تحميل رواية «حياة قاسية» PDF
بقلم مصطفى محسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أنا اسمي هند، عندي 22 سنة. معنديش إخوات، وعايشة مع أمي سناء وبابا وليد. بابا كان موجود في البيت، بس مش موجود في حياتنا. كان مهتم بنفسه وبشغله وبس. يرجع من الشغل، يقفل على نفسه الباب، وما يحبش حد يكلمه. لا بيسأل عني، ولا عن دراستي، ولا حتى عن أمي. أمي كانت بتحاول معاه كتير. كانت دايمًا تقوله يهتم بيا، ويقعد معايا شوية، وتقوله إن البنت محتاجة أبوها. كان يسمع كلامها، ويعمل بنصيحتها شوية، وبعدها يرجع زي ما كان. كبرت وأنا شايفة أمي بتعمل كل حاجة لوحدها، وهو موجود… بس كأنه مش شايف. مع الوقت، أمي تعبت....
رواية حياة قاسية الفصل الأول 1 - بقلم مصطفى محسن
أنا اسمي هند، عندي 22 سنة.
معنديش إخوات، وعايشة مع أمي سناء وبابا وليد.
بابا كان موجود في البيت، بس مش موجود في حياتنا.
كان مهتم بنفسه وبشغله وبس.
يرجع من الشغل، يقفل على نفسه الباب، وما يحبش حد يكلمه.
لا بيسأل عني، ولا عن دراستي، ولا حتى عن أمي.
أمي كانت بتحاول معاه كتير.
كانت دايمًا تقوله يهتم بيا، ويقعد معايا شوية، وتقوله إن البنت محتاجة أبوها.
كان يسمع كلامها، ويعمل بنصيحتها شوية، وبعدها يرجع زي ما كان.
كبرت وأنا شايفة أمي بتعمل كل حاجة لوحدها، وهو موجود… بس كأنه مش شايف.
مع الوقت، أمي تعبت.
بقت عصبية، تزعل بسرعة.
مش علشان هي وحشة، لكن علشان كانت لوحدها.
في مرة سمعتها بتقوله:
"إنت مش شايف بنتك بتكبر؟ محتاجك تكون في حياتها."
بابا قالها:
"هي بنتي، لوحدي."
أمي اتعصبت وقالتله:
"إنت الواحد ما ينفعش يعيش معاك."
من اليوم ده، المشاكل بدأت تكبر أكتر وأكتر.
خناقات دايمًا، وصوت عالي، لدرجة إن أعصابي كانت متوترة جدًا، وما كنتش بعرف أنام طبيعي.
وفي يوم، أمي قالت إنها مش قادرة تكمّل مع بابا.
قالت إنها تعبت من الإهمال، وإنها مستحمِلة سنين كتير، وجه الوقت اللي لازم ترتاح فيه.
ماما طلبت الطلاق.
والغريب إن بابا ما تمسّكش بيها، ولا حتى سألني رأيي.
قال لها بكل بساطة:
"بس كده… إنتِ طالق."
الكلمة دي ما فرّقتش في حياة أمي بس، فرّقت في حياتي أنا كمان.
بعد الطلاق بفترة، أمي اتجوزت.
وقالتلي إنّي دلوقتي لازم أعيش مع بابا، وأتقبّل حياتي اللي جاية.
حسّيت إن أمي مش متقبلاني، وإنها بتدور على حياتها هي.
قلت يمكن ده الأحسن ليا… إني أعيش مع بابا.
سابَتني ومشيت.
في الأول، بابا حاول يعوضني عن اللي فات، لكن مع الوقت رجع تاني نفس الإهمال ويمكن اكتر.
ساعتها عرفت إن أمي كان عندها حق.
كبرت وأنا معتمدة على نفسي.
ما بستناش اهتمام من اى حد، ولا وحتى نصيحة.
لحد ما بابا قرر يتجوز تاني.
وقتها كنت فاكرة إن اللي شوفته قبل كده هو الأسوأ…
ما كنتش أعرف إن اللي جاي أصعب.
رواية حياة قاسية الفصل الثاني 2 - بقلم مصطفى محسن
من أول ما بابا قال لي إنه ناوي يتجوز وأنا حاسة بحاجة ثقيلة على صدري، وقبل ما الجواز يتم كان بابا عاوزني أتعرف على مديحة وكانت بتيجي تزورنا على فترات، وكنت دائمًا بلاحظ نظراتها الغريبة لي، الغريب إنها ولا مرة سألتني عن دراستي ولا عن حياتي ولا حتى بحب إيه، وأكثر حاجة كانت مقلقاني ومش مريحاني أبدًا هي نظراتها لي.
يوم الفرح جاء والناس بتضحك والزغاريد مالية المكان وأنا واقفة وسطهم حاسة إني غريبة ومش في مكاني، وبعد الجواز مديحة دخلت البيت والإحساس اللي كنت بحاول أهرب منه رجع أقوى من الأول، قلبي اتقبض ونفسي اتخنقت ومكنتش مرتاحة لها خالص رغم إني ما شفتش منها أي حاجة واضحة تبرر الإحساس ده.
مديحة ما ظهرتش على حقيقتها مرة واحدة، قدام بابا كانت دائمًا هادية وطيبة وصوتها واطي وابتسامتها ثابتة وكانت بتقوله:
"هند دي بنتي وأنا زي أمها".
وأنا كنت مصدقة وكنت بقول في نفسي يمكن ربنا بيعوضني، أول أسبوعين كانوا طبيعيين جدًا لدرجة خلتني أحس إني كنت بظلمها في إحساسي ناحيتها.
لكن أول ما بابا بدأ ينزل الشغل ويسيبنا لوحدنا في البيت كانت بتبص لي من فوق لتحت بنظرة عمري ما شفتها قبل كده، قربت مني وقالت لي:
"لازم تعرفي إن أنا ست البيت ده وكلامي لازم يمشي بالحرف، ولو ما حصلش كده هتشوفي مني الوش الثاني".
أنا مكنتش مصدقة كلامها وكنت حاسة إنها بتهزر فقلت لها:
"على فكرة أنا ما بحبش الهزار ده".
فجأة مديحة قربت مني أكثر وضربتني بالقلم على وشي، وقعت على الأرض وأنا بأعيط ومش فاهمة اللي حصل، قربت مني ثاني ومسكتني من شعري وقالت لي:
"أنا مش بهزر أنا بأتكلم بجد وكلامي لو ما اتسمعش هأقص لك شعرك كله".
أنا بصراحة مكنتش قادرة أتكلم، نظرتها وشكلها كانوا غريبين لدرجة خوفتني، فقمت بسرعة غسلت وشي وبدأت أعمل كل اللي تقول لي عليه من غير ولا كلمة، بابا رجع من الشغل وبص لي وقال لي:
"مالك يا هند؟"
مرات بابا ردت بسرعة وقالت له:
"متكسفهاش يا وليد دي حاجات بنات".
بابا فهم حاجة ثانية خالص، وأول ما دخل الأوضة مديحة قربت مني وقالت لي:
"عارفة لو قلتي أي حاجة لباباكي هأقص لك شعرك وهأقلب لك حياتك كلها سواد".
بلعت ريقي وقلت بصوت متقطع:
"حاضر مش هأقوله حاجة".
بابا كان قاعد بيتغدى معانا وقال لنا إنه النهارده هيخرجنا مكان جميل نسهر فيه، هند قالت له بفرحة:
"بجد يا بابا ياريت على الأقل أغير جو".
