تحميل رواية «قدر و وصال» PDF
بقلم هدير ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت بحجرتها، نائمة في سباتٍ عميق، غافلةٌ عن تلك الأعيُن التي تكاد تلتهمها، أعيُن مفعمة بالرغبة والجراءة. أقترب منها في تمهل وبطئ شديد، ووقف يتأملها بأعيُن مفترسة. بدأ يميل عليها ويديه راحت تتلمس جسدها، برغبة، وهمس من بين شفتيه: "أنتِ قدري ومش هتكوني لحد غيري." فتحت الفتاة عينيها في فزع مستشعرة تلك اللمسات القذرة. وما كادت أن تصرخ حتى كمم فمها بكفه الضخم، محاصرًا جسدها بجسده. همس بنبرة غليظة بجانب أذنها أصابتها بالأشمئزاز: - أششش. وأغمض عينيه مستشعراً لحظاته معها، بينما سالت هي دموعها بقلة حيلة....
رواية قدر و وصال الفصل الحادي عشر 11 - بقلم هدير ممدوح
ثبت علاء نظره على قدر وقال بنبرة مبهمة:
_ أنسة قدر تتجوزيني.
صدمة احتلت معالم الجميع وهم ينظرون له بأعين متسعة ذاهلة.
فتحدثت والدته قائلة:
_ على جثتي الجوازة دي تتم.
ألتفت علاء لها، قائلاً:
_ أمي نبقى نتكلم بعدين، عاوز أسمع رد الأستاذة قدر.
قال جملته الأخيرة وهو يعاود النظر لها.
فصاحت والدته قائلة:
_ بعدين، هو إيه اللي بعدين أنا عاوزة أفهم إيه أصل اللي سمعته ده.
قال علاء بجمود:
_ ولا أصل ولا فصل، كل الموضوع إني عاوز أتزوج، أظن ده لا عيب ولا حرام.
أستقامت والدته قائلة:
_ لا طالما أنا ماليش لازمة في القعدة دي يبقى أقوم أمشي.
مرت من أمامهم، فوثب علاء قائماً وهو يقول على عجل:
_ قدر أبقي فكري كويس، هستنى ردك، وآه نص ساعة وتكوني في مكتبي.
أعتلت الدهشة ملامحهم من تصرفاته العجيبة، فدنت وصال من قدر، وهي تقول:
_ إيه ده، اللي أنا سمعته ده حقيقي؟
فقالت أميرة ببلاهة:
_ أه أخويا عاوز يتجوز.
فمدت وصال يدها وحاوطت يد قدر قائلة بمرح:
_ ألف مبروك يا حبيبتي، وأخيراً هشوفك بالفستان الأبيض.
وكزتها قدر قائلة:
_ أبيض إيه، فكرك يعني ممكن أتزوج ده.
ردت أميرة وقالت بمزاح:
_ ماله ده يابت، أنا أخويا مية واحدة تتمناه.
فهتفت قدر قائلة باستنكار:
_ وأنا ياستي مش من المية دول.
فقالت أميرة وهي تغمز بعينيها:
_ طب بذمتك الواد قمر ولا لأ؟
ردت وصال قائلة:
_ هو قمر أه، بس مناخيره كبيرة حبتين.
زفرت قدر بغيظ منهن وغادرت من أمامهن في حنق.
"بغرفة أُلفت"
جالسة على فراشها وصدرها يعلو ويهبط نتيجة نوبة الغضب تلك، دلف علاء الغرفة وتقدم منها جالساً بجانبها وجذب كفيها وقبّل أحدهما وقال:
_ ست الكل زعلانة مني ليه؟
صاحت ألفت بغضب تجلى في نبرتها وهي تقول:
_ حالك مش عاجبني، كل اللي بيحصل ده كله غلط، مبقتش فاهماك.
رد علاء برفق قائلاً بحذر:
_ وليه ده كله بس، مش كنتي دايمًا تزني على دماغي وتقولي اتجوز اللي قدك معاهم عيل واتنين، ما أنا هتجوز أهو، إيه اللي مزعلك دلوقتي؟
تنهدت ألفت بعمق وأردفت قائلة:
_ من يوم ما ريناد دي مشيت وانت بقيت متغير، حياتك بقيت في الشغل ودايماً عصبي وزعيق، ودلوقتي جاي تقولي عاوز أتزوج، ومن واحدة مالكش يومين عارفها.
ترك علاء يدها وقال بتريث:
_ أمي أنا بحب قدر.
رفعت ألفت أحد حاجبيها وقالت:
_ بالسرعة دي، بتضحك عليا يا ابن بطني، لا تكون فاكرني عبيطة، أوعى يا علاء تكون هتتجوزها انتقاماً من سامح.
رد علاء بدهشة قائلاً:
_ وإيه دخل سامح؟
_ سمعت البنات بيحكوا مع بعض وعرفت كل حاجة، هكذا خرجت الكلمات من جوف ألفت.
فزفر علاء بغضب، قائلاً:
_ أمي ننسى سامح ده خالص، أنا دلوقتي عاوز أتزوج قدر.
قالت ألفت برفق:
_ يابني افهمني، أنا مش عاوزة غير راحتك، وبعدين قدر دي لا نعرفلها أصل من فصل، أنا حتى معرفش هي بتعمل إيه هنا.
هز علاء رأسه وقال في هدوء:
_ هقولك يا أمي.
وسرد عليها قصة قدر وزوج والدتها وما تعانيه منه.
فتأثرت ملامح ألفت وقالت بشفقة:
_ دلوقتي أنا مبقتش عارفة أنت عاوزها عشان تحميها ولا شفقة، ولا بسبب سامح.
أجابها علاء بمراوغة وهو يقول:
_ في حد بيتزوج حد شفقة برضه يا ست الكل.
ضربت ألفت كفاً بأخرى وقالت:
_ اومال عشان إيه يا أخويا.
تحدث علاء بجدية وقال:
_ عشان هي بجد إنسانة محترمة، هادية وخجولة، وهتكون زوجة صالحة ليا، ولأولادي فالمستقبل يا أمي، تعرفي.. أول ما بشوفها بحس نفسي مش على بعضي، بيبقى جوايا مشاعر كتير متلخبطة من أول ما عيني وقعت عليها، ومش بتروح عن بالي دقيقة.
ابتسمت ألفت قائلة في حنان:
_ طيب يابني، اللي فيه الخير يقدمه ربنا.
نهض علاء واقفاً وقال:
_ كده أخدنا موافقة ورضا ست الكل، فاضل بس العروسة توافق.
تحدثت والدته بشموخ:
_ ومتوافقش ليه، أنا ابني سيد الرجالة.
ضحك علاء بصخب وقال:
_ طبعاً، عن إذنك أنا بقى يا أمي، هروح أشوف العروسة.
تمتمت بدعاء قائلة:
_ ماشي يا بني، ربنا يريح قلبك.
آمن علاء على دعائها، وغادر الغرفة.
أمام منزل علاء وقف باص مدرسي وهبطت منه طفلة بزيها الرسمي، كادت أن تدلف من بوابة المنزل حتى أمسك سيد يدها وقال:
_ قولولي يا حلوة اسمك إيه.
جاوبت الطفلة ببراءة وقالت:
_ اسمي جوري يا عمو.
أشار سيد إلى منزل علاء وقال:
_ قوليلي يا جوري مين عايش في البيت ده.
ردت جوري بعفوية:
_ أنا وماما، خالي، وتيتة، وماما قالتلي عندنا ضيوف قدر ووصال ورهف، وأنا رايحة أشوفهم، سلام يا عمو.
تركته الطفلة وركضت للداخل، فأبتسم سيد وقال بغموض، ونبرة كفحيح الأفاعي:
_ عشان قدر تيجي لحد عندي، فأنا لازم أعمل كده.....
بالداخل وقفت الطفلة أمام والدتها، فمالت وصال عليها وقبلت وجنتيها وقالت:
_ اللهم بارك، إيه القمر ده بس.
أبتسمت الطفلة قائلة:
_ شكراً يا طنط.
استقامت أميرة من مكانها قائلة:
_ يلا يا جوري عشان تغيري، وبعدين انزلي العبي مع رهف.
أمسكت بيد الصغيرة وغادروا تاركين وصال.
بمكتب علاء كانت جالسة قدر أمامه، فغمغمت قائلة:
_ اشمعنى أنا؟
تفاجأ هو من سؤالها وقال بصدق:
_ مش هقولك إني حبيتك، بس هقولك إني معجب بيكي، وحبيت أطلبك بالحلال.
أجابته قدر قائلة في دهشة:
_ وبس كده؟
رد هو قائلاً:
_ سامح مش هيسكت يا قدر، وكمان سيد جاتلي معلومات إنه موجود في إسكندرية.
ردت ببعض الحدة قائلة:
_ يبقى السبب الحقيقي هو سامح صح.
ابتسم علاء قائلاً:
_ مش هنكر إنه من أحد أسبابي.
هتفت قائلة:
_ ولو موافقتش؟
مال علاء بجذعه للأمام وقال:
_ يبقى أنتي حرة أكيد، وأنا مش هغصبك على حاجة.
وصمت قليلاً واسترسل حديثه في هدوء واثق:
_ لو وافقتي هنقل ورقك أنتي ورهف ووصال هنا، هسجلكم في الجامعة والمدرسة لـ رهف، والأهم لو بقيتي مراتي أوعدك إن محدش هيقربلك.
وثبت قدر واقفة وقالت:
_ أديني وقت أفكر.
وقبل أن تخطو قال هو:
_ أستاذة قدر، هاتي تليفونك دقيقة.
استغربت طلبه لثوانٍ، ولكن مدت يدها بهاتفها له، فجذبه هو وضغط عدة مرات على شاشته ومن ثم أعطاه لها مرة أخرى وهو يقول:
_ سجلت لك رقمي، عايزك تبعتيلي عليه صورة لـ سيد، وكمان رقم عمك اللي في الكويت عشان يكون وكيلك.
هزت قدر رأسها بصمت وخرجت من المكتب، بينما عاد هو بظهره للخلف وابتسم.
علا رنين جرس المنزل بالخارج معلناً عن مجيء أحدهم، استمعت وصال للصوت، وانتظرت قليلاً كي يأتي أحد فلم يأتي، فاستقامت هي واقفة وتوجهت للباب وقامت بفتحه لتجد شاباً واقفاً أمامها فقالت:
_ حضرتك عاوز حد هنا يا فندم.
دفعها الشاب برفق ومر من أمامها وهو يقول:
_ شكلك جديدة انتي هنا ولا إيه.
استغربت وصال من حديثه وقالت:
_ مش فاهمة، وبعدين أنت إزاي تدخل كده وخلاص.
جلس الشاب ووضع ساق فوق الأخرى وقال:
_ اختفي يابت من وشي، روحي اندهي سيدك علاء.
تمتمت وصال بخفوت:
_ سيدي!
كادت أن تقول شيئاً فقاطعها مجيء أميرة وهي تقول:
_ أهلاً، أهلاً، يا قاسم طولت الغيبة والله.
ابتسم الشاب قائلاً وهو يرحب بـ أميرة:
_ أهلاً بيكي يا أميرة يابنت الأمرا.
أولى نظره لوصال قائلاً:
_ يابنت انتي لسة واقفة عندك، قولتلك انقري، واعمليلي كوباية قهوة، راسي هتنفجر من الصداع والله يا بنت عمي.
جزت وصال على أسنانها بغيظ ولم تعره أي انتباه، فقال هو:
_ برضه لسة واقفة، لازم تتغيروا الخدم اللي عندكم يا أميرة.
هتفت وصال بحدة قائلة:
_ خدم إيه يابغل أنت، ما تتكلم كويس.
أردف الرجل قائلاً بتعجب:
_ بغل!، بقا أنا قاسم هارون يتقالي بغل يا قليلة الحيا انتي.
تنهدت وصال بغضب وجاءت أن ترد، فتدخلت أميرة قائلة:
_ اهدوا يا جماعة بس فيه إيه، دي وصال يا قاسم ضيفة عندنا، وده قاسم يا وصال ابن عمي وعايش في الصعيد.
قال قاسم:
_ فتحتيلي الباب افتكرتها من الخدم، وأسفين يا ست فصال انتي ولا اسمك إيه.
اغتاظت منه وصال وقالت بمراوغة وهي توليه ظهرها مغادرة:
_ لينا القرف، قصدي لينا الشرف.
ومرت من أمامهم كأنها لم تفعل شيئاً.
في الأعلى
بعدما عادت من مكتبه، جالسة بغرفتها تائهة حائرة، قد تبدو بأنها شخص مثالي لم يمسها وجع أو حزن قط، ولكن بداخلها كم كبير من الأحزان وأزمات الحياة، فبعض الأحزان تبقى أسيرة نفوسنا، إن كتمناها ألمتنا، وإن خبأناها أوجعتنا.
ترقرق الدمع بعينيها وابتلعت غصة مريرة بحلقها وهي تتذكر كم عانت بالآونة الأخيرة من حياتها، حتى نست طعم الفرح، هل ستبتسم لها الحياة الآن؟ هل قريب اليوم الذي ستضحك به من أعماق قلبها؟
دفعت وصال الباب بقوة، أخرجتها من شرودها، وجلست بجانبها وهي تقول:
_ الحيوان قال إيه، فاكرني خدامة هنا.
أمعنت النظر على قدر وقالت وهي تجلس بجانبها:
_ قدر انتي بخير، مالك عينك مدمعة ليه.
ردت قدر عليها وهي تقول بحزن تجلى في نبرتها:
_ مش عارفة إن كنت بخير ولا لأ، مش عارفة إن كنت مبسوطة أو لأ.
ربتت وصال على كتفها وهي تقول:
_ احكيلي قالك إيه في المكتب.
سردت قدر عليها ما حدث وختمت قائلة:
_ قلبي دلوقتي كأنه متقسم نصين، نص خايف وقلقان والنص التاني راضي وفرحان.
ردت وصال قائلة:
_ صلي استخارة، وكل ما يختاره الله هو خير.
هزت قدر رأسها وقالت:
_ أيوة هعمل كده.
وتبدلت نبرتها وهي تقول:
_ هي رهف فين؟
وصال:
_ غالباً مع جوري بتلعب.
تجمعت عائلة علاء يرحبون بقاسم، فقالت ألفت:
_ نورت يا قاسم.
رد قاسم عليها بود:
_ البيت منور بصحابه يا مرات عمي.
وضع قاسم كيساً أسود به رزمة من المال بيد علاء وقال:
_ وده نصيبك من ربح الشركة يا ولد عمي.
أعطاه علاء لوالدته ونهض واقفاً وهو يقول:
_ قاسم ورايا شوية شغل هعملهم وأرجع، البيت بيتك، ومش عاوزك تمشي النهارده، محتاجك معايا اليومين دول.
أومأ قاسم برأسه قائلاً:
_ خير يا ولد عمي.
أجابه علاء:
_ الوالدة تحكيلك، أنا مستعجل دلوقتي.
في إحدى المطاعم كانت تتواجد نجلاء ومعها وائل، فتحدثت نجلاء:
_ إيه يا سيدي الموضوع المهم اللي عاوزني فيه.
تحدث وائل بلهفة:
_ مشروع العمر يا نجلاء، هيساعدنا نبقى فوق، فرصة وجاتلنا لحد عندنا.
زفرت نجلاء بغيظ وقالت:
_ هو أنا مش قولتلك اصبري، نحط إيدينا على فلوس وصال ونعمل اللي عاوزينه.
تأفف وائل وقال بعصبية مفرطة:
_ ياستي فيها إيه لما نشغل اللي معانا، والربح يكتر، واسمعي العرض الأول.
غمغمت نجلاء بجفاء:
_ قول.
قال وائل:
_ اتنين زمايلي في الشركة سمعتهم بيتكلموا عن شركة تانية هتاخد منك مبلغ وترجعه الضعفين يانجلاء، يعني هنكسب واحنا قاعدين.
انفعلت نجلاء وامتعض وجهها وقالت:
_ لا ياشيخ، مش دي نفس الطريقة اللي ضحكنا بيها على أيمن، لا بقولك إيه، أنا بقيت أقلق عشان سايبة الفلوس دي معاك.
لوى وائل فمه قائلاً:
_ شكلك عاوزة تفضلي في الفقر طول عمرك، وبعدين اللي بعتناهملأخوكي صحاب أحمد ابن خالتك، وزنك عليه إن أحمد كويس وواثقة فيه، خلاه يمضي الورقتين، إنما اللي بتكلم عليه ده مختلف.
ردت نجلاء عليه قائلة:
_ مختلف إزاي يعني.
أجابها هو:
_ أنا روحت الشركة دي وقابلت المدير والشركة كبيرة ومعروفة والورق في السليم.
وثبت نجلاء واقفة وهي تقول بتهديد:
_ هرجع أقولك مرة تانية، مش هنعمل حاجة بالفلوس دي دلوقتي، وصدقني لو لعبت بديلك يا وائل هندمك.
قال وائل بإمتعاض:
_ ماشي يا نجلاء، هفضل ماشي وراكي لحد ما أشوف آخرتها.
حدقته بنظرات غاضبة وذهبت تاركة المكان.
في قسم الشرطة كان جالس علاء بمكتبه وأمامه أيمن:
علاء برسمية:
_ عرفت إن حضرتك عاوز تقابلني ضروري، خير.
رد أيمن قائلاً:
_ أنا أيمن أخو وصال.
صب علاء كامل نظره عليه وتحدث قائلاً:
_ آه، وجاي لحد هنا ليه.
تحدث أيمن قائلاً في هدوء:
_ يمكن تكون واخد عني فكرة مش كويسة، بس صدقني أنا مش الشخص ده.
رد علاء ببعض من الحدة:
_ سؤالي واضح، جاي لحد هنا ليه وعايز إيه.
غمغم أيمن بتريث:
_ هقولك كل حاجة.......
قص عليه أيمن مخطط زوجته وكيف سرقت أمواله، وأنه بعث عدة رجال ليحافظوا على أمان شقيقته، وختم حديثه قائلاً:
_ أنا جاي أقولك إني مش ناسي أختي، بس يمكن هسيبها عندك فترة.
استشعر علاء الصدق في حديثه ولكنه قال ساخراً:
_ مراتك هتفضل على ذمتك فترة طويلة ولا إيه يا أيمن بيه.
ابتلع أيمن تلك الغصة المريرة وقال:
_ مش قبل ما أرجع كل فلوسي وأندمها على كل اللي عملته.
رد علاء بجدية:
_ تمام يا أيمن بيه، رسالتك وصلت، أختك في أمان عندي متقلقش عليها، ولو محتاج مساعدة فموضوع زوجتك فأنا أكيد معاك.
وثب أيمن قائماً وقال:
_ عايز أقولك كمان قدر صحبتها في خطر، جوز أمها مش هيسيبها.
رد علاء بجمود وهو يستقيم من مكانه ومد يده يصافحه وقال:
_ شرفت يا أيمن بيه، ومتقلقش، كله تحت السيطرة.
مر اليوم بسلام بعد ذلك.
"في الصباح"
استيقظت قدر وهي تبتسم على غير العادة، فكانت وصال تخرج من المرحاض ونظرت لها بدهشة وقالت:
_ صباح الإبتسامة الجميلة دي.
ردت قدر قائلة:
_ حاسة براحة غريبة وصدري منشرح، عندي شعور جميل أوي.
توقفت وصال أمام المرآة واخذت تمشط خصلات شعرها وقالت:
_ انتي صليتي استخارة امبارح؟
هزت قدر رأسها إيجاباً، وقالت برقة:
_ أيوة، هصحى رهف وأجهز وأنزل عشان أقول للكل.
هزت وصال رأسها بنعم وبعد قليل اجتمع الجميع على طاولة الطعام، كانت ألفت تترأس الطاولة وعلاء وقاسم يجلسان بالمقابل لهم، قدر ووصال ورهف وأميرة بجانبهم.
تحدثت ألفت قائلة:
_ إيه العروسة مش ناوية تقولنا قرارها.
رد علاء سريعاً:
_ سيبها على راحتها يماما، وتفكر زي ما هي عايزة.
لوت ألفت فمها قائلة:
_ والله أنا ابني سيد الرجالة ومفيهوش غلطة عشان التفكير ده كله.
ردت أميرة مازحة:
_ أهدي يا ألفت كده، هيبدأ شغل الحماوات من دلوقتي ولا إيه.
قام علاء وقال بجمود:
_ قدر خلصي فطارك وحصليني على المكتب.
قدر بخفوت:
_ لا أنا شبعت، جاية أهو.
هز رأسه وذهب أمامها ولحقت به.
ولجوا للداخل وجلس هو بمكتبه وهي أمامه، فتح حاسوبه وصب نظره عليه لدقائق، فتحدثت هي بداخل نفسها:
_ ماله ده، هو أنا جاية أتفرج عليه وهو بيشتغل.
تحمحمت عندما طال انتظارها، فرفع نظره إليها وهو يقول:
_ ثواني بس يا قدر، عاوز أوريكي حاجة.
نظرت له بخجل وصمتت، فأولى هو حاسوبه بجهتها وقال:
_ هو ده سيد؟
اتسعت عيون قدر وقالت:
_ أيوة هو، بس المكان اللي هو واقف فيه.....
"بيتي"
هكذا رد عليها علاء واسترسل قائلاً:
_ من يوم ما جيتي وهو هنا بيراقب البيت، ودي صورة من تسجيلات الكاميرا، عرفتي ليه لازم نتجوز وفأسرع وقت؛ لأنه وقتها هو مش هيقدر يقربلك.
صمتت قدر قليلاً وتلألأ الدمع في عينيها، فقد ظنت بأن أخيراً هناك شخصاً يحبها لشخصها، ولكنه يريد حمايتها، ولكن مهلاً.. مهلاً.. لما ذلك، فهو بإمكانه حمايتها دون الزواج بها.
رفعت بصرها ناظرة له:
_ انت مش مجبر تتجوزني، تقدر تقدملي حمايتك من غير جواز.
أجاب هو:
_ الجواز هو الحل يا قدر، ولو مواف......
قاطعته هي قائلة:
_ تمام، موافقة، وهبعتلك رقم عمي تتواصل معاه.
غمغم علاء قائلاً ببسمة ارتياح ظللت ثغره:
_ تمام يا قدر، ابعتي الرقم واجهزي أنتي ووصال ورهف، هننزل المول والمرة دي هكون معاكم.
هزت قدر رأسها عدة مرات وغادرت الغرفة.
أرسلت قدر رقم عمها لـ علاء وطلب منه المجيء لعقد قران إبنة أخيه، ووافق عمها.
الثانية ظهراً كان الجميع يتجهز ومن بينهم ألفت التي أصرت على القدوم معهم.
تحدثت جوري قائلة وهي تركض للخارج:
_ أنا هطلع عشان أقعد من قدام.
رآها سيد خارجة، فقبض على رسغها الصغير مرة أخرى وحاول أن يتكلم بهدوء كي لا يخيفها وقال:
_ الحلوة الصغيرة مبسوطة ورايحة فين كده؟
زَمَّت الصغيرة شفتيها وقالت:
_ انت لسة هنا يا عمو، بس أنا هقولك عشان جوري فرحانة أوي.
سيد بلهفة:
_ قولي.
مال بجزعه عليها فقالت هي بجانب أذنه:
_ عندنا فرح، خالو علاء هيتجوز طنط قدر.
اتسعت عيناه من الصدمة واخذ صدره يعلو ويهبط يشعر باحتراق قلبه بين أضلعه، وبغيرة تنهش كل كيانه، وعندما أحس بالجميع قادم ركض بعيداً عن أنظارهم متوارياً.
زَمَّت الصغيرة شفتيها وهي تنظر له ولكن لم تبالي بالأمر، وصعدت بإحدى السيارات.
قدر وألفت ورهف مع علاء بسيارته، ووصال وأميرة وابنتها مع قاسم.
بعد قليل هبط الجميع أمام مول كبير، أخذت ألفت تنتقي بعض الملابس البيتية لـ قدر، وانتقت قدر أكثر من ثوب للخروج وفعلت بالمثل مع شقيقتها، كان علاء وقاسم يقفان بالخارج، ومر أكثر من ساعتين حتى خرجوا.
وصعدوا بالسيارات مرة أخرى عائدين للمنزل.
في أحد الفنادق الصغيرة كان سيد جالساً بغرفته المستأجرة يتحدث مع نفسه بغضب قد تجلى بنبرته:
_ مستحيل، مستحيل أسيبك ياقدر، وهنفذ النهاردة، مش هخليكي تكوني ليا أبداً حتى لو هقتلك، يا أما تكوني ليا يا أما تكوني في عداد الموتى.
مر باقي اليوم بسلام والجميع نائم بغرفته، ولكنهم انتفضوا جميعاً مستيقظين على صوت الخادمة وهي تصرخ قائلة:
_ حريقة يا علاء بيه، في حريقة.
