تحميل رواية «كأس من الألم» PDF
بقلم وتين قطامين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لااااااا ،صرخة بها فزع، صدرها يعلو ويهبط بسرعة شديدة وكأن الهواء قد نفذ من حولها. ما كان سوى كابوس اعتيادي من الكوابيس التي لا تفارق مخيلتها منذ سنين، منذ ذلك اليوم الذي رأت فيه أسوأ مشهد بحياتها كلها. وضعت يدها على قلبها وحاولت أن تهدئ من روعها قليلاً، وبعد عدة دقائق نجحت بذلك. فُتِحَ باب الغرفة بسرعة ودخل منه هذان المشاغبان الصغيران. "هاااي استيقظي استيقظي." وقفا على السرير. ابتسمت بسعادة على طفولتهما، ابتسامة لا تبتسمها إلا معهما. قالت بجدية مصطنعة: "توقفااا، أنتما الاثنان معاقبان." نظرا إليه...
رواية كأس من الألم الفصل الحادي عشر 11 - بقلم وتين قطامين
عز الدين يسير بالمكتب بغضب ذهاباً وإياباً، يكاد يجن من هذه التي أصبحت رئيسة المجلس وتأخذ نصف الأرباح أيضاً، هذه نسبة هو نفسه لا يأخذها. ونعتته بالتصرف الطفولي بحضور المجلس كله، وهو لم يرد حتى عليها. فمن هنا لا يخافه ويجرؤ على ذلك، وقال بصراخ على الهاتف:
"جوزيف يا أحمق، من هذه الفتاة؟"
جوزيف ببرود: "أي فتاة بالتحديد؟"
"- تقول إنها نارة يوسف المقدادي."
"- تقول إنها؟ أي أنك لست واثقاً؟"
"- لا أصدق، نعم فهي تشبهها بشكل جنوني."
"- تشبه من؟"
"- ميرال التاجي يا أحمق."
"- هنا انتفض جوزيف: أنت واثق؟ ألم نقتلهم الخمسة؟"
"- اخرس، لا تتحدث بهذا على الهاتف. تعال على مكتبي بسرعة."
"- أنا قادم، دقائق وأكون قد وصلت."
في طريقه للشركة تلاقت عيون جوزيف بعيون نارة وهي خارجة من الشركة، قال بطريقة مقرفة: "ربما عودة الفاتنة ليست بشيء سيئ." وأكمل طريقه نحو مكتب عز الدين.
"- ها قد أتيت، أخبرني الآن ماذا هناك؟"
"- أخبرك بماذا؟ أن فتاة ظهرت من العدم، نسخة طبق الأصل من ميرال وكأنها توأمها، أصبحت شريكة لي وتملك نفس ما أملك من أسهم، وفوق ذلك كله أصبحت رئيس المجلس وتفضلت علي بمنصب نائب الرئيس. أم أنها ستأخذ نصف أرباح المشروع الجديد؟ أم أنها نعتتني بالطفل داخل المجلس؟"
"- أوووه، اهدأ كي نفهم."
"- قلت إن اسمها نارة يوسف المقدادي، وتلك ابنة ذلك الأحمق تدعى نارة يوسف اليوسفي، هذا أولاً."
"- ربما غيرت اسمها."
"- ذكي حقاً، وأبقت اسمها كما هو واسم أبيها، وتظهر أمام قاتل والديها هكذا ببساطة، وهي قد رأته بعينيها يقتلهما."
"- ربما أتت لكي تنتقم."
"- تنتقم بأن تطور شركتك؟ فهي سوف تتحمل وحدها الخسارة إن حصلت. ما بك عز؟ أفقدت صوابك أم أنك قد خرفت؟ ثم من أين أحضرت المال كي تشاركك؟ فأنت استوليت على كل أموال أبيها. أتذكر؟ لنفترض أنها هي، كيف عاشت دون مأوى أو مال أو أي شيء؟"
"- وضع عز الدين يداه على رأسه بتعب وقال: ربما معك حق، ولكن وجودها يزعجني هنا، لا يمكنني التصديق بكمية التشابه بينهما."
"- لا تقلق، سأتصرف."
***
( عند نارة وماريانا )
ماريانا: "سيدتي."
نارة: "نعم ماريانا."
"- لا أفهم ما تحاولين بلوغه؟"
"- أليس هدفي واضحاً؟"
"- أعلم هدفك، ولكن أنت تتصرفين عكسه. لما قبلتي توقيع ذلك التعهد الآن؟ حتى لو خسرنا الصفقة هم لن يتأثروا بشيء."
"- ومن قال لك أنني أريد أن أخسرهم؟"
"- لا أفهم."
"- عزيزتي ماريانا، فكري أبعد من ذلك. إن فعلت لا أكون سوى تسببت بخسارة 25% فقط من أملاكه، وأنا أريد أن أجعله متسولاً. لذلك كان لابد من إنجاح هذا المشروع كي أكسب ثقة أعضاء مجلس الإدارة. نعم، نحن أثرنا على قرارهم اليوم، ولكن ذلك لن يكون دائماً إن لم نكسب ثقتهم."
"- أي أنك تريدين كسب ثقتهم وإبعاد عز الدين ثم طرده شيئاً فشيئاً."
"- اقتربتِ، ولكن ليس بالضبط. فأنا أريد كسب ثقتهم والتوغل بالشركة حتى أستطيع الوصول لما يدين عز الدين بكل جرائمه، أريد فضحه أمام الجميع وتدمير عالمه القذر كله فوق رأسه. سأسلبه كل شيء، المكانة، النفوذ، المال، حتى شعوره بالأمن."
"- لقد فهمت، ولكن ما لا أفهمه سبب عدائك له."
"- ستفهمين، ولكن بالوقت المناسب. ثقي بي، يستحق ذلك، أقسم لك."
"- أعلم ذلك. القذر كي يبني مركزه التجاري قام بهدم عمارة سكنية احتوت على مئة عائلة فقيرة تشردت بسببه، على الرغم من دفعهم للإيجار على الوقت. لو كان السيد يوسف حياً لما حصل هذا أبداً. ثم ظهرت أنت وأويت الجميع وأعطيتهم فرصاً للعمل لكي يضمنوا حياة كريمة لأنفسهم ولعائلاتهم."
"ومن بينهم عائلتي أيضاً، لذلك أنا معك حتى النهاية."
"- لقد فعلت الكثير بالفعل، ولكنك سوف تتوقفين عند هذا الحد. هذه حربي أنا، وأنا أصر خوضها وحدي."
"- سيدتي، إن لم تدعيني أساعدك، فأنا سأحارب وحدي. وعندها حتماً سأقع، ولكن عندها أكون أطفأت ناري قليلاً. أرجوك اسمحي لي بالاستمرار إلى جانبك."
"- ماريانا، لا أريد أن تتأذي، وقد فعلتِ الكثير حقاً ويكفي استمرارك بجمع المعلومات بهذه المرحلة."
"- لا تقلقي، اقتربت من معرفة الكثير."
"- آمل ذلك."
"- اسمحي لي، لدي بعض العمل بالشركة، ولكن اليوم شعرت وكأنه يعرفك منذ زمن. أعني بالتأكيد سيقوم بجمع معلومات عنك. ألا تخافين أن يصل لشيء؟"
"- ابتسمت نارة بثقة وهي تذكر آخر ما فعلته عندما كانت بدبي: لقد قامت بنقل جميع أملاكها باسم أخويها بالتساوي وأوكلت جاد بها لحين بلوغهما السن القانوني، وأظهرت الأمر وكأنه إرث لهما، ومحت أي سجل أو أي بيانات تثبت يوماً أنها كانت بدبي. لا تقلقي، لن يصل لشيء."
"سيعرف فقط أني نارة يوسف المقدادي، فتاة تعمل بمجال الأعمال منذ ثلاث سنوات من خلال شركة أسستها بقرض من البنك، وأنها حديثاً قامت بسداده. وهذا كل ما سيصل له."
"- أنت حقاً رائعة."
"- أشكرك."
رحلت ماريانا وشربت نارة عصيرها وأرادت الصعود بعدها لغرفتها، ولكن وهي بمنتصف الطريق شعرت بدوار وغثيان شديدين حتى أغمي عليها بالطريق. والتقطها أحدهم، أخذها لمكان ما. فهي لم تكن بكامل وعيها حتى تدرك أين يتم أخذها. بعد مرور وقت لا تعلم مدته، استيقظت على سرير بغرفة غريبة. التفتت حولها ولكن الصورة مازالت مشوشة. الصداع ينهش رأسها. حاولت أن تأخذ المهدئ من حقيبتها ولكنها لم تجد حقيبتها. حاولت التماسك وأمسكت برأسها وجلست على حافة السرير بصعوبة. وشيئاً فشيئاً بدأ الدوار والصداع يهدآن، لكنها مازالت مرهقة وقد تقيأت بشدة. فُتح باب الغرفة أخيراً وكان رجلاً لا تعرفه بيده علبة ماء. قام بغسل وجهها بها وأشربها القليل، ثم بدأ بسندها كي تقف. وهي كانت مستسلمة تماماً، فهي لا تمتلك الطاقة لفعل شيء. وأخرجها من الغرفة، وعندما خرجت كان هناك الكثير من الرجال المسلحين وأشكالهم مرعبة، لكن ليس بالنسبة لها.
قال أحدهم - يبدو أنه رئيسهم -: "لقد نجوت هذه المرة يا صغيرة."
نارة تنظر به شزراً، ولو كانت النظرات تقتل لبات صريعاً. رغم تعبها إلا أن عينيها تشتعلان بنار.
قال مهدداً إياها: "احني نظرك يا فتاة، ولا تنظري بي هكذا مجدداً." إلا أنها لم تتحرك. أراد الاقتراب وإجبارها على حني نظرها، وما إن رفع يده ليصفعها حتى وجد يداً صلبة تقبض على يده، كانت يد ذلك الرجل الذي يقوم بسندها، وقال بصوت مليء بالتوعد: "لا تجرؤ على لمسها وهي معي."
تراجع وسحب يده: "خذها من هنا."
نارة كانت قد بدأت باستعادة طاقتها، حتى انتبهت على عدم وجود سلسلتها برقبتها. وهنا تنشطت كل خلية بعقلها وجسدها، فهذه السلسلة تحديداً كانت لا تفارق رقبة أمها، كما أنها أعطتها لها يوم وفاتها عندما أوصتها بالعناية بشقيقيها.
نارة بصوت عال: "أين سلسلتي؟"
ذلك الرجل البغيض رد باستفزاز لها: "أنت لا تملكين شيئاً."
عندها جن جنونها أكثر، فحتى مشبك شعرها غير موجود. وكان هناك أحد الرجال يقف بجوارها، قامت بضربه بشدة في أعلى معدته، وهذه ضربة تشل الخصم مؤقتاً. وأخذت سلاحه ووجهته نحو الرئيس: "هي جملة واحدة، أريد أغراضي يا حقير."
