تحميل رواية «حرب سقطت راءها» PDF
بقلم نورا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في حي الأزهر، تحديداً في بناية سكنية مكونة من 5 طوابق ذات اللون الأخضر من الخارج، كان يجلس الحارس "رجب" يتناول فطاره في هدوء. سمع ضجيجاً وصوتاً لنساء الطابق الأول يتشاجرن، فلم يهتم وهو معتاد على شجارهم كل يوم في الصباح. زوجته "سنية" تقف في البهو الرخامية أمام المصعد مع عاملة النظافة تجفف الأرض من الماء. تحدثت العاملة بضيق: _ يا أختي نفسي مرة آجي ومسمعش صوت خناقهم، أي مبيزهقوش، مبيتعبوش؟ كتهم نيلة. تحدثت "سنية" بضيق من حديث هذه المرأة الأربعينية قائلة: _ خليكِ في حالك يا أم السعد وأنجزي قبل ما ال...
رواية حرب سقطت راءها الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم نورا عبد العزيز
زحفت قدميه فى الرواق حتى وصل إلى باب الغرفة التى ترقد بها "ليان" وتوقف يده استقرت فوق المقبض لكنه لم يفتحه، لم يستطع لأول مرة منذ سنوات طويلة شعر هذا الأسد بالخوف
خاف من النظر إلى وجهها ، من أن يبتسم لها وهو يحمل فى صدره هذا الخبر، من أن يرى الحياة فى عينيها بينما يعرف أن الموت بدأ يطرق الباب من جديد أسند جبهته على باب الغرفة وأغمض عينيه بقوة ثم همس بصوت مكسور لا يسمعه أحد:-
_ لا، يا رب أى حاجة إلا هى، أى حاجة إلا ليان.
أما داخل الغرفة فكانت "ليان" جالسة فوق السرير بملل وتتذكر حديث والدها وتخليه عنها للأبد، تفكر كيف ستعيش مع هذا الصراع الداخلي، ولا تعلم أن خلف هذا الباب يقف رجل هزم مدنًا كاملة ويرتجف الآن خوفًا عليها يحمل خبر موتها القريب
_______________________
بعد خروج "الجارحي" كالإعصار من الشقة خيم صمت ثقيل على المكان صمت يشبه ما يحدث بعد الكوارث حين يرحل الغضب وتبقى الصدمة، كانت "مديحة" جالسة فوق الأريكة وعيناها تتحركان نحو الجميع وتحديدًا على "فؤاد" أما "فؤاد" فكان واقفًا أمامها مباشرة
وجهه شاحب ويده ترتجف من شدة الصدمة لأول مرة فى حياته يشعر بالخجل من أمه، الخجل نفسه وليس الغضب فقط فقال بصوت مخنوق:-
_ صحيح يا أمى؟
لم تجبه فاختنق صوته أكثر والحسرة تمزق قلبه وتلتهم عقله:-
_ أنا بسألك... صحيح؟
رفعت رأسها بكبرياء رغم المأزق الذى وجدت نفسها فيه وقالت ببرود:-
_ ولو صحيح؟
شهقت "آسيا" بصدمة أما "هادى" فحدق بها غير مصدق بينما شعر "فؤاد" وكأن أحدهم صفعه ولم توقع الغدر من أقرب ما له، والدته فقال بتلعثم وصوت مرتجف:-
_ يعنى صحيح!
_ أيوة صحيح
قالتها بحدة دون ذرة ندم، بل ورفعت ذقنها أكثر وأضافت:-
_ وأنا مش ندمانة ولا خايفة منكم
ساد الصمت للحظة ثم انفجر "هادى" لأول مرة:-
_ مش ندمانة؟! تقتلي يا مرات ابويا!، كنتِ رايحة تدفعى فلوس عشان يتقتل! ومين؟
ضرب بيده على الطاولة حتى اهتزت
_ دا ابننا! ابن أخويا! وجوز بنتي وابو حفيدي وحفيدك، الراجل اللى شيل البيت كله على كتفه من ساعة ما شنبه خط فى وشه!
لكنها لم تهتز؛ بل قالت بعناد أشعل النار أكثر:-
_ وسرق حقى
جمدت الكلمات الجميع ثم أكملت:-
_ أخد ورثي، وأخد تعب عمرى اللى استحمل قرف أبوكم عشانه واستحملت أنه اتجوز عليا وجابلى ضرة تقعد على قلبي وقصاد عيني يدلع وهينن فيها، استحملت كسرت قلبي وشبابي اللى راح وأنا مرمية فى الشقة دى احتياطي لأبوك لما يحب يمن عليا ويطل عليا يتفضل، خد مالى وورثي من أبويا وقال هكبره ونكبر سوا يا ديحة وديحة زى الهبلة اديتله كل حاجة وفى الآخر بعد ذل السنين مش يحرمني من نص حقي حتى ولا حتى يقرر يرجعلى اللى خده مني وكبر بيه، لا يأخد كل حاجة ويحرمنى من كل حاجة ويكتب عليا أعيش الباقي من عمري مذلولة لحفيده بعده... ايه جايين تلوموا فيا ليه، ما تلوم الحرامي اللى ضحك علينا وأخد اللى المفروض يبقى لينا كلنا وكلكم عارفين أن الجارحي مش من الوراث ومالهوش جنيه
نظرت إلى "فؤاد" بعينين مليئتين باللوم وتابعت بانفعال شديد:-
_ وأنت واقف تتفرج وأخوك واقف يتفرج وكلكم سايبينه ياكل حقنا
ضحك "هادى" بمرارة ضحكة موجوعة أكثر منها ساخرة ثم قال:-
_ حقك؟ حقك يخليكى تقتلى حفيدك؟ حقك يخليكى تبيعيه لقاتل مأجور؟
ردت بعصبية تحاول تصلح الأمر بكذبة خديعة:-
_ وأنا شرط أنه هيطلع حى؟!أنا كنت عايزة أخوفه بس وأرجعله عقله وأخليه يعرف أن اللى عمله مش هيعدى
هنا فقد "فؤاد" آخر خيط من صبره تقدم نحوها خطوة وعيناه امتلأتا بالقهر وقال:-
_ لا، متكذبيش بسلو كان مات كنتِ هتنامى عادى صح؟ لو كانوا جابوه جثة كنتِ هتقعدى تعدى الفلوس اللى هتورثيها صح؟، طب يا أمي كنت تعرفي أنك حتى لو قتلتيه مش هتورثي وقدس مراته هى واللى فى بطنها اللى هتورث كل حق بالشرع ولا كنتي هتقتلها هى كمان
ارتجفت شفتاها للحظة لكنها تماسكت أما "فؤاد" فتابع بصوت مكسور:-
_ أنا عمرى ما تخيلت أن أمى توصل للدرجة دى أبدًا، كنتي هتحسريني على ابني الثاني مكفكيش حسرتي وقهرتي على ابني اللى راح فى عز شبابه، مكفكيش وجعي وظهري المكسور فى موت عمادالدين، كمان عايزة تأخدي منى التاني، طب مين اللى هيدفني ويشيلنى فى خشبتي لما أموت
أخفض رأسه للحظة ثم قال بندم:-
_ كنتى دايمًا قاسية وطماعة ولسانك مؤذى لكن عمرى ما تخيلت أنك ممكن تبقى قاتلة، كنت بقول دى أمي ومقدرش ارفع صوتي فيها
تجمدت "مديحة" مكانها ولأول مرة ظهر شرخ صغير فى عنادها لكنها سرعان ما أخفته وقالت بعنف:-
_ أنا مش قاتلة، أنا صاحبة حق
فصرخت "آسيا" بها:-
_ أى حق؟! أى حق يا أمى؟ إحنا دفنا ابن أخويا من أيام! وابويا قبله
والبيت كله مولع!، وأنتِ كل اللى شاغلك كام مصنع وكام جنيه؟!
بدأ صوت "آسيا" يرتجف وعيناها امتلأتا بالدموع
_ الفلوس دى عملت فيكى إيه؟ حولتك لإيه؟
نظرت "مديحة" بعيدًا لكن كلمات ابنتها أصابتها هذه المرة أما "هادى" فاقترب وقال بقسوة:-
_ تعرفى المصيبة الحقيقية إيه؟ أن الجارحي كان جاى يرجعلنا كل حاجة، كل حاجة.. ولو كنتِ استنيتى ساعات بس كان زمان الورث كله راجع، لكن طمعك حرقه
نزلت الكلمات عليها كالحجارة ورغم ذلك لم تعتذر ولم تنكسر؛ بل جلست فى مكانها بعناد عجوز أضاعته سنوات الجشع وقالت بصوت منخفض:-
_ برضو كان حقى
أغمض "فؤاد" عينيه بألمثم هز رأسه ببطء وقال:-
_ لا حول ولا قوة إلا بالله
ثم استدار ناحية الباب فتبعته "آسيا" ذاهبة إلى شقة "وصيفة" ثم "هادى" لكن قبل أن يغادرواالتفت "فؤاد" إليها للمرة الأخيرة، نظرة حزينة وموجوعة كنظرة ابن فقد أمه وهى ما زالت حية وقال:-
_ النهاردة عرفت ليه أبوى كان دايمًا بيخاف على البيت منك
ثم خرج وأُغلق الباب خلفهم وتبقى "مديحة" وحدها داخل الشقة وحدها تمامًا لكن لأول مرة منذ سنوات طويلة لم تشعر أنها انتصرت؛ بل شعرت أن البيت كله ابتعد عنها خطوة كبيرة خطوة ربما لا تستطيع إصلاحها أبدًا
________________________
في مكان بعيدًا
خلف النافذة الزجاجية الممتدة من الأرض إلى السقف، وقفت "هدير" تحدق في أضواء المدينة الإنجليزية الباردة كانت الأمطار الخفيفة تنساب على الزجاج كأنها دموع صامتة، بينما عقارب الساعة تجاوزت الحادية عشرة ليلًا، ضمت ذراعيها إلى صدرها محاولة طرد ذلك الشعور الثقيل الذي يسكن قلبها منذ أسابيع، شهران فقط
شهران على زواجها من "مصطفى"، ومع ذلك تشعر وكأن أعوامًا طويلة مرت فوق روحها، أين ذلك الرجل الذي كان يقضي الساعات يحدثها عن مستقبلهما؟ أين رسائله الطويلة؟ أين لهفته لسماع صوتها؟ أين كل ذلك الحب الذي جعلها تترك أهلها وبلدها وتسافر خلفه إلى أقصى الأرض؟، تنهدت ببطء وهي تنظر إلى الطريق أسفل البناية، لا تعرف متى بدأت تشعر بالوحدة ربما منذ أول مرة عاد فيها متأخرًا دون أن يعتذر أو منذ أول مرة أجابها بكلمة مقتضبة بدل حديثه المعتاد، أو ربما منذ أدركت أن الغربة أصعب كثيرًا مما تخيلت، انتفض قلبها حين رأت سيارته تتوقف أخيرًا أمام المبنى فدلفت تنتظر صعوده
دلف" مصطفى" إلى الشقة بعد دقائق، ملامحه مرهقة وعيناه غارقتان في التعب التفت إليها سريعًا وقال بإقتضاب:-
ــ لسه صاحية؟
ابتسمت ابتسامة باهتة وأجابت:-
ــ مستنياك
خلع سترته وألقاها فوق المقعد القريب دون أن يعلق، انتظرت... كلمة لطيفة، سؤالًا، أي شيء لكن الصمت كان سيد الموقف فشعرت بالاختناق يزيد داخلها وكادت تنفجر فقالت:-
ــ مصطفى... إحنا لازم نتكلم
زفر بضيق وهو يفك أزرار قميصه وقال:-
ــ دلوقتي؟ أنا راجع مهدود من الشغل
ــ وإمتى نتكلم؟ كل يوم بتقول تعبان وكل يوم مهدود من الشغل، ترجع تأكل وتنام وأحيانا مبتأكلش واصحي الصبح ألاقيك خرجت وعلى هذا الحال يبقي هنتكلم أمتى؟
رفع عينيه إليها أخيرًا وقال بجدية يطغي عليها البرود:-
ــ لأنى فعلًا تعبان يا هدير
اهتز صوتها رغم محاولتها التماسك وقالت:-
ــ أنت اتغيرت
تجمدت ملامحه للحظة ونظر إليها بدهشة وقال:-
ــ يعني إيه؟
ــ يعني مبقتش الشخص اللي اتجوزته
ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح ومسك يدها بلطف كأنه يقضى واجب لديه:-
ــ لا يا هدير... أنا نفس الشخص، بس الحياة بعد الجواز مش كلها كلام حب
شعرت وكأن كلماته صفعة باردة ويده تجمدها ليس تطمئنها فقالت:-
ــ وأنا مطلبتش كلام حب طول الوقت، بس على الأقل حسسني إني مهمة
مرر يده على وجهه بإرهاق وقال بزفر:-
ــ لو سمحتي مش ناقص خناق النهاردة
ثم استدار متجهًا إلى غرفة النوم بعد أن ترك قبلة على جبينها وقال:-
ــ تصبحي على خير
نظرت إليه غير مصدقة وهكذا فقط؟ انتهى الحديث؟
أغلق باب الغرفة خلفه بهدوء، وبقيت هي وحدها وسط الشقة الواسعة فجلست على الأريكة، وشعرت بعينيها تمتلئان بالدموع رغم مقاومتها مدت يدها إلى هاتفها فتحت قائمة الأسماء توقفت عند اسم واحد "هادي" ارتجفت أصابعها فوق الشاشة كم اشتاقت لصوته اشتاقت لذلك الشعور بالأمان الذي كان يمنحه لها بمجرد أن يقول:- "مالك يا ديدي؟"
ضغطت على الاسم ثانية،ثانيتا ثم أغلقت الهاتف فجأة، ابتلعت غصتها بصعوبة وأعادت الهاتف إلى حجرها بينما كانت تحدق في الشاشة السوداء، شعرت لأول مرة منذ وصولها إلى إنجلترا أن الغربة ليست بلدًا بعيدًا، بل شعورًا قاسيًا بأن تكون وحيدة، رغم وجود شخص يفترض أنه أقرب الناس إليك.
________________________
كانت "وصيفة" جالسة على الأريكة وبجوارها "قُدس" التى تستند برأسها إلى ظهر المقعد بإرهاق واضح، بينما كانت "آسيا" صامتة على غير عادتها وعيناها شاردتان فى الفراغ دخلت "خديجة" الشقة تحمل بعض الأكياس بيدها بعد عودتها من الخارج توقفت عند الباب مباشرة وعقدت حاجبيها بدهشة ثم قالت:-
_ خير؟!
رفعت "وصيفة" رأسها إليها أما "خديجة" فتابعت باستغراب:-
_ آسيا عندك هنا من إمتى؟
نقلت بصرها بين الجالسات وقالت:-
_ وسايبة شقة أمها؟
نظرت "آسيا" إلى الأرض بصمت بينما شعرت "قُدس" بالغضب يعود إليها من جديد فقالت بضيق:-
_ ما هى لو كانت قاعدة عند ديحة كانت هتقتلها هى كمان
التفتت "خديجة" إليها فورًا وقالت:-
_ نعم؟!
وضعت الأكياس من يدها بذهول والفضول يقتلها لما حدث فى غيابها ونزعت طرحتها السوداء وهى تجلس بجوارهما تقول:-
_ تقصدى إيه؟
كانت "قُدس" لا تزال غاضبة مما حدث ولا تزال صورة "الجارحي" وهو يخرج من الشقة ثائرًا لا تغادر رأسها فقالت بحدة:-
_ ديحة راحت لواحد ودفعتله فلوس عشان يقتل جارحي
سقط الصمت على المكان كأن أحدهم ألقى قنبلة وسط الصالة أما "خديجة" فتجمدت تمامًا واتسعت عيناها ببطء لا تستوعب ما سمعت عن قتل ابنها وقالت بعدم استيعاب:-
_ مين؟
_ جارحي
همست بها "قُدس" شعرت "خديجة" أن الدم صعد إلى رأسها دفعة واحدة، اختفى اللون من وجهها واختفت معه آخر بقايا هدوئها وضعت يدها على صدرها ثم قالت بصوت مرتجف:-
_ بتقولى إيه، إنتِ بتقولي اي إنتِ، دا أنا مقلعتش الأسود على ابني الأولاني
أومأت "قُدس" برأسها فأخبرتها "وصيفة" ببقية التفاصيل كل شيء من أول لقاء "مديحة" بـ"جلال" حتى غضب "الجارحي" وإلغاء قرار توزيع الميراث كانت "خديجة" تستمع وكل كلمة كانت تشعل نارًا جديدة داخل صدرها حتى انتهى الحديث فألقت ما كان بيدها على أقرب طاولة واستدارت نحو الباب
_ رايحة فين؟
قالتها "وصيفة" بسرعة لكن "خديجة" كانت قد فتحت الباب بالفعل
وقالت من بين أسنانها:-
_ عندها
كانت تقف أمام باب شقة "مديحة" تتنفس بعنف وصدرها يعلو ويهبط ثم ضغطت الجرس بعصبية مرة واثنتين وثلاثة حتى فُتح الباب وظهرت "مديحة" أمامها وعلى وجهها علامات الضيق لكنها لم تكد تنطق بحرف حتى اندفعت "خديجة" إلى الداخل لأول مرة منذ سنوات طويلة ولأول مرة فى حياتها تقريبًا ترفع صوتها على حماتها
_ ارتحتى؟!
دهشت "مديحة" فى مكانها ونظرت إليها أما "خديجة" فتابعت وصوتها يهتز من شدة القهر:-
_ ارتحتى لما خربتى البيت كله؟!
_ خديجة اتكلمى عدل
قالتها "مديحة" بحدة لكن "خديجة" لم تتراجع، بل اقتربت أكثر
وعيناها تمتلئان بالدموع وقالت:-
_ لا... النهاردة مش هسكت، مش هسكت زى كل مرة، مش هسكت زى عمرى كله
اتسعت عينا "مديحة" أما "خديجة" فتابعت:-
_ عماد الدين مات، مات يا أم فؤاد وإنتِ أول واحدة شجعتيه أول واحدة زينتله الطريق أول واحدة خلتِه يمشى ورا الفاسد اللى ضيعه، بس الغلطمش عندك الغلط عندى، أنا اللى كنت طيبة وهبلة وسيبتلك ابنى تربيه وتدلعيه معرفتيش تطلعيه راجل، أنا السبب مش إنتِ
شهقت "مديحة" بغضب وقالت:-
_ أنا مليش دعوة بموته، أنا أكتر واحدة حبت عماد الدين فى العيلة دى
فصاحت "خديجة" بعصبية شديدة:-
_ لا ليكى! ليكى دعوة وكلنا لينا دعوة بس إنتِ أكتر واحدة كنتِ كل يوم تحرضيه تحسسيه إنه مظلوم فى العائلة ومكروه وإن الفلوس أهم من أهله وإن الطمع حق لحد ما ضاع مننا
ارتعشت شفتاها وخرج صوتها مكسورًا:-
_ ابنى مات ابنى اللى حملته فى بطنى لا وبكل بجاحة وجبروت منك جاية عايزة تقتل ليا التاني، يا شيخة حرام عليكي
ساد الصمت لكن "خديجة" لم تنتهِ بعد، كانت سنوات طويلة من الكتمان تخرج دفعة واحدة، سنوات من الصمت والتحمل والانكسار
ثم قالت وهى تشير بإصبعها نحوها:-
_ أنا مصدومة ومقهورة عايزة تقتلى الجارحي، ابنى، فلذة كبدى، الواد اللى شايل البيت كله فوق كتفه، الواد اللى بيجرى على الكبير قبل الصغير، الواد اللى عمره ما أذى حد
انهمرت دموعها رغمًا عنها، لم تجد "مديحة" ردًا فقط حدقت بها أما "خديجة" فكانت تبكى الآن لكنها لم تبدُ ضعيفة؛ بل بدت كأم جريحة تدافع عن آخر ما تبقى لها وقالت بصوت مخنوق:-
_ أنا الموت أخد نص قلبى يوم عمادالدين،و النهاردة حاولتى تدفنى النص التانى بإيدك
ثم هزت رأسها بيأس ونظرت إليها نظرة طويلة موجوعة ومحطمة وقالت:-
_ إنتِ الله يعينك على حالك وعلى السواد اللى شايلاه فى قلبك دا، الكل بعد عنك وكرهك وحتى ولادك بعدوا عندك، أنتِ هتعيشي وهتموتي هنا لوحدك محدش هيسأل فيكي من عمايلك ومن الكره اللى بتزرعيه فى قلوبهم
استدارت نحو الباب ثم توقفت لحظة وقالت دون أن تنظر إليها:-
_ الفلوس اللى ضيعتى عيلتك عشانها لما تموتى مش هتنزل معاكى القبر، الله يسامحك
وغادرت الشقة وتركت خلفها "مديحة" واقفة وحدها فى منتصف الصالة لأول مرة دون أن تجد كلمة واحدة تدافع بها عن نفسها وشعرت بالوحدة فعلًا من هجر الجميع وعتاب الكل لها، شعرت بعجز وإقتضاب
________________________
ورغم أن العمارة كلها كانت تغلي كقدرٍ على النار صراخ هنا وعتاب هناك وغضب يتنقل بين الشقق كالدخان
إلا أن الطابق الذى تسكنه "ليل" كان هادئًا بصورة غريبةهدوء يشبه التعب أو يشبه الأرواح التى استنزفت كل ما لديها من قوة فلم يعد فيها طاقة حتى للبكاء
صعد "يزيد" الدرج بخطوات ثابتة يحمل بين ذراعيه كيسًا كبيرًا امتلأ بالملازم والأوراق والكتب التى طلبتها وحين وصل أمام الشقة
توقف كالعادة رفع يده وطرق الباب أولًا مرتين ثم قال بصوتٍ مسموع حتى تطمئن:-
_ أنا يزيد
انتظر قليلًا ثم أخرج المفتاح وفتح الباب بهدوء دلف إلى الداخل وهو يحمل الأكياس لكن ما رآه جعله يتوقف مكانه تمامًا لأول مرة منذ زواجهما يراها، حقًا يراها كانت "ليل" تقف أمام النافذة ظهرها إليه شعاع العصر الذهبى يتسلل من الزجاج ويرسم حولها هالة دافئة
خصلات شعرها السوداء الطويلة كانت منسدلة على ظهرها وجسدها النحيل بدا أضعف مما يتذكر كأن الأيام الماضية سحبت منها جزءًا من روحها حتى وقفتها نفسها لم تعد تشبه الفتاة التى كانت تجرى بين الجميع بخفة فراشة، كانت ساكنة وهادئة كأنها تخشى الحركة أو تخشى الحياة نفسها شعر بشىء ينقبض داخل صدره، شىء موجع
لأنها بدت جميلة وجميلة جدًا لكنها كانت جميلة بطريقة حزينة النوع الذى يجعل القلب ينكسر بدل أن يفرح، التفتت فجأة بعدما سمعت صوت الباب فارتبكت عيناها للحظة حين وجدته أمامها ولأول مرة منذ أيام طويلة وقعت عيناهما على بعضهما مباشرة، لم تهرب، ولم تختبئ فقط نظرت إليه بتردد ثم قالت بصوت خافت:-
_ فى إيه تحت؟ أنا سامعة زعيق من بدري؟
عقد حاجبيه بعدم فهم فأكملت وهى تشبك أصابعها ببعضها بتوتر:-
_ سمعت صوت خناق وصريخ
أخفض الأكياس من يده بهدوء ثم ابتسم ابتسامة صغيرة مطمئنة وقال:-
_ شوية مشاكل عائلية وخلاص
هزت رأسها بقلق واضح فأضاف بلطف:-
_ متخافيش... هتتحل
كانت تنظر إليه وكأنها تحاول التأكد من صدقه فابتسم أكثر وأشار إلى الأكياس مُتحدث بجدية:-
_ المهم، نفذت الأوامر كلها
نقل الأكياس إلى الطاولة القريبة وبدأ يخرج محتوياتها واحدًا تلو الآخر من ملازم ومذكرات ودفاتر مراجعة وأوراق محاضرات وأقلام جديدة حتى الكتب التى طلبتها وضعهم جميعًا بعناية كأنهم أشياء ثمينة ثم قال بفخرٍ خفيف:-
_ لفيت نص الكلية عشان أجيب الحاجات دى
اتسعت عيناها قليلًا واقتربت خطوة ثم أخرى تنظر إلى الأوراق واسم مادتها المكتوب فوقها لأول مرة منذ وقت طويل شعرت بشىء يشبه المستقبل، شىء صغير جدًا لكن موجود مدت يدها نحو إحدى الملازم ولامست غلافها بأطراف أصابع مرتجفة كأنها تتأكد أنها حقيقية وأن حياتها القديمة لم تختفِ بالكامل راقبها "يزيد" فى صمت ورأى ذلك البريق الخافت الذى عاد لعينيها للحظة فشعر براحة غريبة تسللت إلى قلبه، راحة رجل نجح أخيرًا فى أن يسحب شخصًا يحبه خطوة واحدة فقط بعيدًا عن الحافة ورغم أن الخطوة كانت صغيرة إلا أنها بالنسبة له كانت أكبر انتصار حققه منذ زمن طويل فتبسم بعفوية بريئة
قالت بلطف:-
_شكرا
انتهى صوتها عند كلمة شكر خافتة، بالكاد خرجت من بين شفتيها لكنها وصلت إليه بوضوح كأنها أول اعتراف صغير بأن وجوده لم يعد مخيفًا بالكامل ابتسم "يزيد" ابتسامة قصيرة، ثم قال وهو يضع آخر كراسة على الطاولة:-
_ متشكرنيش... ده أقل حاجة
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة أهدأ:-
_ بالمناسبة... لو حابة ترجعي الجامعة، أقدر أوصلك أي يوم
تجمدت ملامح "ليل" فجأة، كأن الكلمة لمست جرحًا لم يلتئم بعد عينها تحركت نحو الباب ثم إلى النافذة ثم عادت إليه لكن هذه المرة لم يكن في نظرتها امتنان فقط، بل خوف واضح وصادق وخطوة صغيرة تراجعت بها إلى الخلف دون أن تشعر وخطوة واحدة كانت كافية ليلاحظها فورًا تغيرت ملامحه لم يضغط ولم يقترب فقط ثبت مكانه، كأنه يخشى أن أي حركة منه قد تعيدها لنقطة الانهيار، قال بهدوء شديد:-
_ أنا مش هضغط عليكِ
صمت لحظة، ثم تابع بصوت أكثر ثباتًا:-
_ اللي حصل انتهى يا ليل
رفع نظره إليها مباشرة وقال:-
_ عمران مات واللى كان معه اتحاسبه ومحدش برا باب الشقة دى يعرف حاجة عن اللي حصلك، فمتخافيش من عين الناس زى ما بتفكري
اقترب خطوة واحدة فقط، ليس تجاهها بل ليجلس على طرف الأريكة، حتى يقلل المسافة بينه وبين الأرض التى تقف عليها هي كأنها تحتمي منها ثم قال بنبرة أهدأ، لكنها ممتلئة يقين:-
_ إنتِ هنا فى أمان
سكت قليلًا ثم أكمل وهو يشير حولها:-
_ برا مهما كان العالم صعب إنتِ بحقيقتك جوهرة مصانة، وإنتِ ضحية مش مذنبة عشان تستخبي من الناس وأفتكري كويس إنك بنت عيلة أبو النور و مراتي
توقفت الكلمة الأخيرة في الهواء لحظة لم تكن ثقيلة، بل كانت ثابتة كأنها تُقال لأول مرة بمعناها الحقيقي لا القانوني تابع وهو ينظر لعينيها مباشرة:-
_ وإنتِ مش ضعيفة، إنتِ أقوى من اللي حصل، وأقوى من إنك تسيبيه يحدد حياتك
الصمت بينهما امتد لكن شيئًا ما تغيّر في ملامحها والرعب لم يختفِ لكنه هدأ قليلًا كأن صوته كان يمد جسرًا صغيرًا فوق هاوية كبيرة تنفست ببطء ثم أومأت برأسها بخفة، كأنها توافقه على فكرة لم تقتنع بها بالكامل لكنها تريد تصديقها فابتسم "يزيد" ابتسامة صغيرة هذه المرة ابتسامة بارتياح وعيناه لأول مرة لم تكن قاسية، بل دافئة وفي تلك اللحظة القصيرة كان يمكن للعالم أن يبدو أقل وحشة لكن الهاتف على الطاولة قطع كل شيء يهتز مرة ثم مرتين
التقطه "يزيد" بعفوية لكن ما ظهر على الشاشة جمد ملامحه تمامًا اختفت الابتسامة وتصلب جسده وتحولت عيناه في ثانية واحدة فقط من دفء هادئ إلى برود مخيف إلى غضب خام إلى نار لم تُطفأ بعد رسالة واحدة فقط لكنها كانت كافية لإعادة فتح باب لم يُغلق تمامًا مجرد أسماء مجهولة لكنها مرتبطة بـ"عمران" أشخاص كانوا هناك و شاركوا يظنوا أن ما حدث انتهى رفع "يزيد" نظره ببطء لم تعد "ليل" تراه كما كان قبل دقيقة كان شيئًا آخر الآن، شيئًا لا يتكلم كثيرًا، ولا يشرح، ولا يهدأ بسهولة أغلق الهاتف ببطء ثم قال بصوت منخفض جدًا، أقرب للهمس:-
_ حلو دا
عينيه بدأ شيء قديم جدًا يستيقظ من جديد شيء لا يشبه الطمأنينة ولا يشبه الحب بل يشبه الانتقام حين يتأكد أنه وجد طريقه
____________________
في شقة "الجارحي" كان الصمت مختلفًا هذه المرة ليس صمت راحة ولا صمت نهاية يوم طويل،؛ بل صمت رجل يقف داخله صراع لا يُسمع فجلس "الجارحي" على طرف الأريكة، مائلًا للأمام، كأن كتفيه يحملان وزن البيت كله، ووزن العائلة، ووزن القرارات التي بدأت تتساقط فوق رأسه واحدة تلو الأخرى عيناه ثابتتان في نقطة فارغة أمامه لكن داخله لم يكن فارغًا أبدًا كان ممتلئًا بالغضب وبالإحباط وبشعورٍ خفي أشد قسوة من الاثنين لوم النفس لماذا فكر في العائلة قبل أن يفكر في المال؟ لماذا حاول أن يجمعهم بينما بعضهم كان يبيعهم؟ لماذا صدّق أن الدم يمكن أن يهدأ؟ قبض على يده بقوة حتى ابيضت مفاصله كأن كل ما حوله يخونه الصمت ليتركه وحده مع أفكاره ثم فتح الباب بهدوء، دخلت "قُدس" لم تتكلم ولم تسأل ولم تقترب بسرعة
فقط أغلقت الباب خلفها ببطء، وكأنها تدرك أن أي صوت أعلى من اللازم قد يكسر شيئًا بداخله تقدمت نحوه خطوة ثم أخرى و جلست بجواره بصمت ولم تلتفت إليه في البداية؛ بل جلست قريبة بما يكفي ليشعر بها، دون أن تُجبره على النظر ثم مدّت يدها ببطء وأمسكت يده التي كانت مشدودة منذ دقائق لم تحاول فك قبضته بالقوة فقط احتوتها بين كفّيها وكأنها تقول له دون كلام:-
_ أنا جنبك
تنفّس "الجارحي" ببطء لأول مرة منذ فترة وكأن وجودها وحده فك عقدة لم يكن يدرك أنه يحملها ثم مالت "قُدس" برأسها قليلًا نحو كتفه وبصوت خافت جدًا، قالت:-
_ و معاك
سكتت لحظة ثم أضافت:-
_ وكل اللي جاي هنعديه سوا
أغمض "الجارحي" عينيه ولأول مرة منذ بداية العاصفة لم يشعر أنه وحده، لم تنتهِ الحرب لكن داخل تلك اللحظة الصغيرة كان هناك شيء أقوى من الحرب نفسها، يدٌ تمسكه وقلبٌ يقول له (لا تقع)
لم تدم تلك اللحظة طويلًا...
تلك اللحظة التي بدا فيها العالم أقل قسوة ويد "قُدس" ما زالت بين يدي "الجارحي"، وصمته بدأ يلين قليلًا، كأن وجودها أعاد ترتيب الفوضى داخله لكن فجأة، انشقّ الهدوء صرخة قوية حادّة صعدت من أسفل العمارة كالسهم، واخترقت السكون دفعة واحدة انتفض "الجارحي" في مكانه فورًا وقبضته اشتدت لا إراديًا داخل يد "قُدس"، ثم تركها بسرعة وهو يقف كأن جسده سبق وعيه تجمدت "قُدس" لحظة تسألت بضيق:-
_ إيه ده؟!
لكن "الجارحي" لم ينتظر سؤالها كان قد تحرك بالفعل نحو الباب، فتحَه بسرعة، ونزل الدرج بخطوات ثقيلة متسارعة، صوته الداخلي يسبق خطواته:-
_في إيه تاني؟ مفيش دقيقة راحة؟ المرة دي مين؟
خلفه، لحقت به "قُدس" بقلق واضح، تمسك طرف عباءتها وهي تنزل خلفه بسرعة، قلبها بدأ يضرب بقوة لا تفسير لها كلما اقتربوا من الطابق السفلي زاد الصوت صوت حركة تجمّع أبواب تُفتح وهمسات متوترة ثم وصل "الجارحي" إلى أسفل العمارة
وتوقف في منتصف البهو عيناه تتفحصان المشهد بسرعة قاتلة لكن ما رآه لم يكن مجرد صرخة، كان بداية شيء أكبر بكثير مما تخيّل شيء جعل الهواء نفسه في العمارة يتغير ويصبح أثقل وأكثر خطورة.........
رواية حرب سقطت راءها الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم نورا عبد العزيز
بعنـــوان " ما بيـــن نبضــــــة القلـــب والقـــــدر 💞🌼 "
[[ بين نبضة قلبٍ تتشبث بالحياة ونبضة أخرى تستقبل حياة جديدة
فبعض القلوب كانت تنتظر النجاة وبعضها كان يخشى الفقد...
كانت الأقدار تعيد ترتيب الجميع .... دون أن تستأذن أحدًا ]]
ركض "الجارحي" إلى أسفل العمارة بخطوات سريعة بينما كانت "قُدس" خلفه تحاول اللحاق به وما إن وصل إلى الطابق الأرضي حتى تجمد مكانه، وكانت "آسيا" جاثية على الأرض تبكي بانهيار تحتضن رأس "مديحة" الموضوعة فوق ساقيها وتصرخ بجنون:-
_ ياما... ياما فوقي... بالله عليكي فوقي
كانت "مديحة" ساكنة تمامًا وجهها شاحب بصورة مخيفة وشفتاها مائلتان إلى الزرقة بينما التف سكان العمارة حولها فى حالة من الذعر اندفع "فؤاد" نحو والدته وسقط على ركبتيه بجوارها وقال بتلعثم:-
_ أمى!