فقال لها:
"خلاص قومي حضري لبسك".
هند قامت وهي مبسوطة إنها أخيرًا هتخرج وتفك عن نفسها من كل اللي شافته اليوم ده، بس مديحة دخلت وراءها الأوضة وشدتها من ذراعها وقالت لها:
"أنت مش هتيجي معانا أنت هتقولي لباباكي إنك تعبانة".
هند ردت عليها وهي مكسورة وقالت لها:
"هو أنت ليه بتعملي معي كده هو أنا عملت لك إيه؟"
مديحة بصت لها بحدة وقالت لها:
"وأنت أساسًا ما تقدريش تعملي حاجة أنا هنا ست البيت وكلامي لازم يمشي فاهمة".
هند هزت رأسها وقالت:
"حاضر".
وفي اللحظة دي باباها دخل عليهم وقال:
"في إيه يا مديحة؟"
مديحة ردت بسرعة وقالت له:
"هند تعبانة ومش عايزة تخرج".
باباها بص لهند باستغراب وقال لها:
"تعبانة من إيه؟"
هند قالت له:
"عندي صداع وممكن لما أنام أرتاح شوية".
باباها قال لها:
"طيب ارتاحي يا بنتي".
بس كانت نظرته لها غريبة كأنه حاسس إن في حاجة مش طبيعية بتحصل.
لما خرجت مديحة قربت من هند وقالت لها:
"أنت كده عاجباني ولو فضلت ماشية على النظام ده معي مش هتتعبي".
وبعدها خرجت، هند مسكت التليفون واتصلت بمامتها، مامتها ردت، هند قالت لها:
"يا أمي أنا مش عايزة أقعد هنا والنبي خليني أجي أقعد معك".
مامتها ردت بقلب قاسٍ جدًا وقالت لها:
"أنا قلت لك تقبلي حياتك وأنا ما ينفعش آخذك تعيشي معي خصوصًا إنك بنت وما ينفعش تعيشي مع راجل غريب".
دموع هند نزلت على خدها وقفلت الخط من غير ما تقول ولا كلمة.
ثاني يوم وليد دخل الشقة وهو مبسوط جدًا وصوته عالي وقال:
"فين هند فين؟"
مديحة بصت له باستغراب وقالت:
"في إيه يا وليد؟"
قال لها وهو مش قادر يخبي فرحته:
"في عريس محترم جدًا ابن صاحب الشركة اللي شغال فيها طلب مني إيد هند".
وش مديحة تغير فجأة وملامحها اتشدت بس حاولت تبان طبيعية.
في اللحظة دي هند خرجت من الأوضة وقالت وهي مستغربة:
"في إيه يا بابا؟"
وليد قرب منها ومسك إيديها بحنية وقال لها:
"جبت لك عريس ابن ناس ومحترم جدًا".
هند كانت مش مصدقة نفسها قلبها بيدق بسرعة وفرحة كبيرة مالياها وقالت:
"مين يا بابا؟"
قال لها:
"ابن صاحب الشركة".
لأول مرة هند حست إنها أخيرًا هتعيش في أمان وإن كل اللي فات ممكن يتنسي. بس للأسف اللي مستني هند ما كانش بر أمان زي ما كانت فاكرة، ده كان أسوأ بكثير من أي حاجة ممكن تتوقعها.
رواية حياة قاسية الفصل الثالث 3 - بقلم مصطفى محسن
هند كانت مبسوطة لأول مرة من قلبها. فكرة إن هيكون ليها بيت لوحدها وحياة بعيدة عن التوتر والخوف اللي ساكن في قلبها، كانت بتحلم بحياة هادية وباب يتقفل عليها من غير توتر ولا خوف.
وفي وسط فرحتها، كانت مديحة بتبصلها بصات غريبة، بصات فيها وعد، كأنها بتقول إن الفرح ده مش هيكمل. كانت ساكتة بس عقلها شغال، بتراقب هند وتفكر إزاي الجوازة دي ما تتمش.
بعدها بكام يوم، العريس جه يتقدم رسمي. البيت اتزبط وبابا كان مبسوط. والولد طلع محترم وهادي وأسلوبه كويس، كلامه موزون ونظرته مستقيمة. اتفقوا على كل حاجة من غير شد ولا ضغط. وهند حست إن الدنيا أخيرًا بتفتح لها باب. وبعدها تمت الخطوبة رسمي، الدبلة في إيدها والناس حواليها بتـبارك، وهي جواها إحساس جديد بالأمان.
لكن مديحة كانت واقفة بعيد، ملامحها جامدة وعينيها ثابتة على هند. وبعد ما اليوم خلص والبيت هدى، مديحة قربت من هند وقالتلها بهدوء:
"إنتي فاكرة إن الخطوبة دي هتكمل؟"
هند اتلخبطت وقالتلها:
"قصدك إيه؟"
مديحة ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
"أنا لو حبيت أخلّيها تبوظ هتبوظ، وهخليه يفتكر إنك مش قد الجواز ولا مسؤوليته."
هند حسّت إن الأرض بتسحب من تحت رجليها، لأنها عارفة إن باباها عمره ما كان بيسمع لها ولا بيدور على الحقيقة. ومن اللحظة دي، الفرحة بقت ناقصة، والخطوبة اللي كانت شايفاها نجاة بقت مهددة. وهند بقت عايشة بين خوفها من مديحة وحلمها بحياة نفسها تكمل بأي تمن.
بعدها بأيام، هند بدأت تخرج مع خطيبها. كانت بتضحك من قلبها لأول مرة، تمشي في الشارع وهي مطمّنة، تحكي وتسمع، وتحس إنها واحدة طبيعية زي أي بنت في سنها. وكل مرة ترجع البيت وهي مبسوطة، كانت مديحة واقفة تراقب من بعيد. ملامح وشها كان كافي، بتبصلها بعينين ومتابعة كل تفصيلة في حياة هند، كأنها بتسجل كل ضحكة وكل فرحة.
لحد ما جه اليوم اللي مديحة قررت فيه تحرّك اللعب. قعدت مع وليد ووشها مش مرتاح وقالتله بصوت هادي بس مليان قلق:
"بنتك وخطيبها مش مريحيني."
وليد اتنرفز وقالها:
"قصدك إيه يعني؟"
مديحة سكتت لحظة وقالت:
"أنا حاسة إن في حاجة بينهم مش طبيعية."
وليد علا صوته وقالها:
"انتي قصدك إيه؟"
مديحة حاولت تهدي الموقف وقالت:
"أنا مش بتتهم حد بس الإحساس ده مش راضي يسيبني."
وليد قالها بعصبية:
"انتي شفتي حاجة ومش عايزة تقولي."
مديحة هزت راسها وقالت:
"لأ أنا ما شفتش حاجة، بس سمعتهم."
وليد قرب منها وقالها:
"سمعتي إيه؟"
هنا مديحة لعبت دور الطيبة. وطّت عينيها وبصت في الأرض وقالت بصوت مكسور:
"أنا سمعت إنهم بيتقابلوا في شقته."
وليد وشه اتغير وقام مرة واحدة وهو ناوي يواجه هند. بس مديحة مسكته من دراعه بسرعة وقالتله:
"استنى مينفعش تعمل كده ومتنساش إن هند دي زي بنتي وأنا بخاف عليها."