وهنا رفع الجميع سلاحه ووجهه عليها، ولكن لم ترمش لها عين وأبقت يداها مثبتتين على السلاح الذي توجهه عليه، حتى صدر صوت رصاصة بالمكان. لم تكن صوت رصاصة نارة، إنما ذلك الرجل قد أطلق النار على أحد رجال العصابة بعد أن حاول غدر نارة من الخلف.
وقال بهدوء: "ليس من الرجولة أن تهاجم من الخلف، فكيف وأنت تهاجم امرأة؟"
نارة نظرت للمشهد، رغم ما أثاره في نفسها، إلا أنها تحاملت على نفسها وبقيت ثابتة قدر الإمكان، وقالت بنبرة تخلو من أي معنى يمكن تفسيره: "أريد سلسلتي ومشابك شعري وباقي أغراضي، وإلا ستكون حياتك الثمن."
ما من رد. وعندها نارة سحبت سلاحها تستعد للإطلاق عليه، إلا أن صوتاً صغيراً اخترق المكان، وكانت طفلة تبلغ العاشرة من عمرها تبكي بصوت عال: "أرجوك لا تقتل أبي، أرجوك. سأعيد لك سلسلتك وأغراضك، إنهم معي، ها هم. ولكن لا تقتل أبي، أرجوك، أرجوك." نزلت لمستوى الطفلة، أخذت سلسلتها ومشابك شعرها وحقيبتها، ونظرت به بحقد شديد، فهي لا تصدق بأن أحد قام بنزع سلسلتها من رقبتها، فهي لم تخلعها أبداً منذ ذلك اليوم. وقالت بصوت غامض: "هذه الفتاة دية حياتك اللعينة." وأطلقت النار.
وجاءت صرخة منه: "لااااااا."
ولكن نارة لم تقتل الفتاة، بل قامت بإطلاقها بالهواء، ونظرت له بسخرية وخرجت من بين جميع أولئك المسلحين، لا أحد يمنعها، وهي تسير وكأنها لا ترى أحداً من الأصل. فتبعها ذلك الرجل بصمت. وعندما خرجت من ذلك المكان، رمت السلاح من يدها واتجهت نحو سيارتها، فيبدو أنهم أحضروها بها.
وقبل أن تصعد وجدت يداً تمسكها، كان ذلك الرجل. نظرت به وكأنها لم تكن قد رأته مسبقاً، أو أنه هو من حماها قبل قليل.
قال: "أنا من سأقود، أنت اصعدي بالجهة الأخرى."
نارة وقد سحبت يدها بعنف: "عفواً، من تظن نفسك؟ ابتعد عني."
"- علينا التحدث حالاً."
"- اصعد."
"- أنا سأقود، أنت مرهقة."
"- كلا، أنا بخير وأستطيع القيام بذلك." أراد الاعتراض، لكنها ركبت السيارة ولم تعطيه مجالاً لكلمة أخرى، وأدارت المحرك، ولكنها لم تتحرك. مسح على وجهه بغضب وركب من الجهة الأخرى، وهي التي قادت السيارة (قلت لكم بأنها عنيدة، فهي بالفعل متعبة ولكنها لا تتنازل بسهولة).
لاحظت بأن هناك سيارات تتبعها منذ خروجها. قالت بهدوء: "رجالُك هم الذين خلفنا؟"
قال: "كلا."
قالت: "ضع حزام الأمان."
ودعست على البنزين بشكل كبير، ثم رفعت (الهاند بريك) مسببة انبعاث الكثير من الدخان وغبار الطريق، وقامت بإنزاله مجدداً وأدارت المقود وانطلقت، ثم دخلت إلى زقاق طريق وأطفأت المحرك وانتظرت قليلاً حتى خرجت سيارتان، ولكنهم لم يروهم واتجهوا بطريق مختلف. وعندها أعادت تشغيل المحرك وانطلقت باتجاه غير الذي سلكوه وغير الذي كانت تسير به. حتى وصلت لحافة. أوقفت السيارة ونزلت، وكانت هذه الحافة تطل على المدينة بأكملها. وقد اتشح المكان بلون أحمر بسبب غروب الشمس. وقفت نارة أمام السيارة وفتحت غطاء السيارة كي تسمح للمحرك بأن يبرد بعد جولتها الجنونية تلك.
رواية كأس من الألم الفصل الثاني عشر 12 - بقلم وتين قطامين
نزل خلفها واتجهت أنظارهم نحو المدينة بصمت، حتى كسرت هي ذلك الصمت:
"لماذا أتيت لمساعدتي؟"
"لأنه كان يجب علي ذلك."
"أتقصد أن الأمر كان مهم لدرجة خروجك من مخبأك؟"
"من قال لك بأني كنت مختبئًا؟"
"لنقل أنه مجرد استنتاج، من أنت؟ وماذا تريد؟"
"ظننتك تعرفينني بعد أن أوصلتي لي سلامك."
"أعلم بأنك من خلف آدم وأنك من أدخله شركة عز الدين، وأيضًا من بعتني الأسهم، ولكن السؤال: لماذا؟ ما هدفك؟ ولا تقل المال لأني أدرك أنك لست بحاجة له."
"أحسنت. أنا بالفعل لست بحاجة للمال، وصحيح، أنا أدخلت آدم لشركة عز الدين لأنه لم يكن ينفع دخولي أنا، فكان لابد من استخدام أحدهم، وأجل، بعتك الأسهم لأنني أعرف أن لدينا هدفًا مشتركًا وهو تدمير عز الدين."
"جميل، ولماذا ترغب بذلك؟ ولماذا لم يكن ينفع دخولك أنت؟"
"أسبابي لا تعنيك. أما لماذا لا ينفع، فلأن هذه ليست أولى حروبي مع عز الدين."
"أنت لم تأت بي إلى هنا للحديث عن ذلك، ماذا تريد؟"
"سأكون واضحًا، وحدك لن تستطيعي تدمير عز الدين، لذلك سأقوم بذلك معك."
"شكرًا لك، ولكن أعلم بأني أستطيع هزيمته وحدي، وأيضًا لا أحب العمل الجماعي."
"أنا لا أطلب منك، بل أخبرك فحسب أننا سنعمل معًا."
"اسمع يا..."
"ريان."
"اسمع يا ريان، الثقة بالنفس شيء جميل، ولكن الإكثار منها يتحول لغرور يلقي صاحبه بالمشاكل، وأنت الآن مغرور إن كنت تتخيل أنه بإمكانك إجباري على العمل معك."
"إذا تزوجيني."
نارة: حسناً يا جماعة، أتعلّمون شعور أن تكلموا مجنوناً بعقلانية؟ ربما لا، ولكن أنا الآن أكلم رجلاً ليس مجنوناً فحسب، بل أحمق ومغرور بنفس الوقت، فلكم أن تتخيلوا ماذا ستكون ردة فعلي. أجل، أحسنتم، أموت من الضحك.
"كل هذه السعادة لعرضي الزواج عليك؟ أنت فتاة يائسة حقًا."
"حتى كلماته المستفزة لم تخرجها من حالة الضحك التي كانت بها: أحم أحم، حسناً، أنت مدرك لما تقول يا عزيزي."
"أجل."
"إذاً أنت لست مغروراً فحسب، بل أحمق ومجنون أيضاً."
"توقفي الآن عزيزتي، لأن عليك احترام زوجك المستقبلي."
"والآن فقط تكلمت بجدية: توقف عن أحلام اليقظة التي أنت فيها. بالطبع أنا لن أتزوج منك، أترى الأمر في فيلم هندي مثلاً؟ يخرج البطل ويقاتل آلاف الرجال بيد واحدة، ثم يموت ويعود للحياة بدمعة من حبيبته، ثم يستيقظ ويخلص على الألف الباقين مثلاً، ويتزوجان، ينجبان أطفالاً ويعيشون بسبات ونبات. استيقظ من الوهم الذي أنت به."
"أدرك أنها الحياة الواقعية، وأدرك أنها ليست فيلماً هندياً، وأنا أتكلم بجدية مطلقة. ما حصل اليوم كان جوزيف وراءه، ولولا تدخلي لكنت الآن... تعلمين أين كنت ستكونين، ولا أستطيع مراقبتك طيلة الوقت، لذلك الحل الأفضل هو أن أتزوجك لتكوني بحماية دائمة."
نارة بغضب: من طلب من حضرتك التدخل؟ ومن قال إنني بحاجة لحمايتك؟ ثم أتظن أني لا أعلم أن جوزيف هو من وراء ذلك؟ ولم أكن أتوقعه؟ أنت مخطئ، علمت ذلك من اللحظة التي رآني بها عند باب الشركة. بلى، كنت أعلم وتأكدت أني كنت سأجد طريقة لأخلص نفسي مما كنت فيه دونك.
"ما كنت لتفعلي، ما زلت عاطفية تفكرين بمشاعرك، ودليل ذلك عدم قتلك لذلك الرجل بمجرد رؤيتك لتلك الفتاة."
"ما كنت لأقتله من الأساس، أنا أريد الانتقام من عز الدين وتدميره، وأنا لست قاتلة مثلك، أتفهم؟ لست كذلك. ولو كنت كذلك، أتعلّم ما يكلف قتل عز الدين؟ رصاصة واحدة واستئجار قناص، ولا ألطخ يداي بشيء، ولكنني لست قاتلة."
"تتكلمين وكأنني قتلت ذلك الرجل. أنا لم أقتله، إنما أطلقت النار على مكان غير حيوي فقط لأحميك، ثم لم أنتظر منك قتله، ولكن أظهرتي كم أنت ضعيفة."
"لست ضعيفة، وإن كانت القوة برأيك تخويف الأطفال، إذاً أنا لا أريدها. أتخلى عن انتقامي أهون علي من أن أتحول لهذه الصورة، أو حتى الارتباط برجل مثلك."
وأغلقت غطاء السيارة تهم بالرحيل، حتى سمعت الجملة التي جمدتها مكانها.
"أعلم بسر أخويك."
وكانت هذه الكلمة السحرية لنارة، فهي عندما يتعلق الأمر بأخويها، تصبح خارج السيطرة.
التفتت له والنار تخرج من وجهها وعيناها، وقالت بصوت خرج من بين أسنانها:
"إياك يا ريان، ألا أخواي، أقسم لك بأني أنسى كل ما قلت وأتحول لقاتلة إن تعلق الأمر بهما. إياك حتى النظر لهما."
"لا أنوي إيذاءهما، صدقيني، ولكن يجب أن تسمعيني للآخر بهدوء رجاءً."
"تكلم."
"لم أقصد ما فهمتي من كلامي. إن كنت تكرهين عز الدين، فأنا أتمنى خسف الأرض التي يقف عليها لأمحو وجوده من هذا العالم، ولكن حربي الأخيرة معه تسببت بخسارة كبيرة لي، ولا أريد إعادة الكرة، لا معي ولا حتى معك. اليوم لم يكن يمتلك أي مشكلة بخطفك ومحاولة قتلك لمجرد ظهورك أمامه دون أن يعرف شيئًا عما تخططين له. أتظنين أنه سيتركك؟ كلا، لن يفعل، وأنا الوحيد القادر على حمايتك وحماية إخوتك أيضًا، ولكن لن تكون كل مرة سليمة كهذه المرة يا نارة. لولا وجود آدم الذي كان ذاهبًا لمقابلتك ورآهم، لما استطعت الوصول لك. دعينا ننهي هذه الحرب، وأعدك بعدها سأطلقك، ولن تكوني مجبرة على أداء أي واجب تجاه هذا الزواج، فقط مطلوب منك تمثيل ذلك للناس، وعندها أعدك بحماية أخويك. أعلم بعدم رغبتك بإقحام أحد بانتقامك خوفًا عليه من الأذى، ولكن أنا بالأصل لا أعني لك، فحتى إن تأذيت، لن تشعري بالألم عليّ، أو حتى الذنب."