هز كتفها بيد مرتعشة مُتلعثم وقال:-
_ أمى افتحي عينك
لكن لا جواب اقترب "هادي" بسرعة هو الآخر بينما نزلت "خديجة" من الشقة وقد اختفى الغضب من وجهها فور رؤيتها للمشهد شهقت بفزع وضعت يدها على فمها ثم قالت بصدمة:-
_ يا ساتر يا رب
أما "الجارحي" فوقف للحظة ينظر للمشهد كله، شعور غريب ضرب صدره شعور لم يعرف إن كان خوفًا أم ذنبًا أم غضبًا لكن لم يكن وقت التفكير، حملها هو و"فؤاد" بسرعة ونزلوا بها إلى السيارة بينما كانت "آسيا" تبكي طوال الطريق
بعد ساعة تقريبًا كانت العائلة كلها مجتمعة أمام غرفة العناية المركزة والوجوه شاحبة وأعين مرهقة وقلوب معلقة خلف ذلك الباب المغلق خرج الطبيب أخيرًا وكل شخص منهم يلوم نفسه ربما هو سبب ما ألت إليه الأمور مع "مديحة" فاندفع إليه "فؤاد" فورًا:-
_ أمى عاملة إيه يا دكتور؟
نظر الطبيب إلى الجميع ثم قال بجدية:-
_ الحالة غير مستقرة، بأزمة قلبية حادة والساعات الجاية مهمة جدًا
شعرت "آسيا" أن ساقيها فقدتا قوتها فجلست على أقرب مقعد بينما أغمض "فؤاد" عينيه بألم أما "خديجة" فخفضت رأسها فى صمت حتى "الجارحي" الذى لم يكن يظهر مشاعره بسهولة شعر بشىء يضغط على صدره بقوة، دخلت "وصيفة" المستشفى بعد قليل بعدما أوصلها أحد السائقين وكانت تلهث من التعب وعيناها تمتلئان بالخوف فور أن سمعت أن "مديحة" داخل العناية توقفت فى منتصف الممر ثم قالت بصوت مرتجف:-
_ دخلت الإنعاش؟
هز "فؤاد" رأسه ببطء وجلست "وصيفة" على المقعد وكأن قوتها خانتها وضعت يدها على صدرها ثم قالت بحزن حقيقي:-
_ يا رب لطفك
ساد الصمت للحظات قبل أن ترفع رأسها فجأة نحو "الجارحي" وكان الغضب قد بدأ يتسلل إلى ملامحها فتحدثت بضيق:-
_ مبسوط دلوقت؟
رفع "الجارحي" نظره إليها وعقد حاجبيه فأكملت وهى تشير نحوه بيد مرتجفة:-
_ اهو حصل اللى كنت عايزه
اتسعت أعين الجميع بينما قال "فؤاد" بصدمة:-
_ اى يا صفصف !
لكنها لم تتوقف كانت خائفة، مرهقة وموجوعة والخوف أحيانًا يجعل الكلمات أكثر قسوة من أصحابها قالت بعصبية:-
_ أنا تعبت والله العظيم تعبت كل شوية بنودع واحد، كل شوية مصيبة جديدة عماد مات وبعدين اللى حصل للبنات ليان وقدس وليل وبعدين خناقات الورث ودلوقت مديحة بين الحياة والموت
ثم نظرت إلى "الجارحي" مباشرة ووقفت تمسكه من لياقته بأنفعال شديد:-
_ وأنت السبب
تجمدت "قُدس" فى مكانها أما "الجارحي" فظل صامتًا فأكملت "وصيفة" بدموع:-
_ أخدت الورث كله والست فضلت شهور بتصرخ وتعيط وتطلب حقها، كل يوم بتاكل نفسها من القهرة وكل يوم بتحس إن عمرها كله ضاع وأنا مش بقول إنها صح ولا بقول إن اللى عملته صح لكنها كانت موجوعة كانت شايفة حقها بيتسحب من قدام عينها... ليه كدة؟؟
ارتجفت شفتاها ثم قالت بصوت مكسور:-
_ ومهما حصل... دى ضرتى وعشرة عمر والوحيدة اللى فضلت تطالب بحقها لآخر نفس أنا خايفة أخسرها خايفة أصحى بكرة يقولولى ماتت هى كمان
ساد الصمت صمت ثقيل ومؤلم حتى "قُدس" لم تعرف ماذا تقول؟ أما "الجارحي" فبقى واقفًا مكانه ساكنًا تمامًا كأن كلمات "وصيفة" أصابته فى مكان لا يستطيع الدفاع عنه لأول مرة منذ فترة طويلة لم يجد ردًا، فلم يغضب ولم يثور ولم يبرر... فقط وقف صامتًا وعيناه معلقتان بباب العناية المركزة يتساءل داخله للمرة الأولى فهل كان يحاول إصلاح العائلة؟؟ أم أنه كان يساهم فى تمزيق ما تبقى منها؟
أما خلف باب العناية المركزة فكانت أجهزة المراقبة تصدر أصواتها المنتظمة بينما ترقد "مديحة" بين الحياة والموت لا تسمع شيئًا ولا تعلم أن العائلة التى كانت تحارب من أجل المال بالأمس، أصبحت اليوم تحارب خوفًا من فقدان شخص آخر
_____________________________
على الجانب الآخر بعيدًا عن غرف الإنعاش وبعيدًا عن صرخات العائلة وأحزانها المتلاحقة
كان "جلال" يسير ببطء داخل ممرات المستشفى وإلى جواره "ليان" تمسك بذراعه أثناء السير بينما كان يساندها بحرص مبالغ فيه حتى كادت تلاحظ الأمر فتوقفت تنظر إليه باستغراب:-
_ هو أنا عندي تسعين سنة ومش واخدة بالي؟
التفت إليها "جلال" ببراءة مصطنعة وقال بلهجة دافئة:-
_ نعم؟
_ نعم إيه؟
قالتها وهى تضرب ذراعه بخفة ثم أكملت بعفوية مُنهكة:-
_ أنت ماسكني كأنى هقع فى أي لحظة براحة على ذراعي
تبسم رغم الألم المختبئ خلف عينيه وقال:-
_ احتياط
_ احتياط من إيه؟
_ لتكون الدوخة لسه موجودة أو ممكن من عيني
قالها وغمز لها يغازلها فعقدت حاجبيها فأضاف وهو يتأملها:-
_ أصلها مبتشبعش منك.
رفعت عينيها إلى السقف بتأفف لكن ابتسامة صغيرة خانتها بينما شعر "جلال" أن تلك الابتسامة وحدها تستحق أن يحارب الدنيا كلها من أجلها خرجا من باب المستشفى فلفحتهم نسمات الهواء الدافئة توقفت "ليان" للحظة ترفع وجهها نحو السماء وأغمضت عينيها كأنها تستمتع بشىء بسيط افتقدته لأيام أما هو فكان يستمتع بها هى فقط بكل تفاصيلها حتى ضيقها وعنادها حتى غرورها الذى كان يثير أعصابه أحيانًا أصبح يحبه، فتح لها باب السيارة بنفسه فقالت ساخرة:-
_ شكلك عامل مصيبة يا جلال
_ ليه؟
قالها وهو ضحك وهو يجلس بجوارها فأجابت:-
_ أصل لما بتبقى محترم زيادة ببقى قلقانة
ضحك رغمًا عنه ثم أغلق الباب عليها واستدار إلى مقعده خلف المقود، طوال الطريق كانت القاهرة تتحرك حولهما سيارات وإشارات أصوات أما داخل السيارة فكان عالمًا آخر هادئًا دافئًا ومليئًا بها، كانت "ليان" تنظر من النافذة بشرود فقال فجأة:-
_ عارفة؟
التفتت إليه بفضول وعيني شبه ناعستين فقال:-
_ إيه؟
تنهد بهدوء ثم قال:-
_ أنا كنت فاكر نفسى راجل مفيش مني، جبل صامد فى الأرض ميتزحزحش
رفعت حاجبها باستغراب فأكمل:-
_ عندي فلوس ونفوذ وشغل وناس تخاف منى كنت فاكر إن دا كفاية
ثم نظر إليها لحظة وأضاف:-
_ لحد ما جيتى
ابتسمت بخفة لكنها لم تقاطعه فأكمل وعيناه على الطريق:-
_ وقتها عرفت إن الواحد ممكن يبقى عنده الدنيا كلها، ويبقى ناقصه شخص واحد بس وشخص واحد يساوى الدنيا كلها
شعرت بحرارة خفيفة تسللت إلى وجنتيها فحاولت إخفاءها قائلة:-
_ كلامك كتير اليومين دول
ضحك بحُب وأخذ يدها فى راحة يده بحنان ثم قال:-
_ عشان عندي كلام متخزن من يوم ما قابلتك
_ ولسه فاكر تقوله دلوقت؟
_ لا
قالها وهو يلتفت إليها سريعًا متابعة:-
_ دلوقت بقيت خايف ميبقاش عندي وقت أقوله.
لم تنتبه للجملة كما انتبه هو لها أما قلبه فشعر بوخزة مؤلمة لكنه أخفاها خلف ابتسامة هادئة ثم مد يده وأمسك يدها فوق المقعد مُتمسكًا بها وقال بصوت منخفض:-
_ وجودك فى حياتي غير كل حاجة، حتى أنا بقيت شخص تاني بقيت أعرف يعنى إيه أرجع البيت مستعجل عشان حد مستنيني يعنى إيه أخاف على حد ويعنى إيه أفرح لمجرد أنه موجود
سكت لحظة ثم أكمل بابتسامة دافئة:-
_ تخيلي إن جلال الصياد نفسه بقى بيصحى الصبح أول حاجة يفكر فيها هى دكتورة قلبه ليان.
ضحكت أخيرًا ضحكة حقيقية هذه المرة فشعر أن صدره امتلأ بالراحة كأنه انتصر فى معركة مع أنه كان يعلم أن الحرب الحقيقية ما زالت أمامه وصلت السيارة إلى القصر وترجل أولًا ثم فتح لها الباب مد يده إليها فوضعت يدها فى يده بعفوية وما إن نزلت حتى جذبها برفق نحوه، اصطدمت بصدره رفعت رأسها إليه باستغراب وقال وهو يتأمل عينيها الزرقاوين بعشق لا يخفيه:-
_ لو خيروني بين الدنيا كلها وبين يوم واحد معاكى هختارك أنتِ كل مرة
ابتسمت رغماً عنها بينما هو حفظ تلك الابتسامة داخل قلبه كأنها كنز كأنها عمر كامل وكأن الزمن أصبح أثمن بكثير مما كان يظن
___________________________
فى صباحٍ هادئ
كان "يزيد" يجلس إلى طاولة الطعام يتناول إفطاره ببطء، يطالع هاتفه أحيانًا ويرتشف قهوته أحيانًا أخرى هدوء الشقة أصبح مألوفًا له، هدوء يحمل خلفه خوفًا ووجعًا وصبرًا طويلًا.
أما فى الغرفة الأخرى فكانت "ليل" تقف أمام المرآة تحدق فى انعكاس صورتها بصمت فستانها الواسع بلونه الهادئ حجابها المرتب بعناية وجهها الشاحب الذى بدأ يستعيد شيئًا من الحياة نظرت طويلًا إلى نفسها كأنها تتعرف على تلك الفتاة من جديد، رفعت يدها المرتجفة قليلًا وعدلت طرف حجابها ثم أخذت نفسًا عميقًا، شعرت بقلبها ينبض بعنف داخل صدرها مجرد التفكير فى الخروج جعل معدتها تنقبض وجعل أطراف أصابعها تبرد لكن كلمات "قدس" لم تغادر عقلها وكلمات "يزيد" أيضًا فلن تبقى سجينة هذه الغرفة للأبد، لن تسمح لـ"عمران" أن يسرق منها عمرها كله أغمضت عينيها ثانية ثم فتحت باب غرفتها وخرجت.
رفع "يزيد" رأسه على صوت الباب وفى اللحظة التى رآها فيها توقف تمامًا حتى فنجان القهوة تجمد بين يديه اتسعت عيناه بصدمة حقيقية لأول مرة يراها خارج غرفتها منذ أيام، يراها مستعدة للخروج ، لمواجهة الحياة، كانت واقفة متوترة قرب باب الغرفة تضم أصابعها ببعضها بخجل وقلق فنهض فورًا من مكانه يحاول ألا يظهر فرحته الكبيرة لكن قلبه كان يركض داخل صدره قال بهدوء:-
_ صباح الخير.
هزت رأسها بخفة ثم قالت بصوت خافت:-
_ صباح النور.
ساد الصمت للحظات قبل أن تجمع شجاعتها وتقول:-
_ لو... لو حضرتك فاضي.
رفع حاجبه منتظرًا فأكملت:-
_ ممكن توصلني الجامعة؟
شعر "يزيد" وكأن أحدهم أهداه الدنيا كلها فى تلك اللحظة لكنه اكتفى بابتسامة هادئة وقال:-
_ طبعًا.
ثم أضاف فورًا:-
_ خمس دقايق وأكون جاهز.
بعد قليل
كانت السيارة تشق طريقها بين الشوارع، جلست "ليل" جواره تنظر من النافذة بصمت بينما كان هو يقود بهدوء متعمد، لا يضغط عليها بالكلام، ولا يتركها تشعر بالتوتر حتى وصلا إلى بوابة الجامعة
توقفت السيارة فالتفت إليها مبتسمًا وهتفت بلطف:-
_ لما تخلصي ابعتيلي أو رني عليا.
نظرت إليه بتردد فأضاف مطمئنًا:-
_ وأنا هاجي أخدك فورًا
هزت رأسها بالموافقة ثم نزلت من السيارة وبدأت خطواتها تتحرك نحو الجامعة مترددة فى البداية ثم أكثر ثباتًا بينما ظل "يزيد" يتابعها بعينيه حتى اختفت داخل المبنى عندها فقط تنفس براحة وكأن روحه هى التى عادت للحياة.
داخل الجامعة ما إن رأتها صديقاتها حتى اندفعن نحوها بفرحة حقيقية يصرخون باسمها من السعادة بعودتها
_ لييييل!
قالت "كارما" أحد صديقاتها بحب:-
_ وحشتينا جدًا!
_ أخيرًا رجعتي!
وجدت نفسها محاطة بالأحضان والأسئلة والضحكات وشعرت لأول مرة منذ فترة طويلة أنها تنتمى إلى مكان ما توقفت إحدى صديقاتها "كارما" فجأة وهى تنظر نحو البوابة التى غادر منها "يزيد" ثم قالت بفضول شديد:-
_ لحظة بس هو مين القمر اللى كان معاكي دا؟
ضحكت أخرى قائلة:-
_ والله كنت فاكرة ممثل!
_ لا بجد... دا وسيم بشكل مش طبيعي.
شعرت "ليل" بحرارة خفيفة فى وجنتيها فأشاحت بنظرها سريعًا وقالت بهدوء مقتضب:-
_ من العيلة
_ قريبك؟
سألتها إحدى الفتيات فترددت لثانية واحدة ثم أجابت:-
_ آه... من العيلة
واكتفت بذلك دون أن تضيف كلمة أخرى، بينما ابتسمت بخفة وهى تتذكر كيف وقف ينتظر طلبًا صغيرًا منها وكأنه أمر لا يُرد لأول مرة منذ زمن طويل شعرت أن العالم لم يعد مخيفًا بالكامل وأن هناك شخصًا ما يقف فى الجهة الأخرى من الطريق ينتظر فقط أن تناديه فيأتى
___________________________
فى الجهة الأخرى...
كان الليل قد بدأ يفرض هدوءه على القصر لكن الهدوء لم يصل إلى عقل "جلال" جلس خلف مكتبه الضخم وأمامه ملف أسود مفتوح منذ ساعات لم يقرأ منه حرفًا واحدًا كأس القهوة بجواره أصبح باردًا والسيجارة بين أصابعه احترقت حتى نهايتها دون أن يشعر عيناه كانتا معلقتين على ورقة صغيرة موضوعة أمامه، ورقة تحمل اسمًا واحدًا فقط "الجارحي".
تنهد بضيق ثم ألقى رأسه للخلف وأغمض عينيه كأنه يحاول الهروب من أفكاره لكنها كانت تطارده بلا رحمة" مديحة" دفعت المال والاتفاق تم ومنذ عشرات السنين لم يتراجع "جلال" عن عمل قبله سمعته فى عالمه كانت أهم من حياته أحيانًا الرجل الذى يأخذ المقابل وينفذ، لا يتراجع، لا يتردد، ولا يترك ثغرة لأحد.
لكن هذه المرة... الأمر مختلف لأن الاسم ليس غريبًا ولأن الرصاصة لن تصيب "الجارحي" وحده، بل ستصيب "ليان" أولًا.
فتح عينيه ببطء وتذكر وجهها يوم زواجهما حين وقفت أمامه بكل عنادها المعتاد وقالت بوضوح:-
_ عندي شرط واحد
ابتسم وقتها وقال:-
_ أطلبي
فأجابته دون تردد:-
_ عمرك ما تأذي حد من أهلي ولو يوم عملتها أنا همشي من حياتك للأبد ومش هسامحك يا جلال
ابتلع ريقه بصعوبة وتقلص فكه بقوة حتى برزت عضلاته لأن المشكلة الحقيقية أنه يعلم جيدًا أن "ليان" لا تمزح وإذا قالت إنها سترحل فستفعل دون دموع ودون تردد، دون أن تلتفت خلفها طرق الباب فقال ببرود:-
_ ادخل
دلف "كريم" بهدوء ليلاحظ فورًا حالة الشرود التى يعيشها رئيسه اقترب وجلس أمام المكتب قائلًا:-
_ لسه بتفكر فى موضوع الجارحي؟
رفع "جلال" عينيه إليه وقال بملل:-
_ بقالى أسبوع بفكر
_ وأخدت قرار؟
سكت للحظات ثم قال:-
_ لا
تفاجأ "كريم" فمن النادر أن يرى "جلال" حائرًا؛ بل ربما لم يحدث ذلك من قبل فقال بحذر:-
_ بصراحة يا باشا... أنا أول مرة أشوفك واقف فى نص الطريق كدة
ضحك "جلال" ضحكة قصيرة بلا روح ثم قال:-
_ وأنا أول مرة أبقى كدة
تنهد وأكمل بصوت خافت:-
_ زمان كان القرار سهل يتدفع فلوس ويتنفذ المطلوب، إنما دلوقت... بقي فى واحدة بتراجع كل قراراتى
ابتسم "كريم" بخفة وقال:-
_ مدام ليان
رفع "جلال" حاجبه ثم قال:-
_ المصيبة كلها اسمها ليان.
صمت لحظة ثم أردف:-
_ لو قتلت الجارحي هخسرها ولو رفضت الطلب أخسر سمعتي.
هز "كريم" رأسه مفكرًا ثم قال:-
_ بس فى فرق
نظر إليه "جلال" فأكمل:-
_ السمعة ممكن تتصلح إنما الست اللى بتحبها لو راحت صعب ترجع
ساد الصمت، صمت طويل حتى أن صوت عقارب الساعة أصبح مسموعًا وأخيرًا وقف "جلال" من مكانه واتجه نحو النافذة الزجاجية الكبيرة ينظر إلى الحديقة المظلمة بالخارج وقال بصوت منخفض:-
_ عمرى ما تخيلت إن فى يوم واحدة ست تخلينى أراجع نفسى فى حاجة زى دى.
ابتسم "كريم" بينما أكمل "جلال" وعيناه معلقتان بالظلام:-
_ زمان كنت ممكن أقتل مدينة كاملة لو دا شغلي دلوقت... بقيت بخاف على دمعة تنزل من عينها.
أطرق "كريم" رأسه بصمت أما "جلال" فبقى واقفًا مكانه بين عالمين، عالم بناه بيديه من الدم والخوف وعالم صغير اسمه "ليان" لأول مرة فى حياته لم يكن يعرف أيهما سينتصر فى النهاية.
ظل "جلال" واقفًا أمام النافذة كفاه داخل جيبي بنطاله وعيناه معلقتان بالحديقة المظلمة بينما كان عقله يغرق أكثر فأكثر داخل دوامة الحيرة قتل "الجارحي" أم لا؟ ينفذ الاتفاق ويحافظ على اسمه وهيبته؟ أم يحافظ على وعد قطعه لـ"ليان" تنهد بضيق وأغلق عينيه للحظة لكن صوت "كريم" خلفه قاطعه:-
_ جلال بيه... فى حاجة كمان.
لم يلتفت وقال ببرود:-
_ خير؟
تردد "كريم" قليلًا وكأنه لا يعرف كيف يبدأ ثم قال:-
_ المستشفى بعتت تقرير جديد.
انعقد حاجبا "جلال" والتفت إليه فورًا.
_ تقرير إيه؟
أخرج "كريم" الملف من يده وقال بهدوء:-
_ التحاليل اللى اتعملت للدكتورة ليان.
شعر "جلال" بانقباض غريب داخل صدره وأخذ الملف بسرعة لكن "كريم" سبقه بالكلام:-
_ فيه خبر جديد
_ اتكلم
قالها بحدة فابتلع "كريم" ريقه ثم قال:-
_ مدام ليان حامل
ساد الصمت، صمت ثقيل قاسٍ مربك كأن الزمن توقف للحظة اتسعت عينا "جلال" ببطء وتجمدت ملامحه تمامًا حتى أن الملف انزلق قليلًا من بين أصابعه:-
_ إيه؟
خرجت الكلمة هامسة غير مصدقة
_ حامل؟
هز "كريم" رأسه بنعم فابتعد "جلال" عدة خطوات للخلف وجلس فوق المقعد خلف مكتبه كأنه فقد القدرة على الوقوف مُتمتم بهدوء:-
_حامل... ليان حامل.
ابتسم وهو يفكر بطفل منه، طفل يحمل عينيها ربما أو ابتسامتها أو عنادها الذى يقتله ويعشقه فى آن واحد وفجأة...
وجد نفسه يبتسم ابتسامة صغيرة مرتبكة، غير مصدقة كأن قلبه سبق عقله فى استيعاب الخبر رفع يده إلى فمه وهو يضحك بخفوت ضحكة لم تخرج منه منذ سنوات طويلة، سنوات من الدم والقتل والسلطة والخوف لكن خبرًا صغيرًا كهذا...
هز عالمه كله همس لنفسه:-
_ هبقى أب...
ولأول مرة ظهر الضعف على وجه الرجل الذى كانت ترتجف المدن من اسمه لكن الفرحة لم تدم طويلًا، فجأة تلاشت الابتسامة وتجمدت ملامحه كأن أحدهم سكب فوقه ماءً مثلجًا رفع رأسه ببطء نحو "كريم" ثم سأل بصوت أجش:-
_ والمرض؟
خفض "كريم" رأسه فهم "جلال" الإجابة قبل أن يسمعها شعر بقلبه ينقبض بعنف "ليان" مريضة والمرض عاد من جديد ويهدد حياتها والآن...
هناك طفل أيضًا، طفل قد يأتى إلى الدنيا بلا أم أو قد لا يأتى أصلًا مرر يده داخل شعره بعنف وأغمض عينيه لأول مرة منذ سنوات طويلة، شعر بالعجز، عجز حقيقى، لا مال ينفع ولا نفوذ ولا رجال يحملون السلاح ولا إمبراطورية كاملة بناها بيديه، لا شيء يستطيع أن يوقف مرضًا يسرق عمر المرأة التى يحبها.
رفع رأسه نحو السقف وشعر بثقل الدنيا كلها فوق كتفيه ثم جاءت الضربة الأخيرة.
"الجارحي".
اسم واحد فقط لكن اسمه عاد يدور داخل عقله من جديد فهو ليس بأي شخص بل زوج "قُدس" شقيقة "ليان" توأمها، الرجل الذى لو أصابه مكروه فلن تسامحه "ليان" أبدًا ولا وهو نفسه أصبح يملك رفاهية خسارتها ليس الآن، ليس وهى تحمل طفله، وليس وهو يخاف عليها من الموت فى كل لحظة، ضرب المكتب بقبضته فجأة حتى اهتزت الأوراق فوقه فانتفض "كريم" من مكانه بينما قال "جلال" بصوت خرج مخنوقًا من بين أسنانه:-
_ ليه دلوقت؟ ليه كل حاجة لازم تحصل دلوقت؟
لم يجبه أحد فالغرفة كانت صامتة إلا من صوت أنفاس رجل لأول مرة فى حياته يشعر أن العالم كله يخرج عن سيطرته بين امرأة يخشى فقدانها وطفل لم يولد بعد ووعد قطعه لحبيبته وعقد قتل ينتظر التنفيذ.
كان "جلال" يجلس خلف مكتبه بينما الحيرة تكبر داخله أكثر من أى وقت مضى.
___________________________
فى قلب حى الأزهر...
حيث تتداخل أصوات الباعة مع حركة الزبائن ورائحة الأقمشة الجديدة التى تملأ المكان.
كان "الجارحي" يجلس داخل مكتبه الزجاجى المطل على الوكالة يتابع الحسابات ويوقع بعض الأوراق.
بينما عقله ما زال عالقًا فيما حدث خلال الأيام الماضية "مديحة" فى المستشفى، العائلة تتفكك أكثر فأكثر، والمال أصبح سكينًا يطعن الجميع رفع رأسه قليلًا ليتابع حركة العمال بالخارج قبل أن تتسع عيناه فجأة وتتوقف يده فوق الورقة كأن عقله لم يستوعب ما يراه هناك في وسط الوكالة كانت "قُدس" بفستانها السماوى الواسع تسير ببطء بين الأقمشة مع أحد العمال الذي يصطحبها إلى والدها الذى كان يشرح شيئًا بينما هى تبتسم بهدوء وقف "الجارحي" فورًا حتى كاد المقعد يسقط خلفه ثم خرج من المكتب بسرعة وفى نفس اللحظة لمحها "هادى" فابتسم بدهشة حقيقية:-
_ قُدس!
رفع كفيه باستغراب ثم أكمل:-
_ أنتِ جاية الوكالة ليه؟
ضحكت "قُدس" بخفة وقالت:-
_ ليه؟ ممنوع؟
_ لا والله
قالها ضاحكًا ثم نظر إلى بطنها الصغيرة وتذكر حملها وأضاف:-
_ بس كنت فاكر الدكتورة مانعاكى من الحركة.
ربتت على بطنها بحنان وقالت:-
_ مانعتنيش من الحركة...
وصل "الجارحي" إليهما أخيرًا وكان القلق واضحًا على وجهه نظر إليها من رأسها حتى أخمص قدميها كأنه يتأكد أنها بخير ثم قال بحدة امتزجت بالخوف:-
_ وأنتِ جاية هنا ليه؟
رفعت حاجبها باستنكار تجيب بتذمر على مقابلته الحادة:-
_ صباح الخير الأول
تنهد بضيق ثم اقترب أكثر يقول:-
_ سيبك من صباح الخير... أنتِ تعبانة لو نسيتى أحب أفكرك.
ابتسم "هادى" وهو يرى قلقه الواضح عليها بينما قالت "قُدس" بهدوء:-
_ أنا كويسة.
_ لا مش كويسة.
قالها فورًا ثم أضاف:-
_ ولو عايزة حاجة كنتِ قولتى وأنا أجيلك.
شعرت "قُدس" بدفء غريب يتسلل إلى قلبها رغم نبرة التوبيخ لأنها كانت تعرف جيدًا أن كل ذلك الخوف سببه الحب، ابتسمت له برقة وقالت:-
_ أنا جاية عشانك أصلًا.
عقد حاجبيه بهدوء هاتفٍ:-
_ عشانى؟
أومأت برأسها ثم أشارت إلى المكتب وقالت بلطف:-
_ ممكن نتكلم؟
نظر إليها لحظة ثم أشار لها بالدخول
بعد دقائق كانت تجلس أمامه داخل المكتب بينما جلس هو مقابلها وعيناه لا تغادران وجهها كأنه ما زال غاضبًا من خروجها.
قالت "قُدس" بهدوء:-
_ مديحة لما تفوق
خفض رأسه قليلًا ثم قال:-
_ إن شاء الله
سكتت لحظة قبل أن تكمل:-
_ عايزين العيلة ترجع زى زمان.
ظل صامتًا فأكملت بهدوء أكبر:-
_ أنا جاية أكلمك فى موضوع الورث.
تغيرت ملامحه فورًا وتصلب فكه لكنها تابعت قبل أن يقاطعها:-
_ اسمعنى للآخر.
زفر ببطء وأشار لها أن تكمل فقالت:-
_ أنا عارفة اللى عملته غلط، وعارفة إن كلامها وجعك وعارفة إنها فكرت تعمل حاجة عمرها ما تتغفر لكن برضو دى جدتك وسنين عمر كاملة بينكم.
خفضت عينيها نحو يديها ثم أضافت بصوت أكثر رقة:-
_ وأنا تعبت يا جارحي
رفع رأسه إليها فورًا فوجدها تبتسم ابتسامة صغيرة متعبة وقالت:-
_ تعبت من الخناقات ومن الزعل ومن كل يوم حد بيعيط وحد بيموت وحد بيخاصم حد وحد بيكره حد.
وضعت يدها فوق بطنها بحركة تلقائية ثم رفعت عينيها إليه وكان فيهما رجاء حقيقى مُتابعة الحديث:-
_ أنا مش عايزة ابننا ييجى على الدنيا دى وأول ما يفتح عينه يلاقى العيلة كلها متفرقة، مش عايزاه يكبر وسط الكره
أحس "الجارحي" بشىء ينقبض داخل صدره بينما تابعت:-
_ لو صفصف سامحتها و بابا سامحها و عمي فؤاد سامحها، ممكن أنت كمان ولا هيبقي لأ؟
سكتت لحظة ثم قالت بهدوء:-
_ وزع التركة وأكيد صفصف مش هتنزل تشتغل ولا عمتى هدير هترجع من انجلترا تشوف البيع فى الوكالة وأبوك عمي فؤاد مالهوش فى الشغلانة أصلا يعنى كله تحت إدارتك فى الأخير هيتبقي مين نصيب ديحة وعمتى آسيا وأبويا، بس هنحل مش هنعقد ولو كل دا مش عاجبك خد جزء اللى يعجبك واديهم الباقي محدش هيقولك حاجة، لكن لم الناس تانى رجعهم لبعض عشان خاطرى وعشان خاطر اللى جاى.
وضعت كفه فوق بطنها الصغيرة فشعر بحرارتها وشعر معها بشىء آخر، حياة وطفل وأسرة صغيرة تكبر ومستقبل، أشياء أكبر من المال وأكبر من الغضب وأكبر من الورث نفسه فظل صامتًا لثوانٍ طويلة ينظر إلى يدها فوق بطنها وإلى عينيها الممتلئتين بالأمل بينما كانت كلماتها تضرب كل الجدران التى بناها حول غضبه.
لأول مرة منذ أيام لم يفكر فى المال ولا فى الخيانة ولا فى "مديحة"؛ بل فكر فقط فى طفل صغير لم يولد بعد وقد يكون فعلًا يستحق أن يأتى إلى الدنيا وسط عائلة لا وسط حرب.
رواية حرب سقطت راءها الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم نورا عبد العزيز
بعنـــوان " ما بيـــــــن خـــوفٍ ورجـــــاء 🥺🙏"
[[ في لحظةٍ واحدة
قد يعود الأمل إلى قلبٍ ظن أنه مات
وقد يسقط الخوف فوق قلبٍ كان يبتسم منذ ثوانٍ
هكذا هي الحياة
لا تمنح أحدًا راحةً كاملة ولا تأخذ منه كل شيء؛ بل تتركه دائمًا واقفًا بين نعمةٍ يخشاها أن تضيع ومصيبةٍ يرجو ألا تأتي]]
كان اليوم الدراسى قد انتهى أخيرًا وخرجت "ليل" من بوابة الجامعة بصحبة صديقتيها رغم إرهاقها إلا أن شيئًا بسيطًا تبدل داخلها اليوم لأول مرة منذ فترة طويلة جلست فى محاضراتها كتبت ملاحظاتها وتحدثت مع زميلاتها وشعرت للحظات أنها عادت إلى حياتها القديمة ولو قليلًا وقفت أمام البوابة تنتظر وعيناها تتفقدان الطريق دون وعى حتى لمحته سيارة "يزيد" تقترب ببطء وسط الزحام فشعرت بشىء من الراحة تسلل إلى صدرها أما صديقاتها فكان لهن رأى آخر تمامًا
صرخت "كارما" بحماس فورًا:-
_ أهوووو جه!
التفتت الأخرى بحماس:-
_ يا نهار أبيض... أنا كنت فاكرة الصبح إننا مبالغين بس الراجل دا مُز فعلًا!
تنهدت "ليل" بخفوت وقد بدأت تشعر بالحرج فقالت "كارما" وهى تضحك:-
_ بجد يا ليل أنتِ مخبية علينا الناس الحلوة دى ليه؟ بقولك ممكن يوصلنا فى طريقكم بدل المواصلات والمرمطة وكدة
قبل أن تجد ردًا كانت السيارة قد توقفت أمامهن وترجل "يزيد" منها كعادته يرتدى قميصًا أسود بسيطًا وساعة فضية فى معصمه تقدم نحوهن بهدوء لكن وجوده وحده كان كفيلًا بجذب الأنظار تلعثمت "ليل" قليلًا ثم قالت:-
_ يزيد...
رفع حاجبه منتظرًا فقالت بحرج:-
_ ممكن نوصلهم فى طريقنا؟
نظرت إلى صديقتيها اللتين كانتا تبتسمان بانتصار، فهم ما حدث فورًا وكاد يضحك لكنه اكتفى بالنظر إلى "ليل" ثم قال ببساطة:-
_ اللى يريحك.
شعرت بالراحة فورًا بينما كادت الفتاتان تقفزان من السعادة.
بعد دقائق، جلست "ليل" بجوار "يزيد" بينما احتلت الفتاتان المقعد الخلفى وما إن تحركت السيارة، حتى بدأت الأسئلة تنهال كالمطر.
_ حضرتك اسمك إيه؟
_ يزيد.
_ عندك كام سنة؟
_ كتير،
ضحكتا ثم سألت "كارما":-
_ شغال إيه؟
_ فى التجارة.
_ متجوز؟
هنا، التفتت "ليل" بسرعة نحوه وكأن السؤال أصابها هى أما "يزيد" فبقى مركزًا على الطريق وبدا هادئًا للغاية ثم قال:-
_ مرتبط
تبادلت الفتاتان النظرات بخيبة أمل واضحة لكن الفضول لم يمت بعد وكررت "كارما" السؤال وبد عليها أنها بدأت فى إعجاب بهذا الرجل وتريد التقرب منه، قائلة:-
_ مرتبـط؟
_ اه
قالها ببساطة أكمل بعد لحظة:-
_ ببنت جميلة، جميلة أوى
شعر قلب "ليل" بخفقة غريبة بينما أكمل هو وكأنه يتحدث مع نفسه:-
_ مالية عينى وساكنة قلبى ومفيش زيها فى كل الستات
سادت لحظة صمت حتى الفتاتان لم تعرفا بماذا تجيبان أما "ليل" فكانت تنظر أمامها بصمت تشعر بحرارة خفيفة تنتشر فى وجنتيها وكل كلمة قالها وصلت إليها بوضوحزكأنه لم يكن يتحدث عن امرأة مجهولة؛ بل عنها هى أكمل "يزيد" مبتسمًا:-
_ أصل بعض الناس بيتعوضوا مرة واحدة فى العمر ولما ربنا يبعتهملك لازم تمسك فيهم بأيدك وسنانك ومتمسكش فى غير الهدية اللى جاية من ربنا
صمتت الفتاتان نهائيًا بعدها واختفى الحماس الذى ملأ السيارة منذ دقائق حتى وصلتا إلى وجهتهما، ترجلتا من السيارة وألقت إحداهما نظرة أخيرة على "يزيد" بحسرة قائلة:-
_ خسارة.
فضحكت الأخرى وهى تغلق الباب وغادرتا.
عاد الهدوء إلى السيارة ولأول مرة منذ بداية الرحلة أصبحا وحدهما فشعرت "ليل" بالتوتر وظلت تنظر من النافذة بينما قال "يزيد" فجأة:-
_ جعانة؟
التفتت إليه باستغراب وقالت:-
_ نعم؟
تبسم بخفة ثم قال:-
_ خارجة من الصبح وأكيد تعبتي طول اليوم وجعوتي، كمان بقالك فترة فى البيت أكيد زهقتيه منه، فقلت نستغل الفرصة نغير جو شوية ونسهر ساعة برا نتعشي بس
ثم أضاف بلطف:-
_ نتعشى فى أى مكان يعجبك ونرجع، كمان بصراحة أنا برا من الصبح ومأكلتش حاجة خالص وجعان جدًا فهتلاقيني بفكر فى الأكل بس، وأوعدك مش هتحسي بوجودي هأكل بس من غير ولا كلمة ومش هعملك أى أزعاج
صمتت "ليل" للحظات، الجزء الخائف منها أراد العودة للمنزل فورًا إلى غرفتها، عالمها الصغير الآمن لكن هناك جزء آخر بدأ يستيقظ من جديد جزء تعب من الاختباء، ومن الحزن، ومن الجدران الأربعة فرفعت عينيها إليه ورأت الابتسامة الهادئة التى لم تضغط عليها يومًا ولم تجبرها على أى شىء،فكرت بأنه فعل كل شيء باستطاعته لإرضاءها خلال الفترة الماضية والآن هو يشعر بالجوع فقررت التنازل قليلًا لأجله إمتنانٍ منها لكل ما قدمه لها، فقالت بصوت خافت:-
_ ماشى مفيش مانع
توقف "يزيد" عن التنفس للحظة وكأنها منحته الدنيا كلها ثم ابتسم ابتسامة واسعة لم يستطع إخفاءها وأدار المقود نحو الطريق الآخر، بينما كانت "ليل" تنظر عبر النافذة ولأول مرة منذ زمن طويل، لم يكن خروجها من المنزل مخيفًا بل بدا كبداية حياة جديدة، خصرصا طريقة استقبال صديقاتها لها وكان على حق لم يعرف أحد شيء عما حدث لها وما زالوا يروها كما هى فتاة العائلة الثرية ويضحكون معها كانت تعتقد أن الجميع سيتهامسون عنها ويثرثرون عما حدث لها لكن لم يحدث شيء من توقعاتها الغبية فشعرت بالطمأنينة اليوم والسلام.
