تحميل رواية «هيبة» PDF
بقلم مريم محمد غريب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تتأمل انعكاسها بذهول، كأنها ترى نفسها لأول مرة. انسدلت خصيلاتها الجديدة على كتفيها بنعومة، تتراقص تحت الضوء بلونها الأشقر الذي أضفى على ملامحها وهجًا دافئًا. مرّرت أناملها على شعرها برفقٍ، تتحسس نعومته المعهودة بلا تموّجات، ثم أمالت رأسها قليلًا تتفحص زوايا التغيير، تراقب كيف يعكس الضوء لمعان اللون الجديد المدمج بلون شعرها الكستنائي الأصلي. "إيه رأيك أنسة ليلى؟ زي ما كنتي عايزة؟" التفتت "ليلى" صوب خبير التجميل الأشهر بالمدينة، ابتسمت له قائلة: "انت بتهزر يا ريكو؟ ده تحفة. الهايلايت طلع فكرة تجنن...
رواية هيبة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مريم محمد غريب
الليل قد ألقى سدوله على منزل آل "الراعي".
بدا المنزل هادئًا، متواطئًا مع ما حدث في ساعاته الأخيرة.
خرج "نديم" من غرفة المكتب أخيرًا، عينيه تومضان ببرودٍ ثابت، كأنّ ما اعترف به للتو أمام عمّه لم يكن زلزالًا، بل مجرد سطر أخير في حوار ٍمُمّل، لأن ما حدث، ما فعله هو الأصح، ولا أحد غيره بإمكانه حلّ الأمر، حتى عمّه بنفسه.
صعد الدرج على مهلٍٍ، كل درجة يطأها بثقل رجل لم يعد يرى في التراجع إمكانٍ.
توقّف أمام باب غرفتها، أنصت، لا شيء سوى الصمت، طرق الباب بخفة، ثلاث نقراتٍ ثم انتظر.
لم يطول انتظاره، جاء صوتها من الداخل، واهنًا، متعبًا، لكنه لا يزال ناعمًا:
"أدخل!"
فتح الباب بهدوء، ليجدها واقفة أمام مرآتها، شعرها مُبلل ينزلق على كتفيها، يُقطّر على رقبتها بقطرات لامعة، ترتدي روب استحمامها قصير، خامته بيضاء ناعمة تكاد تلتصق ببشرتها، كاشفًا عن فخذيها وساقيها اللتين ما زالتا رطبتين من أثر الماء.
ابتسم دون أن يتكلم في البداية، فقط نظر. كأن المشهد قد علق في صدره دون نفس، دون رغبة في كسره أو تبديده، كانت آسرة لعينيه وقد أججت شوقه لها من جديد.
قال أخيرًا بصوتٍ خفيض، وابتسامة خفيفة تشق وجهه الوسيم:
"لولّا."
استدارت إليه بعينين واسعتين تلمعان من بخار الحمام وحرارة الغرفة المُدفأة، ابتسمت له، تلك الابتسامة التي لا تحمل فيها أيّ ادّعاء، بل فقط شيء من الإرهاق.. وشيء من الارتياح لرؤيته الآن.
"نديم!.." همست باسمه.
أغلق الباب خلفه بالمفتاح، اقترب منها ببطء، وكأنه لا يريد كسر ما بينهما من سكينة، كان عطِر الحمّام لا يزال عالقًا بها، رائحة صابون ناعم وماء دافئ، وعبيرها الطبيعي الذي صار يحفظه عن ظهر قلب.
مدّ يده ملامسًا أطراف شعرها الرطب، مرّر أنامله فيه بتروٍٍ، ثم همس لها:
"كنتي في الشاور.. لوحدك!"
ابتسمت مرفرفة بأهدابها المتلاصقة وغمغمت:
"كان نفسي تكون معايا طبعًا.. بس احنا مش لوحدنا في البيت."
قست نظرته قليلًا وهو يرد عليها بغلظةٍ:
"مش قلت لك قبل كده أنا مايهمنيش أي حد معانا في البيت؟ محدش هنا يقدر يحاسبني. ومحدش يقدر يقولّي كنت في أوضة ليلى بتعمل إيه."
"طيب ماتزعلش. احنا لسا سايبين بعض من ساعات.. يعني كنت وحشاك للدرجة دي؟"
"للدرجة دي.. وأكتر."
ثم لفها بيده الأخرى من خصرها لتواجهه بالكامل، وقرّبها إليه بلطفٍ متمتمًا:
"شكلك هاتعيدي الشاور. ومش هاتكوني لوحدك المرة دي."
"عيب يا نديم!.." همست وهي تلمس يده التي استقرت على جانبها وقد تخضّبت وجنتاها خجلًا.
نديم بخشونة:
"أنا جوزك.. العيب في إيه؟"
حنى رأسه ببطءٍ صوب عنقها، مرّر شفته دون قبلة، فقط لمسها بأنفاسه، وقال بخفوتٍ:
"جوزك. وحبيبك.. ودلوقتي شايلة حتة مني جوّاكي."
ارتعشت أنفاسها وهي تستمع إليه، عيناها تلمعان بندى خفي، وربكة ناعمة في صوتها وهي تقول بصوت بالكاد يُسمع:
"بابا مستني أنزل عشان نتعشّى سوا!"
رفع يده ووضعها بحنو على بطنها المسطح من فوق قماش الروب، ثم قال من بين قبلاته لعنقها وفكّها:
"مافيش داعي تنزلي للعشا الليلة دي. أنا وصيتك بأكل مخصوص هايطلع لك كمان شوية."
"بس بابا!.." قالتها بتردد، وكأنها خائفة من أن يُساء فهمها لدى والده.
رد بحزمٍ:
"عمّي مش هايقول حاجة. انتي لسا راجعة من السفر وشكل التعب باين على وشك."
ورفع وجهه لينظر إليها، كانت في عالمٍ آخر وقد نجح بجرّها نحو الاستسلام المبدئي فعليًا، ابتسم وهو يرفع يدها، يقبّل أصابعها، ثم ينظر إليها بعينين فيهما دفء غير مألوف وهو يقول:
"انتي أصلًا لازم تبدأي من دلوقتي تاخدي بالك من نفسك.. تاكلي كويس. تنامي كويس. وماتجهديش نفسك."
ثم وضع يده مجددًا على بطنها وقال بهدوءٍ:
"ما تنسيش ده.. محتاج إهتمام ورعاية منك. انتي بقيتي مسؤولة عنه من دلوقتي.. أوعديني تحافظي على نفسك وعليه!"
ابتسمت له بخجل، عينيها تلمعان بحنانٍ مفاجئ، كأنها فجأة شعرت بأهميتها ومسؤوليتها كأم.. بسببه.
"حاضر.. أوعدك."
سحب خصلة مُبللة من شعرها، ولفها حول إصبعه، ثم قال محذرًا:
"وتنسيلي أمور المعيلة بتاعتك دي نهائي. مافيش جري في البيت. ولا تنطيط على السلالم.. والأكل كله من إنهاردة صحي. لا تقوليلي سوشي ولا نودلز ولا أكل من الشارع. انتي سامعة؟"
عبست تستعطفه بطفولية:
"طيب النودلز ليه؟ خلّيها مرة في الأسبوع عشان خاطري!"
نديم بحدة:
"قلت لأ. أقسم بالله يا ليلى لو ما سمعتي الكلمة لاحبسك وهأكلك وأشرّبك بإيدي لحد ما تولدي. أعقلي بقى انتي مابقتيش صغيرة. خلاص بقيتي ست متجوزة وكام شهر وهاتبقي أم."
ليلى بتبرّم:
"خلاص.. هاسمع الكلام."
رمقها بنظرة أقل حدة وهو يقول:
"شاطرة.. كده تعجبيني.. خلاص أسيبك تريّحي بقى."
وسحب يده من حولها فجأةً، لكن يدها امتدت بسرعة، أمسكت بكفه بقوة ولهفة كأنها تخشى أن يضيع منها في غفلة وهي تقول:
"رايح فين؟"
توقّف لحظة، نظر إليها بعينيه اللتين بدأ الهدوء يغشاهما، وقال ببساطة:
"رايح أوضتي.. هانام.. بكرة الصبح رايح أنهي موضوعي مع راندا."
عبست ملامحها، وكأن الكلمات تلك صفعتها بلطفٍ، فقالت بصوتٍ طفولي مكسور:
"يعني هاتسيبني؟ أنا مابقتش بعرف أنام في السرير من غيرك يا نديم!"
ظلّ صامتًا للحظة، قبل أن يبتسم ويقترب منها ببطء ثانيةً، رفع كفيه ليمسك وجهها بين راحتيه بحنانٍ أبويّ ممزوج بعشقٍ ناضج، وهمس:
"طيب خلاص.. ماتزعليش. أنا مستعد أفضل جمبك في السرير لحد ما تنامي.. إيه رأيك؟"
لم تجبه بالكلام، بل رفعت ذراعيها وأحاطت بها عنقه، قرّبته منها أكثر، وهمست بشفتيها أمام شفتيه:
"لأ.. خلّيك معايا للصبح. مش انت خلاص مافيش حد بيشاركك أوضتك؟ ولا بيزعجك لما بتكون لوحدك كمان؟ أهو.. خليك معايا بقى."
نظر إليها مطولاً. لم تكن كلماتها وحدها ما تؤثر به، بل تلك النظرة الصادقة، الضعف الخفي، الرجفة الخفيفة في صوتها، وكأنها تستجديه لا بعقلها، بل بقلبها وكل خلجاتها.
انحنى نحوهًا قليلاً، وصوته يخرج منه بانفعالٍ لم يعد يخفيه:
"انتي مجنناني يا ليلى.. ناوية تعملي فيا إيه تاني؟"
رفعت حاجبيها باستغراب بريء وهمست:
"أنا؟ أنا عملت إيه؟"
ضحك بخفة وهو يقترب منها أكثر، صوته صار أكثر خفوتًا وخطورة وهو يقول:
"مش عارفة عملتي إيه؟ أنا هقولك!"
وجذب رأسها نحوه، شفتاه التقمتا شفتيها في قبلةٍ لم تحمل أيّ تردد، قبلة جائعة، عميقة، اشتاقت واشتكت، وكأنه لم يقبّلها لسنوات، وكأنهما لم يتقاربا قبل يومًا واحدًا.
تجاوبت معه كأنها كانت تنتظره طوال اليوم، ذراعاها التفّتا حول رقبته أكثر، وقلبها ينبض بقوة أسفل صدرها العاري إلا من قماشٍ خفيف، وحرارة أنفاسها امتزجت بأنفاسه الملتهبة.
كانت قبلاته تنساب كالنار، يذوب بها جلدها، يحترق بها كيانها، كفّاه صعدتا من خصرها إلى ظهرها، ثم إلى عنقها، تمران بشغفٍ يخلو من الخجل، يتملكها بنظراته، بتنهيداته، بلمساته الجريئة.
ثم دفعها برفقٍ إلى الوراء، نحو منضدة الزينة القريبة، فسقطت فوقها بخفة، ضحكة قصيرة مرتجفة أفلتت منها، لكنه لم يبتسم، بل انحنى عليها بشغفٍ أكبر، وقبّل وجهها، ثم عينيها، ثم تاهت شفتاه على عنقها، فوق العِرق النابض هناك.
وفور أن أحسّت بتاثير قبلته العميقة تأوهت لا إراديًا.
لكنه توقف فورًا، رأسه ارتفع بسرعة، وقال بعينان قلقتان:
"مالك؟ انتي كويسة؟"
أومأت سريعًا، مرارًا، لا تعرف ماذا تقول، وكأنها عاجزة عن النطق، كل ما فيها فقط كان يطلبه.
بعينيها، بأنفاسها، برجفة شفتيها.
نظر إليها طويلاً. كانت جميلة، متعبة، لكن جميلة.
وهمس بصوتٍ أجش:
"هاتندمي على البصّة دي يا لولّا. مش هاتبصّيلي بعد كده خالص!!"
ثم ابتسم لها تلك الابتسامة النصفية التي تعرفها، وفي عينيه تلك النظرة.. النظرة التي لا تترك مجالًا للفرار.
حملها "نديم" بلطفٍ كأنه يحمل أثمن ما في حياته، وأصابع يديه لا تريد أن تُسبب لها أيّ ألم أو تعب، كان يعرف جيدًا أن جسدها الآن ليس كما كان.
نقلها إلى السرير برقة شديدة، ثم وضعها هناك بهدوء، وقبل أن يبتعد تمامًا كان قد خلع قميصه وفتح زرّ سرواله، نظراته احتدت، وحنانه اللحظي تحوّل من جديد لشغفٍ ناري.
انحنى صوبها، وشفتيه لامست شفتيها مرةً أخرى، لكن هذه المرة كانت في قبلة مختلفة، أقوى، أشدّ حرارة، وكأنها تلتهمها بكاملها.
استسلمت له، كعادتها، بلا مقاومة، بلا تردد، كانت جاهزة له، وكل جسدها يطلبه ويحتويه.
خرجت منها آهات ناعمة حين سكنها بهدوء، آهات امتزجت بصوته الرجولي وهو يتحرّك فوقها ببطء وحذر، يندسّ فيها كأنه سر طال احتباسه، وتتفتّح له كزهرة عطشى تنتظر المطر منذ قرون.
مشاعر خفيّة تدفع كلاهما لأخذ ما يقدرا عليه من الآخر، وكأن الليلة هي الأخيرة، وكأن اللحظة لن تتكرر، لم يفسرا هذا إلا بتبرير العشق المتبادل بينهما.
وأنهما مهما تقاربا لا يكتفيا، لم يتخيّلا بأن القادم سيكون نقيض كل شيء حلما به، وأبعد ما يكون عن مخططات "نديم".. كلها.
استمرت حركته فوقها لوقتٍ طويل، يلامس العمق الذي تطأه يد من قبل، وكأنها خُلقت لتسعه هو، حتى بدأت تنعكس عليها أثقال الإعياء، وتكسّرت فيها قوة البداية شيئًا فشيئًا.
وإلى أن استنفذها التعب أخيرًا، فأخذ ينهي ما بدأه بنعومة، يتنفس بثقل بينما تصدر هي شهقة واحدة توثّق العهد بينهما.
ثم حضرا معًا، كما يصل الغريق إلى السطح ليلتقط أنفاسه الأولى، تهدّجت أنفاسهما، بينما تتشبّث بكتفيه الصلبين، كان يحتضنها كما لو أمتلك الحياة في جسدها.
عينيه لم تغادرا وجهها، لم يتوقف عن تقبيلها، يقبّلها في كل مكانٍ يطاله، ويهمس لها بكلمات حب خافتة في أذنها، كأنه ينسج حولها حكاية عشق لا تنتهي.
ثم، فجأة.. دق الباب!
ارتجفت "ليلى". ارتباك عنيف سكنها كبرقٍ مفاجئ.
لكن "نديم" قبض على يدها بحنان وطمأنها من بين أنفاسه:
"ماتخافيش.. دي أكيد وردة جايبالك العشا.. خليكي زي ما انتي."
شدّت اصابعها حول يده ترمقه بنظرة قلقة مستنكرة، هدأها بصرامة:
"إهدي يا ليلى. قلت لك ماتقليش.. خليكي مكانك وماتتحركيش."
وقف بسرعة، يرتدي ملابسه أمام عينيها وهي غير قادرة على الحراك أساسًا، توجه نحو باب الغرفة وفتحه بزاوية ليجدها إحدى المستخدمات بالفعل.
"العشا بتاع أنسة ليلى يا نديم بيه!" قالتها الخادمة وهي ترمقه بنظرة مرتابة، تتساءل بداخلها ماذا يفعل هنا؟
مدت أمام عينيه صينية العشاء.
ابتسم لها "نديم" ابتسامة لم تصل لعينيه وقال بهدوء:
"شكرًا يا وردة."
تناول منها الصينية، فانفتح الباب قليلًا، وتمكنت "وردة" من لمح ساق "ليلى" العارية ممتدة فوق سريرها المبعثر بشكلٍ غير طبيعي، وكأن حربًا قامت هنا!
عاودت النظر باضطرابٍ إلى "نديم" الذي قال بوداعة متقنة:
"ليلى شكلها أخدة برد من تغيير الجو. حرارتها عالية شوية وانا قاعد جمبها لحد ما تنزل. من فضلك يا وردة كمان ساعة أعملي حاجة سخنة وهاتيها عشان تشربها قبل ما تنام."
أومأت له الفتاة قائلة بطاعة:
"حاضر يا نديم بيه. عنيا.. بعد إذنك!"
"اتفضلي."
وهكذا سرّحها مبددًا شكوكها في لحظةٍ.
ثم أقفل الباب مرةً أخرر وعاد إلى "ليلى".
وضع الصينية فوق طاولة صغيرة وقربها من الفراش وهو يقول بأريحية:
"يلا يا لولّا.. العشا وصل."
كانت أكثر من منهكة لترد عليه، لكنها قالت بتعبٍ واضح:
"لأ أنا مش عايزة آكل.. أنا عايزة أنام."
نديم بحدة:
"مافيش الكلام ده.. يـلا قـووومي بقولك."
وشدّها من رسغها بقوة، تأوهت بينما يضع وسادة خلف ظهرها، أسندها وجلس بجوارها حاملًا سندويشًا صغيرًا إلى فمها وهو يقول بلطفٍ:
"يلا يا حبيبتي. كُلي ونامي براحتك.. يلا عشان خاطري!"
ابتسمت بتعب وهي تنظر بولهٍ إلى عيناه الخضراوين، نقطة ضعفها هما وتلك اللهجة الرقيقة التي يحدّثها بها، لم تستطع رفض طلبه أكثر.
فتحت فاها سامحة له بإطعامها، حتى أنها أنهت سندويشًا واحدًا، جاء ليقدّم لها الآخر، لكنها أبت بشدة:
"مش قادرة. ماليش نفس بجد يا نديم. لو كلت هارجّع!"
لم يُصرّ عليها، لكنه رفع كأس العصير قائلًا:
"طيب على الأقل اشربي ده.. انتي مأكلتيش من ساعة الفطار. يعني ده غداكي وعشاكي. يلا بقى يا ليلى. عشان خاطري."
بالكاد شربت نصف الكأس وكان هو أكثر من راضيًا.
أعاده إلى الصينية، ثم عاد إليها ليوّسع لها أحضانه، أراحت رأسها فوق صدره الصلب مغمضة العينين، تمدد بجوارها وهو يحيطها بذراعيه ويمسّد على شعرها بحنوٍ.
ليسمعها بعد دقيقة تقول له بصوتٍ ناعس:
"نديم."
"قولي يا حبيبتي؟"
"انت بتحبني بجد؟"
"لسا بتسألي؟!"
"اوعى تسيبني.. اوعى تبعد عني... مهما حصل!"
ابتسم وهو يقول مطمئنًا إيّاها:
"أطمني.. مافيش أي حاجة تقدر تبعدني عنك.. انتي يتاعتي أنا.. شوفي مكانك فين دلوقتي. انتي في حضني.. وهاتفضلي طول عمرك في حضني."
غفت مبتسمة وهي تستمع إلى كلماته ووعوده.. وتثق تمامًا بأنه يعنيها.. وأكثر من قادر على تنفذيها كلّها.
لأنه "نديم".
لأنه حبيبها.
وصلت السيارة السوداء الثقيلة إلى بوابة بيت "الراعي".
توقفت بصمتٍ لا يُسمع فيه سوى خفقان قلبٍ يغلي بداخلها، ترجل منها رجلٌ جاوز السبعين، طويل القامة، مهيب الحضور، يكسو شعره البياض، وتفضحه عيناه المُتَّقدتان بجمرة الغضب المُكبوت.
اقترب من فرد الأمن عند البوابة. قال بصوته الجهوري الصارم:
"انت يابني. بلّغ نديم الراعي إن رياض نصر الدين على الباب.. وجاي ياخد حفيدته."
نظر إليه الحارس الشاب بقلقٍ خفيف، ثم انصرف دون جدال. عاد بعد دقائق قليلة قائلًا:
"مهران بيه هو إللي رد وقالّي أوصل حضرتك لحد عنده.. اتفضل معايا!"