وليد شد إيده وقالها بعصبية:
"وأنا لازم أعرف الحقيقة."
مديحة قالتله بهدوء مصطنع:
"خلينا نتصرف بالعقل."
وليد رد عليها:
"عقل إيه بعد اللي سمعتيه؟"
مديحة قربت منه وقالت:
"الحل إننا نمنعهم يقابلوا بعض لحد ما نتأكد."
ومن اللحظة دي، وليد بدأ الشك يدخل قلبه. ومكان الثقة اللي كانت هند لسه بتبنيه، بدأ يتكسر.
وليد دخل البيت ووشه مكشر وصوته عالي وقال لهند من غير مقدمات:
"انتي مش هتقابلي يوسف خطيبك ده تاني برا، وأي مقابلة بعد كده هتكون هنا في البيت وفي حضور مديحة."
هند بصتله وهى مصدومة وقالتله باستغراب:
"ليه يا بابا بتعمل كده، هو إيه اللي حصل؟"
وليد رد بعصبية وهو بيبعد بعينه عنها:
"أنا حر أعمل اللي أنا عاوزه."
الكلمة نزلت على قلب هند تقيلة. نفسها اتكسر ومقدرتش تكمل كلام. دخلت أوضتها وقفلت الباب وانهارت في العياط.
بعد شوية، مديحة خرجت الصالة كأنها كانت بعيدة ومسمعتش حاجة وقالت بنبرة هادية:
"في إيه يا وليد صوتك عالي ليه؟"
وليد رد وهو لسه متعصب:
"أنا منعت هند تقابل يوسف غير في وجودك وفي البيت هنا."
مديحة عملت نفسها متفاجئة وقربت منه وقالتله:
"ليه كده يا وليد حرام عليك دي هند محترمة."
وبعدين سابته.
دخلت أوضة هند، وعلى وشها ابتسامة خبيثة. قربت من هند اللي كانت قاعدة على السرير وعيونها حمرا من العياط. حطت إيدها على شعرها وقالت بصوت واطي:
"شوفتِ بقى أنا ممكن أعمل فيكي إيه."
هند رفعت وشها وبصتلها ودموعها نازلة وقالتلها:
"هو أنا عملتلك إيه لكل ده، ليه بتعملي فيا كده، حرام عليكي."
مديحة ضحكت ضحكة قصيرة وقالت:
"انتي فاكرة إني بعمل كل ده من فراغ؟"
هند مسحت دموعها وقالت باستغراب:
"قصدك إيه؟"
مديحة قربت منها أكتر وهمست في ودنها وقالت:
"أنا بنتقم منكم… لأنكم السبب في…"
وسكتت فجأة.
رواية حياة قاسية الفصل الرابع 4 - بقلم مصطفى محسن
سكتت فجأة وسابت هند واقفة قدام سرّ لسه مش فاهمة معناه، لكن حست إن اللي جاي أصعب بكتير.
مديحة وقفت عند باب الأوضة وقبل ما تخرج بصّت لهند وقالتلها بهدوء تقيل: "مع الوقت هتعرفي أنا بعمل كده ليه."
هند قامت من على السرير وهي بتعيط وقالتلها: "قولي وريحيني، بتعملي فيا كده ليه."
مديحة ما ردتش ولا حتى بصّت لها، خرجت وقفلت الباب وراها.
في اللحظة دي وليد كان واقف برا وشافها طالعة من أوضة هند فقالها: "كنتِ بتعملي إيه عندها."
مديحة غيرت ملامحها في ثانية وبقت هادية وقالتله: "البنت صعبانة عليا يا وليد، وهند كانت محتاجة كلمة طيبة."
وليد رد بعصبية: "بلاش تقوى البنت عليا يا مديحة، أنا عارف ازاى أتصرف مع بنتي."
مديحة وطّت صوتها وبصّت في الأرض وقالتله بنبرة طيبة مصطنعة: "بنتك في دماغها تمشى وتسيب البيت."
وليد اتجمد مكانه وقالها: "هي قالتلك كده؟"
مديحة هزت راسها وقالتله بصراحة: "أيوة."
في ثانية وليد غضب، ودخل أوضة هند من غير ولا كلمة. ضربها بالقلم وشدها من شعرها وابتدى يمسح بيها البلاط. هند كانت بتشهق من العياط وتصرخ ومش فاهمة إيه اللي حصل ولا إزاي أبوها اتحول بالشكل ده.
مديحة جريت عليهم وعملت نفسها ست طيبة وسحبت هند من إيده وقالتله: "حرام عليك اللي بتعمله فيها."
وليد وقف يبص لهند بنظرة قاسية ودخل الأوضة التانية وطلع كل هدومها وابتدى يقطع فيها واحدة واحدة. هند كانت منهارة من العياط ومش قادرة تستوعب.
وليد فتح باب الشقة ووقف وقال لمديحة: "البنت دي متخرجش من الشقة ولا لحظة، ويوسف خطيبها لو جه متفتحلوش، لحد ما أشوف آخرتها معاكى يا هند." قفل الباب، والصمت نزل تقيل.
هند واقفه تعيط ودمعها نازلة على ملابسها المقطعة وهي حاسة إن البيت اللي كانت فاكرة أمان طلع هو اكبر خوفها فى الحياة، وإن مديحة بقت المتحكمة في كل نفس بتاخده.
بعد ما وليد خرج، مديحة قعدت على الكرسي اللي في الصالة بهدوء أعصاب، ومدّت صباعها الصغير لهند وهي بتقولها: "تعالى."
هند كانت منهارة من العياط، رجليها تقيلة وقلبها مكسور. قربت خطوة خطوة. مديحة ابتسمت ابتسامة شماتة وقالتلها: "اركعي على الأرض."
من غير ما ترد هند نزلت، كأنها ما بقتش قادرة تعاند ولا حتى تفكر.
مديحة مدّت إيدها على شعرها وطبطبت عليه وقالت بصوت واطي بس قاسي: "اسمعي كل اللي هقولهولك بالحرف، لو سمعتي كلامي هتعيشي في أمان، ولو لا هتشوفي أيام سودا عمرك ما تخيلتيها."
هند كانت بتشهق من العياط وهزت راسها بالموافقة. مديحة نزلت إيدها على خدها وضربته ضربة خفيفة وقالت: "شعرك الطويل ده لازم يتقص."
هند بلعت ريقها وهزت راسها وقالت: "حاضر."
مديحة ابتسمت وقالت: "شاطرة." وقامت وجابت المقص وحطته في إيد هند وقالتلها: "يلا قصي شعرك."
إيد هند كانت بترتعش وهي ماسكة المقص، دموعها نازلة ومش شايفة قدامها. قصّت أول حتة من شعرها وكأنها بتقص حتة من روحها، ومع كل خصلة تقع على الأرض كانت مديحة قاعدة قدامها بتضحك. ضحكة باردة، ضحكة واحدة مستمتعة بوجعها، وهند قاعدة على الأرض بتقص وتعيط. صوت المقص ووجع بيتكسر جوه بنت لوحدها.
فجأة الباب خبط. مديحة اتحركت بسرعة، خطفت المقص من إيد هند ولمّت خصلات الشعر المقصوصة وحطتهم في كيس، ورفعته فوق الدولاب. وبعدها زقّت هند ناحية الأوضة وقالتلها: "ادخلي واقفلي على نفسك ومسمعش نفسك."
