تحميل رواية «قارب الموت» PDF
بقلم مريم الجنيدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
التفت إتجاه الباب وهو يخلع مريوله، ليقابل صديقه شهاب أمامه وهو يلهث آثر ركضه. "في إيه مالك؟" تحدث شهاب بتوتر مرتبك. "باهي ممكن طلب، أنا لازم أروح البيت، في مشكلة. صدقني مش هتأخر، تلت ساعات بالكتير أوي، تبقى مكانى في الشيفت." زفر باهي بحنق وهو يتمتم. "انت جاى وأنا مروح، دي الإجازة بتاعتي." نظر الآخر له برجاء. "معلش يا باهي، مش هتأخر والله، تلت ساعات بالكتير، هخلص المشكلة دي وأجي على طول." تنهد باهي بعدما رأى خوف الآخر يظهر بوضوح على وجهه، ليربط على كتفه بموافقة. "روح، لو اتأخرت دقيقة هزعلك، أنا ع...
رواية قارب الموت الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مريم الجنيدي
تمسكت بذراعه وهي تردف متوسلة ببكاء:
"متروحش عشان خاطري، المسافة بعيدة أوي."
أبتسم لها بهدوء يشاكسها بما يسمح للموقف:
"أي خايفة عليا؟ مش كنتي حالفة؟ على العموم متخافيش، كل شيء مكتوب واللي ربنا عايزه هيكون. لازم أتصرف يا هنموت من العطش."
سأله باهي بقلق وهو ينظر لبعد المسافة:
"طب ما نستنى الاستغاثة تجيلنا بدل ما نخاطر!"
ربت عبد الرحمن على كتفه:
"إحنا مش ضامنين الاستغاثة هتوصل إمتى، أو هتيجي فعلاً ولا لأ. متقلقش، خير."
نظر لها مرة أخيرة قبل أن يقفز في الماء. نظرت نسيم في أثره ووجدته يطفو ويسبح بمهارة شديدة وسرعة اتجاه السفينة.
مر ساعتان من نزول عبد الرحمن إلى الماء ولم يعد. بأستطاعتهم أن يروا أثره.
تنهدت نسيم بقلق لتسألها سيلا باستفسار:
"هو يقربلك إيه؟"
أومأت نسيم بنعم وهي تردف بخفوت:
"ابن جوز أمي."
ظهر التفهم على ملامح سيلا لتسألها مرة أخرى تحاول تشتيت عقلها:
"امم، عشان كده مكنتيش طايقاه؟"
تنهدت نسيم بقلق وهي تنظر لبعد السفينة:
"لأ مش عشان كده، هو شخص كويس. بس أبوه كان غصبه يتجوزني، وهو مكنش عايز. عشان كده أنا هربت، كرامتي اتجرحت منه."
ضحكت سيلا بخفوت وهي تسألها:
"وهو شكله كمان هرب، بس ربنا جمعكوا هنا. يمكن لو مهربتوش كنتم اتجوزتوا."
صمتت نسيم قليلاً ثم همست:
"معتقدش."
همست لها سيلا بخبث:
"بس أنا ملاحظة إنك مهتمة بيه. أي سر الاهتمام المفاجئ ده!"
أشارت لها نسيم بفتور حانق:
"شخص بيضحي بحياته عشان يجبلنا نشرب واحنا في نص البحر مش عارفين مصيرنا هيبقى إيه، المفروض أعمل إيه؟"
أومأت لها سيلا بإقناع:
"عندك حق، متزعليش، بحاول ألهيكي عن التفكير."
بعد ساعة ونصف قال باهي بسعادة وهو يشير لنقطة ما:
"أهو ظهر، بدأ يظهر أهو."
انتفضت نسيم تنظر لما أشار إليه وابتسمت بارتياح وهي تراه يعافر مع الماء يشقها بذراعيه القويتين وهناك صندوق ينسحب خلفه. توقعت أنه ربطه بخصره بحبل حتى يستطيع سحبه.
وبعد عناء استطاع عبد الرحمن الصعود مرة أخرى على القارب وسحب صندوق المياه. سحب زجاجتين وأعطى باقي الصندوق لباهي كي يفرقهم.
همس باهي له بإعجاب:
"عاش والله، أنت بطل."
ابتسم عبد الرحمن بارهاق دون أن يجيب. الحقيقة أن السباحة هي الشيء الوحيد الذي يسكن اهتمامه. كان يريد التقدم به حتى يصل للبطولة، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
أقترب من نسيم وأعطاها زجاجة مياه وقال بهدوء:
"اشربي براحة عشان متخلصش، مش عارفين لسه هيحصل إيه."
سحبتها منه بارتباك وهي تتمتم:
"شكراً."
رد ببساطة:
"العفو."
"ما بعرف كيف بشكرك أخي، والله من غيرك كنا هنموت. سقاك الله من الكوثر."
أردف عبيدة بهذه الجملة وهو يبتسم ثم تجرع القليل من الماء.
شعر عبد الرحمن بعد هذه الجملة أنه لم يعوم فقط لأكثر من أربع ساعات كي يأتي بالماء، بل أن الله اختاره هو دون عن غير لفعل ذلك، ليأخذ هذه الدعوة. ربما استمع إلى الكثير من حوله يشكرونه، لمن هذه الدعوة أثرت به بشدة. فحمد الله بداخله أن ألهمه هذه الفكرة.
سأل باهي وهو يقترب من عبد الرحمن:
"هنعمل إيه دلوقتي، هنستنى؟"
أومأ عبد الرحمن وهو يقول بخفوت:
"سابولي رسالة مع الماية إنهم كلموا الاستغاثة لينا. مش عارف لسه هيحصل إيه أو حد هيجي ولا لأ."
أردف باهي يطمئنه:
"هيجوا بإذن الله، مش هيسبونا. أرواح البشر تهمهم في الدول دي."
ربت عبد الرحمن على كتف باهي وهو يقول ساخراً:
"مفيش حد بيهتم بالروح غير اللي خالقها يا باهي، كل دي مظاهر خداعة خلي بالك."
جلس عبد الرحمن بارهاق في ركن صغير من القارب بعيد عن الأعين يستريح قليلاً.
أقتربت نسيم منه بتردد، تحاول العبور من بين حشود الناس لتصل إليه. لا تعرف ماذا تقول. تعلم أن ما يمر به ليس بالهين. هي تعرفه شخص ذو كبرياء، يحترمه الجميع. كان يدير كل أعمال والده. لا تصدق أن هروبه بهذا الشكل فقط كي يهرب من الزواج بها، فهي تعلم أن كرامته أهم من كل شيء ولن يلقي بنفسه في هذا الوضع إلا لسبب كبير ليست هي بالتأكيد هذا السبب.
حمحمت بعد أن توقفت أمامه كي ينتبه لها، لكن أعينه التي مازالت مغلقة أعلمتها أنه لم يستمع لها.
همست بتوتر وهي تنحني بجذعها لمستواه:
"عبد الرحمن، أنت كويس؟"
فتح عينيه وتطلع لها بارهاق:
"آه يا نسيم، تمام الحمد لله. في حاجة ولا أي حد ضايقك!"
سألها بتلقائية لتنفي برأسها:
"كنت بطمن عليك، أنت قعت كتير أوي بتعوم عقبال ما وصلت، ماشاء الله عليك."
رد بقنوط:
"أنا كنت سباح أصلاً يا نسيم بس مكملتش في الموضوع ده."
أومأت بتفهم. بالتأكيد والده السبب. سألت تغير مجرى الحديث:
"المفروض هيحصل إيه، هنفضل واقفين هنا!"
هز أكتافه بعدم معرفة وهو يقول بتحشرج:
"مش عارف، قالوا إنهم كلموا لينا استغاثة. هل هتيجي بقى الله أعلم. إحنا مستنين أهو."
أومأت له ثم أردفت بنزق محاولة إخراج الكلمة من فمها:
"أنا آسفة لو كنت السبب في اللي أنت فيه دلوقتي."
ابتسم ابتسامة لم تصل أعينه وهز رأسه بتأكيد:
"متحمليش نفسك أكتر من طاقتها، مش أنتِ السبب."
لم تجد شيئاً لتضيفه أو أي حوار آخر لتفتحه فشعرت بالإحراج وفضلت الانسحاب. التفت لتغادر وتعود لموقعها بجانب سيلا.
نظر في أثرها وتركها ترحل دون أن يوقفها. طاقته ونفسيته لا تسمح بالكلام مع أحد. رغم قلقه عليها، لكن نفسيته المدمرة من الأحداث لا تسعه إخراج كلمة واحدة. أنه رغم كل هذا الشقاء وبناء نفسه، كان مرفه، كان يأكل أحسن طعام. الآن هو على مركب مهاجر هجرة غير شرعية مشرد دون هوية. لا طعام منذ ثلاثة أيام، يعيش على شربة ماء وجدها بعد عناء. هل هذا عقاب من الله لأنه اعترض على النعمة التي كانت بين يديه و تركه لوالديه بهذا الشكل.
أسدل الليل ستائره ومرت الساعات دون جديد. الكرب والهم ظهر على وجوه الجميع.
من يعتقد أنه سيفنى في هذا الوضع، ومن هو إيمانه قوي وعلى يقين بأن الله لن يتركه.
وبين هذا وذاك يأتي ما كتبه الله لك.
استمعوا لأصوات مراكب سريعة في الماء تقترب مع بداية شروق الشمس.
انتفض الجميع يتطلعون لاقتراب مراكب خفر السواحل. للتسع ابتسامتهم بسعادة وتعالت الصيحات السعيدة والتكبيرات المهللة.
لكن مع اقترابهم منهم بهذه السرعة بدأ القارب بالتمايل نتيجة الأمواج السريعة المتلاطمة به، فهدأ حماسهم بخوف. لم تكن القوارب تحمل أعلام إيطاليا، لكن لم يعيروا الأمر اهتمام.
أقترب باهي وعبد الرحمن من جهة تقدم المراكب وهم يلاحظون أن القوارب الصغيرة تدور حول قاربهم بشكل مريب، مما أدى إلى اهتزاز المركب وتمايله بشدة.
صرخ عبد الرحمن بصوت عالٍ:
"Stop, the boat will capsize."
توقفوا، سوف ينقلب القارب.
لكنهم لم يعيروا كلامه اهتمام.
ليقول باهي بشك:
"في حاجة غريبة، هما بيلفوا حوالينا ليه كده."
أقرب قارب منهم وقال أحد أشخاص خفر السواحل:
"Illegal immigrants."
مهاجرين غير شرعيين.
مع أنه يعرف الإجابة جيداً ويكفي شكل المركب وعدد الناس لتأكيد الإجابة، لكن أجاب عبد الرحمن بهدوء قدر الإمكان بالإيجاب.
ليرد الآخر عليه ببرود يسأله إلى أين يتجهون.
ليجيبه باهي هذه المرة أنهم متجهين لإيطاليا.
أردف الآخر بنفس الطريقة القاسية الباردة:
"Well, we will tow the boat to the Italian border, as you are on our land."
حسنًا، سوف نقوم بسحب القارب إلى الحدود الإيطالية، لأنك على أرضنا.
ودون انتظار رد ألقى بخطاف إلى سور المركب من الجانب يشبكه كي يتم السحب.
أسرع باهي يقول بقلق:
"Not from this side that's how the boat will sink."
ليس من هذا الجانب، هكذا سيغرق القارب.
لم يعيروا كلامه أيضاً أي انتباه وكأنهم مجرد مجموعة من الجرذان يلقون بها بعيد عن حدوده.
نظر باهي لعبد الرحمن بقلق وهو يردف:
"المركب مش هينفع تتسحب من الجنب كده هتغرق، الحمل عليها كبير أصلاً."
نظر عبد الرحمن حوله بتيه ولا يعلم كيف يتصرف، لكن تفكيره لم يدوم طويلاً لأن قوارب خفر السواحل بدأت بشد المركب بسرعة كبيرة مما أدى إلى ميل المركب بشكل مبالغ فيه ناحية السحب.
تعالت الصرخات والناس تتخبط ببعضها. بدأت حافة المركب في النزول للمياه بشكل آثار الرعب والفزع في النفوس.
تعالت صرخات عبد الرحمن وباهي والجميع بأن يتوقفوا لكن لا حياة لمن تنادي.
المشهد كان كارثي، سحب المركب كان يجعلها تميل أكثر في الماء ويتساقط الناس منها.
