تحميل رواية «كبد المعاناه» PDF
بقلم نور ناصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أتمنى ألا تعطلينا في يوم الزفاف، جهزي كل شيء قبلها يا ديما. قلت بغضب: مالك، من تقصد بالعطل؟ أنا. ضحك مالك وقال: بل أنا. قلت: أنت محق في هذا. اقترب مالك مني، نظرت له وإلى اقترابه. قال: أنا محق منذ اختياري لك. خجلت بشدة من نظرته وعينه، وتصاعدت الدماء والحرارة تجتاح جسدي. نظرت بعيدًا أتحاشى النظر إليه. ابتسم مالك وقال: مر 5 سنوات على حبنا وما زلتِ تخجلين مني، لتنسي أنني الآن زوجك يا ديما. قلت: تأخرت سلمى، اتصل بها لنذهب. ابتسم مالك لأني قمت بتغيير مجرى الحديث. قال: حسناً، أوامرك. ابتسمت، ثم بعد قلي...
رواية كبد المعاناه الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم نور ناصر
انتِ ماذا... تحبيه؟
قالها بغضب وصوت مرتفع.
سالت دموع من عيني: سينتهي كل شيء يا ديما، لكن بزواجنا، سيتم الزواج كما هو مخطط من البداية، وإن يلغى شيء.
اتسعت عيني، أقفلت المكالمة وكأنه يمنع مجال الحديث.
نظرت للهاتف، وضعت يدي على وجهي وبكيت من وضعي وما أصبحت فيه وتحول شهاب.
قال إن الزواج سيتم، لم يوافق على قراري.
أنا لا أريد، أعلم أني أخطأت بحقك، لكني أمنع عذاب لنا نحن الاثنان.
---------------
اطرديها.
نظرت لها بشدة، قلت: ماذا؟
لا يعجبني أن تكون بجانبك يا سليم.
قالتها أريا بغضب وكانت تقصد ديما.
تنهدت بضيق، نظرت لها: ماذا تريدين؟
أن تبتعد عنا، أقطع صلة العمل وأطردها.
قلت بدهشة: ماذا تقولين؟
ماذا... إن لم تكن تريد أن تطردها، أرسلها لأحد فروعكم لكن بعيدة عنك وليست مساعدتك الشخصية.
قلت بغضب: أنتِ لن تقولي ما أفعله وتحددي من يعمل معي.
وهل ترين أن ليس من حقي...
قاطعتها، قلت: ليس من حقك، أنا لا أحد يتحكم بي يا أريا، والآن اذهبي لدي عمل ولست فاضي لك.
هل أعطلك عن عملك، أم تتهرب مني؟
تنهدت بضيق، وضعت يدي على جبهتي، قلت: اذهبي.
نظرت لي ثم ذهبت.
لا أنتِ يا أريا، ولا شهاب، ولا الجميع سيبعد ديما عني تحت أي سبب.
ستكون معي بقربي وبجانبي.
سينفك رباطها من شهاب، الذي بمجرد سماعها بأنها لا تحبه، رديت لي روحي الذي كانت غائبة طيلة تلك المدة.
أعادت البهجة والأمل إلي بعدما كنت فقدتهم، وأوحي لنفسي بسعادة كاذبة.
سمعت صوت من الخارج، تركت ما في يدي ووقفت، خرجت من مكتبي وجدت ديما تبكي وأريا واقفة وتنظر لها.
ماذا يحدث؟
نظرت أريا لي، نظرت لديما بدهشة، قلت: لماذا تبكين؟ ما الأمر؟
هل أسبب لك الإزعاج؟
نظرت لها باستغراب، أردفت قائلة: هل تتحمليني وتساعديني حتى الآن وتهتمي لأموري بسبب الدين والعملية وشعورك بالذنب حتى الآن؟
تعجبت كثيراً ولم أكن أصدق ما تقوله.
عملية ماذا؟ وعن أي دين تتحدث؟
قلت: ماذا تقولين يا ديما؟
هل أسبب لك المشاكل حقاً؟
نظرت لأريا، قلت بغضب: ماذا قلتِ لها؟
لم ترد علي، فقالت ديما: لم يخبرني سليم أنه لا يريدني، وإلا لكنت تركت العمل، وها أنا سأتركه.
قالت أريا: يكون أفضل.
اذهبي يا أريا.
ماذا؟
اذهبي.
قلتها بغضب وصوت مرتفع.
نظرت لي ثم نظرت لديما وذهبت.
كانت معدتي تتألم.
نظرت لديما، اقتربت منها، قلت: ديما.
وافق على استقالتي، لا أود أن أتعرض للإهانة مجدداً.
أتريدين ذلك؟
رفعت وجهها ونظرت لي، كانت عيناها محمرتان ورموشها مبتلة أثر دموعها.
شعرت بالحزن وأنا أنظر لها.
هل تنتظرين موافقتي لتتركي العمل؟ هذه رغبتك يا ديما.
صمتت قليلاً ثم قالت: لا.
ألقت بأنظارها إلي وأكملت: أنا لا أريد ذلك.
شعرت بالسعادة والارتياح، لكن ألم معدتي لا أزال أشعر به.
قمت بصب بعض الماء لي، أخذت الدواء الذي أصبح شيئاً مهماً معي دوماً، فهو يريحني كثيراً.
رن هاتفي، نظرت، وجدتها أريا، ضاقت ملامحي وأغلقت الهاتف.
في المساء دخل أيهم، نظرت له.
جئت لأودعك.
ابتسمت، قلت: عن أي وداع تتحدث؟ سألحق بك.
ابتسم، اقترب مني، صافحني وعانقني وبادلته ثم ابتعد.
لا تتأخر وتنشغل بأمورك هنا، فقد تعطل العمل هناك بسببك وبسببي وسيأتي فوق رؤسنا جميعاً.
ألم يحن موعد طائرتك؟
إنك مستعجل على رحيلي، هل ستأتي ديما معك؟
نظرت له بشدة وتبدلت ملامحي، قلت: لماذا تسأل؟
مجرد سؤال.
نظر لساعته، قال: علي الذهاب.
التفت وذهب.
كنت أشعر بغرابة من أيهم لديما وتحدثه معها بغير تلقيب ورسمية كما يجب، وهذا السؤال الذي طرحه علي، إنها مساعدتي بالفعل وأنت تعلم أنها ستأتي حسب عملها ترافقني أينما كنت، فلما لتسأل عنها؟ ما دخلك بها؟
انتهى اليوم وعدت لمنزلي ولم أذهب لمنزل جدي، فقد اكتفيت بالجلوس هناك.
دخلت غرفتي، بدلت ملابسي، رن هاتفي وكانت أريا تهاتفني من الصباح، قمت بالرد عليها.
سليم أين أنت؟
في المنزل.
هل عدت، أنت حزين مني سليم أنا...
أريد النوم، نتحدث لاحقاً.
حسناً.
أغلقت الهاتف وذهبت للنوم.
استيقظت على أذان الفجر وكنت أتقلب كثيراً في فراشي، اعتدلت وكنت أتعرق.
ذهبت واغتسلت وجهي بمياه باردة وتوضأت.
تذكرت الدواء، لكنه كان قد انتهى وليس لدي ما أخذه.
نظرت في الساعة ولم أنتظر وقمت بمكالمة لطبيب.
لم أعرف ماذا أفعل إلى أن هذا الدواء لا أستغني عنه منذ بدايتي في أخذه.
رد علي بعد مكالمتين وأخبرته عن الدواء، أخبرني أن أنتظر لغداً، لكن قلت أني لا أستطيع الانتظار، فأخبرني أن آتي له أو أرسل أحد ويعطيه الدواء.
تعجبت وسألته: أليس موجود في الصيدليات؟
أخبرني: لا، وأنه دواء نادر قليل ما يأتي لهنا لذلك يوجد قلة.
أرسلت أحد حراسي له وبقيت أنا في انتظاره.
صليت الفجر، بعدما سلمت، جاءت الخادمة وأعطتني الدواء الذي أحضره الحارس وأخبرها أن تعطينيه إياه.
أخذت قرص وشربت كوب ماء، تنهدت وجلست على فراشي ثم عدت لنومي.
استيقظت من نومتي وكنت قد تأخرت.
دَلفت لدورة المياه، أخذت حماماً وخرجت، قمت بتبديل ملابسي، كنت أقفل أزرار قميصي.
طرق الباب وكانت الخادمة: سيد سليم.
نظرت لها، أكملت، قالت: سيدة أريا هنا.
أريا!
دخلت أريا، نظرت لها، قالت: أعتذر على مجيئي.
تعجبت، نظرت للخدمة، فأومأت لي وذهبت.
عدت في تعديل ملابسي: ما الأمر؟
قلتها بتساؤل وبرود دون أن أنظر لها.
اقتربت ووقفت بجانبي: لما لا تنظر لي؟ أكل ذلك من أجل ديما؟
نظرت لها، قلت: ماذا قلتِ؟ جعلتها تبكي وتريد ترك العمل.
لا يا سليم، لم أكن أنا من أبكيتها قبل أن أتحدث معها، كانت تبكي.
لم أكن أقصد أن أقاطعها بحدة.
قلت: لا تكذبي يا أريا، بماذا أخبرتيها؟
نظرت لي باستغراب، قالت: قلت لها أنك تعاملها بلطف من أجل العملية لا أكثر وأن لا تأخذ هذا بشكل آخر.
وأخبرتها أن تترك العمل وتبتعد هي ومشاكلها حتى لا تتأثر.
انتقلت بغضب: ولما لتقولي لها ذلك؟ أطلبت منك شيئاً؟ اشتكيت لك، ألم أخبرك ألا تتدخلي؟
كيف لا أتدخل وأنا أراها تنظر لك وقريبة منك أكثر مني حتى.
لما لا تريد إبعادها؟ لماذا؟
ديما صديقتي بسنين، أعرفها قبلك، لن ولن يأتي أحد ويبعدها عني.
ولا شأن لك يا أريا بأموري.
كيف أنا زوجتك يا سليم؟ أحترق برؤيتها معك.
إنك تركت غيرتي تحوم حولك بالشك لعلاقتكم تلك، هل هناك أي شيء بينكم؟ أ لديك مشاعر تجاهها؟
نظرت لها وأظهرت البرود وعدم الاكتراث بكلامها: إن انتهيتِ، اذهبي.
صمتت قليلاً ثم قالت: سليم، أعلم أني أخطأت لأني تحدثت معها، لكن كنت غاضبة، اعتذر لا تحزن مني.
لم أعد لها اهتمام، اقتربت مني، نظرت لها، وجدتها تعدل القميص من على، وتأخذ ساعة يدي على المنضدة، وألبستها لي.
آسفة.
رفعت وجهها ونظرت لي، بدا عليها الحزن.
لا بأس يا أريا.
ألست حزيناً؟
لا.
ابتسمت فعانقتني، نظرت لها بشدة وتوترت، جاءت الخادمة فأبتعدت أريا.
أخبرتنا بالفطور.
نزلنا وجلسنا على المائدة وكانت مبتهجة وهي تفطر معي وتبدي اهتماماً لي كعادتها.
وصلت لشركة، دخلت لمكتبي وطلبت ديما.
سألتها عن المواعيد، أخبرتني عن الاجتماع والمواعيد.
نظرت لها، كان وجهها غريباً وكأن هناك شيء، أخبرتها أن تذهب.
في منتصف اليوم خرجت من المكتب للاجتماع.
سمعت صوت، نظرت لمكتب ديما وهل هي بداخل؟ أليست حاضرة للاجتماع بعد؟
اقتربت وطرقت الباب لتعرف بي، فتحت، وجدتها تعتدل وتمسح وجهها.
نظرت لها بتعجب، دخلت، كانت عيناها محمرتان وشفتاها وأنفها.
أتريد شيئاً؟
قالتها ديما وهي تخفي وجهها.
ماذا بك؟
صمتت ولم ترد.
اقتربت منها، نظرت له وقربت يدي منها ورفعت وجهها إلي، نظرت لعيناها كانت خائفة وحزينة.
هل كنتِ تبكين؟
لا، دخل شيء بعيني.
أتكدبين علي يا ديما؟ أنك تكذبين على الشخص الخطأ، حتى وإن كانت كذبتك تافهة، لو كنتِ اخترعتِ ألف كذبة لكشفتك من عيناك.
ماذا هناك؟
لا شيء، أظن حان وقت الاجتماع.
لنترك الاجتماع الآن وقولي لي ما الأمر يا ديما.
صمتت، نظرت لها فوجدت دمعة تسيل من عينها.
ديما.
لا أريد الزواج، أنا لا أريده.
تعجبت، وهل تبكي من أجل هذا الأمر؟ ألم ينتهِ؟
لن يحدث شيء لا تريديه.
سالت دموع من عينها، قالت ببكاء: لكن... لكن شهاب غير موافق.
أخبرني أن الزواج سيتم ولن يتوقف أي شيء، ويسافر ويأخذني معه.
جمعت قبضتي بغضب من ذلك شهاب، فقد أخبرته في المشفى أن يبقى بعيداً عنها وأنها لا تريد أن تتزوج، لكن بدا عليه عدم الاقتناع، فهل يظن أنه سيتزوجها رغماً عنها؟ أيظن أني سأسمح له؟
لن يحدث هذا الزواج لأنني لن أسمح به.
رواية كبد المعاناه الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم نور ناصر
قلتها بثقه، فأنا بعدما علمت أنك لا تحبينه ولا تريدين أن تتزوجي منه، لا يوجد ما يمنعني من اعتراض ذلك الزواج، حتى وإن كان خوفك سيجعلك ترتكبين الحماقة يا ديما، فأحب أن أخبرك، لقد ارتكبتيها بالفعل حين أعلمتيني بحقيقة مشاعرك تجاهه، فلن أقف بعد الآن وأراه وهو يأخذك، لن يتم هذا الزواج غير يوم مماتي، حتى إن غيرتي رأيك يا ديما، لن أسمح لهذا الزواج أن يحدث.
رفعت بنظراتها لي، ودموعها متعلقة برموشها، مما أحزنني كثيرا.
سمعنا صوتًا، فخفضت ديما وجهها واعتدلت. التفت ونظرت، وجدت سامر.
: اعتذر.. لكن الاجتماع..
: حسنا.
نظر إلى ديما ثم نظر لي وذهب. كانت تمسح وجهها حتى لا يلاحظ أحد. أخبرتها أنه إن لم يكن بإمكانها الحضور فلا بأس، لكنها أخبرتني أنها بخير، فأومأت وذهبت.
لم أعلم هل أشعر بالخوف أم الطمأنينة بجملة سليم بأنه لن يسمح بالزواج. لماذا حتى لا يسمح به؟
عدت للمنزل باكرا وتوجهت لغرفتي دون أن أنظر أو أتحدث لأحد كالبارحة. بدلت ملابسي وذهبت لفراشي. طرق الباب، وكانت أمي. سمحت لها. دخلت ورأتني وأنا سأنام.
: ألن تأكلي؟
: لا أريد.
قلتها وأنا لا أنظر لها. اقتربت أمي مني وجلست بجانبي.
: ماذا بك يا ديما؟ أخبريني ما الأمر. أنا أمك.
نظرت لها ثم أغمضت عيناي بحزن. قلت: لا شئ.
: هل أنتما الاثنان تقولان لا شئ؟ ماذا حدث بينكما؟
نظرت لها قلت: الاثنان.
: شهاب..
: ماذا به؟ هل جاء لهنا؟
: أخبرنا والده أنه حين سأله لم يخبره بشئ ويتفادى الأحاديث عن الموضوع.
نظرت لها قلت بتردد: هل قال شئ بخصوص الزواج؟
كنت خائفة من مكالمته لي الأخيرة "سيتم الزواج كما مخطط له". كان قاسيا في مكالمته وباردا، وصوت انكساره وخذلانه بي يدوي.
: لا، لم يقل شئ.
نظرت لها، صمت. لم أتحدث. ثم أخبرتها أني أريد النوم. نظرت لي بقلة حيلة ثم ذهبت.
في اليوم التالي، كنت ذاهبة لشركة. أوقفني إياد. نظرت له.
: أبي يريدك.
: يريدني؟ لماذا؟
: لا أعلم. إنه في مكتبه.
: حسنا.
نظرت له وذهبت. توقفت عند غرفة مكتب أبي وأطرقت الباب. فسمح لي بالدخول. دخلت وكان يعمل، لكن عندما رآني ترك ما في يده.
: أخبرني إياد أنك تريدني.
: اجلسي.
أومأت له وجلست. وجلس أمامي. نظرت له ولا أعلم حتى الآن ما الأمر.
: ماذا حدث بينكم؟
كان يقصدني أنا وشهاب. لم أعرف ما أقوله.
: لم يحدث شئ.
: كيف؟ وهذا التغير البادي عليكم ما سببه؟ ورفضك للزواج الآن؟
صمت ولم أرد. اقترب أبي مني قال: هل فعل شهاب لكِ شئ؟ هل تشاجرتم أو قال لكِ شئ لا تريديه؟
خفضت رأسي بحزن ونفيت برأسي.
: ما الأمر إذا؟
قالها بشكل من الغضب. نظرت له بخوف وتجمعت دموع في عيني. قلت: اعتذر يا أبي.
: على ماذا تعتذري؟
: لا أريد الزواج.. أنا لم أكن أريد شهاب من البداية أو الزواج قط. اعتذر، أرجوك أعفني من الأمر.
: لما وافقتي إذا؟
سالت دموع من عيني بصمت مما سببته لي ولشهاب. أنا السبب في كل هذا.
: ديما، لما تبكين؟
: أخطأت حين وافقت بينما أنا لا أريد. أرجوك يا أبي أعفني من الزواج.
: ألا تريدين أن تتزوجي؟
نظرت له ونفيت برأسي. قال: لكِ ذلك حبيبتي. أنا لا أغصبك على شئ ولن أحد يفعل ذلك.
: حقا؟
: هل قلت شيئًا لكِ يومًا ولم أفعله؟ تأخرتِ في رفضك للأمر، لكن لم يفت الأوان بعد.
بكيت وتعالى صوت جهشي وعانقته وتتساقط دموع من عيناي بغزارة. مسد بيده على شعره قال: لماذا تبكين الآن؟
لا أعلم يا أبي، لكن دموعي مختلطة بجميع أنواع المشاعر، السعادة من أجل ما سمعته منك، والحزن وتأنيب الضمير والغضب من نفسي.
ذهبت لشركة، قابلت سامر. سألته هل سليم جاء أم ليس بعد. أخبرني أنه بمكتبه، فذهبت. أوقفني سامر. التفت ونظرت له.
: معك البريد الخاص بسليم؟
: أجل.
: أرسلي رسالة لطاقم بأن يجهزوا طائرته.
تعجبت كثيرا. قلت: حاضر، لكن لماذا؟
نظر لي باستغراب قال: ألا تعلمين أن سليم سوف يسافر ويعود لعمله الذي بالخارج؟
نظرت له بشدة والصدمة تملأ تعبيرات وجهي.
: هل سليم سيغادر؟
: أجل. علي الذهاب. أراكِ لاحقًا.
نظرت له وهو يذهب وغير مصدقة ما سمعته. أحقا سليم سيسافر؟ كيف نسيت أمر عمله الذي بالخارج ويكون هناك، وهنا زيارته ليس إلا. سيذهب ويتركني.. لن أراه ثانيًا. متى سيعود؟ أنا لا أستطيع الابتعاد عنه. لماذا سيسافر الآن بينما أحتاجه معي؟ أنا أحتاجك دوما يا سليم. أنا لا أطمئن غير بوجودك. ستحرمني من هذا الاطمئنان.
ذهبت له. نظر لي من دخالتي وبتلك الطريقة. قلت قبل أن يتحدث: هل ستسافر حقا؟
: أجل.
: لماذا؟
قلتها بحزن وصوت بجهش بالبكاء. نظر لي، وقف وابتعد من على مكتبه وسار تجاهي.
: ماذا هناك؟
: لا تذهب.
قلتها برجاء وحزن وعين ممتلئة بالدموع. فنظر لي بتوجس وقال: علي الذهاب لهم.
: ليس ضروري، إنهم يستطيعون تولي الأمر.
: هناك عقود يجب أن أوقع عليها.
نظرت له. أكمل وقال: عمل كثير ينتظرني.
سالت دمعة من عيني واخفضت وجهي بحزن. قلت: لن أراك ثانيا.
صمت ولم يرد علي. رفعت أنظاري إليه بشدة. قلت: لن تعود لهنا، أنت تطيل هناك لأن حياتك بالخارج.
: سأعود فور انتهائي.
: متى؟ ستتأخر كثيرا، فأعطني موعدا.
: لا أعلم بتحديد يا ديما.
كيف لا يعلم؟ هل مدته ستكبر لذلك الحد؟
: لن أغيب كثيرا.
نظرت له وأتمنى أن أطلب منه ألا يذهب. أتمنى لو بإمكاني جعلك تبقى معي ولا تفارقني. أتمنى لو لي علاقة بك تجعلني أحكم عليك بذلك. فلا تبتعد عني أرجوك. أنا خائفة من هذه الفكرة. لا أعلم المرة التي أني أشعر أنها ستطول بنسبة إلي وأشتاق لك كثيرا. وأتمنى أن أحدثك ولا أستطيع. فماذا سأفعل حين أود رؤيتك وسماع صوتك؟ أخبرني... لا ترحل يا سليم. لا تفعل ذلك.
: خذني معك.
خرجت هذه الجملة بعد عناء. وجدته ينظر لي.
: أنا مساعدتك، وهذا عملي أن أكون معك حتى بالخارج للعمل ذاته.
: أعلم ذلك.
: ماذا إذا؟
: والديك.. هل سيوافقون على أن تسافري معي؟
نظرت له وصمت. فما هذا الذي قلته.. هو محق. كيف أسافر معه وهل يسمح أبي بذلك؟ لكن هذا عملي على كل حال.
: سأقنعهم.
نظرت له. أردفت قائلا: أم أنك تمانع الأمر؟ ال..
قاطعني وقال: أردت أن تأتي معي يا ديما، لكن قلت أنك لن توافقي ووالدك لن يرضى بذلك.
أمسكت بجملة واحدة قالها.. وهو أنه يريدني أن آتي معه. قلت وأنا أنظر له: هل كنت تريد ذلك حقا؟
: اجلس.
أسعدت كثيرا وتلاشى حزني وخوفي ومن فكرة ابتعاد سليم عني. سمعنا صوتًا. التفت ونظرت، وجدتها أريا وسامر. كنت بدأت في كرهها بسبب ما قالته لي المرة الفائتة وأنها تود إبعادي عن سليم. اعتدلت بحرج. فسأل سليم أريا عن مجيئها: رتبت أمور سفري والأوراق.
نظرت لها بشدة ومن ما تقوله سليم. كيف فات هذا الأمر علي وأن أتوقع ذهاب أريا مع سليم؟ كيف نسيتها؟ التفت بغضب وذهبت.
أصبح لدي سبب كبير في أن أقنع والداي بأي شكل من الأشكال وأن أسافر معكم حتى لا أتركه لك يا أريا. لن أدعك تكوني معه وتحصلي على مرادك.
: ماذا تقولين؟ تسافري؟
قالتها أمي بانفعال وصدمة وغضب. نظرت لها وإلى أبي الجالس بهدوء.
: هل السفر الآن أصبح جيد لك؟ ولماذا كنتِ غاضبة من شهاب لأنه سيأخذك ويسافر؟ قلتِ أنكِ لا تريدين أن تبتعدي عنا، والآن تريدين أن تسافري؟
: الأمر مختلف.
: فيما الاختلاف؟ أخبريني. اختلاف البلدان؟
: بل المدة... إنه لأيام وأعود وليس لسنين وبناء حياة كالذي كان يريدها شهاب. ثم إن هذا الموضوع قد قفل.
: هل أنتِ مدركة ما تقولين؟
: أمي، لماذا أنتِ تكبرين الموضوع؟ هذا عملي.
: عملك هنا بيننا وليس بالخارج.
ألقت بأنظارها لأبي. أردفت قائلة: لماذا لا تتحدث؟ ألا تسمع ما تقوله؟
تنهد أبي ثم وقف. نظرنا له فقال: اذهبا للنوم.
تعجبنا لهدوئه. قلت: أبي.
: لا تناقشي في هذا الهراء يا ديما.
ذهب. فأوقفته وقلت: لكن يا أبي، هذا ليس هراء. أرجوك، إنه عمل. لن يطيل. أوعدك.
: من سيكون معك؟
نظرت له بعدم فهم. فأكمل قال: هل معك أحد بتلك الغربة الذي ستذهبين إليها؟ سليم، أليس كذلك؟ لكنه لا يقترب لكِ بأية صلة. بل هو سبب لمنعي الصارم للأمر.
: لماذا؟
قاطعني وقال: انتهى النقاش في هذا الموضوع. أقفليه لأنه لن يحدث.
التفت وذهب. وكنت حزينة كثيرا. نظرت لأمي بغضب. قلت ودموع في عيني: أشكرك يا أمي، كلامك زاد الأمر تعقيدًا.
نظرت لي فذهبت وصعدت لغرفتي وأقفلت الباب. لن ينتهي الأمر. سأحاول معك يا أبي مرارا، فأنا لا أستطيع الابتعاد عن سليم أو جعله يبتعد عني ولن أراه. بينما تلك الشقراء معه ولن تفارقه. سأحترق من الفكرة فقط وأنا أتخيلها وهي تتقرب منه. لا بأس في المحاولة وأتمنى أن تجدي نفعا معك يا أبي.
كنت قد بدأت في إقناع أبي منذ اليوم. وترجيت أمي وأيه أن يساعدوني في ذلك وأن يلينوا عقله، وأن هذا السفر مهم لدي كثيرا. فأخبروني بقلة حيلة بعد إصراري عليهم أنهم سيحاولون. لكن أبي كان يغضب أكثر حين أتحدث معه أو يفتح الموضوع أحد منا ويخبرني أن الأمر منهي. فأحاول ثانيا فيتركني ولا يرد علي.
كنت أشعر بالخيبة وأن الأمر بالفعل قد انتهى. فأحزن كثيرا وأرى سليم وكأني أودعه بنظرات الذي ألقيها عليه. لكني كنت أشوه عيناي أكثر منه.
كنت في مكتب سليم ومعي ملفات يطلع عليها وواقفة أنتظر حتى انتهى وأعادها لي. فأخذتها وذهبت. رن هاتفي. خرجت ونظرت، وتبدلت ملامحي إلى الخوف والقلق من كنية المتصل وهو شهاب. ماذا يريد؟ لم يتصل بي منذ آخر مكالمة الذي بكيت من بعدها. انتهت المكالمة. رن الهاتف ثانيا. ترددت، لكن في النهاية رديت عليه.
: انزلي.
كانت هذه المرة التي قالهها ببرود. قلت: لأين؟
: أسرعي.
: هل أنت في الشركة؟
أقفل الهاتف ولم يرد علي. هل حقا هو بالأسفل؟ لماذا هو هنا؟ لماذا جاء ولما اتصل ويريدني أن أنزل؟ أشعر بالخوف والتردد في رؤيته. لم أره منذ آخر مرة ولا أعلم كيف ستكون المقابلة. ماذا تريد مني يا شهاب؟
فتح المصعد، خرجت وسرت للخارج. وجدت شهاب واقف بجانب سيارته وبانتظاري. نظر لي وكانت نظرته جافة باردة. لم أعهد نظرة كتلك من شهاب. اقتربت منه بخطوات بطيئة. وقفت وكان الصمت يحتل كلانا. أشعر بالربكة والتوتر.
: هل أنتِ خائفة مني؟
قالها شهاب بسخرية. نظرت له وكأنه قد شعر بي. اقترب ووقف أمامي مباشرة. قال وهو ينظر إلي: هل أبدو مخيفا؟
: لا.
: لماذا لا تنظرين إلي إذا؟ أتشعرين بالخجل؟
قالها بحزن ساخر. نظرت له فتجمعت دموع في عيني، لكن استطعت كبحها.
: ماذا تريد يا شهاب؟ الزواج؟
صمت ولم يرد علي. رفعت نظراتي إليه قلت: إن قبلت ستسعد.
: أجل.
توترت وارتكبت. قلت: لكن حين رفضت كان هذا أفضل لك ولي حت..
قاطعني وقال بحدة: أفضل لكِ أنتِ.
نظرت له ومن ما يقصده. أكمل وقال بسخرية: ليس لي.
سالت دمعة من عيني ونظرت بعيدا بحزن أتحاشى النظر له.
: أنا لست غبي يا ديما لتخدعيني بكذبة غبية كهذه. أحببتك واعترف بجرح الذي سببته لي.
: اعتذر.
قلتها بصوت يجهش بالبكاء.
: لماذا هو؟
أكمل قال: لماذا لم يكن أنا؟ لما تحبينه هو؟
نظرت له وتوترت ولا أعلم كيف أرد. أحب من..
: أنه متزوج الآن ولديه حياته، وأنتِ مساعدته لا أكثر.
شعرت بالغضب. قلت: لا أفهم عن من تتحدث.
: ما زلتِ تدعين الحماقة وتحاولين خداعي وأنا كاشف كل شئ. منذ البداية يا ديما شعرت بمشاعرك تجاهه واهتمامك به وكنت أشتعل، لكن أكذب نفسي ولم أكن أريد أن أعاملك بشدة حتى لا تخافي مني وأكون في ذات الوقت أحزنك وأضيعك مني بمجرد ظن وشك ليس إلا. لكن ظني كان صحيحا وكنت أحمق مغفل. أحبك وأهتم لحزنك بينما أنتِ لا تقدرينني بشيء ولست فارقة معك.
رفع يده فشعرت بالخوف. قال: حتى حين ضربتك بالمنية ذلك. اعتذر، سامحيني.
سالت دموع من عيني بكلام شهاب الذي بات مؤلما كثيرا. قلت بصوت ضعيف همس وبكاء في آن واحد: آسفة يا شهاب... آسفة كثيرا.
ابتسم شهاب وسالت دمعة من عينه التي كان يحاول إخفاءها.
: ليت أسفك كان حلا لي.
يكفي، أرجوك أنت تجعلني أغير رأيي للموافقة. تنهد وأكمل: على كل حال.
نظرت له. وجدته يخرج الخاتم من إصبعه.
: جئت لأعطيك هذا.
مد يده الممسكة بالخاتم لي. نظرت له.
: سأتمم إجراءات انفصالنا.
لم أكن أصدق أن شهاب سيفعل ذلك حقا. كنت خائفة من بعد ما قاله لي وشعرت بأن هذا الأمر سيطول. أفاقني شهاب عندما مد يده. نظرت له ومدت يدي بتردد وأخذته وكنت أود أن أسأله هل أنت متأكد من ذلك.. هل حقا سننفصل؟
: على المرء أن يختار سعادته دوما... لكنني اخترت سعادتك أنتِ.
: شهاب أنا ل..
: هل يمكنني أن أعانقك للمرة الأخيرة؟
نظرت له وإلى طلبه. تساقطت دموع من عيني. اقتربت منه بحزن وعانقته فبادلني العناق.
مر أيام واقترب موعد سفري الذي لم أشهد اقترابه. فلم تعلمني ديما حتى الآن هل ستأتي معي أم لا. أريدها أن تكون معي بشدة. فعندما سألتني أن كان بإمكانها أن ترافقني شعرت بسعادة، فهذا ما أريده.
في يوم كانت تضع لي قهوتي. ولفت انتباهي بيدها وإصبعها الذي ليس به خاتمها. شعرت براحة.. راحة كبيرة تندفع إلى صدري. فكان هذا الخاتم يكبح أنفاسي برؤيته ويخنقني بشدة.
علمت أن شهاب وديما انفصلا، فزادت سعادتي أكثر. تذكرت حين رأيته ذلك اليوم أمام الشركة ويتحدث مع ديما وشاهدت عناقا حميما بينهم. أشعل ذلك المشهد براكين داخلي وكنت أثور بغضب كالمجنون. ولماذا تحتضنه؟ ظننت أنها عادت له، لكن كنت مخطئا. كان قد جاء لينهي ارتباطهم. تمالكت غضبي ذلك اليوم وألمي بدوائي كالعادة. لم أعلم كيف انفصل عنها بعدما قالت أنه غير موافق إلى أنه أراحني كثيرا، فلا يوجد قيد بديما الآن.
اتصلت بي أريا وأخبرتني أن أوراقها انتهت. كنت لا أريد أخذ أريا، لكن هذا لا يجب، فهي زوجتي. ليس علي أن أتركها وأذهب. وأكد لي جدي بذلك بعدما أخبرته أنها ستكون بينهم، فلا حاجة لأن تأتي معي. لكن لم أستطع تركها.
كنت في اجتماع. بعدما انتهى خرجوا وبقيت قليلا أنظر للمشروع المعروض أمامي. نظرت لديما الذي كانت تشرد كثيرا في الأيام الأخيرة ومستغرب من ذلك. فعليها أن تسعد، فحدث ما تريده... ألستِ سعيدة بانفصالك يا ديما؟
: متى ستغادر؟
قالتها ديما بنبرة حزينة وهي لا تنظر لي. أكانت تفكر بذلك؟
: بعد أربعة أيام.
: تعود سالما.
: ألن تأتي معي؟
نظرت لي ثم خفضت رأسها. تنهدت قالت: إن كان بإمكاني لجئت.
: والدك لم يوافق؟
: أجل... لا بأس، لكن... هل بإمكاني أن أحدثك وأنت هناك؟
نظرت لها فتوترت وشعرت بالحرج. ثم استأذنت وذهبت.
: أعطني رقم والدك.
توقفت ثم نظرت لي بتعجب.
: سأتحدث معه.
: حقا؟
قالتها ديما بلهفة، لكن انطفأت فجأة وقالت: لست مرغما بذلك، وممكن أن يرفض وتحرج بسببى، لا أريد ذلك.
لم أناقشها كثيرا. ومدت يدي بالهاتف بمعنى أن تدونه لي. وأخبرتها أن تخبره أني سأتصل به قبل أن أفعل ذلك حتى لا يتضايق. بدت ديما خائفة ومتوترة من الفكرة كثيرا، وكأنها تود أن أتراجع. لكنني لن أفعل. إن كان هناك احتمال واحد بالمئة أن تأتي معي، فلن أتراجع يا ديما.
اتصلت به وأخبرته أني أود لقائه. فسألني متى. أخبرته بأي وقت، وإن كان الآن فهذا أفضل. فأخبرني أنه في المنزل.
كان ديما قد غادرت بالفعل. فذهبت ووصلت لمنزلها. ترجلت من السيارة وسرت وضغطت الجرس. فتح الباب وكان السيد يونس. سلم علي ودعاني للدخول. دخلت معه وجلسنا وكان في انتظار كلامي ومجرى النقاش.
: أخبرتني ديما برفضك لسفرها.
: هل جئت لتغير رأي؟
: لا، فكانت ديما قد نجحت بدلا مني في تغييره.
نظر لي باستغراب وعدم فهم.
: تعمل ديما معي كمساعدة لي. أنا لا أتخلى عنها لأنها تحسن عملها بصورة جيدة. فالعمل هنا لن يفرق عن الخارج بشيء. هنا عمل وهناك عمل.
: الفرق في المسافة والغربة. إن سافرت ستكون قد ذهبت مع رجل غريب عنها. أتدراك هذا الأمر وحجمه؟ وحدي صارم من قطعه. الفرق أن العمل هنا تكون ابنتي معي بجانبي. مجرد أن تذهب في الصباح لساعات وأعود أجدها.
: أقدر خوفك عليها وأعلم سبب رفضك، لكنك تعلم طبيعة علاقة عملي مع ديما... وأردت أن أخبرك أن الأمر لن يطول.
: حياتك بالخارج وعملك بالأساس هناك، فكيف لن يطول؟
: اختلف الأمر. إن كانت المدة طويلة، فلما جئت وتحدثت معكن.
نظر لي وصمت. فأكملت قلت: ستعود سريعا، لكنني بالفعل أحتاج ديما وتسافر من أجل عملها لا أكثر ولن تغيب كثيرا عنك. لك حق في الرفض.
: أنك لا تعلم مقدار الأمر. ليس بمقدوري إبعادها عني وأن تكون بمكان وأنا بمكان آخر. ولا أعلم كيف هي ولا على حالها.
: لن أدعك وأقول أني أتفهم شعورك، لأنني لست أبًا. لكن قلق عليها، ليست وهي معي.
نظر لي باستغراب. فكنت أقصد آخر جملة ونابعة من داخلي. فأخطأت سيد يونس بقلق على ديما. فهي ستكون معي أنا. هل تقلق عليها مني؟ تأكد أنني الشخص الأخير الذي يحب عليه أن تقلق على ديما منه.
: أتمنى أن توافق.
صمت قليلا ثم قال: أعلم أخلاقك وشخصيتك يا سليم وأعجب بها. فإن وافقت وأوصيتك على ديما ستفعل بوصيتي.
نظرت له بعدم فهم وما سيقول. اقترب نظر لي قال: ستكون ديما مسؤوليتك وهي هناك. عاملها كأختك. لم أنس ما فعلته لديما في البداية وحمايتك لها. فإن سافرت أتمنى أن تكون معها كذلك حتى تعودوا سالمين وينتهي عملكم.
: لا تقلق عليها. هل هذا يعني أنك وافقت؟
تنهد وأومأ برأسه. فشكرته وأخبرته أن علي الذهاب. فسلم علي ورافقني حتى الباب وذهبت.
كنت سعيد كثيرا والسرور يملأ قلبي من موافقة سيد يونس وأن تكون ديما معي. لا أصدق أنها سترافقني في سفري حقا.
في اليوم التالي ذهبت لشركة. قابلت سامر. أخبرني أن أيهم اتصل به وسأله عن موعد طائرتي. بدى لي من سامر بعد القلق، فهو كان يشعر بعدم إرادتي للسفر والابتعاد عن ديما. وعندما أخبرته أني أريد أخذها معي وهي على كل حال مساعدتي. أخبرني أنها لن توافق ووالديها كذلك. لكن حل الأمر وسأغادر بدون التفكير كيف سأتواصل معها وأراها والاشتياق لها الذي دوما لا يفارقني. فكيف إن ابتعدت عنها.
ذهبت لمكتبي وكانت ديما موجودة. نظرت لي عندما رأتني.
ابتسمت. تعجبت. دخلت للمكتب وتبعتني. أخبرتها أن تحضر لي قهوة. فأومأت. جلست على المكتب. فتحت الإيميل الخاص بالشركة وفتحت الملفات الذي على مكتبي. جاءت ديما وضعت لي القهوة. شكرتها لكنها لم تذهب. نظرت لها. قلت: هل تريدين أن تقولي شيئا؟
: أجل.
نظرت لي. أردفت قائلة: كيف وافق أبي؟ ماذا قلت له؟ فيما تحدثتما؟ كيف كانت مقابلتكم؟
قاطعتها. قلت: ما كل ذلك؟
ابتسمت. قالت: اعتذر.
نظرت لها ولسعادتها الذي تكون سعادتي.
: لا أصدق أن أبي وافق.
ابتسمت لها. قلت: لتصدقي.
عدت لعملي. نظرت لي ثم ذهبت.
في اليوم التالي في المساء عدت للمنزل. وجدت أريا. تعجبت. نظرت لي. اقتربت مني. سألتها عن سبب وجودها هنا. فقالت: هل ديما ستسافر معنا؟
نظرت لي. قلت: أجل. كيف عرفتي؟
: لا يهم.
ذهبت وتركتها. فقد علمت لما جاءت. صعدت لغرفتي وفتحت الخزانة لأبدل ملابسي. دخلت أريا. نظرت لها.
: كيف ستأتي يا سليم؟
: إنها مساعدتي. أنسيتِ؟
قلتها ببرود وأنا أنظر لها. قالت: أعلم، لكن...
: أخبرتك ألا تدخلي في عملي يا أريا.
نظرت لي وصمتت. تنهدت وأخذت ملابسي ودلفت لدورة المياه لأبدل ملابسي بالداخل.
كنت في الشركة وأنهي الأوراق الأخيرة حتى تحين عودتي.
: أرى السفر لم تعد تشغل همه.
نظرت للمتحدث. كان سامر. لم أعر له اهتمام.
: هل للأمر علاقة بديما؟
قالها سامر بابتسامة. ثم أردف قائلا: أتعلم، أراها هي أيضا سعيدة.
نظرت له ومن ما قاله. هل ديما حقا سعيدة؟ أسعادتها مثلي أم مجرد سعادة للسفر؟
: قبل أن تغادر، أريد أن أخبرك بشيء.
: ماذا؟
: نويت أكمل نصف ديني.
نظرت له بشدة. ابتسم قال: لا أريد أن أصدمك، لكن أخذت موعدا من والدها لغدا وستأتي معي بتأكيد.
: من هي؟
: اروى.
: صديقة ديما؟
: أجل. هيا، لأتركك قليلا.
سعدت من أجل سامر كثيرا. فجاء الغد وكان يلح علي باتصالاته لأخرج له.
انتهيت وخرجت. نظرت. كان يرتدي بدلة. قلت: هل قال لك أحد أني سأهرب؟
: لا، لكنني متعجل.
: لتهدأ من روعك قليلا...
صمت واتسعت عيناي وضاقت ملامحي عندما رأيت ذلك الرجل. نظر لي. فنظرت لسامر بشدة وهل أحضره معي؟ اقترب مني سامر وأخذني بعيدا.
: ما هذا؟
نظر لي قال: أنا من طلبت منه أن يحضر معي بذلك اليوم.
: أنت؟ وجدي؟
: أخبرت جدي أن عمي سيطلب يد اروى من والدها. حاولت إقناعه.
: ولماذا لم تخبرني حتى لا آتي معك؟
: هل تريد أن تتركني بيوم كهذا؟
: أنت من أردت ذلك يا سامر، لست أنا.
ذهبت. فوقف سامر بوجهي وقال: إلى أين؟ هل ستذهب حقا؟
قلت ببرود: ابتعد.
: أرجوك يا سليم تمهل، أنت أخي... اعتذر، لكن لا يمكنني أن أذهب بدونك. إن لم تأت معي لن أذهب.
نظرت له وإلى ترجيه. لم أعلم ماذا أفعل. هل أتركه ولا أعيره اهتماما بسبب ما فعله أم أكمل الأمر وأذهب؟ لكنني سأخرب الأمر إن بقيت معه ورأيته. أنت تعلم كم أبغضه يا سامر. لما أحضرته وجمعتني به؟
وصلنا للمنزل ورحبوا بنا. دخلنا وجلسنا وأخذ تنازل في الأحاديث. وجمعت قبضتي بغضب واحمرت عيناي من تلقيبه لي بابنه. نظرت لسامر بضيق، فبدى متوترا وخائفا مني ومن أي فعل سأفعله.
انتهت الجلسة بخير. لم أكن كذلك. خرجنا. ذهبت لسيارتي.
: سليم.
توقفت وأنا أفتح باب السيارة. نظرت لصوت وكان هو.
: سعيد برؤيتك بخير.
قالها بابتسامة خفيفة. فزادني غضبا. لم أعر له اهتماما. دخلت لسيارتي وأدرت السيارة وقُدت سريعا. اتصل بي سامر وسألني أن كنت بخير. لم أشأ أن أغضب عليه الآن، فهو يبدو سعيدا. فأخبرته أني بخير وأقفلت الهاتف.
في الصباح أخذت حماما وبدلت ملابسي. رن هاتفي. وكانت أريا تراني أن كنت نائم أم لا. أخبرتها أني استيقظت. أكملت وضبطت ملابسي. وما إن انتهيت نزلت. كان الفطور محضر. أخبرتهم أني سآكل في الطائرة.
خرجت. فتح لي الحارس السيارة فتوجهت نحو القيادة وذهبت. تبعوني. رن هاتفي.
: أين أنت الآن؟
قالها سامر بتساؤل. قلت: في السيارة، ما الأمر؟
: لن أفتقدك.
: هذا أفضل، لأن الغياب لن يطول هذه المرة.
: لماذا؟ أحزنتني.
ابتسمت وأقفلت الهاتف. ذهبت لمنزل جدي وسلمت علي. وأمي سألتني عن خطبة سامر. أخبرتها أنها كانت جيدة. كانت تبدو قلقة وكأنها ظنت أني سأخربها عليه. لكني استطعت تمالك نفسي. جاءت أريا ودعتهم وذهبنا.
كانت أريا تحدثني وتفكيري منشغل في ديما. وصلت لمنزلها. أخبرت أريا أن تنتظر وترجلت من السيارة. قرعت الجرس. وجدته فتح سريعا. نظرت ووجدتها ديما.
: لما تأخرت؟
: ماذا؟
: اعتذر.
نظرت لها ولعيونها. قلت: ألم تنامي؟
نظرت لي. قالت بابتسامة: شيئا من هذا.
: لماذا؟
: لا أعلم. أظن أني سأنام في الطائرة.
ابتسمت عليها وأخبرتها أن نذهب. فأومأت وأحضرت حقيبتها. نظرت للحراس. فأومأ أحدهم واقترب منها وأخذ الحقيبة. نظرت إلى السيد يونس. نظرت له ديما واحتضنته. نظرت لها وهي بين ذراعيه. لا أعلم لماذا تضايقت وغضبت لأنها تحتضنه. إنه والدها. ماذا دهاني؟
كان يبدو على السيد يونس القلق وكأنه نادم على الموافقة ويريد الانسحاب من خوفه على ديما. وينظر لي. لم أفهم نظراته. إلى أني قلت: لا تقلق سيد يونس، سنعود سريعا.
قلتها لكى أطمئنه قليلا، والا أدع له مجال لأن يأخذها ويتراجع.
: المهم أن تعودوا سالمين.
نظرت له وأومأت برأسي بتفهم. ثم ذهبت.
كنت أقود ولا أعلم لما أرى بملامح ديما الضيق بعدما كانت سعيدة ومبتهجة للغاية. وصلنا. نزلت من السيارة بعدما وصلنا. كانت الرياح مندفع بهذا الخلاء على الأرض المستوية.
دخلنا إلى الطائرة وكان الطاقم بانتظاري. جلسنا. فرفعوا السلم وأقفلوا الباب. نظرت لديما الذي نظرت للباب بشدة فور أن أقفل.
: هل بإمكاني النزول؟
قالتها ديما بخوف. نظرت لي والتردد يملأها.
: ما الأمر؟
: أظنها خائفة. بإمكانك التراجع يا ديما.
نظرت لأريا ومن ما تقوله.
: لا أعلم لماذا أحببت الطائرة فجأة.
قالتها ديما بثقة. نظرت لأريا وأكملت: لقد ذهب خوفي بفضلك.
ابتسمت وحاولت أن أخفي ابتسامتي من طريقتها. فشعرت بخوفها الذي لم يزل بعد وتحاول امتثال القوة. ولا أعلم لماذا؟ هل تريد مضايقة أريا؟ فهم في الفترة الأخيرة علاقتهم لم تكن جيدة.
أقلعت الطائرة. نظرت لديما أراقب حركات فعلها. وكانت تنظر لنافذة ببعض من الخوف. ثم وجدتها تبتسم ابتسامة خفيفة بعدما كانت خائفة.
: يبدو المنظر جميل. سبحان الله.
قالتها بصوت منخفض وتحدث نفسها. كانت تذكرني بصغيرتي. ثم قالت: تبدو السحب كغزل البنات.
صدر مني ضحكة وحاولت كبحها وابتسمت عليها. نظرت لي. قالت: ماذا؟ ألا تراها هكذا أيضا؟
قلت بإبتسامة: بلى، هي كذلك.
ابتسمت لي ثم اعتدلت في جلستها. كنت سعيد بكونها معي كثيرا.
: كم من الوقت حتى نصل؟
قالتها أريا بتساؤل. قلت: ثلاث ساعات.
قربت يدها من يدي. أمسكتها. نظرت لها. ابتسمت لي ابتسامة خفيفة. قالت: حسنا.
نظرت ليدي ثم نظرت لديما. وكانت تنظر لي بحنق شديد وملامح وجهها غاضبة. ثم ذهبت. نظرت لها وهي تذهب. ثم نظرت لأريا. أبعدت يدي وذهبت. سألتني لأين لكن لم أرد.
سألت إحدى المضيفات عند ديما. وقبل أن ترد وجدت ديما. نظرت لها. كان وجهها مبتل وعيناها محمرتان. ذهبت فأوقفتها. قلت: أين ذهبتِ؟
: كنت أغسل وجهي.
: أنتِ بخير؟
قلتها وأنا أجول بنظري لعيناها الذي لا تتطلع بي.
: أجل.
ذهبت وتركتني. نظرت لها ولا أعلم لم تتحدث هكذا وتلاشت ابتسامتها. ذهبت وعدت إلى مقعدي. نظرت لديما الذي كان تدير بوجهها لنافذة وعينيها المنطفأة بعدما كانت مبتهجة. ماذا حدث؟ تذكرت نظراتها لي ولأريا عندما أمسكت يدي. هل تضايقت من ذلك حقا؟ ما هذا الذي أقوله؟ ولما لتتضايق؟ أظنها تفكر بعائلتها أو الفترة القادمة وأنها ستكون مبتعدة عنهم.
مر الوقت وكنا قد وصلنا وهبطت الطائرة حتى توقفت وفتح الباب. دلفنا للخارج. نظرت. وجدت أيهم وطاقم الحراس الذي هنا. ابتسم فور رؤيتي. اقترب وسار تجاهي. صافحني وعانقني ثم ابتعد. قال: ظننت أنك لم تأتِ.
: لماذا؟
: لا أعلم. هذا ما جاء بخاطري.
: ماذا تفعل هنا؟
: ألا يبدو أني أنتظرك؟
صمت وأردف قائلا: لا أصدق أنك أحضرت مساعدتك معك.
نظرت له. نظر لديما وسلم عليها. شعرت بالغضب. أمسكت يده. نظر لي.
: لنذهب.
أومأ لي. تركت يده وذهبت. ركبت السيارة أنا وهو وديما وأريا بسيارة.
كنت في السيارة. رن هاتفي. قمت بالرد.
: هل وصلت؟
تعجبت. قلت: أجل.