_________________________
جلست "آسيا" على الأريكة في شقة "وصيفة"، وظهرها منحنٍ قليلًا كأن الحياة وضعت فوق كتفيها أحمال سنوات طويلة دفعة واحدة، عيناها كانتا ثابتتين على نقطة مجهولة أمامها، لكن عقلها لم يكن هنا، كان هناك عند جنازة والدها، وعند قبر "عماد" وعند سرير "ليل" الأبيض داخل المستشفى وما حدث لابنتها الوحيدة وعند غرفة العناية المركزة حيث ترقد "مديحة" الآن بين الحياة والموت، تنفست ببطء، لكن صدرها كان يؤلمها، حتى الهواء صار ثقيلًا ، قلبها تعب من الحزن، همست بصوت مبحوح وكأنها تحدث نفسها:-
_ سنة سودا...
رفعت يدها تمسح دمعة هربت رغمًا عنها وكررت بنبرة حزينة:-
_ والله سنة سودا يا وصيفة
التفتت إليها "وصيفة" بهدوء التى كانت تجلس بجوارها تحيك قطعة صوف صغيرة لطفل "قدس" القادم، لكن عينيها كانتا تراقبان "آسيا" منذ فترة وقالت بلطف:-
_ متقوليش كده يا بنتي
ضحكت "آسيا" ضحكة قصيرة موجوعة، ضحكة لا تحمل أي فرح وتمتمت وسط عقلها الشارد بحجم الكوارث التى حلت عليها:-
_ أقول إيه طيب؟
وسقطت دمعة جديدة منها متنهدة بإنكسار وقالت:-
_ أبويا مات وبعده عماد.. وبنتي...
صمتت وهى تعرف أن لا يعرف أحد ما حدث بطفلتها، اغرورقت عينا "وصيفة" بالحزن لكنها ظلت صامتة فبعض الأوجاع تحتاج أن تخرج أولًا تابعت "آسيا" بصوت مكسور:-
_ وبعدين جوازها.. حتى فرحتها ما جتش زي الناس ولا لبست فستان ولا زغردنا ولا حضنتها وسلمتها لعريسها وأنا مطمنة كل حاجة حصلت بالعافية، كل حاجة.
وأجهشت بالبكاء، بكاء امرأة أنهكتها المصائب حتى لم يعد لديها ما تدافع به عن نفسها ثم همست:-
_ ودلوقت أمي، أمي بين الحياة والموت ولا عارفين هتفوق ولا لأ، لو جرالها حاجة أنا مش هتحمل يا وصيفة، مش هتحمل.
تركت "وصيفة" ما بيدها فورًا اقتربت منها بهدوء ثم جلست بجوارها تمامًا، ورفعت يدها تمسح دموعها كما تمسح أم دموع طفلتها وقالت بحنان عجيب:-
_ بصيلي يا آسيا.
رفعت "آسيا" عينيها الحمراء إليها، فابتسمت "وصيفة" ابتسامة دافئة وقالت:-
_ ربنا ما بيسيبش عبده، مهما اشتدت الدنيا ومهما ضاقت ومهما حسينا إن الحمل فوق طاقتنا هتعدي.
هزت "آسيا" رأسها بيأس وقالت بإنكسار:-
_ مش شايفة حاجة بتعدي، كل يوم مصيبة أكبر من اللي قبلها.
ربتت "وصيفة" على يدها بلطف وقالت:-
_ لأنك باصة تحت رجلك، ارفعي عينك لفوق شوية لربنا.
ثم أكملت بهدوء:-
_ شوفي... ليل عايشة ومتجوزة راجل محترم بغض النظر عن الظروف وطريقة الجواز وقدس بخير وحامل ربنا عوضها عن اللى راح،وأختك هدير ما هى اتجوزت فى صمت تام زى ليل بس مبسوطة، سعادتهم أهم . ومديحة لسه نفسها طالع ونازل والدكتور مقالش خلاص بالعكس لسه فيه أمل.
ثم ابتسمت بحنان وقالت:-
_ والأمل طول ما موجود يبقى الخير جاي.
سكتت "آسيا" للحظات كانت تستمع فقط كأن كلمات "وصيفة" تنساب ببطء فوق روحها المنهكة ثم سألتها بصوت خافت:-
_ إنتِ إزاي قلبك طيب كده؟
تنهدت "وصيفة" بهدوء ونظرت أمامها بشرود وقالت:-
_ لأن العمر علمني يا بنتي، والحزن زي البحر وأول ما بينزل فوق رأسك بتحسي إنك هتغرقي لكن لو صبرتي هتلاقي نفسك طلعتي على الشط في الآخر.
نظرت إليها "آسيا" طويلًا ثم لأول مرة منذ سنوات كثيرة رأت "وصيفة" بشكل مختلف ليس زوجة أبيها ولا المرأة التى قهرت والدتها عندما أخذت زوجها و تغار منها أمها؛ بل امرأة حنونة، طيبة، دافئة تشبه الأمان، تشبه الأم فارتجفت شفتاها فجأة وهمست:-
_ أنا ظلمتك كتير.
تفاجأت "وصيفة" قليلًا وقالت بدهشة:-
_ ظلمتيني؟
هزت رأسها ثم انفجرت باكية.
_ كنت فاكرة إنك وحشة، وفاكرة إنك سبب مشاكل كتير لكن عمرك ما أذيتي حد ولا عمرك شمتّي في حد ولا حتى سيبتيني في وقت شدتي.
ارتعشت ملامح "وصيفة" وامتلأت عيناها بالدموع قبل أن تفتح ذراعيها قائلة بحنان:-
_ تعالي هنا يا بنتي.
لم تتردد "آسيا" لأول مرة في حياتها ارتمت داخل أحضان "وصيفة" كما ترتمي طفلة صغيرة داخل حضن أمها وانهارت تمامًا شهقاتها كانت عنيفة وجسدها يرتجف من كثرة البكاء سنوات طويلة من الكبرياء والألم والخلافات ذابت في تلك اللحظة، بينما ضمتها "وصيفة" إلى صدرها بقوة وراحت تمسح على شعرها بحنان وهي تهمس لها:-
_ ابكي يا بنتي... طلعي اللي جواكي، ربنا كبير وصدقيني.. مهما طال الليل.. الفجر لازم ييجي.
وأغمضت "آسيا" عينيها داخل حضنها تبكي، لأول مرة منذ زمن طويل وهي تشعر أن هناك من يحمل عنها بعض هذا الحزن الثقيل.بينما كانت "آسيا" ما تزال تستند برأسها على كتف "وصيفة"، تحاول أن تلتقط أنفاسها بعد موجة البكاء العنيفة، قاطع سكون الشقة صوت فتح الباب الخارجي التفتت الأنظار نحو المدخل ثم تجمدت "آسيا" في مكانها واتسعت عيناها بصدمة هاتفة:-
_ ليل؟!
وقفت "ليل" عند الباب للحظة تمسك حقيبتها الجامعية بين يديها وترتدي حجابها وفستانًا بسيطًا بلون هادئ وملامحها ما زالت شاحبة بعض الشيء، وما زال الحزن يسكن عينيها، لكنها كانت مختلفة، هناك شيء عاد إليها، شيء صغير جدًا.. لكنه موجود، نبض حياة خافتة وأكثر ما أدهش "آسيا" أنها خرجت، خرجت من شقتها ومن خوفها ومن عزلتها ولو خطوة واحدة، تركت "وصيفة" يد "آسيا" وربتت على كتفها بلطف ثم وقفت مبتسمة قائلة:-
_ هسيبكم تتكلموا شوية.
وغادرت بهدوء إلى الغرفة المجاورة وبقيت "آسيا" تحدق بابنتها وكأنها تراها لأول مرة منذ شهور، اقتربت "ليل" بخطوات مترددة ثم جلست بجوارها وسادت لحظة صمت قصيرة فمدت "آسيا" يدها ببطء وضعتها فوق يد ابنتها كأنها تتأكد أنها حقيقية وهمست بصوت مرتجف:-
_ رحتي الجامعة؟
هزت "ليل" رأسها بهدوء وتمتمت:-
_ اه
امتلأت عينا "آسيا" بالدموع فورًا من السعادة ثم قالت:-
_ الحمد لله... الحمد لله يا بنتي
لم تشعر "ليل" بنفس الضيق المعتاد من دموع والدتها؛ بل لأول مرة شعرت أن قلب أمها كان يرتجف خوفًا عليها طوال تلك الأيام سألتها "آسيا" بلطف:-
_ كان يومك عامل إيه؟
تنهدت "ليل" قليلًا ثم قالت:-
_ متعب شوية... بس كويس، الناس كلها كانت طبيعية ولا حد بصلي بطريقة وحشة ولا حد يعرف حاجة.
ابتسمت "آسيا" بحنان وربتت على رأسها مع بسمتها وقالت بأريحية:-
_ شوفتي؟ مش كل اللي بنخاف منه بيحصل.
خفضت "ليل" عينيها نحو الأرض ثم قالت بخفوت:-
_ يمكن
ثم ساد الصمت مجددًا، قبل أن تسألها "آسيا" بحذر:-
_ ويزيد؟
ارتبكت "ليل" قليلًا ولأول مرة منذ الحادثة ظهر شيء يشبه الخجل على ملامحها، ابتسمت ابتسامة صغيرة بالكاد تُرى فانتبهت "آسيا" لذلك فورًا بينما قالت "ليل" باهتمام:-
_ ماله يزيد؟
_ كويس معاكي ولا بيعايرك يا بت، بيتكلم فى اللى حصل؟! ريحي قلبي يا بنتى وطمنيني؟!
سألتها "آسيا" بقلق واضح وخوف من هذا الزواج، عبثت "ليل" بطرف حجابها ثم قالت بصوت منخفض:-
_ هو.. كويس، كويس معايا جدًا، مبيتكلمش فى اللى فات بالعكس طول الوقت بيقولى أدفني اللى فات
ارتفعت حاجبا "آسيا" مبتسمة وفهمت خجل ابنتها قائلة بسخرية:-
_ كويس بس؟
تنهدت "ليل" ثم قالت بهدوء:-
_ ما أنا بقول عمره ما ضغط عليا، ولا سألني عن حاجة أنا مش عايزة أتكلم فيها، ولا مرة دخل أوضتي من غير ما يخبط حتى وهو بيعيش في نفس الشقة كان دايمًا يستأذن.
واسترسلت بصوت أكثر هدوءًا:-
_ كل يوم يحطلي الأكل ويسيبني براحتي جابلي الكتب اللي بحبها وجابلي الملازم كلها، وكان بيوصلني الجامعة ويرجع يستناني بالساعات
رفعت عينيها إلى أمها ولأول مرة لمعت فيهما طمأنينة حقيقية.
_ وكل دا من غير ما يطلب مني أي حاجة؟
شعرت "آسيا" بدفء غريب يملأ قلبها فهي كانت تخشى على ابنتها وتخشى أكثر أن تشعر بأنها أُجبرت على هذا الزواج، لكن ما تسمعه الآن كان يريحها كثيرًا فابتسمت وهي تمسك يد ابنتها وقالت بلطف:-
_ يزيد راجل أصيل وأنا من يوم ما طلب إيدك عرفت إنه هيخاف عليكي بس هو مجرد شعور خوف جوايا.... قلب ام بقي
سكتت "ليل" لحظة ثم قالت بخفوت:-
_ متقلقيش عليا هو بيحاول يساعدني أرجع زي الأول مش بيعاملني كأني مكسورة ولا بيبصلي بشفقة
وكأن كلامها كان يخرج من قلبها لأول مرة وتابعت:-
_ بيخليني أحس إني لسه أنا.
امتلأت عينا "آسيا" بالدموع مجددًا لكن هذه المرة كانت دموع راحة وضمت يد ابنتها بين كفيها وقالت بحنان:-
_ اسمعيني كويس يا ليل، أنا أمك وأهم حاجة عندي سعادتك لو في يوم حسيتي إنك مش مرتاحة... ارجعي ولو حسيتي إنك عايزة تبدأي من جديد..ابدأي ولو حسيتي إنك عايزة تكملي مع يزيد...كملي أنا مش معترضة على جوازكم، القرار قرارك أنتِ وبس.
نظرت "ليل" إلى الأرض للحظات طويلة وكأنها تراجع كل ما مر بها كل لحظة خوف وكل مرة جلس فيها "يزيد" خلف باب غرفتها يحدثها دون أن يراها وكل مرة ترك لها مساحة تتنفس فيها وكل مرة عاملها فيها كإنسانة لا كضحية ثم رفعت رأسها أخيرًا وقالت بهدوء ثابت:-
_ أنا هفضل مع يزيد.
ارتجف قلب "آسيا" من الكلمات ليس لأنها صادمة، بل لأنها كانت أول قرار حقيقي تتخذه ابنتها منذ أن تحطمت حياتها، ابتسمت "آسيا" بحنان ثم جذبتها إلى صدرها وقبلت رأسها قائلة:-
_ ربنا يسعد قلبك يا بنتي، طالما القرار طالع من قلبك... أنا راضية عنه
وأغمضت "ليل" عينيها داخل حضن أمها ولأول مرة منذ وقت طويل جدًا، شعرت أن المستقبل لم يعد يبدو مخيفًا كما كان
عاد "الجارحي" إلى شقته مع آخر خيوط المساء، وجسده مثقل بإرهاق يومٍ طويل وعقله أكثر إرهاقًا من كل ما يدور حوله من خلافات ومشاحنات لا تنتهي أغلق باب الشقة خلفه بهدوء، فاستقبله سكون دافئ رفع عينيه نحو الأريكة... فتوقفت خطواته تلقائيًا كانت "قُدس" نائمة هناك وغارقة في نوم عميق كطفلة صغيرة هزمها التعب فستان نومها الوردي القصير ينسدل برقة فوق جسدها الصغير، وشعرها الأسود مبعثر فوق الوسادة خلف رأسها، بينما إحدى يديها مستقرة فوق بطنها الصغير بحركة عفوية وكأنها تحتضن طفلها القادم حتى أثناء النوم تبسم رغمًا عنه، اختفى غضبه كله للحظة واختفى صخب العالم لم يبقَ سوى هي اقترب بخطوات هادئة، ثم جلس على طرف الأريكة يتأملها كانت ملامح الإرهاق واضحة عليها شحوب خفيف وهالات بسيطة أسفل عينيها وأنفاس بطيئة متعبة، همس لنفسه بحنان:-
_ تعبانة يا قلب الجارحي...
امتدت أصابعه تزيح خصلة شعر هربت فوق وجهها ثم تنهد ببطء، وعاد يتذكر حديثها صباحًا، حديثها عن العائلة وعن المال وعن طفلهما القادم وعن خوفها أن يولد وسط الكراهية والانقسامات أغمض عينيه للحظة كانت كلماتها ما تزال تدور داخله ربما كانت محقة وربما كان هو الآخر قد تعب من الحروب فنظر إلى بطنها مرة أخرى ثم ابتسم بحب، همهم بُحب يملأ قلبه وظهر فى نبرته جيدًا خائفًا عليها قائلًا:-
_ يا روح قلبي
انحنى نحوها بحذر وحملها بين ذراعيه كأنها شيء ثمين يخشى أن ينكسر تحرك بها نحو الغرفة ورغم نومها العميق، تحركت تلقائيًا داخل ذراعيه أصابعها تشبثت بقميصه دون وعي فشعر بشيء دافئ يعصر قلبه وضعها فوق الفراش برفق لكن قبل أن يبتعد التفّت ذراعها حول عنقه وهي نائمة وكأنها ترفض رحيله حتى في أحلامها ضحك بخفوت ثم تمدد بجوارها ضمها إلى صدره وأراح ذقنه فوق رأسها لتغرق هي أكثر داخل دفء حضنه أما هو.. فأغلق عينيه أخيرًا وغلبه النوم بين أحضان المرأة التي كانت وطنه الوحيد وسط كل هذه الفوضى.
في صباح اليوم التالي...
استيقظت "قُدس" ببطء تشعر بثقل غريب في جسدها فركت عينيها بتعب ثم تجعد أنفها فجأة وتوقفت للحظة واستنشقت الهواء من جديد مرة، واثنتين، وثلاثة ثم اتسعت عيناها وقالت بحماس وشراهة:-
_ أكل!
قفزت من الفراش بحماس طفولي وكأن كل إرهاق الحمل اختفى فجأة وخرجت تركض من الغرفة تبحث عن مصدر الرائحة حتى وصلت إلى المطبخ فتجمدت مكانها؛ كان "الجارحي" يقف أمام السفرة يرتب الأطباق بنفسه من بيض بالجبن وفطائر ساخنة وعصير برتقال طازج وفاكهة مقطعة بعناية، رفع رأسه فور رؤيتها فتبسم وقال بمرح:-
_ صباح الخير يا أم العيال
لم تنظر إليه أصلًا كانت عيناها معلقتين بالسفرة فضحك بقوة وقال:-
_ الله! مش بكلمك وأنا واقف هنا بوسامتي دي كلها ولا كأني موجود؟
جلست بسرعة على المقعد وقالت بجدية شديدة:-
_ بعدين نتكلم الأكل أهم، خليني أكل
وما إن تناولت أول لقمة حتى أغمضت عينيها بسعادة لتضحك معدته قبل لسانها وجلس أمامها يتأملها بحب ثم قال:-
_ والله الحمل ده فضحك.
رفعت حاجبها وهي تمضغ الطعام وفم مُمتلى خرجت الكلمة بصعوبة:-
_ ليه؟
_ عشان بقيت أشوف حب حياتي بتجري ورا سندوتش جبنة أكتر ما كانت بتجري ورايا.
شهقت بدهشة مصطنعة وقالت بكبرياء مُصطنع:-
_ أنا عمري ما جريت وراك أصلًا
ضحك بنبرة خافتة وقال بغرور بعد ان عاد بظهره للخلف:-
_ أمال مين اللي كانت بتمشي ورايا في البيت زي الضل؟
أشارت إليه بالشوكة مهددة:-
_ كداب يا جارحي محصلش
_ نعم يا قلب جارحي؟
احمر وجهها فورًا فابتسم منتصرًا ثم مد يده يمسح طرف فمها بمنديل ورقي بلطف وقال بهدوء دافئ:-
_ كلي براحتك، أنتِ والبيبي أهم اتنين عندي دلوقت.
ابتسمت دون إرادة ذلك النوع من الابتسامات التي لا يراها إلا من يحفظ تفاصيل الروح ثم همست:-
_ أنت بتدلعني زيادة
أجابها فورًا:-
_ ولسه، دا أنا ناوي أدلعك لدرجة إن ابننا أول ما يتولد يقولّي كفاية يا حاج.
انفجرت ضاحكة ضحكة صافية ملأت الشقة كلها بالحياة فتأملها طويلًا وشعر أن هذه الضحكة وحدها.. تستحق أن يحارب الدنيا كلها لأجل بقائها.....
_____________________________
على الجانب الآخر من العالم في إحدى ضواحي إنجلترا الهادئة
كانت السماء ملبدة بالغيوم كعادتها، والمطر الخفيف يطرق زجاج النوافذ بإيقاع رتيب يزيد الوحدة وحدة
جلست "هدير" على الأريكة في شقتها الواسعة تضم ساقيها إلى صدرها وتنظر إلى ساعة الحائط للمرة العاشرة خلال دقائق قليلة العاشرة مساءً، ثم العاشرة والنصف، ثم الحادية عشرة.
وما زال "مصطفى" لم يعد تنهدت بضيق وألقت هاتفها جانبًا وكانت الشقة جميلة، مرتبة، هادئة لكنها شعرت أنها فارغة، فارغة بشكل مؤلم فرفعت عينيها نحو صورة تجمعها مع زوجها المعلقة على الحائط ابتسمت بمرارة تتذكر جيدًا كيف كانت تحارب الجميع لأجله كيف تركت مصر وتركت اهلها، بيتها، عملها، كل شيء تملكه وتخلت عن الزفاف والحفل وجاءت خلفه وهي تظن أنها تركض نحو السعادة يومها وعدها بالكثير، وعدها أن تكون ملكة قلبه وأن يعوضها عن كل ما رأته في حياتها وأن يمنحها بيتًا مليئًا بالحب.
لكن الواقع...كان مختلفًا.
صوت المفتاح في الباب قطع أفكارها فالتفتت بسرعة ليدخل "مصطفى" أخيرًا خلع معطفه بإرهاق ووضع حقيبته على الطاولة قبل أن يقول بهدوء:-
_ مساء الخير.
نظرت إليه بصمت ثم قالت:-
_ مساء الخير.
رفع حاجبه فقد أدرك من نبرة صوتها أن عاصفة جديدة تقترب اقترب منها قائلًا:-
_ مالك؟
ضحكت بسخرية موجوعة تعقد ذراعيها أمام صدرها فقالت:-
_ بجد مش عارف مالي؟
تنهد "مصطفى" وأغلق عينيه للحظة كأنه يعرف الحوار القادم عن ظهر قلب فقال بهدوء:-
_ هدير... لو الموضوع إني اتأخرت فإنتِ عارفة طبيعة شغلي
وقفت فجأة والحزن المتراكم منذ شهور انفجر أخيرًا بعد أن وقفت من مكانها وقالت بحدة صارمة:-
_ لا... الموضوع مش إنك اتأخرت النهاردة، الموضوع إنك بتتأخر كل يوم، الموضوع إننا متجوزين ولسه بحس إني عايشة لوحدي، الموضوع إني سيبت أهلي وبلدي وحياتي كلها وشغلي عشانك وفي الآخر بقعد بالساعات مستنياك.
ثم أشارت حولها وتابعت بضيق أكبر وصوت أعلى يدل على أنفعالها:-
_ الشقة دي بقت أكبر شاهد إني عايشة لوحدي.
مرر يده في شعره بإرهاق وقال:-
_ هدير أنا طبيب نفسي وشغلي مش من التاسعة للخامسة، فيه مرضى وفيه حالات طارئة وفيه ناس حياتها متعلقة بوجودي.
ردت بسرعة صارخة بحدة وهو يتحدث عن حياته وأولوياته وهى خارج هذا الإطار:-
_ وأنا؟ أنا مش حياتي متعلقة بيك برضو؟ أنا مش مراتك؟
سكت للحظة ثم قال بهدوء يحاول السيطرة على الموقف:-
_ طبعًا مراتى.
_ أفعالًا مش كلام.
قالتها بحزن واقتربت منه.
_ أنت فاكر آخر مرة خرجنا فيها سوا؟ طيب فاكر آخر مرة قعدنا نتعشى برة؟ او فاكر آخر مرة سألتني أنا عاملة إيه؟
صمت وذلك الصمت وحده كان إجابة كافية فامتلأت عينا "هدير" بالدموع قائلة:-
_ أنا بقيت بحس إني عبء عليك وبقيت بحس إن شغلك أهم مني.
أجابها فورًا:-
_ ده مش حقيقي.
_ أمال الحقيقة إيه؟
تنهد "مصطفى" وقال بنبرة بدأت تفقد صبرها:-
_ الحقيقة إني بشتغل عشان مستقبلنا، الحقيقة إني مأذيتكيش ولا خنتك ولا قصرت في بيتك، أنا مجرد راجل عنده شغل.
ضحكت بمرارة وعينيها تغرر دموعها وخرجت كلمتها بحسرة:-
_ شفت؟ دايمًا نفس الإجابة، شغلي، شغلي، شغلي، وكأن أي وجع عندي ملوش قيمة قدام الكلمة دي.
بدأ الضيق يظهر على وجهه هو الآخر وتحدث ببرود قد انهكه الحوار القائم:-
_ لأن دي الحقيقة يا هدير، أنا معملتش حاجة غلط.
ردت بسرعة:-
_ يمكن فعلاً معملتش حاجة غلط بس برضو معملتش حاجة صح.
ساد الصمت بينهما صمت ثقيل، بارد، مؤلم، ثم حمل حقيبته واتجه نحو غرفته وقال قبل أن يغادر:-
_ لما تهدي نبقى نتكلم.
نظرت إليه بصدمة وسخرت من جوابه بحديثها:-
_ بس كده؟
أومأ برأسه ينهى الجدال وقال:-
_ لأني تعبان ومش قادر أتناقش دلوقت.
تركها وغادر من امامها ثم أغلق باب الغرفة خلفه وبقيت "هدير" وحدها، مرة أخرى في الشقة الواسعة وفي الصمت الطويل وفي الوحدة التي بدأت تلتهمها يومًا بعد يوم جلست ببطء على الأريكة ثم انفجرت دموعها أخيرًا، دموع امرأة لم تكن تحتاج قصورًا ولا سفرًا ولا حياة فاخرة كانت تحتاج رجلًا يجلس بجوارها فقط ويسألها كيف كان يومها؟ ويمنحها بعضًا من وقته، رفعت عينيها نحو صورة زفافهما مجددًا وهمست بصوت مكسور:-
_ هو أنا استعجلت؟ هل فعلًا استعجلت لما اتجوزتك؟
مسحت دموعها لكن سؤالًا آخر كان أكثر قسوة يتسلل إلى عقلها للمرة الأولى منذ زواجها سؤال أخافها هي نفسها (ماذا لو...عُدت إلى مصر؟ عُدت إلى أهلي؟ عُدت إلى المكان الذي ما زال فيه أشخاص ينتظرونني مهما ابتعدت؟)
أغمضت عينيها بقوة تحاول طرد الفكرة لكنها للمرة الأولى.. لم تستطع........
___________________________
منذ الصباح الباكر...
كانت "ليان" تجلس داخل غرفة الأطباء المقيمين بالمستشفى أمامها عشرات الأوراق والمراجع الطبية وعيناها تتحركان بين السطور بتركيز شديد رغم أن رأسها كان يؤلمها ورغم ذلك الصداع الغريب الذي أصبح يزورها كثيرًا في الآونة الأخيرة حاولت تجاهله كعادتها فهي لم تكن من النوع الذي يعترف بالتعب بسهولة مسحت عينيها بإرهاق ثم تناولت رشفة من القهوة الباردة التي نسيتها منذ ساعات لتتجعد ملامحها فورًا
_ يـــاه...
همست بها وهي تعيد الكوب بعيدًا، لا تعلم لماذا أصبحت روائح كثيرة تزعجها مؤخرًا؟ ولا لماذا تشعر بالغثيان كل فترة دون سبب واضح؟ لكنها عزت الأمر إلى الضغط والإرهاق لا أكثر أغلقت الكتاب أخيرًا ثم وقفت والتقطت بالطوها الأبيض وارتدته فوق الزي الطبي الأزرق وربطت شعرها سريعًا خلف رأسها قبل أن تخرج من الغرفة.
داخل قسم الطوارئ...
كان اليوم هادئًا نسبيًا تبادلت الحديث مع بعض زملائها الأطباء وفحصت عددًا من المرضى ورغم التعب الذي يسكن جسدها منذ أيام، كانت تقاوم كالعادة دائمًا تقاوم ودائمًا ترفض الاعتراف بأنها ليست بخير لكن فجأة.. انفتح باب الطوارئ بقوة ودخل أحد المسعفين صارخًا:-
_ حادثة أتوبيس!
الكل يتحرك بسرعة! وخلال ثوانٍ.. تحول القسم إلى خلية نحل؛ بل إلى ساحة حرب وأصوات المصابين وصراخ الأهالي يتضارب أوامر الأطباء وصوت عجلات الأسرة المتحركة وأجهزة المراقبة التي لا تتوقف عن إصدار أصواتها الحادة.
اندفعت "ليان" مع بقية الطاقم الطبي فورًا، لم تفكر، لم تتردد فكانت تعمل بغريزة الطبيب تنتقل من سرير إلى آخر تفحص هذا وتطلب أشعة لذاك وتوقف نزيف ثالث ثم تركض من جديد حتى بدأ العالم يدور قليلًا حولها لتتوقف لثانية فوضعت يدها على رأسها وأغمضت عينيها لكنها تجاهلت الأمر وأكملت فالحالات أكثر من أن تسمح لنفسها بالراحة.
بعد دقائق... بدأت تشعر بثقل غريب في أطرافها وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها كما يجب أنفاسها أصبحت أسرع ورؤيتها بدأت تضطرب للحظات قصيرة رفعت يدها إلى صدغها تحاول التركيز لكن الضجيج حولها أصبح أبعد وأبعد وأبعد.....
كأن الأصوات تأتي من نهاية نفق طويل تحركت نحو إحدى الحالات ثم توقفت فجأة وضعت يدها على طرف السرير تحاول التماسك لكن جسدها لم يعد يستجيب في تلك اللحظة اشتد المرض الذي كان ينمو بصمت داخل رأسها وتداخل مع الإرهاق الشديد ومع الحمل الذي يكبر داخل رحمها دون أن تعلم بوجوده لتشعر فجأة بأن الأرض تميد تحت قدميها اتسعت عيناها وحاولت التشبث بالسرير لكن أصابعها أفلتت وخرج همس ضعيف من شفتيها:-
_ أنا...
ثم اختفى كل شيء وسقط جسدها أرضًا بين الأسرة الطبية سقوطًا مفاجئًا وعنيفًا ارتطم رأسها بالأرضية البيضاء وتناثر عدد من الملفات من يدها لثانية واحدة ساد الذهول ثم انفجرت الفوضى.
_ دكتورة ليان!
_ الحقوا!
_ حد ينادي الاستشاري بسرعة!
_ هاتوا ترولي!
التفت الجميع نحوها الأطباء والممرضات وحتى بعض المرضى كانت ممددة وسط الممر شاحبة بشكل مخيف وعيناها مغمضتان تمامًا لا تستجيب لأي نداء ركض أحد الأطباء نحوها بينما هبط آخر على ركبتيه يفحص نبضها وقالت إحدى الطبيبات بقلق واضح:-
_ هي كانت تعبانة من الصبح!
_ انقلوها فورًا!
صرخ بها الطبيب لتتحرك العربة الطبية بسرعة نحوها بينما بدأت القلوب ترتجف خوفًا فـ"ليان" لم تكن مجرد زميلة كانت واحدة من أفضل أطباء القسم وأقواهم وأكثرهم عنادًا ولهذا تحديدًا كان سقوطها بهذه الصورة مرعبًا أكثر من أي شيء آخر
وفي مكان بعيد
داخل مكتبه...
كان "جلال" يراجع بعض الأوراق دون أن يدري أن عالمه كله على وشك أن ينقلب من جديد.......
رواية حرب سقطت راءها الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم نورا عبد العزيز
بعنـــوان " بين الحيــــــــاة والمــــوت 🫀🗡"
[[ أحيانًا لا يختار القدر معاركنا بعناية؛ بل يلقيها فوق أكتافنا دفعة واحدة. وبين خوفٍ على روحٍ تحتضر، وفرحةِ قلبٍ ينتظر ميلاد حياة جديدة، يقف الإنسان عاجزًا أمام تناقضاته، لا يعرف أيهما يحتضن أولًا... الأمل أم الخوف 💘🦋 ]]
---
كان الليل قد ابتلع المدينة تقريبًا، والشارع الخلفي للملهى الليلي يغرق في ظلال المصابيح الخافتة ورائحة السجائر الرخيصة، وقف "يزيد" مستندًا إلى سيارته، يراقب الرجل الواقف أمامه بعينين ثابتتين لا تهتزان، كان الرجل يفرك كفيه بتوتر واضح وهو يهمس:-
_ والله يا معلم أنا قولتلك كل اللى أعرفه
ظل "يزيد" صامتًا للحظات فصمته وحده كان كافيًا ليجعل العرق يتجمع فوق جبين الرجل، وعندما أدرك أن الرجل قد توتر من صمته حقًا وحقق هدفه، رفع "يزيد" رأسه أخيرًا وسأله بهدوء:-
_ يعنى الناس اللى كانوا مع عمران فى الصورة اللى بعتهالك دول شغالين فى إيه بالظبط؟
ابتلع الرجل ريقه وقال سريعًا:-
_ ديلرات يا معلم... بيبيعوا مخدرات وحبوب وكل البلاوى دى.
ضاقت عينا "يزيد" بحدة فأكمل الرجل بخوف:-
_ ومش بس كدة بيشغلوا بنات كمان فى شقق وديسكوهات وملاهى واللى تعوز تعرفه عنهم هتلاقيه أسود من الفحم.
قبض "يزيد" على هاتفه بقوة وشعر للحظة أن الدم يغلي داخل عروقه وصور "ليل" وهى ترتجف من الخوف عادت أمام عينيه من جديد لكن هذه المرة لم يتحرك بغضب؛ بل أصبح أكثر هدوءًا وهذا كان أخطر، ثم أخرج هاتفه وفتح ملفًا كاملًا جمعه خلال الأيام الماضية من صور ومقاطع فيديو وأرقام هواتف وتحويلات مالية وأسماء مستعارة وعناوين شقق وحتى تسجيلات صوتية، لم يكن يطاردهم بحثًا عن ثأر أعمى؛ بل كان يجمع خيوط الشبكة كاملة ورفع رأسه للرجل وقال:-
_ العملية الجاية إمتى؟
أجاب الرجل فورًا:-
_ بكرة بالليل... هيجمعوا بنات جديدة فى مخزن قديم على الطريق الصحراوى قبل ما ينقلوهم.
هز "يزيد" رأسه بهدوء ثم أعطاه مبلغًا من المال ونظر الرجل بدهشة وقال:-
_ أنت ناوى تروحلهم بنفسك؟ يامعلم متجبش غير سيرتي فى المكان؟!
ارتسمت ابتسامة باردة على شفتي "يزيد"، ابتسامة جعلت الرجل يشعر بقشعريرة غريبة وقال بهدوء:-
_ لا
_ ليه؟
نظر إليه "يزيد" طويلًا قبل أن يجيب:-
_ عشان أنا مش عايز أبقى زى اللى بأنتقم منهم.
ساد الصمت للحظات ثم استدار نحو سيارته وفتح الباب وجلس خلف المقود ثم أخرج هاتفًا آخر لا يعرفه أحد، أرسل الملف كاملًا إلى مديرية الأمن ثم أجرى اتصالًا مجهول الهوية انتظر حتى جاءه الصوت على الطرف الآخر:-
_ ألو؟
قال "يزيد" بنبرة هادئة تمامًا:-
_ عندى بلاغ مهم.
بعد دقائق قليلة كان قد أعطاهم كل شيء، العنوان، الأسماء والموعد وكل الأدلة التى جمعها ثم أغلق الهاتف وألقاه على المقعد المجاور، استند برأسه إلى ظهر المقعد وأغمض عينيه، لأول مرة منذ ما حدث لـ"ليل" شعر أن صدره يتنفس ليس لأن الانتقام اكتمل؛ بل لأن الوحوش هذه المرة لن تهرب ولن يلوث يديه بدم أحد رفع رأسه نحو السماء المظلمة وهمس بصوت خافت:-
_ حقك جاي يا فراشتى.. وجاي بالقانون.
ثم أدار محرك السيارة وانطلق فى الطريق المظلم بينما فى مكان آخر كانت سيارات الشرطة تستعد للتحرك نحو العملية القادمة...