الأعداد والصرخات تصم الآذان، ومن يسحبوهم كأنهم أصماء فعلاً لأنهم ورغم هذا مستمرين فيما يفعلون.
تمسكت سيلا بشقيقها وهي تبكي.
ليقول لها بعينين تفر منها الدموع، مهشمة آخر لحظة في ثباته:
"أنا بحبك كتير سيلا، عملت كل شيء عشانك، سامحيني إن اخترت هالطريق، بس ما لقيت غيره. الظاهر إحنا مالنا مكان على الأرض، أكيد مكاننا عند الله أحسن بكتير."
تمسكت بذراعيه:
"ما تتركني عبيدة، ما تبعد عني. لو هنموت نموت مع بعض."
نظر حوله بفزع وهو يتشبث بها كأنها طوق النجاة. كان الناس يتساقطون من القارب. تساقط الغيث من السماء.
فقال لها بآخر أمل:
"خلينا نقفز من هنا، المركب هتنقلب بينا وما هنسلم من تهمتها، خلينا نبعد عنها."
ودون الانتظار سحبها للحافة في الأمام وضغط على يدها ثم قال بأنفاس لاهثة:
"أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله."
ودون تردد أو تفكير قفزا الاثنان في الماء.
أما عمار فكان يصرخ بهستيرية، لا يصدق أن نهايته ستكون هنا. لقد غرقت أحلامه قبل أن يبدأها. جن جنونه وكأنه مسه عمل من الشيطان، لا يرى سوى أنه مجرد شاب صغير بالعمر كيف سيموت الآن.
تمسك بباهي بقوة وهو يصرخ والمركب تميل أكثر:
"مش هموت هنا، أنا لسه صغير، مش عايز أموت هنا."
نهره باهي بعنف:
"قول الشهادة، قول الشهادة واستغفر، قوول."
صرخ عمار بقهر:
"مش عايز أموت، مش عايز اموووت."
سحبه باهي من ملابسه قبل أن ينقلب القارب رأس على عقب وقفز في الماء من الجهة الأخرى.
تخيل أن تكون نهايتك دون حتى نطق شهادة تشفع لك، يكون موتك في طريق ذهب إليه للمعصية، أن تموت وتستكبر أن تتوب في آخر ثواني من موتك، أن تصرخ أنك لم تحقق أحلامك ولا تصرخ خوفاً من أن تموت على حالك العاصي المستهتر، أن تكون نفسك سوداء خبيثة كل ما تحلم به هو المتعة، وليست الحلال، إنما الحرام.
مات شخص عاصي قتل مئة شخص، لكنه كان في طريق التوبة، فحسبته الملائكة أنه تاب ومات نظيف لأنه ترك كل شيء خلفه وتاب وكان في طريق لحياة نظيفة.
تخيل أن تموت وأنت في طريق للمعاصي!!
وقفت نسيم بضياع وهي ترى حياتها تنتهي وستصبح جثة مشوهة المعالم مجهولة الهوية. لن يتذكرها أحد، لن يعيش أحد على ذكرها. ستموت ولن يقول أحد كانت هناك فتاة طيبة، لن يترحم عليها أحد. ستموت نكرة وحيدة، غارقة بين مئات الجثث.
انتشلها من تفكيرها ككل يد تسحبها بسرعة من ذراعها ولا تعلم ماذا حدث أو كيف صار الأمر، لكن شعرت فجأة أنها تطير في الهواء ثم سقطت في الماء. أعينها مفتوحة لكنها لا ترى. الماء تسحبها للأسفل دون أن تقاوم دون أن تعافر. ترى نور الشمس يخفت، والصرخات تبتعد، وآخر ما شعرت به نفس اليد التي تسحبها من أول الطريق هذا، تسحبها مجدداً.
لم تكن سفينة تايتانك العملاقة التي تغرق وأصوات الموسيقى تعزف وبكى الناس رغم ذلك مئات المرات كلما شاهدوا هذا المشهد.
التي سقطت في الماء كان قارب عليه مئات الأشخاص، لم يغرقوا هم فحسب، بل أحلامهم هي التي غرقت.
لم يكن السبعمئة شخص عاصي كعمار أو مهاجر للمتعة.
كان هناك المئات كعبيدة مهاجر لينجو، ليعيش، ليبدأ من جديد بعدما تحطم وطنه، ولفظه باقي أشقاء وطنه. كان يحمي الباقي من عائلته، كان يسعى، كان متشبث بأي فرصة للاستقرار. لم يحلم بالرفاهية ولا الترف، كان يحلم فقط بحياة آمنة، رزق حلال، غرفة تستر شقيقته من برد الأرصفة القاسية.
ما سقط في الماء كانت آمالهم في حياة جديدة في فرصة أكبر.
ما سقط في الماء عائلتهم المعلقة في أعناقهم.
كان هناك المئات مثل باهي الذي يسعى بكل جهده لسحب عائلته لبر الأمان، رغم تسرعه، رغم الطريق المهلك الذي اختاره بعدما أعمى الشيطان بصيرته.
لكنه كان يسعى في الدنيا والدنيا تسعى لتحطيمه.
سرقت منه حلمه، وظيفته، صحته. أراد أن يسرق منها فرصة، لكنها كانت أسرع وسحبت الفرصة من يده.
غرق القارب المتهالك بمئات الأشخاص، لم يتبقى من قارب الموت سوى الحطام. معظمهم سيصبح كالجثة التي وجدوها في الماء.
لكن هل الباقي سينجو؟ هل ستكتب لهم الحياة؟ وأي حياة؟!
أنفاس متلاحقة، بالكاد أستطيع التقاطها، أحاول البحث عن قشة للنجاة. لا أرى أي أحد أعرفه من حولي. أنظر هنا وهناك ويكاد الماء يبتلعني. أحاول البحث عن أصدقائي بين مئات الأشخاص الذين ينازعون للبقاء على قيد الحياة حولي. أصوات صرخاتهم التي تبتلعها المياه تصل لي متقطعة. أبحث بقلب يخفق بجنون. حاولت إخراج صوتي وأصرخ بكل قوتي:
"عمااار!"
ألفت لجميع الجهات المجهولة. لا أرى سوى أشخاص بالكاد أعرف وجوههم. منهم من يستطيع السباحة فيطفو ومنهم من يغرق أمام عيني ولا أستطيع إنقاذه. مرة أخرى لا أستطيع أن أرى أي من أصدقائي. فاستجمع قوتي وأنادي:
"عبد الرحمن، عمار؟"
لكن صوتي يضيع هباءً وسط كل هذه الصرخات المذعورة. و بداخل هذه الدوامة استطعت أن أرى قوارب خفر السواحل تحوم حولنا، كأنها تستلذ من مشهد الغرق ورائحة الموت العبقة المنتشرة في الماء.
ومن أملي في النجاة اعتقدت أنها قوارب الإنقاذ وتغافلت عن أنها القوارب التي سحبتنا للموت. لكن الابتسامات الشامتة واللامبالية على وجه من يعتلونها من خفر السواحل جعلتني أغمض عيني بيأس واسترجع شريط حياتي سريعاً وآخر ما ظهر أمامي قبل أن تسحبني الظلمة.
كان وجه ملائكي صغير يبتسم وهو ينطق بحروف متلعثمة:
"بابا."
وبجواره وجه آخر يخفق قلبي كلما رأيته وسمعت كلمات ترددت على أذني الذي يسحبه الظلام:
"أنا مستنياك يا باهي."
شعور أن بينك وبين الموت خطوة واحدة هو شعور، يجعلك تتساءل هل أنت حقاً مستعد للموت؟ هل كان عليك فعل ذلك رغم معرفتك أنك تلقي نفسك بين كفوف فارغة أسفلها الموت بأبشع السبل؟ هل أنت مدرك لما ألقيت به نفسك!!
هل فعلت شيئاً يجعلك بهذه القوة لمواجهة الله؟ هل أنت مستعد لتجيب على سؤال فيما أفنيت حياتك!
شهقت بقوة واستفاق عقلي وهو يعطي إشارات لجميع أعضاء جسدي بالمقاومة واستمرت أكثر من نصف ساعة حتى تخدرت أذرعي وأخيراً شعرت بيد مجهولة تسحبني لأرتمي على شيء لا أعرف هويته مغمض العين وقد خارت قوايا لأتنفس ببطء وأنا أرى شعاع الشمس من جديد. من بين جفوني النصف مغلقة لا أهمس بين نصف عقلي الواعي:
"عمار!"
الشخص الذي لا أريده أن يموت وهو على هذا الحال، لا أريد أن يستسلم الآن قبل أن يعود لصوابه. الشخص الذي أريد إثبات له أن الله معنا حتى لو ساءت الأحداث.
أن عليه أن يتوب قبل فوات الأوان.
هل فات الأوان!!!!
رواية قارب الموت الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مريم الجنيدي
نحن نفكر بشريط حياتنا كله في لحظاتنا الأخيرة، حيث ندرك أن لا مفر من الموت. نبدأ باستيعاب ماذا سنقول، كيف سنجاوب ونحن نقف بين يدي الله. هل فعلنا ما يجب أن نفعل؟ نضل الطريق ونصر على الضلال حتى يفوت الأوان للعودة.
أنفاس متلاحقة، ومياه في الحلق. ما بين المعافرة والاستسلام خط رفيع. يحاول بكل طاقة مبذولة من عضلات جسده أن يعافر أكثر، النجاة من الموت غرقاً. حياته تمر أمامه كشريط سريع يعرض ما اقترفه بيديه في سنوات عمره، كل شيء من سيء لأسوأ.
مع حركة يديه وأقدامه كان يضرب المشاهد التي تظهر أمامه وكأنها تتكاتف مع لحظات الموت الأخيرة لتذكره بما اقترفه ليحاسب عليه الآن. صرخاته لم تخرج عن محيط أمتار مختلطة بصرخات من حوله. بكى وصرخ واستغاث بكل شيء.
وفي النهاية كانت آخر كلمة نطقها قبل أن يستسلم:
"يااارب."
وبعد لحظات، وقبل أن يغلق عينيه، شعر بيد تسحبه، لكنه كان فقد الوعي ولم يدرك ماذا حدث بعد ذلك غير أن هناك ظلمة ابتلعته وسحبت إدراكه منه.
بعد أن شعرت بتلك اليد تسحبها، تمسكت بها بكل قوتها وهي تشهق بعدما أخرجت رأسها من الماء.
استمعت إلى صوته القلق:
"نسيم أنتِ كويسة! سمعاني!!"
تعلقت به وهي تشهق بقوة محاولة تنظيم أنفاسها المسلوبة.
ليردف وهو يتمسك بها بإحكام:
"أهدي بطلي حركة و اهدي عشان منعرقش."
بكت متمسكة به وهي تحاول السباحة، لكن كل محاولتها تجدي بالفشل.
"متسبنيش متسبنيش أموت."
"مش هسيبك والله، أهدي متعمليش حركة كتير عشان أنتِ بتنزلينا لتحت."
اردفت بتلعثم باكي:
"هنموت؟؟ هيحصل أي أنا خايفة اوي."
حاول السباحة بها لأي قارب قريب منهم.
"متخافيش هنعيش بإذن الله أنا معاكي، متخافيش."
شهقت بهستيرية وهي تتمسك به دون وعي، وقد دخلت في صدمة أثر ما حدث.
"متسبنيش أنا خايفة اوي."
وصل أخيراً لحد قوارب الإنقاذ التي تنتشل الناس من الماء بعدما تسببوا في إغراقهم من البداية. وهذا أمر غريب أنهم ظلوا هكذا حوالي عشرين دقيقة قبل أن يبدأوا في إنقاذهم، وكأنهم متعمدين على إغراق أكبر قدر ممكن.
وصل لأحد القوارب وقال بصوت عالٍ حتى يسمعه:
"Help me."
ساعدني.
نظر له أحد الحراس مقيماً ثم اقترب من الحافة باستعلاء وانحنى يسحب منه نسيم التي تمسكت به.
"متسبنيش."
رفعها عبد الرحمن وهو يطمئنها، لياخذها منه الحارس ويلقيها على القارب بدون اهتمام. صعد عبد الرحمن برشاقة على القارب دون حاجة تذكر للمساعدة. نظر حوله بقلق وهو يبحث بعينيه بين الفوضى وعدد الجثث المأهول.