تقدّمه الحارس عبر ممرٍ حجري تحفّه الأشجار، حتى وصلا إلى باحة أنيقة مُظلَّلة، تنفتح على واجهة زجاجية ضخمة تطل على البيت المترف، جلس رجلٌ ينتظره هناك، بثيابٍ قاتمة بسيطة، مظهره هادئ لكنه صلب. "مهران الراعي".
لم ينهض، فقط رفع عينيه نحو "رياض" وقال بثقلٍ:
"أهلًا يا جناب العمدة!"
وقف "رياض" أمامه دون أن يجلس، نظر حوله للحظة، كأنما يفتّش عن أثرٍ لحفيدته، ثم ثبّت عينيه في "مهران" وقال بجمود:
"فين ليلى؟"
"جوا.. وسط ناس بيخافوا عليها أكتر من إللي رماها زمان وكان عايز يقتلها."
"متأكد إنكم ناس بتخافوا عليها يا مهران؟" تساءل "رياض" باستهجانٍ.
لم يعلّق "مهران". بينما "رياض" يحتدم غضبًا وقبضته شدَّت على عصاه كأنها ستهشّمها.
"أنا مش جاي أفتح دفاتر جديمة يا مهران.. أنا جاي آخد بتّي."
مهران بسخرية مريرة:
"بنتك؟ دلوقتي بقت بنتك؟ بعد ما عرفت لها أب وأم وعيلة كاملة غيرك لحد ما كبرت جاي تقول عليها بنتك؟!"
سكت "رياض" لبرهةٍ، وكأن سكين غاص صدره ولم ينطق، لكن تحدّث الآن ونبرته لم ترتجف:
"جيت آخدها.. غصبٍ عن أي حد."
نهض "مهران" أخيرًا، ببطء، لكن بثقة مَن يُدرك تمامًا أنه يقف بأرضه، اقترب حتى وقف وجهًا لوجه مع الرجل العجوز، وقال بهدوء:
"وأنا مش هاوقفك.. لكن في حاجة لازم تعرفها. وجود ليلى دلوقتي هنا مش بإيدي ولا بإيدك.. ليلى بقت تخص نديم أكتر مني ومنك."
الإتيان على سيرة "نديم" جعلت الجماء تصعد دفعة واحدة لوجه "رياض" ليهجر بعنفٍ:
"نديم ده حسابه معايا واعر. وجزاء عملته في بتّي هايكون أكتر من موته.. ويفرجني كيف هايمنعني أخدها؟"
نظر له "مهران" بصدمة وقال:
"انت عرفت؟ عرفت إزاي؟?"
لم يرد "رياض". فتقلّص وجه "مهران" وهو يقول كمن يتألم من أعماقه:
"حتى لو عرفت. خلاص. إللي حصل حصل.. وهو مش هايسيبها تخرج من بيته بعد ما.."
لم يستطع "مهران" إتمامها. وأطبق الصمت بينهما كجدارٍٍ من نار.
ثم أردف مهران متنهدًا:
"رياض بيه. لو ليك كلمة.. روح قولها لنديم بنفسك. بس بقولك من دلوقتي.. لو حاولت تاخدها غصب. هاتشوف نديم إللي عمرك ما شُفته.. إللي أنا نفسي ماتخيّلتش يكون كده... وليلى هي إللي هاتتئذي مش حد تاني!"
ضرب "رياض" الأرض بعصاه ضربةً مدوية وهو يصيح:
"ماهمشيش من اهنيه جبل ما أشوفه.. ماهمشيش إلا وفي يدّي حفيدتي. ولو فيها موتـي!"
رواية هيبة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم مريم محمد غريب
استفاقت "ليلى" مصادفةً، مدّت يدها بتلقائية نحو الجهة الأخرى من السرير، فلم تجد سوى الفراغ والبرودة.
قطبت حاجبيها وهي تجذب ساعة التنبيه الصغيرة من فوق الكومود المجاور، لم تتجاوز الساعة التاسعة صباحًا بعد.
جلست في مكانها ببطء وهي تمرر عينيها على الغرفة الساكنة حولها.
نهضت من فراشها، والتقطت روب قميصها عن الكرسي القريب وارتدته بعجلة، ثم خرجت.
المنزل غارق في الصمت، تحركت بخفة بين الظلال حتى وصلت إلى غرفته.
دفعت الباب بخفة وتخطّت العتبة دون أن تطرق.
كان واقفًا أمام المرآة، يُصلح ياقة قميصه تحت ربطة عنقه بعناية، وجهه نصف غارق في الضوء المنبعث عبر نافذته المفتوحة.
هتف "نديم" بصوتٍ دافئ، دون أن يلتفت لها ما إن لمحها في المرآة:
- صباح الفل يا لولّا. تعالي.. أدخلي.
تغلق "ليلى" الباب ورائها، خطواتها سريعة نحو "نديم" وهي تقول بانزعاجٍ:
- أنا عايزة أعرف.. انت هاتكلم بابا امتى يا نديم؟
يرفع "نديم" حاجبه، لهجته متصنعة وهو يقول:
- أكلمه في إيه يا ليلى؟
ترد بصوتٍ متفاجئ:
- في موضوع جوازنا! انت نسيت؟
يضحك بخفة وهو يقفل زر ياقته قائلًا:
- أنسى إيه يا عبيطة؟ بهزر معاكي. مش قلت لك امبارح؟ ولا انتي عندك زهايمر؟
ليلى بغرابةٍ:
- قلت لي إيه؟
يلتفت لها مرددًا بتهكم:
- لا ده زهايمر بجد.. مش قلت لك إني رايح دلوقتي أخلص موضوعي مع راندا؟ احنا خلاص ماشيين في إجراءات الطلاق. أول ما يتم رسمي هاخطبك وأكتب عليكي علطول. يعني ممكن نقول الشهر الجاي هاتبقي حرم نديم رشيد الراعي. ها. رأيك إيه؟
تتنفس "ليلى" بعمقٍ قائلة وعيناها تلتمعان:
- ياريت يا نديم.. بجد ياريت. أنا مستنية اللحظة دي من سنين!
اقترب منها، عيناه ثابتتان في وجهها، رفع يده ولمس ذقنها بخفة، نبرته مائلة بين العتاب والرجاء وهو يهمس لها:
- صاحية بدري مخصوص عشان تقوليلي كده؟ بتسألي امتى هافاتح عمي في موضوع جوازنا؟ لازم تعرفي إني مستني اللحظة دي أكتر منك. بس قلة ثقتك فيا.. بتوجعني!
وتلاشت ابتسامته ذائبة في جليد الخذلان.
ردّت "ليلى" بتسرع في الكلام، تكاد تتلعثم وهي تقول مبررة:
- لأ يا نديم أنا واثقة فيك.. بعد ده كله إزاي تفكر إني مش واثقة فيك؟ ده أنا سلمت لك نفسي من غير ما أراجع تفكيري مرتين لأني عارفة ومتاكدة إنك ضهر وحماية ليا من يوم ما وعيت على الدنيا. وإن عمرك ما سبتني ولا لحظة. انت ابن عمي وحبيبي وبقيت جوزي وبسببك كمان هاكون أم.. معقول عقلي يصوّر لي بعد ده كله ماثقش فيك؟ مستحيل!
حدّق فيها طويلًا، ثم مدّ كفه ولمس خدها كأنها لا تزال حلمًا عاجزًا عن تحقيقه رغم أنه نال منها كل شيء، ثم قال بخفوتٍ وهو يدنو منها ببطءٍ:
- المستحيل هو بُعدك عني.. أنا مجنون بيكي.
ابتسم ثغرها وهي تردد بصوتٍ لم يسمعه جيدًا:
- زي مجنون ليلى!
واستسلمت لفمه وهو يطبع قبلة هادئة مطوّلة على شفتها.
كم أرادت أن تمنحه مزيدًا من القبلات، مزيدًا من الحب، لكنه أظهر سيطرة أكبر على النفس وابتعد عنها بصعوبة.
تنهدت وهي تشعر بالتوّرد يفترش محيّاها، ثم بدأت تعدل له ربطة عنقه بأصابع مرتعشة، بينما كان ينظر إليها، كأنه يراها للمرة الأولى، بشوقٍ وإنبهار وإعجاب موصولٌ لآخر عمره.
- صحيح يا نديم أنا عايزة موبايلي بقى!
قطب حاجبيه:
- هو أنا نسيت أدهولك؟
- تخيّل!
ضحك بخفةٍ وهو يستدير نحو خزانته، فتح إحدى الأدراج السفلية محضرًا لها هاتفها، عاد إليها مقدّمًا لها إيّاه قائلًا:
- اتفضلي يا ستي. موبايلك.
أخذته منه مبتسمة، فحذرها بنبرة هادئة:
- ليلى. مش محتاج أفكرك.. إللي حصل بينّا يفضل بينّا لحد ما نتجوز. حتى بعد الجواز محدش يعرفه. ولا أنتيمتك نوران. سامعاني؟
أومأت له بطاعة.
ليدق هاتفه هو في هذه اللحظة، يمد يده من جوارها ليأخذه من فوق طاولة المرآة، رآى اسم عمّه يضيئ الشاشة، فأجاب بفتورٍ:
- ألو.. أيوم يا عمي!
بدأت ملامحه تتجهّم شيئًا فشيء.
بينما كانت "ليلى" مشغولة بفتح هاتفها وتفقّد العدد من المهول من الرسائل والمكالمات الفائتة.
رفعت وجهها إليه حين أنهى المكالمة، لم يبدّد تعابيره الجامدة مبتسمًا لها، لم يشأ أن تنتبه لأيّ خطبٍ غريب به.
- أنا لازم أنزل يا لولّا. هاتأخر عن معادي.. انتي هاتعملي إيه؟
هزت كتفيها قائلة:
- ولا حاجة. هارجع أوضتي أخد شاور وبعدين هاخرج أكلم نوران شوية وهاعرف منها فاتني إيه في الكلية وهابدأ أجهز نفسي عشان أنزل في أقرب وقت بقى.. شهر وأكتر مش بروح.
- أوكي يا حبيبتي.. أنا هاخلص وهاكلمك. يلا باي.
- باي.
وراقبته مبتسمة بحب وهو يسحب سترته ويرتديها وهو يتجه صوب الخارج، لحظات وتبعته عائدة إلى غرفتها، انتقلت لحمامها الخاص فورًا لتستحم وتبدأ يومها.
---
هبط "نديم" الدرج بخطواتٍ واسعة متحفّزة، ملامحه مشدودة، وعيناه تلمعان ببريقٍٍ قاتم.
كانت المكالمة من عمّه كفيلة بأن تشعل في صدره نارًا لا تنطفئ، هذه العائلة صارت مصدر إزعاج كبير له، حان الوقت ليخرسهم للأبد.
وصل إلى الشرفة الرئيسية حيث التوتر لا يزال معلّقًا في الهواء، كثيفًا كالدخان، رأى عمّه واقفًا قبالة الرجل العجوز عريض الكتفين، حاد النظرات، يعرفه جيدًا.. "رياض نصر الدين".
هتف بصوته العميق، وهو يتقدم دون تردد نحوهما:
- أهلاً يا رياض بيه.. خطوة عزيزة. منوّر بيت الراعي.
إلتفت "رياض" له ببطء، عيناه تشتعلان بغلٍٍ مكتوم، نبرته حادة هو يقول:
- عايز بتّي يابن رشيد.. عايز ليلى!
ابتسامة باهتة ترتسم على فمه، نبرته باردة كالصقيع وهو يرد عليه:
- مش حضرتك جيتلي قبل كده؟ وفتحت معايا نفس الموضوع؟ ماوصلكش ردي من ساعتها؟
اقترب "رياض" خطوة، صوته خشن ينمّ عن اجرامٍ مكبوت:
- ردّك ما يلزمنيش. أنا جاي آخد حفيدتي غصب عنك. وهاخدها!
مطّ "نديم" فمه، أنزل نظره لحظة ثم عاد يواجهه قائلًا بثباتٍ:
- بص يا رياض بيه.. أنا مش ممانع والله.
شخصيًا؟ ماعنديش مانع تاخد ليلى. بس فيه ناس تانية هنا يخلّوني أمنعك تاخدها.
زي أبوها إللي رباها ده.. وأمها إللي شالتها في عنيها وقلبها. وأخوها وأختها إللي عاشت وسطهم من يوم ما اتولدت.
سكت لحظة. نظر إليه نظرة رجل لا يُراوغ، رغم إنه في الحقيقة يفعل، ثم تابع:
- أنا مش مهتم بليلى زي ما انت فاكر. اهتمامي الحقيقي بعيلتي. الناس دي هما دمي. وهما إللي يهموني. وعشانهم هاعمل أي حاجة تخلّي ليلى تفضل هنا.. في البيت ده. وتحت سقفي أنا.
سكت الجميع الآن، الصمت مشحونًا، كأن الهواء نفسه ينتظر من سيكسر السكون أولًا.
بين "رياض" الذي يكاد ينفجر، و"نديم" الذي لا تهتز له شعرة، وقف عمّه حائرًا، يرقب التصعيد القادم لا محالة.
---
فرغت "ليلى" من حمامها سريعًا.
تخرج مستعرضة محتوايات خزانتها، لتنتقي ثوبًا رقيقًا من القطن الأزرق، مزيّن بشرائط كروشيه رفيعة، صففت شعرها ولوّنت وجهها بقليل من مساحيق التجميل الخفيفة.
ثم تنفست بعمق وقامت حاملة هاتفها نحو شرفتها، هاتفت صديقتها "نوران" التي ردّت من الرنّة الثالثة:
- يخربيتك يا ليلى كنتي فين يابت كل ده؟ أنطقي نهارك أسود كنتي غطسانة فين؟ بقالك شهر بحاله مافكرتيش تكلميني لا تعرفيني إذا كنتي عايشة ولا اتزفتي متي.
قاطعتها "ليلى" مشدوهة:
- إيه إيه يابنتي بالراحة إهدي يا نوران أنا مالحقتش أرد عليكي.
- ردّت المايه في زورك. أنطقي يابت كنتي فين؟
ابتسمت "ليلى" رغمًا عنها قائلة:
- هاحكيلك ماتستعجليش. أنا لسا واصلة إمبارح من الغردقة.
- أيوة لما اتصلت باباكي قالّي إنك سافرتي. سافرتي مع مين وإزاي تقفلي موبايلك المدة دي كلها؟
- هقولك يا نوران بس ماينفعش على التليفون.. بصي تعالي نفطر سوا. إنهاردة الجمعة ومافيش كليّة. تعالي قضّي معايا اليوم.
- ماشي. هالبس وأجيلك. بس قسمًا بالله إن ما حكيتي بالتفاصيل لا.
قاطعتها "ليلى" للمرة الثانية ضاحكة:
- ماتقلقيش هقولك يا زنانة.. يلا بقى مستنياكي.. باي!
قبل أن تغلق معها لمحت مشهد غريب للغاية.
أختتم بإطلاق شهقة مصدومة منها.
ذلك حين رأت أسفل شرفتها أبيها وابن عمها "نديم".
يقفان أمام رجل عجوز. وهذا الرجل فجأة ارتفعت يده وهوت نحو وجه "نديم".
لكن الأخير كان أكثر يقظة، فلم يسمح للعجوز بأكثر من تحدّيه، أمسك يده قبل أن تمسّ وجهه وجمّدها في الهواء.
بينما "ليلى" لم تنتظر ثانية أخرى، استدارت راكضة إلى خارج غرفتها، وفي غضون ثوانٍ كانت بالأسفل.
كانت لتعبر الشرفة منطلقة نحو "نديم" لولا أن سمعت تلك الجملة التي جمدتها وجعلتها تشحب كليًا.
- ليلى حفيدتي يابن رشيد.. وأنا مش هافوتهالك واصل!
- لولا إنك في بيتي يا رياض بيه كنت اتحاسبت على رافعة إيدك عليا.. احمد ربنا إني كنت صاحي لك. وإلا ماكنتش عملت إعتبار لسنّك.
سمعت صوت أبيها يقول بعصبية:
- بس يا نديم. كفاية بقى. وانت يا رياض بيه.. انت خلاص عرفت إنها حامل. احنا أولى بيها. جاي وعايزها ليه دلوقتي؟ انت رميت أمها زمان عشان حملت فيها من الحرام.
- لو صوح شايفها بتّك يا مهران وجلبك عليها. يبجى كلمتك تمشي على ولد أخوك. ترجع لي الأول وبعدين يكتب عليها رسمي.
- حفيدتك لا مراتي ولا بنت عمي.. إيه إللي يخليني أتنازل وأتجوزها رسمي؟ إيه الجديد إللي هاكسبه بعد ما سلمتني نفسها منغير جواز ولا أي مجهود؟!
جحظت عينيّ "ليلى" من شدة الصدمة.
هذا صوت "نديم".. هذا الكلام الذي يدور بالداخل عنها.. ولكن من هذا الرجل العجوز؟
كيف لـ"نديم" أن يتحدث عنها هكذا؟
هل أذاع خبر زواجهما؟
هل أصبح أبيها يعرف الآن؟
ماذا يجري بحق الله؟
هل هذا حلم؟
لا إراديًا قرصت رسغها بقوة، فإذا بها تكتم آنة متألمة، الآن تأكدت، هذا ليس حلم، إنها الحقيقة.
ولكن ما الحقيقة؟.. ما الحقيقة؟
وبدل من اقتحام الشرفة عليهم، استدارت مطلقة لساقيها الريح، غادرت المنزل بأكمله، تركض بماحذاة السور على غير هدى، تكاد لا ترى أمامها.
إلى أن ارتفعت فجأة عن الأرض، وكمّ فاها قبل أن تطلق صرخة مدوّية، غابت عن الوعي قسريًا.
لم تعد تسمع أو ترى شيئًا.
---
في غفلة منهما، وفي لحظة تهورٍ وغضب أعمى، تحسس "رياض" حزامه المخفي أسفل عباءته، كان ليحسم قراره بإشهار سلاحه بوجه "نديم الراعي" وقتله في الحال إن لم يسلمه حفيدته.
- لآخر مرة بجولك سلّمني بتّي!
قالها "رياض" بصوتٍ كالهسيس.
نديم متحدّيًا:
- وأنا لآخر مرة بقولك.. مالكش بنات عندي.
حرفيًا أنقذه هاتف "رياض" عندما دق.
أستلّه الأخير من جيبه بعصبيةٍ، رد بلهجةٍ ملؤها الانفعال:
- خـــير!!!
وارتعشت قسماته للحظة.
لم يخفى عن "نديم" رؤية ألق الراحة الذي مرّ يعينيّ العجوز، قبل أن يسمعه يرد بهدوء ضمني:
- زين.. زين يا زين.. ماشي يا ولدي.. الله يخليك ليا يا سبع... أنا جاي في الطريج.. مع السلامة.
تبادل كلًا من "نديم" و"مهران" نظرات الاستغراب.
بينما يطالعهما "رياض" بابتسامة، سرعان ما استحالت لضحكٍ هستيري استمر لدقائق بلا مبالغة، حتى هدأ تدريجيًا.
اقترب نحو "نديم" خطوتين، مال صوبه هامسًا بوجومٍ:
- حسابنا دوبك بدأ.. مش هاهمّلك يا ولد رشيد.. افتكر كلامي زين!
وتراجع عنه متواصلصا معه بالنظرات حتى أولاه ظهره.
ورحل دون إضافة كلمة.
ظل "مهران" محدقًا في إثره بدهشةٍ، بينما "نديم" يتفكر بكلماته، يخالجه شعور غير حميد.
حتى ناداه عمّه:
- الراجل ناوي على الشر يا نديم.. أنا خايف عليك. وعلى ليلى.. على البيت كله.
طمأنه "نديم" بجمود:
- ماتخافش يا عمي.. إن كان يقدر يعمل حاجة كان عملها من أول يوم.. محدش فيهم يقدر يخطي هنا وياخدها غصب عني.. محدش.