انتفض الجميع وخرج علاء من غرفته، فرأى النار مشتعلة بحديقة منزله الصغيرة، فدخل المنزل مرة أخرى وهو يحمل المطفأة، بينما بغرفة قدر ووصال كادتا أن يتحركا للخارج، لولا أنهم وجدوا باب غرفتهم يفتح وطل منه سيد، وأوصد بالمفتاح الذي كان معلقاً خلفه، كادوا الفتيات أن يصرخوا ولكنه أخرج سلاحاً من جيبه مشهراً إياه نحوهن.
تمسكت رهف بيد شقيقتها بذعر، والتي حالتها لم تكن أقل منها، فظهر ارتجاف جسدها، ووصال جامدة مكانها وقالت بشجاعة:
_ جبان ياسيد، أكيد أنت اللي عملت كده عشان تقدر تدخل.
شهر سيد سلاحه نحوها وهو يقول:
_ وأنا نفسي أخلص منك، وبفكر أعمل....
قاطعته قدر وهي تقف أمام صديقتها تحميها وقالت:
_ مشكلتك معايا أنا، سيب وصال ورهف يخرجوا.
نظر لها وتزين ثغره بإبتسامة وقال:
_ وحشتيني أوي ياقدر.
وتابع وهو يتفحص جسدها بوقاحة:
_ وكل حاجة فيكي وحشتني.
شعور بالتعري ملأ صدرها، فحدقته بكره طل من عينيها وقالت بشجاعة مزيفة:
_ مستحيل، توصل يا سيد نجوم السما أقربلك، أنا مبقتش أخاف منك، وكمان علاء دلوقتي موجود.
على حين غفلة جذبها سيد من يدها، ودفعها على الحائط بقوة فظهر الألم على ملامحها لثوانٍ، وتابع هو قائلاً بغضب:
_ دلوقتي بقيتي تتحامي فيه، بقا هو أمانك يا قدر.
بدل نبرته لأخرى بدت ضعيفة وقال:
_ أنا بحبك ياقدر، قلبي مش بينبض غير باسمك، وافقي انتي بس، وهنمشي من هنا، وأوعدك اللي عاوزاه هيكون عندك.
اقتربت وصال ودفعته بعيداً عنها وقالت:
_ ابعد عنها، أنت إنسان مريض. انت كنت جوز أمها وهي زي بنتك، حرام شرعاً اللي بتعمله وبتقوله.
قام سيد برفع يده التي بها السلاح وهبط بها على رأس وصال فسقطت بتأوه شديد وصرخت قدر باسمها، وتوجهت لها رهف الصغيرة.
لا تعلم من أين جائتها تلك القوة حتى صرخت مستغيثة باسم علاء.
فكمم سيد فمها وقال:
_ اسكتي، أنا هنا جيت بس عشان أحذرك، فرحك ده لو تم هتشوفي أسود أيام في حياتك وكل شخص بتحبيه هقتله وأولهم علاء، أنا هخرج دلوقتي وأوعي أسمع صوتك، فاهمة.
وختم جملته بصوت ارتجف على أثره جسدها، وما أن خرج من الغرفة حتى جلست على ركبتيها ورفعت وصال التي سال من جبينها خط من الدماء فقالت قدر ببكاء:
_ وصال، انتي بخير، أنا آسفة أنا السبب.
اعتدلت وصال في جلستها فضمت قدر رأسها على صدرها فقالت:
_ أنا هخلي علاء يتصل بالدكتور.
رفعت وصال رأسها وقالت بوهن:
_ أنا بخير ياقدر، المهم انتي متسمعيش لكلام سيد، جوازك من علاء لازم يتم.
فتح باب الغرفة عليهم ودلف الجميع للداخل وأتاهم صوت علاء وهو يقول:
_ انتوا كويسين، في حاجة حصلت.
ونظر لوصال بتعجب وقال:
_ مالها وصال.
فردت رهف بصوت ممزوج بالبكاء:
_ عمو س.....
قاطعتها قدر وهي تقول:
_ مفيش حاجة، وصال وقعت واحنا كنا نازلين نشوف فيه إيه.
_ طيب نتصل بالدكتور، هكذا جاء صوت قاسم القلق.
فاستقامت واقفة وقالت:
_ أنا بخير، مفيش داعي.
غمغمت أميرة:
_ خلاص يا جماعة كله يروح يكمل نومه وأنا هجيب صندوق الإسعافات وهشوف جرح وصال.
وبالفعل امتثل الجميع لما قالت، وضمدت هي جرح وصال.
ولم يمضي الكثير حتى ذهب جميعهم في سبات عميق.
"في الصباح"
استيقظ الجميع بسعادة غمرت وجوههم، فاليوم زفاف ابنهم الوحيد، إلا قدر التي كانت قلقة وخائفة، ربتت وصال على كتفها وهي تقول:
_ يلا بقا ياعروستنا قومي كده واجهزي.
ردت قدر ساخرة:
_ ومنين هيجيلي الفرح يا وصال طول ما سيد حواليا.
قالت وصال:
_ سيد ميقدرش يقربلك طول ما علاء جنبك.
ردت قدر قائلة:
_ لا يا وصال، هو قدر يدخل بيته ويهددني، أنا خلاص هبلغ علاء إني مش موافقة على الفرح ده.......
رواية قدر و وصال الفصل الثاني عشر 12 - بقلم هدير ممدوح
دق جرس المنزل وتوجهت العاملة لفتحه، فوجدت رجلاً يقف أمامها يبدو بأول عامه الخمسون فتحدثت قائلة بأحترام:
_اتفضل يا فندم حضرتك عاوز مين؟
رد الرجل بنبرات قوية:
_أنا رفعت عم قدر.
جاءهم صوت علاء من الخلف قائلاً:
_أهلا رفعت بيه أتفضل.
مد يده وصافحا بعضهما وولج رفعت للداخل ومعه علاء متوجهين لصالون المنزل وقال معرفًا رفعت لوالدته بأدب:
_ده الأستاذ رفعت يا امي عم قدر.
رحبت به ألفت قائلة:
_أهلاً بيك يا أستاذ رفعت نورت البيت.
واسترسلت وهي تؤشر على الأريكة: "اتفضل استريح"
صافح أيضًا قاسم الذي كان جالس معهم، وقالت ألفت لأبنتها:
_أميرة روحي أندهي قدر.
واستقامت أميرة واقفة وتوجهت للأعلى.
"بغرفة الفتيات"
تحدثت وصال ببعض الحدة التي تجلت في نبرتها قائلة:
_قدر بلاش اللي بتعمليه ده، علاء قادر يحمينا، انا مش عارفه ليه أصلًا أنتي خبيتي عليه امبارح ان سيد كان هنا.
ردت قدر قائلة:
_لأني خُفت يا وصال، سيد ده أنا عشت معاه سنين وعارفة يقدر يعمل إيه.
امسكت وصال رسغها وقالت بنرفزة:
_وطول ما أنتي على ذمة راجل محدش هيقربلك.
جلست قدر على الفراش بوهن قائلة:
_أنا تعبت يا وصال واحترت ومش عارفه أعمل إيه.
ربتت وصال على كتفها وقالت بحنو:
_رب الخير لا يأتي إلا بالخير، مش يمكن ده كله حصل عشان هنا هتقابلي شريك حياتك، ربنا ليه حكمة فكل اللي بيحصلنا ده ياقدر.
ردت قدر وهي مسبلة العينين:
_ونعمة بالله.
طرقات على الباب قاطعتهم، فسمحت وصال للطارق بالدخول، فدلفت أميرة وهي تقول:
_قدر، عمك جه تحت، تعالي سلمي عليه.
نظرت قدر لـ وصال فهزت لها وصال رأسها.
لتقول أميرة بدهشة من أمرهم:
_مالكم فيه حاجه حصلت.
ردت وصال قائلة:
_لا ياحبيبتي، هننزل اهو.
غمغمت أميرة بخفوت:
_تمام ياحبايبي يلا بينا.
هبطن الفتيات خلف بعضهم، ورأى رفعت قدر فقام وعانقها بحنان قائلاً:
_أتمنى تسامحيني يابنتي على تقصيري معاكم، بس أنتي شايفة الظروف أهو، وكمان آسف عشان مقدرتش احضر عزا والدتك.
لثوانِ جاء أمامها طيف والدتها الراحلة وتلألأ الدمع بعينيها ولكنها تماسكت وقالت بجفاء:
_بلاش نحكي في اللي فات ياعمي وشكرًا لأنك جيت.
جاءت رهف مع جوري وعانقت عمها وجلس الجميع بجانب بعضهم فقال علاء:
_الساعة أربعة المأذون هيكون هنا، عاوز الكل يكون جاهز.
ووجه حديث لـ رفعت قائلاً:
اكيد تعبت من السفر ياعمي الأوضة جاهزة لو هتروح ترتاح شوية.
استقام رفعت واقفاً وهو يقول:
_ماشي يابني، كتر خيرك.
نادى علاء على العاملة، لترافقه إلى الغرفة.
مالت وصال على أذن قدر قائلة بهمس:
_قوليله على اللي عمله سيد امبارح.
لاحظ علاء همسهم فقال بشك:
_عاوزة تقولي حاجه يا قدر.
ردت قدر بخفوت:
_لا ولا حاجة.
ومالت على أُذن وصال قائلة:
_هقوله بعدين، مش دلوقتي.
وهزت قدر، رأسها بنعم.
فجاءهم صوت أُلفت:
_يلا يابنات مفيش وقت كله يروح يجهز.
وقف الجميع مغادراً، فقال علاء:
_قدر استني عايزك.
رحل الجميع وظلت قدر واقفة بالقرب منه فقال هو:
_أنتي عارفة أكيد انه مش هنعمل فرح، احتراماً لوالدتك.
هزت قدر رأسها وقالت:
_انا عارفة بكدة حضرتك.
قالت جملتها وغادرت سريعاً من أمامه، بينما زفر هو بعمق واستقام واقفاً.
صوت موسيقى خافتة ملأ المكان، وهبطت رهف وجوري وهم يلبسون فساتين لمناسبات الزفاف و أخذوا يترقصون على النغمات الموسيقية.
وبغرفة الفتيات، توجهت أميرة لهم بفستانها البسيط والخالي من النقوش من خامة الستان باللون الأزرق الجميل، وقامت بوضع لمسات من الزينة والتي اظهرت جمالها وبرزت ملامحها ، ووصال التي لم تكن أقل جمالًا منها فكانت تلبس نفس الثوب ولكنه بلون مختلف، خرجت قدر من المرحاض، بثوبها الابيض الفضفاض، والذي جعلها تبدو كالملائكة جلست أمام المرآه وقامت وصال بلف خمارها من نفس اللون، ووضعت أميرة لها بعضاً من أحمر الشفاه و استخدمت بعض من أدوات الزينة تحت رفضها الشديد.
انتهت لمساتهم الأخيرة على لوحتهم الفنية تلك.
فأمسكت وصال كفها وجعلتها تدور حول نفسها وقالت بأعجاب طل من عينها:
_ماشاء الله ياقدر طالعة قمر أوي.
وقالت أميرة مازحة :
_أخويا أبن المحظوظة وقع واقف.
ابتسامة بسيطة زينت ثغر قدر وقالت:
_بلاش مبالغة طالعة عادية جداً.
ردت وصال قائلة:
_طول عمرك هبلة، يابنتي أنتي أصلاً قمر.
انفتح الباب وطلت منه والدت علاء نظرت إلى قدر بتمعن وقالت:
_يلا يابنات المأذون تحت.
فقالت أميرة بمرواغة:
_مش هتقولي رأيك في قدر.
أخفت ألفت إعجابها الشديد بها وقالت:
_عادي، حلوة، يلا بقا بلاش تضيع وقت، الموضوع واقف على توقيعها.
ربتت أميرة على كتف قدر وهبط جميعهم للأسفل.
جلست قدر وجاءوا لها بالدفتر، واخذت تمضي وتبصم على أوراقه، وكأي أم مصرية أطلقت ألفت الزغاريد.
جذبت أميرة شقيقها وقالت:
_ يا ابني اقعد هنا جمب عروستك عاوزة أصوركم مع بعض.
فجلس علاء بجانبها ووضع يده محاوطاً كتفها فنظرت هي له بدهشة وخجل فغمز هو بعينه لها، وألتقطن لهما أميرة ووصال الكثير من الصور، ومر الكثير من الوقت والسعادة تغمر وجوههم في جو مليئ بالبهجة.
تحدثت ألفت قائلة:
_يلا ياعلاء خد عروستك واطلعوا.
وقفت قدر مرتبكة حائرة، وارتجف جسدها أثر أحتضان كفه كفها.
وصعد بها للأعلى.
توقفت هي بمنتصف الغرفة، لا تعلم ما الذي عليها فعله، بينما توجه هو لخزانة الملابس أخرج منها ملابس بيتية مريحة مع منشفة وقال وهو يخطو متوجهاً للمرحاض:
_في هدوم ليكي في الدولاب تقدري تغيري.
ألقى جملته تلك وتوجه للمرحاض، ولم يمضي الكثير بالداخل حتى خرج، وقع نظره عليها تقف بالشرفة، وتلبس عباءة بيتية ومازال حجابها على رأسها.
توجه لها ووقف بجانبها وقال:
_مش خايفة تاخدي برد.
ردت قدر بصوتٍ خفيض:
_الجو مش برد بالعكس جميل جداً.
غمغم علاء قائلاً:
_براحتك، ودلف للداخل وجذب حاسوبه من أعلى الطاولة وجلس على الأريكة.
وكانت قدر تسترق النظر إليه بين الحين والاخر.
مر حوالي النصف ساعة، حتى أستمعوا لصوت طرقات على الباب فاستقام علاء واقفاً وتوجه إليه ليجد العاملة أمامه ممسكة بصينية عليها الكثير من أصناف الطعام، وقالت :
_الست ألفت بعتت العشا ياعلاء بيه.
هز علاء برأسه وتناول منها الصينية فغاردت هي ووضع الطعام أعلى الطاولة الصغيرة التي كانت تتوسط الغرفة، وتوجه للباب مرة أخرى وقام بإغلاقه وتوجه للشرفة قائلاً:
_قدر، يلا عشان تاكلي.
تمتمت هي قائلة:
_لا ماليش نفس.
قبض على رسغها وسحبها للداخل وقال:
_يلا ياقدر، انتي مش عيلة صغيرة.
وقفت هي مكانها وقالت بتحدي:
_وهو اللي مش عاوز ياكل يبقا عيل.
_ آه هكذا قال وهو يبتسم بنظرة ماكرة.
فضربت على الأرض بقدمها كالأطفال وقالت:
_إنسان مستفز.
فرد هو بمرواغة:
_واهو أنا بحب استفزك، بتبقي جميلة وانتي متغاظة وهطقي كده.
هتفت قدر بحدة:
_لا ياشيخ.
قبض علاء على رسغها واجلسها بجانبه وقال:
_سيبك من كلام العيال ده وتعالي اقعدى.
تناولوا بعض اللقمات، وعادت العاملة مرة أخرى لتأخذ الصينية، وبعض وقتٍ طويل كان علاء منشغلاً بحسوبة، وقدر تتنقل على تطيبقات هاتفها بعشوائية، توجه هو واغلق الأضواء إلا ضوء خافت كان ينير الغرفة وقال بهدوء:
-خدي راحتك، أنا هنام مكاني هنا.
هزت هي رأسها عدة مرات وبعد دقائق معدودة اعتدلت فراشها ناظرة إليه وهو يوليها ظهره فقالت:
_علاء أنت نمت.
اعتدل علاء قائلاً:
_لأ لسة ياقدر، محتاجة حاجة.
قالت بتوتر تجلى في نبرتها:
_كنت محتاجة اقولك على حاجه حصلت وقت الحريقة.
رد هو بتريث:
_قولي سامعك.
قصت له مجيئ سيد وتهديده، فقال هو:
_عارف.
تعجبت هي قائلة:
_عارف إيه؟!
رد علاء:
_كل ركن هنا فالبيت في كاميرا إلا الغرف طبعاً، وقاسم شاف سيد وهو خارج وهو دلوقتي خد جزاته.
ردت هي بدهشة اعتلت ملامحها:
_طيب وإيه اللي حصل.
أولى لها ظهره وقال:
_نامي ياقدر الصبح نبقا نحكي.
في إحدى المخازن القديمة.
يتواجد سيد على كرسيًا مربوط الأيدي والأقدام بوجه مليئ بالكدمات ويأن من الألم.
اقترب منه أحد الشباب الذين يحرسونه كي لا يهرب وبيده إناء مليئ بالماء فقام بسكبه على كامل جسده لينتفض الأخر صارخًا وقال:
_فكوني، لو رجالة بجد فكوني والله لندمكم.
رد الشاب عليه ساخراً:
_أنت كمان فيك حيل تنطق ده علاء بيه مخلاش فيك حتى سليمة.
رد سيد قائلاً بشر:
_والله لقتله، واشرب من دمه، واحرق قلبه عليها.
رد الاخر قائلاً:
_أنت أخرك تهديد بس، ولا هتقدر تعمل حاجه.
خرج صوت سيد ضعيف وهو يردد:
_مش هسيب حقي، هقتله.
فتركه الشاب، متوجها إلى رفاقه.. وهو يقهقه متهكمًا.
"في الصباح"
عمت الزغاريد المندلعة من جوف ألفت و أم نور تسير خلفها وهي تحمل صينية بها طعام للعروسين، نقرت على الباب عدة مرات، وبالداخل انتفض علاء الذي كان نائم أعلى الأريكة واستقام واقفاً، وفاقت ايضاً قدر واعتدلت في جلستها وكادت ان تقوم، حتى اشار علاء بيده وهو يقول:
_خليكي زي ما انتي أنا هشوف في إيه.
توجه للباب وقام بفتح، فتحة صغيرة ومر منه واغلقه بيده، وما ان رأته ألفت حتى عانقته قائلة:
_ألف مبروك ياحبيبي.
غمغم علاء بصوتٍ ناعس:
_الله يبارك فيكي يا أمي.
نظرت ألفت للباب قائلة:
_فين عروستك.
_"نايمة" هكذا تمتم علاء بخفوت.
هزت هي رأسها بتفهم قائلة:
_جبنالكم الفطار، قلت عروسة ولسة أول يوم، خليها تاكل في أوضتها.
أخذ علاء الطعام من يد العاملة وقال على عجل وهو يدلف للداخل:
_طيب يا أمي متشكر ليكي.
ما ان رأته قدر حتى قالت:
_انا هقوم أخد شاور الأول.
هز هو رأسه بنعم، ولم يمضي الكثير حتى خرجت، فأخذ هو يتفحصها بنظره، نزعت المنشفة من فوق رأسها لتهبط خصلاتها السوداء تحاوط وجهها، وألتقطت فرشاة الشعر من أعلى الطاولة ، فاستقام هو وخطا بإتجاهها، وما ان رأته يقترب منها من خلال المرآه تركت الفرشة، واستدارت وتلاقت أعينهم لثواني ومد يده هو ملتقط المنشفة من أعلى الطاولة وقال:
_هدخل اتشطف.
استعادت هي وعيها وهزت رأسها ومر هو من أمامها وما ان أغلق الباب، حتى وضعت يدها أعلى قلبها وقالت بهمس:
_دقاتك زادت ليه ياقلبي، مش خايف يكون فخ، واسترسلت قائلة بما تشعر.:
" عيناك وطن تعانقني كلما نظرت لك"
"في منزل عائلة علاء"
وقف قاسم يودع الجميع فحان وقت رحيله، والعودة إلى دياره.
تحدثت ألفت قائلة:
_ يابني خليك معانا كام يوم.
رد قاسم قائلاً:
_مقدرش اتأخر على الجماعة في البيت أكتر من كده، وهستناكم في زيارة لينا.
تنهدت ألفت بقلة حيلة وقالت:
_توصل بالسلامة يارب يابني.
صافحهم قاسم وجاء عند وصال قائلاً:
_أتشرفت بمعرفتك يا انسة وصال، ومتزعليش لو كنت رخمت عليكي في الأول.
اجابت وصال بخجل قائلة:
_مفيش مشكله، توصل بالسلامة ان شاء الله.
شاكسها قائلاً:
_يعني بتتكسفي زي البنات أهو.
رمقته بغضب ولم ترد عليه فابتسم هو ضاحكاً.
عند نجلاء عاودت الإتصال عدة مرات على سيد ولكن لما يأتيها الرد فألقت هاتفها بـ إهمال على فراشها وقالت بحدة:
_الغبي معرفش ماله، مش بيرد ليه.
دلف ايمن للغرفة وقال:
_وياتري مين هو الغبي ده اللي مش بيرد على مراتي.
ردت هي بتوتر قائلة :
_دي، دي صحبتي، وأنا كنت اقصد غبية يعني.
اقترب أيمن منها بهدوء وجذب كفيها وقال:
_عارفة ياحبيبتي أنا ناوي علي إيه.
غمغمت هي بملامح قلقة:
_إيه؟!
اجابها هو:
_خلاص قررت اني أمضي وصال على كل أملاكها، وأول حاجه هعملها، هنقلهم على أسمك.
ابتسمت نجلاء بسعادة قائلة:
_أنت بتتكلم جد يا أيمن.
رد أيمن وقال:
_بجد ياروح أيمن، خلاص كلها أيام وكل حاجه تنتهي.
ضيقت عينيها قائلة بشك:
_وأنت إزاي بقا هتخلي وصال تمضي، أنت أصلاً عرفت مكانها فين.
رد أيمن قائلاً:
'أيوة ياحبيبتي عرفت، هي دلوقتي فاسكندرية، أنا لما سافرت كنت عندها واعتذرت منها وقولتلها إني عليا ديون وخلاص الورق بيجهز وهتمضي عليه وتبعته.
عانقته نجلاء وقالت بسعادة:
_حقيقي أنا بحبك جداً يا أيمن.
تبسم أيمن بسخرية وهو يحاوطها بيده.
"في منزل سامح"
أخذ يلقي كل ما يقابله أمامه وهو يقول بعصبية:
_الحيوان قدر يوقعني أنا في فخه، والله لوريك يا علاء.
وعاد بذاكرته للوراء متذكراً ما حدث معه في نهار اليوم.
"كان في مكتب شركته، عندما أتاه اتصال من وداد، فـ رد فوراً وقال:
_أهلاً ست وداد، خير.
ردت وداد قائلة:
_إيه ياسامح بيه ليك كام يوم ناسيني.
رد سامح بضيق قائلاً:
_أخلصي عاوزة إيه.
ردت وداد قائلة:
_عندي بنت إنما إيه صاروخ، وقلت دي مش هتكون غير للباشا.
رد هو بجفاء قائلاً:
_هبعتلك عماد ياخدها.
ردت هي بلهفة قائلة:
_لا يباشا أخاف البنت تهرب، تعالى أنت البنت تستاهل هبعتلك صورتها.
غمغم بهدوء:
تمام.
أغلق المكالمه ليصدر رنين هاتفه معلناً عن وصول رسالة وما كانت إلا صورة لتلك الفتاة.
اخذ يتمعن النظر وثم همس بأعجاب قائلاً:
_لا تحتاج المخاطرة.
استقام واقفاً و أخذ هاتفه ومفاتيح سيارته وغادر لـ منزل وداد.
لم يمضي الكثير حتى وصل إلى هناك هبط من سيارته وصعد للأعلى، طرق على الباب وفتحت له وداد قائلة:
_أهلاً ياسامح بيه.
رد سامح بجمود قائلاً:
_هي فين.
اجابته وهي تؤشر على أحد الغرف:
_جوة يباشا.
دلف سامح للداخل ووجد فتاة جالسة على الفراش وقال وهو ينزع جكت بدلته :
_أخلصي يابنت هو أنتي هتعملي فيها شريفة.
ردت الفتاة بدهشة قائلة:
_انت مين أصلا.
ألقاها على الفراش وهو يقول:
_هقولك دلوقتي.
صرخت الفتاة بقوة وهي تحاول إبعاده، وتركها منتفضًا بعدما استمع لصوت صفير سيارات الشرطة.
خرج سريعاً من الغرفة وقابلته وداد قائلة:
_أطلع لفوق يباشا بسرعة.
خرج سامح من الشقة وصعد للأعلى، واقتحمت الشرطة الشقة التي كان في مقدمتهم علاء، وخرجت بعد قليل والفتاة معهم، كان سامح ينظر من الأعلى لكي يضمن أنهم غادروا ، حتي خرج بالأخير علاء ونظر للأعلى وغمز له بعينه.
أخرجه رنين هاتفه من شروده فألتقطه قائلاً:
_الو في أي جديد.
رد الجهة الأخرى قائلاً:
_لسة قعدين في العمارة يابيه.
تحدث سامح بصوتٍ غليظ:
_خليك مكانك أي حركة تحصل تبلغني تمام.
الرجل:
_تمام يابيه.