: لا تتوجه لمنزلك إذا. تعالى إلي.
: لقد جئت للتو.
: أعلم، لكن اشتقت لك. هيا، انتظرك.
: حسنا.
أخبرت السائق أن يغير مساره. نظر لي أيهم باستغراب وسألني لأين. فأخبرته.
مر وقت وكنت قد وصلت. نزلت من السيارة. ودعني أيهم وذهب. نظرت لديما. كانت تنظر حولها باستغراب وتساؤل والمنزل الذي جئنا له. تقدمنا وقمت بمكالمه. ففتح الباب. نظرت ووجدته عمار. ابتسم لي وسلم علي بحرارة.
: أخبارك يا رجل؟
: بخير. وأنت؟
: حمد الله.
نظرت له وكنت سأتحدث. فقاطعني صوتا من بعيد: شرف الغالي إلي أخيرا.
نظرت لصوت. وكانت ريم. اقتربت مني وعانقتني. ابتسمت وبادلتها العناق. ثم ابتعدت. قالت: ما كل هذه الغيبة؟
: أتذكر أني لم أخبرك عن موعد عودتي. فكيف اتصلت بذلك التوقيت؟
: لدي من يخبرني بتفاصيلك.
نظرت لها وصمت قليلا. ثم قلت: هل قال لك سامر؟
: أحسنت. كيف عرفت؟
ابتسمت إليها. فالقت بأنظارها لأريا وديما. ابتسمت ودعتهم للدخول. نظرت لي واقتربت من أذني. قالت بهمس: هل تزوجت اثنان؟
نظرت لها بشدة. أكملت: إنك لا يستهان بك.
: اصمتي.
: حسنا، لكنني أعرف أريا من تكون.
: مساعدتي.
: أجل، فهمت. ما اسمها؟
: ديما.
: ديما!
نظرت لها. وكانت تنظر لي. لم أفهم نظراتها. ثم جاء عمار وقال: أما زلتم واقفون؟
ذهبت معه وجلسنا. وريم مع أريا وديما. مر وقت وكنت جالس مع عمار. ثم جاءت ريم وجلست بجانبي. نظرت لها.
: لدي مكالمة.
قالها عمار وذهب. نظرت ريم إلي قالت: أين ستبقى الفتاة؟
نظرت لها بعدم فهم. فقالت: ديما، مساعدتك الذي جاءت معك.
: بالمنزل.
اتسعت عيناها. قالت: سليم! أتريدها أن تكون بمنزل رجل غريب؟
نظرت لها بشدة. قلت: عليها أن تكون معي. والدها أوصاني بها وهي مسؤوليتي الآن.
: ولما لتتحمل ذلك من البداية؟ لديك مساعدين كثيرين.
: ديما غير.
: بماذا؟
قالتها وهي تنظر لي بتفحص. تجاهلت نظراتها وقلت: ماذا تريني يا ريم؟ أريا معي والمنزل به خدم وحراس.
: أنا لا أقصد ذلك، لكن هل تظن بأن ديما ستوافق؟
صمت ولم أعلق على كلامها.
: ما رأيك أن تبقوا هنا معنا؟
نظرت لها باستغراب. أكملت قالت: لن يكون هناك شيء إن بقيتم هنا والمنزل كبير.
: ما الذي تقوليه؟
: ماذا؟
تنهدت بضيق. وقفت قلت: علي الذهاب.
: إلى أين يا سليم؟ لما نجلس معا بعد؟
: وقت آخر.
: لا، ولقد أخبرت الخدم أن يأخذوا الحقائب من السيارة ويضعوها بالغرف.
نظرت لها بشدة. قلت: هل طلبت منكِ شيئا؟
: لماذا تظن نفسك ضيف؟ لن يحدث شيء إن بقيت هنا أو في منزلك.
: ريم محقة يا سليم. هذا منزلك.
نظرت لعمار الذي كان يحدثني ويبث فكرة البقاء إلي مع ديما وأنا أعارض. فلا أحب البقاء بمنزل غير منزلي ولن أستطيع النوم. إلا أني كنت أفكر بديما. وإن رفضت الأمر ماذا سأفعل وقتها. بعد إصرار كبير ولم أشأ أن أحرج عمار، فوافقت بقلة حيلة. سعدت ريم وأمسكت بيدي لتدلني على غرفتي.
: خذ حماما وبدل ملابسك حتى ينتهي الغداء.
قالتها من ثم ذهبت وأقفلت الباب. أخذت ثيابي ودلفت لدورة المياه لأبدل ملابسي بالداخل.
بعدما انتهيت وبدلت ملابسي. جاءت ريم لتخبرني عن الغداء. فقلت لها أني لست جائع. لكنها أمسكت بيدي لتأخذني. فاخبرتها أن تدعني وأنا سآتي. فابتسمت بانتصار وذهبت. تنهدت وخرجت. لكن وجدت ديما تدخل. نظرت لها. قالت: هل سنبقى هنا؟
نظرت لها. قلت: أجل. لماذا؟
: لا، سأحجز بفندق.
: إنك مسؤوليتي يا ديما. يجب أن تكوني أمامي. هل يوجد مشكلة لديك هنا؟
نظرت لي وصمتت قليلا. ثم قالت: لا، لكنني غريبة عنكم يا سليم. ماذا سأفعل هنا؟ وماذا لي ببقائي؟
: لا تشعري بالغرابة ما دمتِ معي.
رفعت بأنظارها إلي والتقت عيني بأعينها. ظللت أنظر إليها كالغريق. إلى أن انتشلني أحد من غرق. وسمعت صوتًا أفاقني. نظرت، ووجدتها ريم.
: الغداء... ألن تأتوا؟ نحن بانتظاركم.
قلت: حسنا.
نظرت ديما إلي. نظرت لها بمعنى ألا تحرج. أنتِ معي يا ديما. أينما كنتِ ستكونين معي. فلا تظني أنك قادرة على أن تبتعدي عني، لأن هذا لن يحدث.
نزلنا وتقدمنا من المائدة. جلست وجلست ديما بجانبي. كان يبدو عليها الحرج. أتذكر عندما أحضرتها لمنزل جدي وكانت هكذا. لكني متأكد أنك ستعتادين، لأن ريم لم تكن هناك وقتها. وهي لن تتركك حتى وتكون صديقتك مثلما أريا صديقتها. لذلك لن تشعري بكونك غريبة.
في الليل كنت جالس بغرفتي. سمعت صوت بكاء طفل صغير. علمت أنه ياسين. عدت لعملي. لكن الطفل لم يكن يصمت. كان صوته إزعاج كبير. أين ريم أو مربيته؟ لما يتركوه هكذا؟ يجب أن يكون أحد بجانبه. وضعت السماعات بأذني لأركز. لكن صوته اخترق السماعات. تنهدت. من ثم خلعتهم وذهبت.
خرجت من غرفتي لأراه أو أيقظ ريم له. لعله جائع. لكن الصوت أخذ ينخفض تدريجيا. لكن البكاء موجود، لكن يقل عن الصراخ قبل ذلك. تعجبت. سرت تجاه صوته وأصبحت على مقربة منه. نظرت للغرفة، كان الباب مفتوحا. نظرت وتفاجأت عندما وجدت ديما تحمله على ذراعيها وتحركه يمينا ويسارا وتبتسم له وتقرب وجهها منه وكأنها تداعبه. وسمعت صوت مختلط مع بكاء ياسين الذي بدأ في الهدوء. كان صوت أنوثي. غناء خفيف ناعم وشبيه بالهمس. إلى أنه كان رقيق ولطيف في آن واحد.
"سأنام. سأنام. انتظري يا أحلام."
"حتى أغمض عيني وأغفو بسلام."
"سأطير. سأطير. انتظري يا عصافير."
"في سريري الصغير."
"مهما سافرت المسافات ومهما طالت الساعات."
"أبحث عنك فأجدك في عينيْ... حين أغلقها بسلام."
أثرت هذه الكلمات الهامسة وهزت كياني وكأنها تغني لي أنا. كانت ديما تغني له بخفة وتحركه وتبتسم له ابتسامة خفيفة. كانت جميلة.. جميلة وحنونة للغاية. إلى أن كونها طفلة. لكنها الآن تبدو كأم.. أجل تبدو كأم مسؤولة تعتني بطفلها ببرائتها الشبيه له. فيصغيان لبعضهم من تقاربهم. كنت أنظر لها بتوجس وكأني أطالع مشهدا لا أريده أن ينتهي. إلى أن شعرت بالغيرة الشديدة من ياسين وقرب صغيرتي منه.
سرت تجاهها بخطوات بطيئة وتقارب صوتها إلي. اقتربت منها. نظرت لي وقد انتبهت لوجودي. فزعت.
: سليم.
: ششش.
أشرت على فمها أصمتها. فكان صوتها مرتفع ونسيت ياسين. فخشيت أن تفزعه معها. نظرت لي وإلى يدي. نظرت لها فأبعدتها وألقيت بنظرات على ياسين الذي تحمله بذراعيها الصغيران.
: ماذ..
نظرت لديما لتخفض صوتها. فقالت بهمس: ماذا تفعل هنا؟
: أود طرح السؤال ذاته.
نظرت لي بشدة. قالت: ليس تلك المرة. أنا من سألت أولا، فجاوبني.
ابتسمت عليها. قلت: سمعت صوته جئت لأراه.
نظرت لي. قالت: منذ متى وأنت هنا؟
نظرت لها. شعرت وكأنها تسأل هذا السؤال لتعرف أن كنت رأيتها أم لا.
: جاوبي على سؤالي أولا.
نظرت لي ثم تنهدت. قالت: لنفس السبب الذي جئت من أجله. سمعت صوت بكائه وعندما جئت لم يكن أحد بجانبه. فحاولت تهدئته.
: ونجحتي؟
قلتها وأنا أنظر لها. نظرت لي والتقت أعيننا. توترت. ثم نظرت لياسين. ابتسمت. قالت: يبدو كذلك.
نظر لياسين الذي كان قد نام وعاد لسكونه.
: هل كان جائع؟
: لا أظن ذلك.
: ألا يبكون جوعا؟
: بلى، وأوقات يحتاجون الأمان. إن كان جائعا لم يكن ليهدأ حتى يأكل. كان خائفا.
نظرت لها. كنت أشعر وكأن ديما قد كبرت. كنت أراها صغيرة على أن تتزوج. لكن يبدو أنها متكافئة لذلك. لا أعلم كيف نعت بكاء طفل صغير بالإزعاج ولم أعطه سببا لبكائه وأنه خائف. وليس لي علم بمدى خوفهم.
: ألن تضعيه؟
نظرت لي. قالت: أتأكد أنه غفى.
نظرت له وكان هادئ الملامح. تنهدت ديما. ثم مدت ذراعيها بخفة ورفق. وقربته من السرير. وضعته. وفور ملامسة الصغير لسريره وجدناه يعود للب كاء. اتسعت أعيننا. ولم تكن ديما قد أبعدت ذراعيها منه بعد. فعادت وحملته وتعود لتهدئته. نظرت لها وشعرت بالغيرة. هل يظن هذا الطفل أنه سيبقى بين ذراعيها وكأنه أعجبه الأمر ولا يريد الابتعاد عنها؟
: ألن تذهب للنوم؟
قالتها ديما بتساؤل. قلت: ماذا عنك؟
ألقت أنظارها على لياسين. قالت: لا أستطيع تركه.
: سأخبر ريم أو مربيته به.
: لا داعي أن توقظهما.
نظرت لها وياسين وهي تحمله وتحركه بذراعيها. قلت: أظن أننا لن ننام اليوم.
نظرت لي بتعجب ومن صيغة الجمع. فهي أخبرتني أن أذهب. قلت بتوضيح: سأبقى معك حتى ينام.
: أليس لديك عمل غدا؟ أم أنك لن تذهب؟
: نسيتِ أنكِ معي في ذات العمل.
: يبدو أني نسيت بالفعل.
اقتربت منها ونظرت لياسين. أشعر بالغيرة منك أيها الصغير. إلى أنك تبدو بريئا. لكن لما لا تبتعد عنها؟ أخبرتها أن تعطني إياه. نظرت لي وكأنها لم تتوقع مني شيئا كهذا. قربته مني وسرعان ما عاد صراخه ثانيا. فأعدته لها سريعا واحتضنته وتحاول أن تصمته. نظرت له بغضب. قلت: بربك ما هذا الولد؟
ابتسمت ديما. نظرت لها. كانت ابتسامتها كفيلة لأن تهدأني. هي تبتسم ويا ضياعي أنا. جميلة كعادتك وتسلبيني من تلك الحياة لتدفقي بأعمال قلبي.
: هل تهتم بالأطفال؟
قالتها ديما بتساؤل. فقلت: لا. بل كنت قديما أتضايق بسماع صوت بكاء ريم وأخبر أمي أن تجعلها تصمت بأي شكل.
: أنك قاسي.
: هل أبدو كذلك؟
نظرت لها. قالت: لا أعلم.
نظرت لعيناها وكأني أقرأ ما فيهما من كلام كثير تريد قوله.
حاولت على قدر استطاعتي أن أساعدها في أن ينام. وجلسنا على الأريكة. فكانت قدامها المتهالكة. وظلت في محاولاتها إلى أن هذا الطفل لا يحل عنها. وكأنها أمه. هذه الفكرة وإني أرى ديما وهي تحمل طفلا على يدها وكونها أم تجعلني أبتسم. أنا غاضب من تعلقه بها. لكن أشكرك لأنه جعلني أشارك لحظة كهذه مع ديما. تشعرني بشعور غريب. وأنا جالس هكذا بجانبها. ونحاول بشت الطرق لأن يغط في النوم. كانت تخبرني أن أذهب لأنام. وأنها لن تجعله يبكي ليزعجني. لكنني لم أرد عليها. أتريدين سلب هذا المشهد مني يا ديما؟ ليت ما يريد قلبي يتحقق ويأتي يوم تكوني هكذا كالآن معي وطفل يزعجنا كهذا. لا أطيق وقتا يخلو من حديثك أو تكوني أنتِ الخلاء. لا أتحمل أن تكوني بعيدة عني وقلبي يناديكِ. أوهمتك بالصداقة وأحببتك سرا. ماذا فعلتِ بي ليتمنى قلبي بهذا الشكل وبات يعشق أمه. بكفي الصباح فتحت عيني من ضوء خافت من النافذة. نظرت. وجدت ريم واقفة أمامي وتنظر لي ومبتسمة. تعجبت. كان ظهري يؤلمني. اعتدلت. لكن قبل أن أتحرك نظرت وتفاجأت كثيرا ودق قلبي عندما رأيت.
رواية كبد المعاناه الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم نور ناصر
في الصباح، فتحت عيني على ضوء خافت من النافذة. نظرت فوجدت ريم واقفة أمامي وتنظر لي مبتسمة. تعجبت، كان ظهري يؤلمني. اعتدلت، لكن قبل أن أتحرك، نظرت وتفاجأت كثيراً، ودق قلبي عندما رأيت ديما تميل عليّ وياسين على ذراعيها، والاثنين يغفو في النوم. نظرت لها ولقربها مني، كنت أسمع نبض قلبي المرتفع برؤيتها.
قالت ريم: "ما..."
أشرت لها سريعاً أن تصمت وتخفض صوتها. نظرت لي، أخبرتها أن تأخذ ياسين برفق دون إيقاظها. أومأت بتفهم واقتربت وحملته. قلقت بأن يبكي، لكنه كان يبدو عليه النوم بشدة.
لكن عندما أخذته ريم، استيقظت ديما قلقة عليه. نظرت لريم، ثم نظرت لي ولميلها عليّ. ابتعدت بحرج واعتدلت في جلستي.
"آسفة"، قالتها ديما بخجل.
قالت ريم: "أظنه لم يجعلكم تنامون."
قلت لديما: "اذهبي لتنامي."
"والعمل؟"
"لا مشكلة إن لم تذهبي للنوم."
"هل ستذهب؟"
نظرت لها، قلت: "لا."
نظرت لي لثوانٍ، ثم وقفت وذهبت. نظرت لها، ثم وجدت من يتطلع بي، كانت ريم. لم أفهم نظراتها.
"لا تدعيه بمفرده في الليل، فهو يبكي خوفاً بسبب ذلك."
"من أين عرفت؟"
نظرت لها، أردفت قائلة بخبث: "منذ متى وأنت تعتني أو تهتم بالأطفال وتعلم بخوفهم؟ أتذكر عندما ذكرت أمي لك هذا الأمر وأنها تريد رؤية لك ولداً، قلت إنك لا تريد أن يكون لديك مولود حتى تتزوج. فكيف بقيت ساهراً في الليل من أجل ياسين؟"
نظرت لها بتعجب، قلت: "ومن أين عرفت؟"
"عرفت بماذا؟"
"أنني كنت ساهراً."
قالت بارتباك وخوف: "برؤيتك جالساً هكذا على الأريكة وتغفو، يعني بأنك لم تنم."
نظرت لها وأومأت برأسي بتفهم، ثم خرجت تاركاً إياها.
"أنتِ مخطئة يا ريم، أنا لا أريد أن أكون أباً، وهذا ما كنت أقصده عندما تتحدثون عن هذا الأمر. لا أريد أن يكون لدي ابن وأنا لست مسؤولاً بعد له، فيكرهني ويكره إهمالي وعدم مسؤوليتي به، ويصير مثلي حين يكبر. أريد أن أكون مستعداً لذلك. لكن، تعلمين، بعثت ديما إليّ هذه الفكرة. لم يكن ياسين ابني، فماذا إن كان كذلك؟ ماذا سيكون شعوري في ذلك الوقت؟ لا أستطيع تخيليه، لأني لم أعشه ولم أجد اهتمام... والدي لا أكون مثله لأبنائي. لذلك، خائف من مسؤولية كبيرة كتلك."
عدت لغرفتي. تعجبت عندما وجدت أريا جالسة وتخفض وجهها.
"أريا... ماذا تفعلين هنا؟"
نظرت لي، وكانت عيناها منتفختين وحمراوين كثيراً، وأنفها...
"ماذا بك؟"
وقفت وسارت تجاهي. وقفت أمامي مباشرة. نظرت لها، قلت: "هل كنتِ تبكين؟"
لم ترد، ثم وجدتها تندفع إليّ وتعانقني بقوة. نظرت لها بشدة، ثم وجدتها تبكي. تعجبت كثيراً.
"ما بالك؟ أنتِ بخير."
"أحبك"، قالتها أريا ببكاء.
كنت مستغرباً كثيراً. أبعدتها عني، قلت: "ما الأمر؟"
"هل تحبها؟"
نظرت لها بدون فهم. أكملت، قالت: "ديما. ياسليم، هل تحبها؟"
شعرت بصدمة مما تقوله. قلت: "ماذا تقولين؟"
"رأيتكم، ماذا كنت تفعل معها لتغفو هكذا وتكون قريبة منك؟ أنت لا تعلم شعوري الآن، أنا أتألم كثيراً يا سليم. يؤلمني قلبي برؤية ذلك، فجاوبني."
تذكرت وأنا على الأريكة وديما بجانبي وقريبة مني. قلت: "كان ياسين يبكي البارحة، لم نستطع تركه."
"كان بإمكان شخص واحد أن يكون معه. كان بإمكانك أن تخبر ريم أو المربية. لما لتبقيا معاً؟"
لم أعلق على كلامها وصمت. نظرت لي، قالت: "أتُحبها؟"
"ما الذي تهذين به يا أريا؟"
"قل لا إذا."
نظرت لها. اقتربت مني وأمسكت يدي، قالت بعيون ترجّي: "قلها يا سليم."
تنهدت، وقلت: "لا."
"هل تحبني؟"
نظرت لها ولنظرتها الثاقبة لي.
"أجل."
ابتسمت وابتجت من جديد، وسالت دموع من عينيها بسعادة، وعانقتني.
---
احمرت عيناي، وكنت واقفة عند باب غرفة سليم وسمعت حديث أريا معه. ذهبت لغرفتي، أغلقت الباب. سالت دموع من عيني بألم.
دلفت لدورة المياه، وقفت عند الحوض أمام المرآة، خفضت وجهي وبكيت. لم أستطع كتم بكائي... لم أستطع أن أصمت أكثر من ذلك. لقد تحملت كثيراً، والآن... ماذا؟
يجب أن أتوقف عن ما أفعله وعدم التقرب منه ليحبني. لقد سمعت بأذناي الحديث، سمعت ورأيت كيف تعانقا بحنين بعدما أكد لها بحبه. أكره نفسي لأنني كنت سأبعده عن حبيبته. لوهلة شعرت بأنه لا يحبها، لكن الآن علمت. فماذا إذا؟ ماذا أفعل هنا؟ لماذا جئت لأكون معه؟ يبدو أنه عقاب بسبب حماقتي. سأعاقب برؤيتهم حتى تحين عودتي. إن كان بإمكاني لغادرت الآن.
وضعت يدي اليسرى على صدري بوجع، ودموعي لا تتوقف عن السيل. أشعر بالحزن الشديد والغضب. أشعر برغبة في نزع قلبي.
"أكرهك يا سليم... أكرهك."
"يا الله، انتشل هذا الحب مني. لا أستطيع تحمل أكثر من ذلك."
"ديما."
كان صوت ريم من الخارج. نظرت في المرآة ولشكلي، سالت دموع من عيني وأدرت بوجهي حزناً.
"أنتِ هنا."
"أجل."
"الطعام..."
قاطعتها، قلت: "لا أريد."
"لكن..."
"أشكرك."
ساد الصمت، ثم سمعت صوت الباب. علمت أنها ذهبت. قربت يدي وغسلت وجهي، ثم أمسكت المنشفة ونشفت بها وخرجت. سمعت طرقات على الباب، ذهبت وفتحت، وجدته هو. نظر لي بتفحص، قال: "هل كنتِ تبكين؟"
قلت وأنا أخفض وجهي ولا أنظر له: "دخل الصابون بعيني."
اقترب مني، قال بقلق: "أنتِ بخير. دعيني أرى."
نظرت له وابتعدت عنه، واحمرت عيناي. جمعت قبضتي لأتماسك، قلت: "أنا بخير."
"لا أشعر بذلك."
نظرت له، ومن ما قاله أدرت بوجهي وابتسمت، وفرت دمعة من عيني. نظرت له، قلت بسخرية: "وهل تشعر بي يا سليم؟"
نظر لي باستغراب، قرب يده من وجهي. نظرت له، وجدته يمسح دمعتي.
"تقولين من الصابون... أخبريني ما الأمر."
نظرت له، ثم أبعدت يده بضيق، قلت: "اخرج."
نظر لي باستغراب، وكيف أبعدته، قال: "ديما، هل هناك شيء؟"
"لا."
"لماذا لم تنزلي؟"
"لست جائعة، اخرج... أريد النوم."
نظر لي قليلاً وصمت، ثم التفت وذهب. أغلقت الباب، وضعت يدي على وجنتي الذي لامسها للتو. سالت دموع من عيني وذهبت. استلقيت على السرير، تاركة لأحلامي أن تأخذني من ذلك العالم قليلاً.
استيقظت في المساء، اعتدلت وخرجت من غرفتي. نزلت لأسفل، لم يكن هناك أحد. إلا أنني سمعت صوت سيرت تجاهه، وكانت غرفة المعيشة الذي جلسنا بها عندما جئت لها. نظرت وشعرت بالغضب الشديد. وجدت سليم وأريا جالسون ويشاهدون التلفاز. نظرت أريا لي وقد انتبهت لوجودي. نظر سليم إليّ، رمقته بحنق. التفت بغضب وذهبت.
في الصباح، نزلت إليهم للفطور، ولم أكن أتطلع بوجه أحد. حتى سليم الذي يجلس بقرب حبيبته مقابلي، امتنعت النظر إليه. ما أن انتهيت، ذهبت. فأوقفني سليم وأخبرني أننا سنذهب لشركة بعد قليل.
"حسناً"، قلتها وأنا أعطيهم ظهري ولا أنظر له، ثم أكملت سيري وذهبت.
بدلت ملابسي، ومشطت شعري ورفعته للأعلى بطوق وينسدل بعض الخصلات على وجهي، ثم خرجت من غرفتي.
كانت أريا وريم جالسين مع بعضهم يتناولون الأحاديث. اقتراب ريم من أريا يشعرني بالغيرة. إنني أغار منك يا أريا. أنا صريحة مع نفسي. عيناك الزرقاوان، شعرك الأشقر، بشرتك. أنتِ جميلة ومحبوبة من قبل الجميع. فلماذا لينظر سليم لغيرك؟
"انتهيتِ."
أفقت على الصوت. نظرت، كان سليم وقد بدل ملابسه. امتنعت عن النظر إليه.
"هل أنتم ذاهبون؟"
كان ريم المتحدث. أومأ لها سليم، ثم قال لي: "لنذهب."
نظرت لأريا وذهبت. خرجنا ودلفنا إلى السيارة، وقاد السائق.
وصلنا. نظرت لشركة، كان عليها حراس عند الباب. نظرت لسليم، دخل فتبعته. كانت تبدو كبيرة عن الأخرى. هل هذه شركته الأساسية؟ كان الموظفون يرحبون به، فأخبرهم بصرامة أنه يريد رؤية ما فاته أثناء غيابه. فأومأوا له. قابلنا أيهم.
"أرشد ديما إلى مكتبها، وأخبر أحد أن يعطيها ملفات العمل هنا لتتابع."
"حسناً."
نظر لي أيهم، فأومأت وذهبت معه. كان مكتبي بجانب مكتب سليم، مثل الآخر، إلا أنه كان أكبر حجماً وجميلاً.
"تبدو الشركة هنا تفوق الأخرى."
"لتبقي هنا إذا."
ابتسمت، قلت: "ليس لدي مانع."
بادلني الابتسامة، قال: "لأدعك قليلاً من أجل ترتيب عملك، فهناك اجتماع بعد نصف ساعة."
"نصف ساعة!" قلتها بدهشة. نظر لي، أومأ برأسه وذهب.
جاءتني إحدى الموظفات حاملة ملفات العمل وصفقات الذي عقد، وعقود قد جاء سليم يتممها. كان العمل كثيراً، إلى أنه كان أفضل من الجلوس بالمنزل. على الأقل سليم جالس بمكتبه وليس بجانبها لأريا.
في المساء، كنت قد هلكت من العمل هنا. إنه أصعب بكثير، أم لأنه اليوم الأول، فالأعمال كثيرة، فهو كان غائباً. نظرت لأيهم، الذي كان ينظر لي ويود الضحك.
"أعلم أني أبدو مضحكة، لكن هلا جبرت بخاطري وتمنع ضحكاتك تلك."
"سأحاول."
"فيك الخير."
"أين خاتمك؟"
نظرت له، ثم نظرت ليدي، وتذكرت شهاب. شعرت بالحزن لوهلة حين تذكرته. تنهدت، قلت: "لم يعد هناك حتى ألبسه."
نظر لي وأومأ بتفهم، ثم جاء سليم. نظر لنا.
"أيهم! ألم تذهب بعد؟"
نظرت لأيهم باستغراب، وهل انتهى دوامه وظل هنا؟
"لا، بقيت قليلاً."
نظر له سليم، ثم نظر لي، قال ببرود: "لنذهب."
أومأت له وذهبنا. كنت في السيارة معه متجهين للمنزل.
"هل بإمكانك أن تضعي حدوداً مع الآخرين؟"
كان المتحدث سليم. نظرت له، قلت: "ماذا تقصد؟"
نظر لي ببرود، قال: "أقصد أيهم."
"أيهم!"
"لا تأخذي عليه، وضعي ألقاب رسمية بينكم في العمل."
قلت باستغراب: "أليس صديقك؟"
"بلى، لكنه رجل غريب عنك، وإن كان صديقي."
"لا تقلق سيد سليم، أنا أعلم حدودي جيداً."
قلتها ببرود ولا مبالاة. نظر لي، ومن نبرتي، أدرت بوجهي للنافذة بضيق. فمن أنت لتخبرني ما أفعله؟ أتخاف علي؟ أنا لا أريد خوفك بشيء. تضايقت برؤيتي مع أيهم، وأنا أحترق برؤيتك معها يومياً. تلك المعادلة صعبة، ليتني أجد لها حلاً.
دخلنا إلى المنزل، ذهبت لغرفتي. أوقفني سليم، قال: "أتمنى أن تكوني فهمتي ما قلته يا ديما."
نظرت له بشدة، قلت: "إن تحدثت مع من وكيف، هذا يعود إليّ."
التفت وذهبت. فوجدت من يمسك ذراعي بقوة ويسحبني، فاصطدمت به. رفعت أنظاري إليه بتوتر: "لا أريد رؤيتك تتحدثين مع أحد أو تقتربين منه. لا تجعليني أقسو عليك يا ديما، لتسمعي لي فقط."
"من أنت لتخبرني ما علي فعله؟"
نظر لي وصمت. كنت أنظر لكلتا عينيه، ثم قلت: "ولماذا لا أستمع لك؟"
"إنكِ مسؤولة مني الآن."
نظرت له بغضب، قلت: "أعفيك من تلك المسؤولية."
ذهبت، فاشتد على ذراعي ومنعني من الحراك.
"لستِ من تحددين ذلك."
نظرت له، ومن لهجته، وكنت قريبة منه، فخفف قبضته عني، ثم ابتعد وذهب. نظرت له بتعجب واستغراب من غضبه عليّ. زفرت بضيق وذهبت.
كنت قد فعلت مثلما طلب سليم مني. لا أعلم لماذا، إلى أنني استمعت له كما أراد حتى لا يغضب ثانياً. لكنه جعلني غبية بعيني كثيراً. بينما أنا أضع حدوداً مع الآخرين من أجله، تتقرب أريا منه يوماً بعد يوم. وأرى ذلك وأصمت. أحترق وأصمت. أشتم رائحة شياطي وأصمت. فماذا عني أنا يا سليم؟ ألن أخبرك أن تتوقف عن ذلك؟ لأني أنا الآخرة أغضب كثيراً، ويمكن أكثر منك.
حدثني أبي وسأل عني وأحوالي، وهل سعيدة، ومرتاحة، ومتى العودة. أسئلة كثيرة، كان يبدو اشتياقه لي. ولم يمر الكثير، فاخبرته أني بخير. وسلمت على أخواي، وأخبرتني إيه أنهم حددوا موعداً لزفافها. غضبت، لكنها أخبرتني أنه بعد شهر، فلا حاجة لغضبي، أي أنني سأكون عدت إليهم. فباركت لها بفرح.
في يوم، نزلت قليلاً، سمعت صوتاً من الخارج، فخرجت، وجدت سليم جالس ويعمل، وأريا جالسة بجانبه وترفع قدميها وتميل على كتفه. وعندما نظرت لي، وجدتها تدلل وتلف إحدى خصلاتها حول إصبعها وتنظر لسليم، وكانت تقصد إغضابي. بل تقصد تعذيبي بك يا سليم.
فعدت لأتحدث مع أيهم ومع الموظفين، وليس لإغضابك. إلى أنني أردت ألا أنظر لنفسي كمحققة أكثر من ذلك. ما دمت أعلم نفسي وحدودي، فهذا يكفي، ولست أنت من ستحدد مع من أتكلم.
دخلت إلى مكتبه، وكنت أحضرت له قهوته، وضعتها له وذهبت.
"ألم أخبرك أن تتحدثي برسمية معه؟"
التفت ونظرت لسليم ونبرته الغريبة. قلت: "تقصد أيهم؟"
نظر لي، فعلمت أني محقة. فقلت: "أنا لم أقصر في عملي."
"ماذا؟" قالها باستغراب. فقلت: "لم أقصر في عملي، وهذا هو السبب الوحيد. إن حدثتني عن أمر بخصوص عملي هنا، وليس عن علاقاتي."
وقف وابتعد من مكتبه وسار تجاهي. شعرت بالخوف. وقف أمامي، قال: "لتستمعي إليّ فقط يا ديما."
قالها بتنهيدة ونفاذ صبر. قلت: "استمع لك في ماذا؟ أيهم زميلي بالعمل، فبطبع سيكون لدي أحاديث معه. أتريدني أن أمتنع عن الحديث بتاتاً؟"
"إن استطعتِ ذلك، فلتفعلي."
نظرت له بدهشة، ثم ضاقت ملامحي، قلت: "أتريد شيئاً آخر سيد سليم؟"
"لماذا تتحدثين معي هكذا؟"
"ألم تطلب أن أتحدث في العمل برسمية، وأنت مديري؟"
نظر لي، ولم أفهم نظرته. التفت بضيق وذهبت وتركته.
لم أعتبرك مديراً، إنك صديقي المقرب إليّ حتى الآن. وحبيبي السري... لا تعلم أي شيء عني ولا عن ما أشعره تجاهك. تظن أن معاملتي لك من أجل صداقتنا الذي لم تمت، لكنها زادت حباً يا سليم. لماذا لا تفهم وتراني لمرة واحدة كما أراك؟ أشعر بأنك تعاملني مثل ريم، بحب كأخت لك مثلها. فأغضب كثيراً من ذلك.
كنت جالسة في غرفتي أتحدث مكالمة فيديو مع صديقتي.
"مبارك لكِ"، قلتها لأروى بسعادة، بعدما أخبرتني بخطوبتها. قلت: "متى تكون؟"
"أخبرني سامر حتى يعود سليم، سيحدد أقرب يوم. أخبرته أني أنتظركِ أنتِ الأخرى."
"زفاف إيه وخطبتكِ. ينقصكِ أنتِ أيضاً يا هنا لتكتمل الدائرة."
"من سيكون سعيد الحظ؟" قالتها هنا بثقة. نظرت أروى لها، قالت: "بل من دعت عليه أمه."
نظرت لها بشدة، قالت: "ماذا تقصدين؟"
"لا شيء... أتعلمين؟ أتساءل لماذا شخص مثل زياد يحبكِ ويحاول معكِ حتى الآن."
قلت بصدمة: "هل ما زال زياد؟"
"أجل، لكنها لا تعطيه فرصة. اقبلي وأريحينا منكِ."
"اصمتي."
كان زياد شاباً جيداً وصالحاً، يحب هنا من الجامعة وطلب يدها مرتين، لكنها رفضت لأنها لا تعلم مشاعرها. على الرغم أني أشعر أنها تبادله، لكنها تكذب على نفسها خشية أن تحبه بالفعل.
كنت في المنزل، وكانت ريم تحمل ياسين، فاخبرتها أريا أنها تريد أن تحمله، فاومأت لها ريم وأعطتها له، وأخبرتها أنها ستفعل شيئاً وتعود. فابتسمت لها أريا بمعنى أن تطمئن. كنت أنظر لها وهي تداعبه، وأتذكرني في ذلك اليوم مع سليم.
قالت أريا: "سليم."
نظر لها. اقتربت منه، قالت ببهجة: "انظر كيف يمسك بإصبعي ولا أستطيع أن أخرجه من قبضته."
نظر لها سليم، ابتسم ابتسامة خفيفة. فشعرت بالغضب. جائت ريم، اقتربت منهم.
"تخيلي لي بأنه يبكي."
"لا، إنه هادئ."
"أتشوق لرؤية ابنكما."
جمعت قبضتي، وكان قلبي قد بدأ يؤلمني. ابتسمت أريا، ونظرت لسليم بخجل، قالت: "إن شاء الله."
لم أتحمل حتى وقفت وذهبت بعيداً عنهم. لا أحد يشعر بما أشعر به أنا. أنا من أتألم وأشتعل. أريد العودة، لا أستطيع البقاء أكثر من ذلك.
"أليس هذا السيد فاضل؟" قلتها بتساؤل.
"لايهم." وأنا أقرأ مواعيد سليم.
نظر لي، قال: "أجل."
"إنه ذلك الرجل العربي الذي جاء في الشركة هناك."
قال أيهم: "ستعقد صفقة معه بعد يومين."
"اممم. أتذكر أن هناك لم تتم صفقة باسمه."
نظرت له، أردفت قائلة: "لدينا مقابلة معه اليوم."
"أجل."
أومأت له بتفهم. في منتصف اليوم، جاء السيد فاضل وسلم على سليم. جلسنا وتحدث معه. كان معه شاب ويطرح بعض الأسئلة معه لي ولسليم. علمت من أيهم أنه ابنه.
"سأغادر."
نظر لي سليم بشدة، وكذلك أريا الذي كانت جالسة معه، وكنت واقفة مبتعدة عنهم.
"تغادرين! لأين؟"
"سأعود، حجزت طائرة لغداً."
قالت أريا: "ديما، هل تمزحين؟"
نظرت لها وتمالكت غضبي، قلت: "لا... أردت أن أخبرك."
ثم ذهبت. أوقفني سليم، فتوقفت بضيق. اقترب ووقف أمامي.
"كيف ستذهبين؟ أنكِ جئتي معي، فبالتالي ستغادرين معي. ألم تكوني تعلمين بذلك؟"
"أعلم، وقد غيرت قراري، ولا أريد البقاء."
"لماذا؟"
نظرت له بغضب وحزن، وأدرت بوجهي.
"لا يجب أن تذهبي هكذا."
"ماذا... أين ستذهبين؟"
"لأي مكان، سأستقر بفندق حتى نغادر."
ذهبت، فامسك سليم يدي، أوقفني، قال: "ما الأمر؟"
تجمعت دموع بعيني، وأحاول كبحها.
"ديما... انظري إليّ."
رفعت أنظاري، والتقطت عيني بعينه.
"هل هناك أحد أساء لكِ هنا؟"
إنه أنت يا سليم، أنت الإجابة والسؤال في آن واحد.
"لا."
"ماذا إذا؟"
صمت، ولم أرد عليه، فكنت لا أجد جواباً. أتعلم؟ برغم كل ذلك، أود أن أبقى بجانبك ولا أتركك، وأن تمسك بيدي وتمنعني من ذلك.
"ألغِ الحجز، فلن أترككِ تذهبين، ولا تتصرفي بدون علمي مرة أخرى."
نظرت له، وكان ينظر لي ويريد تأكيداً على كلامه. فأومأت له وذهبت لغرفتي.
---
كانت نظرتها لي تؤلمني، وكأنها تستنجد بي لشيء. أهذا الحد تريد الذهاب وأن أدعها تغادر للابتعاد عني؟ هل متضايقة لتحكمي عليها بألا تتحدث مع أيهم، وكلامها يكون في نطاق محدد؟ أنا أشعر بالغضب يا ديما من رؤيتك تتحدثين مع أحد غيري. ابتسامتك لا أريد أن تظهر إلا لي. تحاسبيني على خوفي عليكِ بالحرمان منكِ. إنه عقاب كبير، أنا لست في مقامه.
تتصرفين معي بغرابة وتضعين لقباً قبل اسمي، ولا أعلم لماذا. تتعمدين إغضابي وألم معدتي الذي يلاحقني من ورائك، بعدما تيقنت أني شفيت، إلى أنه بات يزداد داخلي.
أراكِ تقصدين أن تتجاهليني، وكأنكِ تعلمين مقدار تجاهلكِ لي، وهو الموت بالبطيء. فتفعلين ذلك عمداً وتقتلينني. هل هذا يريحكِ أن تبتعدي عني هكذا وتعامليني على أني غريب بدون سبب؟
تحولتي في الأيام الأخيرة، أشعر وكأن صغيرتي غاضبة مني بشيء، لكن لا أعرف ما هو.
أخبرتنا ريم اليوم أن نبقى في المنزل للخروج للعشاء. لم أكن موافقاً، فاصر عمار هو الآخر. وأريا سألت ديما إن كانت تريد ذلك، فلم ترد عليّ وصمتت. تضايقت من صمتها وحزنت، إلى أنني لم أظهر ذلك.
كنا في الحديقة، كنت أبعث لرئتي بعض الراحة والهواء النقي. وسعدت عندما رأيت ديما تبتسم أيضاً، فزادت راحتي.
كنت واقفاً مع ريم وأحمل ياسين، بعدما طلبت منها ذلك. وكانت متعجبة، لكنها أعطته لي. كنت عندما أنظر لذلك الطفل، أتذكر كم كان متعلقاً بصغيرتي، ولا يريد تركها.
"أصبحت تحب الأطفال."
"هل قال لكِ أحد أني كنت أكرههم؟ من يكره ملاكاً من عند الله؟"
"لم أقصد، لكنك لم تكن تميل إليهم كثيراً. منذ متى وأنت تحبهم؟"
"منذ الآن."
"هل هي من جعلتك كذلك؟"
نظرت لها بعدم فهم. قالت بتوضيح: "ديما."
صدمت، قلت: "وما علاقة ديما؟"
"أليست هي حب طفولتكِ؟"
نظرت لها بشدة، تنهدت بضيق، وقلت ببرود: "سامر؟"
ابتسمت، قالت: "من غيره."
"سأقتله حين عودتي، أيقنت لك بذلك."
"لا تظلمه. في يوم استدرجته بطريقتي. تحدثنا عنك، وجاء اسم فتاة تدعى ديما. ظللت ألح عليه بالأسئلة، لكن لم يجاوبني، فأخذت معلومة وأنها كانت صديقة لك قديماً."
تنهدت، فأضافت قائلة: "بإمكاني أن أسألك سؤالاً."
أومأت برأسي. صدر صوت من ياسين، خفيف، جميل جداً، جعلني أريد أن يكون لدي طفلاً من الآن.
"ماذا ستفعل معها؟"
نظرت لها بعدم فهم. أكملت، قالت: "أقصد بقاءها هكذا بجانبك."
"سأتزوجها"، قلتها وأنا أنظر ليايسن وأبتسم. نظرت لي بشدة وصمتت.
في المساء، كنا ذاهبون للعشاء. أخبرتني ريم أن ديما قالت إنها لا تريد الذهاب. تعجبت كثيراً. لم أعلم هل أصعد وأسألها أم ماذا أفعل. فاخبرتهم أني أيضاً لن أذهب حتى لا أتركها بمفردها. فالتغى العشاء ولم يذهب أحد.
في الليل، كنت أعمل وأنظر لأوراق، وكنت أحتاج أن أسأل ديما عن صفقة لغداً. لم أعلم هل هي مستيقظة أم لا. نظرت لهاتفي واتصلت بها.. سمعت صوت الرنين. تعجبت، وقفت وذهبت، خرجت من الشرفة، نظرت، وجدتها واقفة في الحديقة. كانت تمسك بالهاتف وتنظر لمكالمتي ولا ترد. وجدت قطرة ماء تسقط على شاشة الهاتف. تعجبت كثيراً. هل تبكي؟ انتهت المكالمة ولم ترد. لماذا أشعر بأن هناك ما يزعجك يا ديما وتخبئين عني؟ لماذا تخبئين؟ هذا ما يغضبني.
نزلت الحديقة، سيرت تجاهها. عندما شعرت بحركتي ووجود أحد، وجدتها ترفع يديها لوجهها وكأنها تمسحه. اقتربت، وقفت بجانبها. نظرت لي.
"سليم!"
"لماذا لا تردين عليّ؟ ظننتك نائمة."
"آسفة، لم أسمعه."
نظرت لها بشدة. إذا أنا محق، هناك أمر... أمر كبير بحزنك يأخذ تفكيرك ويسلبك مني.
"فيما تفكرين؟"
"لا شيء."
"هناك ما يشغلك يا ديما... كفاكِ كذباً."
قلتها بغضب وصوت مرتفع. نظرت لي ديما بخوف من تحولي. قلت: "أعتذر، أنا أقصد..."
"اعتدت على ذاك منك يا سليم، فلا حاجة لك بالاعتذار."
لم أكن أفهم ما قالته. اعتدت على ماذا؟ على غضبي؟ أنا لا أفهم لما تقولين ألغازاً وكلمات لا تجعلني قادراً على التفكير بغيرها. أنت تفصلينني عن حياتي، ترمين بكلمات دون أن تحسبي لها كيف ستكون عليّ، ولا أقدر على الخلود للنوم من بعدها. دوماً ما تفعلين بي ذلك.
"اشتقت لأبي."
نظرت لها، أكملت، قالت: "أمي وإخوتي. كنت أفكر بهم، هذا كل ما في الأمر."
"حقاً؟"
نظرت لي لثوانٍ، ثم أومأت برأسها. هل كانت تبكي شوقاً لهم؟ هل هذا ما تفكر بهم أم تخدعني؟ لأني لا أكذبها، وإن كنتِ تكذبين، سأحاول تصديقك. أخبرتها أننا قريباً سنعود، فاومأت بتفهم. وسألتني ماذا كنت أريد، فقلت لا شيء، وأن ندخل فالطقس بارد حتى لا تمرض. ودخلنا.
"تصبحين على خير"، قلتها لها وهي تدخل لغرفتها. نظرت لي، قالت: "تصبح على خير." ثم دلفت لغرفتها، وأنا الآخر.
في اليوم التالي، جاء سيد فاضل مع هيثم ثانياً، الذي كنت لا أعلم لماذا أشعر بعدم قبول بيني وبينه، لأني رأيته في المرة الفائتة يوجه كلاماً لديما، فأشعرني بالغضب. أتممت الصفقة.
"سعيد لأن سنعمل معاً."
قالها سيد فاضل. قلت: "شرف لي."
"هل لديكِ شيء غداً؟"
تعجبت. نظرت لديما الذي كانت معي. قلت: "لماذا؟"
"أريد دعوتكم بمنزلي على الغداء."
دعوتكم... لما يجمع؟ أيقصدني أنا وديما. فهي من معي الآن، وأيهم ذهب للتو. إذن هو يوجه كلامه لنا.
"وزوجتك، نسيت أن أبارك لك."
نظر لي، أردف قائلاً: "إن لم يكن هناك مانع."
"حسناً."
ابتسم، قال: "إن شاء الله، في انتظارك."
وقف وسلم عليّ، قال: "إلى اللقاء."
سلمت عليه، وكذلك هيثم ابنه، ثم ذهبوا. جاء أيهم وسألني عن الصفقة، أخبرته أنها تمت.
في اليوم التالي، كنا على الفطور. أخبرت أريا أن تحضر نفسها وأننا سنخرج، فسعدت كثيراً. وسألتني لأين، أخبرتها أنها زيارة، فاومأت بسعادة. بينما لاحظت نظرات تثقبني، وكانت ديما، ثم وجدتها تقف وتذهب. نظرنا لها باستغراب.
انتهت أريا، وأخبرتني أن نذهب. فسألت عن ديما لآخر مرة، بعدما مانعت، وأخبرتني أنها لا تريد الذهاب. فساءت أريا، وأخبرتني أنها ما دامت لا تود، فلا حاجة لسؤالها. ذهبنا. فأوقفني صوت، التفت، وجدت ديما.
"سأذهب، غيرت رأيي."
نظرت لها، كانت ترتدي جيب أسود عليها مرتسم عليها نقوش خفيفة، وبلوزة سوداء وحذاء أسود، وترفع شعرها. كانت جميلة. حتى شعرت بالغيرة من أن تذهب. لوهلة قررت إلغاء الزيارة حتى لا تخرج ويرها أحد. أود أن أسجنك، كما يسجن المحب عصفوره منعا من الطيران للخارج والابتعاد عنه. إنه يسلب حريته بسجنه وخوفه عليه. هل بإمكاني أن أفعل بكِ ذلك؟
وصلنا لمنزل سيد فاضل، الذي كان بانتظارنا هو هيثم. رحبوا بنا ودعانا للدخول. ورحبت زوجته بأريا وديما. كانت ترتدي عباءة سوداء وحجاب.
جلست مع سيد فاضل وابنه، وكان يتناولون أحاديث بعضاً عن العمل، وبعض آخر عن الحياة. وأوقات يتحدثون عن مساعدتي ومجيئها من هناك لهنا، وهذا يدل من تفوقها بالعمل. إنهم يقصدون ديما.. كنت أتضايق ومتعجب كثيراً منهم. حاولت أن أغير تلك الأحاديث. سألتهم عن اللوحات تلك، أخبروني أن هيثم يجيد الرسم. أنا أميل لذلك الفن، إلى أنني أظهرت اللامبالاة. فاستأذن هيثم وذهب.
"هل بإمكاني أن أسألك عن شيء؟" قالها السيد فاضل. نظرت له وأومأت برأسي.
"أراك تعرف الآنسة ديما كثيراً، وليس كطبيعة عمل."
قلت بتعجب: "لماذا هذا السؤال؟"
"كنت أريد معرفة والدها، إن كنت تعرفها."
شعرت بالريبة. قلت: "عفواً."
نظر لي وصمت قليلاً، ثم قال: "لأكون صريحاً معك سيد سليم، هيثم حدثني عن مساعدتك عندما رآها، وقررت أن أطلب يدها من والدها."
شعرت بالغضب الشديد، كأنني أريد أن أقتل هذا هيثم لأنه نظر لها. لماذا تريدون أخذها مني؟ إنها الشيء الوحيد الذي أتنفس من أجله. فلماذا لا تتركونها لي؟ لماذا يريدون إبعادك عني يا ديما؟ لن أسمح لهم.. لن أسمح لأي أحد أو أعطيه فرصة بأن يأخذك مني. ديما لي، ولن تكون لغيري.
"لذلك أسألك عنه."
انقطعت حديثه بوقوفي. نظرت حولي.
"سيد سليم، هل هناك شيء؟"
"علينا الذهاب."
"الآن؟"
ذهبت ولم أرد عليه. قابلت أريا، سألتها عن ديما. تعجبت من طريقتي، وأخبرتني هناك. ذهبت وجمعت قبضتي بضيق، واحمرت عيناي غصباً عندما وجدت ديما واقفة مع هيثم ووالدته عند لوحة، وكانت ترسم ابتسامة على وجهها ويتحدثون.
"ديما."
صمتوا، ثم نظروا لي. اقتربت منهم، قلت: "سنذهب."
قالت ديما: "ماذا؟"
قالت زوجة السيد فاضل: "بتلك السرعة، ابقوا قليلاً."
اقتربت أريا متى، وسألتني ما الأمر. أخبرتها أن تذهب لسيارة، فاومأت بتردد وذهبت. جاء السيد فاضل، اقترب مني، قال: "ما الأمر؟"
نظرت لديما، قلت بغضب: "هيا، لما زلتي واقفة."
