسيبني في حالي!
ضرب مالك الحائط خلفها بعنف، قوة كالعمى، حتى نزفت يده.
مكه فزعت، أمسكت يده بفزع:
— انت اتجننت؟ ايه اللي انت بتعمله ده؟
رفع ذقنها لينظر في عينيها، جعلها تشرد في بؤبؤ عينه.
نطق بصوت الأفعى:
— مين اللي عمل كده؟ ورحمة آمي هخليه يتمنى إنه اتولد من غير إيد!
ابتلعت مكّة ريقها، ونظرت لأسفل.
صرخ مالك صرخة هزت جسدها بالكامل:
— أنطقييييي!
ارتعشت لتقول بغضب:
— مالكش دعوة بيا… أنا بكرهك يا مالك… أنا بكرهكم كلكم!
وكادت أن تغادر السطح مهرولة، حتى أوقفها مالك وهو يمسك كفّها:
— وعزّة جلالة الله، هتندمي يا مكّة… حتى انتقامك كان غباء… تسرعك كله غباء… ولو فكرتي إنك بسهولة هتبقي لغيري، تبقي غبية… فاهمة؟
تركها وهرولت سريعًا لأسفل، وتردد صوته في مسمعها عدة مرات.
***
دخلت اللجنة، وتفاجأت بأن من يراقبها اليوم هو تميم.
نظر إليها، شاهد وجهها المرهق، وغمز لها.
في حين شعرت ببعض الارتباك من الأنظار حولها.
وضع المراقب الآخر الورقة أمامها لتبدأ في الحل.
شعرت فجأة بالاختناق، فأسعلت بقوة.
لكن ثوانٍ معدودة، فتح تميم غطاء زجاجة المياه وقال بلطف:
— أهدئي.
مسكت منه الزجاجة، تنظر لكل من حولها بخجل، همست بهدوء:
— شكرًا.
جلس تميم على الطرابيزة بجوارها، يضع قدمه علي كرسي بجوار الكرسي الذي تجلس عليه.
ينظر إلى باقي اللجنة، بينما ركزت مكّة وجهها على ورقة الامتحان، تؤدي أفضل ما يمكن.
وفي النهاية، أخذ تميم الورقة ليغمز لها بمشاكسه:
— هاتي يا دكتورتي.
فتحت عيونها بصدمه، ابتلعت ريقها بغضب، وذهبت للخارج.
بينما جاء إشعار لتميم، جملة بسيطة محملة بكل أنواع التهديد:
— دي بالذات ما ينفعش تتلمس.
***
كانت مكّة تمشي نحو سيارة تميم، تنظر في شنطتها.
لكن توقّفت لثوانٍ على صوت إحدى زميلاتها:
— مكه!
نظرت خلفها، ابتسمت:
— إزيك يا مروه؟
مروه بسؤال هادئ:
— مكه، مها محضرتش ولا امتحان السنة دي؟ هي كويسة؟
نظرت إليها مكّة، شعرت بشيء يلمس قلبها بألم، أجابت بهدوء:
— مش عارفة يا مروه.
وتركتها، بينما مروه تفكر، رفعت حاجبها:
— مش عارفة إزاي يعني؟
لما انت مش عارفة، أمال مين اللي هيعرف؟
اتجهت مكّة سريعاً نحو سيارة تميم. ثوانٍ معدودة وكان هو يدخل السيارة.
شردت مكّة بعيداً. فرغم كل شيء، انشغل قلبها بصديقة عمرها. همست وهي تفرك يديها:
— ت. تميم…
تميم وضع يده على المقود. نظر للأمام وتحدث ببرود شديد:
— مقدمة شهادة مرضية… الحمل تعبها… وكانت محجوزة في المستشفى… دلوقتي هي كويسة.
فتحت مكّة فمها بصدمة. في حين تحدث تميم بهدوء:
— حاجة تانية؟
نظرت إليه في المرآة، ونطقت بهدوء:
— انت إنسان مخيف.
صفّت سيارة تميم أمام القصر.
وهو ينطق بهدوئه المعتاد:
— انزلي.
نظرت إليه مكّة بغضب من طريقة كلامه المتغيرة كل ثوانٍ.
هبطت من السيارة، تتجه نحو الداخل بخطوات سريعة.
لكنها قررت أولاً أن تدلف إلى غرفة آسر قبل أي شيء آخر.
دقت الباب، وسمح لها آسر بالدخول.
دخلت مكّة بخطوات هادئة، ابتسامة رقيقة ترتسم على وجهها.
وجدت آسر ممسكاً بصورة والدته، يمسح دموعه بصمت.
وعند وقوفها قال بصوت منخفض:
— شكراً.
ابتسمت مكّة برقة:
— على إيه؟
— على إنك وقفتي جنبي… واللي عملتيه النهارده مش هنساه ليكي.
جلست مكّة على مقدمة السرير، قلبها يرفرف بخفة، ونظرتها ثابتة على آسر.
آسر، الذي بدا منهكاً، عينيه محمرتان من البكاء، يديه تمسك بصورة والدته.
ابتسمت مكّة بهدوء، وجلست أقرب إليه، محاولة أن تنقل له بعض السلام:
— آسر… اعرف إن الدنيا أوقات بتبقى صعبة… وأنك تحس إن كل شيء ضاع… بس صدقني… كل حاجة بتمر بيها ربنا شايفها… وكل لحظة ألم هي فرصة… فرصة تقويك… فرصة تخليك أقوى.
رفع رأسه ببطء، نظر إليها بعينين مليئتين بالحزن، همس:
— مقدرش… حاسس إن قلبي ميت… ما فيش فايدة.
مدّت يدها ووضعتها على قلبه:
— اسمعني… القلب ما يموتش إلا لما نسيب النفس تتخلى عن ربنا… آسر، كل تجربة صعبة، كل ألم… ده امتحان… واللي بيصبر ويثبت، ربنا معاه.
ابتسمت ابتسامة بسيطة، ثم أضافت بحنان:
— مش لازم تحس إنك لو وقعت، وقعت للأبد… حتى لو حاسس إنك ضايع، ربنا موجود… ده وعده… واللي يفقد أمله في نفسه، ما يفقدش أمله فيه.
رفع رأسه ببطء، نظر إليها بعينين مليئتين بالحيرة:
— طب… وانا مينفعش أعمل حاجة دلوقتي… هي مش معايا…
أمالت مكّة جسدها قليلاً، وأمسكت يديه بكل حنان:
— آسر… الحب مش مجرد شعور… الحب أفعال… لو بتحب أمك… خلي حياتك كلها دليل… خلي كل نجاح، كل صبر، كل خير… عملتوه… علشانها… علشان لما تقابلها في الآخرة تبقى فخورة بيك جداً… تبقى شايفة ابنها وقف قد المسؤولية… ما استسلمش… وما تخليش اليأس يدخل قلبك.
آسر ابتلع ريقه، قلبه بدأ يدق أسرع، وشعر بشيء يتحرك جواه… شعور بالمسؤولية، شعور بالقوة، شعور بأن الدنيا ما انتهتش رغم كل الألم.
ابتسمت مكّة، وضعت يدها على قلبه:
— ربنا شايفك… وهو اللي هيساعدك… وأي خطوة صح هتخلي قلبك أهدأ… كل يوم هتكتشف قد إيه انت قادر…
قالت ببسمة:
— آيه رأيك لونذاكر مع بعض تعالى نبدأ بأي حاجة.
أحس آسر بالسكينة تتسلل إلى قلبه.
بدأ يلتقط أنفاسه ببطء، كأن الحياة تعود إليه شيئاً فشيئاً.
جلسا معاً، مكّة وآسر، يذاكران حتى وقت متأخر جداً.
ورغم التعب، ظل التركيز حاضراً.
حتى غلبها النوم فجأة، وانحنت على الطرابيزة، يديها على الورق.
وآسر ينظر إليها بدهشة وحنان، يهمس بصوت منخفض:
— شكراًاااا… شكراً.
ثم قام، واتجه إلى تميم الذي كان جالساً يشتغل على اللابتوب:
— تميم، تعال شيل مراتك من عندي… مش قادر أمسك نفسي قدامها بصراحة!
نظر تميم إليه بدهشة، ثم مسكه من ياقة قميصه قائلاً بغضب:
— بتقول إيه يا ض…؟
ضحك آسر عالياً، وأشار إلى الغرفة:
— تعالوا خدوا الميتين اللي هنا!
تحرك تميم نحو الغرفة وهو يصرخ فيه بغضب، ويشتمه:
— أنا غلطان إني سايبها معاك يا ابن… إنت…!
فتح الباب ليجد مكّة غارقة في النوم.
لا هدوءها تغير، ولا إرهاقها خف… الورق حولها مبعثر.
لكن شكلها كان مفعماً بالراحة رغم كل شيء.
اقترب تميم منها، حملها بين ذراعيه، وضمها إلى صدره بحب امتلاك.
توجه بها نحو غرفته، وهو يشعر بالفخر والحنان في آن واحد.
ضحك آسر عالياً:
— يابختك ياعم… ثقلتك امك يا آسر!
ضحك آسر بحرية، وكأن الحزن لم يزره أبداً.
وفي الوقت نفسه، كان سامر يشاهد المشهد.
يشعر بسعادة عميقة، يراها بعيونه.
يحس بقدوم آسر للحياة مرة أخرى، ينبض قلبه بالأمل.
في صباح يوم جديد.
فاقت مكّة على صوت إشعار على هاتفها.
رقم غريب… لم تعرفه من قبل.
فتحت الرسالة، وكانت مكتوبة بكلمات قصيرة:
— بصي من الشباك.
اقتربت مكّة من الشرفة ببطء، قلبها ينبض بشدة، شعور مختلط بين الفضول والخوف والدهشة.
فتحت عينيها بدهشة، وما إن نظرت إلى الخارج…
حتى توقفت عن التنفس للحظة.
رواية قدري الاجمل الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندا الهلالي
وقفت مكّة خلف الشرفة تتطلع إلى الأسفل، وقلبها يخفق باضطرابٍ لا تهدأ له وتيرة.
كانت مها هناك، وحيدة، منكسرة، كأنها جاءت تحمل اعترافًا أثقل من قدرتها على الاحتمال.
ترددت مكّة طويلًا.
شيءٌ في داخلها كان يأمرها أن تغلق الباب وتعود، وشيءٌ آخر كان يلحّ عليها أن تواجه.
وفي النهاية… نزلت.