مهران منفعلًا:
- وأخرتها؟ انت مفكر سكوتهم ضعف؟ شايف نتيجة تصرفاتك المتهورة؟ لو كنت جتلي كنا حلّينا.. كنت خدتك وروحنا اتفقنا إنك تتجوز ليلى والموضوع كان اتحل.. ليه صعبتها علينا؟ ليه يا نديم؟؟؟
سأم "نديم" من تأنيب عمّه المتواصل.
تركه ومضى عائدًا للداخل، كان سيخرج ليلحق بمعاده، لكن قدمه علقت بشيء.
أخفض رأسه، ليرى مشبك شعرها، تلك الفراشة التي اعتادت رفع خصيلاتها الأمامية بها.
انحنى "نديم" ملتقطًا إيّاها وهو يعبس بشدة، رافضًا تصديق ما برق برأسه لوهلةٍ، ارتفع رأسه تلقائيًا للطابق الأعلى.
ثم انطلق على الفور صاعدًا إلى غرفتها، دفع الباب بعنفٍ، لم يجدها، الغرفة ساكنة تمامًا.
إتجه صوب الحمام، لم تكن هناك، فقط ما تبقّى من آثار استحمامها.
لكن هي.. لا أثر لها.
- لــــــــــــــــــــيــــــــــــلـــــــــــــــــــــــــــــى!
ضج المنزل بصيحته الأشبه بزئير وحشٍ كاسر قد فك قيوده للتو!
رواية هيبة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم مريم محمد غريب
راحت السيارة تنهب الطريق في صمتٍ ثقيل، لا يقطعه إلا صوت المحرّك المنتظم، كنبضٍٍ رتيب داخل صدر مريض يحتضر.
كانت "ليلى" ساكنة في المقعد الخلفي، ملقاة ولا زالت غائبة عن الوعي، جفناها يتحركان ببطء، كمن يصارع الغرق من حلمٍ ثقيل نحو السطح.
بدأت تحسّ بثقل جسدها، التنميل يكمُن في أطرافها، والضباب يعشش في عينيها.
الرؤية أمامها مشوّشة، خطوط الأشياء مهزوزة كأن الزمن نفسه يهتزّ.
وتوقّفت السيارة فجأة.
لحظة صمت قصيرة تسبق فتح الباب.
انفتح بجانبها، ومن الظلال برز هو، ذلك الكائن الضخم المألوف الذي حملها بين ذراعيه كما يُنتشل الغريق من بحرٍ لا قرار له.
لم تُبدِ مقاومة، ولا استطاعت، فقط شعرت بجسده يتحرّك بثبات، خطواته تخترق الأرض بثقة باردة.
دخل بها إلى مكانٍ ما، الضوضاء من حوله كانت عبارة عن أصواتٍ مكتومة تحت سطح الماء، حتى اخترق أذنها صوتٌ واضح، غاضب، لأنثى تحمل في نبرتها لهب المواجهة.
"عملت إللي في دماغك وجبتها بردو يا زين؟"
لم يلتفت، لم يتباطأ، فقط ردّ بصوتٍ خالٍ من الانفعال.
"أنا ماعملتش غير إللي أمر بيه جدي.. وأوامر جدي سيف على رقبتي بنفذها."
"عمتك غنيمة على وصول! أول ما عرفت والدنيا قايمة. وكمان سليمان مقوّم العيلة كلها وبيقول لو الناس عرفوها يبقى لازمًا تتقتل!"
"عمتي غنيمة منها لجدي!" قالها ببرودٍ أكثر، كمن يلقي حجراً في ماء راكد.
وتابع: "وزيها سليمان لو عرفوا يقفوا قصاده يتفضلوا يوروني هايعملوا إيه. لكن دلوقتي رجوع ليلى ووجودها في البيت ده أمر واقع.. وكلكوا مجبورين تقبلوه."
ولم يُضِف كلمة.
تابع السير، وصعد بها درجات طويلة، كل درجة كأنها تكشف طبقة من الغموض، من المصير المحتوم.
وصل أخيرًا إلى وجهته، فتح باب غرفة واسعة غمرها هدوء كثيف ودفءٍ ملموس، وضعها برفقٍ فوق سرير وثير، كأنها زهرة تُعاد إلى تربتها بعد عاصفةٍ طال أمدها.
تراجع خطوتين.
تنفّس أخيرًا دون أن يرفع أنظاره عنها، الآن بدأ الفضول يتملّكه لرؤيتها بوضوح، تلك الفتاة من دمه لكنه لم يعرف بها إلا مؤخرًا.
كما يرى ويعرف أيضًا، فإنها موضع نزاعٍ بين عائلته والرجل الذي كنفها، وهو ليس والدها بالتبنّي كما المتوقع، بل إنه الرجل الذي تربّت وترعرعت بمنزله وشبّت تحت رعايته، الرجل الذي أسترد ثمن كفالتها غاليًا قبل أن يختطفها "زين" اليوم.
"نديم الراعي".. ألد عدو لعائلة "نصر الدين" الآن، ليس لأنه هتك عِرض ابنتهم ولوّثها فقط، بل أيضًا لإصراره على النيل منها، وعدم تركه لها بعد كل ما فعله، يريدها لنفسه بعد أن حقق أطماعه بها، إنه لا يريد بهذا إلا تحويلها إلى عاهرة تحت يده في أيّ وقت، تعيش بمنزله، تكون بمتناوله وقت يشاء، وفي سريّة دون أن يشكّ أحد بأمره.
ولكن هيهات!
ما كان "زين" ليسمح بذلك، إن لم يكن قد تمكن من أخذها اليوم بسهولةٍ، كان ليقتحم حصن "الراعي" وينتزعها من قبضته عنوةً وهو ينظر بعينيه، ما كان لشيء بقادر على منعه من تحقيق مأربه هذا إلا الموت.
والآن.. صارت "ليلى" بحوزته.. عادت إلى عائلتها حتى ولو تلطّخت بوحل الخطيئة.. صارت أبعد من النجوم لكي يطالها "نديم".. ولن يقدر.
عبس "زين" وهو ينظر إليها عن كثب، إلى جفنيها المرتعشين، إلى وجهها البريئ الذي بدأ يستعيد ملامحه، كأنها تخرج من غيبوبة طويلة.
كانت على وشك الاستيقاظ.
راقب جسدها يتململ بثقلٍ، أنينٍ خافت ينبعث من صدرها، ثم جفناها يتباعدا.
في نفس اللحظة التي أقتحم فيها "رياض نصر الدين" الغرفة لاهثًا، كأنه قطع المسافات إليها مسابقًا الزمن.
تعلّقت نظراته بحفيده أولًا، يرمقه بنظرة فخرٍ واعتداد، ثم صوّب ناظريه إليها.
جمد لوهلةٍ حابسًا أنفاسه، خيّل إليه للحظة بأن تلك الراقدة هناك فوق السرير ليست سوى ابنته الصغيرة "دهب".
ابنته التي كانت في وقتٍ خلى أقرب أبنائه إلى قلبه وأحبهم إليه قبل أن تهون عليها كرامته.
كانت الفتاة نسخةً من أمها، عدا الشعر المصبوغ بشقرة باهتة بشرتها البيضاء، كانت "دهب" مائلة للسمرة أكثر.
لكنها حتمًا تحمل دمائها، وملامحها بلا استثناء، كانت هي.
"نديم!"
كان أسمه هو أول أسم تنطقه فور صحوتها.
***
الهواء في الباحة كان كثيفًا، زوبعة ضبابية في الأفق، كأنه مشبع بدخانٍ لا يُرى.
الحرس يتحركون في كل اتجاه، و"نديم" واقفٌ في المنتصف، كبركان على وشك الانفجار، نظراته حادة، وجهه مشدود، والعرق يتسلل من صدغه كمنبّه على الحريق الذي يشتعل داخله.
هرول نحوه فردان من رجاله، أنفاسهما متلاحقة، وملامحهما مشوّهة بخوفٍ من غضبٍ ينتظرهما.
"لاقيتوها؟" خرج السؤال من فم "نديم" كلسعة سوط.
"مالهاش أثر يا باشا!" ردّا وهما يحاولان ترتيب أنفاسهما.
كان "مهران" بجواره، عيناه متوجستين من العاصفة المترتب عليها هذا الجواب.
وقبل أن تنفجر، وضع كفه على كتف "نديم" بقوة.
أمر للحرس بحدة: "دوروا تاني. اطلعوا بالعربيات وفتشوا المنطقة حتة حتة.. هاتوها لو تحت سابع أرض."
هزّا رأسيهما بطاعة، وانطلقا من جديد كمن يهرب من سكينٍ فوق عنقه على وشك الهبوط.
التفت "مهران" صوب "نديم" قائلًا وهو يحاول أن يحقنه بشيء من الاتزان وسط تلك الفوضى العارمة: "اهدى يا نديم!"
استدار إليه "نديم" والنار تشتعل في عينيه، نبرته تنذر بجهنم تحت أنفاسه.
"اهدَى؟ ليلى اتسرقت مني.. ليلى يا عمي. ازاي بتطلب مني أهدى؟"
"بطلب منك تهدا عشان مافيش قدامك اختيار تاني. الغضب هايعمل إيه؟ احنا مانعرفش هي فين أصلاً!"
انفلتت أعصابه الان، صرخ بضراوة وقد مزّق صوته الهواء: "لأ أنا عارف هي فين. أكيد هو إللي خدها. رياض نصر الدين دخل بيتي. غفّلني وخطفها من ورا ضهري. هو إللي خدها يا عمي.. بس أقسم بالله ما هاسيبه. مش هاسكت على كده زي ما هو فكر ده بيحلم!!!"
"يابني محدش قال هانسكت. هو انت مفكر ليلى دي تخصّك لوحدك؟ دي بنتي. دي مكتوبة على أسمي. كل حاجة في صفنا. بس بالهداوة. مش كده يا نديم!"
نديم وهو يكاد يشتعل فعليًا وقد تضرج وجهه بحمرة قانية: "مافيش هداوة! الراجل ده كان هايقتل بنته! كان هايقتل ليلى نفسها لولاك انت."
وبتر عبارته مرددًا وهو يمرر نظره في الفراغ يمنى ويسرى: "ده كمان عرف. عرف إللي عملته معايا… يعني هايقتلها! هايقتل ليلى يا عمي! ده أنا اقتله هو وعيلته كلها قبل ما يفكر يلمس منها شعرة!"
وانطلق فجأة نحو البوابة، كأن كل شيء بداخله يدفعه للهجوم الآن بغير انتظار لحظة أخرى، لكن "مهران" لحق به مسرعًا قبل أن يبتعد كثيرًا، أمسكه من ذراعه بقوة، نبرته صارمة وصلبة وهو يهتف به: "نديم! استنى هنا. إللي بتقوله ده مش هايحصل. رياض نصر الدين مش نيته يقتل ليلى.. لو كان لسا شايفها عار ماكانش جه وطالب بيها حتى بعد ما عرف بغلطتها معاك. كان سابها لنا ورحم نفسه من الفضيحة. لكن مش هايقتلها. صدقني مش هايعملها."
لم يهدأ "نديم" مثقال ذرة وهدر بخشونةٍ: "أنا مش بسلم دماغي للصدف.. أنا مش هفضل واقف مكاني وماعرفش عنها حاجة!"
ثم صاح بينما غضبه يفيض على كل شيء كوحشٍ مسعور: "أنا عملت كل حاجة عشان أضمن إنه هايبعد عنها! كل حاجة! وفي الآخر عرف ياخدها مني؟ يخطفها من بيتي؟؟؟؟؟"
في تلك اللحظة.. انضم إليهما فردٌ آخر من العائلة.
جاءت "مشيرة" زوجة "مهران".. خرجت من الداخل.. وجهها يحمل طيفٌ من النعاس وقلقًا كبيرًا وهي تتساءل بريبة: "إيه اللي بيحصل؟ في إيه يا مهران؟ صوت نديم جايب البيت كله أنا صحيت مفزوعة!!"
أدار "مهران" وجهه ناحيتها، نظراته كئيبة، ممتلئة بالضيق، ولم يرد.
لكن "مشيرة" لم تكن بحاجة لرد، بنظرة واحدة إلى عينيّ "نديم".. وإلى الصمت المطبق.. استدلت الحقيقة دون كلمات.
"ليلى طبعًا!" تمتمت بصوتٍ خافت وهي تهز رأسها بإدراكٍ.
ما من سواها بقادر على زعزعة تماسك الرجل الأكثر صلابة الذي رأته "مشيرة" طوال حياتها.
ما من سوى "ليلى" وحدها بقادرة على تحويل هذا الرجل إلى مجنونٌ بها.. ومجرد خاتمٌ بإصبعها.. رغم جبروته وصورته الحازمة أمام بقيّة العائلة قبل الناس جميعًا بالخارج.
وسكن الهواء لثوانٍ، كأن البيت كله يحبس أنفاسه.
البيت الذي كأنما افتقد استقراره للتو بفقدان "ليلى".
***
الغرفة غارقة في سكون ثقيل، لا يُسمع فيها سوى صوت أنفاسٍ راكدة، وأنين قلبٍ موشك على الاستيقاظ.
بدأت "ليلى" تتحرك ببطء، أجفانها ترتعش، وجهها غائم من أثر النوم الثقيل والدوّار المستمر، حاولت أن تفتح عينيها، فارتبكت الصورة أمامها للحظات.
ظلال تتحرّك فوق الجدران، سقفٌ غريب، ورائحة غير مألوفة.
ينطلق أسمه مرةً ثانية من بين شفتيها، أول ما نطقت، وكأن الاسم محفورٌ في قلبها ويسبق لا وعيها.
"نديم.."
تصلّب "زين" أكثر بنطقها لأسمه مرةً أخرى، واقفًا بجانب السرير الآن، و"رياض" بجواره مستندًا إلى عصاه ذي الرأس الفضّي.
صدره يتأجج بنارٍ غير مرئية، الغضب في عينيه لم يكن مجرد لحظة مكتسبة، بل تاريخًا، كل نظرة يوجهها نحو تلك الفتاة لا تخلو من مرارة الندم لتركها بلا حماية بين براثن العالم بقبحه وغدره، ولا من لهيب الغيظ تجاه من أفسد شرف العائلة وأستغلّها أحطّ استغلال.
"نديم!" تنطقه للمرة الثالثة وقد استعادت وعيها كاملًا.
شدّ "زين" فكه، وكأن الاسم الذي نطقت به "ليلى" مجددًا أهان كرامته علانيةً.
أدارت "ليلى" رأسها مصطدمة برؤية وجوهٍ غريبة، نظرتها بدأت تستعيد وضوحها كليَّةً، وبدأت تدرك واقعها.
تلفّتت حولها بخوفٍ، جسدها ما زال ضعيفًا، لكنها دفعت نفسها للأمام قليلًا، واستندت إلى يديها المرتعشتين وهي تقول بصوتٍ واهن: "إنتوا مين؟ أنا فين؟"
ثم وبنبرة مرتعشة أعلى، تناديه كأنها تبحث عن طوق نجاة: "نديـم؟.. يا نديـــم!!!"
لكن صوتًا آخر قاطعها بحدة كالسيف.
"مابقاش في نديم يا حلوة!"
كان صوت "زين" غليظًا، قاسيًا، لا يرحم وهو يستطرد بقساوة: "انتي تنسي الاسم ده خالص. وإياكي أسمعك تنطقيه من اللحظة دي. سامعة؟!"
انتفضت "ليلى" من على السرير، دموعها انسابت بلا إذن، قامت بصعوبة، تتراجع للخلف حتى التصقت بالحائط، وكأن الحائط وحده هو السند الأخير الذي يحميها من التداعي أمام هؤلاء.
"إنتوا مين.. عايزين مني إيه.. أنا ماعرفكوش.. فين بابا.. فين نديم.. أنا عايزة نديم.. يا ندييييييم ..."
صرخ "زين" بصوتٍ وحشي وهو يخطو نحوها خطوة مُهددة: "لو نطقتي اسمه تاني. هاخليكي تندمي ندم عمرك!"
جسدها بدأ يرتعش، الدموع انهمرت أكثر من عينيها.
أين قوتها؟ أين ذهبت ناريتها التي لطالما جابهت بها ابن عمها المتسلّط؟
لماذا لا تستطيع مواجهة هؤلاء؟ لماذا يرعبونها هكذا؟
انبعث صوت بكاءها المكتوم كأنها طفلة ضائعة في كابوس لا أفق له، ولا نهاية.
وفي تلك اللحظة، خرج "رياض" عن صمته أخيرًا.
صوته هادئ، لكنه ملييء بالصرامة المبطنة وهو يقول: "زين!"
نظر إليه "زين".
لم
رواية هيبة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم مريم محمد غريب
استفاقت "ليلى" مصادفةً، مدّت يدها بتلقائية نحو الجهة الأخرى من السرير، فلم تجد سوى الفراغ والبرودة. قطبت حاجبيها وهي تجذب ساعة التنبيه الصغيرة من فوق الكومود المجاور. لم تتجاوز الساعة التاسعة صباحًا بعد. جلست في مكانها ببطء وهي تمرر عينيها على الغرفة الساكنة حولها.
نهضت من فراشها، والتقطت روب قميصها عن الكرسي القريب وارتدته بعجلة، ثم خرجت. المنزل غارق في الصمت، تحركت بخفة بين الظلال حتى وصلت إلى غرفته. دفعت الباب بخفة وتخطّت العتبة دون أن تطرق. كان واقفًا أمام المرآة، يُصلح ياقة قميصه تحت ربطة عنقه بعناية، وجهه نصف غارق في الضوء المنبعث عبر نافذته المفتوحة.
هتف "نديم" بصوتٍ دافئ، دون أن يلتفت لها ما إن لمحها في المرآة:
صباح الفل يا لولّا. تعالي.. أدخلي.
تغلق "ليلى" الباب ورائها، خطواتها سريعة نحو "نديم" وهي تقول بانزعاجٍ:
أنا عايزة أعرف.. انت هاتكلم بابا امتى يا نديم؟
يرفع "نديم" حاجبه، لهجته متصنعة وهو يقول:
أفاتحه في إيه يا ليلى؟
ترد بصوتٍ متفاجئ:
في موضوع جوازنا! انت نسيت؟
يضحك بخفة وهو يقفل زر ياقته قائلًا:
أنسى إيه يا عبيطة؟ بهزر معاكي. مش قلت لك امبارح؟ ولا انتي عندك زهايمر؟
ليلى بغرابةٍ:
قلت لي إيه؟
يلتفت لها مرددًا بتهكم:
لا ده زهايمر بجد.. مش قلت لك إني رايح دلوقتي أخلص موضوعي مع راندا؟ احنا خلاص ماشيين في إجراءات الطلاق. أول ما يتم رسمي هاخطبك وأكتب عليكي علطول. يعني ممكن نقول الشهر الجاي هاتبقي حرم نديم رشيد الراعي. ها. رأيك إيه؟
تتنفس "ليلى" بعمقٍ قائلة وعيناها تلتمعان:
ياريت يا نديم.. بجد ياريت. أنا مستنية اللحظة دي من سنين!
اقترب منها، عيناه ثابتتان في وجهها، رفع يده ولمس ذقنها بخفة، نبرته مائلة بين العتاب والرجاء وهو يهمس لها:
صاحية بدري مخصوص عشان تقوليلي كده؟ بتسألي امتى هافاتح مي في موضوع جوازنا؟ لازم تعرفي إني مستني اللحظة دي أكتر منك. بس قلة ثقتك فيا.. بتوجعني!
وتلاشت ابتسامته ذائبة في جليد الخذلان. ردّت "ليلى" بتسرع في الكلام، تكاد تتلعثم وهي تقول مبررة:
لأ يا نديم أنا واثقة فيك.. بعد ده كله إزاي تفكر إني مش واثقة فيك؟ ده أنا سلمت لك نفسي من غير ما أراجع تفكيري مرتين لأني عارفة ومتاكدة إنك ضهر وحماية ليا من يوم ما وعيت على الدنيا. وإن عمرك ما سبتني ولا لحظة. انت ابن عمي وحبيبي وبقيت جوزي وبسببك كمان هاكون أم.. معقول عقلي يصوّر لي بعد ده كله ماثقش فيك؟ مستحيل!