نظرت لي، ثم قالت: "لا أريد."
نظرة لها بصدمة، قلت: "ماذا؟"
"لا أريد الذهاب."
لم أكن أصدق أنها تقول هذا وتحرجني أمام غرباء. هل أحببتِ الجلوس معهم؟ أم أحببتِ وقفك معه هو؟
"سيد سليم، ماذا هناك؟" قالها هيثم. نظرت له بغضب، ثم اقتربت من ديما: "هيا."
أمسكت يدها وأخذتها من بينهم بقوة.
"ماذا تفعلين؟ اتركيني!" قالتها ديما بغضب وخوف. إلى أنني لم أستمع لها، ولم أستمع لأحد يخبرني أن أتركها ويسألونني ما الأمر، لتحولك هذا، فلا أرد عليهم. كانت ديما تحاول الإفلات من قبضتي، فاشتد عليها بغضب لمنع حركتها، فاسمع صوت ألم منها وخوف مزدوج مع بكاء. لم أكن أرى أحد.. المهم أن آخذك بعيداً من هنا. كنت أسحبها رغماً عنها، وهي ليس لديها قدرة أمامي، ضعيفة من بين يدي وغضبي.
"ابتعد يا سليم.. يكفي."
أدخلتها لسيارة بقوة، وأغلقت الباب، ثم ركبت وقُدت سريعاً. ابتعد من هنا، ابتعد عن أي أحد يفكر في أن يأخذ فتاتي مني. أنت لي وستظلين كذلك.
وصلنا للمنزل، وكانت ديما تبكي طوال الطريق. صعدت لغرفتها وأغلقت الباب بقوة.
"ماذا حدث؟" قالتها ريم بتساؤل. نظرت لها ودخلت غرفتي وأغلقت الباب دون أن أرد على أحد. كنت غاضباً... غاضباً كثيراً. تريدين أن أدعكِ تبقين؟ أم كنتِ تقصدين أنكِ موافقة عليه؟ للمرة الثالثة تخونيني.. وتفكرين برجل آخر. لماذا لا تتطلعين بي؟ لماذا أنتِ جافة معي؟ لن أسمح لكِ يا ديما بفعل ذلك بي.
جلست بضيق، وأمسكت برأسي بين يداي. نظرت، ثم ذهبت. أخرجت دوائي، فاحضرته معي من هناك.. لم أكن آخذه منذ أيام، فاخذته ليوقف ألمي. شربت ماء كثيراً.. تنهدت بضعف وجلست على السرير.
"لماذا تفعلين ذلك بي؟ ماذا فعلت ليعاقبني الله بكِ وبحبي لكِ؟ ما هو ذنبي؟"
وضعت يدي على معدتي، أوقف تلك الخناجر عن تمزيقي. استلقيت ومددت جسدي بإرهاق. فتح الباب، وكانت ريم.
"سليم."
لم أستطع أن أرد عليها أو أفتح عيني أو أنظر لها، حتى قالت: "ديما تغادر."
فتحت عيني بدهشة، ونظرت لها بشدة وغضب يحتلني. خائف أن أذهب إليها وأنفجر بها. إلى أن خرجت وتوجهت لغرفتها، وأطرقت الباب لأدخل، وجدته موصداً. فتحته ودخلت، وجدتها تلم ملابسها. نظرت لي، وكان غاضبة، وجهها مبتل من البكاء.
"ماذا تفعلين؟"
"ليس من شأنك." قالتها وهي تعطينى ظهرها. ثم ذهبت لخزانتها، فأمسكت يدها. نظرت لي، قلت: "ألم أسألك سؤالاً؟ جاوبي."
سالت دمعة من عينيها وهي تنظر لي بخوف، فتركت يدها. تنهدت بضعف من ألم معدتي، وقلت: "لست قادراً على التحدث، صدقيني. أخبريني لما تحضرين حقيبتك."
"لأنني لن أبقى هنا."
نظرت لها بشدة، قلت: "أخبرتك أنني لن أسمح لكِ بأن تسافري وأنا لست معك. سنعود كما جئنا."
"سأتحمل اليومين المتبقين إذا."
شعرت بالراحة، إلى أن أكملت، قالت: "لكن ليس هنا بهذا المنزل."
"ماذا؟"
نظرت لي وصمتت. قلت: "لن تذهبي. أخبرتك أنكِ مسؤوليتي."
"لست كذلك." قالتها ديما بغضب وصوت مرتفع. نظرت وأردفت قائلاً: "أنت لست مسؤولاً مني بشيء، ولا مضطراً بأن تهتم لأمري لوصاية أبي لك قبل أن آتي معك. أنا كبيرة على أن أهتم بنفسي جيداً."
"لكنكِ مسؤولة مني منذ زمن. ألم تلاحظي اهتمام غير الآن، وبحجة والدك اخترعتيها؟ لماذا لم تري الجانب الآخر من ناحية اهتمامي؟ فأنا أهتم بكِ دائماً، ليس من أجل والدك، حتى إن لم يوصيني بكِ لفعلت ما أفعله الآن. لماذا تطعنيني بكلماتك القاسية تلك؟ ارحميني، لما ليس لديكِ رحمة تجاهي كالآخرين؟"
اقتربت ووقفت أمامها مباشرة، قلت: "ماذا بيدي يا ديما؟ أخبريني ما علي فعله والذي يريحك. لا يجب أن تغادري وتبعدي عني."
"لماذا؟ لأنني يجب أن أكون معكِ، أليس كذلك؟ لكن لن يحدث. أريد الخروج من هنا."
"لماذا؟"
تذكرت عندما أخبرتني أنها ستبقى في فندق.
"لماذا لا تريدين البقاء هنا؟ هل هناك أحد يزعجك؟"
رفعت بأنظاري لها، ثم قالت: "أنت."
نظرت لها بصدمة. "أنا؟"
"لا أريد البقاء معك، لا أريد رؤيتك. أنت تسبب لي الغضب والحزن يا سليم. إنه أنت."
شعرت بألم شديد بمعدتي، ووحوش تبرز مخالبها وأنا أنصت لكلامها المندفع لقلبي ويفكته. لما كل ذلك؟ هل تكرهيني لهذه الدرجة؟ نظرت لها، وقلت بصوت ضعيف: "لماذا؟"
لم ترد عليّ، فاكملت وقلت: "هل بسبب ما حدث منذ قليل؟ هل أنتِ غاضبة مني لطريقتي هناك؟"
صمتت.. ليتكِ صمتِ قبل قول كلامك هذا. لما تصمتين الآن بينما أريدكِ أن تتحدثي.
"ماذا تريدينني أن أفعل؟ وهو يخبرني أن ابنه يريد الزواج منكِ."
نظرت لي بشدة، أردفت قائلاً: "قولي ماذا تريدين؟ هل أنتِ موافقة على ذلك؟"
"أجل."
شعرت بصدمة.. صدمة كبيرة ونوبة غضب هائلة ستنفجر. لبضع ثوانٍ.
"أنا موافقة.. هل هذا يهمك؟"
"لن تتزوجي من أحد.. لن أسمح لك." قلتها بغضب وصوت مرتفع. نظرت لي، قالت: "ولماذا؟"
جمعت قبضتي بغضب، ثم قلت ببرود: "ل حين عودتنا، لن تخرجي من هنا يا ديما."
نظرت لي بشدة، قالت: "م... ماذا؟ والعمل؟"
"لن تذهبي من اليوم."
ضاقت ملامحها وغضبت، وقالت: "ليس بإمكانك أن تمنعني يا سليم."
"بإمكاني، فلا تطرني لذلك."
"أتظن أنني سأستمع لك كالساذجة، وأنت ليس عليك لي بكلمة؟ أنا لن أبقى هنا للحظة معك.. ليتني لم آتِ من البداية."
شعرت بألم في معدتي، ألم شديد يتسرب لخلايا جسدي بأكملها. إنكِ إزعاج، هذا هو ما حدثني الطبيب عنه، أن أتفاداكي. إنكِ مرض... بل إنكِ وباء بالفعل. ألفظ أنفاسي الأخيرة وأنتِ في ثورة غضبكِ مني، لأني أمنعكِ من الابتعاد عني. بينما أنتِ تريدين الزواج.. هل هذا مرادك؟
"هل تكرهيني؟" قلتها بتساؤل وصوت ضعيف ونفاذ طاقة، التي بعثرتها للتو في حديثها. نظرت لي وصمتت. لم ترد. قلت: "جاوبي يا ديما.. عندما كنت أخبرك بشيء، لطالما كنتِ تستمعين إليّ وتعلمين أني خائف عليكِ، فلا تجادليني. كنتِ تطيعينني دوماً. ألم تعدي تعتبرينني صديقاً لكِ؟"
نظرت لي بغضب، ثم قالت: "لم أعد تلك الطفلة ذات الخمس سنوات لأستمع لك ولتحذيراتك. ولست بحاجة لخوفك."
"أنتِ محقة."
نظرت لي بعدم فهم من هدوئي وصوتي الذي هلك. أكملت، قلت: "أنتِ لستِ هينة."
نظرت لها، وأضفت: "ولن تكوني كذلك."
ذهبت وتركتها. كنت أشعر بالإعياء. رأيت أريا وريم ينظرون لي. تجاهلت نظراتهم ودخلت لغرفتي. وضعت يدي على معدتي بألم. لم أعلم هل آخذ قرصاً آخر ليهدأ ذلك الألم ولو قليلاً. أخذت قرصاً آخر، ونزلت، أخذت زجاجة مياه باردة، ثم صعدت لغرفتي، ودفعتها إليّ في شرفة واحدة.
تنهدت، وضعتها. جلست وأشعر بضيق واختناق من تذكر كلماتها: "لم أعد تلك الطفلة لأستمع لك. لا أريد البقاء معك. لا أريد رؤيتك. أنت تسبب لي الغضب والحزن يا سليم. أنا لن أبقى هنا للحظة معك. ليتني لم آتِ من البداية."
وقفت بغضب شديد، وقمت بضرب الطاولة الزجاجية بيدي، فتهششت إثر ضربتي وجرحت يدي. فتح الباب، وكانت أريا. قبل أن تقترب وترى، أخبرتها أن تخرج وتقفل الباب.
شعرت بحرارة ويتسرب العرق إليّ. فتحت أزرار قميصي، إلى أنني ما زلت أشعر بالحر، رغم برودة الطقس. دلفت لدورة المياه، وشغلت مياه باردة تندفع بقوة، وأنا من تحتها ومنها، وكانت دماء يدي تختلط مع الماء. كنت منهكاً، وأريد أن أطفئ نيراني. لم أكن أشعر ببرودة الماء من حرارة جسدي، وذلك الشعور الغريب. حاولت ألا أتذكرها.. مانعت التغيير بها لسوء حالتي.. لدي أسئلة كثيرة لك، أولها لماذا.. لماذا تسعدين بتعذيبي؟ في كل مرة تتركينني لبشاعة تخمين مكانتي لديك. فينكسر شيئاً بداخلي تجاهك، لا يعود كما كان.. أرهقني حبك، أرهقني كثيراً يا ديما.
---
لم أشأ قول ذلك. لا أعلم كيف قلته لأجعله يسألني سؤالاً مثل ذلك: "هل تكرهيني؟" كيف كانت كلامي لتظن بي هكذا؟ أنا لا أقدر على كرهك. سأكون صريحة معك، فلقد حاولت.. حاولت مراراً أن أكرهك وأنتشلك من قلبي، لكن محاولاتي باتت فاشلة أمام حبي لك.
كنت غاضبة، فخرجت تلك الكلمات مني بغضب حين قلت أني لا أريد أن أكون معك. كنت أطلب منك البقاء. حين قلت لا أريد رؤيتك، كنت أقصد بها أريا.. فأنا أتحمل رؤيتك معها رغماً عني، وليس بيدي شيء لأفعله. كان يبدو ضعيفاً ومتعباً في كلامه، وعندما جاء إلى أني لم أهتم به، ألعن نفسي على ذلك.
خرجت من غرفتي، نظرت لأريا وريم. سألتهم عن سليم. صمتوا قليلاً، ثم أخبرتني ريم أنه خرج للتو. شعرت بالخيبة، وأردت رؤيته كثيراً واعتذر منه.
فعدت لغرفتي بحزن وأفكر به. نظرت لهاتفي واتصلت عليه، لكنه لم يرد. فاتصلت به مجدداً، فوجدت أنه أغلق الهاتف. فغضبت من نفسي كثيراً ومنه. فأنا قلقة عليه، لما أغلق الهاتف؟ كان تركه لأعلم أنه يستمع لرنيني. حتى في الليل، لم أكن قد نمت بعد، وقد تأخر الوقت، وسليم لم يعد، وخائفة عليه كثيراً. كنت بالأسفل أنظر للباب، أنتظر مجيئه بفارغ الصبر، حتى أنني أردت الاتصال بأيهم لأسأله عنه، لكنني خشيت أن يعلم ويغضب.
كنت جالسة، وجدت شخصاً يدخل من الباب، وكان سليم. سعدت كثيراً برؤيته وشعرت ببعض الراحة، إلا أنه كان شكله غريباً، يبدو عليه التعب والضعف. كان يسير، وكان جسده غير قادر على تحمله. نظر لي وقد انتبه لوجودي، فذهب ولم يعيرني اهتماماً. اقتربت منه.
"سليم."
توقف وهو يصعد الدرج. قلت: "أين كنت؟"
"هل تريدين شيئاً؟"
"أريد أن أتحدث معك."
"غداً."
ذهب. نظرت له، دخل لغرفته، فاسرعت وذهبت له. دخلت. قلت: "لكني أريد الآن."
"أنا متعب يا ديما، في وقت آخر." قالها بانتهاك وإرهاق بادٍ على وجهه، فشعرني بالحزن. هل وجودي أصبح إزعاجاً لك؟ التفت لأذهب، لكن لفت انتباهي يده الملتف حولها قماش طبي. نظرت له.
"ما هذا؟"
لم يرد عليّ. اقتربت منه، أمسكت يده. نظرت له.
"ماذا حدث ليدك؟"
سحب يده مني. نظرت له. ذهب وجلس على السرير، وكأنه يخبرني أن أخرج، فخرجت بخيبة. لم أرَ سليم متعباً هكذا يوماً.. لم أرَ هذا التعب حتى في الحادث. إنه يبدو مجهداً كثيراً.
في اليوم التالي، لم ينزل سليم ولم أراه. كان لدي رغبة في الذهاب له، لكن ماذا سأكون أمامهن؟ أنا السبب فيما هو فيه. إنه حزين مني الآن.
في الليل، رأيته يخرج من غرفته. نظرت له وذهبت إليه سريعاً، فأريد التحدث معه بأي شكل. دخل إلى المطبخ، وكان يشرب.
"سليم، هل تحدثنا قليلاً؟"
توقف عن الشرب عندما سمع صوتي، ثم أقفل الزجاجة، أعادها وذهب. نظرت له بحزن، وذهبت خلفه. أوقفته وأنا أمسك يده بكلتا يداي.
"أنا آسفة." قلتها ودموع عالقة بعيني. أكملت، قلت: "أرجوك، لا تتجاهلني هكذا. أعلم أني أخطأت، اعتذر، لا تحزن مني. لن أخرج أو أذهب للعمل، سأستمع لك فيما تقوله، لن أتحدث مع أحد، وأتحدث برسمية كما تريد."
التفت سليم ونظر لي.
"هل أنتِ خائفة مني؟"
رفعت أنظاري إليه، قلت: "لا."
"لمَ لا تسمعين كلامي الآن؟"
علمت ما يقصده، فقلت: "لطالما كنت أستمع لك. كنت غاضبة، فخرجت تلك الكلمات مني."
ابتسم، نظر لي، تنهد وقال ساخراً: "أتعلمين أوقات المرء يقول حقيقة ما لديه في شدة غضبه."
شعرت بالحزن من نبرته، لهذا الحد خيبت ظنه. قلت: "وأوقات يكذب ويخرج الحقيقة بصيغة أخرى."
صمت قليلاً، ثم قال: "اذهبي للنوم."
ذهب. فلم أترك يده، قلت ببكاء: "لا أستطيع النوم. حاولت، لم أستطع تركك وأنت غاضب مني أكثر من ذلك. اعتذر، أخبرني ما علي فعله حتى لا تحزن مني أكثر من ذلك."
"لست حزيناً منك يا ديما."
رفعت وجهي ونظرت له، قلت: "حقاً؟"
أومأ برأسه. شعرت براحة. نظرت ليده، قلت: "ماذا حدث لها؟"
نظر ليده، قال: "لا شيء."
شعرت أنه لا يريد أن يخبرني، فصمت، وتركت يده. سألته ألن تنام، أخبرني أنه سيخرج للحديقة قليلاً.
"سآتي معك."
نظر لي وذهب، وتبعته. وقفنا بالخارج، وكنت أنظر له، بينما هو ينظر للسماء.
"أتتأمل الكون؟"
نظر لي بعدم فهم، فاكملت، قلت: "لأنك خرجت وتقف وتتطلع للسماء."
"أخرج، أُصيب عقلي بذلك الخلاء."
نظرت له، قلت: "هل لديك كلام لا تستطيع التحدث به، لذلك الحد؟"
"مقدار كلماتي يجعلها ثقل وحمل كبير. أوقات أتساءل لما لا يريح العقل نفسه من التفكير، إلى أنني علمت أنه يحب المعاناة."
كان حديثه به حزن. نظر لي وأكمل: "كالانسان يعلم أن هذا سيسبب له الألم، فيقع بحبه."
"نحن هكذا نميل لمن يهلكنا." قلتها وأنا أنظر له، وكنت أقصد هو. كنا ننظر لكلانا بتوجس. تنهد ونظر أمامه.
"الجو بارد هنا."
نظر لي. ابتسمت، وأردفت قائلة: "ينقصه فنجان قهوة دافئ."
"كالدماء."
نظرت له، فقالها بابتسامة وسخرية. قلت: "ماذا؟ لم يكن بهذا السوء."
ابتسم، فشعرت بسعادة من رؤية ابتسامته. هل نسي؟ ألم يعد حزيناً مني؟ بقينا واقفين، وكنت أشعر بدفء نابع من سترته، التي لا زالت حرارة جسده به. أخبرني أن ندخل حتى لا أمرض. دخلنا. نظرت له وهو يدخل لغرفته، فدخلت وكنت سعيدة. نظرت للمرآة، لم أكن أعطيته السترة. هل أذهب له؟ خلعتها ونمت بارتياح.
في اليوم التالي، نزل سليم على الفطور. ابتسمت عندما رأيته. فطرنا، وجدته يذهب لعمله.
"ألن تذهب ديما معك؟" قالتها ريم بتساؤل. توقف سليم، نظر لها. فقلت: "إنه أكرم عليّ بإجازة لأرتاح قليلاً، فأعماله كثيرة هنا. لا تجعليه يغير رأيه." قلتها بمزاح. نظر سليم لي لثوانٍ، ثم اقتربت أريا منه وتودعه بحب. شعرت بالغضب. وجدته يذهب، كنت حزينة لأنني سأشتاق له، ليس إلا. كان العمل الشيء الوحيد الذي يجمعني به دون أن يزعجني أحد.. كأريا مثلاً.
في المساء، جاء سليم على العشاء. أخبرنا أنه أكل وصعد. كنت ذاهبة لغرفتي. قابلته، نظر لي، قال: "هل كنتِ تريدين المجيء معي؟"
نظر له، قلت: "لا، لماذا؟"
"لا أعلم، هذا ما شعرت به."
"كنت قلقة عليك، فأنا أساعدك بالكثير وستكون في مأزق بدوني." قلتها بابتسامة وثقة.
"تقرأين أفكاري."
نظرت له بعدم فهم. قلت: "ماذا تقصد؟"
"هل تساعدينني الآن؟"
"أتحتاجني في شيء؟"
أومأ برأسه. نظرت له بشدة، قلت: "هل كنتِ آتية إليّ؟"
"أجل، هناك ملفات لمراجعة قبل رحيلنا."
ابتسمت، قلت: "حسناً."
ذهبت، نزلت الدرج. قال: "لأين؟"
توقفت، نظرت له، قلت: "سأحضر قهوة لنا."
نظر لي، فقلت: "ليست كالدماء."
التفت وذهبت. كنت سعيدة. صنعت قهوة، وتأكدت من طعمها، أخذتها وذهبت. صعدت الدرج، تذكرت سترة سليم، ذهبت وأحضرتها لأعطيها له.
لم أعلم أين هو. اقتربت من غرفته، ففتح الباب قبل أن أمسّه، وكانت أريا. خرجت. نظرت للداخل، أغلقت الباب ثانياً. شعرت بالضيق. فماذا كانت تفعل عنده؟
"ديما، هل تحتاجين لشئ؟"
نظرت لها بغضب، وذهبت. فوقفت أمامي، نظرت لها، قلت: "ابتعدي."
"قولي ما تريدين."
"سليم، هل أنتِ هو؟"
"فيما تريدينه؟"
"ليس من شأنك."
ذهبت، فاعترضتني ثانياً، وقالت: "إنه نائم، لتريه غداً."
"نائم!"
"أجل، مستلقٍ. قولي ما تريدينه لأعلمه له."
"ما دخلكِ أنتِ؟"
قالت بغضب: "سليم زوجي، افهمتي؟ كفاكِ عبثاً ولعب أطفال. لا تستطيعين الدخول عليه وهو نائم."
شعرت بالغضب الشديد من لقب زوجها هذا. لكنه لم يكن نائماً، وقالت إنه مستلقٍ، أي أنه مستيقظ ولم يغط في النوم. نظرت ليدي.
"أليست تلك سترته؟"
نظرت لها، فأضافت بنفاذ صبر: "جئتِ لتعطيه له.. لا عليك، هاتيها."
أبعدت يدي، قلت: "سأعطيه له."
"لا يوجد دخول، ألا تفهمين؟ أعطيني."
مدت يدها وأمسكتها، أبعدتها منها وعدت للخلف. وهي تصر على أخذها. انزلقت قدماي من على طرف الدرج. اتسعت عيني وفقدت اتزاني.
---
كنت أريد ألا أشعرها بأي فقد تجاه عملها، وأعلم أنها جاءت من أجله، لكنني لا أريدكِ أن تذهبي، وفي ذات الوقت ألا تحزني. فاخبرتها أني أحتاجها في العمل هنا، وأن تساعدني حتى نغادر، وتعودي لعملكِ معي.
كنت مستلقياً على السرير، أضع ذراعي على عيني. حتى سمعت صوت صراخ، أفزعني. سرب الرعب إليّ من صاحبة الصوت. وقفت وخرجت سريعاً، وصدمت عندما وجدت ديما أسفل الدرج وتصرخ. نزلت، بل ركضت إليها في هول. اقتربت منها وجثوت على ركبتي، وكانت تضع يدها الذي ترتعش على وجهها وتصرخ بفزع، وصرخات متداوية عالية.
"ديما."
نظرت لأريا الذي كانت بجانبها وخائفة، قلت: "ماذا حدث؟"
نظرت لي، ولم ترد. اقتربت من ديما وأبعدت يديها. اتسعت عيني بشدة عندما وجدت جانب وجهها لونه أحمر بشدة، وكأنها تعرضت لحرق ما. صدمت، كانت تبكي بغزارة. نظرت لأريا، الذي كانت صامتة. قلت بغضب: "أريا، ما الذي حدث؟"
نظرت لي، ولم تتكلم. نظرت لها بضيق. جاء عمار وريم بخوف. اقتربت من ديما لأسندها.. فصرخت بقوة فور ملامستي لها، جعلتني أتراجع بفزع.
"ما الأمر؟"
"ق.. قدمي."
نظرت لها بشدة، وإلى قدمها وساقها. ماذا حل بها؟ مدت يداي لأحملها، فأبعدتني وصرخت بي.
"لا.. أستطيع." قالتها ببكاء وترجّي، مما آلم قلبي كثيراً، وعقلي لا يفهم شيئاً.
"لنأخذها للمشفى." قالها عمار لي. اقتربت وحملتها، فصرخت. لم أعيرها اهتماماً، وحملتها على ذراعي وذهبت سريعاً. فتشبثت بي، وخبأت وجهها داخلي وتبكي بتألم.
وصلت للمشفى وديما على يدي. دخلت وناديت على الأطباء، فاسرعوا إليّ من صوتي. وضعتها على سرير متحرك ليأخذوها، لكنها كانت تمسك في ملابسي. تمسكها بقوة خوفاً، ولا تتركني. ذهبت معهم، وأنظر لها وهي تتألم، ول وجهها.
وصلنا للغرف، اقتربت ممرضة منها لتحل يدها مني، لكنني غضبت عليها، وأخبرتها أني سأدخل معها. مانعوا، لكنني لم أستمع لهم. كيف أتركها بين صرخاتها وبكائها ول حالتها تلك؟ اقترب طبيب، وقام بحنقها بمخدر. نظرت لديما، كانت قد بدأت في التلهث والصمت، وفي أن تخفف من يدها عليّ، وتترك قميصي وتغفو. نظرت لها بحزن، كانت ورموشها المبتلة. أبعدني الطبيب ليراها، ولم أكن قد خرجت، وما زلت في الغرفة، أنظر له وهو يتفحصها.
"من أنت؟" قالها لي بتساؤل. فقلت: "لماذا؟"
"يجب أن أعرف."
صمت، وجلت بنظراتي لها وهي نائمة. قلت: "زوجها."
نظر لي، وأومأت. ثم قال: "لديها كسر في قدمها اليمنى."
نظرت له بصدمة. "كسر!"
"أجل، غير وجهها الذي تعرض للحرق من قبل شيء ساخن."
لم أكن قادراً على سماع أكثر من ذلك. حرق وكسر. ماذا حدث لها؟ كانت بخير.. كانت معي منذ قليل وترسم ابتسامة على وجهها، وسعيدة، وتذهب بسرعة لإحضار قهوة لنا.
"ماذا حدث لها؟"
نظرت لطبيب، فكان قد قالها بشك، وكأنه يظنني أنا من فعلت بها ذلك. شعرت بالغضب والضيق. كنت سأتحدث، لكن صمت، واتسعت عيني من دماء على قميصي. تعجبت، نظرت لديما. قلت: "إنها مجروحة."
اقتربت منها بخوف لأرى مكان جرحها. وجد الطبيب بذراعها قطعة زجاج عالقة بها. دهش الطبيب، وأخبر الممرض أن يحضر الإسعافات. قام بسحبها، فشعرت بألم، كأن خنجراً يمزقني. نظرت للقطعة بشدة، وأخبرته أن يعطيها لي.
"لا يجب أن تلمس دماء ليست دماؤك."
يس... أخذتها منه بدون اكتراث له. نظرت، كانت تبدو قطعة فنجان. نظرت لديما، والحرق الذي بوجهها، كان يصل إلى رقبتها.. أخبرني الطبيب أنها يلزم لها عملية. نظرت له بشدة، ولديما. لم أعلم هل أوافق أن لا؟ أخبرته أن ينتظر لحين أن تستيقظ، وأخبرها حتى لا تتفاجأ، فهي يجب أن تعلم. أومأ لي، وأخبر ممرضتين أن يضعوا لها علاجاً على حرقها الذي كان بوجهها حتى رقبتها. فخرجت حتى ينتهي. نظرت لأريا، الذي كانت واقفة مع ريم وعمار. تذكرتها عندما خرجت، وكانت بجانب ديما، والخوف الذي بعينيها حتى الآن. سيرت تجاهها، قالت بقلق: "كيف هي؟"
"ماذا حدث؟" قلتها بغضب. نظرت لي ريم، قالت: "سليم، اهدأ."
"ديما لديها حرق بوجهها وكسر، وستخضع لعملية بعد قليل."
"ماذا.. كيف حدث هذا؟"
نظرت لأريا، قلت بغضب: "ألن تتحدثي؟ أخبريني ماذا رأيتِ وماذا أصابها؟"
قالت بخوف وارتباك: "كان حادث."
نظرت لها بشدة. وماذا تعني؟ خرجت الممرضة، فذهبت لأطمئن عليها.
دخلت الغرفة، نظرت وشعرت بخنجر يسكن قلبي. كان جانب وجهها المحترق ملتف بقماش طبي. اقتربت منها بحزن، ومزلت بصدمة بما حدث لصغيرتي. دمائكِ الذي على قميصي، وبدموعكِ الذي لم تجف من عليها بعد لكثرتها، وبكائكِ الذي لا يزال بسماعي.
جاء الطبيب، أخبرني أنه عليه أن يوقظها، فهذا التأخير للعملية ليس جيداً لها.
فتحت ديما عينيها. نظرت لي، ثم اعتدلت، فصدر صوت تألم. اقتربت منها بخوف، أمسكت يدها. نظرت لي، قالت بحزن: "لا أستطيع الحراك."
"اهدئي."
فجأة، تركت يدي، ورفعت يدها لوجهها ببطء وخوف، وتلمست ما حول وجهها.
"ما هذا؟"
"ديما..."
"ما هذا الذي تضعوه على وجهي؟" قالته بغضب وبكاء. ثم قامت بانتزاعه. نظر لها الطبيب بصدمة، ومنعها بحده، فقامت بفكّه ورمته أرضاً. طلبت مرآة. نظرت لها بشدة، وأخبرتها أنها ليس بها شيء. فنظرت لي بغضب، وأنزلت قدميها من على السرعة بحركة سريعة. صرخت بألم. اقتربت منها، أمنعها.
"اهدئي."
أبعدتني بغضب، ووقفت واستندت على الحائط، وتركت قدمها اليسرى في الهواء.
"ديما، اجلسي أرجوكِ."
•
رواية كبد المعاناه الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم نور ناصر
ما هذا الذي تضعوه على وجهي؟ قالتها بغضب وبكاء، ثم قامت بانتزاعه.
نظر لها الطبيب بصدمة ومنعها بحده، فقامت بفك الأنبوب ورمته أرضًا.
طلبت مرآة، نظرت لها بشدة، وأخبروها أنها ليست بها شيء.
نظرت إليّ بحنق وأنزلَت قدميها من على السرير بحركة سريعة.
صرخت بألم، اقتربت منها أمنعها: اهدئي.
أبعدتني بغضب ووقفت، استندت على الحائط وتركت قدمها اليمنى في الهواء.
ديما، اجلسي أرجوكي.
قالت بغضب وصراخ: ابتعد.
ذهبت وهي تخطو على قدم واحدة وتتألم.
نظرت للطبيب فأومأ لي وقام بتحضير حقنة مخدر.
اقتربت من ديما، وجدتها تنظر للزجاج الغرفة ويعكس صورتها.
وقفت وصمتت بعدما كانت في ثورة غضب.
نظرت لنفسها وسالت دموع من عينيها.
رفعت يدها ببطء وقربت أناملها من وجهها.
وعندما لامسته، تألمت وبدا على ملامحها التألم.
فصدر صوت بكاء نابع منها بحرقة.
اقتربت منها فصرخت بي وهي تبعد بوجهها الناحية الأخرى: ابتعد.
نظرت لها بشدة وحزن: ديما.
قلت ابتعد، لا تنظر لي.
قالتها ببكاء، ثم أردفت بصوت ضعيف: أبدو قبيحة.
اقتربت فصرخت تمنعني وترجع للوراء.
فصرخت بألم حين لمست قدمها الأرض ووقعت على الأرض.
أسرعت إليها وجثوت على ركبتي لإسعافها، فبكت بحزن شديد وتتوسل إلي أن أبتعد، لكنني لم أنصع لها.
إلى أن قلبي كان يدوي ببكائها وأذناي تدوي بصراخها المنبعث بحرقة.
دخلت ريم وأريا، أظنهم سمعوا صوتها.
أرجوك لا تنظر لي، تشوهت، أصبحت مشوهة.
صدمت من ما قلته، أي تشوه هذا.
ما الذي تهذين به، أنتِ لست كذلك.
قالت بغضب وصراخ: لا تنظر لي بعين الشفقة، لا أحتاجها.
ديما، أرجوكي، أي شفقة هذه.
بكت ولم ترد علي.
ما مقدار ألمك يا ديما... لا أستطيع تخيله.
ليتني أستطيع أن أواسيك وأخفف قليلاً عليك.
ما زلتِ كما أنتِ.
نظرت لي وكانت عيناها تشي بحزن متضخم، كسرة نفس بها، ثم مالت علي وبكت.
نظرت لها، لم أستطع التحمل، فقمت بمعانقتها بحزن وأخذتها بين أضلعي أخفيها من داخلي.
فتبادلتني العناق واحتضنتني بقوة ودفنت بوجهها في صدري وتبكي.
ذلك العناق تمنيته كثيرًا... لم أتخيل أن حين أعانقك سيكون لاحتواء بكائك وانهيارك وحزنك هذا.
قالت ببكاء: أبدو قبيحة.
قلت بهدوء: جميلة كعادتك.
لا تكذب، قل الحقيقة، أن وجهي شوه.
لم يصبه شيء، كما هو.
كنت أشعر بدموعها الدافئة على وجهي الذي أغرق بقميصي.
كانت تشتد عليها وكأنها تريد اختراق أضلعي وتغرز بأظافرها بي.
مددت ذراعي برفق حتى لا تتألم، حملتها وأعدتها للسرير.
كان الطبيب قد غير رأيه بأن يخدرها، فهي هدأت قليلاً ويجب أن تعرف بالعملية ليحضروها، فلا يريد أن يخدرها ثانياً.
ديما.. ستقام لك عملية.
نظرت لي بشدة وخوف، نفيت برأسي.
قالت: لا.
لكن...
قلت: لا.. أنا بخير، انظري.
قالتها بحزن خفي وأنزلَت قدماها لتقف.
صرخت بألم وكانت ستقع لو أنني لم أمسكها.
أنا بخير، إنها إصابة صغيرة، ابتعد، أستطيع الوقوف.
حزنت عليها كثيراً وألمتني، فهل أخبرها أنه كسر.
ديما.
ابتعدت عني فالتوت قدماها ووقعت ثانياً.
أسرعت إليها، بكت وعادت بي نشيجها.
لم أعد أحتمل، كفاكي أرجوكي.
لا أستطيع.
قالتها بيأس وخيبة وتخفض وجهها وتساقط دموعها، ثم ألقت بأنظارها وضاقت ملامحها.
نظرت لها وعلى ما تنظر، كانت أريا الواقفة بعيداً بركن الغرفة بجانب الباب.
اخرجي من هنا.
قالتها ديما بصراخ وغضب.
اقتربت منها لآهدئها، فصرخت بي.
قالت: وأنت الآخر ابتعد عني، خذها واخرجا أنتما الاثنان.
تعجبت، نظرت لها وقلت: ديما اهدئي أرجوكي.
كانت غاضبة بشدة، نظرت لأريا الذي كان واقفاً وتتطلع بها.
قلت: اخرجي يا أريا.
لم تتحرك، فصحت بها غضباً.
نظرت لي بخوف، فاخذتها ريم وخرجوا.
عدت لديما الذي عادت لبكائها وهي تنظر لقدميها.
اقتربت منها بهدوء وأحاول أن أهدئها.
سليم.
نعم.
رفعت بأنظارها إلي وقالت: إنها هي.
قالتها بنشيج وحزن، ثم أكملت ببكاء: كانت تقصد ذلك، إنها السبب في حالتي تلك.
نظرت لها بشدة وقلت: من.
لم ترد علي وبكت، بينما أنا احمرت عيناي غضباً.
خرجت من الغرفة مندفعاً بغضب، فحيح.
اقتربت من أريا الذي نظرت لي فور خروجي.
أمسكتها من ذراعها بشدة ودفعتها بقوة لتصدم ظهرها بالحائط.
وقف عمار وأريا من هالة الغضب الذي تحتلني.
قالت أريا بألم: سليم.
أمسكتها بغضب وقلت: ماذا فعلتي.
نظرت لي ومن نبرتي قالت: ماذا قالت لك.
ضغطت عليها بقوة: ماذا فعلتي بديما، تحدثي، كيف أوصلتيها لذلك.
قلتها بغضب وصوت مرتفع.
قالت بخوف: لم أفعل شيئاً، أخبرتك كان حادث، وقعت من الدرج بالخطأ وكان معها قهوة، هي من سكبت على وجهها وهي تقع، لم تكن أنا.
اقتربت مني ريم وعمار يخبراني أن أحلها من يدي، بينما أنا عيناي تشتعل غضباً وأشعر أني سأقبض روحها بيدي.
قلت: ماذا تقصدين بالخطأ.
كنت.. كنت أخبرها ألا يجب أن تدخل عليك وأنت نائم وأن تعطني سترتك لأعطيها لها، لم.. لم تستمع لي فدخلنا في جدال..
قاطعتها بغضب، دفعتها بالحائط أقوى فتألمت.
اقترب منها ولوّيت ذراعها بيدي: تقولين جدال.. ما حدث بها يسبب جدال من أجل سترة.
قال عمار: سليم اتركها.
قلت: أنا من أعطيتها لها وأنا من أخبرتها أن تأتي لي.. ما شأنك إن كنت نائماً أم لا.. لماذا تمنعينها.
نظرت لي، أضفت بفحيح: سببتي لها بحرق في وجهها وكسر في قدمها وتقولين حادث.
لم أقصد حدوث ذلك، حاولت أن أمسكها لكن يدها فلتت ووقعت، صدقني حاولت.
ضغطت على يدها بشر فتألمت وحاولت الإفلات مني بألم بادٍ على ملامح وجهها: سليم أقسم لك لم أقصد، لا أعلم بماذا أخبرتك.
قلت بغضب وصوت مرتفع: ديما تلك التي بالداخل، أسمعتي.
صمتت ولم تتحرك لتخلص نفسها مني.
ونظرت لي بخوف، فأكملت: إنها ديما.. الذي لا أتحمل أن يصيبها خدش.. ولا أرحم من يمسها بسوء وأقتل من يقترب منها، وإن كنتِ أنتِ يا أريا، سأقتلك، أسمعتي.
دفعتها بغضب وضيق وذهبت تاركاً إياها في ذهولها وخوفها مني.
دخلت الغرفة وجدت ديما تبكي وتمنعهم من أن يقتربوا ووضع القماش على وجهها.
نظرت لي وصمتت وهدأت قليلاً وأدارت بوجهها للناحية الأخرى تخبئه مني.
اقتربت منها بحزن وأجد دموعها تسيل على وجنتها بصمت.
ماذا تشعرين حبيبتي.. سامحيني، إنها المرة الأولى، لا أقدر مدى شعورك، أتألم وأدرك أن ألمك أكبر بكثير.
أخبرهم أن يخرجوا من هنا.
نظرت لها ثم نظرت للممرضتين وفعلت كما طلبت، فأومأوا لي بتردد وخرجوا.
قلت: لقد ذهبوا، هلا نظرتي لي.
ماذا تريد.
لما تختبئين مني، ليس بكِ شيء.
نظرت لي وبكت، وضعت يدها براحة كفيها على وجهها واخفضته.
قالت: اذهب يا سليم.. اذهب.
اقتربت منها وجلست بجانبها، قربت يدي وضعتها على يدها وأبعدتها من وجهها.
نظرت لي: ديما، أعتذر.
قلتها بأسى وخجل وحزن.
أكملت وقلت: أنا من سببت لك بهذا، سامحيني.. ستخضعين لعملية بعد قليل وستكونين بخير إنشاء الله، أوعدك.
لا تتركيني، أنا أخاف من العمليات، أرتاعب منهم، لا تدعني وحدي.
نظرت لها ولنبرتها الحزينة الخائفة وارتجافها في الكلام، أمسكت يدها فوجدتها تطبق عليها بخوف.
أترين يدي تلك.
نظرت لي، فأردفت قائلاً: سأجعلها بيدك دوماً ولن أتركها، أنا معك يا ديما.
كنت أريد أن أطمئنها إلى أنني أنا من أحتاج ذلك الاطمئنان.
دخل الطبيب وأخبرني أنه موعد العملية.
اقتربت الممرضة منها لتحقنها، نظرت لديما، كانت تنظر لي بخوف وتردد، ثم ظهر على ملامحها الألم حين أدخلت الممرضة الإبرة في ذراعها.
نظرت لي فأقفلت عيناها تدريجياً: لا تبتعد أرجوك.
قالتها بترجٍ وتلهث.
اقتربت منها وأضجعتها على السرير برفق.
أخبرني الطبيب ألا أقلق، لكن كيف.. بحالتها تلك كيف لا أقلق عليها، سلمها يارب.
كنت أنتظر عند غرفة العمليات وعمار يحاول تهدئتي قليلاً، حتى فتح الباب.
نظرت، كانت ديما مستلقية على سرير متحرك.
اقتربت منها بقلق، نظرت للطبيب، اتجهت له، فاخبرني أنها ستفيق بعد قليل وأن العملية تمت بحمد الله.
زفرت ريم بارتياح، بينما أنا ذهبت لصغيرتي أطمئن عليها.
دخلت إليها، كان وجهها شاحباً ومتعباً.
اقتربت وجلست على كرسي بجانبها وأتذكر نظراتها لي "لا تبتعد أرجوك".
كانت آخر جملة قالتها لي بترجٍ.
أشعر وكأنني أريد أن أقتل نفسي وأقطع أنفاسي وقلبي هذا الذي ينبض من أجلك، لأنني سبب فيما حدث لك يا ديما.
أنا مهمل وغير جدير بك، يؤلمني قلبي ويصرخ بي غضباً من أجلك.
مرت أربع ساعات وأشرقت الشمس على هذا اليوم النعيم.
فتحت ديما عيناها أخيراً، انتظرت النظر لتلك العيون الذي لا أقدر على مفارقتها لدقيقة.
سليم.
قالتها لي، اقتربت منها سريعاً.
قلت: أنا معك.
نظرت لي ثم نظرت لقدمها، خشيت أن تحزن.
قلت: اطمئني، الطبيب قال إنها ستتحسن قريباً وتعود كما كانت.
لا تخدعني، الكسر يترك أثراً.
قالتها بحزن، وجدت دمعة تفر من عينيها.
جاء الطبيب وتفحصها، كانت صامتة مما أحزنني رؤيتها هكذا.
مر وقت وكانت ديما قد عادت لنومها أثر المخدر الذي لا يزال بها.
اتصل بي عمار وسألني عنها، فقلت الحمد لله وأغلقت ولم أطل كثيراً.
بعد ساعتين جاءت ريم أخبرتني أن أعود للمنزل لأستريح، لكنني مانعت، فخشيت أن تفيق ديما وتخاف أني لست بجانبها.
لكنها أصرت، كان يبدو علي الإرهاق والتعب، فوافقت لأنام ساعتين على الأقل وأخذ دوائي، فأشعر بعياء وأني لست بطبيعتي وحالة جيدة.
عدت للمنزل، دخلت لغرفتي بدلت ملابسي وجلست على السرير بتعب.
سليم.
كان ذلك صوت أريا، مما أشعل بداخلي نوبة غضب، لكنني تمالكت.
قلت ببرود: اذهبي.
سليم، آسفة، أعلم خطئي، لكن لم أقصد، أقسم لك كان مجرد حادث.
تعلم أني لا أفعل ذلك، أنا لا أؤذي أحد.
الم تسمعي ما قلته، اذهبي من وجهي.
قلتها بغضب وصوت مرتفع.
نظرت لي بخوف ثم ذهبت.
تنهدت وأقفلت عيناي للنوم.
غفوت قليلاً فسمعت رنين هاتفي الكثير أيقظني من نومي.
كانت ريم، رددت عليها، أخبرتني أن ديما استيقظت وتسأل عني وتلح بطلب رؤيتك.
وكنت أسمع صوت ضجيج.
أغلقت وذهبت سريعاً لها.
وصلت المشفى وغرفة ديما، كنت أسمع صراخها من هنا.
دخلت لها، كانت غاضبة وتبعدهم عنها.
نظرت لي وصمتت، كانت حالتها مزرية.
سرت تجاهها وقلت: ديما، أنتِ بخير.
فتبلدت ملامحها لضيق.
قالت: لست كذلك.
ماذا بك، أتشعرين بشيء.
لما تركتني وذهبت، لماذا كذبت علي وتركت يدي.
ريم معك.
لكني لا أريد أحد غيرك.
ماذا أفعل يا ديما، أريد النوم كثيراً، أشعر بتعب وإرهاق، أود ساعتين راحة وأعود لك ثانياً.
تنهدت وأخبرتهم أن بإمكاني البقاء بجانبها.
تدردووا قليلاً، لكن قالوا أن لا يوجد مانع.
بينما ريم سألتني: ألن تذهب.
لا.
نظرت لديما الذي كانت غاضبة مني.
أمسكت يدها، نظرت لي: اعتذر، لن أتركك ثانياً.
شعرت بأن غضبها يزول تدريجياً، فأخبرت ريم أن تعود ما دمت أنا هنا.
ترددت، فأصررت عليها أن حين أحتاجها سأحدثها، فأومأت لي وذهبت.
أضجعت ديما في نومتها وممسكة بيدي بشدة وأظافرها تغرز بجلدي، وكأنها تطمئن وتتأكد أني لن أهرب منها.
كنت أغفو على نفسي وأشعر بانتهاك في جسدي.
نظرت لديما، كانت نائمة، أبعدت يدي من يدها وحررتها.
ذهبت ونمت على الأريكة بجوارها.
نظرت لها وهي نائمة، تمنيت أن أرى هدوء ملامحها الذي هذا القماش يخفيها.
أحزن عندما أراها وأخشى ألا تعود بالفعل كما كانت، فلن أسامح نفسي.
وضعت ذراعي على عيني واستسلمت بتعبي وإرهاقي للنوم.
في المساء فتحت عيني أثناء تقلبى، فوقعت عيناي على ديما التي كانت جالسة تنظر لي.
ارتبكت ونظرت أمامها.
قالت: لماذا نمت هنا.
تنهدت واعتدلت في جلستي: ألم تريديني ألا أذهب، هل تضايقتِ من نومي هنا.
نظرت لي، أسرعت وقالت بتبرير: لا، ليس كذلك، خشيت ألا تكون نومتك مريحة لك.
لم أكن مرتاح القلب إلى أن رؤيتك فور استيقاظي ردت لي روحي.
لم أتخيل يوماً أن أستيقظ وتكوني أول من تراه عيني.
أود أن أحرر وجهك من هذا القماش الملتف حوله ليكتمل قمري.
انظري كيف أنتِ الآن بسببى.. عن أي نوم تتحدثين، أنك لا تغيبين عن تفكيري، تلحقين بي دوماً في أحلامي الذي ألجأ لها هرباً منك، تطاردينني وتزعمينني على عدم الفرار منك.. إنني بريء من حبك.
هل ألمك ظهرك.
نظرت لها وكانت تحدثني، نفيت برأسي وكنت سعيداً باهتمامها بي.
الأريكة مريحة، ليست سيئة لتؤلم عظامي، لكنني سعيد بسؤالك عني الذي أزاح بعضاً من هالة الحزن لدي.
ذهبت، أوقفتني ديما وطلبت مني البقاء.
أخبرتها أني سأذهب لأخبر الطبيب عنها، فنفيت ومنعتني وقالت إن بإمكاني استخدام الزر لإحضارهم.
تنهدت وعدت في جلستي وجاء الطبيب وفحصها وأخبرني بأنها ستخضع لعلاج طبيعي وتمارين ويلزم الاهتمام بحركاتها حتى لا يحدث التواء فيعود بنا للوراء.
بدا على ديما الحزن من كلامه، فشكرت الطبيب، فأومأ لي بتفهم وذهب.
بعد قليل جاءت ريم، قالت لديما بتساؤل: كيف حالك الآن.
لم ترد عليها، نظرت لي باستغراب، فأردت أن أخبرها ألا تأخذ على ما تفعله، لكنها تفهمت الأمر وأخذت كرسياً وجلست بجانبها.
اتصل بي أيهم، خرجت لأرد عليه.
لماذا لا ترد، اتصلت بك كثيراً من البارحة.
لم أسمع.
ألن تأتي للشركة.
لا.
نظرت لديما من الغرفة، فأردفت قائلاً: اهتم أنت بالأمور هناك.
هل ثمة شيء ما.
لا.
حسناً، أراك لاحقاً في الصباح.
أخبرتني ريم أن أعود، نظرت لديما الذي كانت نائمة ولا أعلم إن كان بإمكاني تركها أم لا، لكن ريم أثرت على الذهاب وأن خطأ مكوثي هنا والنوم بجانبها كاليوم.
كنت لا أفهم كلامها إلى أني تضايقت من ما تعنيه وفي ذات الوقت بات كلامها صحيح، فأظن أنهم وافقوا على نومي بجانبها ظناً بأني زوجها.
عدت للمنزل بعدما أكدت لي ريم أنها ستعتني بديما.
كان بالي مشغولاً عليها كثيراً وأن تفيق لا تجدني بجانبها فتغضب علي.
كنت أتساءل عن أريا وأن أراها، لكني غاضب منها بشدة حتى الآن، فمنعت عن رؤيتها أفضل وذهبت.
نمت في هذه المرة ليس كثيراً، لكنني لم أتلق اتصالاً يفيقني.
ذهبت للمشفى متوجهاً لغرفة ديما، وجدتها تجلس وتنزل قدميها على الأرض وتسند بيديها على الفراش وكأنها تريد الوقوف.
وقفت فصدر منها صوت اختناق وتألم، اقتربت سريعاً وأسندتها.
نظرت لي: ماذا تفعلين.
أريد أن أعيدهما.
نظرت لها ولنبرة انكسارها.
قلت: لم يحن الوقت على هذا، ما زال باكراً على هذا، لا تختفي، ستعودين كما كنتِ.
نظرت، قالت بأمل: كما كنت؟
أومأت برأسي، أجلسها، رفعت قدميها والأخرى، مدت ذراعيها لتحملها، فساعدتها وضعتها على السرير.
هل أكلتي.
نظرت لي وعقدت حاجبيها.
قالت: لا.
تعجبت، قلت: ولماذا.
تسمي هذا طعاماً، إنه يذكرني بالعملية و.. صمتت ولم تكمل.
نظرت لها، علمت أنها تقصد أيام المشفى والعملية، زراعة الكبد.