احتل الجزع وجهه وهو يرى كل هؤلاء البشر الذين غرقوا، منهم من طفت جثته على الماء، ومنهم من غرق في القاع، ومنهم مازال يقاوم ويتم إنقاذه. عبث بشعره بعدم تصديق وهو يشعر بالانهيار، مكبل بالعجز، غير قادر على فعل شيء.
أردف لأحد الحراس:
"هناك الكثير على قيد الحياة، يجب إنقاذهم قبل أن يموتوا."
نظر له الحارس بدون اهتمام وهو يردف:
"هذا ليس من شأنك."
قبض عبد الرحمن على يده بغضب، يعاملونهم كالجرذان بكل حقارة. هل هذه الدول المتقدمة التي تخشى على حياة البشر وتنادي بحقوق الإنسان؟
لمح عبد الرحمن باهي على أحد القوارب فطمئن قليلاً، لكن ما جعله يقلق أنه فاقد للوعي. هل هو على قيد الحياة؟
مسحت سيلا على وجه شقيقها وهي تبكي وتضمه بين أحضانها بخوف. بعد أن قفز الاثنان في الماء، وقع شيء على رأسه من القارب لا تعلم ما هو جعلته يفقد الوعي. بصعوبة استطاعت سحبه لأحد القوارب القريبة وأقسمت أنه على قيد الحياة حتى يوافقوا على صعوده، فمن المستحيل أن تتركه وترحل، فلتمت معه أفضل.
ضمت رأسه إلى صدرها بخوف وهي تتوسل إليه أن يستيقظ:
"عبيدة فتح عينك عشان خاطري، متسبنيش لواحدي، عبيدة بالله عليك، عبيدة فوق خلاص كله هيكون كويس و هنوصل و حياتنا هتتحسن، عبيدة سامعني، خلاص معتش غير خطوة و نوصل متسبنيش في نص الطريق لواحدي، انا معتش ليا غيرك، فوق عشان خاطري."
كانت أعينه مازالت مغلقة وهذا جعلها تبكي أكثر وهي تضع يدها مكان جرحه النازف بجزع. نظرت حولها بضياع، تشعر أنها ورقة سقطت من غصنها تتناولها الرياح هنا وهناك، شريدة بدون وطن ودون أرض، بدون أهل أو بيت. هي اكتشفت أن اختصار كل هذه الأشياء تكمن في شقيقها، بلا أرض سواه ولا وطن سوا ذراعيه ولا بيت غير ظله.
نصل الحياة القاسي سأم من تجريحها، كعبيها اشتكت من كثرة الترحال، وجسدها نفذت طاقته. أصبحت كمدينة خربها الاحتلال وأصبحت مجرد أطلال، لا تعلم على أي دمار تبكي. كانت مجرد طفلة استيقظت على أصوات الصرخات، ومن بعدها ابتلعتها الظلمة، لا تعلم لحياة النور طريق ولا لأي أرض ستلقى.
كانت تعيش في ظل أخيها كعصفور بنى عشه على غصن في شجرة. الشجرة بيت كبير والغصن هو ظله. لو انكسر الغصن سينهدم العش حتى لو ظلت الشجرة. لا تعلم قوانين الحياة بدونه، ولا تريد الحياة بدونه، فهي ستظل بدونه غريقة حتى لو كانت تتنفس.
وقعت أعينها على عمار الفاقد للوعي هو الآخر. حاولت البحث عن أي شخص تعرفه على نفس القارب لكن لم تستطع. كان أغلب القارب من الفاقدين للوعي. هي متأكدة أنهم ليسوا جثث، هي اكتشفت أنهم يتركون الجثث، يأخذون الأحياء فقط. لماذا هي لا تعلم؟ هناك شيء غير طبيعي.
تمسكت بعبيدة أكثر وهي تتلفت حولها بخوف لعلها تجد صديقتها، لكن لم تجدها. بحثت على قدر المستطاع بعينيها في الماء لكنها لم تجدها. بكت بخوف، وانتفض جسدها. فكرة أن يكون الشخص معك منذ دقائق ثم تعلم أنه مات، مؤلمة، بل قاسية خصوصاً أنك تعلم كيف مات وماذا سيحدث له. دعت الله أن ينجي صديقتها ويحفظها، فهي لا تستحق هذا. هم جميعاً لا يستحقون هذا. كل ما أرادوه هو حياة. هل حق الحياة في الحياة صعب ومميت لهذه الدرجة؟
فتح عينيه بتعب لا يعلم كم مر من وقت في غيابه للوعي. أصوات كثيرة تصم أذنيه وأشخاص تتحرك في كل مكان. تشوش أعينه أعاقته من تحديد أين هو. كل من حوله يتحدثون لغة لم يفقهها، لم تكن إنجليزية. رمش بعينيه عدة مرات حتى وضحت الصورة أمامه. كان مكان غريب يعج بالناس، منهم المرضى المستلقين جانبه ومنهم أطباء أو مسعفون يرصدون منهم الأحياء والأموات، يضمدون الجرحى وينقلون المتوفين في مكان مع بعضهم.
اقتربت منه إحدى المسعفات تتفحص علاماته الحيوية ثم سجلت شيئًا. سألها باهي بتعب بالإنجليزية:
"أين أنا!"
لم ترد عليه، بل سألته بالإنجليزية:
"ما جنسيتك؟!"
رد بارهاق وهو يعيد رأسه مرة أخرى للوسادة:
"مصري."
أومأت له وهي تكتب شيئًا ما ثم سألت مرة أخرى:
"ما اسمك؟"
"باهي مجدي الشرقاوي، أين أنا الآن."
نظرت له بطرف عينيها وردت ببرود وهي تستقيم:
"لا يهم، المهم أنك على قيد الحياة."
سألها مرة أخرى متغاضياً عن تجاهلهم المريب:
"هل وصلت لإيطاليا!! كان معي أصدقائي."
"نحن لسنا مسؤولين عن البحث لك عن أصدقائك، ربما لم يعودوا على قيد الحياة."
ودون كلام آخر تركته ورحلت. نظر حوله بعدم تصديق. هو حي، لكن لا يعلم أين هو وماذا حدث وأين أصدقاؤه.
قام من مكانه يبحث حوله بضياع عن أي أحد يعرفه. كل الوجوه مألوفة لكن لا يعرفهم. أين أصدقاؤه؟ اقترب من مكان الجثث وألقى نظرة سريعة على وجوه المكشوف منهم ورآهم يضعون الآخرون في أكياس سوداء. فاقترب منهم يكشف عن وجوههم لعله يجد أحد يعرفه. وبعد بحث مرهق وقف بتصنم أمام إحدى الجثث وشعر بانقباض في قلبه من المنظر. كانت جثة جمال، صديق السوء الذي سحبه لهذا الطريق ورسم له العديد من الصور والأحلام وتغنى بمدى سهولته. هو من سحبهم جميعاً. كان جسده شبه ممزق وكأن القارب تحطم فوقه. المنظر كان بشعاً ومقرفاً. لم يستطع الوقوف وسقط على الأرض يضع يده على رأسه.
كان من الممكن أن يكون مكانه؟ كان من الممكن أن يكون أشلاء بلا هوية في بلاد بعيدة. لكن هو الآن فعلاً بلا هوية في بلاد بعيدة. أدمعت عيناه وهو يعلم علم اليقين مدى قلق أهله عليه، مدى ذعرهم. من المؤكد خبر تحطم القارب وصلهم.
في مكان آخر كانت متشبثة بذراعه وهي تنتفض كل دقيقة.
"هيعملوا فينا أي!"
طمأنها بهدوء، فتوتره لن يجدي نفعاً الآن سوى زيادة انهيارها. ما مروا به لم يكن هيناً، كانوا على أعتاب الموت. خرجوا من تجربة قاسية لا يعلموا إن كانت انتهت أم ما زالوا يحيونها. الأحداث السريعة التي تجري حولهم لا تساعدهم على تخطي الصدمة.
"متخافيش يا نسيم، أنا معاكي مش هسيبك."
بكت للمرة التي لا يعلم عددها.
"يارتني ما عملت كدا، يارتني ما سافرت، يارب ارحمني يارب."
رد بهدوء حانٍ وهو يستقبل انهيارها دون تذمر رغم الفوضى بداخله:
"اللي حصل حصل يا نسيم، كفاية عياط، العياط مش هيحل حاجة يا نسيم."
أشارت على الناس حولها:
"هما مين دول، هما هيرجعونا مصر تاني ولا هيعملوا فينا أي!"
"دول الصليب الأحمر، مش عارف هيعملوا أي يا نسيم والله، ممكن تهدي شوية أنا معاكي أهو، مش هسيبك صدقيني."
الآن فقط قدرت حجم المعاناة التي ألقت نفسها بها. فتاة وحدها هاجرت دون التفكير في العواقب. رغم تهورها كان معها حارس خفي. لا تنكر أنها اطمئنت بوجوده، بدونه لا تعلم ماذا كان سيحدث بها. هل كان سيتم التحرش بها، أو الموت عطشاً أو غرقاً. لم تكن ستنجو في كل الأحوال بدونه. القدر ربطهم ببعض رغم هرب كل منهم من الآخر.
"عبد الرحمن."
قالتها بخفوت وهي تضم الغطاء الملفوف بها لنفسها. نظر لها بهدوء منتظراً أن تقول ما تريد، لكن رأسها المنكسة جعلته يهمهم كإجابة.
أردفت بخجل دون أن ترفع رأسها:
"شكراً على كل حاجة عملتها معايا، منغيرك كان زماني مت، أنا أذيتك في حياتك منغير قصد، ممكن أكون ضحية زيك، بس لو كنت رفضت من الأول مكنش كل دة حصل، علشان كدة أنا آسفة كمان أنك هنا بسببي، و شكراً على أنك أنقذت حياتي و متخلتش عني."
ابتسم بهدوء فظهرت وسامته رغم الإرهاق والتعب البادي على وجهه.
"مش أنتِ السبب أني أمشي يا نسيم، حاجات كتير كانت السبب. لما أتخلى عن كل حاجة كنت عايزها عشان أبويا عايز كدة، عشان أنا ابنه الوحيد وعايزني أكون ولي العهد، فنيت شبابي في الشغل عشان أكبره، كنت بشتغل كأني واحد من صبيانه، اشتغلت كل حاجة معاه، وبعد كل دة يسحب مني الفلوس ويوقف حسابي والـ الفيز والـ باسورد كأني عيل صغير ومش هقدر أعيش منغيره. كرامتي مسمحتليش أن أفضل بعد كل دة فمشيت معترف أني اخترت طريق غلط، بس اللي حصل. أما بالنسبة أني أنقذت حياتك، دة العادي يا نسيم، أكيد مش هسيبك تغرقي، أي حد غيري كان هيعمل كدة، رغم كل حاجة أنتِ كنتِ أمانة عند أبويا، يعني دلوقتي يعتبر أمانة معايا."
ردت بصوت مبحوح وهي تضم شفتيها:
"سحب منك الحاجات دي عشان تتجوزني صح."
نظر في عينيها عندما رفعتهم له ليبتسم وهو يعيد رأسه يستند للخلف:
"متدخلنيش في تفاصيل."
"أمانة معاك إزاي وانت قلت أن لما نوصل كل واحد في طريق."
رد عليها بصبر مرتبك بعض الشيء:
"مكنتش هسيبك غير لما اطمن أنك في أمان بردوا. أما دلوقتي الظروف اختلفت كتير، متشغليش دماغك كتير يا نسيم وارتاحي، اللي مرينا بيه مكنش سهل والله أعلم هنشوف إيه تاني."
أغمضت عينيها بتعب ومالت برأسها تستند على كتفه.
كان الاثنان يجلسان على الأرض في مكان كمستودع يطل على البحر، عربات الإسعاف في كل مكان وانتشار عدد كبير من الأشخاص يرتدون سترة الصليب الأحمر يداوون الجرحى. لم يجد في المكان أحد يعرفه، هو للحقيقة مرهق بشكل كبير ولا يستطيع القيام من مكانه للبحث عنهم فالمكان كبير ويعج بالكثير من الأشخاص. بالإضافة لنسيم المتشبثة به بشكل هستيري تخشى أن يختفي منها فلا يستطيع تركها وحدها في مكان غريب، ولا هي قادرة على القيام للبحث معه. فهو اضطر لحملها لهنا بعدما أصابها انهيار وتراخى جسدها من الصدمة النفسية.