____________________________
أشرقت شمس الصباح على العمارة الكبيرة بهدوء نادر بعد أيام طويلة من الصراخ والخصام والحزن، كان "الجارحي" يهبط درجات السلم بخطوات ثابتة بعدما ارتدى قميص وبنطلون، يحمل مفاتيح سيارته فى يده بينما عقله ما زال مثقلًا بأحداث الأيام الماضية، توقف أمام شقة "وصيفة" وطرق الباب بخفة، لم تمضِ ثوانٍ حتى فتحت "وصيفة" الباب وهى ترتدى عباءتها السوداء استعدادًا للخروج، تبسمت له بحنان قائلة:-
_ صباح الخير يا ضنايا.
انحنى يقبل رأسها باحترام:-
_ صباح النور يا صفصف.
ثم ألقى نظرة داخل الشقة ليجد "آسيا" جالسة فى صمت شاحب، الهالات السوداء تحيط بعينيها من قلة النوم والخوف على والدتها، قال بهدوء:-
_ يلا يا عمتى عشان أوصلكم المستشفى.
وقفت "آسيا" وهى تمسك حقيبتها الصغيرة، رغم أن "مديحة" كانت سببًا فى كثير من أوجاع العائلة، إلا أن فكرة فقدانها كانت تثقل صدر الجميع بصورة لا يمكن إنكارها، وصلوا إلى السيارة وجلست "وصيفة" فى الخلف بينما جلست "آسيا" بجوارها، انطلقت السيارة وسط شوارع القاهرة المزدحمة، طوال الطريق لم يتحدث أحد، كانت كل واحدة منهما غارقة فى أفكارها.
أما "الجارحي" فكان يقبض على المقود بصمت، يشعر بثقل الاتهامات التى أُلقيت فوق رأسه خلال الأيام الماضية كلما تذكر كلماتهم يعود الشعور نفسه وكأنه المتهم الوحيد وكأنه من أسقط "مديحة" فى فراش المرض
وصلوا إلى المستشفى، ترجلت "وصيفة" أولًا ثم "آسيا" وقبل أن تغلق باب السيارة انحنت "وصيفة" قليلًا وقالت:-
_ ربنا يهدي النفوس يا ولدي.
نظر إليها للحظة ثم ابتسم ابتسامة خافتة:-
_ يارب يا صفصف
أغلق الباب وتحرك بسيارته نحو وكالة القماش وبعد ساعة تقريبًا...
كان "الجارحي" يجلس داخل مكتبه فى الوكالة أمامه دفاتر الحسابات والعقود وكشوف البضائع لكن تركيزه لم يكن حاضرًا بالكامل، رن هاتفه فجأة فنظر إلى الشاشة وكان اسم " آسيا" رفع الهاتف سريعًا:-
_ ألو يا عمتى.
جاءه صوت "آسيا" المرتعش من الطرف الآخر لكن هذه المرة لم يكن مرتعشًا من البكاء؛ بل من الفرح تقول من فرط السعادة:-
_ أمي فتحت عينيها يا جارحي.
تجمد للحظة ثم أغمض عينيه وأخرج زفرة طويلة جدًا كأن صخرة كاملة سقطت عن صدره وشعر لأول مرة منذ أيام أن الهواء يدخل رئتيه بسهولة فأسند ظهره إلى المقعد وقال:-
_ الحمد لله.. الحمد لله يا رب.
أكملت "آسيا" بدموع الفرح:-
_ الدكتور قال حالتها مستقرة دلوقت.
أبتسم أخيرًا ابتسامة صادقة لم تظهر على وجهه منذ فترة وقال بهدوء:-
_ ألف حمد وشكر ليك يا رب.
أغلق الهاتف وظل جالسًا صامتًا عيناه معلقتان بالنافذة الكبيرة خلف مكتبه والشمس كانت تملأ المكان دفئًا أما داخله فكان يشعر براحة صغيرة ربما لأن ضميره كان ينهشه طوال الأيام الماضية رغم عناده مد يده إلى الهاتف مرة أخرى بحث عن رقم المحامى ثم ضغط زر الاتصال جاءه الصوت سريعًا:-
_ صباح الخير يا معلم جارحي.
قال مباشرة دون مقدمات:-
_ عايزك تجهزلى كل الورق.
_ ورق إيه بالظبط؟
استقام فى جلسته وأجاب بهدوء شديد:-
_ كل حاجة من الأملام، العقارات والمصانع والأراضى والمحلات والمخازن أى أصل باسم العيلة، عايز عقد ملكية كامل لكل حاجة.
ساد الصمت لثوانٍ ثم سأله المحامى بتردد:-
_ هنبدأ إجراءات التقسيم؟
نظر "الجارحي" أمامه طويلًا وعيناه تحملان شيئًا لا يمكن قراءته ثم قال بهدوء غريب:-
_ لا، مش هنقسم حاجة دلوقت وجهز الورق بس كل حاجة تكون جاهزة قدامى وأول ما أطلبها تكون على مكتبي.
_ تحت أمرك يا معلم.
أنهى المكالمة ووضع الهاتف أمامه ثم أسند ظهره إلى المقعد وعيناه تضيقان ببطء فقد بدأ يتشكل داخل رأسه قرار جديد، قرار لم يخبر به أحدًا بعد...
____________________________
كان كل شيء ضبابيًا فى البداية، أصوات بعيدة، خطوات مسرعة، ورائحة المعقمات التى تحفظها جيدًا بحكم عملها، حاولت "ليان" أن تفتح عينيها، لكنها شعرت بثقل غريب فى جفونها كأنها نائمة منذ أيام طويلة ورفرفت أهدابها عدة مرات قبل أن تستعيد الرؤية تدريجيًا والسقف الأبيض مع الإضاءة الساطعة وصوت جهاز قياس النبض المنتظم بجوارها، عبست بضيق ثم أدركت الحقيقة.
هى على أحد أسرّة المرضى وليست بجوارهم فنظرت إلى يدها لتجد المحلول معلقًا بها فتأففت بضيق شديد:-
_ يا نهار أبيض... أنا بقيت مريضة كمان؟
جاءها صوت الطبيب المناوب مبتسمًا:-
_ الحمد لله إنك فوقتى أخيرًا يا دكتورة.
التفتت إليه وهى تحاول الجلوس لكن الدوار ضرب رأسها فورًا فعادت تستند إلى الوسادة بتأفف قال الطبيب بهدوء:-
_ براحة بس
نظر إليها ثم أضاف:-
_ ضغطك كان نازل جدًا والظاهر أنك بقالك فترة مرهقة نفسك زيادة عن اللزوم.
تنهدت بضيق وهى تمرر يدها على جبينها ثم قالت بعنادها المعتاد:-
_ مجرد إرهاق، أنا كويسة.
تبسم الطبيب وكأنه كان ينتظر هذه الجملة تحديدًا ثم قال:-
_ الحقيقة لا مش الإرهاق بس.
عقدت حاجبيها باستغراب فأخرج ملف التحاليل من يده ثم قال مبتسمًا:-
_ مبروك يا دكتورة وأنتِ حامل
تجمد العالم للحظة كأن الزمن توقف واتسعت عينا "ليان" بصدمة كاملة وظلت تحدق فيه دون أن تستوعب
_ إيه؟
قالها لسانها بصعوبة فضحك الطبيب بخفة:-
_ زى ما سمعتي يا دكتورة، مبروك أنتِ حامل.
نظرت إلى السقف ثم إلى يديها ثم إلى الطبيب مرة أخرى كأن عقلها يرفض تصديق الأمر ( حامل؟) شعور غريب اجتاح صدرها لم يكن فرحًا خالصًا ولا خوفًا خالصًا؛ بل مزيجًا مربكًا من الاثنين معًا شعرت بقلبها يخفق بقوة وبراحة يدها ترتجف فوق الملاءة البيضاء.
طفل... هناك حياة صغيرة تنمو بداخلها الآن، حياة منها ومن "جلال" فابتلعت ريقها بصعوبة وما زالت تحاول استيعاب الخبر وفى تلك اللحظة انفتح باب الغرفة بعنف التفت الجميع ليظهر "جلال"كان وجهه شاحبًا بصورة لم ترها من قبل أنفاسه متلاحقة وعيناه تمسحان الغرفة بجنون حتى استقرتا عليها فى لحظة واحدة وصل إليها وكأنه كان يركض منذ ساعات وقف بجوار السرير مباشرة، عينيه تتحركان فوق وجهها ويديها والمحاليل المعلقة بها يتأكد أنها بخير، أنها ما زالت أمامه، أنها لم تختفِ فقال بصوت خرج أجش رغم محاولته السيطرة عليه:-
_ ليان...
لأول مرة منذ عرفته رأت الخوف الحقيقي فى عينيه ذلك الرجل الذى لا يخاف أحدًا ولا يتراجع أمام شيء كان الآن يبدو وكأنه خرج لتوه من كابوس مرعب فنظرت إليه بدهشة ثم قالت بهدوء:-
_ أنا كويسة.
أغمض عينيه للحظة طويلة كأنه يستعيد روحه التى كانت على وشك الضياع ثم فتحهما من جديد ليجد الطبيب يبتسم قائلًا:-
_ مبروك يا أستاذ جلال حضرتك هتبقى أب.
توقف الزمن مرة أخرى التفت "جلال" ببطء نحو الطبيب وكأن الكلمات لم تصل إليه ثم عاد ينظر إلى "ليان" إلى بطنها ثم إليها من جديد، شيء ما لمع داخل عينيه وفرحة هائلة، مخيفة وعميقة لكن خلفها مباشرة اختبأ خوف أكبر، الخوف الذى يعرفه وحده وهو الخوف من المرض الذى عاد ينهش جسدها بصمت، الخوف من المستقبل وهكذا الخوف من أن يخسرهما معًا.
أما "ليان" فكانت تحدق به ورغم فرحتها بالخبر إلا أن شيئًا فى عينيه أقلقها تلك النظرة المرتبكة وذلك الشحوب الذى لم يفارقه وذلك الذعر الذى لم يختفِ بالكامل تلاقت أعينهما طويلًا ونظرات صامتة، ثقيلة كل منهما يبحث داخل الآخر عن إجابة.
"ليان" تتساءل لماذا يبدو خائفًا هكذا و"جلال" يتساءل كيف سيحميها من الحقيقة حين يأتى موعدها.
وبين الفرح الذى وُلد للتو والخوف الذى يسكن قلبه وحده طال الصمت بينهما أكثر من أى حديث.
_____________________________
كانت شمس الظهيرة تتسلل عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة لكافتيريا الجامعة، تنثر ضوءًا دافئًا فوق الطاولات المزدحمة بالطلاب
جلست "ليل" أمام كوب الشيكولاتة الساخنة الذى اعتادت عليه دائمًا، بينما كانت "قُدس" تجلس بجوارها تلتهم قطعة صغيرة من الكيك بشهية الحمل التى أصبحت تفضحها كل يوم أكثر من السابقة أما "كارما" فكانت تجلس أمامهما تثرثر كعادتها بلا توقف ولأول مرة منذ شهور طويلة كانت "ليل" تضحك ضحكة خفيفة وهادئة صغيرة لكنها حقيقية نظرت إليها "قُدس" بطرف عينها وابتسمت فى سرها كان قلبها يرتاح كلمارأتهات تعود خطوة أخرى إلى الحياة قالت "كارما" وهى تعبث بعصيرها:-
_ بصراحة يا ليل أنا مش قادرة أنسى ابن عمك دا.
رفعت "ليل" نظرها إليها باستغراب:-
_ مين؟
_ يزيد.
كادت "قُدس" تختنق بقطعة الكيك التى فى فمها بينما عقدت "ليل" حاجبيها فى صمت وأكملت "كارما" بحماس واضح:-
_ يعنى بجد... هو مش طبيعي وسيم جدًا وهادى وشخصيته محترمة ولما بيتكلم تحسي إنه راجل بجد.
نظرت إليها "قُدس" بصدمة:-
_ يا بنتى استغفرى ربنا، أنتِ بتعاكسي أى حد
ضحكت "كارما":-
_ هو أنا قولت حاجة غلط؟ أنا معجبة بيه وخلاص دا حتى شكله أكبر من سنه وهيب كدة.
أشارت إلى "ليل" بعفوية:-
_ هو عنده كام سنة أصلًا؟
أجابت "ليل" بهدوء:-
_ خمسة وثلاثين تقريبًا.
_ خمسة وثلاثين!!
قالتها "كارما" بدهشة ثم أضافت بحماس أكبر:-
_ والله ما باين عليه دا يجنن.
أغمضت "قُدس" عينيها وهى تتمتم:-
_ يا ساتر يا رب.
لكن "كارما" لم تتوقف؛ بل التفتت نحو "ليل" مباشرة وقالت:-
_ طب هو مرتبط؟
تجمدت يد "ليل" فوق الكوب للحظة فقط، لحظة صغيرة جدًا لكنها شعرت بشيء غريب داخل صدرها شيء يشبه الانقباض لم تختبره من قبل وكأن أحدهم وضع حجرًا صغيرًا فوق قلبها.
أكملت "كارما" بفضول:-
_ أو متجوز مثلًا؟
صمتت "ليل" بينما كانت "قُدس" تراقبها جيدًا تراقب التوتر الذى مر على وجهها للحظة واختفى قالت "كارما" فجأة:-
_ طب هاتى رقمه.
نزلت الجملة كالصاعقة على "قُدس" فوضعت الكوب بقوة على الطاولة وقالت بصدمة:-
_ نعم؟ رقمه؟
رمشت "كارما" باستغراب:-
_ يا بنتى عادى هكلمه وأشوف الدنيا يمكن يعجبنى وأعجبه.
شهقت "قُدس" من الوقاحة التى تراها:-
_ وتشوفى الدنيا إيه يا أختى هو راجل فى الشارع؟ كارما أنا مستغربة جرأتك والله.
لكن "كارما" لم تشعر أنها قالت شيئًا خاطئًا؛ بل قالت بعفوية:-
_ هو أنا هخطفه يعنى؟ أنا بس معجبة بيه وسيم ومحترم وبعدين شكله كدة من النوع اللى الست تتطمن معاه.
أخفضت "ليل" نظرها إلى الكوب أمامها وفجأة...لم تعد تسمع بقية الكلمات بوضوح (وسيم، محترم، راجل تتطمن معاه.)
كل كلمة كانت تلامس شيئًا مجهولًا داخلها شيئًا لم تنتبه لوجوده من قبل فتذكرت صوته الهادئ وصبره الطويل والكتب التى اشتراها لها، انتظاره اليومى أمام الجامعة وخوفه عليها وكيف كان يجلس على الأرض بجوار سريرها حتى تنام مطمئنة، شعرت بضيق غريب يزحف داخل صدرها ضيق لم تفهم سببه ولا اعترفت به حتى لنفسها لكنها لم يعجبها حديث "كارما" ولم يعجبها فضولها ولم يعجبها طلبها لرقمه نهضت فجأة من مكانها فالتفتت الفتاتان إليها بدهشة وقالت بهدوء متوتر:-
_ يلا يا قُدس.
قامت "قُدس" فورًا، تعرف هذه النظرة جيدًا، تعرف أن شيئًا ما أزعج "ليل"، أمسكت حقيبتها وقالت:-
_ يلا.
بينما ظلت "كارما" تحدق بهما باستغراب:-
_ هو أنا قولت حاجة غلط؟
لكن "ليل" كانت قد غادرت بالفعل إلى ممر الجامعة بينما لحقت بها "قُدس" ثم أمسكت ذراعها برفق وأوقفتها وقالت مبتسمة بمكر:-
_ بتغيرى.
التفتت "ليل" إليها فورًا:-
_ نعم؟
ضحكت "قُدس":-
_ بتغيرى على يزيد.
اتسعت عينا "ليل":-
_ أنا؟! أنتِ اتجننتى؟
ضحكت "قُدس" أكثر ثم اقتربت منها هامسة:-
_ أمال وشك قلب ليه لما سألت عن رقمه؟ وأمال قومتى مخنوقة كدة ليه؟ وأمال اتضايقتى ليه أصلا؟
فتحت "ليل" فمها لترد لكنها لم تجد إجابة لأنها هى نفسها لا تعرف فقالت بتوتر:-
_ عادى معجبنيش أسلوبها بس.
هزت "قُدس" رأسها وكأنها لا تصدق حرفًا واحدًا ثم قالت بحنان:-
_ ليل... يزيد جوزك مش عيب ولا حرام، اللى عيب أنكِ تفضلى مخبية دا وكأنه سر.
رفعت "ليل" عينيها إليها فأكملت "قُدس" بابتسامة دافئة:-
_ قولى للناس الحقيقة، قولى إنه جوزك، ولو حد بصله أو سأل عنه يبقى عارف من البداية إنه ملك واحدة، ملكك أنتِ
توقفت "ليل" عن السير وشعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجنتيها، بينما كانت كلمات "قُدس" تدور داخل رأسها.
"إنه جوزك."
لأول مرة بدت الكلمة مختلفة ودافئة وأقرب إلى قلبها مما كانت تتخيل، خرجت "ليل" و"قُدس" من بوابة الجامعة الرئيسية وسط الزحام المعتاد للطلاب وفور أن وقعت عينا "ليل" على السيارة السوداء المتوقفة فى الجهة المقابلة شعرت بشيء ما يتحرك داخلها كان "يزيد" يقف بجوار السيارة كعادته هادئًا ومستقيم القامة يرتدى قميصًا سماوى بسيطًا وبنطلون جينز وساعة فى معصمه لم يفعل شيئًا مختلفًا عن أى يوم لكن "ليل" لم تكن تنظر إليه اليوم كما كانت تنظر إليه بالأمس للأسف حديث "كارما" ما زال يرن داخل أذنيها.
"وسيم جدًا."
"راجل تتطمن معاه."
"هاتى رقمه."
شعرت بالضيق يعود إليها من جديد أما "قُدس" فما إن رأت سيارة "يزيد" فى انتظارها حتى ارتسمت ابتسامة خبيثة على شفتيها التفتت نحو "ليل" وقالت بسرعة:-
_ أنا همشى بقى.
_ نعم؟
قالتها "ليل" باستغراب لكن "قُدس" كانت قد بدأت تتراجع للخلف بالفعل وقالت:-
_ السواق مستنيني
ثم أضافت بمكر واضح:-
_ وأنتِ عندك جوزك.
اتسعت عينا "ليل" لكن "قُدس" كانت قد هربت بالفعل قبل أن تسمع الرد، ركبت سيارتها وهى تلوح لها من خلف الزجاج بابتسامة مستفزة جعلت "ليل" تكز على أسنانها غيظًا. اقترب "يزيد" منهما ورفع حاجبه باستغراب وهو يرى ملامح "ليل" المتجهمة ثم فتح لها باب السيارة كعادته وقال بهدوء:-
_ السلام عليكم.
_ وعليكم السلام.
جاء ردها مقتضبًا، باردًا وغريبًا فنظر إليها للحظة لكنها كانت قد جلست بالفعل أغلق الباب واستدار إلى مقعده خلف المقود.
تحركت السيارة وكعادتها دائمًا جلست "ليل" بجواره لكن هذه المرة لم تنظر إلى النافذة؛ بل ظلت تنظر إليه هو بصمت وغيظ وحدة تلو الأخرى بدأت تلاحظ تفاصيل لم تكن تراها من قبل، خط فكه الحاد واللحية المرتبة وملامحه الرجولية الهادئة، عينيه الثابتتين على الطريق، الوقار الذى يحيط به أينما ذهب حتى يديه على المقود بدت لها اليوم مختلفة وكأنها تراها لأول مرة.
عبست أكثر وتذكرت "كارما" فتضاعف ضيقها وتساءلت
ما الذى يعجب الفتيات فيه أصلًا؟
ولماذا كان عليها أن تلاحظ كل هذه التفاصيل الآن؟
ولماذا كان يبدو...وسيمًا فعلًا؟
كزت على أسنانها غاضبة ثم عادت تحدق فيه من جديد كأنها تبحث عن عيب، أى عيب، أى شيء يفسد هذا الوجه الذى تسبب لها بكل هذا الإزعاج اليوم أما "يزيد" فكان يشعر بنظراتها بوضوح مرة واثنتين وعشر مرات حتى بدأ الأمر يثير استغرابه اختلس نظرة سريعة إليها فوجدها تنظر إليه بالفعل وما إن التقت أعينهما حتى أشاحت بوجهها سريعًا، عقد حاجبيه ثم عاد للطريق بعد دقيقة عادت تنظر إليه ثم أشاحت ثم عادت ثم أشاحت وأخيرًا قال بهدوء:-
_ هو أنا عملت حاجة؟
انتفضت قليلًا ثم أجابت بسرعة:-
_ لا
_ متأكدة؟
_ اه
صمت لحظة ثم قال:-
_ طب الحمد لله لأن شكلك ناوية تخنقينى من أول ما خرجتى من الجامعة.
احمر وجهها فورًا واستدارت نحو النافذة، بينما ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه لكنه ظل يشعر أن هناك شيئًا حدث شيئًا أغضبها فعلًا فقط لا يعرف ما هو.
وصلت السيارة أمام العمارة ونزلت "ليل" بسرعة غير معتادة حتى إنها لم تنتظر أن يفتح لها الباب أغلقت الباب بنفسها، وتحركت نحو الداخل بخطوات سريعة نظر إليها "يزيد" بدهشة ثم لحق بها صعد خلفها إلى الشقة، فتح الباب فوجدها تندفع مباشرة نحو غرفتها ثم...
"باااام"
أُغلق الباب بقوة حركت قلبه من ضلوعه من الفزع، توقف فى مكانه ونظر إلى الباب المغلق ثم إلى الممر الفارغ ثم عاد إلى الباب مرة أخرى وظل صامتًا عدة ثوانٍ قبل أن يقول لنفسه بحيرة حقيقية:-
_ يا ترى أنا عملت إيه المرة دى؟
أما خلف الباب فكانت "ليل" تستند إليه بظهرها وجنتاها محمرتان وعقلها كله غارق فى سؤال واحد مستفز سؤال جعلها أكثر غضبًا من أى شيء آخر، لماذا كان على "كارما" أن تلفت انتباهها أصلًا إلى أن زوجها وسيم لهذه الدرجة؟
________________________________
كانت الشمس تميل نحو الغروب حين توقفت السيارة أمام العمارة أخيرًا هبطت "مديحة" ببطء، تستند إلى ذراع "آسيا" من جهة وذراع "وصيفة" من الجهة الأخرى، بينما كان "فؤاد" يسير خلفهم يحمل الأدوية والملفات الطبية لأول مرة منذ سنوات طويلة شعرت "مديحة" أن خطواتها أثقل من المعتاد كأن المرض انتزع منها شيئًا من كبريائها، شيئًا من عنادها، شيئًا من قوتها التى كانت تتباهى بها دائمًا صعدوا الدرج فى هدوء غير معتاد، لا مشاجرات، لا صراخ لا اتهامات، حتى العمارة نفسها بدت وكأنها تستريح من الحرب التى سكنت جدرانها طوال الشهور الماضية.
فتحت "قدس" الباب فور وصولهم كانت تنتظر منذ الصباح وما إن رأت جدتها حتى ابتسمت بسعادة حقيقية وقالت:
_ حمد لله على السلامة يا ديحة.
رفعت "مديحة" عينيها نحوها ثم لأول مرة منذ وقت طويل لم تجد ردًا لاذعًا أو تعليقًا ساخرًا اكتفت بهزة رأس صغيرة بينما اقتربت "قدس" تحتضنها برفق همست بحنان:
_ وحشتينى.
ارتبكت "مديحة" للحظة ذلك النوع من الحنان كانت تعرف كيف تعطيه للآخرين قديمًا لكنها نسيت كيف تستقبله فقالت بخشونة تخفى تأثرها:
_ شكرا يا قُدس
ابتسمت "قدس" بسعادة بينما تبادلت "وصيفة" و"آسيا" نظرة هادئة ثم دخل الجميع إلى شقة "مديحة"، ساعدتها "وصيفة" حتى جلست على فراشها ووضعت الوسادة خلف ظهرها بعناية وكأنها تتعامل مع طفلة صغيرة وقالت بلطف:
_ ارتاحى شوية وأنا هبعتلك الشوربة بعدين.
نظرت إليها "مديحة" طويلًا، نظرة مختلفة هذه المرة خالية من العداء القديم ، من المنافسة التى استمرت عمرًا كاملًا ثم قالت بصوت منخفض:
_ تعبتك معايا.
ابتسمت "وصيفة" ببساطة. وقالت بلطف:-
_ دا واجب يا مديحة.
اختنقت الكلمات داخل صدر الأخرى فاكتفت بإدارة وجهها نحو النافذة قبل أن يخرج الجميع ويتركوها تستريح.
---
بعد دقائق... كان "هادي" يهبط درجات السلم ببطء حين لمح أخاه "فؤاد" يخرج من شقة والدته توقف الاثنان فى المنتصف ونظر "هادي" إليه ثم قال:
_ أخبار ديحة إيه؟
تنهد "فؤاد" براحة:
_ أحسن الحمد لله.
هز "هادي" رأسه ثم قال فجأة:
_ بالمناسبة... الجارحي كلمنى.
رفع "فؤاد" حاجبيه باستغراب. وقال:-
_ خير؟
ابتسم "هادي" ابتسامة صغيرة وقال:
_ طالب إن العيلة كلها تتجمع الليلة على العشا فى شقة وصيفة.
عقد "فؤاد" حاجبيه فورًا وكرر بتعب:-
_ كلها؟
_ كلها.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ ثم قال "فؤاد":
_ والسبب؟
هز "هادي" كتفيه يقول:-
_ معرفش.
اتصل بيا وقال بالحرف: "محدش يتأخر الليلة" نظر كل منهما للآخر الفضول بدأ يتسلل إلى رأسيهما فالجارحي لم يكن من النوع الذى يجمع العائلة بلا سبب خصوصًا بعد كل ما حدث مؤخرًا فقال "فؤاد":
_ أكيد فى حاجة.
أجاب "هادي":
_ وأنا حاسس بكدة برضو.
وصل الخبر بسرعة وعرفت "آسيا" ثم "خديجة" ثم "قدس" وحتى "وصيفة" نفسها لم تكن تعلم لماذا يريدهم جميعًا، جلست "قدس" على الأريكة واضعة يدها فوق بطنها الصغير وتفكر بينما سألتها "خديجة":
_ قالك حاجة؟
هزت رأسها بالنفى بدهشة:-
_ والله ما أعرف.
بس صوته كان هادى بشكل غريب، تنهدت "وصيفة"متمتمة:-
_ ربنا يستر
وبدأ الفضول يلتهم عقولهم من التفكير فى سبب هذا الاجتماع المفاجئ وإلى أين سينتهى المطاف؟؟............
رواية حرب سقطت راءها الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم نورا عبد العزيز
بعنـــوان " "بين بشـــارةٍ وفــاجعـــــــة"
[[ ليس كل خبرٍ سعيدٍ قادرًا على إسعاد الجميع... فأحيانًا، بينما يزفُّ القدر حياةً جديدة إلى أحدهم، يكون فى الجهة الأخرى ينتزع حلمًا عاش لأجله شخصٌ آخر. وهكذا تمضى الحياة... تعطى بيدٍ، وتأخذ بالأخرى. ]] 🦋
---
أما فى مكان آخر تحديدًا داخل وكالة القماش بالأزهر
كان "الجارحي" جالسًا وحده داخل مكتبه صامتً، هادئًا على غير عادته وأمامه ملف ضخم ممتلئ بالأوراق والعقود وملفات الأملاك نظر إليها طويلًا يفكر بعمق فى القرار الذي اتخذه وقد حسم الأمر لحل الخلاف، ويتساءل عقله كثيرًا هل سيقبل الجميع بهذا القرار؟ أم سيكون للخلاف سبيل أطول مما هم عالقين به؟ أخذ تنهيدة عميقة مُعبأة بالكثير من التوتر والقلق ثم أغلق الملف ببطء ارتفعت عيناه نحو النافذة والتفكير يملأ رأسه بينما همس لنفسه بصوت لم يسمعه أحد:_
_ الليلة... كل حاجة هتتغير
_______________________
كان القصر هادئًا بصورة غريبة، هدوء واسع وممتد بين الممرات الرخامية الطويلة، نزلت "ليان" درجات السلم بخطوات بطيئة، يدها تستند إلى الدرابزين بينما ما زالت تحاول التكيف مع خبر حملها الذى قلب عالمها رأسًا على عقب، كلما لمست يدها بطنها دون وعي، ارتبك شيء داخلها من الخوف والدهشة، وفرحة صغيرة ترفض الاعتراف بها، بحثت بعينيها عن "جلال" لم تجده فى الصالة ولا فى الحديقة ولا حتى قرب المسبح فتمتمت بضيق:
_ راح فين ده؟
اتجهت نحو المكتب فور فتح الباب لاحظت أن المكان خالٍ لكن شيئًا آخر لفت انتباهها شمعة عطرية مشتعلة فوق المكتب اقتربت منها بضيق:-
_ دا لوحده هيولع المكتب
مدت يدها لتطفئها لكن قبل أن تصل إليها وقعت عيناها على ملف مفتوح بين الأوراق، لم تكن تنوي النظر لكن الصورة الظاهرة من وسط الملف جعلت الدم يتجمد داخل عروقها فكانت صورة "الجارحي" اتسعت عيناها بصدمة فالتقطت الملف بسرعة وبدأت تقلب الأوراق، كل صفحة كانت تجعل وجهها يشحب أكثر من تقارير وصور وتحركات. عناوين وأسماء كل هذه الأشياء من مراقبة كاملة وكأن شخصًا يستعد لشيء واحد فقط وخصوصًا أن كان هذا الشخص هو "الصياد" فهذا يعنى التخلص من الهدف.
ارتجفت أنفاسها ثم وصلت إلى الورقة الأخيرة توقفت عيناها فوق الكلمات كلمات قليلة، لكن معناها كان كافيًا وهي قرار تنفيذ وقبل أن يستوعب عقلها ما تقرأه تمامًا، سمعت صوت الباب خلفها، التفتت بعنف كان "جلال" وقف مكانه فور رؤيتها ورأى الملف فى يدها فعرف أنها اكتشفت كل شيء، ساد صمت ثقيل.
صمت يسبق العاصفة ثم انفجرت كالقنبلة وألقت الملف نحوه بعنف وتناثرت الأوراق فى الهواء كأسراب طيور مذعورة صارخة به:
_ أنت مجنون؟!
ارتطم الملف بصدره وسقط أرضًا لكنها لم تتوقف كانت عيناها تشتعلان بغضبٍ حقيقيٍ، ذلك النوع الذى لم يره منها إلا مرات قليلة فتابعت الحديث:-
_ بعد كل اللى وعدتني بيه؟!
تقدم خطوة وهو يقول محاولًا تبرير موقفه:-
_ ليان اسمعيني...
قاطعته بانفعال شديد وعينيها تتواعد له بالكثير من الغضب:-
_ لا! أنت اللى تسمعني!
التقطت صورة "الجارحي" من الأرض وألقتها نحوه تقول:-
_ إيه ده؟!
_ ليان...
صرخت بجنون من تفكيرها الذي استحوذ على عقلها فى هذه اللحظة:-
_ كنت ناوي تقتله؟!
صمت، وهذا الصمت كان أسوأ من أى اعتراف، تقدمت نحوه خطوة ثم أخرى والغضب يهز جسدها كله فصرخت مع انتفاض جسدها كاملًا:-
_ أنا سألتك سؤال!
رفع رأسه إليها وقال بصوت منخفض:
_ الموضوع أعقد من كدة.
ضحكت بسخرية مريرة وتمتمت:-
_ أعقد؟!
وأشارت إلى الأوراق المبعثرة ودمعة غرغرت عينيها:-
_ دى مراقبة كاملة لشخص ناوي تقتله!
لم يجب فأكملت بانفعال:
_ وعدتني!
_ ووعدك عندي أغلى من نفسي.
_ كذاب!
خرجت الكلمة كصفعة فتجمد مكانه أما هى فكانت ترتجف من شدة الغضب والدموع تتجمع داخل عينيها رغمًا عنها:-
_ أول شرط قولتهولك يوم اتجوزتك إنك تبعد عن عيلتي ومتأذيش حد منهم، إنك تسيبهم يعيشوا حياتهم وأنت وافقت، طب ليه؟ دا جوز قدس، قدس اللى فى عز تعبها وحملها كانت بتعاند وواقفة ضد الكل عشان تنقذ حياتي، دا رد الجميل اللى شايله ليها، ترد لها الجميل فى قتل جوزها وحرقة قلبها وتيتم ابنها اللى لسه متولدش للدنيا،، ليه؟ ، ليه تعمل كدة؟!
اقترب منها خطوة وقال بلهجة واهنة:-
_ عشان بحبك والله حاولت كتير ارفض الـ......
قاطعته بضحكت مرارة وقالت بحسرة:-
_ لا، الحب عمره ما كان أنانية ولا تملك ولا قتل ولا دم، الحب أمان وأنت كل يوم بتثبتلي إنك متعرفش معنى الكلمة دي، بتحبني تأذي اختى وجوزها؟ بتحبني تقهر قلبي، بتحبني تخلف وعدك ليا؟؟
ارتبكت أنفاسه لأول مرة بدا عاجزًا وحقيقيًا عاجزًا فقال بسرعة:
_ والله ما كنت هعمل حاجة قبل ما أكلمك بس فكرت.
جاء ردها كالسكين يقاطعه بحزم ولهجة صارمة تجعله يدرك أن كلماتها لا تهتز ولم تتخلى عنها:-
_ ودا لوحده كفاية، إنك فكرت دا لوحده كفاية؟
ساد الصمت وخصوصًا من تجاهه فتابعت الحديث بكدة صارمة:-
_أنا اللى غلطانة أني سبت أهلى وجريت وراء قلبي واتجوزتك من وراهم،أنا هروحلهم وأقولهم سامحوني اللى سيبتكم عشانه خذلني
أتسعت عينيه "جلال"من قرارها للرحيل وأخر كلماتها كانت قاسية جدًا، ما أقسي أن تحارب العالم لأجل شخص ويخذلك هذا الشخص فتوعد للعالم مُنكسرٍ من الخيبة، مرت من جواره لترحل فمسك يدها يمنعها من الذهاب وقال:-
_لا مش هتمشي، استنى نتكلم وهعملك اللى إنتِ عايزاه، أنا ابنى فى بطنك ودى لوحدها فرصة لكل أعدائي ومستحيل أخرجك من هنا إنتِ ولا هو
نظرت إليه بتحدٍ وعنادٍ ثم رفعت يدها نحو بطنها وكانت حركة بسيطة لكنها جعلت قلبه يتوقف وقالت بصوت أجش وقوية:
_ عندك حقك ابنك فى بطني، ومش أعدائك اللى هيؤذيه، والله يا جلال لو جربت تكسر قلب قدس أو تدخل اى حد فى عيلتي فى حساباتك، أنا اللى هيأذي ابنك مش الناس
تجمد مكانه وشعر أن الأرض تهتز تحت قدميه لكنها لم تنتهِ؛ بل أكملت بعينين دامعتين:
_ وهعتبر نفسي غلطت لما اخترتك وغلطت لما صدقت إنك ممكن تتغير.
ابتلع الغصة التى خنقته وقال بصوت مبحوح:
_ ليان...
لكنها رفعت يدها تمنعه ثم قالت:
_ اختار يا أنا، يا طريق الدم اللى أنت ماشي فيه، أما الاتنين مع بعض... فمستحيل فكر وأنا فى بيت أهلى
استدارت نحو الباب فشعر بالذعر، ذعر حقيقي أقسى من الرصاص وأشد من الموت قال بسرعة:
_ رايحة فين؟ لا متمشيش
التفتت إليه كانت عيناها ممتلئتين بالخذلان.