هند دخلت وقفلت الباب وهي بتشهق من العياط.
مديحة راحت فتحت الباب ولقت يوسف واقف ومعاه ورد، شكله جميل وجاي يشوف هند. استقبلته بابتسامة مصطنعة وقالتله: "اتفضل يا يوسف."
قعدوا في الصالة، وهند كانت واقفة ورا الباب سامعة كل كلمة بس مش قادرة تخرج. يوسف قالها: "فين هند أنا برن عليها وموبايلها مقفول."
مديحة عملت نفسها مترددة وقالت: "مش عارفة يا ابني أقولك إيه."
ملامح يوسف اتغيرت وقالها: "هند بخير؟"
مديحة ردت وهي عاملة نفسها طيبة: "آه بخير بس حصل حاجة محدش كان متوقعها منها."
يوسف اتوتر وقال: "خير يا طنط في إيه؟"
مديحة وطّت صوتها وقالت: "وليد كان ماسك موبايل هند ولقاها بتكلم شباب كتير."
يوسف اتصدم وقال: "انتي بتقولي إيه؟ مستحيل الكلام ده."
مديحة قالت بسرعة: "عندك حق متصدقش، وباباها خد منها الموبايل عشان كده."
يوسف بص ناحية أوضة هند وبعدين رجع بصلها وقال: "مين الشباب دول؟"
مديحة قالت: "منعرفهمش."
هند كانت سامعة كل حرف، حاسة إن قلبها بيتقطع ومش قادرة تطلع تدافع عن نفسها. يوسف وقف ومشي ناحية باب الشقة وهو بيفتحه، وفجأة لقى وليد واقف قدامه. ملامح وشه كانت متغيرة، عينيه مليانة غضب وشك، واللحظة دي كانت كفيلة تقلب مصير كل حاجة.
رواية حياة قاسية الفصل الخامس 5 - بقلم مصطفى محسن
وليد بص ليوسف وقاله:
كنت إنت بتعمل إيه هنا؟
يوسف بص له باستغراب وقاله:
طبيعي إني أطمن على خطيبتي.
وليد رد بعصبية:
البيت ده طول ما أنا مش فيه رجلك ما تخطهوش.
يوسف شد نفسه وقاله:
وأنا مش هخطّيه تاني أصلًا، لا إنت ولا بنتك تلزمني.
وليد مسكه من دراعه وزقه برا الشقة ودخل وقفل الباب في وشه.
***
يوسف وقف برا لحظة وهو حاسس إن في حاجة غلط بتحصل جوه، إحساس مش راضي يسيبه.
فجأة افتكر إن حساب هند لسه مفتوح من عنده على اللابتوب لأنه هو اللي كان عاملها الحساب من البداية.
نزل بسرعة وراح شقته، فتح اللابتوب وقعد يدور في الشاتات واحدة واحدة، قلب الرسائل القديمة والجديدة، بس مفيش أي حاجة.
يوسف قلبه دق أسرع، وقفل اللابتوب وهو حاسس إن هند مش بخير.
ومن هنا يوسف بدأ يفكر إزاي يوصل لهند من غير ما يحسّس حد.
***
فجأة يوسف افتكر اسم نورهان أشرف، الاسم اللي كان دايمًا يسمعه من هند وهي بتقوله: "دي صاحبتي القريبة مني من زمان وبثق فيها ثقة عمياء".
من غير تردد فتح اللابتوب بسرعة وبدأ يدور في الشاتات لحد ما لقى اسم نورهان أشرف.
قلبه دق أسرع، بعتلها رسالة قصيرة وقالها:
أنا يوسف خطيب هند ومحتاج أكلمك ضروري عشان حاسس إن هند مش بخير.
***
نورهان كانت أونلاين وردت عليه في ثواني وبعتت له رقمها.
يوسف اتصل بيها فورًا وحكى لها كل اللي حصل.
نورهان قالتله بصوت مطمّن:
خلاص متقلقش، أنا بكرة هروح لها البيت وهسأل عليها وأطمنك.
يوسف شدد عليها وقالها:
بس لو سمحتي أوعي تجيبي سيرتي ولا تقولّي أي حاجة قدام مديحة ولا وليد.
نورهان ردت بثقة:
متخافش.
يوسف قفل المكالمة وهو حاسس لأول مرة إن في خيط أمل، بس في نفس الوقت كان قلبه مقبوض، لأنه عارف إن أي خطوة غلط ممكن تضيّع هند أكتر ما هي ضايعة.
***
تاني يوم نورهان راحت تزور هند في البيت.
مديحة هي اللي فتحت الباب واستغربت لأنها أول مرة تشوفها وقالتلها:
عايزة مين؟
نورهان ردت بهدوء:
عايزة هند.
مديحة بصتلها من فوق لتحت وقالتلها:
وانتي مين؟
نورهان قالت:
أنا صحبتها من زمان.
مديحة كانت هتقول إن هند نايمة بس في اللحظة دي باب الأوضة اتفتح وهند خرجت لابسة طرحة، عينيها حمرا ووشها شاحب.
جريت على نورهان وحضنتها بقوة كأنها بتتشبث بطوق نجاة.
***
نورهان من أول الحضن حسّت إن في حاجة مش مظبوطة، دي هند اللي فاهمتها من غير كلام.
طبطبت عليها ودخلوا قعدوا في الصالة.
مديحة قعدت قدامهم بس كانت مش مرتاحة وعينيها رايحة جاية وخايفة هند تقول حاجة.
نورهان بصّت لهند وقالتلها:
انتي لابسة طرحة في البيت ليه؟
قبل ما هند ترد مديحة دخلت بسرعة وقالت:
كانت بتصلي وأكيد لما سمعت صوتك جريت عليكي من لهفتها ونسيت تقلع الطرحة.
نورهان ابتسمت ابتسامة خفيفة بس من جواها مش مقتنعة.
سكتت ثواني وبعدين قربت من هند ومدّت إيدها بسرعة ورفعت الطرحة فجأة.
في اللحظة دي نورهان اتجمدت مكانها، عينيها وسعت ومش قادرة تستوعب اللي شافته.
شعر هند كان متقصّص بشكل عشوائي، خصل ناقصة وملامح وجع واضحة.
هند ما استحملتش، انفجرت في العياط ودفنت وشها في حضن نورهان.
***
فجأة مديحة قامت من مكانها وقالت بصوت عالي:
إيه اللي انتي عملتيه ده؟
نورهان بصّت لها بثبات وقالتلها:
أنا عايزة أعرف مين اللي عمل كده في هند.
في اللحظة دي وليد خرج من الأوضة على الصوت عالى وبص حواليه وقال:
في إيه؟
مديحة قربت منه بسرعة وقالتله:
صحبة هند شدت الطرحة من على راسها وبتقولي إنتي عملتي فيها إيه.
وليد قرب من نورهان بنظرة حادة وقالها:
اللي عمل كده هي هند.
***
نورهان بصّت لهند بصدمة وقالتلها:
انتي فعلًا عملتي كده في نفسك؟
هند ما كانتش قادرة ترفع راسها ولا تنطق، دموعها نازلة في صمت.
نورهان رجعت بصّت لوليد وقالتله:
هند صاحبتي من زمان وإنت عارف يا أستاذ وليد، ومش دي شخصية هند ولا عمرها فكرت بالشكل ده.