قالت بضيق: طعام المشفى يغضبني، أنا لا أحبها من الأساس.
ابتسمت عليها، اقتربت منها.
قلت: ماذا تريدين أن تأكلي.
نظرت لي بشدة وذهب ضيقها.
قالت: لماذا.
أخبريني.
دجاج.
قالتها بابتسامة، ثم أضافت: دجاج مقلي.. ستحضره لي.
أشعر بأن السعرات خطأ عليك.
تنسحب إذا.
لا أستطيع أن أترك صديقتي جائعة كثيراً وتشتهي شيئاً ولا أحضره لها.
ابتسمت لي بسعادة كبيرة، رأيتها بلمعة عينيها، أنتِ لمعتي دوماً يا ديما، عندما تبهجين ينير قلبي ويتراقص بنبضه الذي ينبضه لك.
أحضرت لها ما طلبت، عارضت ريم، لكني لم أستمع لأحد وأعطيتها لصغيرتي وأخبرتها أن تأكل وتكف عن التدلل.
ابتسمت لي وكانت سعيدة.
كانت ريم تنظر لي بشدة ونظرات غريبة لم أفهمها ولم أعيرها اهتمام.
بعد يومين بدأت ديما بتدريباتها، كنت معها وكانت تتكئ بيديها على ممرضتين وتحاول الوقوف والسير ولو بخطوة واحدة.
كنت أرى صعوبة كبيرة وضغط، كان وجهها يتصبب عرقاً.
كنت أود منعها، لكن الطبيب حثني ألا أفعل ذلك.
ورغم قدرتها الضعيفة هي تحاول وهذا سيجعل الأمر سريعاً، فلا تقلل طاقتها بقلق عليها وإضعافها.
نظرت لديما وبدأ قلبي حزيناً.
قلت: لكن هذا ضغط عليها.
صمت ولم يرد.
سمعت صوتاً وجدت ديما جلست على السرير وتأخذ أنفاسها.
اقتربت منها دون استماع لأحد: هذا يكفي.
لا.
قالتها ديما بامتثال للقوة.
اقتربت منها: أحسنتِ صنعاً، كانت بدايتك خيراً.
قلتها بلهجة حانية لطيفة.
نظرت لي، قالت بعدم تصديق: حقاً.
أومأت برأسي.
نظرت للطبيب بمعنى أن يكفي اليوم، فاشار لي على الجدول الذي بيده بمعنى غداً نكمل، فالأيام ما زالت كثيرة وأنني هكذا أبطئها وأؤخر علاجها.
لم أهتم، فكانت رؤية ضعفها تقتلني.
رن هاتفي، نظرت وتفاجأت كثيراً بكنية المتصل.
نظرت لديما بشدة، لاحظت نظراتي لها وأن هاتفي يرن ولا أريد.
هل هناك شيء.
سيد يونس يتصل.
أبي.
رديت عليه: مرحبا ياسليم.
أهلاً سيد يونس.
هل ديما معك.
ديما!
قلتها وأنا أنظر لها.
فرد: ألستم بشركة؟
لم أعرف ما أقوله، قلت: هل هناك شيء.
اتصل بها لا ترد على هاتفها فقلقت.
شعرت بالحزن والضيق الشديد.
فلم أرد عليه.
مددت ديما يدها بمعنى الهاتف، نظرت لها لثواني، فأعطيته لها وخرجت.
كيف نسيته.. ماذا سأقول له، هل أخبره أنني لم أتحمل مسؤوليتها ووصيته بها.
كيف نسيت أن المدة ستنتهي وعلينا العودة.. كيف سيرونها وهي هكذا، يلزم لها علاج عند العودة..
ألمتني معدتي، جلست وأمسكت برأسي بكفي بضيق.
كل ما أعرفه أن ديما لا يجب أن تعود الآن أبداً، وستبقى حتى تكمل علاجها وتستطيع السير وتعود كما كانت.. إنشاء الله.
أدعو الله أن يعجل شفائها، ليس خوفاً من والدها بل خوفاً عليها.
أنا أتحمل رؤيتها هكذا رغماً عني.
تنهدت وذهبت لها.
دخلت، نظرت، اعتطتني الهاتف، قالت: أين ذهبت.
كنت بالخارج قليلاً.
هل هناك شيء.
نظرت لها، كنت أود أن أسألها فيما حدث لها، لكن صمت، فلا يجب أن أسألها ذلك.
أخبرته أننا سنطيل قليلاً عن موعد رحيلنا.
نظرت لها بشدة وكأنها فعلت ما كنت أريده.
قلت: غضب عليك؟
صمتت قليلاً ثم قالت: أجل، لكن كان علي قول هذا، فلا أستطيع العودة هكذا.
أومأت بتفهم.
كانت ديما قد حلت الأمر بطريقتها، على الرغم أني أرى حزناً في عينيها ولا أعلم النقاش الذي دخلا به وهل غضب عليها بشدة.
لا أعلم إلا أني أشكرها، فلا أستطيع أن أعدها لعائلتها بالفعل وهي هكذا، ليس خشية، فمقدار خوف والدك لن يأتي بقدر خوفي عليك يا ديما.
لا أحد يعلم كم أنا قلق عليك وبشأن القادم.
كنت أواظب على أن أكون مع ديما كثيراً وأقضي وقتاً أكثر معها حتى لا تشعر بالوحدة، برغم أن ريم تكون معها أثناء غيابي القصير إلا أنها ليست قريبة منها.
كانت ديما تخضع لعلاج طبيعي وتتمرن بإرادة عالية وتحمل نفسها الكثير.
كنت أرى كم تعاني وتضغط أكثر لتسريع عودة قدميها لها، وكان قلبي يؤلمني من رؤية قدر ضعفها وعندما تأخذ أنفاسها بصعوبة والألم البادي على وجهها، إلا أنها لا تستسلم وكل تمرين يزيد إرهاقاً واشتداداً عن الآخر.
كان الوضع بدأ يقلقني، حتى الطبيب المختص الذي يتابعها كان يرى ما تفعله، بعدما كان معجباً ويريدها أن تكون عند تلك النقطة، بات هو أيضاً قلقاً وخائفاً لتسرعها وأخبرني أن أخبرها أن كل شيء بوقت وألا تحمل على نفسها وعلى قدميها كثيراً حتى لا تعود مئة خطوة للوراء وأنها ستسمع لي إن هدأت من روعها قليلاً وفهمتها ذلك.
شعرت بالخوف مما قاله لي وحاولت أن أخبرها، لكنها لم تصغِ إلي.
في يوم كنت وصلت المشفى متوجهاً لغرفتها، فتحت الباب، نظرت، كانت ديما تتمرن وريم والممرضة بجانبها ويساعدها.
كانت تتكئ على عكازها وتحاول أن تسير وتخطو على قدماها.
كنت أرى ضعفها وانتهاكها، حتى اختل توازن ديما ووقعت.
اقتربا ريم والممرضة ليساندها، فصرخت بهم: ابتعدا، أعلم كيف أساعد نفسي.
ابتعدوا عنها خوفاً.
مدت ذراعها وأمسكت بيدها العكاز لتقف، لكنها وقعت ثانياً.
اخفضت رأسها بحزن وقامت بدفع العكاز بغضب بعيداً عنها، فوصل تحت قدمي.
نظروا لي وقد انتبهوا لوجودي.
اقتربت منها بأسى لأساعدها، فابتعدتني بغضب.
ابتعد.
نظرت لها، أضافت بكبرياء: أستطيع أن أقف.
ديما.
لا، أعلم أني سأفعلها، لا تقترب.
توقفي.
قلتها بتنهيدة، لكنها أسندت يداها على أي شيء بجانبها لتقف، لكنها لم تكمل حتى وقعت مجدداً وعادت لمكانها.
لا أستطيع.
قالتها بصوت ضعيف.
اقتربت منها، قلت: يكفي يا ديما، أرجوكي.
رفعت أنظارها لي، قالت: يكفي!
قالتها بسخرية، ثم أكملت: تقول لي يكفي، هل أنا عبء عليك لهذا الحد.
نظرت لها بشدة ومن ما تقوله، كيف.. كيف تقولين ذلك، كيف ترين نفسك عبئاً وأنتم حياتي بأكملها، ما الذي تهذين به.
أنا من احترق هنا ليس أنت، أنا من فقدت قدمي ولا أعلم متى سيظهر وجهي وأراه وإن كان عاد لي أم لا، وترك ندبة ومشوهة.
أنا أتحمل كل ذلك وأمثل القوة وأنا على وشك الانهيار.
بكل مساعدة أحصل عليها منكم شيء داخلي يعذبني ويريني كيف أصبحت شخصاً يحتاج للمساعدة.
أريد أن أعيد قدمي حتى يتوقف ذلك التعذيب.
برغم ضعفي وألمي إلى أن أحمل نفسي طاقة ليس لدي.
أنت لا تشعر لذلك تقول يكفي.. لا أحد ولن يشعر بي لأنك لست بالموقف ذاته ولا أتمنى أن تكون فيه.
أثرت كلماتها باهتزاز قلبي حزناً، بل أنا أتمنى لو كنت أنا مكانك وليس أنتِ.
لا أحد يشعر بحرق الدمعة غير صاحبها.
أنا لا أشعر بك يا ديما.. بل أنا أتعذب بك يومياً.
جمعت قبضتي بضيق من شدة حزني، اقتربت منها لتقف، لكنها أبعدتني بضيق.
قالت: أنا لست عاجزة، لا أحتاج مساعدتكم.
نظرت لها وكيف تقول على نفسها.
أسندت ثانياً الوقوف ولم أتحمل وانتظر لتقع ثانياً، فحملتها، فصرخت بي غضباً، لكنني لم أستمع لها.
وجدتها صمتت ولم تعد غاضبة، تحاول إبعادي، مالت علي وخبأت وجهها وتشبت بي وبكت.
أنا عاجزة بالفعل.
قالتها بصوت ضعيف متقطع من بين كلماتها.
كان بكاؤها ودموعها الذي أشعر بها تهز كياني وتضعفني.
كان قلبي يتمزق من رؤيتها هكذا.
يكفي يا ديما، أرجوك توقفي، أنا لا أستطيع تحمل رؤيتك كذلك، لترأفي علي ولو قليلاً.
سرت تجاه السرير وضعتها عليه برفق، لم تكن قد تركتني وما زالت في بكائها وكأنها لا تريد أن أبتعد عنها.
نظرت لريم الذي كانت تتطلع بي، وجدتني أجلس بجانبها وأهدئها.
لم أكن لأتركها وأبعدها عني، أريد أن أمسح دموعك بكلتا يدي وأزيح معها حزنك وأحمله عنك صغيرتي، سامحيني لقلة حيلتي على مساعدتك في شيء.
أنا ضعيف إن كان الأمر يتعلق بك... فعودي إلي سريعاً.
هدأت ديما قليلاً وخففت يداها وغفت علي، أبعدتها عني وأضجعتها ورفعت الغطاء عليها.
نظرت لها وأتأملها، فكانت قد نامت لكثرة بكائها الذي لا تزال دموعها عالقة برموشها.
تنهدت وذهبت.
خرجت، نظرت لريم، كانت تثقبني بنظراتها، لم أهتم وذهبت.
من ذلك اليوم وامتنعت ديما عن التمرين وقد أحبطت ويأست كثيراً، وانطفأت طاقتها وإرادتها ولم تعد تسعى للوقوف من جديد وكأنها استسلمت أو نفذت طاقتها وأصيبت بالخيبة.
كنت حزيناً وأنا أطالعها من وقت لآخر وهي صامتة.
إلى أن في يوم طلبت الرحيل من المشفى، لكن ريم مانعت وحاولت إخبارها أنها يجب أن تبقى لمدة أكثر من هذه حتى تشفى على الأقل ولو بشيء قليل.
لا، أريد الرحيل.
نظرت ريم لي باستغراب وإلى صمتي وهدوئي وأني يجب أن أخبرها أن تبقى.
سليم أرجوك أخرجني من هنا، صدقني لم أعد أحتمل البقاء أكثر من ذلك.
قالتها لي بترجٍ وطلب، فقلت بهدوء: كما تريدين.
نظرت لي ريم بشدة وقالت: سليم.
لم أهتم، فأنا لا أهتم بأحد غير صغيرتي وراحتها.
أخبرت المشفى أن يكتب لخروجها، مانعوا، لكني أخبرتهم أني سأعتني بها وألزم لها جميع الاهتمامات ولن أقصر في شيء عنها هنا، فوافقوا.
لم تريد ديما العودة لمنزل ريم ثانياً وأكدت علي بذلك وأنها عندما تخرج لن تعود لهناك.
كنت أعلم أنها لا تريد الذهاب لهناك بسبب تلك الحادثة ولم أشأ أيضاً أن أجعلها تتذكر صراخها عندما تعود.
قلت: كما تشائين، لن نذهب لهناك.
قالت ريم: لكن يا سليم، أين سوف..
لا بأس يا ريم.
نظرت لديما وكيف تضعفني وتجعلني ألبي طلبها كأوامر، لم أهتم أن يتضايق ريم وخرجت، ما دامت ديما سعيدة أنا لا أريد أكثر من ذلك.
هل أخبرتني أين ستذهبان.
لمنزلي.
كيف.
بقينا كثيراً عندك يا ريم ويكفي فقد طالت المدة بسبب ما حدث لديما وعلى أن أعود للمنزل.
لكن هذا لا يجب..
نظرت لها فصمتت ولم تكمل كلامها.
أشعر بالغضب حين تقول لي أن ديما لا يجب أن تكون معي وقريبة مني بذلك الشكل، إلى أني لم أهتم.
اعتذر، لم أقصد، هل أريا ستأتي معك.
بطبع.
حسناً، أما زلت لا تتحدث معها.
لم أرد عليها، فأردفت قائلاً: سامحها يا سليم، تعلم أن أريا مستحيل أن تفعل ذلك بديما عمداً، إنها لا تؤذي أحد.
لا أقول أنها أخطأت، لكنها أعطيها عذراً لخطئها الذي تعتبره أنت لعب، لكنها كانت تغار بشدة من ديما وتقربك منها، كانت تشعر بكل شيء وتزداد غيرتها، فسامحها.
تعلم كم هي تحبك وأن غضبك هذا يؤثر عليها، فأنا بدأت أقلق عليها، تبدو حزينة ولا تتحدث مع أحد.
نظرت لها بقلق وكيف أهملت أريا وأمرها.
هل هي بها شيء، لكن طبيبها أخبرني أنها بخير، فلا يوجد داعي للقلق.
لكنه أيضاً لم يؤكد شفائها.. فأريا مريضة سرطان.
رواية كبد المعاناه الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم نور ناصر
طبيبها أخبرني أنها بخير، فلا يوجد داعي للقلق. لكنه أيضاً لم يؤكد شفاءها. فأنا أرى مريضة سرطان، وهي من الأسباب التي جئت لهنا من أجلها.
"مقابلة جوني طبيبها المختص."
"ألن يؤثر عليها شيء؟"
"لا، بإمكانك أن تخبرها، لكن أرجو أن تجعل الأمر مبسطاً لها، ولا تخبرها بسر ارتباطك بها."
كان جوني يعلم أني أريد الانفصال عن أريا، وأن ارتباطي بها ليس إلا للمساعدة، لتحفيزها على إكمال علاجها.
كانت أريا صديقتي منذ الجامعة. لم أكن أعتبرها كذلك، فكنت بطبيعتي شخصاً بارداً، لا أتحدث مع أحد كثيراً، لكنها اكتسبت صداقتي.
لكن جاء يوم وأخبرتني فيه بمشاعرها تجاهي، التي لم أتمنى أن تخبرني بها. وفضلت أن كانت احتفظت بها لنفسها، حتى لا تنتهي صداقتنا بذلك اليوم.
"أنا لا أحمل لك المشاعر ذاتها يا أريا."
قلتها ببرود. نظرت لي، ابتسمت بحزن. قالت:
"قلبك قاسٍ، ما هذا الرد؟"
نظرت لها بتعجب، فأضافت:
"لتنسي ما قلته، ما زلنا أصدقاء، أليس كذلك؟"
تعجبت، أومأت لها بأجل، فسعدت.
ظننت أنها ستبتعد عني وتنتهي صداقتنا، لكنها لم تفعل ذلك. وحتى أنها تعاملت معي وكأن شيئاً لم يكن. سعدت بذلك وأنها لم تفعل كالفتيات. لكنني أخطأت، ولم أعلم أنها ما زالت تحبني، لكن بصمت. إلى أن مرضت وعلمت بمرضها.
لم أتخيل أن يأتي مرض خبيث كهذا لها. بات الحزن إلي، ودخلت أريا في حالة اكتئاب زادتها مرضاً. عرفت أنها تمتنع عن العلاج خوفاً على نفسها، ولا تريد أن تكمل.
"ساعدها يا سليم."
قالها جوني لي وأنا بمكتبه، وقد طلب لقائي.
"أريا تقتل نفسها بيدها، تظن أن هذا المرض يستحيل شفاؤه وتستسلم له."
"ماذا أفعل؟ كيف بإمكاني مساعدتها؟ سأفعل أي شيء، أخبرني بما علي فعله."
"سأدعها، وليس كصديق."
نظرت له بعدم فهم، فقال:
"أريا تحبك يا سليم."
شعرت بصدمة ودهشة. قلت:
"لا، إنك مخطئ، هذا كان قديماً..."
"وما زالت حتى الآن."
صدمت مما يقوله، فأنا ظننت الأمر قد انتهى. كيف ما زالت تحبني؟ أخبرتها أن تتوقف عن ذلك.
"كن بجانبها وساعدها. أريا تتأثر بك، وأنا واثق أنك قادر على جعلها تكمل العلاج وتبث الأمل إليها من جديد للحياة. إنها تخشى من تساقط شعرها من الجلسات الكيميائية، وشكلها الذي سيتغير، وكل شيء."
"لكنها يجب أن تتعالج."
"هي تخشى من ذلك، وأن لا يأتي بنتيجة لاحقاً."
"أعلم أن النتيجة ضئيلة، تكاد تكون منعدمة ل..."
قاطعته وقلت:
"إن كانت النتيجة واحد بالمئة، فهذا يعني أن هناك أمل. وأمل بالله كبير، وهو قادر على جعل المستحيل حقيقة."
كنت خائفاً على أريا مما سمعته عن مرضها ونسبة شفائها.
ذهبت لها ذات يوم لأراها. أخبرني والديها أنها جالسة ولا تتحدث مع أحد. فذهبت لها. نظرت لي وابتسمت من زيارة لها. كنت أتأملها وأتذكر ما قاله جوني.
"أما زلتِ تحبينني؟"
نظرت لي وكأنها لم تتوقع مني قول شيء كهذا. قالت:
"أجل."
"ألم أخبرك أن..."
قاطعني وقالت:
"ليس بيدي يا سليم، صدقني، لقد حاولت لكن فشلت. لم أكن لأجعلك تشعر بحبي لك. أنا..."
ولم تكمل كلامها، حتى وقعت مغشية عليها. أسرعت إليها خوفاً وصدمة، وماذا أصابها. جاء والديها واتصلوا بطبيب. وغضب علي جوني من ما قلته له، وأخبرني أنه يريد أن يؤثر عليها للإيجاب، وليس بالسلب. كنت أنا أيضاً غاضباً من نفسي على ذلك، وأنظر لأريا وما سببته لها.
ذهبت، أوقفني والدها وأخبرني أنه يريد التحدث معي.
"هل تحب أريا يا سليم؟"
شعرت بدهشة من سؤاله، فأضاف:
"تتزوجها؟"
نظرت له بصدمة، ولم أعد أعرف ما أقوله. أتزوج أريا.
"اعتذر على ما خرج مني، لكن ابنتي بين الموت ولا أقدر على فعل شيء. أريد أن أمسك بأي أمل قادر على مساعدتها. ليس عليك يا بني، أعلم أنك تعتبرها صديقتك."
نظرت لغرفة أريا وقلت:
"موافق."
لم أكن لأترك أريا هكذا وأنا بيدي مساعدتها. فكلام جوني بأثري عليها ترك في نفسي المسؤولية تجاهها. وأيضاً لم أعرف إن كنت سأقابل ديما من جديد وألقاها أم لا. فبعد كل هذه المحاولات، هل سيأتي يوم ويجمعني بها الله؟ لم أشأ المخاطرة بأريا على هذا الاحتمال الضعيف.
لكن أريا رفضت ارتباطنا، وتفاجأت كثيراً. فظننت أنها ستسعد. وأخبرني سامر أن أحاول معها من جديد، لعلها تريد ذلك لكن تخبر.
فذهبت لها وسألتها عن رفضها. اتضح أن أريا تشعر بما أسعى له، وأن هذه مساعدة. كانت حزينة وكأني جرحتها بعمق أكثر من قبل. أخبرتها أن لا شيء من هذا، وأنني جدي بارتباطي بها. فسألتني سؤالاً جعلني لا أستطيع التحدث ثانياً. سألتني أن كنت أحبها، وأنا لم أجد جواباً، لكنني وجدت لساني يخبرها بأجل.
لم أعلم لماذا قلت ذلك، لكن كان خوفاً أن يغشى عليها من كلمة قاسية أقولها لها، فتتأثر بالسلب.
"حبي لك كصديقتي يا أريا."
ارتبطنا، وسعد جدي بأريا كنسب من عائلتها.
كنت أذهب معها في كل جلسة تخوضها. كانت تمسك بيدي وتخبرني أن أظل أحبها حتى بعدما يتغير شكلها. كنت أحزن من كلماتها وأخبرها أنها ستتحسن بإذن الله. كانت لا تصدقني، إلا أنها تدعي التصديق.
حتى أنني شعرت أن كل ما تفعله من أجلي. كانت تواظب على علاجها، وأرى أملاً كبيراً في عينيها وخوفاً في آن واحد. كنت أراها كثيراً حتى تتأكد أني بجانبها. كان جوني يشكرني على ذلك، لكني أخبرته أنني لم أكن سأتركها وأفعل أي شيء يساعدها.
وشاء الله أن يشفيها وتتحسن ويعود شعرها وتهتم به وبنفسها...
كنت حريصاً بأمر انفصالي عنها، وأن يجب أن أعلم إن كان هذا سيؤثر عليها أم لا. وهذا سبب عندما أتيت لهنا. فأخبرني جوني أن بإمكاني أن أنفصل، لكن شعرت بقلق وهو يخبرني... فكان المرض لم يغادر من جسدها، وما زال بها، لكنها كانت المرحلة الأخيرة. فلم أعلم إن كان علي فعل ذلك أم لا. هذا كان مقصد ريم بأن نعود للوراء بعد كل ذلك، بقطع أحاديثي وغضبي منها.
أعلم أن أريا مستحيل أن تقصد ما حدث لديما، لكنها أيضاً أخطأت. ما كان عليها أن تجادلها وتمنعها من الدخول إلي وتحاول أخذ ستره منها. إن كانت كبرت عقلها قليلاً وتركتها، لم يكن حدث ما حدث.
قبل خروج ديما من المشفى، جاء الطبيب ومعه مرضتين. اقتربت من ديما، ونزعوا الضمادة والقماش الطبي من على وجهها. وجدت تمسك بيدي بخوف وهم يفعلون ذلك. فوضعت بيدي الأخرى على يداها لأطمئنها.
تحرر وجه ديما. شعرت براحة كبيرة من رؤيتي لوجه صغيرتي من جديد. كنت أعلم أن الحرق لم يكن كبيراً وسوف يتحسن، لكن قلقي عليها وخوفي بثوا إلي بأفكار مرعبة.
نظرت لي، رفعت يدها وتحسست وجهها. وقبل أن تطلب مرآة، أعطتها إياها الممرضة. نظرت فيها وابتسمت.
"إنه بخير، لقد عاد وجهي. ظننت سيترك أثراً."
ابتسمت لها، فكنت سعيداً بسعادتها. البهجة والسرور الذي عادا إليها ردا لروحي. خرجنا من المشفى وذهبنا.
وصلنا، دخلت ونظرت حولها والمنزل باستغراب. خشيت ألا توافق جلوسها في منزلي. لكنها لم تتحدث. أخبرت ريم أن تأخذها لغرفتها، فكنت أخبرت الخدم أن يحضروها لها. ذهبا، لكن توقفت ديما وضاق ملامحها. تعجبت، نظرت على ما تنظر، وجدت أريا واقفة وتنظر لنا. أظنها قد خرجت للتو من غرفتها عندما علمت بمجيئنا.
وجدت ديما التفتت وتذهب. كانت ستقع، فأسندتها.
"ابتعد."
"إلى أين؟"
"لن أبقى هنا، اتركني."
نظرت لريم وماذا أفعل. نظرت لأريا وأخبرتها أن تدخل غرفتها. وقفت قليلاً، ثم استمعت لي ودخلت. أخبرت ديما أنها ذهبت. كانت لا تزال تريد الرحيل، لكنني منعتها بحده، وأنها مسؤوليتي، فلا يجب أن أتركها وحدها. أخبرت ريم أن يذهبا. فأخذتها وذهبا.
كان يشغل بالي كيف ستكون علاقتهم معاً؟ وهل سيتشاجرا كهناك؟ التكافؤ بينهم الاثنان صعب.
كان الطعام بانتظارنا. جاءت ريم وأخبرتني أن ديما لا تريد أن تأكل. تضايقت وذهبت لها.
صعدت لغرفتها، أطرقت الباب، انتظرت، ثم أطرقت ثانياً حتى سمحت لي بالدخول، فدخلت. نظرت لها، كانت متضايقة.
"لماذا لم تنزلي؟"
"لست جائعة."
تنهدت بضيق. قلت:
"هيا يا ديما، كفاك لعب أطفال."
لم ترد علي. نظرت لها بشدة، فقالت:
"قلت لا أريد."
"وأنا قلت هيا."
قلتها بغضب وصوت مرتفع. نظرت لي بخوف، فهدأت من روعي. قلت:
"اعتذر، لكن يجب أن تأكلي."
نظرت لي ولم ترد علي. شعرت بأنها لن تصغي. لكنها أنزلت قدميها وأخذت عكازها. اقتربت منها وساعدتها. نظرت لي والتقطت عيناي. شعرت بشعور غريب يجتاحني، توترت ونظرت أمامي.
نزلنا. تعجبت عندما لم أجد أريا. سألت ريم عنها وأين ذهبت.
"قالت إنها ستأكل في غرفتها."
نظرت لغرفة أريا، ولماذا فعلت ذلك؟ هل من أجل ديما؟ أم تضايقت لرؤيتي أذهب لها.
في يوم كنت جالس بمكتبي أعمل، وسماعات بأذني أتحدث مع عميل.
"We've talked about the deal before, Mr. Edward."
"لقد تحدثنا عن الصفقة من قبل، سيد إدوارد."
"...."
"Don't worry, I'll hold it before I leave here."
"لا تقلق، سأعقدها قبل مغادرتي من هنا."
سمعت ضجيجاً مرتفعاً. قاطعني، استأذنت بقفل المكالمة، وخلعت سماعتي وذهبت.
كان الصوت من غرفة ديما. دخلت وسرعان ما وجدت شيئاً يقذف، فانحنيت سريعاً قبل أن يصيبني. كانت زجاجة وقد تكسرت إلى أشلاء صغيرة. نظرت بشدة لديما، الذي كان يتطلع بي. وقد ساد الصمت. اقتربت ريم مني بقلق.
"هل تأذيت؟ هل أصابك مكروه؟"
"أنا بخير."
التفتت ريم لديما بغضب. قالت:
"كفاك تدللاً يا ديما، كدت تقتلينه. ما خطبك؟"
كان ديما صامتاً. نظرت الممرضة ولريم. قلت:
"ماذا يحدث هنا؟"
"كان هذا موعد تمارينها، فقد امتنعت كثيراً وعليها أن تعود لتمارينها لتقف من جديد. لكنها ثار جنونها لذ..."
"ريييم."
قلتها بحدة لها، فصمت. كانت ديما تخفض وجهها وحزينة.
"اخرجوا."
نظروا لي، وقفوا قليلاً، فأشرت بعيني على الباب وأن يذهبوا، فخرجوا. نظرت لديما، سرت تجاهه. جلست على فراشها مبتعداً عنها.
"اذهب."
نظرتها بشدة، ومن ما قالته لي:
"أخرج أنت الآخر. أصبحت عائقاً بحياتك وإزعاجاً لكم جميعاً. لما عليك تحمل هذا العناء وعائقي لك."
لم أصدق ما تقوله. هل تظن نفسها إزعاجاً لي حقاً؟ بل قالت عائق. عن أي عائق وإزعاج تتحدثين؟ بخصوص المعاناة، فأنا أعاني معك منذ زمن... وأعشق تلك المعاناة.
"لستِ كذلك يا ديما، لم تكوني عائقاً وإزعاجاً لي يوماً."
لم تنظر لي ومزالت خافضة وجهها. قلت:
"لما تفعلين ذلك؟"
قلتها، أردفت قائلاً:
"ألا تريدين السير على قدميك من جديد؟ أتريدين البقاء هنا وعدم العودة؟"
نظرت لي، فاكملت:
"لن نغادر بعدما تشفين وتكونين قادرة على الرحيل. ليس لدي مانع في البقاء... ماذا عنك أنتِ وعائلتك؟"
"أريد أن أعود."
"ماذا إذا؟"
"لقد تعبت يا سليم، أنت لا تعلم كم هذا مرهق ومؤلم، ولا يوجد أي نتيجة وتطور. مزلت عاجزة."
"قلت لك لا تقولي ذلك، أنتِ ليس بكِ شيء وستعودين إنشاء الله ثانياً. إنها مسألة وقت، لكن لتساعدي على ذلك."
نظر لي. اقتربت مني. نظرت لها، كانت تتفحصني بنظراتها وأنا أنظر لها باستغراب.
"هل أصابك شيء؟ اعتذر، لم أقصد، أنا آسفة كثيراً."
شعرت بسعادة لخوفها علي.
"أنا بخير."
رفعت بأنظارها لى، قالت:
"حقاً؟"
نظرت لها، تنهدت، قلت:
"إنكِ ماهرة في التصويب."
نظرت لي باستغراب، فقلت:
"كنتِ تعلمين لحظة دخولي، أليس كذلك؟ تبدو وكأنها عملية قتل مخطط لها. هل ما زلتِ تريدين الانتقام مني على ما كنت أفعله بك؟"
ابتسمت، وأنارت عيناها وبهجتها من جديد. تنهدت براحة لرؤية تلك الابتسامة.
"هلا بدأنا؟"
نظرت لي بعدم فهم. وما قصدت. ثم فهمت واختفت ابتسامتها بحزن. وقفت وذهبت ناحيتها.
"هيا، سوف أساعدك."
قلتها وأنا أمد يدي لها. نظرت لي بدهشة وكأنها لم تتوقع شيئاً كهذا مني.
"أترفضين مساعدة صديقك؟"
ابتسمت، ثم مدت يدها وطبقت على يدي وحاولت الوقوف. فمدت لها الأخرى وأمسكتها بقوة. نظرت لها وهي تقف، كانت ملامحها يبدو عليها الألم. عدت خطوة صغيرة للوراء وأخبرتها أن تتقدم وتحاول أن تخطو.
كانت تنظر لقدامها بعجز وضعف، ثم حركتها وخطت ببطء شديد، وكانت تتكئ على يداي وترتجف من ضعفها والضغط الذي تحمل نفسها به.
كنت أحاول التحكم بمشاعري، وألا أضعف، فأنا أتألم بتألمها، لكن يجب أن تفعل ذلك.
"يكفي."
قالتها بضعف بعد محاولات. نظرت لها وأسندتها إلى فراشها. جلست بإرهاق، حزنت لأنني حملتها كل ذلك العناء، لكن ليس بيدي. وجدتها تبتسم. نظرت لي وشكرتني. تعجبت. أخبرتني أني جعلتها تخطو لسبعة خطوات، ولم تكن تستطيع إكمالهم. ابتسمت عليها. أخبرتها أن تكمل وطلبت منها ألا تهمل نفسها أكثر من ذلك. وجدتها تؤومأ لي بالطاعة، وهذا ما أحبه منها. تذكرت بها وهي صغيرة.
بدأت ديما بتمارينها واستمعت لي وتبعني بنفسها، وعادت إرادتها وطاقتها من جديد، مما أسعدني ذلك.
كانت أريا لا تتحدث كثيراً معي. كنت أراها أوقاتاً، فأجدها تذهب ولا تنظر لي. كان ذلك يضايقني، لكن لم أظهر.
كنت في يوم نازلاً من الدرج للخارج.
"سليييم."
أوقفني ذلك الصوت. نظرت واتسعت عيني ودهشت عندما وجدت ديما واقفة على قدماها وتبتسم وسعيدة للغاية.
كانت الممرضة تقف بجانبها.
"أنا أقف على قدماي بدون أن أستند على شيء أو أحتاج مساعدة."
ابتسمت لها ولم أصدق أنها فعلتها.
"انظري، سأحاول أن أسير إليك."
قالت الممرضة:
"لا، انتظري."
لم تستمع إليها ديما وخطت بقدميها، فالتوت. أسرعت إليها، فوقعت وأمسكت بي، فتعثرت ووقعت معها.
ألمني ظهري. اعتدلت في جلستي. نظرت لديما، كانت تخفض وجهها وخجلة ولا تنظر لي، لأنها السبب في أني وقعت معها. فقد حذرتها الممرضة، لكنها لم تصغِ لها. فيجب أن تفعل كل شيء بالتدريج، وإلا تسرع من أمرها.
خرجت مني ضحكة على شكلها. نظرت لي وكأنها ظنت أني سأتضايق، فضحكت هي الأخرى. كانت تبدو جميلة. لم أكن قد ضحكت هكذا يوماً. أنك ضحكاتي وسعادتي يا ديما.
سمعت صوتاً. التفت ونظرت، وجدت أيهم وأريا واقفين ويتطلعون بنا. صمتنا. وعدت لوجهي الجامح. وقفنا. وساعدت الممرضة ديما وأخبرتها أن توصلها لغرفتها. فأومأت لي وذهبوا.
نظرت، وجدت أريا تذهب هي الأخرى. اقترب أيهم مني وسلم علي.
"كيف لا تخبرني أن ديما مريضة؟"
نظرت له بشدة. قلت ببرود:
"هل يجب علي أن أخبرك؟"
"لا أقصد ذلك، لكن كنت علمتني على الأقل، ماذا حدث لها؟"
"حادث."
"لذلك كنت غائباً كل تلك الفترة؟ تعجبت لأمرك. فكيف أنت لم تغادر ونازلت هنا ولا تأتي لشركة؟ على كلٍ، أحضرت المستند الذي طلبته."
أخذته منه وسألته عن الشركة. أخبرني أن آتي قبل رحيلي، فأيدت له بذلك.
كنا جالسين على الفطور. رن هاتفي. نظرت وتفاجأت من كاتب المتصل. ذهبت ورديت عليه.
"هل أعجبك البقاء هناك؟"
"ما الأمر؟"
"لماذا لم ترجع بعد؟ ما كل ذلك يا سليم؟"
"هل تحتاجني بشيء؟"
"ليس العمل هذه المرة... أنا أحتاجك لأمري أنا."
قلت أن الأمر لن يطول، لكنك مددت أكثر من اللازم.
"هل هناك شيء يا سامر؟"
"سااااامر!"
جاءني صوت من خلفي. وكانت ريم. انتشلت الهاتف وحدثته. كانت ريم قريبة من سامر كثيراً، لأنه قريب من سنها قليلاً، وكان يلعب معها ويفعل ما كنت لا أفعله أنا.
"حقاً، لا تشغل بالك، بطبع سأحضر. دعك منه وأتم الأمر. كيف انتظرت الفتاة كل ذلك؟"
مدت يدي لها، نظرت لي وكنت أطالعها ببرود. فأعطتني الهاتف.
"أخبرني ما الأمر."
"متى ستعود يا سليم؟"
"لا أعلم. لماذا؟"
"يا اللهي، نسيت خطبتي التي أؤجلها من أجلك."
تضايقت من نفسي كثيراً. فكنت بالفعل قد نسيت، وقد أخبرني سامر أن أفعلها قبل أن أذهب، لكنني أخبرته أني سأعود سريعاً. فاخبرني أنه سينتظرني ولن يفعلها بدوني.
"اعتذر، لقد نسيت فعلاً."
قلتها بضيق. فقال:
"هل العمل عندك هو من أخّرك؟"
"لا، حدثت تعقيدات جعلتنا نبقى كل ذلك."
"تعقيدات! هل كل شيء بخير؟"
التفت ونظرت لديما، كانت تبتسم. كنت أتألمها وأنظر لها بتوجس. قلت:
"أجل، كل شيء بخير."
"تبدو سعيداً."
ابتسمت، قلت:
"تقريباً. ستصدقني أن قلت أني لا أريد العودة، لكن ما باليد حيلة."
"لتبقى، لا أريد أن أحطم سعادتك."
قالها بمزاح، ثم أضاف:
"أحدثك لاحقاً."
أقفل الهاتف. نظرت، وجدت ريم تنظر لي. قلت:
"ماذا؟"
"ألن تذهب؟ ابقَ هنا... لكنني سأسافر لحضور خطبته، يكفي أنه لن يخبئ كأخي، حتى لا أحضر له شيئاً."
"على أساس أنك لم تكوني تعرفين، أخبارك تصل من سامر. بطبع يجب أن تذهبي له لمشاركته بحفله."
"وهل تريده أن يخبئ عقد قرانك علي؟ كان عليك أن تخبرني على الأقل، ولم أكن سآتي غير للزفاف."
"لما أخبرك... حتى تخبريه عني وتجعليني أراه، أليس كذلك؟"
قلتها ببرود، وقد تغيرت نبرتي. نظرت لي بحزن. تنهدت بضيق وذهبت وتركتها.
كنت لم أنسَ ما فعلتيه يا ريم، لكنكِ شقيقتي. لا أريد أن يكون هذا الرجل سبباً في اختلال مكانتك لدي، وأن يقع بنا. وهذا لن أسمح له.
لكني لم أعد أصدقكِ، وأشعر بأنكِ تخبئين الكثيرات عني. لا أريد أن أضايقكِ، لكنني أراقب مكالماتكِ. حتى إذا اتصل بكِ أو اتصلتِ به أنتِ، أعرف. وقتها ستجعليني أندم. هذا جلال، لأنه خسرني أختي، ولا أعتبر لأحد حساباً، وسترون جانباً أخفيه عنكم جميعاً.
كانت ديما قد بدأت في التحسن والسير، لكن ليس بصورة جيدة. لكن هذا فضل من عند الله. كنت سعيداً بتقدمها كثيراً. أخبرتني ريم أنها ستعود. تفاجأت كثيراً. أخبرتها أن سامر لن يفعل شيئاً حتى أعود. فاخبرني أنها تعلم، لكن تريد أن تبقى معهم قليلاً حتى ألحق أنا بهم، فديما تستطيع العودة الآن. أخبرتها أن هناك صفقة سأتممها وتعود. فأكدت علي أن أسرع وأتي. لكن ما فاجأني أكثر هي أريا، الذي جاءت وأخبرتني أنها هي الأخرى ذاهبة.
"ماذا تقولين؟"
"سأذهب مع ريم."
"لماذا؟ سنلحق بها. لن تغيب عنها. إنها تسبقنا ليس إلا."
"أريد العودة معها. أردت أن أخبرك بذلك."
"تخبريني بماذا؟ لقد جئتِ معي وتريدين العودة بمفردك؟ انتظري يا أريا حتى أنهي ما لدي ونغادر."
"اعتذر، بإمكانك أن تفعل ذلك بدوني."
"ما خطبك يا أريا؟ تريدين تركي والذهاب؟ وأيضاً كيف سأبقى أنا وديما هنا؟ تعلمين أن هذا لا يجب، ووجودك هنا هو سبب في بقائنا."
"هذا كل ما يهمك."
قالتها بسخرية. نظرت لها، فذهبت. تنهدت بضيق وجلست. فلا أعلم ماذا أفعل.
أخبرتني ريم أن أدع أريا تغادر معها. بعد منعي الصارم لها. واقترحت أن أبقى اليومين في فندق أنا وديما، أفضل من المنزل، وأن ألحق بهم. لم أعترض عن الفكرة، فأكدت لها أني لن أتأخر. فودعتني وذهبت. بينما أريا لم تنظر لي أو تقول كلمة، مما ضايقني ذلك كثيراً.
ذهبت لأرى ديما، لم أعلم أين هي. وجدتها في غرفة المعيشة. نظرت لي، سرت تجاهها.
"هل ذهبوا؟"
نظرت لها بشدة، وهل تعرف؟ أومأت لها. قلت:
"سنلحق بهم. ننهي صفقة ونعود. نبقى ليومين بفندق، ومن ثم نغادر."
"لا بأس يا سليم."
قالتها بابتسامة خفيفة. وكنت خائفاً أن تضايق، لكنها لم تفعل. بادلتها الابتسامة وذهبت.
-----------------------
"كان عليك أن تسأله تحديداً متى يعود."
قالتها أروى بضيق. لم أرد عليها.
"لما تأخر كل ذلك؟"
"الأعمال هناك كثيرة."
"ولما يأخذ صديقتي؟"
"أنسيتِ أنها مساعدته."
"لكن الفترة التي ذهبا ليست لمدة كهذه يا سامر. كان أرسلها. فعّمي يونس غاضب من غياب ديما كل ذلك، وأيه ألغت زفافها حتى تعود. وكل ذلك بسبب العمل."
"ضعي عذراً لهم يا أروى."
أومأت بتفهم. كانت غاضبة لأنها اشتاقت لديما، ومن تأجيل خطبتنا، لكن ليس بيدي. كنت بالفعل قلقاً ومتضايقاً لغيابه كل ذلك. فأنا ظننت سيعود سريعاً لأن ديما معه، لكنه هما الاثنان بقيا.
كنت قلقاً أن يكون حدث شيء، لكن مكالمتي الأخيرة معه أراحتني، وأن كل شيء يسير على ما يرام، بل بأحسن حال.
قليلاً ما يسعد سليم، وهذا ما أسعدني برؤيته سعيداً. وأظن أن ديما هي السبب كعادتها، قادرة على جعله سعيداً وإخلاء جفائه وبروده ذاك.
كنت عائد لمنزلي. جاءتني مكالمة من ريم. تعجبت كثيراً. رديت عليها.
"أين أنت؟"
"لماذا؟"
"أنت بالخارج... تعال لمنزل جدي."
"هل ثمة شيء؟"
أغلقت ولم ترد علي. تلك الفتاة الشقية. أدرت السيارة وغيرت مساري.
وصلت لمنزل جدي. دخلت. سمعت أصواتاً مختلطة. دخلت وتفاجأت كثيراً عندما وجدت عمار وريم وأريا جالسين مع أمي وجدي.
ابتسمت، سلمت عليهم، وصافحني عمار. نظرت بينهم. قلت:
"أين سليم؟ ألم يأتِ معكم؟"
"لا، سيلحق بنا."
أومأت بتفهم، وجلسنا. سألني عمار عن أحوالي، وتبادلنا الأحاديث، وكان أمي وجدي سعيدان كثيراً.
"أخبرني يا سامر، هل أنت متأكد في الخطوة التي تأخذها؟"
نظرت له باستغراب، وماذا يقصد. قال:
"عن ارتباطك."
"أجل، لماذا؟"
"أعد النظر للموضوع."
نظرت له ريم بحنق. فقال لها:
"ماذا!"
"لما تطلب منه أن يعيد النظر؟"
"إنه صديقي، وجب علي نصحه وتحذيره."
قال ريم بغضب:
"من ماذا تحذره؟ هل هو يقدم في الجيش مثلاً؟"
ابتسمت عليهم. نظرت لأريا، كانت صامتة لا تتحدث. تعجبت من وجودها وكيف أتت وسليم لم يأتي، ولما تبدو غريبة وحزينة.
كنت واقفاً أنا وريم. سألتها عن أريا، وما قاله الطبيب جوني لسليم، إن كانت تعرف شيئاً.
"لم يخبرني تحديداً، لكن علمت أن الطبيب أخبره أنها أصبحت بخير. لكن أرى أن أشياء كثيرة تؤثر عليها، وحزينة من ما حدث وتقرب سليم من ديما وغضبه عليها في ذلك اليوم."
"لا أفهم، هل سليم غضب على أريا؟"
"أجل."
"لماذا... هل هذا من ضمن تأخيره للعودة؟"
"لا، لقد كسرت ديما، فبقي حتى تتحسن."
نظرت لها بصدمة. قلت:
"كسرت؟"
"أجل."
"كيف حدث هذا؟"
"كان حادث غير مقصود."
"وكيف هي الآن؟"
"أصبحت بخير. لا أعلم تحديداً لم تشفَ تماماً، لكنها أصبحت بخير وتسير، لكن ليس كثيراً حتى لا ترهق بدنها ضعفاً. شيئاً فشيئاً ستعود كما كانت."
"إن شاء الله."
علمت الآن لما تأخر سليم ومقصده بتعقيدات الذي حدثت معه. لكن لماذا لم يخبرني؟ هل عائلتها تعرف؟ لا أظن، فإن كان لديهم علم لعرفت من أروى، لكن يبدو أنهم لا يعرفون.
"أريد رؤيتها."
"من؟"
"من ستكون؟ خطيبتك، تدعى أروى، صحيح؟"
"أجل."
"على كلٍ، أريد رؤيتها والتعرف عليها كثيراً."
"لا."
قالت باستغراب:
"ماذا؟"
"ستريها في اليوم الذي جئت لهنا من أجله."
"لكني أريد مقابلتها ومعرفتها مادمت هنا، فما المانع؟"
"إنه أنتِ."
"أنا؟"
"لا أريد أن تقعي بلسانك هذا وتتفوهي بالحماقات أمامها وتنهي كل شيء."
"بربك، لست غبية لتلك الدرجة."
"أنتِ كذلك."
زفرت بضيق وذهبت. ابتسمت عليها.
كنت جالس في مكتبي، فوجدت ميرنا تدخل علي. نظرت لها بشدة.
"كيف تدخلين هكذا بدون سماح لكِ؟"
"هل ستتزوج حقاً يا سامر؟"
نظرت لها بتعجب من سؤالها. قلت:
"هل يوجد شيء يا ميرنا؟"
"جاوبني، هل ستتزوج؟"
"أجل."
"لماذا؟ لا تفعل ذلك... أعلم أنك تعاقبني لحماقتي قديماً، فسامحني كما كنت تفعل دائماً... وتوقف عن هذا. أعلم أنك ما زلت تحبني."
"مخطئ."
نظرت لي بشدة، تنهدت بضيق. قلت:
"أخطأتِ يا ميرنا. أنا لا أميل للماضي لأي شيء. أروى حاضري وسأتزوجها عما قريب. أتمنى أن تنسي أنتِ الأخرى وتعتبريني صديقك كما أفعل أنا. والآن، أخرجي واذهبي لعملك."
نظرت لي بحزن وسالت دموع من عينيها وذهبت.
زفرت بضيق وجلست. كنت أتذكر نظرتها لي ومتضايق كثيراً. لماذا لم تأتي وتحدثيني وتفتحي تلك الدفاتر؟ أنتِ من فعلتِ ذلك يا ميرنا، وتأتين وتعترفين بحماقتك الآن.
كنتِ صديقتي، بعدها أحببتك وارتبطنا، وكان ارتباطي بكِ جدياً، لكنكِ لم تعتبريني كذلك. أردت أن نعلن ارتباطنا رسمياً، لكنكِ مانعتِ، وكأن هذا لعب أطفال. قلتي أن الوقت ما زال أمامنا. كنتِ لا تقدرين وتبادلينني صدق مشاعري. كنتِ تجرحيني بقسوتكِ وردودكِ الباردة عندما أسألكِ أين كنتِ ومع من، ولا تتأخري. لم تكن تهتمين بي كما أهتم بكِ، كأن حياتكِ أنا خالية منها. زماني فترة وستنتهي. بعدما تخلصت من حبكِ وانفصلنا، وكنت راضية بذلك، وتعاهدنا على أن نصبح أصدقاء. ثم بدأتِ بالتقرب وطلب فرصة للعودة.
"هل غيرتِ رأيك؟"
نظرت لريم بشدة، ومن ما قالته. فقالت:
"بشأن زواجك، إن كنت ما زلت تحب ميرنا، فلا داعي تستغل أروى يا سامر، من..."
"ماذا تقولين؟ أنا أحب أروى، وإن لم أكن أحبها ومتأكداً من صدق مشاعري، لما كنت ارتبط بها رسمياً. أنا لا أستغلها يا ريم."
لم أصدق أن ريم قالت ذلك حقاً. فلقد رأت هي وسليم كم عانيت بسبب هذا الحب. وصدق مشاعري الذي لم يكن من الطرفين، وتحملت كثيراً. كان الحب الأول بحياتي وأثر علي سلبياً بحياتي. لكنني استطعت وتخلصت منها. وأروى هي من عوضتني.
رن هاتفي وتفاجأت كثيراً. نظرت لريم وأخبرتها أن سليم يتصل، وابتسمت واقتربت مني لتسمع المكالمة. أبعدتها وذهبت بعيداً. فزفرت بضيق.
أخبرني سليم أنه قادم وسيصل بعد ساعات. دهشت، فكيف بتلك السرعة؟ ألم يكن سيبقى ليومين؟ لكنني سعدت وأخبرته أني في انتظاره.
أخبرت ريم ففرحت. وأخبرتني أمي أن أحضره لهنا. فأومأت لها. كان عمار سيأتي معي، لكني أخبرته أن يبقى وأنا سأحضره لهنا.
كنت واقفاً أستند على سيارتي والحراس واقفون في انتظار سليم. ثم جاء طائرته وبدأت في النزول وهبطت. اعتدلت، فتح الباب ونزل سليم. نظرت له وابتسمت. سار تجاهي، صافحته وعانقته بحرارة.
"ما كل ذلك؟ وكنت تريد البقاء."
لم يكن يبادلني العناق. تعجبت. ابتعدت عنه. نظرت ولدينا الذي كانت واقفة خلفه بعيداً. أخبرني سليم أن نذهب، فأومأت له وذهبنا.