_ بعيد عنك
ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها وبقي "جلال" واقفًا وحده وسط المكتب الأوراق مبعثرة حوله والملف عند قدميه لكن لأول مرة لم يكن يفكر فى "الجارحي" ولا فى "مديحة" ولا فى أى شيء
كان يفكر فى شيء واحد فقط، أن المرأة الوحيدة التى استطاعت أن تدخل قلبه، قد تكون خرجت منه الآن وأن زعيم المافيا الذى أرعب الجميع وقف للمرة الأولى فى حياته خائفًا، خائفًا من الوحدة
___________________________
اجتمع الجميع حول السفرة الكبيرة داخل شقة "وصيفة" لأول مرة منذ شهور طويلة جلسوا معًا دون صراخ أو خصام أو نظرات عدائية "وصيفة" فى صدر المكان بجوارها "مديحة" التى بدت أضعف مما كانت عليه دائمًا بعد أزمتها الصحية الأخيرة "فؤاد" و"خديجة" "هادي" و"آسيا" أما "الجارحي" فجلس فى الطرف المقابل وبجواره "قدس" التى وضعت يدها فوق بطنها الصغير بحركة عفوية وعلى مقربة منهما جلس "يزيد" بينما كانت "ليل" إلى جواره فى هدوء تبادل الجميع نظرات الفضول والصمت سيد المكان منتظر كل فرد منهم أن يتحدث "الجارحي" فـ هو من دعاهم.
وكما يعرف كل شخص منهم "الجارحي" لا يفعل شيئًا دون سبب تنحنح أخيرًا وقال بهدوء:
_ أنا جمعتكم النهاردة عشان ننهي موضوع الورث نهائي.
ساد الصمت فورًا حتى الملاعق توقفت وأصبحت كل الأنظار متعلقة به فأكمل وهو ينظر إلى الجميع بنبرة هادئة:-
_ الحقيقة الشرعية واضحة... ورثة جدي الحقيقيين هم أولاده وزوجاته. يعنى عمي هادي، وأبويا فؤاد، وعمتي آسيا، وعمتي هدير، وجدتي وصيفة، وجدتي مديحة، لكن للحقيقة برضو اللى لازم نعترف بيها أنه كتب كل ما يملك ليا وهو بكامل قواه العقلية، يعنى لازم كلكم تصدقوا وتتقبلوا أن دا بعد الوصية والعقود المُسجلة قانونًا فى الشهر العقاري أن دا ملكى وماليش أنى أوزعه على حد وأن لو ليكم حق وضاع فدا حساب الأخرة مش حسابى أنا عشان تحسبوني عليه
تبادل الجميع النظرات وكلماته لا تنذر بالخير أبدًا فتنهد بهدوء شديد ثم فتح الملف أمامه وقال:
_ بس عشان الصراع والكره اللى ظهر مع الورث والوشوش اللى بانت على حقيقتها، أنا قررت أوزع كل الأصول اللى ينفع تتوزع... الأراضي، والعقارات، والشقق، والعربيات، وجزء من الأموال السائلة
بدت الدهشة واضحة على أكثر من وجه لكن "الجارحي" أكمل قبل أن يقاطعه أحد:-
_ أما الوكالة والمصانع والمحلات والمخازن فمش هتتوزع.
عقد "هادي" حاجبيه فورًا وقال بسخرية:-
حضرتك بتنقى
رمقه "الجارحي" بنظرة ثاقبة ثم إلى زوجته التى تريد الصلاح كأن نظرته تنقل لـ "قُدس" رسالة واحدة ألا وهي:-
_ والدك أول المعترضين
فأوضح "الجارحي" سبب قراره وتمسكه بهذا الجزء قائلًا:-
_ دى مش مجرد أملاك... دى باب رزق العيلة كلها، لو اتوزعت كل واحد هيبيع نصيبه ويجرى على مصلحته، وبعد كام سنة مش هيبقى فيه وكالة ولا مصانع ولا اسم للعيلة وأبو النور وأولاده أكبر تاجر ماني فاتورة فى البلد كلها مش بس الغورية مش هيبقى له أثر
هز "فؤاد" رأسه بتفهم بينما تابع "الجارحي":
_ عشان كدة وبرضو مع أنه ملكي وأنا مش عايز يبقي فى باب للكره بينا مع أن هوزع نص التركة ويمكن أكثر وهسيب حوالى الثلث واشغله بس هضمن لكل واحد أسهم ملكية بحقه الشرعي فى الباقي والأرباح الشهرية هتنزل فى حساب كل شخص باسمه مش مصروف
ثم نظر إلى الجميع وقال بحزم:
_ تاني مش مصروف، ومش صدقة ومش منة من حد على حد، كل واحد هيكون له حوالى 10٪ اسهم من الستات وكأن كل واحدة حاطة الأسهم دى فى البورصة بتشغلها وهتأخد ربحهم كتير قليل كل أول شهر وطبعا عمي وأبويا ليهم الضعف 20٪ دا الحل اللى وصلتله يرضيني أنا صاحب التركة ويرضيكم بدل ما كل واحد على السفرة دى مالهوش حاجة، أظن يبقي عندكم شقق وشالات مصيف وعربيات واراضي أحسن من أن لا يملك منكم أى حاجة
ساد الصمت لثوانٍ ثم قالت "وصيفة":-
_ وأنا موافقة.
وأردفت "آسيا" فورًا وهى تفكر فى شيء واحد، أن "الجارحي" من ستر ابنتها ويجيب أن ترد له الجميل:-
_ وأنا كمان، موافقة جدًا
أما "فؤاد" فابتسم قائلًا:
_ أنا طول عمرى ماليش فى التجارة أصلاً ومش عايز حاجة نصيبي أكتبه بأسمك زيادة على اللى معاك، أنت ابنى الوحيد وشايل التجارة من عمر وبعد عمر هيكون نصيبي ورثك فخليه معاك من الأول وكبره عشان عيالك
لكن "هادي" لم يبتسم؛ بل ظل ينظر إلى الأوراق أمامه قبل أن يقول:-
_ وبرضو بعد كل ده هفضل شغال عند ابن أخويا.
هدأ الجو فجأة وعادت التوترات القديمة لتطل برأسها من جديد، رفع "الجارحي" عينيه إليه لكن قبل أن يتحدث.. تكلمت "قدس"ولأول مرة كان صوتها يحمل رجاءً حقيقيًا:-
_ معاه يا بابا مش عنده،وكفاية يا بابا
نظر الجميع إليها بينما كانت دموعها تتجمع داخل عينيها وقالت بصوت مرتجف:-
_ أنا تعبت والله تعبت، كل يوم مشكلة، كل يوم خناقة، كل يوم حد زعلان من حد
وضعت يدها فوق بطنها بحركة عفوية ثم همست:-
_ أنا بعد كام شهر هجيب ابني للدنيا وحفيدك ومش عايزاه يفتح عينه يلاقى كل واحد فى ناحية مش عايزاه يكبر وسط الكره ولا يشوف العيلة دى متفرقة، عايزاه يشوف الحُب اللى شوفته فى العيلة، الحُب اللى محسسنيش للحظة أن يتيمة الأم ولا معنديش أب سايبني، العيلة دى هى اللى شالتني واحتوتني، عايزاه يعيش فى نفس الحُب دا
اختنق صوتها أكثر وسقطت دمعة على خدها وقال:-
_ أنا مستعدة أخسر أى فلوس فى الدنيا بس العيلة ترجع زى زمان، خلونا نخلص من موضوع الورث دا عشان كمان نفوق لليان، أختى اللى رميتهوها ونسيتوها
ساد صمت طويل صمت جعل الجميع يخفض عينيه، حتى "هادي" ظل ينظر إلى ابنته للحظات، ثم قال بهدوء:
_ أنا كنت بحاول أحافظ على حقك وحق ليان.
رفعت عينيها إليه فأكمل:
_ لأن بعد عمر طويل... الورث ده هيبقى ليكم.
هزت رأسها بالنفي وقالت بدموع صادقة:-
_ وأنا قصادك أهو وبكامل قواى العقلية وبقولك مش عايزة فلوس يا بابا، أنا عايزة أهلي.
ابتلع "هادي" غصة كبيرة ثم زفر ببطء شديد وكأن سنوات كاملة من العناد خرجت مع تلك الزفرة وأخيرًا قال:-
_ خلاص
التفت الجميع إليه فأكمل:-
_ موافق.
اتسعت عينا "قدس" بينما تابع:-
_ اكتب نصيبى باسم قدس وليان.
ظهرت الصدمة على وجوه الجميع حتى "الجارحي" نفسه لكن "هادي" أكمل بثبات:
_ كدة محدش هيقول إنى ضيعت حق بناتي وفى نفس الوقت نخلص من الوجع ده كله.
ساد الصمت ثم بدأت الرؤوس تهتز بالموافقة واحدة تلو الأخرى لأول مرة منذ شهور... بدا أن الجميع وصل إلى نقطة مشتركة.
جلس "يزيد" يدوّن الأسماء والعقود والممتلكات بهدوء ويجهز الملفات استعدادًا لإرسالها إلى المحامي فى اليوم التالي.
وبعدها بدأ العشاء وتداخلت الأحاديث وارتفعت الضحكات الخافتة وعادت بعض الذكريات القديمة حتى بدا وكأن البيت استعاد روحه من جديد لكن السعادة لم تدم طويلًا.
فجأة... رن جرس الباب التفت الجميع باستغراب فنهض "فؤاد" وفتح الباب وما إن فتحه حتى تجمد مكانه اتسعت عيناه بصدمة. وتمتم:-
_ هدير؟!
التفت الجميع نحو الباب كانت "هدير" تقف هناك مع حقيبة سفر كبيرة بجوارها ووجهها شاحب، عيناها حمراوان من كثرة البكاء وابتسامتها غائبة تمامًا، بدت وكأنها عادت من حرب طويلة
_ السلام عليكم...
قالتها بصوت مكسور فوقف الجميع دفعة واحدة وتسارعت الأسئلة عليها تهطل كالمطر
_ رجعتي؟!
_ فى إيه؟
_ مصطفى فين؟
_ حصل إيه؟
لكن قبل أن تجيب، انفتح باب الشقة مرة أخرى بعنف والتفتت كل الرؤوس فى اللحظة نفسها وكانت "ليان" لكنها لم تكن تلك "ليان" المعتادة، لا غرور ولا كبرياء ولا عناد فكانت منهارة ووجهها شاحب وعيناها غارقتان فى الدموع تعثرت خطواتها نحو الداخل حتى وقفت أمام "هادي" مباشرة، نظر إليها الجميع بدهشة أما هو فتجمد مكانه لأنها لأول مرة منذ عرفها رفعت عينيها إليه وقالت بصوت مرتجف ومكسور:
_ بابا...
سقطت الكلمة كالصاعقة وتوقف الزمن داخل الغرفة أما "هادي"فشعر أن قلبه توقف عن النبض لكن "ليان" لم تمنحه فرصة ليستوعب فقد تهاوى جسدها فجأة وسقطت مغشيًا عليها أمام قدميه لتتعالى الصرخات داخل الشقة، بينما اتسعت عينا "هادي" بصدمة لم يعرف مثلها طوال حياته.
فى تلك الليلة...
ولأول مرة منذ زمن طويل، جلس أفراد عائلة "أبو النور" حول مائدة واحدة دون حرب هدأت أصوات الخلافات وتراجعت المعارك التى استنزفت قلوبهم لأشهر طويلة وتصالحوا أخيرًا مع المال لكن الحياة كانت تبتسم بسخرية خفية من محاولتهم المتأخرة للراحة فبينما كانوا منشغلين بالورث والخصومات والحقوق، نسوا جرحين ينزفان بصمت.
"هدير"...
ابنتهم التى سافرت بعيدًا تحمل قلبها بيديها، وظنت أن الحب سيعوضها عن أهلها، لتكتشف فى غربتها أن الوحدة أقسى من البعد، وأن الإنسان قد يعيش وسط ألف شخص ويظل وحيدًا إن فقد سنده.
و"ليان"...
البنت العنيدة المتمردة التى أرهقت الجميع بغرورها وكبريائها، حتى اعتادوا التذمر منها أكثر من احتوائها، البنت التى صرخت طويلًا بطريقتها الخاطئة طلبًا للحب، فظن الجميع أنها لا تحتاج أحدًا.
بينما كانت فى الحقيقة أكثرهم احتياجًا، احتياجًا لعائلة تحتضنها حين تسقط، ولأب لا يترك يدها مهما أخطأت، ولبيت تعود إليه مهما ابتعدت، الحقيقة التى يغفل عنها البشر دائمًا وهي أن العائلة ليست مجموعة أشخاص تجمعهم الدماء فقط، العائلة هى الملجأ الأخير والكتف الذى لا يُغلق بابه والحضن الذى يسع أخطاءنا قبل نجاحاتنا وحين تضيق الدنيا كلها لا يبقى للإنسان إلا أهله، لكن يبدو أن عائلة "أبو النور" لم تنتهِ امتحاناتها بعد فما إن التأمت جراح قديمة حتى بدأت جراح جديدة تفتح أبوابها وكأن القدر يهمس لهم جميعًا:
_ بأن لم تنتهِ الحكاية بعد.. وكأن خطوة التصالح مهمة، لكنها ليست نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة تتمحور حول إنقاذ هدير وليان وإعادتهما إلى حضن العائلة.
تعالت الصرخات داخل الشقة دفعة واحدة مع سقوط جسدها أرضًا أمام الجميع:-
_ ليان!
_ الحقوها!
_ يا ساتر يا رب!
اندفع "هادي" نحوها قبل الجميع وركع على ركبتيه بجوارها وهو يشعر أن قلبه خرج من مكانه، رفع رأسها بين ذراعيه بارتباك كانت شاحبة بصورة مخيفة وعيناها مغمضتان تمامًا وجسدها بارد كلوح الثلج، هتف بصوت مرتجف لأول مرة منذ سنوات طويلة:-
_ ليان!... يا بنتي!
لكنها لم تستجب
تجمدت أنفاسه بينما اندفعت "آسيا" و"قدس" نحوها في ذعر أما "يزيد" فاقترب سريعًا يحاول إفساح المجال حولها وفجأة انحنت "قُدس" بجوار شقيقتها وضعت أصابعها على معصمها تتحسس النبض ثم رفعت رأسها بسرعة نحو الجميع:-
_ حد يتصل بالدكتور
زفر الجميع أنفاسًا محبوسة لكن القلق لم يغادر الوجوه.
وفي تلك اللحظة ركضت "هدير" نحوها هي الأخرى وجلست على الأرض بجوارها ونسيت تعبها وحزنها وكل ما جاءت تحمله معها من إنجلترا وأمسكت يد الصغيرة بقوة بذعر:-
_ ليان... افتحي عينيكي
لكن لا شيء ظل جسدها ساكنًا وكأنها استسلمت أخيرًا بعد سنوات طويلة من المقاومة أما "هادي" فكان ينظر إليها وكأنه لا يرى أحدًا سواها وتتردد الكلمة داخل رأسه بلا توقف.
"بابا..."
مرة واثنتين وعشرات المرات.
"بابا..."
الكلمة التي انتظرها كثيرًا، الكلمة التي أقنع نفسه أنه لم يعد يحتاج لسماعها والتي جاءت الآن في أسوأ لحظة ممكنة، شعر بشيء ساخن يحرق عينيه ثم سقطت دمعة واحدة فوق وجنتها ولأول مرة أمام الجميع بكى "هادي أبو النور" بكى دون أن يحاول الاختباء ودون أن يخجل وهمس بصوت مكسور:-
_ قومي يا بنتي عشان خاطري قومي أنا هنا، أنا جنبك قومي بس.
ساد الصمت داخل الشقة صمت موجع فلم ينتظر "الجارحي" هذه اللحظة الشاعرية فأنحنى يحملها عن الأرض وهو يقول بحزم:-
_كلم الدكتور يا يزيد
اخذها إلى الغرفة المجاورة ووضعها بالفراش فجلست "قُدس" بجانيها ووالدها وبعد محاولات كثيرة تحركت أصابع "ليان" قليلًا.
فحبست كل الأنفاس داخل الغرفة وببطء شديد فتحت عينيها وكانت الرؤية مشوشة والوجوه متداخلة أمامها لكن أول وجه رأته كان وجه "هادي" ما زال جالسًا أمامها وعيناه ممتلئتان بالدموع حدقت به لثوانٍ طويلة وكأنها لا تستوعب ما تراه ثم خرج صوتها ضعيفًا للغاية:-
_ بابا...
وأجهش "هادي" بالبكاء من جديد بينما ضم يدها إلى صدره وكأنها أغلى شيء يملكه في الدنيا، وتجمدت السعادة التي بدأت تتسلل إلى البيت كأن القدر أبى أن يمنحهم الراحة كاملة
وصل الطبيب مع "يزيد" بعد إفاقة "ليان" وساد التوتر أرجاء الشقة كلها بينما كان الطبيب يفحص "ليان" داخل الغرفة أما بالخارج فلم يجلس أحد كان الجميع واقفين أو يتحركون فى المكان بقلقٍ وعصبية، "هادي" يقف أمام الباب منذ دقائق طويلة وكأنه يخشى أن يبتعد خطوة واحدة و"قدس" تجلس على الأريكة واضعة يدها فوق بطنها بينما يحاول "الجارحي" تهدئتها بين الحين والآخر بطبطبة صغيرة على كتفها، أما "هدير" فكانت تجلس فى الركن البعيد بصمتٍ غريب، تحتضن حقيبتها كأنها آخر ما تبقى لها فى الدنيا وأخيرًا...
انفتح الباب خرج الطبيب يتبعه "وصيفة" فاندفع الجميع نحوه دفعة واحدة، سأل "هادي" بلهفة:-
_ بنتي كويسة يا دكتور؟
ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة قائلاً:-
_ الحمد لله... مفيش حاجة خطيرة
زفر الجميع أنفاسهم دفعة واحدة لكن الطبيب أكمل وهو يفتح دفتره الصغير:-
_ الظاهر إنها تعرضت لضغط نفسي وعصبي شديد الفترة الأخيرة، مع إرهاق وعدم اهتمام بالأكل كويس.
ثم بدأ يدوّن بعض الأدوية ويقول:-
_ أنا هكتب شوية فيتامينات ومثبتات بسيطة وتحاليل مطلوبة خلال الأيام الجاية
عقد "فؤاد" حاجبيه متسائلًا:-
_ تحاليل إيه؟ ومثبتات عشان اى؟
رفع الطبيب رأسه باستغراب:-
_ مثبتات الحمل طبعًا ومتابعة الحمل عند دكتور نسا، لكن التحاليل عشان نطمن أكثر على صحتها
ساد الصمت وكأن الكلمات سقطت فوق رؤوسهم جميعًا دفعة واحدة رمشت "وصيفة" عدة مرات غير مصدقة بينما شهقت "آسيا":-
_ حمل؟!
التفت "هادي" نحو الباب المفتوح للغرفة بصدمة تحتله لا يعرف ايفرح أم أيحزن بهذا الخبر، أما "قدس" فاتسعت عيناها ثم وضعت يدها فوق فمها تلقائيًا نظر الطبيب إليهم باستغراب واضح:-
_ حضرتكم مكنتش تعرفوا؟
لم يجبه أحد فقال بهدوء:-
_ على العموم هى فى أول الحمل تقريبًا، ولازم ترتاح كويس جدًا وتبعد عن أى توتر
أنهى حديثه وغادر بعد أن سلّم الوصفة الطبية إلى "يزيد" وبمجرد أن أغلق الباب خلفه
ساد صمت آخر لكن هذه المرة لم يكن صمت خوف؛ بل صمت دهشة همست "وصيفة" وعيناها تلمعان بالدموع:-
_ ليان حامل...
أما "هادي" فظل واقفًا مكانه لا يتحرك، كل ما يدور فى رأسه أن ابنته عادت إليه فى نفس الليلة التى عرف فيها أنها ستصبح أمًا ابتلع غصته بصعوبة ثم دخل الغرفة بهدوء بينما تفرق الباقون شيئًا فشيئًا.
لكن "الجارحي" ظل واقفًا مكانه عيناه كانتا معلقتين بـ"هدير" منذ دخولها وهو يرى شيئًا مكسورًا داخلها، شيئًا أكبر من مجرد تعب سفر فاقترب منها بهدوء وقال:-
_ هدير... عمتي
رفعت رأسها إليه بضيق من تلقيبه لها وقالت:-
_ عمة دباب، نعم عايز اى
_ تعالى معايا دقيقة.
نظرت إليه باستغراب ثم نهضت بصمت خرج الاثنان إلى الشرفة الخارجية كان الليل هادئًا بصورة غريبة وأضواء القاهرة تلمع بعيدًا تحت السماء السوداء، ظل "الجارحي" صامتًا لثوانٍ قبل أن يسألها مباشرة:-
_ إيه اللى حصل؟
خفضت "هدير" عينيها فورًا باستسلام:-
_ مفيش.
نظر إليها طويلًا ثم قال بهدوء:-
_ أنا أعرفك كويس وشك بيقول إن فى حاجة كبيرة حصلت.
ارتجفت شفتاها وحاولت التماسك، حاولت كثيرًا لكنها فشلت وانهمرت دموعها فجأة، شهقة صغيرة خرجت منها قبل أن تضع يدها فوق فمها فتجمد "الجارحي" مكانه أما هى فبكت لأول مرة منذ وصلت، بكت وكأنها كانت تختنق طوال الطريق وقالت بصوت مكسور:-
_ تعبت يا جارحي...
انعقد حاجباه فورًا بإقتضاب وغضب تملكه وكان السؤال التالي مباشر جدًا:-
_ مصطفى عمل إيه؟ مد أيده عليكي؟ خانكِ؟
هزت رأسها بعجز وقال:-
_ المشكلة مش إنه ضربني... ولا خانني... ولا حتى أهانني هو معملش كل دول، المشكلة إنه مبقاش بيحبني، مبقاش زوج، مبقاش موجود يا جارحي فاهمنى
شعر "الجارحي" بأن قلبه انقبض أما هى فأكملت والدموع تنهمر على وجهها:-
_ بعد الجواز كل حاجة اتغيرت... كلامه... اهتمامه... قربه... حتى ضحكته
ابتلعت غصة مؤلمة وقلبها ينفطر من الوجع بداخل صدرها ثم قالت:-
_ بقيت قاعدة لوحدي طول الوقت مستنياه يرجع ومستنية كلمة حلوة أو حضن أو حتى سؤال بسيط وأنا كل يوم كنت بقول بكرة هيتغير.
سكتت لحظة ثم رفعت عينيها الممتلئتين بالانكسار إليه وقالت الجملة التى جعلت قلبه يهبط فى صدره:-
_ بس خلاص يا جارحي...
_ خلاص إيه؟
أغمضت عينيها للحظة ثم همست بصوت مرتجف:-
_ أنا قررت أطلب الطلاق
تجمد "الجارحي" مكانه ألم يكن هذا الرجل من اخترته من بين كل الرجال، بينما ظلت دموع "هدير" تنهمر فى صمت فضمها بحنان يربت على كتفها فتشبثت بقميصه بضعف ولأول مرة تشعر أنها تتكئ على سند حقيقي منذ زمن.
لم تكن تلك الليلة هادئة على العائلة ولم ينعم السلام عليهم حتى بعد حل مشكلة الورث ففي الداخل كانت العائلة كلها تحاول استيعاب خبر حمل "ليان" وفي الخارج كانت "هدير" تعلن نهاية زواجها
وكأن القدر قرر أن يمنح عائلة "أبو النور" فى ليلة واحدة بشارة حياة جديدة ومأتم حب يحتضر.....
رواية حرب سقطت راءها الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم نورا عبد العزيز
"
[[ في لحظاتٍ تبدو فيها الحياة وكأنها بدأت تستعيد توازنها، تختبئ خلف الهدوء اختباراتٌ لا تُرى، لكنها تُغيّر كل شيء في لحظة.
فبين بيتٍ بدأ يتنفس من جديد بعد صراعات طويلة، وقلوبٍ حاولت أخيرًا أن تلتئم جراحها، كان هناك ما يقترب بصمت يحمل معه ما يكفي لقلب الموازين من جديد، ويعيد لكل أحدٍ حساباته مع الألم والخوف والحب ]]
أشرقت شمس الصباح بهدوء فوق منزل "أبو النور" ولأول مرة منذ شهور طويلة لم يكن البيت غارقًا فى الصراخ أو الخلافات؛ بل فى شيء أقرب إلى الطمأنينة
داخل المطبخ كانت "وصيفة" تتحرك بنشاطٍ لا يناسب عمرها أبدًا ترتدى مئزرها المنزلي وتتنقل بين الأواني بعينين يقظتين بينما تقف "سنية" بجوارها تساعدها فى إعداد الإفطار، وضعت "وصيفة" طبقًا كبيرًا فوق الرخامة ثم قالت بصرامة الجدة المصرية المعروفة:-
_ هاتي بيض تاني من التلاجة يا سنية... البنات الحوامل محتاجين حاجة فيها فايدة
ابتسمت "سنية" بخفوت وهى تراقب حماسها المبالغ فيه:-
_ يا ست وصيفة دا فطار يكفي عشرين نفر
لوحت لها بيدها دون اهتمام:-
_ الله أكبر بطلي قر ، أنا عندى حفيدتين حوامل ولازم ياكلوا عدل
ثم أشارت إلى وعاء اللبن وتابعت الحديث:-
_ هاتي اللبن دا هنا وقدس متنسيش العصير بتاعها
توقفت قليلًا ثم أضافت وكأنها تذكرت مصيبة جديدة:-
_ وليان كمان، البت دى شكلها مبتاكلش كويس وضعيفة كدة
هزت "سنية" رأسها ضاحكة أما "وصيفة" فتمتمت بحنان:-
_ ربنا يقومهم بالسلامة وتشوفي عيالهم بخير
وفى الخارج كانت "مديحة" تجلس فوق الأريكة الكبيرة تستند إلى الوسائد خلف ظهرها ما زال المرض قد سرق جزءًا من قوتها لكن وجهها بدا أكثر راحة من الأيام الماضية فجلست "آسيا" بجوارها تحمل طبق الطعام وتطعمها بنفسها فرفعت الملعقة نحو فمها قائلة بحزم:-
_ يلا يا ماما افتحي بوقك
تنهدت "مديحة" بضيق:-
_ شبعت
رفعت "آسيا" حاجبها فورًا بإقتضاب وقالت بحدة:-
_ شبعت من تالت معلقة؟
_ آه شبعت
تذمرت "مديحة" كالأطفال فابتسمت "آسيا" رغمًا عنها ثم قربت الملعقة أكثر وقالت بدلال:-
_ عشان خاطري
نظرت إليها "مديحة" طويلًا ورغم عنادها وفتحت فمها أخيرًا فضحكت "آسيا" بانتصار بينما تابعت إطعامها بحنانٍ شديد راقبتهما "وصيفة" من باب المطبخ للحظات ثم ابتسمت فى صمت، كانت ترى ابنتها تعتنى بأمها كما اعتنت الأم بها يومًا ورغم كل ما مرّ على العائلة من أزمات شعرت لأول مرة منذ زمن طويل أن البيت عاد بيتًا من جديد
طرقت "قدس" باب الغرفة بخفة ولما لم يصلها رد، دفعت الباب ببطء ودخلت كان ضوء الصباح يتسلل عبر الستائر نصف المغلقة، بينما جلست "ليان" فوق الفراش تحتضن ركبتيها إلى صدرها شاردة فى اللاشيء، بدت مستيقظة منذ وقت طويل لكنها لم تكن حاضرة كانت غارقة داخل أفكارها، أغلقت "قدس" الباب خلفها ثم اقتربت منها وجلست بجوارها فوق الفراش ساد الصمت للحظات قبل أن تقول بهدوء:-
_ عاملة إيه؟
هزت "ليان" كتفيها بلا مبالاة وقالت:-
_ عايشة
تنهدت "قدس" ونفس الإجابة التي كانت تتوقعها فظلت تنظر إليها قليلًا ثم قالت:-
_ الدكتور قال لازم ترتاحي
ابتسمت "ليان" بسخرية مريرة وقالت:-
_ يقول اللي يقوله، أنا كمان دكتورة ولا نسيتي
التفتت إليها "قدس" مباشرة ورمقت عيني أختها الحزينتين وقالت بهدوء:-
_ لا دكتورة، بس مُتعبة
لم تعقب "ليان" على كلماتها فأردفت "قُدس" بهدوء مُتابعة الحديث:-
_ هتفضلي ساكتة كتير؟
أخفضت "ليان" رأسها ثم همست:-
_ مش عايزة أتكلم
ابتسمت "قدس" بحنان وانتقلت لجوارها تأخذ يدها بلطف بين راحتي يديها وقالت:-
_ للأسف بقى... أنا أختك ومش هسيبك
ولأول مرة منذ دخولها ظهر شبح ابتسامة فوق شفتي "ليان" لكن اختفى سريعًا ومع ذلك "قدس" التقطته فشعرت ببعض الراحة فضحكت بلطف ثم مدت يدها تمسك كف شقيقتها مُجددًا قائلة:-
_ جلال عمل إيه؟ نا هو مش هقولك بابا ولا عم فتحى ولا حد مننا، إنتِ هجرتينا كلنا عشان تروحي عنده وروحتي، يبقي محدش غيره هبب اللى هببه ووصلك لكدةد
توتر جسد "ليان" فورًا وسقط الصمت من جديد لكن هذه المرة كان أثقل وادركت معنى كلمات "قُدس"، بالفعل هجرت الجميع لأجله والآن قد خذلها من حاربت أهلها لأجله وعادت مُنكسرة لهم وهذه أسوء انتكاسة تمر بها، فهمت "قدس" أن السؤال أصاب الهدف مباشرة فقالت بهدوء:-
_ ليان... أنا مش جاية أدافع عنه ولا اطلع وحش،
رفعت "ليان" عينيها إليها فأكملت:-
_ ولا جاية أرجعك له بالعافية أنا بس عايزة أفهم يمكن أقدر اساعدك
ابتلعت "ليان" الغصة التى خنقتها ثم قالت بصوت منخفض:-
_ كدب عليا وفى أهم حاجة
ثم نظرت إليها مباشرة وتابعت بضيق شديد:-
_ وعدني يبعد عنكم، أنا سيبتكم عشانه لكن دا مش معناه أنكم مش فارقين معايا، فى الأول وفى الأخر أنتوا أهلي، وهو وعدني يسيب عيلتي فى حالها، وعدني إن حياته القديمة والإجرام مش هيقربوا من حياتي معاه ومن أهلي ومش هحس بدا أبدًا
سكتت لحظة ثم أردفت:-
_ واكتشفت إنه بيراقب الجارحي وكان ناوي يأذيه، شوفت كل حاجة بعيني وأنا عارفة كويس معنى الورق دى عنده
شعرت "قدس" بقبضة باردة تعتصر قلبها لكنها أخفت ذلك سريعًا وقالت:-
_ وهو قالك إيه؟
تنهدت "ليان" بضيق ونظرت للجهة الأخرى من حالها وقالت:-
_ قال إنه فكر بس وكأنها حاجة بسيطة، وكأن مجرد التفكير فى قتل إنسان أمر عادي، مجرد التفكير فى كسر وعده ليا عادي
صمتت لحظة ثم أكملت بصوت مرتعش:-
_ أنا تعبت يا قدس، تعبت من كل حاجة، كل مرة أقول اتغير، كل مرة أصدق، كل مرة أدي فرصة، وفى الآخر أرجع لنفس النقطة، ميغركيش البت القوية اللى واقفة تشوط فى أى حد، أنا جوايا وجع كبير ميتحكيش، علاقتي بأبويا اللى زى الزفت واختى اللى مبعملش حاجة من يوم ما ظهرت فى حياتها غير انى بأذي فيها و حتى الحُب متنصفتش فيه
نظرت نحو بطنها دون وعى وتابعت:-
_ وزاد الموضوع دلوقت ومبقاش يخصني لوحدي، فى طفل جاى، ومش عايزاه يكبر وسط الدم والخوف والانتقام.
ساد الصمتثم تنهدت "قدس" ببطء وقالت:-
_ عارفة؟ أنا لو مكانك كنت هزعل برضو
التفتت إليها "ليان" بدهشة فابتسمت "قدس" بخفة.
_ متبصليش كدة أنا مرات الجارحي آه.. بس مش عمياء، الغلطة غلط، والوعد وعد، إحنا هنا كلنا عارفين أن جلال كان بيحاول يقتل جارحي، لأن عرفنا دا من ديحة اللى دفعت تمن قتله وهجمناها كلنا لحد ما وقعت مننا، ودا فى حد ذاته رعبنا، أننا ممكن نخسر حد بسهولة كدة، والحزن يفضل ملازم بيتنا، والجارحي مع الوقت بذات نفسه سامح وقدر يعفى شوية حتى لو جواه لسه شال ومهموم من غدر عيلته بس بيحاول يصلح اللى باظ والتمسنا كلنا العذر لديحة فى تفكيرها دا، فـ لو هتقدري تلتمسي عذر لجلال أعملي كدة، بس الأول اقعدى مع نفسك وأوزني امورك شوية دا زعل ولا عناد
ارتاحت ملامح "ليان" قليلًا بينما أكملت "قدس":-
_ لأن فى فرق بين الزعل... والعناد.
انعقد حاجبا "ليان" فورًا وقالت:-
_ تقصدي إيه؟
مالت "قدس" برأسها قائلة:-
_ أقصد إنك دلوقتي موجوعة ومقهورة وغضبانة وده حقك لكن متخليش الغضب ياخد قرار مكانك.
سكتت لحظة ثم أضافت بهدوء:-
_ إنتِ بتحبيه!!
نظرت "ليان" بعيدًا فابتسمت "قدس" قائلة:-
_ أهو بصتك دى لوحدها اعتراف.
لم تستطع "ليان" الرد فأكملت "قدس":-
_ وأنا متأكدة إنه بيحبك بس الحب لوحده مش كفاية خصوصا فى علاقة زى بتاعتكم، ولازم يفهم ده، لازم يصلح غلطه ويثبتلك إنه اتغير بجد مش بالكلام بالأفعال، لازم ينهى عدواته الكثير ويتخلص من الخطر اللى حوله على الأقل عشان خاطر الطفل اللى جاى
أخفضت "ليان" رأسها وهمست:-
_ وأنا مش قادرة أسامحه.
ربتت "قدس" على يدها بحنان وقالت:-
_ ومحدش طلب منك تسامحي دلوقت، لكن متقفليش الباب نهائي خليه واقف برة شوية ويتعب ويحارب ويثبت إنه يستحق يرجع.
ارتجفت شفتا "ليان" ثم سألت بصوت خافت:-
_ ولو متغيرش؟
ابتسمت "قدس" ابتسامة صغيرة وقالت:-
_ ساعتها يبقى القرار أسهل بكتير أما دلوقتي.. فإنتِ زعلانة وهو مذنب وأى قرار بيتاخد وسط الوجع غالبًا بيكون ناقص.
ساد الصمت داخل الغرفة لكن هذه المرة لم يكن صمتًا ثقيلًا كان صمتًا أهدأ كأن الكلمات أزاحت جزءًا صغيرًا من الحمل الذى كان جاثمًا فوق صدر "ليان"، فمالت "قدس" برأسها على كتفها بخفة وقالت:-
_ وبعدين يا ست ليان إحنا اتنين حوامل فى البيت ممنوع النكد طبقًا للقانون الحوامل
ورغمًا عنها ضحكت "ليان" ضحكة صغيرة باهتة من مشاكسة اختها ومرحها لكنها كانت أول ضحكة حقيقية تخرج منها منذ الليلة الماضية
كان الهواء الصباحي يملأ الحديقة بهدوءٍ نادر
جلس "فؤاد" فوق المقعد الخشبي يحتسي كوب الشاي بينما جلس "هادي" إلى جواره وقد بدت على وجهه آثار ليلة طويلة لم ينم فيها جيدًا، أما "الجارحي" فكان يجلس أمامهما صامتًا للحظات قبل أن يزفر ببطء لاحظ "فؤاد" جديته فسأله مباشرة:-
_ مالك يا ولدي؟
رفع "الجارحي" عينيه نحوهما ثم قال بهدوء:-
_ عمتي هدير.
تبادل الرجلان النظرات فورًا وأكمل:-
_ اتكلمت معاها امبارح.
انعقد حاجبا "هادي":-
_ قالتلك إيه؟
ساد الصمت لثوانٍ ثم قال "الجارحي" بصراحة:-
_ عايزة تطلب الطلاق.