احتضنت جسده البارد بجسدها الصغير تحاول بثه الدفء ولو قليل حتى يأتي أحد ويتفحصه. لقد فقد دم كثير وشحبت ملامحه بشكل مخيف. تملست وجهه بيدها الصغيرة:
"عبيدة خليك معايا، كله هيكون تمام، إحنا خلاص وصلنا، أرجوك خليك معايا."
انحنت تقبل جبهته وهي تمسك كفه البارد تفركه كي تبثه بعض الدفء المعدوم بجسده. بعد قليل أتت واحدة من المسعفات تفحصه بروتينية ثم وقفت تسجل شيئًا وقالت بكل برود قاسٍ كأن ما يحدث عادي:
"لقد مات."
وقعت الجملة على أذنيها كالرعد ضربها فانتفضت. البرودة انتقلت لجسدها وهي تنظر للمسعفة أمامها بدون استيعاب. ترددت:
"ماذا!"
انتقلت ببصرها لوجهه الملائكي بعدم تصديق. ضربت وجنته بهستيرية:
"عبيدة قوم، عبيدة بالله عليك قوم، متوجعش قلبي عليك يا عبيدة، عبيدة قوم متهزرش، أنت قولت مش هتسيبني، عبيدة قوم، أنت أكيد بتضحك عليا."
رفعت وجهها صارخة:
"اكشفي عليه تاني ارجوكي، حد يلحقه أبوس إديكم، حد يلحقه، يا عبيدة."
نظرت لها الأخرى بعدم استيعاب وتحدثت بالإنجليزية:
"اهدئ، لا يوجد في يدنا شيء نفعله لقد مات، يجب أخذ الجثة."
صرخت بهلع وهي تتمسك به:
"لا لا محدش هياخده لا، يا عبيدة فوق بالله عليك، عايزين ياخدوك مني، يا عبيدة متسبنيش أنا خايفة، أنت وعدتني، أنت مش هتسيبني، أنت كل حياتي، قوم بقا متعملش فيا كدة، أنت عارف غلاوتك عندي قوم."
صرخت ببكاء وهي تتمسك بملابسه وتحتضن رأسه بين جنبات صدرها تريد دفنه هناك عند قلبها. انهار عالمها وسقط الغصن.
"متسبنيش لواحدي يا عبيدة.."
وضعت رأسها على صدره بيأس وهي تبكي بصوت عالٍ متمسكة بقميصه المبتل:
"عبيدة بتتذكر لما كنا بنلعب في بيتنا في الضيعة، لما كنت أنا وأنت وغسان وريحانة. بتتذكر لما وقعت وانجرحت قولتلي ياريتها فينك ولا فيني. حضنتك يومها، حسيت أنك كتير علي. بتتذكر لما وصلتني أول يوم المدرسة وكنت ماسك إيدي وبتشجعني. بتذكر كل يوم كنت معي فيه، أول يوم جامعة، بتذكر يوم اتدمر بيتنا وفضلت ضاممني يوم كامل خايف تخرجني من حضنك لاضيع منك، خايف أموت متل ما ماتت عيلتنا كلها. عبيدة قوم ضمني أنا خايفة، قوم ضمني، ما تروح يا عبيدة أنا ما عد لي غيرك في الحياة، ما بدي أكون لواحدي، شو بسوي فيها منغيرك، ياربي والله ما بقدر قوم.... لك قوم."
ضربت على صدره بانهيار:
"قوم ما فيني أكمل منغيرك، قوم... أنا كملت كل هالسنين بعد اللي شوفناه عشان أنت كنت معايا، والله مهزعلك تاني بس قوم، يا عبيدة قوم."
بكت كما لم تبكي من قبل، بكت بحرقة من قساوة الفقد. لم تبكي يوم ماتت كل عائلتها لأنها لم تستوعب الأحداث، كان معها حارسها الحامي ظلها وحماها، لكن الآن هي وحيدة. مَن سيضمها ليواسيها؟
"ما بدي أعيش من بعدك ما بدي، يا عبيدة رد علي، رد علياااااا."
أقترب منها أحد المسعفين:
"يجب أخذه للمشرحة."
صرخت بالرفض وهي تتمسك بشقيقها بكل شراسة ترفض أن يسحبه أحد منها:
"ما حد يقرب، رح يقوم، هو وعدني ما بيتركني، هو وعدني، اتركوه، لا حد يقرب عليه، يا عبيدة قوم يا عبيدة."
كانت هناك أعين قريبة تطالعها بعدم تصديق، عيون تبكي وقلب مرتجف كورقة في الخريف. يخشى الاقتراب ويخشى تركها هكذا. بكى بقوة وكأن ما حدث كان صفعة على وجهه فتت الغشاوة التي كانت تعميه.
تكسرت روحها وتفتت لمئات القطع وهي ترى لآخر مرة ملامحه الجميلة. لم تشعر بأنفاسه الدافئة ولا بتربيت يده عليها ليطمئنها. كلما حاولوا إبعاده عنها، كانت تشعر بأنهم ينزعون عنها روحها لتبقى عارية في جسد بلا روح. من قال أن العرى في ستر الجسد فقط؟ أحياناً أجسادنا تكون عارية فقد روحها.
حاول عدد من المسعفين سحب جثة عبيدة من بين يديها لكنها كانت تتمسك بها وهي تصرخ بانهيار. صراخها جعلها محط الأنظار جميعاً. اضطر أحد المسعفين أن يسحبها هي للخلف حتى ينتزعوا منها الجثة وهي تنتفض بانهيار:
"اتركوه، لك اتركوه، يا الله ساعدني، يا الله ساعدني، اتركوه عشان الله اتركوه، والله بموت منغيره، والله بموت اتركوه، لا تاخدوه من حضني، هو هيقوم، عبيدة قوم."
شدها المسعف بقوة ليسحبوا منها جثة عبيدة بقوة. صرخت وهي تحاول الإفلات وقد تمزقت أحبالها الصوتية:
"عبيــــــــــدةةة"
الحياة ليست دائمة، نسلك فيها دروب مختلفة، نسعى ونهيم فيها للعيش بما يرضى الله. وهو سعى بكل جهد وشرف أن يحيا بالحلال، سعى أن يكمل للنهاية شامخاً لا يقبل الحرام، سعى رغم المصاعب والعقبات. لم يبكي على الأطلال عمره وأفناه، بل أخذ الأطلال وبنى بها طريقاً له ولشقيقته، لم يتخاذل دقيقة عن العيش فيها، ولم يأخذ طريق الضلال حجة رغم أنه كان متوفراً لكنه غض الطرف عن أي طريق مضل. حتى يوم اختار طريق الهجرة غير الشرعية ما اتخذه سوى لأنه كان آخر خيار. نحن لا نعلم متى النهاية ولا في أي ساعة يحين الأجل، لكنه عندما حان أجله كان من داخله متأكداً أنه ما فعل شيئاً سوى ليرضي الله عنه، لذلك كان وجهه مبتسماً وهم يغلقون عليه الكيس الأسود، كان وجهه أبيض مستنيراً، وآخر شيء رأته سيلا شقيقته كانت ابتسامته.
رواية قارب الموت الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريم الجنيدي
«١٣-بحث»
"ممنوع خروج أي أحد من هنا، هذه قوانين."
تقدم عمار منها يردف بهدوء متوتر:
"تعالي اقعدي خلينا نبعد عنهم عشان ميحصلش مشاكل."
نظرت له بضياع، ليومئ لها وهو يؤكد:
"مش هيخرجونا من هنا، تعالي اقعدي لحد ما نشوف إيه."
تحركت معه بضياع، ثم جلست في ركنها المنعزل مرة أخرى.
جلس عمار أمامها وهو يتطلع لملامحها الرقيقة الصغيرة، لكنها حزينة، منكسرة، وحيدة، ضائعة.
رفعت هي رأسها تنظر له، ثم ضاقت عينيها وهي تسأل بضيق:
"أنت اللي اتخانقت مع عبيدة على المركب؟"
شعر بالخزي واحمر وجهه، لأول مرة في حياته يشعر بهذا الشعور المخزي أمام فتاة أو أمام أحد.
ليحمحم بارتباك متعثر:
"كان سوء تفاهم، أنا آسف على اللي حصل."
نظرت بعيدًا دون رد، والدموع تتجمع في عينيها مرة أخرى. تشعر بالعري وحدها في مكان لا تعرفه، مع أشخاص غرباء. يا ليتها تائه في بلد تعرفها، إنها حتى لا تعرف أين هي. محبوسة وحدها. ملامح المسعفين والحراس الجامدة القاسية الخالية من الشفقة تشعرها بالرهبة ومزيد من الخوف.
أما هو نظر حوله ولم يجد شيئًا آخر يضيفه، لكنه التفت على صوتها المتحشرج الخائف:
"ممكن تبعد بعيد عني؟"
حمحم بإحراج، يشعر به للمرة الأولى. في موقف غير هذا لم يكن سيصمت لسانه البذيء، لكنه نظر حوله وقال:
"أنا قاعد بس عشان أنتِ متعرفيش حد هنا ومتبقيش لوحدك."
ردت بحدة متشككة:
"ما أنا معرفكش أنت كمان، لو سمحت أبعد عني، عايزة أبقى لوحدي."
أومأ وأبتعد دون مماطلة، فحالتها الهشة الضعيفة أجبرته على عدم فرض نفسه أكثر. لا يعلم متى تعلم هذا النُبل، لكن بداخله يشعر أنه ولد من جديد في الساعات القليلة الماضية. عندما فاق واستوعب أنه مازال على قيد الحياة، بكى كما لم يبكي من قبل. بكى وهو يتذكر كيف كان سيغرق، كيف انقلب بهم القارب، بشاعة الأحداث.
جعله يبكي بصدمة وذهول. ظل عدة ساعات حتى استوعب أنه كتب له عمر جديد. لا يعرف أين أصدقاؤه، هل ماتوا أم مازالوا على قيد الحياة. لكن ما يعلمه أنه أخذ فرصة أخرى ليصلح ما اقترفته يداه من ذنوب.
قبل أن يغرق بثانية سأل نفسه سؤال: هل هو مستعد للموت؟ وجاء صوت من بعيد كرعد بأذنه:
"ماذا ستقول وأنت بين يدي الله؟!"
أدمعت عيناه مرة أخرى وجسده ينتفض من تكرار السؤال بعقله. هو حتى لم ينطق الشهادة، لم يستجب لباهي وهو يصرخ به. كل ما فكر به أحلامه الواهية!!
لكن عندما نزل للماء ولم يستطع السباحة وشعر بانسحاب أنفاسه وهو يعافر، شعر بمدى تفاهة الدنيا. حاول نطق الشهادة ولم يستطع من تدفق الماء لفمه. قالها لكن لا يعلم أأخرجت حقًا أم كان من وهم نسجه عقله ووعيه ينسحب؟؟
كان عاصي أقرب لجحود الكافر، لم يصلي في كل مرة سمع الأذان كان يتجاهله، تجاهل كلام أبيه رغم أنه ابن إمام مسجد، لكن كان هو الفاسد الذي ولد من ظهر العالم. ارتكب معاصي وذنوب نسي عددها. سأل نفسه سؤال كان ينكره كثيرًا: هل فعلاً ما فعله زنى؟ هل كلامهم صحيح أم هو! والإجابة المنطقية: هل ستكون هو صاحب الإجابة الصحيحة أن هذا ليس زنى وهو لا يعرف أي شيء عن دينه؟ أم والده الذي يحفظ القرآن وإمام مسجد معظم الناس تستشيره في أمور الدين؟ الإجابة كانت سهلة له لكنه ينكرها، يريد أن يصغر حجم ذنبه لكنه ارتكب إحدى الكبائر.
انتفض مرة أخرى وارتجف جسده. نظر حوله بتيه واقترب من أحد المسعفين، ولم يشعر بأن الدموع ملأت وجهه.
أردف بصوت مرتعش بلغة إنجليزية متعثرة:
"هل يمكن أن أستخدم الهاتف، أريد محادثة أبي."
نظر له المسعف بعدم اهتمام:
"ممنوع."
سقطت مزيد من دموع عمار وهو يردف مرة أخرى بترجّي:
"أرجوك، لن أزيد عن دقيقتين، كنا سنموت، أريد أن أطمئنه أني على قيد الحياة."
زفر المسعف وهو ينظر حوله، وقد تحركت بعض من إنسانيته ليخرج هاتفه وهو يردف بتحذير:
"دقيقتين فقط."