حدّق فيها طويلًا، ثم مدّ كفه ولمس خدها كأنها لا تزال حلمًا عاجزًا عن تحقيقه رغم أنه نال منها كل شيء، ثم قال بخفوتٍ وهو يدنو منها ببطءٍ:
المستحيل هو بُعدك عني.. أنا مجنون بيكي.
ابتسم ثغرها وهي تردد بصوتٍ لم يسمعه جيدًا:
زي مجنون ليلى!
واستسلمت لفمه وهو يطبع قبلة هادئة مطوّلة على شفتها. كم أرادت أن تمنحه مزيدًا من القبلات، مزيدًا من الحب، لكنه أظهر سيطرة أكبر على النفس وابتعد عنها بصعوبة. تنهدت وهي تشعر بالتوّرد يفترش محيّاها، ثم بدأت تعدل له ربطة عنقه بأصابع مرتعشة، بينما كان ينظر إليها، كأنه يراها للمرة الأولى، بشوقٍ وإنبهار وإعجاب موصولٌ لآخر عمره.
صحيح يا نديم أنا عايزة موبايلي بقى!
قطب حاجبيه:
هو أنا نسيت أدهولك؟
تخيّل!
ضحك بخفةٍ وهو يستدير نحو خزانته، فتح إحدى الأدراج السفلية محضرًا لها هاتفها، عاد إليها مقدّمًا لها إيّاه قائلًا:
اتفضلي يا ستي. موبايلك.
أخذته منه مبتسمة، فحذرها بنبرة هادئة:
ليلى. مش محتاج أفكرك.. إللي حصل بينّا يفضل بينّا لحد ما نتجوز. حتى بعد الجواز محدش يعرفه. ولا أنتيمتك نوران. سامعاني؟
أومأت له بطاعة. ليدق هاتفه هو في هذه اللحظة، يمد يده من جوارها ليأخذه من فوق طاولة المرآة، رآى اسم عمّه يضيئ الشاشة، فأجاب بفتورٍ:
ألو.. أيوم يا عمي!
بدأت ملامحه تتجهّم شيئًا فشيئًا. بينما كانت "ليلى" مشغولة بفتح هاتفها وتفقّد العدد المهول من الرسائل والمكالمات الفائتة. رفعت وجهها إليه حين أنهى المكالمة، لم يبدّد تعابيره الجامدة مبتسمًا لها، لم يشأ أن تنتبه لأيّ خطبٍ غريب به.
أنا لازم أنزل يا لولّا. هاتأخر عن معادي.. انتي هاتعملي إيه؟
هزت كتفيها قائلة:
ولا حاجة. هارجع أوضتي أخد شاور وبعدين هاخرج أكلم نوران شوية وهاعرف منها فاتني إيه في الكلية وهابدأ أجهز نفسي عشان أنزل في أقرب وقت بقى.. شهر وأكتر مش بروح.
أوكي يا حبيبتي.. أنا هاخلص وهاكلمك. يلا باي.
باي.
وراقبته مبتسمة بحب وهو يسحب سترته ويرتديها وهو يتجه صوب الخارج، لحظات وتبعته عائدة إلى غرفتها، انتقلت لحمامها الخاص فورًا لتستحم وتبدأ يومها.
***
هبط "نديم" الدرج بخطواتٍ واسعة متحفّزة، ملامحه مشدودة، وعيناه تلمعان ببريقٍٍ قاتم.
كانت المكالمة من عمّه كفيلة بأن تشعل في صدره نارًا لا تنطفئ، هذه العائلة صارت مصدر إزعاج كبير له، حان الوقت ليخرسهم للأبد.
وصل إلى الشرفة الرئيسية حيث التوتر لا يزال معلّقًا في الهواء، كثيفًا كالدخان. رأى عمّه واقفًا قبالة الرجل العجوز عريض الكتفين، حاد النظرات، يعرفه جيدًا.. "رياض نصر الدين".
هتف بصوته العميق، وهو يتقدم دون تردد نحوهما:
أهلاً يا رياض بيه.. خطوة عزيزة. منوّر بيت الراعي.
إلتفت "رياض" له ببطء، عيناه تشتعلان بغلٍٍ مكتوم، نبرته حادة هو يقول:
عايز بتّي يابن رشيد.. عايز ليلى!!
ابتسامة باهتة ترتسم على فمه، نبرته باردة كالصقيع وهو يرد عليه:
مش حضرتك جيتلي قبل كده؟ وفتحت معايا نفس الموضوع؟ ماوصلكش ردي من ساعتها؟
اقترب "رياض" خطوة، صوته خشن ينمّ عن اجرامٍ مكبوت:
ردّك ما يلزمنيش. أنا جاي آخد حفيدتي غصب عنك. وهاخدها!!!
مطّ "نديم" فمه، أنزل نظره لحظة ثم عاد يواجهه قائلًا بثباتٍ:
بص يا رياض بيه.. أنا مش ممانع والله.
شخصيًا؟ ماعنديش مانع تاخد ليلى. بس فيه ناس تانية هنا يخلّوني أمنعك تاخدها. زي أبوها إللي رباها ده.. وأمها إللي شالتها في عنيها وقلبها. وأخوها وأختها إللي عاشت وسطهم من يوم ما اتولدت.
سكت لحظة. نظر إليه نظرة رجل لا يُراوغ، رغم إنه في الحقيقة يفعل، ثم تابع:
أنا مش مهتم بليلى زي ما انت فاكر. اهتمامي الحقيقي بعيلتي. الناس دي هما دمي. وهما إللي يهموني. وعشانهم هاعمل أي حاجة تخلّي ليلى تفضل هنا.. في البيت ده. وتحت سقفي أنا.
سكت الجميع الآن، الصمت مشحونًا، كأن الهواء نفسه ينتظر من سيكسر السكون أولًا. بين "رياض" الذي يكاد ينفجر، و"نديم" الذي لا تهتز له شعرة، وقف عمّه حائرًا، يرقب التصعيد القادم لا محالة.
***
فرغت "ليلى" من حمامها سريعًا. تخرج مستعرضة محتوايات خزانتها، لتنتقي ثوبًا رقيقًا من القطن الأزرق، مزيّن بشرائط كروشيه رفيعة، صففت شعرها ولوّنت وجهها بقليل من مساحيق التجميل الخفيفة. ثم تنفست بعمق وقامت حاملة هاتفها نحو شرفتها، هاتفت صديقتها "نوران" التي ردّت من الرنّة الثالثة:
يخربيتك يا ليلى كنتي فين يابت كل ده؟ أنطقي نهارك أسود كنتي غطسانة فين؟ بقالك شهر بحاله مافكرتيش تكلميني لا تعرفيني إذا كنتي عايشة ولا اتزفتي متي.
قاطعتها "ليلى" مشدوهة:
إيه إيه يابنتي بالراحة إهدي يا نوران أنا مالحقتش أرد عليكي.
ردّت المايه في زورك. أنطقي يابت كنتي فين؟
ابتسمت "ليلى" رغمًا عنها قائلة:
هاحكيلك ماتستعجليش. أنا لسا واصلة إمبارح من الغردقة.
أيوة لما اتصلت باباكي قالّي إنك سافرتي. سافرتي مع مين وإزاي تقفلي موبايلك المدة دي كلها؟
هقولك يا نوران بس ماينفعش على التليفون.. بصي تعالي نفطر سوا. إنهاردة الجمعة ومافيش كليّة. تعالي قضّي معايا اليوم.
ماشي. هالبس وأجيلك. بس قسمًا بالله إن ما حكيتي بالتفاصيل لا.
قاطعتها "ليلى" للمرة الثانية ضاحكة:
ماتقلقيش هقولك يا زنانة.. يلا بقى مستنياكي.. باي!
قبل أن تغلق معها لمحت مشهدًا غريبًا للغاية. اختتم بإطلاق شهقة مصدومة منها. ذلك حين رأت أسفل شرفتها أبيها وابن عمها "نديم". يقفان أمام رجل عجوز.. وهذا الرجل فجأة ارتفعت يده وهوت نحو وجه "نديم". لكن الأخير كان أكثر يقظة، فلم يسمح للعجوز بأكثر من تحدّيه، أمسك يده قبل أن تمسّ وجهه وجمّدها في الهواء.
بينما "ليلى" لم تنتظر ثانية أخرى، استدارت راكضة إلى خارج غرفتها، وفي غضون ثوانٍ كانت بالأسفل. كانت لتعبر الشرفة منطلقة نحو "نديم" لولا أن سمعت تلك الجملة التي جمدتها وجعلتها تشحب كليًا.
ليلى حفيدتي يابن رشيد.. وأنا مش هافوتهالك واصل!
لولا إنك في بيتي يا رياض بيه كنت اتحاسبت لى رافعة إيدك عليا.. احمد ربنا إني كنت صاحي لك. وإلا ماكنتش عملت إعتبار لسنّك.
سمعت صوت أبيها يقول بعصبية:
بس يا نديم. كفاية بقى. وانت يا رياض بيه.. انت خلاص عرفت إنها حامل. احنا أولى بيها. جاي وعايزها ليه دلوقتي؟ انت رميت أمها زمان عشان حملت فيها من الحرام.
لو صوح شايفها بتّك يا مهران وجلبك عليها. يبجى كلمتك تمشي على ولد أخوك. ترجع لي الأول وبعدين يكتب عليها رسمي.
حفيدتك لا مراتي ولا بنت عمي.. إيه إللي يخليني أتنازل وأتجوزها رسمي؟ إيه الجديد إللي هاكسبه بعد ما سلمتني نفسها من غير جواز ولا أي مجهود؟!
جحظت عينيّ "ليلى" من شدة الصدمة. هذا صوت "نديم".. هذا الكلام الذي يدور بالداخل عنها.. ولكن من هذا الرجل العجوز؟ كيف لـ"نديم" أن يتحدث عنها هكذا؟ هل أذاع خبر زواجهما؟ هل أصبح أبيها يعرف الآن؟ ماذا يجري بحق الله؟ هل هذا حلم؟
لا إراديًا قرصت رسغها بقوة، فإذا بها تكتم أنّة متألمة، الآن تأكدت، هذا ليس حلم، إنها الحقيقة.
ولكن ما الحقيقة؟.. ما الحقيقة؟
وبدل من اقتحام الشرفة عليهم، استدارت مطلقة لساقيها الريح، غادرت المنزل بأكمله، تركض بما حاذاة السور على غير هدى، تكاد لا ترى أمامها. إلى أن ارتفعت فجأة عن الأرض، وكمّ فاها قبل أن تطلق صرخة مدوية، غابت عن الوعي قسريًا. لم تعد تسمع أو ترى شيئًا.
***
في غفلة منهما، وفي لحظة تهورٍ وغضب أعمى، تحسس "رياض" حزامه المخفي أسفل عباءته، كان ليحسم قراره بإشهار سلاحه بوجه "نديم الراعي" وقتله في الحال إن لم يسلّمه حفيدته.
لآخر مرة بجولك سلّمني بتّي! .. قالها "رياض" بصوتٍ كهسيس.
نديم متحدّيًا:
وأنا لآخر مرة بقولك.. مالكش بنات عندي.
حرفيًا أنقذه هاتف "رياض" عندما دق. أستلّه الأخير من جيبه بعصبيةٍ، رد بلهجةٍ ملؤها الانفعال:
خـــير!!!
وارتعشت قسماته للحظة. لم يخفى عن "نديم" رؤية ألق الراحة الذي مرّ بعينيّ العجوز، قبل أن يسمعه يرد بهدوء ضمني:
زين.. زين يا زين.. ماشي يا ولدي.. الله يخليك ليا يا سبع... أنا جاي في الطريج.. مع السلامة.
تبادل كلًا من "نديم" و"مهران" نظرات الاستغراب. بينما يطالعهما "رياض" بابتسامة، سرعان ما استحالت لضحكٍ هستيري استمر لدقائق بلا مبالغة، حتى هدأ تدريجيًا. اقترب نحو "نديم" خطوتين، مال صوبه هامسًا بوجومٍ:
حسابنا دوبك بدأ.. مش هاهمّلك يا ولد رشيد.. افتكر كلامي زين!
وتراجع عنه متواصلًا معه بالنظرات حتى أولاه ظهره. ورحل دون إضافة كلمة. ظل "مهران" محدقًا في إثره بدهشةٍ، بينما "نديم" يتفكر بكلماته، يخالجه شعور غير حميد. حتى ناداه عمّه:
الراجل ناوي على الشر يا نديم.. أنا خايف عليك. وعلى ليلى.. على البيت كله.
طمأنه "نديم" بجمود:
ماتخافش يا عمي.. إن كان يقدر يعمل حاجة كان عملها من أول يوم.. محدش فيهم يقدر يخطي هنا وياخدها غصب عني.. محدش.
مهران منفعلًا:
وأخرتها؟ انت مفكر سكوتهم ضعف؟ شايف نتيجة تصرفاتك المتهورة؟ لو كنت جتلي كنا حلّينا.. كنت خدتك وروحنا اتفقنا إنك تتجوز ليلى والموضوع كان اتحل.. ليه صعبتها علينا؟ ليه يا نديم؟؟؟
سأم "نديم" من تأنيب عمّه المتواصل. تركه ومضى عائدًا للداخل، كان سيخرج ليلحق بمعاده، لكن قدمه علقت بشيء. أخفض رأسه، ليرى مشبك شعرها، تلك الفراشة التي اعتادت رفع خصيلاتها الأمامية بها. انحنى "نديم" ملتقطًا إيّاها وهو يعبس بشدة، رافضًا تصديق ما برق برأسه لوهلةٍ، ارتفع رأسه تلقائيًا للطابق الأعلى. ثم انطلق على الفور صاعدًا إلى غرفتها، دفع الباب بعنفٍ، لم يجدها، الغرفة ساكنة تمامًا. إتجه صوب الحمام، لم تكن هناك، فقط ما تبقّى من آثار استحمامها. لكن هي.. لا أثر لها.
لـــــــــــــــــــــيــــــــــــلـــــــــــــــــــــــــــــى!
ضج المنزل بصيحته الأشبه بزئير وحشٍ كاسر قد فك قيوده للتو!
رواية هيبة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم مريم محمد غريب
رواية هيبة الفصل الخامس و العشرون 25 - بقلم مريم محمد غريب
_ أبعد من النجوم! _ :
راحت السيارة تنهب الطريق في صمتٍ ثقيل، لا يقطعه إلا صوت المحرّك المنتظم، كنبضٍٍ رتيب داخل صدر مريض يحتضر ..
كانت "ليلى" ساكنة في المقعد الخلفي، ملقاة ولا زالت غائبة عن الوعي، جفناها يتحركان ببطء، كمن يصارع الغرق من حلمٍ ثقيل نحو السطح ..
بدأت تحسّ بثقل جسدها، التنميل يكمُن في أطرافها، والضباب يعشش في عينيها ..
الرؤية أمامها مشوّشة، خطوط الأشياء مهزوزة كأن الزمن نفسه يهتزّ.. وتوقّفت السيارة فجأة ..
لحظة صمت قصيرة تسبق فتح الباب ..
انفتح بجانبها، ومن الظلال برز هو، ذلك الكائن الضخم المألوف الذي حملها بين ذراعيه كما يُنتشل الغريق من بحرٍ لا قرار له، لم تُبدِ مقاومة، ولا استطاعت، فقط شعرت بجسده يتحرّك بثبات، خطواته تخترق الأرض بثقة باردة ..
دخل بها إلى مكانٍ ما، الضوضاء من حوله كانت عبارة عن أصواتٍ مكتومة تحت سطح الماء، حتى اخترق أذنها صوتٌ واضح، غاضب، لأنثى تحمل في نبرتها لهب المواجهة:
-عملت إللي في دماغك وجبتها بردو يا زين؟
لم يلتفت، لم يتباطأ، فقط ردّ بصوتٍ خالٍ من الانفعال:
-أنا ماعملتش غير إللي أمر بيه جدي.. وأوامر جدي سيف على رقبتي بنفذها.
-عمتك غنيمة على وصول! أول ما عرفت والدنيا قايمة. وكمان سليمان مقوّم العيلة كلها وبيقول لو الناس عرفوها يبقى لازمًا تتقتل!
-عمتي غنيمة منها لجدي!.. قالها ببرودٍ أكثر، كمن يلقي حجراً في ماء راكد وتابع:
-وزيها سليمان لو عرفوا يقفوا قصاده يتفضلوا يوروني هايعملوا إيه. لكن دلوقتي رجوع ليلى ووجودها في البيت ده أمر واقع.. وكلكوا مجبورين تقبلوه.
ولم يُضِف كلمة ..
تابع السير، وصعد بها درجات طويلة، كل درجة كأنها تكشف طبقة من الغموض، من المصير المحتوم ..
وصل أخيرًا إلى وجهته، فتح باب غرفة واسعة غمرها هدوء كثيف ودفءٍ ملموس، وضعها برفقٍ فوق سرير وثير، كأنها زهرة تُعاد إلى تربتها بعد عاصفةٍ طال أمدها ..
تراجع خطوتين. تنفّس أخيرًا دون أن يرفع أنظاره عنها، الآن بدأ الفضول يتملّكه لرؤيتها بوضوح، تلك الفتاة من دمه لكنه لم يعرف بها إلا مؤخرًا ..
كما يرى ويعرف أيضًا، فإنها موضع نزاعٍ بين عائلته والرجل الذي كنفها، وهو ليس والدها بالتبنّي كما المتوقع، بل إنه الرجل الذي تربّت وترعرعت بمنزله وشبّت تحت رعايته، الرجل الذي أسترد ثمن كفالتها غاليًا قبل أن يخطفها "زين" اليوم.. "نديم الراعي" ..
ألد عدو لعائلة "نصر الدين" الآن، ليس لأنه هتك عِرض ابنتهم ولوّثها فقط، بل أيضًا لإصراره على النيل منها، وعدم تركه لها بعد كل ما فعله، يريدها لنفسه بعد أن حقق أطماعه بها، إنه لا يريد بهذا إلا تحويلها إلى عاهرة تحت يده في أيّ وقت، تعيش بمنزله، تكون بمتناوله وقت يشاء وفي سريّة دون أن يشكّ أحد بأمره ..
ولكن هيهات!
ما كان "زين" ليسمح بذلك، إن لم يكن قد تمكن من أخذها اليوم بسهولةٍ، كان ليقتحم حصن "الراعي" وينتزعها من قبضته عنوةً وهو ينظر بعينيه، ما كان لشيء بقادر على منعه من تحقيق مأربه هذا إلا الموت ..
والآن.. صارت "ليلى" بحوزته.. عادت إلى عائلتها حتى ولو تلطّخت بوحل الخطيئة.. صارت أبعد من النجوم لكي يطالها "نديم".. ولن يقدر ..
عبس "زين" وهو ينظر إليها عن كثب، إلى جفنيها المرتعشين، إلى وجهها البريئ الذي بدأ يستعيد ملامحه، كأنها تخرج من غيبوبة طويلة ..
كانت على وشك الاستيقاظ ..
راقب جسدها يتململ بثقلٍ، أنينٍ خافت ينبعث من صدرها، ثم جفناها يتباعدا ..
في نفس اللحظة التي أقتحم فيها "رياض نصر الدين" الغرفة لاهثًا، كأنه قطع المسافات إليها مسابقًا الزمن ..
تعلّقت نظراته بحفيده أولًا، يرمقه بنظرة فخرٍ واعتداد، ثم صوّب ناظريه إليها ..
جمد لوهلةٍ حابسًا أنفاسه، خيّل إليه للحظة بأن تلك الراقدة هناك فوق السرير ليست سوى ابنته الصغيرة "دهب".. ابنته التي كانت في وقتٍ خلى أقرب أبنائه إلى قلبه وأحبهم إليه قبل أن تهون عليها كرامته ..
كانت الفتاة نسخةً من أمها، عدا الشعر المصبوغ بشقرة باهتة بشرتها البيضاء، كانت "دهب" مائلة للسمرة أكثر ..
لكنها حتمًا تحمل دمائها، وملامحها بلا استثناء، كانت هي ...
-نديم!
كان أسمه هو أول أسم تنطقه فور صحوتها ...