كنت أنظر له بتعجب، هو وديما. كانت تنظر من النافذة وصامتة، ولا يرتسم على ملامحها أي تعبيرات. وصلت لمنزل، نزلت بدون أن تتفوه بكلمة. أخذت حقيبتها وذهبت. كان سليم سيساعدها. اقترب منها، لكنها ابتعدت عنه على الفور. تعجبت كثيراً من ردة فعلها. أحرج سليم وجمع قبضته بيده التالفة في الهواء، وأن لها بضيق وذهب. اقتربت مني، نظرت له، قلت:
"هل كل شيء بخير؟"
لم يرد علي وذهب. لم أكن أفهم شيئاً. ظننت أنهم سيعودون سعيدين كما أخبرتني ريم أنها تركت الأمور على ما يرام. وبالأخص سليم، ظننت سيعود كما في المكالمة، لكنه متغير. هل تشاجرا قبل؟
أخبر سليم السائق أن يذهب به لمنزله. أخبرته أنهم ينتظرونه بمنزل جدي، لكنه لم يتحدث. فلم أصر عليه بالذهاب، فاظنه متعب ويريد أن يرتاح من سفره قليلاً. أردت أن أسأله لم أتى بسرعة بعدما كان سيبقى ليومين، وهل سيأتي غداً لشركة أم لا... لكن فضلت وصمت ولم أزعجه.
في اليوم التالي أتى سليم لشركة، وظننته سيبقى. تعجبت عندما لم تأتِ ديما، فطالما سليم قد جاء، فعليها أن تأتي.
"ألم تأتِ ديما؟"
قالها سليم بتساؤل وبرود غريب. نظرت، قلت باستغراب:
"لا."
ظننت أنه يعرف سبب لغيابها اليوم، لكن عندما سألني، أظنه يبدو وكأنه متوقع شيء كهذا.
في اليوم التالي كنت ذاهباً لشركة. قابلت نهال. سألتها أن كان سليم قد جاء، فاخبرني بأجل، وأنها رأت ديما أيضاً، فعلمت أنها غابت البارحة لاستراحة ليس إلا.
ذهبت لمكتب سليم. سمعت صوتاً. نظرت.
"ديما، اسمعيني أرجوكِ."
قالت ديما ببرود:
"أقبلها، لأني لن أبقى هنا... في الحالتين، سواء وافقت عليها أم لا، هذا يعود لك."
التفت ديما ونظرت لي وقد انتبهوا لوجودي. نظرت لهم وتقدمت. فذهبت ديما. نظرت لها بتعجب وهي تذهب. نظرت لسليم، جلس على كرسيه بضيق وأمسك برأسه بكلتا يديه.
سرت تجاهه وأنا لا أفهم ما الأمر ولما سليم حزين هكذا. نظرت لمكتبه، وجدت ورقة. أمسكتها ونظرت فيها وتفاجأت كثيراً. نظرت لسليم بشدة. قلت:
"ما هذا... هل ديما تستقيل؟"
لم ينظر لي أو يرد عليه. كان لا يزال في وضعيته، وأنا لا أصدق. ديما تركت العمل. لكن كيف؟ ألم تكن تريد الذهاب معه للعمل هناك، وألا تتركه؟ كيف تأتي وتنهي كل شيء؟ كيف تبدلت حولهم من يوم وليلة؟ هل ريم أخطأت بأنهم جيدين، أم أن سليم غضب على ديما لشيء ما؟
"سليم، هل أفهمتني؟ ما هذا؟ لماذا استقالت ديما؟"
رفع وجهه وطالعني بنظرات لم أفهمها. قلت:
"هل تشاجرتما؟ هل غضبت عليها أو فعلت شيئاً ضايقها؟"
"ارتكبت حماقة... أكبر حماقة ارتكبتها بحياتي يا سامر."
نظرت له باستغراب وعدم فهم. قلت:
"ما الأمر؟"
نظر لي وصمت ولم يرد. قلت وأنا أتفحص تعبيرات وجهه:
"أخبرني يا سليم، ماذا هناك؟"
"في يوم استيقظت...... وجدتني عن ديما."
رواية كبد المعاناه الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم نور ناصر
ارتكبت حماقة ... أكبر حماقة ارتكبتها بحياتي يا سامر.
نظرت له باستغراب وعدم فهم، قلت: ما الأمر؟
نظر لي وصمت ولم يرد.
قلت وأنا أتفحص تعبيرات وجهه: أخبرني يا سليم ماذا هناك.
في يوم استيقظت... وجدتني عند ديما.
اتسعت عيناي من الصدمة والدهشة وعدم استيعاب على ما قاله.
قلت: لا أفهم.
لم يرد.
نظرت له بشدة وقلت بغضب: كيف وجدت نفسك عندها؟
كان صامتاً لا يتحدث، بينما أنا يثور غضبي من التساؤلات.
فقد رمى جملته عليّ بالغاز بأجمعها.
قلت: ما الأمر تكلم قبل أن ينفذ صبري.
قال: لم أكن واعي يا سامر، صدقني.
طالعته بصدمة واستغراب شديد يكسو وجهي من ما يقول.
قلت: ماذا تعني بأنك لم تكن واعي؟
نظر لي، وأضفت بغضب وصوت مرتفع: ماذا تقصد بما تقوله؟ بربك ماذا فعلت للفتاة يا سليم؟ ماذا فعلت؟ تحدث.
***
كنت جالسة بغرفتي أطالع الفراغ المحيط بي.
فتح الباب وكانت أمي: ديما هيا لتأكلي.
قلت: لست جائعة.
وقفت قليلاً تنظر لي، تنهدت وذهبت وأخذت الباب في يدها.
كانت عائلتي تنتظرني للجلوس معها، وأبي الذي يبدو غاضباً مني بشدة ويريد شرحاً لغيابي كل تلك المدة.
برغم غضبه، إلى أني رأيته كم كان مشتاقاً وخائفاً عليّ.
عندما أتذكر خوفه، فأحزن وألعن نفسي لأنني ذهبت ولم أستمع له وأبقى معه لجانبه.
كان معك حق يا أبي في قلق وخوف قلبك من الذهاب.
كنت تعلم بما سيحل لي، وأنني عندما أكون بعيدة عنك ألقى مشاكل عديدة تستطيع أنت التصدى لها.
أنا ضعيفة وغبية وساذجة، أخذتني سذاجتي وكادت تلقي بي للهاوية.
أنا من بقيت هناك وخبأت عنك مرضي وما حدث لي، حتى لا تنظر له بضيق وتحمله هو المسؤولية، ولا أريد أن يقول أحد له كلمة تضايقه.
وماذا أخذت من هذا... ماذا أخذت من حبي الغبي وخوفي عليه؟ كان يستغلني.
كانت أيه ألغت زفافها من أجلي لأشاركها، وأخبرتني أيضاً وأنا هناك أن أبي هو من امتنع عن الزفاف غير بحضورك.
أعتذر يا أبي.. لطالما كنت الحق معك، ولطالما كان تفكيري طفولياً، لذلك أرى خوفك عليّ دوماً.
لكن لم أظن أني غبية.
وأنت أيضاً كنت تقول أني ذكية وأشبهك... لكنني لا أشبهك في أي شيء.
***
كنت سعيدة بذهاب الشقراء تلك، لم أكن أحب بقاءها ورؤيتها بأي شكل.
كنت أبغضها عندما أرى كم هي بحالة جيدة، بينما سببت لي حرقاً وكسراً، وأصبحت عاجزة من تحت رأسها.
لا أعلم هل أسبها أم أشكرها.
لقد رأيت اهتماماً واعتناءً من سليم لم أجده من قبل.
رأيت حزنه وقلقه ومواساته لي دوماً في بكائي.
كان حنوناً كثيراً معي، حتى أنه ملأ جزء فراغي واشتياقي لعائلتي.
كان هو عائلتي هنا.
تحمل تقلباتي المزاجية وأوقات ثورة جنوني عليهم.
لكن لم يكن بيدي، كنت أشعر بالألم وأنا أراهم يساعدونني بكل شيء أفعله.
إنه لشعور حزين ويؤلم، حين ترى الغير يتحملك رغماً عنه لغرض المساعدة.
هذا ما كنت أتعذب من ورائه، كنت أشعر وكأنني معاقة ولن أعود أقف على قدمي، بينما تلك الوغدة تقترب من سليم بجمالها الحسن ولم يصبها خدش واحد.
كان سليم يواسيني ويلبي كل طلباتي وكأنها أوامر.
كانت ريم ترى أنه يدللني.
وكنت عندما أرى ذلك الدلل أبتسم وأسعد.
هل حقاً يدللني؟ تلك الفكرة مضحكة، تسعدني كثيراً.
كم كان يخفق قلبي بقربه مني خلال الفترة هذه.
عندما وقعت وأوقعته معي ورأيت ضحكته، ضحكت معها، فقد كنت أخفيها خشية منه.
كنت سعيدة وفرحة بأن أرى رأيته وهو يضحك معي.
أتذكر عندما كانت الزجاجة ستصطدم به إن لم يتفاداها.
لا أعلم ماذا كان سيحدث له.
كنت ألعن نفسي في ذلك الوقت وكيف أنا مخطئة.
شعرت بالخوف كثيراً عليه، لكنه لم يغضب، بل وجدته يتحدث معي بهدوء ولهجة حانية الذي اعتدت عليها كل تلك الفترة الفائتة.
وعندما مد لي يده وساعدني على تمريناتي، وكنت أمسك بيده بقوة وأضغط عليه مع كل ضغط يصيبني، وأنا أقف على قدمي.
كنت أنظر له وهو ينظر للأسفل لخطواتي وتحركاتي الضعيفة.
كنت أتأمل ذلك المشهد وأبتسم.
كطفلة صغيرة تتشبث بيدان والدها وتتكئ عليه بأول مرحلة لخطواتها لتعلم السير.
أردت ألا تنتهي تلك اللحظة.
ساعدني سليم كثيراً، كنت أراه حزيناً ومتضايقاً ويحمل نفسه ذنب ما أصابني.
أردت أن أخبره أنه ليس ذنبه فلا يجب أن يتضايق، لكن هناك ما منعني.
لم أعلم هل كل هذا الحب الذي أراه معه والاهتمام والاعتناء المبالغ الذي جعل ريم تقول إنه يدللني، من أجل صداقتنا أم من أجل الشعور بالمسؤولية والذنب تجاهي.
أردت أن يكون الاحتمال الأول من أجل صداقتنا.
في الاحتمال الثاني يضايقني كثيراً وكان يجعلني أغضب بوجهه عندما أشعر بذلك.
كنا في الشركة وكان سليم ينهي ما لديه هنا، فقد ترك الكثير من أعماله بسببنا طوال المدة، لم يتركني.
وغداً سيعقد صفقة ومن ثم نرحل من هنا... ونعود أخيراً للوطن.
"حمداً لله على سلامتك."
نظرت لأيهم الذي قالها لي، ابتسمت له ابتسامة خفيفة: كيف حالك؟
"لم تشفى كاملاً بعد، كثرة السير تؤلمني لذلك لا أسير كثيراً، لكن بفضل الله تحسنت كثيراً عن ذي قبل."
قلت: ستغادرون؟
نظرت له قلت: أجل.
"سآتي لأودعكم."
قلت: ألن أراك ثانياً؟
"بلى، لكن ليس بخصوص العمل."
نظرت له بتعجب وعدم فهم، فقال: أقصد أن عملي هنا، فإن جئت مع سليم ثانياً سترينني، أما أن جئت أنا فسيكون لأمر آخر... كزفاف سليم مثلاً.
شعرت بالغضب كثيراً وجمعت قبضتي بضيق: ستحضرين؟
نظرت له وأحاول التماسك وألا أغضب بوجهه، أومأت برأسي بضيق: سأراكِ إذاً.
تنهدت بضيق شديد، قلت لتغيير الموضوع: ستأتي لخطبة سامر؟
"أجل، ستكون هناك."
ابتسمت قلت: صديقتي العروس، إنها أروى الذي كانت تعمل معنا بفترة المشروع.
أومأ لي بتفهم وعدم تصديق: أظنني من سأكون وحيداً بين تلك الاحتفالات.
ابتسمت عليه قلت: لماذا لا تأتي برفقتك فتاة أنت الآخر؟
"هل هذا رأيك؟"
قلت: أجل، هل ستضيق عليك؟ أشك بأن لديك حبيبة.
"امم.. ليس بالتحديد."
قلت: من تكون؟ ما هو اسمها؟
نظر لي بشدة واستغراب، ابتسمت بحرج قلت: اعتذر.
"لم أعلم أنك فضولية."
قلت: الفضول لشيء داخلنا جميعاً، لكن من يستطيع التحكم به؟
"وهل تستطيعين ذلك؟"
قلت: لا.
دفعت منه ضحكة بغير قصد، فقلت: ثم إننا لا نفعل شيئاً الآن..... ألن تخبرني؟
قال: لا.
قلت: أرني يدك.
نظر لي باستغراب، ثم مد يده.
اقتربت وألقيت نظرة: هل تقرأين الكف؟
"أجد حرف اسمها."
ابتسم قال: هل تريدين مساعدة؟
رفع يده الأخرى وقربها من كفه وقام بتحريك إصبع السبابة عليه وكأنه يرسم شيئاً: إنه كحرفك يا ديما.
رفعت بانظاري له بشدة، تنهد وأبعد يده: أحسنت الاختيار.
نظرت لي ومن نبرتي الواثقة، قال: الاختيار في ماذا؟
قلت: الفتاة مدام اسمها كبداية اسمي، فهي خيراً لك صدقني.
ابتسم قال: بربك.
بادلته الابتسامة.
كنت أنظر للساعة من وقت لآخر، وهل كل ذلك سليم جالس؟ ماذا يفعل؟
حتى خرج أخيراً، نظرت له، ذهب، تعجبت وتبعته.
وصلنا إلى الفندق، نظرت لسليم الذي كان صامتاً طوال الطريق ولا يتطلع بي.
قال: لا تفتحي لأحد.
نظرت له بتعجب، فقد قالها دون أن ينظر لي.
قلت له يتساءل وأنا أفتح باب السيارة: ألن تنزل؟
قال: لا.
لم أفهم شيئاً، إلى أن نزلت وذهبت، وذهب هو.
وصلت إلى الطابق ودخلت غرفتها، كانت جميلة للغاية.
سرت وجلست على الفراش بتعب وتركت قدمي في الهواء، فكانت تؤلمني من الوقوف والسير كاليوم، فهي لم تشف بعد.
نظرت لهاتفي، فقد كان فكري مشغولاً به.
تناولته وأحضرت رقمه واتصلت به... لكنني تفاجأت عندما وجدت هاتفه مغلقاً.
سرب الخوف إلى قلبي عليه، فأين ذهب ولماذا أغلق هاتفه؟
لم أنم وعقلي مشوش وقلق من غيابه ذلك.
أين هو الآن؟ لماذا تأخر؟ ولما هاتفه لم يفتح بعد؟
كنت قد اتصلت به كثيراً لكن بدون جدوى.
سمعت صوت جرس الباب لغرفتي.
ذهبت سريعاً، نظرت من العدسة وابتسمت بارتياح وفتحت على الفور.
"أين كنت؟"
قلتها بلهفة.
كان يضع يده على الحائط ويستند عليه.
"ألم أخبرك ألا تفتحي لأحد؟"
نظرت له بتعجب ومن نبرته الجافة، كان متصبب عرقاً ومنهكاً ويبدو على وجهه الإرهاق.
قلت: فتحت عندما وجدته.
انتقلتها وأنا أتفحصه، فرفع بانظاره لي وكانت عيناه غريبتين.
قلت: أنت مريض؟
أبعد يده من على الحائط ووقف باعتدال وخطا للداخل.
عدت للوراء، دخل، نظرت له، وجدته يقفل الباب.
قلت بتوتر: اد... دع الباب موصداً.
كان الباب قد قفل، نظر لي وسار تجاهي.
كانت خطواته غريبة، وقف أمامي مباشرة، نظرت له باستغراب من شكله.
كان يلهث ويبدو أنه ليس بخير.
رفع يده، نظرت له وليده باستغراب شديد.
قربها من عنقي، رفعت أنظاري إليه بصدمة وذهول، وكان يقترب مني.
ابتعدت على الفور، ولم أجد غير كفي الذي يصاحب وجهه بقوة وغضب وعين محمرة متجمد بها الدموع من صدمتي به.
قلت بغضب: هل جننت؟ أخرج من هنا.
كان لا يزال لم يستوعب الكف الذي تلقاه مني.
رفع وجهه ونظر لي، كانت نظرته باردة وهادئة ولم يتأثر، وكأنه لا يشعر بشيء.
وكأنه مغيب ولا يرى، وعيناه بهما غشاوة.
تلك العينان القاسيتان ليس كعينان سليم الذي اعتدت عليهما.
اقترب مني، نظرت له بخوف شديد وركضت سريعاً، لكنه لف ذراعه حول خصري وقربني إليه بشدة.
صرخت وقلت وأنا أبعده: ماذا تفعل؟ ابتعد، ما الذي دهاك؟
اشتد علي ودفعني إلى الحائط وهو قريب مني ويتقرب أكثر بحقارة.
قلت: ابتعد عني، لا تفعل مثله، لا تكن كذلك، أرجوك ابتعد.
لم يكن مستمعاً لي، مستحيل أن يكون ذلك سليم.
قلت: أكرهك.
توقف وخفف من اشتداده علي.
استغللته وقمت بركله من الأسفل ودفعته بقوة بعيداً عني، فتعثر بالمنضدة إثر دفعتي القوية له ووقع.
كنت سأركض على الفور، ابتعد عنه، إلى أني توقفت وأطللت به وهو مستلقٍ ولا يتحرك ومغمض العينين.
ارتفع نبضي خوفاً وتوقفت دموعي عن السيل والبكاء.
سرت تجاهه بقلق، كنت خائفة من الاقتراب منه وكأنه وحش، لكن كنت قلقة عليه.
جلست على ركبتي، اقتربت منه.
قلت بصوت ضعيف: سليم.
اتسعت عيناي خوفاً عندما وجدت دماء على طرف المنضدة.
قلت: د... دم.
أغمضت عيناي فزعاً، اقتربت منه وأنا أحاول ألا أنظر للدماء، لكن عليّ أن أرى ماذا أصابه.
تحسست رأسه وشعرت بشيء غريب كمادة سائلة على يده.
أبعدت يدي من خلف رأسه وكانت دماء.
شهقت خوفاً وبكيت بخوف شديد، نظرت لسليم، وضعت يدي على فمي بصدمة.
اقتربت منه بسرعة وقلت: سليم.. أفق أرجوك، آسفة لم أقصد.. افتح عيناك.
أمسكت ذراعه ووضعتها على كتفي وحاولت أن أحمله، لكن كنت ضعيفة بتلك القدم الغبية العاجزة.
وقفت، تألمت كثيراً منها، لكن لم أهتم وحاولت التحمل.
حتى وضعته على الفراش.
نظرت لرأسه، فلم يكن الجرح كبيراً ليجعله يغيب هكذا.
اتصلت بطبيب ليأتي ويراه، وجلست بانتظاره حتى جاء.
فتحت الباب وأدخلته له، وتفحصه وقام بتضميد جرحه، وكنت خائفة كثيراً عليه.
قلت: هل سيكون بخير؟
"لا تقلقي، إنه بخير، جرح بسيط."
قلت: لماذا غائب ولا يفيق إذا؟ هل فقد دماء كثيرة؟ هل أصابه شيء؟
نظر لي وصمت قليلاً، نظر لسليم ثم قال: إنه لم يفقد وعيه بسبب جرح كذلك، بل من أثر المخدر الذي أخذه، فكان له تأثر كبير عليه وقوى لا يتحمله جسده.
نظرت له بشدة واستغراب وعدم فهم.
نظر لي، تنهد قال: أخبريه أن يمتنع عن أخذ هذه الأشياء، فهي تقتل وستلقي بحتفه دون أدنى شك، ليس سوى تدمير لخلاياه.
قلت بصدمة: أنت مخطئ، مستحيل أن يكون يأخذ مخدرات، ما الذي تقوله؟ إنه ليس كذلك.
تنهد ووقف قال: تعلمي أن يوجد قانون ونص يعاقبه على ذلك، لكنني لن أفعل ذلك بشخص كسيد سليم.
تفاجأت كثيراً بمعرفة الطبيب لسليم.
قال: أتمنى أن تحذريه حتى لا يصبح إدماناً وسيكون الوقت فات كثيراً ولن نستطيع مساعدته من هذه السموم.
لم أكن أصدق، كان عقلي متوقفاً.
نظرت لسليم بصدمة كبيرة ودموع متجمدة في عيني.
رافقت الطبيب وأعطيته المال.
"أتمنى ألا تخبري أحداً عن هذا الأمر."
"لا تقلقي، لن يعلم أحد، أعلم أن الصحافة لن تعتبره، وشخص كسيد سليم جلال لديه أعداء كثير، فسيكون سهل أن يقضوا عليه بخبر كذلك."
قلت: أشكرك على تفهمك.
أومأ لي وذهب.
نظرت وأغلقت الباب بتردد وذهبت.
دخلت الغرفة، نظرت لسليم الذي يغط في نوم.
كنت مصدومة كثيراً به، مخدرات يا سليم.. تدخل هذه الأشياء لجسدك.. كيف تفعل هذا؟
ظننت شخصاً يعرف الله ويخافه وعاقل، مستحيل أن أتوقع هذا منك.
كيف تمثلت هذا الوجه؟ كيف خدعتني وخدعتنا جميعاً؟
سرت تجاهه، جلست على كرسي بجانبه، نظرت له ولملامحه الهادئة.
تذكرت ملامحه وجهه منذ قليل ونظرته لي وما فعله.
أخفضت وجهي بحزن وتساقطت دموع من عيني.
"مغفلة."
كيف كنت سذاجة بهذا الشكل وتركتك تراني بهذه الطريقة؟ كيف سمحت لنفسي بالتفكير بي هكذا يا سليم؟ كيف؟
لا أصدق، لا أستطيع التخيل مدى حقارتك.
هل كل ذلك كنت تخدعني وتستغلني؟ اهتمامك بي واعتناؤك، كل ذلك لم يكن بصدق نواياك بل لخبثك.
عندما كنت أقترب منك وأبكي وتعانقني، وكنت ضعيفة وأريدك أن تكون معي لأنني ليس لدي غيرك، كنت تواسيني بقناع حبك المزيف، وبينما أنت تستمع بتقربي منك.
كيف غفلت عن هذا الوجه؟ كيف لم أضع حدود معك كالآخرين وأحصن نفسي منك؟
شخص غريب عني، كيف لم أضع له نوايا شريرة كهذه؟ كيف سمحت لنفسك بأن تراني هكذا؟ كيف خدعتني وأتقنت دورك بكل براعة؟
هل سفري معك كان أحد من نواياك؟
لا أصدق، كيف أنا سذاجة وحمقاء وعليه.
ألعن نفسي لأنني أحببت شخصاً مثلك، فعلت مثله، بل هو لم يؤذني كما فعلت أنت.
أتذكر اليوم الذي تشاجرنا فيه وقلت أنني لست هي صديقتك ولن أكون كذلك.
لكن هذا الكلام يقال لك أنت.
أجل أنت لست هو ومستحيل أن تكون كذلك.
إنه لا يشبهك في شيء، إنه ليس مثلك.
لا يؤذيني بل يحرص علي خوفاً.
أتذكر كيف كدت تقتل طارق من أجل بكائي فقط، فانظر لي أنك سبب وحرقة بكائي وكسرة نفسي وقلبي الآن.
هل تستطيع قتل نفسك على ما سببته لي؟ لا.
أتعلم لماذا؟ لأنك لست هو ذاك الولد، أنت شخص وهو شخص آخر.
أكرهك يا سليم، خيبتي وخذلاني بك لن تتصور حجمه.
عدت بذاكرتي للوراء وتذكرت مرضه وسعاله الحاد.
بتأكيد بسبب هذا القرف الذي يأخذه.
وأنا التي ظننت أنك مريض وخشيت عليك.
وهل كانت الحادثة التي تعرضت لها أيضاً؟
لا أصدق، هل اخترعت علي قصة بأنه مخطط لقتلك وقلت أن السائق شارب، بينما كنت أنت الذي شارب ولست واعي بشيء؟
لا أشك بأنك قلت ما رأيته، لكنه كان وهم وتهلل، فهذه المخدرات تصور للمرء أشياء غريبة وقصص وهمية وكأنه يخوضها بالفعل.
لم يكن هناك حادث ولا شاحنة أو السيارة التالفة.
كنت تتوهم ويؤدي بك فقدان وعيك وعدم إدراك لذلك الحادث.
في الصباح كنت جالسة ولم يغمض لي جفن.
شعرت بحركة، نظرت، وجدته فتح عينيه.
نظر لي بتعجب قال: ديما.
أردت ألا أمنعه من ذكر اسمي.
تطلع حوله باستغراب، اعتدل لكن شعر بألم.
قلقت عليه قلت: أنت بخير؟
وضع يده عند رأسه من الخلف قال: ما هذا؟
نظرت له بتعجب، وهل لا يتذكر البارحة أم أنه يدعي التمثيل؟ فلم أعد أثق به.
قلت: ماذا أفعل هنا وما الذي برأسي؟
امتنعت عن النظر له قلت: لا شيء، حادث صغير.
قال: حادث؟ لماذا لا أتذكر شيئاً إذا؟
أدرت بوجهي بحزن، تنهدت وخرجت.
أحضرت الدواء الذي تركه لي الطبيب قبل ذهابه، أخذت زجاجة مياه، التفت وشعرت بالخوف من رؤيته ووقعت الزجاجة مني، لكنه التقطها.
نظر لي، مد يده يعطيها لي، لكنني لم آخذها، ومددت أنا يدي التي بها الدواء: هذا لك.
قال باستغراب: لي أنا!
أخذه وهو يأخذه لامس يدي فسحبتها على الفور، فوقع الدواء.
نظر لي بتعجب من ما فعلته.
قال: أنتِ بخير؟
كنت أضم يدي لي.
رأيت يا سليم كيف جعلتني أرتاعب منك ولا أعطيك الأمان.
تقف معي الآن وأنا خائفة، لكنني أتماسك.
لم أرد عليه وذهبت.
قال: ديما.
توقفت عند ندائه لي، لم ألتفت.
قلت: ما هذا الدواء، لما أخذه؟
"سيساعدك فيما أنت عليه."
قلت: وما الذي أنا عليه؟
أغمضت عيناي بغضب وحزن أحاول أن أتحكم بنفسي.
قال: لماذا تعطينني ظهرك، قولي ما هذا؟
تنهدت، التفت ونظرت له وقلت: أخبرتك دواء، خذه فقط ومن ثم اذهب.
قال بغضب: هل آخذ شيئاً يدعى دواء؟ عليّ أن أعرف لماذا.
ابتسمت، قلت بسخرية: تبدو حريصاً على نفسك، على الرغم أن الدواء يشبه ما تأخذه ومعتاد عليه.
أليست ذاتها السموم، لكن هذا جيد، إنه سيفيدك.
قال: ماذا؟
قلت: إذا انتهيت، خذه.
نظر لي وصمت قليلاً، ثم قال وهو يخطو تجاهي: ديما ما الأمر؟
عدت للوراء بخوف تاركة مسافة بيني وبينه.
نظر لي بشدة، التفت لأذهب.
قالها بحدة يوقفني: ديما.
نظرت له: يكفي، أخبريني ماذا هناك، أنا لا أتذكر شيئاً.
ابتسمت، نظر لي بتعجب، قلت: ضع أعذاراً لذاكرتك، فخلايا العقل تتلف من المخدرات سيد سليم.
اتسعت عيناه وتطالعني بصدمة قال: ماذا قلتي؟
قلت: ماذا؟ هل كنت تأخذ أشياء لا تعلم تأثيرها عليك؟ أظنك كبير بقدر كافٍ لتعرف كل شيء.
وأن تأثير المخدر الذي تأخذه قوي عليك، إن كنت لست بمقام شيء لا تأخذه.
قال: ما الذي تهذين به؟
قلت بغضب: كفاك تمثيلاً وارتداء ذلك الوجه يا سليم، كفاك.
قلتها بغضب، ولم يعلق، فأردفت قائلة: ألا تخاف الله من هذا الكذب؟ علمت كل شيء.
إن كنت لا تهتم بنفسك، فاهتم بأمر عائلتك ووالدتك.
إن عرفت أن ابنها يأخذ مخدرات تدمر جميع أعضائه وتدمره، تفعل أشياء مراهقين، ظننت ذا شخصية يافعة وعاقل على أمور هذه.
قال: مخدرات! ماذا تقولين؟
قلت: أخبرتك أني أعرف.
قال: تعرفين ماذا... مستحيل، أنا لا آخذ هذه الأشياء، ماذا تريني؟ بربك يا ديما ماذا تريني لتقولي هذا علي؟
قلت: أخبرني الطبيب... أنا لا أقول، لقد رأيت بأم عيني يا سليم.
اسأل نفسك لما لا تتذكر شيئاً من البارحة، كيف أنت هنا؟ هل تجد إجابة؟
قال: رأيتِ ماذا يا ديما.. أخبريني ما حدث، سينفجر رأسي، ماذا فعلت البارحة وأي طبيب هذا، أخبريني أرجوك.
نظرت له والتقطت عيناي بعينه، أدرت بوجهي بحزن وتساقطت دمعة من عيني دون قصد.
قال: ماذا حدث؟ تحدثي.
صمت، اقترب مني فعدت للوراء بخوف.
نظر لي بشدة قال: ديما هل تبكين... أخبريني ماذا حدث البارحة، هل فعلت شيئاً ضايقك؟
أغمضت عيني وسالت دموع من عيني، كنت أتألم، فأنا لا أريد أن أتذكر كيف كان.
قال: ديما هل آذيتك.. بربك تحدثي، لما أنتِ صامتة هكذا، ماذا فعلت؟ قولي.
التفت وذهبت تاركة إياه في تساؤلاته.
جلست وسالت دموع من عيني بحزن شديد، أريد العودة.. أريد الذهاب بأقصى سرعة بعيداً عن هنا.. ليتني لم آتِ من البداية.
نظرت، لم أجد هاتفي، خرجت لأحضره للحجز طائرة.
خرجت، وجدته جالساً ويمسك برأسه بكلتا يديه ويبدو على ملامحه الضيق ويتصبب عرقاً.
نظرت له، سرت تجاهه، رفع أنظاره إلي.
نظرت له بتعجب: لم يكن أنا، لم أكن واعي يا ديما، لكنني أيضاً لا آخذ أشياء تفعل بي ذلك.. صدقيني، لا أعلم كيف فعلت ذلك وكيف جئت لك.
لقد تذكر كل شيء.
لماذا يا سليم، لماذا حاولت التذكر؟ لم أكن أريد أن تنظر لي هكذا وكالبارحة.
قال: ديما اعتذر على ما حدث مني، سامحيني أرجوكِ، أنا مستحيل أن أفعل ذلك.. مستحيل أن أؤذيك أو أفكر حتى.. بمجرد التفكير.
قلت ببرود: لكنك فعلت.
نظر لي، ابتعدت، قلت: ليتك لم تتذكر يا سليم، اذهب من هنا.
وقف وقال: ديما اسمعيني.
قلت: اسمعك؟... تطلب مني سماعك بينما أنا من كنت أحتاج لذلك؟ يا خسارة يا سليم، لم أعلم أنك بهذا الشكل.
كيف يمكن لنفسك أن تفكر بي هكذا؟ كيف تجرأت على استغلالي كل هذه المدة؟
كيف كنت حمقاء وغبية وسذاجة وأن أظنك شخصاً جيداً؟ أنا من يجب أن أعتذر لأنني رأيتك بطريقة خطأ ولم أرَ جانبك الآخر.
قال: اعتذر على ما بدا مني، لكن لما لا تريدين أن تصدقيني؟ تعلمي أني لست هكذا، لا آخذ هذه الأشياء.
ضعي لي عذراً، سأعلم ماذا كان بي، لكن أقسم لك أنا مستحيل أن أفكر ب...
قلت قاطعة كلامه وأنا أخفي دموعي التي ستنهمر عما قريب: اخرج من فضلك، يكفي لحد هنا.
قال: ديما تتزوجينني؟
شعرت برياح قوية، بل عاصفة باردة شديدة القوة تندفع من النافذة تجاهي وتحيطني كهالة من الصدمة.
هل ما سمعته صحيح؟ هل يعرض علي الزواج؟
ابتسمت وصدر مني ضحكة خفيفة، كان يطالعني بتعجب، بينما أسخر من القدر.
فقد جاء اليوم الذي أسمع منه هذه الجملة، لكن لم أتمنى أن تكون بتلك الصياغة.. وفي هذا الموقف وكأنه مغصوب علي.
قلت وأنا أبتسم وأسخر منه: ماذا.. هل تريد أن تتزوجني؟
ثم تبدل وجهي وقال: لماذا؟ أتظنين أنني خطأ وتريد إصلاحه؟
نظر لي بصدمة قال: ماذا قلتي.. خطأ؟
قلت: لم يحدث شيء، فلما تبدو وكأنك حزين وضميرك يأنبك؟ إن كان لديك ضمير من الأساس لأنه مبني على القلب.. وأشك أن شخصاً مثلك لديه قلب يا سليمان.
جرحتني أكبر بكثير يا سليم عما حدث.
جعلتني أكرهك أكثر وأكثر لأنك تقللني هكذا.
قال: ديما أرجوكي يكفي، أنا حقاً أريد أن ات...
قلت: كفاك أنت وأخرج.
التفت وتساقطت دموع من عيني بألم وحزن شديد.
وقف قليلاً ثم شعرت به يذهب، فأغمضت عيناي بحزن.
لماذا فعلت ذلك بي؟ لما جرحتني وكسرتني بهذا الشكل؟ لما خذلتني وقللت مني كالآن؟ لماذا؟
***
قال سامر بغضب: ألم أحذرك يا سليم... ألم أحذرك من مشاعرك ودوافعها.
نظرت له بصدمة قلت: ماذا تراني أنت الآخر.. تعلم أن أحب ديما حباً صادقاً ومشاعري طاهرة.
لم يكن أنا يا سامر، ألا تفهم؟ ألم أكن واعياً؟ كنت وكأنني غائب عن هذا العالم ولا أعلم كيف.
اخفضت وجهي بأسي وحزن، فكانت عيون صغيرتي الخائفة الحزينة المنكسرة تلاحقني وابتعادها عني وكأنني وحش.
وكنت بالفعل كالوحش، لم أكترث لها.
من عندما تذكرت كيف كنت، وكيف كانت تنظر لي.
تذكرتها وهي تخبرني بأنها فتحت عندما علمت أنه أنا.. كانت واثقة بي ولم تتخيل أن آتي لها بشر.
أتذكر ما قالته لي وأنا أقترب منها بحقارة.
قالت: لا تكن مثله.
قلتها بشرود وضيق، رفعت أنظاري بغضب فحيح وقلت بصوت مرتفع: ماذا كانت تعني؟ ماذا فعل حتى لا أكون أنا مثله؟ من كانت تقصد بما قالته؟
نظر لي سامر قال: اهدأ يا سليم، ما خطبك؟
قلت: مالك... أكان هو مقصدها؟ ماذا فعل ذلك الحقير؟
قمت بدفع المكتب بقوة بغضب، ووقع وتكسر الزجاج لأشلاء، وكنت في ثورة غضب.
قلت: إنها تراني مثله الآن يا سامر.
قال: سليم هدأ من روعك.
تذكرتها وهي تبكي والكلمة التي قالتها وأوقفتني "أكرهك".
تنهدت بضعف قلت بصوت حزين: شفعت لها.. كانت تلك الكلمة كفيلة بأن توقظني.
رفعت بانظاري لسامر الذي كان يطالعني بنظرة شفقة.
قلت: قالت أكرهك.
اخفضت رأسي وجمعت قبضتي بضيق شديد.
لا أصدق أنني فعلت ذلك بصغيرتي، لا أصدق أنني حاولت إيذائها بتلك الطريقة.
قال: لماذا لا تحاول أن تفهمها أنك لم تكن بوعيك؟
قلت: أخبرتها لكنها لا تصدقني.
نظرت له واردفت قائلاً: تراني شخص نذل حقير وغد.
إنها تظن رغبتي في أن تسافر معي من أجل غرضي تجاهها.
ترى اهتمامي بها عندما كانت مريضة كنوع من الاستغلال.
تظن أن كل تلك الفترة ومساعدتي لها هو استغلال.
لم تعد حتى تعتبرني صديقاً لها، بل أنا حقير في نظرها يا سامر.
إنها تكرهني بشدة.
قلتها بحزن طغى في قلبي، ثم ذهبت.
ناداني سامر لكنني لم أستمع له.
كانت معدتي تؤلمني كثيراً وتفتك بي وتأكلني أكلاً.
كان الألم أقوى بكثير لم أشعر به من قبل.
إلى أن شعرت وكأن هذا الألم نوع من أنواع تعذيبي، يضاف على تأنيب ضميري وسخط قلبي وغضبه علي، وعقلي الذي يعرض علي صورة ديما.
يرينى كم أنا وغد وماذا فعلت بحماقتي، كدت أنهي صغيرتي، كيف استطعت فعل ذلك؟
لا أزال أسمع رجاءها لي للابتعاد وخوفها وصوت بكائها الذي لم أكن أسمعه في ذلك الوقت.
ليتني مت قبل رؤيتك خائفة وتنظر لي هكذا، ليتني مت قبل أن يأتي ذلك اليوم، ليت أنفاسي قطعت في تلك اللحظة الذي كنت أفكر فيها.
يا الله سامحني واغفر لي.
لماذا لا تقبض روحي الآن قبل أن أقوم أنا بقتلها وأنهيها؟
إن روحي مسلوبة بالفعل.
إنها معها، غادرت عندما غادرت هي وأخبرتني في مكتبي بكل برود "أتمنى ألا أراك ثانياً".
أعلم أنني ارتكبت خطأ فادحاً بحقك، ومن حقك أن تعاقبيني، لكن ليست بتلك الطريقة، أرجوك.
لا تفعلي معي ذلك وتمنعيني من رؤيتك يا ديما.
على الأقل لا تثقبييني نظرات العتاب والحزن الذي ترمقيني بها، عندما لم تريدين أن تعودي معي وأن تحجزي تذكرة لتسافري بعيداً عني.
قال: لماذا يا ديما.. حسناً، سأحجز معك، لا أستطيع تركك.
قالتها ببرود وجفاء وتنظر لي: لكني أحجز حتى لا تكون معك.
شعرت بالحزن كثيراً وألمي قلبي.
كيف تحولتي بعدما طلبتي مني أن أكون معك دائماً عندما دخلتي لمكتبي وتسأليني هل أنا سأسافر وعندما جاوبتك بأجل أخبرتيني أنك ستأتين معي.
كيف بفعل أحمق قضيت على كل ذلك.
كنت أشعر بسعادة كبيرة من تقربك وشعرت لوهلة بمشاعر منك.. لكنها تبخرت.
تتلاشى الحلم مثلما سعادتي تتلاشى ولا تطول كالعادة.
لكن الوضع تغير، على الأقل كنتِ تعتبرينني صديقك، لكن الآن ماذا؟
أتذكرك حتى وأنتِ خائفة عليّ وقلقة وتخبريني أن أفتح عيناي عندما علمت أني جرحت، بينما أنا تركت جرحاً عميقاً داخلك.
عندما لم تجدي تذاكر السفر والعودة وأقنعتك بعد محاولات عدة بأن نعود بطائرتي كما جئنا ووافقتي بعد عناء لقلة حيلة وطلبي لك.
كنا على متن الطائرة وأتطلع بك وأنتِ تنظرين للنافذة صامتة، وجهك خالٍ من التعبيرات.
أتذكر عندما جئنا كنتِ تبتسمين وسعيدة، فأين ابتسامتك الآن؟
شعرت بالحزن كثيراً وأنا أنظر لك، كنت عندما أفعل أي حركة تنظرين لي وتبعدين خوفاً وكأن وحشاً سينقض عليك.
كنت ألعن نفسي بكل دقيقة وفي كل ثانية وفي كل شهيق أخذه على غفلتي.
ما زلت لا أعلم ماذا دهاني في ذلك اليوم، كل ما أتذكره أني كنت بشدة غضبي بعدما أوصلتك إلى الفندق وذهبت بمفردي لأحاول قليلاً بأخذ أنفاسي وأهمأ صهيب معدتي.
كنت غاضباً منك ومن حديثك مع أيهم وأنتِ قريبة منه وتتحدثان وتنظرين ليده ويخبرك عن حرفك.
وأنتِ حمقاء لم تفهمي ما يرمقه لك.
أردت أن أقول أيهم لأنه تجرأ وفكر بك.
لكن إن كان هناك أحد يستحق القتل.. فهو أنا.
ماذا أقول لوالدك؟ هذه هي وصيتك الذي أوصتني للاعتناء بها وأن أعتبرها مثل أختي.
أعدتها لك منطفئة ومحطمة، وكدت أقتلها.
اذهب واعتذر له لأني شخص حقير، لم أكن بوعدي وخذلتك ولم أفعل بوصيتك.
***
كنت لا أتحدث مع أحد، إلى أن والداي شعرا بالريبة مني وسألوني أن كان هناك شيء، لكنني نفيت وحاولت أن أكون عادية حتى لا يشعروا أن هناك شيء.
اعتذرت من أبي كثيراً وأخبرته إن لم يكن بيدنا وأن حدث أمور كثيرة منعت رحيلنا، فقد كان غاضباً ومتضايقاً منك يا سليم.
أرأيت بعد كل ذلك أدفع عنك وأحسن من صورتك أمام والدي؟ والدي الذي أوصاك بي.
جاء يوم زفاف أيه وكان عليّ أن أسعد وأفرح معها أو أمثل الفرح على الأقل، فهم ينتظرونني، لا يجب علي بعد كل ذلك أن أخيبهم.
جاء صديقاي واحتضنوني شوقاً، فجهزنا أيه وساعدناها وكانت سعيدة وتدندن بفرح.
كنت ابتسم عليها، كانت تتحدث معنا بمرح.
قالت: لا تقلقي يا أروى، سأحضر زفافك حتى أن تزوجتِ، وأنتِ الأخري يا هنا.
سألتها: ماذا عن ديما؟
قالت: لا أظن أني سأحضر لها شيء.
نظروا لها باستغراب، فأضافت: لأنني سأبيت معها في فترة تحضيراتها، سأكون مصاحبتها كظل.
لم أكن أبالي بأحاديثهم، لكن ابتسمت مثلهم مشاركة إياهم.
جاءت أمي وسألتنا لما كل ذلك التأخير، فاخبرناها أننا أوشكنا، فذهبت وتركتنا.
كانت أيه تبدو جميلة للغاية بفستانها الأبيض ذاك.
أخذناها وذهبنا.
كنت أرتدي فستاناً بسيطاً ولا أضع مساحيق تجميل.
وصلنا إلى الحفل وكان جميلاً، وقد حضر له أحمد جيداً من أجل أيه.
كانت عائلتي سعيدة، كنت أشعر وكأنني الطرف المنفصلة، تمنيت لو أن أشاركهم السعادة، لكنني أحاول.
أخذنا صوراً عائلية جميلة وانتهى الحفل.
لم أظن أن تلك اللحظة ستأتي، أنه سيأخذ شقيقتي وستبتعد عني.
كان أبي وأمي وأياد يودعون أيه بحب وحزن وشوق، وكنت أنا واقفة أنظر لهم.
نظرت لي أيه، ابتسمت، اقتربت مني قالت: ألن تشتاقي إلي؟
ابتسمت، قالت: أعلم أنك حلمت بذلك اليوم لتأخذي...
عرفت ولم أدعها تكمل حتى قمت بمعانقتها بقوة وبكيت بحزن.
قالت: ديما، لما تبكين؟
لم أرد عليها، فعانقتني وربتت علي تهدئني، كنت أخرج ألمي بهذا العناق والبكاء المزدوج.
ثم ابتعدت عنها ومسحت وجهي، وكانت تنظر لي وسألتني أن كنت بخير، فأومأت لها، بينما هي لم تصدق وشعرت بأن هناك أمراً أخفيه.
عدنا للمنزل، وكانت أمي حزينة، وجدناها تذهب لغرفة أيه، نظرنا لها بتعجب.
قال أبي لنا: سأراها، ثم ذهب.
نظرت لأياد ونعلم كم أمي حنونة وعاطفية، وأنها الآن افتقدت أيه.
ذهبنا لهم، وكانت أمي جالسة على فراشها وتبكي، وأبي جالس بجانبها ويبتسم عليها.
قال: هل صمتِ قليلاً؟ اليوم فرح وأيه لم تتركك، فإنك بإمكانك الذهاب لها وقتما شئت.
قالت: لكنها ابتعدت عني.. أنت لا تعرف ذلك الشعور.
قال: لماذا؟ أليس تلك ابنتي أيضاً؟ اعقلي وكفاك بكاء.
نظر أبي لنا وقد لاحظ وجودنا.
قال أياد بمزاح: أظنك ستتعب كثيراً يا أبي عندما ديما تتزوج، وأنا الآخر ستكون بمفردك من يهداها وتبكي له.
ابتسمنا عليه، هدأت أمي وذهبنا للنوم.
كنت بالفعل أفتقد أيه لكونها ليست بالمنزل، أتذكر شجارنا ولعبنا.
علمت كم أحبها في غيابها عن المنزل فقط، برغم أنني أستطيع رؤيتها، لم تبتعد كما قال أبي.
كانت الأيام تمر ببطء وأنا أجلس بمفردي، قليلاً ما أتحدث مع أحد، وقليلاً ما أخرج.
وسألني أبي لماذا لم أعد أذهب للعمل، أخبرته أني لا أريد.
حاولت أن أظهر أي شيء يدعي الغرابة، فأخبرته أني تعبت من العمل وأريد الراحة.
نظرت لي قليلاً وصمت، لم أعلم هل شعر بشيء أم لا.
كنت جالسة مع أمي أمام التلفاز، رن هاتفي، نظرت له، كان على المنضدة، لم أهتم به، فأنا لا أهتم بأي شيء على كل حال.
كان الهاتف يرن وأمي تنظر لي باستغراب.
قالت: ديما ردي على هاتفك.
تنهدت بضيق ومدت ذراعي، أخذته وكنت سأغلقه إلى أن نظرت لكنية المتصل، كان سامر.
تعجبت كثيراً، قمت بالرد.
قال: هل بإمكاني مقابلتك؟
قلت: لماذا؟
قال: عندما أراكِ ستعرفين.
صمت قليلاً ثم قلت: حسناً.
أقفلت الهاتف وذهبت لغرفتي، بدلت ملابسي، وسألتني أمي أين أذهب؟ فلم أكن أخرج تلك الفترة، أخبرتها أني سآتي سريعاً وخرجت.
وصلت للمقهى، دخلت، وجدته جالساً وفي الانتظار.
تنهدت وتقدمت، نظر لي.
قال بهدوء: ماذا هناك يا سامر؟ اجلسي أولاً.
نظرت له بتعجب، وهل يعرف شيئاً؟ جلست وأنا أنتظر الأمر الذي طلب رؤيتي من أجله.
قال: هل تعرفين أين سليم؟
نظرت له باستغراب، وهل أحضرني ليحدثني عنه؟ كنت سأتحدث، لكنه قاطعني وقال: منذ يوم استقالتك وسليم لا يأتي للشركة ولا أراه، جالس في منزله ولا يخرج، حتى أني علمت أنه أعطى الخدم إجازة ليبقي هناك بمفرده.
يحدث له أشياء غريبة، منعزل عنا تماماً ولا يرد حتى على هاتفه، فاتصلت ريم وجدي وأمي عليه كثيراً بدون جدوى.
قلت: وهل جئت لتخبرني عنه وكيف هو؟
قال: لم تخطئي يا ديما، سليم يأخذ مخدر، وهو سبب في الذي فيه الآن.
ولم تخطئي بشأن أن المخدر قوي، فهو أثر على سليم وجعله الآن كمدمنين المنعزلين خوفاً من الخروج للعالم.
لكن سليم لم يكن يأخذه على هذا الأساس.
نظرت له باستغراب وعدم فهم، فوجدته يخرج شيئاً ويضعه على الطاولة وبقربه مني.
نظرت وتفاجأت كثيراً عندما وجدته دواء سليم الذي رأيته يأخذه في الآونة الأخيرة.
نظرت لسامر بتعجب ولماذا يريه لي.
قال: هذا هو المخدر الذي تتحدثين عنه؟
نظرت لدواء بصدمة، أمسكته ونظرت فيه ولا أصدق.
أخرجت الشريط وابتسمت، رفعت بانظاري لسامر قلت ساخرة: هل تجعلني أبغضه أكثر؟
قالت باستغراب: ماذا؟
قلت: كاذب... ظننت أنه مريض، لكن أشكرك، فقد أخبرتني أنه كان يأخذه لغرض آخر، بل لم يكن دواء من الأساس.
قال: كيف تكونين هكذا؟
نظرت له ومن نبرته فأضاف: ظننتك تعرفين سليم جيداً.
قلت: وأنا أيضاً ظننت كذلك.
نظرت له وأضفت بغضب: لكنه ليس سليم الذي ظننت أني أعرفه يا سامر، مستحيل أن يكون شخص مثل هذا سليم.
لقد ماتت صورته داخلي في هذا اليوم.
قال: لم يكن واعي يا ديما.. سليم مستحيل أن يفكر أن يفعل شيئاً كهذا... فما بالك أنتِ.
نظرت له باستغراب من جملته الأخيرة: بمجرد التفكير في أذيتك لا يفعلها.
قلت بسخرية: ولماذا؟
فأجابني بجدية: لأنه يحبك.
وجدت قلبي يرتفع نبضه، نظرت لسامر بشدة وتعجب قلت: ماذا قلت؟
قال: هل أنتِ غبية أم تتعمدين إظهار ذلك؟
كل هذا الاهتمام وما يفعله معك وغيرته عليك عندما أحد يحدثك وأن تكوني بجانبه لم يكن سوى لحبه لك وليس من أجل غرض كما تظنين أنت.