أنهى سامح المكالمة، وجاء برقم أحدهم وقام بالاتصال به انتظر الرد حتى استمع للجهة الأخرى وهو يقول:
_أهلاً سامح بيه أؤمرني.
رد سامح بجمود قائلاً:
_في واحد مزعلني أوي يا عدلي اليومين دول ومحتاج له قرصة ودن.
رد المدعو عدلي قائلاً:
_لا إلا اللي يزعلك يباشا، أنا ممكن أخلص لك عليه.
هتف سامح سريعاً:
_عاوزه عايش يا عدلي، ده محتاج يستوي على ناري هادية.
رد عدلي:
_من عيني يباشا، ابعتلي صورته وقولي أمتى التنفيذ.
غمغم سامح بغل قائلاً:
تمام.
"في منزل عائلة علاء"
تحدثت ألفت قائلة:
_ يابني خليك معانا كام يوم.
رد قاسم قائلاً:
_مقدرش اتأخر على الجماعة في البيت أكتر من كده، وهستناكم في زيارة لينا.
تنهدت ألفت بقلة حيلة وقالت:
_توصل بالسلامة يارب يابني.
صافحهم قاسم وجاء عند وصال قائلاً:
_أتشرفت بمعرفتك يا انسة وصال، ومتزعليش لو كنت رخمت عليكي في الأول.
اجابت وصال بخجل قائلة:
_مفيش مشكله، توصل بالسلامة ان شاء الله.
شاكسها قائلاً:
_يعني بتتكسفي زي البنات أهو.
رمقته بغضب ولم ترد عليه فابتسم هو ضاحكاً.
"في منزل سامح"
أخذ يلقي كل ما يقابله أمامه وهو يقول بعصبية:
_الحيوان قدر يوقعني أنا في فخه، والله لوريك يا علاء.
وعاد بذاكرته للوراء متذكراً ما حدث معه في نهار اليوم.
"كان في مكتب شركته، عندما أتاه اتصال من وداد، فـ رد فوراً وقال:
_أهلاً ست وداد، خير.
ردت وداد قائلة:
_إيه ياسامح بيه ليك كام يوم ناسيني.
رد سامح بضيق قائلاً:
_أخلصي عاوزة إيه.
ردت وداد قائلة:
_عندي بنت إنما إيه صاروخ، وقلت دي مش هتكون غير للباشا.
رد هو بجفاء قائلاً:
_هبعتلك عماد ياخدها.
ردت هي بلهفة قائلة:
_لا يباشا أخاف البنت تهرب، تعالى أنت البنت تستاهل هبعتلك صورتها.
غمغم بهدوء:
تمام.
أغلق المكالمه ليصدر رنين هاتفه معلناً عن وصول رسالة وما كانت إلا صورة لتلك الفتاة.
اخذ يتمعن النظر وثم همس بأعجاب قائلاً:
_لا تحتاج المخاطرة.
استقام واقفاً و أخذ هاتفه ومفاتيح سيارته وغادر لـ منزل وداد.
لم يمضي الكثير حتى وصل إلى هناك هبط من سيارته وصعد للأعلى، طرق على الباب وفتحت له وداد قائلة:
_أهلاً ياسامح بيه.
رد سامح بجمود قائلاً:
_هي فين.
اجابته وهي تؤشر على أحد الغرف:
_جوة يباشا.
دلف سامح للداخل ووجد فتاة جالسة على الفراش وقال وهو ينزع جكت بدلته :
_أخلصي يابنت هو أنتي هتعملي فيها شريفة.
ردت الفتاة بدهشة قائلة:
_انت مين أصلا.
ألقاها على الفراش وهو يقول:
_هقولك دلوقتي.
صرخت الفتاة بقوة وهي تحاول إبعاده، وتركها منتفضًا بعدما استمع لصوت صفير سيارات الشرطة.
خرج سريعاً من الغرفة وقابلته وداد قائلة:
_أطلع لفوق يباشا بسرعة.
خرج سامح من الشقة وصعد للأعلى، واقتحمت الشرطة الشقة التي كان في مقدمتهم علاء، وخرجت بعد قليل والفتاة معهم، كان سامح ينظر من الأعلى لكي يضمن أنهم غادروا ، حتي خرج بالأخير علاء ونظر للأعلى وغمز له بعينه.
أخرجه رنين هاتفه من شروده فألتقطه قائلاً:
_الو في أي جديد.
رد الجهة الأخرى قائلاً:
_لسة قعدين في العمارة يابيه.
تحدث سامح بصوتٍ غليظ:
_خليك مكانك أي حركة تحصل تبلغني تمام.
الرجل:
_تمام يابيه.
أنهى سامح المكالمة، وجاء برقم أحدهم وقام بالاتصال به انتظر الرد حتى استمع للجهة الأخرى وهو يقول:
_أهلاً سامح بيه أؤمرني.
رد سامح بجمود قائلاً:
_في واحد مزعلني أوي يا عدلي اليومين دول ومحتاج له قرصة ودن.
رد المدعو عدلي قائلاً:
_لا إلا اللي يزعلك يباشا، أنا ممكن أخلص لك عليه.
هتف سامح سريعاً:
_عاوزه عايش يا عدلي، ده محتاج يستوي على ناري هادية.
رد عدلي:
_من عيني يباشا، ابعتلي صورته وقولي أمتى التنفيذ.
غمغم سامح بغل قائلاً:
تمام.
رواية قدر و وصال الفصل الثالث عشر 13 - بقلم هدير ممدوح
في الصباح استيقظت قدر على صوت صادر من بطنها فمسحت عليها قائلة:
_أنا جعانة أوي، هقوم أشوف إيه اللي في التلاجة دي، بس أما أغير الأول.
أزاحت الغطاء من عليها واستقامت واقفة، وتوجهت إلى خزانة الملابس واخذت تبحث بينها عن عباءة ساترة فلم تجد غير بجايم، انتقت واحدة منهم ذات أكمام طويلة، وتوجهت للمرحاض، خرجت بعد قليل ومشطت شعرها وعقصته على هيئة كعكة وذهبت للمطبخ، فتحت الثلاجة ونظرت بين الأطعمة لتخرج طبق به قطع من اللانشون وآخر به أحد أنواع الجبن، وأخرجت معهم البيض الذي قامت بقليه.
تقدم علاء منها ببطء ووقف خلفها، مد يده وأخذ قطعة من الجبن وقال:
_صباح الجمال.
شهقت هي بفزع حتى كادت أن تسقط للوراء، فأمسك بيدها قائلاً بمراوغة:
_أوعي تقعي، وسلامتك من الخضة يا جميل.
أفلتت يده عنها وقالت:
_الأكل ده ليا، متمدش إيدك عليه.
داعب علاء أنفها بأصبعه وقال:
_عشان تصدقي لما أقول عليكي عيلة، ده أنتي جواكِ طفلة عندها تلات سنين.
كلماته وملطفته لمست جزء بقلبها حتى كادت أن تخرج منها ابتسامة، ولكن سرعان ما عادت ملامحها الجامدة وقالت وهي تحمل طبقين:
_هات البيض وتعالى ورايا.
أجاب هو قائلاً:
_من عيوني.
قاموا برص الأطباق فوق الطاولة وعاد هو مرة أخرى للمطبخ، فجلست هي ولم تبالي بأمره. جاء بعد قليل وهو يحمل كأس من الحليب وبيضتان، جلس مقابلها وقام بكسر البيض على الحليب وتقليبه وقال:
_مش بعرف أبدأ يومي من غير مشروبي المفضل.
رمقته قائلة:
_يا أخي إيه القرف، ده أنا قربت أرجع، هو أنت بجد هتشرب ده؟
رد علاء قائلاً:
_أنتي هبلة، ده كالسيوم يعني مفيد جداً.
وأمسك الكأس ورفعه لفمه وشربه على مرة واحدة، وترك الكوب من يده قائلاً:
_صحة يا ولد يا علاء.
ونظر لها وهو يقول:
_مالك قرفانة كده ليه؟ ما تاكلي.
غمغمت قدر بإشمئزاز:
_هو حد دلوقتي ليه نفس ياكل، بعد العملة دي.
رد علاء ساخراً:
_كُلي ياقدر، كُلي ياحبيبتي.
أجابته هي بغيظ:
_أنا مش حبيبة حد.
أجابها بعند قائلاً:
_لأ، حبيبتي، ومراتي وأم أولادي.
أمسكت هي بالخبز وقطعته وهي ترمقه بغيظ، فأبتسم هو بنصر.
***
بمنزل سامح، كان جالسًا بصالون منزله واضعًا ساقه فوق الأخرى، وجاء عماد وهو يسحب وداد من يدها وألقاها بجانب قدمه وقال:
_أهي يباشا.
رد سامح قائلاً:
_برافو عليك يا عماد، تقدر تروح أنت دلوقتي وليك عندي مكافأة.
أومأ عماد برأسه وانسحب مغادرًا. بينما شرعت وداد في البكاء وقالت برجاء وهي تتمسك بقدمه:
_أنا مش عارفة أنت جايبني هنا ليه، أنا عملت إيه بس يباشا.
دفعها سامح بقدمه بازدراء وقال:
_مش عارفة عملتي إيه ياروح أمك، كل اللي حصل ده كان لعبة من علاء، صح ولا لأ؟
ردت وداد قائلة:
_محصلش يباشا، أنا إيه اللي عرفني إن الشرطة كانت هتيجي يعني.
أجابها سامح بغضب:
_أهو أنا دلوقتي اتأكدت، بقولك علاء، تقوليلي شرطة، كده اللعب بقى على المكشوف، هتحكي كل حاجة عندك، ولا أخلي رجالتى يرموكي لكلاب السكك تنهش في جثتك ده بعد ما أخلص عليكي.
دب الرعب في ثنايا قلبها وهزت رأسها عدة مرات قائلة:
_هقول يباشا هقول، بس بلاش تسلمني لرجالتك.
غمغم سامح بجمود:
_ها سامعك.
أجابت وداد قائلة:
_جه عندي وسألني الأول عن إن كانت واحدة هنا اسمها سامية، وقولتله أيوه، وبعدين سألني عن قدر ووصال، قولتلُه معرفهمش، بس لما وراني بطاقته وعرفت إنه ظابط وتحت إصراره قولتله كل حاجة حتى عنك.
صمتت قليلاً تلتقط أنفاسها واسترسلت قائلة:
_وبعدين اتفق معايا نعمل خطة.
تعجب سامح وقال بغلظة:
_خطة إيه دي.
ابتلعت ريقها خوفًا منه وخرجت الكلمات دفعة واحدة من جوفها قائلة:
_هو اللي جاب البنت، وقالي اتصل بيك وكان حاطط كاميرا في الأوضة عشان يبين إن الموضوع كأنه اغتصاب.
قبض سامح على خصلات شعرها وصاح بغضب قائلاً:
_بقى بتستغفلوني أنا، سامح مدكور يتغفل، ماشي والله لأوريكم.
ونادى بصوتٍ عالٍ:
_عماد، يا عماد.
بوجهٍ احتلّه الخوف أصبحت تتوسله قائلة:
_أرجوك يباشا أبوس إيدك سيبني، والله خفت منه يابيه أرجوك.
جاء عماد، فالقاها سامح عليه قائلاً:
_خدها على المخزن خلي الرجالة تعلموها الأدب، وبعدين أبقى ارميها قدام أي مستشفى.
رد عماد وهو يسحبها خلفه قائلاً:
_أوامرك يا سامح بيه.
ولم يلبث صراخها أن رج أركان القصر رجًا.
***
جالس وائل أمام مكتب مجدي وأعلى الطاولة الفاصلة بينهما حقيبة سوداء. تحدث وائل قائلاً:
_أنا واثقت فيك يامجدي بيه وده مبلغ خمس ملايين، رغم إنه الفلوس دي مش ليا لوحدي دي بتاعتي أنا وواحد صاحبي.
هز مجدي رأسه وقال وهو يجذب الحقيبة أمامه:
_متقلقش يا وائل حقك مضمون، وكمان كام يوم نكلمك ونبلغك بربحك.
استقام وائل واقفًا وهو يقول:
_ماشي يباشا وأنا هستنى اتصالك.
انتظر مجدي خروج وائل من مكتبه ليقوم بالاتصال بـ أيمن. أتاه صوت أيمن قائلاً بلهفة:
_قولي بسرعة، وائل وافق.
رد مجدي قائلاً:
_كله تمام ياصاحبي وفلوسك في الحفظ والصون، تقدر تيجي تاخدها.
شقت السعادة وجه أيمن وقال:
_مخيبتش ظني يامجدي، لما طلبت منك تساعدني معروفك ده عمري ما هنساه.
ابتسم مجدي قائلاً:
_الصحاب لبعضها يا أيمن، ويلا بقى هستناك تيجي تشرب القهوة في مكتبي.
رد أيمن:
_مسافة السكة ياصاحبي وأكون عندك.
***
عند قدر، كانت واقفة أمام الحوض تجلي الأطباق، فتقدم علاء منها وأخذ يشطف طبقًا تلو الآخر، فقالت هي عندما رأته:
_ممكن تروح تقعد، وأنا هعمل حاجتي بإيدي.
رد هو قائلاً:
_واحد وبيساعد مراته مالك أنتي.
أجابت قائلة:
_أصلًا خلاص، خلصت.
قرص وجنتها وقال:
_تسلم إيدك يا جميل على قهوة بعد الفطار، مش هتقوليلي عملاها إزاي.
مرت من أمامه سريعًا وقالت:
_لأ، مش هقول.
فجذب رسغها وقال:
_طيب استنى تعالي، تعالي نتوضا.
أجابت هي بحنق:
_لسة فاضل ساعة على الظهر.
أجابها علاء مبتسمًا:
_ياستي هنتوضأ ونفضل نقرأ قرآن شوية، وبعدين أنا محتاج حد يسمعلي، إيه رأيك.
ردت قدر قائلة:
_أنت بتحفظ قرآن؟
قال علاء:
_أيوه وخلاص فاضل جزئين وهختم.
فأجابت قائلة:
_تمام يلا.
جلسوا مقابل بعضهم بعد الوضوء، وأخذ علاء يرتل آيات الذكر الحكيم بصوت عذب. وسرحت هي قليلاً، فهذا ما كانت تتمناه دومًا، شخص قوي تجد معه الأمان حافظ لكتاب الله، فهل تتحقق أحلامها رويدًا رويدًا، أم أن كل ما تعيشه الآن مجرد فترة من حياتها وستنتهي.
أفاقت على صوته عندما قال:
_إيه يابنتي روحتي فين أنا نسيت باقي الآية.
ردت هي قائلة:
_كنت بفكر، ياترى هيجي يوم وهفرح وأعيش الحياة اللي بتمناها.
جذب يدها وقبلها برفق وقال:
_أوعدك كل اللي جاي هيكون سعادة وبس، بس في كام عقبة في طريقنا وهنتخطاهم مع بعض.
جذبت يدها وغمغمت بخجل اكتسى ملامحها:
_تمام، تمام.
ابتسم ضاحكًا على مظهرها وهو يقول:
_طيب يلا نكمل، واه صحيح نسيت أقولك بكرة رهف هتنزل المدرسة أنا ظبطت كل الأمور.
شكرته براحة وصدر رحب:
_متشكرة ياعلاء، أنا فعلاً كنت خايفة السنة تضيع عليها.
رد علاء بصدق نابع من قلبه:
_أنا جوزك ياقدر، مفيش بينا شكر، ومن بعد النهاردة أنا سندك وقوتك وعكازك، ميلي بكل همومك ومشاكلك عليا، وأوعدك إني هكون في ضهرك.
أسبوع، مر أسبوع كامل مع بعضهم، أصبحت تعرف عنه الكثير، ما يحب، ما يكره، أشياءه المفضلة، وكم راق لها سعيه لمراضاتها، كلماته الحنونة الدافئة كانت تغمرها من كل جانب، تجعلها تشعر بأنها طفلة صغيرة يدللها والدها، وكأنها ولدت من جديد.
***
واقفة بالشرفة تنتظر مجيئه تتلوى بنيران الشوق والهوى، النوم جفى عينيها والفؤاد بات خاليًا من كل شيء إلا هو. زفرت بعمق قائلة وهي تنظر للسماء:
_يارب رجعه ليا بخير وسلامة.
وتذكرت مغادرته قبل ساعات وهو يقف أمامها وقال وكأنه يودعها: "ادعيلي ياقدر عندي مهمة، ولو مرجعتش ابقي سامحيني، وأسف على كل دمعة نزلت من عينك بسببي". وقبل جبينها وغادر.
سقطت دمعة دون أن تشعر فأزاحتها بطرف حجاب أسدلها، فمنذ قليل كانت تصلي وتتضرع لله بأن يكون بخير.
رأته يهبط من سيارته السوداء فشقت البسمة طريقًا لوجهها، كانت تود أن تركض وتعانقه. رفع هو نظره للأعلى وابتسم عندما رآها، وعلى حين غفلة منهم تقدم منه شبان بموتوسيكل على وجوههم قناع. أخرج واحد منهم سلاحه ورأته قدر من الأعلى وصرخت باسم علاء، فأستدار هو إلى الوراء، وبسرعة البرق خرجت رصاصة من سلاح الآخر وأصابته.
صرخت قدر بذعر وركضت للخارج، نظرت للمصعد، فظهر بأنه يتواجد أحد به، فركضت تهبط على درجات السلم، حتى توقفت أسفل العمارة. هبطت لمستواه ووضعت رأسه أعلى قدمها وقالت بصوت ممزوج بالبكاء:
_علاء، علاء أنت كويس.
أجاب هو بصوت ضعيف:
_كويس إزاي بس ياقدر، وأنا واخد طلقة في كتفي.
أزاحت دموعها وقالت:
_استنى هوقف عربية، ونروح المستشفى.
هز رأسه وقبل أن تقف، جذب يدها قائلاً:
_قدر مسامحاني.
هزت رأسها عدة مرات وأردفت:
_أيوه ياعلاء.
استقامت واقفة، حتى مرت سيارة أجرة أمامها فأوقفتها، وهبط السائق لمساعدتها ودلف علاء داخل السيارة وهو يئن بصوت ضعيف ورأسه على كتف قدر، وانطلقت بهم السيارة.
***
بالمكان المتواجد به سيد، صرخ أحد الحراس لأصدقائه وهو يقول:
_إزاي قدر يهرب ده علاء بيه هيطين عشتنا.
رد الآخر قائلاً:
_قالي عاوز أدخل الحمام فكيته، وفضلت مستنيه لما يخرج، ولما طول دخلت ولاقيته هرب من الشباك.
سبه الرجل وقال:
_هنعمل إيه دلوقتي أحنا لازم نبلغ علاء بيه.
رد الآخر قائلاً:
_كلمه أنت يا عم أنا ماليش في الموضوع ده.
هز رأسه وأخرج هاتفه من جيب بنطاله، وجاء برقمهم، انتظر قليلاً فلم يرد. عاود الاتصال عدة مرات وأيضًا لم يأتيه رد، فقال الرجل:
_مش بيرد.
رد الآخر:
_إيه العمل دلوقتي.
أجابه قائلاً:
_مفيش حل غير، إننا نستنى لبكرة، وأكيد سيد ده بعد عن هنا.
أومأ الرجل برأسه وصمت.
***
عند سامح، رن هاتفه فأجاب وقال بلهفة:
_أيوه يا عدلي عملت إيه.
رد عدلي قائلاً:
_كله تمام يباشا، الإصابة في كتفه.
رد سامح ببسمة انتصار:
_كويس جدًا هبعتلك حسابك.
***
في المستشفى، تم إسعاف علاء وقدر بالخارج تنتظره. مر ما يقارب الساعة حتى وجدت الطبيب يخرج فتوجهت قائلة بلهفة:
_هو كويس يادكتور طمني.
أجاب الطبيب بعملية:
_الإصابة كانت في الكتف، وتم استخراج الرصاصة، وحالته دلوقتي مستقرة.
أجابت بلهفة تجلت في نبرتها:
_عاوزة أشوفه.
أجاب الطبيب:
_هيتنقل لأوضة عادية تقدري تشوفيه.
قال جملته ومر من أمامها. بعد قليل كانت جالسة قدر أمام فراشه، ونائم هو أثر البنج. مضى الكثير من الوقت حتى استيقظ هو ونظر بجانبه ليجدها جالسة على كرسي نائمة، فابتسم بسعادة. سقط كف يدها من أسفل رأسها فأستيقظت. نظرت له وقالت:
_علاء أنت صحيت، أنت كويس صح.
رد هو قائلاً:
_أنا بخير ياحبيبتي.
أجابته هي:
_طيب أندهلك الدكتور، وكمان كنت عاوزة أبلغ مامتك بس استنيتك لما تصحى.
غمغم علاء بخفوت:
_لأ أنا كويس ياقدر، ومفيش داعي نبلغهم بكرة أما نخرج هنرجع البيت.
ودلفت بعد قليل الممرضة، قاست ضغطه وحرارته، وقامت بتحريك يده لتطمئن على صحته أكثر. تحدثت قدر بقلق تجلى في نبرتها قائلة:
_في أي مشكلة، هو بخير صح.
الممرضة بجدية:
_بخير جدًا اطمني حضرتك.
واستأذنت للخروج وذهبت. مر اليوم دون أي أحداث، وفي الصباح، استيقظ علاء أولاً واعتدل في جلسته ونادى باسم قدر عدة مرات فاستيقظت وردت بنعاس قائلة:
_أيوه ياعلاء في حاجة وجعاك.
أجاب علاء قائلاً:
_أنا بخير، بس قومي يلا روحي، غيري هدومك متقعديش كده.
ردت هي بعند قائلة:
_لأ طبعًا مش هسيبك، هنروح سوا.
قال علاء:
_الممرضة جت وإنتي نايمة وقالت هطلع النهاردة على المغرب، فانتي غيري وارتاحي شوية وجهزي لنا فطار وتعالى.
استقامت واقفة تحت إصراره وقالت:
_تمام ماشي.
فقال علاء قبل رحيلها:
_هو تليفوني فين.
كان الهاتف أعلى الطاولة ومعه محفظته، فأخذتهم وقالت وهي تعطيهم له:
_أهوم عطوهم ليا لما كنت في العملية.
أخذه من يدها وقال:
_تليفونك معاكي.
نفت قائلة:
_لأ أول ما شوفتك نزلت على طول.
أخرج النقود من محفظته وناولها لها وقال:
_تمام خدي الفلوس دي عشان تركبي منها.
أخذتهم على مضض وغادرت الغرفة والمشفى بأكملها.
***
بعد قليل، دلف شاب لغرفة علاء وقال مازحًا وهو يصافحه:
_ألف سلامة عليك يا وحش، قولي مين علم عليك.
رد علاء بحنق:
_وانا مين يقدر يعلم عليا يالا.
رد صديقه قائلاً وهو يسحب الكرسي ويجلس أمامه:
_مقدرتش تعرف مين اللي عمل كده.
ضيق علاء عينيه قائلاً:
_مشوفتش اللي ضرب، بس عارف مين اللي باعتهم يا شهاب.
رد شهاب قائلاً:
_مين؟
أجاب علاء قائلاً:
_سامح المدكور هو الوحيد اللي يقدر يعمل كده.
***
وصلت قدر إلى العمارة التي كانت بالقرب من المشفى، صعدت للأعلى ودلفت لشقتها. قامت بتبديل الملابس، ودلفت للمطبخ وشرعت بإعداد الفطور. قامت بسلق البيض وأخذت زجاجة من الحليب ووضعت الأطعمة داخل أحد العلب، وتوجهت لخزانة ملابس علاء وأخرجت له ملابس وضعتهم بكيس، وتركتهم جانباً وتوجهت لغرفتها. أمسكت بهاتفها، وكانت ستغادر لولا رنين هاتفها معلنًا عن وصول رسالة على تطبيق الواتساب، ضغطت على شاشته واتسعت عينيها وهي ترى شقيقتها الصغرى مقيدة على كرسي من الخشب مغمضة العينين ويبدو بأنها مخدرة. هبطت دموعها وارتجفت أوصالها. رن هاتفها بنفس الرقم المرسل منه الرسالة فأستقبلت المكالمة سريعًا وقالت بلهفة:
_ألو.
جاءها صوته الذي تبغضه بشدة وهو يقول:
_ياه صوتك جميل بشكل، بس إيه شكلك معيطة.
ردت بخفوت:
_سيد.
أجاب سيد قائلاً بحدة:
_اسمعي بقا ياحلوة هبعتلك عنوان تيجي عليه، وأوعي تبلغي جوزك، وإلا هتلاقي أختك الحلوة دي مقتولة بأبشع طرق، لأن اللي معرفتش أخده منك هاخده منها.