ما إن وقعت عينا مها عليها، حتى اندفعت نحوها كمن أفلتت منه الحياة، وألقت بنفسها في حضنها، تشبثت بعنقها، وارتجف جسدها كله من شدة البكاء.
كانت شهقاتها متلاحقة، وبكاؤها صامتًا لكنه مزلزل.
غير أن مكّة لم تبادلها العناق.
ظلت واقفة كتمثالٍ بلا روح، ثم أبعدتها عنها بقسوة مكتومة.
قالت من غير ما تبصلها:
— إنتِ إيه اللي جابك هنا؟
مسكت مها كف إيدها بسرعة، صوتها مكسور:
— أرجوكي يا مكّة… اسمعيني مرة واحدة بس.
سحبت مكّة إيدها بعنف، والغضب انفجر من صدرها:
— أسمعك؟!
إنتِ فاكرة نفسك عملتي إيه؟
فاكرة أنا حبيتك قد إيه؟
ارتعش صوتها، والدموع نزلت غصب عنها:
— أنا كنت مستعدة أخسر حياتي كلها ولا أخسرك إنتِ!
لو كنت أعرف إنك بتحبي مالك… والله كنت سيبته ليكي!
إنتِ ماكنتيش مجرد صاحبة…
إنتِ كنتِ أختي، وصاحبتي، ودار أماني.
انخفضت رأس مها، وعيناها معلقتان بالأرض، والدموع تنساب بلا توقف.
تشابكت أصابعها في بعضها، كأنها تعاقب نفسها قبل أن يُدان ذنبها.
أشارت مكّة بيدها نحو باب القصر، وصوتها خرج مبحوحًا صارخًا:
— اطلعي برا.
وسيبيـني في حالي.
وانسي إن كان ليكي صاحبة اسمها مكّة في يوم.
ثم صرخت بكل ما تبقى فيها:
— بــــــــراااااااااااااااا!
استدارت مكّة لتغادر، تاركة خلفها إنسانة محطمة.
لكن مها أوقفتها فجأة، صوتها خرج مرتجفًا:
— أنا حامل…بس مش من مالك.
من محمود.
توقفت مكّة مكانها، وكأن الهواء قد تجمد حولها.
خطت خطوة إلى الخلف، وقلبها كاد يخرج من صدرها.
التفتت ببطء، ونظرت إليها وفمها مفتوح من الصدمة.
ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة باهتة، وقالت ببرود:
— كذبة جديدة.
جرت مها نحوها، أمسكت كف إيديها، وسقطت على ركبتيها أمامها:
— والله العظيم بقول الحقيقة!
إنتِ باقي سنتين وتبقي دكتورة، تقدري تعملي تحليل DNA بنفسك!
اعمليه… شكّي زي ما إنتِ عايزة!
كانت مكّة واقفة، شاحبة الملامح، زائغة النظرات، ثابتة في موضعها كأنها تلقت ضربة لم تستوعبها بعد.
أخذت مها نفسًا عميقًا، وبدأت تحكي كل شيء بسرعة، ودموعها لا تتوقف،بينما ظلت مكّة كما هي…عالقة في لحظة صدمة لا زمن لها.
ظلّت مكّة واقفة في موضعها، لا تتحرك، كأن الكلمات التي سقطت على مسامعها قد شلّت الزمن من حولها.
كانت تنظر إلى مها، لكن بصرها لم يكن يراها، وكأن عقلها ما زال عالقًا عند الجملة الأخيرة.
تنفست مها بعمق، صدرها يعلو ويهبط بعنف، ثم قالت بصوت مرتعش:
— أنا ماكنتش عايزة ده يحصل… والله ما كنت قاصدة أخسرِك.
لم ترد مكّة.
ملامحها جامدة، وعيناها ثابتتان في نقطة بعيدة، كأنها تحتمي بالصمت من الانهيار.
اقتربت مها خطوة، ثم توقفت، خائفة من أن تُصدّ من جديد
ابتلعت ريقها بصعوبة، وأكملت وهي تبكي:
— عمري ما حبيت مالك زي ما إنتِ فاكرة… هو كان إنقاذ، لحظة غباء، بس إنتِ؟
إنتِ كنتِ حياتي.
شدّت مكّة أصابعها بقوة، أظافرها انغرست في كفها، محاولة أن تستعيد توازنها.
ثم قالت ببطء، بنبرة منخفضة لكنها حادة:
— وإنتِ فاكرة إن الكلام ده يفرق؟
رفعت مها عينيها إليها، مليئتين بالخوف:
— يفرق… علشان تعرفي إني ما خنتكيش عن قصد.
ضحكت مكّة ضحكة قصيرة خالية من الفرح:
— القصد ما يغيّرش النتيجة.
ساد الصمت لحظة ثقيلة، لم يُسمع فيها سوى أنفاس مها المتقطعة.
أغمضت مكّة عينيها لثوانٍ، ثم فتحتهما وقالت بصوت مبحوح:
— إنتِ كسرتي حاجة ما بتتصلحش.
انكمشت مها على نفسها، وكأن الجملة سحبت منها آخر ذرة أمل:
— عارفة… وعارفة إني أستاهل كل ده. بس محدش يستاهل الانتقام ده يامكه
تقدمت مكّة خطوة إلى الخلف، كأنها تحتاج مسافة تحميها:
— اللي بينا انتهى.
حتى لو الكلام خلّص… الوجع لسه.
رفعت مها رأسها، نظرت إليها نظرة أخيرة مليئة بالرجاء:
— بس حاول تسامحيني
لم تجبها مكّة.
استدارت ببطء، ومشت نحو باب القصر، خطواتها ثقيلة لكنها ثابتة.
أما مها…فبقيت في مكانها،وحدها،تحمل سرًا أكبر من قدرتها،وتراقب ظهر مكّة وهو يبتعد،مدركة أن بعض الخسارات لا يعوّضها اعتراف،ولا يمحوها صدق متأخر.
أغلقت مكّة باب غرفتها خلفها، وما إن استندت إليه حتى سقط ثقل جسدها عليه، كأنها كانت تتماسك فقط إلى أن وصلت إلى هذا المكان.
اتجهت نحو السرير بخطوات متعثرة، ثم توقفت في منتصف الغرفة.
صوت مها عاد يرنّ في أذنيها بإلحاحٍ قاسٍ.
أنا حامل… بس مش من مالك… من محمود.
رفعت يدها إلى رأسها، ضغطت على صدغيها، وكأنها تحاول إيقاف ذلك الصوت، لكن الأفكار كانت أسرع.
محمود…
أخوها.
كيف حدث هذا من دون أن تعلم؟
وأين هو الآن؟
ثم مالك.
ملامحه، أفعاله، مواقفه التي بدت لها وقتها قاسية وغير مبررة.
هل كان يفعل كل ذلك من أجلها؟
هل كانت تراه بعينٍ واحدة فقط؟
تسارعت أنفاسها، وبدأ صدرها يعلو ويهبط بعنف.
نظرت إلى انعكاسها في المرآة، فرأت وجهًا شاحبًا، عينين متورمتين، وشفتين ترتجفان.
خرج صوتها فجأة، مبحوحًا، كأنها تحاسب نفسها:
— بس أنا كنت فين من كل ده؟!
لم تحتمل الوقوف أكثر.
انزلقت على الأرض بجوار السرير، ظهرها إلى الحائط، وساقاها مطويتان تحتها.
انهارت.
انفجر بكاؤها، بكاءً مريرًا، جسدها كله يهتز، ودموعها تنساب بلا توقف.
كانت تبكي غيابها، وتسرعها في الحكم، ووجع الحقيقة التي جاءت متأخرة.
وفجأة…انفتح باب الغرفة بعنف.
دخل تميم، وما إن رأى المشهد حتى توقفت أنفاسه.
مكّة كانت على الأرض، شعرها مبعثر، خصلاته ملتصقة بوجهٍ غارقٍ في الدموع، عيناها حمراوان، زائغتان، وفستانها متجعد، كأنها خرجت من معركة خاسرة.
جري نحوها، جثا على ركبتيه، ومد يديه بسرعة:
— مكّة! إيه اللي حصلك؟!
لم تجبه.
كانت تبكي بقوة، شهقاتها متقطعة.
أمسك كتفيها برفق، محاولًا رفع وجهها إليه، وصوته مليء بالصدمة:
— بصّيلي… إنتِ كويسة؟
رفعت عينيها ببطء، نظرت إليه نظرة مليئة بالتعب والضياع، وهمست:
— أنا… كنت بعيدة أوي.
لم يسأل أكثر.
شدّها إليه، وضمّها بحذر، وكأنها شيء هشّ قد ينكسر بين يديه، بينما استمر بكاؤها بين ذراعيه.
وفي تلك الغرفة،بين جدران تعرف أسرارها،سقطت مكّة أخيرًا…وسمحت لنفسها أن تنهار.
لم تشعر مكّة بنفسها حين هدأ جسدها بين ذراعي تميم.
كان بكاؤها قد استنزف ما تبقى فيها، فاستسلمت للنوم ببطء، رأسها مستقر فوق صدره، وأنفاسها غير منتظمة، كطفلة احتمت أخيرًا من العاصفة.
ظل تميم ثابتًا لا يتحرك.
كان يتأمل ملامحها عن قرب؛العينان المغمضتان بتعب،آثار الدموع الجافة على وجنتيها،وشفتان ترتجفان حتى وهي نائمة.
رفع يده ببطء، أبعد خصلة شعر علقت بوجهها، وتنفس بعمق.
اقترب بفمه من أذنها، وهمس بصوتٍ منخفض كأنه حديث لا يجب أن يسمعه أحد:
— شكل كل الأدوار هتتلعب عليكي في لحظة يا أميرتي الصغيرة.
نهض بحذر شديد، وحملها بين ذراعيه دون أن توقظها.
كانت خفيفة… أكثر مما ينبغي.
وضعها على الفراش برفق، كأنها قطعة من الزجاج، وعدّل وضعها، ثم استدار.
توجه نحو أحد الجدران.
لم يكن جدارًا عاديًا؛لوحة معدنية سوداء، مدمجة بإتقان في الحائط، تشبه باب خزنة عملاقة، لا مقبض لها ولا مفاتيح.
وقف أمامها بثبات، ووضع كفّه داخل مربع صغير محفور في المعدن.
ثوانٍ قليلة…ثم صدر صوت خافت، أشبه بنبضٍ معدني.
انشقّ الباب ببطء.