"قبل ذلك ودون قربي منك، سهّلت عليك دخولك لشركته وتمليكك أسهم تعادل أسهمه. تخيلي ماذا يمكننا أن نفعل سويًا، هذا عرضي لك. وإن لم تقبلي، لن أهددك بإخبار عز الدين عن أخويك أو حتى إيذائهما، ولكن سأرفع يدي حمايتي عنك وعنهم أيضًا. لكن إن وافقت، تعلمين أنني سأحترم اتفاقنا. قرري الآن."
نارة لا ترد ولا بكلمة واحدة. أتقبل الزواج منه بهذه البساطة؟ وهي بالكاد تعرف اسمه؟ كيف ستثق به؟ ولكن أتغامر بأمان شقيقيها؟ مستحيل. لطالما شعرت بوجود يد تساعدها بالخفاء، أيعقل أن تكون هذه اليد هي ريان؟
بدا ريان ييأس، فهو يعلم كم هي عنيدة ولن توافق بسهولة.
نارة بعد صمت طال: موافقة.
رواية كأس من الألم الفصل الثالث عشر 13 - بقلم وتين قطامين
نظر لها بعدم تصديق أنها وافقت، فهو حقًا لم يتوقع ذلك.
ولكن رأى بعينيها ما لم يستطع يومًا نسيانه، رأى شيئًا من الألم.
فقد كانتا خاليتين تمامًا من الشعور، لا فرح ولا حزن ولا حتى غضب.
كان شيئًا أشبه بالانكسار داخلها، فهي لا تصدق ما تؤول إليه حياتها.
صحيح أنها طوال عمرها تبتعد عن الجميع ولا ترتبط بأحد، ولكن كأي فتاة عندما يتعلق الأمر بالزواج تمنت أن تتزوج من شخص يحبها أو هي على الأقل تحبه.
تمنت رجلًا يعوضها عن كل ما مر بحياتها من عذاب.
ولكن هي صاحبة كأس الألم فقط، وستبقى تتجرعه وحدها ولا أحد يشاركها فيه.
تنظر لما فعلت تلك الليلة بحياتها، فقد أصبحت مكسورة ضعيفة مهما ادعت القوة.
والآن تخاطر بحياتها كلها من أجل أخذ حق والديها، وتبرئة اسم أبيها من ذنب قتل زوجته وأبناءه والانتحار، ولأجل حماية أخويها.
أين هي بكل ذلك؟ متى ستعيش الحياة لأجلها هي؟
ريان ينظر لها بشيء من الألم، لم يكن يريد إجبارها هكذا واستغلال نقطة ضعفها الوحيدة ضدها.
ولكنه يدرك أنه إن لم يفعل لكانوا قد قتلوها لا محالة.
تحركت بخطوات بطيئة نحو السيارة وركبت بجوار السائق، فهي لا تمتلك القدرة على فعل شيء حاليًا.
وهو ركب بمقعد السائق وقاد السيارة نحو الفندق في صمت شديد.
فهي تحدق من النافذة وكأنها مجرد جسد لا أكثر ولا أقل، فروحها بمكان آخر لا تشعر بشيء.
كلما ظنت أنها وصلت إلى قمة الألم وجدت آلامًا أكبر تدخل حياتها، وكأن الحياة تتحداها بأنها لن تتوقف عن إيلامها أبدًا.
ريان كان ينظر لحالتها بين الحين والآخر، وكلما جمع كلماته وحاول إخراجها لكسر هذا الصمت، تتبعثر عند فمه.
حتى وصلا عند باب الفندق، وقبل أن تخرج أمسك بيدها وقال:
- لست معتادًا على سحق الآخرين لأصل لأهدافي، ولا أريد أن تكوني الأول.
لذلك أعلم أنه صعب، ولكن ثقي بي.
- لا يهمني شيء بالحياة سوا أخواي، ولا حتى حياتي تهمني.
لذلك إن تعلق الأمر بهما أفعل المستحيل وأحطم كل القواعد والمبادئ.
لذلك لا تحاول الضغط علي بهما.
عن إذنك.
وترجلت من السيارة وذهبت نحو غرفتها بسرعة.
فلقد كان يومًا صعبًا جدًا بالنسبة لها.
رؤية عزالدين ينعم بتعب والدها وخطفها، ومن ثم خروج ريان المفاجئ.
خوفها الذي ينهش قلبها على من تحب، كلها أمور أثقلت كاهلها كثيرًا.
وارتمت على سريرها بتعب وقد فقدت القدرة على التحمل، وأجهشت ببكاء مرير.
فهي نعم كل مرة تظن أنها وصلت لقمة الألم، ثم تتآمر عليها الحياة مجددًا بقمة أعلى.
رواية كأس من الألم الفصل الرابع عشر 14 - بقلم وتين قطامين
في صباح اليوم التالي استيقظت نارة باعياء شديد.
اخذت قرص دواء كعادتها بدون ماء.
اخذت حمام سريع وحضرت نفسها.
وهذه المرة اضطرت لوضع الكثير من مساحيق التجميل.
وقبل ان تخرج رن هاتفها.
- نارة: اهلا جاد كيف حالك؟
- جاد: بخير وانت كيف حالك؟
- نارة: انا بخير.
- جاد: واثقة من ذلك؟
- نارة: اجل جاد, كيف حال اخواي؟
- جاد: انهما بخير ولكن مشتاقان لك كثيرا.
- نارة: وانا كذلك.
- جاد: والعمل كله على ما يرام.
- نارة: لا اقلق على العمل وانت من يديره.
- جاد: ولا تقلقي على اخويك هما ايضا بخير.
- نارة: لا يمكنني ذلك حتى عندما يكونا معي اقلق عليهما.
- جاد: اتفهم ذلك, متى ستعودين؟
- نارة: لم اقرر ذلك بعد ربما احتاج المزيد من الوقت.
وردتها مكاامة اخرى لذلك قبل ان يرد جاد قالت:
- نارة: جاد اكلمك لاحقا احدهم يتصل بي.
واغلقت الهاتف.
- نارة: اجل.
وقالتها باللغة الاسبانية لان الرقم كان من اسبانيا.
- انتظرني بالاسفل عند سيارتك لا تتاخري.
وقبل ان تعلق بشيء كان قد اغلق الهاتف.
نارة بغضب: احمق و مغرور.
حسنا انا سأريك.
نزلت الى مطعم الفندق وطلبت فطورا.
على الرغم من انها لا تتناوله بالعادة ولكن ذلك كي تتاخر على ذلك المغرور الاحمق كما اسمته.
بعد مرور نصف ساعة رن هاتفها مجددا.
لم تجب مباشرة ولكنها اجابت بالنهاية.
- زوجتي المستقبلية العزيزة صحة وعافية.
ولكن لا تكثري كي تبقي رشيقة فانا لا احب الفتيات السمينات.
نعم انها الجملة التي اشعلت النار براسها.
وخرجت بغضب تتوجه لقتل ذلك الاحمق.
نجح باستفزازها بمرتبة الشرف.
وصلت سيارتها ووجدت ابتسامة النصر تعلو وجهه.
اما هي فقد تلون وجهها بالغضب.
وقبل ان تتكلم رمى لها مفاتيح سيارتها التي نست اخذها البارحة.
وتوجه نحو سيارته وقال: اتبعيني.
- نارة بغضب: لن افعل.
- جاد: بلى ستفعلين.
- نارة: قلت لا يا...
وقبل ان تكمل قال: مغرور اعلم هيا بنا.
- نارة: بل احمق.
اقترب منها ووضع يديه على كتفيها وقال بحدة خفيفة:
- ان استمر لسانك هذا برمي الكلام هكذا اقطعه لك واريح العالم من شره.
ثم توقفي عن التصرف كطفلة مدللة و نفذي ما اقوله.
قامت نارة بدفعه و قالت بغضب:
- من تظن تفسك لتكلمني وتأمرني هكذا؟
توقف عن اعطائي الاوامر فلا احد يفعل معي ذلك.
ثم اياك والاقتراب مني مجددا اتفهم ايها الاحمق المغرور.
رد بهدوء عكس غضبها:
- انا افعل وكما قلت "لكل شيء مرة اولى بالحياة".
دهشت نارة فهذه جملتها التي قالتها لجاك بالمطعم.
- وقالت بدهشة: من انت بحق الجحيم؟
- قال ببرود: انا الجحيم ذاته هيا بنا.
تبعته بهدوء فهي بحالة استغراب كبيرة وتفكير.
أيعقل بان يكون يعلم سرها الذي اخفته بقلبها مدة طويلة؟
رواية كأس من الألم الفصل الخامس عشر 15 - بقلم وتين قطامين
حقا أنا الآن محتارة جدًا من هذا الرجل وكيف يعلم تلك التفاصيل عني؟ وماذا يريد مني؟ ولماذا يريد مساعدتي؟ أم هو ضدي؟ ولكن يستحيل أن يكون من رجال عز لأنه لو كذلك لقتلني وأخواي بدبي ولم يعطني أسهم بشركة عز. أشعر وكأني أتعامل مع شخص رمادي بصورة مظلمة، أحيانًا أشعر بأنه فعل هذا معي ولكن لا أستطيع تصديق هذا الشعور والوثوق به، لا أقدر على ذلك. شعوري ناحيته مزعج للغاية، فأنا لم أعتد يومًا الوثوق بأحد، لذلك كنت دائمًا في تعاملي مع الآخرين حريصة جدًا وأيضًا دقيقة الملاحظة لدرجة تجعل الجميع مكشوفين أمامي، ولكن أفشل بذلك معه، لماذا؟ يستطيع دائمًا إسكاتي وإرغامي على فعل ما لا أريد دون أن يبذل أي جهد يذكر، ما هذا؟ أكاد أجن، عليّ أن أبدأ التعامل معه بهدوء أكثر إن أردت أن أفهم ما يحصل حولي.
بعد قيادة استمرت نصف ساعة تقريبًا، أوقف سيارته ونزل منها وأشار لها بأن لا تنزل، فانتظرت بسيارتها ونظرت له وهو يتحدث إلى أحدهم، وبعد قليل رأته يتجه نحوها وقال:
"تعالي معي، ولكن إياك أن تقولي كلمة واحدة بالداخل، تسمعين فقط."
نارة: "ما هذا المكان؟"
ريان: "إنه المكان الذي بداخله إجابات لأسئلتك."
نارة: "تعني..."
ريان: "أجل، هيا، ولكن أرجوك نفذي ما أقول."