أغلق الهاتف بوجهها وانهارت هي على الأريكة خلفها وخوف عظيم دب في ثنايا قلبها. رن هاتفها بوصول رسالة والتي كان مضمونها العنوان المرسل من سيد، فاستقامت هي واقفة وأزاحت دموعها. أخرجت رقم علاء واتصلت به عدة مرات ولكن بكل مرة يأتيها مغلقًا، فعزمت على كتابة رسالة له كان مضمونها: "علاء سيد خطف رهف وقالي إنه لازم أروحله وحذرني أقولك، وده العنوان، أنا مجبرة أروح عشان أختي".
***
عند علاء، غادر صديقه فنظر لهاتفه فوجده فاصل شحن. استمع لطرقات على الباب، فسمح للطارق بالدخول، وكانت الممرضة التي قالت بابتسامة:
_صباح الخير، إيه أخبار حضرتك النهاردة.
رد علاء قائلاً:
_بخير الحمدلله، مالقيتيش معاكي شاحن للتليفون ده.
نظرت الممرضة للهاتف وقالت:
_تمام عندي هجيبه لحضرتك دلوقتي، بس الأول خليني أقيس ضغطك.
أومأ علاء برأسه دون التفوه بشيء، وأدت الممرضة عملها وعادت بعد قليل أعطته الشاحن وغادرت مرة أخرى.
مر ما يقارب الساعة والنصف، وما زالت قدر في سيارة الأجرة فقالت للسائق:
_قربنا نوصل على العنوان.
رد عليها الرجل المسن قائلاً:
_أيوه يابنتي خلاص أهو، بس عاوز أقولك صعب تلاقي مواصلات وأنتي راجعة.
ردت قدر قائلة:
_مش مشكلة المهم أوصل.
صف الرجل السيارة بالقرب من مبنى لم يكتمل بنائه وقال:
_ده يابنتي المكان.
هزت وداد رأسها وأعطته الأجر المتفق عليه وركضت. توقفت قليلاً أمام ذاك المبنى تتفحصه، له ثلاث أدوار جميعهم لم يكتمل بنائهم فقط غطتهم طبقة من المحارة حتى السلم ليس له سور. لم تكترث للأمر وصعدت للأعلى. بحثت بالطابق الأول ولم تجد أحد. صعدت للثاني فوجدت بساحته شقيقتها مقيدة. توجهت لها سريعًا وقامت بفك اللاصق من أعلى فمها فبكت رهف وهي تقول:
_قدر عمو سيد حط منديل على بقي واغمى عليا وجابني هنا، أنا خايفة.
عانقت قدر بكفيها وجهها وقالت:
_متخافيش، هنمشي ياروحي.
واسرعت لفك وثاق أختها فأتاها صوت سيد قائلاً:
_جدعة وبتسمعي الكلام.
***
عند علاء، قام بفتح هاتفه ليجد العديد من المكالمات الفائتة من قبل قدر ورجاله وشقيقته. كاد أن يتحدث مع قدر أولاً فأتاه الاتصال من رجاله، تلقى المكالمة ليأتيه صوت الرجل قائلاً:
_علاء بيه سيد هرب، وأنا بحاول أتواصل معاك وتليفونك مقفول.
انتفض علاء من مجلسه وهو يقول:
_من امتى الكلام ده يا سعد.
سعد:
_من امبارح يا علاء بيه.
أغلق علاء المكالمة، وعاود الاتصال على قدر ولم يأتيه الرد. فأسرع للاتصال بشقيقته، ليأتيه صوتها القلق قائلة:
_أيوه يا علاء هي رهف عندكم.
رد علاء بدهشة:
_عندنا إزاي يا أميرة مش زمانها رجعت من المدرسة.
قالت أميرة بنبرة تجلى بها القلق:
_جوري رجعت بس هي لاء ولما سألنا في المدرسة قالوا مجتش.
دب الرعب في قلب علاء وعلم أن هناك شيئًا خطيرًا قادم. فتح بيانات هاتفه وعزم على إرسال رسالة لـ قدر، فتفاجئ هو برسالته.
رواية قدر و وصال الفصل الرابع عشر 14 - بقلم هدير ممدوح
مقيدة قدر على أحد الكراسي بجانب شقيقتها، وتذكرت ما حدث عندما جاءت.
"عودة للوراء"
كانت تفك قيد شقيقتها، في حين استمعت إلى صوته البغيض خلفها، يقول بغلظة:
_ جدعة ياحلوة، جيتي لوحدك.
وقبض على يدها مقيداً حركتها، حتى أجلسها رغماً عنها على المقعد المتواجد بجانب شقيقتها، وجاء بحبل سميك وقيد يدها وقدمها.
صرخت قدر قائلة:
_ سيبني ياسيد أحسنلك.
قال ساخراً وهو يقطع من الشريط اللاصق:
_ بقا يتقالي سيد حاف كده.
وضع على فمها اللاصق بقوة، وقال:
_ مسافة الطريق ياحلوة هجيب تذاكر سافرنا، ونمشي، من هنا ياجميل.
تركهم سيد وغادر، وبداخلها تدعو الله أن ينجيها.
"عند علاء"
ولج لمنزله، وما إن رأوه حتى فزعوا واقفين من مظهره. اقتربت ألفت منه قائلة:
_ علاء إيه الدم اللي على قميصك ده، وماله كتفك.
قال سريعاً وهو يمر من أمامهم:
_ مش وقته ياماما.
ذهبوا جميعهم خلفه، وتوقفت والدته أمامه قائلة:
_ يابني إيه اللي مش وقته دلوقتي، عاوزة أفهم في إيه.
صاح علاء بحدة خرجت رغمًا عنه من منبع قلقه قائلاً:
_ رهف وقدر اتخطفوا، وأنا انضرب عليا نار امبارح، ممكن تسبوني دلوقتي، عشان اعرف اتصرف.
صدمة احتلت وجوههم وشهقت وصال بفزع قائلة:
_ سيد اللي عمل كده.
قال علاء وهو يصعد درجات السلم:
_ أيوة.
بدل علاء ملابسه، ورن هاتفه فاستقبل المكالمة وقال:
_ أيوه ياشهاب جهزت الفريق.
أجاب شهاب مؤكدًا:
_ أيوة يا علاء كله جاهز.
علاء:
_ تمام أنا هطلع قدامكم، وانتو تعالوا ورايا على العنوان اللي بعته.
و أنهى علاء المكالمة دون انتظار رد من الجهة الأخرى، وهبط لأسفل تحت أنظار الجميع وقاد سيارته منطلقًا.
جلست وصال على الأريكة باكية ومسدت أميرة على كتفها بأعين تتلألأ بها الدموع وقالت:
_ متخفيش ياوصال علاء هيرجعها.
ردت وصال بصوتٍ ممزوج بالبكاء:
_ خايفة، يا أميرة خايفة، لا يكون فات الأوان، وسيد ده عملها حاجة، كل ما اقول خلاص الحياة هتضحكلنا، بتحصل حاجة في لمح البصر تمحي فرحتنا.
صاحت ألفت قائلة بحدة تجلت في نبرتها:
_ بطلوا عياط منك ليها، مالوش لازمة، قوموا نصلي ركعتين وندعيلها يلا.
هزوا الفتيات رؤسهن بنعم واستقاموا واقفين.
مرت ساعة، جالسًا علاء بسيارته، يقود بسرعة البرق، غير عابئ لشيء. ضرب قبضة يده على سيارته وقال بعصبية:
_ لسة كمان نص، بس والله لوريك ياسيد نهايتك على ايدي قربت.
عند قدر ورهف كانت تتفحص بنظرها المكان على أمل إيجاد شيء يخلصها بما هي فيه، أخذت دموعها تتساقط، من قلة حيلتها. بعد قليل جاء سيد وقال وهو بيده ثلاث أوراق:
_ بصي ياحلوة دول تذاكر سفرنا هنمشي وعلاء مش هيعرفلنا طريق.
تقدم منهم ليقف أمامهم، ونزع اللاصق من أعلى فمها فقالت قدر:
_ مش هتقدر تعمل حاجة ياسيد، لأني قبل ما اجي هنا بعت رسالة لعلاء فيها العنوان وخلاص زمانه على وصول مش هيرحمك.
ارتفع كف يده وهبط به على وجنتها، فصرخت هي بتأوه واستدار وجهها للجهة الأخرى من شدة اللطمة. نظرت إليه وقالت وهي تستفزه:
_ إنسان جبان، ده اخرك استقوى عليا زي ما انت عاوز بس صدقني مش هتلحق تعمل حاجة.
قبض سيد على فكها بقوة وقال بغضب:
_ فين نظرات الخوف اللي كنت بشوفها في عينيّ ها، فين قدر اللي مكنتش تقدر تفتح بقها بكلمة، دلوقتي بقيتي تستقوي بعلاء، أحسن مني في إيه هو عشان تحبيه قوليلي.
نزع يده بعدما تركت آثارها على وجهها وقالت:
_ أنت إنسان مريض، أولاً انت محرم عليا لأنك جوز امي والمفروض إنك زي أبويا لكن أنا كنت غبية عشان مقولتش لأمي على كل عاميلك، صدقني أنا ندمانة على كل لحظة كنت ضعيفة فيها، ياريت كانت ماما عايشة، كان زمانها هي بنفسها خلصت عليك.
قهقه سيد بسخرية وغمغم بإمتعاض:
_ بس مالحقتش، أصل أنا خلصت عليها قبل ما تخلص عليا، كنت عامل حساب اللحظة دي، وكمان زهقت منها هي كانت العقبة الوحيدة اللي فحياتي واتخلصت منها.
اعتلت الدهشة ملامح وجهها وقالت بجمود:
_ تقصد إيه بكلامك ده.
ابتسم بمكر وقرب وجهه من وجهها وقال بخفوت:
_ أمك أنا اللي قتلتها ياحلوة.
تمتمت قدر بصدمة:
_ إزاي قدرت تعمل كده، دي ماما كانت بتحبك أوي.
قال سريعاً:
_ عشان غبية، لأني محبتش ولا هحب غيرك.
هبطت الدموع من عينيها، وكل ذلك يحدث تحت أنظار رهف التي تبكي بصمت.
قالت قدر:
_ حرام عليك، أنت إنسان مريض، وأنا عندي استعداد، أموت نفسي على إني اكون تحت رحمتك لحظة واحدة.
رد سيد قائلاً:
_ وأنا عندي اقتلك بدل ما اشوفك مع حد غيري، والحكاية كلها مجرد دقايق كوباية عصير بسم نفس اللي جهزتها لمامتك وتحصليها.
استقام واقفاً وهو يخرج شيئًا من جيبه:
_ يلا بقا كده هنتأخر.
ردت هي بخوف احتل قلبها وقالت:
_ أي ده، دي حقنة إيه.
كسر هو الأمبول الذي بيده وسحب المادة وتوجه إليها قائلاً:
_ متقلقيش ياروحي ده مش سم، ده مخدر هيخليكي تنامي، لحد ما نوصل ما تخفيش كلها شكة دبوس، ومتقلقيش على أختك مش هديها عشان غلط على صحتها بس هضطر احطها في شنطة العربية عشان متعملش إزعاج على ما نوصل ياروحي، أنا مجهز كل حاجة.
أقترب منها وقبض على ذراعها، وحاولت هي التملص منه ولكنه نجح بحقنها بتلك المادة وقال:
_ مجبرين نستنى شوية على ما ياخد مفعوله، هنزل احط اختك في العربية وراجعلك ياجميل.
وبالفعل قام بفك وثاق رهف وحملها ووضعها بالسيارة بعدما قام بتقييد قدمها ويدها مرة أخرى.
وعاد للأعلى، كانت قدر تحاول عدم الاستسلام ولكنها كانت تشعر بدوار وشعور بالنعاس. فك هو قيد يدها، وهبط لمستوى قدمها وبعدما أحل وثاقها، وقبل أن يستقيم واقفاً؛ قامت هي بدفع قدمها لأعلى فاصابت وجهه فسقط هو للوراء متأوهًا، فركضت هي للأسفل، ولكنه عاد واقفًا وقال بتهديد:
_ حركة ذكية منك، بس فكرك كده هتهربي ده بعدك.
استدارت للخلف وهي تهبط درجات السلم لتجده بالقرب منها فصرخت عندما شعرت بيده تقبض على كتفها، فسقطت على درجة السلم، وجذبت حجارة صغيرة كانت ملقاة جانبًا وتجلت بها على رأسه، فتراجع للوراء صارخًا من شدة الضربة وركضت هي سريعًا، ومازال هو خلفها تسبقه بعدة درجات.
أصبحت بساحة الطابق الأول بالبناء ووقفت تتراجع للوراء وهو يتقدم منها ببطء وقال:
_ هتهربي مني فين ياحلوة خلاص كده وقعتي.
شعرت بدوار قوي يهاجمها واستندت بيدها على العمود الذي كان بجانبها، وما أن رأته يقترب حتى تراجعت للوراء. نظرت خلفها وتفاجأت بأنها تقف على الحافة ولا يوجد خلفها سور يحميها من السقوط.
فقال هو:
_ ها ياحلوة، مفيش قدامك حل دلوقتي أما الموت، أو أنك تيجي معايا.
فردت ذراعها وارتسمت بسمة على ثغرها قائلة:
_ يامرحباً بالموت إن كان راحةً لي من متاعب الحياة.
تبدلت ملامحه من السعيدة إلى القلقة وقال بحذر:
_ قدر، لا استني أوعك تعملي كده أنتي فاهمة، خطا خطوة للأمام.
فقالت هي بتحذير:
_ أقف عندك أوعى تقرب لي، انتهت الحكاية.
تراجعت خطوة تلو الأخرى للخلف، وكادت أن تلقي بنفسها، حتى استمعت لصوته الذي تعشقه. صرخ علاء باسمها وركض بإتجاهها سريعًا، قبض على يدها وجذبها لصدره، فابتسمت هي له واستسلمت لذلك الظلام الحالك الذي يلفها من كل جانب وأُغشي عليها. حدث ما حدث في لمح البصر، وتركها علاء برفق على الأرضية، ورمق سيد بنظرات حارقة، الذي بدوره التفت راكضًا للأسفل وعلاء خلفه وهو يقول:
_ المرة دي مش هرحمك ياسيد.
في نفس ذات الوقت جاء فريق من الشرطة فتم حصاره بالمنتصف، وشلت حركته، فقبض علاء على تلابيب قميصه من الخلف وقال:
_ وقعت ومحدش سمى عليك.
رد شهاب قائلاً:
_ سيبه لينا أنت ده، ودور على مراتك واختها.
رد علاء قائلاً:
_ مراتي فوق أُغمي عليها، بس رهف مش عارف فين، وده اللي هنعرفه من سيد.
أمسك شهاب بسيد وقال:
_ سيب الموضوع ده عليا وهات مراتك يلا.
ذهب علاء للأعلى وحمل قدر وتجلى بها أمام أنظارهم، فتح له شهاب باب سيارته فشاهد رهف بها، وضع قدر بداخلها فقال:
_ رهف أنتي هنا.
رد شهاب قائلاً:
_ كانت في شنطة عربيته، يلا أطلع أنت عشان تودي مراتك للمستشفى.
هز علاء رأسه وزفر براحة واطمئن قلبه بعدما وجدهم. انطلق بالسيارة وبالخلف قدر ورهف التي قالت ببكاء:
_ عمو سيد قتل ماما.
تعجب علاء مما تفوهت به الصغيرة وقال:
_ رهف احكيلي كل حاجة حصلت.
سردت عليه رهف كل ما حدث، فقال علاء:
_ يعني دلوقتي هي متخدرة.
هزت رهف رأسها وقالت بخفوت:
_ أيوة.
مر الوقت وأصبحوا أمام المنزل، تجلت رهف من السيارة، واجتمع الجميع حوله وقالت والدته عندما رأته:
_ علاء يابني كتفك بيجيب دم.
نظر هو لكتفه، وتذكر عندما حملها، فكاد أن يصرخ من شدة الألم ومن الواضح أن جرحه فتح.
رد علاء قائلاً:
_ أنا بخير يا أمي، وسعوا عاوز ادخل قدر.
قالت وصال بقلق:
_ إيه اللي حصل معاها هي كويسة صح.
سحبها علاء بيده السليمة وقال:
_ نتكلم جوة مش وقته.
تحدثت ألفت قائلة:
_ وصال، أميرة ساعدوا علاء عشان يدخل قدر.
حملوها بين بعضهم، ووضعوها على أقرب أريكة لهم، ارتمى علاء بجسده على الكرسيّ، وزفر بعمق.
عانقت وصال رهف قائلة:
_ متخفيش ياحبيبتي احنا كلنا معاكي.
تحدثت أميرة قائلة:
_ نطلب دكتور ياعلاء.
رد علاء قائلاً:
_ هي كويسة سيد خدرها كان هيسافر بيها، كام ساعة وهتفوق.
ردت وصال قائلة:
_ وهو فين دلوقتي.
سرد علاء كل ما حدث وما علمه من رهف.
فشهقت وصال قائلة:
_ معقول، يعني هو اللي قتل خالتي مُنى.
هز علاء رأسه بنعم، فغمغمت والدته قائلة:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هو في كده، ربنا يسترها.
واسترسلت حديثها قائلة:
_ يلا يا علاء يابني شوف جرحك ده وخدلك دش واستريح شوية، واحنا كلنا جنب مراتك مش هنسيبها.
هز علاء رأسه وبملامح جامدة استقام واقفًا وصعد للأعلى.
"بمنزل سامح"
جالس بمكتبه وأمامه رجلان، غافلين عن تلك العاملة التي تسترق السمع من الخارج.
تحدث سامح قائلاً:
_ أنا لهيت اللي اسمه علاء واظن أنه هياخد فترة على ما يتعافى، عاوزين نستلم الشحنة في أقرب وقت.
رد أحد الرجال قائلاً:
_ وده بظبط اللي جايين فيه، موعد الاستلام اتأخر بس دلوقتي، لازم ندخل الشحنة.
قال الرجل الآخر:
_ يبقا نتفق على المكان والساعة ونفذ.
رد سامح قائلاً:
_ يوم التلات الساعة 3 بليل لتسليم ده أنسب وقت.
رد أحد الرجال قائلاً:
_ اتفقنا.
ابتعدت العاملة عن الباب فور إنهاء حديثهم متوجهة إلى المطبخ، وضغطت عدة مرات على هاتفها، وضعته على أذنها منتظرة الإجابة من الجهة الأخرى، وجاءها الرد:
_ أيوه ياسمين في إي جديد.
ياسمين" العاملة ":
_ أيوة يا علاء بيه هما اتفقوا على ميعاد وعنوان تسليم الشحنة الجديدة.
علاء:
_ قولي بسرعة.
_ أخبرته العاملة بما استمعت له.
فهز علاء رأسه بإبتسامة نصر قائلاً:
_ تمام يا ياسمين، لو في أي جديد بلغيني بيه.
مرت بعض الساعات، كان الجميع ملتف حول قدر، وما إن حركت جفونها حتى جذب علاء كفها يحتويه بين كفوف يده، وهو يجلس بجانبها على طرف الأريكة.
فتحت قدر جفونها ونظرت حولها واعتدلت في جلستها وقالت بصوت ضعيف:
_ إيه اللي حصل.
رد علاء وهو يمسد على كفها:
_ أنتي بخير ياحبيبتي مفيش أي حاجة حصلت.
غمغمت بخفوت:
_ رهف فين.
أجابتها الصغيرة التي كانت جالسة بين وصال وأميرة:
_ أنا هنا يا قدر.
أطمئن قلبها عندما رأت شقيقتها، ومرت أحداث اليوم أمامها فقالت بصوت متقطع:
_ سيد قتل أمي يا علاء.
عانقها علاء بيده السليمة واراحت هي رأسها على كتفه وقال:
_ أوعدك هجيبلك حقك منه، هو خلاص دلوقتي تحت ايدي.
قالت ألفت بتريث:
_ يلا يا علاء خد مراتك واطلعوا، وهخلي أم نور تطلع الأكل ليكم.
رد علاء بجمود وملامح غامضة:
_ أنا عايزكم تنزلوا أسبوع عند قاسم يا أمي.
ضيقت ألفت عينيها قائلة بشك:
_ وده ليه، سيد وخلاص قبضت عليه، خايف من إيه.
علاء بحدة تجلت في نبرته:
_ مش عاوز أي مناقشة يا أمي هتقعدوا هناك أسبوع لحد ما الدنيا تهدأ، جهزوا نفسكم هنسافر بليل.
_" طب وأنت " هكذا خرجت الكلمات من جوف أميرة.
رد علاء قائلاً:
_ هقعد معاكم يوم وهرجع عشان ورايا شغل.
واستقام واقفاً، ساحبًا قدر خلفه وحاوط كتفها بيده السليمة وصعدوا للأعلى.
توجهت قدر إلى المرحاض لتأخذ حمامًا منعشًا يزيل عنها أعباء اليوم ولم تطل كثيرًا حتى خرجت، بعد قليل طرقت العاملة باب الغرفة وهي تحمل بيدها الطعام، الذي أخذه علاء منه وأغلق الباب مرة أخرى وقال:
_ يلا يا قدر تعالي عشان تاكلي.
لملمت قدر خصلات شعرها وتقدمت جالسة بمقابله وتناولوا طعامهم، وعادت العاملة وأخذت الأطباق الفارغة.
تمددت قدر على الفراش براحة، ليتقدم منها علاء وتمدد بجانبها.
تحدثت قدر قائلة:
_ هي الساعة كام.
رد علاء قائلاً:
_ أربعة، وعاوز دلوقتي اعرف ليه بتتصرفي من دماغك.
ردت هي بحنق قائلة:
_ يعني إيه اتصرف من دماغي، كنت عاوزني أسيب أختي مثلاً.
علاء:
_ لا بس على الأقل تقوليلي ونتصرف سوا.
قدر بصوتٍ عال:
_ أنا رنيت عليك أكتر من مرة، وبعدين بعتلك رسالة اعمل إيه يعني.
رد علاء قائلاً بحدة:
_ كنتي تجيلي ونتصرف.
أجابته قائلة:
_ مكنش عندي عقل افكر وقتها، أنت ليه مش حاسس بيا.
تنهد علاء بعمق قائلاً:
_ وأنتي ليه مش حاسة بيا، تقدري تقوليلي كنت هعمل إيه أنا دلوقتي لو جرالك حاجة، لما شوفتك هترمي نفسك كان قلبي هيقف.
لانت نبرة قدر قائلة بحنان:
_ خلاص يا علاء أرجوك خلينا ننسى اليوم ده ونمحيه من حياتنا أنا عاوزة أنام دلوقتي، و أوعدك أي حاجة هتحصل هبلغك.
همس علاء برفق:
_ تمام ياحبيبتي، خلينا ننام شوية قبل السفر.
رمقته بتمعن قائلة:
_ أنت هتنام هنا جنبي.
رد هو بسخرية قائلاً:
_ معلش أعتبريني زي جوزك.
أولته ظهرها وقالت:
_ تمام نام.
فابتسم هو بحب وذهبوا في ثباتٍ عميق.
دقت الساعة السابعة مساءً وتجهز الجميع للمغادرة أمسك علاء بالحقائب ووضعهم بالسيارة.
تحدثت ألفت قائلة:
_ يلا يا بنات بسرعة خلينا نطلع.
خرجت الفتيات، وتوقفوا أمام ذاك المنظر، وهم يشاهدون ثلاث سيارات واحدة منهم لـ علاء، وواحدة مليئة بالحرس والأخرى بها اثنان من رجال الحراسة.
قالت ألفت:
_ إيه ده يا علاء يابني.
رد علاء قائلاً:
_ ده عشان الأمان يا أمي متقلقيش يلا اركبوا.
صعدت ألفت وقدر ورهف بسيارة علاء، وأميرة وابنتها ووصال بالأخرى، وانطلقا.
مضت بضع ساعات في صمتٍ تام بينهم، حتى وقفت السيارات أمام بوابة سوداء ضخمة كان يقف أمامها قاسم وامرأة أخرى.
تجلى الجميع أمام السيارات، والتف الحرس حول المنزل.
تقدم قاسم منهم وعانق علاء قائلاً:
_ نورت بيتك يا ولد عمي.
وتقدمت المرأة من ألفت عانقتها بمحبة قائلة:
_ يا مرحب، يا مرحب بالحبايب.
فردت ألفت قائلة:
_ أهلًا بيكي يا أمينة.
صافحت أمينة الفتيات أيضًا، وما إن التقت أعين قاسم بوصال، حتى غمز لها بعينيه فأشاحت وجهها للجهة الأخرى.
دلف الجميع للداخل وجلسوا بصالون المنزل، وأمرت أمينة الخدم بأخذ الحقائب وتجهيز العشاء، اقتربت منهم امرأة وفتاتان واحدة منهم تحمل طفل على يدها.
فاستقامت ألفت ورحبت وصافحتها قائلة:
_ عاملة إيه يا أماني أنتي وبناتك.