من الداخل، ظهر سلّم ضيق ينحدر إلى الأسفل، درجاته من الحديد الداكن، يبتلع الضوء كلما نزل أعمق.
عاد تميم سريعًا، حمل مكّة من جديد، ودخل بها.
أُغلق الباب خلفهما في صمت.
بدأ النزول.
وكان مع كل درجة، يبتعدان أكثر عن العالم في الأعلى.
انتهى السلم عند غرفة مخفية أسفل الأرض.
غرفة واسعة على غير المتوقع، جدرانها حجرية ملساء، يكسوها ضوء خافت مائل للزرقة، مصدره وحدات إضاءة صغيرة مخفية في الزوايا.
الهواء بارد، نقي، مشبع برائحة معدنٍ قديم وأسرار دفينة.
في منتصف الغرفة، فراش بسيط لكن فخم، وإلى جانبه طاولة خشبية داكنة، وعلى الجدران شاشات مغلقة، وخزائن معدنية، وملفات مرتبة بعناية.
المكان كله يوحي بشيء واحد:هذا ليس ملجأ…بل غرفة انتظار للحقيقة.
وضع تميم مكّة على الفراش، ووقف يتأملها للحظة.
هنا، في هذا العمق،في أعماق الغرفة السفلية، كان الصمت سيد المكان.
مكّة نائمة بسلامٍ زائف، لا تعلم أن الأمان الذي احتمت به لم يكن إلا جزءًا من لعبة أكبر منها.
وقف تميم بعيدًا عنها، ظهره إلى الفراش، وعيناه مثبتتان على إحدى الشاشات التي أضاءها بلمسة واحدة.
ظهرت صورة قديمة لرجلٍ في منتصف العمر…والد مكّة.
انقبض فكه، وارتسمت على ملامحه قسوة لم تعهدها من قبل.
لم يكن هذا المكان وليد الصدفة.
ولا هذا الزواج محض حب.
عاد بذاكرته سنواتٍ إلى الوراء…إلى بيتٍ آخر، وصوت ضحكات لم تكتمل، وأبٍ كان عالمه كله.
رأى المشهد مجددًا، كما لو أنه يحدث الآن:أبوه، منكسرًا، مخدوعًا، بعد أن اكتشف خيانة أحب الأشخاص والأقرب…خيانة زوجته.
خيانة واحدة كانت كفيلة بأن تسلبه كل شيء.
شرفه.
كرامته.
وحياته.
لم يحتمل الوجع، ولا الخذلان.
اختار النهاية الأسرع…قتلها.
ثم أنهى حياته.
وفي لحظة واحدة،تحوّل تميم من ابنٍ مدللإلى يتيمٍ محروم حتى من حق البكاء.
حُرم من أبيه…أحبّ الناس إلى قلبه.
تنفس تميم بعمق:التفت ببطء نحو مكّة.
،كانت نائمة ببراءة، ملامحها هادئة، لا تشبه الرجل الذي يحمل اسمه كرهه منذ سنوات.
ومرر يده على وجهها، ثم قال بصوتٍ منخفض، كأنه يحدث أشباح الماضي:
— كل ده كان لازم يترد.
اقترب منها خطوة، ثم توقف.
صراعٌ حاد دار داخله.
لم تكن هي الهدف.
لكنها كانت الطريق.
قال بصوت خافت، يحمل قسوة القرار:
— أنا اتجوزتك علشان أنتقم من أبوكي… علشان يحس بوجع الحرمان زي ما حسيته.
وأنت الوحيده اللي هتوجع الحي والميت
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة أخف، أكثر اضطرابًا:
— بس ماكنتش عامل حساب إنك تبقي كل ده.
مدّ يده، توقف قبل أن يلمسها، ثم قبضها بقوة وتراجع.
على الشاشة، ظهرت ملفات جديدة.
تواريخ.
أسماء.
صور.
كلها تشير إلى شبكة خيانه قديمة، لم تُغلق ملفاتها بعد.
رحلة الانتقام بدأت.
لا تراجع.
ولا رحمة.
لكن المشكلة الوحيدة…أن قلبه بدأ يتمرد على الخطة.
وفي الحروب الكبيرة،أخطر شئ (أن تقع في حب ابنة عدوك.)
في مساءٍ مثقلٍ بالخذلان،
وقفت مها أمام بابٍ حديدي بارد داخل المستشفى الخاص.
كانت قد وصلت إلى الحافة؛ لم تعد تعرف إلى أين تهرب، ولا بمن تستنجد.
لم يفتح لها أحد، لكن صوتًا خافتًا من الداخل جعل قلبها ينقبض.
طرقت بخفة.
لا رد.
اقتربت أكثر، وضعت أذنها على الباب…وسمعت أنفاسًا متقطعة، متألمة، كأنها صادرة من صدرٍ يحتضر.
ترددت لحظة، ثم دفعت الباب ببطء.
كان محمود ممددًا على الأرض، جسده ملتف على نفسه، ذراعاه تحيطان بصدره كمن يحتمي من ألمٍ لا يُرى.
ملامحه شاحبة، عرق بارد يغطي جبينه، وشفاهه تتمتم بكلمات غير مفهومة.
شهقت مها، واندفعت نحوه:
— محمود…!
فتح عينيه بصعوبة، حاول أن يركز، وحين رآها تجمد في مكانه.
الخجل سبق الألم إلى ملامحه.
قال بصوتٍ مبحوح:
— إنتِ… إنتِ بتعملي إيه هنا؟
جلست على الأرض أمامه، دموعها تنساب بلا توقف:
— جيت أطمن عليك… الدنيا قفلت في وشي، وما لقيتش غيرك.
أدار وجهه بعيدًا، وكأن النظر إليها يقتله:
— امشي… وجودك هنا غلط.
اقتربت أكثر، صوتها مكسور لكنه ثابت:
— الغلط حصل خلاص… بس إحنا لسه عايشين.
ضحك بمرارة، ضحكة مختنقة:
— عايشين؟
أنا مش عايش… أنا بعاقب نفسي.
مدّت يدها بتردد، ثم وضعتها على كتفه.
ارتجف جسده تحت لمستها.
قالت بصوتٍ مرتعش:
— أنا خايفة عليك.
صرخ فجأة، بعجز:
— وأنا أستاهل؟
أنا كسرتك… أذيتك…أنا مش عايز أتعالج، سيبيني أموت.
انهارت مها، وضمت وجهها بين يديها، ثم رفعت رأسها وقالت من بين بكائها:
— لو مت… ابنك هيعيش بإيه؟
هيعيش بذنب مالوش فيه؟
تجمد محمود.
تابعت، وصوتها يرتعش لكنه صادق:
— الطفل ده مالوش ذنب في اللي حصل…مالوش ذنب إن أبوه كان ضايع.
بدأت دموع محمود تنهمر بصمت.
صوته خرج ضعيفًا:
— ابن…؟
هزت رأسها، والدموع تغرق وجهها:
— أيوه… ابنك.
انهار.
جسده كله انحنى، ودفن وجهه في الأرض.
اقتربت مها، وضمّته.
لم يكن عناق حب فقط، بل عناق إنقاذ.
رجل محطم وامرأة موجوعة، يتشبثان بالحياة من آخر خيط.
قال بصوتٍ مبحوح، مختنق:
— أنا خايف.
همست وهي تضمه:
— وأنا كمان… بس الخوف مش مبرر إننا نسيب الطفل يتوجع.
تنفس بعمق، كأنه اتخذ قرارًا أخيرًا، وقال بصوتٍ متعب لكن صادق:
— أنا… هتعالج.
علشان ابني.
علشان ما يطلعش زيّي.
شدّت ذراعيها حوله أكثر، وبكت:
— كفاية عليّا القرار ده.
وفي تلك الغرفة الباردة،لم يُولد حب…بل وُلدت مسؤولية،وأمل هش،قد يكون آخر فرصة للنجاة.
استفاقت مكّة على إحساسٍ غير مألوف بالبرودة، وكأن الأرض تحتها تحاول ابتلاعها، والهواء يضغط على صدرها.
فتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها في غرفة حجرية ضيقة، الإضاءة فيها مائلة للزرقة، والظلال تلعب على الجدران بشكل يخيف أكثر مما يطمئن.
كل شيء حولها غريب… أصوات خافتة لا تعرف مصدرها، ورائحة معدنية باهتة تشبه البرودة نفسها.
جلست فجأة على السرير، قلبها يقفز في صدرها كمن يريد الخروج، كأن كل عصب في جسدها صار متوترًا بشكل مبالغ فيه.
أصابعها ترتجف وهي تحاول لمس الفرش، كأنها تحاول أن تتأكد من أنها ليست في حلم، أو كابوس جديد لا ينتهي.
همست بصوتٍ منخفض، كأنها تخاطب نفسها قبل أن يخطر في بالها أي فكرة:
— تميم؟
توقف كل شيء.
لحظة غريبة… صمت يثقل المكان.
ثم جاء صوته من طرف الغرفة، هادئًا لكنه غير واضح المعالم:
— صحيتي؟
التفتت إليه، لكنها لم تستطع رؤية ملامحه بالكامل، كان واقفًا في الظل، كظلال تتحرك مع الضوء.
خوفها ازداد، وفكرها بدأ يتخبط:
— إيه اللي بيحصل؟… أنا فين بالظبط؟… وليه هو هناك؟
مدّت يدها إلى صدرها، تشعر بضربات قلبها العنيفة تصل إلى حلقها، تتنفس بشكل متقطع، وكل مرة تتنفس فيها يزداد إحساسها بالغربة والخطر.
حاولت أن تتكلم بصوتٍ أقوى مما شعرت به، لكنها اكتفت بصوتٍ مبحوح:
— أنا… فين؟
اقترب تميم خطوة، صوته منخفض، غامض، مليء بالإيحاء:
— المكان ده… مش ليكي تعرفيه دلوقتي.
شهقت مكّة، عيناها تتسعان، جسدها بدأ يرتجف من الخوف والارتباك، شعرت أنها محاصرة بين الجدران وبين رجلٍ لا يمكنها أن تقرأه.
— إيه؟!… إنت جبتني هنا ليه؟!
— أنا لازم أفهم!
صوتها بدأ يرتعش، لكنها أجبرت نفسها على التقدم خطوة، حتى تهتز الأرض تحت قدميها وكأنها تعلن عن ضعفها.
ابتسم تميم ابتسامة جانبية قصيرة، بلا دفء، كأنه يقرأها دون أن تنطق بكلمة:
— كل واحد فينا ليه دوره… ودورك لسه مخلصش.