طأطأت برأسها بهدوء وتبعته، كانت نارة تشعر بقلبها يعتصر، لديها شعور يؤلمها ولكن لا تعلم ما هو. وصلا لغرفة فيها رجل لديه ندبة كبيرة بوجهه تشير لتلقيه جرحًا عميقًا بوجهه منذ زمن طويل، وكانت تشعرها بالخوف ولكنها لم تظهر ذلك، وابتلعت ريقها بصعوبة وحاولت التماسك، نظرت لريان برعب وهي تلوم نفسها على القدوم، ولكنه ولأول مرة يعطيها نظرة أمان وكأنه يقول: "لا تقلقي، أنا معك." شعرت بالقليل من الراحة ولكن ما زال توترها واضحًا.
ريان: "اجلسي، هذا محمود مساعد عز الدين قبل عشر سنوات."
جلست نارة على المقعد المقابل لمحمود وجلس ريان بجواره.
ريان: "كنت تبحثين عن إجابات ومعلومات عن عز الدين، أليس كذلك؟ وهو من سيقدمها لك."
نارة: "أنت محمود السيد، أليس كذلك؟"
محمود: "أجل."
بالبداية استغرب ريان معرفتها له، ولكنه أخفى هذه التعابير عن وجهه سريعًا.
نارة: "قبل أن أسألك عن أي شيء، هو سؤال واحد لا غيره، لم عليّ الوثوق بكلامك وبأنك ستقول الحقيقة؟"
محمود: "سؤال وجيه، والإجابة هي ما ترينه بوجهي، فهذا الجرح سببه عز الدين. لا أنكر بأني عملت معه مدة طويلة، ولا أقول لك إنه طيلة هذه المدة كان عملنا مشروعًا، ولكن لم أتسبب يومًا بمقتل أحد، أقسم لك بذلك."
نارة بنبرة باردة متألمة: "وماذا عن يوسف اليوسفي وعائلته؟"
محمود: "تلك الجريمة هي كانت سبب انتهاء عملي مع عز الدين."
نارة: "تكلم."
محمود: "قبل 15 سنة، دخل عز الدين عالم الأعمال وكان قد واصل الليل بالنهار كي يوسع أعماله، وبالبداية كانت أعماله صغيرة، ولذلك لم يجذب انتباه الشركات الكبرى أو العصابات، واستمر على هذا الحال 3 سنوات حتى أتت لعز الدين الفرصة لدخول مناقصة كبيرة."
"وكانت شركة يوسف اليوسفي هي صاحبة المشروع، وفاز بها عز الدين، ومن هنا بدأت شراكة عز الدين ويوسف اليوسفي، وبعد سنة تطورت أعمال عز الدين بشكل كبير جدًا، والفضل بذلك لتلك المناقصة والشراكة مع يوسف. كان يوسف رجلاً نظيفًا ولا يقبل أبدًا دخول أي أعمال غير قانونية."
"هذا كان مبدأه الثابت بعالم الأعمال، مما أعطى شركته مسمعيات قوية بالسوق وسلاسة كبيرة على الحدود، فكانت شحنته نادرًا ما تفتش، وإن فتشت تفتش تفتيشًا عاديًا جدًا. ولكن عز الدين كان مبدأه الوحيد هو المال، ولا يهتم لأي شيء آخر. وتعرف على رجل يدعى جوزيف في ذلك الوقت. جوزيف لم يكن بهذه القوة التي هو عليها اليوم، وأبرما اتفاقية بقيمة مليوني دولار بتمرير شحنة أسلحة، وقد تم الأمر فعلاً، وصفقة تلو الأخرى، وخلال عام أصبح رصيد عز الدين من مليون ونصف إلى 20 مليونًا، وكان أمرًا مثيرًا للشك بالفعل بالنسبة ليوسف، وعندما بحث بالأمر اكتشف حقيقة أعمال عز الدين."
"وعندها جن جنونه، ولا يصدق كيف حصل كل ذلك، وبآخر شحنة -وكانت الأضخم- كانت بقيمة نصف مليار، قام يوسف بإخبار السلطات وفشلت العملية وسُجن عز الدين."
نارة: "وبعد ذلك كيف خرج؟"
محمود: "قام بلعبة قانونية بأن طلب الخروج مدة زمنية محددة كي يأتي بالأدلة التي تثبت براءته، شرط أن يوقف جواز سفره وأن يعمم عليه كي لا يسافر." وقال بخزي: "وأنا ساعدته بذلك."
نارة بغضب: "أنت فعلت ذلك! أنت من أخرج ذلك الشيطان اللعين! أنت..."
وقبل أن تكمل، قاطعها ريان:
"نارة، اهدئي واسمعي القصة للنهاية."
نارة: "كيف تريد مني أن أهدأ؟ إنه مجرم مثله وأكثر، فهو الذي أخرجه."
اقترب ريان وهمس لها: "نارة، توقفي، وإلا لن نعرف أبدًا باقي القصة، أرجوك."
هدأت نارة قليلًا وقالت: "أكمل."
محمود: "عندما أخرجته، ظننت أنه سيهرب، وهذا كان المخطط له، وقد أعددت له جواز سفر وهوية جديدة، وكان كل شيء جاهزًا. بعد خروجه بثلاثة أيام، كان المفترض أن يسافر، ولكن عندها التقى بابنه ياسر، ولا أعلم ما قاله عز الدين لياسر حتى جن جنون ياسر وأراد قتل ميرال التاجي زوجة يوسف."
"هذا الجزء من القصة ليس عندي، بل عند ياسر وعز الدين."
نارة: "ولكن ياسر قُتل، هل فعلاً عز الدين هو من قتله؟"
هز محمود رأسه وقال: "أنا لا أدري."
نارة: "لماذا أراد قتل زوجة يوسف، ويوسف هو من سجن عز الدين؟"
محمود: "أهداف عز الدين بالنسبة لي كانت واضحة، أراد قتل ميرال ليحرق قلب يوسف، فهو كان يعلم كم كان يوسف يحبها بجنون، ومن ثم يلصق التهمة بيوسف ويسجنه. ولكن لا أعلم كيف أقنع ياسر بالأمر، فياسر لم يتورط يومًا بأعمال والده حتى كان له عمله الخاص بعيدًا عن عمل والده القذر، ولكنه أيضًا لم يفكر يومًا بمعارضته أو منعه من هذا العمل، يمكنني القول إنه كان بعيدًا فحسب، لا يقبل ذلك ولا يرفضه."
وأكمل قائلًا: "لقد خططوا لكل شيء، قرروا اقتحام منزل يوسف بالليل وقتلهم، ودخلوا هناك بحرص، ولكن من سوء حظهم أن ابنة يوسف كانت مستيقظة، وعندما رأتهم ذهبت وأيقظت والديها، وخرج يوسف ليرى من بالبيت وأين الحرس وأخذ سلاحه تحسبًا لأي شيء، وأخذت ميرال أولادها وأخفتهم وخرجت خلف يوسف، ولكنها لم تجده، بل وجدت ياسر، عندها ضربها ياسر كثيرًا حتى أنه لم يبقَ مكان بجسدها لا ينزف، وبعدها طعنها. رآهم يوسف وأطلق النار على ياسر، فجاءت الطلقة بكتفه، وجاء عز الدين على صوت إطلاق النار، فهو كان بمكتب يوسف يسرق أوراق منها صفقات ومنها أوراق أملاك ودمر كل دليل لدى يوسف يدينه فيه، وعندما رأى ياسر على الأرض، غدر بيوسف من الخلف وأطلق عليه ثلاث طلقات. بقي عز الدين يبحث عن أولاد يوسف حتى وجدوا الصغيران، ولكن لم يجدوا ابنته الكبيرة ولم يهتموا كثيرًا بالأمر، فأصابة ياسر نزفت كثيرًا وقتل الطفلين، وقاموا بمسح كل الأدلة على وجودهم وأظهروا الأمر أن يوسف من قتلهم وانتحر بعدها، واتهم عز الدين بقتلهم، ولكن لم تكن هناك أدلة كافية، فأُخرج من القضية، وأيضًا بقضية السلاح أُخرج منها، وبعدها استولى على كل أعمال يوسف وشركاته لعدم وجود وريث له، وهنا بدأت إمبراطورية عز الدين تبنى ومن أعماله غير المشروعة أيضًا. عندما علمت بأمر ما حصل وتأكدت من أن عز الدين هو الفاعل، شعرت بذنب عظيم لأنني كنت السبب، أنا لم أرد قتل يوسف وعائلته، فقط أردت إخراج عز الدين، وهو أكد لي بأنه يريد الهرب فحسب، وعندما واجهته هذا ما حصل لي."
نارة: "لم لم تقدما ما لديك للتحقيق؟"
محمود: "كانت القضية قد أُقفلت، كما أنني لم تكن لدي القدرة لمواجهة عز الدين وقتها، وحتى المحامي الذي كان يتابعها اختفى. حاولت الوصول له كثيرًا ولكن دون جدوى."
نارة: "وماذا عن ابنة يوسف؟"
محمود: "لم يرَ فيها عز الدين تهديدًا، فهي بلا مال ولا قوة أو حتى ملجأ، لذلك لم يدقق كثيرًا بأمرها، ولأكون أكثر دقة، هو لم يستطع الوصول لأي أثر لها، ربما ماتت."
نارة: "تعلم بأنك مجرم بقدره أو أكثر حتى، فأنت تسببت بمقتل عائلة بأكملها، وأيضًا ساعدت عز الدين بأعماله طوال سنين."
محمود: "أعلم ذلك، وأنا أحاول التكفير عن ذلك."
نارة وقد فقدت أعصابها: "تكفر عن ماذا؟ عن موت تلك العائلة التي لم تؤذيك يومًا؟ أم على تلك الفتاة التي لا تعلم ماذا حل بها؟ أم تكفر عن كل تلك الأعمال؟ هل تعلم ماذا فعلت كل تلك الشحنات من السلاح والمخدرات؟ تعلم أم أنك لا تعلم؟ أنت أيضًا شيطان مثله وتستحق العقاب."
محمود: "أعلم ما فعلت جيدًا، ولذلك أنا سأساعدكم بأن أقدم لكم معلومات عن آخر 10 صفقات قام بها وتفاصيل مهمة."
نارة ضربت يدها بالطاولة التي أمامها بعنف: "لا أحتاج منك شيئًا، أنت مخادع وكاذب مثله."
ريان: "نارة، اهدئي." ووجه كلامه لمحمود: "أنا سآخذ منك هذه المعلومات." وأعطاه محمود ملفًا. أخرج ريان نارة وأخذها إلى سيارتها وأجلسها ودخل خلفها وأقفل السيارة وانتظر قليلًا ثم قال بشك:
"أين أنتِ بهذه القصة يا نارة؟"
نارة تحاول أن تهدأ كي لا تكشف أمرها وردت عليه ببرود عكس النار التي بداخلها:
"ليس هذا السؤال الصحيح، بل أين أنت بكل هذا؟"
ريان: "لا تجيبي على سؤالي بسؤال آخر."