______________________________________________
الهواء في الباحة كان كثيفًا، زوبعة ضبابية في الأفق، كأنه مشبع بدخانٍ لا يُرى ..
الحرس يتحركون في كل اتجاه، و"نديم" واقفٌ في المنتصف، كبركان على وشك الانفجار، نظراته حادة، وجهه مشدود، والعرق يتسلل من صدغه كمنبّه على الحريق الذي يشتعل داخله ..
هرول نحوه فردان من رجاله، أنفاسهما متلاحقة، وملامحهما مشوّهة بخوفٍ من غضبٍ ينتظرهما ..
-لاقيتوها؟.. خرج السؤال من فم "نديم" كلسعة سوط
-مالهاش أثر يا باشا!.. ردّا وهما يحاولان ترتيب أنفاسهما
كان "مهران" بجواره، عيناه متوجستين من العاصفة المترتب عليها هذا الجواب، وقبل أن تنفجر، وضع كفه على كتف "نديم" بقوة أمر للحرس بحدة:
-دوروا تاني. اطلعوا بالعربيات وفتشوا المنطقة حتة حتة.. هاتوها لو تحت سابع أرض.
هزّا رأسيهما بطاعة، وانطلقا من جديد كمن يهرب من سكينٍ فوق عنقه على وشك الهبوط ..
التفت "مهران" صوب "نديم" قائلًا وهو يحاول أن يحقنه بشيء من الاتزان وسط تلك الفوضى العارمة:
-اهدى يا نديم!
استدار إليه "نديم" والنار تشتعل في عينيه، نبرته تنذر بجهنم تحت أنفاسه:
-اهدَى؟ ليلى اتسرقت مني.. ليلى يا عمي. ازاي بتطلب مني أهدى؟
-بطلب منك تهدا عشان مافيش قدامك اختيار تاني. الغضب هايعمل إيه؟ احنا مانعرفش هي فين أصلاً!
انفلتت أعصابه الان، صرخ بضراوة وقد مزّق صوته الهواء:
-لأ أنا عارف هي فين. أكيد هو إللي خدها. رياض نصر الدين دخل بيتي. غفّلني وخطفها من ورا ضهري. هو إللي خدها يا عمي.. بس أقسم بالله ما هاسيبه. مش هاسكت على كده زي ما هو فكر ده بيحلم!!!
-يابني محدش قال هانسكت. هو انت مفكر ليلى دي تخصّك لوحدك؟ دي بنتي. دي مكتوبة على أسمي. كل حاجة في صفنا. بس بالهداوة. مش كده يا نديم!
نديم وهو يكاد يشتعل فعليًا وقد تضرج وجهه بحمرة قانية:
-مافيش هداوة! الراجل ده كان هايقتل بنته! كان هايقتل ليلى نفسها لولاك انت ..
وبتر عبارته مرددًا وهو يمرر نظره في الفراغ يمنى ويسرى:
-ده كمان عرف. عرف إللي عملته معايا... يعني هايقتلها! هايقتل ليلى يا عمي! ده أنا اقتله هو وعيلته كلها قبل ما يلمس منها شعرة!
وانطلق فجأة نحو البوابة، كأن كل شيء بداخله يدفعه للهجوم الآن بغير انتظار لحظة أخرى، لكن "مهران" لحق به مسرعًا قبل أن يبتعد كثيرًا، أمسكه من ذراعه بقوة، نبرته صارمة وصلبة وهو يهتف به:
-نديم! استنى هنا. إللي بتقوله ده مش هايحصل. رياض نصر الدين مش نيته يقتل ليلى.. لو كان لسا شايفها عار ماكانش جه وطالب بيها حتى بعد ما عرف بغلطتها معاك. كان سابها لنا ورحم نفسه من الفضيحة. لكن مش هايقتلها. صدقني مش هايعملها.
لم يهدأ "نديم" مثقال ذرة وهدر بخشونةٍ:
-أنا مش بسلم دماغي للصدف.. أنا مش هفضل واقف مكاني وماعرفش عنها حاجة!
ثم صاح بينما غضبه يفيض على كل شيء كوحشٍ مسعور:
-أنا عملت كل حاجة عشان أضمن إنه هايبعد عنها! كل حاجة! وفي الآخر عرف ياخدها مني؟ يخطفها من بيتي؟؟؟؟؟
في تلك اللحظة.. انضم إليهما فردٌ آخر من العائلة ..
جاءت "مشيرة" زوجة "مهران".. خرجت من الداخل.. وجهها يحمل طيفٌ من النعاس وقلقًا كبيرًا وهي تتساءل بريبة:
-إيه اللي بيحصل؟ في إيه يا مهران؟ صوت نديم جايب البيت كله أنا صحيت مفزوعة!!
أدار "مهران" وجهه ناحيتها، نظرته كئيبة، ممتلئة بالضيق، ولم يرد ..
لكن "مشيرة" لم تكن بحاجة لرد، بنظرة واحدة إلى عينيّ "نديم".. وإلى الصمت المطبق.. استدلت الحقيقة دون كلمات ..
-ليلى طبعًا! .. تمتمت بصوتٍ خافت وهي تهز رأسها بإدراكٍ
ما من سواها بقادر على زعزعة تماسك الرجل الأكثر صلابة الذي رأته "مشيرة" طوال حياتها.. ما من سوى "ليلى" وحدها بقادرة على تحويل هذا الرجل إلى مجنونٌ بها.. ومجرد خاتمٌ بإصعبها رغم جبروته وصورته الحازمة أمام بقيّة العائلة قبل الناس جميعًا بالخارج ..
وسكن الهواء لثوانٍ، كأن البيت كله يحبس أنفاسه.. البيت الذي كأنما افتقد استقراره للتو بفقدان "ليلى" ...
_______________________________________________
الغرفة غارقة في سكون ثقيل، لا يُسمع فيها سوى صوت أنفاسٍ راكدة، وأنين قلبٍ موشك على الاستيقاظ ..
بدأت "ليلى" تتحرك ببطء، أجفانها ترتعش، وجهها غائم من أثر النوم الثقيل والدوّار المستمر، حاولت أن تفتح عينيها، فارتبكت الصورة أمامها للحظات ..
ظلال تتحرّك فوق الجدران، سقفٌ غريب، ورائحة غير مألوفة ..
ينطلق أسمه مرةً ثانية من بين شفتيها، أول ما نطقت، وكأن الاسم محفورٌ في قلبها ويسبق لا وعيها:
-نديم ..
تصلّب "زين" أكثر بنطقها لأسمه مرةً أخرى، واقفًا بجانب السرير الآن، و"رياض" بجواره مستندًا إلى عصاه ذي الرأس الفضّي ..
صدره يتأجج بنارٍ غير مرئية، الغضب في عينيه لم يكن مجرد لحظة مكتسبة، بل تاريخًا، كل نظرة يوجهها نحو تلك الفتاة لا تخلو من مرارة الندم لتركها بلا حماية بين براثن العالم بقبحه وغدره، ولا من لهيب الغيظ تجاه من أفسد شرف العائلة وأستغلّها أحطّ استغلال ..
-نديم! .. تنطقه للمرة الثالثة وقد استعادت وعيها كاملًا
شدّ "زين" فكه، وكأن الاسم الذي نطقت به "ليلى" مجددًا أهان كرامته علانيةً ..
أدارت "ليلى" رأسها مصطدمة برؤية وجوهٍ غريبة، نظرتها بدأت تستعيد وضوحها كليَّةً، وبدأت تدرك واقعها ..
تلفّتت حولها بخوفٍ، جسدها ما زال ضعيفًا، لكنها دفعت نفسها للأمام قليلًا، واستندت إلى يديها المرتعشتين وهي تقول بصوتٍ واهن:
-إنتوا مين؟ أنا فين؟
ثم وبنبرة مرتعشة أعلى، تناديه كأنها تبحث عن طوق نجاة:
-نديـم؟.. يا نديـــم!!!
لكن صوتًا آخر قاطعها بحدة كالسيف:
-مابقاش في نديم يا حلوة!
كان صوت "زين" غليظًا، قاسيًا، لا يرحم وهو يستطرد بقساوة:
-انتي تنسي الاسم ده خالص. وإياكي أسمعك تنطقيه من اللحظة دي. سامعة؟!
انتفضت "ليلى" من على السرير، دموعها انسابت بلا إذن، قامت بصعوبة، تتراجع للخلف حتى التصقت بالحائط، وكأن الحائط وحده هو السند الأخير الذي يحميها من التداعي أمام هؤلاء ...
-إنتوا مين.. عايزين مني إيه.. أنا ماعرفكوش.. فين بابا.. فين نديم.. أنا عايزة نديم.. يا ندييييييم ...
صرخ "زين" بصوتٍ وحشي وهو يخطو نحوها خطوة مُهددة:
-لو نطقتي اسمه تاني. هاخليكي تندمي ندم عمرك!
جسدها بدأ يرتعش، الدموع انهمرت أكثر من عينيها.. أين قوتها؟ أين ذهبت ناريتها التي لطالما جابهت بها ابن عمها المتسلّط؟
لماذا لا تستطيع مواجهة هؤلاء؟ لماذا يرعبونها هكذا؟
انبعث وصوت بكاءها المكتوم كأنها طفلة ضائعة في كابوس لا أفق له، ولا نهاية، وفي تلك اللحظة، خرج "رياض" عن صمته أخيرًا ..
صوته هادئ، لكنه ملييء بالصرامة المبطنة وهو يقول:
-زين!
نظر إليه "زين".. لم يزده تعبير "رياض" الصارم إلا صمتًا ...
-هملّني معاها لوحدنا... يلا يا ولدي!
أدار "زين" رأسه بتردد، ثم انصاع أخيرًا، خرج من الغرفة وأغلق الباب وراءه ..
وسكنت الأجواء من جديد ..
صارت "ليلى" وحدها، وجهاً لوجه مع رجل لا تعرفه، لكنه يحدّق فيها وكأنه يعرف كل تفاصيلها، وكأنه يعرفها هي شخصيًا ..
اقترب منها على مهل، صوته أكثر ليونة الآن وهو يخاطبها:
-ماتخافيش.. انتي هنا في أمان.
سألته بعينين واسعتين من الخوف والارتباك:
-إنت مين؟
وقف أمامها، الفاصل بينهما مجرد خطوتين، نظرت إلى ملامحه الخشنة التي لم ترى مثلها من قبل، لكنها تحمل شيئًا من ماضٍٍ لم يُدفن بعد ..
قال بهدوء: أنا رياض نصر الدين.. بتّي تبجى دهب إللي هي أمك الحجيجية... يعني أنا أبجى جدك!
استقرت الكلمات في أذنيها كصفعة صامتة، لكن صداها دوّى في أعماقها بشدة وزلزلها للحظاتٍ وهي لا تزال تحملق فيه بقوة غير قادرة على الرد!............................................................................................................................. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
يتبــــــع ...
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية هيبة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم مريم محمد غريب
الهواء لا يزال يحمل برودة الليل الماضية. وقف "عاصم البدري" على عتبة باب المنزل بنفسه، بملامح متوترة تحاول اصطناع الهدوء، ينتظر لحظة وصول ابنه الذي وصل للتو كما بلّغه فرد الحراسة بالخارج.
توقفت سيارة "عمر" الفارهة بمنتصف الباحة المظللة بأغصان شجرة ضخمة. ترجّل منها "عمر" متجهًا نحو باب المنزل بخطوات محسوبة، يرتدي سروال جينز قاتم وقميص أبيض تعلوه سترة جلدية. بدا أكثر جاذبية على تلك الشاكلة الفتيّة، أصغر سنًا ممّا يبدو عليه، شعره الناعم القصير أشعث قليلًا، ولحيته الخفيفة غير المحددة كلها تفاصيل جعلته صورة مصغرة من أبيه في شبابه.
هتف "عاصم" مقتربًا وهو يمد ذراعيه بابتسامة واسعة:
- حمدلله على السلامة.. أهلًا يا عمر.
يقف "عمر" أمامه، لا يقترب كثيرًا، ويرد بنبرةٍ فاترة متسائلًا:
- ريهام فين؟
يحاول "عاصم" أن يحتفظ بابتسامته رغم البرود الذي لاقاه من ابنه وقال:
- ريهام كانت بتلعب طول اليوم امبارح ونامت متأخر.. هي في أوضتها لسا ماصحيتش.
عمر متمتمًا بخفوتٍ:
- تمام. هاطلع أشوفها!
يرفع "عاصم" يده بهدوء كأنه يصدّه عن طريقه إليها وهو يقول بلطف:
- سيبها تصحى براحتها.. مش هاتجري. تعالى نفطر سوا. أنا مستنيك من الفجر تقريبًا.
عمر باقتضاب:
- أنا فطرت في الطريق.
يبتسم "عاصم" محاولًا التقرّب إليه بلطفٍ:
- طب اقعد معايا على السفرة بس.. معقول ماليش عندك أي خاطر للدرجة دي يا عمر؟
يتنهّد عمر كأن صدره يحمل آلاف الكلمات التي لا ينوي قولها. ثم يتجه صامتًا إلى الداخل.
غرفة الطعام. الطاولة مرصوصة بعناية، شراشف مكويّة، أطباق من الجبن والزيتون والبيض والخبز، وبخار الشاي يتصاعد من الأبريق الخزفي العتيق.
جلس "عمر" هادئًا، يتابع أباه وهو يتناول فطوره بالشوكة والسكين بإيقاع منظم يشبه صوته وهو يخاطبه:
- كنت قايل جاي عالعشا امبارح. ريهام زعلت كانت مستنياك.. ما أكلتش نص طبقها.
عمر بفتورٍ:
- كان عندي شغل في الفندق. ما خلصش غير الصبح.
يومئ "عاصم" ببطء قائلًا:
- حمدلله على السلامة عمومًا.
يسكب لنفسه فنجان شاي برتابة، ثم يرفع عينيه إلى ابنه عارضًا عليه:
- أصب لك فنجان؟
يهز "عمر" رأسه بالنفي، ليرتشف "عاصم" رشفة صغيرة، يتأمل ملامح ابنه الشبيهة كثيرًا بملامحه، ثم يقول بهدوء:
- قولي يا عمر.. انت مافيش واحدة في حياتك؟
عمر بجفاف:
- في.. ريهام.
عاصم بنصف ابتسامة:
- أنا مش قصدي ريهام. قصدي واحدة عجباك. مصاحب.. كده يعني.
يرفع "عمر" حاجبه قائلًا:
- لا والله.. أنا مش فاضي ولا مهتم بالمواضيع دي.
حاول "عاصم" إخفاء عجالته وهو يرد عليه بهدوء:
- هاتفكر امتى طيب؟ انت كبرت يا عمر. عندك كام سنة دلوقتي؟
- ستة وتلاتين.
- يعني عايز تقنعني إن بعد العمر ده كله، مادخلتش ولا علاقة جدّية؟ مش ناوي ترتبط؟
ينفخ "عمر" بضيقٍ واضح، ينظر بعيدًا وكأنه يتحدّث عن عبء لا يزول وهو يجاوبه على مضضٍ:
- دخلت علاقات كتير. بس ولا واحدة كانت تستحق تكمّل.. وأنا أصلاً ما ينفعش أرتبط. أنا مرتبط بريهام. ريهام هي كل أولوياتي. محدش ممكن يراعيها ويتحمل مسؤوليتها غيري.
قال آخر كلماته كما لو أنه يشير إليه بتلميحًا صريحًا. ارتفع صوت الملعقة وهي تلمس طرف الفنجان بصوتٍ خافت، لكن في قلب "عاصم" كانت تطن كرصاصة مرتدة. نظر إلى ابنه وللحظة، بدا وكأنه يراه طفلًا ضائعًا وسط زحام عالم مليئ بالغدر والأنانية، أمثاله هو، رآه "عاصم" طفلًا، طفله الذي أضاعه وتخلّى عنه بمحض إرادته. فهل يفيده الندم الآن؟
- طيب ما ريهام ممكن ترتبط. هاتعمل إيه ساعتها؟ .. قالها "عاصم" متعمّدًا ألا ينظر بعينيّ ابنه.
بينما يعبس "عمر" بشدة مرددًا باستنكار فجّ:
- ريهام مين إللي ترتبط؟ مين مجنون قال كده؟
رد "عاصم" وهو ينظر إلى طعامه متظاهرًا بتناوله:
- إيه يعني؟ هي مش ريهام بنت زي كل البنات. من حقها ترتبط وتتجوز ويكون عندها عيلة.
نظر له "عمر" غير مصدقًا خوضهما هذا النقاش من الأساس، ثم قال بحدة سافرة:
- لأ ريهام مش زي كل البنات وانت عارف. مالهاش في الارتباط ولا الجواز.. انت إزاي فكرت فيها أصلًا القصة دي ولا مين مخبول دخلها في دماغك؟
وهنا رفع "عاصم" وجهه متطلّعًا إليه، وقال:
- محدش أتكلم.. أنا إللي بدردش معاك.. انت معترض ليه أوي كده؟ حالة أمك كانت أسوأ من حالة ريهام واتجوزتها وخلّفناك.
عمر بسخرية لاذعة:
- آه فعلًا. ده من حظك الحلو مش كده؟ بس معلش بقى ربنا ابتلاك بـ ريهام.
كاد "عاصم" يرد، ليقاطعه "عمر" بصرامةٍ:
- أسمعني كويس.. الموضوع ده مش مادة للنقاش. ريهام عندها ظروف خاصة هاتفضل يها طول العمر. كون حضرتك حاسس إنها عبء محدش أصلًا طلب منك تتحمّلها. سيبها لي وأرجع مطرح ما جيت.
وهب "عمر" واقفًا أمام عينيّ أبيه المذهولتين.
- شنطتي في العربية! .. دمدم بغلظةٍ: ياريت حد يطلعها لي.. بالإذن.
وتركه متجهًا صوب الدرج المؤدي للطابق العلوي، حيث الغرف، وتحديدًا غرفته المجاورة لجناح شقيقته الصغيرة.
من خلفه "عاصم" قد ترك الطعام تمامًا وجلس يفكر، عاقدًا يديه أمام وجهه. شيء واحد بات متيّقنًا حياله. زواج ابنته من الرائد "زين نصر الدين" صار أمرًا محتومًا، شاء "عمر" أم أبى، ستتزوج "ريهام". ولكن ليبقى الأمر طيّ الكتمان، فقط لحين إكتماله، لن يسمح لابن بإفساد ذلك المخطط. مهما كلف الأمر.
***
جلسا كلًا من الأخوين "ليث" و"لقى" أمام أمهما ساهمان. كليهما مشبّعان بالصدمة بعد الحديث الذي أدلت به "مشيرة" بمنتهى البرود. لقد طار النعاس الذي ملأ عينا "ليث" منذ دقائق فقط حين جاءت أمه لتوقظه حتى يلحق بها بشكلٍ عاجل إلى الأسفل، وكذا "لقى" التي اصطحبها أخيها بأمر من أمه إلى غرفة المعيشة بالأسفل.
- يعني إيه ليلى مش أختي؟ .. تساءل "ليث" مصدومًا.
جاوبته "مشيرة" وهي تشعل سيجارة ببرودة مستفزة:
- مش أختك.. هي دي الحقيقة إللي خبّيتها عنكوا طول السنين ديلو عليا كان نفسي أصرّخ وأعرف الدنيا كلها إنها مش بنتي. لكن مهران أجبرني أسكت. وسكتّ عشانكوا. بس خلاص بقى.. جت من عند ربنا.
تطلّعت "لقى" إليها قائلة باستنكارٍ مرير:
- انتي إزاي بتتكلمي بالبرود ده؟ إزاي أصلًا نسيتي إنها بنتك؟!!
مشيرة بحدة:
- مش بنتي.. انتي سامعة؟ ليلى مش بنتي ولا بنت مهران. دي بنت الـ×××× إللي كان أبوكوا ماشي معاها. إللي محدش فيكوا انتوا الاتنين يعرفوا. إن ليلى أصلا بنت حرام. أمها حملت فيها منغير جواز. وأبوها الحقيقي هرب ومحدش يعرفه أصلًا.