أمسك عمار الهاتف بيد مرتعشة وكتب الأرقام بصعوبة من تشوش عينيه الدامعة، وأخيرًا نجح ووضع الهاتف على أذنه. دقات قلبه تصم أذنه، وأخيرًا استمع لصوت أبيه. بكى وهو يستمع للهفة بصوت أبيه المتحشرج:
"مين... عمار رد عليا يا حبيبي أنت عايش... رد عليا وطمن قلبي يا بني."
بكى بعنف كطفل تائه وهو يرد بصوت متقطع والندم يقطر من بين كل حرف والآخر:
"أنا آسف، آسف على كل حاجة وحشة عملتها، سامحني، أنا كنت هموت، أرجوك سامحني، مش عارف عملت كده إزاي، أوعدك هغير، بس ارضى عني وسامحني."
وصله صوت والده الباكي والملهوف:
"مسامحك يا بني، بس طمني عليك، أنت كويس، اتكلم خليني أسمع صوتك يا حبيبي، أمك كانت هتموت لما عرفت اللي حصل، وأنا.... أنا خذلتك، أنت فين طمني."
همس عمار بوهن وقد شعر أن قلبه عاد لينبض براحة وانزاحت نصف مخاوفه:
"أنا.... أنا كويس مش عارف أنا فين ولا إيه بيحصل، بس أنا كويس اطمن وطمن أمي وقلها تسامحني، مش عارف هعرف أكلمك تاني امتى، بس ادعيلي وقول لسحر هي كمان تسامحني، ادعولي يا بابا، أنا ضايع، وهون على نفسك، أنت مخذلتنيش أنا اللي خذلتكم كلكم."
التفت على حديث المسعف أن يسرع، ليقول هو بسرعة:
"أنا لازم أقفل، أول ما أعرف أكلمك تاني هكلمك، بس ارجوك ادعيلي، وسامحني على أي يوم غضبتك فيه، بابا هو ممكن ربنا يقبل توبتي؟!"
"إن الله غفور رحيم يا بني، اللي نجاك من الموت واداك فرصة تانية، قادر يقبل توبتك."
همس عمار بخفوت:
"مع السلامة يا بابا أشوف وشك على خير."
انهر على الأرض وهو يبكي بشدة محتضنًا نفسه.
===================
أردف أحد الحراس:
"أريد جميع الرجال لنقلهم لمكان آخر."
اتسعت عينا نسيم برعب وهي تتمسك بعبد الرحمن:
"لا متسبنيش لوحدي، متروحش، خدني معاك أي حاجة بس متسبنيش."
أومأ يطمئنها، فكر أنها قالت هذه الكلمة أكثر من ألف مرة حتى الآن، لا يعلم كيف كانت ستتصرف وحدها في هذه الأزمة. وقف لتقف معه وكأنها ظله، تحرك فتتحرك بجانبه.
ليوقفهم أحد المسؤولين:
"الرجال فقط."
أشار إليها عبد الرحمن:
"إنها أختي لا يمكنني تركها."
"ممنوع، الرجال فقط سينتقلون."
أمسك عبد الرحمن ذراعها وهو يردف بإصرار:
"لن أتحرك بدونها، لا يمكنني تركها في مكان كهذا وحدها، لن أتحرك خطوة بدونها."
"لا ترغمنا على استعمال العنف معك."
أشار عبد الرحمن لعربات الصليب الأحمر، ولكاميرات الأخبار في هذا المكان التي تصورهم، وأردف بصوت عال:
"أليس هذا هنا للمساعدة لإنقاذنا؟ هل ستستخدم العنف أمام الكاميرات التي تصور لتنشر للعالم كيف تتعامل حكومتكم معنا!! أنا لن أتحرك لأي مكان دونها، افعل ما شئت."
ظهر التردد على وجه الرجل، ثم نظر حوله ليذهب لشخص آخر يقول له شيئًا، ثم عاد مرة أخرى يقول بعصبية:
"حسنًا، الآن تقدم في هدوء."
ابتسم عبد الرحمن بانتصار وهو يتقدم وهي بجانبه منكفشة على نفسها. لم تفهم نصف ما قاله، لكن القوة التي تحدث بها أشعرتها أنها في كنف رجل لن يتخلى عنها. تكره قول هذا لكنها تشعر بالأمان بجانبه رغم ما يحدث، لكن لم تعد تحمل نفس الخوف. هناك رجل مسؤول عليها وسيُحميها، وهذا يكفي.
==============
سأل باهي مرة أخرى وهو يحاول معرفة ماذا يحدث حوله، لكن لا فائدة. حل يوم كامل يحاول معرفة ماذا سيحدث معهم، لكن لا أحد يجيب. تنهد وهو يجلس على الأرض بارهاق وقد استنزفت طاقته، لكنه انتفض مرة أخرى عندما رأى مجموعة من الشباب كانوا معه على القارب يدخلون المكان المتواجد به. استقام وهو يرى عبد الرحمن ليقترب منه بسرعة وهو يبتسم، ليبادله عبد الرحمن الابتسامة وهو يعانقه بسعادة عندما رآه على قيد الحياة:
"حمد الله على السلامة، كنت خايف عليك جداً."
ربت باهي على كتفه بامتنان:
"الحمد لله، عمر الشقي بقي."
تقدم عبد الرحمن وبجانبه نسيم الصامتة تمشي معه كظله.
جلس بجانب باهي في أحد الأركان ليسأله باهي:
"عملوا معاك إيه؟"
هز عبد الرحمن رأسه بقنوط:
"الصليب الأحمر جه وكان في كاميرات بتصور الناس اللي أنقذوهم، وأخدوا أسامينا عشان الصليب الأحمر ينزلها."
عقد باهي حاجبيه بريبة ليردف بقلق:
"معملوش معانا كده ليه؟ مفيش حد صور ولا أخدوا أسمائنا ولا حتى الصليب الأحمر جه هنا."
رد عبد الرحمن بعدم فهم:
"إزاي ده!! دول قالوا إن الأسماء هتنزل على صفحتهم عشان الأهالي تعرف مين اللي عايش."
نفى باهي وقد شعر بالخوف، ما يحدث هناك شيء مريب.
"محدش سأل فينا خالص، جابونا هنا وناس عادية اللي أسعفونا، محدش سأل على أسمنا ولا حد صورنا ولا أي حاجة، في حاجة مريبة بتحصل، في حاجة غلط."
وقف باهي وهو يمسح على شعره بارتباك:
"أنا كنت عايز أطمن أهلي إني عايش، محدش كلمنا ليه، في إيه بيحصل."
أقترب من أحد الحراس ليفهم، ولكن الردود الباردة الروتينية لم تطفئ ناره، ليصرخ بتهور:
"أريد أن أتحدث مع عائلتي، لماذا لم يأخذوا أسمائنا؟!"
"نحن نعلم ما نفعل، هذا ليس من شأنك."
كان هذا رد أحد المسؤولين على المكان، ليصرخ باهي مرة أخرى:
"أريد الحديث مع عائلتي، أريدهم أن يعلنوا اسمي وأنني على قيد الحياة."
دفعه المسؤول ببرود وهو يشير له:
"اجلس بصمت، لا نريد أي صوت عال."
دفعه باهي هو الآخر وقد فقد السيطرة على غضبه من أسلوبهم المثير للاستفزاز:
"أريد الحديث مع عائلتي، لن أصمت."
التفتت الأنظار إليه وبدأ الجميع في القيام من مكانه مؤيدين.
ليتقدم المسؤول ويلكم باهي في وجهه بقوة جعله يرتد للخلف ويسقط على الأرض. انتفض عبد الرحمن يسرع إليه يساندة وهو ينظر للمسؤول بغل.
ليقول المسؤول بحده وهو ينظر للجميع:
"لا أريد أي صوت أو صراخ، التزموا الهدوء، نحن نعمل جاهدين على إنقاذ حياتكم، بعد أن ألقت بكم بلادكم على شواطئنا كالجرذان لنتحمل نحن مسؤولية إنقاذكم، فلا أريد أي صوت أو اعتراض حتى لا نستخدم العنف وحتى ينتهي هذا الأمر. نحن لسنا بإيطاليا لنستقبلكم كمهاجرين وننقلكم للوحدات المخصصة، نحن لا ندعم المهاجرين، لذلك التزموا الهدوء حتى نتخلص من هذه الورطة التي ألقيتموها على أعناقنا."
مسح باهي شفته التي تنزف بقهر، ليساعده عبد الرحمن في الجلوس مكانه وهو يقول:
"اهدي يا باهي إن شاء الله ربنا هيحلها."
أردف باهي بصوت متحشرج وهو يشعر بتكسر روحه:
"أنا مش عايز حاجة غير إن أطمن أهلي عليا وإني عايش، ممكن يجرالهم حاجة، أكيد اللي حصل اتنشر طالما قلت في ناس بتصور، كل اللي عايز اسمي ينزل مع اللي أسمائهم نازلين إني عايش."
ربت عبد الرحمن على كتفه بنظرات مشفقة:
"أهدي إن شاء الله هيجوا واسمك هينزل وهيِعرفوا إنك عايش، اصبر لما نشوف هيعملوا إيه، ممكن يكونوا بيصوروا مكان مكان، لأننا متقسمين."
أومأ له باهي ثم وضع رأسه بين كفيه بتعب، لكنه عاد ورفع رأسه يسأل عبد الرحمن بصوت مبحوح:
"مشوفتش عمار؟!"
نفى عبد الرحمن برأسه، ليزفر باهي بهم أكبر وهو يعيد إسناد رأسه على كفيه. تمتم بنبرة متحشرجة غير قادر على تجاوز الغصة بحلقه:
"شوفت جمال اللي كان معانا، كان جثة ومتشوه، يعتبر نصه مش موجود."
شهقت نسيم بخوف وارتجف جسدها من تخيل المشهد البشع. التفت لها عبد الرحمن وهو يردف باشفاق:
"مش قولنا خلاص بلاش عياط، كله هيكون تمام."
============
نظر للأخبار في الهاتف بوجه شاحب، ظهر الكبر عليه. كان ينتقل من موقع لآخر بجنون، كاد أن يتوقف قلبه، ابنه فلذة كبده!! لكن كان هناك أمل كشمس تشرق في الغيوم، أنه سينجو، هو يعلم مهارته في السباحة، تمنى من قلبه أن يكون كما كان في السباحة. ظل يدخل من موقع لموقع حتى رأى اسمه، زفر براحة ودمعة غادرة سقطت على وجهه، لكن الاسم الآخر أسفله لفت نظره واتسعت عيناه بصدمة.
نسيم!!! هل نسيم معه؟ لماذا؟ شعر بالتشتت، لماذا هربوا؟ هل هذه صدفة؟ ولكن كيف على نفس القارب وفي نفس التوقيت ومع بعضهم؟ صعد للبحث عن وجه ابنه في الصور المنشورة على موقع الصليب الأحمر، ظل يبحث بين الوجوه بلهفة حتى وجده. لكن اتسعت عيناه بذهول وهو يرى نسيم بجانبه متشبثة به بلهفة مختلطة بالخوف. هل خططوا للهروب معاً؟ ولكن لماذا هو كان يريد تزويجهم فلماذا يهربوا من الأساس!!!
================
أما عائلة باهي فالانهيار من نصيبهم. لا يوجد اسم ولا صورة ولا أي دليل على أنه على قيد الحياة. بكى والده بجزع وهو يقول بصوت متحشرج لابنته:
"دوري تاني يا نور شوفي تاني يا بنتي، أكيد عايش."
أما زوجته فكانت في عالم آخر غير مستوعبة للأحداث حولها. تضم ابنها بين يديها بحماية، تنظر لهم بملامح مبهمة لا تصدق، هل يتحدثون عن زوجها؟ حبيب عمرها؟ كيف لم يجدوا أثر له!!
رفعت شقيقته رأسها بجزع بعد بحث دام لساعات:
"مش موجود مش لاقية اسمه مش لاقياه."
صرخت والدته بجزع وهي تضرب على صدرها:
"هاتولي ابني أنا عايزة ابني دوري تاني يا نور دوري تاني."
رفع والده الهاتف على أذنه بوهن:
"أيوة يا بني أخوك أخوك مش لاقيين عنه أي أخبار روح دور عليه، اطلع على اليونان دور عليه يا بني هاتيلي ابني أنا عارف أنه عايش أنا حاسس بيه، هاتولي ابني."