ردت المدعوة أماني قائلة:
_ بخير طول ما انتي بخير، ورمقت الفتيات بتعجب واسترسلت قائلة:
_ أميرة وعارفينها، مين الحلوين دول.
أشارت ألفت على قدر قائلة:
_ دي قدر مرات علاء.
شهقت المرأة قائلة:
_ مرات علاء، وهو علاء اتجوز أمتى، محدش قال يعني، ده أنا حتى عمته أخت أبوه.
ردت أمينة قائلة:
_ معلش يا أماني، مجتش فرصة نقولك وكل حاجة حصلت بسرعة.
أمتعض وجه أماني قائلة:
_ عال، عال بقا مرات عمه تعرف وعمته متعرفش.
رد قاسم بحدة قائلاً:
_ جرا إيه يا عمتي هنفضل نتكلم كتير.
هدئت نبرة أماني قائلة وهي تتفحص وصال:
_ ومين دي كمان، لتكون مراته التانية.
زفرت ألفت بغيظ قائلة:
_ الصغيرة أخت قدر، والكبيرة صحبتها.
ردت قائلة بحنق:
_ أيوة يعني مقعدينش عند أهلهم ليه.
صاح قاسم بغضب قائلاً:
_ عمتي، دول ضيوفنا، لا تقعدي ساكتة وتحترميهم، لا تطلعي أنتي وبناتك فوق.
تحدثت ابنتها الصغرى بحدة قائلة:
_ إيه يا قاسم هي سايبة ولا إيه، بتزعق في أمي ليه كده.
رمقها قاسم بحدة قائلاً:
_ طول ما الكبار بيتكلموا، مسمعش حسك فاهمة.
ردت أمينة تحاول تخفيف التوتر بينهم قائلة:
_ اهدى يا قاسم يابني، ومعلش يا جماعة حقكم عليا أنا، ويلا العشا جاهز قوموا يلا.
استقام الجميع واقفاً تحت إصرار تلك المرأة الودودة، وألتفوا حول الطاولة وتناولوا بعض اللقمات.
بعد قليل اجتمعت وصال ورهف بغرفة، وأميرة وابنتها بغرفة، وألفت بغرفة منفصلة، وعلاء وقدر بغرفة.
كانت قدر متمددة على الفراش وبيدها هاتفها تصب كامل نظرها عليه، فتقدم منها علاء وجلس بجانبها وهو ينظر لها قائلاً:
_ بتعملي إيه.
ردت سريعاً:
_ بلعب.
ابتسم بتسلية قائلاً:
_ طيب هاتي دور.
غمغمت بتركيز على لعبتها:
_ لا مش هديك.
مد هو أصبعه وضغط به على شاشة هاتفها عدة مرات.
فصاحت قدر قائلة بغضب:
_ بس يا علاء هخسر، خسرت أهو، ده أنت مستفز وبارد.
رد هو بإبتسامة نصر قائلاً:
_ أحسن عشان مش راضية تخليني ألعب معاكي.
ردت هي قائلة بتذمر:
_ وعمال تقولي أنا عيلة، اومال انت تبقا إيه يا شحط أنت.
رد هو بمرواغة:
_ أنا يابنتي، إنسان بريء وهادي جدًا، شخص مسالم.....
قاطعته قائلة:
_ بس، بس، ده إنت طالع شرير زي عمتك اللي كانت دي.
تبسم ضاحكًا وهو يقول:
_ بمناسبة عمتي الشريرة، عاوزك تبعدي عنها هي وبناتها، تمام.
غمغمت بخفوت:
_ تمام.
واسترسلت قائلة:
_ أنت ليه عاوز تمشي ومش هتقعد معانا.
رد علاء قائلاً:
_ همشي بكرة على اخر النهار كده، عندي مهمة صعبة شوية ادعيلي.
أجابته هي قائلة:
_ مش بقلق غير من كلمة ادعيلي دي.
"عند نجلاء"
كانت بغرفتها تتحدث مع وائل، قائلة بدلال:
_ كله تمام ياحبيبي مش فاضل كتير أول ما نحط ايدينا على فلوس وصال، هنهرب وأعيش الحياة اللي بحلم بيها.
أجابها وائل بتوتر قائلاً:
_ أكيد، أكيد ياحبيبتي.
ردت نجلاء بشك وهي تقول:
_ مالك صوتك مهزوز كده ليك، أوعى تكون الفلوس عملت فيها حاجة، هما معاك صح.
أجابها بحدة تجلت في نبرته:
_ كل حاجة عندك الفلوس يانجلاء، ما قولتلك خلاص معايا، حلي عن دماغي بقا.
ردت بغضب قائلة:
_ ومالك بتزعق ليه كده زي الطور الهايج.
غمغم وائل مرتبكًا:
_ نجلاء اطمني، كل حاجة هتحصل زي ما احنا عايزين، تمام.
ردت هي بخفوت قائلة:
_ تمام، الحكاية قربت تنتهي وخلاص مش فاضل كتير.
كانوا غافلين عن أيمن الذي كان يقف بالخارج واستمع لحديثهم فقال بخفوت:
_ النهاية فعلاً قربت تخلص يانجلاء بس هتكون نهايتك أنتي.
الصلاة خيرًا من النوم، صدح صوت مكبرات المسجد معلنًا عن صلاة الفجر، فاستيقظ علاء ووضع يده على كتف قدر يهزها برفق قائلاً:
_ قدر يلا قومي أصحي نصلي الفجر.
اعتدلت قدر بجلستها وقالت بخفوت:
_ صحيت يا علاء.
استقام هو واقفًا وسحبها من أعلى الفراش وقال:
_ لو سبتك هتنامي تاني يلا قومي اتوضي أنتي الأول.
مرت قدر أمامه وهي تترنح في مشيتها حتى دلفت للمرحاض الملحق بالغرفة، وبعد قليل وقفا هما الاثنان خلف بعضهم يؤدون فريضة الفجر.
انتهو من الصلاة فجاء علاء بالقرآن الكريم وأخذ يرتل بعض الآيات بصوته العذب وتردد قدر خلفه.
أنهى القراءة ووضع المصحف جانبًا وقال بهدوء:
_ دعيتلي.
ردت قدر بهيام:
_ استودعتك عند الله الذي لا يضيع الودائع.
قبلها علاء من جبينها بحنو وابتسم برضا.
رواية قدر و وصال الفصل الخامس عشر 15 - بقلم هدير ممدوح
أتى الصباح بنوره والشمس تتوسط عِنان السماء تبعث الدفء لما أسفلها. ها هو يوم جديد بداخله العديد من الأحداث.
بعد تناول طعام الفطور، جالسون على الأريكة يرتشفون من أكواب الشاي التي كانت أمامهم. مالت وصال على أُذن قدر قائلة:
_ مش عارفين نتلم على بعض عشر دقايق.
ردت قدر قائلة:
_ عندك حق والله.
امتعضت وصال قائلة:
_ بقا سي علاء هو كل حاجة في حياتك، وركنتي وصال على الرف.
ضحكت قدر بخفوت وقالت:
_ بتغيري عليا يابيضة.
رمقتها وصال بغيظ قائلة:
_ واطية طول عمرك.
استمعوا إلى صوت صهيل خيل.
فقالت أميرة:
_ بنات، علاء وقاسم في الحديقة اللي ورا تعالوا نروح نتفرج عليهم.
بحماس أطفال، وقفوا الفتيات وارتسمت ابتسامة على ملامحهم وقالوا بصوتٍ واحد:
_ طبعاً، يلا.
اتجهوا إلى خلف المنزل حيث الحديقة الواسعة. وجدوا علاء وقاسم، كلاً منهم يمتطي جواداً وكأنهم يتسابقون. تقدموا منهم الشباب وتجلى كلاً منهم من على صهوة حصانه.
اقترب علاء من قدر وهمس في أُذنها وقال:
_ تحبي تجربي.
رمقته بتعجب قائلة:
_ أجرب إيه!
سحبها علاء من يدها وقال:
_ تعالي اركبي على الحصان.
تراجعت خطوة للوراء قائلة:
_ لا، اللبس مش مناسب.
رد علاء قائلاً:
_ مالكيش دعوة، تعالي بس.
رفعها من خصرها للأعلى وجلست بالعرض، وهو خلفها يحاوطها بيديه. فقالت هي:
_ علاء، أنا خايفة لنقع.
رد علاء قائلاً:
_ متخافيش، هو ماشي براحة وأنا ساندك.
أقترب قاسم واقفاً بجانب وصال وقال بهمس:
_ عقبالنا.
ردت هي قائلة بحدة:
_ بتقول إيه ياجدع أنت.
انتبهت أميرة على صوتها العالي قائلة:
_ في إيه مالكم.
رد قاسم وهو ينظر لوصال قائلاً:
_ محسوبك يابت عمي شكله وقع ومحدش سمى عليه.
غمغمت وصال بخفوت قائلة:
_ سخيف.
ضحكت أميرة بصخب عليهما، وعلمت أن بينهما سيولد حبًا سيطفو قريبًا على الملأ.
وبالمنزل كانت تطل أماني وابنتها الصغرى دعاء، التي قالت بحقد:
_ قاسم بيتقرب من البت دي ليه، شايفة نظراته ليها.
ردت أماني بحدة قائلة:
_ ما انتي اللي خايبة، طالما واقفة تتفرجي كده، انزلي ياختي شوفي اللي بيحصل يابت.
قالت دعاء على عجل:
_ عندك حق، هروح أشوف.
نزلت للأسفل لتنصدم بشاب بجلباب صعيدي، وقالت بحدة:
_ أنت يامجنون يامتخلف مش تحاسب، كنت هتوقعني.
ردت أمينة بحدة قائلة، التي كانت تجلس مع ألفت بصالون المنزل:
_ إيه يادعاء بتكلمي أخوكي ليه كده يابنتي.
لوت دعاء فمها وهي تقول:
_ مش ذنبي إن أخويا عبيط.
تلألأ الدمع في أعين الشاب وقوس شفتيه كالأطفال وقال وهو يضربها بيده:
_ أنا مش عبيط، أنتي اللي وحشة.
دفعته هي بيدها للوراء قائلة بصوت أشبه بالصراخ:
_ أبعد يامتخلف ياغبي، متمدش أيدك.
كاد الشاب أن يسقط للوراء، فركضت ناحيته وصال وأسندته بلهفة.
ربتت وصال عليه برفق وقالت:
_ أنت كويس.
هز رأسه وتمسك بيدها واقفاً خلفها يحتمي بها وقال:
_ دعاء عاوزة تضربني.
قالت وصال بحدة وهي ترمق دعاء باشمئزاز:
_ عيب كده على فكرة، مش ذنبه أنه كده.
عقدت دعاء يديها أمام صدرها وقالت بفظاظة:
_ ده أخويا، وياريت مالكيش دعوة، أنتي هنا ضيفة وبس.
هتفت وصال قائلة:
_ أنتي قليلة الأدب.
جاءها صوت أماني قائلة:
_ مين قليلة الأدب ياحبيبتي، ليه بنتي مالهاش أهل يسألوا عليها، وسايبينها دايرة فالبيوت زي...
قاطعها قاسم بغضب احتلت تقاسيم وجهه وقال:
_ عمتي، أنا سكتلك كتير، ومش بيت قاسم هارون اللي يتهان في ضيوفه.
بأعين تتلألأ بها الدمع، غادرت وصال من أمامهم للأعلى وخلفها أميرة.
فقالت أماني رداً على حديث قاسم:
_ ولما الضيوف ما يحترموش أهل البيت يبقا يستاهلوا الإهانة.
جز قاسم على أسنانه قائلاً:
_ خدي بنتك ياعمتي واطلعي على أوضتك، اتقي شري يلا.
رمقته أماني بغضب وجذبت يد ابنتها وصعدت للأعلى.
جاء من الخارج قدر وعلاء وأحسوا بالتوتر بين الجميع. فقالت قدر بخفوت لعلاء:
_ أنا هطلع عند وصال.
هز علاء رأسه بنعم وصعدت هي.
بغرفة وصال كانت تبكي بحرقة، وتربت على كتفها أميرة برفق. دفعت قدر الباب ودلفت قائلة وهي تجلس بجانب وصال من الناحية الأخرى:
_ مالك يا وصال إيه اللي حصل، أحكيلي يا أميرة.
كادت أميرة أن تتحدث، فقاطعتهما وصال قائلة:
_ أنا همشي من هنا ياقدر، على الأقل أنتي قاعدة مع جوزك، بس أنا بأي صفة هنا.
ردت قدر قائلة:
_ بصفتك أختي، ولا إيه ياوصال.
أزاحت وصال دموعها وقالت:
_ مفيش أخت برضه تقعد عند أختها في بيت جوزها ياقدر.
ردت قدر قائلة بلطف:
_ معني كده إني مفروض أرمي رهف ياوصال.
أجابتها وصال باكية وقالت:
_ أنا غير رهف ياقدر.
أجابتها قدر بحدة:
_ لا، زيك زي رهف عندي.
قالت أميرة بجدية:
_ ومش بس قدر اختك ياوصال، أنا كمان اختك. وبعدين ياستي هو أسبوع هنقعده وهنمشي على طول.
صوت طرقات خافتة على الباب. فقالت وصال بهدوء:
_ أدخل.
طل الشاب برأسه ونظر لهم. فقالت أميرة بخفوت:
_ تعالى ياحسن أدخل، ده يابنات يبقا حسن ابن عمتي أماني.
تسلل الشاب بينهم ووقف أمام وصال وقال بأسف والدموع تترقرق في عينيه:
_ أنا آسف عشان زعلتي بسببي.
ابتسمت وصال قائلة:
_ مش زعلانة ياحسن.
امتدت يده ومسح دموعها العالقة على وجنتها وقال:
_ في دموع يعني زعلانة، أنا مش عبيط، أنا فاهم.
بنظرة شفقة قالت وصال:
_ ومين قال إنك عبيط، ده أنت أحسن واحد فينا.
ابتسم هو ومد يده قائلاً:
_ نبقا صحاب.
صافحته وصال وقالت:
_ نبقا صحاب ياحسن.
صفق هو بيده قائلاً بفرحة:
_ حسن بقا عنده صحاب. وتوقف قائلاً:
_ أنتي اسمك إيه.
غمغمت وصال بخفوت:
_ إسمي وصال ياحسن.
_ حسن بتعمل إيه عندك، هكذا جاءهم صوت قاسم.
ارتجف حسن بخوف من نبرته، وقالت وصال:
_ وأنت بتزعق ليه.
لم يعيرها قاسم أي انتباه وقال بلين:
_ يلا ياحسن، أطلع برة، دي أوضة بنات مينفعش تفضل فيها.
رمق حسن وصال بحزن وغادر الغرفة.
فقالت وصال بحدة:
_ إيه المعاملة دي حرام عليكم، هو إيه ذنبه.
ردت أميرة قائلة:
_ اهدي ياوصال، قاسم أكتر واحد حنين على حسن. هو قال كده لمصلحته.
تحدث قاسم قائلاً:
_ كنت جاي أعتذر منك على اللي عملته عمتي.
ألقى جملته تلك وغادر الغرفة بعجل، دون انتظار رد. فقالت بتعجب من أمره:
_ ماله ده.
ردت أميرة قائلة بضحكة:
_ اقعدوا خلينا ندردش في أي حاجة.
تحدثت قدر قائلة:
_ لا، أنا هروح أشوف علاء عشان هيسافر النهاردة.
رمقوها الفتيات بغيظ، فضحكت هي بصخب وغادرت الغرفة.
بمكتب مجدي، استمع إلى ضجة وصوتٍ عال. استقام واقفاً وكاد أن يخطو ليجد وائل يقتحم مكتبه وخلفه السكرتيرة التي تحاول منعه للدخول. أوقفها مجدي بإشارة من يده وقال:
_ اطلعي أنتي برة دلوقتي.
وجلس على مقعده وقال:
_ تعالى يا وائل اقعد.
تقدم منه وائل وصاح بغضب:
_ من يوم ما عطيتك الفلوس لا بترد عليا ولا معبرني، بجي هنا ومش عاوز تدخلني.
تحدث مجدي بجمود قائلاً:
_ اهدى يا وائل واقعد.
جلس وائل وقال:
_ أنا عاوز فلوسي ودلوقتي حالاً.
رد مجدي بجمود قائلاً:
_ فلوس إيه دي.
هتف وائل قائلاً:
_ أنت بتستهبل، عطيتك خمس ملايين عشان المشروع.
رد مجدي بمكر قائلاً:
_ بس أنت مين؟ أنا لا أعرفك، ولا أنت واحد من موظفيني، ولا كمان شوفت منك أي فلوس.
توسعت عينا وائل بصدمة وهو يقول:
_ تقصد إيه بكلامك ده، لا مش أنا اللي يتنصب عليا، أنا ممكن أبلغ عنك.
رد مجدي بثقة قائلاً:
_ وهتقولهم إيه؟ أنا بكل هدوء هكذب اللي أنت هتقوله.
استقام وائل قائلاً بغضب:
_ شركتك مليانة كاميرات وموظفينك كمان شافوني وأنا داخل وخارج.
تحدث مجدي قائلاً:
_ وأهو قلت بلسانك شركتي وموظفيني، ببساطة التسجيلات محذوفة، وموظفيني مش هيخسروا وظيفتهم عشان يشهدوا معاك، ويلا اطلع برة من غير ما تطرد و أوعى أشوفك هنا تاني.
مسكه وائل من تلابيب قميصه وهو يقول:
_ ورحمة أمي منا سايبك.
دفعه مجدي بقوة، فسقط أرضاً، ورفع سماعة هاتفه قائلاً:
_ ابعتي الأمن على مكتبي حالاً.
وقف وائل وصرخ قائلاً:
_ بتتحامى في الأمن ياجبان، مش هسيبك، سمعتك هتبقا زي الزفت بين الناس.
جاء الأمن وامسكوا به فقال مجدي:
_ ارموه برة الحيوان ده.
في غرفة قدر وعلاء، جمع علاء أغراضه في حقيبته بمساعدة قدر.
وقال بحنان:
_ قدر خدي بالك من أمي وأختي.
ردت قدر قائلة:
_ علاء، لو أنا غالية عندك متقولش كده أرجوك.
جذب يدها وجلسوا على الفراش فقال:
_ الموت علينا حق ياقدر، وأنا مش عارف إن كنت هرجع ولا...
وضعت يدها على فمه وقاطعته قائلة:
_ حرام عليك بقا الكلام ده بيقطع قلبي، مرارة الفقد صعبة ياعلاء، وخصوصاً لما يبقى انسان روحك متعلقة فيه.
أجاب علاء قائلاً برفق:
_ طب أهدي بس.
صاحت غاضبة:
_ هو أنا يعني مكتوبلي كل حد أحبه يفارقني.
عانقها علاء بقوة ومسد عليها برفق، واسترسل قائلاً:
_ هرجعلك ياقدر، عشان أنسيكي أي حاجة وحشة عشتيها، هرجعلك.
ظلوا هكذا بضع دقائق، فابتعدت هي على استحياء ليقول هو:
_ عشان ناوي أعمل فرح كبير، وشوفك بالأبيض.
رمقته قدر بشك قائلة:
_ ده بجد.
هز هو رأسه قائلاً:
_ أيوة ياحبيبتي، يلا بقا أنا همشي، هبقى اتكلم معاكي في كل التفاصيل أول ما أرجع.
هزت قدر رأسها بصمت، فسحب هو حقيبته وهبط للأسفل.
أجتمع الجميع بالأسفل من بينهم وصال وأميرة، توجه علاء لوالدته وقبل يدها، فعانقته هي بود، وودع الجميع، صعد بسيارته وانطلق بها مغادراً تحت أنظارهم.
تحدثت أميرة قائلة:
_ تعالوا نروح نقعد في الجنينة.
هز الفتيات رؤوسهن بنعم وذهبوا معها. وقعت أعين وصال على حسن فقالت:
_ بنات أنا هروح اقعد مع حسن شوية.
قالت قدر بخفوت:
_ تمام.
جلست وصال بجانبه، فرمقه هو بابتسامة. تحدثت وصال قائلة:
_ قاعد ليه لوحدك.
رد هو قائلاً بتهتهة:
_ محدش بيحب يقعد معايا، لا أخواتي ولا أمي.
ردت وصال قائلة:
_ ولا حتى قاسم.
قال حسن بود:
_ لا، قاسم ده حبيبي وصاحبي، هو اللي بيحبني، بس لما بيبقى فالشغل بقعد لوحدي وهو دلوقتي برة.
" أنا هنا ياحسن " هكذا جائهم صوت قاسم من خلفهم.
فانتفضت وصال قائلة:
_ يا أخي ليه كده خضيتنا.
رفع حاجبيه وهو يقول:
_ ليه شوفتي عفريت.
ردت هي بمرواغة:
_ أنيل.
جلس قاسم بجانب حسن من الناحية الأخرى وقال:
_ بقا كده.
ردت وصال بخفوت:
_ آه كده.
أجابها هو بمكر:
_ كنتي بتسألي ليه حسن عليا.
نظرت له بتمعن قائلة:
_ كنت عاوزة أعرف حد في البيت ده لسة في قلبه رحمة ولا كله محصل بعضه.
قال قاسم بحدة:
_ طاب وليه الغلط ده بس يابنت الناس.
أشاحت نظرها للجهة الأخرى، ولم تعقب على حديثه.
فأسترسل قاسم موجهاً حديثه لحسن الذي كان ينظر لكل منهما ببسمة بلهاء:
_ قوم أنت يا حسن دلوقتي.
استقام حسن واقفاً، وغادر من أمامهم.
فرمقته هي بغيظ قائلة:
_ فكرك هخاف أنا كده يعني، أنا قايمة.
استقامت هي واقفة، فوقف هو بالمقابل لها، وبالقرب منهم انتبهوا لهم أميرة وقدر فأقتربوا منهم.
قال قاسم لوصال:
_ أيمن أخوكي عاوز يكلمك.
ضيقت عينيها ورمقته بتعجب:
_ وأنت عرفت منين أخويا.
وضعت قدر كفها على كتف وصال قائلة:
_ في حاجة يا وصال.
ردت وصال بحدة قائلة ومازالت عيناها على قاسم:
_ ياريت يا أميرة تفهمي ابن عمك ميدخلش في خصوصيات ضيوفه.
ألقت جملتها تلك واستدارت مغادرة من أمامهم.
فقالت أميرة:
_ في إيه يا قاسم مالها وصال.
رد قاسم قائلاً:
_ أنتي عارفة بموضوع أخوها ومراته.
ردت أميرة قائلة:
_ أيوه وصال قالتلي كل حاجة.
صاح قائلاً:
_ أخوكي علاء عرفني كل حاجة واخو وصال مش وحش زي ما هي فاكرة، أنا هحاول أتكلم معاها مرة تانية.
ردت أميرة بتفهم:
_ تمام ياقاسم، إن شاء الله خير.
دلفت قدر خلف وصال بغرفتها وهي تقول:
_ يابنتي فهميني بس في إيه.
ردت وصال قائلة بامتعاض:
_ بني آدم مستفز وبارد ومتخلف كمان.
جلست قدر بجانبها على طرف الفراش قائلة:
_ أيوه عاوزة أعرف عمل إيه يعني.
ردت وصال قائلة:
_ بيقولي أيمن أخوكي عاوز يكلمك.
أجابتها قدر قائلة:
_ طيب كنتي استني شوفي هيقولك إيه.
قالت وصال بحدة تجلت في نبرتها:
_ قاسم ده مستفز ومش عاوزة اسمع منه حاجة.
غمغمت قدر بتفهم:
_ أنا شايفة أنه معجب ياستي وعمال يغمزلك فالرايحة والجاية، يمكن طلب ايدك من أخوكي مثلاً.
صمتت وصال لثوانٍ وحدقت بقدر قائلة:
_ تفتكري.
تبسمت قدر ضاحكة وقالت:
_ من شوية كان مستفز ها.
ردت وصال بجمود:
_ لا أنا بسأل عادي.
وثبت قدر قائلة:
_ هروح أسأله بسرعة وهرجع أقولك.
هزت وصال رأسها بنعم، فخرجت قدر من الغرفة، وبطريقها استوقفها صوت بكاء خارج من الغرفة المقابلة لها، رق قلبها فطرقت باب الغرفة بهدوء.
ليأتيها صوت فتاة من الداخل وهي تسمح لها بالدخول.
دفعت قدر الباب ودلفت قائلة:
_ تسمحيلي أحكي معاكي شوية.
أومأت لها الفتاة وقالت:
_ طبعاً اتفضلي.
وضعت الطفل الذي كان على قدمها على الفراش وجلست قدر بالمقابل لها فقالت الفتاة:
_ أنا وفاء بنت عمت علاء، أنتي شوفتيني مع أمي تحت.
ردت قدر بتريث وحذر:
_ آه شوفتك، الحقيقة سمعتك وانتي بتبكي فحبيت أطمن عليكي.