يهز "ليث" رأسه رافضًا ما يسمعه، ليقول بعدم تصديق:
- لأ. لأ أنا مش مصدق الهبل ده.. فين ليلى؟ فين بابا ونديم؟ البيت ساكت ليه كده؟؟
تنهدت "مشيرة" وهي ترد عليه مبتسمة براحة غامرة:
- أبوك ونديم بيعملوا محاولة أخيرة عشان يرجعوها. ما أنا نسيت أقولكوا إن جدها الحقيقي خطفها من البيت إنهاردة الصبح. أخيرًا جه إللي يريّحني ويزيح المصيبة إللي اسمها ليلى دي من طريقي. أخيرًا.. لولا مهران والله كنت نزلت شكر خاص لجدها في الجرايد.
ينهض "ليث" مغمغمًا بخشونة:
- هو مين ده إللي خطفها؟ مين سمح له؟ فيــن بابا ونديـم؟؟؟؟
هزت "مشيرة" كتفيها قائلة باستفزازٍ:
- ماعرفش.. بحاول أكلمهم مش بيردوا. جرّب انت!
كز "ليث" على أسنانه بغيظٍ، ولم يطيل البقاء أمام أمه أكثر، استدار عائدًا إلى غرفته بخطواتٍ مهرولة.
بينما "لقى" تحدق في أمها وكأنها لا تعرفها، وفي نفس الوقت يترجم عقلها كل تصرفاتها تجاه "ليلى" طوال عمرها. لقد عرفت الآن سر الجفاء الذي لطالما أظهرته لها. عرفت سر البغض الذي حملته في نظراتها، في كلماتها، في كل إشارة صامتة ونظرة مواربة. أجل. لا بد أن تكون "مشيرة" محقة. هي ليست أمها. ما من أم تعامل فلذة كبدها هكذا معاملة، ما من أم قادرة على نبذ ابنتها وتفضيل البقيّة عليها، ما من أم تفعل ذلك. لكن "مشيرة" فعلته. وهي ليست بأمها. أجل. لقد أيقنت "لقى". صدقت إدعاءات أمها الآن عكس أخيها الذي لا يزال في حالة النكران. "ليلى" ليست شقيقتها. لم تكن يومًا دمها.
***
لم يكن عصيًا عليه مطلقًا الإتيان بعنوان قصر آل "نصر الدين". جلبه له المحامي الذي يدير شؤون عائلته القانونية. لقد سبقه المحامي الأربعيني إلى هناك فور أن خابره، ترجل "نديم" من سيارة عمّه قبل أن تتوقف تمامًا. توجه نحو المحامي الذي وقف إلى جوار فردان من جهاز الشرطة.
- مستني إيه يا متر؟ .. انطلق السؤال من فم "نديم" مباشرة.
استقبله المحامي بهدوءٍ مدروس قائلًا:
- نديم بيه. أقدم لك حضرة الظابط مروان نصحي. نقيب في الداخلية. وحضرة الملازم أشرف عبد العزيز.
حيّاهما "نديم" على مضضٍ:
- أهلًا اتشرفت بحضرتكوا.
وصافحهما. ثم عاود النظر إلى محاميه.
ظن ي نفس لحظة وصول عمه الذي تساءل بدوره:
- إيه الأخبار يا متر؟
نقل المحامي ناظريه بين الرجلين قائلًا:
- ماتقلقوش يا بهوات. سيادة النقيب متصامن معانا قدرت أطلّع أمر تفتيش للبيت. فهمته إننا متأكدين إن أنسة ليلى جوا. وكمان عرضت تسجيل كاميرات الفيلا عندكوا في النيابة وكان واضح فيها جدًا رياض نصر الدين. وبالأخص في لقطة ظهر فيها سلاحه. كل دي شواهد ساعدتنا نطلع الأمر.
نديم بانفعالٍ طفيف:
- طيب مستنيين إيه يا متر؟
- كنا مستنيين وصول حضرتك انت ومهران بيه. حالًا هانتحرك.
وبالفعل. تقدّم كلًا من فرديّ الشرطة. واتجهوا جميعًا صوب بوابو القصر. تمكنوا من تخطّي الحراسة بمجرد إشهار الشرطة بطاقات الهوية، بينما يبعث البواب خبرًا لأهل المنزل. ولج "نديم" متقدمًا عمه، جسده كله متصلّبٌ، متأهبًا لاقتراف جرمًا إن لزم الأمر. كوّر قبضته ما إن وصل أمام الباحة الداخلية ورآى المدعو "زين نصر الدين في المقدمة، من خلفه برز "رياض نصر الدين" مفترًا ثغره عن ابتسامة متشفيّة.
- مش معقول مروان باشا وأشرف باشا مرة واحدة! .. هتف "زين" مرحبًا بجماعته.
إذ بدا وكأنه صديقًا لهما. قابلاه الرجلين بابتسامةٍ حفيّة، تصافحوا بينما يقول "زين" متجاهلًا وجود البقيّة دونهما:
- لعله خير يا مروان باشا. يعني طول الوقت بتحايل عليكوا في الزيارة بصورة وديّة ف يوم ما تدخلوا بيتي يبقى رسمي؟ هُزلت!
ضحك الرجال الثلاثة، ورد "مروان" بصوتٍ أجشش مغلف ببعض الرسمية:
- معلش يا دولة خليها عليك المرة دي واستحملنا. جايين بتكليف والله.
رفع "زين" حاجبه قائلًا:
- أوف. للدرجة دي؟ خير طيب!
أشهر النقيب "مروان" أمر التفتيش أمام عينيّ "زين" قائلًا:
- الأستاذ مهران الراعي مقدم بلاغ في النيابة بيتهم فيه جدك يا باشا بخطف بنته ليلى مهران الراعي من بيتها. وده بإثبات زيارة رياض بيه لبيت مهران بيه إنهاردة الصبح. ف النائب العام شخصيًا حرر امر التفتيش. سيادك عارف التعليمات يا زين باشا. صج؟
علت زاوية فم "زين" بابتسامةٍ تهكمية وهو أخيرًا يمرر ناظريه نحو "نديم" مرددًا:
- أكيد عارف. بس للأسف. في مشكلة يا مروان باشا!
وظهر في هذه اللحظة فردٌ آخر من العائلة، كان يقف وراء "رياض" مباشرةً لكن لم يلاحظه أحد تمامًا. كان "سليمان نصر الدين". أقبل ليقف إلى جوار "زين" الذي عرّفه أمامهم بهدوءْ شديد:
- أقدم لكوا سيادة النائب سليمان نصر الدين. عضو في البرلمان. وعلى فكرة. هو صاحب البيت ده. مش جدي.
- يعني إيه؟.. خرج السؤال الحاد من فم "مهران".
بينما ظل "نديم" صامتًا. واجمًا إلى حدٍ مريب وكأنه أدرك اللعبة. إلا إن لا يمكن التنبؤ بردة فعله.
جاوبه "سليمان" بنفسه على هذا السؤال قائلًا:
- يعني محدش يجدر يخطّي حدود البيت ده. لأنه بيتي. على اسمي.
- أفــنــدم!!! .. صاح "مهران" بغضبٍ.
استدار "مروان" نحوه قائلًا بتحذير:
- من فضلك يا مهران بيه هدوء.
مهران بغضب أشدّ:
- هدوء إيـه؟ أنا بنتي جـوا. أنا مش مـاشي من هنـا إلا وهـي في إيـدي.
تدخل "أشرف" قائلًا بهدوء:
- يا مهران بيه مشكلتك إحنا مش هانعرف نحلها. سليمان بيه عنده حصانة.
مهران بعصبية:
- يعنـي إيـه عنـده حصـانة؟؟؟
مروان:
- يعني فوق مستوى الشبهات يافندم. ماينفعش أي حد يحرر ضده محضر ويتطبّق عادي كده إلا بدليل دامغ. والدليل إللي معاكوا يخص رياض بيه مافيش حاجة تمس سليمان بيه. والبيت ده بأسمه هو. بالتالي مش هانقدر نفتشه. إحنا بنعتذر جدًا ليكوا!
رواية هيبة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم مريم محمد غريب
أخيرًا نطق لسان "نديم".
بكل برودة أعصابٍ ردد:
"تمام يا حضرة الظابط.. سليمان بيه عنده حصانة ومحدش يقدر يتهمه.. تمام.
لكن رياض بيه بقى. أنا بتهمه بالتعدّي عليا في بيتي إنهاردة والكاميرات مصوّراه. وكمان بتهمه بخطف بنت عمي.
مش هامشي من هنا إلا وهو سابقني على قسم الشرطة عشان أحرر ضده بلاغ رسمي!"
ران الصمت المطبق من حوله.
اعتلت ثغره ابتسامة بالكاد تُرى، بينما نظرة مستوحشة راحت تمسح مناظرهم بهدوءٍ فتّاك.
آل "نصر الدين" قد بوغتوا حقًا.
جميعهم يحدقون به كأنما على رؤوسهم الطير، ثم تبادلوا النظرات فيما بينهم، حتى قال "زين" رافعًا أحد حاجبيه وهو يخاطب جده باقتضابٍ:
"وماله يا جدي. مافيهاش حاجة.. هاتيجي معايا في عربيتي ونروح القسم كلنا."
وأدار رأسه ناظرًا مباشرةً إلى "نديم" وتابع:
"ونحرر المحضر في مكتب مروان بيه. ده ليا في ذكريات.. كان مكتبي في يوم من الأيام."
انبعث صوت "رياض" ثابتًا جامدًا كالصخر:
"إللي تشوفه يا ولدي.. إللي تجول عليه هانفذّه."
أومأ "زين" آخذًا بيد جده، تبعهما "سليمان نصر الدين" قائلًا:
"أنا جاي معاك يا عمي.. ماتجلجش."
كان "نديم" رافعًا بصره لأعلى، صوب إحدى النوافذ، خيّل إليه أن طيفها ربما مرّ هناك.
ظل يحدق لبرهةٍ، حتى أحس بيد عمه تشدّه برفقٍ وسمعه يقول بصوته العصبي:
"يلا يا نديم!"
أدار رأسه رامقًا إيّاه في صمتٍ هادئ.
ثم سار معه مستبقًا البقيّة إلى سيارته.
***
حالة إنهيارٍ تام ألمّت بها.
بمجرد أن لفت نظرها طيفه عبر زجاج النافذة المقوّى، قفزت عليها محاولة فتحها، لكنها مغلقة بإحكامٍ.
ضربت اللوح الزجاجي بيديها ورجليها، أصابها الجنون وهي تراه بالأسفل.
إنه هنا، جاء لأجلها، لكنها لا تقدر على بلوغ ذلك المعتقل لتصل إليه.
"نـديــــــــم.. نــديـــــــــــــــــم.. نـــديـــــــــــــــــــــــيم.. أنا هنــــااااااااااااا. يا نــديــــــــــــــــــــــــــــــيم ..."
لكن لا حياة لمن تنادي.
لا يسمعها، لا يراها!
لم يكن وحده، كان أبيها بجواره، لكنها لم تنادي، لم تصرخ إلا بأسمه.
لكنه أبدًا لا يسمعها.
حتى رأته يرفع رأسه فجأةً متطلعًا ناحيتها، تقسم أنه نظر إليها، فأشرقت عيناها بسعادة وهي تتقافز بمكانها صارخة بأسمه أشدّ.
إلا أنه ما لبث أن أشاح بوجهه مغادرًا برفقة أبيها، غادر ببساطة، وغادرت الشرطة معه، وبقيّة هؤلاء الذين يدّعون أنهم أهلها.
تفاقم إنهيارها حتى سقطت فوق الأرض مجهشة ببكاءٍ مرير، لا يمكنها أن تصدق مدى بشاعة الكابوس الذي تعيشه، كابوسٍ لا تستطيع الصحو منه.
***
كان البيت هادئًا.
حتى عندما وفدوا إليه رجالا بيت آل "الراعي" مطالبين بربيبتهما.
إلا إنه الآن كان أبعد ما يكون عن الهدوء، ولو كان ظاهريًا!
اقتحمت القصر بعد رحيل كباره بدقائق قليلة، ابنة الكهل الكبرى، وتدعى "غنيمة".
جاءت برفقتها بضع من النسوة، وشاب عشريني يرتدي الزّي الصعيدي، جلباب داكن وشالٍ من الصوف ألقاه حول عنقه.
استقبلتها السيدة "رؤيا" والدة "زين" بحفاوةٍ يغلفها القلق:
"أهلً أهلًا يا حجة غنيمة.. القصر نوّر يا حبيبتي."
"بوي فينه يا رؤيا؟"
سألتها "غنيمة" محتدة قبل أن تستهلّ أيّ كلام.
جاوبتها "رؤيا" بثباتٍ مفتعل:
"الحج رياض راح مشوار مع سليمان وزين ابني.. مش هيأخروا يا حبيبتي. على ما تطلعي أوضتك ترتاحي وآ ا .."
"مافيهاش راحة!"
قاطعتها "غنيمة" للمرة الثانية بحدة أكبر.
أجفلت "رؤيا" ملقية نظرة صوب "شهد" ابنة صهرها "سليمان" والخطيبة المتوقعة لـ"زين" قريبًا.
"فين بت دهب؟"
عاودت "رؤيا" النظر نحو "غنيمة" قائلة بتوتر:
"فوق يا حجة.. أوضتها فوق جنب أوضة الحج رياض."
أومأت "غنيمة" مرارًا، ثم نظرت إلى ابنها قائلة بصرامةٍ:
"مشّي يا كرم. كلّم جدك شوفه فين وروحله.. إللي هايجرى هنا ماينفعش راجل يحضره. ده شغل حريم."
أطاعها "كرم" مرددًا بصوته الغليظ:
"أمرك ياست الناس.. بالإذن."
واستدار مغادرًا.
بينما تتطلّع "رؤيا" إليها متسائلة بإجفالٍ مستمر:
"خير يا حجة. فهميني إيه ده إللي هايحصل؟ ومين الستات دول؟"
غنيمة بحزمٍ:
"مالكيش صالح يا رؤيا. ده بيت النصراوية. يعني بيتي. وكل إللي فيه يلزمني. تجعدي وتتفرجي وماسمعش صوتك. مهما شوفتي ولا سمعتي.. مفهوم؟"
تسمرت "رؤيا" عاجزة عن الرد، لتهدر بها الأخيرة زاجرة:
"مـفهـــوم؟؟؟"
أنتفضت "رؤيا" مفزوعة وهي تردد:
"مفهوم يا حجة. مفهوم طبعًا.. البيت بيتك انتي حرة!"
شمخت "غنيمة" بأنفها دون أن تحيد عنها، ثم نظرت نحو "شهد" قائلة بلهجةٍ آمرة:
"بت يا شهد.. اطلعي جِدامي.. وديني لبت دهب."
شهد ببراءتها المتكلفة:
"حاضر يا عمتي.. أتفضلي معايا."
وتقدّمتها "شهد" نحو الدرج، تبعتها "غنيمة" معها النسوة ذوات الأردية السوداء، بينما بقيت "رؤيا" بالخلف تدعو وتتضرّع بأن يمر هذا اليوم بخيرٍ وسلام.
إلا إنها تشك.
في وجود امرأة جبّارة كـ"غنيمة".. فإن أبيها بكل ما يملك من سلطة وبطش.
لكنه أحيانًا كثيرة لا يقدر عليها.
فما بال المسكينة.. "ليلى"!!!
***
لم تكن "ليلى" قد أدركت بعد ما يدور حولها.
جسدها ما زال غارقًا في آثار الخطيئة، وروحها ممزقة بين ذنبٍ لا تعرف كيف ارتكبته، وخوفٍ لم تختبره بهذا الشكل من قبل.
لم تمضِ سوى ساعات منذ نُزعت من بيت الأب الذي احتضنها لسنواتٍ، واقتيدت عنوة إلى بيت الجدّ الذي لم تره من قبل.
والآن وأخيرًا.. ينفتح عليها باب الغرفة الموصد من الخارج كما تُفتح بوابة إلى الجحيم.
دخلت سيدة متشحة بالسواد أولًا، وجهها جامد، هرِم، ملامحها غليظة وقاسية، محيّاها لا يحمل أيّ أثر للشفقة.
خلفها ثلاث نسوة، تتشابه وجوههن في التجاعيد والغلظة والعيون الخالية من الرحمة!
قالت السيدة بنبرة قاطعة:
"إجفلي الباب يا أم سعيد!!"
أُغلقت إحداهن الباب، وانسحب الضوء الأخير من الخارج، وظلّت "ليلى" جالسة بمكانها أسفل النافذة، تنظر إليهن وكأنها ترى أشباح وليس بشر.
"إنتي.. إنتي مين؟"
تساءلت "ليلى" وهي تتحامل على نفسها لتقوم واقفة.
اقتربت منها خالتها في الواقع، ثم قالت وقلبها كأنه حجر:
"أنا غنيمة. بت العمدة رياض البكرية. فخره وشرفه. أنا كبيرة البيت ده بعد أبوي.. أنا إللي جدرت أمسح عار أختي بجوزي وعيالي. أنا خالتك للأسف. وجيت أمسح عارك انتي كمان. أدام أبوي مصمم يرجعك."
هزت "ليلى" رأسها وهي تبسط كفّها فوق بطنها غريزيًا في حركة دفاعية:
"أنا ماعرفكيش! انتي مش خالتي. أنا ماليش خالات."
غنيمة بسخرية:
"ياريت كان صوح.. بس هانعمل إيه؟ قدرك. زي ما هو قدر إللي في بطنك يموت على يدي أنا!"
عبست "ليلى" بشدة مرددة بحدة:
"هو مين ده إللي يموت يا ست يا مجنونة انتي؟ طب جرّبي تقربي لي كده. ده أنا أكلك بسناني. إللي بتتكلمي عنه ده يبقى إبني. أنا ليلى مهران الراعي يا شوية مجانين. مرات نديم الراعي. وإللي في بطني ده ابنه وإبني!!!"
ضحكت "غنيمة" وهي تقول بازدراءٍ:
"إبنك؟ ولد الحرام أكرم له يموت. يا خاطية. كنّي باصّة لدهب. طالعة شبه أمك يابت في كل حاجة. وفاجرة كمان كيفها!"
لم تحتمل سماع المزيد من الترهات، همّت "ليلى" بالهرب، لكن النساء حاصرنها كجدار من اللحم الغليظ.
حاولت أن تفلت من بين أيديهن، دفعت واحدة بذراعها وهي تصرخ:
"ابعدوا عني! أنا حامل!"
صاحت خالتها وهي تشير نحوها بلا أدنى شفقة:
"مسكوها كويس. ماعيزهاش تفلفص منيكم."
أمسكت بها واحدة من الخلف وقد أفلحت بأن تطرحها أرضًا، شدّت ذراعيها بقوة حتى شعرت "ليلى" وكأن كتفها سينخلع، بينما الأخرى أمسكت بساقيها لتمنعها من الركل.
لم تتوقف "ليلى" عن الصراخ، جسدها يُشدُّ في الاتجاهات كلها، يؤلمها، ولكنها لا تكترث سوى لتلك الحياة الصغيرة التي تحملها في أحشائها، أرادت لو تفديها بعمرها، أن تموت هي أولًا قبل أن يمسس جنينها سوء.
"سيبوني.. حرام عليكوا.. أنا عملت إيه.. أنا ماعرفكوش.. سـيبووووونـي ..."
بدأت إحداهن تفتح كيسًا صغيرًا، وتخرج منه أداة معدنية ملتوية، صدئة بعض الشيء، تلمع تحت الضوء الخافت للغرفة، ومعها زجاجة بها سائل غريب الرائحة.
اقتربت منها، والسيدة "غنيمة" تمسك بوجه "ليلى" وتجبرها على النظر في عينيها قائلة بصوتها الغليظ:
"اسمعيني كويس.. إللي هايحصل دلوق هاينجدك من مصير لو كان بيدّي كنت صممت عليه. إللي في بطنك هايموت بدالك. وتحمدي ربك.. ده مش جتل. ده تطهير!"
صرخت "ليلى" مرةً أخرى بصوت كأن قلبها ينفجر عير حنجرتها:
"لأ. لأااااا مش هايموت. موتوني أنا الأول. موتوني أنا. يا نـديــــــــم .."