تجمد الرجلان فى أماكنهما وكأن الكلمة سقطت فوق رأسيهما فجأة واتسعت عينا "فؤاد":-
_ طلاق؟!
أما "هادي" فظل ينظر إليه غير مستوعب وقالت بتهكم:-
_ هدير؟!
هز "الجارحي" رأسه بهدوء فمرر "هادي" كفه فوق وجهه بتوتر واضح يقول:-
_ لا حول ولا قوة إلا بالله...
زفر "فؤاد" بضيق ثم قال بحزن:-
_ دى كانت بتحبه يا جارحي يمكن أكتر واحدة فينا اتنازلت عشان تتجوزه
أومأ "الجارحي" برأسه وقال:-
_ عارف
ساد الصمت للحظات قبل أن يقول "هادي" بصوت خافت:-
_بس عايز أوصلكم أن هدير عمرها ما كانت سهلة فى قراراتها لو وصلت للطلاق يبقى وصلت لحاجة كبيرة
نظر إليه "الجارحي" مطولًا ثم قال:-
_ هى تعبانة يا عمي، تعبانة نفسيًا أكتر من أى حاجة بس اللى مطمنى إنها رجعت وسط أهلها ووسط الناس اللى بتحبها ومهما حصل هتقوم منه، هنا محدش هيسيبها لوحدها
نظر "هادي" إلى الأرض للحظات ثم تمتم:-
_ ربنا يجبر خاطرها.
هز "الجارحي" رأسه موافقًا بينما ساد بينهم صمت هادئ، قطعته خطوات قادمة من داخل المنزل التفت الثلاثة نحو الباب ليظهر "يزيد" نازلًا درجات السلم بخطوات سريعة وهو يحمل مفاتيح سيارته فى يده وخلفه مباشرة كانت "ليل" ترتدي حقيبتها الجامعية وتبدو مستعدة للخروج لكن ما إن وقعت عيناها على الجميع مجتمعين فى بيت "وصيفة" حتى توقفت أمام الشقة ونظرت إلى الحديقة حيث الرجال، ثم إلى الشقة حيث الفتيات والنساء والضحكات الخافتة القادمة من الداخل فلمعت عيناها فورًا وقالت بحماس:-
_ هو كلكم قاعدين هنا؟
ابتسم "فؤاد":-
_ أهو قاعدين
نظرت إلى باب المنزل بحسرة ثم إلى حقيبتها ثم اتخذت قرارًا مصيريًا فى أقل من ثانية ونظرت إلى زوجها ببراءة:-
_ خلاص... مش رايحة
رفع الجميع حواجبهم فى آنٍ واحد أما "يزيد" فالتفت إليها ببطء بعد أن كانت تستعجله فى الاستعداد حتى لا تتأخر لكن بمجرد رؤيتها للعائلة وتجمعهم وضحكاتهم كان الإغراء للكسل قوي فقال:-
_ نعم؟!
أشارت نحو البيت بحماس طفولي:-
_ من إمتى العيلة كلها متجمعة كدة؟، أنا قاعدة مش رايحة الجامعة
ضحك "فؤاد" فورًا بينما تمتم "هادي":-
_ التعليم راح فى داهية
أما "ليل" فخلعت حقيبتها من فوق كتفها بلا ندم وقالت بثقة:-
_ يوم واحد مش هيبوظ مستقبلي.
استدار "يزيد" متجهًا نحو سيارته وهو يهز رأسه بيأس لكن قبل أن يفتح الباب ركضت خلفه بسرعة تناديه:-
_ يزيد!
التفت إليها ورفرف قلبه بسعادة وهو يراها تركض نحوه كفراشة تحلق فى السماء، توقفت أمامه تلتقط أنفاسها ثم قالت بابتسامة صغيرة:-
_ بما إنى مش رايحة النهاردة ممكن وأنت راجع تجيبلي محاضرات النهاردة من المكتبة؟ أنا هغيب اه وكسولة بس لازم أذاكر بليل، أنا طالبة محترمة.
ضحك رغمًا عنه بينما عقد ذراعيه أمام صدره قائلًا:-
_ والله؟
هزت رأسها بثقة وقالت:-
_ والله
ظل ينظر إليها لثوانٍ ثم قال:-
_ حاضر، أنتِ تأمري يا ست البنات حاجة تانية أجيبها وأنا راجع
اتسعت ابتسامتها فورًا ابتسامة مشرقة دافئة لكن هذه المرة، لم تكن موجهة للجميع بل له وحده وهزت رأسها بالنفي، توقفت أنفاس "يزيد" للحظة فقد كانت تلك أول ابتسامة حقيقية تهديه إياها منذ زواجهما، ابتسامة خالية من الحذر و من الجفاء، ومن المجاملة، ابتسامة صغيرة عفوية جميلة لكنها كانت كافية لتجعل شيئًا دافئًا يتحرك داخل قلبه أما "ليل" فلوحت له بيدها بخفة بخجل من نظراته وقالت بلطف:-
_ متتأخرش....
خجلت أكثر من كلمتها فتابعت بتلعثم وعينيها تهرب من عينيه قائلة:-
_عشان ألحق اذاكر يعنى شوية
ابتسم أخيرًا وقد فهم خجلها وأحمرار وجنتها، فتح باب السيارة بطلبها الأخير وقال:-
_ حاضر يا ست البنات
استدارت عائدة نحو المنزل بخطوات خفيفة بينما بقي "يزيد" واقفًا للحظة يتابعها بعينيه ولأول مرة منذ زواجهما شعر أن المسافة بينهما بدأت تقصر ببطء وتعود فراشته الجميلة للحياة...
_____________________________
على الجانب الآخر لم يكن الصباح هادئًا للجميع.
فداخل أحد المكاتب الفاخرة فى الطابق الأخير من مقر "الصياد"، كان الجحيم مشتعلًا، وقف "كريم" أمام المكتب ممسكًا بعدة ملفات بينما جلس "جلال" خلف مكتبه وعيناه مثبتتان على الأوراق أمامه لكن الحقيقة أنه لم يكن يقرأ حرفًا واحدًا كان يرى وجه "ليان"، يرى دموعها ويسمع كلماتها التى مزقته الليلة الماضية
"اختار يا أنا... يا طريق الدم."
قبض على القلم بين أصابعه بعنف حتى كاد ينكسر قطع شروده صوت "كريم":-
_ الصفقة دى مش مضمونة يا باشا
رفع "جلال" عينيه إليه ببرود مخيف، فقال:-
_ ليه؟
_ الطرف التاني عليه علامات استفهام كتير... والناس اللى وراه مش مضمونين، كمان الهواري عينيه علينا الفترة دى ودا لوحده خطر كبير وفيه احتمال كبير يبقى فخ منه
ساد الصمت للحظة ثم قال "جلال" بلهجة قاطعة:-
_ وافق
تجمد "كريم" بصدمة رغم كله ما تفوه به فتمتم:-
_ نعم؟
_ قولت وافق
ابتلع "كريم" ريقه بصعوبة
_ بس...
رفع "جلال" رأسه ببطء وكانت النظرة التى قابلته كفيلة بإسكات أى إنسان، ابتلع "كريم" الحديث رغم القلق كان يلتهمه من الداخل فمنذ سنوات طويلة وهو يعمل مع "جلال" يعرف غضبه ويعرف قسوته ويعرف تهوره أحيانًا لكن ليس هكذا، أبدًا ليس هكذا وكأن الرجل الذي أمامه لا يحاول الفوز؛ بل يحاول الخسارة
نظر إلى رئيسه فى صمت الذي وقف من مكانه وسار نحو النافذة
فرآه يقف أمام النافذة الزجاجية العملاقة ينظر إلى المدينة الممتدة أسفل قدميه لكن عينيه لم تكونا تريان القاهرة كانتا تريان امرأة واحدة فقط، امرأة رحلت وأغلقت الباب خلفها وتركته وحيدًا ويبدو أن رحيل "ليان" سيكون سبب موت "جلال الصياد".....
____________________________
وبعيدًا عن أجواء التوتر التى خيمت على البيت خلال الأيام الماضية، اجتمعت "قدس" و"ليان" و"ليل" داخل غرفة الجلوس الصغيرة، كانت أكواب العصير أمامهن بينما جلسن يتبادلن الحديث للمرة الأولى منذ فترة طويلة دون دموع أو مشاكل أو أخبار سيئة، تنهدت "ليان" وهى تستند إلى الأريكة قائلة:-
_ والله أنا مش مستوعبة لحد دلوقتي إننا قاعدين مع بعض كدة من غير خناقات.
ضحكت "قدس" بدهشة عفوية وهى أيضا لا تصدق السلام الذي نشب بينهم وبين أفراد العائلة وقالت:-
_ فعلا عندك حق، بس أنا مبسوطة بالتجمع دا جدًا وحاسة أن اللى اتكسر فعلًا ممكن يتصلح بس محتاج مجهود ومعافرة بقدر أكبر، زى الأرض الخرابة بعد الحرب وبعد الانتصار بتاخد وقت اه على ما ترجع لزهوتها لكن بترجع وبتتعمر بمجهود شعبها واتحداهم
رمقتها "ليان" بنظرة هادئة توافقها الرأي وهكذا "ليل" التى شردت فى حديث "قُدس" وكان بالفعل قد لمس جزءًا من جرحها وتذكرت تودعها إلى زوجها صباحًا وبسمة وأنها كالأرض التى تتحدث عنها "قُدس" وبدأت تعمر، تبسمت "ليان" على شرود "ليل" قبل أن تلقي وسادة صغيرة نحوها فضحكت الفتاتان بينما وضعت "قدس" يدها فوق بطنها وشعرت "ليان" بخفة حقيقية فى قلبها، رفعت "قُدس" حاجبًا ونظرت إلى أختها بخبث ثم قالت:-رفعت "ليل" حاجبها.
_ مش يا ليان عندنا حد كدة معرفهوش خالص، بس شكله بيحب جديد باين والله وأعلم
نظرت الثلاثة لبعضهن بدهشة فتابعت بمكر:-
_ اى يزيد؟
احمر وجهها قليلًا فازدادت ابتسامة "قدس" وقالت:-
_ أهو بدأنا الخجل والسكوت
_ مفيش حاجة
_ طبعًا
قالتها "ليان" ساخرة من خجلها واحمرارها لكنها تنكر بلسانها فى اللحظة التى لم ينكر بها جسدها لتجد نفسها محاصرة بنظرات الاثنتين فتنهدت بتوتر وقالت:-
_ صدقيني مفيش حاجة
_ المهم خلي بالك منه فى الجامعة.
عقدت "ليل" حاجبيها وسألت بحدة:-
_ ليه؟
ردت "قدس" ببراءة مصطنعة:-
_ أصل كارما لسه متصلة بيا بما أنى من العيلة وعايزة رقمه بأصرار رهيبة شكله دخل مزاجها أوى وبصراحة عندها حق الراجل دنجوان فى نفس وچنتيل خالص
تجمدت "ليل" فورًا واعتدت فى مقعدها الهزاز هاتفة بضيق:-
_ كارما تانى
نظرت "ليان" إلى "قدس" باستمتاعٍ واضحٍ أما "قدس" فقالت مُجيبة:-
_ صاحبتنا فى الجامعة، بنت كل ما تشوف يزيد تجرى وراه ونيجى نروح تتلزق فينا عشان نوصلها وتقعد طول الطريق تفتح مواضيع معاه، شكلها مغرمة
_ نعم
قالتها "ليل" بإقتضاب فأومأت "قدس" برأسها
_ دى كانت عاملة نفسها هتموت عليه.
وأضافت وهى تضحك أكثر:-
_ وكانت بتقوله يا يزيد من غير ألقاب رغم إنه كان بيهرب منها وقاله انه مرتبط بس بجاحة بعيد عنك
تجمدت ابتسامة "ليل" تمامًا وشعرت بحرارة غريبة تتسلل إلى صدرها وبدأت ملامح "ليل" تتغير تدريجيًا، لاحظت "ليان" ذلك فورًا فكتمت ضحكتها بصعوبة أما "قدس" فأدركت هى الأخرى ما فعلته لكن بعد فوات الأوان تمتمت "ليل" فجأة:-
_ هو راح لوحده النهاردة.
_ كمان
قالتها "قدس" دون تفكير لتشعر بعدها مباشرة أنها ارتكبت جريمة أما "ليل" فلم تسمع شيئًا بعدها كل ما يدور داخل رأسها الآن، فتاة اسمها "كارما" وجامعة و"يزيد" ونيران تحرق صدرها بلهيب الغيرة التي لم تعترف بها نهائيٍ وبعد أقل من ساعة كانت تقف فى شرفة المنزل تنظر إلى الشارع للمرة العاشرة؛ بل ربما للمرة الخمسين تعض شفتيها بقلق ثم تنظر إلى هاتفها تارة تعود إلى الشارع من جديد تارة أخرى، فمرت "ليان" خلفها وتوقفت تراقبها قبل أن تضحك قائلة:-
_ لو فضلتي واقفة كدة هيطلعلك جذور فى البلكونة
التفتت "ليل" بسرعة
_ أنا؟
_ لا أنا
ضحكت "ليان" ثم أضافت بمكر:-
_ مستنية يزيد؟
احمر وجه "ليل" فورًا وقالت بنفور باستحياءٍ:-
_ لا
لتنفجر "ليان" ضاحكة لأول مرة من قلبها ودلفت بينما عادت "ليل" تنظر نحو الطريق مجددًا وقلبها الصغير يشتعل غيرةً رغمًا عنها منتظرة عودته على أحر من الجمر.
___________________________
فى الوقت نفسه داخل غرفة "وصيفة" جلست "هدير" بجوار والدتها فوق الفراش وكان الصمت بينهما طويلًا صمت امرأة تخشى الكلام وأخرى تخشى سماعه أخيرًا أخذت "هدير" نفسًا عميقًا وقالت بصوت مبحوح:-
_ أنا هطلق يا ماما.
أغمضت "وصيفة" عينيها للحظة رغم أنها كانت تعرف إلا أن سماع الكلمات كان مؤلمًا، مؤلمًا جدًا، ارتجفت شفتا "هدير" ثم قالت:-
_ حاولت والله، حاولت أصبر، أستحمل، وحاولت أقنع نفسي إن بكرة هيبقى أحسن لكن كل يوم كان أسوأ من اللى قبله
وانهمرت دموعها من جديد وقالت بضعف ولهجة واهنة:-
_ كنت بغرق يا ماما وبموت بالبطيء ومفيش حد حاسس بيا
شعرت "وصيفة" وكأن قلبها يتمزق مع كل كلمة فمدت ذراعيها فورًا وضمت ابنتها إلى صدرها كما كانت تفعل وهى طفلة صغيرة فانفجرت "هدير" بالبكاء وتشبثت بها بقوة بينما راحت "وصيفة" تربت على شعرها بحنان وقالت بصوت مملوء بالحب:-
_ خلاص يا قلب أمك... خلاص.
بكت "هدير" أكثر ونهرت باكيًا بضعف لم تظهره أمام أحد سوى امها وتُتمتم:-
_ أنا فشلت يا ماما، فشلت أكون زوجة، فشلت فى بيتي، اتخذلت من الشخص اللى حاربت أهلها عشانه، اللى بعت الكل وكل حاجة فى دنُيتي عشانه هو اللى كسرني ودا أكبر هزيمة ليا
هزت "وصيفة" رأسها بقوة ثم أمسكت وجهها بين كفيها وقالت بحزم الأم التى تعرف الحياة جيدًا:-
_ لا يا بنتي، الإنسان مبيفشلش لما يحاول وينكسر، الفشل إنه يفضل مكسور ويسكت، وأنا بنتي قوية وهتقف على رجلها من تاني ومش رجل ولا تجربة اللى هكسروكي من بكرة هنمشي فى إجراءات الطلاق حتى لو كان فى أخر بلاد المسلمين وترجعي لحياتك وتعيشي وتنجحي وتشوفي شغلكِ ودُنيتكِ واللى حصل مجرد تجربة ومرت ونتعلم منها مش نقف عندها
سقطت دموع "هدير" أكثر فابتسمت "وصيفة" رغم ألمها وتابعت:-
_ وإوعى تنسي، بيت أبوكي عمره ما هيتقفل فى وشك ولا حضن أمك هيضيق بيكي مهما حصل ومهما الدنيا عملت، هنا هتفضلي بنتي ودائمًا ليكي مكان ترجعي له في النهاية وعندك عيلة رجالتها تأكل الإسفلت من الأرض لو حد اتجرأ يلمس شعر من رأسك وأخوكِ هادي يبلعه فى أرضه لو جرب يأذيكِ
هزت "هدير" رأسها بلطف وشعرت ان والدتها أعطتها قنبلة من الشجاعة لتستعيد قوتها وتحيا من جديد......
___________________________
كان الليل قد انتصف تقريبًا والهدوء يسيطر على الشارع أمام منزل "أبو النور" توقفت سيارة "يزيد" أمام البوابة الرئيسية لكنه لم يترجل منها ظل جالسًا خلف المقود للحظات طويلة صامتًا ومتوترًا وعيناه معلقتان على الملف الموضوع فوق المقعد المجاور له ملف البني صغير لكنه بدا أثقل من جبل كامل مد يده إليه فتحه للمرة العاشرة ربما أو المرة العشرين توقفت عيناه فوق الكلمات المكتوبة داخله وشعر بانقباض مؤلم داخل صدره ثم أغلقه سريعًا كأنه يحاول الهروب من الحقيقة زفر ببطء وأراح رأسه للحظة فوق المقعد متمتمًا لنفسه:-
_ يا رب...
أغمض عينيه لثوانٍ ثم أخيرًا فتح باب السيارة وترجل منها.
داخل مكتب "الجارحي" كان الأخير يجلس خلف مكتبه يراجع بعض الأوراق الخاصة بتوزيع التركة رفع رأسه فور دخول "يزيد" وقال بهدوء:-
_ ها؟ المحامي قال إيه؟
أغلق "يزيد" الباب خلفه ثم اقترب ووضع ملف العقود فوق المكتب.
_ استلم كل حاجة
رفع "الجارحي" حاجبه من هدوءه فى الحديث وشحوب وجهه فأكمل "يزيد":-
_ وهيبدأ إجراءات نقل الملكيات وتوزيع الأصول من أول الأسبوع الجاي
هز "الجارحي" رأسه باقتضاب وكأن حملًا ثقيلًا انزاح أخيرًا عن كتفيه.
_ كويس، أمال مالك وشك أصفر ليه؟ حصل حاجة؟
قالها بإريحية لكن شيئًا ما جعله يتوقف ينظر إلى "يزيد" مجددًا ثم عقد حاجبيه فـ "يزيد" لم يغادر ولم يبتسم ولم يبدُ مرتاحًا كما يفترض بعد انتهاء أزمة استمرت شهورًا بل كان واقفًا مكانه مترددًا وشاحب الوجه يقبض على شيء بيده بقوة تضيق عيناه فجأة.
_ فى حاجة يا يزيد صح؟ أخلص
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يخرج "يزيد" الملف الأبيض ببطء وتقدم خطوة واحدة فقط ثم وضعه أمامه على المكتب رفع "الجارحي" عينيه إليه باستغرابٍ مُتسائلٍ:-
_ إيه ده؟
ابتلع "يزيد" ريقه بصعوبة وقال بصوت منخفض:-
_ تحاليل دكتورة ليان
تجمدت يد "الجارحي" فوق الأوراق ثم رفع رأسه إليه فورًا فسأل وهو لا يفهم شيء فى التقارير الطبية:-
_ مالها؟
لم يجب "يزيد" مباشرة فقط أزاح الملف نحوه أكثر وقال بصوت ثقيل:-
_ افتحه.
بدأ القلق يتسلل إلى قلب "الجارحي" مد يده نحو الملف فتحه بسرعة وبدأت عيناه تتحركان بين الأوراق سطر ثم آخر يحاول ترجمت السطور الانجليزية لينزل "يزيد" عليه بالترجمة بكلمات خافتة:-
_المرض رجع لها تاني
اختفت ملامحه وشحب لونه بصورة واضحة وارتفعت عيناه بصدمة.
همس بعدم تصديق:-
_ لا...
ظل يقرأ الكلمات مرة أخرى وكأنه يأمل أن تكون قد تغيرت لكنها لم تتغير أغلق الملف بعنف ثم رفع رأسه نحو "يزيد" وارتعشت نبرته:-
_ أنت متأكد؟
أومأ "يزيد" ببطء وعيناه ممتلئتان بالقلق.
_ الدكتور أكدها.
ساد الصمت داخل المكتب صمت ثقيل ومخيف، بينما ظل "الجارحي" ينظر إلى الملف كأنه ينظر إلى عدو قديم عاد للحياة من جديد ثم خرج صوته أخيرًا خافتًا وغاضبًا ومصدومًا فى الوقت نفسه:-
_ المرض رجع؟
أخفض "يزيد" رأسه ثم قال بصعوبة:-
_ للأسف... رجع.
تشنج فك "الجارحي" بعنف وشعر وكأن أحدهم وجه إليه لكمة قوية فى صدره فبعد كل ما مرت به وبعد كل ما تحملته وبعد عودتها إلى عائلتها أخيرًا وبعد خبر حملها، عاد الكابوس من جديد قبض يده فوق الملف حتى كادت الأوراق تتجعد بين أصابعه بينما قال "يزيد" بصوت منخفض:-
_ الحمل ممكن يعقد الوضع أكثر.
رفع "الجارحي" رأسه إليه ببطء وكانت عيناه تحملان شيئًا مرعبًا خوفًا حقيقيًا الخوف الذى لا يعرفه إلا من اعتاد خسارة من يحبهم همس بصوت أجش:-
_ ليان تعرف؟
هز "يزيد" رأسه بالنفي وقال:-
_ اعتقد لا وإلا مكانتش هتكون بالثبات دا وأنا مقولتش وبرضو محدش من العيلة يعرف
ساد الصمت مرة أخرى طويلًا هذه المرة حتى بدا وكأن جدران المكتب نفسها تحبس أنفاسها ثم نهض "الجارحي" فجأة من مكانه واتجه نحو النافذة وقف أمامها للحظات طويلة ينظر إلى ظلام الليل فى الخارج بينما كانت كلمات الطبيب تدور داخل رأسه بلا رحمة حامل والمرض عاد من جديد أغمض عينيه ببطء ثم قبض يده بقوة وقال بصوت يكاد لا يسمع:-
_ دلوقتي... بعد ما رجعت لأهلها... بعد ما بدأت تعيش من جديد...
استدار نحو "يزيد" وكان وجهه قد تحول إلى صلابة مخيفة ثم قال بحزم:-
_ دا قضاء ربنا ومنقدرش نقول غير الحمد لله على كل حال ونفكر فى العلاج بسرعة مش وقت نخبي عشان اللى في بطنها
التفت نظر إليه "يزيد" طويلًا ثم أومأ بصمت يوافقه الرأى ثم عاد ببصره نحو الملف مرة أخرى وكأن معركة جديدة فتحت أبوابها للتو معركة لم يكن مستعدًا لها لكنها جاءت رغمًا عنه
وفي الطابق العلوي...
كانت "ليان" نائمة بسلام لأول مرة منذ شهور تضع يدها فوق بطنها الصغيرة وتبتسم أثناء نومها دون أن تعلم أن شبحًا قديمًا عاد من الظلام وأنه بدأ يطرق باب حياتها من جديد....
رواية حرب سقطت راءها الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم نورا عبد العزيز
بعنـــوان " "حيـــن تبــدّلت الأقـــدار 🧚🏻♀️🕊"
[[ ليس كل انتصارٍ يُقاس بمن بقي واقفًا...
فهناك من انتصر لأنه غادر، بعدما دفع ثمن أخطائه كاملًا.
وهناك من انتصر لأنه تمسك بالحياة رغم الألم، واختار أن يمنح قلبًا صغيرًا فرصةً ليبدأ من جديد.
وبين النهاية والبداية... يكتب القدر عدالته بطريقته، فلا ينجو إلا من تعلّم أن الحب الحقيقي لا يبنى على الخوف، بل على التضحية، والرحمة، والحياة. 🌼🫀 ]]
وقف "الجارحي" أمام باب المكتب للحظات، والملف البنى لا يزال بين يديه، وكأنه يحمل ثقل العالم كله لا مجرد أوراقٍ طبية. رفع يده ليطرق الباب، لكنه تراجع، ثم زفر ببطء ودخل، كان "هادي" يقف أمام النافذة المطلة على الحديقة، يضم يديه خلف ظهره، يتابع حركة أحفاد الجيران فى الشارع بشرودٍ غريب، وكأن قلبه أخيرًا بدأ يصدق أن العائلة تنفست قليلًا بعد سنوات من الحروب
التفت عندما شعر بدخول ابن أخيه، فابتسم ابتسامة خفيفة وقال:-
_ خير يا جارحي؟ شكلك عايزنى فى حاجة
لم يُجبه وظل واقفًا مكانه، وعيناه معلقتان بالملف الذى بين يديه فتلاشت ابتسامة "هادي" شيئًا فشيئًا اقترب منه خطوتين وقال بقلق:
_ فى حاجة حصلت؟
رفع "الجارحي" رأسه أخيرًا، لكن الكلمات رفضت الخروج، كم مرة وقف أمام رجال أعمال وخصوم ومحاكم ومواقف كادت تُسقط إمبراطوريته، ولم يتلعثم.... أما الآن فقد عجز لسانه أمام رجل ينتظر خبرًا عن ابنته ابتلع ريقه بصعوبة وهمس:-
_ اقعد يا عمى.
ازدادت دقات قلب "هادي"، لكنه جلس ببطء، وعيناه لا تفارقان وجهه أما "الجارحي" فلم يجلس ظل واقفًا، كأن قدميه لا تعرفان كيف تحملانه ثم قال أخيرًا بصوتٍ خافت:
_ ليان...
ابتسم "هادي" دون وعى وهتف:-
_ مالها؟... تعبت من الحمل؟ ولا عشان موضوع جوازها من القاتل دا
أغمض "الجارحي" عينيه للحظة ثم خرجت الجملة التى مزقت صدره قبل أن تصل إلى أذن عمه وهتف بشجاعة لا يحتمل الوقت التردد والتعلثم:-
_ المرض... رجعلها
ساد صمتٌ مطبق لم يرمش "هادي"، لم يتحرك بقى ينظر إليه وكأنه لم يسمعثم هز رأسه رافضًا التصديق:-
_ لا...
كررها، هذه المرة بثقة أكبر بصدمة ألجمته:-
_ لا... مستحيل.
اقترب "الجارحي"، ووضع الملف بين يديه وهتف بهدوء شديد مُدركًا حجم الصدمة:-
_ دى التحاليل
تناولها "هادي" بأصابع مرتجفة، وبدأ يقلب الصفحات سريعًا، حروف إنجليزية، مصطلحات طبية، أرقام لم يفهم معنهاها ولا أي شيئًا، رفع رأسه بعجز وعينيه تكاد تلتهم الورق:-
_ أنا... مش فاهم
جلس "الجارحي" أمامه لأول مرة، وأخذ يشير إلى السطور واحدًا تلو الآخر وقال:-
_ الأشعة، وتحاليل الدم...
ثم توقف قليلًا وشعر أن الكلمة التالية ستكسر الرجل أمامه وتابع:-
_ كلها بتأكد إن الورم رجع تانى.
ارتخت أصابع "هادي"، وكاد الملف يسقط من يده، ظل يحدق فى الفراغ طويلًا ثم همس:
_ بس... هى كانت خفت
لم يجد "الجارحي" جوابًا لأن الحقيقة لا تملك تفسيرًا وهذا القدر، أطبق الصمت عليهما من جديد، قبل أن يخرج صوت "الجارحي" منخفضًا:-
_ فى حاجة كمان
رفع "هادي" عينيه إليه ببطء قالها بصعوبة شديدة:-
_ ليان حامل
فى تلك اللحظة، انكسر كل ما حاول "هادي" أن يتمسك به، أسند مرفقيه فوق ركبتيه، وأخفى وجهه بين كفيه، بينما خرجت منه زفرة طويلة، موجوعة، كأنها تحمل عمرًا كاملًا من الندم تمتم بصوتٍ بالكاد يُسمع:
_ يا رب...
ثم رفع رأسه، وعيناه تغرورقان لأول مرة متمتم:-
_ أنا... لسه متعلمتش أفرح إنها بتنادينى "بابا"..... كل مرة أحاول أقرب منها الحياة تسبقنى وتاخدها منى
نهض "الجارحي" دون تردد، ووضع يده على كتف عمه بقوة وقال بثبات، رغم الألم الذى يسكن صوته:-
_ لا يا عمى... المرة دى مش هنقف نتفرج
نظر إليه "هادي"، فتابع:-
_ المرة الأولى كانت طفلة، ومحدش قدر يحميها وكنا فصدمة أنها عايشة وجاية تأخد جتة من قُدس وتمشي مش جاية لأهلها لكن دلوقتى ليان عندها عيلة كاملة واقفة ضهرها اب زى حضرتك، وأنا وأبويا ويزيد وكل ست فى البيت دا، كلنا، أقسم بالله... هنحارب المرض ده قبل ما ينتصر عليها وربنا معانا وهيقدرنا بمشيئته توكل عليه وهو قادر على كل شيء
انحدرت دمعة صامتة على خد "هادي"، فأغمض عينيه، ثم قال بصوتٍ متهدج:-
_ وآخر حاجة متقولوش لحد دلوقتى، أنا لازم أعرف إزاى هقول لبنتى إنها بتحارب الموت مرة تانية وهى بقت أم قبل ما تفرح حتى بخبر حملها
__________________________
كان دفء الصباح يملأ شقة "وصيفة" برائحة الخبز الساخن والسمن البلدي، بينما كانت الأخيرة تتحرك بين السفرة والمطبخ كعادتها، تصب الشاي لهذه، وتزيد قطعة جبن لذاك، وكأنها تحاول أن تُطعم العائلة شيئًا من الطمأنينة قبل الطعام، جلست "قدس" على المقعد تمسد بطنها الصغيرة بين الحين والآخر، وقد بدأت شهية الحمل تفرض قوانينها عليها، فأخذت قطعة من الخبز تغمسها فى العسل وهى تبتسم قائلة:
_ والله يا صفصف... الأكل عندك ليه طعم تانى؟
ضحكت "وصيفة" وهى تضع أمامها كوب اللبن وقالت بحنان:-
_ كلى يا حبيبتى... إنتِ وابنك اللى فى بطنك أهم من الدنيا كلها
أما "ليان"، فكانت تجلس على الطرف الآخر من السفرة، ترتدى ملابس منزلية بسيطة، وشعرها مرفوع بعشوائية، تتناول إفطارها فى هدوء غير معتاد، راقبتها "وصيفة" بطرف عينها، ثم دفعت نحوها طبقًا آخر وقالت بحنان يغمر قلب الفتاة التى افتقدت حنان العائلة ودفئها:-
_ وإنتِ كمان... الأكل بالعافية يا دكتورة.
ابتسمت "ليان" ابتسامة خافتة وتقول:-
_ حاضر يا طنط وصيفة
هزت "وصيفة" رأسها معترضة وقالت:-
_ طنط إيه؟... من النهارده تقولى يا صفصف، أنا مش طنط ولا بنطنط
توقفت "ليان" عن المضغ للحظة ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة دافئة وقالت:-
_ حاضر يا صفصف
اتسعت ابتسامة "وصيفة"، بينما تبادلت "قدس" النظرات معها وضحكت بخفة ولأول مرة منذ سنوات، بدا المشهد كأنه عائلة حقيقية لكن لم يدم السلام طويلًا انفتح باب الشقة بهدوء ورفع الجميع أبصارهم، دخل "هادى" كان وجهه شاحبًا بصورة أرعبت "قدس" فورًا خطواته بطيئة وعيناه حمراوان، كأنهما لم تعرفا النوم وقف عند مدخل الصالة دون أن ينطق تأملت "ليان" ملامحه، ثم عقدت حاجبيها وسألت "قُدس" بقلق على والدها:-
_ فى إيه؟
لم يجب ابتلع ريقه بصعوبة ثم تقدم حتى وقف أمامها مباشرة، لاحظت "قدس" ارتجافة أصابعه ونهضت من مقعدها بقلق تقول:-
_ بابا... مالك؟
ظل صامتًا كانت الكلمات تخنقه أما "ليان" فقد وضعت قطعة الخبز من يدها وقالت بنبرة أكثر جدية:
_ حصل إيه؟
نظر إليها طويلًا جدًا كأنه يحاول أن يحفظ ملامحها قبل أن يكسر قلبها، ثم جلس أمامها ببطء ومد يده وأمسك يدها بين كفيه لأول مرة منذ عادت إليه كانت يدها دافئة أما يده فكانت باردة ترتجف همست بدهشة:-
_ بابا...
ارتعش قلبه عندما سمعها تناديه بها لكن الكلمة التى انتظرها عمرًا كاملًا جاءت فى أصعب لحظة انخفض رأسه قليلًا وقال بصوت خرج مكسورًا:-
_ ليان أنتِ قوية أنا عارف وعارف أن الدنيا ظلمتكِ كتير وجت عليكِ أكتر ومفرحتش لا بأهلها ولا بجواز بس إحنا مؤمنين وبنقول الحمد لله صح
عينيها تتراقص بين ملامح وجهه بدهشة من هذه المقدمة وقالت بتوتر وعدم فهم:-
_ هو في اى؟ لازمته اى الكلام دا
ابتلع لعابه بصعوبة وقال بكلمات تعتصر قلبه:-
_الدكاترة... لقوا فى التحاليل بتاعتك المرض تاني
ساد صمتٌ ثقيل، لم تتحرك "ليان" ظلت تحدق فيه دون أن ترمش ثم ابتسمت، ابتسامة صغيرة مرتبكة وقالت وكأنها لم تسمع جيدًا:-
_ مرض إيه؟
رفع رأسه إليها وكانت الدموع قد سبقت الكلمات:-
_ الورم رجع يا ليان.
فى اللحظة نفسها شعرت "قدس" وكأن الهواء اختفى من الشقة وضعت يدها فوق فمها تلقائيًا واتسعت عيناها بصدمة تُتمتم:-
_ لا...
همست بها وهى تنظر بين أختها ووالدها أما "وصيفة"، فقد سقطت الملعقة من يدها لترتطم بالأرض، وظلت تنظر إلى "ليان" فى ذهول، غير قادرة على استيعاب أن تلك الفتاة التى عادت إلى بيتها منذ أيام قليلة ستُختبر بهذا البلاء مرة أخرى أما "ليان" فظلت صامتة وشاحبة، لا تبكى، لا تصرخ، وكأن عقلها توقف عن العمل ثم خرج سؤال واحد بصوت بالكاد سُمِع:-
_ وأنا حامل.. صح؟ رجع يحاربني أنا وابنى
أغمض "هادى" عينيه بوجع وأومأ برأسه فى تلك اللحظة فقط، انهار الجدار الذى بنت به "ليان" قوتها طوال عمرها، وضعت كفيها فوق بطنها دون وعى، كأنها تحاول أن تحمى صغيرها من خبر لم يولد بعد ليسمعه وانحدرت أول دمعة ثم الثانية ثم رفعت عينيها المرتعبتين إلى والدها، ولم تكن تخاف على نفسها هذه المرة، همست بصوت اختنق بين شهقاتها:-
_ ابنى... هيحصله حاجة؟
خرج السؤال ممزقًا، سؤال أم، لا مريضة، فلم يجد "هادى" جوابًا واكتفى بأن احتضن ابنته بقوة، بينما انفجرت "قُدس" بالبكاء، وأسرعت "وصيفة" تضم الفتاتين إلى صدرها، كأنها تحاول بجسدها العجوز أن تصنع لهما حصنًا يحميهما من قسوة القدر
___________________________
كان مكتب المحامي هادئًا والجدران الخشبية، وصفوف الملفات الممتدة حتى السقف، ورائحة الورق القديم، كلها منحت المكان هيبةً ثقيلة، وكأن كل ورقة هنا تحمل نهاية حكاية، أو بداية أخرى.