صمت ولم أرد، لم أكن أصدق وبإستيعاب ما أسمعه.
قال: سليم آخر شخص تتوقعي أن يؤذيكِ يا ديما، إنه يحبك بصدق.
جمعت قبضتي بضيق قلت: كفاك يا سامر.. كفاك كذباً أنت الآخر، ماذا عساك لتكذب كذبة كهذه لتجعلني أغفر له؟
قال: أكذب؟؟
قلت: أجل تكذب.
تقول أنه يحبني، ماذا عن زواجه بأريا؟ سمعته بأذناي يعترف لها بحبه، رأيت حبهم بأم عيناي في كل تلك الفترة.
ماذا تسمي هذا؟ برغم أني لا أحب أريا بسبب ما سببته لي، لاكن ماذا عنه كرجل متزوج ويحبها وينظر للآخر.. جعلتني أراه حقيراً.
قال بغضب: يكفي يا ديما.
نظرت له قلت: أنا من أقول يكفي، ألم تفتح الكلام عنه لتحسن صورته، أبشرك أنك دمرتها الآن.
قال: أريا مريضة سرطان وارتباطه بها ليس سوى مساعدة.
اتسعت عيناي وذهلت، نظرت له قلت: ماذا تقول؟
قال: كما سمعت، من أحد أسباب سفر سليم هو مقابلة طبيب أريا ليخبره عن حالتها.
أريا في المرحلة الأخيرة من هذا المرض، حمد الله.
وهو خائف أن يقول أي شيء يؤثر عليها ويعود بحالتها للوراء، فكان سليم هو من يؤثر على أريا ومن جعلها تكمل علاجها بارتباطهم، لم يستطع أن يتركها تموت.
إنه يحبها، لكن صديقته يحبها مثل ريم ليس أكثر من ذلك.
كنت أطالعه بصمت واستغراب، ويخفق قلبي بقوة.
قلت: ماذا تعني؟
قال: لم يحب سليم غيرك يا ديما، إنه يتعذب بهذا الحب ويأنب نفسه بما فعله.
ظننا بأنه حاول أذيتك، حتى أنه شك بنفسه وظن أنه كان واعي فيلعن نفسه أكثر.
لا يعلم أن الدواء الذي كان يأخذه ليهدأ قرحته بمعدته هو مخدر.
تنهد واردف قائلاً: الشريط هو الذي مخدر.
أظن أن الدواء تبدل أو أنه ملعوب لجعله سليم بتلك الحالة ويدمرونه بسهولة.
صدقيني لم يعلم سليم كل هذه الفترة أن هذا الدواء هو السبب في الأشياء الغريبة الذي تحدث معه ويكذبها.
كان لا يستطيع الاستغناء عن هذا ظناً بأنه دواء وأصبح مهماً بيومه، أي أنه تملكه وسليم الآن ليس بحال جيد.
شعرت بالخوف والقلق.
سليم يحبني.. لا أصدق ذلك.
هل بعد كل هذا يحبني أنا؟
قال: أتمنى أن تكوني بجانبه.
أعلم أنك من تستطيعين أن تنتشلبه من هذا القاع.
نظرت لعلبة الدواء، أمسكتها ونظرت فيها، ثم نظرت لسامر، وقفت وذهبت.
خرجت من المقهى، أقيمت مكالمة.
قلت: هل أنت هنا؟
قال: أجل.
أقفلت الهاتف وذهبت.
وصلت إلى شركة، دخلت، سألت موظفة الاستقبال عنه، فاخبرتني أنه في مكتبه.
ذهبت، نظرت، كان يوجد معامل اختبارات، فهي شركة أدوية.
وصلت إلى المكتب، نظر شهاب لي، قلت: أعتذر على اتصالي ومجيئي المفاجئ.
قال: لا بأس.. هل هناك شيء؟
سرت تجاهه وأعطيته الدواء، نظر لي بتعجب قلت: هل تعرف لي ما هذا؟
قال: يبدو أنه دواء.
قلت: أقصد الذي بداخله المواد المكونة منه كدواء أيضاً أم أنه متبدل؟
أخذه مني ونظر للعلبة بتدقيق، ثم فتحها وأخرج الشريط.
وجدت ملامحه تحولت لدهشة.
نظرت له، وهل هناك شيء؟
ذهب ورفع سماعة الهاتف واتصل بأحد، أخبرني أن أجلس، شكرته وجلست.
جاء شخصان، أعطاهم الشريط وأخبرهم أن يعينوا ذلك.
كان شهاب قد أخبرني في آخر لقاء بيننا "بإمكاننا أن نكون أصدقاء".
قالها لي بطلب، ولم أكن أريد خسارته، فأحببت شهاب، لكن لم يكن الحب ذاته.
تمنيت لو أن عرفته كصديق أو شخص عادي، لكن ليس بتلك الصيغة وارتباطنا الذي تجمعنا به.
قلت: كيف حالك؟
نظرت له قلت: بخير، وأنت؟
قال: حمداً لله.
ابتسمت له ابتسامة خفيفة، وجاءت امرأة ومعها الشريط وورقة.
أخذ شهاب الورقة، اطلع عليها، ثم أخذ الشريط وأخبرها أن تذهب، ولم يظهر على ملامحه تفاجؤ كما نظر للشريط في البداية، وكأنه توقع شيئاً وتوقعه صحيح.
قال: من أين لكِ بهذا الشيء؟
نظرت له باستغراب قلت: ما الأمر.. ليس دواء؟
نظر لي قال: دواء! إنه لا يرتبط كدواء لشيء، إنه من أنواع المخدرات المتداولة القوية.
كان سامر صحيح، لم يكذب علي.
لا أصدق.
قال: هل أحد أخذه؟
قالها بشك، لم أعلم هل أخبره أم لا، فأومأت برأسي.
لكنه لم يسألني من، بل سألني: منذ متى وهو يأخذه وكم مرة؟
قلت: لا أعلم بتحديد، لكن منذ مدة.
قال: أي أنه تعود عليه الآن.
تعجبت، أومأت برأسي بمعنى أجل.
قال: هذا الشيء قاتل يا ديما.
في البداية أخذه يريح صاحبه ولا يؤثر عليه، ثم يأخذه كثيراً فيحتل جسده ويعتاد عليه، وأن تأخر في أخذه يصبح وكأنه مريض.
من بعدها يتضاعف الأقراص الذي سيأخذها لأن قرصاً لم يعد يفعل مفعوله الذي اعتاد عليه في البداية.
فيجرى في دمه السموم ويشل عقله بأوقات، بعدما لم يكن يؤثر عليه، فضعف قدرة خلاياه على استيعابه بعد أخذه، وممكن أن يؤدي لقتله وهو غير واعٍ.
قلت بخوف وقلق: م.. ماذا؟
فأصاب في قلبي الفزع من ما قاله شهاب.
هذا يعني أن سليم قبل أن يأتي إلي كان قد أخذه، ولذلك لم يكن واعي.
إن لم يأتِ لي كان ممكن أن يفعل شيئاً بنفسه.
لذلك لم أكن أصدق سامر لأن سليم كان يأخذه ويدرك عقله، أي أنه كان في بداية أخذه، لكنه الآن أثر عليه لكثرته.
كيف وصل شيء كهذا لك يا سليم؟ كيف ظلمتك ولم أضع لك عذراً وأنا أعرفك جيداً.
كان ثمة شيء داخلي يخبرني أن هناك خطأ، لكن هذا العقل الذي تحكم بأفكاري وأصمت قلبي بالغضب بسبب ما حدث.
اللعنة على هذا العقل، كان قلبي صحيح، أنت لست هكذا.
قال: هل تعرفين من كان يأخذه؟ هل لديك صلة به؟
نظرت لشهاب قلت: أجل.
أومأ لي بتفهم، ثم ذهب وعاد لي وكان معه حقنة، نظرت له باستغراب وعدم فهم: ما هذا؟
قال: أعطيها له، إنه مضاد سيحل من عقدته قليلاً.
نظرت للحقنة، أخذتها، نظرت لشهاب قلت: أشكرك.
لا أعلم ماذا أقول لك، لقد ساعدتني كثيراً.
ابتسم ابتسامة خفيفة قال: لا عليك.
نظرت له، بادلته ذاتها الابتسامة واستأذنت برحيل وذهبت.
كنت في حالة من الرعب والغموض، من ما سمعته.
كيف قلت له ذلك الكلام القاسي؟ كيف كنت خائفة منه، بينما يجب أن أخاف عليه هو.
كان يبرر لي بصدق ويعتذر على شيء ليس بيده ولم يفعله.
كنت أرى الحزن والغضب من نفسه، لكن كذبت رؤيتي بأنه ممثل بارع ومخادع.
ماذا لو أنه لم يأتي لي في ذلك اليوم، لكان ممكن قد فعل شيئاً بنفسه.
هل كنت سأسعد بذلك؟
قال شهاب أنه لا واعي بمن حوله، أي عندما أغشي عليه وبقائي بجانبه كان يجب عليه أن يراقب حتى لا يصدر منه أي فعل.
يجب أن أكون بجانبه الآن أيضاً.
"لم يكن أنا صدقيني، مستحيل أن أفعل شيئاً كهذا."
لم تكن أنت يا سليم.. كنت في غفوة.
أشعر بالسعادة لأنني أنا الذي أخطأت وأنك صادق.
كان قلبي يخبرني أن ثمة أمر غريب، لكن عقلي تملكني وبث إلي الكره تجاهك والصورة التي ارتسمها لي جعلتني أبغضك.
ألعن ذلك العقل، فقد انتصر قلبي عليه وكان هو المحق.
حبيبي سليم وصديقي لا يؤذيني ولا يفكر بذلك، كان يحبني.
لا أصدق كل هذا الاهتمام والاعتناء، وعندما غضب لأنني أتحدث مع أيهم وهيثم الذي طلب يدي، وكيف أخذني من هناك، وكيف جرحته عندما أخبرته أنني موافقة لأغضبه.
كيف تحمل ذلك؟
هل كنت أيضاً تعاني وأنا مرتبطة بشهاب؟
أرى كيف كنت تتحول برؤيته، وجاءت عليك فترة وتجاهلتني.
لماذا لم تخبرني يا سليم، لما لا تعذبني معك كل هذا؟ لماذا؟
وصلت لمنزل، نظرت للحراس، كان يقفون بعيداً.
شعرت بالقلق أن يمنعونني من الدخول إليه أو يكون سليم أعطى إليهم أمراً بذلك، فلقد قال سامر أنه لم يراه منذ مغادرته بعدي من الشركة.
لكن لا أحد يستطيع أن يمنعني من رؤيته.
اقتربت من الباب وقرعت الجرس.
لم يأتني أي رد، قرعت ثانياً وثالثاً.
قال: أنتِ.
نظرت خلفي للصوت، وجدته إحدى حراسه: كيف دخلتي؟ ماذا تفعلين هنا؟
قلت: جئت لرؤيته.
قال: سيد سليم يمنع دخول أحد إليه، اذهبي.
لم أهتم به، التفت وضغطت الجرس من جديد ولم أبعد يدي من عليه، وكنت قلقة كثيراً.
غضب الحارس واقترب مني وكان سيمسكني ويبعدني، لكن توقف عندما فتح الباب.
رواية كبد المعاناه الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم نور ناصر
لم اهتم به وقمت بضغط على الجرس أكثر.
فغضب علي، اقترب ليمسكني ويبعدني، لكن توقف عندما فتح الباب.
وظهر منه، كان يبدو عليه التعب.
"آعتذر سيدي، أنها لم تصغِ لي، سأخرجها."
نظر سليم لي.
امتلأت عيناي بدموع، اندفعت إليه وعانقته بقوة.
طوقت بذراعي وكأني على وشك اختراق أضلعه.
"ديما..."
"لماذا يا سليم... لما لم تخبرني بمشاعرك، لما صمت كل ذلك الوقت؟"
قلتها بصوت حزين متقطع.
ابتعدت عنه ونظرت له، والتقت عيناي بأعينه.
"لما تركتني بإطار الصداقة هذا؟"
"خشيت أن أخسرك وتبتعدي عني... لكن حدث ما كنت أخشاه."
قالها بأسى وحزن وحرج.
علمت أنه يقصد ما حدث.
"اعتذر يا ديما على ما بدا مني، صدقيني أنا..."
قاطعتها.
"قولها يا سليم."
نظر لي ولم يعلق.
فاكملت وقلت بطلب: "اجعلني أسمعها منك أنت."
"أحبك."
سالت دمعة من عيني، ولا أعلم من فرط الحزن أم الفرح.
لقد سمعتها، لقد نطقها للتو أخيرًا.
عانقته بقوة من جديد.
"أنا أيضًا..."
"لقد انتظرتها منك كثيرًا."
رفع ذراعيه وعانقني بحب وحنان.
كان كل منا يخبر بمشاعر الآخر.
كم انتظرت لحظة هذه، أنك حبيبي الآن.
بعيدًا عن هذا العالم وأريا وما يأخذك مني، أنت لي.
نظرت لنفسي.
ابتعدت عنه، لكنه احتضنني واشتد علي.
قال: "ابقى قليلًا... حتى أتأكد من أن هذا ليس حلمًا."
ابتسمت عليه.
قلت وأنا أضمه ثانيًا: "لنتأكد أنا أيضًا."
كنت أسمع صوت نبضه المرتفع من قربي منه وميلي على صدره.
مر وقت على هذا العناق.
حررني فأفقت وابتعدت عنه.
رفعت بانظاري له، كان ينظر لي.
"الم تعدي حزينة مني؟"
قالها بحرج.
قربت يدي وامسكت يده.
قلت: "لتنسَ، لم يحدث شيء... اعتذر لأنني لم أصدقك بينما كنت تقول الحقيقة. المهم الآن كيف أنت؟ هل تشعر بشيء؟ هل أنت بخير؟"
نظر لي.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
قال: "أنا بخير."
كنت أشعر بنبرة صوته وكأنه متعب وليس بحاله جيدة، ويظهر على ملامحه الإرهاق.
هل يعاني هنا لوحده؟
أعلم أن آثار هذه السموم ليست هينة، وقد قال شهاب أنه تعود عليه.
هل معه وما زال يأخذه أم لا؟
هل يحدث معه أشياء غريبة أثر هذا السم الذي تسرب له؟
"هل فسحت لي للدخول؟"
نظر لي بتعجب وابتعد.
فدخلت.
جلست على الأريكة.
جاء ونظر لي.
قلت: "هل لديك مانع من جلوسي؟"
نظر لي قليلًا وصمت، ثم قال: "عليك الذهاب، لا أحد هنا حتى الخدم."
"أعرف ذلك."
كنت أشعر بقلق وكأنه خائف علي.
تنهدت وأخرجت الدواء خاصته.
وقفت وسرته تجاهه.
نظر لدواء بتعجب واستغراب.
قال: "هذا ما جعلك هنا؟"
نظر لدواء بتعجب واستغراب.
قال: "أين وجدته؟"
"لم يكن دواء يا سليم."
كان ينظر لدواء.
قال: "أعطني."
قالها وهو يمد يده ليأخذه، لكني أبعدته.
نظرت له باستغراب من ردت فعله، وكأنه كان يبحث عنه ومتلهف له بشدة.
قلت: "لتنسَ هذا."
"هاتيه يا ديما، أنا أتألم."
قالها بضعف وهو يقترب مني ليأخذه.
ابتعدت.
قلت: "أقول لك أنه مرضك، أصبحت مدمن عليه لذلك تريده، لكن عليك التوقف حتى لا يسوء الوضع."
نظر لي وتحولت ملامحه لحرج.
قال: "لقد ساء بالفعل، أنا أشعر بالغثيان وشيء داخلي يتدفق ويسير داخل شرياني، وأنما بجسدي وعدم الشعور به. أدخل تحت مياه باردة ليتوقف هذا."
كان كلامه قد أحزنني كثيرًا، وكيف يدخل تحت مياه باردة بهذه الأجواء.
فالشتاء قد بدأ والأجواء باردة.
اقتربت منه.
قلت: "ستكون بخير.. أعلم أن شيء كهذا لا يضعفك، وأنا سأكون معك."
ذهبت وضعت الدواء بحقيبتي ولم أرميه حتى لا يأخذه ولا يفكر به، وأنه موجود في منزله.
أخذت الحقنة الذي أعطاها لي شهاب.
"هل أكلت؟"
نظر لي بتعجب.
فقلت: "كيف كنت تأكل؟ هل تطلب طعامًا من الخارج.. يبدو أنك تتكفل للعيش في المنزل دون خدم."
نظرت له.
قلت بحنق مزاحي: "لا تعيدهم إذا."
ابتسم فشعرت بسعادة.
ثم ذهبت، لكن تذكرت شهاب فعدت إليه وكان جالسًا.
نظر لي.
أخذت الحقنة من حقيبتي.
"ما هذا؟"
"مضاد سيساعدك قليلًا."
"من أين حصلتي عليه؟"
نظرت له لا أعلم، أخبره من شهاب أم سيتضايق.
"لا يهم."
جلست بجانبه.
نظر لي.
فأشرت على ذراعه، ففهم ما أعنيه.
فقام برفع كم التيشيرت الفضفاض الذي كان يرتديه ويجعله وسيمًا.
"هل تفهمين بتمريض؟"
ابتسمت.
قلت: "بعضًا منه، لا تقلق لن أقتلك."
أظهر لي ذراعه.
اقتربت.
نظرت له بتوتر من عضلاته البازة وكان يطالعني بتدقيق.
تنهدت وحنقته بها.
نظرت له وهل تألم؟
أبعدتها وأتمنى أن يحسنه هذا ويكون شيئًا جيدًا ويعيدوه كم كان.
"هل تشعر بشيء؟"
ابتسم.
نظرت له بتعجب.
قلت: "ماذا؟"
"أشعر بماذا، هل بهذه السرعة سأجد فرقًا؟"
"لِننتظر إذا.. سأذهب لنرى ماذا سنأكل هنا."
"هل ستبقى؟"
قالها باستغراب.
نظرت له.
قلت: "أجل."
دخلت إلى المطبخ، كنت لا أعلم ماذا أعد.
لم أدخل المطبخ يومًا في منزلي، لكن هذا لا يعني أني لا أجيد الطبخ.
سمعت صوت كاصطدام من الخارج.
خرجت سريعًا.
وجدت سليم يستند بيده على المنضدة ويبدو أنه لا يستطيع الوقوف.
اقتربت منه بقلق وخوف.
قلت: "ماذا بك؟"
نظر لي.
وجدته متصبب عرقًا ويلهث ويخرج أنفاسه بصعوبة.
ابتعد وسار خطوة وكان سيقع، لكني أمسكته.
فمال علي.
"سليم أنت بخير؟"
قلتها بصوت يجهش بالبكاء من خوفي.
"بـ بخير... أوصليني لغرفتي يا ديما."
قالها بضعف.
أخرجته بصعوبة.
أسندته وصعدت إلى الغرفة.
دخلت وضعته على الفراش.
نظرت له.
سالت دموع من عيني.
قلت ببكاء: "بماذا تشعر؟"
"لا شيء."
تسرب الخوف.
قرب يده وأمسك بيدي كأنه يطمئني.
لكني صدمت عندما وجدت يده شديدة الحرارة.
طالعته بصدمة.
اقتربت منه وضعت يدي على جبهته.
وجدته كبركان يغلي.
أبعدت يدي سريعًا ونظرت له بخوف.
فما هذه الحرارة المزرية.
ذهبت سريعًا وكنت أركض.
نزلت وأحضرت هاتفي واتصلت بشهاب.
فماذا أعطاني ليحدث به هكذا.
"نعم يا ديما."
"ما هذه الحقنة يا شهاب؟"
"ما الأمر؟"
"أن جسده سخن جدًا ويتصبب عرقًا ولا قادر على التحدث وأغشي عليه.. كان بخير."
"اهدئي.. ألم تريه قبلًا؟"
"أراه.. ماذا تعني؟"
"كان يحب أن تعلمي هل هو مريض أم لا.. ولا أقصد بالمخدر، أقصد أن كان مريض كزكام أو حمى قبل أن تعطيه."
تذكرت سليم كيف كان يبدو.
هل كان مريضًا وشعرت بحرارة أيضًا عندما عانقته، لكن كانت عادية.
قلت خوفًا: "لا لم أرى.. هل سيتأذى؟"
"ارتفعت حرارته لأنه كان مريضًا والمضاد يعلي الحرارة لإخراج السموم الذي تريدها على شكل عرق. هذا شيء جيد أنه يتعرق.. لكن حرارته ستقضي عليه."
"مـ ماذا تقول.. أخبرني ما علي أن أفعله سريعًا."
قلتها ببكاء ورعب.
فقال: "ما بالك يا ديما؟"
"تكلم يا شهاب أرجوك.. سيموت بين يدي."
"بين يداك!!"
قالها باستغراب، فهو كان يظن أن هذا الشخص لست معه، لا يعرف أنه سليم أصلًا.
"عليه أن يأخذ ما يخفض حرارته هذه.. لاكن هكذا نعجل موته فالوقت ليس صالحه.... فحاولي أن تسحبي تلك الحرارة لكن سيكون صعب فهي متضاهيه... اخلي ملابسه وضعيه على ارضيه بارده تمتص جسده وماء بارد حتى تتأكدي من أنها تنخفض، فلا تطيلى واخرجيه حتى لا يسوء الوضع."
أقفلت الهاتف وذهبت بسرعة.
دخلت إلى الغرفة.
اقتربت من سليم.
كان شعره قد ابتل من عرقه ويميل على جبهته.
مسحت وجهه بحزن.
نظرت له وهو مغيب.
وكانت يداي وكأنها على شعلة وبشرتها متهالكة.
أخذته وضعت ذراعه على كتفي وحاولت أن أحمله حتى وصلت إلى دورة المياه.
وكان كبيرًا.
وضعته على الأرضية بجانب حوض الاستحمام الخاص به.
اقتربت منه بتردد وخجل.
لكنه سيموت.
قمت بخلع التيشيرت الذي كان يرتديه.
مال علي بصدره العاري.
أعدته برفق للاستلقاء للأرضية.
وقفت وأخذت الصنبور المعلق وشغلت مياه باردة.
ثم جلست وهو في يدي والمياه تسقط من عليه.
كنت خائفة وقلبي يرتجف خوفًا.
كنت أحاول غض بصري عنه قدر الإمكان.
أمسك يدي بقوة وأعلم بها حرارته.
لكنه لم تكن تنخفض مما أفزعني.
لأني لم أفعل كما طلب شهاب بتحديد.
اللعنة علي، هل أضحي به لحماقتي وغبائي وحرجي.
أنا السبب فيما هو فيه.
إنه أنا.
اقتربت منه وحملته.
وكان ثقيلاً علي.
وضعته في الحوض.
وأنا أضعه انزلقت قدماي وميلت وأصبحت فوقه.
اتسعت عيني من يداي الذي عند صدره.
ابتعدت عنه على الفور بتوتر.
أسرعت وقمت بتشغيل المياه الباردة.
يبدأ الحوض في الامتلاء.
أمسكت يده بكلتا يداي خوفًا.
فماذا أفعل أكثر من ذلك يا سليم.
أنني بردت كثيرًا وأغرقت ملابسي.
وأنت ليس بعد.
حتى أنا يداي المثلجة لا تؤثر على يداك في شيء.
كنت أطالعه بخوف وأدعي الله وأرجوه أن يشفيه ويفيق ويخفض حرارته هذه.
كنت أطالعه بخوف ورعب وأتفحص أنفاسه كل دقيقة.
كان الحوض قد امتلأ بالمياه.
سالت دموع من عيناي.
أخفضت وجهي وقبلت يداه بحزن.
رفعت وجهي فقد شعرت أن حرارته انخفضت.
وضعت يدي على جبهته.
وما أن لامستها حتى زفرت بارتياح.
أسندت بجبهتي على جبهته وأرتسم على وجهي ابتسامة حزينة تزيح خوفى ورعبي ودمعة أخيرة تنسال من عيني شاكرة.
قلت بصوت هامس له: "حمد الله."
فتحت عيناي وكنت أشعر بتخدير في جسدي.
توقفت أنظاري على ديما الذي كانت جالسة على كرسي بجانبي وتمسك بيدي وتغفو على سريري.
نظرت لها بتوجس.
وهل أنا أحلم؟
هل ديما هنا حقًا؟
عدت بذاكرتي للوراء وتذكرت عندما فتحت الباب وتفاجأت من ديما.
وعندما انقضت علي وعانقتني وطالعتها بصدمة.
فكيف تعانقني؟
ألم أكن الحقير الذي استغلها؟
بل كيف جاءت لنذل مثلي؟
فلقد أنهت صلتها بي.
هل عادت حقًا؟
كنت في دهشة عندما وجدتها تواجهني بمشاعري.
لا أعلم كيف عرفت.
لكن لم أكن أخفي أكثر من ذلك.
فوجدتني أقولها لها أخيرًا.
واعترفت بما تمنيت اعترافه وأنت تسمعه.
لكن صدمت وذهلت وتأكدت أنه ليس حقيقي ما يحدث.
عندما قالت لي أنها أيضًا.
وكانت تنظر لي بخوف وقلقي بشأني.
بينما قلق عليها وبوجودها مني.
لا أصدق أنه لم يكن حلمًا، أنه واقع.
وديما بجانبي وتمسك بيدي بيداها الصغيرتان.
اعتدلت في جلستي ببطء.
لماذا تغفو هنا؟
كم الساعة وماذا حدث لي؟
آخر شيء أتذكره هذا الألم الشديد الذي احتل جسدي وعقلي الذي كان سينفجر وثقل بحمولة علي.
رأيت خوفها وأردت أن أطمئنها بالكذب.
لكني لم أكمل حتى غيبت عنها.
مددت يدي وأبعدت شعراتها المنسدلة على وجهها.
نظرت لها وكنت أتأمل ملامحها البريئة الذي تشبه صغيرتي الذي أحب أن أطيل النظر لها.
أفقت من غفوتي وأبعدت نظراتي عنها.
سحبت يدي ببطء منها.
فوجدتها استيقظت.
نظرت لي وفتحت عيناها على الفور واقتربت مني بقلق.
"كيف أصبحت؟"
نظرت لها.
ألم تكن نائمة؟
كيف أفاقت بتلك السرعة.
وضعت يدها على جبهتي.
"بماذا تشعر؟"
نظرت لها ولوجهها.
فكانت قريبة مني.
رفعت بانظاري ليدها.
قلت: "أنا بخير."
تنهدت بارتياح.
ابتعدت وجلست على الكرسي.
قالت: "حمدًا لله."
هل كانت قلقة علي؟
ماذا حدث لي؟
قلت: "كم الساعة؟"
أخذت هاتفها وقالت وهي تنظر له: "٤ صباحًا."
اتسعت عيني ونظرت لها بصدمة.
فهل نمت كل ذلك؟
نظرت لها بدهشة.
قلت: "كيف أنتِ هنا؟"
فهل بقيت كل ذلك الوقت معي وبجوارى؟
هل باتت هنا؟
قالت بمزاح: "هل تطردني؟"
"أنا خائف عليك يا ديما."
قلتها بجدية.
فبقاؤها هنا خطأ.
نظرت لي.
قالت: "لا تقلق إذا."
طالعتها باستغراب.
قالت: "أخبرت أمي أني عند هنا ومن المحتمل أن أبيت."
نظرت لي ولنظراتي الثاقبة لها فيما فعلته.
"لا تنظر لي هكذا.. لم أكن لأتركك وأنت في تلك الحالة."
قالتها بتبرير طفولي.
ابتسمت وتناسيت الأمر بأكمله.
وجدتها تقف وتذهب.
نظرت لها وسألتها لأين.
"سأعد طعامًا لتأكل، فجسدك ضعيف.. ولأكون صريحة."
نظرت لي.
وقالت بابتسامة: "أنا أتضور جوعًا."
ابتسمت عليها.
قلت: "انتظري لنطلب أفضل."
"ماذا تقصد بالأفضل؟"
"أنتي لا تجيدين الطهي يا ديما."
قلتها.
فنظرت لي بغضب.
قالت: "ولماذا لا أجيده؟"
"لا أقصد لكن..."
"لكن ماذا.. أنا أستطيع إعداد طعام شهي."
"حقًا؟"
قلتها بابتسامة عليها.
أومأت برأسها بثقة وذهبت بكبرياء.
كنت أريد الضحك من حركاتها.
لا أعلم لماذا شعرت بأنها لا تجيد الطهو.
يمكن لأني أحب أن أدللها.
كانت ريم تلاحظ ذلك خلال الفترة الأخيرة ونحن هناك، عندما كنت أفعل لها ما تريده ويجب أن أكون معها صارمًا حتى تستمع لي في تمارينها والعلاج.
لم أكن أفهم ما تريده، فأنا لا أقسو على صغيرتي أيًا يكن.
أنزلت قدماي من على السرير.
وقفت وكنت أشعر بتألم.
سرت وتوقفت للحظة.
نظرت إلى المرآة وتعجبت كثيرًا من ملابسي.
أتذكر أني لم أكن أرتدي هذا البنطال ولا هذا التيشيرت.
كيف بدلت ملابسي ومتى؟
فأنا كنت مغشي علي.
اتسعت عيني.
هل هي؟
نزلت وذهبت.
كانت واقفة في المطبخ ترفع شعرها للأعلى وتجمعه بطوق.
وكانت تقطع سيرًا تجاهها.
نظرت لي.
"هل تريد شيئًا؟"
"ديما، كيف بدلت ملابسي؟"
قلتها بتساؤل وتردد.
توقفت عن ما تفعله.
نظرت لي.
صمتت قليلاً ثم قالت: "لا تشغل بالك."
تعجبت.
لكني صمت.
نظرت لها.
قلت: "هل تحتاجين مساعدة؟"
"هل تستطيع الطهو؟"
قالتها بابتسامة ساخرة.
قلت: "لا، لكن أشْفَقت عليك.. حالك لا يمنع من تقديم مساعدة."
عقدت حاجبيها.
نظرت لي بحنق.
سارت تجاهي.
قالت: "لما الشفقة؟ أتراني أجاهد؟"
قالتها وهي ترفع السكين بوجهي.
نظرت لها بشدة.
فصمتت.
زفرت بضيق.
قالت: "اذهب قبل أن أقتلك يا سليم وأقطعك كل خضروات تلك."
ابتسمت.
فإن شئت لضحكة من ما قالته.
نظرت لي.
وهدأ غضبها وتحول بتوتر.
ثم أنزلت يدها وعادت لمكانها.
كنت أطالعها بتوجس كمشهد لا أريده أن ينتهي.
هل من تقف أمامي هي ديما ومعي بمنزلي وأراها تعد طعامًا.. لنا؟
ألا يشبه ما تفعله وكأننا زوجان.
أنها تحقق أحلام اليقظة الذي كنت أعيشها.
سرت تجاهها ووقفت بجانبها.
نظرت لي ارتبكت.
ثم نظرت أمامها.
كنت أشعر بتوترها.
إلى أني لا أستطيع إبعاد عيني من عليها.
أنا ضعيف أمام ما تفعلينه.
تحكمت بنفسي وخرجت مبتعدًا عنها.
انتهيت.
وضعت الطعام.
وكانت تنظر لي وتضع يديها أسفل وجهها وتسندها وتتطلع بي تنتظر رأي.
نظرت لها بتعجب.
فهو في في الحالتين أجمل شيء سآكله لأنك أنت من أعددته.
تذوقته وتفاجأت.
فكان مذاقه جيد.
ظننت أنها لا تجيد ذلك.
"قللت من شأنك."
ابتسمت واعتدلت.
وقالت بثقة: "أقل شيء عندي."
ابتسمت عليها.
لا أصدق أن ديما جالسة معي وتشاركني الطعام.
هل أريد شيئًا أكثر من ذلك؟
"هل بإمكاني أن أسألك سؤالًا؟"
نظرت لها وأومأت برأسي.
صمتت قليلاً ثم قالت: "لماذا كنت تأخذ هذا الدواء؟"
"قرحة بمعدتي."
"وكيف حصلت على هذا الشيء؟ هل كتبه لك طبيب؟"
توقفت لوهلة وتزاحمت أفكاري.
مستحيل هل هو...
لم أكن أخذه غير منه.
قال أنه لا يوجد منه هنا وفي الصيدليات وأنه موصى به.
"أيها الوغد."
قلتها بصوت منخفض ونبرة توعد.
وقفت وذهبت.
نادتني ديما لكنى لم أرد عليها.
فأنا في شدة غضبي.
خرجت من المنزل.
اعتدل الحراس فور رؤيتي.
دلفت إلى السيارة وذهبت.
أقمت مكالمة وأنا أقود.
"أين أنت؟"
"في المشفى، لما؟"
أغلقت الهاتف فور أن عرفت وزدت سرعتي.
توقفت وترجلت من السيارة.
وكنت قد وصلت.
دخلت.
نظر لي الأطباء من دخلتي.
أكملت سيري متوجهًا لمكتب.
فتحت ودخلت.
كان جالسًا على كرسيه.
نظر لي.
وقف.
اقتربت منه.
"سيد سليم ما سبب زيار..."
سرعان ما وجهت له لكمة قوية جعلته يترنح على مكتبه وسالت دماء من فمه.
تنهدت بضيق.
قلت ببرود: "لما تصرون على جعلي مجرمًا؟"
سرت تجاهه.
وكان سيعتدل.
وضعت يدي على رأسه بقوة وثبته على المكتب.
أخذت قلمًا ووجهته على عنقه.
"م.. ماذا تفعل؟"
قالها بصدمة وخوف شديد.
توقفت.
اقتربت منه.
قلت: "من ورائك أنت الآخر؟"
صمت ولم يرد.
بينما عيناه ترتجفان وتنظر ليدي بخوف.
وضعت القلم على عنقه وغرزته بجلده.
فبدا على ملامحه التألم: "من دفع لك وجعلك تفعل بي ذلك؟"
"ا.. أنا لا أفهم شيئًا، ما خطبك وما الذي تقوله... ماذا فعلت أنا؟ ابتعد ودعنا نتحدث."
رفعته وقمت بدفعه بقوة للمكتب.
وضعت يدي على رأسه من جديد.
وكان قد جرح.
قلت: "إن كنت لا تفهم فأنا سأفهمك."
ضغط بالقلم فصرخ بتألم.
اقتربت منه.
قلت: "الدواء الذي كنت تعطيه لي... اعتذر على نعته بدواء بل السم الذي يسير داخلي الآن وتسبب في حالتي تلك كمدمنين."
"أنا لا أفهم ما تقوله، ابتعد."
قالها بضعف وألم.
فضغط أكثر.
صرخ فكان قد جرح.
لم أكن أبالي به.
وأبعدت القلم: "خاف على نفسك. فإذا قتلتك سأستطيع الخروج منها بإثبات تحاليل أني لم أكن واعي ومجرد مدمن جن يلهو لا يدرك ما يفعله."
"سيد سليم اعقل أرجوك.. أنك تدمر نفسك."
"أدمر نفسي!!"
قلتها ساخرًا.
نظرت له.
أردفت قائلاً: "لقد تدمرت بالفعل.. لقد نجحتم. أنا آخذ جانبًا منعزلًا حتى أشفي. تدرك كم مقدار الألم بشعور تنمل جسدك وثقله، كالمريض أو مجنون فقد عقله."
"سامحني أرجوك، كنت مضطر.. لقد هددوني."
"من؟"
"لا أعلم."
ضغط على عنقه فسالت دماء.
صرخ.
قال: "توقف.. أقسم لك لا أعلم من يكون. كانا رجالاً جاؤوا لي بعد أول زيارة لك عندي وأخبروني أن أفعل هذا وسيعطونني مالاً كثير بالمقابل. مانعت بحدّة وكنت سأتصل بالشرطة لكنهم هددوني بعائلتي فلم أجد مفر فوافقت. أعطوني هذا. أخبرك أنه دواء، صدمت عندما رأيته وكم سيضر بك ومقدار خطورته وبإمكانه نَفْيَك. أخبرتهم أنك ممكن أن تموت لكن لم يبالوا. حاولت أن أبدله بدون أن يلاحظوا لكن لم أستطع. خشيت أن أخبرك لكن من الجيد أنك علمت قبل أن يفوت الأوان، فطالما بإمكانك التحكم في نفسك والامتناع عنه فأنت..."
قمت بدفعه بقوة فارتطم جسده بالحائط فتألم.
سرت تجاهه.
وكان يعتدل ويضع يده على عنقه وجرحه الذي ينزف.
نظر لي بخوف.
جلست وأصبحت مقابله.
نظرت له ببرود.
قلت: "من جعلك تفعل هذا بي هو أحد أعدائي فأضع له عذراً.. أما أنت لا يوجد ما يشفع لك مني."
أمسكته من جاكته.
رفعت بانظاري له.
قلت: "أترى هذا الجاكت الأبيض.. انظر لهذا المكتب والمشفى خاصتك، استمتع بمكانتك وسمعتك الآن، لأنهم سيتلاشون عما قريب.. سأجعلك تتحسر على كل ذلك بفعلتك هذه."
دفعته بقرف وغضب.
وقفت.
نظرت باشمئزاز.
التفت وذهبت تاركًا إياها.
توقفت بالسيارة ونزلت عند منزل.
نظر إلي الحراس.
وكان سيمنعونني لكن حراسي تصدوا لهم ودخلت بدون الاكتراث لأحد.
قرعت الجرس.
ما أن فتح الباب.
فتحت بقوة ودخلت.
نظرت حولي.
"كيف تدخل هكذا وما الذي جاء بك؟"
نظرت له وكان والده.
قلت: "أين النذل ابنك؟"
"من.. طارق، ماذا فعل لماذا تريده؟"
سرت تجاهه.
وقفت أمامه.
قلت: "أخبرني أين هو.. هل يختبئ الآن؟"
"ولماذا يختبئ؟"
جاء الصوت من خلفي.
نظرت ووجدته هو.
"لما لم تخبرني بزيارتك، لاضيفك."
ابتسمت.
قلت وأنا أسير تجاهه ببرود وهدوء: "الضيافة على أصحاب المنازل وأوقات على الضيوف."
نظر لي بتعجب.
فقمت بلكمه بقوة.
اعتدل بغضب: "يا وغد."
كان موجهًا لي لكمة.
ركلته فتراجع للخلف وتعثر ووقع.
سرت تجاهه وأصبحت على مقربة منه.
وقف والده أمامي.
"أتأتي وتضربه في منزله.. اذهب حتى لا أتصل برجال الشرطة ويذوك للسجن."
"تيقن إذا جاءت الشرطة لن يتأذى أحد غير ابنك.. لأن مكانه السجن وليس أنا."
"ماذا!!"
"أرى المخدرات جننتك يا سليم."
قالها طارق ساخرًا.
نظرت له واقتربت منه.
"ماذا فعلت معها؟"
توقفت عن تلك الجملة.
رفع وجهه ونظر لي ويرتسم على وجهه ابتسامة.
"أراهن أنك لم تلامسها وإلا لعرفت حقيقتها وما أخبرتك به وأنت في مكتبي."
جمعت قبضتي واحمرت عيناي غضباً.
اقتربت منه وقمت بإكاله لكمة قوية ومقابلها اللكمة الأخرى.
ووالده يبعدني عنه وينادي على الحراس.
إلى أن لكماتي لم تكن متضاهية لغضبي الشديد.
ركلني وأبعدني عنه ومسح دمائه.. الذي نزلت من أنفه.
اقترب وجه ضربة لي لكنى تفاديتها ودفعته للحائط وأمسكت بعنقه وطبقت بيدي عليه بغضب فحيح، بدا على ملامحه الضيق والاختناق.
"اتركه أرجوك."
قالها والده بترجي وهو يرى ابنه الذي بدأ وجهه يتحول للون أزرق.
"سيموت في يدك."
قالها بصوت مرتفع ليسمعني.
من ثم تركت ودفعته أرضًا.
فاقترب منه بقلق.
نظرت له.
قلت: "اجعله يبتعد عن طريقي.. وإلا أقسم لك سأقتله."
نظر لي.
ألقيت بنظرات على طارق باشمئزاز وخرجت.
دلفت إلى السيارة.
سمعت رنين هاتفي.
نظرت وجدتها ديما.
لم أرد عليها وذهبت.
وصلت لمنزل.
دخلت وكانت جالسة ويبدو على ملامحها القلق.
نظرت لي.
"سليم."
اقتربت مني سريعًا.
"أين كنت؟"
نظرت لها وكنت أطالعها بتوجس.
تنهدت.
وقلت: "هل تأخرت عليك؟"
"لماذا معك هاتف بينما أنت لا ترد على المكالمات؟"
"ديما هل تحبيني؟"
رفعت بانظارها لي بتعجب.
ثم قالت: "ما الأمر؟"
اقتربت منها وأمسكت يدها.
قلت: "قوليها."
نظرت ليدي ارتبكت.
ثم قالت بتوتر وخجل يكسو وجهها: "أحبك."
سحبتها من يدها.
اصدمت بي.
قمت بضمها بذراعي.
"لا تخذليني بك."
لا أعلم كيف قولتها.
فهل أهتم بكلام هذا النذل؟
أنها جريمة بحقها أن اهتممت به.
ضمتني هي الأخرى.
فشعرت بسعادة كبيرة بهذا الدفء النابع منها.
أردت لو أن أدعك هكذا لمدة أطول بين ذراعي خشية أن يأخذك أحد مني أو الفراغ والهواء يفصلني عنك.
أريد أن أتأكد من أن لا أحد سيبعدك عني بعد الآن ولا أحد.
أنتِ صغيرتي الذي لا أتمنى من هذه الدنيا إلا سواها.
سمعنا صوت رنين قاطع هذا العناق.
ابتعدت وذهبت.
نظرت لهاتفها ولم ترد.
علمت أنه أحد من عائلتها.
نظرت لي: "سآتي لك ثانيًا.. في المرة القادمة أتمنى أن ترد على هاتفك فأنا أقلق."
ابتسمت ابتسامة خفيفة وأومأت برأسي.
فذهبت.
في الليل كنت جالس في غرفتي.
سمعت جرس الباب.
ذهبت وفتحت.
وجدته سامر.
"يا رجال هل ظهرت الآن؟"
تركته الباب ودخلت.
"كنت أعلم أنها من ستخرجك من هذه العزلة."
أعلم أن سامر هو من أخبر ديما.
لم أتضايق إلى أني أردت أن أشكر.
جلستا.
قلت: "أشكرك."
ابتسم.
وقال بثقة: "لا عليك، فعلت هذا من أجلي."
نظرت له بإستغراب.
قال: "أروى على وشك التخلل.. تظن بأني ألهو بها بينما والدها يضع لي عذراً لكنها لا."
"هل جئت لذلك؟"
"بالطبع، لم أكن أطمئن عليك."
نظر لي.
وأردف قائلاً: "فأنا متأكد أنك بخير بعدما رأيت ديما وعاد الوضع بينكم. وأرى أنه بات أفضل بكثير."
"ماذا قلت لها؟"
"أخبرني أنت ماذا قالت لك؟"
نظرت له وتذكرتها فشعرت بسعادة.
قلت: "انسي الأمر."
"كما تشاء، إنها أمورك. لكن الوقت يداهمني والفتاة ستتركني.. أسرع وعد أرجوك."
ابتسمت عليه.
نظر لي.
قال بضيق: "يبتسم بينما الجميع باله مشغول عليك.. أتعلم أنهم يريدون رؤية وجهك الذي لم يروه منذ يوم مجيئك وتسألني أمي؟ فأخبرها أنك بخير.. أتمنى أن تأتي فور تحسنك."
"حسنا."
جلس سامر معي قليلاً ثم ذهب.
وأخبرتني أن أتابع الأعمال من هنا.
رن هاتفي.
ارتسم على وجهي ابتسامة عندما رأيت كنية المتصل.
"لماذا تأخرت.. ظننت أنك لن ترد."
"خاب ظنك."
"أريده أن يخيب دائمًا، بظني الخاطئ عنك."
ابتسمت.
قالت: "كيف حالك؟"
"الآن أم قبل أن أسمع صوتك؟"
صمتت ولم ترد عليها.
علمت أنها خجلت.
قلت: "أنا بخير."
"حمدًا لله.. هل ستنام الآن؟"
"هل سيأتي لي لنوم من بعد هذه المكالمة والسعادة التي تراود قلبي الآن؟"
"أجل."
"حسنًا أراك غدًا.. تصبح على خير."
تعجبت من كلمة غدًا.
إلى أن فرحت.
هل ستأتي غدًا كاليوم؟
انتهت المكالمة.
تنهدت وجلست على السرير.
نظرت إلى الكمود الذي بجانبه.
فتحت الدرج الأول وظهر طوق صغيرتي.
أمسكته ونظرت فيه.
ابتسمت.
صورتها وهي طفلة صغيرة تعانقني براءة تجعلني أبتسم من تلقاء نفسي.
لا زلت أبحث عن سر تعلقي الشديد بك، وعيناك الذي أصابتني بلعنة فور أن التقيت بهما.
شلت قلبي وسلبته ومنعت أحد من الاقتراب منه وحرصت أن أحصنه بحبك الذي أهلوس به في أحلامي وأشكو به لعقلي الذي يسألني يوميًا كيف برغم صلابتك هذه وقعت أثيرًا لها.
فأجبته بأني لا أعلم.
هي الذي ظهرت لي كنجمة في ضياء عيناها أنارت لي بصيرتي بعشقي لها حد الثمالة.
هل حان الوقت أن أعيد هذا الطوق لك؟
في اليوم التالي جائت ديما.
وبدت أنها خائفة علي من بقائي بمفردي.
وأنا كنت خائف عليها من بقائها معي وعائلتها.
لا أعلم لماذا قلقي بشأنها.
هل أبدو لها مجنون سيقتل نفسه مثلاً.
أعدت الخدم للمنزل حتى لا يكون بوجودها معي بمفردي شيء خاطئ.
وأن تعرف أني أصبحت بحال جيد ولا داعي لخوفها.
كنت أتابع الشركة من هنا حتى أخرج.
لا أعلم هل أحببت بقائي لأن ديما كانت تأتي لي يوميًا وتقضي وقتًا معي.
كان هذا الوقت قصير.
لكني تمنيت لو أطال.
تمنيت لو لا تذهب من الأساس.
كانت قريبة مني.
كنت أشعر بما يحدث كحلم جميل أخشي أن ينتهي.
في يوم كنت جالس بالخارج بالحديقة.
وكانت ديما بحانبي.
كنت أبقى بالخارج لأنني أشعر بتعب من بقائي بالداخل والهواء هنا يحسنني.
كانت تميل على كتفي.
وكنت أطالع السماء وأنظر لها.
كانت تبدو كتلك الغيمة الذي وفقنا وتشبه نعومتها.
"سليم."
قالتها لي وكأنها تراني أستمع لها أم لا.
قلت: "نعم."
"متى ستتحدث مع أبي؟"
صمت.
ولم أرد عليها.
اعتدلت وابتعدت عني.
فشعرت بأن شيئًا ما ينزع بداخلي بابتعادها هذا.
"لما أنت صامت؟"
نظرت لها.
قلت: "انتظري علي يا ديما حتى أنفصل عن أريا. الأمر يقلقني من ناحيتها."
"أنا لست مستعجلة.. لكن..."
نظرت لي.
وأضافت: "لا أريد أن نكون هكذا بالسر ولا يعلم أحد عنا وكأننا متخفيين. يجب عائلتنا أن يعرفوا على الأقل بشأننا. أشعر وكأنني أفعل خطأ لكن ثمة شيء يجعلني أكمل."
تضايقت لأنها تجد بقائها معي خطأ.
لكنها محبة وهذا سبب تضايقي لأنها واجهتني بالحقيقة الذي لا أريد أن أعترف بها حتى لا أبعدها عني.
تنهدت.
قلت: "سيعلمون.. سيعرف الجميع أنك حبيبتي أوعدك. لكن أعطني وقت."
"حسنا."
نظرت لي.
بثقب نظراتها.
قالت: "لكن لا تقترب منه."
نظرت لها بعدم فهم.
فأضافت بتفسير: "أريا.. دع بينك وبينها مسافة دوما ولا تجعلها تعانقك أو تمسك بيدك، حتى عيناك امنع النظر لها."
ابتسمت عليها.
نظرت لي باستغراب.
قلت: "أتغارين؟"
نظرت لي.
توترت.
أمسكت يدها.
قلت: "أنك أجمل."
خفضت عيناها واحمرت وجنتها خجلاً.
مما زادها جمالاً وجاذبية.
كلوحة فنية لا يمل الهاوي من النظر إليها.
أنزلت ذراعي الذي كنت أضعه بجيب بنطالي.
وقربت ظهر يدي من يدها.
فاتسعت عيناها.
نظرت لي وكنت أنظر أمامي.
وكان شيئًا لن يحدث.
"لكن أريا جميلة.. كنت أحترق بالآونة الأخيرة وكانت تتعمد إغضابي وهي تقترب منك وتنظر لي وكانت تنعتك دائمًا بزوجها."
لم أعلق.
فهل أخبرها أن أريا ليس سيئة أم أن ديما ستتضايق؟
فهي تبغضها منذ ما حدث لها بسببها.
"أردت أن أقتلها وأقتلك معها يا سليم لأنها تقبلك بذلك."
"أراهن أنك لا تستطيعي أن تقتلي نملة."
نظرت لي.
قالت: "لا تضعني في مراهنة على شيء بك."
ابتسمت من حدتها وأومأت لها بالطاعة.
الطاعة الذي لم أفعلها مع أحد بطبيعتي.
لا أطيع غيرك أنتِ.
سأظل أتذكر بأنكِ الاستثناء الوحيد لدي، وبأنني لم أشهد مثلكِ في حياتي، وبأن عمق علاقتنا لم يصله أحد معي من قبل، وبأنني معكِ تجردتُ من غموضي.
كنتِ أجمل ما في الصدفة أنها خالية من الانتظار..