مديحة لما حسّت إن وليد بدأ يسمع تدخلت بسرعة وقالت بنبرة اتهام:
قصدك باباها هو اللي عمل كده؟
الكلمة ولعت الغضب جوا وليد، وشه احمر وصوته علي وقال لنورهان:
اطلعي برا.
نورهان قبل ما تمشي بصّت لمديحة وقالتلها:
دلوقتي بس عرفت مين السبب ومش هسيبك.
مديحة حطت إيدها على وشها وابتدت تعيط وتمثل.
وليد بصّ لنورهان بعصبية وقالها:
اطلعي برا وأنا ليا كلام تاني مع باباكي.
***
نورهان خرجت من الشقة وقلبها بيدق بسرعة.
أول ما نزلت طلعت الموبايل وكلمت يوسف وحكت له كل اللي حصل بالتفصيل.
يوسف سكت شوية وبعدين قالها:
أنا كده فهمت.
نورهان سألته:
والحل؟
يوسف قالها:
هتعرفي بعدين.
وقفل.
وفي اللحظة دي نورهان كانت حاسة إن السبب فى كله ده مديحة.
رواية حياة قاسية الفصل السادس 6 - بقلم مصطفى محسن
كانت قاعدة على السرير.
فجأة، الباب اتفتح من غير ولا صوت.
مديحة دخلت وقفلت الباب بهدوء.
وقفت قدامي شوية وبعدين بدأت تمشي في الأوضة.
صوت رجليها على الأرض كان كفاية يشد أعصابي ويخليني متوترة.
وقفت عند التسريحة وبصّت في المراية، وأنا فضلت ساكتة.
فجأة قربت مني ووقفت قدامي.
فضلت تبصلي بنظرة تقيلة خانقة، كإنها شايلة سر كبير.
قربت أكتر لحد ما وشها بقى قدام وشي، وبصوت واطي قالت:
عارفة أنا ليه ساكتة؟
علشان مستمتعة باللحظة دى.
هند بلعت ريقها وقلت بصوت مهزوز:
أفهم إيه؟
مديحة ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:
هتعرفى كل حاجة دلوقتى…
أمك كانت صاحبتي، مش أي صاحبة.
دي كانت أختي، وقلبي كان مفتوح لها أكتر من نفسي.
كنت بحكيلها على كل حاجة، حتى الحاجة الوحيدة اللي كنت متمسكة بيها في الدنيا، وليد.
هند قبلها دق بسرعة، وقلت بلهفة:
بابايا؟
مديحة ضحكت ضحكة قصيرة وقالت:
أيوه باباكي، زمان كان مرتبط بيا، وكنا داخلين على جواز.
وأنا زي العبيطة كنت بحكي لسناء كل حاجة، عن فرحتي، وعن أحلامي، عن الفستان اللي نفسي ألبسه، وعن البيت اللي كنت شايفة نفسي فيه ست.
وسناء كانت مبينة ليا ابتسامتها الكدابة، وأنا ولا في بالي إن الطعنة جاية من أقرب صاحبة ليا.
هند ردّت عليها وصوتها كان مكسور:
إنتي بتكدبي…
مديحة بصّت لها بحدة وقالت:
اسمعي كلامي للآخر وبعدين ابقي اسألي أمك.
سناء لفّت على وليد من ورايا وقربت منه، لعبت دورها كويس، وساعتها عملت نفسي إني مش مكسورة وروحت الفرح.
وكنت واقفة بتفرج عليها وهي قاعدة جنب وليد، المكان اللي المفروض أنا أكون قاعدة فيه.
اتجوزته، وخدت حياتي، وسابتلي الحسرة.
عارفة يعني إيه تستني فستانك ويتحوّل لكفن أحلامك؟
عارفة يعني إيه تصحي كل يوم على خبر إن صاحبتك بقت مرات اللي بتحبيه؟
سنين وأنا شايلة القهر ده جوا قلبي.
ولما شوفتك أول مرة كأنى شوفتها هي، نفس الملامح ونفس النظرة، حسّيت إن ربنا بيرجّعلي حقي، إني آخده حتة حتة منك.
هند عيطت وقالتلها:
أنا مالي؟
أنا ما عملتش حاجة، أنا بنتها مش هي.
مديحة نزلت دمعة من عينها وقالت:
ذنبك الوحيد في الدنيا إنك بنت سناء؟
سناء اختارت تكسرني.
ودلوقتي دورك.
هند سكتت وكانت بتبصلها بذهول، دماغها مش مستوعبة اللي بيتقال.
وقالت بصوت مكسور:
أنا مش مصدقة الكلام ده، مستحيل… أمي تعمل كده.
مديحة ابتسمت وقالت:
طبيعي ما تصدقيش، بس الحقيقة مهما اتدفنت بتطلع، وأنا طلعتها فيكي.
وسابتني وخرجت، وأنا فضلت قاعدة في مكاني، لأول مرة أحس إن الماضي كله جاي ينتقم مني، وأنا ولا ليا أي ذنب.
يوسف كان بيفكر ليل نهار إزاي يوصل لهند من غير ما يكسّر الدنيا عليها أكتر ما هي مكسورة.
وبعد تفكير طويل قرر يراقب البيت، يقعد بالساعات في العربية بعيد شوية ويتابع مواعيد مديحة، نزولها وطلوعها، بتخرج إمتى وترجع إمتى، لحد ما حفظ المواعيد كويس.
وفي يوم حس إن الفرصة جات، شاف مديحة نازلة ومستعجلة.
استنى ثواني ولما اختفت من الشارع طلع بسرعة.
وقف تحت البيت وطلع السلم جري.
خبط على الباب خبطات ورا بعض ومحدش بيرد.
قلبه كان هيطلع من صدره.
بدأ ينادي بصوت واطي الأول وبعدين أعلى شوية:
يا هند… يا هند.
ثواني وعدّت تقيلة، وفجأة…
سمع حركة جوا.
هند كانت سامعة صوته وقلبها سبق عقلها.
جريت على الباب وفتحته بسرعة.
يوسف دخل وقفل وراه.
الاتنين واقفين قدام بعض مش عارفين يتكلموا.
بس في اللحظة دي مديحة شافت يوسف وهو طالع السلم.
وشها اتشد وعينيها وسعت.
من غير تفكير طلعت الموبايل وكلمت وليد وقالت له بصوت مهزوز:
الحقني بسرعة يا ليد، يوسف دخل الشقة عند هند، تعال فورًا.
وليد ما ردش ولا كلمة، قفل المكالمة وركب عربيته.
وصل في وقت قياسي، لقى مديحة واقفة تحت البيت مستنياه ووشها متوتر.
طلعوا السلم بسرعة.
وصلوا قدام باب الشقة.
وليد مد إيده وفتح الباب، وفجأة…
الزمن وقف عند اللحظة دي، وكل نفس في المكان كان مستني اللي هيحصل بعدها.
رواية حياة قاسية الفصل السابع 7 - بقلم مصطفى محسن
وليد دخل الشقة بخطوات سريعة ونَفَسه عالي وعصبيته مالية المكان، صوته دوّى في المكان كله وهو بينادي: هند!
مفيش رد.
قرب من أوضة هند وفتح الباب مرة واحدة لقاها نايمة على السرير جسمها ووشها شاحب ونَفَسها هادي كأنها غايبة عن الدنيا. وقف شوية يبصلها باستغراب وقرب خطوة ومد إيده يهزها بخفة.
"هند!"