سقطت الكلمات على أذنها كجمر، شعرت بشيء غريب يضغط على قلبها، خوف مختلط بالحيرة، وبالأسى على التسرع في الحكم… على نفسها، على مها، وعلى كل الماضي.
اقترب أكثر، ومدّ يده نحو جزء صغير في الحائط، وفي لحظة، انقسم الجدار إلى نصفين، بشكل مخيف وهادئ في نفس الوقت، وكأن المكان كله قد تنفس فجأة.
شهقت مكّة، هرولت نحوه، ضربت بقبضتيها على الحائط:
— افتح!… تميم!… رد عليّ!
لم يأتِ أي رد، ولم يكن هناك أي صوت إلا ارتجاف قلبها وأنفاسها المتقطعة.
انسحبت إلى زاوية الغرفة، جسدها يرتجف، عيناها ملأتهما الدموع، وفمها يخرجه شهقات طويلة.
كانت تبكي بقوة، شعور بالغربة والخطر مختلط بالغضب والندم على كل شيء، حتى على سرعة حكمها على كل من حولها.
في وسط البكاء، عاد صوت مها يتردد في ذهنها:
اسمعيني مرة واحدة بس… أنا ماكنتش أقصد.
شهقت مكّة، ودموعها غمرت وجهها:
— أنا اتسرعت… حكمت على الكل… قبل ما أفهم حاجة.
أخذت نفسًا عميقًا، حاولت أن تتنفس من جديد، لكن الغرفة بدت أكثر برودة، والظل حولها صار يضغط عليها أكثر.
كانت وحدها… شعور بالوحشة، بالرعب، بالخذلان… حتى البرودة أصبحت ملمسًا على جسدها، على أطرافها، على قلبها، وكأن كل شيء حولها صار غامضًا وتهديدًا.
وبهذا، في هذه الغرفة تحت الأرض، بين الظلال والجدران التي تخفي الأسرار، كانت مكّة…وحيدة تمامًا، بلا إجابة، بلا فهم، بلا أمان.
عند مالك
جلس مالك على كرسيه في الغرفة المضيئة بضوء الشرفة الخافت، فرشته في يده، واللوحة أمامه.
كان يرسم مكّة كما رآها في الجامعة، كل خط على الورق يحاول أن يثبت صورةً منها في قلبه قبل عينيه.
لكن شيئًا غريبًا هزّه فجأة… شعورٌ لم يعرفه من قبل.
كأن قلبه صار مربوطًا بخيطٍ مرئي معها، كأن أحدًا يضغط على صدره بقوة، يسكب خوفًا لا يمكن تفسيره.
توقف عن الرسم فجأة، عينا مالك اتسعتا، ويده بقيت معلقة على الفرشة.
لم يكن ألمًا جسديًا، بل إحساسًا عميقًا، شعور بالخطر الذي يحيط بها، بكأنها على بعد أميال وهو يشعر بكل تهديد يقترب منها.
رفعه رأسه نحو الشرفة، النظر للسماء الصافية لم يخفف من شعوره، بل زاد قلقه… قلبه يصرخ بلا صوت:“مكّة… أنتِ بخير؟… في أمان؟”
الفرشة هبطت إلى الطاولة، يده ترتجف، وتنهيدة ثقيلة خرجت من صدره.
كل صورة كان يرسمها لها الآن تحمل خوفه عليها، خوف لم يعرفه قلبه من قبل، خوف يغمره ويجعله عاجزًا عن التفكير في أي شيء سوى حمايتها.
جلس دقيقة، كأن الوقت توقف، يلتقط أنفاسه ويحاول تهدئة قلبه.
لكن الشعور لم يختفِ… كل ثانية تمرّ بدون أن يعرف عنها شيئًا كانت تضاعف قلقه.
ابتلع ريقه ببطء، وعيناه لم تترك اللوحة، كأنه يريد أن يلمسها بنظراته فقط.
اهتز رأسه إلى الوراء، وعض شفتيه بصمت، محاولًا السيطرة على الصدمة.
ثم عاد الهدوء، لكن شعورًا جديدًا ظهر: خوف.
خوف على مكّة، على سلامتها، على كل خطوة تخطوها.
كان يريد الاطمئنان عليها، أن يعرف أنها بخير الآن، هنا، لحظةً بلحظة، وكأنها تناديه بلا كلمات، وصدى ندائها يملأ قلبه كله.
مد يده بعناية، لكنه لم يلمسها…كان الأمر مجرد إحساس، وهمسة، نبض خفي يربطه بها أكثر من أي حوار يمكن أن يقوله.
ابتسم لنفسه بخفة، وهمس في صمت:
— صدق أنتوان دو سانت إكزوبيري لما قال: "الحب ليس أن تنظر إلى بعضكما البعض، بل أن تنظروا معًا في نفس الاتجاه."
ثم قرر شيئًا، فكرة هاجمت قلبه بقوة:“لازم أشوفها… من بعيد… بس أتأكد إنها بخير… بس من بعيد… قلبك بس يا مالك، بس عشان يهدى.”
وقف، أخذ معطفه بهدوء، والفرشة بقيت على الطاولة، واللوحة نصف مرسومة…خطوته الأولى نحو الشرفة، نحو الخارج، نحو ما يتيح له الاطمئنان عليها دون أن يقتحم حياتها،
عاد رحيم من صلاة الظهر، خطاه ثقيلة، ووجهه مُرخي التعب.
دخل البيت، جسده يئن من إرهاق يوم طويل، وكأن كل خطوة تكبر عمره عشرات السنين.
جلس على الكنبة البسيطة، ظهره منحني، ويداه تستند على ركبتيه، تنهده أنفاسه المتعبة.
البيت كله ساكن… كأن الحزن نفسه يملأ الجو، يضغط على الصدر بلا رحمة.
فاطمة كانت في المطبخ، تتحضر الغداء، لكن عينيها تذرفان دموعًا صامتة.
دموعها تسيل على وجنتيها، بينما قلبها يئن من غياب بنتها، من الانتقام الذي يسلك طرقه المجهولة، ومن ابنها الممدد في المستشفى بلا حراك.
كل شيء حولها يشهد على الألم الدفين الذي يختنق في البيت…حتى الهواء نفسه يبدو ثقيلاً، كأن الجدران تمتص الحزن وتعيده إليها.
وفجأة، رن هاتف محمود على واتساب بإشعار غريب…رقم من خارج مصر.
فتح الفيديو بتردد، وما إن ضغط التشغيل حتى تجمدت أنفاسه، وعاد قلبه يسكب الرعب في عروقه.
رأى مكّة… في غرفة ضالمة، تسقط على الأرض، ترتعش، تبكي بصوت عالٍ، دموعها تتدفق بغزارة، وكل شيء فيها ينبض بالوجع، بالخوف، بالانكسار…
انقبض قلبه، وانطلقت في عقله أفكار متسارعة، حية، لا يجرؤ على تجاهلها.
ثم وصلت الرسالة البسيطة على الشاشة:"قوي قلبك على الوجع يا رحيم… اللي جي عليك مش رحيم"
ابتلعت الكلمات الهواء حوله، شعوره ارتجف، وعقله تجمد عند منظر ابنته، دموعه انزلقت، يده ارتعشت، لا يقدر على السيطرة.
أول اسم خطر في ذهنه كان مالك…هو الوحيد الذي قد يقدر أن يصل إليها بسرعة، أن يراقبها، أن يحميها…
لم يفكر ثانيتين.
رحيم يلتقطه، ويضغط على الاتصال
خرج من البيت، وصوت المحرك يهدر، والأدرينالين يملأ جسده، يضغط على دواسة الوقود كما لو أن العالم كله ينهار خلفه.
وفجأة، رن الهاتف مرة أخرى.
وصوت رحيم كان على الطرف الآخر، صادق، حاد، مشحون بالعجلة:
— الحقني يابني!
توقف قلبه للحظة، وارتعشت كل أعصابه.
في تلك اللحظة، كل شيء أصبح متوقفًا… كل شيء أصبح معلقًا بين قلب رحيم، قلب مكّة، وقلوب من يحبونها.
رواية قدري الاجمل الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندا الهلالي
مكّة كانت ملقاة على الأرض، جسدها مكور على نفسه، كما لو أن العالم كله قد تآمر عليها، وأن الهواء نفسه لا يريد أن يحيطها.
فجأة… ارتجف جسدها، كغريقٍ يفلت من أعماق البحار، فتفتحت عيناها على الفزع، وارتعشت كما لو أن جردل ماء ثلجٍ قد ثُقب فوقها.
وقفت مكّة، ترتجف، عيناها تلتقط ما حولها بنظرة مكسورة، خاسرة كل شيء.
أما تميم، فكان يقف أمامها بلا أي شعور، ببرود قاتل. رفع الجردل بعيدًا عن طريقه، ونفخ السيجارة بين شفتيه:
— سقعه؟!
قطرات الماء تتساقط من شعرها على وجهها، على كتفيها، وعلى صدرها المبلل، صوتها بالكاد يسمع:
— أنت مين؟
ضحك تميم ضحكة عالية، نفخ الدخان في وجهها:
— قدرك الأسود…
نظر إليها من أعلى إلى أسفل، حرك إصبعه بجانب فمه، وكأن الكلمات نفسها هي أدوات العذاب:
— أنا المشاريب اللي أبوك شربها… وانت اللي هتحاسبي عليها.
تحرك حولها ببطء، مكّة تنظر إليه فقط، كل جسدها يرتجف من البرد والخوف.
تميم لم ينظر في عينيها، يعلم أنه قد ينهار لو فعل… روح الانتقام هي الوحيدة التي تغطيه الآن.
مكّة تحدثت بغضب، صوتها يرتعش:
— وأنت تعرف بابا منين؟ انت عاوز مني إيه؟
اقترب تميم، عيناه تشع شرار نار، وفي لحظة، لف شعرها حول كفه ليشدها إلى الخلف.
مكّة تأوهت من الألم، دموعها تنهال بغزارة:
— أنت انتجننت!
تميم بصوت مبحوح وغاضب:
— أعرف أبوك منين! أبوك خلاني أعيش يتيم… أبوك حرمني من أكتر حد حبيته في حياتي… كنت مسنود عليه، وأبوكي الغبي بسببه بقيت وحيد!
مكّة لم تفهم كل شيء، لكن قبضته على شعرها تؤلمها بشدة.