ما أن قالت قدر جملتها تلك حتى انفطرت الفتاة ببكاء مرير.
فاقتربت منها قدر وربتت على كتفها قائلة:
_ لو عاوزة تحكي، احكيلي أنا هسمعك.
تحدثت وفاء بصوت ممزوج بالبكاء قائلة:
_ أنا وجوزي اتخنقنا وكله بسبب ماما، وحاسة أنه ربنا مش بيحبني أنا عملت ذنوب كتير وعصيته، أنا تايهة ومش عارفه أعمل إيه.
ردت قدر بتريث قائلة وإبتسامة جميلة شقت ثغرها، قال الله تعالي: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) } سورة الزمر.
واسترسلت قائلة:
كده مشكلتك مع ربنا اتحلت، ربنا بيغفر الذنوب جميعًا ياوفاء.
قاطعتها وفاء قائلة بندم:
_ أي ذنب مهما إن كان.
أجابتها قدر بهدوء قائلة:
_ والله إني أراكِ على خير ما دمتِ تشعرين بالندم، والله يغفر الذنوب جميعًا إلا الشرك به. اتوضي وصلي ركعتين توبة لله عز وجل، وألزمي الاستغفار، وربنا يتقبل توبتك.
علا صوت رنين هاتف. كان بجانبهم على الفراش. جذبته وفاء وقالت بخفوت:
_ ده جوزي.
نهضت قدر واقفة وقالت:
_ طيب هطلع أنا دلوقتي، وأسيبك تتكلمي على راحتك.
أجابت وفاء قائلة:
_ بس أنا وهو متخانقين.
ردت قدر قائلة:
_ لو أنتي شايفة أنه هو مغلطش في حقك وإن فعلاً مامتك سبب المشكلة اللي بينكم، يبقا بلاش تضيعي وقت. عن إذنك.
تركتها قدر وغادرت الغرفة.
خرجت قدر تبحث عن قاسم، فأخبرتها العاملة أنه بالحديقة الخلفية. توجهت له فوجدته يتحدث مع حسن. خطت إلى الأمام ونادته قائلة:
_ قاسم، ممكن ثانية.
تقدم قاسم منها قائلاً:
_ أيوه ياقدر في حاجة.
ردت قدر قائلة:
_ كنت عاوزة أعرف أيمن كان عاوز وصال في إيه.
أجابها قاسم بجمود:
_ كان عاوز يصلح سوء الفهم اللي بينهم، ده اللي فهمته من علاء.
هزت رأسها بتفهم قائلة:
_ خلاص تمام، أنا هبقى أكلم علاء وأفهم منه.
بعد ساعات طويلة استغرقها علاء للوصول لمنزله، تجلى من سيارته ودفع باب المنزل، قابلته العاملة بوجه بشوش قائلة:
_ أهلاً بيك ياعلاء بيه، تحب أحضرلك الأكل.
رد علاء بخفوت قائلاً:
_ تمام يا أم نور، ابقي طلعيه ليا فوق.
صعد علاء للأعلى وضع حقيبته بجانب الباب وارتمى بجسده على الفراش. استمع لرنين هاتفه ونظر لشاشته، واستقبل المكالمة وهو يقول:
_ وحشتيني جداً.
ردت قدر برحابة صدر وفرحة غمرت قلبها قائلة:
_ أنت عامل إيه وصلت.
ابتسم علاء قائلاً:
_ بخير ياحبيبتي.
ردت قدر قائلة:
_ هو إيه موضوع أخو وصال ياعلاء.
أجابها علاء قائلاً بتوضيح:
_ ده موضوع طويل ياقدر، لما أرجع هحكيلك كل حاجة، وأيوة أخوها طلب يكلمها.
ردت قدر قائلة:
_ تمام.
استمر حديثهم لبعض الوقت.
وانسدلت ستائر الليل معلنة عن انتهائه.
"في الصباح"
بمنزل أيمن كان يرتشف من فنجان القهوة الذي أمامه، وضعه على الطاولة، واستقام واقفاً، فقالت نجلاء التي كانت تجلس بجانبه:
_ رايح فين يا أيمن.
رد أيمن قائلاً:
_ دقيقتين بس ياحبيبتي وراجعلك.
هزت رأسها، فغاب هو عدة دقائق وعاد بيده ملف به بعض الأوراق قائلاً بصرامة وهو يمده لها:
_ امضي.
أجابته هي بتعجب قائلة:
_ إيه ده!
جلس أيمن بجانبها وقال بتريث:
_ ده ياحبيبتي تنازل من وصال عن الميراث باسمك، مش ناقصين غير امضتك.
حدقت به نجلاء قائلة:
_ باسمي أنا.
رد أيمن قائلاً:
_ نجلاء، أنا معنديش أغلى منك ولا عندي شخص أوثق فيه زيك، عشان كده الميراث هيتسجل باسمك، بس ده طبعاً لفترة معينة، أنتي عارفة أحنا اتفقنا هنرجعهم لوصال تاني.
سحبت من بين يده الأوراق بلهفة قائلة وهي تجذب من بينهم القلم وتمضي:
_ طبعاً، طبعاً ياحبيبي هنرجعهم.
نظرت لأول ورقة بتتمعن وبسمة مكر زينت ثغرها. وعندما لاحظ هو قرأتها للأوراق فقال بلهفة:
_ يلا ياحبيبتي امضي بسرعة لسة هروح أسجلهم.
مضت نجلاء الأوراق على عجل، فسحبهم منها أيمن وقال:
_ برافو ياحياتي، كده انتهى الموضوع، هروح أنا على شغلي.
غادر هو من أمامها، وابتسمت هي بنصر، سحبت هاتفها من أعلى الطاولة، وهاتفت وائل انتظرت قليلاً حتى آتاها صوته قائلاً:
_ أيوه يانجلاء.
ردت نجلاء قائلة:
_ مش هتصدق إيه اللي حصل.
رد وائل بلا مبالاة قائلاً:
_ إيه، أيمن طلقك.
اغتاظت نجلاء منه وقالت بحدة:
_ غبي طول عمرك، طلاق إيه بس، ده كتب كل ميراث وصال باسمي.
أجاب وائل ساخراً:
_ انتي بتحلمي ولا سخنة.
ردت نجلاء قائلة:
_ لـ ده ولا ده، أنا شوفت الأوراق بعيني ومضيت عليهم يعني محدش قالي.
أنصت لها وائل قائلاً بتعجب حذر:
_ انتي بتتكلمي جد.
نجلاء بلهفة:
_ جد الجد كمان، الخطوة الجاية هخليه يطلقني ونهرب أنا وانت، وأعيش الحياة اللي بحلم بيها، ويبقى في فرحة طير خفيف بيرفرف فالسما من السعادة.
قهقه وائل بصخب قائلاً:
_ طيب حاسبي لطير الخفيف ده يقع على وشه.
لوت فمها قائلة:
_ أنا غلطانة إني بكلمك أصلاً.
ألقت جملتها تلك وانهت المكالمة ووضعت ساق على الأخرى قائلة:
_ للأسف معنديش غيرك أثق فيه يا وائل، أول ما احط ايدي على كل حاجة، هخلص منك أنت كمان.
عند علاء اجتمع هو ورؤساء عمله وفريقه لوضع خطة للقبض على سامح، بعد أن حصل على كل المعلومات. أخذ يشرح لهم خطته، وانتهى على تصفيقهم. استقام أحدهم وقال:
_ بهنيك ياعلاء، ودلوقتي أنا متأكد أنك مش هتخيب ظني فيك.
رد علاء بجدية:
_ اشكرك ياسيادة اللوا، وإن شاء الله هكون عند حسن ظن حضرتك.
غادروا جميعهم الغرفة تاركين علاء بمفرده. أخرج هاتفه من جيب بنطاله، جاء برقم قدر واتصل بها. انتظر قليلاً ليأتيه صوتها الرقيق هامسًا:
_ صباح الخير ياعلاء.
رد علاء قائلاً:
_ صباح الورد على عيونك ياحبيبتي، الساعة تلاتة الفجر عندي مهمة ضرورية وبعدها هرجعلك على طول عشان وحشتيني.
أجابت قدر قائلة:
_ ترجع بالسلامة يارب.
تمتم علاء بتنهيدة ثقيلة:
_ أنا هقفل دلوقتي وهكون مشغول، مش هقدر أرن عليكي باقي اليوم تمام.
غزا قلبها القلق، فهمست بوجل:
_ ممكن أما أتخلص مهمتك تتصل عليا فوراً، أنا هفضل صاحية مش هنام.
أجاب علاء قائلاً:
_ من عيوني ياحبيبتي، يلا سلام.
انهى علاء المكالمة، وهبطت قدر للأسفل، استمعت لأصوات ضحك عالية فتقدمت باتجاه الحديقة لتجد وصال وحسن وقاسم يركضون خلف بعضهم.
جاءت وصال سريعاً ما إن رأت قدر ووقفت خلفها تحتمي بها.
توقف قاسم وحسن أمامهما، فقال قاسم:
_ صاحبتك دي غشاشة، خطفت ورق الكوتشينة وجريت.
ردت وصال قائلة:
_ أنت الغشاش على فكرة، كنا بنلعب أنا وحسن ياقدر وجه هو خرب اللعبة.
قال قاسم:
_ دلوقتي بقا الحق عليا ياست وصال.
ردت وصال قائلة:
_ أنا كان معايا ولد ومفروض ألم بيه وأكيد هو شافه فخد قبلي كل الورق، وأنا خسرت.
ردت قدر بحدة قائلة:
_ خلاص بقا انتو الاتنين، إيه لعب العيال ده.
قالت وصال:
_ قدر تعالي نلعب أنا وانتي وحسن، لوحدنا.
تحدث حسن قائلاً:
_ أيوه تعالي نلعب ياقدر.
هزت قدر رأسها بهدوء وذهبت معهم.
داخل المنزل بالأعلى وتحديداً بغرفة أماني، ألقت دعاء بكأس الماء أرضاً وهي تقول:
_ شوفتيهم بعيونك صح، قاسم بيحب وصال، ومش بعيد نلاقيه فجأة كده طلب ايدها.
ردت أماني بحدة تجلت في نبرتها:
_ أهو ده المستحيل من صغرك وانتي القاسم وانتهى الموضوع.
أجابت دعاء قائلة:
_ انتهى إزاي ها، قوليلي إزاي، أنا لازم اتصرف، أنا مش هقعد كده مستنية أما ألاقيه اتجوزها.
قالت والدتها بغضب:
_ ناوي تعملي إيه يعني.
على حين غفلة اندفع الباب وطل من خلفه حسن وهو يقول على عجل:
_ أنا عاوز أتجوز وصال.
صدمة احتلت ملامحهم تلاها صوت أماني الضاحك تقول:
_ مش ناقص غيرك أنت ياحسن.
تحدثت دعاء بمكر قائلة:
_ أنا عرفت هتصرف إزاي.
رواية قدر و وصال الفصل السادس عشر 16 - بقلم هدير ممدوح
دقت الساعة الثالثة منتصف الليل. تسلل علاء ورجاله، وأخذ كل شخص منهم مكانه كما خططوا. بعد قليل، ازدحم المكان برجال، ومن بينهم سامح. وجاءت الشحنة، وتجلى منها رجل قائلاً:
_ كله تمام يا سامح بيه، الشحنة كده بقت في عهدتك.
رد سامح قائلاً:
_ مش لما نطمن الأول على البضاعة.
واسترسل موجهاً حديثه للشاب الذي بجواره قائلاً:
_ روح يابني اتأكد من كل البضاعة.
كاد الشاب أن يتحرك، حتى هجم عليهم فريق علاء بخفة من الخلف، ووضع كل شخص منهم سلاحه على جبين سامح ورجاله والأشخاص الآخرين.
تحدث علاء بصوت عالٍ:
_ من غير مناهدة، كله يسلم نفسه ويجي معانا كده زي الشاطر.
وهمس قائلاً بأذن سامح:
_ مش قولتلك أنت اللي هتخسر في الآخر، العبرة في النهايات ياسموحة.
على حين غفلة منهم، وبلمح البصر، لكمه سامح بقوة على جبينه، فارتد للوراء. واستغل الآخر ذلك هارباً، فقال علاء بصوت عالٍ وهو يركض خلفه:
_ كملوا أنتو شغلكم.
وأخذ يركض خلف الآخر على عجل، وأردف بحدة:
_ اقف مكانك ياسامح، كده هضرب عليك.
ظل الآخر يركض بسرعة لا يأبه لحديث علاء. وكاد علاء أن يتعثر بحجرة ذات حجم كبيرة بعض الشيء، فألتقطها وألقاها على قدم سامح، فسقط سامح أرضاً وهو يمسك بساقه. وهرول علاء له.
رفع سامح نظره ليجده اقترب منه، فاستقام واقفاً. وما كاد أن يخطو حتى جذبه علاء من تلابيب قميصه. ورفع سامح يده ليلكم علاء بها، فقبض علاء على يده وثناها خلف ظهره وهو يقول بصوت أجش:
_ مش أنا اللي استسلم بسهولة، ولا أخلي مهمتي ناقصة.
نظر سامح بمكر على كتفه المصاب وهبط بيده الأخرى عليها، فصرخ علاء متأوهاً من شدة الألم، ولكنه ظل قابضاً على يده يأبى تركه.
فتحدث سامح قائلاً:
_ اسمعني ياعلاء، إحنا ممكن نتفق، صدقني أنا هخليك توصل لفوق، بس ساعدني وسيبني.
رد علاء قائلاً بسخرية:
_ امشي معايا بكل هدوء أحسنلك، وإلا أنا اللي ممكن أطلعك لفوق، بس ده هيبقا موتك ياخفيف.
"يبقا أنت اللي جبته لنفسك وخسرت فرصتك."
وارتفعت يده مرة أخرى، وما كاد أن يهوي بها على علاء، حتى أمسكه شهاب وشخص آخر من الفريق. وقال شهاب:
_ وقعتك هباب معانا يا سامح، أنا هروقك بس اصبر على رزقك، امشي معايا يلا.
دفعه شهاب بقوة وهو يحثه على السير. وبملامح مقتضبة وصمت تام، سار معه سامح، وخلفهم علاء.
وبهذا تم الخلاص من سامح والقبض عليه.
عند قدر، كانت بغرفتها، هاتفها بيده. تسير إيابًا وذهابًا بفراغ غرفتها. القلق ملأ قلبها، والخوف دب ثنايا روحها. سقط نظرها على فراشها، لتبتسم بمحبة وهي تنظر لرهف ووصال النائمين عليه، وتتذكر كيف جاءوا لها.
"طرقات خافتة على بابها تليها دخول وصال ورهف وهم ينظرون لها بأعين تجلت بها البراءة."
وقالت رهف:
_ قدر ممكن نبات عندك النهاردة، أنتي وحشتينا أوي.
فقالت وصال سريعاً:
_ أيوه ياقدر، من يوم جوازك واحنا مش عارفين نقعد معاكي، خلينا عندك النهاردة، إيه رأيك.
وقبل أن ترد قدر، قالت رهف:
_ وافقي ياقدر عشان خاطري.
أجابت قدر قائلة:
_ هو حد عطيني فرصة أرد؟ وبعدين ياست رهف، هو حد عارف يتلم عليكي؟ من يوم ما شفتي جوري وأنتي مش بتنزلي من عندها.
أردفت الصغيرة بتذمر:
_ ماهي عندها لعب كتير وبنفضل نلعب سوا.
ابتسمت قدر بلطف قائلة:
_ طب يلا ياهبلة منك ليها ننام.
ابتسموا وصال ورهف بسعادة وضربوا كفوفهم ببعض، وقال في صوت واحد:
_ أيوه كده، هو ده.
استلقوا ثلاثتهم على الفراش، رهف بالمنتصف، وقدر ووصال على طرفي الفراش. أخذت تمسد قدر على كتف رهف برفق، وذهبت هي ووصال بثبات عميق. فاستقامت قدر واقفة، فكيف لها النوم والقلب خائف مرتقب؟ وكيف للجفون أن تغمض من دقات قلبها الثائرة؟ تخشى فقدانه بعدما وجدته، فأصبح هو ملاذها في الحياة.
خرجت من شرودها عندما تصاعد هاتفها بالرنين، ونظرت لشاشته بفرحة عارمة، واستقبلت المكالمة قائلة بلهفة:
_ علاء أنت بخير، قولي إنك بخير، أرجوك.
رد علاء قائلاً:
_ وإزاي ما أكونش بخير بعد ما سمعت صوتك ياست البنات.
هدأت ضربات قلبها وقالت بأطمئنان وراحة:
_ الحمد لله، أنا مقدرتش أنام من غير ما أطمن عليك.
أجاب علاء قائلاً:
_ أطمني ياحبيبتي ونامي شوية، أنا بخير والصبح هكون عندك.
ردت قدر برفق تجلى في نبرتها:
_ حاضر ياعلاء، هستناك.
غمغم علاء بتريث:
_ تصبحي على خير.
قدر بإبتسامة تبعث الدفء بالقلوب:
_ وأنت من أهل الخير.
انتهت المكالمة، وتركت هي هاتفها جانباً، وتمددت على الفراش، ولم يمضِ كثيراً حتى غطت في ثبات عميق.
غاب الليل بظلامه، ليحل الصباح بنوره، ونشرت الشمس دفئها بالعالم أجمع.
في الصباح بمنزل أيمن. كان واقفاً أمام باب غرفته يسترق السمع لحديث زوجته. وبالداخل تتحدث نجلاء بهاتفها مع شخص مجهول قائلة:
_ كله جاهز، انتبهي. عاوزة كل حاجة يبان طبيعي وأيمن يمضي على ورق الطلاق من غير ما يحس، تمام.
صمتت قليلاً لتنصت للجهة الأخرى التي لم يسمعها أيمن. ولكن جائه صوت نجلاء وهي تقول:
_ لا تمام، أنا كمان ساعة وهنكون عندكم، هقنعه ونيجي، هقفل دلوقتي.
وبالفعل، أنهت المكالمة، وتابعت حديثها ببسمة حالمة:
_ أول ما يمضي علاء على ورق الطلاق كده هكون حصلت على حريتي، بس هستنى شوية لحد ما تتسجل الأسهم باسمي، وبعدها هطلب الفلوس من وائل.
صمتت تذفر براحة واسترسلت قائلة:
_ وأسافر وأبدأ حياتي الجديدة اللي هتكون مليانة بالترف والسعادة، من غير ما حد يعكنن عليا ولا يتحكم فيا، ولا واحدة زي وصال دي تكون قاعدة على قلبي.
نكس أيمن رأسه للأسفل بعدما استمع لحديثها، فكم كان غافلاً هو عن تلك الحية التي بمنزله، حتى بث سمها برأسه. يحمد الله على كشفه لأمرها.
دفعت الباب هي من الخارج لتتفاجأ بوجود أيمن أمامها، ولكنها ابتسمت قائلة وهي تجذبه من يده وتسير معه للداخل:
_ أيمن حبيبي تعال.
جلس أيمن وهي معه على الأريكة، وقالت:
_ أنا حجزت عند دكتورة نسا، هكشف عشان نشوف إيه سبب تأخر الحمل.
بسمة سخرية شقت جانب شفتيه وقال:
_ وده من إمتى ده؟ أنا طول الخمس سنين دول بتحايل عليكي كل يوم عشان نروح نعرف السبب، ليه دلوقتي؟
ردت نجلاء قائلة برجاء:
_ عشان كنت غبية ودلوقتي فقت ومش لازم نضيع وقت، وأنا خلاص حجزت، عشان خاطري تعالى نروح.
صمت أيمن قليلاً وقرر السير معها بخطتها، فقال ببرود:
_ تمام يانجلاء، يلا نروح.
وثبت واقفة وهي تقول:
_ خمس دقايق بس ألبس ونمشي.
هز رأسه بنعم وغادرت هي من أمامه.
"في منزل قاسم"
تجلت قدر للأسفل وهي تلتهم درجات السلم بقدميها. والخطوات الفاصلة بينهم فور معرفتها بقدومه. وقفت أمامه صامتة وهي تراه يعانق والدته. كم كانت تود أن يكون هذا العناق لها، فيروي شوقها. أبتعد هو عن والدته وتقدم من قدر ببطء، فجذبها من يدها لتصتدم بصدره ويعانقها بقوة. للحظة، تناست هي كل شيء حولها وأحلت القيود عن قلبها وضمته بقوة. تحمحم قاسم بهدوء وقال:
_ إيه ياعم علاء، نسيت نفسك ولا إيه.
انتفضت قدر مبتعدة للوراء ونكست رأسها باستحياء. فحاوط هو خصرها بيده وقال:
_ مراتي ياعم.
قاطع حديثهم صوت شاب:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا أهل البيت.
رد الجميع السلام. وانتصبت أماني التي كانت جالسة بينهم هي وابنتها الصغرى، وقالت:
_ إيه اللي جابك أنت دلوقتي.
قالت أمينة بحنق:
_ ميصحش كده يا أماني، اتفضل يا مصطفى يابني.
قال قاسم:
_ اتفضل يا مصطفى، البيت بيتك.
قال المدعو مصطفى:
_ لا، أنا جاي أخد مراتي وبنتي وماشي.
ردت أماني باقتضاب قائلة:
_ وهي وكالة من غير بواب؟ بتي مش ماشية معاك.
_ لا، همشي معاه يا أمي.
تقدمت منهم وفاء وهي تحمل طفلها بين يديها، واسترسلت قائلة:
_ سمعت كلامك كتير وغلط في حق جوزي بسببك، وكلامي مع قدر فوقني.
صاحت أماني بحدة قائلة وهي تنظر إلى قدر:
_ وإيه دخل ست قدر بينا.
هتفت وفاء على عجل:
_ أمي، قدر ملهاش دعوة بحاجة. أنا قررت أرجع لبيتي وجوزي اللي أهملته، واتمنى متعمليش مشاكل بعد ما مشي.
تقدم منها زوجها وأخذ الطفل وقال وهو يخطو للأمام:
_ يلا ياوفاء، مفيش داعي نفضل أكتر من كده هنا.
صاحت أماني بحدة وهم يغادرون من أمامهم:
_ بكرة ترجعي تعيطي، بس مش هتلاقي حد يقف معاكي، حتى أنا يابنت بطني.
غادروا تحت أنظارهم، فقالت أمينة:
_ أهدي يا أماني، بنتك مغلطتش، دي مشت مع جوزها ياحبيبتي.
لم تعيرها أي انتباه، بل حدقت بقدر بغضب وقالت:
_ أنتي قولتي إيه لبنتي خلتيها تمشي ها.
أجابت ألفت بحدة تجلت في نبرتها قائلة:
_ بقولك إيه يا أماني، طلعي مرات ابني من دماغك، أنتي فاهمة؟ وطالما ابني خلص مهمته يبقا كده مفيش داعي لوجودنا هنا، ولا إيه ياعلاء.
رد قاسم بحدة قبل أن يجيب علاء قائلاً:
_ لا يامرات عمي، أنتو مش هتمشوا من هنا. البيت ده بيتكم وليكم فيه زي ماليا وأكتر كمان، واللي مش عاجبه هو اللي يمشي من هنا.
قال علاء ببرود:
_ قاسم، أنا فعلاً جبت أهلي هنا عشان كان عندي مهمة وخايف عليهم، عشان كده أحنا فعلاً هنمشي من هنا.
نظرت لهم أماني بتشفي وانتصار، ولكن خاب توقعها. قول قاسم:
_ مستحيل أخليكم تمشوا قبل الأسبوع ياعلاء، مش كلمتين هما اللي هيفرقونا ويعملوا مشاكل بينا يا ولد عمي.
أيدته أمينة قائلة:
_ قاسم عنده حق، أحنا مش هنخليكم تمشوا من هنا.
لوت أماني فمها، ولكنها ابتسمت بمكر وهي تقول:
_ أيوه خليكم، حتى عشان تحضروا خطوبة دعاء وقاسم.
وصل نجلاء وأيمن أمام العيادة النسائية، وما إن دلفا لداخل، قالت نجلاء وهي تؤشر على أحد المقاعد:
_ اقعد ياحبيبي، وأنا هروح أدفع تمن الكشف.
هز أيمن رأسه بهدوء وجلس، بينما تقدمت هي للأمام وقالت للفتاة:
_ ها، خلصتي كل حاجة.
هزت السكرتيرة رأسها قائلة:
_ كله تمام، أندهيه عشان يمضي.
نظرت نجلاء جهة أيمن وقالت:
_ أيمن، ممكن تيجي شوية.
تقدم منهم أيمن بملامح متهجمة ووقف أمام مكتب الفتاة وقال ببرود:
_ خير.
أجابت الفتاة قائلة:
_ دي بيانات مفروض جوز المريضة يكتبها وكمان يمضي هنا.
رد أيمن بحنق قائلاً:
_ وده ليه.