فتحت عينيها ببطء وبصّت له بنظرة استغراب من غير ولا كلمة. وليد لف حواليه بعينه وبدأ يدور في الأوضة. فتح الدولاب وبص تحت السرير. مفيش أي أثر ليوسف.
قفل باب الأوضة وخرج بسرعة ولف في الشقة كلها، الصالة والمطبخ والحمام والبلكونة. فتح باب الشقة وبص برا. مافيش ولا حد.
وليد رجع وقف في نص الصالة وبص لمديحة. وشها كان جامد وعينيها ثابتة وجسمها متخشّب ومش قادرة تتحرك ولا تنطق.
"وليد قرب منها خطوة وصوته طالع قوى وقال: فين يوسف يا مديحة؟"
مديحة ما ردّتش.
كرر سؤاله بعصبية أكتر وقال: "بسألك فين يوسف؟"
مديحة بلعت ريقها ولسانها كأنه اتربط. وليد فقد أعصابه وزعق فيها وقال: "الظاهر كده إنك اتجننتي وبتشوفي أوهام كتير."
وليد مسك راسه بإيده ولف في المكان وقال بغضب: "شيلى هند من دماغك يا مديحة."
وسابها واقفة مكانها وخرج.
وليد نزل من البيت وهو لسه متعصّب وقافل الباب وراه جامد. أول ما صوته اختفى مديحة لفّت وبصّت ناحية أوضة هند ودخلت عليها بسرعة وقفلت الباب. قربت منها وعينيها كلها غضب وقالت بصوت عالى: "أنا شوفت يوسف وهو داخل عندك الشقة."
هند رفعت راسها بخضة وقالت بسرعة: "محصلش... محصلش."
مديحة قربت أكتر ومسكتها من شعرها وشدّت بقوة لدرجة إن دموع هند نزلت غصب عنها، ومديحة قالت من بين سنانها: "انتي لو مقولتيش يوسف راح فين مش هتعيشي لحظة تاني."
هند كانت بتترعش ومش قادرة تتكلم من الخوف. وفي اللحظة دي سمعت صوت باب الشقة بيتفتح. مديحة سيبت شعر هند فجأة وزقّتها على السرير وطلعت من الأوضة بسرعة. وصلت الصالة لقت وليد واقف وبيبص لها بنظرة شك.
"وقالها: انتي كنتي بتعملي إيه في أوضة هند؟"
مديحة اتلخبطت وتوترت وقالت بسرعة: "كنت بطمن عليها."
وليد ما اقتنعش ودخل أوضة هند، لقاها على السرير جسمها كله بيترعش ووشها شاحب. قرب منها وقالها: "انتي كويسة يا هند؟"
في اللحظة دي مديحة دخلت بسرعة وبصّت لهند بصّة تقيلة كأنها بتقولها لو قولتي أي حاجة مش هيحصلك خير أبداً. هند بلعت ريقها بالعافية وقالت بصوت واطي مكسور: "تعبانة شوية يا بابا."
وليد فضّل باصص لها ثواني وهو حاسس إن في حاجة غلط ومش داخل دماغه انها تعبانه. عينه راحت وجت بين هند ومديحة، ولأول مرة الشك بدأ يدخل قلبه ناحية مديحة، زي حجر اتحط في صدره.
يوسف قبل ما يمشي من عند هند كان قلبه مقبوض. وطلع من جيبه موبايل صغير ادهولها وقالها: "خليه معاكي ومحدش يشوفه، كلميني أول ما تقدري تتكلمي عشان أفهم كل حاجة وأقدر أساعدك."
هند هزت راسها وهي دموعها في عينيها. وبعد كام يوم قدرت أخيرًا تمسك الموبايل وتكلم يوسف. صوتها كان مكسور، وحكتله كل حاجة بالتفصيل، من أول يوم مديحة دخلت البيت، نظراتها، وضربها، وقص شعرها، ولعبها على وليد، لحد اللحظة اللي هي قاعدة فيها دلوقتي.
يوسف كان سامع وساكت. نَفَسه تقيل وكل كلمة بتغرز جواه زي انياب الذئاب. ولما خلصت قالها بثبات فيه غضب مكتوم: "متخافيش، أوعدك إني هخلّصك من مديحة."
هند قالتله بصوت متردد: "هو… إنت عرفت إزاي إن مديحة شافتك وانت طالع؟"
يوسف قالها: "نورهان صحبتك بتساعدني، أنا قلتلها تستناني تحت العمارة ولو شافت مديحة تكلمني فورًا."
"المهم دلوقتي خلي بالك من نفسك، وأنا هتصرف مع مديحة."
يوسف قفل السماعة وبص قدامه شوية وهو بيهز راسه وقال لنفسه بصوت واطي مليان وعيد: "كنت حاسس إنك السبب يا مديحة… وأنا والله ما هرحمك، ولو حتى كان ده آخر يوم في عمري."
رواية حياة قاسية الفصل الثامن 8 - بقلم مصطفى محسن
يوسف كان فاهم إن مديحة مش ست سهلة، وإن كسرها مش هييجي بالقوة، لكن بالفخ.
فكر إنه يوقعها في نفس الشر اللي غرقت فيه هند، يخليها تحس بالظلم والخوف والترقب.
اشترى خط جديد برقم مجهول وبدأ يبعت رسائل غرامية، كلمات بسيطة في الأول، دايمًا يختار الوقت اللي وليد بيكون فيه البيت.
فجأة الموبايل يرن، إشعار يظهر، ومديحة تتوتر وتخبي الشاشة.
الموضوع اتكرر مرة ورا التانية، لحد ما في يوم مديحة ما استحملتش وبعتت رسالة:
"إنت مين وعايز إيه؟"
يوسف رد باسم وهمي وقالها:
"اسمي عماد، وبشوفك كتير وإنتي طالعة ونازلة، وبصراحة شدتيني."
مديحة كانت ذكية، حذرة جدًا، لكن الفضول لعب في دماغها.
بدأت ترد بحذر، كلام قليل، مسافات محسوبة، لحد ما العلاقة الافتراضية اتطورت، وفي يوم اتفقوا يتقابلوا في كافيه النيل.
بس اللي يوسف ما حسبوش إن مديحة أذكى مما تخيل، لأنها فجأة قررت تقلب الطاولة.
دخلت لوليد وقالتله كل حاجة من غير ما تخبي ولا تزود.
قالتله:
"في شخص بيبعتلي رسائل غريبة، وأنا عملت نفسي مجارياه عشان نعرف هو مين وعايز إيه، وخدت معاه ميعاد كافيه النيل، وعايزاك تكون معايا ونكشفه."
وليد بصلها بذهول وقالها:
"ده أحسن قرار، كل يوم بتثبتيلي إنك قد المسؤولية."
هند كانت واقفة بعيد، سامعة مديحة وهي بتكلم وليد وبتقول له:
"هو قال لي هيستناني في كافيه النيل."
قلب هند وقع في رجلها، لأن يوسف كان قايلها هو هيعمل إيه مع مديحة.
هند دخلت أوضتها بسرعة وطلعت الموبايل الصغير واتصلت على يوسف.
كتير ما كانش بيرد، هند اتوترت زيادة، ونفسها ضاق، وحست إن لعبة يوسف هتتكشف وإن في مصيبة جاية.
ما كانش قدامها غير تصرف واحد.