رجت بجسدها، تبكي بصوت هستيري:
— ارجوك سيب شعري يا تميم…
لكن تميم لم يكن معها، عيناه تلمعان بالانتقام، قبضته تزداد قوة… فجاء صوتها الصارخ:
— آآآه!
تميم دفعها سريعًا، جسده ينتفض من العاطفة المكبوتة، ضربات قلبه تتعالى كأنها طبول داخل صدره.
سقطت مكّة على الأرض، لكنها قررت أن تتوقف عن البكاء، لتفهم ولو حرفًا واحدًا مما يقوله.
تميم ببرود:
— قومي.
مكّة ارتجفت من صوته، رجاءً:
— ارجوكي يا تميم… فوق أنا عملتلك إيه؟
لم يسمح لها بالكلام، وفي لحظة، كانت يداها معلقتين بالحبال، مرتفعتين عن الأرض، وآسفلها مياه ساخنة تصدر فقاعات، والحرارة بدأت تعرق جسدها بالكامل.
تميم جلس على كرسيه، أمام جهازه، يراقب كل صرخة، كل اهتزاز، كل نفس، عيناه تتنصب في الفراغ، مسمعة كل كلمة:
— هتعمل إيه يا تميم…؟ أرجوك لأ ....أرجوك ماتعملش كده
ذهبت منه ذكرى: لااااااااا بابا طلعوا بابا عمتو ليه بتحطوا علي بابا التراب طلعوا بابا من هنا لاااااااا
ليغلق عينه مسلم تماماً.......ويقع مغشى عليه لا يتحمل فكره أنه فقد والده
وفي لحظة، ضغط على زر واحد، وسقطت مشط قدم مكّة في المياه، رجت كل الجدران بصوت صراخها.
تميم نهض بسرعة، وبضغطه زر آخر كانت تهبط مكه علي الأرض
فك الحبال، حملها بين يديه كما لو كانت جثة هامدة، شعرها مبعثر، ويديها مرتخيتان تمامًا.
وضعها برفق على الفراش، ضربات قلبه تتسارع، هرول إلى الخزانة وأخرج عبوة “بانديرماكس” (Bandermax Cream) للحروق، أسرع إليها، رفع قدمها المبللة، نظر إليها بعينين متفحمتين بالقلق والندم.
قدمتها كانت حمراء ومرتفعة الحرارة، الجلد حساس ومتورم، أصابعها ترتجف، والقدم مغطاة بالماء الساخن المتبخر.
بدأ يضع المرهم بحذر:
ضغطه خفيف على الإصبع الكبير أولًا، يدلك المرهم بحركات دائرية صغيرة لتوزيع الكريم على كامل القدم.
ينتقل تدريجيًا إلى باطن القدم والكعب، حرصًا على توزيع الحرارة ومنع أي حروق إضافية.
يدلك حول أصابعها، ثم يمتد للحافة الأمامية للقدم، كل حركة محسوبة، دقيقة، دافئة، حنونة رغم برودة عينيه.
مكّة شعرت بالراحة البسيطة ، جسدها بدأ يهدأ قليلًا، لكنها لا تزال في صدمة.
تميم أنهى وضع المرهم، مسح يده بلطف، جلس على طرف السرير، ينظر إليها وهي نائمة، شعرها متفرق على الوسادة، وجهها مبلل، يديها مرتخيتان… صامتًا، ولكن كل عاطفته مختبئة خلف برودته المعتادة.
ظل ينظر، كأنه يراقب أثر الألم الذي تركه فيها، وفي نفسه أيضًا، عيناه تثبتان على وجهها، لا ينطق، ولكن كل شيء في صمته يقول:
— الانتقام ليس سهلاً، ولا الرحمة تأتي بسهولة.
وليتنهد ويقترب من ذلك الجزء في الحائط لينشق
ويتركها تواجه مشاكل لاعلاقه لها بها ......................
البيت كله ساكن، كأن الزمن نفسه توقف عند حدود الغرفة.
رحيم جالس على الكنبة، ظهره منحني، عينيه مثبتتان في الفراغ، دموع صامتة تنساب بلا توقف، قلبه يئن تحت كفه.
فاطمة، صوته ارتجف من البكاء:
— هاتولي بنتي… أبوس إيدكم… عاوزه بنتي!
مالك كان يتحرك في الغرفة كالمجنون، يلف حول نفسه بسرعة، شعوره كأن جزء من رأسه سيهرب من مكانه.
صرخ بغضب أعمى:
— يعني إيه اختفت من القصر يعني… إييييييييييبببيييييييه!
وفي ثانية، التفت إلى ذلك الشخص الواقوف مطأطأ الرأس، الحزن يكسوه من كل جانب.
اقترب منه، مسك باقة قميصه كالثور، صوته اهتز بالغضب:
— وربي ما أعبد… أقسم بالعلي العظيم، لو طلعت تعرف حاجة عن الموضوع ده، هنف.يك يا تميم!
سامر تدخل سريعًا، يحاول فك التوتر:
— أهدى يا مالك… هو لو تميم ليه علاقة، هيبقى ده منظره… مهما كان… دي مراته برضو!
مالِك انفجر بصرخة لم يسمع مثلها أحد:
— ماتقولش مرااااااااااااته!
وفجأة، رن إشعار على هاتف رحيم.
التقطه بسرعة، وبمجرد أن فتح الفيديو كاتم الصوت ارتعش جسده بالكامل.
فاطمة اقتربت بلهفة لتأخذ الهاتف منه، وفي ثانية فقدت وعيها.
سامر هب عليها، حملها بين ذراعيه، بينما مالك ظل واقفًا، متجمدًا… لا يريد أن يرى، لا يريد، كان يريد الموت قبل أن يرى أي شيء.
تميم نظر إلى الهاتف، صرخ:
— ممممممممممممممكه!
ظل يضرب كل شيء حوله كالمجنون، بينما مالك، يده ترتجف، أنفاسه متقطعة، قلبه كاد يتوقف.
رفع الهاتف، وعيناه وقعتا على الشاشة.
مكة… كانت معلقة، قدمها في الماء الساخن مرة ، جسدها يلمع بالعرق والماء، عرقها يتساقط كالمطر، كل تفصيلة من جسدها تُظهر الألم والرعب والخذلان.
مالك لم يتحرك، أصابعه تتحرك على الشاشة، يمسح، يلمس، يبكي كالطفل، كل دمعة تنهمر بلا توقف.
تميم ظل ينظر إليه، بصمت طويل، ثم عاد بصره إلى رحيم، الذي كان يضع يده على قلبه ويبكي بحرقة:
— بنتي… هاتولي بنتي…
سامر خرج من الغرفة، صوته يرتفع كالمجنون:
— انتوا هتفضلوا متنحين كده كتير… لازم نتصرف… لازم نشوف هنعمل إيه!
مالك عاد إلى وعيه، نظر إلى سامر، عيناه مرعبة، تحولت إلى اللون الأحمر، عروقه بارزة بشكل مرعب على وجهه، كأنها لوحة حية من الغضب والانتقام.
رفع إصبع السبابة، وقال بهدوء قاتل:
— أنا لو شميت ريحة كدب، وأنتم عارفين هي فين… مش هرحم حد.
وفي ثانية، انطلق خارج البيت كالمجنون.
تميم شعر بشيء من الرعب تجاه نظرته، لكن مشهد رحيم ودموعه جعله يشعر بالشفاء الداخلي قليلاً.
صرخ سامر:
— انت هتفضل متنح كتير… مش وقت صدمة ياتميم! فوق… لازم ندور عليها… لازم نعرف إزاي اختفت من وسطنا… وإيه اللي حصل… اتحرك!
تميم نظر إليه، عيناه تتحول من نظرة مشحونة بالغضب إلى نظرة قلق، رسمتها واضحة على وجهه، ثم هرولوا معًا خارج البيت.
وفي نفس اللحظة، اصطدم كتف سامر ب… مها.
رجعت لورا، تأوهت بغضب:
— مش تفتح يا عمّي!
لم يرد أحد عليها، أكملت طريقها نحو بيت مكّة وهي تمتم بغضب:
— ناقصة أشكالكم هي…
ما إن وصلت بيت مكّة حتى وجدت الباب مفتوحًا، صدمت من منظر رحيم يجلس على الأرض، يضع كفه على موضع قلبه.
هرولت عليه بقلق:
— عمي رحيم…!
كان يقود سيارته بلا وعي، قدماه تضغطان على الدواسة، وعيناه مثبتتان على الطريق دون أن تراه حقًا.
شيء خفيّ كان يشدّه… إحساس غامض، كأن قلبه يعرف الاتجاه قبل عقله.
لم يفكّر، لم يتردّد… وجد نفسه أمام القصر.
دخل بخطوات ثقيلة، وجهه شاحب، ملامحه منهكة، كأن روحه انسحبت وتركت جسدًا يتحرّك بالعادة فقط.
فايزة ما إن وقعت عيناها عليه حتى انتفضت:
— مالك ؟! في إيه؟شكلك .....هو سامر مش هنا
هقاطعها صوته، مبحوحًا، فارغًا من أي حياة:
— فايزه هانم مكه اختفت فين ؟!.
الجملة سقطت كالقنبلة.
فايزة شهقت، جسدها ارتعش بعنف، يدها تمسكت بحافة الطاولة لتتوازن، وعيناها اتسعتا برعب حقيقي.
ذلك الارتعاش… لم يَفُت مالك.
عيناه ضاقت كالصقر، ذكاؤه الحاد التقط الارتباك، شيئًا ما لم يكن طبيعيًا… هناك سر.
وفي الخلف، كان آسر يضرب رأسه بكفيه بجنون:
— يعني إيه اختفت؟! أنا متأكد إنها ماخرجتش من هنا! متأكد!
مالك لم يلتفت.
نفض كل الأصوات، كل الوجوه، وقال بجديّة قاتلة:
— عايز أطلع أوضتها.
ساد الصمت.
رهف نظرت لآسر بتردد، ثم تحركوا سويًا.
غرفة مكّة – من وجهة نظر مالك
ما إن خطا داخل الغرفة…
حتى انفجر قلبه.
ضربات عنيفة، متلاحقة، مؤلمة.
أنفاسه اختنقت، صدره ضاق، إحساس غريب اجتاحه… إحساس عاشق يقترب من حبيبته دون أن يراها.
الغرفة تحمل رائحتها.
دفئها.
أنفاسها.
وقف في المنتصف، لا يدري لماذا يشعر أنها هنا… قريبة… قريبة لدرجة لو أزاح هذا الحاجز الوهمي لرآها مكسورة أمامه.