نارة سكتت قليلًا وردت: "ليس مهم أين أنا بهذه القصة، المهم هو ما أريده اليوم."
ريان: "وماذا تريدين؟"
نارة: "أريد محاسبتهم جميعًا على كل شيء، على أعمالهم غير المشروعة وعلى جرائمهم، أريد هدم عالمهم فوق رؤوسهم."
ريان: "ولكن كي أثق بك، يجب أن أعرف لماذا؟"
نارة قالت بنبرة تخلو من أي معنى: "ريان، أنا سأسير بهذا الانتقام حتى النهاية، لا يهمني من سأكسب ومن سأخسر، لن أتراجع أبدًا. أتفهم إن أردت مساعدتي، أقبل ذلك، وإن لم ترد أيضًا أقبل ذلك. لا تطلب معرفة الكثير عني، فأنا لن أخبرك بشيء ولن أسألك عن شيء أيضًا. ما أريده واضح، وإن فكرت أن تغدر بي عندها يا ريان، سأقتلك. أنت مجبر على الوثوق بي كما أنا كذلك. لا أريد معرفة المزيد يا ريان، ولا أريد أي إجابات. ما أريده الآن هو إنهاء وجوده من هذا العالم، هو وكل من يساعده. أأنت معي؟"
ريان: "لا أنكر بأن غموضك هذا يدفعني للجنون، ولكن ما أعلمه عنك جيدًا هو أنك فعلًا تكرهين هذا الرجل، ربما مثلي، لذلك أنا موافق يا نارة على مساعدتك، ولكن اعلمي شيئًا واحدًا، إن غدرتي بي أنا أيضًا لن أتردد بقتلك. ولا تعتقدي بأن حديثًا عن سبب انتقامك انتهى هنا."
مدت نارة يدها له وقالت بثقة: "إذا اتفقنا." ومد يده لها وقال: "أجل، اتفقنا."
هذان الاثنان غريبان حقًا، لأن الأشخاص عادة ما يجمعهم الحب ويفرقهم الكره والغضب، أما هذان فجمعهما الكره والغضب والرغبة بالانتقام، وأسرهم الغموض، لا حب ولا كلمات غزلية، لا شيء من كل هذا، ولكن يوجد ثقة وترقب مستمر، شبه علاقة ولكن دون وجودها من الأصل، هم التناقض بحد ذاته.
رواية كأس من الألم الفصل السادس عشر 16 - بقلم وتين قطامين
جوزيف: يصرون على حضورك شخصيا لكي يثقوا بأن كل شيء سيكون على ما يرام.
عز الدين: أنا لا أقابل أحد. ذلك مخاطرة كبيرة.
جوزيف: حاولت إقناعهم بذلك ولكن لا يقبلون إلا بالتعامل مع الرئيس المباشر.
عز الدين: هل حددتم موعد التسليم؟
جوزيف: كلا.
عز الدين بغضب: لماذا كل هذا التأخير؟
جوزيف: أخبرتك، يرفضون التحدث بأي تفاصيل قبل مقابلتك.
عز الدين: اللعنة. حسنًا، حدد موعدًا للقائي معهم وخُذ حذرك جيدًا.
جوزيف: لا تقلق، سأفعل.
عز الدين: هل تصرفت بموضوع تلك الفتاة؟ أعني، لم أرها اليوم.
جوزيف توتر قليلاً ثم قال: لقد فعلت، ولا أظن أنها ستتجاسر وتأتي إلى هنا مجددًا.
عز الدين: وماذا فعلت؟
جوزيف: لنقل تنبيه بسيط.
ضحك عز الدين: أحسنت. لا أريد رؤية وجهها قبل إعادة الأسهم منها.
جوزيف بلؤم: أتُنكر جمال وجهها؟
ضحك عز الدين أكثر وقال: لا أفعل، فهي... وبتر جملته عندما رآها تقف على باب الشركة تنزل من سيارتها وتريد الدخول. وصمت قليلاً من الوقت.
انتبه جوزيف لشروده وسأل بتوجس: ما بك؟ لما توقفت؟
توقف لأنه رآني. قالتها نارة وهي تدخل مكتب عز الدين. أغلقت الباب وأكملت: كما هو حالك الآن يا جوزيف. ماذا أظننت أني سأخافك؟ أم أني لن آتي مجددًا إلى هنا؟ وجلست ووضعت قدمًا فوق الأخرى وقالت بصوت يخلو من أي نبرة خوف، بل بنبرة تخيف من يسمعها: لست معتادة على الهرب يا جوزيف. لم أفعل يومًا ولن أفعل اليوم.
عز الدين: من أنت؟
نارة نهضت من مكانها وتحركت نحوه خطوات، بضع خطوات بطيئة وقالت: أنا صاحبة هذه الشركة ومديرة مجلس الإدارة فيها، وأنا لا أنوي التنازل عن ذلك أبدًا.
عز الدين: أنت تلعبين بعداد عمرك.
نارة ردت ببرود مستفز: أليس عمري؟ أفعل به ما أريد.
هتف بها عز الدين بصوت عالٍ: من تظنين نفسك كي تقفي أمامي هكذا؟ وأكمل بشر واضح ووعيد: أقتلك ولا أدع أحدًا يصل لجثتك. ستعيدين الأسهم وتتنازلين عن كل شيء وترحلين من هنا، أفهمت؟
ابتسمت بسخرية، ابتسامة لا تتناسب أبدًا مع الموقف، وقالت: لن تجرؤ على ذلك. حتى. وأخرجت ملفًا من حقيبتها ورمته عليه. وقالت: في هذا الملف شكوى واضحة بأنني أتهمك وأتهم جوزيف بخطفي البارحة. وإن حصل لي أي شيء مهما كان، فأنت وهو تذهبان للسجن مباشرة.
ضحك عز الدين ضحكة مقززة وقال: كان غيرك أذكى بكثير. أتظنين أن شيئًا سخيفًا كهذا سيمنعني؟
فتاة سخيفة وغبية.
ردت نارة بهدوء قاتل: بل سيفعل يا عز. لأن مساعدك رجل ساذج وارتكب غلطة كبيرة البارحة. أوقعتكم بمشكلة كبيرة. ولأن... لا. سأدعك ترى أفضل. وفتحت باب المكتب وقالت: تفضلوا.
وكانوا رجال الشرطة. وقاموا مباشرة باعتقال جوزيف. وأكمل المحقق: سيد عز الدين، وأنت تفضل معنا.
قال عز بغضب: ماذا يحصل هنا؟ ما هذه المسخرة؟
جلست نارة مجددًا وقالت: على رسلك. فالغضب سيئ على من هم بعمرك. ثم سأخبرك ماذا يجري: مساعدك الأحمق لم ينتبه لوجود كاميرات مراقبة عندما كلف أحد رجاله بإعطاء النادل المخدر ليضعه في عصيري. واعتقل النادل واعترف بذلك. وأيضًا الرجل الذي أعطاه المخدر قد اعتقل واعترف على جوزيف. لذلك هو سيذهب للسجن. وأنا طلبت برنامج حماية يجعلك أنت وجوزيف، إن حصل لي أي شيء، المشتبه بهم رقم واحد.
وقال المحقق: كما سمعناك وأنت تهددها بالقتل وهذا بحضورنا. لذلك ستأتي معنا كي توقع على إقرار بعدم التعرض لها أبدًا.
عز الدين لا يجد ما يقول. فهو بالفعل وقع بالفخ. ولم يفهم ما كانت تحاول الوصول له بنبرتها المستفزة تلك. وأصبح بمشكلة صعبة. لأنه إن ثبتت عليه تهمة واحدة فقط، فلن يكون من الصعب إثبات الباقي. وكذلك عندها سيتخلى عنه الجميع ولن يجد من يخلصه. لذلك التزم الصمت. وأخذت رجال الشرطة كل من عز الدين وجوزيف. وكانت هذه إهانة كبيرة بحقه أمام جميع موظفي الشركة. وبقي يتوعد لنارة بسره وبأنه سيجعلها تدفع الثمن غاليًا.
بعد رحيلهم، شعرت نارة بغصة كبيرة بقلبها. فهذا مكتب والدها. وذلك اللعين لم يغير به أي شيء سوى أنه أزال صورًا كان يضعها أبوها لها ولأمها بمكتبه. ووضع بدلًا عنها صورة كبيرة تمتد من أعلى الجدار لأسفله له هو. نظرت للصورة بكره وحقد شديدين. وأقسمت على تدميره واستعادة كل ما هو حق لأهلها وتبرئة اسم أبيها من كل التهم التي ألصقها به ذلك اللعين.
رن هاتفها وأجابت: كل شيء سار بشكل جيد.
ريان: ممتاز. كوني حذرة. فأنت الآن أعلنت الحرب عليه بشكل صريح ومباشر.
نارة: لا تقلق، سأكون بخير.
ريان: علينا أخذ الخطوة التالية يا نارة بسرعة قبل خروجه من هذه المشكلة.
نارة: أفهم ذلك، ولكن أريد بعض الوقت قبل هذه الخطوة.
ريان: توقفي عن التردد. أنا سأفي بوعودي لك.
نارة: أعلم. وأغلقت الهاتف. وبدأت البحث بمكتب عز عن أي شيء مفيد. ولكنها لم تجد شيئًا مفيدًا. وكان عليها الخروج قبل أن ينتبه أحد من الموظفين. فهي استغلت حالة الفوضى بقدوم الشرطة وأخذ عز وجوزيف.
(على الناحية الأخرى عند ريان)
ضحك آدم حتى أدمعت عيناه على أن ريان الغاضب من تلك التي أغلقت الخط في وجهه. ولكنه صمت تمامًا عندما رمقه ريان بتلك النظرة الحادة.
ريان بغضب: اصمت. وإلا أصمتك للأبد.
آدم: أنا. وأشار على نفسه. أنا صامت. ولم أفتح فمي بكلمة.
ضحك ريان بغيظ واضح: أأجدها منك أم من تلك المتمردة؟
ضحك آدم: من كلانا.
ريان: قدر أسود. أقسم بذلك. لا أفهم ما صعوبة أن تنفذ ما أقوله لو لمرة يا رجل.
آدم: الصعب أنها طوال حياتها الأمر، وليس العكس.
ريان: ولكنها ستودي بحياتها هكذا.
آدم: لا أعلم يا ريان. أرى فيها شيئًا مختلفًا. أعني، عندما أنظر بعينيها أرى غضبًا، أرى قوة، وأرى جرأة كبيرة. ولكن لا ألمح أي تعابير خوف أبدًا. رغم إدراكها لخطورة الوضع. لا أشعر أن الحياة شيئًا مهم كثيرًا بالنسبة لها.
ريان بتفكير: أنا أرى ألمًا كبيرًا. لا أعلم ماذا فعل بها عز الدين. ولكني أعلم جيدًا أنه كبير. كبير لدرجة جعلتها بالفعل تستغني عن حياتها.
آدم: إذا، ماذا ستفعل؟
ريان: سأحميها يا آدم. فقد طلب مني ذلك حتى أفهم سرها.