جلست "هدير" مستقيمة الظهر، حقيبة يدها فوق ساقيها، وكفاها متشابكان بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعها، بينما جلس "فؤاد" إلى جوارها، يراقب شقيقته بصمت، لم تكن تبكي والغريب أن الدموع انتهت فحين يجف البكاء، يبدأ القرار، رفع المحامي نظارته، ونظر إلى الأوراق أمامه ثم قال بهدوء:
_ أفهم من كلام حضرتك إنكِ مصرة على الطلاق؟
أجابت دون تردد، وصوتها ثابت على غير عادتها:-
_ أيوه... مصرة
أطرق المحامي رأسه وهو يدون بعض الملاحظات:-
_ وحقوقك الشرعية؟
هزت رأسها بهدوء وقالت بقوة:-
_ متنازلة عنها كلها
رفع رأسه إليها بدهشة يكرر كلمتها:-
_ كلها؟
ابتسمت ابتسامة باهتة، لا حياة فيها فقال "فؤاد" بجدية:-
_كل حاجة، أنت ناسي هى بنت مين؟، هتحتاج منه اي 100ألف جنيه مؤخر مش عايزينه، هى تملك أضعافه، إحنا عايزين قسمية طلاق تديها حريتها ونخلص من الربطة دى وبس
ساد الصمت لحظات ثم قال المحامي بنبرة عملية:
_ واجبي أعرفك، حضرتكِ عارفة إن القانون بيكفل ليكي حقوق كتير... مؤخر، ونفقة، ومستحقات...
قاطعته بهدوء أشد تأكد حديث أخيها:-
_ أنا مش جاية آخد فلوس
ثم تنهدت، وكأنها تُخرج من صدرها عامًا كاملًا من التعب.
_ أنا جاية آخد حريتي
ارتخت ملامح المحامي قليلًا، وأغلق الملف أمامه وقال:-
_ طالما ده قرارك النهائي... هنبدأ الإجراءات
ثم أضاف:_
_ بما إن الزوج مقيم فى إنجلترا، هنتواصل معاه رسميًا، ولو لزم الأمر هيكون التواصل عن طريق السفارة المصرية هناك، علشان الإجراءات تتم بأسرع صورة ممكنة.
أومأت هدير برأسها، لم تسأل عن المدة ولم تعد تهتم، يكفي أنها أخيرًا تحركت للأمام أغلق المحامي الملف قائلًا:-
_ أول ما يجيلنا الرد هبلغ حضرتكم فورًا
نهض "فؤاد" يصافحه، بينما بقيت "هدير" جالسة لثوانٍ أخرى، تنظر إلى الورقة الموضوعة أمامها، ورقة واحدة، قد تُنهي سنوات كاملة، خرج الاثنان من المكتب، وما إن أُغلق الباب خلفهما حتى توقفت "هدير" فى الممر أخذت نفسًا طويلًا وكأنها تتعلم التنفس من جديد، التفت إليها "فؤاد"، فرأى شحوب وجهها، لكنه رأى أيضًا شيئًا غاب عنها منذ زمن هدوءًا صغيرًا، اقترب منها ووضع يده فوق رأسها كما كان يفعل وهى طفلة وابتسم قائلًا برقة:-
_ زعلانة؟
أطرقت رأسها قليلًا وقالت بثبات:-
_ الزعل مش عشان الطلاق... الزعل إنى اكتشفت متأخر إن الإنسان ممكن يعيش مع حد سنين وهو فى الحقيقة عايش لوحده.
شعر" فؤاد" بوخزة فى قلبه فشد على كتفها برفق وقال:-
_ متقوليش كدة... إنتِ مش لوحدك
نظر إليها بعينين امتلأتا بحنان الأخ الأكبر وقال:-
_ طول ما إحنا عايشين، ليكي بيت، وليكي سند، وليكي إخوات يشيلوا عنك الدنيا كلها
ارتعشت شفتا "هدير" ومنذ عودتها إلى مصر لم تشعر أنها امرأة هُزمت؛ بل شعرت أنها أخت، عادت أخيرًا إلى عائلتها، سارت بجوار "فؤاد" خارج المكتب، بينما كانت شمس الظهيرة تغمر الطريق أمامهما ربما انتهى زواج، لكن الحياة، للمرة الأولى منذ زمن طويل بدأت تفتح لها بابًا جديدًا
____________________________
داخل الشقة، كانت "ليل" تجلس فوق الأريكة، تضم قدميها أسفلها، وبين كفيها كوب الشيكولاتة الساخنة الذي كانت ترتشفه ببطء لكن، لا طعم للشوكولاتة اليوم كلما تذكرت صوت "قدس" وهي تقول
( كارما كانت هتموت عليه...)
عادت تشعر بحرارة غريبة تشتعل داخل صدرها فنفخت بضيق وهي تتمتم لنفسها:-
_ يا رب... البنت الرخمة دي.
ارتشفت رشفة أخرى، ثم هزت رأسها بعناد بتمتمة أكبر:-
_وكمان بتناديه باسمه!
وفى تلك اللحظة فُتح باب غرفة "يزيد" خرج وهو يغلق أزرار أكمام قميصه الأسود بهدوء، مرتديًا بنطالًا جينز داكنًا، وساعته فى معصمه، بينما يمرر أصابعه بين خصلات شعره استعدادًا للذهاب إلى العمل رفع رأسه نحوها مبتسمًا ابتسامة صباحية هادئة وقال:-
_صباح الخير
لم تجبه كانت تحدق فيه تحديدًا فى ذلك القميص الأسود وفجأة، قفزت إلى رأسها غزل "كارما" للون الأسود به وكم يليق به فضاقت عيناها ثم وضعت الكوب بعنف فوق الطاولة حتى اهتز قليلًا وتناثرت منه قطرات الشيكولاتة على الطاولة، التفت إليها "يزيد" باستغراب وقبل أن ينطق خرج صوتها حادًا على غير عادتها تقول:-
_ لا
رمش بعينيه ولم يفهم فسأل:-
_ نعم؟
أشارت بإصبعها نحو صدره وهي تقف من مكانها تسير نحوه:-
_ القميص ده وحش جدًا
نظر إلى نفسه بدهشة، ثم إليها ولم يستوعب الكلمة فسأل:-
_ ماله؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها وهى تحاول اختلاق أى سبب وقد وقفت أمامه مباشرة:-
_ مش عاجبني
ظل ينظر إليها عدة ثوانٍ، غير مستوعب، هل هذه هي "ليل" نفسها؟، "ليل" التي كانت تهرب إلى غرفتها بمجرد سماع صوته؟ "ليل" التي كانت ترتجف إذا اقترب منها خطوة؟ أما الآن فتقف أمامه بكل هذه الجرأة تعترض على ملابسه! ابتسم دون أن يشعر فسأل بهدوء يخفي دهشته:-
_ أغيره؟
هزت رأسها بقوة وعينيها تكاد تلتهمه بنظراتها الثاقبة:-
_ أيوه، اللون الأسود كئيب.
نظر حوله فى الشقة، ثم عاد إليها مبتسمًا وقال:-
_ بلبسه بقالى سنين أول مرة يطلع كئيب النهاردة
عضت شفتها بغيظ وقالت:-
_ خلاص... متلبسهوش تاني مش عاجبني اى القرف دا وكمان شعرك أنت مستشوره ليه؟ أنت رايح فرح حضرتك دا أنت يا دوب نازلة الغورية يعنى العتبة مش كدة
اقترب خطوة، وعيناه تلمعان بمرح لم تعرفه فيه منذ زواجهما ومُندهشًا من كم الاعتراضات التى نزلت على هيئته اليوم وقال بتلعثم من التوتر:-
_ هو القميص زعلك فى حاجة؟ طب أنا عملت حاجة بطلعي ضيق خُلقكِ عليا؟!
تنحنحت وهى تحاول التماسك وهتفت ببرود تحاول السيطرة على انفعالها حتى لا يشعر بشيء:-
_ لا
_أمال؟
نفخت بضيق طفولى من مماطلته فى الحديث وفكت ذراعيها تضرب الارض بقدميها غاضبة وتصرخ به:-
_ قولت غيره يعنى غيره ولا عجبك معاكسة البنات ليــ....
صمتت للحظة وقد أوشكت أن تفضح أمرها وتعلن غيرتها أمامه، ظل يراقبها لحظات، ثم فجأة اتسعت ابتسامته، ابتسامة فهم معها كل شيء وقد أردك أنها تغار عليه حقًا، خفض رأسه قليلًا وهو يكتم ضحكته وقال:-
_ هو... الموضوع له علاقة بكارما؟
تجمدت "ليل" مكانها واتسعت عيناها بصدمة وتحدث بانفعال غاضبة جدًا منه:-
_ ما شاء الله دا أنتِ حافظ اسمها كمان تحب أجبلك رقمها، لا متجاوبش أنا هجبهولك
استدارت لكي تذهب تحصل على هاتفها حقًا وتعطيه الرقم لكنه منعها حين مسك معصمها بلطف، ولم يستطع منع ضحكته هذه المرة ضحكة صافية خرجت من قلبه حتى إنه أدار وجهه قليلًا حتى لا يراها وقال:-
_ خلاص
ازدادت هى غضبًا، وضربت ذراعه بخفة قائلة:-
_متضحكش!
نظر إليها بعينين امتلأتا بالحنان وقال وهو يحاول السيطرة على ابتسامته:-
_حاضر...
ثم فك الزر الأعلى من القميص باستسلام، واستدار نحو غرفته قائلًا:-
_ هغيره، عيني يا ست البنات
توقفت "ليل" عن الكلام رمشت عدة مرات بعدم تصديق وقالت:-
_ بجد؟
التفت إليها من عند باب الغرفة وقال بمكر:-
_ ما أنا بفك الزراير اهو أجي اغيره قصدك، أو تعالى اختارى أنتِ قميص يعجبك
غمز لها بإثارة فابتلعت لعابها بخجل شديد من جراءته وطلبه لقدومها إلى غرفته فهربت عينيها منه، ابتسم بابتسامة دافئة جعلت قلبها يقفز داخل صدرها وقال:-
_ طالما مراتى مش عاجبها... يبقى أكيد هغيره.
واختفى داخل الغرفة أما هى فظلت واقفة فى منتصف الصالة، تحدق فى الباب المغلق ثم لم تستطع منع ابتسامة صغيرة تسللت إلى شفتيها، ابتسامة انتصار وامرأة بدأت، دون أن تشعر، تمارس حقها الطبيعى فى الغيرة على الرجل الذى صار زوجها
أما داخل الغرفة فكان "يزيد" يقف أمام خزانته، يخرج قميصًا آخر وهو يبتسم لنفسه وهمس ضاحكًا:
_ الحمد لله...
شعر برفرفة قلبه ولأول مرة شعر أنها عادت لطبيعتها وقد بدأت تحيا من جديد
___________________________
على الجانب الآخر لم يكن قصر الصياد صاخبًا كما اعتاد الجميع، غابت الأوامر، وسكتت أصوات الحراس، وحتى المكتب الذى كان يمتلئ بالاجتماعات والصفقات بدا مهجورًا منذ أيام أما "جلال" فكان حبيس غرفته يجلس على حافة الفراش، مرفقيه فوق ركبتيه، وبين أصابعه هاتفه الذى لم يفارقه منذ رحيلها ضغط على اسمها مرة أخرى "ليان." رن الاتصال ثم انتهى كما انتهت عشرات الاتصالات قبله لا رد، أغلق عينيه وزفر ببطء، ثم فتح نافذة المحادثة بينهما، كانت آخر رسالة منها ما تزال تتوسط الشاشة، كأنها سُطرت بالنار لا بالحروف
(لو جربت تقرب مني تاني... أو تتواصل معايا... والله يا جلال لأحرق قلبك على ابنك.)
توقفت عيناه طويلًا عند كلمة "ابنك" الكلمة الوحيدة التى كانت تمنحه الحياة، وأصبحت فى الوقت نفسه أكبر قيدٍ حول عنقه لو كانت تهدد حياته لذهب إليها دون تردد، لو هددته بالسجن لابتسم، لو وقفت فى وجهه بعائلتها كلها لأخذها بالقوة كما اعتاد أن يأخذ كل ما يريد، أما الآن فقد كانت تحمل بين أحشائها قطعةً منه وأقسمت أن تحرق قلبه بها إن اقترب لأول مرة فى حياته يشعر أن قوته كلها لا تساوى شيئًا وأن زعيم المافيا الذى ترتعد منه المدن يعجز عن طرق باب امرأة يحبها ألقى الهاتف بجواره، وأسند رأسه إلى ظهر الفراش كانت الغرفة واسعة لكنها بدت فارغة بصورة مؤلمة، فارغة منها ومن صوتها ومن عنادها الذى كان يثير جنونه ثم يسرق ابتسامته همس بصوت مبحوح، كأن الكلمات خرجت من قلبٍ أنهكه الفقد:-
_ وحشتينى يا ليان...
وأغمض عينيه مستسلمًا ليس لعدو، ولا لسلاح؛ بل لخوفٍ لم يعرفه يومًا الخوف على ابنه ومن جنون المرأة الوحيدة التى استطاعت أن تهزم جلال الصياد دون أن ترفع فى وجهه سوى كلمة واحدة
______________________________
مرَّ شهرٌ كامل...
شهرٌ لم يكن يُقاس بالأيام، بل بعدد التحاليل، وغرف المستشفيات، والدعوات التى لم تنقطع، داخل أكبر مراكز علاج الأورام فى ألمانيا، كانت الحياة تسير بإيقاعٍ مختلف؛ رائحة المعقمات تملأ الممرات، والأجهزة لا تتوقف عن إصدار أصواتها الرتيبة، بينما الوجوه جميعها تحمل الأمل والخوف فى الوقت نفسه كانت "ليان" تجلس فوق السرير الأبيض، ترتدى ثوب المرضى الواسع، وقد اختفى جزء من شحوبها خلف ابتسامة صغيرة حاولت أن ترسمها من أجل والدها، أما "هادى" فلم يغادرها لحظة، رجلٌ تجاوز الستين، لكنه كان يدخل معها كل غرفة فحص، يحفظ مواعيد أدويتها أكثر مما يحفظ أسماء أولاده، ويتحمل هو الآخر عشرات الفحوصات حتى أعلن الأطباء أخيرًا أنه المتبرع الأنسب بالنخاع لم يتردد ولم يسأل عن نسبة النجاح كل ما قاله للطبيب فقط انقاذ ابنته بجملة واحدة:-
_ لو فى فرصة تنقذ بنتى... اعملوها وعلى تعاهد مني
فى صباح العملية
سارت "ليان" فوق الممر الطويل بخطواتٍ بطيئة، بينما يدها تستقر فوق بطنها بحركةٍ غريزية لم تعد تخاف الموت لكنها أصبحت تخاف أن يسبقها إلى طفلها توقفت العربة أمام باب غرفة العمليات، اقترب "هادى" منها، وربت فوق رأسها بحنانٍ أبوى افتقدته سنوات طويلة، ابتسم لها وهو يُخفى ارتجافة صوته وقال:-
_ هتقومى بالسلامة يا بنتى... بإذن الله وهنخرج سوي من هنا
ابتسمت له ابتسامة متعبة، ثم همست:-
_ هقوم بإذن الله عشان فيه حد مستنينى
وانزلقت كفها ببطء فوق بطنها فاغرورقت عينا "هادى" بالدموع انحنى يقبل جبينها طويلًا، ثم قال وهو يجاهد حتى لا ينهار:-
_ وهتشوفى ابنك فى حضنك... أوعدك.
أُغلقت أبواب غرفة العمليات خلفهما ليدخل الأب وابنته معركتهما الأصعب وودعا "هدير" التى تنتظر وحدها خارجًا، جلست "هدير" وحدها فوق أحد المقاعد تضم حقيبتها إلى صدرها، وعيناها لا تفارقان الضوء الأحمر المشتعل أعلى باب العمليات مرت الدقائق ثم الساعات، وكل دقيقة كانت أثقل من التى قبلها شبكت أصابعها ببعضها حتى ابيضت مفاصلها، وهمست بين شفتيها:-
_ يا رب...
رن هاتفها فجأة يقاطعها من قراءة القرآن الكريم، ارتجفت يدها قبل أن تلتقطه ظهر اسم "الجارحي"، فتحت الرسالة سريعًا فكانت صورة واحدة فقط، صورة لوثيقة رسمية تحمل ختم المحكمة وقسيمة الطلاق، حدقت فيها طويلًا ثم قرأت الرسالة القصيرة أسفلها
(خلصت يا عمتى... من النهارده إنتِ حرة)
توقفت أنفاسها للحظة أعادت النظر إلى الصورة مرة ثم مرتين قبل أن ترتجف شفتاها وانهمرت دموعها فى صمت لم تكن تبكى على زواجٍ انتهى؛ بل على سجنٍ خرجت منه أخيرًا، أغلقت الهاتف، وضغطته إلى صدرها، ثم رفعت رأسها نحو باب غرفة العمليات ابتسمت وسط دموعها وهمست:-
_ الحمد لله... ربنا واقف معانا يا ليان وهتشوفي مش هيسيبنا أبدًا طول ما إحنا متوكلين عليه وبنقول يارب، أنا رجعت حرة وأنتِ هترجعلى سالمة... يااااارب مالناش غيرك
وعاد الصمت يفرض نفسه فوق الممر الطويل بين امرأةٍ استردت حياتها أخيرًا وأخرى كانت فى الداخل تحارب الموت، من أجل حياةٍ صغيرة تنبض تحت قلبها....
فى اللحظة نفسها التى كانت فيها" ليان" تصارع الموت لتتمسك بالحياة كان رجلٌ آخر، على بُعد آلاف الكيلومترات، يركض بنفس السرعة نحو نهايته، فى عمق الصحراء توقفت عدة سيارات سوداء وسط مساحة قاحلة لا يقطع سكونها سوى هدير المحركات، هبط "جلال" من سيارته بخطوات ثابتة، يرتدى بدلته السوداء، ونظرته الجامدة تمسح المكان بعين رجلٍ عاش عمره كله لا يثق بأحد وقف "كريم" بجواره، وقال بصوت منخفض:-
_ يا باشا... أنا مش مرتاح للمكان دا، دا شبه عملية انتحارية لينا وخطر
لم يحول "جلال" بصره؛ بل قال:-
_ وأنا كمان مش مرتاح، بس جنان بعيد عنك
قطب "كريم" حاجبيه وقال:-
_ يبقى نرجع
ابتسم "جلال" ابتسامة باهتة وهتفت بجدية:-
_ فات أوان الرجوع ولو عايز ترجع لوحدك أتفضل
كانت الشاحنة تقف على بعد أمتار قليلة، تحمل واحدة من أكبر شحنات المخدرات التى خرجت من إمبراطورية الصياد، اقترب الطرف الآخر صافحات قصيرة وكلمات أقل لكن قبل أن تكتمل الصفقة دوى صوت طلقة واحدة ثم الثانية ثم انفجرت الصحراء كلها بالنيران
_كمين!
صرخها أحد الرجال وفى ثوانٍ تحولت الرمال إلى ساحة حرب طلقات من كل اتجاه، رجال يسقطون، وسيارات تحترق أخرج "جلال" سلاحه، وتحرك بخبرة رجل عاش نصف عمره بين الدم، أصاب أكثر من مهاجم لكن العدد كان أكبر وأكبر بكثير سقط أحد رجاله بجواره ثم الثانى، ثم رأى "كريم" يترنح بعد أن اخترقت رصاصة كتفه صرخ فيه:
_ امشى يا كريم!
_ مستحيل أسيبك! الهواري عملها فينا
لكن رصاصة أخرى شقت الهواء واستقرت فى صدر "جلال"، تراجع خطوة ثم ثانية ووضع يده فوق مكان الإصابة كانت الدماء تتدفق بحرارة بين أصابعه حاول الوقوف لكن رصاصة أخرى أصابت جانبه فسقط أخيرًا فوق الرمال سادت الأصوات من حوله لكنها بدأت تبتعد شيئًا فشيئًا أخرج هاتفه بصعوبة كانت الشاشة ملطخة بالدم فتح محادثة اسمًا واحدًا فقط" ليان" ظل ينظر إليه طويلًا ثم ضغط على رسالةٍ صوتية كان قد سجلها منذ أيام يوم أدرك أنه ربما لن يراها مرة أخرى انطلقت الرسالة تلقائيًا إليها يُحدثها ث أغلق التسجيل وبقيت رسالة أخيرة فتح لوحة الكتابة ولم يكتب إلا كلمة واحدة...
"بحبك."
ضغط زر الإرسال وفى اللحظة التى وصلت فيها الرسالة ارتخت أصابعه وسقط الهاتف من يده فأغمض "جلال" الصياد عينيه للمرة الأخيرة مُفارقًا للحياة
وفى ألمانيا انفتح باب غرفة العمليات فى اللحظة نفسها، خرج كبير الجراحين، وقد ارتسمت فوق وجهه ابتسامة ارتياح وقفت "هدير"بتوتر ابتسم الطبيب وقال باللغة الإنجليزية:-
_ العملية نجحت.
فأكمل الطبيب و" هدير"تفهم ترجمته:-
_ استطعنا استئصال الورم بالكامل.
ثم ابتسم ابتسامة أوسع وهو يضيف:
_ والأهم الأم والطفل بخير.
وضعت يديها فوق وجهها، وأطلقت شهقة امتزج فيها البكاء بالضحك، نجت ابنة أخيها لقد نجت عاد الضوء إلى حياتها وبينما كانت الممرات تمتلئ بعبارات التهنئة والدعوات كانت رسالة قصيرة تعبر القارات فى صمت لتصل إلى هاتف ليان النائم فوق الطاولة بجوار سريرها رسالة لم ترها بعد رسالة من رجلٍ انتهت حياته فى اللحظة نفسها التى بدأت فيها حياتها من جديد لطفل من نسله ومحبوبته فهناك لحظاتٌ لا يغيّر فيها القدر طريق إنسانٍ واحد، بل يعيد ترتيب حياة الجميع، في اللحظة نفسها التي يمدّ فيها الموت يده ليأخذ روحًا، تكون الحياة قد اختارت روحًا أخرى لتمنحها فرصةً جديدة وبين الفقد والنجاة، لا ينتصر الأقوى، بل ينتصر من يملك الشجاعة ليبدأ من جديد، مهما كان الثمن........
رواية حرب سقطت راءها الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم نورا عبد العزيز
بعنـــوان " وبقي الحُـب 🖤♟️ "
[[ كل الحروب تنتهي يومًا...
وحين سقطت الراء من كلمة حرب، لم يبقَ إلا حب، ذلك الذي وُلد من بين الرماد، وغسل القلوب من وجعها، وكتب النهاية التي استحقها الجميع ♥🍂 ]]
استيقظت "قُدس" على خيوط شمسٍ ذهبية تسللت بخجل عبر ستائر الغرفة، ففتحت عينيها بكسلٍ لذيذ، ومدّت يدها تتحسس المكان بجوارها، لكنها توقفت فجأة وباقةٌ كبيرة من الورود الحمراء تستقر فوق الوسادة المجاورة، تعبق برائحةٍ عذبة ملأت الغرفة ارتسمت على شفتيها ابتسامة تلقائية، وما إن جلست حتى وقع بصرها على صندوقٍ أنيق موضوع أسفل الباقة فتحته بفضول، لتتسع عيناها بإعجاب فستانٌ طويل بلونٍ أسود ملكي، بأكمامٍ محتشمة، وانسدالٍ ناعم يفيض رقيًا، وكأنه صُمم خصيصًا لها وبين طيات القماش، وجدت بطاقةً صغيرة بخطٍ تعرفه جيدًا، ابتسمت قبل أن تقرأها، وكأن قلبها سبق عينيها إلى صاحبها
"سأنتظركِ الليلة... يا حبيبة قلبي."
وضعت البطاقة فوق صدرها، وأغمضت عينيها للحظة، بينما تسللت حمرةٌ خجولة إلى وجنتيها تمتمت بدلالٍ وهي تضحك وحدها:-
_ والله يا جارحي... بعد العمر ده كله لسه بتعرف تكسفني
أعادت النظر إلى الفستان، ثم إلى الورود، ولم تستطع منع قلبها من الخفقان كفتاةٍ تعيش موعدها الأول، لا كامرأةٍ تجاوزت سنواتٍ طويلة من التعب وأدركت بابتسامةٍ دافئة، أن بعض الرجال لا يتأخرون في الحب، وإنما ينتظرون اللحظة التي يصبح فيها الحب آمنًا ليستطيعوا أن يعيشوه كاملًا
في الطابق السفلي، داخل شقة الجدة، كانت شمس الصباح تتسلل إلى الصالة الهادئة، بينما وقفت "آسيا" إلى جوار والدتها، تضع ذراعها حول خصرها برفق، تساعدها على الوقوف للمرة الأولى منذ أسابيع طويلة، استندت "مديحة" إلى عكازها الأسود، وجبينها يتصبب عرقًا من شدة المجهود، بينما ارتجفت ساقاها اللتان أنهكتهما الغيبوبة الطويلة فابتسمت "آسيا" بحنان، وقالت تشجعها كأنها أمٌّ تحتضن طفلتها:-
_ شاطرة يا ماما... واحدة واحدة، أنا جنبك
أومأت "مديحة" برأسها، ثم حاولت أن تخطو خطوةً صغيرة، لكن قدمها خانتها، فكادت تسقط، لتسارع "آسيا" بإسنادها، تنهدت "مديحة" بيأس، وأغمضت عينيها قائلة بصوتٍ منكسر:-
_ مش هعرف... خلاص يا آسيا
أمسكت "آسيا" بكفيها، ونظرت إليها بعينين مليئتين بالإصرار وقالت بحماس:-
_ هتعرفي... طول ما نفسك طالع هتعرفي إحنا محاربناش كل ده علشان نستسلم قبل آخر خطوة
ابتسمت "مديحة" ابتسامة باهتة، ثم تشبثت بعكازها من جديد، هذه المرة دفعت قدمها اليمنى إلى الأمام خطوة ثم أخرى وتوقفت كانت تقف وحدها دون أن تستند إلى ابنتها، اتسعت عينا "آسيا" بعدم تصديق، وسرعان ما غمرتهما الدموع، بينما وضعت يدها فوق فمها، تضحك وتبكي في آنٍ واحد تقول:-
_ برافو يا ماما... والله برافو... مش مسكاكي، بصي... إنتِ واقفة لوحدك!
نظرت "مديحة" إلى قدميها، ثم إلى ابنتها، وكأنها هي الأخرى لا تصدق ما حدث وارتجفت شفتاها، وانحدرت دمعة دافئة فوق خدها، قبل أن تهمس بصوتٍ اختلط فيه الامتنان بالأمل:-
_ الحمد لله...
فأسرعت "آسيا" تحتضنها بحذر، وكأنها تخشى أن يوقظها أحد من هذا الحلم الجميل ولأول مرة منذ زمنٍ طويل لم تكن الخطوتان مجرد حركةٍ لجسدٍ أنهكه المرض؛ بل كانتا أول خطوتين نحو حياةٍ بدأت تعود إليهما من جديد
___________________________
داخل وكالة القماش بالغورية، كانت الحركة لا تهدأ كعادتها، أصوات العمال، ولفائف الأقمشة، وطلبات التجار التى لا تنتهى لكن صاحب المكان اليوم لم يكن حاضرًا بعقله وقف "الجارحي" يراجع آخر الفواتير بسرعة، ثم أغلق الملف أمامه وهو ينظر إلى ساعة معصمه للمرة العاشرة خلال دقائق تنهد بضيق يتمتم:
_ يا ساتر... الساعة بقت كام؟
اقترب منه أحد العمال يسأله عن شحنة جديدة، فأجابه باقتضاب وهو يوقع الأوراق:-
_ خلصوا تحميلها وابعتوا الفاتورة للمخزن وأنا ماشي
وقبل أن يغادر، خرج صوت والده "فؤاد" الذي داخل المكتب:-
_ على فين يا سيادة البيه مستعجل كده؟ وعمال تتصل بيا لما صدعتني
استدار "الجارحي" بابتسامة لا يستطيع إخفاءها، وقال وهو يلتقط مفاتيح سيارته:-
_ عندى ميعاد أهم من الدنيا كلها
رفع "فؤاد" حاجبه بمكر وقالت:-
_ ميعاد مع مين؟
ضحك "الجارحي" وهو يعدل ساعة يده وقال:-
_ مع مراتى... النهارده عيد جوازنا الأول
هز "فؤاد" رأسه ساخرًا وجلس على المقعد:-
_ الله... ده أنت قلبت رومانسى على كبر!
اقترب "الجارحي"، ووضع بين يديه مجموعة من الملفات وقال بثقة:-
_ حضرتك هتمسك الوكالة النهاردة
فتح "فؤاد" عينيه بصدمة وهو لا يعرف شيء عن التجارة من الأساس:-
_ نعم؟! وأنا مالى بتجارة القماش؟ يا ابنى أنا معرفش أفرق بين الكتان والقطيفة!
انفجر "الجارحي" ضاحكًا لأول مرة منذ زمن طويل، ثم قال وهو يخرج:-
_ اسأل العمال... هم هيعلموك
وقبل أن يغلق الباب عاد برأسه إلى الداخل محذرًا:-
_ آه... ومتنساش، لو حد سأل عليا قولهم فى مهمة قومية.
ضحك العمال، بينما صاح "فؤاد" خلفه:-
_ مهمة قومية إيه؟
رد "الجارحي" وهو يختفى خارج الوكالة:-
_ إنقاذ عيد جوازى الأول... ودى أخطر مهمة فى الدنيا
غادر بخطوات سريعة، وما إن استقل سيارته حتى أخرج هاتفه، واتصل بالمطعم للمرة الأخيرة يتأكد من الحجز الذى أعده باسمه، ابتسم فى رضا بعدما جاءه التأكيد، ثم ضغط على دواسة الوقود، ولم يكن فى قلبه اليوم تجارة، ولا صفقات، ولا حروب
كان كل ما يشغل باله امرأة انتظرها طويلًا، وأراد أن يمنحها ليلةً تستحقها، بعد عامٍ كاملٍ من الألم، ليبدأ معها عامًا جديدًا عنوانه الحب فقط
______________________________
تسللت أشعة الصباح الذهبية عبر ستائر الغرفة البيضاء، لتستقر فوق وجه "ليان"، التى بدأت أصابعها تتحرك ببطء، قبل أن تفتح عينيها بصعوبة شديدة، كل شيءٍ كان ضبابيًا ورائحة المعقمات، صوت الأجهزة الطبية المنتظم، وضوء الغرفة الهادئ
حاولت أن تستوعب أين هى، قبل أن تشعر بثقلٍ خفيف فى جسدها، ووخزٍ يمتد عبر صدرها، فتذكرت العملية رفعت يدها المرتجفة تلقائيًا إلى بطنها، ولم تنطق، وفى اللحظة نفسها، نهضت "هدير" من مقعدها المجاور للفراش بعدما غلبها النعاس طوال الليل، وما إن رأت عينيها مفتوحتين حتى شهقت بفرحة كبيرة تناديها:-
_ ليان...!
ابتسمت "ليان" ابتسامةً واهنة، بالكاد ظهرت فوق شفتيها:-
_ عمتى...
أسرعت "هدير" تمسك يدها بكلتا يديها، وقد اغرورقت عيناها بالدموع قائلة:-
_ الحمد لله... الحمد لله إنك فوقتى
تنفست "ليان" ببطء، ثم همست بصوتٍ متعب:-
_ بابا... فين؟
ابتسمت "هدير" وأشارت إلى الفراش المجاور، استدارت "ليان" برأسها بصعوبة، فرأت "هادى" نائمًا بعمق، تتصل بذراعه المحاليل الطبية، بينما يرتفع صدره ويهبط فى هدوء، ابتسمت رغم تعبها وهمست بخفوت:
_ نام...
اقتربت "هدير" تربت على يدها بحنان:-
_ الدكتور قال تأثير العملية عليه هيكون أصعب بسبب سنه... لكنه بخير، وكل التحاليل مطمنة.
أغمضت "ليان" عينيها للحظة، ثم فتحتهما مجددًا وقد لمعت داخلهما دموع امتنان وهتفت:-
_ عملها...
هزت "هدير" رأسها مبتسمة وربتت على يدها بحنان قائلة:-
_ عملها... وأنقذك بإذن ربنا
ساد صمتٌ قصير، قبل أن تسأل "ليان" بخوف الأم الذى لم يفارقها حتى وهى بين الحياة والموت:-
_ والبيبى...؟
ابتسمت "هدير" هذه المرة ابتسامة واسعة وقالت بإريحية:-
_ زى الفل... الدكتور قال إنه بخير، وأنتِ كمان بخير.
انفرجت شفتا "ليان" بابتسامة امتزجت بدمعةٍ صغيرة انسابت فوق خدها همست شاكرة:-
_ الحمد لله...
وفى الجهة الأخرى من الغرفة، كان هاتف "ليان" موضوعًا فوق الطاولة الجانبية شاشته انطفأت منذ ساعات تخفى خلفها رسالةً لم تُقرأ بعد ورسالةً صوتية وكلمةً واحدة كتبها رجلٌ رحل قبل أن يعرف أن المرأة التى أحبها انتصرت أخيرًا على الموت أما "هدير" فنظرت إلى الهاتف للحظة، ثم مدت يدها إليه فى هدوء، وأغلقته تمامًا، قبل أن تعيده إلى مكانه لن تدع شيئًا الآن يسرق من "ليان" فرحة نجاتها فهناك جراحٌ حتى الحقيقة نفسها تنتظر الوقت المناسب لتفتحها..
______________________________
عاد "يزيد" إلى شقته بعد يومٍ طويل، وما إن أغلق الباب خلفه حتى استقبله هدوء المنزل لكن ضوء غرفة السفرة كان لا يزال مشتعلًا عقد حاجبيه باستغراب، واتجه إليها بخطوات هادئة ليتوقف عند بابها ابتسم دون أن يشعر وكانت "ليل" نائمة فوق المقعد وقد استسلمت للإرهاق بينما كانت تذاكر، تناثرت الكتب والأوراق أمامها وسقط القلم من بين أصابعها بينما استقرت رأسها فوق ذراعها الصغيرة وقف يتأملها طويلًا، خصلات شعرها الأسود انسدلت فوق وجنتها، وأنفاسها المنتظمة جعلتها تبدو كطفلةٍ غرقت فى النوم بعدما قاومت كثيرًا تنهد بهدوء وقال مُتمتم:-
_ يا مجنونة...
همس بها وهو يجمع الكتب برفق حتى لا تسقط، ثم عاد ينظر إليها مترددًا، كيف سيتركها هكذا؟ ستستيقظ وآلام رقبتها ستقتلها لكن كيف يحملها؟، مجرد الاقتراب منها كان يومًا كافيًا ليوقظ كوابيسها هو أكثر من يعرف ذلك ولم يكن مستعدًا أن يهدم، فى لحظة، كل الثقة التى بنتها معه بصعوبة ظل واقفًا دقائق كاملة يتقدم خطوة، ثم يعود أخرى حتى ابتسم لنفسه باستسلام وهمس:-
_ حاضر يا رب... هحاول
اقترب ببطء شديد، وكأنه يخشى أن يخيف فراشةً حطت فوق كفه، مد ذراعيه المرتجفتين أسفلها، ثم حملها برفقٍ بالغ وفى اللحظة التى ارتفع فيها جسدها بين ذراعيه مالت رأسها تلقائيًا لتستقر فوق صدره وتجمد مكانه واتسعت عيناه، وتسارعت أنفاسه بصورة لم يعرفها من قبل، كان يسمع دقات قلبه؛ بل كان يخشى أن توقظها من شدتها واحمرت وجنتاه، وسرت قشعريرة خفيفة فى جسده كله، بينما تمسك بها بحرصٍ شديد كأنها أغلى ما امتلك يومًا ابتلع ريقه بصعوبة، ثم بدأ يسير نحو غرفتها، كانت خطواته بطيئة مرتبكة حتى إنه كاد يتعثر أكثر من مرة من فرط ارتباكه وحين وصل إلى الفراش انحنى بحذر شديد، ووضعها فوقه كما لو كانت قطعةً من الزجاج، ظل يتأكد لثوانٍ أن الغطاء لم يلتف حولها، وأن رأسها استقرت براحة فوق الوسادة ثم تنفس أخيرًا، زفرة طويلة، كأنه كان يحبس أنفاسه منذ حملها، ابتسم وهو يرفع يده يمسح برفق فوق خصلات شعرها المبعثرة، وهمس بصوتٍ بالكاد يُسمع:-
_ أنا حبيتك أوى كده... إمتى؟
وصمت لحظة، قبل أن تخرج اعترافاته دون إرادة منه:-
_ وإزاى يا فراشتى؟
ظل ينظر إليها ثانيةً، ثم استدار مغادرًا الغرفة بهدوء، وأغلق الباب خلفه برفق وما إن اختفى حتى فتحت "ليل" عينيها ببطء، كانت مستيقظة منذ اللحظة التى حملها فيها فوضعت يدها فوق صدرها، تحاول تهدئة نبضاته التى كادت تقفز من مكانها ثم همست، وعيناها معلقتان بالباب المغلق، وكأنها ما زالت تسمع صوته:-
_ بتحبنى...؟
ولأول مرة لم تشعر بالخوف من رجلٍ يقترب منها بل شعرت بالأمان فى ذراعين حملتاها بكل هذا الاحترام، وكل هذا الحب...