لا يعلم أنه يقف فوقها.
لا يعلم أن بينه وبينها فقط طبقات من الأرض والحديد.
انتقال إلى مكّة
فتحت عينيها ببطء.
الضوء خافت، الجدران قاسية، الهواء ثقيل.
نظرت إلى قدمها… صرخت.
ألم حارق صعد إلى صدرها، دموعها انفجرت، صوت أنينها خرج مبحوحًا:
— آآه… رجلي…
بكت.
بكت بحرقة، وهي تهمس بصوت متكسّر:
— ليه بيعمل فيا كده؟… قال بابا… بابا عمله إيه؟
شهقتها قطعت الكلمات:
— كل ده بسببي… بسبب إني اتسرعت في الحكم… بسبب إني ماشوفتش غير الانتقام… وطلعت بنتقم من نفسي.
ضمّت نفسها بقوة، كأنها تحاول حمايتها من العالم.
الغرفة مخيفة، جدرانها صامتة، الإضاءة باهتة، كل شيء يضغط على صدرها.
بكت أكثر… أكثر… حتى تعبت من البكاء.
عودة إلى مالك
كان يدور في الغرفة كالمسكون.
يفتح الأدراج.
يقلب السرير.
ينظر خلف الستائر.
قلبه يقوده، لكن عقله لا يجد دليلًا.
توقف فجأة.
صوت خطوات.
باب الغرفة فُتح… ودخل تميم.
وقف بهدوء مستفز، يداه في جيبه، نظرة باردة لا تحمل أي ذرة ندم:
— عموماً… سايبك تعمل اللي إنت عايزه.
اقترب خطوة، صوته انخفض:
— بس أعرف إن ده عيب وغلط يا باشمهندس.
ثم أضاف بابتسامة جانبية سامّة:
— وما تنساش… مكّة مراتي. ومحدش هيخاف عليها قدي.
الاستفزاز كان مقصودًا.
البرود متعمّد.
كأنه يسكب الملح على جرح مفتوح.
مالك التفت ببطء.
الغضب في عينيه كان أعمى، قاتلًا.
اقترب منه حتى أصبحا وجهًا لوجه:
— أنا متأكد إني هيطلع وراك حاجة.
صوته هادئ… أخطر من الصراخ:
— ولو تأكدت… هتفضل تتمنى الموت، ومش هتلاقيه.
— وده وعد.
ثم استدار ليخرج.
لكن…
توقّف.
شيء شدّ انتباهه.
باب حديدي…مخفي في الحائط…يشبه باب خزنة.
عيناه ضاقت.
قلبه دق بقوة
رواية قدري الاجمل الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندا الهلالي
رواية قدري الاجمل الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندا الهلالي
كان مالك يدلف إلى المستشفى بخطوات متسارعة. يوقف أحد الأطباء فجأة، صوته خرج مبحوحًا من فرط اللهاث:
— لو سمحت… أوضة ٣٠٢ فين؟
تطلع إليه الطبيب باهتمام واحترام، ثم أشار بيده إلى نهاية الممر:
— هناك، آخر الطرقة.
تحرك مالك، جسده مثقل، كأن الأرض تسحبه لا هو يسير عليها.
وما إن وصل أمام الغرفة حتى تسمّر مكانه.
مشهد واحد… كان كافيًا ليسرق منه القدرة على التنفس.
رحيم…
ممدد على السرير، جسده ساكن بشكل مخيف، وأحدهم يجر الغطاء الأبيض فوقه… حتى غطى وجهه.
علامة واحدة فقط…
أنه فارق الحياة.
صرخة اخترقت المكان، لم تكن سوى صوت واحد ممزق:
— عمي رحيييييييم!
مها.
وفي اللحظة ذاتها، تعالى صوت الطبيب بجدية صارمة وهو يجر فاطمة على التريلا:
— دخلت في غيبوبة! اتحركوا بسرعة!
تحرك الفريق الطبي مهرولين، أصوات العجلات، أوامر متداخلة، فوضى…
بينما وقف مالك مكانه، لا يستوعب شيئًا.
عائلة كاملة…
تنهار أمام عينيه.
وأخيرًا…
بعد مرور ساعات طويلة، ثقيلة كالعمر كله.
كان مالك يقف بجوار سامر، كلاهما يرتدي بدلة سوداء رسمية.
مكان العزاء مزدحم، لكن الجو خانق، كأن الهواء نفسه يشاركهم الحداد.
مالك…
كان حاضرًا بجسده فقط.
عيناه زائغتان، روحه غائبة، يشعر وكأنه في غيبوبة مفتوحة.
أما سامر، فكان يتعامل مع الأمر بقوة غريبة، كأن من فقده شخص قريب… من أطراف العائلة، يمس القلب مباشرة.
مرت ساعات العزاء على الجميع بصعوبة بالغة.
وما إن تحرك مالك بخطوة، متجهًا إلى الخارج…
حتى تجمد مكانه.
ذلك الوجه.
محمود.
كان واقفًا، يتطلع حوله بدهشة، قلبه بدأ يدق بعنف.
توتر تسلل إلى أوصاله…
عزاء مين؟
لسانه ثقل، لا يريد أن يسأل.
يريد أن يهرب.
لا يحتمل خبرًا يعيده إلى النكسة مرة أخرى.
لكن مالك لم يترك له فرصة.
اندفع نحوه فجأة، شده بقوة واحتضنه، يضرب على ظهره بعنف:
— حمدالله على السلامة يا بطل.
محمود لم يبادله العناق.
ظل يبلع ريقه مرة تلو الأخرى، توتره واضح، صدره يعلو ويهبط بسرعة.
وفي تلك اللحظة، جاء أحد الجيران مهرولًا نحوه:
— البقاء لله يا دكتور محمود… ربنا يجعلها آخر الأحزان.
وأضاف آخر بصوت حزين:
— الله يرحمه… عم رحيم كان أطيب خلق الله.
ثانية…
اثنتان…
استوعب محمود الكلمات.
لينفجر صوته مرة واحدة، صرخة واحدة شقت القلوب:
— بااااابااااااااااااااااا!
شده مالك بقوة، لكن محمود انهار، سقط على الأرض.
الناس التفوا حوله، أصوات تهدئة، أيد تحاول رفعه.
جلس مالك بجواره، يربت على صدره:
— كلنا لله… وكلنا إليه راجعون يا محمود.
خرج صوت محمود من بين شهقاته، طفلًا مكسورًا لا رجلًا ناضجًا:
— مات… قبل ما يسامحني يا مالك…
— أبويا مات قبل ما أقوله يسامحني… يا ماااالك.
ظل مالك بجواره، يحاول تهدئته…
لكنه فشل.
هو نفسه فشل من قبل في تهدئة قلبه.
قلبه ما زال مشتعلًا نارًا على طفلته…
وحبيبته الوحيدة في الدنيا.
جلس بجواره في الحالة ذاتها.
ينظر في الفراغ…
بخيبة أمل ثقيلة،
وفقدان روح لا يقال.
كانت مكّة جالسة مكورة على نفسها، ذراعاها يحيطان بجسدها كدرع هش، وساقها تهتز بعنف لا إرادي.
الرعب كان يسكنها، يتنفس داخل صدرها.
أنا فين؟
وجيت هنا إزاي؟
أسئلة تتكرر…
ولا إجابة.
كلما حاولت الفهم، هبطت الدموع من عينيها، فمسحتها بعنف شديد، كأنها تعاقب نفسها على ضعفها.
جسدها ارتعش بقوة، وأنفاسها خرجت متقطعة.
الأشكال من حولها…
وجوه غريبة، ظلال تتحرك، عيون تراقب.
الخوف كان كثيفًا لدرجة أنه خنق أنفاسها.
نظرت في الفراغ طويلًا…
وفجأة، ظهرت أمامها.
هي.
نسختها.
شبيهتها.
النسخة التي سلبت منها الوجع كله، والألم كله، وتركته عاريًا داخل صدرها.
اقتربت منها بهدوء مخيف، ورفعت يدها تمسح على وجهها برفق، يناقض كل ما حولهما.
ارتعش جسد مكّة بعنف، وهربت الكلمات من فمها، صوتها خرج مكسورًا:
— إنت… إنت مين؟
لكن الأخرى ابتسمت ابتسامة واهنة، ونطقت بصوت ناعم:
— ماتزعليش مني… أنا آسفة.
— خليكي قوية.
تحركت أناملها فوق وجنتيها بحنان موجع…
ثم، فجأة… اختفت.
نهضت مكّة فزعة، تنظر حولها بجنون:
— استني! ماتمشيش!
لا شيء.
كأنها كانت هواء مر… واختفى.
اندفعت مكّة ناحية باب الزنزانة الحديدي، ضربته بكل ما تبقى فيها من قوة، تصرخ بصوت ممزق:
— حد يطلعني من هنا!
— حد يطلعني من هنا!
كررت الصراخ…
ولا جدوى.
أسندت ظهرها إلى الباب، جسدها يهبط ببطء مؤلم إلى الأرض، وصوتها يخفت حتى كاد يختفي:
— أرجوكم… حد يطلعني من هنا.
اختفى الصوت…
وحلّت مكانه دموع تنهمر بغزارة.
في الخارج…
داخل أحد المكاتب، يتصدر بابه اسم محفور بوضوح:
الرائد حمزة الهلالي
كان حمزة يجلس خلف مكتبه، منكفئًا على ملف مفتوح أمامه.
ملامحه حادة، جامدة، عيناه تتحركان بتركيز محسوب بين السطور.
كم قميصه مرفوع، ساعة معدنية تلمع على معصمه، وسيجارة مشتعلة تستقر بين أصابعه بثبات يوحي ببرود اعتاده.
فجأة…
انفتح الباب بعنف.
دلف شاب في أوائل الثلاثينات، طويل القامة، عريض الكتفين، ملامحه مشدودة، وعيناه تقدحان شررًا.
زيه الرسمي بدا مشدودًا على جسده المتوتر.
صرخ بغضب أعمى:
— اللي في زنزانة ١٠١ واحد دي مش اللي مالك الهلالي قدم بيها بلاغ اختفاء!
رفع حمزة عينيه ببطء، من فوق الورق، صوته خرج هادئًا على عكس العاصفة أمامه:
— اهدى يا قاسم.
قاسم انفجر أكثر:
— ماترد عليّا!