أنكِ هديتي من عند الله فيشاء القدر أن يجمعنا بصغيرة مثلكِ لا أستطيع التخلص منها لأنكِ قدري.
وجودكِ مختلف جدًا، لا أحب شيئًا مثلما، أحب وجودكِ يا ديما.
كان علي أن آخذ خطوة تجاه علاقتنا بالفعل.
أنا لست راضيًا بأن تشعر أنها ترتكب خطأ وهي معي.
ولا أستطيع أن أكذب شعورها فهو صحيح.
لكني لا أقدر على قولها خوفًا من أن تبتعد عني.
"سأحدثها اليوم."
قلتها لديما وهي جالسة معي.
نظرت لي بشدة.
قالت: "حقًا؟"
لم تسأل من فقد عرفت أني أقصد أريا.
أومأت لها.
فابتسمت.
ثم اختفت ابتسامتها.
قالت: "هل أضغط عليك.. لا أريد أن تضرر صحتها. لست سيئة لهذه الدرجة. أخبرها حتى تتأكد أنها لن تتأثر."
"لم تضغطي علي يا ديما، أنا من قررت حتى لا تطيل علاقتنا بهذا الصمت."
أومأت لي بتفهم.
كنت أرى سعادة بعينها كبيرة.
فأسعدني ذلك.
ذهبت اليوم إلى منزل جدي.
ترجلت من السيارة.
تقدمت وقرعت الجرس.
فتح الباب.
وكانت ريم.
"سليم."
نظرت لها من نبرتها ووقفها هكذا ولم تفسح لي لدخول.
تعجبت كثيرًا.
دخلت.
قلت: "ما خطبك؟"
"ل... لا شيء."
سرت.
قلت: "هل سامر هن..."
صمت ولم أكمل جملتي عندما رأيت هذا الرجل أمامي بالمنزل وجالس مع جدي وسامر وعمار.
وقفو عندما علموا بوجودي.
سرت تجاهه وأنا أنظر له بشدة.
اقترب سامر مني.
قال: "جيد أنك جئت الآن.. اجلس."
لم أهتم بما يقوله ليهدئني.
قلت وأنا أنظر لجلال: "ماذا تفعل هنا؟"
"سليم اجلس."
قالها جدي.
نظرت له.
قلت: "اجلس!!"
أضفت بصوت مرتفع: "ماذا يفعل هذا الرجل هنا.. كيف سمحت له بالدخول؟"
"هل نسيت أنه ابني ووالدك فلا ترفع صوتك."
نظرت له وابتسمت.
قلت: "ابنك، ووالدي؟"
نظرت لجلال.
قلت: "لا أصدق أنك من تقول عنه أنه ابنك وأنت تبرأت من هذا منذ زمن بعيد."
"سليييم."
قالها جدي لي بحده.
نظرت له.
سرت تجاهه.
قلت ببرود: "ليس لدي دخل بكونه ابنك، لكن لا تعترف بكونه والدي."
قلتها وأنا أشير عليه.
نظر لي بغضب من طريقتي في الحديث معه.
جاءت أمي وريم.
نظرت لهم.
وهل كانوا يعرفون؟
وريم الذي كانت خائفة من دخولي.
"اذهبي."
قلتها بصوت مرتفع لأمي.
"سليم ما خطبك؟"
"قلت اذهبي.. وضبوا أغراضكم."
نظروا لي بصدمة.
قلت: "لن تبقيا بمكان يجمعكم بهذا الرجل."
نظرت ل جدي.
قلت: "لتجعل ابنك العزيز بجانبك."
قال سامر: "سليم اهدأ، أنا من تكلمت مع عمي وأحضرته، فتعلم أنه من طلب يد أروى كووصي لي، فكنت أريد أن نتحدث حول خطبتي وعقد قران الذي بعد يومين، ليس هناك شيء لكل هذا الغضب."
لم أستوعب ما قاله سامر.
كيف هو الذي أحضره.
نظرت له ببرود.
قلت: "ما الذي تسعى إليه يا سامر؟"
نظر لي باستغراب.
قال: "أسعى لماذا؟"
"أنا أسألك.. تقول أن أحضرته لتناقشه بشأن زواجك. لن أتدخل كما لم أتدخل عندما فاجأتني بوجوده المرة الفائتة، لكنك كان بإمكانك أن تحضره لمنزلك.. وليس هنا، فهل بإمكاني أن أعرف ما الذي تسعى له من ما تفعله هذا؟"
"لا أفهم ما تقصده يا سليم."
قالها بتوتر وارتباك.
رأيته في عينيه.
فعلمت أنه يخبئ شيئًا.
"يكفي."
نظرت له.
قالها بقلة حيلة وحرج.
فأضاف: "سأذهب أنا، لا أريد مشاكل بسببى بينما أسعى لحلها."
ثم ذهب.
فقلت: "ولن تحل يا جلال."
توقف عند الجملة هذه.
نظر لي.
قال: "هذا لا يمنع كونك ابني شيئًا."
ابتسمت.
قلت ساخرًا: "لا يشرفني أن أكون ابنًا لرجل مثلك.. كما قطعت صلتك بنا فقد قطعتها في ذات اللحظة ومع نفس خطاياك فعلت أنا."
سالت دمعة من عيني.
كم أنت ممثل بارع تتقن دورك ببراعة حتى أني شعرت أنك صادق.
"سليم، اعتذري."
كذبت هذا الصوت الذي سمعته واخترق أذناي من صاحبته.
نظرت لها بشدة وصدمة.
هل أنتِ يا أمي حقًا؟
هل قلتي هذا أم أتوهم لا غير؟
"ماذا؟"
"لن يذهب ولا يجب أن تحدث مع والدك هكذا وتطرده من منزله.. اعتذري."
قالتها بحدة وأمر.
فقلت: "كم مرة علي أن أخبركم أن هذا ليس والدي ولا رباط واحد يجمعني به. تريدينني أن أعتذر من هذا؟"
قالت بغضب: "سليييم."
"ماذا؟"
نظرت لها.
قلت بصدمة: "هل سامحتيه أنتِ الأخرى؟"
نظرت لي وصمتت.
نظرت لريم وسامر وجدي.
قلت: "بتلك البساطة أعدتموه لعائلتكم الذي قام بتفكيكيها هو بيديه ودمرها؟"
قالت ريم: "سليم اسمعني، أبي عرف خطأه وهو..."
قلت: "اصمتي."
نظرت لي بخوف.
فقلت وأنا أشير عليه: "هذا من تنعتيه بأبيه تركك وأنتِ طفلة رضيع أيها الغبية."
كنت أتحدث بغضب وقسوة.
وقد فتحت جرحًا داخل أختي بكلامي.
لكني لم أهتم.
قلت: "تخلى عن مسؤوليتك وغادر هذا المنزل تحت أصوات بكائك.. إنكِ أكثر ما يجب عليك أن تكرهيه. وجدك سذاجة يضحك عليها بسهولة وقد نجح ونال محبتك له."
نظرت له وكان صامتًا.
فهو يعرف خطأه وليس لديه الجرأة على أن يجادلني.
اقتربت من أمي الذي كانت لا تتطلع بي.
قلت: "سامحتيه يا أمي؟"
نسيتي بكائك في الليل بجانب صورة.. نسيتي رجائك له وهو يذهب وأنتِ تلحقين به بدموعك المنهمرة وهو غير مبالٍ ويذهب لامرأة غيرك.
نسيتي كم عانيتِ لتسدي فراغه.
وعندما كان بعض الناس ينظرون لكِ وكأنكِ عيبة بهجرو لكِ.
سالت دموع من عيناها.
اقتربت منها.
قلت وأنا أنظر لها: "نسيتي كل ذلك؟"
التفت ونظرت لسامر الذي كان ينظر ومتضايق من ما أفعله.
قلت: "وأنت.. هل ترى هذا الرجل الذي تنعته بعمك وجعلته وصي لك بزواجك.. أنه تخلى عنك من الأساس. وصاية والدك له عنك قبل مماته لم يفعل بها.. لأنه شخص غير جدير بالمسؤولية."
نظرت لهم.
قلت ببرود: "إن كنتم نسيتم من يكون هذا الرجل وما سببه، فأنا لن أنسى."
نظرت له.
وسرت تجاهه.
وقفت أمامه.
قلت: "لن أنسى دموع أمي الذي بكت حرقًا لرؤيتك عائدًا لها.. لم أنسى ضحكاتها وفي الليل مع دموعها سرًا خشية أن نضعف معها. لم أنسى شقيقتي وهي تسألني عنك وأخبرها أنك ميت لأصمتها وأحسن من صورتك أمامها على أن أقول لك أنك هجرتها. حرقت البوم الصور الذي تجمعنا بك جميعها وحرقتك داخلي معها."
نظرت لي أمي بصدمة وجدي.
فلم يكن يعلموا من الذي فعل هذا.
وها قد علموا أني أنا.
وقفت أمامه.
قلت: "أنا لا أكرهك.. أنا فقط أكره ما فعلته بهم وأشمئز من صلة الدم الذي جعلتهم يسامحوك.. لطيبة قلبهم أو لحماقتهم وأرجعوك للعائلة.. لكني لست أحمقًا مثلهم."
تنهدت ونظرت لهم.
قلت: "اللعنة على تلك العائلة."
ذهبت تاركًا إياهم بين كلمات القاسية ودموع أمي وشقيقتي وغير مبالٍ بهم.
لعلهم يعلمون مقدار ما سببوه لي.
ركبت سيارتي وقدتها بعيدًا عن هنا.
لست حجرًا لا أشعر حتى لا يفعلون حسابًا لحزني ويخذلونني هكذا.
أنك يا جدي من أخبرتني أنه ليس والدي.
تأتي الآن وتذكرني به.
أنت الذي أشْفَقت علي وأنا أترجاه.
جعلتني باردًا، أخفي مشاعري ولا أنحني لأحد.
هاتفي كان سامر.
أغلقت.
ثانيًا.
وكانت تلك ريم.
أغلقت.
أمسكت الهاتف وكنت سأقفله.
لكن جائني اتصال قاطعهم جميعًا.
ضغط على الهاتف لأقفله.
"أتمنى أن ترد على هاتفك فأنا أقلق."
أوقفت السيارة.
ثم قمت بالرد قبل أن تنتهي مكالمتها.
"لماذا لا ترد؟ قلقت عليك."
"هل هناك شيء؟"
فتحت الباب.
ترجلت من السيارة.
قلت: "لا شيء."
"أين أنت؟"
نظرت حولي.
كنت أقف عند الطريق بجانب يطل على النيل.
"في الجحيم."
"سليم، أخبرني أين أنت."
"لا أعلم.. خلاء يسع ضيقي."
"أرسل لي العنوان."
أغلقت الهاتف.
تنهدت ونظرت أمامي وأرسلت مكاني لها كما طلبت.
لم أعلم لماذا.
لكني لم أرد أن أتجاهله.
تقدمت من السور ومددت يدي وأمسكت يدي بضيق.
وأتنفس بصعوبة.
قمت بفتح أزرار قميصي أكثر لاستنشاق الهواء.
أخفضت وجهي بضيق.
شعرت بحرقة في عيناي.
وجدت دمعة تسقط مني.
لم أعلم سببها.
وكأني كبحت داخلي كثيرًا.
زفرت تلك بكونها أشْفَقت علي.
هل أنا قاسي؟
هل أقسو عليه وأنا السيئ وهو لم يرتكب خطأ؟
هل سماحي عليه واجب؟
هل بعد كل ذلك سامحوه ويقولون عليه والدي؟
"سليم."
نظرت للصوت.
وجدتها ديما.
كيف جاءت بهذا الوقت المتأخر.
اقتربت مني.
قالت: "ماذا تفعل هنا؟"
نظرت لها ولم أعلق.
رفعت يدها ولامست وجهي.
نظرت ليدها وملمسها الناعم.
"لماذا تبدو حزينًا؟"
قالتها بقلق وحزن من عينيها وهي تنظر لي.
رفعت يدي وضعتها على يدها الذي على وجهي.
أمسكتها.
قلت: "لقد تعبت يا ديما."
قلتها بصوت ضعيف منكسر.
"ماذا بك.. احكي لي."
نظرت لها.
قالت: "احكي لعل ما بداخلك يستريح."
هل بإمكاني احتضنك وأشكي لك حزني؟
هل سوف تسمعينى لي؟
أم ليس من حق أن أفعل هذا؟
"هل أنا قاسي؟"
نظرت لي باستغراب.
نظرت لها.
وأكملت: "هل أستطيع تكوين عائلة أم سأظلمك معي، هل سأكون أبًا جيدًا جديرًا بالمسؤولية أم سيكرهونى؟"
أمسكت يدي بكفيها الصغيران.
قالت: "ستكون أبًا جيدًا، أنت جدير بالمسؤولية بما يكفي، فلقد رأيت حبك لريم ولوالدتك.. رأيت كم تخاف عليهم، لست قاسي.. بل أنت تمتلك قلبًا طيبًا لا يؤذي أحدًا، قلب حنون تحاول إخفاءه.. عن أي قسوة تتحدث؟"
"قسوة الأيام.. يقولون كما تدين تدان. هل ما أفعله الآن معه سيرد لي؟ لكنه من جعلني هذا أنا، لا أعامله هكذا لفراغي. أنا لا أبغضه كونه والدي من تلقاء نفسي."
"والدك!!"
قلت بغضب: "لست من أقول ذلك... هم، أنا لا أعتبره هكذا ولن يحدث."
نظرت لي باستغراب.
أخفضت وجهي بحزن من أن تكون رأت قسوتي الذي لم أريد أن أريها لها وغيرت فكرتها عني.
"سليم.. انظر لي."
نظرت لها.
فقالت: "لما لا تترك حزنك وهمومك إلى الله وهو سيدبرها من عنده، ولتحملني منها معك.. أرجوك أريد أن أشعر وكأنني أصبحت ذي مكانة لديك بحياتك."
"هل تشككين بمكانتك عندي يا ديما؟ لن تستطيعي أن تري الطريقة الذي أنظر بها إليك.. ليتك تستطيعين أن تري كيف تبدو بداخلي."
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
قالت: "اتركني لتخميني لا أشعر وكأنني لم أصل بعد لمعرفة مكانتي بعد."
حتى وإن أخبرتك سيكون الكلام قليلًا.
لن تفلح كلماتى الباردة الخفيفة في وصفه.
أخرجيني من هذا الظلام كما تفعلين كعادتك.
ابتسامتك ووقوفك بجانبي كالآن.. هذا ما أريده.
لا أريد أحد بالكون كله غيرنا لينفرغ العالم لنا وتبقى أنتِ لي.
"كيف جئتي بهذا الوقت المتأخر؟"
"لا أعلم.. المهم أني جئت."
"والديك؟"
صمتت ولم ترد علي.
علمت أنها كذبت عليهم من أجلي.
كانت عندما تأتي لي وأسألها ماذا أخبرتهم تصمت بحزن وتحاول إخفاءه.
فاعلم أنها كذبت وحزينة بسبب هذا.
لكن لا تريد إخباري.
كنت أتضايق من نفسي لأني أجعلها تكذب على عائلتها.
وعندما تكون هكذا بالخفاء دون علم أحد وتعلم أنها تخطئ.
"أنا آسف يا ديما.. لم أستطع التحدث معها بسبب ما حدث."
"لا."
باستغراب لماذا لم تعلق على جملتي بشأن ما حدث ولم تسألني بما أعنيه.
وكأنها تعلم أن السؤال سيفتح ما أغلقته هي.
فصمتت.
"أشكرك على تفهمك يا ديما."
"أخبرتك أني لست مستعجلة.. إن أردت أن أنتظرك لسنة تلو الأخرى سأفعل. لكن كل ما في الأمر..."
صمتت ولم تكمل.
علمت مقصدها وهو عائلتها الذي يأنبها ضميرها بسبب بقائها معي.
"سيعلمون قريبًا أوعدك.. لن أتركك تشعرين بأنك تفعلين خطأ أكثر من ذلك."
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
فارتراح قلبي وارتوى منها كالظمأ الذي كان بحربا أصابته فجعة زمنيا.
وصلتها لمنزلها بعيدًا قليلا كما طلبت.
ودعتني وذهبت.
في اليوم التالي أخبرتني الخادمة أن سامر هنا.
أخبرتها أن تقول له أني لست هنا.
فوجدته يدخل علي في تلك اللحظة.
نظرت له ثم نظرت الخادمة بمعنى أن تذهب.
"لم أعلم أنك تريد أن تطردني بتلك الطريقة."
"ما الذي جاء بك؟"
"هل أنت سعيد بما فعلته البارحة؟"
نظرت له.
وقلت: "كثيرًا، لقد أخرجت كلامًا كنت أكبحه لسنين."
"أخرجته بدون الاهتمام لمشاعر ريم وأمي."
"وماذا عني أنا؟"
قلتها بصوت مرتفع وغضب.
ثم أضفت: "هل اهتموا بي كما اهتم بهم؟ لما تظنوني بأني شخصًا بدون مشاعر تفعلون ما تريده دون الاكتراث له.. تهتمون لغضبه قبل حزنه."
"أنت مخطئ يا سليم، نحن نهتم بك كثيرًا."
ابتسمت.
قلت ساخرًا: "مثل البارحة عندما أخبرتني أمي أن أعتذر له، ألم يأت وقت أن يعتذر هو لي... جعل أمي واختي وجعلكم جميعًا بصفه. أنا لم أفعل شيئًا سوى أني ذكرتهم بحماقتهم.. دع دموعهم تريهم قدر الحزن الذي سببه لهم لعلهم يتنازلون عن مسامحتهم."
"من أنت يا سليم لتحدد يسامحوه أم لا؟"
"أنا من أرهقت يداي من كثرة ما مسحت دموعهم.. بينما كان علي اللعب مثل بقية الأولاد."
قلتها بغضب وصوت مرتفع.
ثم أضفت: "أنا من جف حلقي لمواستهم ليلاً ونهارًا، بينما بداخلي صراع لا يسمعه أحد غير.. أنا من لم أعيش طفولتي كما يجب أن أكون لكوني غريبًا من بين الجميع."
تنهد.
وقال: "تعرف أني الشخص الخاطئ الذي تخبره عن ما عانيته، لأني رأيته."
"لكنك لم تعشه."
"اغفر له يا سليم، يكفي.. مرت سنين وهو الآن يسعى جاهدًا لأن يجتمع معكم وتسامحوه."
"أنا لا أسامح."
"المرء يخطئ ويذنب.. هذه طبيعتنا، يكفي أن نعلم مقدار خطئنا. أن الله يغفر الذنوب جميعًا، فمن نحن حتى لا نغفر. سيأتي يومًا وتخطئ وتكون مثل والدك كاليوم تطلب المسامحة ولا تتلقاها. ستذوق ما ذاقه بخطأ واحد وسترى كم الندم وتأنيب الضمير كالموت بالطب. فهل لك أن تتخيل مقدار ما يشعر به هو.. لا أتمنى لك هذا، لكن ما يعيشه بتلك الحالة سعيًا لإصلاح هذا الخطأ لسنين ولم ييأس. أتمنى أن يهديك الله وتعطيه فرصة ليجعلك تغفر له.. لا أقول سامح، أعطِ من مشاعر السماح لتصديقه فقط."
لم أكن مهتمًا بما يقوله.
لكن ما شعرت بالخوف منه.
أن أكون مثله حقًا.
هل ممكن أن أفعل خطأ وأكون أريد المغفرة ولا أتلقاها؟
لماذا جاء بذاكرتي ديما؟
لكنه لا يريد المغفرة، أنه يخدعني ولا أعلم ماذا يسعى له على هذه المسامحة الذي يقولها.
هل ندم؟
حتى وإن كان ندم، فكان ندمه متأخرًا.
"على كل حال، جئت لأعطيك هذا."
نظرت له.
أخرج ورقة واقترب مني وأعطاها لي.
"إنها من أريا.. قبل أن تذهب."
نظرت له بشدة وأخذتها.
"بعد أربعة أيام ستكون خطبتي.. لا تنسَ."
ذهب.
نظرت له.
فهل يريدني أن أحضر؟
هل تغير بلحظة بعدما كان غاضبًا مني؟
تنهدت بضيق.
قمت بفتح الورقة المطوية.
وجدت خاتمها كان داخل الورقة.
"لا تتكبل العناء وإن تراني ثانيًا، لأنني أريد أن أتخلص من حبك هذا ورؤيتك لن تزيدني إلا ألمًا. كبريائي لم يسمح لي أن أنتظر حتى تأتي وتطلب مني أن ننفصل. أنا لن أرغمك علي، من حقك أن تحب وتعيش مع من يختارها قلبك.. أتم إجراءات انفصالنا، سأكون في انتظارها."
أغلقت الورقة وطويتها ثانيًا.
نظرت إلى الخاتم.
لا أعلم هل ما حدث جيد أم لا.
فأنا كان بالي مشغول للحظة المواجهة.
لكن لم أكن أريد أن تكتب رسالة.
ولا أعلم كيف أنتِ الآن.
على الأقل أن كنت تحدثت معك لكنت رأيت تعبيرات وجهك واستطيع أن أفهمك بدون تتأذى.
وكنت ذهبت حين تأكدت من موافقتك.
في اليوم التالي ذهبت لشركة.
قابلت سامر.
لم أتطلع به وأكملت سيري.
كنت أشعر بخنقة وضيق بصدرى من البارحة وما يحدث معي.
ضغط علي لا يجعلني آخذ أنفاسي.
حدثتني ديما تسأل عني.
كنت أشعر أن أنا من علي فعل ذلك.
"أين أنتِ؟"
قلتها بتساؤل عندما سمعت أصوات حولها.
"أنا مع صديقاتي."
أومأت بتفهم.
أظن من ضمنها هي خطيبته لسامر.
"هل هناك شيء؟"
"عندما أراكِ سأخبرك."
بدت وكأنها لا تفهم شيئًا.
أخبرتها عندما تنتهي تعلمني وأنا سآتي لها.
في منتصف اليوم أخبرتني ديما أنها انتهت.
خرجت من الشركة متوجهًا لها.
كانت عند مول.
وصلت.
ترجلت من السيارة.
نظرت لي.
وكانت صديقتها الاثنان الذي أعرفهم معها.
تقدمت.
نظروا لي بشدة.
لن أفهم نظراتهم.
ثم قالوا أنهم سيذهبون.
ونظروا لديما وذهبوا.
"ما الأمر؟"
قالتها ديما بتساؤل وقلق.
"دعينا نجلس."
طالعتني باستغراب.
دخلنا وجلسنا بالمقهى.
"سليم أقلقتني."
"انفصلت عن أروى."
نظرت لي بشدة.
قالت: "ماذا تعني؟"
"أخبري والدك أني أريد مقابلته."
ابتسمت بسعادة ولم تعلق.
فعلمت أنها خجلة.
أن بخجلها هذا تجعلني ضعيفًا.
أخبرتها أن فور انتهاء خطبة سامر سأطلب يدها.
حتى لا يتعطل زواجه أكثر من ذلك.
كنت لا أتحدث معه خلال هذه الأيام.
وفي اليوم الرابع في الصباح أرسلت لي رسالة منه.
وكان يذكرني باليوم: "أتمنى ألا تكون تدعي التجاهل لليوم، أنا أنتظرك وإن لم تأتِ سأترك الحفل وأتي أجرك من ملابسك المنزلية لتحضر، لا يوجد أي خلاف بيننا كما تتصنع أنت، فأحذر مني وأن تفكر مجرد تفكير فقط بعدم المجيء."
هذا الولد يظنني لن أحضر حفلة.
أنا لا أريد لأني أعلم أن هذا الرجل سيكون موجود.
سينظر لي بانتصار وأنه أخذ عائلتي مني.
أخذ ريم وأمي.
جعلوني حثالة أمامه وفضلوه علي.
في المساء كنت خارج من المنزل.
فتح لي السائق الباب.
فوجدت هاتفي يرن.
وكانت ديما.
دلفت للسيارة ورديت عليه.
"أين أنت؟"
"في الطريق."
"لماذا لا ترد على سامر؟"
"ومن أين عرفتي أني لا أريد عليه؟"
"أنه معي يا سليم وأنا أقف مع أروى بتأكيد سأعرف.. لا تتأخر."
"حسنا."
كنت لا أرد عليه حتى لا يدخل بحديث عن الأمر ثانيًا فيجعلني أمتنع الحضور.
وصلت للحفل.
ساعد سامر واحتضنني عندما رآني.
"خشيت ألا تحضر."
"أفوت حفلة أخي؟"
ابتعد وابتسم لي.
وسلم علي عمار.
نظرت لأمي ولريم وجدي الذي كان يتطلعون بي.
تمالكت نفسي وامتنعت عن النظر إليهم.
حتى أني لم أغير هذا الرجل الواقف اهتمام.
أتمنى أن ينتهي هذا الحفل بسلام.
"سوف أذهب وأرى لما تأخروا."
قالتها ريم.
لكن توقفت.
نظرت وجدت ديما برفقة صديقتها.
كانت ترتدي فستان أزرق داكن وتصفف شعرها بطريقة جميلة.
بدت رائعة.
وارتفعت دقات قلبي برؤيتها.
اقترب.
وقفو.
نظرت لي ثم أبعدت نظراتها حتى لا يلاحظ أحد.
لكن ماذا عني، عيناي لا تريد الابتعاد.
تريد مراقبة الأجواء ومن سينظر لصغيرتي.
جلس والد أروى.
وهي بجانبه وسامر وجلال.
لم أعلم ماذا أفعل بموقفها بعيدة عني.
وجدت نفسي بدون أن يلحظ أحد وهم منشغلين في عقد قران سامر وأروى.
وقفت بجانبها.
كانت هي الأخرى منشغلة.
إلى أن التفت ونظرت لي بشدة.
"سليم."
قالتها بصوت منخفض.
ثم نظرت للجميع.
قالت: "لماذا تقف هنا؟"
"لم يضعوا مكانًا محددًا لأقف به."
نظرت لي وصمتت.
فهي كانت تقصد بوقوفي بجانبها.
هل أخبرها أنها لي وعلى الجميع يعرف ذلك ووقوفي ليس به شيء.
عاجلاً أم آجلاً سيعرفون أنها حبيبتي حتى لا يفكر أحد بالنظر إليها حتى لا يلقى بحتفه.
اقتربت منها.
قلت بصوت هامس: "تبدين جميلة."
نظرت لي.
ابتسمت وحاولت إخفاءها بنظرت أمامها بتوتر.
واحمرت وجنتها خجلاً.
مما زادها جمالاً وجاذبية.
كلوحة فنية لا يمل الهاوي من النظر إليها.
أنزلت ذراعي الذي كنت أضعه بجيب بنطالي.
وقربت ظهر يدي من يدها.
فاتسعت عيناها.
نظرت لي وكنت أنظر أمامي.
وكان شيئًا لن يحدث.
رواية كبد المعاناه الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم نور ناصر
انزلت يداي وقربت ظهر يدي من يدها، فاتسعت عيناها. نظرت إليّ وكنت أنظر أمامي، وكأن شيئًا لم يكن. شعرت بملامس بشرتها الناعمة، ثم أمسكت بيدها. كأنني أخبرها ألا تبتعد عني وتقف بجانبي.
كنت أشعر بتوترها الشديد، وجدتها تطبق بيدها على يدي وتمسكها هي الأخرى. ابتسمت ولم أنظر لها منعًا من أن تفصل يدها عني. "قريبًا سأمسك بيدك أمام الجميع.. قريبًا جدًا."
أتم عقد قران سامر وكان سعيدًا، وبارك له الجميع. كانت ديما ستترك يدي حتى لا يراها أحد، فأمسكتها. نظرت إليّ: "سليم سيروننا."
اقتربت منها وقلت: "ليروا.. لا تفكري في أن تتركيها حتى أخبر الجميع أنك حبيبتي."
ارتبكت ونظرت أمامها. وجدت ابتسامة خفيفة ترتسم على وجهها بخجل وتحاول إخفاءها. ابتسمت عليها. "لم أعلم أن والدك وسيم." قالتها بمزاح.
نظرت لها بشدة وعلى ما تنظر، فوجدته ذلك الرجل. "إنه فكاهي."
نظرت لها بإستغراب وقلت: "وكيف عرفتي؟"
"إنه كان سببًا في معرفتي لحقيقتك التي كنت تخفيها عني.. تخيل أن أكون قد رأيته عندك في المشفى لكن لم أعلم من هو. ويشاء القدر أن أخرج وأتحدث معه قليلًا، فأجده يطالع صورة لولد أعرفه منذ زمن.. ويكون هو صديقي. أسأله عنه فيخبرني أنه ابنه. كان يعرف أني في المشفى لنفس ذات الشخص الذي أنت هنا من أجله، لكن لم أعلم منه هويتك. قال أنه ابنه فقط، لم يقل إنه مديرك الذي أنت هنا من أجله."
لم يخبرها كيف. إذا من أين تعرف؟ أجل، فهي إن كان أخبرها لواجهتني في المشفى.
"ومن أين عرفتي؟" قلتها بإستغراب.
"في اليوم الذي جئت فيه لك، كنت قبلها رأيته وعلمت اسمه. جلال محمد منتصر." نظرت لي وأضافت: "والدك. أي أن صورة ابنه التي كانت بيده، كنت أنت."
"ألم يخيل لك أن كان لديه ابن آخر؟"
"ك.. كيف؟ أعلم أنك وريم فقط. لذلك عرفت أنه أنت." قالتها بتوتر.
نظرت لها وقلت: "فيما تحدثتما في المشفى؟"
"كنت أعيد له محفظته التي وقعت ورأيتها، فشاهدته بالخارج..." صمتت. نظرت لي ثم قالت: "كان يبكي."
نظرت لها بإستغراب مما قالته. يبكي!
"لا أقصد التدخل في أمور عائلتكم، لكن قبلها وجدته واقفًا مع والدتك. كانت من طريقته تحدثها معه، لم أتوقع أن يكون والدك."
"كان هذا قبلًا. أي أنه كان يحاول مع أمي مثل ريم.. ذلك الرجل، ما الذي يسعى له؟ يريد أغضابي أم يريدني أن أراه عدوًا لي؟ إنه شبيه العدو بالفعل. كنت لا ألفظه كالآن بعدما آخذ عائلتي."
"لم يكن كالآن." قلت بتعجب.
"كيف؟"
"كان مهمومًا وحزينًا جدًا. من كلامنا، كان قد افتعل خطأ يطمح لمغفرته.. تعجبت، المغفرة عند الجميع، فكيف هم من منه لا يغفرون له. كان يحكي بالألغاز لم أفهمها، لكن دعوت الله أن يساعده ويحقق مبتغاه."
"هل استطاع خداعك أنتِ الأخرى؟ لكن كيف يكون يخدعك وهو لا يعرفك؟ يبكي، وحزين، ومهموم، وخطأ.. لا أعلم، تلك الصفات والمشاعر لا تجتمع به. وأنه كان يطمح للمغفرة.. فقد حصل عليها. استمع الله لدعوتك يا ديما.. هل كان هذا ما يريده حقًا؟ أن الله يعلم النوايا."
"ويبدو الآن ليس كالمّرة الفائتة، بل يبتسم وسلم علي قبل أن تأتي. لمَ أنت من لا تبتسم؟ ابتسامتك جميلة، لِمَ تخفيها؟"
ابتسمت من آخر جملة قالتها، أزاحت كلامها الذي كان خلفه وضايقني. نظرت لي وقالت: "أشك بأنها لن تكتمل وتخفيها وتعود لجمود وجهك."
"إنني معكِ غير يا ديما." قلتها وأنا أنظر لها.
فقالت بإبتسامة: "لاحظت ذلك."
"ألا تلاحظون أنظار البعض عليكم وأيديكم المتشابكة؟"
كان صوتًا بجانبي. نظرت، ووجدته سامر. تركت ديما يدي وذهبت. نظرت لها: "لن تهرب الفتاة، خجلٌ ليس إلا."
نظرت له بضيق وقلت: "ما دخلك أنت؟ ألم تتزوج؟"
"هل الزواج سيحلك مني؟ كنت أعلم أني سأكون قبلك.. الدور عليك."
نظرت له، ثم نظرت لديما كانت واقفة مع أروى وريم وأمي والبقية. "يجب أن تتقدم للفتاة.. هل تعبث بها؟"
نظرت له بشدة ومن ما قاله للتو. "اعتذر.. لا أقصد، كنت أمزح، أقسم لك."
"أترى ديما هذه؟" قلتها بنبرة برود. ثم أضفت: "لا أحد يمزح معي بشأنها."
"ويلك.. لِمَ تحولت هكذا؟ هدأ من روعك. ما شأني بكم؟"
مر وقت قليل. نظرت لساعتي، أخبرت سامر أن عليّ الذهاب. طالعني بإستغراب وتعجب، فهل أتركه بتلك السرعة؟
"تذهب؟"
"حضرت عقد قرانك وقد انتهى."
"هل تمزح معي؟"
"أراك لاحقًا، مبارك لك." قلتها وأنا أذهب.
"ألن تودع ريم وأمي وجدي؟"
توقفت، نظرت له، ثم نظرت ناحيتهم. "لا." قلتها ببرود، ثم أكملت سيري وذهبت.
اتصلت بديما، ردت عليّ. "أنتظرك بالخارج." قلتها لها، ثم أقفلت الهاتف.
كنت واقفًا بالخارج. جاءت ديما ولم تكن قد تأخرت. نظرت لي، اقتربت: "ما الأمر؟"
"لنذهب."
"لكن ما زال باكرًا.. أيضًا أروى ستحزن مني."
"انظري للوقت.. أترينه باكرًا؟ أنا ذاهب. لن أتركك، ولا أعلم من سيوصلك، فهيا."
نظرت لي قليلًا ثم قالت: "هل ودعت عائلتك؟"
نظرت لها وقلت بتعجب: "لماذا؟"
"بعد أن كلمتني، سألت ريم سامر عنك، أخبرها أنك ذهبت، فبدى على ملامحهم الحزن."
نظرت أمامي بضيق. اقتربت ديما مني قالت: "هل هناك شيء يا سليم؟"
"إنني مخذول يا ديما.. من أختي وأمي وجدي. لست غاضبًا منهم، إلى أني حزين."
"لا."
"أنك لم تغادر بعد.. ادخل وودعهم."
أمسكت يدي. نظرت لها: "حسنًا."
قالتها بلهجة حانية. تنهدت وذهبت.
دخلت. نظروا لي. كنت سأتحدث، أني نظرت لذلك الرجل وتلاشى كلامي. "سليم، اعتذر. نسيت أنه ابني ووالدك. كيف تتحدث مع والدك هكذا وتطرده من منزله؟"
جمعت قبضتي بضيق وذهبت ثانيًا. "سليم." كان ذلك صوت ريم، لكني لم ألتفت. توقفت عندما وجدت ديما تنظر لي. أكملت سيري للخارج دون اهتمام.
"سامحيني يا ديما، لا أستطيع.. بوجود ذلك الرجل لا أستطيع."
"سليم، انتظر أرجوك."
اقتربت من السيارة فوجدت من يمسك يدي، توقفني. حاولت التحكم، وقفت أمامي، وكانت عينها ممتلئة بالدموع.
"أتعلم أني سأغادر اليوم؟"
لم أكن أنظر، لكن تفاجأت. هل ستعود اليوم؟
"لِمَ لا تتحدث معي؟ انظر لي يا سليم.. ألست ابنتك؟ أخبرني بخطئي والشئ الذي يغضبك مني حتى لا أفعله." قالتها ببكاء وترجّي.
نظرت لها. "لقد فعلتيه يا ريم.. إنك خذلتيني بك."
"لم أتحدث معه كما طلبت.. عندما جاء للمنزل عاملناه كضيف."
"ضيف!! أتخدعينني أم تخدعين نفسك؟ إنكم فضلتموه عني. وأمي الذي طلبت مني أن أعتذر له كونه والدي.. تقول اليوم أنه والدي."
"ليس سيئًا لهذه الدرجة، لِمَ تكرهه هكذا؟"
"لا أعلم.. كم عليّ أن أخبركم أني لا أكرهه، أنا أكره من يؤذيكم.. أنتم من جعلتموني أبغضه وتسألوني اليوم."
"اذهبي لوالدك، إنه بانتظارك في الداخل." قلتها وأنا أذهب. فأوقفتني. قالت: "إنني معه بالفعل.. لا أحد يستطيع أن يأخذ مكانتك عندي، صدقيني لا أحد. نحن لم نفضلّه عليك يا سليم.. جدي وأمي وأنا وسامر.. نحن نحبك كثيرًا. أنا آسفة إن كنت أغضبتك، لا تحزن مني أرجوك."
كانت تتحدث ببكاء شديد ودموع منهمرة من عينيها. الألمني رؤية شقيقتي هكذا وهي تبرر لي محبتها.
"توقفي." قلتها بحده. توقفت ونظرت لي.
"لست حزينًا منك."
فور انتهاء جملتي، وجدتها تعانقني وتبكي. تنهدت وضممتها أنا الآخر، وأمسدت بيدي على شعرها وأخبرها ألا تبكي. نظرت وتوقفت عيناي عليه، وكان واقفًا ينظر لنا. طوقت شقيقتي بذراعيّ لأن يعلم أنه لم يفرقها عني. وجدته يرسم ابتسامة خفيفة على وجهه. تعجبت، ألم يتضايق؟ ثم التفت وذهب.
"متى ستأتي؟" قالتها ريم بتساؤل. نظرت لها، ابتعدت عني. كنت أعلم سؤالها، فهي تظن أني أتيت هنا لعمل أو لسامر وأعود.
"عندما أنتهي، سأعود إنشاء الله."
أومأت بتفهم ثم قالت: "ستكون ديما معكِ."
نظرت لها بعدم فهم. فقالت: "ماذا؟ ألن تتزوجها وتحضرها معك؟"
كيف عرفت بأمر زواجي من ديما؟
"كنت أغار من دلالك المبالغ فيه هناك.. لكن أحببتها، أنها طيبة." قالتها ريم بابتسامة. "أريد أن أخبرك شيئًا."
"ما هو؟"
"لن أسافر اليوم."
ابتسمت، تنهدت، وأخبرتها أن تدخل وتخبرها أني أنتظرها. سألتني هل سأوصلها؟ أومأت لها، فذهبت.
جاءت ديما. أوصلتها لمنزلها، وليس عنده تحديدًا. أخبرتها قبل أن تذهب أن تحدد موعدًا لي مع والدها بأقرب وقت. ابتسمت بخجل وذهبت.
عدت لمنزلي وكنت أنظر للهاتف وأستغبى نفسي كثيرًا. فكيف أريدها أن تتصل بي الآن وقد تركتها للتو؟ لكنني مستعجل. أريد أن أرتبط بها. أريد أن أتزوجها وتكون حبيبتي أمام الجميع وأمام الله.
جاء اليوم التالي. كنت في الشركة ولم يأتني أي شيء أو رسالة من ديما حتى الآن. أردت أن أتصل عليها، لكن لا أريد إزعاجها، وممكن أنها لم تفاتحه بعد.
مر اليوم وتبعه الآخر، وبدأت أقلق. ما الأمر؟ أنها لم تهاتفني حتى لتسأل عني كما تفعل. لم أكن أركز في شيء ولا العمل. كان الموظفون يحدثونني وأنا شارد بها. لاحظ سامر ذلك، فصرفهم. نظر لي قال: "ما خطبك؟ فيما تفكر؟"
"ديما.. منذ يومين ولم أتحدث معها. من المفترض أن تتصل بي لتعلمني بما دار بينها وبين والدها. لكنها لم تفعل."
"ممكن أنها لم تتحدث معه بعد."
"لماذا لم تتصل أو تخبرني إذا؟ لقد انقطعت."
"لماذا لا تتصل أنت بها؟"
"فكرت بذلك، لكن إن كانت حدثته بشأني، فاتصالي بها سيسبب لها مشكلة."
"انتظر، سوف أسأل أروى إن كان هناك شيء."
نظرت له وكأنه وجد لي حلًا يخرجني مما أنا فيه. اتصل بها وحدثها، ثم انتهى وقال: "قالت أنها كانت تتحدث معها في الصباح وأنها بخير ولا يوجد شيء."
تعجبت كثيرًا، وكأن هناك شيء. أنا متأكد. أخذت هاتفي من المكتب وأجريت مكالمة.
"هل ستتصل بها؟"
"أجل."
"ووالدها؟"
"إتصالي لسؤالها عنه."
لم يأتني رد. تعجبت. اتصلت بها ثانيًا فلم أجد شيئًا سوى رنين وينتهي. إنها لا ترد حقًا. وضعت الهاتف وأمسكت برأسي بضيق.
"ممكن أن تكون لا تسمعه."
"إنها ترد عليّ دومًا، وقالت أروى أنها كانت تحدثها في الصباح.. لماذا لا ترد عليّ إذا؟"
أرجعت ظهري للخلف وأضفت: "أشعر وكأن ثمة شيء ما يحدث."
في اليوم التالي، زادني فضولي حيال ديما. جربت أن أتصل بها ثانيًا لكنها لم ترد. وهنا قد قررت أن أرى الأمر بنفسي. وقفت وذهبت.
"لأين؟" قالها سامر بتساؤل. فقلت: "ذاهب."
"ماذا ستفعل؟"
"سأتحدث مع والدها."
خرجت من الشركة واتصلت بسيد يونس، فرد عليّ. سألته إن كان بإمكاني مقابلته، فاخبرني أنه بالمكتب. فركبت سيارتي وذهبت له. وصلت، ترجلت من سيارتي ودخلت. سألت سكرتيرته عنه، عرفت من أنا ودلتني لمكتبه. دخلت، كان جالسًا على مكتبه يعمل. نظر لي، فاستأذنت السكرتيرة بالرحيل.
قال: "مرحبًا يا سليم.. اجلس."
نظرت له وجلست. كنت لا أعلم ماذا أقول، فهل أخبرته ديما عني أم لا؟ بماذا أبدأ. كان ينتظر حديثي. قلت بهدوء: "لا أعلم إن كان الحديث يسمح بالمكتب أم لا. إنه شخصي."
"أتقصد بشأن تقدمك لزواج من ديما؟"
نظرت له بشدة من معرفته. هل فاتحته ديما؟ لماذا لم تحدثني وتخبرني بالموعد إذا؟
"أجل، هذا هو الموضوع."
صمت قليلًا، نظر لي ثم قال: "ألم تخبرك ديما؟"
"تخبرني بماذا؟"
"أني رفضت."
طالعته بصدمة. وكيف رفض؟ رفضني أنا؟ لكن لماذا؟ ماذا بي ليرفضني؟ ألست أشبه شهاب؟
"هل لي بأن أعرف ما السبب؟"
"هل هذا يهمك في شيء؟"
"يهمني كثيرًا."
نظر لي بإستغراب، فقلت: "لقد رفضت.. أريد معرفة ماذا بي لترفضني سيد يونس."
"المشكلة ليست بك."
نظرت له بعدم فهم، فأكمل وقال: "إنه أنا.. أنا من أرفض هذا الارتباط."
"ولماذا؟" قلتها بصدمة.
نظر لي قال: "لا يوجد سبب."
لم أكن أفهم ما يرمق إليه.
"كيف ترفضني بدون أن تعطيني سببًا واحدًا؟"
"إنها ابنتي وبي الحق بأن أختار من سيكون زوجها."
جمعت قبضتي بغضب شديد، قلت بهدوء: "ولماذا ليس أنا؟"
"لأني لا أريد ذلك.. كل شيء قسمة ونصيب يا سليم."
"إنك من جعلته هكذا، لكن أنا لا.. إنك تقرر شيئًا بخص أبنتك دون الاكتراث لها."
"وهل تظن أن ديما لها رأي آخر؟"
طالعته بدهشة قلت: "كيف؟"
"أنا من أسألك، لماذا تعتقد أن ديما موافقة؟"
"هل هي رفضت؟"
"هل تريدها أن تعترض على رأي والدها؟"
مستحيل. ما هذا الذي أسمعه؟ ديما، هل وافقتي؟ هل أيدتيه بقراره بخصوص حياتنا القادمة؟
"انتهى الحديث."
نظرت له، وقفت، قلت ببرود: "لن ينتهي."
نظر لي، فذهبت. كان قلبي يحترق وأشعر وكأن هذا ليس حقيقيًا. هل حقًا ما قالوا بشأن رفضه لطلبي يد ديما؟ هل قال إن لا سبب وأنه أراد ذلك ومن حقه أن يرى زوجًا لحبيبتي؟ قالها بتلك الصيغة يخبرني أن أتركها وأدعها لغيري. كيف يفكر بذلك؟ مستحيل أن يحدث هذا، مستحيل. ديما لي وحدي. لماذا لم تتحدثي يا ديما؟ لماذا لم تتكلمي معي؟ أحقًا ما قاله؟ هل أيدتيه ولم تعترضي وجعلتيه يرفضني دون سبب؟ لا، أنتِ لا تفعلينها.
اتصلت بها، فلم ترد. ركبت سيارتي وذهبت متوجهًا لها في منزلها. أنا أعطيها فرصة حتى الآن لتمنع فعلي الأحمق. كنت أهاتفها حتى وجدت المكالمة قد فتحت. أوقفت السيارة.
"مرحبًا يا سليم."
كانت تتحدث بجفاء، فقلت: "لماذا لم تردي عليّ؟"
"هل هناك شيء؟"
طريقتها توحي بأنه محق. قلت: "كان صحيحًا إذا.. لقد رفضت من قبل والدك، وأنتِ وافقتِ على قراره."
صمتت ولم ترد، مما نبا لقلبي الخيبة والخذلان. قلت: "هل هذا صحيح أم لا؟"
لم تعلق، ما زالت صامتة وكأنها تؤيدني. لكني أعطيها فرصة لأن تقول لا. أرجوكِ، لا تخيبيني، قولي لا، وأنك لم توافقي على رأيه. قلت بغضب وصوت مرتفع: "تحدثي."
"أجل."
صدمت. لقد قالتها. شعرت بضيق بصدرى واختناق. أقفلت المكالمة وفتحت نافذة السيارة. أغمضت عيناي بضيق شديد. لا أصدق، كيف تقولين لي أجل؟ كيف توافقينه وتجعلينه يفعل بنا هذا؟ أقدر أنه والدك، لكن لم وافقتيه بتلك السهولة؟ لقد رفضني بدون سبب. قال لأنه يريد ذلك. لماذا يريد هذا؟ لماذا؟ أشعر وكأن الجميع يطمح لإبعادك عني. آخذ خطوة تجاهك، تجرعينني ألف خطوة. لماذا يا الله؟ إنها أمنيتي، لا أريد غيرها. لماذا يا ديما تفعلين بي ذلك؟
فتحت عيناي ببرود، تناولت هاتفي وأتصلت بها، فردت. وقبل أن تتحدث: "قابليني."
"لكن.."
"إن لم تأتي.. ستجديني عند منزلك."
أقفلت الهاتف ولم أعطها فرصة لكلام. أرسلت لها موقعي وأقفلت.
كنت واقفًا، سمعت صوتًا من خلفي. التفت، وجدتها هي.
"ما الأمر؟"
"ألا تستطيعين النظر إليّ وأنتِ تقولينها؟"
رفعت أنظارها إليه، فشعرت بالحزن الشديد عندما تذكرت ما قاله والدها.
"ألا تريدين الزواج مني حقًا؟"
خفضت وجهها ولم ترد. نظرت لها وقلت: "كيف أمكنك أن تفعلي ذلك بي؟"
"سليم.."
"لماذا يا ديما؟ ألا تحبينني من البداية؟"
"الأمر ليس كذلك."
"كيف إذا؟" قلتها بغضب وصوت مرتفع، ثم أضفت: "كنت عند والدك منذ قليل، قال إنه رفضني بدون سبب.. وأنك لم تعارضيه ووافقتِ على رأيه، وها أنت.. تقولين صحيح. أنا لا أفهم شيئًا يا ديما، لقد تعبت. أنا أفعل أي شيء من أجل أن تكوني معي. أتقي الله بك، أحاول رغم نفاذ طاقتي، إلى أن محاولتي تفوق للمدى البعيد. لكن أخبريني كيف لن ينال مني اليأس وأنك لا تقدمين خطوة واحدة تجاهي؟ أمام كل ما أفعله، لا أجد منك ما يساندني، بل أنتِ ترجعينني للوراء. تشعرين وكأني أجبركِ، وكأن حبك لي من طرف واحد، وأنني فقط من عليه السعي، ليس أنتِ."
"أنت لا تفهم شيئًا."
"أفهم ماذا؟ اشرحي لي إذا. أستمع لك، صدقيني أحاول أن أجد لك عذرًا، لكن لا أستطيع. لماذا وافقتيه رأيه؟ لماذا لم تحاولي من أجلي ويئستي وتركته يرفض زواجنا ويقرر شيئًا بحياة كل منا؟ لِمَ صمتِ ونهيتِنا بتلك السهولة؟"
"لكنه أبي يا سليم." قالتها بصوت ضعيف. بينما طالعتها بصدمة وذهول، وارتسم على وجهي ابتسامة. ابتسامة ألم. قلت: "معك حق، إنه والدك.. أما أنا، فمن أكون؟"
نظرت لها وقلت: "ألا أشبه مالك؟ أم أن حبك له متضاهٍ بحبك لي؟"
نظرت لي بشدة ونبرتي الساخرة. "مجرد محاولة، مجرد خطوة أو كلمة لا تستطيعين أن تقوليها لوالدك من أجلي، فماذا عن مالك... مالك الذي أحببتيه وتركتي عائلتك وكل شيء من أجله، وأن تكوني معه. ومن ثم... خانك."
احمرت عيناها وتجمعت داخلها الدموع، ونظرت لي بذهول. "قام بتمثيل دور المحب بخداعه، وأنت تصدقيه. وأخذتي منه الكذب والخداع والخيانه والغدر. ل.. لأنك تفضلين ذلك. أنتِ تحبين من يدوس على قلبك. لكنني لا أستطيع أن أفعل هذا... لكن إن كنتِ تفضلين هذا النوع، سأكون شبيهًا له، لعلى أجد الحب الذي أعطيتيه له... وتقولين بعد كل ذلك، والدك؟ أنا لم أطلب منك أن تبتعدي عنهم وأن تعصيه كما فعلتي من أجل نذل.. طلبت منك الوقوف معي وألا توافقي رأيه."