قالت الفتاة:
_ إجراء روتيني يافندم، ولكل مريض ملف ومفروض يكون توقيع جوز المريضة عليها.
هز رأسه وأمسك بالقلم وجذب منها الأوراق. ملأ الورقة الأولى والتي كانت عبارة عن بيانات عادية كالإسم والرقم والعنوان. انتهى منها.
فقالت الفتاة بعدما نظرت لـ نجلاء بإبتسامة خبث:
_ باقي الورق بنحتاج توقيع منك بس.
مضى ورقة تلو الأخرى، وجاء عند واحدة منهم حتى سحبها من بين الأوراق ونظر لها بتمعن. نظروا نجلاء والفتاة لبعضهم بذعر.
فقال أيمن بحدة:
_ أوراق طلاق؟ وياترى ده إجراء روتيني برضه.
نجلاء بتهته وتوتر:
_ أيمن، هفهمك.
قبض على رسغها بقوة وسحبها خلفه، تحت همهمات المتواجدين بالعيادة. دفعها داخل السيارة، وبصدر يعلو ويهبط من شدة الغضب، جلس بجانبها وانطلق. قالت هي بغصة باكية:
_ أرجوك اسمعني، أنا مش عارفه ورق الطلاق بيعمل إيه وسط الأوراق التانية، أنت اتصدمت زي زيك.
صرخ بها أيمن قائلاً:
_ اخرسي، مش عاوز أسمعلك صوت لحد ما نوصل، أنتي فاهمة.
انكمشت نجلاء بكرسيها وعزمت الصمت حتى أن يصلوا لمنزلهم.
صدمة احتلت وجوه الجميع وهم ينظرون لـ أماني، بينما تركتهم وصال وصعدت للأعلى. ونظرت لها دعاء وابتسمت بنصر.
صدم قاسم من حديث عمته وقال بسخرية:
_ إيه ده؟ هي دعاء هتنخطب ياعمتي.
عقدت أماني حاجبيها وقالت بتعجب:
_ ومالك كده متفاجئ ليه؟ من وهي صغيرة مكتوبة ليك، ودلوقتي أو بعدين هتتجوز.
أجاب قاسم ببرود وملامح جامدة:
_ هو فعلاً دلوقتي أو بعدين هتجوز، بس مش بنتك ياعمتي.
هتفت أماني بحدة:
_ يعني إيه الكلام ده؟ ما تقولي حاجة يا أمينة.
كادت أمينة أن تتحدث، فسابقها قاسم قائلاً:
_ أنا لا عشمتكم بجواز ولا غيره، اعتبريه حلم وفقت منه يا عمتي.
أماني بإمتعاض:
_ ده آخر كلام عندك يا ابن أخويا.
رفع قاسم حاجبه بحدة وقال:
_ أيوه، ومش بحب أعيد كلامي مرتين.
قبضت أماني على رسغ ابنتها وصعدت للأعلى بغضب.
فقالت ألفت:
_ يا ساتر، طول عمرها بتجري ورا المشاكل.
قالت قدر بخفوت لـ علاء:
_ هطلع أشوف وصال.
فهز رأسه بصمت دون أن يتفوه بشيء، وصعدت قدر للأعلى.
"بغرفة وصال"
كانت جالسة على فراشها ودموعها تنهمر على وجنتيها. دفعت قدر الباب دون الطرق عليه وأغلقته وجلست بجانبها وقالت برفق:
_ بتبكي ليه دلوقتي.
أجابت وصال بغصة باكية:
_ لأني خايفة أتعلق بحاجة مش ليا، وأعيش نفس الألم مرتين.
قال قدر بخفوت:
_ حبتيه.
هزت وصال رأسها وانهارت باكية وهي تحتضن وجهها بكفيها.
فقالت قدر بتريث:
_ وهو كمان بيحبك.
كفكفت وصال دموعها وقالت بصوت متحشرج:
_ إزاي؟ وهو هيخطب بنت عمته.
أجابتها قدر قائلة:
_ جاوبيني الأول على سؤالي، أنتي نسيتي الدكتور اللي كنتي بتبكي عليه لما خطب.
زفرت وصال بعمق قائلة:
_ مش هنكر إني زعلت عليه في الأول، بس الموضوع بعد كده بدأ كأنه عادي. الشعور اللي جوايا انمحى كأنه لم يكن، بس قاسم غير حقيقي ياقدر، حاسة بألم وشعور غريب في قلبي.
قالت جملتها الأخيرة وغزت وجنتيها الدموع مرة أخرى.
فقالت قدر بإبتسامة وصدق:
_ وياستي، هو مش بيحب اللي اسمها دعاء دي.
قصت قدر عليها ما حدث منذ قليل. فابتهج فؤادها وقالت:
_ بجد، الحمد لله.
ورفعت يدها تدعو الله قائلة:
_ يارب اجعله من نصيبي يارب، واجمعنا في حلالك.
ابتسمت قدر قائلة:
_ ربنا يسعد قلبك ويقرب منك كل خير. أنا هطلع أشوف علاء، وأنتي يلا انزلي تحت وافضلي مع أميرة.
هزت وصال رأسها وقالت بخفوت:
_ حاضر.
"بداخل غرفة أماني"
قالت دعاء بحقد:
_ هتاخده مني، هتاخده.
ردت أماني بثقة قائلة:
_ مش هيحصل، أنا هتكلم مع أمينة.
صاحت دعاء بغضب:
_ وأخرة الكلام إيه؟ قولتلك من يوم ما رجع من عندهم وهو متغير، دايماً سرحان وبيتكلم مع أمه في السر. آه لو سبتي حسن ينفذ اللي قلت عليه.
ردت أماني بحدة قائلة:
_ ما خلاص يابت، جرا إيه؟ وحسن إيه اللي ينفذ اللي قولتي عليه؟ بقا هو جاي يقولي عاوز اتجوزها، وانتي اتقولي عرفت اتصرف إزاي وتقوليله يخطفها ويمشي من هنا؟ شكلك اتجننتي يابت ياماني، عاوزة تبلي أخوكي بمصيبة.
قالت دعاء بتمني:
_ ياريته يعمل كده ويخطفها ويمشي من هنا، أو أقتلها أنا وأريح منها.
هتفت أماني بحدة:
_ لا، ده انتي اتجننتي بحق. أنا سيبالك الأوضة وماشية.
ولج أيمن إلى منزله ومازال قابضاً على رسغ نجلاء. ودلف لغرفته ودفعها بقوة على الفراش وقال بغضب:
_ أنا زهقت منك ومن عمايلك السودة.
جاء بحقيبة كانت متواجدة بجانب خزانة الملابس، وضعها على الفراش، وجاء بملابس نجلاء وألقاهم بعشوائية داخلها. وثبت هي قائمة واقتربت منه وتشبثت بيده وقالت بوهن:
_ أيمن أرجوك، استنى، أنت بتعمل إيه بس.
توقف أيمن عن ما يفعله وقال بتحدي وهو ينظر داخل عينيها:
_ أنتي طالق يانجلاء، والورق اللي أنتي عاوزة تمضيني عليه، مضيتك عليه قبلي وعطيتك حريتك. وعشان العيش والملح اللي بينا، هسيبك تخرجي بشنطة هدومك اللي اشتريتها بفلوسي.
كفكفت دموعها الكاذبة وقالت:
_ بس اللي أنت متعرفهوش إن البيت ده بقا بيتي والأملاك كلها باسمي وفلوسك كلها تحت إيدي، وأنا بقا اللي هسيبك تمشي من هنا بهدومك يا جوزي المصون.
تعالت ضحكات أيمن تحت نظراتها المتعجبة وقال:
_ أيوه كده، اظهري على حقيقتك. بس هو وائل حبيب القلب ما قالش ليكي ولا إيه؟ أصل فلوسي رجعتلي.
انصدمت نجلاء من حديثه وقالت:
_ وانت تعرف بموضوع وائل منين.
أجابها ببرود:
_ وقتك انتهى يانجلاء هانم، اللي مش قادر أصدقه أنا إزاي فضلت مخدوع فيكي طول الفترة دي.
أجابت هي بثقة قائلة:
_ مش عاوزة أعرف، ومش مهم الفلوس اللي مع وائل. دلوقتي أسهم وصال كلهم باسمي، ولا أنت نسيت.
تبسم أيمن ساخراً وقال:
_ ياه، نسيت أقولك الورق اللي مضيتك عليه مزور وقطعته على طول، بس كان بينهم ورقة طلاقنا وده الحاجة الوحيدة الحقيقية.
صرخت نجلاء بنفاذ صبر قائلة:
_ يعني إيه الكلام ده.
قبض على ذراعها وهو يسحبها خلفه قائلاً:
_ يعني تمشي من البيت ومش عاوز أشوف وشك ده تاني، ومن غير شنطة هدومك حتى.
تحت أنظار العاملة كان يجرها بقوة خلفه، وما إن وصل لبوابة المنزل قام بدفعها للخارج فسقطت أرضاً، ودلف هو وأغلق الباب بوجهها.
استقامت هي واقفة وقالت بتهديد وصوت عالٍ:
_ مش هسيبك يا أيمن، ووعد مني هدفعك تمن عملتك دي.
"بغرفة علاء وقدر"
خرج علاء من المرحاض وقطرات الماء تتساقط من عليه، أخذ يجفف خصلات شعره بالمنشفة. وقدر جالسة على الفراش تنظر إليه بأعين عاشقة. علا رنين هاتفه، فتقدم للأمام وألتقطه من أعلى الطاولة وأجاب قائلاً:
_ أيوه يا شهاب، في حاجة.
صمت قليلاً ثم صرخ قائلاً:
_ بتقول إيه.
وثبت قدر قائمة وقالت بقلق:
_ في حاجة ياعلاء.
أنهى علاء مكالمته وتوجه لها قائلاً برفق:
_ في حاجة حصلت مفروض تعرفيها.
إزدادت ضربات قلبها خوفاً وقالت بخفوت وحذر:
_ حاجة إيه ياعلاء، قلقتني.
كاد أن يتحدث حتى استمعوا لصوت صرخات وصال المستغيثة.
رواية قدر و وصال الفصل السابع عشر 17 - بقلم هدير ممدوح
وإذا كانت قلوبنا متعلقة ببعضها؛ إذن لماذا لم تنصفنا الحياة وتجمعنا.
ملأ صوت صراخ وصال أرجاء المنزل فانتفض الجميع مهرولاً إليها ومن بينهم قدر وعلاء، توقفوا بحديقة المنزل وهم يرون هذا المشهد حسن يسحب وصال بقوة يريد إخراجها من المنزل، فركض إليه علاء وقاسم يسحبونه من الخلف وقدر تحاول تخليص يد وصال من قبضته.
هتف قاسم بحدة:
_ حسن سيب أيدها أنت بتعمل إيه.
رد حسن قائلاً:
_ مستحيل مش هسيبها أنا عايز أتجوز وصال.
رد قاسم بإمتعاض قائلاً:
_ سيبها ياحسن مش عاوز أقسى عليك.
أجاب حسن قائلاً:
_ لا دعاء قالتلي أخطفها وإلا هي هتمشي من هنا، أنا مش عاوزها تمشي ياقاسم.
صرخ به قاسم قائلاً:
_ سيب أيدها ياحسن أحسنلك.
وغمغم علاء بهدوء:
_ حسن، بص على وصال شوفها هي خايفة منك إزاي أنت لو مش عايزها تمشي سيبها.
أمعن حسن النظر بملامح وصال الباكية وترك يدها بهدوء وتراجع للخلف.
أخذت وصال تمسد على معصمها برفق وقد صبغه اللون الأحمر من شدة قبضة حسن عليه، وعانقتها قدر وهي تربت على ظهرها.
فحدق قاسم بحسن قائلاً بقسوة:
_ بقا دعاء هي اللي قالتلك تخطف وصال.
هز حسن رأسه بنعم قائلاً:
_ أيوة، أنا بحب وصال وعاوز اتجوزها.
ألتفت قاسم إلى وصال التي كانت ترتمي في حضن قدر باكية، وود الآن لو ترتمي بحضنه هو، ابتعدت هي عن قدر ولثوانِ معدودة تلاقت أعينهم ببعض، نظر لها بتعمن؛ إلى تلك الدموع المنهمرة ووجهها الجميل الذي طلت عليه غيمة من الحزن، أشاحت هي بنظرها بعيداً فاستفاق هو عن شروده وصرخ قائلاً وهو يدلف للداخل:
_ دعاء، دعاء تعالي هنا.
كانت واقفة هي ووالدتها تشاهد ما يحدث وعندما رأتهم قادمين، واستمعت لصوته الغاضب ، ألتفوا مهرولين لداخل البيت، كادت دعاء ان تتعثر وهي تصعد راكضة للأعلى تحتمي بغرفتها من بطشه فرأها هو وصاح بغضبٍ أعمى:
_ أقفي عندك.
تبادلت النظر مع والدتها وألتفوا للوراء ينظرون له، حدجهم هو بنظرات قاتلة وهتف بحدة:
_ عمتي أنتي وبنتك وابنك لمي هدومكم وأمشوا من هنا.
صرخت أماني به قائلة:
_ نعم بتطردني من بيت أبويا عشان واحدة غريبة ده بعدك يا ابن أخويا.
قالت أمينة بحدة:
_ طول عمرك محرات شر يا أماني، بس وصلت أنك تستغلي أبنك عشان يخطف بنت الناس لحد هنا وكفاية، أرجعي بيت المرحوم جوزك.
قالت ألفت بهدوء:
_ مفيش داعي لكل ده يا أمينة أحنا مجناش نخرب البيت ونعمل مشاكل، يلا يابنات كل واحدة تروح تجهز شنطتها وتلبس هنمشي من هنا.
قال قاسم بنبرة صارمة حاسمة:
_ محدش هيمشي من هنا غير عمتي وبنتها.
قال علاء بلهجة حازمة:
_ قاسم عشان منخسرش بعض أكتر من كده متقفش في وشنا، أحنا هنمشي.
نكس قاسم رأسه بخجل مما حدث، ورحلت ألفت والفتيات من أمامهم لترتيب أمتعتهم، وعقدت أماني يدها أمام صدرها وهي تنظر لهم بحقد وتشفي.
بعد قليل اجتمع جميعهم بساحة المنزل وقاسم وعلاء يحملون الحقائب ويضعونها بالسيارات، وبعد وداع حار من السيدة أمينة أخذ كل شخصاً منهم مكانه بالسيارة، عدا علاء الذي عانق قاسم بود وقال:
_ أشوف وشك على خير يا قاسم.
بادله قاسم العناق قائلاً:
_ لينا زيارة قريب يا ولد عمي.
هز علاء رأسه قائلاً:
_ إن شاء الله.
أنطلقت السيارات خلف بعضهم عائدين إلى ديارهم.
"بمنزل أيمن"
كان جالس بصالون منزله واضعاً هاتفه على أُذنه منتظراً الإجابة من أحدهم، حتى آتاه الرد من الجهة الأخرى قائلاً:
_ أيمن باشا، معاك.
رد أيمن في هدوء:
_ أهلاً بحضرتك أستاذ علاء، انا إن شاء الله النهاردة على بليل هكون عندك هاجي أخد وصال.
رد علاء قائلاً:
_ تنورنا أكيد في أنتظارك.
أيمن:
_ متشكر على كل حاجة عملتها.
اجاب علاء قائلاً:
_ ده واجبي، هنتظر حضرتك نبقا نتكلم، عشان حالياً أنا سايق.
هتف أيمن على عجل:
_ تمام معطلكش أنا بقا.
أنهى أيمن المكالمة، وتقدمت منه ثناء قائلة بأحترام:
_ أيمن بيه تحب أحضر إيه النهاردة على الغدا، الست نجلاء كانت بتقولنا على حاجه بس بما أنها مش هنا فقلت أسألك.
وثب ايمن قائماً وهو يقول:
_ ولا حاجة يا ثناء أنا أصلاً هسافر دلوقتي.
ألقى جملته وغادر من أمامها.
في إحدى العمارات السكانية واقفة نجلاء تطرق أبواب شقةٍ ما، حتى طل منها وائل قائلاً:
_ نجلاء، أهلاً.
ردت نجلاء بأقتضاب قائلة:
_ فين الفلوس يا وائل.
قال وائل بهدوء:
_ طيب أدخلي تعالي نتكلم جوة.
دلفت نجلاء على مضض وجلست على إحدى الأرائك وقالت بحدة:
_ أنجز عملت إيه بالفلوس.
رد وائل بحنق قائلاً:
_ هقولك.....
قص عليها مخطط مجدي.
فضحكت هي بصخب قائلة:
_ أيمن عرف كل حاجة، وهو اللي عمل كده وطلقني كمان.
هتف وائل بتعجب:
_ طلقك!!
قصت نجلاء عليه مخطط أيمن.
فقال وائل ساخراً:
_ يعني أنتي بقيتي على الحديدة.
أردفت نجلاء:
_ أيوة، عشان كده جيتلك.
أجابها بأمتعاض:
_ وجاية ليه؟
ردت هي قائلة:
_ إيه اللي جاية ليه أنت ناسي أنا اللي لقيتلك الوظيفة عند أيمن وأديك أتأجرت شقة وعايش من خيري.
عقد وائل حاجبيه وهتف بغضب:
_ خير يا أم خير، يلا يانجلاء أمشي من هنا مش عاوز أشوف وشك، وبعدين لو على الوظيفة أيمن دلوقتي هيطردني ياحلوة.
أجابته بحدة تجلت في نبرتها قائلة:
_ يعني إيه أنا هصفى فالشارع من غير ولا حاجة.
أجاب وائل بلا مبالاة قائلاً:
_ أرجعي لحارتك القديمة، أعملي اللي تعمليه مش قصتي.
واستقام جاذباً يدها وهو يقول:
_ يلا بقا يانجلاء من هنا، مش ناقص وجع دماغ أنا.
تاركها أمام شقته وصفع بابه بوجهها.
فانتفض جسدها وانهمرت الدموع من عينها ولكنها أزاحتها سريعاً وقالت بوعيد:
_ لا أنا مش ضعيفة هندمكم كلكم مش هسكت.
مضت الكثير من الساعات، واسدل الليل ستائره الحالكة، وصل علاء وعائلته للمنزل وجلسوا جميعاً بالصالون والتعب ظهر على ملامحهم.
تأففت أميرة قائلة بإنهاك:
_ أوف أخيراً وصلنا تعبت من قعدت العربية دي حاسة ضهري وقف كده.
قالت والدتها بوهن:
_ أنتي لسة شباب يابنتي أومال أنا أعمل إيه.
قاطع حديثهم علاء قائلاً بجمود:
_ أيمن أخو وصال قرب يوصل لهنا.
قالت وصال بدهشة:
_ ليه إيه اللي جيبه.
أجابها علاء بملامح جامدة:
_ جاي ياخدك، أخوكي مش وحش زي ما أنتي فاكرة.
ردت وصال قائلة:
_ أنا فعلاً همشي من هنا بس مش مع أخويا.
همست قدر بتريث:
_ اهدي يا وصال أكيد جاي في خير.
هتف علاء قائلاً:
_ بالظبط.
وقص عليهم ما فعله أيمن لحمايتهم وتخليصهم من وداد.
شهقت قدر قائلة:
' يعني هو اللي أنقذنا، الحمدلله إن شاء الله كل حاجه هتنصلح يا وصال.
كادت وصال ان تتحدث ليقاطعهم صوت خطوات شخص تتقدم منهم، نظروا جميعهم لذلك الشاب الذي لم يكن غير أيمن.
استقام علاء مرحباً به وقال وهو يصافحه:
_ نورت يا أيمن أتفضل.
أجاب أيمن بخفوت:
_ بنورك.
ووقع نظره على شقيقته واسترسل قائلاً:
_ مش هتسلمي عليا يا وصال.
أشاحت وصال وجهها للجهة الأخرى ولم تعيره اي اهتمام.
فقالت ألفت:
_ أهلاً بيك يا ابني نورت، الأحسن تتكلموا أنت وأختك على إنفراد.
أجاب أيمن بإبتسامة:
_ متشكر لحضرتك.
وتابع وهو ينظر لـ قدر:
_ أخبارك إيه ياقدر.
ردت قدر بلطف:
_ أنا بخير الحمدلله يا أستاذ أيمن.
تقدمت منهم العاملة، وقالت ألفت:
_ طلعيهم على أوضة الضيوف يا ام نور، وأنتي يا وصال روحي مع أخوكي يلا يا بنتي.
نظرت وصال لـ قدر فهزت قدر رأسها لها تحثها على الذهاب.
فغمغمت بخفوت:
_ تمام.
"بالغرفة"
جلست وصال على طرف الفراش وبجانبها شقيقها أيمن الذي سحب كفها برفق وضمه براحتيه وقال:
_ أنا عارف اللي سمعتيه كان قاسي، بس صدقيني أنا عمري ما كنت هعمل كده يا وصال، أنتي أمانة عندي، أنا بعتبرك بنتي.
قاطعته وصال ساخرة:
_ بنتك، عشان كده كنت بتسمع كلام مراتك وفضلتها عليا من يوم ما جات، حتى دادة سامية اللي أنت عارف ان روحي فيها بسببها مشيتها.
قال أيمن بنبرة نادمة يتخللها الخزى:
_ مش هنكر اللي قولتيه وإني فعلاً كنت ماشي وراها، بس أنا طلقتها ومش عاوز غيرك أنتي وبس، أنا كنت مغفل.
قاطعته وصال قائلة بدهشة:
_ أنت طلقتها بجده.
أومأ رأسه قائلاً:
_ نجلاء كانت عاوزة تسرقنا وتمشي، هحكيلك كل حاجة.
بدأ أيمن بقص أفعال زوجته، وكيف اكتشفها، وأنه هو من قام بحمايتهم أثناء رحلتهم.
دمعة خائنة هبطت من عين وصال فاسترسل أيمن قائلاً:
_ كل حاجة هترجع زي الأول فلوس الأسهم اللي بعتها معايا، وهحاول أرجع الأسهم تاني، وكل حاجة هترجع زي ما كانت الأول.
صمت قليلاً ينتظر إجابة منها، ولكن طال انتظاره فقال بتأني:
_ هترجعي معايا صح يا وصال.
هزت وصال رأسها بصمت وحررت قيد دموعها التي سرعان ما أغرقت وجنتاها، فعانقها أيمن بلهفة قائلاً:
_ أوعدك من النهاردة مفيش حاجة هتحصل غير اللي أنتي عاوزاه بس.
وابتعد عنها متابعاً حديثه:
_ أنتي جاهزة مفيش داعي نفضل كتير، أغسلي وشك وهنزل اقولهم ونمشي على طول تمام.
ردت وصال بخفوت:
_ تمام.
هبط أيمن للأسفل وزينت شفتيه إبتسامة رقيقة وقال:
_ أنا و وصال أتصالحنا وخلاص هنمشي.
وثبت قدر واقفة وهي تقول:
_ بالسرعة دي.
قال علاء وهو يؤشر له على أحد المقاعد:
_ طيب اتفضل اقعد الأول.
جلس أيمن وأردف قائلاً:
_ عندي أشغال كتير، لازم أمشي النهاردة.
غمغمت قدر وهي تمر من أمامهم:
_ أنا هطلع أشوفها.
"بالأعلى"
جففت وصال وجهها، وتوقفت أمام المرآه تعدل من حجابها، دفعت قدر الباب ودلفت للداخل وهي تقول:
_ كده يا وصال هتسبيني وتمشي.
هروالت إليها وصال وضمتها بود، وانهمرت دموعها وهي تقول:
_ فراقك على عيني، بس يمكن لحد هنا وانتهت حكاية وصال.
أبعدتها قدر عنها برفق وهي تقول:
_ لا الحكاية من هنا بدأت يا وصال، هنعيش الباقي من أيامنا بسعادة زي ما ربنا عوضني بـ علاء وبيكي؛ عن أوجاع الدنيا، فأكيد مش هيسيبك، كل حاجة هترجع زي ما كانت وأحسن.
ما أجمل ان يكون لك شخصاً يكمل الناقص منك، ان تكونوا جسدان ولكن بروح واحدة ان غاب أحدهم تهشم الأخر وأصبح رماد، ربما لم يخلقوا من رحماً واحداً لكنهم خلقوا من رحم الحياة.
وفي عناق حر ودعت وصال أميرة ووالدة علاء ورهف وجوري، وقفت أمام علاء قائلة:
_ شكراً لأنك فتحتلي بيتك ووقفت جمبي.
قال علاء بصدق:
_ ودايما هقف جمبك أنتي أختي الصغيرة يا وصال.
أجابت وصال بود:
_ شكراً من كل قلبي على كل حاجة.
أماء هو برأسه وابتسامة ودودة شقت ثغره.
عانقت وصال قدر مرة أخرى وأجهشوا الأثنان في بكاء مرير.