— البنت دي بتعمل إيه هنا؟ مالك قالب الدنيا عليها!
مال حمزة بظهره إلى الكرسي، ينفث دخان سيجارته ببرود مستفز:
— جت بتهمة سرقة خمسة مليون دولار من خزنة تميم العاصي.
فتح قاسم فمه بصدمة:
— نعم؟
— دي مش خطيبة مالك؟
هز حمزة رأسه بلا مبالاة، وأخرج سيجارة أخرى.
قاسم ضيّق عينيه، صوته صار جادًا خطيرًا:
— حاسس إنك عامل عامله وابن عمك مش هيرحمك يا حمزة.
استدار قاسم وخرج غاضبًا.
ابتلع حمزة ريقه، ومد يده سريعًا إلى هاتفه.
الاسم على الشاشة:
تميم العاصي
لا رد.
ضرب المكتب بقدمه بعصبية، صرخ:
— إنت فين يا تميم يا زفت!
— هنروح في داهية… الله يخربيت معرفتك!
سجل رسالة صوتية على الواتس:
— رد يا أخويا…
— قاسم عرف إن الست هانم بتاعتك مشرفة عندي.
— والله هحبسها علشان نبتز مالك بيها.
— الأرض ياهي… مش هنلحق، ده ابن عمي وأنا حافظه.
لكن الرسالة لم تصل…
علامة واحدة فقط.
قطع إنترنت.
اندفع حمزة واقفًا بعصبية، وجه عينه إلى الباب، عندما طرق بعنف.
فتح الباب، فدخل رجل خمسيني، وجهه شاحب، صوته مرتعش:
— يا باشا… البنت اللي جبتها امبارح أغمي عليها… قاطعه النفس.
لم يسمع حمزة بقية الكلام.
هرول خارجًا.
وصل إلى الزنزانة، صرخ في العسكري:
— افتح!
دلف سريعًا…
ليجدها مسطحة على الأرض، ساكنة تمامًا.
وحولها الكل يلتم.
صرخ بغضب:
— وسعي إنت وهي!
انحنى وحملها بين ذراعيه، يهرول بها وسط الهمسات والضحكات الخافتة إلى مكتبه.
وضعها برفق على الكنبة، أخذ يربت على وجهها:
— فوقي… فوقي!
لا رد.
أمسك بزجاجة ماء، رش وجهها بعصبية، صوته خرج مذعورًا:
— فوقي… أبوس إيدك.
— إنت عايزة مالك ينسفني!
لا شيء.
مسح وجهه بكفه بعجز:
— يلعن معرفتك يا تميم.
انحنى، أسند رأسه قرب صدرها، يحاول سماع نبض قلبها.
وضع أذنه…
وفي اللحظة ذاتها…
انفتح باب المكتب.
صرخة شهقة اخترقت المكان:
— يالهوي!
انتفض حمزة للخلف برعب، عيناه اتسعتا حد الخروج من مكانهما:
— إيماااان!!!!
كان تميم يقف أمام القصر، يخفي وجهه بين كفيه بألم لا يُحتمل.
كأن يديه تحاولان حجب الحقيقة… لا ستر ملامحه فقط.
كلمات رحيم قبل موته كانت ترتطم بأذنيه بلا توقف:
— أبوك كان شكاك.
— أنا ما خنتش حد.
— كانت بتترجاني تشوف مكة.
الكلمات تتكرر…
تنهش رأسه مرة بعد مرة، لا تترك له مهربًا.
دلف إلى القصر أخيرًا.
خطواته مترنحة، جسده مرهق، وعقله في صدمة، لا يستوعب شيئًا.
هل ظلمها؟
هل ظل يعاقب كل شيء… بينما من كان أحق بالعقاب هو أبوه؟
هل خسر أكثر شخص أحبه قلبه… من أجل انتقام مزيف؟
أول من رأت حالته كانت فايزة.
كانت جالسة على الأريكة، المصحف بين يديها، ترتل بهدوء مطمئن.
ما إن وقعت عيناها عليه حتى قالت بصوت خفيض:
— صدق الله العظيم.
قبّلت المصحف، ووضعته إلى جوارها، وظلت تنظر إليه في صمت موجع.
تميم كان يمشي بترنح، أصوات داخل رأسه تتكرر بإلحاح قاسٍ…
صوت واحد يصرخ:
غبي يا تميم… غبي.
توقف فجأة…
حين وجدها تقف أمامه مباشرة، فاتحة ذراعيها على وسعهما.
نظر إليها بعينين مكسورتين، نظرة طفل ضائع…
ثانية واحدة فقط، ثم اندفع بكل قوته داخل ذراعيها.
شد قبضته حولها، وبكى…
بكاء حارقًا، بلا خجل.
ربّتت على ظهره برفق، تهمس بلطف أمومي:
— اهدى يا بني… اهدى.
خرج صوته من بين شهقاته متكسرًا:
— أنا دمرت واحدة مالهاش ذنب…
— يا تيته أنا دمرت نفسي… دمرت حياتي.
— عشت عمري كله بخطط وانتقام وكره…
— وفي الآخر طلعت أنا اللي كنت بعذب نفسي… وبنتقم من نفسي.
— اتسرعت في الحكم عليهم… يا تيته.
— دمرتهم… ودمرت نفسي.
وانفجر في البكاء مرة أخرى.
شدّت عليه أكثر، تشاركه دموعها، يوجعها منظره…
فهو، مهما فعل، كان وما زال حفيدها المدلل… طفلها.
أبعدته قليلًا، وأحاطت وجهه بين كفيها:
— هتتعالج يا تميم.
— وهتبقى أحسن واحد في الدنيا.
— وهتصلّح كل حاجة.
هز رأسه بنعم، لكن صوته خرج مهزومًا:
— أنا بوظت كل حاجة بتسرّعي.
— مش هينفع أصلّح حاجة… كل حاجة باظت.
قالت بألم صادق:
— كتير قلتلك إنك هتندم يا تميم.
— وإنك فاهم أبوك غلط.
— بس ماكنتش بتسمعني يا ابني.
ألقى بنفسه بين ضلوعها مرة أخرى، وبكى بحرقة أشد، يتمتم من بين شهقاته:
— أنا آسف…
كطفل صغير…
كسر شيئًا غاليًا…
ثم عاد معتذرًا بعد فوات الأوان.
وشرد تميم…
وسحبته الذاكرة إلى ذلك اليوم.
غرفة هادئة، إضاءة خافتة، صوت الطبيب ثابت… بلا انفعال.
— بص يا تميم…
— إنت مش شرير، ومش سادي.
— إنت مريض… بس مش زي ما إنت فاكر.
كان تميم جالسًا، عينيه مثبتتين في الأرض.
الطبيب أكمل:
— إنت عندك اضطراب ما بعد الصدمة المعقّد.
— حرمان الطفولة… وحبك في أبوك…
— وفقدِه… سابوا جواك غضب ما اتعالجش.
رفع تميم رأسه وقتها، صوته كان حادًا:
— يعني إيه؟!
رد الطبيب بهدوء موجع:
— يعني إنت ما انتقمتش من اللي أذى أبوك.
— إنت بتنتقم من كل حاجة بتفتكر أنها كانت السبب في فقدان أبوك.
— أشخاص… أماكن… وحتى جمادات.
— بتعاقبهم… علشان ما قدرتش تحافظ على أبوك.
صمت قليلًا، ثم قال الجملة اللي حفرت جواه:
— أكتر واحد إنت قاسي عليه… هو نفسك.
رجع تميم للحظة الحاضرة…
وعرف.
إنه لم يكن ينتقم… كان ينهار… كان سريع الحكم…
: سوء الحكم على الآخرين غالبًا انعكاس لصراعات لم نحلّها داخلنا.
كان مالك واقفًا في شرفة غرفة مكة، عينيه معلّقة بالسماء، كأنها وحدها تعرف مكانها.
محمود كان قد غرق في نوم ثقيل، نوم البكاء المنهك، فبقي مالك وحده… مع الاشتياق.
خرج صوته مبحوحًا، يتمتم بستة أبيات يعرفها قلب كل مشتاق:
أشتاقك اشتياق الغريب لوطنه،
والظمآن لقطرة ماء في التيه الطويل.
أشتاقك شوقًا يكسر الصدر إذا مرّ،
ويُربك القلب إذا حاول النسيان.
كأنك الغياب كله…
وكأن حضورك هو الحياة.
ابتلع ألمه، وقال بصوتٍ مرتعش:
— ما عجزتش عن حاجة…
— وعجزت إني ألاقيكي.
— عمري ما هسامح نفسي… لأني كنت السبب في كل اللي إنت بتعاني منه.
قاطعه رنين هاتفه.
— مالك بيه… تميم العاصي اتحرك من المستشفى للقصر، وما تحركش من وقتها.
مسح وجهه بغضب، وأغلق الخط في وجه المتحدث.
قال بجدية قاتلة:
— أتمنى ما تبقاش معاك يا ابن العاصي…
— أتمنى ربنا يرحمك مني.
تحرك مغادرًا البيت، وما إن فتح باب السيارة حتى رنّ الهاتف مرة أخرى.
هوية المتصل: (قاسم الهلالي)
رفع السماعة، وقبل أن ينطق…
— مالك… مكة رحيم محبوسة عندنا.
توسعت عينا مالك بصدمة، أفقدته القدرة على التنفس:
— لقيتها؟!
ابتلع قاسم ريقه، صوته خرج هادئًا حذرًا:
— مش بظبط…
لم يسمع مالك باقي الكلمات.
أغلق الهاتف…
وانطلق.
السيارة اندفعت كالرصاصة في قلب الطريق.
يده كانت تضغط على المقود بقوة، كأنها تحاول تثبيت قلبه الهارب.
أنفاسه متلاحقة، صدره يعلو ويهبط بعنف.
لم يكن يقود…
كان يهرب نحوها.
الإشارات تمر بلا معنى، الشوارع تتلاشى، والعالم كله اختزل في اسم واحد:
مكة.
صوتها يرن في أذنيه، ضحكتها، دموعها، خوفها.
كل لحظة قسوة قضاها معها كانت تنهشه الآن كوحش جائع.
ضغط على البنزين أكثر، كأن السرعة ستقصر المسافة بين قلبه وقلبها.
لم يكن يخاف من الموت…
كان يخاف أن يصل…
ولا يجدها.
حب مالك لمكة لم يكن كلامًا…
كان فعلًا…
اندفاعًا أعمى،
وجنون رجل عرف متأخرًا
أنها وطنه الوحيد.