اتصلت على نورهان وقالتلها بصوت مكسور وسريع:
"لازم تلحقي يوسف قبل ما يروح كافيه النيل، هو واخد ميعاد مع مديحة وكان ناوي يسجلها ويفضحها قدام بابا، بس مديحة قالت لبابا كل حاجة، وأنا مش عارفة أوصل ليوسف، لازم تروحي له بنفسك."
نورهان ما فكرتش، لبست ونزلت جري، وصلت شقة يوسف في اللحظة اللي كان خارج فيها من العمارة.
نورهان ندهت عليه بصوت عالي، يوسف وقف، بص لها وهو مصدوم كان فاكر إن هند فيها حاجة.
نورهان قربت وقالتله بسرعة:
"لو روحت كافيه النيل دلوقتي هتضيع هند للأبد، مديحة عرفت كل حاجة وبلغت وليد."
يوسف حس إن الأرض بتلف بيه، وبص قدامه وقال بصوت واطي مليان غضب وذهول:
"أنا كنت حاسس... كنت حاسس إنك مش عادية يا مديحة، بس ما كنتش متخيل إن في إنسانة بالتفكير ده."
واللحظة دي ما كانتش نهاية لعبة... دي كانت بداية لعبة نفسية أكبر بكتير.
يوسف بعد ما نورهان لحقته في آخر لحظة فضل واقف، دماغه شغالة بسرعة غير طبيعية، عارف إن أي خطوة غلط دلوقتي ممكن تدمر هند للأبد.
فجأة جات له فكرة أذكى من أي مواجهة.
مسك الموبايل واتصل على واحد صاحبه ساكن قريب من كافيه النيل، قاله من غير لف ولا دوران:
"محتاجك تعمللي خدمة ضروري."
صاحبه سأله باستغراب:
"عايزني أعمل إيه؟"
يوسف قاله بهدوء تقيل:
"اكتب ورقة بخطك وحطها على ترابيزة رقم 8 في كافيه النيل."
صاحبه سكت ثانية وبعدين قال:
"أكتب إيه؟"
يوسف قاله:
"اكتب 'أنا آسف يا حبيبتي، مش هقدر أجي النهارده، بس ممكن نتقابل بكرة... في الشقة اللي بنتقابل فيها على طول'."
صاحبه حس إن في حاجة مش طبيعية بس وافق من غير أسئلة، كتب الورقة وراح الكافيه وحطها على ترابيزة رقم ٨ ومشي.
في نفس الوقت كانت مديحة ووليد وصلوا الكافيه، اختاروا ترابيزة رقم ٨.
مديحة قعدت وحطت شنطتها على الترابيزة من غير ما تاخد بالها.
دقيقة عدت، خمسة، عشرة، مفيش حد.
وليد قاعد ساكت وعينيه بتلف في المكان.
مديحة متماسكة بس أعصابها مش ثابتة.
سألوا الجرسون:
"مين اللي حجز الترابيزة دي؟"
الجرسون قاله:
"والله يا فندم ما عنديش أي فكرة، مين اللي حجز الترابيزة دي؟"
قعدوا ساعة، وساعة تانية، الوقت كان بيعد تقيل، والشك بدأ يكبر في دماغ وليد.
في الآخر مديحة قامت متعصبة وقالت:
"واضح كده إنه شافك جنبي يا وليد عشان كده هرب."
مديحة رفعت الشنطة علشان تمشي، وفي اللحظة دي الورقة ظهرت.
وليد عينه وقعت عليها، مد إيده بهدوء ومسكها، فتحها، قرأ السطر الأول، ووشه اتغير فجأة.
بص لمديحة نظرة عمرها ما شافتها قبل كده، نظرة شك خالص من أي رحمة، والورقة في إيده كانت بتترعش، ومديحة واقفة قدامه، أول مرة تحس إن الأرض مش ثابتة تحت رجليها... وفجأة.
رواية حياة قاسية الفصل التاسع 9 - بقلم مصطفى محسن
فجأة وليد رفع عينه من الورقة وبص لمديحة وقال لها بصوت غاضب ومخنوق:
فين الشقة اللي بتتقابلوا فيها يا مديحة؟
مديحة بلعت ريقها وصوتها طلع متقطع وهي بتقول:
شقة إيه؟ أنا عمري ما قابلت الشخص ده ولا أعرفه.
وليد ما سابهاش تكمل، مسكها من دراعها جامد وجرّها وراه وركبها العربية، طول الطريق ما نطقش ولا كلمة، وعينيه كلها غضب.
أول ما دخلوا الشقة وليد قفل الباب بقوة، ومسك مديحة من شعرها وشدّها لورا وقال لها بصوت مخيف:
أقسم بربي لو ما قلتيش مين الشاب ده هيكون آخر يوم ليكي تعيشيه في الدنيا.
مديحة كانت بتعيط ودموعها نازلة على خدودها وهي بتصرخ:
والله العظيم ما أعرفه ولا عمري شفته.
في اللحظة دي باب أوضة هند اتفتح وهند خرجت وشافت المنظر، جسمها اتجمد.
وليد لف وشه على هند وزعق لها وقال لها:
ادخلي جوه.
هند دخلت بسرعة وقفلت الباب عليها.
قلبها كان بيدق بسرعة، من جواها كانت عارفة إن مديحة مظلومة في اللحظة دي، وإن اللي بيحصل فيها قهر، لكن كل ما قلبها يلين وتحن، صور اللي كانت مديحة بتعمله فيها ترجع قدام عينيها، شعرها المقصوص، والضرب، والظلم، وساعتها الإحساس اتلخبط جواها… شفقة بتتصارع مع وجع، وصمت تقيل بيملأ الشقة كلها.
من اليوم ده وليد ما بقاش نفس وليد، الشك اللي كان ساكن جواه اتحوّل لغضب أعمى، غضب ما بيسألش ولا يسمع.
وليد قرر يمنع مديحة تخرج من الشقة لوحدها، أي مشوار يبقى بعلمه وتحت عينه، وموبايلها يبقى دايمًا قدامه وأي محاولة منها تبرر كان يقطعها بنظرة قاسية تسكتها.
مديحة لأول مرة تحس إنها مكسورة، فى نفس البيت اللي كانت واقفة فيه ست متحكمة بقى فجأة قفص، كل نفس فيه محسوب.
مديحة قررت تلعب لعبتها الأخيرة، لعبة النجاة.
في يوم لاقت وليد قاعد لوحده، راحت وقفت قدامه فجأة، عينيها مليانة دموع، صوتها طلع مكسور وهي بتقول:
أنا مستعدة أقولك كل حاجة.
وليد رفع عينه وبص لها بغضب مكتوم وقال:
وأنا عاوز أعرف كل حاجة، من غير لف ولا دوران.
مديحة قرّبت خطوة وعملت نفسها ضعيفه وقالت بصوت واطي:
الجواب ده… مكنش ليا أنا بالتحديد.
وليد وقف مرة واحدة ومسكها من دراعها وقال:
قصدك إيه؟
مديحة عملت نفسها بتعيط ودموعها نزلت وهي بتقول:
لهند.
وليد اتصدم وقالها:
هند؟ هند دخلها إيه بالموضوع ده؟
مديحة هزّت راسها وهي بتشهق من العياط وقالت:
أنا كنت بحميها، في واحد اسمه عماد، هند تعرفه، وكان دايمًا يبعتلها جوابات، وأنا لما كنت بلاقيها كنت بحرقها علشان ما توصلش لها.