انفصلوا عن بعضهم ولوحت وصال بيدها للجميع وغادرت المنزل، تاركة الجميع متأثراً لرحيلها.
مضى الوقت بعد رحيل وصال.
علاء متمدد على فراشه وبيده هاتفه، تقدمت منه قدر قائلة:
_ علاء أنت كنت عاوز تقولي إيه الصبح.
اعتدل علاء قائلاً:
_ ياه ده أنا نسيت خالص، الحقيقه كنت عاوز أقولك خبر عن سيد.
بترقب وحذر تحدثت قدر بأحرف خرجت مرتجفة:
_ أوعى تقول أنه هرب.
نفى علاء قائلاً على عجل:
_ لا، سيد مات.
صدمة احتلت وجه قدر وتمتمت قائلة:
_ أنت بتتكلم جد، ده أزاي؟!
رد علاء قائلاً:
_ صاحبي كلمني الصبح وقالي أثناء نقله، العربية عملت حادثة كبيرة وولعت وجثته اتحرقت.
زفرت قدر بعمق وقالت بأطمئنان وراحة:
_ الحمدلله يارب، أنا عمري ما شمت في موت حد، وكنت أول ما أسمع ان فلان مات أدعيله، بس أنا مش مسامحة سيد يا علاء وهو دلوقتي بين أيد ربنا، والله ليس بظلام للعبيد وحقي جه أهو، يستاهل الألم اللي عاشه.
جذب علاء يدها وقبلها وقال برفق:
_ وكل اللي جاي هيكون خير وراحة، يلا تعالي نامي.
أشرقت الشمس بنورها الدافئ الهادئ لتعلن عن يوم جديد.
في منزل قاسم جالساً هو ووالدته بغرفتها.
قالت أمينة:
_ قولي يا ولدي في حاجة عاوز تقولها.
قال قاسم بصوتٍ أجش:
_ أيوة يا أمي أنا هدخل فالموضوع على طول، أنا عاوز اطلب أيد وصال.
ابتسمت أمينة قائلة برحابة صدر:
_ يا زين ما اخترت، البنت شكلها محترمة وهادية، بس يا ولدي أماني وبنتها مش هيسكتوا دول هيطفشوها.
رد قاسم قائلاً:
_ ما أنا جيت أحكي معاكي فالنقطة دي.
أنصتت له أمينة قائلة:
_ قول يابني.
قاسم:
_ الشركة فالقاهرة، وهنا مفيش لينا غير الأرض وكلها متأجرة، فأنا فكرت لو نسافر القاهرة ونسيب البلد، وكده لا أماني ولا دعاء هيكونوا عقبة في طريقنا.
صمتت قليلاً تفكر ثم ابتسمت قائلة:
_ على بركة الله يابني.
قبل قاسم يد والدته قائلاً بسعادة:
_ رقم اخوها عندي كان علاء باعته هروح اكلمه، وكمان هكلم علاء يجي معانا نطلبها، وأنتي جهزي نفسك، بكرة بعون الله هنكون هناك.
هزت رأسها بملامح مبتهجة لسعادة ابنها، بينما هو كطفل صغير غادر الغرفة بحماس كبير.
في منزل أيمن جالسة وصال على طاولة تتناول طعام الفطور، رأت أيمن يتقدم منهم وجلس بالمقابل لها فقالت:
_ إيه أتاخرت ليه، كنت بتكلم مين.
رد أيمن قائلاً:
_ تليفون عادي، مش ضروريه.
هزت رأسها بتفهم، وبدأوا بتناول الطعام فقال ايمن بتريث:
_ بقولك يا وصال، هي مين البنت اللي كانت معاكم في بيت علاء.
ضيقت وصال حاجبيها وقالت بتعجب:
_ مين اللي كانت معانا، يمكن تقصد أميرة أخت علاء.
اجابها أيمن:
_ مش عارف هي من دوركم كده وكان على رجلها بنت صغيرة.
اردفت قدر قائلة:
_ أيوة ماهي أميرة واللي على رجلها بنتها جوري.
لوى أيمن فمه قائلاً:
_ يعني طلعت متجوزة.
ابتسمت وصال قائلة بمرواغة:
_ هي الصنارة غمزت ولا إيه.
رد ايمن بعبوس قائلاً:
_ كنت ناوي اخلي الفرحة فرحتين.
قالت وصال بدهشة:
_ فرحة إيه؟
وثب ايمن قائماً وهو يقول:
_ أنا رايح الشغل، وبكرة على الغدا عندنا ضيوف، وهتعرفي كل حاجة.
صاحت وصال قائلة:
_ استنى فهمني بس، وبعدين ده أنا كنت ناوية اقولك إن أميرة منفصلة.
ابتسم وقال وهو يمر من أمامها:
_ بكرة هتعرفي سلام.
واقفة قدر أمام علاء وهي تقول:
_ أنت بتتكلم جد، يعني بكرة قاسم هيروح يطلب وصال.
رد علاء قائلاً وهو يبتسم على مظهرها:
_ أيوة يابنتي أكيد جد، هو كلم أيمن ووافق يقابله ومن بعدها كلمني عشان بكرة كلنا هننزل القاهرة معاه.
قالت قدر بحماس طفلة:
_ يعني كمان هشوف وصال، أنا مش مصدقة.
ضربها علاء على جبينها بخفة وهو يقول:
_ لا صدقي ياهبلة، قاسم هينزل على القاهرة على طول عنده شقة هو هناك، ونتقابل كلنا ونروح عند وصال.
عانقته قدر بفرحةٍ عارمة وهي تقول:
_ شكراً يا لولو ياحلو أنت.
دفعها علاء برفق قائلاً بغيظ:
_ لولو، ابعدي من وشي كده يما.
قهقهت قدر بصخب عليه، وهي تضرب كفٍ بكف.
مر اليوم عليهم دون أي أحداث جديدة ليأتي الغد مكملاً لبعض الحكايات.
الساعة الثانية ظهراً، وخصوصاً أمام منزل ايمن ووصال، طرقات على الباب تليها دخول قاسم ووالدته وعلاء وعائلته، كانت وصال تعلم بمجيئ ضيوف لأخيها وطلب منها ان تستقبلهم، فاقتربت وصال من الباب وصاحت قائلة بتعجب:
_ أنتي.. قدر!!
وبخطوات سريعة، ألقت وصال نفسها داخل أحضان قدر، وعانقتها قدر بود.
قالت أميرة بتذمر:
_ إيه يا ست وصال، هترحبي بقدر والباقي لا.
ابتعدت وصال عن قدر قائلة:
_ لا طبعاً، اتفضلوا كلكم خلينا نقعد جوة.
دلف جميعهم بصالون المنزل ومر بأخرهم قاسم فغمز لها واشاحت هي وجهها للجهة الأخرى وابتسمت بخجل.
جاء أيمن من الأعلى مرحباً بهم وصافحهم بحرارة.
قالت أمينة بتريث:
_ بص يابني عشان مطولش عليكم احنا جايين نطلب أيد وصال لأبني قاسم.
ابتسم أيمن قائلاً بلطف وترحاب:
_ شرف لينا نسب حضرتك.
وقبل ان يكمل حديثه، قاطعته العاملة وهي تقول، أستاذ أيمن الست نجلاء برة ومصرة تقابلك.
ابتسم ايمن بخجل ووثب قائماً وهو يقول:
_ عن أذنكم يا جماعة، هحل مشكلة بسيطة بس وهرجع.
ردت امينة قائلة:
_ ماشي يابني ولا يهمك.
ذهب ايمن من أمامهم، ليتجه لبوابة منزله، وما ان راته نجلاء حتي اقتربت منه قائلة:
_ أيمن، أبوس أيدك خلينا نرجع وننسى كل اللي فات أرجوك أنا حياتي أدمرت من غيرك.
رد أيمن قائلاً بحدة وصوت منخفض:
_ نجلاء اطلعى من هنا أحسنلك أنا دلوقتي عندي ضيوف ومش عاوز أعلى صوتي، واحمدي ربك إني سبتك تمشي وإلا كان ممكن احبسك، عيشي حياتك بعيد عني، لأني كمان هتجوز وأعيش حياتي.
ونظر للعاملة الواقفة بمقابلهم وقال:
_ ثناء اقفلي الباب وراها يلا.
ألتفت هو مغادراً، بينما كفكفت هي دموعها قائلة:
_ هيتجوز، لا مستحيل.
العاملة بأحترام:
_ مدام نجلاء ابعدي شوية أنا لازم أقفل الباب دلوقتي.
دفعتها نجلاء بحدة، وهرولت راكضة للداخل، وصاحت قائلة:
_ أنا مستحيل أخليك تتجوز يا أيمن فاهم.
أستمع الجميع لصوتها ووقفوا مندهشون من امرها اقتربت وصال من شقيقها ووقفت بجانبه وضعت يده على كتفه وقالت بخفوت:
_ أيمن اتصرف معاها، بلاش فضايح قدام الناس.
دارت نجلاء نظرها بين الحاضرين، حتى وقع نظرها إلى ذاك السلاح الذي كان بجيب بنطال علاء، وعلى غفلة منهم اقتربت منه وقامت بسحبه ، شهق الجميع خائفاً، بينما شهرت هي السلاح بوجه أيمن وقالت:
_ أنت دمرت حياتي، ودي مش هتبقا نهايتي، مش هعيش فالحواري الفقيرة تاني يا أيمن مستحيل.
تقدم علاء خطوة منها وقال بحدة:
_ سيبي السلاح أحسنلك.
وجهت هي السلاح بوجهه وقالت بتحذير:
_ لو قربت مش هتردد ثانية أضرب عليك.
أمسكت قدر ذراعه بخوف تسحبه للخلف.
بينما حركت نجلاء يداها لتعيدها بوجه أيمن وقالت:
_ كان لازم حكاية تنتهي يا أيمن.
لحظات مرت عليهم بين خوف وقلق ، حتي خرجت طلقة من فوه السلاح.
تليها صراخ الجميع بأسم وصال.
رواية قدر و وصال الفصل الثامن عشر 18 - بقلم هدير ممدوح
خرجت طلقة من فوهة السلاح، لتستقر بجسد وصال التي بلمح البصر أسرعت لتقف أمام أخيها تفديه بروحها.
صدمة احتلت ملامح الجميع مع صراخهم بأسمها، وتلقى أيمن شقيقته بين يديه ولم يستطع الوقوف بل جثى بها أرضاً، بينما سقط السلاح من يد نجلاء ووضعت يدها على فمها وهي تهز رأسها يميناً وشمالاً وانهمرت دموع الندم على وجنتيها.
أسرع علاء بإمساك سلاحه والقبض على ذراع نجلاء، وبيده الأخرى طلب إحدى الأرقام بهاتفه.
التف الجميع حول وصال فصرخ قاسم قائلاً وهو يرى دمائها التي أغرقت ملابسها:
_بسرعة خلينا ناخدها على المستشفى.
لم يجد رداً من أيمن فأسرع هو بحملها وركض بها للخارج وخلفه العائلة عدا علاء الذي صاح قائلاً:
_هسلم دي الأول وأجي وأكم.
وقالت أميرة للعاملة بعجلة:
_خلي رهف وجوري معاكي.
أجابت العاملة بصوت متحشرج أثر البكاء على وصال التي كانت تعاملها بلطف:
_حاضر ياهانم.
جلست قدر أولاً بالسيارة، ووضعت وصال بجانبها فضمتها قدر لها ووضعت طرف حجابها على جرحها لتمنع النزيف.
صعد قاسم بالأمام وانطلق، بينما قالت أميرة لـ أيمن الذي كان يقف كالمتغيب:
_يلا يا أستاذ أيمن خلينا نلحقهم بسرعة.
ربتت أمينة على كتفه قائلة:
_يلا يابني مفيش وقت.
غمغمت ألفت بأطمئنان وهي تربت على كتفه:
_هتكون بخير، مش هيحصلها حاجة، بس فوق أنت كده ويلا نحصلهم.
هز أيمن رأسه وصعد بالسيارة وهم بالخلف، وانطلق بهم.
بعد قليل من الوقت توقف قاسم أمام إحدى المستشفيات، وأسرع بحمل وصال وولج للداخل وخلفه قدر. رأوه الممرضات، فأسرعوا بجذب ناقلة ووضعها قاسم برفق عليها وتم نقلها للطوارئ.
دلف أيمن والباقية وهو يقول:
_حد قالكم حاجة.
قالت قدر بصوت ممزوج بالبكاء:
_أخدوها مننا لسة محدش طلع.
بعد عدة دقائق اقتربت منهم الممرضة وهي تقول:
_هندخل المريضة العمليات لأستخراج الرصاصة، محتاجين دم الفصيلة o موجب.
هتف قاسم على عجل:
_أنا نفس الفصيلة.
قالت الممرضة:
_أتفضل معايا.
ذهب قاسم خلف الممرضة وجلس الجميع على المقاعد خلفهم. بعد قليل تقدم منهم علاء وهو يقول:
_وصال عاملة إيه هي بخير.
ردت قدر ومازالت دموعها لم تجف:
_خدوها على العمليات، وقاسم راح يتبرعلها بالدم.
جلس علاء بجانبها وجذب رأسها برفق لتستقر على كتفه، وقال بتريث وهو يمسد على ظهرها:
_وصال قوية وهتكون بخير.
غمغمت قدر بخفوت:
_ يارب.
انضم إليهم قاسم بعد قليل فقالت والدته:
_اتلاقيك دايخ تعالى اقعد ياولدي.
أجاب قاسم بصوتٍ ضعيف:
_أنا بخير يا أمي.
وثب علاء قائماً وهو يقول:
_أنا هروح اجيبلك عصير وأجي.
هتف قاسم سريعاً:
_لا ياعلاء متجبش حاجة، أطمن على وصال الأول وابقا اجيب اللي عاوزينه.
هز علاء رأسه بصمت وجلس بمكانه.
مضى ما يقارب الساعتان وهم بأنتظار خروج أحد، والقلق ينهش بقلوبهم. قالت قدر بقلق وغضب في آن واحد:
_عدى ساعتين ومحدش طمنا، أمتى هيخلصوا بقا.
قالت أُلفت بهدوء:
_أهدي يابنتي متقلقيش ربنا يخرجها بالسلامة.
وقبل ان ترد قدر قاطعهم خروج الطبيب، فاستقاموا واقفين وقال أيمن بصوتٍ مرتجف:
_وصال كويسة يا دكتور.
ابتسم الطبيب قائلاً بعملية:
_هي بخير دلوقتي وصحتها زي الفل مفيش داعي للقلق، هيتم نقلها لأوضة عادية، أول ما اتفوق من البنج تقدر تشوفها عن اذنكم.
غادر الطبيب، وتنفس جميعهم براحة.
وقالت قدر بهدوء وهي تتنفس الصعداء:
_الحمدلله يارب، الحمدلله كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
رددت أمينة خلفها قائلة:
_الحمدلله يا بنتي أنها بخير.
قبض علاء على ذراع قدر برفق وقال:
_تعالي معايا عايزك.
ذهبت قدر معه بهدوء حتى خرجوا من المستشفى فقالت قدر بتعجب:
_علاء أحنا رايحين فين.
أجاب علاء قائلاً:
_في مطعم هنا جنب المستشفي، هنروح عشان تاكلي حاجة.
اجابت قدر بضيق قائلة:
_يا علاء مش وقته دلوقتي لم اطمن على وصال الأول.
قال علاء بحدة طفيفة:
_لا وقته، وصال كويسة والحمدلله خرجت بالسلامة، انما أنتي ما اكلتيش حاجة من الصبح، قولتي أخاف أستفرغ فالعربيات واحنا دلوقتي داخلين على المغرب، بلاش عِند عشان صحتك.
هزت قدر رأسها وقالت بخفوت:
_تمام يلا.
بمطعم قريب من المستشفى، جلست قدر وعلاء مقابل بعضهم وأمامهم أطباق الطعام. ممسكة قدر بالمعلقة تقلب الطعام بعشوائية، فانتبه لها علاء قائلاً:
_قدر حبيبتي كلي.
قالت قدر بأعين تلتمع بها الدموع:
_وصال عانت بظبط زي ما انا عانيت ياعلاء. هي من طفولتها خسرت أهلها كان بس أخوها معاها، ولما اتجوزت هي حست انها لوحدها، كبرت شوية وخسرت حلمها، ورضيت بكلية غير اللي بتحبها.
زفرت بعمق واسترسلت قائلة:
_وعاشت حلم جديد وهو أنه هتنجح وتستلم الشغل وشركة والدها تكبر، ولما افتكرت انه أخوها هيخدعها وياخد الميراث هي ضهرها انحنى، ولو مكنتش أنا موجودة كان زمانها اتكسرت بجد.
همس علاء وهو يربت على كفها بحنو:
_طيب وانتي، أحكيلي عنك.
ابتسمت قدر قائلة:
_أنا أحلامي بسيطة نفسي أكون من حفظة القرآن الكريم وانجح في كليتي واستلم وظيفتي، واتجوز شخص طيب هين لين حافظ للقرآن نعين بعض على طاعة الله.
وهبطت دمعة من عينيها وتابعت حديثها قائلة:
_أول ما والدي اتوفى، حسيت اني عمري زاد الضعف، عمي رأفت سافر هو وعيلته ومبقاش يسأل علينا، شقتنا كانت بالإيجار والقسط زاد علينا، نقلنا الشقة، وجينا لهنا وقابلت ابشع كابوس في حياتي سيد.
ضغط علاء على كفها يحتضنه وقال بتريث:
_كملي خرجي كل اللي جواكِ أنا مستعد اقعد العمر كله اسمعك.
أردفت قدر قائلة والدموع تنساب من عينيها:
_رسم على ماما الحب، مع أنه كان أصغر منها بحوالي خمس سنوات، فضل وراها سنة كاملة وبعد كده اتجوزها، بس علشان يوصل ليا. مرت الأيام وأنا الحقيقة مكنتش متقبلة وجوده وسطنا بس عشان ماما سكتت. ولما ماما ماتت انكسرت، كتمت كتير جوايا، وفضلت ساكتة.
قبل علاء كفها وقال بصدق وعشق منبعث من داخل أعماقه:
_أوعدك ان كل اللي جاي خير وسعادة.
كفكفت هي دموعها قائلة:
_ترتيبات ربنا جميلة أوي يا علاء، الوشوش انفضحت قدامنا أنا ووصال، وأنت وقاسم طلعته قدامنا وسيد مات وخد جزاته، وأنا من كل قلبي راضية كل الرضا وسعيدة.
ابتسم علاء قائلاً:
_طيب يلا كملي أكل عشان نروح نشوف وصال.
"في المستشفى"
ألتف الجميع حول وصال بعدما استيقظت وقالت هي بوهن:
_أيمن أخويا كويس.
دنا أيمن منها وقال:
_أنا بخير، المهم أنتي دلوقتي.
ابتسمت بضعف قائلة:
_أنا بخير الحمدلله.
قالت ألفت وأمينة بصوتًا واحد:
_حمدالله على سلامتك يابنتي.
وتمتمت أميرة بنبرة مرحة لتلطف الأجواء:
_قلقتينا عليكي ياصولا ياقمر أنتي.
ردت وصال قائلة:
_الله يسلمكم، أنا اللي تعبتكم معايا.
قاطعت حديثهم مجيئ الممرضة وهي تقول:
_ما ينفعش كل ده هنا لو سمحتم اطلعوا برة خلوا المريضة تعرف تتنفس.
ردت ألفت قائلة:
_هنطلع يابنتي أهو كنا بنطمن عليها بس.
خرج الجميع من الغرفة، وجاءت قدر بعد قليل هي وعلاء وقالت بلهفة:
_وصال فاقت.
أجابها أيمن:
_أيوة ياقدر ادخلي شوفيها، لسة الممرضة خارجة قبل ما تيجي على طول.
هزت قدر رأسها ودفعت الباب ودلفت للداخل. نظرت لـ وصال الممتدة على الفراش بملامح متعبة وعيناها مغلقتان، سحبت كرسي كان بـ أخر الغرفة ودنت منها وضمت يدها براحتيه وقالت بلهفة ممزوجة بغصة باكية وهي تقبل كفها:
_بقا كده كنتي عاوزة تسبيني وتمشي وانتي عارفة ان قدر متقدرش تعيش من غير وصال.
"ولا وصال تقدر تعيش من غير قدر"، هكذا خرجت الكلمات من جوف وصال.
فابتسمت قدر قائلة:
_أيوة كده سمعيني صوتك.
"بالخارج"
قال أيمن موجهاً حديثه لـ علاء:
_نجلاء فين دلوقتي يا علاء.
أجابه علاء قائلاً:
_أيوة أعتقلوها، متقلقش هتتحاسب.
قاطعهم قاسم قائلاً:
_أيمن، احنا مقدرناش نكمل كلامنا بسبب اللي حصل، بس عاوز أسمع منك جواب نهائي، أنت موافق على جوازي من أختك.
تمتم أيمن بخفوت وقال:
_أيوة موافق ياقاسم، بس الرأي الأخير لـ وصال.
خطا قاسم من أمامهم باتجاه غرفة وصال وهو يقول:
_طيب هروح أسمع جوابها أنا.
دفع باب الغرفة ووقف أمامهم وقال وهو ينظر لـ وصال بتمعن:
_موافقة نخطف من الدنيا كام يوم حلوين قبل ما تخطفنا هيا.
قالت وصال بتعجب:
_أيه، مش فاهمة.
تحدث قاسم ساخراً:
_هي الطلقة جات في نفوخك ولا إيه، موافقة تتجوزيني ياستي.
اجابته بعند قائلة:
_والله، وهو في واحدة تقبل تتجوز واحد يتقدملها بالطريقة دي.
قال قاسم بحنق:
_ياستي وافقي، وابقا اراضيكي في بيتنا.
ضحكت قدر على حركاتهم الجنونية وقالت:
_والله انتو الاتنين مجانين، ويلا ياست وصال قولي ماشي خلينا نفرح.
بعد مرور شهر وبإحدى قاعات الزفاف الكبرى بساحة الرقص كان يحاوط علاء قدر بحنان وهم يتمايلون على انغام الموسيقى الهادئة وهمس قائلاً:
_وأخيراً بقيتي ليا.
ابتسمت هي بخجل ونكست رأسها ارضًا.
بينما قاسم ووصال بالقرب منهم، قالت وصال بحدة:
_ياعم بقا دوست على طرف الفستان.
أجابها هو بغضبٍ قائلاً:
_والله ما عارف إيه الوقعة المهببة دي، لسانك ده ولا سواق قطر أعمي، ارحمي روحك ده النهاردة فرحنا.
اجابته هي بغيظ:
_ماشي لما نروح بيتنا هوريك يا قاسم الزفت أنت.
غمز هو بعنيه وتمتم قائلاً:
_وعلى رأي المثل ضرب الحبيب زي أكل الزبيب ياقمر أنت.
وبالقرب منهم العروسين أيمن وأميرة، قال أيمن بصوت منخفض:
_والله مش مصدق ان مامتك وافقت والنهاردة فرحنا يا أميرتي، فاكرة لما روحت قولتلها، إيه رأيك يا طنط نخلي الفرحة تلاتة وتكسبي ثواب فيا.
قهقهت هي بخفوت قائلة:
_اه، كان شكلك أهبل أوي.
ابتسم هو قائلاً:
_كله يهون عشان خاطرك يا جميل.
"بعد مرور أربع سنوات"
تخرجوا الفتيات من جامعتهم واستقرت كلا منهم بمنزل زوجها.
صرخت قدر قائلة:
_وصال، تعالي أبعدي أبنك عن بنتي، دي زيارة مهببة، أحنا مش هنيجي بيتكم تاني.
اقتربت منها وصال ببطن منتفخ اثر الحمل وقالت:
_واد يا مالك تعالى هنا وسيب مليكة.
قالت قدر بحنق:
_يا شيخة ده اللي قدرك عليه ربنا، أنا لو منك أمسك أبنك أرنه علقة محترمة، وبعدين مين قالك احملي عليه تاني، أنتي قادرة على واحد عشان تقدري على التاني.
قالت وصال بتعب وتنهيدة:
_قلت اجيبهم ورا بعض ياختي عشان ارتاح.
ردت قدر ساخرة:
_وامتي الراحة كانت على الدنيا، أنتي مش هترتاحي غير لما تموتي.
تقدم منهم علاء وقاسم وأيمن وأميرة وهي تحمل طفلاً صغير على كتفها. فقال علاء:
_قدر حبيبتي ناوليني كوباية مية من عندك.
قال قاسم:
_وانتي يا وصال، جهزتي الغدا.
حاوط أيمن كتف أميرة وهو يقول:
_عملتي صينية البشاميل اللي بحبها من ايدك ياحياتي.
ابتسمت أميرة وقالت:
_ها إيه رأيكم في الحياة الزوجية.
تبادل قدر ووصال النظر لبعضهم ليقولوا في صوت واحد:
_زفت.