تعالت الصرخات عندما سقطت والدته مغشياً عليها من الضغط النفسي والخوف. بينما تعالت بكاء زوجته وهي تضم ابنها بخوف:
"يارب يارب رجعهولي يارب مليش غيره."
====================
"هل هناك أحد لديه جثث في المشرحة؟"
انتفضت سيلا تصرخ أنها لديها شقيقها. لا تعرف ماذا حدث بعد ذلك غير أنهم أخذوها والآن تقف أمام جثة شقيقها لتودعه للمرة الأخيرة. كان وجهه أبيض مستنير مبتسم. فتبسمت والدموع تجري على وجهها تلمست وجهه:
"هتسيبني خلاص؟"
"مش عارفة هعيش من غيرك إزاي هكمل إزاي، أنا مليش غيرك، هتوحشني أوي يا حبيبي، أنت كل حياتي."
بكت بصوت أعلى وشهقاتها تحجم صوتها لتضع جبينها على جبينه:
"أنا متأكدة إنك في مكان أحسن، الدنيا بهدلتك وقست عليك، عارفة إنك مع بابا وماما، سلملي عليهم، ابتسامتك ريحت قلبي يا حبيبي، أنا عارفة إنك مبسوط في مكانك، متقلقش عليا يا حبيبي، مش عارفة هكمل إزاي بس هكمل أنا تربيتك، .... أشوفك في الجنة يا حبيبي أشوفك في الجنة يا عبيدة."
رواية قارب الموت الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مريم الجنيدي
ضحك بوهن وهو ينظر أمامه بتشوش.
الهجرة غير الشرعية ليست مجرد مركب ستركبها وتنتقل لبلاد أخرى في ساعات، وبعدها تبدأ حياتك الوردية بشكل سليم.
عليك أن تعلم أنها السم في العسل.
تم اغراؤك بالعسل، وبعدها تفاجأ بالسم المدسوس بعد أول طبقة انقشعت من العسل.
عليك أن تعلم أنك بمجرد أن تستقل أول سيارة في هذا الطريق، أنك مجرد دمية.
عليك خلع رداء الكرامة وارتداء رداء الذل والمهانة.
أعلم أنك لن تنجو بكل الأحوال.
معنى أنك نجوت بحياتك من الغرق، أنك نجوت حقاً.
بل أنت ستخسر نفسك، ستخسر احترامك، ستخسر كرامتك، نفسيتك، صحتك...
الحياة في كل الأحوال ليست وردية.
"باهي هيا معنا."
***
جلس عمار على أحد الأرصفة في شوارع إيطاليا بعد أن تم ترحيلهم إليها.
لا يعلم معلومات كثيرة عن ما حدث، لكن ما يعلمه أنه سمع كلمة "محكمة دولية" كثيراً.
ثم بعدها علم أن إيطاليا طالبت بترحيل الناجين إليها.
أربع أشهر بين مفاوضات ومحاكم واتهامات لا يعلم عنها شيئاً.
وفي النهاية من طالب بهم دولة غريبة ليست دولتهم، كأن وطنهم انتهز الفرصة كي يلقي بهم بعيداً.
وبعد أن وصل إيطاليا وقضى شهراً في مركز تأهيل، علم أنهم ينون ترحيله لبلده، لكنه استطاع الفرار.
ليس بعد كل هذا يعيدوه بكل بساطة لبلاده ليتلقى الجزاء بالحبس!!!
لكن الآن ماذا؟ يجلس على الأرصفة كمتشرد لا يجد ما يسد به جوعه.
انطفئت الحياة المبهجة التي سحبته، وظهر سراب حلمه يلوح له بسخرية من وضعه.
حتى الفتاة السورية التي استطاعت أن تبقى بحق اللجوء باعتبارها لاجئة وتثبت أوراقها شرعياً كما سمع، اختفت.
ماذا الآن عمار؟
نظر حوله بحيرة، ثم نظر للأموال القليلة بين يديه التي جمعها كمتسول بين الطرقات والأزقة.
استقام من مكانه يتنهد بقنوط.
"هل هذه البلد المبهرة التي كانت ستضيع حياته من أجل أن يأتيها، ما لها تبدو كسجن كبير؟!"
نظرات الاحتقار تصيبه بين جنبات قلبه، فيشعر بالمهانة.
حاول أن يعدل من هندامه، ثيابه المبعثرة، وتحرك مرة أخرى يبحث عن أي عمل.
للسخرية، هو حتى لا يعرف لغتهم وليس ضليعاً في الإنجليزية.
هو متسول لا يفهم ما يقولونه، نهايته يعيش بين الأزقة والطرقات.
وبين جولته توقفت أقدامه على استماع صوت مكتوم.
ليتقدم بحرص للزقاق المعتم.
اتسعت أعينه وهو يرى مجموعة من المراهقين يثبتون رجلاً عجوزاً لسرقة ما بحوزته.
"أنتم بتعملوا أي الله يخربيتكم، سيبوا الراجل."
صرخ بها وهو يركض بتحفز، ليلتفت له أحد المراهقين بأعين متسعة.
"أنت مصري؟!"
نظر له عمار بتوجس، ثم أومأ له وهو يقول:
"سيبوا الراجل حرام عليكم، الراجل هيموت."
دفعه الشاب المصري بصرامة.
"أبعد يا عم، ملكش دعوة، روح شوف أكل عيشك."
اتسعت أعينه بذهول وهو يرى شحوب وجه الرجل المسن، ليقول بمروءة غريبة عليه:
"أبعدوا يا عم، الراجل بيموت، أبعدوا."
ألتفت له الشاب يقول بمهادنة.
"اسكت يا عم أنت هتفضحنا، أخرس وأحنا هنراضيك، من السبوبة دي."
اتسعت أعين عمار بوجل وارتجف جسده بتشنج، لكن آخر ذرات إنسانيته لم تسمح له ليهجم عليهم محاولاً تخليص الرجل من بين يديهم.
وفي ذروة العراك شعر بألم حاد بخصره، ليضع يده على خصره بألم وقد غلبت الشجاعة الكثرة.
نظر ليده بتشوش ليجدها مغطاة بالدم.
اتسعت أعينه بخوف، لكنهم لم يسمحوا له بتلقي الصدمة، حيث أبرحوه ضرباً.
تأوه عمار بألم وهو يحاول الاعتدال، لكن الألم المنتشر بكل أنحاء جسده لم يسمح له، خصوصاً الألم بخصره.
وضع يده على خصره مكان طعنه أحدهم بمدية، ليشعر بكم الدم المندفع مكان الطعنة.
أغمض أعينه وفتحهم مرة أخرى ليجد جسد العجوز ملقى بجانبه بعدما سرقوه.
لا يعلم ما أصابه.
رفع وجهه للسماء البعيدة وهو يبتسم بتشوش.
الرؤية تذهب من أعينه، لكنه رأى الطيور المحلقة بعيداً بحرية، أو هكذا رأى.
ثم وجه والده المبتسم.
هل هذه النهاية؟ سيموت في زقاق عفن بين صناديق القمامة!!!
آخر ما استمع إليه كان بعض الصرخات لم يترجم عقله معناها، لكنه ميز بها البحة الأنثوية.
قبل أن يشعر ببرودة تصيب جسده ورجفة غريبة تجتاحه.
"أنهم يحتاجون لمساعدة النجده."
***
من ارتكب خطأ عليه بتحمل نتائجه.
تفرقت عنه لشهور في احتجاز غريب، تلقت مختلف أنواع الإهانة، ذاقت الذل والعنف الجسدي والنفسي، أجبروها على أعمال شاقة.
تحرشات جنسية، كانت معاملتهم لا تمت للإنسانية.
وبمجرد أن سحبوها للخارج بعنف، ووجدته أمامها، تشبثت به منهارة، غير قادرة على ترك يده، تخشى أن يختفي مرة أخرى، وتعود لجحيمها.
ما حدث لهم كان كالجحيم شياطينه من بني البشر.
صرخت نسيم بمجرد أن رأته أمامها مع الحرس، هو الآخر وكأنه حبل النجاة الخاص بها.
"عبد الرحمن متسبنيش عشان خاطري متخلهمش ياخدوني تاني، عبد الرحمن."
لم يقل هو عنها شيئاً، لكن أخفى انهياره في ملامح رسمت من صخر.
كان أيضاً ينازع نفسه كي يمنحها الأمان ولو بكلمة، لكنه غير قادر على الحديث، غير قادر على التفوه بما يطمئنها به.
لكن قلبه يعتصر ألماً من تخيل ما حدث لها.
إذا كان هو كشاب وتلقى ما جعل أعصابه تتلف، فما بالها هي كفتاة!!
ما حدث في الداخل مازال مرارته يتجرعه في حلقه.
لم يكن يوماً أو اثنين، بل الأمر امتد لشهور.
كأنهم قاصدين أن يكسروا كبرياءهم، يذيقوهم من الويلات أقساها.
ملامحه تصلبت بقناع حديدي، كأن أحدهم انتزع مشاعره.
لم يتصور ولا بأسوأ كوابيسه أن يحدث له ما حدث.
شاب بمكانته ورُقيه، صعب عليه أن يتعامل من الذل والإهانة التي تلقاها في هذا الحجز.
أعينه انطفأت منها وهج الحياة، لم يعد يشعر بمن حوله.
ردفت ببكاء منها وهي تقف أمامه تتشبث بذراعه بيدها المكبّلة هي الأخرى.
"عبد الرحمن رد عليا، رد متسبنيش."
نقل أعينه الجامدة لها، ثم أومأ دون أن يتفوه بكلمة.
كان مكبل كالمجرمين.
يمشي في الممر بثبات يحسد عليه، يمسكه أحد الحراس ويسحبه لطريق لم يعد يهتم ما هو.
خرج أمامه باهي، أبصره يتم سحبه من أحد الغرف وهو الآخر مكبل اليد، منزوع العزيمة، فاقد معالم الحياة.
ابتسم عبد الرحمن بأعين دامعة يتذكر حياته سابقاً كأنها طيف بعيد، صعب العودة لها بل مستحيل.
لكن على الإنسان أن يتحمل خطأه وأنه ولد في هذا العالم الجاحد.
رفع باهي رأسه ينظر لأشعة الشمس التي انحرم منها لأشهر، لا يعرف عددها.
أغمض أعينه يتمتع بدفئها، أنها نعمة كبيرة لا يعرف قيمتها سوى من حُرم منها.
الهواء، الشمس، السماء، أصوات الطيور، السحاب، الحرية، كلها نعم علينا أن نحمد الله عليها كل يوم وكل دقيقة.
أنها نعم لا تقدر بثمن.
ركب السيارة الكبيرة، كانت كلها مغطاة بالأسود.
نظر أمامه دون تعبير ليجد أمامه كل من عبد الرحمن وهذه الفتاة وعدد قليل لم يهتم بالتعرف عليهم.
تبادل النظرات مع عبد الرحمن بصمت، كل منهم يفهم نظرات الآخر، كانت نظرات تدل على قهر الرجال..؟
كان الصمت سيد المكان لعدة ساعات حتى توقفت السيارة في مكان لم يتحققوا من مهيته.
وبعد ترجلهم من السيارة اكتشفوا وجودهم في مطار!!!!
رواية قارب الموت الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مريم الجنيدي
ربنا نهاية الطريق لم تكن كما رسمنا، ربما أحلامنا ليست نفسها قدرنا المكتوب، ما اتجهنا له كان سراب منثور.
لا أعلم ماذا كان سيحدث لو لم نتخذ هذا الطريق، لكن الشيء الأكيد أن حياتنا ربما كانت ستكون أفضل. الأكيد الآن أننا خسرنا جزء كبير من نفسنا، لم نعد كما كنا. ربما عندما نخرج للحياة مرة أخرى سنكون مختلفين تمامًا عن أنفسنا.
أرض الوطن لم تكن سوى سجن واسع، نتخبط فيه ببعضنا، نتشدق بالحرية لكنها حرية مزيفة وهمية لا يدرك حقيقتها سوى الناجين منها.
الطائرة التي قادتنا كانت عبارة عن سجن، كل كرسي محاط بالحديد كأننا قادرين على الهروب في السماء! لم يكن هذا سوى كسر المزيد من نفسنا الأبية.
الغريب أن عددنا كان قليل، هل هؤلاء الناجين فقط من القارب؟ كان الأمر مريب، الإجراءات مبهمة، دخولنا للطائرة في مكان فارغ.