آدم: ألم يخبرك لماذا عليك ذلك؟
ريان: كلا. كل ما قاله إنه علي ذلك لأكفّر عن ذنبه. ولكني لا أفهم ما علاقتها بذنبه.
آدم: وأنا محتار بشدة.
ريان: حسنًا، علي الذهاب ورؤية تلك المتمردة.
آدم: حسنًا يا أخي. وأنا سأراقب عز.
ريان: أعلم بأنه سيخرج هو وجوزيف. ولكن حاول تأخير ذلك قد الإمكان.
آدم: سأفعل.
رواية كأس من الألم الفصل السابع عشر 17 - بقلم وتين قطامين
كانت تجلس بكافيه يطل على البحر ومستغرقة بجهاز الحاسوب الخاص بها جدا.
جلس ريان أمامها بغضب وهو يهتف بها:
لما لم تجيبي على اتصالاتي؟
جفلت نارة على صوته، فهي كانت شاردة بشدة بجهازها ولم تنتبه لقدومه.
نارة:
أي اتصالات؟
أخرجت هاتفها من الحقيبة، وكان قد اتصل بها أكثر من مرة بالفعل.
نارة:
لم أنتبه. أهناك شيء؟
ريان رد بذهول:
أهناك شيء؟ اتصلت بك عشرون مرة ولم تجيبي وتقولين أهناك شيء؟
نارة بملل:
لا تضخم الموضوع. لقد كان هاتفي صامتاً لذلك لم أنتبه.
ريان مسح على وجهه بغضب يحاول الهدوء:
من اليوم ابقيه بوضع العام لأنه ليس كل ما أردت محادثتك به شيء علي قلب الدنيا وأنا أبحث عنك.
نارة:
لماذا تبحث عني؟
ريان:
نارة، أظن أن علينا التفكير بخطوة أخرى قبل أن يبدأ عز الدين بخطوة جديدة.
نارة:
أجل، سأفعل قريباً لا تقلق.
ثم صمتت قليلاً وقالت بتعب:
أوووف، ليس مجدداً.
ريان:
ماذا تفعلين؟
نارة وقد أبعدت الحاسوب قليلاً ومددت يديها:
أبحث عن شيء ولكني لا أجده.
ريان:
أخبريني ربما أعرف.
نارة صمتت قليلاً وأجابت:
إيفا.
ريان:
من هذه؟
نارة:
هي عضواً بمجلس البرلمان الإسباني.
ريان:
أجل، وبعد؟
نارة:
هي حفيدة ذلك اللعين.
عندها أوقع ريان كأس الماء من يده على الأرض وقال بصدمة:
حفيدة من؟
نارة وقد استغربت ردة فعله كثيراً:
من غيره. ثم ما بك لما كل هذا الذهول؟
ريان قال بشيء من التلعثم وبنبرة حاول قدر الإمكان جعلها متماسكة:
أأتعنين أنها ابنة ياسر؟
نارة وما زالت مستغربة:
كلا، هي ليست كذلك.
ريان:
إذاً كيف تكون حفيدته؟
نارة بتفكير:
حسب ما سمعت أن له ابنة تدعى رون وهي أم إيفا وماتت وهي تلدها.
ريان بشك:
يستحيل أن تكون ابنة رون.
نارة بتساؤل:
لماذا يستحيل ذلك؟
ريان:
لأن رون كانت مريضة سرطان وبقيت تصارع المرض ثلاث سنوات ثم ماتت وكان عمرها فقط ثمانية عشرة سنة. أعني أولاً هي لم تمت وهي تلد، وأيضاً هي لم تنجب قط.
نارة بدهشة:
كيف ذلك؟ أأنت واثق؟
ريان:
مئة بالمئة.
وأردف بتردد:
هذا يعني هل يمكن أن تكون ابنة ياسر؟
صمتت نارة قليلاً ثم قالت بتفكير:
لا أظن ذلك لأنه حسب ما أعرف ياسر كان متزوجاً من امرأة تدعى ميرا وكان يحبها بشدة. وعندما كانت ميرا حامل بابنها الأول تعرضت لحادث سيارة أودى بحياتها وحياة ابنها أيضاً، ومن بعدها لم يتزوج ياسر أبداً.
ريان بتساؤل:
إذاً ابنة من هذه؟
نارة:
لا أعلم. كل ما سمعته عنها رواية واحدة فقط وهي أنها حفيدة عز، وأنها ابنة رون التي توفت وهي تلدها. وأول ظهور لها كان وعمرها 30 عاماً وجلبت تعاطف كبير من الناس على أثر قصتها. وطبعاً استغلتها كدعاية حيث أنها انطلقت بمشروع لتحسين الأوضاع الصحية للمرأة والطفل. وفازت بالانتخابات وهي ناشطة بالعمل في هذا المجال. ولكن لا أستطيع الوصول لأي معلومة أخرى مثل مكان دراستها أو أين كانت تقيم ولماذا كانت مختفية طيلة 30 عاماً ولم تكن تعيش مع جدتها ومن والدها لا شيء أبداً.
ريان:
غريب حقاً. وأنت لماذا تريدين معلومات عنها؟
ابتسمت نارة وقالت:
من أجل الخطوة التالية.
ريان:
ماذا تخططين؟
نارة:
عز أشبه بأفعى سامة ولكنه جبان. أقصد أنه يحتمي بالكثيرين وهم من يدعمونه ويقومون بحمايته هكذا ويخرجونه من كل مشكلة يقع بها. ولكي نستطيع فعلاً تدميره لابد من إبعاد الجميع عنه وعندها فقط نستطيع الانتهاء منه بشكل كامل.
ريان بتفكير:
معك حق.
ثم أكمل:
نارة، إذا سمحتي لي فأنا أريد البحث بأمر إيفا بنفسي.
نارة:
لا، بل سأفعل ذلك. ولكن أجبني أولاً، لما توترت عندما قلت لك أنها حفيدة عز الدين؟
ريان بشرود:
لأنني اعتقدت أنها ابنة ياسر.
نارة باستغراب أكثر:
وإن كانت كذلك، ما المشكلة؟
انتبه ريان لنفسه وقال:
لا يعني شيئاً. ولكن لأنني لم أكن أعلم بوجود ابنة له، فاجأني الأمر لا أكثر.
نارة بشك:
ذلك فقط؟
ريان بجمود:
أجل، ذلك فقط.
ألتزما الصمت قليلاً.
نارة:
كنت تقول أنك تريد التحدث معي عندما أتيت.
ريان:
أجل، نارة غداً سنوقع عقد الزواج.
نارة بجمود:
من قال ذلك؟
ريان بهدوء:
أنا فعلت.
نارة:
لن يحصل.
ريان:
بلى.
نارة:
كلا.
ريان:
لماذا؟
نارة:
لا أريد هذه الخطوة كلها يا ريان.
ريان:
أتتراجعين؟
نارة:
كلا، أنا لا أتراجع. ولكن أظن أننا نستطيع الاستغناء عنها.
ريان:
كلا، لا يمكن. نارة أنا لا أقدر على المخاطرة بحياتك وهذه الطريقة الوحيدة حتى أتأكد من أمانك.
نارة:
ريان، أنا لست بحاجة لمن يحميني، أستطيع ذلك بنفسي.
ريان بغضب:
تبحثين وحدك وتحمين نفسك بنفسك وتخططين كذلك، وماذا بعد يا نارة؟ لما نحن شركاء إذا؟
نارة بألم أخفته قدر الإمكان:
أعتذر يا ريان، ولكن هذا طبعي. أنا اعتدت على التصرف دائماً وحدي ويصعب علي تغيير ذلك.
رواية كأس من الألم الفصل الثامن عشر 18 - بقلم وتين قطامين
أخذ ريان مفاتيحه وهاتفه وقال وهو يهم بالرحيل:
إذا افعلي ما تريدين يا نارة، أنا انسحب.
وذهب، وهي بقيت تحدق به حتى اختفى من أمامها.
اعتادت دائماً على البقاء وحدها، وبالأصل لم ترد دخول أحد، والآن هو ينسحب ويتركها، أليس هذا ما أرادت؟ ولكن لما هي غير سعيدة؟ لما تشعر بالفراغ الكبير؟ وكأنه خذلها بتركه لها بالطريق وحدها.
زجرت نفسها وأعادت تلك الطبقة الجليدية على وجهها وملامحها، فهي لا تريد أن تضعف أبداً.
ريان كان يشعر بخنق شديد منها ومن عنادها الكبير، وأيضاً من نفسه على تخليه عنها هكذا، ولكن ماذا يفعل؟ فحتى اليوم لم تقبل بقدومه معها لمواجهة عز، وأيضاً أخفت أنه من ساعدها بالخروج من هناك، هو يريد حمايتها فحسب، ولكن ألم يحاول بما فيه الكفاية؟ لما هو قلق عليها الآن ويشعر بالندم على ما فعل؟
ضرب مقود السيارة ضربات متكررة بغضب، وبدأ يصرخ حتى أدمت يداه، ودعست قدمه على البنزين أكثر، واستمر الغضب يعصف برأسه أكثر.
ريان ونارة، كلاهما يمتلك وجعه الخاص الذي يرغب بشدة التخلص منه وإطفاء لهبه، ولكن لا يريدان البوح فيه أبداً، فتلك العنيدة المتمردة كما وصفها، هي لم تعتد يوماً تلقي الأوامر من أحد، فلذلك تجد صعوبة كبيرة حقاً بتنفيذ ما يطلبه هكذا وحسب. وتلك العنيدة لم يكن يوجد شخص بحياتها يسألها: ما بك؟ أو ما الذي يؤلمك؟ فكأنها فقدت قدرتها على التكلم، هي بمثابة طفل أخرس أغلق الباب على يده ولكنه لم يستطع الصراخ، تظن أنها إن تكلمت وعبرت عن ألمها تخسر جزء من كبريائها، وهي يصعب عليها التنازل.
أما هو، فغامض جداً، كل شيء حوله يخنقه بشدة، شعور أنه ربما لا يكون موجود بالوقت المناسب يسبب له الرعب، فهو تأخر مرة واحدة بحياته ودفع الثمن غالياً، لا يريد إعادة نفس التجربة، ما زال أسير تلك اللحظة التي تأخر فيها، يخشى الشعور بها مجدداً، ولكنه ما زال يعاني منها بالفعل، هو لم يتخطاها من الأصل، إحساسه بالذنب يقتله، شعوره أن الأمر قد يحدث مجدداً يجعله عاجزاً، خائفاً كطفل يبحث عن أمه هنا وهناك ويتخبط بالجميع، يريد فقط الاحتماء بها.
قلت سابقاً أن هذان الاثنان غريبان، جمعهما الكره في حين أن الجميع يجمعهم الحب، والحقيقة أن الاثنان جمعهما السجن نفسه ولكن بتهم مختلفة.