كانت إيمان جالسة بجوار مكة، جسدها قريب جدًا من جسدها المرهق، أناملها تتحرك فوق شعرها برفق، وكأنها تحاول أن تسرق الألم منها.
المحلول يتدلّى ببطء من يد مكة، وجهاز التنفس يصدر صوتًا منتظمًا، كأن كل نفس لهما هو وعد بالحياة وسط الظلام الذي أحاط بهن.
وراءهما، كان حمزة يقف متكئًا على الحائط، يعض أظافره، يهز قدمه بعصبية، عينه لا تفارق المشهد. توتره كان يخرج من كل خلية في جسده، كأن قلبه يسبق عقله بخطوات مضطربة.
نطق بصوت بالكاد يُسمع:
— إيمان…
رمقته بغضب، عيونها كأنها تحرقه من الداخل، نار اشتياق وغضب مختلطين في نفس الوقت.
ابتلع ريقه، صوته مجهد:
— إنت مش هتقولي لمالك حاجة، صح؟
انفجرت إيمان بغضب مسموع:
— مكة!
يتعمل إيه عندك!
ومالك قالب عليها الدنيا!
ابتلع حمزة ريقه وصرح بتوتر:
والله… ده لسه جايه امبارح بالليل بس…
ضيقت إيمان عينيها:
جت لوحدها… حبت تسجن نفسها!
مرر كفه على قفاه بتوتر:
هفهمك كل حاجة… بس ارحميني من أخوكي.
غضبت أكثر:
أنت… هتطلقني!
اتسعت عينا حمزة فجأة، صوته صار متحشرج وهو يقف بجانبها:
ده… ده عندها!
عادت إيمان بنظرها إلى مكّة، قلبها موجوع:
أنا مستحيل أكمل مع واحد خاين وكذاب زيك!
أسرع نحوها، يضع يديه على كتفيها:
سامحيني… والله كل ده من طمعي وجشعي… أنا آسف…
دفعته للخلف بغضب:
ابعد عني! أنا مش طايقاك… أنا بكرهك!
أوقفها فجأة، وضع كفه على فمها، صوته صار شبه همس:
أرجوكي… ماتتسرعيش في الحكم عليّ.
والله ما كان قصدي… أنا مش عارف إزاي مشيت ورا كلام تميم الكلب.
نظرت إليه بعينين جامدتين، صوتها مرتعش:
ابعد! بس ييجي مالك… وأنا هقوله كل حاجة!
قال بجدية ممزوجة بالذنب:
قولي اللي انتي عايزاه… وأي حاجة يعملها، أنا متقبل… بس تبعدي عني… ده اللي مش مسموح.
وبعدين… مكّة خلاص… ما بقتش تخص مالك.
اقترب منها، حرك يديها برفق فوق شعرها:
أنت عاوزة تقول إنك ما تعرفيش مكّة تبقى بالنسبة لمالك إيه؟
لوى شفتيه، وهمس برعب داخلي:
عارف يا أختي… أمال أنا كنت هعملها على نفسي من شويه ليه.
وفجأة…
توقفت عروقه.
تصلبت أطرافه.
توقفت أنفاسه… وربما قلبه أيضاً.
الباب انفتح بعنف.
وظهر…
ذلك الثور الهائج.
كاد حمزة يغشى عليه، دوار عنيف اجتاحه، جسده ترنح.
أما مالك…
فقد توقف الزمن عنده.
توقف العالم كله.
لا أصوات…
لا أنفاس…
لا شيء.
ظهر مالك، عينيه ثابتتان على مكّة.
كل شيء حوله اختفى، لم يكن يسمع شيئاً، لم يكن يرى شيئاً.
مستلقية على الفراش، ملامحها شاحبة، لكنها ما زالت جميلة.
أنبوب التنفس قرب شفتيها، والمحلول يقطر ببطء.
كل التفاصيل الصغيرة، كانت الآن كأنها من نور… كأن الكون كله تجمد ليجعل هذه اللحظة خالدة.
خطا خطوة، ثم أخرى، حتى اقترب منها، جسده كله يرتجف من الاشتياق والخوف، قلبه يدق بعنف حتى شعر أن أذنيه تتورمان من شدة النبضات.
عينيه تلمعان، وابتسامة موجوعة ترتجف على شفتيه.
وتيني…
همس بها بلا صوت.
يخفض رأسه، يتنفس ببطء، يلمس طرف شعرها برفق، كأنه يخاف أن تتحرك فتختفي من أمامه.
إيمان… حتى وهي مستلقية، جسدها ضعيف، قلبها مسكون بالألم، شعرت بقربه.
نبض قلبها بدأ يعلو، خفقات سريعة، متسارعة، وكأن قلبها صار يعرف أنه ليس وحيداً بعد الآن.
نبضه ووجوده قربها كان وعداً، لمسة أمان، بداية لكل شيء لم تستكمل بعد.
كان تميم واقفاً أمام العمارة، عينيه ثابتتان على الشرفة التي خرجت منها.
في يده هاتفه، قلبه يرفرف كطائر محاصر، والألم يضغط على صدره بلا رحمة.
في داخل الشرفة، كان الدكتور نور الدين سليم، رجل السلطة النفسيّة الذي عرفه من قبل، يقف مكتوف الأيدي أمام الحالة، عيناه تحملان كل مزيج من القلق والمسؤولية. لا حاجة للوحة مكتوب عليها شيء، كل شيء مكتوب في صمت المكان وفي عينيه: احترس من قلب هذا الشاب… إنه محطم وحائر.
نظر تميم إليه للحظة، ثم انطلقت منه الذكرى فجأة… فلاش.
صوت، ضحكة، ودموع… كل شيء بدا وكأنه يعود في ثانية واحدة.
اقترب مهرولاً نحو مكّة، كانت ملقاة على الفراش، جسدها مستسلماً، كأنها طفلة ضائعة في عالمها.
أسد تميم، كان جانبه، كأنه أعز أصدقائه، وفهم كل شيء بعينيه السوداوين.
همس تميم وهو يربت على شعره برفق، قلبه يوجع:
شاطر… ماجتش جنبها زي ما اتفقنا…
حرك الأسد رأسه برفق، كما لو يفهم كل كلمة، كل شعور، ثم اقترب تميم ليحملها بين ذراعيه.
وضعها على الفراش، وشعر بقلبه يتمزق حين همس بجوار أذنها:
أنا مش هقدر أشوفك بتتعذبي قصادي تاني… قلبي مش قادر… عملتي في إيه يا بنت رحيم… أنا مش قادر…
تنفس عميقاً، يحاول السيطرة على الألم الذي يجتاحه، يمرر كفه على وجهه، ثم رفع هاتفه متردداً:
هاجبلك مكّة…
هتجيبها عندي؟ هتفسحها في الزنزانة؟ معقولة…
توقف، كلماته تتسارع بغضب، قلبه يعلو:
حمزه…
ما أنت غريب، يا تميم… ماتقول كلام يعقل.
هنبتذ بيها مالك… يا أما يتنازل عن الأرض، يا أما يسيبها مرمية بين المسجونين…
تميم سحب نفسه قليلاً، كلماته خرجت غاضبة، مرتجفة:
انت عاوزني أروح زيارة للآخرة، يا تميم… انت اتجننت!
ثم همس بحزم، رغم ارتعاش قلبه:
لو حد سأل، قول لهم تهمة سرقة… وأنا مظبط الموضوع.
مش عارف ليه… بسمع كلامك… هروح في داهية.
أغلق الهاتف في وجهه، أعاد النظر إليها، قلبه ينهش نفسه:
مالك العاشق… مخلي واحد يراقبني…
ضحك مرير: ههههه… ما يعرفش إن تميم العاصي… اللعبة هي اللي معاه.
تنفس عميقاً، ألم في قلبه، وحب يصرخ بداخله:
بس ليه… الحق يحبك… وانت مين يعرفك وما يحبكيش؟
مرر كفّه على وجهها برقة، حملها بحذر، وكأنها الزجاج، وخرج بها من باب خلفي، يخرج بها مباشرة إلى الشارع، بعيداً عن أعين القصر.
وقف تميم للحظة، شعوره بالشرود يملؤه، ضربات قلبه تتسارع: اشتياق… خوف… ندم… قلق… كل مشاعر مختلطة تدفعه للأمام.
ثم رفع هاتفه، أرسل رسالة قصيرة:
سيب مكّة… يا حمزه… وقولها أني طلقتها و خليها تسامحني.
أغلق الهاتف تماماً، قلبه ينزف، وخطواته باتت مكسورة، حزينة، وهو يقترب من العياده بخطوات ثقيلة، كل خطوة تشعره بأن العالم أصبح أصغر من أن يحتمل فوضى قلبه.
نقل مالك مكّة إلى مستشفى كبير… ضخم بكل معنى الكلمة، مبنى أبيض لامع، زجاجه يلمع تحت أشعة الشمس، وصالاته العالية مليانة ضوء، كل شيء فيه يوحي بالقوة والأمان، وكأن كل زاوية فيه مصممة لتحتوي البشر، وتهدئ القلوب الجريحة.
غرف واسعة، أجهزة طبية حديثة، وكل أصغر التفاصيل مريحة للنفس… كأن المكان نفسه يحضن المرضى ويعيد لهم القوة.
دخل مالك الغرفة، حاملاً مكّة في ذراعيه بعناية، خطواته ثابتة رغم الخوف والقلق الذي يملأ قلبه. ومئات الأطباء حولها… وكأن جهزت الغرفه بعناية لإستقبال أهم الأشخاص لمديرهم.
ساعات قليله من الاهتمام والعمل الجاد وذلك المتمسك بكفها يرفض تماماً تركها والكل يعمل علي إفاقها ومداوه اي إصتبه بها.
بعد دقائق…
فتحت مكّة عينيها ببطء، أول ما افتحت، رأت شيئاً مألوفاً…
كانت جالسة بجانبها، ممسكة كفها، عينان مليئتان بالدموع، وصوتها يهتز بالحزن والفرح في نفس الوقت.
نطقت بصعوبه بعض الشئ تحاول تدرك هل هذا حلم أم واقع: مها…!!!!!!!!!
رواية قدري الاجمل الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندا الهلالي
رواية قدري الاجمل الفصل العشرون 20 - بقلم ندا الهلالي
وهرب الدم من عروقها دفعة&; واحدة.
الرعب&;
اجتاحها كامل&;ا.
&;رواية قدري الاجمل "