سالت دموع من عينيها وهي تنظر لي بكسرة وخذلان. أُفقت من ما خرج من فمي، فوجدتها تذهب. نظرت لها وأمسكت برأسي بضيق شديد وغضب من نفسي. كيف قلت لها هذا الكلام؟ كيف حدثتها عن هذا الحقير وأعلم كم تكرهه وتخاف منه بمجرد ذكر اسمه؟ كيف جرحتها بكلامي القاسي دون أن أكتراث لمشاعرها؟ كيف أبكيت صغيرتي؟
ذهبت لها، وكانت تعبر الطريق. صدمت عندما وجدت سيارة بقربها. أمسكت يدها وسحبتها إليّ. صدمت بي. رفعت أنظارها إليّ، فشعرت بالألم وتفكك قلبي من نظرتها. ثم دفعتني بعيدًا عنها وذهبت.
"ديما." قلتها وأنا أمسك يدها، أمنعها من الرحيل.
"اعتذر."
لم تتطلع بي. وقفت أمامها مباشرة، فأدارت بوجهها تخفي دموعها التي تسيل بصمت.
"ديما، أنا آسف.. كنت غاضبًا، صدقيني، لم أكن أقصد ما قلته."
"ما الذي قلته يا سليم؟ أنك لم تخطئ؟ أنت محق. لقد أحببت شخصًا وضحيت بكل شيء من أجله وخانني." قالتها بحزن. ثم نظرت لي وأردفت قائلة: "أتعلم شيئًا؟ لقد شاهدت خيانته بأم عيني. هذه الغرفة التي وجدتني بحالة جنونية بها ذلك اليوم، كانت ذاتها الغرفة التي رأيتهم بها. لكنني أيضًا تعلمت وقد تعاقبت على هذا الخطأ كثيرًا.. وما زلت أتعاقب عليه، لأسمع كلامًا هذا منك وتذكرني بهن."
نظرت لي قالت: "صدقني، ليس هيّنًا أن يأتي من تحبه ويذكر بأخطائك ويفتح بدفاترك القديمة ويعايرك به. وكأنه يقول لك: انظر لاختيارك الخسيس هذا، أنا أفضل منه وأكرم عليك."
نظرت لها بصدمة وشعرت بألم بقلبي من كلامها. هل هذا ما فهمته مني؟ أني أعايرها؟ لكن أعايرها بماذا؟ إني أراكِ كثيرة عليّ، فهل ترينني أجد نفسي أفضل منكِ يا ديما؟ هل جرحتك لهذه الدرجة؟
"كيف تقولين ذلك؟ أي معايرة هذه بربك؟"
"هذا كلامك."
"بل هذا ما فهمتيه.. كنت غاضبًا، صدقني، أنا مستحيل أن أقصد ذلك. ماذا تريدينني أن أقول بعد الكلام الذي سمعته من والدك، وعندما سألتك، قلتي أنه صحيح؟ قال لي بأنه لا يريد هذا الارتباط، وهذا هو السبب.. قال إنه من حقه أن يختار زوجًا لابنته. أتعلمي مقدار ما شعرت به في ذلك الوقت؟ هل تقدر أن يقول لي هذا، وكأنه يخبرني أنكِ لستِ لي وستكونين بغيري؟ يبشرني بأن سيكون لديكِ زوج مستقبلًا ولن أكون أنا. مجرد التخيل يقتلني يا ديما. ماذا تريدينني أن أكون وأنا أراكِ تضعين مني وأصمت؟" قلتها بانفعال وحزن.
نظرت لي قالت: "لا أريد منك هذا يا سليم.. تريد أن تعلم أن كنت أحبك أم لا؟"
نظرت لها، فأكملت وقالت: "لم أحب أحد قدر الحب الذي أحبه لك. لا مالك ولا غيره. لم يكن مالك يستطيع أن يمسك يدي حتى بعدما كنت زوجته. لم أثق به كما وثقت بك أنت. لن أكون لأحد غيرك.. أوعدك بذلك. إما أنتِ أم لا."
هل أسعد من كلامها الذي كانت تقوله لتبرر لي موقفها الذي لا تفهمه حتى الآن وتحاول أن تهدئني؟ كانت ما قالته بثّ إليّ الطمأنينة والراحة، وأعادت حبها لي الذي سكت بكونه موجودًا.
"لماذا لم تخبريه بذلك إذا؟ لِمَ وافقتيه على رأيه؟"
قالت وهي تخفض وجهها: "لن تفهمني."
نظرت لها بإستغراب. قلت: "هل تخشين أن تكرري الخطأ مرتين؟"
رفعت وجهها إليّ بدهشة وذهول. فأنا معي حق إذا. ابتسمت بحزن وقلت: "هل تعتقدين أني ممكن أن أكون اختيارًا خاطئًا فتندمين قادمًا؟"
"النفس والنية لا يراها غير الله، فلا تخيّلي بكِ أن تجمعنا. أنا فقط لا أريد أغضب أبي أو أضايقه. أريده أن يكون هو من يوافق عليك. لم أكن قد استسلمت.. كنت سأحاول وأعرض عليه الأمر من جديد، وأعلم لِمَ رفضك بدون أن يقابلك."
نظرت لها بضيق وحاولت أن أكتم ما بداخلي. كانت تنظر للأسفل بحزن. رفعت يدي لوجهها، أمسكته. نظرت لي. كانت لا تزال دموعها التي سببتها لها تسيل. قمت بمسح وجهها برفق وحزن إلى ما سببته صغيرتي.
"لن أتركك. سأحاول مرارًا حتى تكوني لي ويوافق والدك على زواجنا. سأفعل المستحيل ولن أيأس. لكن لا تتركيني أنتِ.. أظهري لي حبك الذي أرتوي منه ويحثني على الإكمال."
"لن أتركك." قالتها وهي تضع يدها على يدي. نظرت لها، والتقت عيناي بعينيها، فعلمت أن لا استسلام بها. وعدتك وأنا عند وعدي. إن وافق أم لا، يجب أن يعرف أنكِ لي وحدي. إن حاول إبعادك عني، سآخذكِ من بينهم، سأخطفكِ كما يريدون أن يخطفوكِ مني. سأسجنكِ بحبي الذي لا مفر منه.
--------------------------
كنت لا أعلم لِمَ رفض أبي سليم. كنت أراه ينظر له باحترام وتقدير، وأنه شخصية جيدة، غير هذا ما فعله معي عندما كنت جالسة بمنزل عائلته وحماني من مالك، وعندما تعرض للأذى، وعندما جعله يطلقني دون اللجوء للمحكمة. كان يقدره ويحبه، لهذا ويثق به حتى يجعلني أسافر معه.
فكيف ولماذا رفضه؟ إنه حتى لم يجلس معه ويعطيه موعدًا لمقابلته. أتذكر عندما عدت من الحفل وبعدما انتهينا من العشاء، ذهبت له وأخبرته أني أريد أن أحدثه بأمر.
"سليم."
نظر لي بإستغراب، فقلت بتوتر: "يريد أن يقابلك."
"لماذا؟"
استجمعت قولي قلت: "يريد الزواج مني."
"لكنه متزوج."
"انفصلا."
نظر لي وصمت قليلًا، ثم قال: "وأين رأيته؟ ألم تتركي العمل؟"
"خطوبتها أروى.. تعلم أن ابن عمه سامر هو زوجها، فسليم كان للحفل وأخبرني أن يريد موعدًا معك."
صمت ولم يرد. نظرت له، وجدت ينظر لي. توترت من نظراته ومن صمته. شعرت بالخوف.
"ما رأيك به أنتِ؟"
لم أفهم سؤالي. قلت: "رأيي كيف؟"
"هل أنتِ موافقة عليه؟"
ما زلت لا أفهم، وعلامات التعجب تكسو وجهي. أليس من المفترض أن يخبرني بيوم ومعاد ليقابله به؟
"ما رأيك أنت؟" قلتها بتساؤل.
نظر لي قال: "لا."
طالعته بصدمة. قلت: "ماذا تعني لا؟"
"لست موافقًا عليه. لا أريد أن يرتبط بك، ولست بحاجة لمقابلته."
لم أصدق ما يقوله.
"لكن يا أبي، لماذا؟ سليم شخص جيد، وأنت من كنت تقول ذلك، فما الذي تغير؟"
"لأن هذا زواج."
"وهل يختلف من هذه النقطة أنه نفس الشخصية؟"
"هل لديك رأي آخر؟"
نظرت له وتذكرت ما فعلته بحماقتي عندما اختلفت عن أبي. أتذكر كيف خذلته بي وذهبت لحماقتي ولم أستمع له. أتذكر ما لحق بي بفعلتي واختياري ومخالفتي له، وحزنه، وعندما تبرأ مني وقاطعني وكنت وحيدة ليس لدي أحد. أتذكر قلقه وخوفه عليّ وهو يرفض مالك، وأنه لا يشبهني، وأنا ظننته يرفضه لمستواه المادي، بينما هو كان يحذرني منه وخاب ظنه عندما اخترته وذهبت.
"لا يا أبي.. رأيي من رأيك." قلتها بوجه خالٍ من التعبيرات، وأنا أنظر أمامي ودموع أكبحها في عينيّ.
وقف وذهب، بينما أنا سالت دموع من عينيّ بضعف وقلة حيلتي. أمسكت بوجهي براحة كفيّ وبكيت. لماذا رفضته يا أبي؟ هل فعلت شيئًا يا سليم ليرفضك أبي؟ لا أظن، أنت لا تفعلها. لكن لماذا لا يقبلك ويقول الاختلاف بأن هذا الزواج؟ سليم هو أكثر شخص رأيته يحبني ويخاف عليّ ويقدرني يا أبي، صدقني أنت مخطئ في هذا. لن أجد سعادة مع أحد، ولن يهتم ويعتني بي أحد مثل سليم. رأيت اهتمامه واعتناءه بي الذي لن يفعله رجل لهتزاز صورة رجولته، بل شخص كسليم ومكانته، اهتم كما لو أنه أنت يا أبي. لم يكن يحزنني، كان يواسيني، يفعل ما أريده، يخشي عليّ من الجميع، يدللني كما تقول ريم أخته. أنت لم ترَ ما كان يفعله معي.. أعطاني حبًا كبيرًا حتى أني تأكدت أن حبي له ليس كمقدار حبه.
لماذا رفضته يا أبي؟ هل من حقي أن أحدثك بهذا أم ستضايق مني؟ لكن عليك أن تقابله. هل تنهي ارتباطي به بتلك السهولة؟ إنني أحبه كثيرًا، لا أستطيع أن أتركه، ولا أستطيع أن أعصيك وأحزنك. إنني محاصرة من جميع الجهات.
يا الله، لقد مللت واختنقت كثيرًا من هذه الاختيارات الصعبة التي أضع بها. يارب، حلها من عندك.. شاء واجمعني به.
كان كلام سليم أثر كبير عليّ، قد فتح جرحًا قام هو بقفله بحبي له، وفتحه به. كم كان قاسٍ وهو يخرج من فمك بتلك السخرية وتقذفه تجاهي دون أن تهتم بما سأشعر به.
شعرت بألم كبير وأنا أستمع لك بقلة حيلة. أتعلم، لم أغضب وأحزن منك، فأنا أعلم أنك كنت غاضبًا وحزينًا مني، فقد رأيت حزنك في بداية كلامك وأنت تسألني لماذا فعلت هذا.
صدقني، ليس بيدي، لكنني لم أتخلى عنك بما فعلته. كان يخبرني بماذا شعر من كلام أبي له، وكنت أحزن من رؤيته هكذا. كم يؤلم أن يعلم المرء أن صعب عليه أن يجتمع مع من يحب، وكان القدر لا يريد ذلك، وتشاء أنت ما لم يقدره لك.
في المساء، عاد أبي. كنا جالسين على مائدة نأكل، وكنت أطالعه من ما قاله لسليم: "قال لي أنه لا يريد هذا الارتباط، وأنه من حقه أن يختار زوجًا لابنته.. أتعلّمي مقدار ما شعرت به في ذلك؟" لماذا لا تريد سليم زوجًا لي؟
"هل تريدين أن تقولي شيئًا؟" قالها وهو يأكل، وكأنه أحس بنظراتي المرموقة له.
"لا."
نظرت أمامي ولم أكن قد أكلت، فكانت شهيتي مقفولة. ذهبت. فسألني إياد إن كنت أكلت، أخبرته أني شبعت وذهبت لغرفتي.
في الليل، لم أكن قد جاء لي نوم بعد. صورة سليم وكلامه لا يغادر من رأسي، وكأنني فعلت خطأ في حقه بصمتي هذا. إنه محق، عليّ أن أحاول. لكنني خائفة. خائفة من حزن أبي.
خرجت من غرفتي، نزلت، وجدت ضوءًا من ناحية مكتبه. ذهبت إليه، وكان يعمل. أطرقت على الباب برفق لينتبه لي.
"أبي، هل يمكنني التحدث معك؟"
"ادخلي يا ديما."
دخلت وجلست أمامه. تنهدت وقلت: "هل جاء سليم إليك اليوم؟"
"أجل."
توقف عما كان يفعله ونظر لي قال: "من أين عرفتي؟"
"أخبرني."
"وهل تتواصلي معه؟"
"لا، لكن تعلم أنه كان ينتظر ما سأقوله له منذ ذلك اليوم." فرديت عليه: "وأنا أخبرته، فما حاجته لأن يحدثك؟"
"من أجل أن يعلم سبب رفضك له يا أبي."
كنت أتحدث بهدوء وثبات، بينما هو يطالعني بنظرات لا معنى لها.
"هل يمكنني أن أعرف أيضًا؟ لأنني أتساءل سبب رفضك له، ولا أجده حتى الآن."
صمت ولم يرد عليّ. نظرت له قلت: "أبي، لماذا رفضت سليم؟ هل رأيت منه شيئًا خاطئًا؟ أخبرني، لا تفعل مثل قبل."
"هل تحبينه؟" قالها ببرود، بينما أنا توترت وارتبكت كثيرًا. قلت: "الأمر ليس كذلك.. أنا فقط لا أفهم كيف تكون تقدره وتحترمه وتراه شخصًا ناجحًا وجيدًا.. وعندما أخبرتك أنه يريد التقدم لي، رفضته. هذا هو ما لا أستطيع استيعابه. لماذا رفضته؟"
"لا يوجد أسباب.. ما زلت أحترمه، وليس للأمر علاقة بهذا."
لم أفهم ما قاله، يتحدث وكأنه لغز يريد تشفيره. لم أتحدث ثانيًا وذهبت من تلقاء نفسي، عائدة بخيبتي وحزني، ولم أحصل على إجابة سؤالي. أنا لا أفهمك يا أبي.. لطالما لا أحد يستطيع فهمك. أخشى يا سليم أن يكون أبي قد رأى شيئًا ولا يريد قوله. لكنه قال أنه لا يزال يكن له الاحترام. ما الأمر إذا؟
في اليوم التالي، استيقظت. دلفت لدورة المياه، توضأت وصليت. خرجت من غرفتي بعدما أخبرتني داده نجيدة عن الفطور. اقتربت منهم، كان أبي يمسك بمجلة ويقرأها. نظر لي إياد. تعجبت من نظراته. جلست، نظرت لهم، ثم وجدت أبي ينزل المجلة بقوة على المائدة، فشعرت بالخوف. نظرت له: "هل فهمتيني؟ ما هذا؟"
نظرت له وإلى المجلة بعدم فهم. مدت يدي وتناولتها بإستغراب، ثم تحولت ملامحي لصدمة. لصورة لي مع سليم البارحة عندما أمسك يدي وكنت السيارة ستصدم بي. لكن الكلام الذي يكتبونه.. بمواعدته لي سرًا وأنها عشيقته المتخفية. نظرت لأبي قلت: "أ.. أنه.. أبي.. الصورة ليست هكذا."
"تقولين هكذا؟ قولي لي كيف هي إذا.. أرى ابنتي بين أحضان رجل غريب وتقولين ليس هكذا؟"
"لا، إنه أمسك يدي وأبعدني من على الطريق، فكادت سيارة أن تصدم بي، وتركني على الفور. أنقذني ليس إلا. أي أنه عمل إنساني، أي شخص مكانه كان قد فعله."
كان يبدو على ملامح أبي الغضب الشديد. اقتربت منه قلت: "أنت تعرف الصحافة وهؤلاء الإعلام.. ممكن أن يكون أحد منهم كان يراقبني أو شيء كهذا والتقطها على الفور. أبي، ألا تثق بي؟"
"لو كنت كذلك لما كنت استمعت لك يا ديما."
شعرت بسعادة مما قاله.
"ماذا كنتِ تفعلين معه؟ هذا هو سؤالي."
نظرت له ونظرت لأمي الذي كانت تطالعني بقلق، فأنا كنت قد أخبرتها بكل شيء عني أنا وسليم، وتعلم بذهابي له عندما هاتقني.
"تحدثي." قالها بحده. نظرت له قلت: "أخبرته أنه كان يسألني بسبب رفضك له."
"أتتمزحين معي؟ ظننت عبر الهاتف."
"اتصل بي وطلب لقائي." قلتها وأنا لا أتطلع به، خوفًا. رفعت بانظاري إليه، وكان غاضبًا ولا يتطلع بي.
"أبي، أراد أن يتحدث معي، وكنا بمكان عام. لم يكن هناك خطأ من تحدثنا."
"الخطأ أن لا تخبريني يا ديما.. إنه شخص طلب يدك للزواج ورفض، أي لا يسمح بتواجدك معه."
"ولماذا رفضته؟ يجب أن يكون هناك سبب واحد على الأقل."
"إنه أنتِ."
"أنا؟"
صمت ولم يرد. قلت: "كيف أنا يا أبي؟ أخبرني."
"لِمَ أنتِ تسألين عن السبب؟ ألم أعطك رأيي وقد انتهى الأمر؟"
"بلى، لكن.."
"لكن ماذا؟"
"أنت لم تعطيه فرصة. قلت إنه شخص جيد ولكن له الاحترام، فكيف ترفضه إن كنت كذلك؟"
"هل يهمك؟"
"بطبع يهمني يا أبي، أنا أحبه."
اتسعت عيناي واجتاحتني الصدمة والذهول من ما قالته واعترفت به أمام عائلتي. أغمضت عيناي بضيق، وأخفضت وجهي.
"تريدين هذا الزواج يا ديما؟"
نظرت له ولم أفهم. هل عليّ الإجابة أم لا؟ فلقد عرف أني أحبه، لِمَ يسألني؟
"أنا أرفضه. هل أنتِ تريديه؟"
نظرت له بشدة. أن الأمر ليس ميسرًا. اخفضت عيناي قلت بحزن وهدوء: "لا.. أنا معك فيما تقرره."
وقفت وقلت دون أن أنظر لأحد: "عن إذنكم."
التفت وذهبت، تاركة أنظار خلفي. دخلت لغرفتي، جلست على السرير. سالت دموع من عيناي بحزن. ماذا أفعل يا سليم؟ نزلت هذه الصورة بوقت لا يصلح له. لقد انتهى كل شيء. لا أستطيع الاعتراض على قرار أبي بعدما وافقته. أنت كنت محقًا، أنا لم أحاول. لكن ماذا بيدي؟ أخبرني، هل أعيد الخطأ؟ مستحيل، إنه أبي ولن أحزنه مني ثانيًا. "أنتِ محقة، إنه والدك.. أما أنا، فماذا؟" تساقطت دموع من عيناي وبكيت من تذكره ونبرته المنكسرة. يا الله، ماذا أفعل؟
فتح الباب، وكان أمي. لم أستطع التوقف عن البكاء. اقتربت وجلست بجانبي: "ديما، لِمَ تبكين حبيبتي؟"
"لماذا يا أمي؟ لماذا رفض سليم بدون سبب؟ تعلمي أني أحبه، ولا أشك بحب سليم لي. صدقيني، إنه يحبني بشدة. رأيت حبه حتى قبل أن يعترف لي. فلماذا أبي رفضه؟ إنه لا يعلم أن سليم هو من سيحافظ عليّ، أنا واثقة. صدقيني، إنه يعاملني كم لو أنه أبي.. يخاف عليّ مثله. فلماذا يُرفض؟"
"هل توقفتِ عن البكاء؟"
"اتركيني، لعلي أخرج ما بداخلي. إنه صراع كبير غير متوافق. أنا لا أستطيع أن أخالف أبي وأخذله."
"ألم تقولي إنه يحبك؟"
"أجل."
"يجب أن يفعل ما في وسعه لأجلك، وأن يغير رأي والدك."
"إنه مستعد أن يفعل يا أمي، لكن هل تظنين أن أبي سيغير رأيه؟"
"أنا لا أفهم ما برأس يونس، لكن تأكدي أن علم أنه الشخص المناسب لك ورأى حبه، سيوافق دون أدنى شك. فبطبع يتمنى السعادة لك يا ديما. هل تسمي بحب والدك لكِ؟"
نظرت لها ونفيت برأسي، فضمتني واحتضنتها بحزن وبكيت، وأدعو الله أن تحل هذه التعقيدات. ربتت أمي عليّ بحنان ومسّدت على شعري تهدئني.
"ديما." كان هذا صوت إياد من خلفنا. مسحت وجهي. التفت ونظرت له، كان يقف عند الباب. قالت أمي: "ما الأمر؟"
"إنه هنا."
نظرت له بتعجب واستغراب، فأكمل: "سليم، لقد جاء ويتحدث مع أبي الآن."
صدمت ونظرت له بشدة، قلت: "فيما يتحدثان؟"
"أظن بشأن تلك الصورة، جاء ليبرر الأمر حتى لا تتعرضي للمشاكل، وأن يكون أبي قد غضب عليك. هذا ما علمته."
شعرت بسعادة لأنه خائف عليّ، إلى أني شعرت بالخوف فيما يتحدث مع أبي. فذهبت سريعا. نزلت وسمعت صوتًا عند الباب. هل يحدثه أبي عند الباب؟ مستحيل، ما هذا؟
"هل تظن أني لا أثق بابنتي لأغضب عليها وأحتاج تفسيرك؟"
"أنا لم أقل هذا.. ولا أشك أنك بالفعل غضبت وسألتها لماذا قابلتني، لكنها لم يكن لديها دخل. أنا من طلبت منها ذلك. وبشأن الصورة، فهي قد مُسحت."
"ماذا عن المجلات؟ هل ستأخذها من أيديهم؟ أترى الكلام الذي يكتب عن ابنتي من خلف صورة كهذه؟"
"هل كنت تريدني أن أتركها؟"
صمت أبي ولم يرد، فعلم أنه أخطأ، وليس لسليم علاقة بشأن الصورة، إنه صحافي.
"إن كنت متضايقًا بالكلام، فهو يُمحى ويُجدد، والكلام لا ينتهي.. أنت تعلم أني أريد الزواج من ديما."
قاطعه وقال: "ولقد رفضت."
"رفضت بدون سبب وجيه سيد يونس، لكن أنا لم أتخلى عنها.. اعتذر عن ما أقوله، لكن أحب ديما وسأفعل أي شيء للزواج منها."
"بدون موافقتي مستحيل أن يحدث."
"ومن قال إني لا أريد موافقتك؟"
"لكني رفضت."
"وهذا لا يمنع من تغير رفضك للموافقة.. أنا أثق أنك لا تعرف مقدار حبي لديما، وإلا لكنت وافقت على. وأقدر كونك أبًا وتخاف على مصلحتها.. لكن صدقني، أنا آخر شخص تخاف على ديما منه. قد قلتها لك من قبل، سأحاول من أجلها وسأظل خلفك حتى تعطيني موافقتك، وإن كنت مللت مني.. فأنا لا أمل أن يعلق الأمر بديما."
التفت سليم وذهب. كنت أشعر وكأني أحلق من كلام سليم الذي خرج من قلبه. كنت أرى أبي ينظر له وهو يذهب، ومتضايق من كلماته، فهو يخبره بأنه يحب ابنته بثقة دون أن يحسب حسابًا له.
التفت سريعًا وذهبت قبل أن يراني ويعلم أني سمعت حديثهم. دخلت لغرفتي وكنت أرسم على وجهي ابتسامة. طالعني أمي وإياد بإستغراب شديد، فكنت أبكي منذ خمس دقائق، كيف تحولت وسعيدة هكذا؟
"هل قالوا شيئًا؟"
نظرت لها وتذكرت كلام أبي، فشعرت بالحزن لوهلة، لكن تذكرت كلامه لسليم بأنه لن يتخلى عني.. شعرت بصدقه وحبه.. الذي كنت قد شككت به، وظننت رفض أبي لسليم أنه يعلم عنه شيئًا أو يراه غير مناسب لي ولن يسعدني. لكن حب سليم كافٍ لأن يجعلني سعيدة عمري بأكمله يا أبي.
في اليوم التالي، أردت أن أتصل بسليم. أردت أن أحدثه ولو بكلمة، لكن أبي منعني بحده وأخبرني ألا أتصل به أو أرد عليه. مما شعرت بالحزن الشديد، وكنت أجلس شاردة وأفكر بسليم وأتذكره.
جاء أبي، وكان يبدو على ملامحه الشرود والتضايق. سألته أمي ما الأمر. نظر لي: "لا شيء."
علمت أنه لا يريد التحدث أمامي. هل الأمر متعلق بي؟ استأذنت وذهبت.
كنت جالسة في غرفتي. جاءت أمي. نظرت لها: "أتعلمين أن سليم جاء لمكتب والدك اليوم؟"
نظرت لها بشدة، فأكملت: "قالت: نظرو له الموظفين هو ووالدك، وإن كان بينهم شيء بسبب الصورة، فكان هذا سبب تضايقه."
"فيما تحدثا؟"
"ذكّره بطلبه للزواج مجددًا. أخبره أنه قد رفض وينسي هذا الأمر، لكنه أخبره أنه سيظل يذكره ويصر عليه حتى يوافق."
ابتسمت وسعدت كثيرًا، فإنه لديه شخصية جامحة وباردة. لكنه كان محقًا، أنه معي لا غير.
في الصباح، كنا جالسين، فزارتنا أروى وهنا. وسعدت كثيرًا برؤيتهم. احتضنتهم وسلمت عليهم وجلسنا.
"أتعلمين أنه يطمئن عليكِ من طريقي؟"
نظرت لها بإستغراب، ثم فهمت ما قالته، لكن ادعيت الجهل. قلت: "من؟"
قالت هنا: "بربك، لا تفعليهم علينا."
قالت أروى: "من سيكون؟ سليم. رأيناكم وهو واقف بجانبك في حفلة عقد قراني."
قالت هنا: "وأيديهم المتشابكة."
"اخفضوا صوتكم." قلتها لهم بهمس، فصمتوا. ابتسمت واقتربت منهم وقلت: "هل هو من أرسلك؟"
"اتصل بي سامر في الصباح وسألني عنك.. علمت أنه ليس هو، بل سليم. أخبرته أني آتيه لكِ اليوم وسأراكِ، فطلب مني أن أعلم له الوضع، وإن كانت الأمور على ما يرام."
ابتسمت، وكنت حزينة لأني لا أستطيع رؤيته أو التحدث معه، فقد اشتقت له. لكنه يطمئن عليّ حتى من بعيد.
رن هاتف أروى. نظرت لها: "إنه سامر."
فتحت ورديت، فانتشلت منها الهاتف. نظروا لي بشدة.
"أروى، هل ذهبتِ؟"
"أنا ديما يا سامر."
"مرحبًا ديما، كيف حالك؟"
"الحمد لله.. أعطني سليم."
"سليم!"
"سوف أسأل عنه فقط. أعلم أنه عندك، أليست بشركة؟"
"بلى، أنا في الشركة.. لكن سليم ليس هنا."
"أين إذا؟"
"ذهب لوالدك."
اتسعت عيناي قلت بدهشة: "الم يكن عنده البارحة؟ هل ذهب له مجددًا؟"
"أجل.. لن يهدا حتى يحضر والدك له الأمن، ويطردوه.. ولن يرتاح، بل سيأتي لمنزلك ويذكره بطلبه، فسيحضر له الشرطة.. أتعلمي حتى وإن تدخلت الشرطة، سليم لن يقف عن المحاولة حتى يجعله يوافق."
ابتسمت برغم أنه كان يقولها بمزاح. "لماذا يرفض سيد يونس زواجك من سليم؟"
تنهدت بحزن وقلت: "لا أعلم.. أخشى أن لا تسير الأمور ولا يوافق أبي. تلك الفكرة تخيفني، وأن ارتباطي به لن يحدث."
"لن ييأس سليم. إن كان الأمر يتعلق بك، فهو لن يقف عن المحاولة طالما بيده فعلها. إنه يدعي الله أن يكون معك وتحل هذه العقدة سريعًا."
"يارب."
شعرت وكأن سامر يطمئني، وأن سليم لن يتركني... لكن أبي سيحبطه، سيجعله ينفض بقلة حيلته، وسيتركني. أشعر بالخوف من تلك الفكرة. انتهيت وأعطيت أروى الهاتف.
"هل عم يونس غير موافق على زواجكم حقًا؟"
"لا." قلتها بحزن.
قالت هنا: "كنتِ تحبين أن يكون تقارب العمر بينكم، فكيف أحببتِ سليم؟"
نظرت لها بإستغراب. قلت: "وهل بيني وبينه فارق كبير؟"
قالت أروى: "دعك منها، إنه سبع أو ست سنوات، ليس إلا. ثم إني أرى سليم تحمل جنونها في الغربة وهي معه، فهذا انحياز بحد ذاته." قالتها بمزاح، فابتسمت عندما تذكرت هذه الفترة.
جاء أبي باكرًا اليوم. تعجبنا، فوجدته يخبرنا أن بعد قليل ندخل، لأن سليم يأتي. حلقت به بشدة، وهل قال سليم؟ نظرت لأمي بإستغراب.
"لما سليم سيأتي لنا؟" قالتها أمي بتساؤل.
نظر لها، ثم نظر لي. تنهد بضيق قال: "هل أدعه يأتي لمكتبي ويذكرني بطلبه للزواج؟"
كنت أعلم أن سليم ذهب له.
"لم أكن أعلم أن يفعل حركات أطفال كهذه.. وكأنه يعلم أني سأغضب من مجيئه لي بالمكتب وتذكيري لأمر رفضته.. أخبرته أننا سنتكلم اليوم عندي ليقول ما عنده وينتهي الأمر."
ابتسمت. فسليم يفعل ذلك من أجلي. إنه يفعل هذا ليغضب أبي. إنه ليس طفلًا، فقط يعلم أن هذا سيجدى نفعًا معك يا أبي، وقد جعلك تحضره للمنزل ليتحدث معك. أتمنى أن تستمع له وتوافق.
نظر لي أبي بشدة من ابتسامتي المرتسمة على وجهي. أُفقت، نظرت له، فاختفت ابتسامتي بتوتر. لكن من داخلي سعيدة.
أخبرنا أبي أن نذهب بعدما جاء سليم وجلسوا بغرفة المعيشة. كنت أريد أن أستمع لحديثهم بشدة، وكنت أريد رؤيته أيضًا. اقتربت من الخلف من الناحية الأخرى للباب الذي يطل على الحديقة، وقفت.
"هل بإمكانك التوقف عن ما تفعله يا سليم؟"
"أخبرتك أني سأفعل أي شيء لأجعلك توافق على زواجي من ديما، فإن شئت لأن أتوقف، هو بموافقتك."
"تريدني أن أوافق؟"
"أجل."
"لماذا؟ أظنك تستطيع الزواج من غيرها. لدي ديما فمن خلقها خلق مثلها."
شعرت بحرقة وغضب من ما قاله أبي. هل يطلب منه أن يتزوج من امرأة أخرى؟ أترشده على أن يتركني؟
"إنها عندي بهم جميعًا.. لا أريد غيرها أو مثلها أو أفضل منها. أريد أن تكون هي."
أثرت كلماته عليّ بشدة، وابتسمت بفرح. كان أبي يطالعه دون اهتمام، وكأنه لم يستمع ما قاله، ويتفحص نظرات سليم الثابتة ليرى صدقهم.
"أريد أن أخبرك شيئًا. سمعت كلامًا من شخص يجعلك تراه كم هو صادق وسيفعل بما لم يفعله أحد لابنتي، بينما أنا أعلم حقيقته."
علمت أن أبي يقصد مالك. شعرت بالخوف أن يتضايق سليم، فهو لا يطيق سيرته.
"لا أبالي بالكلام... بل أراه كنغمة تعزف ويميل العازف لسامعها، ثم ينتهي ويعود للواقع." قالها أبي بهدوء، ثم أردف قائلًا: "الواقع أي الأفعال، والنغمة هي الكلام."
"لكنني لست بعازف يرتب ألحانه ويأتي لعرضها ليشاهد للجميع تصفيقه.. بل أنا كلماتي وألحاني خفية، لا أظهرها إلا لمن أريده."
نظر أبي لسليم بإستغراب من نبرته وهو يتحدث بثقة وجمود.
"إن أردت أفعالًا، فأنا أفعل شيئًا لأجلها.. وأنا لا أقول كلامًا لأجعلك توافق. أنا لست بمخادع، وإن كنت كذلك، فلن يدخل خداعي عليك شيئًا، وستعرف إن كنت صادقًا أم كاذبًا."
"جيد أنك تعرف هذا."
"فهل لي بأن أسألك إن كنت تعرف هل أنا صادق أم كاذب؟.. إنك لا تعرف، لأن إذا كان لديك علم لما اعترضت."
"صدقني، اعتراضى ليس له علاقة بك تمامًا، فلا ترهق نفسك."
"لا أريد أن أعرف سبب رفضك، أريده أن يتغير فقط."
"إلى ماذا؟ للموافقة؟"
"أجل."
نظر له أبي وصمت قليلًا، ثم قال: "اشتد الشتاء هذه السنة." قالها أبي بتساؤل، بينما سليم طالعه بإستغراب شديد وعدم فهم، وهل سمع شيئًا خاطئًا؟
"هل رأيت من قبل ثلجًا يهطل في مصر؟"
"لا، لأن مناخها ليس باردًا لهذه الدرجة بأن يكون به ثلوج كالبقبه."
اتسعت عيناي من ما فكرت فيه، وأتمنى أن أكون أخطأت وفهمت أبي خطأ.
"لو نزل الثلج على هذه الأرض، سأوافق بزواجك لديما."
نظر له سليم بصدمة، ومعه حق، فكيف سيحدث ذلك؟ لم ينزل ثلجًا هنا من قبل، فهل أبي يريد معجزة؟ كيف تقول هذا يا أبي، وكأنك ترفضه بطريقة أخرى ليهدأ وتحبطه؟ لا، لكن أخذتها بشكل آخر.
نظرت لسليم، وجدته ينظر بتعجب، فما قاله يستحق الذهول. كان حزينًا، فهذا مستحيل أن يحدث، وإن حدث، فلسنين قادمة إن شاء الله. حدوث ذلك، فهل سنكون على قيد الحياة أم غمر بنا التراب؟
"حين يأتي هذا اليوم، سأوافق." قالها أبي بهدوء، بينما سليم وقف، نظر له لدقائق.
"أشكرك سيد يونس." قالها ببرود، ثم ذهب.
ذهبت سريعا من الخلف، كان يخرج من الباب. نظر لي وتوقف لثوانٍ. تجمعت دموع بعيني بحزن، وأنا أنظر له وكأني أشعر بأنه لن يعود ثانيًا. أشعر وكأن ذهابه ليس عودة. بعد أن أبعد أنظاره عني، وأكمل سيره للخارج. نظرت له وأغمضت عيناي، وسالت دموع منها.
دخلت، نظرت لأبي، طالعته بحزن وخذلان وتضايق. لماذا سليم الذي يرفضه؟ لماذا الشخص الذي أحبني لا تريده؟ لماذا فعلت هذا يا أبي؟
لكنت تركته أفضل. نظر لي، التفت وذهبت.
دخلت غرفتي وأقفلت الباب، تاركة لصوت بكائي الحرية في أن يخرج من ألمه وخيبته. تاركة لدموعي الحرية في أن تتحرر بدون خجل، وأن ينظر لها أحد.
نظرت لهاتفي، وأردت أن أتحدث معه، أردت أن أتشبث به وأخبره ألا يتركني من كلام بتأكيد أبي كان يمزح.
جاءت أمي وحاولت مواساتي، لكنها لم تفلح. كنت أعلم أن أمي تحدث أبي بشأن سليم، عندما أخبرته أنه يطلب يدي وتحاول أن تعلم منه لِمَ يرفضه، لكن لم يعطها أي شيء.
في اليوم، جاءت أمي وأخبرتني عن الطعام. شكرتها وأخبرتها أني لست جائعة.
في منتصف اليوم، وجدت الباب يفتح.
"قلت لست جائعة."
رواية كبد المعاناه الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم نور ناصر
قلتها بضيق لكن التفت وتفاجأت، وجدتها أيه.
ابتسمت لي وسعدت كثيراً برؤيتها.
اقتربت منها واحتضنتني: "لماذا لستِ جائعة؟"
ابتسمت وقلت: "لاشيء.. هل أحمد معك؟"
"لا، إنه في العمل. إن استطاع بعد أن ينتهي يأتي يأخذني."
أومأت لها بتفهم. كنت أشعر وكأن أيه تعلم بأمري، لكنني فضلت الصمت وعدم سؤالها إن كانت أمي أخبرتها بشيء، فأنا ليس لي طاقة للتحدث.
في المساء جاء أبي، سعد كثيراً برؤية أيه وأنها عندنا.
أخبرتنا أمي أن العشاء جاهز.
فذهبنا لتناول الطعام الذي ليس بمعدتي صلة له ولا أريده.
كانوا يتحدثون إلا أني كنت صامتة، وكنت أرى أبي ينظر لي من وقت لآخر.
رن هاتف وكان لأبي. نظر له وتبدلت ملامحه لاستغراب.
نظرنا له بتعجب من صوت الرنين الذي لم يقفل.
تنهد ثم رد: "نعم يا سليم."
نظرت له بشدة، وهل سليم هو من معه على الهاتف؟
"هل بإمكانك أن تخرج؟" كنا صامتين فاستطعنا سماع صوته الصادر من المكالمة.
قال أبي: "ألم ننتهِ من الأمر وتحدثنا؟"
"لم ينتهِ بالنسبة لي.. ولا تقلق، إنه لبضع ثوانٍ."
نظر أبي لي ثم وقف وذهب.
نظرنا له وهو يذهب.. وقفت وتبعته.
خرجت واتسعت عيني من الصدمة والذهول والدهشة مما تراه عيني.
ما هذا؟ مستحيل! هل السماء تنزل ثلج حقاً؟
نظرت لسليم الذي كان يقف مبتعداً، نظر لي وابتسم ابتسامة خفيفة.
تجمعت دموع بعيني بسعادة كبيرة.. وضحكت، وضعت يدي على فمي من الدهشة.
أنا أحلم؟ مستحيل أن يكون حقيقة؟ هل افتعلت معجزة؟
كان أبي واقفاً مصدوماً ويستوعب الأمر بعد..
خرجا أمي وإياد وأيه، وتحولت ملامحهم هم الآخرين.
بينما أنا سعيدة للغاية وأنظر للثلج الذي أول مرة أشاهده ولا أصدق أني أراه.
كنا وكأننا بإحدى بلاد الغرب.
رن هاتفي، أمسكته وجدته سليم. رديت عليه.
"لا أريد أن أرى حزناً على وجهك ثانياً."
ابتسمت وسالت دمعة من عيني، فعلمت أنه يقصد عندما قابلته في آخر مرة.
"انظري إلى يسارك."
نظرت، وكان إياد واقفاً. نظر لي، وجدته يبتسم ويغمز لي.
***
كان شقيقها لديما من ساعدني في هذا.
فلقد تحدثت معه ولم يتردد في مساعدتي وأخبرني أنه سيفعل ما أطلبه عليه.
فقد أدخلني للمنزل بينما كانت أخته هنا وهم منشغلين معها، فقمنا بإيصال الجهاز.
كنت رأيت صغيرتي وهي جالسة حزينة، أردت أن أذهب وأحتضنها وأعلمها بوجودي، وأخبرها أن لا تقلق وأنني لن أتركها.
لكن أردت أن أفاجئها.
كالأنني قلبي مبتهج برؤيتها تضحك من شدة سعادتها هكذا، وتنظر إلى هطول الثلوج بذهول وفرحة.
نظرت لي ورأيت لمعة بعينيها.
كالنجمة الذي أخفاها النهار وبدأ حلول الليل، فظهرت لمعتها.
كان السيد يونس ينظر لي، آخذ الهاتف من ديما فيعلم أني معها.
نظرت له وقلت: "لقد فعلت ما أردته.. جاء دورك."
"ما الذي تسعى له؟"
"ديما."
نظر لي بتعجب، فأردفت قائلاً: "أريد الزواج منها."
ألقى بنظراته على ديما وأخبرها أن تدخل، وأقفل الهاتف.
نظر لي ودخل هو الآخر.
لم أفهم ماذا يحدث؟ ألن يفعل ما قاله؟ هل ما زال يرفض ارتباطنا؟
فعلت ما أراده، يجب أن ينفذ الآن.
اتصلت به لكنه لم يرد عليّ، مما أشعرني بالغضب.
كنت في منزلي وأجلس بضيق كبير وخيبة، وسامر بجانبي ويهدئني.
"لا أعلم ماذا أفعل."
رواية كبد المعاناه الفصل الأربعون 40 - بقلم نور ناصر
ابتسمت ثم أنزلت عيناها بخجل، وحمرةٌ تكسو وجهها.
وأمسكت بيديها هي الأخرى.
كان هذا اليوم هو كالحلم الذي يعيشه المرء لمرةٍ واحدة ويبدأ في الزوال.
لكن حلمي كان يرتفع بي للقمه، كان يأخذني للسماء، لحياةٍ لم أرها قط، بسعادةٍ لم أظن أني سأشعر بها يومًا.
كنت في كل مرةٍ أرى فيها ديما ونخرج سويًا، أكون متلهفًا لرؤيتها، وليس العكس، أن شوقي يزداد لها.
كنا نتبادل الأحاديث.
في مرةٍ، طلبت أمي مني أن أحضرها لتجلس معها قليلًا، فريم قد سافرت هي وعمار.
أخبرت ديما وسعدت كثيرًا، وقالت إنها أيضًا تريد زيارتها ومشتاقة لها.
فذهبنا، ورحبت بنا أمي بحرارة، وجلسنا معها.
"هل يجب أن أطلب من سليم رؤيتك من أجل أن تأتي؟"
"بطبع لا.. سآتي لك وقتما شئتِ، قبل أن أخبره حتى."
ابتسمت أمي ثم قالت: "متى ستتزوجان؟"
وقالتها أمي كتحيزٍ لنا على السرعة.
خجلت ديما.
ذهبت أمي وتركتنا.
نظرت لها.
اقتربت وجلست بجانبها.
قلت: "لماذا لا نسرع؟"
"في ماذا؟"
"في الزواج."
لم ترد، وأبعدت عيناها بتوتر، فابتسمت لرؤيتها هكذا.
جاءت أمي وجلست معنا، ومن ثم جدي، وكان علينا الرحيل.
لكن جدي منعني وأن نتغدى معهم، فلم أمانع.
كنت أتذكر ديما وهي جالسة مقابلة في تلك الفترة.
جلسنا في الحديقة قليلًا معهم، ثم ذهبنا.
سعدت ديما بهذا اليوم، وأنا أيضًا.
أوصلتها لمنزلها وذهبت.
حدد سامر موعد زفافه، وكان سعيدًا كثيرًا.
"مبارك لك."
"الحق بي حسناً."
قالها بمزاحٍ، يقصد بزواجي.
أخذت هاتفي وذهبت.
سألني أين أذهب، أخبرته أنني على موعد مع ديما لأن نتغدى بالخارج.
ذهبت وقابلتها.
"تأخرت عليك."
قلتها لها بتساؤل.
ابتسمت وقالت: "لا."
"لنذهب."
ركبت السيارة وذهبنا.
وصلنا للمطعم، نزلنا ودلفنا للداخل.
جلسنا وكنت أمسك بقائمة الطعام.
"ماذا ستأكلين؟"
قلتها لديما بتساؤل.
لكنها لم ترد.
نظرت لها، كانت تنظر لشيءٍ وشاردة.
"ديما."
"ها.. ماذا؟"
قالتها وهي تنظر لي وقد انتبهت لحديثي.
"على ماذا تنظرين؟"
ألقيت نظرة، لكنها أوقفتني.
قالت: "لا.. لا شيء.. ماذا كنت تقول؟"
تعجبت منها.
وعندما منعتني من النظر، لم أستمع لها ونظرت، لكن لم أجد أحدًا.
سألتها عن ما اختارته، فقالت: "أي شيء."
كنت أشعر وكأن هناك أمرًا ما.
جاء النادل وأخذ طلبنا.
"ما هذه الصدفة."
نظرت لصوتٍ وضاقت ملامحي عندما وجدته طارق.
اقترب.
نظر لي.
"سعيداً.... برؤيتكم."
قال آخر كلمة بطريقةٍ غريبة وهو ينظر لديما، مما أشعرني بالغضب الشديد.
وقفت وأمسكته من ثلاثيب قميصه.
"عندما تتحدث، انظر لي."
نظر لي بهدوء، ولم يكن قد غضب، وليس من عادته.
اقتربت مني ديما.
"اتركه يا سليم، يتطلعون بك."
وجدته ينظر لها ويرسم ابتسامة ماكرة.
نظرت لديما بعدم فهم.
"اتركه."
"استمع لها.... إنها تعرف مصلحتك."
نظرت حولي، ووجدت أنظاراً تثقبني.
رمقته بضيق ودفعته بغضب.
اصطدم بطاولة، لكنه اعتدل.
وكان أحد الأشخاص سيساعدونه، لكنه منعهم.
"لا شيء، إنه صديقي، نحن نمزح ليس إلا.. صحيح يا سليم؟"
قالها آخر جملة وهو ينظر لي ويعدل هندامه.
وقال: "نسيت أن أبارك لك، أعتذر لأنني لم أهديك شيئاً، فأنت لم تعزمني."
كنت أنظر له بإستغرابٍ شديد وضيق.
اقترب مني.
قال: "لكن الهدية آتية."
لم أفهم شيئاً.
ابتعد وقال: "استمتعا."
نظر لديما، فأمسكت يدها وأوقفتها خلفي.
ابتسم لي ثم ذهب.
التفت ونظرت لديما.
أتذكر ونحن جالسون، كانت تنظر لشيءٍ.
أكانت تعلم بوجوده؟
لما هي متوترة هكذا؟
تعجبت عندما وجدتها تنظر هناك ثانيةً.
نظرت، وكان طارق، هي من تنظر له، وكان ينظر لها هو الآخر.
"لنذهب من هنا."
قالتها ديما لي.
فقلت: "لماذا؟"
"سيكون أفضل، لست مرتاحة."
قالتها بتبرير.
أومأت لها وذهبنا.
نظرت لطارق ونحن نخرج، وكانت لا تزال عيناه معنا.
ابتسم.
التفت بضيق وذهبت.
كنت أقود السيارة وأنظر لديما.
"هل تعرفيه؟"
قلتها بتساؤل.
نظرت لي.
قالت: "من؟"
"طارق."
"بطبع أعرفه."
ظنت بأني أسألها كمعرفتها به، فأنتِ بالتأكيد تعرفينه لسنين مثلي.
"لا أقصد هذا.. أقصد تحدثتي معه من قبل أو رأيتيه؟"
لا أعلم ما هذا الذي أقوله، لكن نظراته لها وكأنه يعرفها، أو ثمة شيء ما، وبتوترها من رؤيته أشعرتني بهذا أيضًا.
كنت لا أفهم ماذا يرمق له والكلام الذي قاله، إلى أني تجاهلته.
"لا."
"حسناً."
شعرت بأن ديما ليست على ما يرام، شاردة لا تتحدث.
على العكس، ونحن معاً تأخذ الأحاديث وتجعلنا نتحدث كثيراً.
"أنتي بخير؟"
قلتها بتساؤل.
نظرت لي.
قالت: "أجل."
لم لا أشعر بعكس ذلك؟
هل هي خافت من طارق؟
هل ضايقها رؤيته؟
قربت يدي من يدها وأمسكتها.
نظرت لي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
أوصلتها للمنزل بعدما طلبت مني ذلك، ولم نتغدا.
لم أضغط عليها، وأننا سنعوضها بيومٍ آخر، المهم أن تكون بخير.
في يومٍ، كنت في الشركة، اتصلت بديما أسأل عليها كعادتي في يومي.
لكن سمعت صوت من حولها.
سألتها أين هي، أخبرتني أنها ستقابل أصدقائها.
فأخبرتها حين تنتهي تخبرني، فأومأت لي بطاعة.
كنت في مقابلة مع سيد إدوارد، كنا نعقد صفقة ونناقش تفاصيلها.
سمعت صوت إشعار من الهاتف.
"Wait، انتظر."
قلتها لهم، فظننت أن ديما تعلمني أنها عائدة للمنزل، لذلك اهتممت برسالة، لكن بطبع لن يكون بهذه السرعة.
وجدت صور مرسلة إلي، فتحتها واتسعت عيني بصدمة وذهول.
وجدت ديما جالسة بمقهى... وطارق جالس معها.
هل تلك الصور حقيقية؟
هل هذا الحقير جالس معها؟
جمعت قبضتي بغضب وتذكرتها وهي تخبرني بأنها ستقابل أصدقائها.
فما هذا إذا؟
ما علاقتها به لتكون معه؟
ماذا تفعلين معه؟
هل كنتِ متفقة لمقابلته؟
أمسكت برأسي بضيق، وغضب يمتلكني.
ثمة شيء خاطئ.
أنا أثق بديما ثقة لا حدود لها.
بتأكيد لم تكذب علي، أو قاصدة رؤيته.
"سليم، هل هناك شيء؟"