الألم والعذاب ذاته ولكن بمنظور كل منهما، فهي عنيدة ذات كبرياء يمنعها حتى من عيش ألمها كأي أحد، وهو يجرحه رفضها، يرعبه فكرة موتها، يخnقه شعوره بالذنب، ألهمت تلك المشاعر قلب كل منهما، فهل يمكن للمريض أن يصبح طبيباً لغيره يوماً؟
نارة كانت حالتها لا تختلف كثيراً عن ريان، فهي غاضبة، ترغب معاتبته على تخليه هكذا، ولكنها لن تفعل، أرادت منعه من الرحيل، ولكن الكلام لم يخرج معها، جرأتها المعهودة خذلتها أيضاً.
جمعت أشياءها وذهبت لسيارتها وقادتها بجنون، لا تعلم أين سيأخذها هذا الطريق أبداً. بقيت تقود سيارتها بدون هدف حتى وصلت على قمة جرف عالي. نزلت من سيارتها ووقفت عند ذلك الجرف تستنشق الهواء لعلها تهدأ قليلاً، ولكنها لم تنتبه لتلك الصخور، كانت ملساء وأنها ترتدي حذاء عالي، تعثرت خطواتها وسقطت من الجرف، ولكنها أمسكت بغصن شجرة هناك وحاولت الصعود قدر استطاعتها، ولكنها لم تقدر وبدأت تحس بالآم بيديها وأنهما تنزلقان، ولكنها بقيت تتشبث وتحاول.
فكلما أرادت الاستسلام والرضا بالموت، يبعث عقلها صوراً برأسها، صورة لأخويها وأنها وعدتهم بإحضار هدية جميلة لهما عند عودتها، وذكريات جميلة جمعتها بوالديها ولحظة موتهما، وأنها أقسمت على أخذ حقهما. وهنا صرخت تطلب النجدة، ووجدت يداً قوية تمد لها، أجل، كان هو ريان. نظرت له بعدم تصديق، أنه هو بالفعل.
وما أيقظها هو صوته وهو يقول:
أعطني يدك.
ردت بضعف:
لا أقدر أن أفلت يدي ساقع.
رد عليها بقوة:
لن يحصل، أعدك بأنني سأمسك بك.
بقيت مترددة قليلاً، ولكنه صرخ بها:
ثقي بي، هيا!
عندها أغمضت عينيها وجمعت شجاعتها وأفلتت يدها ومدتها له، وهو بالفعل أمسكها وضغط عليها بقوة ورفعها، وأخذها وابتعدا عن حافة الجرف.
ذهلته الشيء الذي بعده، فقد رمت نفسها بحضنه وكأنها تحتمي من شيء ما، وشدد على احتضانها وبدأ يهمس لها كي يجعلها تهدأ:
لا تقلقي، انتهى، أنت بخير الآن، أنا هنا.
جمدته الجملة الثانية:
لا تذهب مجدداً.
جمدته، بل كانت بمثابة صاعقة كهربائية أصابته، لم يدري ما يفعل سوى أنه وجد نفسه تلقائياً يمسح على شعرها بهدوء ويقول:
لن أفعل، أعدك بذلك، لن أفعل أبداً، فقط اهدأي، أنا آسف.
وبقيا هكذا مدة طويلة لم يشعر بها أحدهم أو يعلمها، حتى خرجت بهدوء من حضنه وقال:
أنا آسف.
ردت نارة:
لا تعتذر، أرجوك، أنا... أنا أشكرك على إنقاذي.
ريان:
لا داعي للشكر، هذا واجبي، المهم أنك بخير.
وضع يده على قلبه:
كاد قلبي يتوقف من القلق عندما عدت ولم أجدك بالكافيه، ألا تعرفين البقاء بمكان واحد؟
شعرت نارة بفرحة غريبة وقالت:
كنت قلقاً علي؟
ريان وهو يضع أصابعه بشعره:
أجل، اعتذر لنرفزتي عليك وغضبي، أنت لا تفهمين، ولكن في يوم يا نارة كان من الواجب علي حماية أحدهم وأنا تأخرت عليه، خسرته للأبد وأنا لم أستطع مسامحة نفسي على ذلك أبداً، أخشى من تكرار ذلك معك، لذلك ربما ضغطت عليك زيادة، أنا أعتذر منك، أنا لم أقصد ذلك حقاً، ولكن أرجو أن تتفهمي موقفي.
نارة بهدوء:
أنا موافقة يا ريان، غداً نوقع عقد الزواج.
نظر لها ريان:
أأنت واثقة؟
ضحكت نارة بعذوبة وقالت:
أتعلم أنني أغير كلام أقوله؟
ضحك ريان وقال:
أبداً.
وركبا السيارة سوياً، على الرغم من وجود سيارتها، ولكن لا تعلم لماذا فعلت ذلك، استغرب ريان أيضاً ولكنه لم يعلق على الأمر، وهذه المرة كان الأمر مختلفاً، فهي لم تكن تنظر من النافذة بالألم ولا يطبق الصمت حزناً، واخترق صمتهما ضحكة ريان، استغربتها نارة وسألته:
لما تضحك؟
زاد ضحكه وقال:
لو كنت أعلم أن الأمر كان يحتاج أن أنقذك من الجرف لكي توافقي، لكنت اختصرت الموضوع على نفسي ورميتك أنا بيدي.
ضحكت نارة بغيض:
تعلم، لقد غيرت رأيي، لا أريد.
اتسعت عيناه بدهشة ثم حدق بمكر وقلد صوتها:
أتعلم أنني أغير كلام أقوله؟
ضحكت نارة وهو تاه بتلك الضحكة الجميلة حقاً، وقالت:
أشفق عليك إن كان فعلاً صوتي هكذا.
ريان:
لي الجنة على تحملك، لا تقلقي.
نارة بتفكير:
صحيح، كيف وجدتني؟
ريان:
شعرت بالذنب لأني تركتك هكذا، لذلك قررت العودة، ولكنني لم أجدك بالكافيه الذي كنا فيه، وسألت عنك، وقال لي أحدهم أنك ذهبتي من الطريق الغربي، لذلك سرت خلفك بسرعة حتى رأيت سيارتك واقفة عند ذلك الجرف، نزلت أبحث عنك، ولكن لم أجدك إلا عندما طلبتي المساعدة.
نارة:
أعتذر منك.
شعر ريان من خلال صوتها بأنها تتألم فعلاً، كما أنه يعلم أن الاعتذار شيء بعيد عنها، لذلك أراد تحويل مجرى الحديث:
عفواً، انزلي من السيارة.
نظرت به باستغراب:
ماذا تقول؟
ريان:
أظن أن هناك خطأ ما، أنا أبحث عن فتاة عنيدة، متمردة، لئيمة أحياناً، أما أنت فتاة لطيفة ومهذبة، لذلك أظن أنه هناك خطأ بالتأكيد، أنت لست هي، ولكنني لا أمانع أبداً استبدالها بك.
نارة ضربته على كتفه وقالت:
أنصحك بالالتزام بالصمت.
ريان يدعي الألم ويضع يده على كتفه:
حسناً، الآن تأكدت من عدم وجود خطأ.
ابتسمت نارة ولكنها دارتها سريعاً، ولكن هو لاحظها وأوصلها للفندق وودعا بعضهما، في طريقه عادته رأى نفسه يبتسم بشكل كبير وهذا ليس طبعه، ولكنه بالفعل سعيد، وضع يده على قلبه ووجده ينبض بسرعة كبيرة، وهي لم تكن تختلف كثيراً عنه، فقد كانت تشعر بقلبها يسابقها وينبض بشكل كبير، وتنظر ليدها التي أمسكها ورفعها منها بسعادة وابتسامة غريبة على وجهها، ونامت بسعادة كبيرة حتى دون أن تغير ملابسها، نامت براحة وطمأنينة كبيرة لم تشعر بها منذ زمن، ولأول مرة منذ سنوات لم تراودها الكوابيس.
ونجح ذلك الشعور الصغير بالتسرب لقلبيهما، ولكن هل سيكبر يا ترى أم سينتهي ويموت؟ هل سيترك القدر لهما السعادة بسهولة هكذا أم أن له رأي آخر؟
رواية كأس من الألم الفصل التاسع عشر 19 - بقلم وتين قطامين
في اليوم التالي، استيقظت نارة بنشاط كبير. أخذت حمامًا سريعًا، وعندما خرجت انتبهت لهاتفها يضيء، تردها مكالمة. ولكن هاتفها صامت. كان ريان.
نارة: صباح الخير.
ريان: صباح النور، أنا بالأسفل. أيمكنك المجيء؟
نارة: سأحتاج بعض الوقت.
ريان: لا بأس.
بدأت نارة تعد نفسها. ارتدت فستانًا باللون الوردي البارد، ذو ثلاثة أرباع كم وأكمامه شفافة. كان ضيقًا من الأعلى ويحتوي على حزام فضي لامع، ويتسع من بعد الحزام. ارتدت كعبًا عاليًا باللون الفضي وحقيبة من نفس اللون. أفلتت شعرها الأسود الطويل للخلف، فوصل لنهاية ظهرها. وضعت القليل من مساحيق التجميل، فكانت حقًا فاتنة الجمال.
نزلت لأسفل حيث يجلس ريان بانتظارها. ولكنه أسهم بتلك الفاتنة التي أمامه. متمردة هي بكل شيء، حتى بجمالها. تحمل رونقًا مختلفًا يتمرد على الجميع، فيوقعهم بجمالها الآخاذ مهما حاولوا المقاومة.
ابتسمت بهدوء وقالت: اعتذر إن تأخرت.
ريان: لم تفعلي، هيا بنا.
ركبا معًا. أخذها ريان بالبداية لتناول الفطور سويًا. وعندما جلسا على الطاولة، طلبت هي فقط عصير مانجا. استغرب قليلًا وقال: ألا تريدين أن تفطري؟
نارة ردت بعفوية: أنا لا أتناول الفطور أبدًا.
ضحك ريان بغيظ: هكذا إذا لا تفعلين.
تذكرت نارة عندها تلك المرة التي تأخرت عليه فيها عمدًا بحجة الفطور، وضحكت وحركت يدها تدعي البراءة: إلا في ذلك اليوم، كنت جائعة بشكل غريب.
ريان: أجل أجل، أصدقك طبعًا.
شربت عصيرها باستمتاع وتناول هو الفطور، وخرجا. اتجها نحو المحكمة ليوقعا عقد زواجهما. وقفت نارة تنتظر قليلًا، ثم أمسك يدها بهدوء وقال: هيا بنا.
نظرت له وابتسمت وذهبا للداخل.
وعندما وصلا، وجدا آدم وماريانا. نظرت نارة لريان باستغراب، وكأنها تسأله عنهما. فأجابها: نحتاج لشهود.
تقدمت ماريانا من نارة وحضنتها بحب: أتمنى لك السعادة، سيدتي.
نارة: نارة فحسب، لا داعي للألقاب. أشكرك ماريانا.
ماريانا: حسنًا نارة، سأحاول الاعتياد على ذلك.
تقدم آدم وابتسم لهما: أتمنى لكما السعادة.
نارة وريان في ذات الوقت: أشكرك.
نظرا لبعضهما وابتسما.