لكن صوتها لم يجد سبيلًا للوصول خارج جدران الغرفة المغلقة.
أحسّت بيد القابلة وهي ترفع ساقيها، وتمسك الأخرى بالسائل وتسكبه بين فخذيها، سائل حارق، بينما "ليلى" لم تتوقف لحظة واحدة عن المقاومة بشراسة، بكل ما أوتيت من قوة.
لكن أين قوتها الضئيلة من قوة سواعد النسوة البدينات المخيفات؟
"وجع يوم أرحم من فضيحة عمر!"
قالتها "غنيمة" بقساوة.
ثم أعطت الإشارة بالبدء.
وسط صراخ ليلى وارتجاف جسدها كله.
كان الألم لا يُحتمل، عنفٌ بدائي، وحقد لا تفسير له، وصرخات تتكرر حتى اختلطت بالدم والدوار والغثيان، بينما صرختها الأخيرة تضج بالغرفة كلها:
"نـــديــــــــــــــــــــــــــــــــيم!"
رواية هيبة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم مريم محمد غريب
لم تكن "ليلى" تبكي، ولم تعد تصرخ حتى.
كان جسدها ساكنًا، إلّا من ارتجافٍ خافتٍ يسري في ساقيها المخدرتين، كأن الأرض تسحبها من تحتها ببطء، وتبتلعها دون صوت.
فوق الأرضية الباردة، تمددت كدميةٍ أُفرغت من قطنها، عيناها مفتوحتان باتساعٍ غير طبيعي، تحدقان في سقفٍ شاحبٍ، تحوّلت فيه شقوق الطلاء إلى خيوطٍ عنكبوتية خيّل إليها أنها تلتف حولها.
الدم، كان هناك، الكثير منه. بلونه، برائحته المعدنية الحارّة، بصفاقته التي لوّثت أطراف ثوبها وركن الحجرة وقطعة القماش التي وُضعت تحتها بإهمال.
أنفاسها كانت تقطع الصمت على هيئة شهقة مكتومة، وكأن الهواء عالق في حنجرتها، لا يعرف طريقه للخروج.
"علجة تفوت ولا حد يموت!"
صوتٌ بعيد، متكسّر، كأنه يصدر من بئرٍ بعيدة، لم تتعرف على الصوت الذي خاطبها، ولم تهتم.
بينما خالتها تهمس وهي تربّت على كتفها المرتجف، لكن يدها لم تكن حانية، كانت يدًا خشبية، ثقيلة، متوترة، تخفي شعورًا غريبًا لا يشبه الندم، بل الحقد، والكراهية فقط.
"تسلم يدك يا أم سعيد."
في الزاوية، كانت إحدى النسوة قد نهضت، أصابعها ترتجف وهي تمسك بمنديلٍٍ أبيض، لم يعد أبيضًا.
تقدّمت نحو السيدة "غنيمة" ببطءٍ ثقيل بعد المجهود الشاق الذي بذلته للتو، رفعت المنديل، فتحته قليلًا أمام عينيّ مخدومتها.
كان هناك شيء، لا ملامح، لا وجه، مجرّد قطعة لحم صغيرة تشبه المضغة، ملتفّة على نفسها، كأنها تحاول الاختباء من العالم الذي لفظها قبل أن يُنطق اسمها.
"مات العار بموته!" قالتها "غنيمة" وهي تشيح بوجهها عن الجنين الذي سلبته حياته للتو.
ثم نظرت إلى "ليلى" المسجاة أرضًا وهي تردد بخفوتٍ:
"ماراحش مرادي يا دهب.. لو كنت طولتك زمان كنت جتلت بتّك. إمبارح كنت جتلت بتّك. وجتلت ولدها!"
لم ترَ "ليلى" أو تسمع شيئًا. لكنها شعرت، شعرت أن قطعة منها انتزعت، ماتت، قُتلت. وأنها لم تعد كما كانت. أن شيئًا ما انكسر للأبد، ولم يُصدر حتى صوت الكسر. هل تبقى؟
البقاء بدا أبخس ثمن لقاء الحياة التي خسرتها، ليتها بقيت تلك الحياة ورحلت هي، ليتها استطاعت حمايتها.
ظلّت أمنيتها معلّقة مع آخر أنفاسها الضحلة، ثم بدأ الظلام يلوح على مدّ بصرها المتضاءل بينما تسمع صياح إحداهن:
"إلحجيني يا أم سعيد.. البنيّة عاتنزف!!!"
***
في قسم الشرطة.
فوق أريكة مصنوعة من الجلد الرث، يجلس "نديم الراعي" مستقيمًا بجوار عمه "مهران".
نظراته ثابتة لا تحيد. وفوق شفتيه ظل تعبيرٌ جامدٌ لا يفصح عن شيء.
في الجهة المقابلة "رياض نصر الدين" وفوق أريكة أخرى أيضًا، جلس كجلمود من الغضب الصامت، وحفيده رائد الشرطة "زين نصر الدين" واقف خلفه، كظلٍّ مشدودٍ، قبضته تغلّف يد جده في صمتٍ واثق، بينما "سليمان نصر الدين" هادئًا إلى جوار عم، يتابع ما يجري بصبرٍ وأناة.
قبالة مكتب المأمور، جلس المحاميان لكلا العائلتين، وكلٌّ منهما يحمل حقيبته أمامه، كأنهما على وشك أن يبدآ حربًا باردة.
بدا المأمور، رجلٌ عجوز ذو وجهٍ متغضّن وشاربٍ أبيض، قلب عينيه بين الحضور، ثم استقر بهما على "نديم" الذي الهدوء والتحفّز في آنٍ.
تساءل المأمور بهدوء:
"أنا بس عايز أفهم.. الأنسة ليلى دي إيه علاقتها بالسيد رياض نصر الدين من الأساس؟ حابب أسمع منك يا أستاذ نديم!"
سحب "نديم نفسًا عميقًا، ثم أجاب دون أن يرفّ له جفن، بنبرة حادة كالسيف:
"بيتهيأ له إنها حفيدته من بنته إللي ماتت من سنين. وده بس عشان كانت في فترة على علاقة بعمي مهران."
وأشار إلى عمه دون أن يزيغ بصره عن المأمور، وتابع بصوته العميق ذي النبرة الساخرة:
"ف عقله خيّل له إنها تخصه. وجه أكتر من مرة يطالب بيها. بس المرة دي بقى خطفها!"
صار الهواء الغرفة خانقًا مشحونًا فجأة. صحيح "رياض نصر الدين" لم يتحرّك، لكن الدم صعد إلى وجهه حتى احمرّت أذناه، ونبض الوريد على عنقه كأنّه طبل حرب.
شدّ "زين" على يد جده بقوة، تمتم بخفوتٍ وهو يميل نحوه قليلًا:
"اثبت يا جدي. خليك هادي. وافتكر ان ده إللي هو عاوزه.. ماتديلوش فرصة يوّرطنا قصاد المأمور."
أذعن "رياض" لتوجيهات حفيده وإلتزم الصمت والهدوء مجبرًا.
بينما لم يتحمّل "سليمان نصر الدين" الصمت أكثر. انفجر واقفًا بصوته الخشن:
"إللي بيتقال ده عيب يا حضرة المأمور. إزاي يتهموا حد في مقام راجل زي عمّي بالخطف؟ محدش في مصر كلها مايعرفش مين هو رياض نصر الدين. الإتهام ده ودخلته القسم حاجة مش هاتعدي على خير!!!"
المأمور بإسلوبٍ حيادي يغلب عليه الحزم:
"سليمان بيه إحنا هنا في قسم شرطة. محدش يقدر يتعدّى على حد. ولو ماكنش أستاذ نديم معاه أدلة إن عم سيادتك كان عنده وبيتعدّى عليه كمان مكناش قعدنا القاعدة دي. وعلى فكرة أنا فاتح مكتبي للنقاش إكرامًا ليك. احنا عايزين نحل."
رفع محامي آل "نصر الدين" يده كمن يطلب حقّ الكلام، وقال بهدوء محسوب:
"بدون مقاطعة حضرتك. السيد رياض نصر الدين رجل محترم. وسيرته أصدق من كل الادعاءات دي. ومافيش أي دليل يُثبت التهمة إللي بيوجهها له نديم بيه الراعي."
قهقه محامي "نديم" بسخرية واضحة وهو يقول:
"التسجيلات موجودة يافندم وشهادة الحراسة إللي في الفيلا كمان. الأنسة ليلى اختفت إنهاردة بعد زيارة رياض بيه إللي جه يطالب بيها ويهدد مهران بيه ونديم بيه. لو مش هو السبب في اختفائها. يبقى مين في رأيك؟"
المأمور أطرق لحظة، ثم اعتدل في كرسيه، ضرب المكتب براحته ضربة واحدة خفيفة، وقال بصوتٍ حازم:
"كل طرف يسلّم إللي عنده. وهنبتدي إجراءات رسمية."
وسط صمت العائلتين، تقدم دفاع كلاهما بأدلة تفيد بتوّرط "رياض نصر الدين" في تهمة اختفاء "ليلى الراعي"، والأخرى تفيد بخروجه من منزل آل "الراعي" خاليًا، وأنه لم يذهب إلى هناك إلا لعرض عمل.
وهكذا تقدّم "مهران الراعي" بتحرير محضر الإتهام، وبدوره محامي الدفاع عن "رياض" تمكن من إخراجه من المخفر بكفالة مالية لحين البت في الإتهامات الموجهة إليه من قِبل النيابة العامة.
خرجوا جميعهم بعد فترةٍ وجيزة.
وعلى مضضٍ سار "مهران" مع "نديم" إلى خارج المخفر دون أن يطلع بروح "رياض نصر الدين" بيديه العاريتين.
"بقولك!"
إنتبه "نديم" لصوت رجولي آتٍ من خلفه، فإلتفت ليرى "زين" على مقربة منه، يبتسم له بتشفّى قائلًا بغمزة:
"ماتشدش على نفسك أوي هه. إحنا لسا بنسخن. رجوع ليلى لينا ده مجرد بداية.. من هنا ورايح هاتشوفني كتير."
أشاح "نديم" عنه لبرهةٍ مخاطبًا عمه:
"اسبقني على العربية يا عمي."
لم يناقشه "مهران". إذ بلغ التوتر والضغط العصبي منه مبلغًا. مضى نحو السيارة في صمتٍ، بينما أدار "نديم" رأسه صوب "زين" ثانيةً، اقترب منه كثيرًا، حتى صار فمه قريبًا جدًا من أذنه ليقول بلهجةٍ ثقيلة يضمر فيها كل نوايا الشر والسوء:
"خليك فاكر كويس. انت وجدك اتجرأتوا وسرقتوا حاجة تخص نديم الراعى. ردي على ده مش هايكون فوري. ولكن أوعدك. إذا ليلى مارجعتش الليلة. أنا هاسخّر كل يوم في عمري أدمر وأمحي سيرتك وسيرة نسلك كله. اعتبره عهد كمان يا.. حضرة الظابط!"
أطلق "زين" ضحكة مجلجلة وهو يرتد برأسه للخلف كي تلتحم عيناه بعينيّ "نديم" الأشبه بحقل نادر الخضرة قد دبّت فيه نيرانٌ مستعرة.
"طيب فرضًا كلامك وتهديدك جاب معايا.. اوعى تنسى إني صعيدي!"
واستحالت تعابيره لقتامة مكفهرة وهو يستطرد بلكنته الأم:
"وإللي انت عملته في بت عمتي مش هايتنسي واصل. وبعنيك دي هاتشوف مافيش أسهل من الغلط. والسكك الشمال.. صدجني. هاتندم. والندم مايهنفعش!"
أومأ له "نديم" وابتسامة متهكمة تعتلي ثغره، ثم وضع نظارته الشمسية على عينيه قائلًا ببرود:
"بكرة نشوف مين إللي هايندم."
ودون أن يضيف كلمة أخرى، استدار مولّيًا تجاه سيارته، لاحقًا بعمه.
بينما يحدق "زين" في إثره متوعدًا، أحس بهاتفه يهتز بجيب بنطاله مجددًا، تأفف بضيق وهو يسحبه ويرد اتصال أمه.
"نعم يا أمي. خير إيه المكالمات دي كلها؟"
فترت انفعالاته كلها فجأة، عندما سمعها تنقل له الأنباء الكارثية!
إلتفت رامقًا جده الذي يقف منخرطًا في حديثه مع المحامي، لا يدري ما فائدة الوقت، لقد وقعت كارثة حقيقية، ما من شيء ليصلحها!
رواية هيبة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم مريم محمد غريب
التفت "زين" ناظرًا صوب باب حجرة الفحص بالمشفى الخصوصي حيث يقف جده محاولًا استراق النظر عبر النافذة البيضاوية دون جدوى.
زفر بضيقٍ وسار تجاهه.
هتف بصوته المتزن وهو يقف خلفه مباشرةً:
- جدي.. إهدى شوية.. خير إن شاء الله.. تعالى أقعد هنا لو سمحت.
رد "رياض" دون أن يلتفت له:
- همّلني يا زين.. ماطيقش أسمع مخلوق.
زين بعدم تصديق:
- أده كده خايف عليها؟ ده انت ماتعرفهاش يا جدي!!
وهنا استدار "رياض" نحوه ببطءٍ وقال بنظرة خاوية:
- يبقى انت إللي عمرك ما عرفتني. انت يا زين.. أقرب واحد ليا.. ماتعرفش مين هو رياض نصر الدين.. مين هو جدك!
هز "زين" رأسه قائلًا في عبوسٍ:
- أنا أعرف مين هو رياض نصر الدين.. الراجل إللي محدش يقدره إلا ربّه. إللي كان عنده استعداد يقتل بنته بإيده لما جابتله العار. أنا لحد اللحظة دي مش فاهم يا جدي. انت رجعتها ليه؟ وخصوصًا بعد ما عرفت عملتها. عايز منها إيه؟
جاوبه "رياض" بلا تردد وهدوء يُحسد عليه:
- عايزك تتجوزها.
نظر إليه "زين" بذهولٍ للحظات بدت دهرًا، ثم قال:
- أتچوز مين يا جدي؟
رياض بصرامة:
- تتچوز ليلى. بت عمتك. انت أولى بيها.. انت إللي هاتقدر تحميها.
زين باستنكارٍ:
- إزاي عايزني أتچوزها وأنا ماشي في الخطة إللي اتفقنا عليها؟ أنا هاتجوز بنت السفير. بنت خالة الكلب إللي داس على شرفنا!!
أومأ له "رياض" وقال:
- وهاتتجوز ليلى كمان.. هاتتجوز الاتنين.
حدق فيه "زين" غير مصدقًا.
وما كان ليحيد عنه أو ينطق لدقائق، لولا خروج الطبيب المفاجئ.
إلتفت "رياض" نحوه بسرعة، واقترب "طاهر" واقفًا بجوار ابنه "زين".
- خير يا دكتور علوي طمنّي!
تنهد الطبيب الخمسيني تعبٍ واضح وقال بهدوء:
- أطمن يا حج رياض. البنت هاتبقى زي الفل. إحنا لحقناها وعملنا اللازم. لكن للأسف الجنين نزل. هي أصلًا وصلت وكانت أجهضت خلاص أنا ما لقيتش أي أثر للجنين. لكن بشكل عام لحقتها. ومش هايحصل لها أي مضاعفات أطمن وتقدر تحمل تاني وعاشر.
زفر "رياض" براحة غامرة وقال:
- الحمدلله.
- بس يا حج. إللي أنا شوفته ده مش طبيعي. دي كانت جريمة متعمدة يعني وفي ظروف أسوأ البنت إللي جوا دي يا كانت هاتنزف لحد الموت أو كانت هاتعيش طول عمرها ماتعرفش يعني إيه أمومة.
أومأ "رياض" بتفهمٍ قائلًا:
- أنا خابر يا دكتور.. خابر كل شيّ.
- أنا لاجلك بس مش هاعمل تقرير باللي حصل. لكن البنت دي في رقبتك يا حج صح؟
جاوبه "رياض" بصوتٍ أجش:
- دي بتي يا دكتور.. إللي يرشها بالمايّة أروشه بالدم. حقها راجع!
إنفرجت أسارير الطبيب براحة أكثر وقال:
- دقايق وننقلها غرفة خاصة.. هاتفضل تحت الملاحظة كام ساعة وبعدها تقدر تاخدها وتمشي يا حج. بس الراحة. لازم توفرلها راحة تامة. وكمان أنصحك باستشارة طبيب نفسي. إللي حصل معاها ده أكيد له تبعيات نفسية.
- هايحصل يا دكتور.. أطمن.
وأستأذن الطبيب منه عائدًا إلى غرفة الفحص.
بينما يستدير "رياض" صوب حفيده قائلًا والشرر يقدح من عينيه:
- زيـن.. خدني دلوق على القصر.. خدني لغنيمة!
دلف إلى المكتب حاملًا صينية القهوة، أغلق الباب خلفه بإحكامٍ واقترب من المجلس الصغير.
جلس أصغر أفراد عائلة "الراعي".. "ليث الراعي" إلى جوار أبيه، بينما "نديم الراعي" يجلس خلف المكتب الضخم، والمحامي قبالتهم لا يزال يناقش "نديم" حول القضية الأهم له مطلقًا.
- يا نديم بيه أنا مش عايزك تقلق خالص! .. قالها المحامي بلهجةٍ ثابتة:- القضية بتاعتنا في كل الأحوال. وانت الطرف الكسبان سواء استدلّينا بنسب أنسة ليلى لمهران بيه على الورق أو حتى في حالة الطرف التاني طعن في النسب وأثبتوا قرابتها ليهم. انت معاك حاجة مهمة جدًا. عقد جواز مدني صحيح 100% ده أنا موثّقه بنفسي. أطمن خالص.
نديم بصوتٍ حاد:
- أنا مايهمنيش كل ده دلوقتي يا متر. كل إللي يهمني ليلى. أنا عايز أرجعها بأي طريقة. عايزها الليلة دي تبات هنا في بيتي.
- الكلام ده مش ممكن يحصل إلا في حالتين. يا تخرج من قصر سليمان نصر الدين ودي هاتكون طريقة مشروعة تحت إشراف قوة أمنية. يا تلجأ لطريقة تانية غير مشروعة وتاخدها بالعافية.. ولكن مانصحكش. هاتبقى حرب وجنايات مالهاش آخر.
ينفعل "نديم" بغتةً ضاربًا سطح المكتب براحة يده:
- أومال تنصحني بإيه يا متر؟ ليلى دي مراااااتـي. انت بقـى عندك علم بالقصـة خـلاص. مش بنـت عمـي. بس مراتـي. وحامـل كمان. شوف لي أي طريقة أرجعها الليلة دي مش بكرة!!!
كانت الصدمات تهوى فوق رأس "ليث" تِباعًا.
تأكيد "نديم" لعدم نسب "ليلى" للعائلة.. خبر زواجهما.. و.. حملها منه!!!
متى؟ متى بحق الله صار كل هذا؟!!
إلتزم الصمت، منصتًا لبقيّة الحوار.
- أنا متأسف جدًا يا نديم بيه. مافيش في إيدي حل فورى. لو تحب هاطلع على النائب العام وأحرر محضر جديد وأقدم فيه عقد الجواز. ده هايبقى حل أسرع في حالة رياض نصر الدين قدم طعن وطلب إثبات نسب أنسة ليلى له.
عقد "نديم" حاجبيه بشدة مرددًا بجمودٍ:
- ده هايبقى الكارت الأخير يا متر.. أنا مش هاعرض ليلى لأي صدمات. كفاية الصدمة إللي أكيد خدتها إنهاردة. بس وعزة إلل خلقها. ما هاعدّي كل ده على خير.. أرجعها الأول بس!
لم يبقى شيء يقدمه المحامي بعد جلسةٍ طويلة استمرت لساعاتٍ، فنهض طالبًا الرخصة ليرحل.
سمح له "نديم".. ليبقى وحده الآن برفقة عمّه وابن عمّه الشاب.
واتت الفرصة "ليث" الآن.