حتى الآن بعد وصولنا لمصر! كانت صدمتي وقتها كبيرة، هل عدنا لمصر! هل تحركت بلدي للبحث عني! نظرت لعبد الرحمن بقلق وعدم فهم، بينما هو أسود وجهه وقد كانت معالم وجهه المحتقنة تصيبني بالجزع، ماذا سيحدث لنا!
أثناء نزولنا من الطائرة، لم أتوقع أن أراها. صدمة رؤية شقيقتي في المطار هنا سلبت تفكيري! لكنها لم تكن في استقبالي، بل كانت ترتدي الزي الرسمي هنا. هل عملت شقيقتي في المطار!
شعرت بالتشوش، وحاولت قدر الإمكان الظهور لها أو التأخر في سيري، لكنهم سحبوني بعنف بعيدًا عن المكان في جو مليء بالغموض. لكن ما أراح بعضًا من انقباض قلبي، رأيتها تستلم الورق الخاص بالطائرة، والأكيد أن اسمي مكتوب من ضمن المسافرين على متنها.
هل يعقل أن ترسم الأقدار بهذا الشكل؟ أن تكوني شقيقتي أمامي ولا تريني ولا أسمع حتى صوتها، وتستقبل هي الطائرة التي كنت محتجزًا عليها. لم أتمنى شيء بحياتي بمقدار أن تفتح نور شقيقتي ورق الطائرة لترى اسمي فقط، لتعلم أنني على قيد الحياة، لتطمئن قلبي والداي وزوجتي، لتريح بعضًا من عذابي.
من قال أن زمن المعجزات انتهى! كل يوم في حياتنا معجزة تحدث، ربما لا نعلم عنها شيء، لكنها تحدث.
استلمت نور، شقيقة باهي، المتدربة في مطار القاهرة الدولي، الأوراق الخاصة بالطائرة التي وصلت منذ قليل من الكابتن الخاص بها، لكي تذهب بها لأحد المسؤولين ليوقع عليها. تحركت ببعض الحماس، لكن شابته الريبة وهي تبصر الطائرة فارغة، لا تعلم متى ترجل الركاب منها! لكن ما أثار ريبتها أكثر وجود هذا الحديد المحاط به المقاعد.
"أي دخلك هنا، خذ الورق وامشِ، الدخول ممنوع." قال أحد المسؤولين هذه الجملة يمنعها من الدخول للطائرة. لتومئ له وتتحرك. عبثت بالورق بيدها وهي تنظر له، لتتوقف قدمها بذهول بمجرد أن رأت اسمه. لا تصدق. شعرت أنها تتهيأ، لكن لا، هي ترى اسمه! هل هذه حقيقة! هو هنا! شقيقها هنا.
حاولت حبس دموعها وهي تطلع الاسم الحبيب تتأكد من كل حرف. الأقدار تسوقنا لنفترق ثم نلتقي تحت نفس السماء ونفس المكان، لكن ربما بعد كل هذا لا نلتقي.
بعد كل المجهود التي تكبدته، والفيديوهات العديدة التي نشرتها تصرخ بها مطالبة أحد المسؤولين بالتحرك لإنقاذ هؤلاء البشر. لا تصدق أنه بعد كل هذا، سيكون ورق وصول شقيقها للبلاد بين يديها وبمحض هذه الصدفة. إن الله لطيف بنا.
أما عند باهي وعبد الرحمن. كانت ملامحهم الجامدة خير دليل على ما تكبدوه، وما هم واثقين منه أن وقوفهم على أرض وطنهم لا يعني نهاية طريق العذاب. ربما وجودهم في هذا المكان هو بداية طريق آخر من العذاب والحبس. وقد كان.
الحياة ليست لطيفة لترحب بك وتفتح ذراعيها لك لتتأكد أنك ستظل تشقى فيها، ولن تعلم متى نهاية هذا الشقاء. ربما غلطة ارتكبتها في ذروة غضبك تكون نقطة تحويل مسار حياتك، وتأكد أن كل القرارات التي اتخذتها وقت غضبك ستكون المسار لتحول حياتك لجحيم. فعند الغضب الشيطان هو من يتحكم بقراراتك، وبعد الغرق، يقول لك وداعًا، هذه غلطتك. فاحترس.
ابتسم باهي بعد أن أغلقت عليه أبواب الحبس بجواره عبد الرحمن. نظر الاثنان لبعض بكآبة تشوبها اليأس.
"هي دي النهاية!" سأل باهي بهذه الجملة الميتة.
ليرد عبد الرحمن: "ممكن تكون دي بداية لطريق أسود تاني."
رد باهي وهو يجلس أرضًا: "أنا ما عدتش فاهم حاجة، إحنا إزاي جينا هنا، إزاي محدش حتى كلمنا."
ابتسم عبد الرحمن ساخرًا: "عمرنا ما هنفهم لعب السياسة بين الدول، كل واحد بيعمل لمصلحته."
"بس أنت اسمك كان متسجل أنك موجود، أنا لا."
جلس عبد الرحمن جانبه: "اللي متأكد منه يا باهي أنك رغم كل اللي حصلك ده ربنا نجاك من مصير كان هيبقى أصعب. أنت متعرفش بيعملوا إيه مع اللي زينا، دول لقوا صيدة كبيرة، جابوا شوية مننا قدام الكاميرات أنهم أنقذونا وأن دول اللي نجوا من الحادث، وأنهم بيعملوا كل جهدهم للسيطرة على الموضوع. في نفس الوقت أخدوا عدد أكبر يبيعوهم للمافيا يشتغلوا معاهم كبش فداء، أو يبعوهم لتجار الأعضاء. وشهم الأسود المختفي ورا الفيلم المزيف اللي عملوه مسيره يتعرف."
اتسعت عينا باهي بإدراك ليقول بخفوت: "يعني كانوا هيتاجروا فينا!"
أومأ عبد الرحمن له: "بالظبط. رغم كل اللي إحنا فيه واللي شوفناه هناك، لكن ربنا نجانا من مصير أسوأ بكتير. كنت قلقان عليك، وعلى نسيم ليعملوا كده."
سأل باهي: "نسيم قريبتك!"
أومأ عبد الرحمن بجمود: "رغم كل اللي حصل، وطرقنا اللي بتتقاطع غصب عنا، كان مصيرها مكتوب يكون معايا، تعاني زي، وأنا اللي هربت من كل ده. قدرها خلاها تهرب مني هي كمان، عشان في الآخر نلاقينا إحنا الاتنين هربانين على نفس المركب. كنت حاسس أنها مسؤولة مني، كنت خايف يعملوا فيها حاجة في الحبس."
نظر له باهي يتساءل بصمت، وقد فهم عبد الرحمن سؤاله ليقول: "ملامحها بتقول أن حصلها حاجة، بس جرح رجولتي مسمحليش أسألها حصلها إيه، كفاية اللي أنا فيه، مش قادر أشيل أكتر من كده."
أغمض باهي عينيه بتعب وهو يتخيل معاناة فتاة في هذا الأمر. إنه أشبه بالنحر البطيء، المؤلم. وجود فتيات ونساء كثيرات على القارب معهم. إنه رجل ولا يستحمل ما حدث، ماذا عن الفتيات، كم المهانة والذل، والأكيد التحرش والتجاوزات. دعا من قلبه أن لا يكون الأمر أكثر من هذا، فلا فتاة تهرب من بلدها بهذه الطريقة إلا لأسباب قوية، لا تستحمل أن تذبح أنوثتها أكثر دون حتى أن تستطيع الصراخ أو الاستغاثة بأحد. الأمر كخنجر ينغرز في القلب وكل دقيقة أحد يضغط عليه أكثر.
سأل باهي بصوت مبحوح: "تفتكر الحياة اللي خليتنا ناخد الطريق ده كانت مستهلة!"
نظر عبد الرحمن أمامه وهو يتذكر حياته قبل أن يتخذ هذا الطريق المظلم: "مفيش حاجة مستهلة أنك تعرض حياتك للموت بالشكل ده. كنا مفكرين أن هنتعامل أحسن وأنهم بيخافوا على روح الإنسان، والتنديد بحقوق الإنسان وحقوق الحيوان، وحقوق حقوق، بس أول ما يحصل مشكلة بجد يقولك سلام. هما تقريبًا مش بيحافظوا غير على الإنسان اللي بيحمل جنسيتهم بس، لكن أي إنسان تاني ملوش لازمة، مجرد دمية بيحركوك حسب مصالحهم. هيستفادوا منك ياخدوك، مش ملزمين يرموك."
أومأ له باهي ثم قال بسخرية: "حتى بعد كل اللي حصل ده، ما عدتش هينفع نعيش هنا. لو خرجنا من هنا هتعمل إيه مع قريبتك، هتتجوزها!"
نظر له عبد الرحمن بتفكير لم يخطر في باله هذا السؤال! ربما لأنه لم يخطر في باله أنهم سيعيدوهم مرة أخرى لمصر. لكنه توصل لإجابة يخشاها. أنه لن يستغني عنها، لن يتركها وحيدة تصارع وحوش العالم وحدها. لقد وضعها القدر في طريقه وأصبحت مسؤولة منه.
يهز رأسه: "الله أعلم، محدش عارف ربنا كتب لنا إيه، مصيرنا بيتغير بين الدقيقة والتانية."
تنهد عبد الرحمن وبداخله العديد والعديد من علامات الاستفهام، لا يعلم لماذا رحلوهم هم فقط لمصر مرة أخرى مع العلم هناك ناجون آخرون كانوا معهم، وماذا سيحدث معهم الآن.
ليهمس باهي بقنوط وهو ينظر للسقف حيث حدود حريته: "ده لو خرجنا من هنا!!"
***
أما عن نسيم، قد جفت دموعها، أصابها الوهن، روحها مذبوحة. كل يوم مر عليها كان تغرق أكثر في الجحيم. لم يكن هينًا عليها ما مرت به. وبعد كل هذا تخرج من حبس لحبس أكثر ظلمة.
أغمضت عينيها تبكي بانهيار. لتفتح عينيها على فتح باب الحبس ليقول العسكري بصوت خافت: "في مكالمة جايلك مخصوص، متوصي عليكي من ناس فوق أوي."
اتسعت عيناها بعدم فهم وهي تأخذ الهاتف لتضعه على أذنها لتستمع لصوت تعرفه جيدًا.
"ازيك يا نسيم."
همست بعدم تصديق: "عمو عرفات!"
وصلها الصوت القوي الواثق: "متقلقيش يا نسيم، قريب هتخرجي من هنا."
أسرعت بسرعة تردف بلهفة: "وعبد الرحمن موجود هنا يا عمو محبوس."
صمت عرفات قليلاً ثم قال بحشرجة: "محدش بينسى ابنه يا نسيم..."
قد يأتي الفرج قريب.
***
تعمل بقنوط في أحد المحلات في إيطاليا، فقدت ملامحها بهجتها بعد أن فقد قلبها أمانه. تقدمت منها صاحبة المحل، امرأة كبيرة في السن مبتسمة ذات ملامح مشرقة ودودة.
"لا تعبسي حبيبتي، ابتسمي للحياة كي تبتسم لكِ."
نظرت لها سيلا بقنوط: "لا شيء يجعلني أبتسم، أشعر كل يوم بضياع أكثر، جزء بداخلي مفقود، هناك شيء ناقص، الفراغ بداخلي كل يوم يزيد بعدم وجوده."
ما قالته حقيقة. منذ عدة أشهر وبعدما وصلت لهذه الأرض وحدها تشعر بالخواء، داخلها فارغ، قلبها متألم. تبحث عن شقيقها في كل وجه تراه، لكنها تعود خائبة الرجاء في نهاية اليوم إلى المنزل الصغير الذي تسكنه لتجلس على الأريكة وتنظر أمامها تتذكر حياتها مع شقيقها الراحل وتبكي. هذه كل أيامها على مدار الشهور الماضية. لكن هذا لا يمنع امتنانها لهذه السيدة التي عملت معها في محلها، فهي تعاملها بود، تبتسم كل يوم لها، تعطيها بدون مقابل، كأنها تخبرها مازال هناك خيرًا في الدنيا، استمري!