قاموا بتوقيع عقد الزواج، وبالفعل أصبحا زوجين وشهد ماريانا وآدم على ذلك. كانا بالفعل كمن وجد شريكه وحبه بعد زمن، وهو سعيد بذلك جدًا. وكأن هذا الزواج ليس فقط من أجل حمايتها وتحقيق انتقامهما. نسيا ذلك تمامًا اليوم وعاشا سعادة تلك اللحظات من قلبيهما.
بعد ذلك، أخذ ريان نارة في جولة حول المدينة وزارا أماكن كثيرة وجميلة. ثم أخذها عند الشاطئ وبدأ يسيران سويًا على الرمال والبحر على يسارهما.
كانا صامتين، لم يتكلما بشيء. ولكن تلك اللمعة التي بعيون كل واحد فيهما قالت الكثير، والعين الأخرى تسمعها ويزداد لمعانها. واندماجا بشكل كبير لدرجة أنهما لم ينتبها لتلك العيون التي تراقبهما.
قام بتكسير كل شيء حوله وبقي يصرخ بغضب شديد: لماذا؟ لماذا؟ كيف تجرأتِ على ذلك؟
وارتطمت يده بزجاج الطاولة التي كسرها ونزفت بشكل كبير. جلس على الأرض، لم يهتم لنزيف يده، وأمسك هاتفه ونظر لتلك الصورة. كل ذلك الغضب تحول لوجع ودموع.
وقال بضعف: لماذا يا نارة؟ أحببتك بشدة، وأدعو الله ليل نهار أن يحميك ويجعلك لي. وأموت في كل ثانية من بعدك. وأنا أظنك تواجهين الموت والخطر، وأنت تذهبين لتتزوجي. تتركينني هنا لاهتم بأخويك، وأنت تذهبين لتسحقي مشاعري بهذه الطريقة.
ونزلت دموعه بحرقة شديدة على حبه الذي ضاع منه، على تلك السنوات التي أحبها فيها بصمت. وكأنه نسي أنه لم يخبرها يومًا. نعم، اهتم بها ولكن لم يبادر بخطوة واحدة نحوها. ويلومها على بعدها، وهو الذي خسرها بتردده.
وجاءت رسالة من ثلاث كلمات فقط: أكنت تستحق ذلك؟
واشتعلت عيناه بغضب من جديد ورد على المكالمة التي أتته.
رد بصوت مخيف: سأفعل.
في المساء، ذهبا إلى منزل ريان. نظرت نارة لريان بتساؤل. فرد عليها: تزوجنا، لا تعتقدي أني سأعيدك للفندق، أليس كذلك؟
بدت وكأنها نسيت هذا التفصيل. وضحك هو بخفة على تعابيرها ونزلا من السيارة.
لفتت نارة تلك الأسوار العالية وكمية الحراسة الكبيرة التي أمرهم ريان جميعًا بجملة واحدة وهي: من اليوم تبقون خارجًا ولا تدخلوا أبدًا إلا بأمر مني.
وبالفعل خرج الجميع بعد ثوانٍ من جملته.
أخذ ريان نارة في جولة بالمنزل وعرفها على كل جزء منه. فكان أشبه بالقصر وليس المنزل. أعجبها بل ذوقه فيما رأته بالمنزل.
أخذها ريان على غرفة جميلة أعجبتها كثيرًا. تلك الأرجوحة الموجودة في بلكونة غرفتها ورائحة الياسمين التي تعبق بالمكان. فكانت البلكونة تحتوي على شجرة ياسمين بيضاء. كانت الغرفة أشبه بغرفة الأميرات بتفاصيلها البسيطة والجميلة.
ريان: أتمنى أن تعجبك الغرفة.
نارة: إنها جميلة.
ريان: سعيد أنها أعجبتك. ستجدين بالخزانة كل ما قد تحتاجين، وإن احتجت لشيء فغرفتي بجوارك تمامًا.
نارة: حسنًا، شكرًا. تصبح على خير.
ريان: وأنت كذلك.
دخلت نارة إلى الخزانة تخرج شيئًا لتبدل ملابسها، وأعجبتها جدًا الملابس الموجودة. وكانت تقول بنفسها إنها لو هي من اشترت هذه الملابس لكانت أحضرتها نفسها، وكأنها جميعًا على ذوقها واختيارها.
اختارت فستانًا منزليًا مريحًا قصيرًا لونه زهري. وأخذت حمامًا وخرجت على البلكونة تستنشق رائحة الياسمين وتنظر لسماء الليل المليء بالنجوم باستمتاع شديد. وجلست على الأرجوحة تعبث بهاتفها.
لفت نظرها كثرة الاتصالات من جاد. انقبض قلبها واتصلت به عدة مرات ولكنه لا يجيب. اتصلت تقريبًا 20 مرة ولم يجبها أبدًا، وأرسلت له الكثير من الرسائل ولكنه لم يفتحها حتى. كادت تجن وشعرت بأن شيئًا قد حصل لأخويها. وعند هذه النقطة فقدت أعصابها.
نهضت من مكانها تريد الخروج، ولكنها تذكرت أن سيارتها ليست هنا، وانتبهت أنها كانت ستنزل بفستان البيت. صعدت على عجل وطرقت الباب على ريان أكثر من مرة ولكنه لم يجبها. فتحت الغرفة، وكان ريان قد خرج من الحمام توا. أحرجت قليلًا من دخولها هكذا.
رواية كأس من الألم الفصل العشرون 20 - بقلم وتين قطامين
سألها ريان بقلق: ماذا هناك؟
نارة أجابته بنبرة مرعبة تكاد تبكي: جاد لا يرد علي وقد اتصل بي كثيرا... حصل شيء سيئ لابد من ذلك.
قطب ريان حاجبيه باستغراب وحاول تهدئتها: نارة اهدئي قليلا وأجيبي لي ماذا هناك؟
حاولت نارة الهدوء ولكنها لم تستطع: فتحت هاتفي منذ قليل ووجدت جاد قد اتصل بي كثيرا ولكنني لم أنتبه، وعندما اتصلت به لم يجب، اتصلت مرارا وبعثت له رسائل كثيرة أيضا ولكن لم يرها حتى.
وكادت تبكي فعلا وهي تقول جملتها الأخيرة: أخشى أن شيئا سيئا قد حصل لأخواي.
احتضن ريان كتفها وحاول تهدئتها: سأتصرف لا تقلقي.
وأخرج هاتفه واتصل بأحدهم وقال بنبرة جادة جدا: ليث كل شيء على ما يرام عندك أليس كذلك؟
أجابه ليث: أجل سيد ريان كل شيء على ما يرام.
ريان: الصغيران بخير أليس كذلك؟
ليث: بالطبع سيد ريان، ذهبا اليوم للحديقة مع المربية وعادا قبل غروب الشمس، هما بخير أنا واثق من ذلك.
ريان: حسنا يا ليث، أتعلم مكان جاد؟
ليث: تقصد مدير أعمال السيدة نارة؟
ريان: أجل هو.
ليث: خرج اليوم من الشركة بسرعة وكان يبدو غاضبا، توجه لمنزله ولم يغادره الآن.
ريان: جيد ليث، لا داعي لأن أوصيك، لا تجعل الطفلين يغيبان عن ناظرك للحظة وابق يقظا، ربما يحصل شيء سيئ.
وإذا تعلق الأمر بسلامتهما أنت معك كامل الصلاحيات يا ليث، لا تتردد للحظة بفعل أي شيء لحمايتهما.
وأبلغ الشباب أن يبقوا مستعدين.
ليث: بالطبع سيد ريان، هما بأمانتي لا تقلق.
ريان: أثق بك يا ليث، تصبح على خير.
ليث: وأنت بخير سيدي.
نظر ريان لنارة التي ذهب لونها، للمرة الأولى لم ير الخوف بعينيها هكذا، حتى اليوم الذي خطفت به لم تكن تلك النظرة بعينيها.
ففهم شيئا واحدا فقط وهو حبها وتعلقها الشديد بهذين الطفلين.
اقترب ريان منها وهمس لها: اهدئي، هما بخير ولقد تأكدت من ذلك صدقيني.
وأيضا حتى جاد بخير، هو بمنزله وأخوك اليوم ذهب للحديقة برفقة المربية وعاد قبل المساء، لا تقلقي هما بخير.
نارة: متأكد من ذلك؟
ريان: أقسم لك بذلك.
نارة: ولكن لماذا جاد لا يرد علي؟
ريان: أخبرني ليث أنه خرج اليوم من الشركة غاضبا، يبدو أنه واجه مشكلة بالعمل، لا تقلقي سأتأكد بنفسي من كل شيء، فقط ارتاحي.
أخذت نارة نفسا عميقا وأخرجته ببطء في محاولة منها للهدوء: أشكرك يا ريان، كدت أجن فعلا، لا أتخيل أن يصبهما أي مكروه.
ريان: لن يحصل وأنا موجود، أعدك بذلك.
نظرت نارة بعينيه بعمق وقالت بصوت أشبه بمن يفكر بصوت عال: وأنا أثق بك يا ريان.
نظر ريان لعينيها بذات العمق وكأنه أقسم بداخله أنه لن يخون هذه الثقة أبدا.
انتبهت نارة للوضع الذي هي فيه، والذي أمامها خارج للتو من الحمام.
نهضت بحرج سريع من مكانها ووجهها تلون باللون الأحمر وقالت: اعتذر على إزعاجك وتصبح على خير.
وخرجت وأغلقت الباب سريعا.
حدق ريان بذهول وهو يقول بنفسه: ما الذي أصابها؟
ثم نظر لنفسه بالمرآة وهو لا يرتدي سوى مئزر الاستحمام وضحك عليها بشدة، فهي بخوفها سابقا لم تنتبه أصلا أنها اقتحمت غرفته من البداية.
وبدأ يجفف شعره وتلك الابتسامة ظاهرة على وجهه بقوة، يعجز حتى عن مداراتها أو التخفيف منها.
كان قلب نارة ينبض بسرعة كبيرة لدرجة أن المكان إذا سكن لثوان فسيسمع الجميع صوت قلبها، ووجهها مازال محمرا بشدة من الخجل.
وضربت يدها برأسها بخفة وقالت: غبية، كيف تدخلين هكذا؟
ووضعت يدها على قلبها تحاول تهدئته ولكن عبثا.
ناما تلك الليلة بسلام.
في صباح اليوم التالي دخلت الشمس على غرفتها بقوة، فقد نسيت إغلاق الستائر، فاستيقظت باكرا جدا.
ولكن أعجبها لون السماء وبرودة الجو صباحا.
أرادت بشدة أن تتمشى بحديقة المنزل، فبدلت ملابسها سريعا ونزلت للأسفل تسير بالحديقة.
وأحبتها جدا، فهي مليئة بالزهور الجميلة والنباتات العطرية التي تعشقها منذ طفولتها.
فكانت حديقة منزلها كذلك مليئة بالأشجار العطرية، وكانت كل مساء تجلس هي ووالداها بالحديقة ينعمون بتلك الروائح الزكية وهي تلعب أمامهما.
سارت لمكان يشبه مكان التدرب على التصويب، ويوجد العديد من الأسلحة أيضا.
"إن أردت أستطيع تعليمك" كان هذا صوت ريان من خلفها.