نقل بصره بين أبيه وابن عمه قائلًا:
- أنا مش قادر أصدق إللي بسمعه من الصبح.. انتوا الأتنين بتلعبوا بينا كلنا طول العمر ده؟
مهران بضيقٍ:
- ليث أنا مش فايق نهائي لأي تبريرات. وماعنديش كلام.
- يعني إيه ليلى مش أختي يا بابا؟ .. قاطعه "ليث" متسائلًا بنزقٍ.
تسمّر "مهران" ولم يرد عليه.
فاستطرد منفعلًا وهو ينظر إلى "نديم":
- وانت يا نديم.. انت اتجوزتها إمتى؟ وكمان حامل منك؟ استغفلتنا كلنا؟ عشان كده مراتك سابت البيت ومشيت؟ إزاي جابك عقلك تعمل كده في أختــي؟؟؟
- مش أختـك!.. هتف "نديم" بصرامة.
جمد "ليث".. بينما يقول "نديم" بحدة:
- ليلى مش أختك يا ليث. ولا تقرب للعيلة دي أصلًا. وبالمناسبة مافيش أي حد هنا دلوقتي له الحق فيها غيري أنا. لا عمي. ولا انت. ولا حتى أهلها إللي خطفوها مني.. لأنها مراتي. معايا إللي يثبت ده. أقوى من إثبات عمي لبنوتها إللي 100% المحكمة هاتنفيه. وحتى أقوى من إثبات نسبها لأهلها. ليلى مراتي. وأنا بس صاحب السلطة الكاملة عليها. إنهاردة أو بكرة هاترجع لي غصبٍ عن أهلها من أكبر راس لأصغر راس.. فهمت بقى يا ليث إزاي جابني عقلي أعمل كده في ليلى؟
حدجه "ليث" بنظراتٍ مستنكرة وقال بهجومٍ:
- لأ. ماتبررش الوساخة دي بالمنطق الأوسخ ده.. انت ليه ماعملتش كده في النور؟ ليه اتجوزتها عند محامي؟ ليه مش على يد مأذون؟ ليه مش رسمي؟
مرّ بريقٍ ناري بمقلتيّ "نديم" الزمردتين، ارتعش صدغه وهو يكز على أسنانه لثوانٍ، قبل أن يقول ببرودٍ يحمل تحذيرٍ ضمني:
- مش كل حاجة لازم تعرفها يا ليث.. وأكيد أنا عندي أسبابي إللي ماتخصش حد غيري. فاهمني؟
كاد "ليث" يرد مجددًا، ليخرسه "نديم" هادرًا بعنف:
- مش عايز أسمع لك صوت تاني. الموضوع ده محدش يتكلم فيه معايا. إللي كان يقدر منكوا يمنع حد ياخدها. أو يقدر يرجعها دلوقتي حالًا. أنا هانسحب. هاشيل إيدي من كل ده. لكن طالما ماتقدروش تخطوا ناحيتها خطوة من غير ما قانون يوقفكوا أو جربوع زي جدها يقف لكوا. يبقى محدش يتجرأ ويلومني على أي حاجة عملتها.. أو هاعملها عشان ليلى ترجع. مفهــوم؟
أطبق "ليث" فمه بقوة عاجزًا عن أيّ رد.
لكنه لم يحتمل البقاء أمامه أكثر، هب واقفًا وغادر غرفة المكتب صافقًا الباب خلفه بقوة.
بينما يأخذ الغضب من "نديم" مأخذٍ، يتنفس بعنفٍ وهو يدور بمقعده للجهة الأخرى مسندًا رأسه إلى يديه، كان يشعر بدماغه على وشك أن يتحول إلى ركامٍ لشدة تفكيره المحموم اللا منقطع.
وفجأة يدق هاتفه، فيمد يده ويرد على المتصل بلحظةٍ:
- آلو!
المتصل: نديم بيه. الأنسة ليلى خرجت من قصر سليمان نصر الدين.
نهض "نديم" في أقل من ثانية ساحبًا سترته ومهرولًا إلى الخارج وهو يسأل الطرف الآخر بغلظةٍ:
- هـي فيـن؟
المتصل: في مستشفى "_______"!!
للحظة أحس كأنما توقف نبض قلبه، وتوقف عن السير كذلك وهو يتخيّل أبشع السيناريوهات.
ولا يسعه بعد ذلك إلا الهمس باسمها:
- ليلـى!
رواية هيبة الفصل الثلاثون 30 - بقلم مريم محمد غريب
لم يتصرف بتهور هذه المرة أيضًا، التزم بنصائح مستشاره القانوني، وهاتفه فور علمه بخروجها من قصر آل نصر الدين ونقلها إلى إحدى مستشفيات المدينة.
أتاه المحامي مصطحبًا معه رجلين من رجال الشرطة، كان ينتظرهم أمام المشفى. تقدمهم مقتحمًا البوابات حتى وصل إلى مكتب الاستقبال. وجه سؤاله الحاد مباشرة إلى الموظفة الشابة:
- ليلى الراعي.. فينها؟
تطلعت الموظفة إليه وإلى مرافقيه بنظرات متوجسة وقالت:
- أفندم!
نديم بانفعال:
- ليلى الراعي. الحالة اللي دخلت طوارئ من ساعتين فينهـا؟؟؟
- اهدى يا نديم بيه! تدخل المحامي مهدئًا إياه فورًا.
ثم تحول إلى الموظفة مستعلمًا بلباقة رسمية وهو يشير إلى فردي الشرطة. أبدت الموظفة تعاونًا فوريًا ما إن رأت شارة أحد الضابطين. أرشدتهم إلى قسم الطوارئ.
انطلق نديم من فوره إلى هناك. وجد فردين من الحراسة يقفان أمام البوابة المزدوجة يعترضا طريق أي دخيل. اقترب منهما والشر يفوح من بنيته الضخمة. وقف أحدهما بوجهه قائلًا:
- رايح فين يافندم؟
يباغته نديم بلكمة قوية في صدره هاتفًا:
- اوعى من وشي يا ابن الـ...
تراجع الأخير خطوة متأثرًا بلكمته، لكنه لم يتنحى من أمام الباب وقال بتصميم:
- عندنا أوامر من سليمان باشا محدش يدخل ولا يخرج من هنا إلا الدكاترة.
تفاقم سعير الغضب في نظرات نديم وصوته وهو يسبه وسيده، ليلحق به المحامي في هذه اللحظة ومعه فردي الشرطة. أمرا الحارسان بالابتعاد وقد أظهر الأعلى رتبة شارته الرسمية. أذعن كلاهما وابتعدا.
ليدفع نديم الباب براحته ويلج فورًا. بحث عنها بعينيه، فما لبث أن رأى سريرًا يحاوطه ستار خفيف. أخبره قلبه بأنه هناك. سار مهرولًا نحو السرير، واجتذب الستار بحركة حادة، ليراها!
كانت هي حقًا. اختلجت خفقات قلبه وهو يحدق فيها مأخوذًا، مشدوهًا، ومذعورًا. يتساءل ماذا حدث لها؟ ما الذي فعلوه بها؟ ويقسم بأغلظ الأيمان بداخله أن لا شيء سيردعه عن الانتقام لها من هؤلاء. لا شيء إلا الموت.
- ليلى! ردد نديم اسمها وهو ينحني صوبها.
معن النظر بوجهها الشاحب وعيناها المغمضتين، بدت وكأنها في عالم آخر. لولا أنها موصولة بالأجهزة الطبية لظنها ميتة! صغيرته.. ليلاه.. ما الذي حل بها؟
أخذ يمسح على شعرها بحنو بالغ هامسًا والدموع تملأ عينيه:
- أنا آسف يا ليلى.. آسف. مقدرتش أحميكي المرة دي.. خلفت وعدي ليك.
- أقسم وعزة اللي خلقك. هاخد لك حقك.. ولا هاسمح لمخلوق يمس شعرة منك بعد النهارده. هاتشوفي بعينك هاعمل فيهم إيه.
ينبعث صوت رجولي من خلفه في هذه اللحظة:
- مين حضرتك يافندم؟
اعتدل نديم في وقفته مستديرًا نحو الأخير. كان أحد الأطباء. نظر له نديم قاطبًا حاجبيه وقال بصوت أجش:
- أنا نديم الراعي. اللي ورايا دي ليلى الراعي.. بنت عمي ومراتي. إيه بقى اللي حصل لها بالظبط؟ وجت هنا إزاي؟ جاوبني صح يا دكتور لمصلحتك قبل مصلحة المستشفى اللي هاجيب درفها الأرض لو مراتي ما قامتش منها زي ما كانت.
عبس الطبيب وهو يرد بشيء من الاضطراب:
- المدام جت مع الحاج رياض نصر الدين وسليمان باشا.. قالوا إنها قريبتهم!
- مراتي مالها يا دكتور؟ تساءل نديم من بين أسنانه.
جاوبه الطبيب بشفافية مطلقة:
- المدام جت لنا في حالة إجهاض.
ارتعشت ملامح نديم للحظة وارتعشت أطرافه. التفت فورًا محدقًا فيها. كانت الصدمة مضاعفة الآن. أقوى من قدرته على تحملها. طفله، طفلهما.. قُتل!
- الأسباب جنائية لأن ده ماكنش إجهاض طبيعي!
يغمض نديم عينيه بشدة معتصرًا قبضته. أطلق نهدة مشحونة من صدره، وترىث حتى استعاد شيئًا من رباطة جأشه. ثم عاد لينظر إلى الطبيب ثانيةً وقال بهدوء مخيف:
- أنا معايا المحامي بتاعي برا وفردين من الشرطة.. عايز تقرير فورًا بحالة مراتي. المحامي هايستنى معاك لحد ما تجهزه. أما ليلى ف هاتخرج معايا دلوقتي.
الطبيب بتردد:
- أيوة يافندم بس.. رياض بيه!
سيطر نديم على انفعالاته في الحال قائلًا بتوعد:
- لو حاولت تعترضني يا دكتور هاسجنك مع رياض بيه.. وبردو ليلى هاتخرج معايا. إيه رأيك؟
نظر له الطبيب في حيرة ولم يرد. فاستدار نديم حاملًا ليلى على ذراعيه وهي متدثرة بغطاء السرير كما هي. ألقى نظرة مطولة في وجهها الباهت وهمس بصوت لا يسمعه سواها إن كانت واعية:
- ماتخافيش.. انتي رجعتي. مش هاتبعدي عني تاني أبدًا!
غـنـيـمــــــــــــــــــة ...
امتدت صرخة الرجل العجوز كمطرقة تُفتت سكون القصر. انتفض على إثرها كل من يجلس بالبهو. والدة زين السيدة فاتن محفوظ، وابنة سليمان نصر الدين، شهد، وكرم نجل غنيمة الشاب العشريني الغليظ.
انفتح باب المنزل بعنف أمام رياض نصر الدين. فاندفعت رياح الباردة إلى الداخل كأنها تفسح الطريق لغضبه. بينما أطلت غنيمة أخيرًا من أعلى الدرج، تنظر إلى أبيها وابتسامة باردة تعتلي ثغرها، تظهر بكل صلافة عدم خشيتها إياه.
- توحشتك يابوي! قالتها غنيمة بلهجة عادية وهي تهبط الدرج على مهل.
يرشق رياض نظرات كالرصاص فيها وهو يهتف بخشونة:
- جاتك الجرأة تيجي بيتي وتحلّي مكاني يا غنيمة؟ هاتندمي على عملتك. وما بجاش رياض نصر الدين لو ماندّمتكيش عليها!!
ساد صمت قصير، حتى وصلت غنيمة أمام والدها، لا تفصلهما إلا خطوتين. تجهم وجهها الآن وهي تسأله بصوتها المتحشرج:
- كل ده عشان إيه يابوي؟ عشان بت دهب؟!
يرتجف رياض من شدة الغضب وهو يصيح فيها:
- دهب دي تبقى بتّي أنا. وبتّها حفيدتي أنا.. دخلك انتي إيـه يا غنيمـة؟
غنيمة بلهجة نديّة:
- دخلي كتير يا حج. مش ده شرف العيلة بردو؟ انت بنفسك كنت هاتحاسب دهب لولا عزرائيل سبجك وخد روحها.
- أنا لسا عايش.. محدش يجرؤ يجف جصادي ولا يعمل حاجة بدالي.
- سمعت من لاول إنك مش ناوي تعمل معاها حاجة. ف كان لازم أعمل أنا.. وبعدين ليه غضبان جوي كده؟ بت دهب ماتت ولا إيه؟
هز رياض رأسه قائلًا بينما عيناه تلمعان بلهيب غيظه:
- لو ماتت كنت هادخلك جهنم وانتي واجفة إكده يا غنيمة!
رمقته بنظرة مقّت نقيّة، ثم قالت منفعلة:
- دي أخرتها؟ بتنصر الخاطية بت الخاطية ...
لم يكاد يرتد لها طرفها بعد إتمامها الكلمة الأخيرة، نزلت على صدغها صفعةً عنيفة من كفّ أبيها، حتى أن الهواء خرس على إثرها. وقف أفراد العائلة يراقبوا فقط في ذهول، عدا كرم الذي اعتراته الحمائية على أمه، لولا أن جمدته هي في مكانه بإشارة من يدها، ثم أدارت وجهها ببطءٍ لتنظر إلى أبيها مجددًا.
- سيرة بتّي ماتجيش على لسانك تاني يا غنيمة! قالها رياض بلهجة أكثر هدوءًا، وأردف: ومافيش خروج ليكي من البيت ده إلا لما ليلى ترجع.. وهي بس إللي تجول تاخد حجها منك كيف.
لم تنطق غنيمة بكلمة، فقط تحدق فيه، لا يشغل عقلها سوى كرامتها التي أهدرت سلفًا بسببه عندما زوجها لرجلٌ أشقاها بعشرته طوال حياته معها، واليوم أراق ما تبقى من ماء وجهها بصفعه لها أمام أفراد العائلة. امرأة في عمرها ومقامها أهينت لأجل فتاة كان مجيئها نكبة على العائلة!!!
- جدي!
انتبه رياض لصوت حفيده، ليرد دون أن يرفع عينيه عن ابنته:
- عايز إيه يا زين؟
مال زين على أذن جده يهمس له بالنبأ العاجل. انتفض رياض بغضبٍ، ليمسك زين بذراعه مشددًا عليه وهو يقول ببرودة أعصاب:
- ماتقلقش.. أنا عارف هارجعها إزاي.
نظر له رياض مطوّلًا، لكنه هدأ في الأخير مودعًا فيه كل ثقته، ولأنه يعرف أن الحرب عليها لن تكون سهلة من بدايتها. وعليه أن يتحلّى ببعض الصبر. فأقله أن ليلى قد عرفت الحقيقة. وعرفت من تكون وإلى من تنتمي.
تجلس وحيدة بالترّاث المطل عبى الباحة الرئيسية. تسند ذرقتها إلى يدها وهي ترنو صوب البواب، لم ترى إلا أفراد الحراسة ذاتهم، أما هو.. فلم يظهر البتّة!
قلبت شفتها السفلى بحزنٍ وهي تردد أسمه بصوتها الأنثوي ذي الطابع الطفولي:
- اتأخرت ليه يا زين؟
- ريري!
ارتعدت عندما ناداها صوت شقيقها بغنةً. إلتفتت نحوه محملقة فيه بعيناها الزرقاوان، ابتسمت له بتلقائية قائلة:
- عمر.. صباح الخير.
أقبل عليها عمر مبتسمًا بإشراقٍ، يتأملها بزهوٍ وحسرة في آنٍ. لديه أجمل أخت في العالم، فتاة كانت لتكون حلم أي رجل ذا مكانة وقيمة. لكن قصور عقلها الذي أطاح بحظها لم يكن له علاجٌ قط. ويزداد حزنًا بمرور الأيام عليها، يا لها من خسارة، أن تمتلك كل هذه المقوّمات ولا تنتفع منها بشيء. بل قدرها أن تمضي بحياتها وحيدة، بلا رجل، بلا أطفال، ولعله يختفي من حياتها يومًا ما. فماذا ستفعل من دونه؟ ماذا سيكون مصيرها!!!
- إيه يا حبيبي قاعدة لوحدك هنا ليه؟
وازداد اقترابًا منها، شدها بلطفٍ من رسغها ليضمها إلى صدره، تسند ريهام رأسها فوق قلبه مرددة:
- بابي كان واعدني بفسحة إنهاردة.. بس صحيت مالقتش حد!
تنهد عمر بحرارة هازًا رأسه بيأسٍ، ربت على كتفها قائلًا بحنانٍ:
- انتي زعلانة يعني عشان كنتي عاوزة تتفسحي؟ كنتي هاتروحي فين؟
- Theme Park.
- ملاهي! طيب يا روحي ماتزعليش. أنا أوديكي.. بس إيه رأيك نفطر سوا الأول؟ أنا هاعملّك الأومليت إللي بتحبيه بإيدي.
أرادت أن تبتعد، فرفع يديه عنها، نظرت له قائلة بذات النبرة الحزينة:
- لأ.. ريرير مش عايزة تتفسح.
عمر عابسًا بغرابة:
- الله! ليه يا حبيبتي؟ بقولك أنا إللي هافسحك!
هزت ريهام رأسها رفضًا وقالت:
- لأ.. مش عايزة أتفسح معاك يا عمر.
عمر بدهشة:
- ليه كده.. انتي زعلانة مني؟
- لأ مش زعلانة منك.. بس مش عايزة أتفسح معاك.
رفع حاجبه متعجبًا منها بشدة، لكنه اتبع معها سياسة اللين. يعرف جيدًا كيف يعاملها في كل أحوالها. ابتسم ببساطة قائلًا:
- طيب يا حبيبتي. إللي انتي عايزاه. تعالي نفطر دلوقتي وبعدين نشوف هانعمل إيه؟
أومأت له على مضضٍ. فسحبها برفقٍ إلى الداخل، أجلسها أمامه بالمطبخ المفتوح وباشر فتح البرّاد ليري محتواياته، أخرج مجموعة من البيض والخيز والخضروات، وبدأ بإعداد وجبة الفطور لكليهما. لم يفوت لحظة دون مراقبتها جيدًا، وأعتمل القلق بصدره كلّما رآها تزداد شرودًا وملامحها الجميلة يسودها حزنًا جليًا. يريدها فقط أن تتكلم وتخبره ما الذي يؤرقها، هل هو والدهما؟ لأنه إن كان هو فلن يثنيه شيئًا عن أخذها والمغادرة من هنا فورًا. يكفيه ان قد أجبرها على البقائ معه طوال الأيام الفائتة. لن يسمح له بتدمير سلامها النفسي، النعمة الوحيدة التي تحظى بها.
أنهى عمر تحضير طبقها، وضعه أمامها وصب لها كأسًا من العصير وهو يقول بمرحٍ:
- اتفضلي يا أنسة ريري.. أحلى فطار لأحلى برنسيس في العالم.
ابتسمت له بلطفٍ وقالت برقتها الفطرية:
- شكرًا يا عمر.
وبدأت تأكل وجبتها اللذيذة بدون شهيّة. لاحظ عمر هذا أيضًا، لكنه لم يعلّق، حتى كفت بعد بضع لقيمات ورفعت عينيها إليه قائلة:
- ريري شبعت!
سألها عمر مباشرةً:
- مالك يا ريري؟ إيه إللي مزعلك يا حبيبتي؟ باباكي مزعلك؟
جاوبته بتلقائية:
- لأ.. بابي مازعلنيش.
تابع سؤالها بصبرٍ:
- أومال مالك يا قلبي؟ قوليلي. بتخبي عني يعني؟
هزت رأسها أن لا. فتابع برفقٍ:
- قوليلي لو حد عملك حاجة.. هاخدك ونرجع الغردقة دلوقتي حالًا لو حد زعلك!
ردت مسرعة:
- لأ.. مش عايزة أمشي.. أنا مبسوطة هنا مع زين.
عقد حاجبيه وسألها باهتمامٍ:
- زين مين يا ريري؟
ابتسمت وهي تعرّفه إليه:
- زين.. الظابط إللي بيشتغل مع بابي.. كبير زي هالك وعنده عضلات في كل حتة!