ربتت السيدة على كتفها بمحبة ثم سحبت مقعدًا لتجلس أمامها: "بل هناك أشياء كثيرة تبتسمي عليها. أعلم أن داخلك يتألم من أجل فقد شقيقك، تشعرين بالوحدة والفراغ. شعرت بكل هذا عندما مات زوجي، كنت أجلس هنا وأتذكر كل شيء يفعله، بكيت كثيرًا، لكن عندما مر وقت في البكاء والرثاء تدهورت صحتي. قال لي أحدهم مرة جملة لازلت أتذكرها: من مات مات وانتهى. البكاء لن يعيده. يحق لكِ الحزن عليه، لكن ليس من حقك أن تجعلي الحياة تسلبك عمرك في الرثاء. لقد ترك لكِ زوجك ذكريات تتذكريها وتبتسمي. ترك لك أثره في كل شيء. وهذا حبيبتي ما أريدك أن تفعليه، أن تنظري لنفسك لمستقبلك. لقد نجاكي الرب من الموت، وتخطيتي كل العقبات لتصلي هنا سالمة. مازال أمامك فرصة لا تجعلي الحياة تسلبك عمرك في الحزن، ابتسمي للحياة وتحديها، ابتسمي للناس كلما تذكرتي شقيقك ابتسمي، سيكون سعيدًا بهذا عزيزتي."
مسحت سيلا دموعها التي فرت على وجنتيها ثم ابتسمت للعجوز أمامها بامتنان: "أشكرك سيدة ماري، لقد رزقني الله بكِ كي يعوضني مُر أيامي. بدونك لا أعلم كيف كنت سأتخطى الكثير من الأمور."
ابتسمت لها السيدة الودودة بحب: "لا عليكِ صغيرتي، أنتِ كابنتي، فلم يرزقني الله بأي أبناء، لذلك اعتبرتك ابنتي. المحبة تقع في القلوب بدون حساب. وجهك الصبوح المريح كان ألطف ما رأيت."
احمرت وجنتا سيلا بخجل وهي تميل لتحتضن العجوز بحب.
بعد قليل نهضت العجوز تسحبها من يدها وهي تتحدث ببشاشة وحماس: "هيا صغيرتي، باقي اليوم إجازة لكِ، اذهبي للتنزه وتمتعي بشروق الشمس. هناك أشياء لم تفقد بهجتها هنا. انظري للسماء والزهور واذهبي لرؤية نافورة الأمنيات. تناولي المعكرونة أو البيتزا. هيا اقبضي على السعادة بيدك ولا تتركيها. ابحثي هنا وهنا حتى تملئي الفراغ بداخلك. إيطاليا واسعة، ستجدين ما يعوض الجزء المفقود بداخلك."
نظرت لها سيلا بتردد: "كيف سأتركك وأرحل، لا يمكن ربما تحتاجين لشيء."
ضحكت السيدة ماري بنزق: "ماذا سأحتاج يا صغيرة، أستطيع تدبر أمري. هيا هيا اذهبي وتمتعي ببعض الحياة."
خرجت بخطوات مترددة تسير بين الناس بنظرات خائفة متوترة، لكن كلمات السيدة ماري مازال صداها يرن بعقلها. توقفت فجأة ونظرت للسماء كأنها تبحث بعينيها على وجه عبيدة الحبيب، لكنها لم تجد سوى العصافير التي تطير بحرية، والسحاب الأبيض. لتبتسم وهي تأخذ بعض الأنفاس: "عبيدة... وحشتني وحشتني أوي، الأيام صعبة من غيرك، بس بحاول أكمل، بحاول ما أقفش زي ما أنت عودتني. أنت سعيد!! متخافش عليا هكون كويسة، ده أنا تربيتك. لو الطريق قفل في وشي هشوف طريق تاني، ولو المركب هتغرق هنط وأعوم لبر الأمان. ارتاح يا حبيبي مش هستسلم. الله يرحمك يا حبيبي الله يرحمك. في الجنة إن شاء الله، أشوفك في الجنة يا حبيب قلبي."
تنهدت بعينين دامعتين لكنها ابتسمت، تعمل بنصيحة السيدة ماري: "كلما تذكرتي شقيقك ابتسمي." تحركت بخطوات أكثر ثقة، يختفي منها التردد شيئًا فشيئًا. فتحت عينيها على الأشياء التي لم تفقد بهجتها، ربما انطفاء الألوان كان منها هي، لذلك حاولت أن تزيل غمامة الانطفاء وتنظر للجانب الممتلئ من الكوب. لقد منحها الله فرصة أخرى عليها أن تحمد الله على هذا، فهو مسبب الأسباب، وهي هنا في هذا المكان بالتأكيد لسبب ما.
نظرت للورود والأشجار، السماء. اشترت المخبوزات وجلست في أحد الحدائق تتناولها. وقفت أمام نافورة الأمنيات وابتسمت بسخرية. إنها خدعة أو تقليد لا تؤمن هي به، أن ترمي عملة في الماء وتتمنى أمنية! لما عليها أن تتمنى أمنية واحدة مقابل عملة، فهي تستطيع الدعاء بكل الأمنيات التي ترغبها وسيحقق الله لها ما فيه الخير. لذا وضعت العملة مرة أخرى بحقيبتها والتفتت لترحل.
"لا تؤمنين بهذا العبث صحيح."
التفتت على هذه الجملة الإيطالية التي أصبحت تتقنها نوعًا ما من خلال الاختلاط بهم وبمساعدة السيدة ماري. شاهدت شابًا بملابس مهندمة ووجه وسيم لديه بعض الوشوم على كفه، لكن نظراته العميقة نحوها كان بها شيء من... لا تعلم لكنها أصابتها بالتوتر.
لتقول بلا مبالاة: "نعم."
سألها بفضول وهو يقترب منها: "إذا بماذا تؤمنين."
رفعت سيلا عينيها له وردت دون تردد وثقة: "أؤمن بالله لا إله إلا هو."
ودون حديث آخر تركته ورحلت ليبتسم وهو ينظر في أثرها بفضول. ثم تحرك خلفها يجذبه المزيد من الفضول، فهو لا يرى كل يوم فتاة تمتنع عن رمي العملة في النافورة وتمني أمنية.
ربما نبدأ دروب جديدة من الحياة، أو تجذبنا الحياة نحو أبواب لا نعلم ما خلفها سوى بفتحها. نحن نتخطى العثرات لأننا مجبورون على المضي قدمًا في الحياة. ربما نسقط في بعضها وربما نستطيع النجاح والتجاوز، فالدنيا ليست كلها أسود وليست كلها أبيض، أحيانًا تكون مزيجًا بين الاثنين. بعض الاختيارات القاسية والمؤلمة قد تكون ابتلاء من الله، فقد كتبت الأقدار ورفعت الأقلام وجفت الصحف.
***
فتح عينيه بتعب، الرؤية مشوشة أمامه. وبعد عدة محاولات من استعادة وعيه، استطاع أن يرى ما أمامه. أين هو! ما هذا الألم في خصره! رفع رأسه يرى ما يحدث حوله. هو في المستشفى؟
أغمض عينيه يحاول تذكر ما حدث. وبعد فترة فتح عينيه يتذكر ما حدث في عراك الشوارع.
اقتربت منه إحدى الممرضات تقول شيئًا لم يفهمه. ليتحدث هو بانجليزية ضعيفة: "ماذا حدث، أين أنا."
ردت عليه بالانجليزية ولم يفهم منها سوى أنه في المستشفى وقد تم إنقاذ حياته. لعن نفسه لهروبه من دروس اللغة الإنجليزية فهو الآن في ورطة!
لكن اتسعت عيناه عند استماعه لكلمة الشرطة!! تركته بعدما لم تجد ردًا منه. فنظر حوله برعب. استقام من مكانه رغم الألم الشديد الذي عصف به.
مسك خصره وهو يحاول القيام والتحرك من مكانه حتى يهرب قبل مجيء الشرطة. إن علموا أنه بلا هوية! لا يعلم العواقب لكن تواجده هنا خطر، خصوصًا بعدما حدث.
تحرك بخطوات حريصة يحاول ألا ينتبه عليه أحد. وبعد عناء خرج أخيرًا. نظر حوله بضياع، لا يستطيع تحديد وجهته.
شعر بألم شديد في خصره لينظر لكفه الموضوع مكان الجرح ليجد بعض قطرات الدماء. حاول أخذ أنفاسه بهدوء حتى يهدأ من الألم، لكن ألم جسده مع ألم الطعنة كان فوق قدرته على الاحتمال. جلس جانبًا بعدما ابتعد عن المشفى بخطوات متعثرة.
أغمض عينيه بشدة من قوة الألم. فرت بعض الدموع من عينيه لا يصدق ما وصل إليه حاله، يجلس على الأرصفة مطعون ولا يستطيع حتى الصراخ أنه يتألم بل يكاد يموت من الألم. ماذا يفعل! لقد ظن أنه سيموت من الطعنة لا محالة، لكن من الواضح أنه بعد كل ما حدث مازال في عمره بقية؟
وضع يده على رأسه بقلة حيلة، ظل على جلسته وقد مرت الساعات دون أن يعلم عددها حتى استمع لصوت أذان يأتي من مكان قريب نسبيًا. انتفض من مكانه بعدم تصديق، نظر حوله يبحث عن مكان المسجد الذي يؤذن.
تحرك بخطوات بطيئة يتتبع مصدر الصوت، حتى أخيرًا استطاع أن يصل. ارتجف جسده بقوة وهو ينظر لفخامة المسجد، الهيبة الطاغية عليه. صوت المؤذن الخاشع الذي أصاب جسده بانتفاضة غريبة.
تقدم بارتجاف للداخل بعد أن خلع حذاءه. وبمجرد أن خطت قدماه أرض المسجد الشريف حتى خر على عقبيه وهو يبكي بشدة.
اقترب منه بعض من أهل المسجد يساعدونه وهم يسألونه على حاله وهو لا يفهم ما يقولون. ليقترب منه شيخ كبير في السن يسأله ما به. ليرد عمار بصوت مرتجف: "مش فاهم، مش فاهم."
سأله الشيخ بدهشة بلغة عربية ركيكة: "هل تتحدث العربية."
أومأ له عمار بأمل دب به بعدما وجد أخيرًا أحد يفهمه. ليسأله الشيخ بقلق: "ماذا حدث لك بني!"
أجاب عمار وهو يغمض عينيه بتعب، وقد استكان جسده بعدما شعر بالأمان هنا: "المعاصي عملت فيا كده، عايزة أتوب."
ثم أغمض عينيه وهو يبتسم براحة. ليقول الشيخ لمن حوله: "أدخلوه هذه الغرفة لنرى ما به، بسرعة، الشاب ينزف، لقد أرسله الله لنا كي يتطهر من معاصيه."
لا تقنط من رحمة الله فإن الله غفور رحيم كريم.
***
الهجرة غير الشرعية هلاك، ليست الطريق السهل الذي سينقلك لعالم الأحلام الوردي. أولاً لا يوجد عالم وردي في هذه الحياة. لا تجعل نفسك محطة شبهات، لا تلقي بنفسك في طريق التهلكة، ستتجرع الذل والإهانة والعذاب جسديًا ونفسيًا.
فقد العديد والعديد من الشباب حياتهم في الهجرة غير الشرعية، تحللت جثثهم في البحار دون حتى تكريم جثمانه بالدفن، ومازال أهلهم عاجزين عن معرفة مصيرهم. ربما نجا البعض وكون حياة جيدة، لكن تأكد أن خلف كل ضوء ظلام. ومهما كان الظلم في أرضك، ستجد أضعافه في أرض ليست أنت واحدًا منها. الحقوق التي ينددون بها بفخر في بلادهم ما هي إلا وجهة تخفي بشاعتهم القاسية وتجبرهم تجاه كل غريب أو مناقض لأفكارهم الفاسدة.
ربما انتهت الرواية، لكن لم تنتهِ حياة كل من أبطالها بعد. كانت هذه الرواية تعرض صورة لما يحدث لكل مهاجر. ربما ما يحدث أكثر بشاعة مما كُتب، لكن تمت كتابة هذا العمل من أحداث واقعية لأشخاص حقيقيين ندعو الله أن يردهم لأهلهم سالمين. كُتبت لتمحو الضوء اللامع لطريق مظلم. ربما لم تسلط الضوء على ما يحدث في الجانب الآخر لأهالي المهاجرين، لكن لك أن تتخيل موقفهم وهم لا يعلمون أبناؤهم ماتوا أو على قيد الحياة. تخيل مدى العذاب الذي يحيوه كل يوم!
ندعو الله أن يرد كل مفقود لأهله، وأن يصبر أهل المتوفين ويلهمهم الصبر والسلوان.