وليد قرب أكتر من وشها، وقف ساكت، الصدمة مسكت فيه، فكرة إن هند ممكن تكون في قلب الحكاية قلبت كل اللي تفكيرة، ومديحة شايفة التردد في عبن وليد عرفت إنها زرعت بذرة جديدة، بذرة اقوى من كل اللي فات.
لأول مرة وليد يفتح باب الماضي من غير تمهيد، يبص لمديحة بنظرة ثابتة وهو بيقول بهدوء:
فاكرة سناء؟ صحبتك زمان.
الكلمة تقع تقيلة، ومديحة تتوتر لحظة، تحاول تخبي ارتباكها وترد بسرعة:
سناء كانت محطة وعدّت، بالنسبة لي خلصت.
وليد يبتسم ابتسامة مالهاش ملامح، ابتسامة واحد بيقيس رد الفعل اللى قدامه، ويقول:
طيب مش زعلانة إني اخترت أتجوز سناء؟ صحبتك، مع إني كنت مرتبط بيكي إنتِ.
مديحة تشد نفسها، وتحاول تبان متماسكة أكتر، وترد بصوت متزن:
إنت ليه بتفتح في حاجات قديمة؟
وليد يقرب بنبرته صوت واطية، ويقول:
عشان شوفت فيكي نظرة… نفس النظرة اللي كانت في سناء زمان.
مديحة تبصله باستغراب، وقلبها يدق أسرع وهي بتحاول تفهم هو شايف إيه وهي مش شايفاه، وتقول:
قصدك إيه؟
وليد قالها بصوته ثابت:
قصدي واضح، لو كنت بشك فيكي مرة، أنا دلوقتي بشك فيكي ألف مرة.
الجملة نزلت زي حكم نهائي، مديحة حسّت ان وليد فهمها، حاولت تتكلم بس مقدرتش، والصمت فضحها أكتر من أي اعتراف.
وليد ما استناش رد، بصّ لها نظرة كأنه سجّل كل تفصيلة في وشها.
مديحة قالت:
إنت بتتهمني بإيه؟
وليد لفّ وهو ماشي، وقال من غير ما يبص لها:
لما أفهم، ساعتها الاتهام هيبقى أهون بكتير من اللى هيحصلك.
مديحة ادركت ان الشك اتحوّل من مجرد كلام… لمصيبة اكبر بكثير.
رواية حياة قاسية الفصل العاشر 10 - بقلم مصطفى محسن
بعد كلام وليد، مديحة ما نامتش طول الليل، عقلها ما سكتش ثانية، سؤال واحد بيلف في دماغها: مين اللي عمل فيّا كده؟ هل هند؟ ولا كل اللي بيحصل ده مجرد صُدفه؟
مع أول نور صبح، مديحة استنت وليد ينزل الشغل، ودخلت أوضة هند.
"بصّت لها بنظرة قاسية وقالت من غير مقدمات: مين اللي بيبعتلي الرسائل وبيتصل بيا؟"
هند اتلخبطت وقالت بسرعة: "ما أعرفش، والله ما أعرف."
مديحة قربت فجأة وشدّت شعرها بقوة وقالت: "لو ما قلتيش الحقيقة، مش هخليكي تعيشي لحظة واحدة."
هند كانت مش عارفه تعمل ايه. مديحة مدّت إيدها وضربتها بالقلم على وشها، وشدّتها من شعرها وخبطت راسها في خشب السرير. في اللحظة دي عين هند وقعت على المج اللي كانت بتشرب فيه، مسكته وضربت بيه مديحة في راسها بكل قوتها. مديحة وقعت على الأرض واغمى عليها.
هند وقفت لحظة بتترعش، ما استنتش، ولمّت هدومها بسرعة وحطتهم في شنطتها وخرجت من الشقة. جريت لحد باب يوسف وخبطت وهي بتعيط. أول ما يوسف فتح، هند رمت نفسها في حضنه وهي منهاره وحكت له كل حاجه حصلت.
يوسف حضنها وطبطب عليها.
"وقالها: ما تخافيش، أنا معاكي، ومش هسيبك لازم نخلص من مديحة وشرّها، بس مش هينفع تقعدي هنا، باباكي أكيد هييجي يدور عليكي انا عندي شقه ثانيه ما حدش يعرف مكانها."
هند رفعت وشها بعينين مليانة قلق.
"وقالت: أنا مستعدة أقعد في أي مكان، حتى لو عِشّة، المهم أبعد عن مديحة وبابا."
يوسف مسك شنطتها وقال بهدوء: "ما تخافيش، كل حاجة هتتحل."
مديحة فاقت وهي على الأرض، وراسها بتوجعها وفكرت تستغل اللي حصل لها. ومدت إيدها بالعافية ومسكت الموبايل، واتصلت على وليد وهي بتنهج وقالت بصوت مكسور: "الحقني يا وليد… هند بنتك ضربتني."
وليد ساب كل اللي في إيده في الشغل، من غير ما يسأل ولا يفكر، وركب عربيته وجري على البيت.
أول ما فتح الباب لقى مديحة قاعدة على الأرض ماسكة عينها ووشها شاحب. قرب منها بخضة وقالها: "إيه اللي حصل؟ وفين هند؟"
مديحة رفعت عينيها له ببطء وقالت: "الباب خبط، رحت أفتح، لقيت شاب بيقول لي أنا عايز هند، قلت له انت عايزها انت ليه. فجأة هند خرجت من اوضتها وقالت لي وانت مالك انت ما لكيش حاجه عندي وكانت ماسكة شنطة في إيديها، حاولت أمنعها علشان ما تمشيش ، قامت هي والشاب ضربوني، واغمى عليا وما حسّتش بحاجة، ولما فوقت لقيت البيت فاضي وكلمتك على طول."
وليد وشه احمرّ من الغضب وقال وهو بيزعق: "مين الشاب ده؟"
مديحه عملت نفسها بتعيط وقالت له بصوت مكسور: "انا ما اعرفوش والله ما اعرفه."
وليد قال لها: "انا لازم اعرف مين الشاب ده وهند حسابها معايا عسير."
وليد ساب مديحة قاعدة مكانها من غير ما يقول كلمة، خرج من الشقة وقفل الباب وراه، ونزل الشارع وهو دماغه شغالة. حس إن اللي فالته مديحة مش صحيح، وإن في حاجة أكبر، فقرر يراجع الكاميرات. لفّ على المحلات اللي حوالين العمارة واحد واحد.
طلب التسجيلات، وقف قدّام الشاشات وعينيه مركزة، شاف العمارة من كل زاوية، مين دخل ومين خرج. الدقايق بتعدي تقيلة لحد ما فجأة ظهرت هند على الشاشة، خارجة لوحدها، شنطتها على كتفها، رأسها واطيه، ودموعها واضحة.
وليد قرب من الشاشة، رجّع اللقطة، وقفها، وشغّلها تاني، مفيش أي حد دخل العمارة قبلها، ولا شاب خرج معاها.
هند كانت لوحدها… وبتعيط.
في اللحظة دي صدره اتقبض، وإحساس تقيل ضربه في قلبه، فهم إن مديحة كذابه، وإن اللي بيحصل في بيته أكبر من مجرد سوء تفاهم. وليد خرج من المحل وهو متأكد من حاجة واحدة: في حد بيتأذي جواه البيت، وهو كان أعمى.