______________________________
كان الليل قد ألقى عباءته الهادئة فوق الحديقة، تتراقص أضواء الأشجار بين الأغصان، بينما وقف "الجارحي" بجوار سيارته، ينظر كل بضع ثوانٍ نحو باب العمارة لم يكن ينقصه شيء إلا ظهورها وفجأة، ظهرت... هبطت درجات السلم بخطوات هادئة، مرتدية الفستان الأسود الطويل الذى اختاره لها بنفسه، بأكمامه المحتشمة وانسيابه الراقى، بينما انسدل شعرها الذهبى بحرية فوق كتفيها، واكتفت بلمساتٍ بسيطة من مساحيق التجميل زادت ملامحها نعومة دون أن تُخفى براءتها توقف الزمن بالنسبة له، شعر بأن قلبه نسى كيف ينبض ثم عاد ينبض بعنف، ابتلع ريقه وهو يحدق بها غير قادر على إزاحة عينيه عنها، حتى وقفت أمامه مبتسمة بخجل أخذ نفسًا عميقًا ثم قال وهو يهز رأسه بإعجاب:
_ هو أنا اتجوزت ملاك... ولا إيه؟
احمر وجه "قدس"، وخفضت بصرها أرضًا وهى تبتسم، اقترب منها بخطوة واحدة، ثم رفع يده يمسح خصلة شاردة من شعرها خلف أذنها، قبل أن يطبع قبلةً ناعمة فوق جبينها بكل رقة همس بالقرب منها:-
_ كل سنة وأنتِ أجمل حاجة حصلتلى
رفعت عينيها إليه فوجدت نظراته مليئة بذلك الحب الذى لم يعد يعرف كيف يخفيه فتح لها باب السيارة بنفسه، وانتظر حتى جلست، ثم أغلق الباب برفق كعادته، واستدار إلى مقعد القيادة فانطلقت السيارة تشق شوارع القاهرة الهادئة وكانت يده اليمنى تستقر فوق عجلة القيادة بثبات، بينما امتدت يده الأخرى تبحث عن يدها وتشابكت أصابعهما وضغط عليها بحنان دون أن ينظر إليها، ابتسمت "قدس" وهى تراقبه بطرف عينها لاحظت أنه يقود بهدوء شديد حتى إنه كان يخفف السرعة عند أصغر مطب، ويلتفت إليها بين الحين والآخر مطمئنًا فضحكت بخفة وقالت:-
_ إنت ماشى أربعين!
نظر إليها مبتسمًا وقال:-
_ وأقل كمان لو هيريحك أنتِ وابنى، المهم سلامتكم
ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها، بينما أشعل هو إحدى الأغنيات الرومانسية الهادئة التى كانت تعشقها، فامتلأت السيارة بموسيقى ناعمة جعلت الصمت بينهما أجمل من أى حديث وبعد دقائق توقفت السيارة أمام أحد المطاعم الفاخرة المطلة على النيل ورغم فخامته، كان "الجارحي" قد اختاره بعناية مكان راقٍ، هادئ بعيد عن الاستعراض الذى يعرف "قدس" أنها لا تحبه، أمسك يدها حتى دخلا معًا، حيث كانت طاولتهما المطلة على صفحة النيل فى انتظارهما جلسا يتناولان عشائهما وسط أضواء الشموع، وأحاديثهما التى لم تنقطع، وضحكاتهما الصغيرة التى كانت تملأ المكان دفئًا وبعد انتهاء العشاء، اقترب النادل وهو يحمل تورتة صغيرة على شكل قلب ابتسم وهو يضعها أمامهما وقال بلطف:-
_ كل سنة وأنتم بخير
نظرت "قدس" إلى التورتة، ثم إلى زوجها الذى كان يبتسم كطفل نجحت مفاجأته أخرج علبة مخملية صغيرة من جيبه، ومدها إليها فتحدثت بعفوية وسعادة تغمر قلبها:-
_كل دا عشاني أنا
_معنديش أغلي ولا أثمن منك فى الدنيا دى كلها، أنتِ قُدسي وعمري
قالها وهو يمسك يدها بحنان وبيدها الأخرى فتحَت هديته بفضول فشهقت من جمالها وكان داخلها ساعة رقيقة مرصعة بالألماس، تلمع تحت الأضواء فى رقةٍ تشبهها رفعت عينيها إليه بدهشة وقالت:-
_ يا جارحى...
ابتسم وهو يأخذ الساعة من العلبة، ويلبسها لها بنفسه وقال:-
_ تستاهلى أكتر من كدة بكتير ومهما أجبلكِ ميغلاش عليكِ يا قُدس ولا يقدر بثمن جنبكِ يا روحي
ظلت تتأملها لحظات، ثم ابتسمت بعفوية طفولية وقالت:-
_ أنا كمان جبتلك هدية
أخرجت من حقيبتها علبة صغيرة، ودفعتها إليه بحماس فتحها ثم انفجر ضاحكًا كانت بداخلها جوارب صغيرة جدًا لطفل حديث الولادة رفعها أمامه وهو يضحك من قلبه بعفوية:-
_ دى هديتى؟
هزت رأسها بخجل وقالت ببراءة ونبرة رقيقة:-
_ أول حاجة ابننا هيستعملها.
لم يستطع مقاومة تلك البراءة أغلق العلبة، ثم جذبها إليه يحتضنها بقوة، وقبّل رأسها بحنان بالغ فى تلك اللحظة تعالت تصفيقات الزبائن من حولهما بعدما تابعوا المشهد بابتساماتٍ صادقة، ارتبكت "قدس" فورًا، واحمر وجهها حتى أذنيها، أطلقت ضحكة خجولة ثم أخفت وجهها بالكامل داخل صدر زوجها، تتمسك بقميصه كطفلة تهرب من الجميع أما "الجارحي" فضحك وهو يضمها أكثر ثم رفع رأسه يشكر الحاضرين بابتسامة امتنان همس بالقرب من أذنها وهو يربت على ظهرها:
_ خلاص يا قلبى... متتكسفيش وافرحي بيومك
رفعت وجهها قليلًا، ونظرت إليه بعينين تلمعان بالسعادة كان عيد زواجهما الأول لكن هذه المرة لم يكن يحتفل بمرور عامٍ على زواجهما فقط؛ بل بانتهاء كل الحروب التى خاضها حتى يصل إليها ويجلس اليوم، ممسكًا بيد زوجته، منتظرًا مولودهما الذى سيبدأ معه فصلًا جديدًا من الحياة بعد انتهاء العشاء لم يعودا إلى السيارة مباشرة اختار "الجارحي" أن يسير معها بمحاذاة النيل، حيث الهواء الليلى البارد يداعب الوجوه، وأضواء المراكب تنعكس فوق صفحة الماء فى لوحةٍ ساحرة تشابكت أصابعهما دون أن يشعر وكأن يدها أصبحت مكانها الطبيعى داخل يده، كانت "قدس" تسير بجواره مبتسمة، تراقب الماء تارة، وتراقب زوجها تارة أخرى همست بخفوت:-
_ وحشتنى الخروجات دى
التفت إليها مبتسمًا وقال بحُب:-
_ طول ما أنا عايش... كل يوم هخرجك كانت فترة صعبة وعدت على خير يا حبيبتي وكل اللى جاي ليكي وبس
ضحكت بخفة وهى تضع يدها على صدره بحنان:-
_ كل يوم؟
أومأ بثقة يكرر جملتها:-
_ كل يوم... لو طلبتى
وقبل أن ترد اهتز هاتف "الجارحي" نظر إلى الشاشة، فاتسعت ابتسامته وهو يقول:-
_ دى هدير
ضغط زر الإجابة، لتتحول المكالمة إلى فيديو وما إن ظهرت الصورة حتى شهقت "قدس" بسعادة وهى تجذب الهاتف نحوها:-
_ ليــــــــان!
ظهرت "ليان" على الشاشة جالسة فوق سرير المستشفى، وقد عاد اللون تدريجيًا إلى وجهها، بينما جلست "هدير" بجوارها تلوح لهما مبتسمة قال "الجارحي" بارتياح:-
_ الحمد لله... بقيتى أحسن بكتير
ابتسمت "ليان" بخفة وقالت:-
_ الحمد لله الدكتور قال كام يوم وهخرج.
لم تنتظر "قدس" أكثر، واقتربت من الهاتف حتى كادت تلتصق بالشاشة هاتفة بحُب:-
_ وحشتينى أوى...
ضحكت "ليان" وهي تقول:-
_ وإنتِ أكتر
أخذت كل واحدة منهما تسأل الأخرى عن أدق التفاصيل، حتى ضحكت "هدير" قائلة:-
_ خلاص يا جماعة سيبوا المريضة ترتاح شوية
ضحك الجميع وقبل إنهاء المكالمة، رفع "الجارحي" الهاتف قائلًا:
_ المرة الجاية إن شاء الله... المكالمة تبقى من مصر
ابتسمت "ليان" بثقة وقالت:-
_ إن شاء الله
انتهت المكالمة لكنها تركت داخل قلوبهم طمأنينةً كبيرة، عادا إلى المنزل فى ساعةٍ متأخرة من الليل كانت "قدس" ما تزال تبتسم وهى تتذكر حديث شقيقتها، بينما أغلق "الجارحي" باب الشقة خلفهما التفت إليها، ثم قال وهو يعقد ذراعيه:-
_ اي؟... بعد اليوم الجميل ده كله اى؟
رمشت بعدم فهم وحدقت بعينيه قائلة:-
_ نعم؟
اقترب منها خطوة ثم أخرى وابتسامته تزداد اتساعًا وقال:-
_ مش هتقولى حتى كل سنة وأنت طيب بطريقة حلوة؟
ضحكت وهى تتراجع للخلف وقالت:-
_ قولتهالك
_ لا...
هز رأسه باعتراض هاتفٍ بحزم:-
_ دى كانت بالكلام
رفع يده يعبث بخفة بسحاب فستانها من الخلف، وهو يقول بمكر:-
_ وأنا عايز الاحتفال يبقى.....
لكنها لم تمنحه فرصة لإكمال الحديث أو مداعبة يده فشهقت بخجل، ثم ركضت كطفلة ضاحكة نحو غرفتها ليصرخ بغضب وهو ينزع سترة بدلته:-
_ قدددددددس!
أغلقت الباب بسرعة، ليستند هو بكفيه على خصره وهو يهتف بغضبٍ مصطنع:-
_ معقول بعد الليلة دى كلها؟! هنام على الكنبة
وصل إليه صوت ضحكتها الرنانة من خلف الباب:-
_ أيوه!
هز رأسه مستسلمًا، ثم ابتسم فجأة، وقد لمع بريق المكر فى عينيه وقال بنبرة هادئة للغاية:-
_ خلاص طيب ... افتحى بس وهكون مؤدب
لم تجبه فقال بعد ثوانٍ بمكرٍ أكثر:-
_ طيب... هاتى البيجامة بتاعتى اغير هدومي طيب
ساد الصمت لحظة ثم جاءها صوته مرة أخرى بنبرةٍ مظلومة:-
_ والله عايز أغير
عضّت "قدس" شفتها، ثم هزت رأسها وهى تضحك وهتفت:-
_ حاضر
فتحت الباب مسافةً صغيرة، ومدت يدها بالملابس لكن قبل أن تستوعب ما حدث دفع الباب برفق، ودخل بسرعة ثم أغلقه خلفه فاتسعت عيناها، وأطلقت ضحكة عالية وهى تتراجع للخلف
_ غشـــــــااااااش !
ضحك "الجارحي" من قلبه، وقد نجحت خطته أخيرًا وامتلأت الشقة بصوت ضحكاتهما، ضحكاتٌ لم يعد يعكر صفوها خوف، ولا حرب، بل بيتٌ امتلأ أخيرًا
_________________________
مرّت الأيام هادئةً لأول مرة، حتى بدا الزمن وكأنه قرر أخيرًا أن يمنح تلك العائلة هدنةً استحقّتها بعد سنواتٍ طويلة من الحروب، كانت "ليل" تغرق بين كتبها ومراجعاتها، لا تكاد ترفع رأسها من فوق مكتبها إلا لتلتقط أنفاسها قبل أن تعود إلى مذاكرتها من جديد، بينما أصبح "يزيد" يحفظ جدول امتحاناتها أكثر مما يحفظ مواعيد عمله، يوقظها قبل الامتحان، ويترك لها كوب الشيكولاتةالساخنة فوق مكتبها فى صمت، ثم يرحل مبتسمًا كلما وجدها مندمجةً بين صفحات كتبها أما "قُدس"، فقد انشغلت هى الأخرى بمشروع تخرجها فى كلية الفنون الجميلة، تقضى ساعاتٍ طويلة ترسم وتلوّن وتصنع مجسماتها، بينما كانت يد "الجارحي" لا تفارقها، يحمل عنها اللوحات الثقيلة، ويصرّ أن يرافقها أينما ذهبت، وكأن حملها جعله أكثر خوفًا عليها من نفسه.
واستعادت "مديحة" صحتها شيئًا فشيئًا، حتى أصبح العكاز الأسود رفيقها الوحيد بعد أن كان الفراش سجنها ولم تعد تحتاج إلى من يسندها، كانت تصعد وتهبط درجات العمارة ببطء، واصبحت روحها أهدا بكثير من قبل وتخلت عن حدتها وعدوانيتها
وفى صباحٍ دافئ، خرجت "خديجة" من عيادة الطبيب بصحبة "قُدس"، وعلى وجهها ابتسامة لم تستطع إخفاءها مهما حاولت، أغلقت باب السيارة، ثم أخرجت هاتفها بسرعة واتصلت بزوجها وما إن أجاب "فؤاد" حتى قالت بفرحةٍ طفولية:-
_ مبروك يا أبو الجارحي... هنشيل حفيدنا على إيدينا، الدكتور أكد إنه ولد
على الجانب الآخر، تعالى صوت ضحكته الصادقة، وهو يردد بحمدٍ وامتنان:-
_ الحمد لله... الحمد لله.
ابتسمت "قُدس" بخجل، وأخفضت رأسها تمسد بطنها بحنان، بينما كانت السعادة تفيض من عينيها دون كلمة وعندما عادتا إلى العمارة، وجدتا "آسيا" تجلس فى الحديقة، وقد افترشت الطاولة بعشرات الرسومات، ولفائف الأقمشة، ودفاتر التصميم، وأقلام الألوان فتوقفت "خديجة" بجوارها، تتأمل ما تصنعه بإعجاب، ثم سألتها مبتسمة:-
_ إيه الجمال ده كله يا آسيا؟
رفعت "آسيا" رأسها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مختلفة، ابتسامة امرأة استعادت نفسها أخيرًا وقالت بثقة:-
_ ببدأ مشروعى
عقدت "قُدس" حاجبيها بدهشة، بينما تابعت "آسيا"توضح لهما فوضويتها:-
_ هفتح أتيليه للأزياء وأشتغل بالشهادة اللى رميتها فى الدرج سنين
مررت أصابعها فوق أحد التصميمات بحنان، ثم أضافت بابتسامة هادئة:-
_ ضيعت عمرى كله وأنا بنسى نفسى مرة فى جواز، ومرة فى وجع، ومرة فى تربية بنتى وضيعت عمري كله على ليل واهى كبرت وبقيت عروسة واتجوزت، جه الوقت أفتكر إن ليا حلم أنا كمان وأعيش الباقي من عمري
اقتربت "خديجة"، وربتت على كتفها بحنان أم، وقالت بفخر:-
_ الباقي من عمرك، إنتِ مكبرتيش يا آسيا حتى مكملتش الأربعين وإن شاء الله تنجحي وتكسري الدنيا وأنا أول زبونة عندك... وأول واحدة هتلبس من تصميمك
ضحكت "آسيا" بعفوية وقالت بلطف:-
_سامحيني أول زبون ليا النونو الجميل
ضحكت معها "قُدس" بسعادة وعمتها تفكر فى طفلها الصغير ، بينما كانت الشمس تنثر دفئها فوق الحديقة، وكأنها تبارك لكل واحدٍ منهم بدايةً جديدة فبعض الانتصارات لا تكون فى ساحات الحروب، بل فى تلك اللحظة التى يقرر فيها الإنسان أن يعيش من جديد
ساد الهدوء فى الحديقة، ولم يقطعه سوى صوت سيارة سوداء توقفت أمام العمارة والتفتت جميع الرؤوس فى اللحظة نفسها ابتسمت "خديجة" فور أن تعرفت على السيارة، بينما اتسعت عينا "قُدس" بلهفة، وهمست دون وعى:-
_ ليان...
لم تنتظر أكثر تركت كل ما بيدها، وانطلقت مسرعة نحو البوابة الخارجية توقفت السيارة، وترجل منها "الجارحي" أولًا، ثم أسرع إلى الباب الخلفى يفتحه بنفسه، خرجت "هدير" بهدوء ثم مدّت يدها إلى الداخل تساعد "ليان" على النزول فكانت أضعف قليلًا مما كانت عليه، فقد سرقت رحلة العلاج شيئًا من وزنها، لكن الحياة عادت تتوهج داخل عينيها، وابتسامتها الهادئة كانت وحدها تكفى لتعلن انتصارها وما إن رأتها "قُدس" حتى اندفعت نحوها، وارتمت بين ذراعيها بقوة، شهقت "ليان" من شدة العناق، ثم ضحكت وهى تضم أختها إليها وقالت:-
_ متجريش أنتِ حامل
ضحكت "قُدس" وسط دموعها، وأخذت تتحسس وجهها بكلتا يديها كأنها تتأكد أنها أمامها حقًا وقالت:-
_ وحشتينى أوى
ربتت "ليان" على ظهرها بحنان وهمست:-
_ وأنا أكتر.
فى تلك الأثناء، فتح "يزيد" الباب الآخر للسيارة، بينما ساعد "الجارحي" رجلًا آخر على النزول أُخرج المقعد المتحرك أولًا، ثم بحذرٍ شديد، أمسك الاثنان بـ"هادى"، يساعدانه حتى استقر فوقه وساد الصمت للحظة، لمعت عينا "قُدس"، بينما تجمدت "آسيا"، وأطرقت "خديجة" رأسها حمدًا لله أما "هادى"فكان يبتسم ابتسامة رجلٍ دفع أغلى ما يملك، لكنه لم يندم لحظة، نظر إلى ابنتيه، ثم إلى بطن "ليان"، وقال بصوتٍ يفيض رضا:-
_ الحمد لله
ثم ابتسم أكثر وهو يربت على ذراع المقعد المتحرك وقال هامسًا:-
_ كام خطوة كنت همشيهم فى الدنيا دى برجلي، لكن ربنا كتبلى أشوف بنتى عايشة وأشوف حفيدى جاى فى الطريق... والله كفاية عليا النعمة دى.
لم تتمالك "قُدس" نفسها فانحنت أمامه، وأحاطت عنقه بذراعيها، تبكى كما لم تبكِ منذ زمن وبادلها العناق بكلتا يديه، ثم قبل رأسها بحنانٍ أبوى أما "ليان"، فقد وقفت بجواره وأسندت يدها فوق كتفه وعيناها تمتلئان بالامتنان فاقتربت "خديجة"، واحتضنت "هدير" بحرارة، بينما صافح "فؤاد" شقيقه، وربت على كتفه قائلًا بابتسامة امتزجت بالدموع:-
_ نورت بيتك يا حج هادى
أجابه الأخير وهو ينظر إلى العمارة التى احتضنت عائلته من جديد:-
_ البيت عمره ما كان بالطوب... البيت باللى فيه وناسه
وفى تلك اللحظة، امتلأت الحديقة بالضحكات، والعناق، والدموع الدافئة ولأول مرة منذ سنوات، اجتمعت العائلة كلها دون خوف، ودون خصام، ودون حرب وكأن القدر أراد أن يمنحهم أخيرًا المشهد الذى انتظروه طويلًا.. مشهد العائلة الكاملة
وسط موجة الترحيب التى ملأت الحديقة، مسح "يزيد" كفيه ببعضهما، ثم قال بحماس وهو ينظر إلى الجميع:-
_ خلاص بقى نكمل فرحتنا النهاردة، أنا هعمل حفلة صغيرة عشان ليل نجحت وبتفوق
نظروا إليه باستغراب، فأكمل مبتسمًا:-
_ الليلة كلها احتفال والجنينة هتكون جاهزة، وأنا عامل سهرة مخصوص علشان ليل
فى تلك اللحظة، خرجت "وصيفة" من داخل العمارة على عجل، وما إن وقعت عيناها على "هادى" حتى توقفت مكانها ارتجفت شفتاها، وامتلأت عيناها بالدموع اقتربت من ابنها ببطء، ثم انحنت تحتضنه بحنانٍ أمٍ تخشى أن تؤلمه وهمست بصوتٍ مرتعش:-
_ حمد لله على سلامتك يا ابنى...
رفع "هادى" رأسه إليها مبتسمًا، وربت على يدها برفق:-
_ الله يسلمك يا أمى
ابتسمت وسط دموعها، ثم قبلت رأسه طويلًا، وكأنها تستعيد ابنها الذى كاد القدر أن يخطفه منها وفى تلك اللحظة، هبطت "ليل" درجات السلم تحمل بين يديها هاتفها، وما إن رأت الجميع مجتمعين حتى ابتسمت بسعادة ولوّح لها
انشغل "يزيد" بعد ذلك بتجهيز الحديقة، ينقل الطاولات بنفسه، ويعلق الأضواء بين الأشجار، وكلما حاول أحد مساعدته رفض بإصرار:-
_ النهارده... كل حاجة لازم تبقى كاملة... علشان مراتى.
ابتسم "الجارحي" وهو يراقبه، ثم هز رأسه ضاحكًا، بينما عاد الجميع إلى الداخل ليستريحوا قليلًا قبل حلول المساء
أما داخل غرفتها...
جلست "ليان" وحدها بجوار النافذة، ينساب ضوء العصر فوق وجهها الشاحب الذى بدأ يستعيد شيئًا من عافيته ووضعت هاتفها فوق الطاولة، لتضيء الشاشة بإشعارٍ مؤجل وصل منذ أسابيع، رسالة من "جلال" تجمدت أناملها لثوانٍ، ثم ضغطت عليها ببطء وانطلق صوته...
(أنا معرفتش أبقى الراجل اللى وعدتك بيه... ومعرفتش أخرج من الحياة اللى غرقت نفسى فيها لكن معرفش معنى الحياة وأنه على بيتنفس غير معاكي وبوجودكِ، أنا معرفتش يعنى أى أحب حد ولا أخاف على حد ولا اشتاق لحد غيرك، يمكن واحدة زيك متستحقيش واحد زيّى أصلًا لكن لو الرسالة دى وصلتك يبقى أنا خلاص مشيت متخافيش منى بعد النهاردة وعيشى... عيشى إنتِ وابننا ومتخليهوش يبقى شبهى ومتقولهوش أنى وحش خليكى فاكرة... إن أكتر واحد أذاكى... هو أكتر واحد حبك)
ساد الصمت لم تتحرك ظلت تحدق فى الهاتف طويلًا، بينما انحدرت دمعة دافئة فوق خدها لم تكن دمعة حب ولا ندم بل دمعة إنسانٍ أدرك أن رجلاً عاش حياته كلها يركض خلف القوة، ولم يفهم معنى الحياة إلا فى لحظاته الأخيرة أغلقت التسجيل ببطء ثم فتحت الرسالة الأخيرة التى وصلت من "الجارحي" يوم الحادث لم تكن سوى كلمات قليلة...
"البقاء لله... جلال الصياد مات."
أغمضت عينيها، وأخذت نفسًا طويلًا، ثم وضعت كفها برفق فوق بطنها ابتسمت ابتسامة صغيرة، امتزجت بدموعها، وهمست وكأنها تخاطبه عبر المسافات التى لا يعود منها أحد:-
_ مش... ابن.
سكتت لحظة، ثم قالت برقةٍ هادئة:-
_ دى بنت...
وكانت تلك أول مرة يعرف فيها قلبها أن بعض الأخبار تصل متأخرة، لتؤلم وتمنح السلام فى الوقت نفسه وبدأت الدموع تسيل بغزارة واعترف قلبها بالهزيمة والخسارة....
________________________
فى الجهة الأخرى...
خرجت "هدير" من مبنى شركة الإعلان، وما إن تجاوزت البوابة الزجاجية حتى توقفت للحظة تحدق فى العقد الذى تحمله بين يديها وابتسمت ثم ضمته إلى صدرها بقوة لقد تحقق حلمها أخيرًا، وقّعت عقد أول برنامج لها، وقُبلت رسميًا كمذيعة، لتبدأ حياةً جديدة كتبتها بيديها، بعيدًا عن كل ما سرق منها سنوات عمرها رفعت رأسها نحو السماء وهمست بحمدٍ صادق:-
_ الحمد لله...
رن هاتفها فجأة نظرت إلى الساعة، فاتسعت عيناها:-
_ يا نهار أبيض... اتأخرت!
أسرعت تركض نحو سيارتها، تضحك على نفسها، وانطلقت بأقصى سرعة نحو العمارة، حيث ينتظرها الجميع ومع حلول المساء، كانت الحديقة تتلألأ بمئات الأضواء الصغيرة المعلقة بين الأشجار بينما امتلأت الطاولات بأشهى الأطعمة، وتعالت الضحكات فى كل مكان وقف الجميع ينتظرون وفى تلك اللحظة هبطت "ليل" درجات السلم كانت ترتدى فستانًا بسيطًا يليق ببراءتها، وتلف حجابها بحرية حول رأسها، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة ما إن ظهرت حتى دوّى التصفيق فى الحديقة وابتسمت بخجل، بينما اقتربت "وصيفة" تحتضنها بفخر وقالت:-
_ ألف مبروك يا روحي
وتوالت التهانى، بعدما أصبحت "ليل" ضيفة شرف الليلة، احتفالًا بتخرجها من الجامعة امتلأت الحديقة بالضحكات والأحاديث والحياة، وقف "الجارحي" إلى جوار "قُدس" يلف ذراعه حولها بحب بينما كانت تستند برأسها إلى كتفه وتمسد بطنها التى بدأت تستدير مع الحمل، تأملهما "يزيد" من بعيد وابتسم ثم تنهد فى هدوء، وهمس لنفسه:-
_ يا رب... ارزقنى اليوم اللى تبقى فيه ليل مرتاحة معايا بالشكل ده
وما إن انتهت الأمنية داخل قلبه حتى شعر بأصابع صغيرة تشد طرف ذراعه التفت باستغراب فوجد "ليل" تقف خلفه فتنظر إليه بخجلٍ شديد واقتربت خطوة ثم وقفت على أطراف أصابعها ولأول مرة ورفعت يدها إلى وجنته مداعبة لحيته بخفة ثم طبعت قبلة صغيرة فوق خده وهمست بصوتٍ لم يسمعه سواه:-
_ بحبك
تجمد "يزيد" مكانه اتسعت عيناه وشُلّ جسده تمامًا ظل ينظر إليها غير قادر على استيعاب ما حدث ثم خرج صوته هامسًا، مرتعشًا من شدة الدهشة:-
_ إنتِ... عملتى إيه؟
خفضت رأسها بخجل، ثم ابتسمت بعفوية وقالت:-
_ هو حرام يعنى؟... مش إنت جوزى؟
فى تلك اللحظة انهارت آخر الأسوار التى كانت تفصل بين قلبيهما فلم يشعر بنفسه إلا وهو يجذبها إليه بقوة ثم رفعها بين ذراعيه وأخذ يدور بها فى منتصف الحديقة كطفلٍ وجد الدنيا كلها دفعةً واحدة، كانت تضحك بصوتٍ عالٍ بينما اختبأت بين ذراعيه من شدة الخجل أما هو فلم يعد يهتم بأحد وصاح بكل ما يملك من فرحة حتى التفت إليه كل من فى الحديقة:-
_ بحبــــــك!
تعالت ضحكات الجميع صفق "الجارحي" وهو يهتف ضاحكًا:-
_ أخيرًا يا يزيد!
ومسحت "وصيفة" دموعها وهى تضحك، بينما أخفت "آسيا" وجهها من شدة التأثر واطمئن قلبها على ابنتها وسعادتها أما "ليل" فكانت للمرة الأولى تضحك من قلبها بين ذراعى الرجل الذى لم يكتفِ بأن ينقذ حياتها؛ بل أعاد إليها القدرة على الحب من جديد
مرّت شهور سريعًا حتى جاء اليوم الذى قرر فيه القدر أن يكتب فصلًا جديدًا للعائلة كلها فى اللحظة نفسها تحديدٍ داخل شقة "الجارحي" فكانت "قُدس" ترتب بعض ملابس صغيرها فوق الفراش، بينما كان "الجارحي" يجلس على الأرض يجمع سرير الطفل الصغير، يتذمر كل دقيقة من كثرة القطع يستعدا لحضور طفلهما رفع رأسه إليها متنهدًا:-
_ والله اللى اخترع السرير ده كان قاصد يعذب الرجالة
انفجرت "قُدس" ضاحكة وقبل أن ترد توقفت فجأة ووضعت يدها فوق بطنها وعقدت حاجبيها انتبه "الجارحي" إليها فورًا:-
_ مالك؟
همست وهى تلتقط أنفاسها:-
_ مفيش...
ثم صرخت فجأة:-
_ آآآه!
قفز واقفًا مذعورًا وهو يقول:-
_ قُدس!
أمسكت ياقة قميصه بكلتا يديها، ثم جذبتها بعنف حتى كادت تخنقه صارخة بأذنه بكل قوتها:-
_ أنا بولدددددد
شهق وهو ينظر إلى بطنها ثم إلى الساعة وكادت تخرم طلبة اذنيه وقال:-
_ بس... لسه بدرى!
صرخت فيه من جديد، وهى تشد شعره هذه المرة:-
_ هو أنا اللى محدداله معاد؟! اتحرك يا جارحى! بقولك بولد، الواد هينزل منى هنااااااا ااااااااه
بعد دقائق كانت السيارة تشق الطريق بأقصى سرعة، يجلس "الجارحي" خلف المقود، بينما كانت "قُدس" بجواره تكاد تكسر عظام يده من شدة قبضتها ثم صرخت فجأة:-
_ أسرع!
_ يا بنتى هنتحبس!
_ اتحبس بعدين!
قالتها صارخة ثم جذبت شعره مرة أخرى
_ ركز فى الطريق!
هتف متألمًا:-
_ طب سيبى شعرى الأول!
وما إن توقفت السيارة أمام المستشفى حتى اندفع الأطباء والممرضون إليها وفى اللحظة نفسها كانت سيارة أخرى تتوقف أمام المدخل وترجلت منها "ليان"، واضعة يدها فوق بطنها الكبير، تتنفس بصعوبة ومعه أفراد العائلة ودلفوا إلى المستشفي يركضون وأثناء الركض توقفت" ليان" للحظة تكتم غيظها فنظرت إلى "هدير" بدهشة وقالت:-
_ شكله... جه معاده هو كمان.
اتسعت عينا "هدير" وقالت بعدم تصديق وتنظر تارة إلى "فؤاد" الذي يدفع مقعد اخاه ويسرع أمامهما:-
_ لا... إنتِ لسه قدامك شهر!
لكن "ليان" انحنت قليلًا، وهى تضع يدها فوق بطنها ثم قالت بابتسامة متعبة:-
_ بنتى... عندها رأى تانى
نظر الجميع إليها بصدمة ليصرخ الطبيب بسرعة:-
_ حالة ولادة!!
وفى أقل من دقيقة اختفت "قُدس" فى غرفة، وخلفها "ليان" فى الغرفة المجاورة بينما خارج غرف العمليات وقف الجميع فى الممر وكان "الجارحي" يسير ذهابًا وإيابًا كالمجنون أما "هادى"، فجلس فوق مقعده المتحرك يسبح فى صمت بينما اقترب "فؤاد" من ابنه احتضنه بقوة، وربت على ظهره قائلًا:-
_ اهدى... إن شاء الله هيبقوا بخير.
تنهد "الجارحي" وهو يمسح وجهه بكفيه وقال:-
_ أول مرة أخاف بالشكل ده، أنا حاسس أن أنا اللى بولد
ابتسم "فؤاد" وقال بلطف:-
_ الأبوي مش سهلة
على الجانب الآخر جلست "هدير" إلى جوار "آسيا" ثم نظرتا إلى باب غرفة العمليات وانفجرتا ضاحكتين فسألت "آسيا":-
_ هما حتى الولادة قرروا يعملوها مع بعض؟
هزت "هدير" رأسها وهى تضحك:-
_ واضح إن التوأم دا... مستحيل يفترقوا حتى فى الولادة
أما بعيدًا قليلًا فكان "يزيد" يقف ممسكًا بكوب قهوة، يحاول أن يبدو هادئًا واقتربت منه "ليل" ثم أمسكت يده برفق فنظر إليها مبتسمًا وقال بعفوية:-
_ عقبالك يا ست البنات
ابتسمت بخجل واقتربت أكثر منه وتبدو أن كل أمنياته تتحقق فى لحظتها ثم همست فى أذنه بكلمة واحدة:-
_ أنا حامل!!
تجمد مكانه سقط كوب القهوة من يده دون أن يشعر وظل ينظر إليها كأنه لم يسمع وقال بتلعثم:-
_ إيه؟
ضحكت وهى تومئ برأسها وقالت بخجل شديد:-
_ هتبقى بابا
ظل صامتًا ثوانى ثم احتضنها بقوة حتى ضحكت من شدة فرحته وفى تلك اللحظة دوّى داخل الممر صوت بكاء طفل حين خرجت الممرضة تحمله ثم بكاء طفلٍ آخر.
نظر الجميع إلى بعضهم وارتسمت فوق الوجوه ابتسامة واحدة، ابتسامة نهايةٍ تشبه البداية، فبعد أعوامٍ من الدموع، والحروب، والفقد امتلأ المكان أخيرًا بأجمل الأصوات، أصوات الحياة وانتهت الحرب وسقطت راؤها ولم يبقَ إلا... حب. 🕊️🤍
فى يومٍ بدأت فيه الحكاية بحربٍ مزقت القلوب... انتهت بصراخ أطفالٍ يعلنون ميلاد حياةٍ جديدة
انتهت الحرب... وسقطت راؤها، فلم يبقَ سوى الحب.
ليس كل منتصرٍ من بقي واقفًا، ولا كل مهزومٍ من سقط على أرض المعركة. فبعد كل حربٍ خسر فيها الجميع شيئًا من أرواحهم، اختارت الحياة أن تُزهر من جديد، وأن تُداوي ما مزقته الأيام
وحين أسدل القدر ستاره الأخير، سقطت الراء من كلمة حرب، فلم يبقَ إلا حب... حبٌّ وُلد من بين الرماد، وغسل القلوب من وجعها، وأثبت أن بعض الأرواح لا تنتصر بالسلاح، بل بالغفران، والرحمة، ومنح الحياة فرصةً جديدة لتبدأ من جديد. 🕊🌼
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات