تحميل رواية «حرب سقطت راءها» PDF
بقلم نورا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في حي الأزهر، تحديداً في بناية سكنية مكونة من 5 طوابق ذات اللون الأخضر من الخارج، كان يجلس الحارس "رجب" يتناول فطاره في هدوء. سمع ضجيجاً وصوتاً لنساء الطابق الأول يتشاجرن، فلم يهتم وهو معتاد على شجارهم كل يوم في الصباح. زوجته "سنية" تقف في البهو الرخامية أمام المصعد مع عاملة النظافة تجفف الأرض من الماء. تحدثت العاملة بضيق: _ يا أختي نفسي مرة آجي ومسمعش صوت خناقهم، أي مبيزهقوش، مبيتعبوش؟ كتهم نيلة. تحدثت "سنية" بضيق من حديث هذه المرأة الأربعينية قائلة: _ خليكِ في حالك يا أم السعد وأنجزي قبل ما ال...
رواية حرب سقطت راءها الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نورا عبد العزيز
أوقف "يزيد" سيارته جانبًا بجوار النيل ونظر إلى الفتاة التي بجانبه مُنهارة من البكاء ومنكمشة في ذاتها تضم يديها الصغيرتين في حسرة وتعتصرهما من الفزع الذي احتلاها. دموعها لا تتوقف وشهقاتها مكبوحة رغم انتفاض جسدها.
سحب منديلًا من علبة المناديل الموجودة أمامه ومد يده إليها. فأخذت المنديل الورقي وبدأت تجفف دموعها بحسرة، فسأل بحيرة قائلًا:
"بقيتِ كويسة؟ أحسن دلوقت؟"
هزت رأسها بنعم وهي تحاول التماسك والسيطرة على دموعها وأعصابها. تحدث "يزيد" بهدوء شديد:
"أروحك ولا تحبي تروحي لمكان تاني؟"
"لا، روحني البيت."
قالتها بهدوء متفادية النظر إليه بحرج من بكائها أمامه، فانطلق "يزيد" إلى المنزل. شردت في طريقها إلى المنزل كيف ستخبرهم بحقيقة "عمران"؟ ما زال عقلها لا يستوعب أبدًا ما رأته. مشاعر خذلان وانكسار بداخل قلبها بسبب حقيقة "عمران" وعلاقته بهذه الفتاة. مشاعر رعب وخوف من تخطيطه لجريمة القتل؟ لا تستوعب كل هذه الحقائق المرعبة.
وصلت لمنزلها مسرعة ورجلها تطي الأرض طيًا حتى تصل لغرفتها تختبئ بها. أغلقت الباب بالمفتاح وراءها تلملم شتات نفسها ودموعها التي تساقطت كالشلالات على وجنتيها بحرية بعد أن أطلق جفنيها الضعيفان أسرهما بداخله. تركت العنان لقلبها المطعون بخنجر الخيانة والخذلان حتى يصرخ قبل أن يتوقف من صدمة الخيانة. أرمت بجسدها على الفراش تشهق بقوة وتكتم صرخاتها القوية في وسادتها التي اعصرتها بيديها من الألم والخوف الذي يصاحبها وهي مخطوبة الآن لمجرد قاتل.
***
أمام مطار القاهرة توقفت سيارة ملاكي سوداء من ماركة بي أم دبليو. ترجل منها "مصطفى" ودفع تكلفة الخدمة للسائق وفتح الباب الخلفي ليأخذ حقائبه. تقدم نحو بوابة الدخول دافعًا بحقيبته الكبيرة ويده تنظر في الهاتف تقيم السائق على التطبيق الخاص بالتوصيلات.
أوقفه رجلان فرفع رأسه سريعًا ونظر لهما لمقاطعتهما إلى طريقه سهوًا. تنحنح "مصطفى" بضيق وقال:
"إيه؟"
تحدث الرجل بنبرة حادة صارمة قائلًا:
"دكتور مصطفى."
نظر "مصطفى" بقلق شديد من سؤاله وتفحص الرجلين بعينيه. يرتديان بدلة سوداء كالحراس الشخصية بأجسادهم الضخمة ونظراتهم القوية. فقال بتلعثم:
"أيوه أنا."
تابع نفس الرجل الحديث بجدية أكثر:
"اتفضل معانا."
أخذ الرجل الآخر الحقيبة منه بالقوة وهو مذهولًا من هذا التصرف. فتحدث بحدة غليظة من هذه الطريقة:
"هو في إيه؟ انتوا مين؟"
لم يجبه أحد فتأفف بغيظ أكثر وقال بانفعال:
"أنا ورايا طائرة ياريت تفهموني انتوا مين وعايزين إيه."
ابتلع بقية حديثه حين ترجل "يزيد" من السيارة السوداء رباعية الدفع من ماركة مرسيدس. وقد فهم قليلًا من هؤلاء. فتح "يزيد" له الباب الخلفي للسيارة وكان "الجارحي" بداخله الذي أشار برأسه لـ "مصطفى" بأن يصعد. فتأفف الدكتور بضيق من هذه الطريقة وصعد بوجه عابس وخانق. فقال:
"إيه الطريقة دي يا معلم جارحي؟"
أغلق "يزيد" الباب وراءه ووقف أمام السيارة بينما الرجلان وقفا بجوار البابين الخلفيين للسيارة. تحدث "الجارحي" وهو ينظر في هاتفه ببرود شديد وكأنه لا يبالي بانفعال "مصطفى" أو غيره بقلب ثلجي:
"هو دخول الحمام زي خروجه يا دكتور؟"
"نعم!!"
قالها "مصطفى" بتعجب من المثل الذي ضرب به الجارحي مقدمة الحديث. ليقول الجارحي متابعًا بنبرة حادة وقد أنزل الهاتف عن يده:
"هو مش حضرتك سبق وتقدمت لعمتي هدير وخدت الموافقة من المعلم الكبير جدي وأخوها؟ وبناءً على الموافقة دي بقي في مكالمات وخروجات بينكم."
هز رأسه بنعم ثم قال بجدية:
"بس محصلش حاجة رسمي ودا من عندكم يا معلم جارحي. وأنا راجل سايب حالي ومالي وشغلي وجيت هنا عشان أخطب عمتك وأتجوزها وأرجع. عطلت مستقبلي شهور لأجل عيونها وعشان شاري. لكن انتوا مقدرتوش دا و..."
كان "الجارحي" يستمع لحديثه بهدوء تام دون أن ينظر له. لكنه شعر بضيق من هذا الحديث. فتخلى قليلًا عن وقاره وهدوئه ووضع يده خلف ظهره في صمت. و"مصطفى" يتابع الحديث مبررًا موقفه سفره الآن حتى ابتلع كلماته بفزع حين أخرج "الجارحي" مسدسه من خلف ظهره ووضعه في منتصف صدر "مصطفى" وقال بحدة صارمة:
"رغي، رغي... وكلام يقرف وميثبتش غير إنك مش راجل. يمكن تكون عشت حياتك كلها برا ودا اللي نساك طبع المصريين والمجتمع الشرقي. دخولك وخروجك على بنتنا دا مش سهل يا دكتور والظاهر إنك محتاج تتعلم درس أصول دخول بيوت الناس وقعدتك مع الرجالة."
ابتلع "مصطفى" لعابه بفزع من المسدس الذي ظهر فجأة والآن في منتصف صدره ويد "الجارحي" الأخرى خلف رأسه تحكمه بمسدسه حتى لا يتحرك. تحدث "مصطفى" بتلعثم شديد وخوف واضح في ملامحه:
"اهدأ يا معلم جارحي بس، اهدأ وابعد البتاع دا وكل حاجة هتتحل."
دفعه "الجارحي" بقوة واعتدل في جلسته ثم قال بغيظ:
"الحل الوحيد إنك تنزل منها وتسحب شنطتك وأقرب تاكسي تأخده على البيت وتكون معاك شبكتك وتخبط على باب شقة عمي هادي حمايا وتشبك أخته بكل عزة وكرامة. وإياك تحس مجرد إحساس إنك بتعمل كدة غصب عنك ولا بالإكراه."
تنحنح "مصطفى" بهدوء ثم قال:
"أنا مش مجبور على هدير أنا بحبها ورايدها ومش هاخدها أكراه. ولو مكنتش هعزها وهكرمها مكنتش اتجرأت إني أدخل البيت من بابه من الأول."
رمقه "الجارحي" بسخرية من الرأس لأخمص القدم وقال بتهكم:
"يبقى أمي اللي كانت سايباها وهربانة دلوقتي؟ بقولك إيه أنا مش جاي أسمع أشعار وغزل في عمتي. وتاني مرة متقاطعنيش يا دكتور لأحسن أقطع أنا حسك من الدنيا كلها."
أجابه "مصطفى" بتوتر وعينيه على المسدس والرجال الذين بالخارج هاتفًا:
"حاضر."
لحى "الجارحي" لحيته بضيق وقال بحزم:
"وصلنا لفين؟ آه تشبكها بحُب يا عم الحبيب. وإياك جنس مخلوق يعرف حاجة عن اللقاء السعيد اللي إحنا فيه دا. يعني حفاظًا على شكلك على الأقل قدام الكل يبقى اسمك مهربتش ومطلعتش عيل في كلامك. وتفضل في نظر الكل وخصوصًا هدير وحماتك صفصف راجل باع الدنيا واشتراها ومهموش مال ومستقبل يا أبو مستقبل. وإن شاء الله تخلص والصبح تطلع طيارة خاص مخصوص بيك لشغلك وشهر بالكتير وألاقيك قدامي جاي تكتب وتتجوز ونخلص. ورب الكعبة لو مرجعتش في خلال 30 يوم تتجوز لأجيبك من قبل إنجلترا وساعتها متلومنيش. انزل."
ترجل من السيارة بتوتر وخرج منه زفير قوي بارتياح. الجلوس مع مسدس ورجل غليظ كـ "الجارحي" يفقد الأعصاب والتوتر. صعد "يزيد" إلى مقعد السائق وانطلقا سويًا تاركين "مصطفى" في أرض المطار الذي لم يتردد لحظة في طلب سيارة من التطبيق ليعود كما جاء.
***
كانت "مديحة" جالسة في حديقة العمارة الأمامية ومعها كوب الشاي بالنعناع المفضل لها ترتشف القليل منه. وبجوارها "آسيا" ابنتها ومعهم "هدير" التي تحاول الهروب من الوحدة حتى لا تجهش في البكاء من رحيله. تحدثت "آسيا" وهي تعطي الهاتف إلى "هدير" قائلة:
"إيه رأيك في الفستان ده؟"
نظرت "هدير" إلى الهاتف وتبسمت بلطف ثم قالت:
"حلو جدًا بس الموديل ده عايز ألوان سمبل خالص."
"ما هو في ألوان اتفرجي كده، بس أنا عن نفسي هطلب منه الأسود."
قالتها "آسيا" وتمرر أصبعها على الشاشة متنقلة بين ألوان الفستان لتجيب "هدير" بعفوية:
"الله وأنا أطلب اللون البينك ده قمر قوي وسمبل في نفسه، بصي كده يا ديحة."
أخذت "مديحة" الهاتف ونظرت إلى الموديل الذي أعجب الفتيات وقالت بزمجرة:
"زفت وذوقكم يقرف، أنا معرفش بنات اليومين دول موضتهم بقت معفنة كده ليه؟"
أخذت رشفة من الشاي بينما ضحكت "آسيا" و"هدير" عليها وقالت "آسيا" بعفوية ويدها تضرب يد أختها:
"ما دام قلتي زفت ويقرف يبقى عجبك يا ديحة."
نظرت "مديحة" لهما بخبث ثم قالت بمكر شديد:
"وإن شاء الله هتطلبوه منين؟ هو انتوا بقى حالتكم فلوس تعمل شوبينج بيها؟ ما هو شفط كل حاجة في عبه."
تأففت "هدير" وهي تغلق شاشة اللابتوب الخاص بها بحزم ثم قالت بجدية:
"الجارحي قال إن هديني مبلغ كل أول شهر زي أيام بابا الله يرحمه. وإحنا مش وقت خالص دلوقتي يسمح إننا نتجادل على الورث والمال. متنسيش يا ديحة إن مراته محجوزة في المستشفى وابنه أتقل في بطنها بفعل فاعل. وطبعًا ده غير التسمم اللي حصلها في المستشفى وكانت هتموت فيه. وكل ده حصل في يوم ما اتعرف فيه الوصية. يعني كلنا بالنسبة له وجه اشتباه. وأحب أوضح حاجة كمان ومش من تأليفي ولا تخميني. هادي وفؤاد كأنهم مع الجارحي يوم ما طلعوا الستات على قدس وقتلوا ابنه وكانت هتروح فيها. ووقتها الجارحي مضى على تنازل التركة كلها للعائلة بس الغدر اللي حصل هو اللي خلاه يقطع الورق. فياريت نعذره ونقف جنبه على الأقل لحد ما يعرف مين المجهول اللي بيحاول يأذيه في مراته عشان نطلب حقنا بقلب جامد."
انتفضت "مديحة" من مكانها وبصقت الشاي من فمها بذهول حين سمعت هذا الحديث وقالت بدهشة:
"مضى تنازل؟ انتِ متأكدة من الكلام ده؟"
تنهدت "هدير" بضيق لفرحتها بهذه الجملة تاركة بقية الحديث عن الخطر الذي يحوم في حياة ابن أخيها وقالت بخنق:
"آه ومش هقولك اسألي هادي لكن هقولك اسألي ابنك أمام الجامع."
وقفت من مكانها ودلفت إلى الشقة بعد هذا الحديث الذي عكر صفو سهرتهما. ضربت "آسيا" يد والدتها بحرج وقالت:
"إيه يا ديحة مش عارفة تكتمي لسانك شوية؟"
ضربتها "مديحة" على قدمها بقوة وقالت:
"هو فيه بنت متربية تقول لأمها تكتمي لسانك يا قليلة التربية؟"
تنهدت "آسيا" بضيق أكبر وقالت بحزم:
"مش عايزة الكل يقول إن كل اللي همك الفلوس. حتى لو ده في كل اللي همك داير شوية متبينيش أوى كده إنكِ هتموتي على الورث والفلوس. يا ماما أنا خايفة عليكي انتِ الوحيدة اللي مبينة للكل لهفتك للتركة. الجارحي لو ملاقاش حد يشيل كل المحاولات اللي بتأذي قُدس دي هيشيلها للي هيموت على الورث ومفيش غيرك مبين ده."
"انتِ هتعمليلي الناصحة العاقلة، قومي.. قومي من جنبي، قومي شوفي بنتك ولا شوفيلك طبقين أغسليهم كتكم القرف."
قالتها بزمجرة شديد وحديث "آسيا" ضرب بتفكيرها عرض الحائط. وقفت "آسيا" من مكانها بعد أن طردتها والدتها لترى "مصطفى" يدخل من بوابة العمارة ويحمل في يده باقة كبيرة من الورود الحمراء وعليها شارة بيضاء مكتوب عليها (اخترتكِ لتكوني نسائي الأربعة). تبسمت بسعادة لأجل أختها وركضت إلى الداخل.
دقت باب شقة "وصيفة" لتفتح لها "سنية" فقالت وهي تدخل بتعجل:
"أجري يا سنية نادي للمعلم هادي من فوق بسرعة قوليله فيه ضيف تحت منتظرك."
خرجت "وصيفة" من المطبخ حاملة طاجن النجرسكو الساخن وقد سمعت جملة "آسيا". تمتمت بدهشة:
"ضيف مين؟"
اقتربت "آسيا" بسعادة من شكل السفرة وعليها كل ما تشتهي النفس من حمام وبط ومحشي ورق عنب وجلاش ونجرسكو وأطباق جانبية فأجابت بحماس:
"اللهم صلي على النبي، مش تقوليلي إن عندك عزومة يا صفصف."
وضعت "وصيفة" الطاجن بلطف في المنتصف وقالت:
"عزومة إيه، ده الجارحي اتصل من ساعتين كده وقال إن جايب قُدس من المستشفى النهاردة ومعاها ليان هتكمل علاجها هنا وأهلها وقالي أعمل وليمة تشرف على ما يجي."
تبسمت "آسيا" وقد تذكرت الضيف لتقول بلهفة:
"جارحي إيه ووليمة إيه، الدكتور برضه."
رفعت "وصيفة" حاجبها بتعجب وسألت بفضول:
"دكتور مين؟ هم وصلوا ومعاهم دكتور؟"
ركضت "آسيا" تجاه غرفة أختها وقالت بحماس شديد:
"هم هيجوا من المستشفى بدكتور برضو يا صفصف، ده الدكتور اللي اتقدم لهدير برا ومعاه بوكيه ورد جميل قوي."
دلف "هادي" مع جملتها ليقول بدهشة هو الآخر:
"إيه؟"
"هو راح فين؟ ألحقوا يا هادي لأحسن ديحة تطفشه من برا."
قالتها وفتحت باب الغرفة لترى أختها جالسة في هدوء وتبكي في صمت حتى لا يشعر بها أحد. فأسرعت نحو الدولاب وهي تقول:
"بتعيطي ليه؟ قومي اغسلي وشك المبوز ده ولا هتقابلي العريس بالبوز ده عشان يهج أول ما يشوفك."
رفعت رأسها بصدمة ألجمتها وقالت بانفعال مع وقوفها:
"عريس!! عريس إيه أنا مقولتش إني عايزة أتجوز."
أخذتها "آسيا" بتعجل نحو المرحاض وقالت بضيق:
"انجزي الراجل برا وبعدين ابقي افرضي براحتك، انجزي يلا عشان ألحق أحطلك شوية ميكاج حتى يلا."
خرجت "هدير" من المرحاض لترتدي فستانها الذي اختارته أختها وجلست أمامها بوجه عابس مستسلمة لأختها التي تضع لها مساحيق التجميل. وعندما انتهت قالت بلطف:
"كده حلو عشان متبقيش أوفر قوي برضه... يلا يا عروسة على ما أشوفلي فستان من عندك يجي مقاسي ولا آخرتها هطلع للضيف بالبيجامة يعني..."
فتح الباب ودلف "الجارحي" بهدوء ووقار. متكبرًا وهذا الكبر الذي يزيده وسامة وشموخ أمام الجميع. فقال بجدية:
"يلا يا عمتي تعالي."
"جارحي أنا مش عايزة أتجوز و..."
قالتها بضيق شديد ووجهها عابسًا. فتحدث وهو يأخذ يدها بلطف وقال:
"تعالى بس نستقبل الضيف ولما يمشي نشوف حوار الجواز ده وعايزة إيه، دلوقتي الراجل في بيتنا عيب."
أخذها في يده بهدوء وخرجت لترى رأس "مصطفى" من الخلف جالسًا على الكرسي. فأنقبض قلبها وهذا القلب يملكه رجل وحيد لن تخضع إلا له وحده. همس "الجارحي" لها بنبرة خافتة دافئة:
"إنتِ ردتلي قلبي سابقًا ودلوقت لازم أرد لك قلبك يا هدير."
رفعت رأسها له بعدم فهم. وفي خطوتها الأخيرة التي وصلت أمامه ووقف "مصطفى" من محله مستديرًا إليها لتتسع عينيها بدهشة ألجمتها من المفاجأة التي وقعت على قلبها وعقلها. تجمد تفكيرها وجعلت القلب يتسارع نبضاته بجنون. مد "مصطفى" يده إليها ببسمة وعينيه تلمع ببريق العشق وقال:
"مكنش ينفع أسيبك هنا ومشيت."
تنحنح "الجارحي" بحدة وجلس جوار والده و"قُدس". بينما تحدث "فؤاد" بلطف وبسمة تنير وجهه:
"الدكتور طلبك مني أنا وهادي رسمي يا هدير، إحنا موافقين مبدئيًا لحد ما نسمع رأيكِ في النهاية. رأيك هو الأهم."
صمتت "هدير" بخجل شديد وأخواتها جالسون أمامها. ليبتسم "هادي" بسعادة على أخته وقال:
"الجواب يبان من عنوانه يا فؤاد، نقرأ الفاتحة."
ظلت بجواره وهي تقرأ الفاتحة وبدأت عينيها تبكي من الفرح ولا تصدق أنه ترك الطائرة وجاء لأجلها. أنهى "الجارحي" قراءة الفاتحة وقال بهمس في أذنها:
"اتصرفت أهو."
تبسمت "قُدس" بعفوية وأصابعها يدها تتشابك معه بلطف. ثم نظرت إلى عينيه بحنان وسعادة تغمرها:
"عشان كده بحبك يا جارحي، عشان قد إيه أي حاجة وبتعمل أي حاجة عشانك."
ربت على يديهما المتشابكة بلطف وعينيه تعانق عينيها أمام الجميع وقال هائمًا بجمال طفلته المدللة التي هزمته بالعشق:
"لأجل عيونك أنا مستعد أهد العالم على رؤوس الكل يا قُدس. لأجل نظرة الرضا اللي شايفاها دي أنا أدفع عمري كله، انتِ حربي اللي مش هقبل فيها بأي هزيمة."
تبسمت بسعادة أكثر وكلما ضحكت أغلقت عينيها جفنيها بطريقة جميلة تذيب قلبه العاشق. تحدث "هادي" بعفوية:
"صدق الله العظيم، نتعشى بقى."
قاطعه "مصطفى" بنبرة هادئة:
"معلش ممكن طلب كمان."
نظر الجميع له باهتمام ليقول بحب:
"ممكن نتكتب دلوقتي وناجل الفرح زي ما تحبوا بعد الأربعين بعد سنة زي ما تحبوا. بس عشان تتطمنوا أكتر لو اضطريت أسافر إنها مراتي."
نظر "هادي" إلى أخيه "فؤاد" وهكذا "وصيفة" بقلق. ليقول "فؤاد" بنبرة هادئة:
"مفيش مانع يا دكتور بكرة نجيب المأذون ونكتب."
وقفوا جميعًا ليستعدوا لتناول الطعام. فقال "مصطفى" من جديد بسعادة تغمره:
"بستعجل."
استحدث "الجارحي" بخنق من هذا الرجل وقالت:
"وبعدين في أم اللقمة اللي مش هنطفحها دي، إيه تاني."
تبسم "مصطفى" بتحدٍ له ومن قليل كان يهدده بالسلاح والآن جاء وقت الانتقام منه. فقال بسعادة:
"أنا المأذون معايا في العربية برا."
ضحكت "هدير" وهكذا "آسيا" التي تمتمت بعفوية ومرح:
"مستعجل أوي."
وقف "فؤاد" و"هادي" وجلسوا لعقد القرآن مع المأذون. بينما "الجارحي" لم يبال بأي شيء في حضرة زوجته التي أخذها إلى السفرة وجلس بجوارها لتناول الطعام بسعادة لخروجها من المستشفى وعودتها للبيت. خرجت "ليان" من غرفة "قُدس" التي كانت لها سابقًا ورأت عقد القرآن. لكنها تقدمت إلى السفرة مع أختها وجلست أمامها على الجهة الأخرى وبدأت تتناول الطعام. بينما اقتربت على السفرة وقالت بهمس:
"انت عملت إيه؟ هو انت جامد أوي كده لدرجة إنك تخليه يكتب الليلة؟"
ضحكت "قُدس" على زوجها بينما "الجارحي" لم يجيب عليها. ولم ينسى أن بسببها أوشكت "قُدس" على الموت. فضربته "قُدس" في قدمه من الأسفل ليكز على أسنانه وقال:
"آه جامد لدرجة تخليني أقوم دلوقتي وأقول لأبوكي إن بنته بتحب رجل عصابات وسمعته زفت."
كان يستفز "ليان" لكنه اختار الخصم الخطأ. فتبسمت "ليان" بغرور وعادت بظهرها للخلف لترى الجميع يقتربون لتناول الطعام. ودلف "عماد الدين" مع "مديحة" من باب الشقة وجلسوا. رفع "هادي" ملعقته بالحساء وقبل أن يتذوق طعمه صعقته "ليان" وهي تحدق بـ "الجارحي" بغرور ولا تبالي بشيء متحدثة ببرود قاتل:
"بابا أنا متقدملي عريس."
رفع الجميع أنظارهم عن الطعام. بينما قال "هادي" بهدوء:
"طيب كُلي دلوقتي وبعد الأكل نتكلم في الموضوع ده."
في نفس اللحظة التي قال فيها "فتحي" والدها بالتبني:
"بعدين يا ليان، بعدين يا حبيبتي نبقى نسأل عنه."
"أسألك أنا يا حج."
قالها "الجارحي" بسخرية وتناول قطعة من الدجاج وعينيه ترمق "ليان" بمكر. بينما نكزت "قُدس" ذراعه بغيظ من تحديه لأختها التي تحدثت بجراءة وشجاعة أمام الجميع قائلة:
"مش هتعرف تسأل عنه يا جارحي أصل مهما تسأل مش هتعرف عنه قد اللي أعرفه أنا. أصل يا بابا جلال رئيس شركة حراسات بس في الحقيقة رجل عصابات ومجرم."
بصق "هادي" ما في فمه بفزع. بينما رمق الجميع "ليان" نساء ورجال. واتسعت عيني "عماد" من مواصفات الرجل الذي اختارته. تحدث "فتحي" بصدمة ألجمته قائلاً:
"انتي قلتي إيه؟"
"قلت إنه رئيس عصابة وهتجوزه على فكرة."
قالتها بخبث شديد ليقف "هادي" من مكانه كالثور الهائج وقال بانفعال شديد:
"انتي مجنونة يا ليان ولا العلاج اللي بتاخديه أثر عليكي؟ في دكتورة محترمة تتجوز مجرم ويا عالم الإجرام اللي هو فيه عامل إزاي لأي مدى؟"
"بحبه وهتجوزه."
قالتها ببرود دون أن ترجف لها عين من نظرات الجميع وألسنتهم. بينما ضرب "فتحي" السفرة وهو يقف من مكانه متمردًا ورافضًا هذا الحديث فقال بانفعال:
"هو إيه اللي بحبه وهتجوزه، ده على جثتي بعد العمر ده كله أجوزك لواحد زي ده."
أتهم الصوت من تجاه باب الشقة يقول:
"تحبي جثتك تبقي بطريقة معينة."
التف الجميع نحو الصوت وكان "جلال" يقف على باب الشقة وعينيه حادة. ليبتسم "الجارحي" بسخرية من ظهوره الآن داخل ساحة الحرب ورفض الجميع.
رواية حرب سقطت راءها الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نورا عبد العزيز
في غرفة الصالون، تعكر الجو بوصول "جلال". تحولت ليلة عقد القران الهادئة، بمشاعرها الرومانسية وسط جو أسري جميل، إلى ليلة مشحونة بالغضب والكره والاشمئزاز.
كان "جلال" جالسًا على المقعد، وأمامه "فتحي" و"هادي"، والدا "ليان"، أحدهما بالتبني والآخر الأب البيولوجي. كانا يحدقان في الرجل الذي يحمل ملامح مرعبة، وشخصية الإجرام والعنف تبث من عينيه حدته. رجاله بالخارج يحاصرون المبنى بأسلحتهم، وخلف مقعده "كريم"، مساعده الأول.
حملق "الجارحي" بحدة، بينما يجلس وحده بمنتصف الأريكة، يضع قدمًا على الأخرى بغرور وقوة تبث من هيئته توحي بجبروته ومكانته، والقوة وسلطته على هذه العائلة. رغم وجود والده وعمه وأخيه الأكبر، ورغم كونه الرجل الأصغر في العائلة، إلا أنه بماله وسلطته وعمله أصبح يملك لقب كبير العائلة، رغم أنف الجميع.
تحدث "هادي" بحدة صارمة:
- أنت بقى المجرم اللي بنتي عايزة تتجوزه؟ حثالة زيك يتجرأ يطلب إيد بنتي.
لم يتمالك "كريم" أعصابه وهو يسمع إهانة رئيسه، فوضع يده على مسدسه الموجود في حزام الأمان بخصره. قبل أن يسحب المسدس، أوقفه "الجارحي" وهو يرتشف رشفة من كوب الشاي، وأنزل الكوب على الطبق في يده بجدية صارمة:
- لو اتسحب، هتكون رصاصته في دماغك.
نظر الجميع إليه، وأولهم "جلال". ليرفع "الجارحي" رأسه نحو "كريم" بتهديد واضح، ثم قال:
- مش معنى إنكم شوية مجرمين، يبقى ينفع تكونوا خصم للجميع. فوق لنفسك أنت واللي مشغلك، وشوف أنت واقف على أرض مين. أنا الجارحي أبو النور. لا أنت ولا بلدك ولا حتى جيشك يجرؤ أنه يتنفس على أرضي بدون إذن مني.
مسك "جلال" يد "كريم" التي كانت ممسكة بالسلاح، وقال بهدوء وعينيه ترمق "الجارحي" بحزم:
- هدي أعصابك يا كريم. إحنا هنا عشان ناخد عروستي، مش في خناقة.
قهقه "الجارحي" بسخرية، ثم قال بمكر:
- أوعي تفكر الدخلة اللي دخلت بيها علينا دي هتهددنا. أنت متقدرش تتجوزها غير بإذن مني أنا. ولا هي تقدر تتجوزك غير بموافقتي.
تنحنح "هادي" بحرج من حديث "الجارحي" الذي ألغى وجوده تمامًا، وأعطى كل الصلاحيات لنفسه فقط. حتى زواج ابنته هو من يقرر الموافقة به. نظر "الجارحي" إلى "هادي" بعد أن سمع صوت نحنحته الخافتة، وقال:
- جلال الصياد أكبر قاتل مأجور في الشرق الأوسط، مش بس مصر. بيتأجر في كل أنواع التجارة غير المشروعة ومهما كانت. بيدير أكبر عصابة مجرمين في الشرق الأوسط. ولو عايز تعرف أكتر عن الكوارث والجرائم اللي عملها في حياته، أجبهالك. ولو جوازه بنتك شيء يرجع ليكم يا عمي أنت وأستاذ فتحي.
وقف من مكانه يغادر هذا المجلس. فرأى "ليان" تجلس على المقعد بجوار السفرة، وبجوارها "قدس" تقف ماسكة بيدها من التوتر وتراقب الوضع عن كثب. تحدث "الجارحي" بنبرة خافتة:
- تعالي يا قدس.
تركت يد "ليان" واقتربت منه بخطوات بطيئة حتى وصلت أمامه. مسح على رأسها بحنان وعينيه تراقب نظرات عينيها الدافئة. رغم حملها للكثير من الحديث والأسئلة وقلقها على أختها، لكنها ما زالت طفلته البريئة. وعينيها الخضراء تسحره حتى النخاع. فقط هذه الطفلة وحدها التي تسلبه عقله وحكمته وتجعله يخضع إليها دون جدال أو معاناة في المحاولة معه، لطالما كان مستسلمًا لرغباتها وأمانيها. تبسم "الجارحي" بلطف لأجل صغيرته، وقال:
- يلا عشان تطلعي ترتاحي.
انحنى قليلًا، ثم حملها على ذراعيه أمام الجميع دون أن يخاف شيئًا أو يسأل عن وجود العائلة. دلاله إليه وحنانه ليس لهما مكان أو توقيت. بل هما حقها في كل مكان وكل وقت. لقد اختارت جميلته حتى تدلل. غادر الشقة بصغيرته إلى الأعلى، وعينيه تراقب "هدير" التي تجلس في الحديقة مع "مصطفى" تبتسم بسعادة وسط حديثهما الدافئ، بعد أن جمع بينهما القدر. تبسم بخفة وصعد بقية الدرج مع "قدس" التي أرخت رأسها بخمول وضعف على كتفه، وذراعيها تلف حول عنقه الناعم. قالت بخفة:
- شكرًا.
سمع كلمتها الناعمة بصوتها المبحوح. فتح باب الشقة بلطف، وولجا الاثنان معًا. لتقول مرة أخرى:
- حقيقي شكرًا يا جارحي.
تنحنح بدفء، ثم غير طريقه إلى الصالون وأنزلها على الأريكة بخفة، ثم جلس أمامها يتطلع بعينيها الدافئة، رغم أنهما شبه مغلقتين. ورفع يده إلى وجهها يحتضن هذا الوجه الملائكي بين يديه، وقال:
- على إيه يا ملاكي؟
تبسمت "قدس" بعفوية من كلمته الأخيرة، وقالت:
- ملاكي؟
قبل جبينها بحب شديد، ثم قال:
- ملاكي ودنيتي وحياتي. وعمري كله. عمري اللي فات ضاع وأنا بكبر فيكي وبحميك وبظلل عليكي بجناحاتي، لحد ما كبرتي وبقيتي أجمل بنت تشوف عين أي راجل. عروسة تملي العين والقلب يا قدس. خليتي أجرب إحساس غريب وجديد عليا. غيرتي عليكي وعقلي اللي مبيفكرش غير فيكي.
ابتلعت لعابها من التوتر، وقشعر جسدها بدهشة من جرأته في الحديث. وأخيراً اعترف بطلها وحبيبها بمكانتها لديه. قلبها تتسارع نبضاته بسرعة جنونية، غير مصدقة ما تسمعه. فتمتمت بربكة قوية:
- أنت بتقول أنا الكلام ده؟ جارحي بص لي كويس. أنا قدس مش حد تاني.
- إنتِ قدسي وحبيبة قلبي وبنت عمري.
قالها بنبرة دافئة وعينيه تعانق عينيها بنظرات تتلألأ بالحب، ودقات قلوبهما تكاد تطرب الآذان من قوة مشاعرهما. دمعت عينيها من الفرح، وقالت بعدم استيعاب:
- يعني أنت مش مجبر عليا؟
صمتت للحظات وعينيه ترمق دموعها الناعمة التي شقت طريقها على وجنتيها التي احمرت وتوردت من خجلها وبكائها معًا. اقترب ببطء نحوها حتى وصل لوجنتيها بشفتيه، يقبل تلك الدموع الحارة، ثم همس بشغف:
- أنا بحبك يا قدس.
تبسمت بسعادة وهي تجيبه بحنان:
- وأنا بحبك يا جارحي من زمان أوي. بحبك من أول ما عرفت يعني إيه حب. ومعرفتش يعني إيه حبيب غير بيك أنت. أنا طول عمري بتمنى اللحظة اللي تحبني فيها وتشوفني حبيبتك، مش عيلة صغيرة بتربيها وبتقولك يا "أبيه" عشان أنت حبيبي.
أومأ إليها بنعم، ثم ضمها إليه بقوة عناق طويل يرضي قلبه عن مشقة الشوق إليها التي انتهكت قلبه واعتصرت صدره في غيابها ومرضها. شعرت بدفء أنفاسه في عنقها، ويديها تطوقه بحنان. لتقاطع عناقهما السحري ولحظتهما الرومانسية حين قالت:
- ممكن زي ما حلت موضوع هدير، تحل موضوع ليان؟
ابتعد خطوة عنها، وحملق بها بعين حادة كالسيف، وتحولت رومانسيته إلى جدية صارمة، مما جعلها تلتزم الصمت أمام نظرات عينيه الخشنة. تحدث بنبرة غليظة:
- طب هدير أنا اتصرفت لأنه دكتور محترم. لكن ليان، أتصرف إزاي؟ أجوزها لمجرم ده اللي أنتِ عايزاه؟ راضية وقابلة أن أختك تتجوز واحد زي ده؟ إنهي عقل ومنطق هيقبل ده؟
- مش عايزة قلبها يتكسر يا جارحي.
قالتها بنبرة خافتة بتوتر. ليتحدث "الجارحي" بجدية وقال بغلاظة:
- مش كل حب بيكمل يا قدس. ومش كل حاجة بيعوزها البني آدم بتحصل. وإلا ما كان أتوجد الفراق والوجع والحزن وكل المشاعر الأليمة. وبقيت الحياة كلها وردية.
وقفت من مكانها بهدوء، وعينيها تراقب زوجها. ثم قالت بحيرة:
- يعني ليان هتعيش كل المشاعر دي؟ أنا عيشتها سابقة وحقيقي شيء فظيع، ربنا ما يكتبه على حد.
تنهد بهدوء وهي تذكره بما قاسته مع الأيام بفضله. تحدث بخنق في صدره:
- ليان اللي عملت كده في نفسها يا قدس. ومتقارنيهاش بيكي. إنتِ قسيتي العذاب والفراق والوجع لأنك حبيته واحد مكنتيش عارفة هو هيحبك ولا لأ. لكن لو كان جه فرصة للحب، مكنش هيتأخر ولا هيرفض. لكن ليان حبت واحد من البداية وهي عارفة حقيقته. تاجر مخدرات وسلاح وآثار، وقاتل مأجور. كل ده، هل في عقل يقبل بيه؟ عشان عايزاني أقبل بيه؟ طب نفرض يا قدس، أنا خلفت عقلي وعقيدتي وقبلت أتصرف عشان خاطر بحبك وطلبك عندي أمر لازم يتنفذ. مفكرتش هيجرأ إيه لأختك لو اتجوزوه ودخلوا الاثنين في مشكلة ما، أي اتنين متجوزين بيتخانقوا؟ هيحصل إيه؟ هنعرف نوصل لليان ولا هيكون عمل فيها حاجة؟ هيسمح إنها تغضب عند أهلها وتريح أعصابها شوية، ولا هيحبسها في بيته ومش هنعرف عنها حاجة عشان حتى نقف مع بنتنا؟
صمتت قليلًا تستوعب حديثه وهو يتحدث بحق. لم تنظر للمستقبل أمام أختها. فوقف "الجارحي" من مكانه أمام زوجته وقال بجدية أكثر:
- بلاش كل ده. مسألتش نفسك كم الخطر اللي هتعيش فيه، فقط لكونها مرات مجرم زي ده وأعدائه في كل مكان. وما يصدق الكل أن ظهر له زوجة أو حبيبة وهتكون نقطة ضعفه.
دا انت مجربة دا في جوازك مني وأنا مش مجرم، كام مرة حاولوا يخلصوا مني ومنك ومن ابننا.
تنهدت تنهيدة معبأة بالكثير من الانكسارات والخبيات ثم قالت بضيق:
_ عندك حق، الحياة صعبة قوي.
أخذ وجهها بين يديه وقال بهدوء:
_ مش الحياة اللي صعبة لكن اختياراتنا هي اللي صعبة وهو الإنسان كده، بطبعه بيحب تعب القلب.
نظرت إليه في صمت وقد انتهى الجدال بينهما وأقنعت كليًا بحديثه، فتنهد بخنق شديد وهو يسحبها من مؤخرة رأسها يضمها إلى صدره، فتشبثت بخصره مطوقة إياه بحزن وقلق على حال أختها. وضع قبلة على رأسها وعقله شارد بصغيرته التي تجلب المصائب إلى صدره، ولم ينسى تلك الجثة التي باتت بين يديه قبل أن يصل للقاتل. حروفها الأخيرة لم تغادر أذنه وعقله حتى الآن (عمـــ)، من هذا القاتل الذي تجرأ على قتل ابنه وحاول قتل صغيرته بالسم؟ لم تخمد نيران عقله من التفكير، لكن حتما سيصل للفاعل. ليتذكر كلمة "جلال" إليه:
_ لو عرفت هو مين هتنبهر إن صعلوق زي دا عرف يعمل كل دا، حشرة تداس بالجزمة.
حديثه القليل كان الرصاصة التي أصابت العقل في هذه اللحظة. انحنى قليلًا وحمل جميلته المدللة إلى الفراش تأخذ قسطًا من الراحة، ثم غادر الغرفة بلطف ورفع سماعة الهاتف وبعد ثواني قال:
_ يزيد أنا مستنياك في المكتب حصلني على هناك.
***
أشرقت الشمس صباحًا وتغلغلت أشعتها الذهبية إلى غرفة النوم تشق طريق صباحها، لكن عينيها لم تغفو للحظة والدموع لم تجف بعد عن جفنيها بسبب الواقع المرير التي رأته واستيقظت من وهم حبها عليه. لم تكتفِ باكتشاف خيانته لها مع فتاة أخرى، بل الواقع أكثر ألمًا وحسرة، فحقيقة أنه قاتل مرعبة. وضعت "ليل" الوسادة فوق رأسها تحاول كبح أنينها ورافضة ضوء الشمس، تتمنى أن تظل في عتمة غرفتها كعتمة قلبها المخذول. رن هاتفها مرارًا لتتأفف وهي تلتف نحو الكمودينو تلتقط الهاتف وكان اسم "عمران"، فلم تجب وارتجفت يديها من رؤية اسمه على هاتفها يتملكها الخوف، فماذا سيفعل مجرم مثله بها الآن؟ هل ستخلص منها أم سيقتلها مثل محاولة قتله لـ "ليان" و "قدس"؟ وبدأ عقلها يفكر ماذا إذا كان هو من يحاول قتل "الجارحي" أيضًا؟ ظل يرن أكثر وأكثر فأغلقت الهاتف تمامًا بضيق والحيرة تتملك منها أكثر وأكثر، ماذا تفعل معه؟ نظرت للسقف بتوتر وعقلها كالصاروخ يفكر بجنون ولا يصل لحل، حتى فتح باب الغرفة ودلفت "أسيا" تتحدث في الهاتف قائلة:
_ هصحيها يا عمران أهو.
تأففت "ليل" بغلاظة من دخول والدتها وكأن لا سبيل لها من الهرب منه ورفض المواجهة. أعطتها "أسيا" التليفون بقلق وفضول شديد من سبب اتصال "عمران" بها لطلب الحديث مع ابنتها. تنهدت "ليل" بهدوء وتماسكت في الحديث بنبرة حادة:
_ ألو، صباح النور.
_ فيه إيه يا ليل بقالي يومين ثلاثة مش عارف أوصلك ولا بتردي على تليفونك وطول الوقت مقفول.
قالها بضيق من اختفاء "ليل" عنه، لتعتدل "ليل" في جلستها وهي تداعب خصلات شعرها بأصابعها وقالت:
_ مفيش هو فاصل بس كنت هشحنه وأكلمك.
_ هو مامتك جنبك؟
سألها بهدوء من جوابها الحاد، فرفعت نظرها إلى "آسيا" التي تنظر إليها بفضول، واقفة عاقدة ذراعيها أمام صدرها بصمت وعينيها تلتهم الصغيرة، وصمتها لهذه اللحظات جعله يحصل على الجواب، فقال بهدوء:
_ طيب ممكن أقابلك ولا تحبي أجيلك البيت؟
_ لا.
قالتها بتعجل شديد من مجيئه إليها، كيف ستقابل هذا الخائن؟ وتابعت الحديث بسرعة:
_ ماشي نتقابل، نفس المطعم اللي كنا فيه آخر مرة.
أومأ إليها بنعم موافقًا على اختيارها، أنهت الاتصال كاملًا ثم أعطت الهاتف إلى "آسيا" بهدوء. نظرت "آسيا" إلى الهاتف ثم مسكت ذقن ابنتها ترفع رأسها إليه لتلاحظ أثر البكاء وعينيها المنتفخة من قلة النوم والبكاء. سألت "آسيا" بهدوء:
_ حصل إيه؟ كنتِ بتعيطي صح؟
_ لا يا ماما منمتش بس كان عندي مذاكرة وطولت في السهر.
رمقتها "آسيا" بشك في أمرها وقلبها يضرب القلق أبوابه. تنهدت بلطف وجلست أمام "ليل" ثم قالت بعفوية:
_ مالك يا ليل؟ هتخبي عني؟ فيه مشكلة حصلت بينك وبين عمران؟ قوللي وأنا هساعدك.
_ أوف مفيش يا ماما.
قالتها بزمجرة شديد متذمرة على أسئلة والدتها. غادرت وهي تبعد أمها عن طريقها، فخرجت "آسيا" وراءها تقول:
_ تعالي يا ليل أنا بتكلم معاكي.
تأففت "ليل" أكثر من إلحاح والدتها فهربت من الشقة إلى الخارج متجهة إلى شقة "وصيفة"، لكنها ارتطمت بـ "يزيد" يصعد الدرج، فكادت أن تسقط بجسدها الهزيل وعينيها شبه المغلقتين. تشبث "يزيد" بخصرها بدون وعي قبل أن تسقط الصغيرة منه، وتقابلت عيونهما في لحظة مفاجأة، لتتسع عيني "يزيد" على مصراعيها من جمال الصغيرة، فتغاطت بالنظر عنها وأبعد عينيه عنه، فأبتعدت "ليل" عنه وهربت إلى شقة "وصيفة" كالقطة الصغيرة الهاربة. صعد الدرج بارتباك شديد يتنحنح بتوتر محاولًا استراجع صموده، وصورة هذه الفتاة لم تغادر عينيه التي سرقت النظر إليها. شعرها الأسود وعينيها الحمراء من شدة بكاءها وبيجامتها الوردية ووجنتيها المتوردتين من البكاء وحزنها. لا يعلم كيف امتزج الحزن بالجمال هكذا. وصل أمام شقة "قدس" ليهندم قميصه بهدوء ودق الباب، ففتحت له "سنية" وقالت:
_ قدس هانم مستنياك في الصالون.
دلف إلى الصالون وعقله يتذكر جملة "الجارحي" أمس حين قال:
_ قولها اللي وصلته يا يزيد، قدس مش هتصدق غير اللي بتسمعه.
ولج إلى الصالون وكانت "قدس" جالسة أمام اللوحة وتمزج فرشة الرسم مع الورق بطريقة إبداعية، حتى قاطعها صوت "يزيد" يقول:
_ مدام قدس.
ألتفت إليه بهدوء ووضعت القلم الرصاص بين خصلات شعرها وقالت:
_ نسيتني يا يزيد صح؟
_ مستحيل أنسى طلب حضرتك طلبتيه.
قالها بهدوء ثم جلس على الأريكة وقال:
_ عمران طلع شخص تاني خالص غير اللي نعرفه، متجوز عرفي من بنت اسمها ريتال ودي اللي كانت بتحوم حوله وخليته نشك إنه بيعرف بنات. غير إن طريقة ظهوره في حياة ليل غريبة وحب سريع وخطوبة وماديًا بيعدي الفقر والغريب إن عنده رصيد 700 ألف في البنك غير.
قهقهت "قدس" بعفوية على ما تسمعه فقالت:
_ لسه فيه؟
تبسم بمكر مما يعرفه وقال:
_ الأدهش والأعجب إن عمران طلع ابن الراجل اللي عماد اتخانق معه واتقتل في الخناقة ودخل السجن المعلم هادي فيها.
وقفت "قدس" من مقعدها من هول الصدمة التي وقعت عليها وأتسعت عينيها بقشعريرة تصيب صدرها وقالت:
_ كمان.
هز "يزيد" رأسه بنعم، لتفكر "قدس" في صمت وهي تتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا لتقول:
_ يعني ممكن يكون خطب ليل عشان يقرب مننا وينتقم من عماد.
تنهد "يزيد" بحدة وعقل الصغيرة ما زال لا يفهم فقال:
_ قصاد المعلم هادي اللي دخل السجن والحكومة أثبتت التهمة عليه.
نظرت "قدس" إليه بقلق وقالت:
_ صح!
كاد أن يتحدث ليقاطعه صوت رنين الهاتف الذي دق بإستلام رسالة جديدة. أخرج الهاتف من جيبه ونظر ليرى رقم مجهول أرسل رسالة له، ففتحها وكان محتواها:
_ أنا ليل، ممكن تيجي معايا مشوار الساعة 5.
أبتلع لعابه وعينيه تحملق بالهاتف ويتذكر ما حدث من قليل وربكته وضحت في ملامحه ثم قال:
_ هكمل بحث وأبلغك، عن إذنك.
غادر الشقة مسرعًا ونظر للهاتف ليرسل الجواب عن طريق تفاعل بـ إعجاب على الرسالة فقط.
***
وقفت "ليان" في النافذة لترى سيارة "جلال" وسيارتين أخريين من الحراسة يقفون أمام البيت، فأتصلت "ليان" به وقالت:
_ انت بتعمل إيه؟
رفع "جلال" نظره للأعلى من وراء النافذة ليرى أن طبيبته الجريئة تقف في الشرفة، فترجل من السيارة حتى تراه بوضوح وقال بجدية:
_ بحاول أسيطر على نفسي وأكبح غضبي وعقلي الشيطاني اللي بيقولي أدخل آخدك من قبل الأوضة بالقوة بعد ما أبوك طردني من البيت.
ضحكت "ليان" وهي تجلس على المقعد بكوب النسكافيه ووضعته على الطاولة التي أمامها وقالت:
_ بالقوة!
_ ممكن تقفي عشان أعرف أشوفك.
وقفت من جديد وهي تتنفس بتعب متمتمة:
_ مع إن الوقوف تاعبني.
_ اقعدي.
قالها بلهجة أمرية بعد أن أخبرته بتعبها وإرهاقها، لتضحك من جديد وقالت:
_ وبعدين بقى هو إحنا بنلعب ولا إيه؟
_ ارتاحي يا ليان.
قالها بهدوء وهو يتكئ بظهره على السيارة ويعقد ذراعه أمام صدره والأخرى يرفع الهاتف على أذنه ويقف مرتدٍ بدلته الرمادية وقميصه الأسود ونظارته الشمس السوداء تزيده وسامة. ظلت واقفة ترمقه ببسمة وقالت:
_ العناد مش حل، وبصراحة هم ليهم حق مين يقبل يجوز بنته لمجرم.
تنحنح بخنق، لتقول بجدية:
_ دي الحقيقة ليه محسسني إني فاجأتك بحقيقتك، ما أنت عارف يا جلال الحقيقة، وأنا كمان عارفة وقبلت فمتزعلش.
أومأ إليها بنعم، ليقول بحنان وعينيه لا تغادر شرفتها وجميلته تطل منها كالحورية:
_ مين اللي طلعك في طريقي يومها؟
_ القدر والنصيب والمكتوب على الجبين، نصيبي يا جلال.
قالتها بلطف وأرتشفت رشفة من النسكافيه بعفوية، ليقول بخفوت:
_ ما تيجي أخطفك يا ليان ونقول نصيب، أخطفك وأخبيكي في دنيا تانية خالص، أخبيكي جوا قصري سلطانتي.
ضحكت بعفوية بطريقة قوية ولم يفهم سبب ضحكاتها، حتى شعر بشيء ثقيل يلمس رأسه، فنظر بجنانه وكان "هادي" يقف واضعًا بندقيته في رأس "جلال" وقال بحزم:
_ أنا مش قلتلك تغور من هنا ومشوفش وشك في طريق بنتي نهائي.
صوت ضحكاتها العفوية في الهاتف كان يسحره ويجعل قلبه يتراقص من السعادة ولا يصدق أن طبيبته الجميلة بدأت تستعيد صحتها وتخرج منها الضحكات بهذا الجمال والعذوبة الناعمة، وهذه الضحكة ونغمتها الدافئة كفيلة أن تجعله يصمد ويتحمل غلاظة والدها، ليقول:
_ أنا قلتلك إني هاخدها، اديهالي بالرضا بدل ما آخدها بالقوة.
وضع "هادي" المسدس في منتصف جبينه وقال بتهديد:
_ أنا راجل دخلت السجن سابق عشان أحمي ابن أخويا من تهمة هو اللي عملها وعادي جدًا، فما بالك عشان أحمي بنتي ضنايا من مجرم زيك ممكن أسجن أو حتى أعدم عادي مش باقي على حاجة.
كز "جلال" على أسنانه بقوة وغلاظة، هذا الرجل تعدت كل الحدود، حتى سمع "هادي" صرير أسنانه القوي وكاد أن يفقد أعصابه ويتحدث، ليمنعه صوت "ليان" التي قالت في الهاتف بحذر:
_ جلال أوعاك، دا بابا.
كلمتها أوقفته رغم عنه وأغلق قبضته بضيق شديد وقال بحدة:
_ لينا لقاء تاني، وفكر كويس لأني مش هسيبها، وافتكر إني راجل بقتل عادي عشان الفلوس، ما بالك ممكن أعمل إيه عشان حبيبتي.
فتح باب سيارته وصعد بها، ليقود "كريم" السيارة مغادرًا المكان، مما جعل "هادي" يغضب أكثر ويضرب إطار السيارة بالرصاص، مما أرعب الجميع وتأفف "جلال" بالداخل وهو يقول:
_ لأجل ليان، بس عشانها.
ترجل من السيارة وكاد عقله يجن جنونه ولا يعرف كيف يكبح الغضب بداخله أكثر من ذلك، فرأته يبدل سيارته مع سيارة الحراسة، بعد أن انتفض قلبها من فعل والدها.
رواية حرب سقطت راءها الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نورا عبد العزيز
وصل "هادي" إلى شقته ودخل ليجد "قُدس" جالسة بجوار "ليان" على الأريكة. كانت "قُدس" تحمل طبقًا من الفشار، بينما كانت "ليان" تتمدد على الأريكة وتتناول قطع التفاح وعيناها مُعلقة بالهاتف.
قال "هادي":
_ سلام عليكم
ردت "قُدس":
_ وعليكم السلام يا بابا
نظرت "قُدس" إلى أختها التي لم ترد السلام. استشاط "هادي" غضبًا ورفع حاجبه بحدة وقال بتحدٍ:
_ أوعى تفتكري يا قُدس أن طريقتك دي هتجيب معايا ولا هتلوّي دراعي
لم تفهم "قُدس" ما كان يقوله والدها. تحدثت "ليان" وعيناها لم ترتفع عن الهاتف:
_ خليكِ يا قُدس معانداني وأنا برضو مش هغير رأيي
فهمت "قُدس" أن الحوار يدور بين الابنة العنيدة ووالدها الأعند، وأن صفة العناد هذه ورثتها عن والدها. تنهدت "قُدس" بضيق وقالت بلطف:
_ حقيقي هذا الشبل من ذاك الأسد. وأخّري العناد اللي قايم بينكم ده، دي مش طريقة مناقشة يا بابا
التفت "هادي" ودخل إلى غرفته ببرود وقال بجدية:
_ أنا كلامي مش هغيره ولو حكم الأمر إني أبلغ عنه أو أقتله هعمل كده.
استدار إلى بناته من جديد بوجه غاضب وقال:
_ وأنا قلتها للمحروس، أنا دخلت السجن عشان جريمة معملتهاش عشان أفدي ابن أخويا السُكرى اللي مفيش منه فايدة أصلًا. بما بالكم بقى أنا ممكن أعمل إيه وأدخل السجن عشان بنتي ولحمي ودمي
دلف إلى غرفته وأغلق الباب بقوة شديدة جعلت "قُدس" تنتفض من مكانها. فقالت "قُدس" بقلق وعيناها تحدق بأختها:
_ وبعدين في العناد ده يا ليان، دي مش طريقة كلام مع بابا وهو أب وخايف على بنته.
اعتدلت "ليان" في جلستها بهدوء وقالت بحزم، تحاول كبح غضبها والسيطرة على العصبية من أجل تعافيها:
_ وأنا اخترت جلال، وإن انطبقت السما على الأرض مش هغير قراري. أنتوا يمكن لسه متعرفونيش، لكن حقيقي أنا عمري ما تراجعت عن قرار أخدته واللي في دماغي بعمله. وخلي بالك ووصّلي لأبوكِ إني عشت من غيره 19 سنة عادي جدًا وممكن أكمل الباقي من عمري غيره عادي. ملحقتش أتعلق بيه، فميراهنش أوى على كونه أب أو حتى وجودي كابنه له. عرفيه بلاش يتحط في كفة قصاد جلال أو أي قرار أخدته، لأني هختار قراري عادي جدًا.
دلفَت إلى غرفتها هي الأخرى. فالتفتت "قُدس" بخوف من حديث أختها الذي يشبه التهديد الصريح بتفضيل حبيبها رئيس العصابة عن والدها. نظرت جانبًا بقلق واضح لترى "ياسمين" جالسة على السفرة تقطع البطاطس لشرائح من أجل إعداد الغداء.
تحدثت "ياسمين" بنبرة خافتة:
_ دي حقيقي ليان عنيدة جدًا وعمرنا ما قدرنا نغير قرار أخدته أو حتى نعترض. زي سفرها للقاهرة رغم رفضنا، هربت من البيت وجت عادي على القاهرة تقضي يومها ومهتمتش أبدًا بأمها وأبوها اللي عاشت معاهم 19 سنة، فمتتوقعيش إنها تهتم بأب لسه ظاهر في حياتها.
حديثها زاد الغضب أكثر بداخل "قُدس" واقتربت لتجلس مع "ياسمين".
***
أوقف "يزيد" سيارته أمام المطعم ونظر إلى "ليل" التي طلبت مرافقته معها، ولم يتأخر في تلبية طلبها. نظرت "ليل" إليه وقالت بتوتر:
_ ممكن لو اتأخرت تيجي تاخدني؟
يومأ إليها بنعم. ولم يفهم سبب توترها الواضح في ملامحها الشاحبة وعينيها المتورمة. أثر قلة النوم والسهر واضحين بها. خرجت "ليل" من السيارة مترددة، وقدميها تزحف في الأرض، لا تقوى على الذهاب إلى هذا القاتل ولقائه وحدها بعد أن هربت منه سابقًا. نظر "يزيد" نحوها وهي لم تغلق الباب بعد ويدها مُتشبثة به، فقال بحزم:
_ تحبي أجي معاكِ؟
نظرت إليه مُطولًا بحيرة وقلب ضعيف خائف يترجف من الخوف. هزت رأسها بنعم وفتحت حزام الأمان ثم ترجلت من سيارته. التف حول السيارة ووضع الهاتف في جيبه ثم أشار إليها بأن تتحرك. خطت خطوتين ثم أغلق باب السيارة وقال بجدية:
_ ادخلي وأنا هكون على الترابيزة اللي جنبك. لو حصل حاجة بس اقفي وأنا هكون في ضهرك.
يومأت إليه ببسمة خافتة تخفي خلفها الخوف بعد أن أشعرها بالطمأنينة والأمان قليلًا بوجوده جوارها. تنهدت بارتياح من كلماتها الدافئة التي لحقت بها، ثم قالت:
_ تمام.
دلفت إلى المطعم حيث "عمران" وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تدخل. ثم بدأت في السير نحوه حتى رآها ووقف ليمد يده إليها. لتقول بضيق:
_ خير إن شاء الله. كنت مُصر على مجيئتي.
قالتها وهي تسحب الكرسي لتجلس، متجاهلة يده الممدودة. فرمقها بتعجب من برودها. ليهدأ من روعته وجلس على مقعده حادقًا بها بجدية قال:
_ خير أنتِ يا ليل؟ متغيرة ليه عليا؟
ضحكت بخفة عليه وقالت بسخرية:
_ أعتقد أن أمثالك الخونة مينفعش معاهم غير كده؟
اتسعت عيناه قليلًا على حديثها وقال بدهشة أكبر:
_ والله. وأي كمان؟ أنا خونتك فين؟
تبسمت بمكر عليه وقالت:
_ فين؟ قول مخونتنيش فين يا عمران؟ أنا جيت مش عشان أسمع تبريرك ولا أوجد لك أعذار ونتناقش. أنا جيت عشان أقولك إني مش عايزة أشوف وشك تاني في حياتي. ولو فكرت مجرد تفكير تقرب مني أو حتى تتصل بيا أو بأمي، مش هتلاقي غير جارحي قصادك. ووريني هتقدر على ده ولا لأ.
دلفَت إلى غرفتها هي الأخرى. فالتفتت "قُدس" بخوف من حديث أختها الذي يشبه التهديد الصريح بتفضيل حبيبها رئيس العصابة عن والدها. نظرت جانبًا بقلق واضح لترى "ياسمين" جالسة على السفرة تقطع البطاطس لشرائح من أجل إعداد الغداء.
تحدثت "ياسمين" بنبرة خافتة:
_ دي حقيقي ليان عنيدة جدًا وعمرنا ما قدرنا نغير قرار أخدته أو حتى نعترض. زي سفرها للقاهرة رغم رفضنا، هربت من البيت وجت عادي على القاهرة تقضي يومها ومهتمتش أبدًا بأمها وأبوها اللي عاشت معاهم 19 سنة، فمتتوقعيش إنها تهتم بأب لسه ظاهر في حياتها.
حديثها زاد الغضب أكثر بداخل "قُدس" واقتربت لتجلس مع "ياسمين".
***
أوقف "يزيد" سيارته أمام المطعم ونظر إلى "ليل" التي طلبت مرافقته معها، ولم يتأخر في تلبية طلبها. نظرت "ليل" إليه وقالت بتوتر:
_ ممكن لو اتأخرت تيجي تاخدني؟
يومأ إليها بنعم. ولم يفهم سبب توترها الواضح في ملامحها الشاحبة وعينيها المتورمة. أثر قلة النوم والسهر واضحين بها. خرجت "ليل" من السيارة مترددة، وقدميها تزحف في الأرض، لا تقوى على الذهاب إلى هذا القاتل ولقائه وحدها بعد أن هربت منه سابقًا. نظر "يزيد" نحوها وهي لم تغلق الباب بعد ويدها مُتشبثة به، فقال بحزم:
_ تحبي أجي معاكِ؟
نظرت إليه مُطولًا بحيرة وقلب ضعيف خائف يترجف من الخوف. هزت رأسها بنعم وفتحت حزام الأمان ثم ترجلت من سيارته. التف حول السيارة ووضع الهاتف في جيبه ثم أشار إليها بأن تتحرك. خطت خطوتين ثم أغلق باب السيارة وقال بجدية:
_ ادخلي وأنا هكون على الترابيزة اللي جنبك. لو حصل حاجة بس اقفي وأنا هكون في ضهرك.
يومأت إليه ببسمة خافتة تخفي خلفها الخوف بعد أن أشعرها بالطمأنينة والأمان قليلًا بوجوده جوارها. تنهدت بارتياح من كلماتها الدافئة التي لحقت بها، ثم قالت:
_ تمام.
دلفت إلى المطعم حيث "عمران" وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تدخل. ثم بدأت في السير نحوه حتى رآها ووقف ليمد يده إليها. لتقول بضيق:
_ خير إن شاء الله. كنت مُصر على مجيئتي.
قالتها وهي تسحب الكرسي لتجلس، متجاهلة يده الممدودة. فرمقها بتعجب من برودها. ليهدأ من روعته وجلس على مقعده حادقًا بها بجدية قال:
_ خير أنتِ يا ليل؟ متغيرة ليه عليا؟
ضحكت بخفة عليه وقالت بسخرية:
_ أعتقد أن أمثالك الخونة مينفعش معاهم غير كده؟
اتسعت عيناه قليلًا على حديثها وقال بدهشة أكبر:
_ والله. وأي كمان؟ أنا خونتك فين؟
تبسمت بمكر عليه وقالت:
_ فين؟ قول مخونتنيش فين يا عمران؟ أنا جيت مش عشان أسمع تبريرك ولا أوجد لك أعذار ونتناقش. أنا جيت عشان أقولك إني مش عايزة أشوف وشك تاني في حياتي. ولو فكرت مجرد تفكير تقرب مني أو حتى تتصل بيا أو بأمي، مش هتلاقي غير جارحي قصادك. ووريني هتقدر على ده ولا لأ.
وقفت من مكانها لتغادر، فأمسك "عمران" يدها بقوة من هذا الجنون وانفصالها عنه فجأة. قال بغضب:
_ أنتِ بتقولي إيه؟ حصل إيه عشان تسيبيني؟ أنا متسابش يا ليل.
احتَدت عيناها بغضب شديد وهي تحاول أفلات يدها منه بالقوة، ولكن قوتها ضعيفة جدًا أمام بنيته الجسدية. فتحدثت بضيق:
_ سيب إيدي.
قبل أن يتحدث، كان قد ظهر ظله ووقف بالمنتصف يسحب يد "عمران" عنها بالقوة. وقال "يزيد" بحزم:
_ سمعتها بتقولك سيب إيده.
نظر "عمران" إلى "يزيد" بغضب وقال بانفعال شديد وعيناه تلتهم "ليل":
_ أنتِ جايبة البودي جارد بتاعتك معاكِ تتحامي فيه؟
تحدثت بغضب شديد وهي تتشبث بذراع "يزيد" من الخلف تختبي به قائلة:
_ لازم أجيب بودي جارد وأنا جايه أقابل قاتل ومجرم زيك. وعز وجلالة الله يا عمران لو قربت من طريقي تاني، لأكون فاضحك ومعرفة الجارحي كل حاجة.
ألقت بخاتم خطبتها في وجهه وهي تسحب "يزيد" من ذراعه للخارج، الذي صُدم بكلماتها. سار معها للخارج حتى وصله إلى الطريق، فسأل بضيق:
_ أنتِ قصدك إيه بالكلام اللي قلتيه جوا ده؟
تنهدت بتعب وهي تشعر باختناق شديد في صدرها وقالت بإرهاق:
_ بعدين أحكيلك. مشيني من هنا الأول، وفي الطريق أحكيلك كل حاجة.
سار معها إلى السيارة وألتف ليفتح باب السائق، فصُدم بها تهتز بضعف وأصابها دوران برأسها الصغير. فسأل بهدوء:
_ أنتِ كويسة؟
هزت رأسها قليلًا تحاول مقاومة دوران رأسها، لكنها لم تستطع التغلب عليه وسقطت فاقدة للوعي. ليلتف "يزيد" بسرعة جنونية نحو السيارة إليها وجلس على ركبتيه يرفع رأسها الصغير على ذراعه مُناديًا إياها بقلق:
_ ليل؟ ليـــــــــــــــــــــــل؟
لم تجب عليه، فحملها مطوقًا خصرها بذراعه وفتح باب السيارة ليضعها بالداخل. وانطلق لأقرب مستشفى. ثم دلَف كالمجنون بها خائفًا أن يكون أصابها شيء. وضعها على فراش المرضى بغرفة الطوارئ وبدأ الأطباء يفحصوها مع الممرضين وهو مُنتظر بقلق وراء الستار الحاجز. لا يعلم أيتصل بـ "الجارحي" أم ينتظر ليطمئن.
وبعد مرور ساعة ونصف تقريبًا، جاء إليه الطبيب وقال:
_ هي كويسة، مفيش داعي للقلق.
سأل بقلق عن حالتها وسبب ما حدث إذا كانت سليمة وبصحة عافية:
_ أمال الإغماء اللي حصل ده إيه؟
فأجاب الطبيب بما صدمه في أرضه:
_ بسبب المخدر اللي في دمها. واضح إنها أخذت جرعة مخدر قوية سببت لها النعاس.
اتسعت عيناه على مصراعيها بصدمة قاتلة. فهل "عمران" وضع المخدر في مشروبها وكان ينوي السوء بها؟ لحسن حظها، أنها جلبت "يزيد" معها لينقذها من شر هذا الرجل الغامض؟ وماذا كان ينوي أن يفعل بفتاة بريئة مثلها؟ فتح الستار قليلًا وجلس جوارها على المقعد الحديدي يحلق في وجهها الصغير وهي كالأميرة في نومها. وتذكر لقائهما صباحًا وبكاءها. كانت جميلة تمامًا مثل الآن، وكان الجمال خُلق لهذه الحورية الفاتنة. بشعرها الأسود أو حجابها البسيطة، فهي جميلة جدًا. فظل "يزيد" يتأملها في دقائق صامتة. ولأول مرة يتجرأ على رفع النظر بها بهذه الجرأة دون أن يخجل أو يتحاشي النظر بها. لأول مرة يرى جمالًا وسط الحزن والبكاء. ليكمل جرأته بدون وعي منه عندما حرك جسدها، يده لتلمس يدها الصغيرة وتربت عليها بحنان. لكن سرعان ما فاق من هذا الشرود والإعجاب ليبعد يده بسرعة خائفًا من "الجارحي" وما سيفعله به إذا تجرأ وتخطى الحدود بينه كموظف لديه وبين أميرة من عائلته؟ وقف من مقعده بعيدًا جدًا من الحرج والقلق.
فجأة وبدون مقدمات، أتاه هذه الجملة التي سقطت عليه كالقنبلة المميتة، فتحدث بتلعثم مرعب:
_ يعني إيه اختفت؟
مسك "هادي" لياقته بقوة وكاد أن يخنق أنفاسه بين يديه وهو يكرر ما قاله بحدة صارمة وعيناه تتطاير منها الشر:
_ ليان اختفت من المستشفى. بنتي لو جرالها أي حاجة مش هتكفيني فيها روحك.
أبعد "جلال" يده عن قميصه بصدمة قاتلة ولا يستوعب ما يسمعه واختفاء جميلته الفاتنة. فقال بجدية:
_ أنت متقدرش تعمل حاجة. واللي كانت مصبرني على تصرفاتكم الغبية دي هي ليان.
ركض "كريم" نحوه يلتف حول السيارة بخوف من صرخة رئيسه، فقال بغضب جنون وقلق يمزق قلبه:
_ ساعة لو ليان مظهرتش، هتكون رقبتك أنت ورجالتك الثمن. و...
قاطعهم جميعًا صوت انكسار زجاج قوي وارتطام هز جدران الأرض وأجسادهم التي انتفضت من أماكنهم. التف الجميع على الصوت، وكانت هناك جثة سقطت من فوق السطح على سيارة. ليقترب الجميع وخرجت صرخة قوية من "هادي" حين رأى وجه هذه الجثة، وكانت ابنته المفقودة غارقة في دمائها. بينما تسمر "جلال" في مكانه عندما رآها. هلع "كريم" نحوها يستشعر نبضات القلب ليجدها جثة باردة قد فارقت روحها الحياة. ووسط صدمة الجميع، اقترب "الجارحي" من "هادي" يقول:
_ عمي...
وقع نظره على الجثة، فصُدم وشُل جسده محله. وتساقطت الدموع بغزارة كالشلال من عينيه. وزحفت قدميه بصعوبة من السيارة حتى وصل إليها ورفع يده يلمس رأس الفتاة مُتمتمًا بفزع:
_ قُدس... قُدس لا... لا متسبنيش.
ومن يخطأ في زوجته، لتنزل الصاعقة الأكبر على "هادي" بفقد طفلته "قُدس" والأخرى خُطفت من المستشفى. انهار "الجارحي" بجنون وهو يسحب جسدها الصغير من فوق السيارة إلى حضنه، صارخًا باسمها بفزع.
_ قُــــــدس.
صرخ بجنون باسمها مُستيقظًا من نومه ليُصدم بها أمامه جالسة وتمسك بذراعه قائلة:
_ مالك يا جارحي، بقالك ساعة بتنادي عليا.
نظر إلى وجهها ويلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة من هذا الكابوس. ولمس عنقها بأنامله ليطمئن قلبه أنها بخير ومحبوبته بجواره. فجذبها بقوة إلى صدره لتُصدم من لهفته وخوفه. يتصبب عرقًا بقوة من هذا الحلم المرعب الذي رآه في منامه. لتطوقه بلطف وهي تربت على ظهره بحنان وقالت بحنية:
_ أنا هنا يا حبيبي.
أغمض عينيه بارتياح لسماعه صوته مُستنشقًا عبيرها الدافئ، ليستلقي على الفراش وهو يجذبها لتنام بين ضلوعه حتى تخمد نيران عقله الذي أفقد صوابه للتو من هذا المشهد. وما زالت رؤيتها غارقة في دمائها أمامه تلازمه. تمتمت "قُدس" بلطف:
_ كان حلم مُخيف.
ابتسمت بعفوية ويديها تداعب صدره ببراءة ورفعت نظرها إلى وجهه تقول بمرح:
_ بس أنت مبتخافش من حاجة خالص يا جارحي.
ابتعد قليلًا ليخفض رأسه تجاهها وهي بين ذراعيه. تأمل وجهها الجميل وقال بخوف:
_ بقيت بخاف، بخاف عليكِ من الزمن، بخاف أخسرك يا قُدس، ببقي مرعوب ما دام الحاجة دي تخصني.
ابتسمت بخجل شديد على حديثه الجميل رغم قلقه. تسللت يديها للأعلى من صدره إلى وجنتيه تلمس لحيته الناعمة وقالت بنبرة ناعمة وصوت أنثوي جميل:
_ أنا هنام.
مسح على شعرها الناعم بحب وقال بجدية محسومة:
_ وهتفضلي هنا يا قُدس، أوعي تفكري تسيبني، لأن وقتها معرفش أنا ممكن أعمل إيه.
ابتسمت بسعادة من جمال حديثه وهذا الرجل الشرس حُب عمرها الآن يُحدثها عن مكانتها الغالية في حياته. ليُعجبها الحديث جدًا، فتابعت بسعادة تشاكسه:
_ هتعمل إيه؟
جذبها بقوة أكثر حتى بات يعتصر عظامها في ذراعيه وقال بحزم ونبرة مرعبة قائلًا:
_ إياكِ يا قُدس، إياكِ تفكري فيها. والله بهد الأرض على دماغك لو فكرتي تسيبني بعد ما احتليتي قلبي وسكنتي فيه. أنا متعرفيش ممكن أعمل إيه عشان حاجة تخصني، ما بالك بأميرة ملكت قلبي. وأنا اللي هربت منها عمر بحاله عشان متملكهوش ولا تدخله. ودخلته غصب عني.
اتسعت عيناها على مصراعيها بذهول تام وسألت بفزع من هول المفاجأة:
_ هربت مني؟
_ طبعًا، يبقى راجل أعمى اللي يشوف بنت بجمالكِ ومعجبش بيها يا قُدس. أول مرة شوفتك فيها بفستان أحمر وحاطة ميكاب خفيف ولابسة كعب عالي، وتحولتي من طفلة بريئة جميلة لأنسة عروسة قمر. قلبي انتفض نفضة عمري ما هنسيها. وقتها قولت له أنت مجنون، أتقبضت عشان قُدس العيلة. أكتشفت دلوقتي إن النفضة دي كانت أول دقة قلب لكِ جوايا.
قالها بإعجاب شديد وعيناه تتأمل صغيرته الجميلة. فسألت بفضول أكبر وقالت:
_ كان أمتى ده؟
_ يوم ما كنت رايح أخطب، نزلتِ عليا يومها بكتلة تأثيرات ومشاعر لأول مرة بعرف حقيقتهم معاكِ. يوم ما سمعتي إني هروح أخطب وأغمي عليكِ يومها. شيلتك بين إيديا مغمي عليكِ ولأول مرة بضمكِ في عمري كله. حسيت بدفء وقشعريرة ناعمة. مكنتش عايز أسيبك يومها من حضني، بس وقتها فسرت ده إنك قُدس بنتي الصغيرة اللي شايل مسؤوليتها. لكن تاني يوم لما شوفتك بالفستان وكنتِ في كامل شياكتك وأناقتك، ارتبكت أوي يومها وكنت هموت من غيظي لما قررتي تركبي مع عماد في العربية. كنت عايز أصرخ وأقول لأ، أنا لازم أخبيكي جوايا ولا إنك تركبي مع السُكري دي. فضلت طول الطريق عيني على عربيته ليضايقك أو حتى تتخنقي من الركوب معاه. وفضل قلبي يضرب في ضلوعي بقوة عشانك وأنا مش فاهم في إيه؟ لحد ما شوفت العروسة، ووقتها بكل قوة مني كأني كنت منتظر أي سبب عشان أهرب ورفضت الموضوع. ليلتها حصل اللي حصل وأدفنت كل البذور دي جوايا. لكن بُعدك يا قُدس وهروبك مني كان نار بتحرق فيا وأنتِ مكملة عاديكانت.
كانت عيناها تدمع بحزن ممزوج بالفرح من حديثه وكيف حمل لها كل هذه المشاعر ولم يتفوه بكلمة واحدة أو حتى يلمح لها بشيء. سألته بضيق من صمته طوال هذا الوقت:
_ طيب ليه؟ ليه لما جيتلك قُلتلك إني بحبك يومها لومتني وأتعصبت عليا؟
جلس أمامها يلمس وجهها بحنان، وكأنه يخمد نيران شوق الذكريات التي اشتعلت بداخله وهو يتذكر الماضي معها وقال بحب:
_ مكنتش مفسر معنى اللي جوايا وحصل فيا ليلتها. وقبل ما آخد وقت أفسر أو أتأكد أو حتى أشك إني بحبك أو معجب بيكي، لاقيتك قصادي بتقولي بحبك. وكأن كل اللي حصل فيا كان مستني كمان إنك تربكني أكتر باعتراف صريح منك. يومها كانت الغيرة بتأكل فيا لما شوفتك في السطح مع عماد وجايبلك عصير وأنتِ راضية وقابلة. كان نار جوايا بتحرق فيا وأنا مش فاهمة سبب جنوني عليكِ إيه. وحصل اللي حصل وقتها. على قد ما كنت حاسس بسعادة وأنا بحضنك، على قد ما كنت مرعوب من ربنا إني أغضبه فيكِ فيحرمني منكِ. أنتِ أغلى حاجة في حياتي يا قُدس. أنتِ بنتي اللي ربيتها على إيدي وشلت همها من صغرها. أول حبيبة خطفت قلبي ليها. وأول واحدة أضمها في حضني. وأول واحدة أقولها بحبك. وأول واحدة أجيب لها هدية في الدنيا دي كلها. أنا عمري ما اشتريت هدية لواحدة غيرك. ولا شاركت واحدة غيرك كوباية قهوتي. أنا طول الوقت بشرب قهوتي سادة لوحدي في أي كافيه. أنتِ الوحيدة اللي بقبل إني أشرب قهوتي معاها وفي وجودها. أنا لما بفكر بلاقي إنكِ البنت الوحيدة في عمري كله من صغري لحد دلوقتي.
دمعت عيناها بعد استيعاب للأمر وكيف هذا الرجل أحبها هكذا دون أن تدري أو تشعر حتى بهذا الحُب؟!!!. جهشت باكية ليجفف "الجارحي" دموعها بإبهامه بلمسة ناعمة يربت على وجنتيها. فتحدث بلطف لأجل دموعها الغالية:
_ متبكيش، وحياة جارحي عندك ما تنزلي دمعة واحدة. دموعك غالية أوي يا قُدس عندي ومفيش حاجة تستاهل تنزل الدموع دي عشانها.
قالتها بضعف وحزن على ليالي كثيرة مرت في بُعدهما. ليقول بلطف يخمد نيران بكائها ودموعها بحب:
_ وأنا بحبك يا قلب جارحي، بحبك يا بنتي وعمري وحياتي وسنيني وأيامي كلها. أنتِ عمري يا قُدس. بس متبكيش.
قالها برجاء مُتمنيًا أن تلبي رجاءه وتتوقف عن البكاء. فتعلقَت بعنقه بحُب واستماتة ليطوقها بحنان هائمٍ بجمال سحرها وسيطرتها على مشاعره كاملة. كأنها ألقت تعويذة سحرية على قلبه وعقله ليُغيب العقل عن التفكير لأي شيء غير محبوبته.
دق باب الشقة بقوة ليتركها بفزع وخرج من الغرفة وصغيرته تخرج خلفه تركض وراءه. حتى فتح الباب ودلف "يزيد" يسحب "ليل" خلفه وهي تبكي بخوف. فرمقهما "الجارحي" بدهشة. وأسرعت "قُدس" إلى "ليل" بفزع على صديقة طفولتها وقالت:
_ مالك يا ليل؟ أنتِ زعلتها يا يزيد؟
نظر "الجارحي" إلى "يزيد" بغضب بعد اتهام "قُدس" له. وكانت عيناه تتطاير منها الغضب. وإذا كان أغضبها حقًا سيقتله في الحال؟ فلا تزال "ليل" أميرة في عائلته وجوهرة مصونة لعائلة أبو النور. تحدث "يزيد" بانفعال شديد فاقدًا أعصابه:
_ قولي اللي قلتيهولي يا آنسة ليل؟
ظلت ترتجف وتبكي بخوف. فجذبها "يزيد" من ذراعها بقوة وصرخ بها:
_ قولتلك...
صرخة قوية من "الجارحي" توقفه عما يفعله قائلًا:
_ يزيـــــــــــــــــــــد أنت اتجننت؟
ترك "يزيد" ذراعها بغضب من تصرفه وفقدانه للسيطرة فقال بغيظ:
_ خليها تسمعك اللي سمعتهولي يا معلم جارحي.
نظر "الجارحي" إلى "ليل" التي اختبأت من الخوف بين ذراعي "قُدس" وتبكي مُتشبثة بذراع "قُدس". فقال بحدة:
_ فيه إيه يا ليل؟
صمتت بخوف ليتحدث "يزيد" بانفعال من صمتها قائلًا:
_ قوليله، قوليله إن عمران هو السبب وهو اللي حرض على قتل صاحبتك قُدس وهو اللي قتل عياله. قوليله إن دي الحقيقة.
اتسعت عينا "الجارحي" على مصراعيها بصدمة جمته وأنقبض قلبه في محله. لتبتعد "قُدس" هي الأخرى عن "ليل" بغضب شديد وقالت بصدمة قاتلة مُتلعثمة في الكلمات:
_ إيه اللي بسمعه ده؟ ردي عليا.
قالتها بصراخ شديد وهي تمسك "ليل" من يدها بقوة ودمعت عيناها بحسرة. ونظرة "قُدس" لها لأول مرة ترى في خيبتها وحسرتها. نظرت "ليل" إلى "الجارحي" بخوف يتملكها من التفوه بكلمة أمامه. والآن بعد أن سمع الكلمات من "يزيد"، احتَدت عيناه أكثر وبات الشر يتطاير من عينيه كأنه سيقتلها بعينيه الآن ويدفنها في أرضها.
رواية حرب سقطت راءها الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نورا عبد العزيز
رواية حرب سقطت راءها الفصل الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نورا عبد العزيز
لفصـــــــــل الرابع والعشرون ( 24 )
بعنـــوان " انتقـــــــــــــــــام "
صرخت "قُدس" بفزع من الخوف من زوجها الذي أمتلك عنق "ليل" بين قبضته يعتصره بقوة وكاد أن يسرق منها أنفاسها الضعيفة قاتلًا إياها بيديه من هول الصدمة ومعرفتها للحقيقة ورغم ذلك أخفت الأمر عنه ، تحدثت "قُدس" بذعر وهى تحاول إفلات "ليل" من قبضته وقالت:-
_ أهدأ يا جارحي، أهدا خلينا نفهم منها فى أى ؟؟
دفع "ليل" بعيدًا لتحتضنها "قُدس" بقلق عليها ثم قالت بحزن يُخيم على قلبها :-
_ عرفتي من امتى وأزاى ؟
صرخ "الجارحي" بجنون وهو يلتف بعيدًا يحاول كظم غيظه منها قائلًا بانفعال شديد :-
_ أكيد من زمان مش كانت حبيبته الروح بالروح وهى اللى قالت أنك بتقابلى رجالة
تحدثت "ليل" بضعف ويديها على عنقها من الألم وضغطه الشديد عليه قائلة:-
_ لا، أنا مش مشاركة له فى كل دا عشان تقول أنى قُلت عليها، أنا أتفاجئت زي زيك بالظبط ومن الصدمة مكنتش مستوعبة اللى حصل ولا أزاى أتخدعت فيه كدة، واه كنت حبيبته الروح بالروح بس أنا وجعى أكبر لأنى مطلعتش حبيبته وطلع بستغفلني وبيلعب بيا أنا أول واحدة وكسر قلبي ومهتمش بمشاعري وعملني لعبة فى أيده، غفلني وأستقوى عليه زى ما أنت كمان بتستقوى عليا دلوقت وبتقول أنى مشاركة له ، أنتوا كلكم الرجالة كدة بتستقوا على الضعيف وبس
ألتف "الجارحي" لها مُستعم لحديثها فنظر "يزيد" إليه برجاء وألا يقسو على فتاة ضعيفة مثلها وقال بلطف:-
_ أنا واثق أن أنسة ليل مكنتش تعرف بحقيقته لأني كنت مراقبة طول الفترة اللى فاتت، بلاش توجه الاتهام ليها يا معلم وتسيب المجرم الحقيقي
ألتفت "ليل" إلى "يزيد" بانفعال وغضب شديد لتضربه بقوة على صدره وتدفعه للخلف قائلة:-
_ أنت متتكلمش ولا تتدخل ، أنت السبب فى كل دا، كذاب وغدار زيهم ، صنف زبالة معرفتش تصون السر وجبتني له يفش غله فيا، أنا بكرهك وبكره صنفكم كله
دفعته بقوة وسط بكائها وغادرت الشقة مُنهارة من البكاء فرمقته "قُدس" بهدوء ثم قالت بعفوية:-
_ متسبش الحمار وتمسك فى البردعة يا جارحي ، ليل مأذتنيش بالعكس ليل زي بالظبط اتأذت منه بس بطريقة تانية ومختلفة
خرجت من الشقة خلف "ليل" فنظر "الجارحي" إلى "يزيد" وقال بحزم مُرعب وعينيه يتطاير منها الغضب والنار تأكل عقله قبل قلبه:-
_ طبعًا عارف هتعمل أى؟
فهم "يزيد" ما يريده هذا الرجل والغضب من يسيطر ويتحكم الآن به، فحاول التداخل بحديثه وقال:-
_ بس يا معلم
رفع "الجارحي" سبابته فى وجه "يزيد" يهدده بنبرة أكثر شراسة وحدة جعلت قلب الآخر ينتفض رعبًا قائلًا:-
_ متفكرش تعارضني، روح نفذ يا يزيد
أبتلع "يزيد" لعابه بقلق مما سيفعله "الجارحي" وأنتقامه لينال ثأر طفله الذي قتل فى رحم زوجته وحق زوجته التى واجهت الموت والقسوة وذاقت معنى الألم بسبب ذاك الأحمق وغادر الشقة متوترًا، ترجل للأسفل فرأى "قُدس" جالسة على الدرج مع "ليل" وتحدثها بلطف يملأ قلبها الصغيرة رغم كل ما ذاقته من قسوة وألم وفقد قائلة:-
_ خلاص ما تزعليه ، ميستاهلش أنك تزعلي عليه والله ، أنا معرفش أنتِ عقلك كان فين وأنتِ بتختري واطي زيه وبتاع بنات
تحدثت "ليل" بضيق شديد من حديثها قائلة:-
_ أنتِ فاكرة أنى زعلانة عليه يا قُدس، بالعكس انا بقالى حاولى أسبوع بحاول أستوعب قذارته والمقلب اللى كنت واخداه فيه والصدمة خلاص راحت أسبوع كافى أنى أعيط وأنهار على غبائي وقد اى أنا كنت مُغفلة لدرجة دى، أنا بعيط أنى كنت الباب اللى الحيوان دا دخل منه ليكم وبفضلى أنا قدر يأذيكي ويعملك مشاكل مع الجارحي، أنا طول الوقت بسأل نفسي سؤال واحد ، أنا كنت هبلة أوى كدة وأزاى مأخدتش بالى أن معظم حواراتنا وكلامنا كان بيبدأ بعاملة أى ويوصل للبيت وأهلك وقُدس ومشاكلى .... أزاى منتبهتش فى كل مرة أن مسار الحوار بيوصل لنفس النقطة كأنه بيسرق منى الكلام
ربتت "قُدس" على كتفها بحنان وقالت :-
_ مش ذنبكِ ومتلوميش نفسكِ يا ليل ، أنتِ مش مكارة ولا الشر بيجري فى دمك عشان تعرفي الناس اللى الغل مالي قلوبهم بيفكروا أزاى، الحرامي بيفكر أن كل الناس حرامية عشان هو كدة، وأنتِ بريئة وطيبة وصادقة عشان كدة فكرتي أن كل الناس كدة، عقلك النظيف موصلش لمرحلة وساختهم
ألتفت "ليل" إلى "قُدس" وأخذت يدها فى يديها الصغيرتين وقالت بلهجة واهنة ونبرة خافتة:-
_ أنا أسفة يا قُدس، أسفة لو كنت السبب فى أى حاجة وحشة حصلتلك
تبسمت "قُدس" بعفوية فى وجه صديقتها الوحيدة وقالت ببراءة:-
_ وأنتِ بتعتذري ليه؟ أصلًا أنتِ مأذتنيش فى حاجة ، وحقى مش عندك وأنا مش زعلانة منكِ
أومأت "ليل" بنعم لتبتسم "قُدس" بخباثة بريئة وقالت بكبرياء مُصطنع تشاكس "ليل" محاولة مساعدتها فى التخطي لهذا الحزن قائلة:-
_ أنما يعنى أنا لاحظت حاجة كدة
نظرت "ليل" لها بفضول وعدم فهم وقالت:-
_ اي
_ هو أنتِ كنتِ مع يزيد يا ليل، اصلكم جيتوا الشقة عندنا سوا ولا كان مجرد صدفة
تنحنحت "ليل" بحرج وتحدثت بأنفعال شديد تتهرب من هذا السؤال قائلة:-
_ متجبليش سيرة البنى أدم دا، كلهم جنس واطي ومعفن ، أنا أفضفض معه عشان يقول أعمل أي يقوم قابض عليا زى العسكرى اللى قفش حرامي فى عز الظهر ويسلمنى تسليم أهالى للجارحي
ضحكت "قُدس" بقوة على أنفعال "ليل" وقالت بسخرية:-
_ طب والله لايق عليكي الحرامي
_ أتلمى يا قُدس
وضعت "قُدس" ذراعها حول كتف "ليل" بمكر وقالت بخباثة أكبر:-
_ بأمان يا ليل خليكي صريحة معايا أنتِ كنتِ برا مع يزيد
دفعتها "ليل" بضيق ووقفت لكي تغادر من أمامها وهربت ركضت بتعجل للأسفل لتضحك "قُدس" وهى تنظر من الدرابزين وتحدثتها بمكر:-
_ برضو مش هتفلتي مني يا ليل وهعرف، هتروحي منى فين؟
دقت باب الشقة المجاورة ولتفتح لها "ليان" فدلفت مع أختها ليمر "يزيد"الذى سمع الحوا ربينهما بدون عمد ، ترجل بضيق من هذا الحوار فخرج من العمارة وصعد بسيارته وقبل أن يتحرك رأى "ليل" تفتح شرفة غرفتها وتخرج منها ماسكة هاتفها بيديها الأثنين وقد نزعت حجابها ليظهر شعرها الأسود مُنسدل على الجانبين وعينيها تحملق بالهاتف بتركيز شديد مع حركة أناملها ضغط على زر تشغيل السيارة ليسع صوت إشعار هاتفه فأخرجه ليُصدم برسالة منها ، رفع نظره إلى الشرفة فرأى تحملق بالهاتف وتقرض أظافرها بأسنانها من التوتر مُنتظرة الرد فنظر بهاتفه من جديد وفتح الرسالة ليجد محتواها كلمة واحدة جعلت عينيه تتسع على مصراعيها ورفع نظر إلى الشرفة غاضبًا من كلمتها وكز على أسنانه وفتاة بحجم عقلة الأصبع أمامه وتسبه بجراءة هكذا فنظر للكلمة من جديد وقال بتمتمة:-
_ حيوان.... أنا حيوان يا بنت الـ......
كتب رسالة إليها بغيظ يتملكه وألقى بالهاتف على المقعد المجاور وأنطلق وعينيه تنظر بالمرآة الجانبية على الشرفة يرى رد فعلها على رسالته ليفزع من جراءتها وهى تنفث غضبها بالمزهرية التى على شرفتها وقذفتها بقوة للخارج ليضحك بقوة نافثٍ عن غضبه من طريقة تنفثها للغضب وأنتقامه الذي نال مراده بإغضابها مثلما فعلت معه ؟
________________________
بعيدًا عن حي الأزهر وتحت سماء الليل كان المخزن غارق في ظلامٍ قاتم، الهواء مشبع برائحة القماش القديم، وكل زاوية فيه تشهد على خوفٍ يختنق بين الجدران. والرائحة الثقيلة للقماش كانت واضحة جدًا كأنها لوحة حية من الخوف، وفي نسمة الهواء البارد وقف "عمران" مقيدًا من يديه بالأعلى، جسده متوتر وقلبه يخفق بعنف، عيونه تبحث عن أي مخرج وأي فرصة للهرب،لتحول لحظة الخوف إلى لحظة يستجمع فيها شجاعته، ظهرت سيارة تولج من باب المخزن حتى توقفت بالمنتصف ورجل الأمن يغلق الباب من جديد ، يراقب "عمران" الموقف حتى رأى وجه "الجارحي" الذي ترجل من سيارته مع "يزيد" ليبتلع لعابه بخوف وخطواته القوية تضرب على صدر "عمران" كاللهب الُمشتعل، وقف "الجارحي" أمامه، عيونه تلمع نارًا وغضبًا، كل خطوة له كأنها صاعقة تهز المكان. صوته منخفض لكنه يقطع الصمت كالسيف قائلًا:-
_ليه ؟ إيه اللي خلاك تعمل كده؟
تشنّج "عمران" من الذعر وقلبه يتوقف لحظةلكنه رفع رأسه متحديًا، صوته يرتجف لكنه صارم وقال بتلعثم:-
_أنا؟! أنا ماعملتش حاجة والله......
الجارحي اقترب خطوة وبدون سابق إنذار مسك عنق "يزيد" بغضب ناري، قبضته شدّت أكثر على عنقه، والظلال على وجهه جعلت الغضب يبدو كأنه نار حية:
–مش هيفيدك الكذب ، أنا عارف أنك قتلت ولادي فى بطن أمه لكن سؤال ليه أنا عارف كل حاجة! كل حاجة عن حبيبتك السرية وعنك وعن اللعبة اللي لعبته، وسؤالي ليه؟ ليه أذيت قُدس
للحظة شعر "عمران" بالذعر من سلطة "الجارحي" ومعرفته بكل شيء فقال بتلعثم محاولًا تبرئة نفسه وإنكار الجُرم:-
–أنت غلطان أنا مليش أي يد في ده! مش أنا اللي حرّضتهم، مش أنا اللي أذيت قدس ولا الطفل الصغير والله أنا برئ
الجــــارحي زفر بغضب، كأن الغضب ينهش قلبه ممزوج هذا الغضب بنظرة ساخرة وقال:-
_ يعنى زبالة وغبي، أنا مجبتش سيرة الأجهاض ولا تحريضك للستات ، بس هو المجرم كدة مبيجيش فى باله غير جريمته ، أفتكر إنك اللى بدأ وكل دا مجرد بداية يا عمران وأنت لسه متعرفنيش ولا تعرف أنا ممكن أعمل أى
لم يخف غضبه، قبضته على عنقه كانت تتقوى أكثر، كل شيء في المكان يصرخ بالقهر والانتقام فقال بغضب و صرامة قاطعة:-
_بس تعرف مش مهم كلامك دلوقتي مش هيفيد بحاجة أنا بس كنت عايز أعرف ليه؟ ليه عملت كل ده؟ ليه أتجرأت على مراتي وابنها اللى فى بطنها بس تعرف مش هيفيد بحاجة
كادت قبضته أن تقتل هذا الرجل فحاول "عمران" يسحب نفسه للخلف، يحاول أن يتنفس بحرية، لكنه شعر بالخنق
_أنا أقولك ،أنا أبداً ما خطرت على بالي أذي حد بس ......
ضغط "الجارحي" على فمه يمنعه من الحديث نهائيٍ وعينيه يتطاير منها الغضب والزفر بينما "يزيد" واقفًا عند الباب، صامتًا، عيناه تتفحصان كل حركة، وكأنه يراقب اللحظة المنتظرة للانفجار، بينما "الجــــارحي" لم ينفك عن ضغطه المتصاعد، صوته كالسيف يقول بشجن:-
_مجرد بداية
نظر "عمران" له بعينيه المشتعلتين بالخوف والغضب معًا، شعر بتناقض داخلي بين رغبته في الدفاع عن نفسه وبين شعور الغضب على إهانة "الجارحي" المتراكمة له
–أنا مش كذاب! والله مش أنا… واللي عمل كده مش أنا… أنا ضحية زيك
هز "الجارحي" رأسه بنعم وضحكة ساخرة تحمل براكين من الغضب و "يزيد" تنفس بصوت خافت، عينه على "الجــــارحي"، كأنها تقول:-
_ " هيتصرف بحكمة ولا بالجنون؟"
لكن "الجــــارحي"، بغضبه الهائج، لم يستمع لأي أحد، وكل ما يريده هو معرفة السبب… وإشباع رغبته في الانتقام ،وقف أمام "عمران" قلبه يشتعل بالنار، كل خفقة فيه كأنها صاعقة غضب، ولم تعد كلمات الإنكار من "عمران" قادرة على تهدئته. فجأة، ارتجف الهواء في المخزن مع صوت خطوات ثابتة وواثقة، صوت يقشعر القلب قبل الأذن.
دخل الطبيب، وجهه متجهم، عيونه باردة، كأن كل إحساس إنساني قد تلاشى عنه بين يديه أدواته، وكل حركة منه تعكس خبرة قاسية، بلا رحمة، بلا تردد
_ ابدأ
فزع "عمران" وحاول أن يتحرك، لكن القيود الشديدة أبقته محاصرًا، شعوره بالخوف يختنق مع كل ثانية تمر، كل نبضة قلبه تزيد من رعبه فتبسم "الجارحي" و اقترب أكثر، ووضع يده على كتف "عمران" وهمس بنبرة مُرعبة:-
_ أنا عايز أشوفك بتدفع تمن اللي عملته… عايزك تحس بالألم اللي أنا حاسه ، أنت قتلت ابني وأنا هحرم من الخلفة العمر كله دا حق قُدس ودم ابني
صوته يخرج كالصاعقة قائلًا من جديد:-
_ابدأ ، خلّيه يحس قد إيه الألم و قد إيه الغدر واللعب ببنات الناس ممكن يوجع، دا حق قُدس وحق ابني وحق ليل اللى كسرت قلبها بنجاستك
بدأ الطبيب بتخديره و"عمران" شعر بدوخة شديدة، يده ترتجف، كل جسده يحاول المقاومة، لكنه محاصر، وعيه يزداد وضوحًا للخطر الذي يحيط به. كل ثانية تمر كانت تضاعف شعوره بالرعب، وكل نفس يلتقطه كان صعبًا وكل هذا أمام عيني "الجارحي" الذي شعر بغرابة من شعور بالارتياح الذي اجتاحه، كأنه وجد لحظة ثأرية صغيرة وسط بحر النار الذي يلتهم قلبه من الداخل، نار لا تعرف الهدوء ولا التراجع. كل ارتجاف لـ "عمران"، كل صرخة خافتة، كل نفس يلتقطه مرتعشًا، كان بمثابة دفعة من العذاب النفسي الذي كان يخبئه لنفسه منذ فقد طفله البريء ومعاناة "قدس" زوجته البريئة التي لم تذق بعد طعم الحياة
لأخر لحظة وعية كان "عمران" يحاول أن يصرخ و يهرب لكن كل زاوية في المخزن وهمسة في الهواء كانت تهمس له بأن العدالة هذه المرة لن تعرف الرحمة. كل حركة من الطبيب كانت كإيقاع العقاب القاسي، خطوة تقرّبه من الحقيقة التي لا مهرب منها، والحقيقة التي تذكي نار "الجارحي" أكثر وأكثر، كان الألم والفقدان والخذلان يختلطون بالغضب، كل شيء في جسده يهتز من القهر، وكل جزء من قلبه ينطق بالانتقام. لم يعد هناك سوى لحظة واحدة فقط تُطفئ النار الداخلية: رؤية العقاب يُنفذ، رؤية العدل الذي خطط له بعنف شديد يتراءى أمامه، رؤية "عمران" يدفع ثمن كل ما أُخذ منه بالقسوة نفسها التي فُقد بها كل شيء غالٍ على قلبه.
كل خفقة قلبه كانت تعكس ألمًا داخليًا يتجاوز الجسد نفسه. كل عضلة في جسمه كانت متوترة، يديه المرتبطتان تصرخان من الشدة، ساقاه ترتعشان، ظهره يشتعل من كل انقباض، وكل عرق يتصبب من جبينه كأنه دموع من نار
لكن كل كلمة كانت تتلاشى في صمت المخزن، في وقار"الجارحي" المتأجج بالغضب، في النار التي تلتهم قلبه. الألم النفسي كان يتسرب إلى جسده كما لو أن كل خلية فيه تحترق، وكل عظم في جسده يشعر بالضغط والشد والارتعاش.
في هذه اللحظة، لم يعد "عمران" مجرد إنسان يتألم، بل كان روحًا معلقة بين الخوف والغضب والخذلان، بين الألم النفسي الذي يفتك بقلبه وبين الألم الجسدي الذي يسيطر على جسده، وهو يعرف يقينًا أن كل ثانية تمر تزيد من وطأة العقاب النفسي، وأن قلب الجارحي لن يهدأ إلا بعد أن يرى العقاب وقد تحقق، مهما طال الوقت أو قصر.
سقط "عمران" فجأة على الأرض، غارقًا في الإغماء، جسده المرتعش يستسلم لقوة الألم والصدمة، وكل ما تبقى في ذهنه كان صدى الخوف والرهبة التي زرعتها كل لحظة من المواجهة.
"الجارحي" نظر إليه، عيناه لا تفارقه، النار التي تلتهم قلبه لم تهدأ، كل خفقة كانت تذكره بالطفل الذي فقده، بـ "قدس" التي تجرعت الألم، بكل لحظة ظلم وقع عليها، وكل شيء لم يُعوض بعد.
تمتم "الجارحي" بهمس لنفسه، غاضبًا ومصممًا:-
_دي مجرد البداية،وأنا هخلي كل اللي حصل يترد
صعد "يزيد" إلى السيارة، محركها يزمجر في الصباح البارد بعد أن مر الليل بأكمله فى الجراحة، وعيناه على الطريق بينما "الجارحي" يجلس بجانبه، كل تفكيره مشغول بخطط الانتقام، بكل لحظة يسجلها في قلبه، بكل وجع ستراه "قدس" يُستعاد بطريقة أو بأخرى، كل عقاب سيلحق بمن أساء إليها وكل فكرة في رأسه كانت واضحة: الانتقام… الانتقام… حتى يرى العدالة التي لا تهدأ إلا بعد أن يتحقق الثأر لمحبوبته وقدسه.
___________________________
كانت الشمس ترسل أشعتها على واجهة الشركة، لكن الداخل كان عالمًا آخر؛ عالم يسوده الصمت المشحون بالخوف، وكل من يخطو خطوة في الرواق يشعر بأن كل حركة مراقبة، كل نظرة تحت المجهر، وكل كلمة يمكن أن تُكلفه حياته المهنية وربما أكثر من رئيسهم "جلال"، كان يقف خلف مكتبه الضخم، وجهه عبوس دائمًا، عيناه كالرماد المشتعل، صوته يقطع الصمت كالسيف، وحركاته الصغيرة توحي بالخطر والوحشية، كل من هب ودب في المكتب يرتجف من مجرد نظرة، كأن الرأس يُقطع بسهول لمسة المطر وفجأة، وسط هذا الجو المشحون، ظهرت "ليان" طبيبته الصغيرة، حاملة نظرة تحدٍ وعزم، تخطت الممر بخطوات واثقة، رغم عناد والدها وأصرار على قطع علاقة ابنته بهذا المجرم، رغم كل التحذيرات، جاءت إليه وعيني "جلال" توسعت قليلًا، قلبه تشنج، وشيء بدا غريبًا في داخله. لم يحدث من قبل أن أشرق وجهه ببسمة وسط موظفينه، كل عبوسه وتوتره اختفى للحظة، كأن العالم كله توقف، وكأن جحوده وقساوته أصبحت مجرد نسمة خفيفة أمام سحر ظهورها تقدمت ليان بخطوات هادئة، كل خطوة منها تنبض بالثقة والعناد، وعينيها تتوهجان بجرأة لا تقهر، كأنهما تحدقان في قلب الوحش نفسه، يتحديان خوفه وعبوسه الطويل. جسدها كان مشدودًا، ثابتًا، وكل حركة فيها تحمل رسالة واضحة إليه : أنا هنا
وقف للحظة، قلبه يرفرف بشكل غير معتاد، كل شريان فيه كأنه يغلي، وكل أنفاسه تتسارع والتردد الذي شعر به منذ اللحظة الأولى زاد عندما اقترب منها، حاول أن يمد يده ببطء، لكن عقله كان يصارع قلبه، وكل شيء فيه يحذر من لمسها، فهي فتاة شرسة، قوية، تعرف كيف تدافع عن نفسها، وكل لمسة خاطئة قد تتحول إلى صفعة لا تنسى.
شعرت بتردد يده، رفعت رأسها ونظرت إليه بعينين مليئتين بالتحدي، الابتسامة الخفيفة التي ارتسمت على وجهها تُطمئنه فقال بلطف :-
_ أى اللى جابك هنا؟
ظلت ترمق يديه المترددة فى لمسها دون جوابه فجمع "جلال" شجاعته أخيرًا، مد يده ببطء، وأصابعه تلمس أصابعها الرقيقة، شعور كهربائي اجتاح جسده، قلبه دق بعنف، كل شيء حوله اختفى إلا شعور اليدين المتشابكتين، حرارة جسدها ودفء قلبها ينبعث من بين أصابعهما
_ تعالي معايا
ليان تبعت خطواته، كل خطوة ثابتة تقول له :-
_ أنا هنا بإرادتي… أنا جنبك رغم كل شيء
ومع كل خطوة كان قلب "جلال" يلين أكثر، كل جزء من الوحشية التي اعتاد أن يعيش بها ينهار أمام جرأتها وصدقها ،دخلوا المكتب تحت صدمة جميع الموظفين الذين رأوا بسمته لأول مرة وأغلق "جلال" الباب خلفهما، فجأة وقفت "ليان" أمامه، عينيها تلمعان بالحب والجرأة، ثم اقتربت وبدون تردد، عانقته بعناق قوي يجعل كل الجدران تنهار وكل الصمت يذوب وكل خوف يتحول إلى دفء لا يُقاوم، صُدم من قوة العناق ودفئها فاتسعت عيناه وكل إحساسه بالتحكم والسيطرة تلاشى للحظة، كل الوحشية التي اعتاد أن يظهرها أمام موظفيه اختفت ،كان عاجزًا أمام دفء قلبها،أمام صدق مشاعرها، أمام الشجاعة التي تعكسها نظراتها والسكن والأمان الذي شعر بهما لأول مرة فى حياته بين ذراعيها
تحدث بتلعثم وصوت مرتعش من هو الصدمة يقول:-
_ يا… يا ليان… إنتِ… إيه اللي بتعمليه
ابتسمت وعيناها تقولان أكثر مما تستطيع الكلمات التعبير عنه فقالت بلطف
– أنا هنا لأني عايزة أكون جنبك مهما حصل مهما حاولت الدنيا تمنعنا
أطمن من كلماتها الرقيقة ووضع يده على خصرها بلطف ويحتضنها كما لو أنه لا يريد أن يتركها أبدًا، وابتسامته الباهتة التي نادرًا ما أشرق بها وجهه، لمعت كالنجوم لأول مرة وسط عبوس السنوات الطويلة، كل شيء من حولهما اختفى، كل الضوضاء، كل تهديد، كل وحشية، صارت مجرد خلفية لصوت القلوب، لصدى المشاعر، ولحرارة العناق التي تجعل كل لحظة بينهما تتلألأ بالحب الصادق والدفء الذي لم يشعر به أحد قبلهما، ابتعدت"ليان" بعد لحظة من العناق الطويل، عيناها تتوهجان بالجرأة، وابتسامتها لا تخلو من التحدي. قلبها ينبض بسرعة، كل شعورها ممتزج بالحب والعناد، لكنها لم تخف التعبير عن رغبتها فقالت "ليان" بصوت حازم، وهي تقترب من مكتبه :-
_ جلال أنا فكرت طول الليل قبل ما أجيلك ووصلت لحاجة واحدة
_ أى هى ؟
تبسمت بجراءة كالعادة وقالت بجنون:-
_عايزاك تكلم المأذون دلوقتي… أيوه دلوقتي… عايزة نتجوز
أندهش من حديثها ، وصدمته بها تكرر نفسها رغم انه لم يعتد أحد على تحديه بهذه الجرأة، وابتسامته الباهتة تلاشت تمامًا، وحل محلها العبوس المعتاد:-
_ أنتِ مجنونة! دلوقتي؟ أنا مش هعمل أي حاجة دلوقتي
اقتربت أكثر، نظرت إليه بعينين لا تعرفان الخوف، وصوتها صار أقوى وأكثر إصرارًا وتهديدًا أكثر إليه :-
_ لو مشيت دلوقتي، متفكرش تشوف وشي تاني، أنا مبهزرش وأنت تعرف أني مش بقول كلام من فراغ ولا مش قده
صمت "جلال" وقلبه يخفق بشدة، كل وحشيته وغضبه الداخلي تصادم مع جرأة "ليان"، شعور لم يعتد عليه لكنه لم يستطع تجاهل هذه العزيمة، هذا التحدي، والقلب الذي يقف أمامه بلا خوف فرفع رأسه ببطء، عيناه تتفحصانها، ثم أخذ نفسًا عميقًا، وابتسم ابتسامة خفيفة، مليئة بالاستسلام لمشيئة قلبها، رغم كل عناده وقال بجدية عازمًا امره على التمسك بمحبوبته :-
_تمام… هكلم المأذون يا مجنونة ."
ابتسمت "ليان" ابتسامة واسعة، وعيونها تلمع كالنجوم، ثم عادت لتقبله على خده برقة، قبل أن تتركه ليجلس على مكتبه، بينما قلبها يفيض بالسعادة والانتصار وفي تلك اللحظة، كل الغضب، كل الوحشية، كل التهديدات اختفت، وكل شيء حولهما صار خلفية لعاطفة حقيقية، جرأة وحب لا يمكن إنكاره، وقرار اتخذ بدافع القلب أكثر من العقل.
جلس المأذون على طرف المكتب، الورق أمامه، قلمه جاهز، وعيونه تتفحص كل شيء بهدوء واحترام. وجلس "جلال" على كرسيه المعتاد، عبوسه خفت قليلًا، لكن عيناه لا تزالان مشحونتين بالجدية، بينما "ليان" واقفة أمامه، عيونها تتوهج بالسعادة والفرحة التي لم تختبئ خلف أي غموض مُستمع إلى المأذون يقول:-
_بارك الله لكم وبارك عليكم وجمع بينكم فى خير
ابتسمت "ليان" ابتسامة واسعة، لم تستطع إخفاء فرحتها، ورفعت يدها لتضعها على يد جلال، الذي نظر إليها بحدة معتادة في البداية، ثم ابتسم أخيرًا بطريقة نادرة، لم يشهدها أحد من قبل في رواق شركته.
_________________________
خرج "عماد" من الملهى الليلي مُنهار من وطأة الخمر، ولكن الخمر لم يكن السبب الوحيد لهذا الانهيار، بل قلبه المثقل بالألم، الروح الممزقة، والعقل الذي يعيد بلا رحمة مشهد "ليان" في حضن "جلال" على سطح المستشفى كان منظرها، ضاحكة أو هادئة، تتشبث بـ "جلال"، يبتسم لها، يضع يده على كتفها برقة، وكأن كل لحظة عاطفة كان ينبغي أن يكون هو فيها، قد ذهبت إلى غيره، الألم اجتاح قلبه، قلبه تمزق بطريقة لم يعرفها من قبل، وكأنه يرى روحه نفسها تتحطم أمامه، قطعة قطعة
تأرجح جسده مع كل خطوة، يده تقترب من باب السيارة وتبتعد، عينيه مغلقة أحيانًا في محاولة لتهدئة الدوار، لكن كل رنة سيارة، كل ضوء في الطريق كان يذكره بها، كل شيء حوله صار جدارًا من الألم والخذلان ، فتح باب سيارته برعشة، جلس خلف المقود مع قلبه الذي يصرخ في صدره و عينه تحوم في الفراغ، كل حركة للسيارة تحت يده كانت انعكاسًا لحالة الغضب واليأس التي يعيشها، كل نبضة قلب كانت تقول له :-
_لقد فقدتها لقد خسرته كل شيء
وبينما كان يقود بتهور تحت تأثير الخمر والصدمة، ظهر أمامه فجأة ضوء سيارة، مفاجئ كأن القدر نفسه قرر أن يتدخل فلم يكن هناك وقت للتفكير، لم يكن هناك مجال للفرار و الانعطاف أو المكابح لم تعد كافية لتغير القدر والاصطدام كان لا مفر منه، انقلاب السيارة حدث بسرعة مذهلة، الدخان والدوامة، كل شيء حوله اختلط، جسده أصيب، الألم الجسدي اجتاحه بسرعة، لكن ما كان أعظم من ذلك، كان الألم النفسي، الصدمة التي مزقت قلبه للمرة الأخيرة
سقط "عماد الدين" على الأرض، جسده محطمًا، كل شيء بدا ساكنًا حوله، إلا صدى قلبه الذي كان يكسر نفسه مع كل خفقة. لم تعد هناك حياة داخله، لم يعد هناك مقاومة، كل شيء انتهى، كل حلم، كل حب، كل ألم اختلط في لحظة واحدة، ليترك جسده كجثة هادئة، لكن قلبه كان محطمًا إلى الأبد وفي السماء فوقه، كانت النجوم تشهد على سقوطه، وكأن الكون نفسه يعترف بأن روحه قد انكسرت، وأن هذا الألم لم يكن مجرد خسارة، بل موت لجزء منه، موت لروحه التي لم تجد طريقها سوى الانكسار الكامل أمام قدر لا يرحم.
• تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية حرب سقطت راءها الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نورا عبد العزيز
كانت الليلة ساكنة، والبرد يزحف تحت الأبواب والهدوء يعم الليل بسكونه.
فتح "الجارحي" الباب بقوة خفيفة لا تشبهه، ولا يشبه صوت الطلقات التي تركها خلفه ولا صرخات "عمران" التي لم ينجُ منها أحد. وجد الضوء الخافت من المصباح الصغير سقط على ملامحها قبل أن يسقط عليه، فشعر لأول مرة منذ بداية هذا اليوم العصيب أنه يعود إلى شيء يخصه.
تقدم بخطوات بطيئة، ثقيلة ليس من التعب، بل من كل ما فعله قبل قليل وقساوته في انتزاع الحق من "عمران" وتحقيق انتقامه لأجل طفله وزوجته الصغيرة. فزحف بقدميه بخطوات بطيئة.
رأته "قُدس" في حالة من التعب والإرهاق واضح جدًا على ملامحه، فوقفت من مكانه تصبو نحوه هي الأخرى. وعندما وصلت إليه، لم تسأله شيئًا، لم تطلب تفسيرًا لحالته التي تراها. فقط رفعت يدها ولمست وجهه برقتها الدافئة.
تلك اللمسة كأنها أطفأت الوحش الذي كان يلتهم "عِمْران" دون رحمة. وقبل أن تدرك ما يحدث، كان "الجارحي" قد طوّقها بذراعيه بقوة. قوة عاشق يحاول أن يثبت لنفسه أنها هنا وأنها بخير.
دفن وجهه في كتفها، وصوته خرج مكسورًا بشكل لا يليق برجل مثله:
"- قُدس، لو تعرفي… لو تعرفي إني من شوية بس كنت هاهدم العالم بيدي، لكن رجوعي هنا، ليكي… ده اللي خلاني أوقف. كنت ناوي أقتله لكن وجودك أنتِ وخوفي من أني أسيبك لوحدك هو اللي منعني."
رفعت رأسها ببطء، تبحث في عينيه عن أي أثر للوحش الذي خرج ليقتل "عِمْران" فلم تجد حتى طيف الوحش. بل وجدت رجلًا مُنهَكًا فقط، مُنهَكًا من مقاومة مشاعره أكثر من معاركه مع العالم.
لامس خدّها بأنامله، لمسة خجولة، ناعمة، وخالية من العنف المعتاد. وقال بصوت منخفض، حقيقي، يشبه اعترافًا لم يقله لأحد من قبل وعيناه عالقة بسحر عينيها الدافئ:
"- أنا لو عليّ… أهد الكون كله عشانك يا قُدسي، بس تكوني واقفة جنبي وفي حضني طول الوقت ومتبعديش عني أبدًا."
تجمدت "قدس" لحظة من جمال حديثه ونبضات قلبها تتسارع. وهذا الحبيب التي انتظرته لسنوات يتحدث عن العشق بعلانية. وما كان منه إلا أن يسحبها إليه مرة أخرى، يحتضنها بقربٍ لم يسمح لنسمة الهواء أن تعبر من بينهما.
همس وهو يغلق عينيه وأنفسه تستنشق عبيرها من عنقها البارد قائلًا:
"- ما تبعديش حتى لو خفتِ مني في يوم، ما تبعديش يا قُدسي. الوحش ما بيظهرش إلا بعيد عنك، لكن جنبك أنا بني آدم يا قُدس."
ظل "الجارحي" يحتضنها، أنفاسه ساخنة ومضطربة، وكأنه راجع من حرب لم ينجُ منها أحد سواه. رفعت قدس يدها ببطء، تمرّر أصابعها على شعره، حركة صغيرة لكن تأثيرها كان كالسحر.
همست ببراءة وقلب عاشق:
"- إنت تعبان… مش لازم تحارب العالم كله عشاني، لأني ببساطة معاك وملكك يا جارحي، مش محتاج تحارب عشاني وأنا بين إيديك."
شهق نفسًا طويلًا، كأن كلماتها دخلت أماكن في صدره ما كان يعرف أنها بوجودها. ودبت الطمأنينة في صدره وشعر بالسلام في روحه. رفع عينيه لها ببطء، وصوته خرج مترددًا:
"- أنا بخاف… بخاف منك تبعدي، بخاف إن اللي جوايا يجرحك."
ابتسمت ابتسامة صغيرة، ناعمة، لم تهزأ به، لم تُشفق عليه، بل طبطبت على روحه بطريقة ما يفهمها غيرهما.
"- أنا هنا… مش رايحة."
حركت يدها على صدغه، تسندها وتسحب رأسه برفق ليلمس حضنها، وكأنها تطلب منه يتوقف عن القتال… دقيقة واحدة فقط. ولأول مرة استجاب وأسند رأسه على كتفها، ذراعاه تحيطان بخصرها كأنه يحضن الحياة نفسها.
قال بصوت يكاد يختفي:
"- حضنك… بيطمنّي، بيهدّي الصريخ اللي جوا دماغي الليلة… أنا محتاج أبقى هنا عندك."
ضغطت على يده، تردّ عليه بلطف:
"- طيب نام. وأنا هافضل ماسكاك بين أيدي طول الوقت."
أغمض "الجارحي" عينيه ولم يقاوم. لم يكن "الجارحي" القاسي، ولا الوحش الذي سحق "عمران". كان رجلًا مرهقًا… وجد صدرًا يشبه بيتًا حقيقيًا وتنفّسه بدأ يثقل، يبطؤ ويستريح مع محبوبته. بعد دقائق، نام بعمق لم يعرفه منذ سنوات.
وهمست له وهي تضمّه أكثر:
"- حتى الوحوش… بتتعلّم تهدا لما تلاقي حد يحبّهم."
***
كانت الحديقة الصغيرة خلف العمارة غارقة في هدوء ما بعد الغروب، والهواء البارد يمرّ خفيفًا فوق العشب الأخضر كأنه يربّت على الأرض ليُسكّن جرحًا خفيًا.
جلست "ليل" هناك، حافية القدمين، قدماها تغوصان في برودة العشب كأنها تبحث لاوعيًا عن شيء يطفئ حرقة قلبها. وحجابها البسيط مُلتف حول رأسها برقة، وخصلات هاربة تلامس وجنتيها كلما داعبها النسيم. وفي يدها كتاب، وأصابعها الهزيلة تقلب الصفحات ببطء… تقليب بلا قراءة، بلا اهتمام. كانت تتظاهر بالقراءة، أما عيناها فكانتا تحملان حزنًا عميقًا، ساكنًا، منطفئًا. حزن يمكن رؤيته من بُعد دون أن تنطق حرفًا.
وهذا تحديدًا ما رآه ذلك الرجل المتحجر "يزيد". كان جالسًا مع حارس العمارة يرتشف كوب الشاي بينما "رجب" يثرثر بشكاوى زوجته "سنية"، لكن أذنَي "يزيد" كانتا مغلقتين تمامًا. كل تركيزه كان متشبثًا بصورة تلك الفتاة، تلك التي تجلس كأنها قمر منطفئ وسط خضرة الليل.
سكب بقايا الشاي بهدوء ووضع الكوب جانبًا، ثم نهض بخطوات ثابتة. كان يقترب منها كأن شيئًا خارجيًا أقوى منه يدفعه نحوها. ورآها كلوحة حزن حيّة بجسدها الهادئ، رأسها المنحني، كتابها الساكن فوق ركبتها، والهدوء، ذلك الهدوء الذي لم يكن يومًا قوة أو عنادًا، بل جرحًا يحاول أن يتنفس.
فاقترب بخطوات مترددة لأول مرة في حياته "يزيد" الذي لم يعرف التردد يومًا، الذي كان دائمًا الذراع القوي، المنفّذ الصارم لكل أوامر "الجارحى". توقف أمامها، وظله غطّى نصف جسدها، ثم خرجت نبرته الجافة أولًا:
"- إنتي قاعدة هنا لوحدِك ليه؟ الجو بارد."
رفعت رأسها ببطء وابتسامة نصف مرسومة، بلا حياة، انحنت على شفتيها وهي تجيب بنبرة واهنة:
"- العشب ... ريحته بتهدي وأنا محتاجة أهدّى."
كلمتها الأخيرة كسرت شيئًا داخله. وحزنها وهدوءها… لم يكونا من العالم الذي يعرفه هو. لم يعتد هذه الرقة، ولا هذا الضعف الصامت. تمنى لو يمكنه البوح بما حدث من قليل، تمنى أن يطفئ نار جرحها الملتهب بخبر انتقام "الجارحي" لها ولزوجته من هذا الرجل. لقد دمر حياته حتى لا يجرأ على الاقتراب من فتاة أخرى ويكسر قلبها مثلما فعل بـ "ليل".
فقال وهو يقف أمامها، ضخمًا، كأنه جدار يريد أن يحجب عنها العالم:
"- مش لازم تقعدي هنا لوحدِك."
أغلقت الكتاب برفق وحركت عينيها بعيدًا، إلى لا شيء. وقالت:
"- في كل الأحوال محدش بيهتم لو كنت لوحديه."
هذه الفتاة الحزينة يبدو وكأنها تحاول جاهدة أن تهزم هذا الرجل. فشعر "يزيد" بشيء انكسر في صدره وانقبض قلبه بقوة مفاجئة، كأن نبرتها لمست مكانًا مُهملًا فيه. وشيء بداخله أخبره أن يربت على هذه الروح المنطفئة. جلس كأنه يقاوم رغبة الاقتراب منها أكثر، ثم مدّ لها كوب الشاي الذي أحضره من الحارس.
لتقول بهدوء، وعيناها تتجولان بين حروف الكتاب دون أن تراها:
"- مبشربش الشاي."
وضع الكوب على العشب بجانبها، ثم سأل بخفوتٍ لا يشبهه:
"- مين زعّلك بالشكل ده؟ عمران؟ طيب سألتي نفسك واحد معتوه زي دا يستاهل الحالة اللي أنتِ فيها دي؟"
تمنى مع لفظ اسم هذا الحقير أن يخبرها بأن هذه الليلة يحب عليها أن تنام بسعادة، فاليوم قد انتقم "الجارحي" لها وجعل هذا الحقير ينال جزاءه. لكنه ابتلع كلماته بين حلقه واكتفى بالنظر إلى عينيها الحزينتين.
حبست نفسها لحظة مغمضة عينيها وخرج زفيرها بعناء. ثم فتحت عينيها ببطء، والتقت نظراتهما من جديد. وقالت بصوت خافت، مُثقل بانكسار وذكريات موجعة:
"- مش زعل… دا بقايا، بقايا حاجات كانت أكبر مني."
هبت الرياح، وحرّكت طرف حجابها الفوضوي لتتحرك يده هو الأول بسرعة الرياح دون وعي منه. فمدّ "يزيد" يده سريعًا ليمسك القماش قبل أن يسقط. وبمجرد أن لامس طرف الحجاب شعر وكأن الزمن توقف. اتسعت عينا "يزيد" بدهشة، وصوت عقله صاح بصمته.
"هل لمست حقًا يا يزيد؟"
يده كانت ثابتة، لكن قلبه لأول مرة ارتبك. بينما "ليل" نظرت إلى يده ثم إليه. وكانت الشرارة هنا هادئة خفيفة مثل ندى الفجر على ورقة شجر. شرارة لم تكن حبًا، ولا انجذابًا سريعًا؛ بل بداية..... بداية دفء بسيط يتسلل إلى قلب رجل تحجّر منذ زمن، وبداية أمان خافت يتسرب لروح فتاة انطفأت وكانت تحتاج فقط لمن يراها مرة واحدة بلا حكم.
جلس أمامها وهو يشعر أن صمتها أثقل من أي كلام، وأن صوتها الناعم المنطفئ أقوى تأثيرًا من أي صراخ سمعه بحياته. فهو الرجل القوي، الغليظ، المخيف. أما هي؟ فكانت الهدوء الوحيد القادر على كسر أقوى الرجال. عينيه تحملق بها بقوة لا يستطيع إزاحتهما بعيدًا عنها وكأنه عينيه تجمدت في جفنيها على هذه الفتاة. والمسافة الصغيرة التي تفصل بينهما كان نسيم الهواء كأنه تغير لشيء آخر. شيء يحمل أمل الغد بين طياته.
وفي تلك المسافة الصغيرة بينهما وُلد شيء لم يتحرك داخله منذ سنوات. وولد داخل "ليل" لأول مرة فكرة إن أحدًا ربما رآها ولم يرَ ضعفها واحتياجها للحنان ودفء الأب الذي حُرمت منه طيلة حياتها.
***
صرخة واحدة لكنها كفيلة بأن تقظ المنزل بأكمله في الصباح الباكر. فزعت "قُدس" على صوت الصراخ وفتحت عينيها ذعرًا. وكانت بين ذراعيه لتراه يفتح عينيه بفزع وهو يقول:
"- في أى؟ دا صوت أمى؟"
انتفضت من فراشه يركض بسرواله الأسود القطني وفنالته الحمالة السوداء للخارج. ووضعت "قُدس" الروب على جسدها النحيلة بقلق يغمرها من قوة الصراخ والنواح القادم من الأسفل. وركضت خلف زوجها للخارج بوجهه الناعس.
فتح "هادي" باب شقته المقابلة لشقة أخاه "فؤاد" ورأى "خديجة" تقف في البهو أمام الشقة وتضرب صدرها بقوة وعينيها تبكي بقوة وحسرة وهي تخرج منادي بكلمة واحدة:
"- يا ابني.... يا ضنايا ، هاتولى ابني ، أنا عايزة ابني."
خرج "فؤاد" من الشقة متلهفًا مُرتدي ملابسه فسأل "هادي" باللحظة التي صعدت بها "مديحة" مُتكئة على الدرابزين مع "وصيفة" و"أسيا" معهم "ليل" وقد أيقظ الصراخ الجميع في البناية:
"- حصل أى؟"
نزل "الجارحي" وخلفه "قُدس" يقول:
"- أى يا أمى فى أى؟"
تشبثت بابنها بقوة وكأنها تستغيث به وقالت بذعر:
"- هاتلى أخوك يا جارحي، انا عايزة ابنى، أبنى مماتش."
اتسعت أعين الجميع من كلمتها الأخرى فسألت "مديحة" بتلعثم:
"- عماد ماله؟"
"- فى أى يا أخويا فهمني؟ ماله عماد؟"
قالها "هادي" بذعر شديد وعينيه تحملق بأخاها الساكن في أرضه أمام الجامع. تحدث "فؤاد" بهدوء وإيمان بقدر الله قائلًا:
"- حد اتصل من المستشفى بيقول أن عماد عمل حادثة امبارح وموجود عندهم في المشرحة."
وقع الخبر على الجميع كالصاعقة الكهربائية. فألتفت "خديجة" له ومسكت ملابسه بقوة تضرب صدره قائلة:
"- لا ، لا ، أنا ابني مماتش ، أنا حاسة به عايش، أنا ....."
فقدت الوعي أمام الجميع من هول الصدمة. فحملها "الجارحي" إلى الداخل بهدوء وتركها مع "مديحة" وبقية النساء. ثم قال بصدمة ألجمته هو الآخر من موت أخاه:
"- أنا هغير هدومي وأجي معاك يا حج."
صعد للأعلى يبدل ملابسه وهكذا "هادي". بينما النساء حاولوا جاهدون إيقاظ "خديجة" التي أغمي عليها من هول الصدمة وعدم تصديقها للواقع المرير الذي وقع عليها.
في الأعلى خرجت "قُدس" من الغرفة مُرتدية فستان أسود طويل بأكمام شفاف ولم تصفف شعرها فقط بدلت روبها وملابس نومها الكاشفة. ورأته يأخذ المال من الخزينة مُستعدًا للخروج. فقالت بخوف:
"- هتروحوا لوحدكم؟"
"- أه وهبعت الدكتور يطمن على أمى وخلى يزيد يقف معاه وأنا هخلص الأجراءات وهكلمك، ومتجبيش أمى على الدفنة يا قُدس فاهمة."
أومأت إليه بنعم ونزلوا للأسفل معًا لتركها بشقة والدته ويغادر مع والده وعمه. وذهب معهم "فتحى". حالة من الحزن خيمت على قلوب الجميع وصوت القرآن ملأ أرجاء العمارة. ووضع "رجب" سماعة كبيرة في البهو تنشر صوت القرآن في المكان.
بدلت جميع النساء ملابسهم للأسود. وصل "يزيد" مع الطبيب ودق باب الشقة لتفتح له "قُدس". وقالت:
"- أتفضل، أول اوضة على اليمين يا يزيد."
"- يا سترق"
قالها "يزيد" وهو يدخل في المقدمة وخلفه الطبيب. وكانت "آسيا" جالسة مع "هدير" والحزن يملأ قلوبهم. رغم حياته المليئة بالمشاكل والقذارة التي ملأت نفسه، لكنه ما زال فرد من عائلتهم.
جاءت "ليل" إلى "قُدس" وهمست في أذنها:
"- الله يرحمه مسبلناش حاجة حلوة نفتكره بيها ولا نترحم عليه بيها."
أجابتها "قُدس" بنبرة خافتة حزينة:
"- الله يرحمه، الناس هتترحم عليه عشان خاطر أمه وأبوه، لكن لو عليه اللى زي دا معرفش يجوز عليه الرحم ولا لا، الله يسامحه بقى ويغفره."
أجابتها "هدير" التي سمعت الحديث بينهما قائلة:
"- عيب يا ليل أنتِ وقُدس، ميصحش الكلام دا، عماد دلوقت في دار الحق."
تحدثت "قُدس" بعناد أكبر وغضب يحتلها قائلة:
"- عيب، ومحدش كان قاله عيب له وهو بيخوض في شرفنا، محدش قاله عيب ليه وهو كل يوم خمر وستات وأومار، دا مسابش حاجة من الكبائر معملش يا هدير."
"- وبعدين بقى."
قالتها "آسيا" بحزم لتبتلع "قُدس" كلماتها بغيظ. لكن لتنهي الجدال بينهما، راقب "يزيد" الموقف وهو ينتظر أمام باب الغرفة حتى ينتهي الطبيب. فطلبت "قُدس" منه بجدية:
"- خليه يديها مهدئ ومنوم عشان ترتاح وقلبها مش هيستحمل أنها تروح الدفنة."
أومأ إليها بنعم في صمت شديد. وبعد أن اطمأن الطبيب عليها غادر المكان مع "يزيد" وذهب الجميع إلى الدفنة. فيما عاد "قُدس" و"ليل" بقوا في المنزل مع "خديجة" النائمة.
وحضر العاملين إلى المنزل مع يزيد لينصبوا العزاء من أجل الليل. عادت "ليان" من الخارج في قمة سعادتها بعد أن تزوجت "جلال" رغم انصراف الجميع. وجدت المنزل في حالة ريبة والشارع كان ساكنًا بشكل غير مألوف. كأن الحي بأكمله توقف ليشارك الحزن. والبيوت المطلة على الساحة الرئيسية تزيّن نوافذها بالظلال الثقيلة، وألوان الغروب تتسلل بصمت بين الجدران.
واجمع الأقارب والجيران، كل وجه يحمل الألم بشكل خاص به. كل نظرة تحكي الفقدان. لكن البعض الآخر جالسًا بهدوء لا يبالي بأي شيء. فقد قضيت الواجب للتعازي فقط. والأصوات مكتومة بينما همس الحزن يملأ المكان. وبين الحضور كانت الدموع تسيل بصمت، دون ضجيج، كأن كل نفس هو صرخة داخلية لا تجد مجالًا للهرب.
النساء يجلسن على المقاعد، بعضهن يضعن أيديهن على صدورهن كـ "خديجة" و"أسيا" و" وصيفة". يحاولن كبح الأنين، وأصوات الحداد الخافتة تتداخل مع همسات الدعاء. والبعض يلتزم الصمت بهدوء حتى يمر الوقت فقط كـ "قُدس" و "ياسمين" و "ليل".
في زاوية الغرفة، وقفت "مديحة"، عينيها دامعتان، يداها مشبوكتان بقوة، كأنها تحاول الإمساك بالهواء المفقود، بحياة زوجها التي لم تعد موجودة. والآن حياة حفيدها الأقرب إليها. وتتذكر كم مرة كانت تتحدى الجميع لأجله وتتدلله كما يريد. كان قلبها مجرد فجوة سوداء تمتص كل شيء من حولها، وحزنها كان كثيفًا بحيث كان يملأ الغرفة بأكملها.
الأصدقاء والجيران جاءوا ليقدموا التعازي من أجل أمام الجامع المحبب إليهما "فؤاد" و"الجارحي" كبير المنطقة وحاكمها رغم صغر سنه. لكن كلمات التعزية بدت صغيرة أمام ثقل الصدمة في قلب "فؤاد" الذي خسر ابنه بهذه الطريقة قبل أن يصلح حاله. والآن يقف بأعماله السيئة أمام خالقه يعاقب فقط.
في الخارج، الرياح كانت تعصف بخفة، تحمل معها أوراق الأشجار المتساقطة، فتتناثر بين أقدام الحاضرين، وكأنها دموع السماء نفسها. وأصوات التنهّد، ورفرفة الحجاب، وصرخات الأطفال المكبوتة، كلها اختلطت لتخلق جوًا من الكآبة الصافية. وجوه الحزن كانت مكشوفة بلا أقنعة. كان هناك شعور موحش بأن شيء لم يعد كما كان.
سألت "ليان" بدهشة والدتها "ياسمين":
"- هو فى أى ، مين اللى مات؟"
أجابتها "ياسمين" بنبرة خافتة:
"- عماد."
أندهشت "ليان" مما سمعته وجلست بجوار "قُدس" في هدوء. وقالت:
"- مات أزاى؟"
"- فى حادثة ، كان شارب ومسطول كعادته الله يجحمه."
قالتها "قُدس" بهمس شديد. ثم سألت بفضول شديد:
"- أنتِ كنتِ فين كل دا ، مشوفتكيش الصبح لما سمعنا الخبر."
تبسمت "ليان" بسعادة ثم قالت:
"- خمني؟"
نظرت "قُدس" لها بدهشة ثم نظرت حولها بأرتباك وقالت:
"- أحم متضحكيش أوى كدة ليفكروا أنكِ فرحانة فيه ولا تكوني أنتِ اللى قاتلاه."
ضحكت "ليان" أكثر على مداعبة أختها. لتقف "قُدس" بحرج وجنون. هذه الفتاة سيصيبها الجلطة قريبًا. وأخذت أختها في يدها إلى شقة "وصيفة" المقابلة. وقالت:
"- أنتِ هبلة يا ليان، حد يضحك في عزاء."
تنحنحت "ليان" بجدية وقالت وهى تلقي بحقيبتها على الأريكة وتجلس:
"- وأنا مالي بعزاء ولا لا، أنا أصلًا معرفهوش منتظرين أني أنهار عليه يعني وألبس أسود."
تأففت "قُدس" بهدوء ثم قالت بعفوية:
"- أكيد لا، بس العزاء له احترامه، ما علينا كُنتِ فين؟ بابا سأل عليكِ مرتين ثلاثة وقُولتله أنكِ كنتِ بايتة عندي، نمتي فين امبارح يا ليان."
تبسمت "ليان" بسعادة تغمرها وهى تتذكر نومها بين ذراعي حبيبها وقالت:
"- قُلتلك خمني؟!!"
"- أنجزي لأ."
"أن صبري نفد منكِ، كُنتِ عنده صح؟"
قالتها "قُدس" بحزم شديد لتبتسم "ليان" بسعادة أكبر. وقالت بعفوية وجراءة:
"- اه، كنت في حضنه، أنا اتجوزت جلال."
اتسعت عيني "قُدس" على مصراعيها من هول الصدمة وعقلها لا يستوعب كيف فعلت "ليان" ذلك وتزوجت من وراء الجميع بدون والدها حتى. فتمتمت بتلعثم شديد وكلماتها لا تقوى على الخروج من حنجرتها:
"- قُلتي أى؟ أتجوزتيه؟?"
"- اه."
قالتها بشجاعة وجراءة لا تخشى شيء. لتسمع الأثنتين صوت سقوط صينة وأكواب تُكسر. فألتفتا ليُجد "ياسمين" تقف في الصالة بجوارهما وقد سمعت الحوار. فلم تبالي "ليان" كثيرًا بينما "قُدس" شعرت بالحزن والخيبة التي أصابت "ياسمين" في الابنة التي ربتها لسنواتها طويلة.
أقتربت "ياسمين" كالمجنونة من ابنتها. لتقف "قُدس" بالمنتصف تمنعها من الوصول لها وتقول:
"- اهدئي."
"- أتجوزتيه، من وراء أهلك يا ليان، دى أخرت تربيتي فيكِ ودلعي ليكِ، تجوزي من ورايا."
قالتها "ياسمين" بصراخ وعقلها لا يستوعب بجاحة ابنتها. فقالت "قُدس" بخوف من والدها:
"- وطي صوتك يا طنط ياسمين وان شاء الله هيبقى لها حلها."
"- توطي صوتها ليه؟ جلال جه معايا برا وزمانه قال لبابا."
قالتها بتبجح أكثر لتلتف "قُدس" إليها تاركة ذراعي "ياسمين" وتحملق بأختها الجريئة. وقالت:
"- أنتِ بتعملى كدة ليه؟ إحنا مبنكرهكيش، ولا بنقلل منكِ، واللى بتعمليه مش شجاعة ولا قوة دى بجاحة وقلة أدب وقلة ربية، أنتِ مش واخدة بالك أنكِ واحدة مشوفتيش بربع جنيه رباية وعينك عايزة يدب فيها رصاصة، أنتِ قليلة الأدب ومتربتيش."
صفعتها "ليان" بقوة على وجهها من حديثها المهين إليها. لكن لسوء حظها أن تلك الصفعة كانت قوتها أكثر من "قُدس" فأسقطتها أرضًا لترتطم رأسها بحافة الطاولة الزجاجية وسالت الدماء منها وبدأت رؤيتها تشوش تمامًا.
فجثت "ياسمين" على ركبتيها مذعورة بعد أن سالت الدماء منها وقالت:
"- قُدس."
فزعت "ليان" من هذا المشهد وأختها تحيط برأسها بركة من الدماء. وأغمضت عينيها فاقدة للوعي. لتصرخ "ياسمين" باسمها:
"- قُدس.... قُدس.... ردي عليا."
وقفت من مكانها لتركض للخارج مُسرعة وتنادي على "الجارحي" بذعر وعيني باكية تقول:
"- ألحقني يا فتحى ، جارحي ألحقني قُدس وقعت ومبتردش عليا ، الحقوني."
ركض الجميع للداخل ليُصدم "الجارحي" من منظر زوجته. فهرع إليها كالمجنون بخوف وحملها على ذراعيه وأنطلق إلى المستشفى وخلفه الجميع. لتشعر "ليان" لأول مرة بالخوف. فذهبت إلى حيث "جلال" وقالت بتوتر:
"- مشيني من هنا؟"
"- حصل أى؟"
"- قُدس لو جرالها حاجة الجارحي هيقتلني."
قالتها بخوف وهى تتشبث بذراعيه. ليفهم أنها من أوصلت أختها لهذه المرحلة. فأخذها في سيارته مع رجاله وذهبوا إلى حيث قصره.
وقف الجميع أمام غرفة الطوارئ ينتظروا خروج الطبيب الذي جاء إليهم وقال:
"- حمد الله على سلامتها."
"- مراتي كويسة؟"
قالها "الجارحى" بحزم. فأجابه الطبيب ببسمة خافتة:
"- الحمد لله خبطة بسيطة وخيطنا الجرح ثلاث غرز والجنين كمان بخير."
اتسعت أعين الجميع وهكذا "الجارحي" الذي وقع على مسمعه هذا الخبر كأن أحد سكب على رأسه دلو من الماء البارد. فسأل "هادي" بسعادة:
"- هى حامل؟"
"- اه بس لسه فى الأول. هو ظهر فى تحليل الدم. ممكن تتابع مع دكتورة نسا الفترة الجاية."
أعطي التحليل الورق إلى "الجارحي" الذي أقترب من فراش صغيرته ورآها جالسة مُبتسمة لا تصدق أن عوضها جاء ورُزقت بطفل منه من جديد. لتقول بعفوية:
"- أنا حامل يا جارحي."
هز رأسه بنعم إلى طفلته الجميلة ووضع قبلة على رأسها بحنان. فقالت:
"- أنا هبقى أم يا بابا."
نظر "هادي" إلى ابنته بسعادة وقال بلطف:
"- أجمل أم يا حبيبة قلبي."
سأل "الجارحي" بجدية قائلًا:
"- أى اللى حصل؟"
كادت "ياسمين" أن تتحدث فقاطعتها "قُدس" بجدية قائلة:
"- مفيش اتكعبلت ورأسي اتخبطت فى الترابيزة."
شعر "الجارحي" بالكذب في نبرة زوجته. وهذه الفتاة التي رباها على يديه وهو خير الناس معرفة بها لا تتقن الكذب أبدًا. فألتزم الصمت الآن وهو بداخله يعرف أن هناك شيء آخر حدث وسيعرفه حتمًا.
رواية حرب سقطت راءها الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نورا عبد العزيز
جلست "ليل" في مقاعد الاستقبال الحديدية في الرواق بعد أن اطمأنت على "قدس".
فجاء "يزيد" وجلس بجوارها في هدوء. نظرت إليه خلسًا ويداها متشابكتان، تفرك أصابعها من توترها. بينما فتح "يزيد" هاتفه ينظر به حتى يخرج "الجارحي" مع زوجته ويغادرون هذا المكان.
دقائق ولم يعر أي اهتمام لوجودها بجانبه. تنهدت بضيق ثم رفعت أصابعها إلى رأسها تهندم حاجبها بارتباك ووقفت لكى تدخل إلى غرفة "قدس".
لتتفاجأ "ليل" أنه وقف معها وعيناه ما زالت تحدق بالهاتف بتعب. رفع عينيه عن الهاتف بهدوء شديد ثم قال بجدية:
- أوصلكِ فين؟
- أنا داخلة لقدس مش عايزة منك حاجة.
قالتها بضيق من جديته الحادة وغلاظته معها. بينما ردها هي الأخرى جعله يتأفف من برودها فقال بحدة:
- ما تتكلمي كويس، أنا مش شغال عندك، إنتِ المفروض تشكريني أني عرضت أوصلك.
رفعت حاجبها بسخرية من تكبره وإعطائه حجمًا أكبر من مكانته فقالت بغلاظة حادة:
- بس أنت فعلًا شغال عندنا.
كز على أسنانه من ردها لتعقد "ليل" ذراعيها أمام صدرها وقالت بتهكم شديد:
- المفروض تعرف مكانك وأنت بتتكلم بثقة كده، على الأقل تعرف أنت بتكلم مين؟
ضحك بسخرية من كلماتها الساخرة وغرورها التي تحاول أن تصطنعه أمامه وكأنها قوية وجريئة فقال بجدية:
- بكلم مين؟ مجرد واحدة اتف عيل بيضحك عليها ويخدعها، أنتِ مين؟ عرفيني بنفسك غير كونك بنت أبو النور وحتى دي مش كاملة أنا اللي أعرف أن البنت بتتنسب لأبوها وأسمك نفسه ميحملش لقب أبو النور.
شعرت بإهانة كبرى من كلماته ورفعت يدها اليمنى بغضب لتصفعه قائلة بغضب:
- أنت وقح.
مسك يدها بقوة محكمة وحدق بعينيها عن قرب وبجرأة لأول مرة ثم قال:
- أنا وقح عشان حاولت أعمل معروف مع اللي زيك.
أترعبت من نظراته وسحبت يدها من قبضته بخوف لتتقدم خطوة للأمام ذاهبة بعيدًا عنه وعينيها تتلألأ بالدموع من إهانته لها. فقال وهو يضع يديه في جيب سترته السوداء دون أن يلتفت إليها:
- أتمنى متبقييش عيلة صغيرة كمان وتجري تعيطي للمعلم الجارحي عشان يجيبلك حقك، ما دام بتعرفي تشتمي بلسانك.
لمست مقبض باب الغرفة بضعف وقالت بتلعثم تحاول كبح دموعها:
- الأخلاق مش عند أي حد، ومش كل ذكر يتقال عليه راجل، اللي يعرف يهين بنت ويعايرها بأن أضحك عليها من واحد نجس زيه ميعتبرش راجل.
غادرت الرواق بعد أن تركت مقبض الباب من يدها، عازمة أمرها ألا تدخل إلى الغرفة حيث عائلتها ويسأل الجميع عن سبب دموعها حتى لا تكون الطفلة الباكية كما قال.
غادرت المستشفى وحدها باكية وقد تركت العنان لدموعها تسيل وتشتق طريقها الناعم على وجنتيها. وقفت على حافة الطريق منتظرة الإشارة الحمراء لكي تمر لكن قاطعها ظهور سيارة فان حمراء توقفت أمامها ليسحبها رجلان بقوة إلى الداخل وهي تصرخ بذعر، بينما الآخر وضع حقنة مخدر في عنقها بقوة وكأنه يحمل ضغينة قوية تجاه "ليل" حتى فقدت الوعي داخل السيارة التي تطوي الأرض طيًا من سرعتها.
ليرفع الملثم القناع عن وجهه وكان "عمران" وعيناه تتطاير منها الشر والكره لهذه الفتاة ويتوعد لها بالانتقام.
***
صعد "جلال" إلى الطابق العلوي من قصره حيث غرفة النوم. فتح الباب ليرى "ليان" تسير بداخل الجناح الملكي بقلق شديد وتفرك أصابعها ببعضها من الخوف ولم تتوقف قدماها على السير ذهابًا وإيابًا.
فقال بهدوء:
- أهدي يا ليان محصلش حاجة لكل دا.
- قدس كانت سايحة في دمها، لو جرالها حاجة بعيدًا عن انتقام الجارحي، لكن أنا عمري ما هسامح نفسي. عمرها ما آذتني عشان تشوف مني ده.
قالتها بتوتر شديد فأقترب وأخذ يدها في قبضته ليسير نحو الفراش بلطف وجلس ثم جعلها تجلس على قدمه ونظر في عينيها الجميلتين ثم قال بلطف:
- متخافيش هي كويسة، كريم لسه جاي بنفسه من المستشفى والجرح سطحي بسيط وكمان طلعت حامل، يعني هم دلوقتي كلهم هينشغلوا بخبر حملها ومحدش هيركز في أنتِ عملتي إيه؟ ثم أنتِ مراتي يا ليان... مين على وجه الأرض ده يقدر يلمس منكِ شعرة وأنتِ مرات الصياد.
صمتت بقلق ممزوج بفرحة من أجل أختها التي حصلت على طفل جديد. ليرفع "جلال" يده الأخرى إلى وجهها ويضع خصلات شعرها خلف أذنيها بدلال. فصمتت "ليان" وعيناها تحدق بوجهه الوسيم.
قال بنبرة دافئة:
- لحد النهار ده بسأل نفسي أنتِ سحرتني بإيه عشان توصلني للجواز.
ضحكت بخفة على سؤاله الغريب عاقدة حاجبيها بدهشة سؤاله وقالت:
- قصدك إيه؟
- تفتكري واحد بواقعي مش هقولك ماضيه، لأن ده واقع وحاضر، واحد زي مجرم حقيقي ورئيس عصابة زي ما أهلك عارفين وزي ما أنتِ شوفتي، شايل روحه على كفه ودايس في الدنيا ولا هامه يموت ولا يتسجن، إيه اللي يخليه يجازف ويخلق لنفسه نقطة ضعف جميلة زيك يا ليان.
قالها بنبرة خافتة ودافئة لا تحمل شيئًا من الخوف بقدر ما تحمله من حب. نظرت له بفضول وهي تضم شفتيها بقوة من التفكير ثم قالت بحب:
- يمكن غلبه الحب.
- تفتكري هو مقابلش في حياته دي كلها واحدة تحبه وتتمناه قبل كده؟
قالها بثقة من حاله ومن وسامته التي تسرق قلوب النساء. فضحكت "ليان" بثقة من حالها وعقدت ذراعيها أمام صدرها بكبرياء ثم قالت:
- أديك قلت تحبه وتتمناه، يعني مش هو اللي يحبها ويتمناها، آه. معتقدش أن قابل بنت يحبها ولا يتمناها من قبلي... عارف ليه؟
أندهش من إجابتها الصريحة وسأل متابعًا حديثها القوي:
- ليه؟
تبسمت "ليان" بعفوية وقالت بهدوء شديد:
- عشان لو كان قابل وحب مكنش عرف يحبني ولا حتى كان ساب حبيته حتى لو أضطر أنه يخطفها ويجبرها تعيش معاه، اللي زيه لما بيحب ممكن يهد العالم كله عشان خاطر حبيبه، صح ولا أنا غلطانة؟
لم يُجيب عليها بالحديث، بل اكتفى بسرقة لذة شفتيها الكرزتين بشفتيه الناعمة وهو يقف حاملًا صغيرته ليلقي بها الفراش بقوة ويغلق أضواء الغرفة كاملًا وسط ضحكة "ليان" على جنونه وسحرها الذي غلب رجل جاحد بدون قلب مثله.
***
وصل الجميع إلى العمارة وفي البهو كان "الجارحي" واقفًا يسند زوجته الصغيرة بيديه. و"وصيفة" قالت:
- ألف سلامة عليكي يا قدس، أطلعي ارتاحي يا حبيبتي.
هزت "قدس" رأسها بنعم ووقفت أمام المصعد منتظرة نزوله مع زوجها. لتقول "أسيا" بدهشة:
- أمال فين ليل؟
ألتفت "مديحة" إليها بدهشة وقالت:
- هي مش جواه؟
تعجبت "آسيا" من سؤال والدتها ونظرت حولها بقلق وقالت:
- جوا فين، هي مش راحت المستشفى معاكم يا جارحي؟
ألتفت "الجارحي" على صوت عمته ونظر حوله ولم يجد أثر لـ"ليل" فترك يد "قدس" بلطف وهو يقول:
- خمس دقايق وجايلك.
خرج من العمارة إلى السيارة وبحث في الحديقة عنها ولم يجد لها أثر وهو يتذكر جيدًا أنها لم تأت معهم في السيارة. فقال بجدية:
- يزيد.
ترجل "يزيد" من سيارته قبل أن يغادر المكان وأقترب منه قائلًا:
- أمرني يا معلم.
- فين ليل؟
سؤال من كلمة واحدة لكنها كافية أن تهز كيانه وتقظ عقله الغاضب ليتذكر الشجار الذي دار بينهما وقال بقلق:
- هي مش جوا؟
- لا، هي مش كانت معانا في المستشفى وقلتلك تخلي بالك منها.
قالها بحزم ليُجيب عليه بضيق من تقصيره في عمله وأنامله تحك جبينه بغضب مكبوح:
- أيوه وهي سابتني قدام الأوضة ومشيت لوحدها ورفضت أني أوصلها، وحضرتك مقولتليش أن مسموح لي أن أغصبها على حاجة.
نكز "الجارحي" في كتفه بغضب هاتفًا بغيظ:
- تروح تشوفها فين وترجعها ولو جرالها حاجة، عقلك مش ممكن يصورلك أنا ممكن أعمل إيه؟ أتفضل.
أسرع "يزيد" في ركوب سيارته بذعر ليس من تهديد "الجارحي" ولكن من خوفه عليها في الحقيقة. كون الساعة تجاوزت الثالثة فجرًا وفتاة مثلها ليست بالبيت فهذا وحده كافٍ ليجعله ينتفض رعبًا على الفتاة.
ذهب إلى المستشفى وركض بكل زاوية منها كالمجنون يبحث عن "ليل" وإلى الغرفة التي حُجزت بها "قدس" لكن لا جدوى من هذا الأمر. لم يترك زاوية في المستشفى دون أن يبحث عنها فأنتهى الأمر به إلى غرفة كاميرات المراقبة.
رفض مدير الأمن أن يفتح الكاميرات له بدون إذن يسمح له بذلك فلم يتمالك "يزيد" عقله أكثر من ذلك ليخرج مسدسه من خلف ظهره بقوة ويوضعه في رأس مدير الأمن ومسك بيده الأخرى ملابس الرجل من لياقته وقال بتهديد:
- شغلها قبل ما أفلق دماغك نصين.
أبتلع الرجل لعابه وأشار إلى الموظف بنعم ويلبي طلب هذا الرجل فتركه "يزيد" بضيق ونظر على الشاشات يبحث عن "ليل" أثناء مغادرتها الرواق حزينة حتى وصلت لباب الخروج وسالت الدموع من عينيها بوجع ليشعر بغصة في صدره حتى فتح الموظف الكاميرا الخارجية للمستشفى متابعًا خطوات "ليل" ليُصدم "يزيد" مما يراه و"ليل" تُخطف بكل وضوح أمامه.
***
وصلت السيارة لأحدى المناطق الهادئة وتوقفت تحت أحد الكباري وترجل السائق والرجل الآخر من السيارة ليتركه "عمران" بالداخل يحلق في وجه "ليل" وهي فاقدة للوعي وفي يده سكين يمرره على جسدها ببطء شديد وعقله يفكر أمام ملامحها، وهي سبب كل ما حدث؟ فضولها هو ذنبها الوحيد، لو لم تفتح الهاتف في يومها لم اعترفت لـ"الجارحي" عليه ولم تتركه وتذهب قبل أن يكمل انتقامه؟ هي سبب كل شيء؟ لو كتمت فضولها بين رأسها الصغير لكانت في أمان الآن.
ظل يحلق بها وأفكار شيطانية تضرب عقله عرض الحائط حتى رآها تحرك رأسها بخفة تحاول استعادة وعيها ليبتسم بخباثة وأوقف السكين على عنقها بحدته أثناء فتح عينيها لتفزع وتحاول الصراخ لكنه ضغط بالسكين أكثر على عنقها يهددها بالقتل.
أبتلعت لعابها بذعر وبدأت ترتجف بقوة من نظراته ووجودها هنا معه؟ تبسم بمكر على رعشتها وخوفها وقال بسخرية:
- أرتعشي يا ليل، وعيطي وأصرخي وأترجيني زي ما أنا أترجيته ومرحمنيش.
لم تفهم شيء من حديثه وقالت بتلعثم وصوت خافت:
- أنت عايز مني إيه؟
تبسم وهو يحرك السكين على جسدها من جديد ليزرع الرعب بداخلها أكثر مجيبًا على سؤالها بثبات وهدوء:
- عايز أخليكي مش نافعة زي ما هو خلاني مش نافع، العين بالعين والسن بالسن.
حاولت الابتعاد عنه بخوف ودموعها تسيل بغزارة قائلة:
- قصدك إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة؟
- دلوقتي تفهمي يا ليل.
قالها وسكينه الحاد يتسلل أسفل فستانها ليتحول هدوءه لغضب وشر يحرق السيارة بما فيها حين شق فستانها بحدة سكينه فصرخت "ليل" بذعر. وحينها فُتح باب السيارة الموجود خلف ظهرها وكأن صرختها كانت الإشارة المتفق عليها لهؤلاء الذئاب البشرية وأنقض ثلاثة منهم على الصغيرة كأنقضاض الذئاب على فريستهم.
وسط صراخها في هذا الظلام الصامت، ترجل "عمران" من السيارة تاركًا "ليل" فريسة لأصدقائه الأنجاس.
***
أشرقت الشمس صباحًا، والجميع في حالة قلق من اختفاء "ليل" طيلة الليل ولم يظهر بعد. لم يعود "يزيد" حتى الآن منذ الأمس.
وقفت "آسيا" وقد فاض الأمر بها وقتلها الانتظار لابنتها فقالت بقلق:
- لا، كده كتير أنا مقدرش أستنى أكتر من كده، أنا هطلع على القسم هم يدورولي على بنتي.
وقف "هادي" من محله وقال بهدوء:
- خلاص يا آسيا، أنا هاخد أخوكِ ونطلع على القسم نبلغ بس أقعدي أنتِ وأهدي.
صرخت بانفعال شديد من الغضب والقلق على ابنتها قائلة:
- محدش يقولي أهدي أبدًا دي.
أومأ الجميع لها بنعم فتحدثت "مديحة" بجدية هادئة جدًا تتمالك أعصابها قدر الإمكان:
- حاضر محدش هيقولك أهدي لكن اصبري يا آسيا وكله هيتحل مفهوم، إن شاء الله تكون ليل بخير بس أنتِ اصبري وربنا هيطمن قلبك عليها.
أومأت إليه بنعم من القلق وقالت:
- أديني أترزعت أهو، هاتولي بنتي بقى.
كان الجو مشحونًا بالتوتر والقلق. ظهر "يزيد" وأخيرًا فوقف "الجارحي" معه في الخارج أمام السيارة يشاهد تسجيل الكاميرات الذي يظهر اختطاف "ليل" عمدًا.
تحدث "يزيد" بقلق التهم قلبه منذ ساعات طويلة:
- ده عمران، محدش هيفكر يأذيها غيره بعد اللي عملنا فيه.
تنهد "الجارحي" بقلق وقال:
- عمتي آسيا لو عرفت هتخرب الدنيا، ووجود ليل معه فكرة مرعبة، الواد ده نجس ولأول مرة أندم على قرار خدته، كان لازم أقتله وقتها.
هز "يزيد" رأسه بنعم. غادر "الجارحي" المكان مع "يزيد" الذي يتحدث في الهاتف مع أحدهما يقول:
- لقيت العربية.
تحدث الطرف بشيء لم يسمع "الجارحي" جيدًا لكن سمع رد "يزيد" بوضوح شديد:
- دقائق وأكون عندك، متتحركش من عندك.
فتح باب السيارة وصعد "يزيد" بمقعد السائق بينما فتح "الجارحي" الباب المجاور وقبل أن يصعد رن هاتفه. توقف بجوار السيارة وهو ينظر بشاشة الهاتف على الرقم المجهول الذي يتصل عليه فشعر بغصة في قلبه من التوتر وقال بتمتمة:
- أستر يا رب.
استقبل الاتصال بيدين مرتعشتين واضعًا الهاتف على أذنه وقال بصوت مبحوح:
- ألو.
- المعلم الجارحي أبو النور.
قالها المتصل بهدوء ليجيب "الجارحي" بنعم. أومأ بتوتر فأتسعت عيناه على مصراعيها بصدمة قاتلة مما سمعه للتو وشل أطرافه في أرضه من هول الصدمة وقساوة الحديث الذي وقع على أذنيه وعقله كالصاعقة الكهربائية التي صعقت قلبه وجمدت عقله الآن.
رمقه "يزيد" بقلق من ملامح وجهه التي حملت الصدمة والرعب في آن واحد ليقول:
- في إيه؟
نظر "الجارحي" مرعوبًا لأول مرة في حياته فأدار رأسه إلى "يزيد" وصعد بالسيارة في صدمته لينطلق به "يزيد" إلى المستشفى وطوال الطريق الصمت يعم المكان و"يزيد" لم يفهم شيء حتى وصلا الاثنان إلى المستشفى وهناك وقعت الصدمة على عقل "يزيد" تجمده في محله وتفلق قلبه نصفين حين سمع كلمات بسيطة من الطبيبة تقول:
- حادثة اغتصاب وهي دلوقتي في حالة انهيار عصبي حاد.
لم يسمع "يزيد" بقية الحديث بعد شرود عقله في الكلمات الأولى وتأنيب الضمير يقتله يجتاحه الشعور بالذنب لأنه تركها وحدها وأفتعل الشجار معها وأبكاها. كل تلك المشاعر تضرب قلبه وعقله معًا. لم يستوعب ما يسمعه وبدون وعي ركض إلى الغرفة ليفتح الباب ويجمد جسده محله حين رآها نائمة ووجهها ملأ بالكدمات وبدون حجابها وترتدي ملابس المستشفى. هذه الفتاة التي تشبه الملاك الآن باتت طريحة فراش المرض.
رواية حرب سقطت راءها الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نورا عبد العزيز
لم يسمع يزيد بقية الحديث بعد شرود عقله في الكلمات الأولى وتأنيب الضمير يقتلُه. يجتاحه الشعور بالذنب لأنه تركها وحدها، وافتعل الشجار معها، وأبكاها. كل تلك المشاعر تضرب قلبه وعقله معًا.
لم يستوعب ما يسمعه، وبدون وعي ركض إلى الغرفة ليفتح الباب، وتجمد جسده محله حين رآها نائمة ووجهها ملأ بالكدمات، وبدون حجابها، وترتدي ملابس المستشفى. هذه الفتاة التي تشبه الملاك الآن باتت طريحة فراش المرض.
رواية حرب سقطت راءها الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نورا عبد العزيز
" نـــــــــــــــداء "
سؤال دائما يطرحه عقلي على قلبي ، لماذا قلبي عشقك أنت من بين الجميع؟ أو بصيغة أخرى لما أختارك قلبي على الجميع حتى على نفسي؟، لا أملك جواب فى كل مرة لذا وحده الملام هذا القلب الأحمق سبب كل شيء، متى سيتوقف قلبي عن النبض واللفظ باسمك حتى تتلاشي كل أوجاعه وتنتهى حيرته؟
إلى متى سأظل حائرًا بين القلب والعقل هذا ؟
الحياة لا تعطي كل شيء أو ما يريده القلب بلا مقابل، لما دائمًا القلب لا يبتلي إلا فيما أحب ؟
فى الصباح الباكر استيقظ "الجارحي" على صوت ضجيج يضرب أذنيه حتى قاطع نومها العميق ، فتح عينيه بتذمر على هذه الضجة التى أيقظته قبل موعده وخرج من الغرفة يتثاءب بتكاسل شديد يسير وراء مصدر الصوت وكانت زوجته "قُدس" تتحدث مع "ياسمين" التى صوتها يصنع ضجة خافتة فى المكان تقول:-
_ أنا مش عارفة أقول حاجة لفتحي، إذا كان أنا أمها مش مستوعبة أنها عملت كدة وراحت أتجوزت من ورانا المجرم دا فتخيلي كدة أبوها اللى هو راجل ممكن يعمل أى ولا يتقبل الكلام دا أزاى؟
_ أنا كمان مش عارفة أزاى ليان عملت كدة؟ وأزاى أصلا قبلت أنها تتجوز مجرم زى دا وليه؟ عشان الحُب؟ هو ممكن الحُب يخرس العقل بالطريقة دى ما هو متقنعنيش أن عقلها الكبير والمتعلم قبل أنها تتجوز من شخص زى دا عادى
تفوهت بها "قُدس" بضيق شديد من تصرف أختها وكيف لها أن تعبر عن هذا الشيء لأبيها "هادي" الذي لم يعرف حتى الآن بسبب حجم الكوارث التى تنهل عليهم من موت "عماد" ودخول "قُدس" للمستشفى والآن حادثة "ليل"، لكن السهم الذي لفظت به كان وقد أخترق أذني "الجارحي" حين قال بصدمة ألجمته مما سمع الآن:-
_ أتجوزته؟!!
ألتفت الأثنتين على صوته والصدمة أحتلت عينيهما، تجمد الدم فى عروق "قُدس" وهى تعرف زوجها لم يمر هذا الامر مرور الكرم ، بل سيقلب العائلة راسًا على عقب، أقترب "الجارحي" منهما بخطوة قوية وما سمعه الآن أيقظه تمامًا وجعلت اليقظة عينيه مُتسعة على وسعهما، جلس على المقعد المقابل لـ "ياسمين" وبجوار زوجته وقال بحدة أكثر ونظرة ثاقبة مُرعبة تتطاير من عينيه :-
_ أتجوزت البلطجي دا، ومن ورانا؟ صح اللى سمعته صح؟
أبتلعت "قُدس" لعابها بتوتر وشعرت بجفاف فى حلقها من قشعريرة جسدها التى تملكته فتحدثت "ياسمين" ترفع عنها الحرج والخوف من زوجها:-
_ اه ، راحت تتجوزه من ورانا فى اليوم اللى مات فيه عماد
هز رأسه بنعم ثم قال بنبرة خافتة:-
_ وأنتِ عرفتي يومها؟
القى سؤاله ناظرًا إلى "قُدس" بجدية فهزت رأسها بنعم وقالت بتعجل خائفة منه:-
_ اه لكن والله أنا مسكتش يا جارحي واتخانقت معها ورفضت جدًا اللى عملته
كانت تعتقد أن بكلماتها ودافعها عن نفسها أمامه تصلح الأمر لكن أمام ذكاء "الجارحي" كان سبيل نجاتها هو نفسه إجابة أسئلته ودليل الأتهام، قال بحزم:-
_ ورفضك دا اللى خلالها تطاول عليكي وبسبب دا أغمي عليكي وروحتي المستشفى، كدة أنا فهمت ؟
نظرت "قُدس" بقلق إلى "ياسمين" وذكاء "الجارحي" يزيد الأمر تعقيدًا ولن يحل المشكلة أبدًا، فقالت بتلعثم شديد واضح:-
_ لا، مصحلش أنا وقعت لأنى دوخت شوية وأديكي عرفت سبب الدوخة أي عشان متقولش دى جت منين، أنا حامل وطبيعي يحصلي دوخة أو هبوط بسبب قلة الأكل والزعل كمان أنت ناسي أن أننا كنا فى عزاء عماد والصدمة اللى كنا كلنا فيها
مسك فك فمها بقوة يضغط عليه بأحكام محاولًا السيطرة على غضبه الآن، أرتجفت "قُدس" فزعًا من قسوة زوجها وعدم تملكه لأعصابه أمامها فقال بنبرة غليظة خشنة يُرعبها أكثر:-
_ دا على أساس أنكِ كُنتِ حزينة على عماد أوى وقطع فيكِ ، أنتِ شايفاني أهبل أوى كدة
_ يابني أهدا الكلام أخذ وعطا
قالتها "ياسمين" بعد أن وقفت وأقتربت منه ماسكة يده تحاول أن تجعله يترك زوجته البريئة ، فترك "قُدس" بغيظ ثم وقف وألتف لكى يدخل غرفته فسالته بقلق:-
_ طب أنت رايح فين؟
_ رايح لعمي يشوف بنته المحترمة عملت أى ونشوف هنغسل عارنا أزاى؟
قالها بحزم ودلف إلى المرحاض ليأخذ حمام دافئ ثم أرتدى عباءة باللون الأسود وبها خيوط من الذهب ثم خرج من الشقة تحت أنظار "قُدس" التى لم تتحمل الأمر وعقلها كاد أن يجن فأخذت هاتفها بسرعة جنونية وهى تتجول به فسألت "ياسمين" بقلق:-
_ بتعملى أي ؟
_هبعتلها رسالة عشان تتصرف قبل ما يروحوا ، أنا خايفة عليها جدًا
قالتها بدون وعى وهى لا تفكر فى شيء غير أختها وما يمكن أن يُصيبها إذا وصل إليها والدها و"الجارحي" فوضعت "ياسمين" يدها على الهاتف تمنعها من أرسال الرسالة مما أدهش "قُدس" التى رمقتها بدهشة فقالت بهدوء:-
_ ومش خايفة هى تأخد رسالتك وتوريها للبلطجي اللى هى متجوزه ويستعد هو بأذي جوزك وأبوكِ
تردد "قُدس" للحظة وشعرت بأنها عالقة بين السماء والأرض كحرف الواو بينهما بسبب أختها وأهلها ....
_________________________
دق "يزيد" باب الغرفة برفق ولم يجد جوابًا فقال بنبرة خافتة:-
_ أنا نازل وقبل ما أطلع بليل هرن عليكِ عشان لو حابة ترجعي أوضتك لكن رجاءً أول ما أنزل تخرجي تفطري أى حاجة وتتنفسي بحرية من غير خوف
غادر الشقة فى هدوء محترم خصوصيتها ومُقدرٍ لجرحها التى لم يُشفى بعد وما زال ينزف بداخلها ، أغلق الباب بقوة حتى تسمع صوته من داخل غرفتها وبالفعل ما أراده حدث، فور أغلاق الباب فتحت "ليل" باب الغرفة وخرجت منها ذابلة وحزينة ودموعها لم تجف بعد مُنكمشة فى جلدها وعينيها تتطلع بكل مكان حولها بخوف مُسيطر عليها، ما زالت لا تُصدقه وتعتقد بانه يكذب ولم يغادر لكنها لم تجد له أثرًا ووجدت الإفطار جاهز على السفرة من أجلها وكوب من الشيكولاتة الساخنة مُغطى ، أخذت سندوتش بلا مبالاة لما بداخله فأى شيء يطفى جوعها كافي فلم يعد لديها رغبة حتى لتذوق الطعام ، تناولت لقماتها الخفيفة أثناء سيرها إلى باب الشقة وأغلقت الباب من الداخل بالمفتاح وهكذا الأقفال اليدوية ثم أخذت حمام دافئ ربما يخفف من كهرباء جسدها الذي يسيطر عليها من الحادثة، ظلت بحوض الأستحمام لساعتين تقريبًا حتى أصبحت المياه الدافئة باردة كالثلج لا تشعر بشيء ولا ترغب بأى شيء من داخلها، خرجت من حوض الأستحمام بعد أن شعرت أن جلدها ذاب من الماء وأرتدت روب الأستحمام ثم خرجت إلى الأريكة الموجودة بالبهو وفتحت التلفاز وأصبعها على الزر تقلب القنوات بلا شعور أو رغبة فقد الوقت بالنسبة لها كأنه واقف لا يمر ....
__________________________
نزل "الجارحي" إلى شقة "وصيفة" ووجد "مديحة" جالسة على الأريكة بغيظ تكظمه بوضوح وعينيها على "وصيفة" التى تتناول إفطارها فى هدوء ليقول:-
_ صباح الخير
_ صباح النور يا حبيبي تعال افطر معايا
قالتها "وصيفة" بحنية ونبرة دافئة فقال بجدية:-
_ تسلمي يا صفصف ، عمي هادى فين؟
تحدثت "مديحة" ببرود تُجيب على سؤاله بضيق مُشمئزة منه بعد أن أستولى على مالها وورثها:-
_ حماك العزيز جوا فى المكتب بتاع أبوه بيدور على حاجة يشفطها زى ما شفطت أنت الورث كله وطمعت فيه لوحدك
كز على أسنانه بغيظ من جدته العجوز وقال ببرود يستفزها أكثر:-
_ أنتِ لسه عايزة فلوس يا ستي ، دا أنتِ اللى زيك المفروض متقومش من على سجادة الصلاة ، دا عيال عيالك خلفوا يا ديحة مش كدة محدش بيأخد زمنه وزمن غيره
وقفت من مكانها غاضبة من كلماته الحادة التى سببت لها الإهانة وقالت بعنف:-
_ أما أنك قليل الأدب بصحيح ومتربتش، طب عيب على شنبك اللى واكل نص وشك دا
دلف "فؤاد" من باب الشقة على صوت والدته وهى تسب "الجارحي" فقال بقلق:-
_ فى أى يا أمى مالك مين مطلع صوتك على الصبح؟
قالها وهو يمسك يدها فى يده فدفعته بغضب شديد ونفور حاد قائلة:-
_ أوعي كدة، ما أنت لو كنت ربت عيالك وعلمتهم أزاى يحترموا أمك مكنش صوتي طلع على الصبح يا شيخ الجامع
نظر "فؤاد" إلى ابنه الذي يقف بضيق ولايبالي بعصبية جدته وقال بلطف:-
_ معلش حقك عليا وأمسحيها فيا
ألتفت إلى "فؤاد" بضيق شديد وقالت مُنفعلة :-
_ بلا أمسحها بلا نشفيها، أسمع يا تجبلي ورثي من أبنك الحرامي دا يا أما تنسي أن ليك أمك وقلبى غضبان عليك ليوم الدين ، أوعي كدة كتكم القرف
دفعته بعيدًا بحزم وخرجت من الشقة تأفف حانقة من هذا الأمر، نظر "فؤاد" إلى ابنه فهمس "الجارحي" له ببرود:-
_ كبر دماغك منها يا حج ، هتطلع تطلع وتنزل على مفيش ، هى كل ما تضايق اليومين دول تطلع ضيقها فى الورث مبتتعبش
دلف إلى المكتب بعد انهاء جملته دون ترك مجال لوالده بأن يتحدث بكلمة واحدة أو ان يفكر فى حديث أمه ، دلف إلى المكتب وكن "هادي" جالسًا على المقعد غارقٍ بين دفاتر الحسابات ويدون كل شيء فى الدفاتر ، حتى قاطع تركيزه "الجارحي" يقول بينما يسير نحو المكتب:-
_ عامل اى يا عمي ؟
هز "هادى" رأسه بنعم بتركيز شديد على الاوراق، جلس "الجارحي" على المقعد المقابل للمكتب فقال "الجارحي" بهدوء شديد:-
_ ليان فين يا عمي؟
رفع "هادي" نظره عن الأوراق وقاطع تركيزه بجدية مُهتمٍ بأمر ابنته وقال:-
_ قصدك أى؟
تنحنح "الجارحي" بهدوء قبل أن يلقى بقنبلة حديثه على عقل "هادى" وقال بحزم:-
_ ليان اتجوزت البلطجي من ورانا
اتسعت عيني "هادى" بجدية صارمة من هول الدهشة ومن تصرف أبنته التى منعها من الزواج برجل مثل هذا وكانت النتيجة عصيانها لأمره والآن قد تزوجته فعله ولا مفر من هذا الأمر فقال:-
_ ليان عملت كدة ؟ لا مستحيل
_ مستحيل ليه يا عمي ، أنت متعرفش هى متربية على أى ولا بتفكر فى أى؟
قالها بحزم وعينيه على "هادى" بينما دخل "فتحى" عليهم بعد أن طرق الباب ، جلس على المقعد المقابل لـلجارحي وقال بهدوء:-
_ ياسمين قالتلي على اللى حصل
_ مش دى تربيتك فيها؟
قالها "الجارحي" بغضب شديد وهو يلقى باللوم على "فتحى" ، وقف "هادى" بغيظ والغضب يحتله وهو يقول:-
_ أنا هروح أجيبها من شعرها وأكسر رقبتها بنفسي على الى عملته دا
تحدث "فتحى" بهدوء شديد وقال:-
_ أنا مربتهاش على الغلط لكن هى بتتصرف كدة بتنتقم من اللى حصل منى ، عموما لو عايز نصحيتي بحسب العشرة اللى بيني وبينها سيبها!!
ضحك "الجارحي" بسخرية شديد من هذا الرأى وقال:-
_ نسيبها تجبلنا العار عادى؟
تنحنح "فتحى" بهدوء شديد وقال:-
_ اه سيبها، ليان بتحب الأهتمام جدًا وأكتر حاجة بتزعجها عدم الأهتمام وأنك تهملها وتحسسها أنها مش متشافة ، لو سيبتوها ومسألتوش فيها أسبوع هتلاقيها فى الأسبوع التاني هتجنن وهى اللى هتيجي لحد عندكم عشان تلومكم على أهمالكم ليها وساعتها ممكن تسمع سبب أهمالك وتقبل أنها تسمع منك عن غلطها ، لو روحت لها دلوقت هتسيبك تزعق وهتعاند معاك أكثر وهتحس أنها صح
جلس "هادى" من جديد على مقعده وقال بهدوء:-
_ حد يسيب بنته تعمل كدة
تحدث "فتحى" بهدوء أكثر وعقلانية:-
_ سوء روحت دلوقت أو سوء سيبتها الأمر الواقع اللى حطتنا فيه مش هيتغير ، هى خلاص أتجوزته وبقيت مراته ، اللى لازم يتغير تفكيرها وعنادها ولازم تبطل تحسسننا أننا مجرمين فى حقها وأن ليها حق الأنتقام منكم على حاجة محدش عملها فينا ، أنا مقولتش للممرضة أنها تخطفها من المستشفى ولا أنتوا رميتوها يبقى لازم تفهم دا وتقدر وجودنا فى حياتها ، وفي الأول والآخر دا مجرد رأى والقرار ليكم
وقف من مكانه بهدوء شديد وقبل أن يغادر من المكتب قال بلطف:-
_ بالمناسبة أنا هأخد مراتي وهرجع إسكندرية الليلة ، إحنا تقلنا عليكم وبزيادة اليومين دول....
غادر المكتب فتأفف "الجارحي" بضيق وخرج خلفه يناديه قائلًا:-
_ أستن بس يا عم فتحى
اوقفه "يزيد" يقول:-
_ معلم جارحي
التف "الجارحي" إليه ليقول "يزيد" بهمس:-
_ عمران تعيش أنت
نظر بدهشة من هذا الخبر لدقائق يستوعب ما يسمعه وقال:-
_ يلا اللى يحرقه فى جنهم على اللى عمله... أوعى تكون أنت اللى عملتها
صمت "يزيد" بهدوء فأقترب "الجارحي" منه ووضع يده على كتفه برفق وقال:-
_ بلاش ... بلاش تلوث أيدك بالدم وقتل النفس يا يزيد
_ مش أنا
قالها بهدوء ليهز "الجارحي" رأسه بنعم ثم سأل بقل:-
_ ليل عاملة أى دلوقت؟
نظر "يزيد" له بحرج وقال:-
_ زى ما هي ، بس متقلقش مع الوقت هتفوق وتروق
هز "الجارحي" رأسه بنعم وذهب من أمامه .....
___________________________
نامت "ليل" بصعوبة والنوم لم يأتِ كراحة، بل كاستسلام للوجع ، الغرفة كانت ساكنة أكثر مما ينبغي، والظلام ثقيل كأنه يعرف ما يحمله لها
في البداية كان الحلم مشوَّشًا وأصوات بعيدة، خطوات غير واضحة، ثم فجأة عاد كل شيء واضحًا أكثر مما تحتمل الذاكرة كالطريق ،الليل وذلك الإحساس الخانق بأن شيئًا خاطئًا سيحدث، كل ذلك يراوغها ، هناك حين الركض لا ينقذ دائمًا، يزعقها رؤية ما حدث فى تلك الليل فى منامها أمام أعينها من جديد فجسدها شدّ نفسه فجأة فوق الفراش وأنفاسها تسارعت قصيرة، متقطعة كأن الهواء صار أثقل من أن يُبتلع ، تكوّرت أصابع قدميها وساقاها تصلبتا بلا إرادة، وارتجف فكّها ارتجافًا مؤلمًا، قلبها كان يطرق صدرها بعنف، ليس كنبض ودقات بريئة ؛بل كضرب يدمر قلبها وضلوعها.
_لا
خرجت الكلمة من بين شفتيها نائمة، مبحوحة، مكسورة وجسدها دخل في حالة دفاع كاملةكتفاها ارتفعا، ذراعاها انغلقتا على صدرها بقوة، وكأنها تحاول أن تحمي ما لم يعد يحتاج حماية،لكن الجسد لا يفهم الزمن تقلص بطنها بألم، وشهقة حادة علقت في حلقها محاولة الصراخ ولا يخرج صوت العرق غمر جبينها وظهرها التصق بالملاءة، بردٌ غريب زحف في أطرافها، بينما صدرها يحترق كانت تغرق فى ذكريات الليلة المُرعبة التى مرت بها داخل فراشها بجسدها الصغير .....
في الغرفة الأخرى كان "يزيد" مستيقظًا لم ينم معها عمدًا خائفًا أن يضغط عليها حتى وهو نائم، أن تمتد يده بلا وعي فتفزع، ففضّل أن يكون قريبًا لكن ليس ملتصقًا حين سمع أنفاسها المختنقة، انتفض فورًا وقف عند باب غرفتها، لم يدخل مباشرة وقف ثانيةً كاملة، يسأل نفسه بصمت:-
_ أدخل؟ ولا ده يخوّفها؟
ثم تحدث بصوتٍ هادئ جدًا، من مكانه :-
_ ليل ، أنا يزيد
صوت أنفاسها كان كافيًا ليعرف نوبة هلع كاملة دخل بخطوات بطيئة، كأنه يمشي فوق زجاج جلس على الأرض قرب السرير، في مستوى منخفض، حتى لا يبدو مهددًا، قال بلطف شديد :-
_ أصحى يا ليل أنا هنا، ومش هلمسِك
فتحت عينيها فجأة لم تكن تراه كانت ترى هناك صرخة خرجت أخيرًا، حادة، قصيرة، ومعها جسدها كله انهار ، انهارت بالبكاء،بكائها غير منتظم، وتشنجات في الصدر، وشهقات مؤلمة، كأن الرئتين نسيتا كيف تعملان ، مدّ يده ثم أوقفها في الهواء:-
_ قوليلي أعمل إيه؟
هزّت رأسها بلا وعي، والدموع تسيل بغزارة فاقترب أكثر، لكن دون لمس وجلس بجوار السرير، ظهره مسنود عليه، ليكون قريبًا دون حصار
_ أنا جنبك، اسمعي صوتي وخدي نفس على مهلك
حتى اخذ النفس بهدوء وأريحية كان صعبًا ولم تستطع في البداية وجسدها كان فى حرب لكن بعد محاولات دخل نفس قصير ثم آخر أطول قليلًا كان يتكلم ببطء،كأن صوته حبلًا تنقذ به نفسها من الغرق
_ دا كابوس ، أنتِ هنا فى أمان فى بيتك وأنا جنبك
بعد لحظات طويلة، مدّت يدها ببطء، لم تمسكه فقط لمست أطراف أصابعه إشارة صغيرة، لكنها كل شيء وشمعة نور لبداية خروجها من ظلمتها، مسك يدها بلطف شديد،كأنه يحمل زجاجًا مكسورًا، وقال بهمس:-
_ نامي وأنا صاحي جنبك أهو مش هسيبك
أغمضت عينيها أخيرًا، مرهقة، مستنزفة، لكن أقل خوفًا وبقي هو جالسًا على الأرض طوال الليل، يحرس نومًا هشًا، خائفًا من كسر هذه اللحظة التى مدها لها بالأمان ولم يجرأ على الصعود للسرير وقد رأى بأم عينيه أن جسدها ما زال يتذكر ما حدث أكثر من ذاكرتها ........
رواية حرب سقطت راءها الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نورا عبد العزيز
يقولون إن العتمة تُخيف الجميع، لكنهم لا يخبرونك أن الأصعب منها هو أن تعتادها، أن تظن أن النور لم يعد خُلق لأجلك يومًا. ثم فجأة... تمتد يدٌ دافئة إلى روحك المرتجفة، لا تُجبرك على الوقوف، ولا تعدك بأن الألم سينتهي، فقط تُخبرك بهدوء:
"أنا هنا " وأحيانًا يكون هذا وحده كافيًا ليُولد الأمان من جديد
_________________________
فى الوكالة داخل شوارع حي الأزهر وحزم الأزقة المتكدسة بالأشخاص ، صعد العامل إلى الطابق الثالث حين مكتب "الجارحي" ووضع فنجان القهوة على المكتب وغادر من المكتب ليقابل "يزيد" يدخل المكتب يلقى بالسلام:-
_السلام عليكم
ألتف "الجارحي" إليه حاملًا دفتر من الورق وجلس على المكتب يرد السلام بجدية":-
_وعليكم السلام، عامل أى يا ريس
_ بخير يا معلم جارحي ، بعتلى !!
قالها بهدوء شديد، هز "الجدارحي" رأس بنعم وأشار إليه بان يجلس بينما يديه تغلق الأوراق المنثورة أمامه فقال بنبرة خافتة بينما تشابكت يديه فى بعضهما فوق المكتب :-
_ هو سؤال واحد ومحتاج جوابه، اي اللى وداك فيلا الصياد يا يزيد ؟
صمت "يزيد" بهدوء لا يملك جواب او بالأحري لا يرغب فى الحديث الآن عن ماضي قد فات ، فتحدث "الجارحي" بنبرةٍ خافتةٍ :-
_ دفعت للقاتل دا تمن قتل عمران صح ؟
_ أنا بس عرفته معلومة واحدة ومشيت، عرفته أن اللى حاول يقتل مراته المصونة هو عمران
قالها بجدية صارمة مقتنع تمامًا أن ما فعله هو الصواب وكان السبيل الوحيد لأخذ بثأر زوجته من هذا الحثالة دون أن يلوث يديه بالدم ويصبح مجرم ، تنهد "الجارحي" بضيق وقد تأكدت كل شكوكه وأصبح الأحتمال يقين ، أغلق الحديث فى هذا الأنتقام عندما فتح الأوراق من جديد ينظر بها ويقول بحدة:-
_ متتصرفش تاني من دماغك من غير ما ترجعلي
_ أسف يا معلم بس دا حق مراتي وأنا مش عاجز
قالها برسمية وهدوء لم يعقب "الجارحي" على كلمته فغادر "يزيد" المكتب فى صمت ومع صوت أغلاق الباب رفع "الجارحي" رأسه للأعلى ينظر على "يزيد" من خلف الزجاج .....
___________________________
وقفت "قُدس" أمام باب الشقة للحظات، تحمل فى يدها طبقًا صغيرًا من الحلوى التى صنعتها بنفسها، بينما يدها الأخرى تستقر فوق بطنها بحركةٍ عفوية تطمئن جنينها بحنية تملأ قلبها البرئ، هزت رأسها قليلًا تتذكر "ليل" ولا تعرف لماذا تشعر بهذا القلق الذى يضغط قلبها كلما تذكرت "ليل"، ولا لماذا يراودها إحساس غريب بأن ابنة عمتها تحتاج إليها الآن أكثر من أى وقت مضى وهذا الزواج العجيب الذي حدث أسرع من زواجها هي الذي كان له ظروف خاصة، فجأة هكذا ظهر "يزيد" وتزوج من "ليل" بدون أى مقدمات فتنهدت بلطف ثم طرقت الباب برفق
مرت ثوانٍ طويلة قبل أن يُفتح الباب ببطء وظهرت "ليل" أمامها بوجهٍ شاحبٍ وعينين غارقتين فى الإرهاق وكأن النوم لم يعرف طريقه إليهما منذ أيام اتسعت ابتسامة "قُدس" فور رؤيتها متناسية كل الأسئلة التى تضرب عقلها وقالت بعفوية:-
_ وحشتينى
لم تُجب "ليل"، فقط اكتفت بالنظر إليها نظرة معبأة بالإنكسارات والخيبات لكن صديقتها كانت أرحم عليها من العالم الخارجي فلم تنزعج "قُدس"، ولم تسألها لماذا تبدو هكذا، بل رفعت الطبق أمامها وقالت بمزاح خفيف:-
_ عملت كيك بإيدي مخصوص وإنتِ عارفاني فى الطبخ ماليش حل ، فطبعًا ملاقتش غيركِ يشاركني فشلي
رغمًا عنها ارتجفت شفتا "ليل" وكأن ابتسامة صغيرة تحاول الخروج من بين كل هذا الحزن، منذ ولادتهما وقلبيهم أحن على بعض كتوأم الحياة
دلفت "قُدس" إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها ثم جلست بجوارها على الأريكة فى هدوء وساد الصمت بينهما لدقائق ،صمت مريح .. الصمت الذى لا يحتاج صاحبه إلى تبرير نفسه أو شرح أوجاعه
مالت "قُدس" برأسها على كتف "ليل" وقالت بهدوء:-
_ عارفة؟ ساعات الواحد بيبقى مخنوق أوى ومش عارف يقول ماله
أطرقت "ليل" برأسها إلى الأرض فأكملت "قُدس" بنبرة دافئة:-
_ وساعات بيبقى نفسه حد يقعد جنبه وخلاص .. من غير أسئلة ولا نصايح ولا حتى كلام ، أنا جاية أقعد معاكي من غير كلام، وحشني أن نقعد فى صمت كدة لا أحكي ولا تحكي ، أحس بس بوجودك جنبي وتحسي أني جنبك واللى يحب يتكلم فى أى حاجة يتكلم من غير أى مقدمات
شعرت "ليل" بغصةٍ مؤلمة تتصاعد داخل صدرها وأول شخص لم يسأل ويقتله الفضول عما بها فربتت "قُدس" على يدها بحنان وأضافت:-
_ عشان كدة أنا هنا
رفعت "ليل" عينيها إليها لأول مرة تستنجد بنظرتها إلى "قُدس" ، تتمني أن تأخذ بيدها من القاع المظلم الذي وقعت فيه ، ابتسمت "قُدس" بحبٍ صادقٍ وقالت:-
_ مش لازم تحكيلى حاجة ولا تبررى حاجة ولا حتى تردى عليا ، أنا بس حبيت أقولك إنك مش لوحدك ولو الدنيا كلها زعلتك .. أنا موجودة ، ولو الدنيا كلها سابتك .. أنا برضو موجودة ولو حبيتى تعيطى، عيطى ولو حبيتى تسكتى متحكيش أسكتى ولو حبيتى نفضل قاعدين نبص فى الحيط ساعة كاملة، والله ما هزهق منك
اتسعت عينا "ليل" بالدموع ولأول مرة منذ وقتٍ طويل شعرت أن أحدهم لا يريد منها شيئًا ، لا تفسيرًا ، لا تبريرًا ، لا قوةً زائفة فقط يريد البقاء بجوارها فمدّت يدها المرتجفة ببطء وأمسكت يد "قُدس" لتشدّ "قُدس" على أصابعها بحنان وقالت هامسة:-
_ كدة أحسن... خليكِ ماسكة فيا براحتك
ثم أسندت رأسها فوق كتفها وأكملت بخفة:-
_ وبعدين أنا حامل وممنوع الزعل عليا ، العيل هيطلع بومة لأمه
خرج من بين دموع "ليل" ضحكة صغيرة مرتجفة فضحكت "قُدس" هى الأخرى وكأنها انتصرت فى أهم معركة اليوم وأن تجعل صديقتها تتذكر ولو لثانية واحدة أن قلبها ما زال قادرًا على الحياة
___________________________
كان الصباح مثقلاً بالوداع حقيبة السفر وُضعت قرب الباب، وصوت خطوات "فتحي" و"ياسمين" يملأ المكان بارتباكٍ مكتوم وسط توديع "وصيفة" و"هادي" معا ، فقال "فتحى" بنبرة أسف :-
_ مرة كمان أنا بعتذر على اللى حصل زمان ويعلم ربنا أنى مكنتش أعرف أن ليان مخطوفة وإن شاء الله الأمور كلها تتظبط
إجابت "ياسمين" بهدوءٍ قائلة:-
_ قريب جدًا تتظبط الأمور كويس ويتحل كل شيء
هز "هادى" رأسه بهدوء ثم قال:-
_ بالعكس أنا مُمتن جدًا أنك كبرت بنتي وربتها وطلعت دكتورة ، شكرًا جدًا لكن الباقي أنا قادر عليه مجرد مشاكل
تبسم "فتحي" بلطف وكانت "مديحة" تقف فى الخلف تتابع بصمت متجهم، كأنها تحاول أن تُخفي قلقها خلف قسوتها المعتادة، بينما "هادي" كان واقفًا عند الباب يشيعهم بنظرات شاردة لا تشبهه ، قال "فتحي" وهو يربت على كتفه:-
_خلي بالك من ليان
أومأ "هادي" بصمت، لم يكن قلبه حاضرًا بالكامل، كان هناك شيء آخر يضغط عليه من الداخل، شيء اسمه "ليان" ،تحركت السيارة أخيرًا غادرت أمام أعينهم، وابتعد صوت المحرك تدريجيًا حتى اختفى لكن "هادي" لم يتحرك إلى الداخل ؛ بل ظل واقفًا للحظة طويلة كأن شيئًا داخله انكسر مع تلك السيارة ثم قال بصوت خافت:-
_ لازم أشوفها
لم تنتبه "مديحة" لكلمته، فقد دخلت إلى الداخل وهي تتمتم بضيق كعادتها وقد تخلصت من ضيوفهم التى لم ترحب بهم لفترة طويلة ،أما هو فاتجه مباشرة إلى الخارج أو بالأحرى إلى القصر التى تسكن به ابنته المتمردة
__________________________
<< قصــــــــــــــــر الصيــــــــــــــــــــاد >>
كان القصر كما هو باردًا، منظمًا، مليئًا بالحراس الذين لا يعرفون الرحمة ولا الأسئلة لكنها فى نهاية المطاف ابنته ولن يتخلى عنها مقابل تمردها او إنكارها له كأب لها، تقدم "هادي" نحو البوابة، وعيناه ثابتتان كأنهما لا ترى سوى هدف واحد فوق أمام باب الحراسة وقال :-
_ عايز أشوف بنتي ليان
الحارس نظر إليه ببرود وجحود ثم قال بصرامة:-
_ مين حضرتك؟
ارتفع صدره بغضب مكبوت:-
_ أبوها
تبادل الحارسان النظرات، قبل أن يُسمح له بالدخول على مضض وأتصله يخبره القصر بوصوله وحتى جاء الأذن من "كريم" مساعد "جلال" فدلف بخطواته داخل القصر لم تكن هادئة ،خطوات رجل يحمل داخله عاصفة لا تُرى
في الداخل
كانت "ليان" تجلس على طاولة الطعام وبجانبها "جلال"، يتناول الطعام بهدوء غريب، كأن شيئًا في العالم لم يعد يزعجه لكن عيني "ليان" لم تكن مرتاحة كانت تنظر إلى الباب بين لحظة وأخرى، كأنها تنتظر شيئًا لا تعرف شكله وفجأة انفتح الباب بقوة دخل "هادي" تجمد الهواء، رفعت "ليان" رأسها ببطء واتسعت عيناها من رؤية والدها وأخيرا تذكرها رغم كبرها وصمودها فهمست :-
_ هادى بيه
لكن الكلمة خرجت متكسرة، كأنها لا تعرف إن كان لها حق النطق بها الآن وقف "هادي" أمام الطاولة ونظراته مرت على "جلال" أولًا بحدة صامتة ثم استقرت على ابنته قال بصوت منخفض لكنه يقطع:-
_ بقى الكلام اللي سمعته صح؟
ارتبكت "ليان" فورًا وحان وقت مواجهتها لوالدها بحقيقة الزواج فتابع الحديث قاطعها بصوت أعلى:-
_ اتجوزتيه من ورانا؟
سكتت والصمت كان الإجابة ضرب "هادي" الطاولة بيده فاهتزت الأطباق:-
_ في يوم عزاء عماد في يوم الدنيا كلها كانت مكسورة فيه وإحنا فى دوشة العزاء ،إنتِ عملتي كده؟
ارتجف صوتها بتردد لكن جمعت شجعتها وقالت بثقة:-
_ أنا بحبه وجتلك وقولتلك أنى بحبه وعايزة اتجوزه وأنت اللى رفضت ومسبتلتيش أى خيار
ضحك "هادي" ضحكة قصيرة بلا روح:-
_ بتحبيه؟
اقترب خطوة منها، وعينيه تلمعان بوجع لا يقل عن غضبه:-
_ وإحنا؟ أنا؟ واختك ؟ بيتك؟ اسمك يا دكتورة؟
ثم أشار نحو "جلال" وقال :-
_ ده يبقى إيه وسط كل ده؟
وقف "جلال" بهدوء، لكن "هادي" رفع يده بإشارة صارمة:-
_ ما تتكلمش… الكلام بيني وبين بنتي
ساد صمت ثقيل وكان صوت أنفاس "ليان" وحده يُسمع فقال "هادي" أخيرًا بصوت أخفض، أخطر:-
_أنا جاي آخدك معايا ويطلقك ونخلص من العك اللى بتعمليه دا ، دا لا شبههنا ولا من عالمنا
ردت بسرعة، وكأنها تتمسك بأي شيء:-
_ مش هقدر أسيبه وأنت مالكش الحق أنك تقرر أى حاجة فى حياتي ، أنت مين أصلًا عشان توصل نفسك للمساحة دى فى حياتي
تجمد للحظة من صدمته لما قالته ونظر إليها طويلًا ، نظرة لم تكن غضبًا فقط… كانت خيبة ، شيء يشبه السقوط فقال بهدوء مخيف:-
_ تمام ، أنا مين فعلا ؟
اقترب منها خطوة أخيرة، وقال:-
_ من النهاردة… إنتِ مش بنتي، أنا مخلفتش غير قُدس وإنتِ مش عايز أشوف وشك تاني خليه ينفعك
تجمد الزمن واتسعت عينا "ليان" فجأة:-
_ إيه؟
لكن "هادي" لم يتراجع أكمل بصوت مكسور رغم صلابته:-
_ البنت اللي أعرفها ماتت يوم ما اختارت طريقها ده، ويوم ما أنكرتني من حياتها
سقطت الكلمات عليها كرصاص بارد ، لم تصرخ ولم تبكِ فورًا ..فقط نظرت إليه كأنها لا تصدق وكأن العالم توقف عن الترجمة فاستدار "هادي" دون كلمة أخرى ليخرج والباب أُغلق خلفه وفي اللحظة نفسها اهتز جسد "ليان" واتسعت عيناها فجأة، ثم ارتخى جسدها بالكامل وقبل أن تستوعب ما يحدث سقطت على الأرض فاقدة للوعى بينما "جلال" التفت بسرعة نحوها، ووجهه لأول مرة لم يكن هادئًا كما كان قبل دقائق عندما رآها على الأرض لا حول ولا قوة لها
________________________
عاد "يزيد" في وقتٍ متأخر من الليل وأغلق باب الشقة بهدوء، وحرص كعادته أن يطرق الباب قبل الدخول، احترامًا لوجودها وخوفًا من أن يفاجئ خوفها من جديد وطرق الباب بخفة :-
_ أنا يزيد
لم يكن يتوقع ردًا لكن في اللحظة التالية… سمع صوت حركة سريعة داخل الغرفة صوت خطوات خفيفة متسارعة ثم إغلاق الباب من الداخل بإحكام فتوقف للحظة ثم أغمض عينيه بهدوء لم يكن غضبًا؛ بل إدراكًا صامتًا أنها ما زالت تهرب ، تقدم ببطء داخل الشقة ونظر إلى الطاولة والأطباق كانت فارغة والكوب الذي وضع فيه الشيكولاتة الساخنة لم يُترك كما هو شيء صغير داخله ارتاح دون أن يشعر ابتسامة خفيفة ظهرت على وجهه وتمتمة بلطف :-
_أكلت
اقترب من باب غرفتها ولم يطرقه هذه المرة وضع بهدوء على الأرض الكتب التي اشتراها لها وكيس صغير فيه بعض الأشياء البسيطة وعلبة الشيكولاتة ثم تراجع خطوة نحو غرفته وأغلق الباب دون أن يدخل فكان يتجسس جيدًا منتظر أى رد فعل منها
بعد دقائق طويلة انفتح باب الغرفة ببطء شديد وخرجت "ليل" وكأنها تتحرك بحذر داخل عالم لا تثق به عيناها تجولتا في الشقة حتى تأكدت أن لا أحد وصمت كامل اقتربت بخطوات مترددة من الباب وانحنت قليلًا لمست الكتب بأطراف أصابعها كأنها تتأكد أنها حقيقية ثم بسرعة خاطفة أخذتها إلى صدره ونظرت حولها مرة أخرى فتحت باب غرفتها بسرعة واختفت من جديد خلفه لكنها لم تره كان يجلس على الأرض في ممر الشقة، بجوار بابها مباشرة ظهره مسند إلى الحائط ورأسه مائل قليلًا يراقب بصمت لا يقترب ولا يفرض نفسه فقط موجود
من خلف الباب المغلق سمع صوت حركة خفيفة ثم صوته الهادئ وصلها دون أن يدخل :-
_ خدي نفس
سكت لحظة ثم أكمل بصوت أهدأ:-
_ أنا مش داخل ومش هضغط عليكي
صمت قصير لكنه كان يحاول أن ينتشلها من القاع والعزلة التى بداخلها ثم قال:-
_بس لازم أقولك حاجة
انكمشت "ليل" داخل الغرفة، لكن لم تهرب هذه المرة وكان صوته مختلفًا ليس أمرًا، ولا شفقة ؛ بل ثبات :-
_ الراجل اللي أذاكي… اسمه عمران… مات
تجمد كل شيء داخل الغرفة ولم تتحرك أو تصدر صوتًا تابع "يزيد" بهدوء:-
_أنا مش جاي أقولك تفرحي ولا تنسي بالعافية أنا جاي أقولك إن اللي حصل… انتهى الراجل ده مش موجود تاني في حياتك والماضي… مش لازم يفضل عايش جواكي أكتر من كدة
من داخل الغرفة تسارعت أنفاسها فجأة لكن هذه المرة… ليس خوفًا فقط ؛بل ارتباك كأن كلمة "انتهى" اصطدمت بجدار داخلها لا يعرف التصديق بسهولة واصل بهدوء:-
_ مش بطلب منك تنسي أنا بطلب منك تسيبي الحاجة اللي بتكسرِك كل يوم
كان الصمت ثقيلًا لكن ليس مخيفًا هذه المرة، بل يشبه الانتظار الطويل لشيء لا يُعرف متى يأتي
داخل الغرفة وقفت "ليل" في مكانها وكلمة "مات" لم تكن مجرد خبر كانت شيء اصطدم بجدار عميق داخلها ، جدار لم تكن تعرف أنه ما زال موجودًا بهذا الصلابة تسارعت أنفاسها فجأة ثم توقفت لحظة و عادت بشكل متقطع، كأن صدرها لم يعد يعرف كيف ينظم الهواء رفعت يدها إلى صدرها دون وعي وضغطت عليه بخفة ليس ألمًا جسديًا واضحًا؛ بل ارتباك داخلي، كأن شيئًا في داخلها فقد مكانه فجأة بعد كلمة (مات) خرجت الكلمة من شفتيها بصوت خافت جدًا، لا يشبه التصديق وتراجعت خطوة إلى الخلف اصطدمت بالحائط خلفها لم تكن تبكي في البداية ؛ بل كانت عيناها مفتوحتين على اتساعهما، تحدقان في الفراغ كأن عقلها يعيد تشغيل كل شيء بسرعة لا تُحتمل ، ثم فجأة ارتخت كتفاها كأن جسدها تعب من المقاومة جلست على طرف السرير ببطء شديد ويدها ما زالت على صدرها، لكن قبضتها خفتت ثم بدأت الدموع تتجمع دون استئذان
________________________
خرج "الجارحي" من الغرفة بخطوات هادئة يبحث عن زوجته فى أرجاء الشقة حتى وجد "قُدس" كانت جالسة أمام اللوحة والغرفة غارقة في ضوء الصباح، ونافذتها نصف مفتوحة تسمح لنسمة خفيفة أن تعبث بالستائر وترتدي بيجامة وردية بسيطة، شعرها منسدل على كتفها، وخصلات منه تسقط أحيانًا على وجهها فتزيحها دون أن ترفع نظرها عن اللوحة وكانت ترسم بهدوء النسيم تغمس الفرشاة في الألوان، ثم تعيدها إلى الورقة بانسيابية، كأن يدها لا تتحرك وحدها؛بل تتحرك معها مشاعرها ، اقترب "الجارحي" دون صوت توقف عند الباب لم ينادِها فقط نظر إلى لوحة البحر كانت تتشكل أمامها أمواج خفيفة، وأفق بعيد يشتعل بشروق شمس دافئ وهناك شيء في الرسم ليس مجرد ألوان؛ بل إحساس كامل بالنجاة خفض عينيه عليهاتفاصيلها الصغيرة كانت تسرقه دون إذن انحناءة ظهرها الخفيفة طريقة إمساكها للفرشاة تركيزها الذي يجعل ملامحها أكثر هدوءًا من العالم كله حتى أنفاسها بدت منتظمة كأنها تعيد ترتيب فوضاه هو دون أن تدري ابتسم دون أن يشعر ثم قال بصوت منخفض:-
_ كل مرة بشوفك فيها بتبقي أحلى من أي صورة في دماغي
لم تنتبه في البداية لكن لحظة الصمت التي تلت صوته جعلتها تلتفت ورفعت "قُدس" نظرها فوجدته واقفًا هناك يحمل كوب عصير برتقال دافئ، ينظر لها كأنه لا يرى غيرها فابتسمت بخفة :-
_ أنت بتخضّني كل مرة كده؟!
اقترب "الجارحي" بخطوة فوضع الكوب على الطاولة بجانبها ثم مد يده وأخذ الشال من على الكرسي، ووضعه برفق على كتفيها لم يتكلم لكن عينيه كانت تقول الكثير ثم انحنى قليلًا واحتضنها من الخلف أحاطها بذراعيه بهدوء، كأنه يخاف أن يوقظ العالم من حولها ، أسند ذقنه على كتفها، وقال بصوت دافئ:-
_ إنتِ دايمًا ناسية نفسك… حتى وإنتِ مرهقة
أغمضت "قدس" عينيها للحظة ثم ابتسمت، وتركت جسدها يميل للخلف قليلًا داخل حضنه كأنها تستسلم للأمان همست :-
_ وأنا لو نسيت نفسي… برجع أفتكرها لما أكون في حضنك
ساد صمت جميل ليس صمت فراغ ؛ بل صمت ممتلئ فشدّ ذراعيه حولها أكثر قليلًا وقال بصوت أهدأ :-
_ عارفة يعني إيه حب؟
رفعت رأسها قليلًا لتسمعه فأكمل وهو ينظر للوحة ثم لها
_ الحب مش كلام حلو وبس الحب إنك تلاقي حد، مهما الدنيا وجعته… يفضل هو هو، سند مش بيطلب منك تبقي قوية طول الوقت بس بيبقى موجود لما تقعِك الدنيا
التفتت إليه بالكامل هذه المرة وعينها لامعة بهدوء
_ وأنا بالنسبة لك إيه؟
ابتسم "الجارحي" ابتسامة صغيرة، فيها يقين لا يهتز وأجاب:-
_ إنتِ مش "بالنسبة لي" إنتِ المكان اللي برجعله لما أتعب
اقتربت خطوة وأسندت جبينها على صدره وهمست:-
_ يبقى أنا كدة مطمنة
أحاطها بذراعيه أكثر وقال بهدوء أخير، كأنه يغلق العالم خارج هذا اللحظة مُتابع الحديث :-
_ والمفروض إن العالم كله يهدى لما تبقي في حضن حد بيحبك بجد
"قُدس" ما زالت داخل حضنه، مستندة إليه كأنها وجدت مكانها الوحيد في العالم، و"الجارحي" يحتضنها بصمت، وكأن الزمن توقف احترامًا لهذا الأمان الصغير لكن فجأة اهتز هاتفه على الطاولة ،لم يتحرك في البداية كأنه لا يريد أن يفسد اللحظة لكن النظرة التي التقطها على الشاشة جعلت ملامحه تتغير قليلًا تنهد بهدوء ثم أبعد ذراعيه عنها ببطء شديد، كأنه يترك جزءًا من نفسه يبتعد خطوة أمسك الهاتف، وفتح المكالمة وصوت عميق خرج منه مٌتحدث قائلًا:-
_ أنا جاي
أغلق الهاتف والتفت إليها وكانت ما زالت واقفة مكانها، تحمل دفء اللحظة على كتفيها وكأنها لا تفهم لماذا انقطع اقترب منها مرة أخرى، لكنه هذه المرة لم يحتضنها ؛ بل نظر لها فقط .. نظرة مختلفة فيها قرار قال بهدوء:-
_ أنا رايح أعمل حاجة لازم تتعمل من زمان
رفعت حاجبها بخفة وقلق شديد :-
_ حاجة إيه؟
سكت لحظة ثم قال بجدية:-
_ هقسم الميراث
تجمدت ملامحها ناظرة إلى تعبير وجهه الجادة ولا مجال للأحتمالات أو الجدال فتمتمة بتلعثم:-
_ إزاي يعني؟
أخذ نفسًا عميقًا، كأنه يضع ثقل سنين على كتفه قبل أن يتكلم ثم قال موضحًا:-
_وصية جدي كانت بتخلّي الورث يتجمع في إيدي أنا لوحدي بس أنا شايف إن ده كان سبب الخراب مش القوة والعائلة اللى كبرها أتفككت منه خلاص، وأديكي شايفة وصلنا لاي يا قُدس فى الحرب دى
اقترب خطوة، وصوته أصبح أكثر ثباتًا:-
_ الفلوس فرّقتنا… خلتنا نتحارب بدل ما نسند بعض وأنا مش عايز العيلة دي تفضل تاكل في بعضها
نظرت له بصمت، كأنها تحاول تفهم عمق القرار ومسكت يده بلطف تدعمه فى أى قرار يتخذه وقالت:-
_وهتعمل إيه؟
رفع عينيه إليها وكانت هذه المرة مختلفة… فيها يقين رجل لا يتراجع حسم أمره لإنهاء هذه الحرب فقال:-
_هوزع كل حاجة بالعدل… زي الشرع ما بيقول أنا عارف أن اللي جاي مش سهل… بس وجودك في حياتي هو اللي مخليني أقدر أبدأ
تبسم لها بلطف يطم~نها من هول القرار والخطوة القادمة ثم خرج وظلت "قدس" واقفة بين دفء حضنه الذي لم يكتمل وصدى قراره الذي بدأ يهز بيت العائلة كله
_____________________________
استيقظ "يزيد" بصعوبة لم تكن ليلة نومه كاملة، وكأن عقله ظل مستيقظًا حتى وهو نائم فتح عينيه ببطء… ثم اعتدل وهو يتثاءب، يمسح وجهه بكفّه محاولًا استعادة وعيه الهدوء في الشقة كان مُعتادًا هادئًا أكثر من اللازم فنهض من فراشه بخطوات شبه ناعسة، واتجه نحو باب غرفته وهو يمد ذراعيه بتكاسل يفتح الباب وهو يمطى جسده ويتثاءب ، في البداية لم يلتقط عقله أي شيء مجرد ضوء خافت، وصمت، وهواء ساكن لكن خطوة واحدة إلى الأمام كانت كافية ليتجمد مكانه توقف التثاؤب في منتصفه وتوقفت الحركة في جسده كله كأن الزمن نفسه قرر أن يتوقف لثانية واحدة اتسعت عيناه تدريجيًا ثم أكثر ثم على مصراعيها تمامًا، كأنه لا يصدق ما يراه ارتخى ذراعه بجانبه ببطء وتغيرت ملامحه من النعاس إلى صدمة كاملة، صمتت فيها كل الأفكار حدق أمامه غير قادر على النطق أو الحركة فقط دهشة صافية انكسرت داخل عينيه لحظة الوعي الأولى، وكأن ما يراه الآن ليس شيئًا عابرًا… بل بداية شيء أكبر بكثير مما كان يتوقعه وظل واقفًا مشدوهًا وعينيه المفتوحتين على آخرهما .........
رواية حرب سقطت راءها الفصل الثلاثون 30 - بقلم نورا عبد العزيز
[[ أحيانًا لا تكون المعجزات صاخبة...
لا تأتي على هيئة انتصارات عظيمة أو أحداث تهز العالم.
أحيانًا تكون المعجزة مجرد خطوة...
خطوة صغيرة جدًا يراها الجميع عادية، بينما يراها قلبٌ مكسور بداية طريق العودة من الهاوية
فبعد الليالي الطويلة من الخوف...
وبعد أن يصبح مجرد النهوض من الفراش معركة...
تصبح أبسط المحاولات بطولة لا يراها إلا من ذاق السقوط ]]
____________________________
فتح "يزيد" باب غرفته وهو يتثاءب بتكاسل شديد شعره مبعثر وعينيه نصف مغلقتين من أثر النوم المتقطع الذى لم يفارقه منذ أيام خرج بخطوات بطيئة يفرك مؤخرة عنقه بكفه وهو يتمتم بضيق:-
_ أصبحنا وأصبح الملك لله
لكن خطواته توقفت فجأة، توقفت لدرجة جعلت بقية الجملة تموت داخل فمه، أتسعت عيناه تدريجيًا ثم أكثر حتى اختفى أثر النعاس تمامًا من وجهه كان هناك ورقة صغيرة معلقة على باب غرفته ورقة بيضاء مثبتة بشريط لاصق بعناية تجمد مكانه للحظات ينظر إليها ثم حول نظره ناحية غرفة "ليل" المغلقة وعاد للورقة مرة أخرى اقترب منها ببطء وكأنه يخشى أن تكون سرابًا مد يده ونزعها من مكانها يقࢪأها وفور أن وقعت عيناه على أول سطر شعر بشيء دافئ يمر داخل صدره، خط يدها كانت تلك أول مرة تكتب له فيها تبادر نحوه بأي شيء، أول مرة تمد يدها خطوة واحدة خارجة من حصنها المغلق
ابتلع ريقه بصعوبة وبدأ القراءة
(شكرًا على الكتب...
أنا قرأت أول كتاب منهم.....
توقفت عيناه على الجملة وأعاد قراءتها مرة وثانية فتمتم بدهة من تقدمها للأمام بخطوة:-
_ قرأته
تبسم ببأريحية وهو يتابع تمتمته:-
_يعنى فتحت الكتب وبدأ تستجيب وقبلت هديتي مركنتهاش
أغمض عينيه للحظة قصيرة وكأن قلبه تلقى هدية لم يكن يتوقعها
ثم أكمل قراءته
( لو مش هيكون فيه تعب عليك...
ممكن تجيبلي الملازم بتاعة الكلية؟
وكمان أوراق المحاضرات الأخيرة...
أنا عايزة ألحق الامتحانات النهائية)
سقطت عيناه على آخر سطر وبقى يحدق فيه طويلًا حتى شعر بوخزة غريبة خلف عيني لم تكن دموعًا لكنه كان راحة واسترخاء تجاهها، رفع رأسه ببطء نحو باب غرفتها وكأن الباب الخشبي البسيط تحول فجأة إلى أجمل منظر رآه فى حياته فهى لم تطلب دواء، الهروب، أن تختفى؛ بل طلبت أن تعود... أن تعود للدراسة، للحياة، وأن تعود لتكون "ليل" الفتاة المرحة بخفة الفراشة، طلبت أن ينتشلها من القاع المُعتم بطريقة غير مباشرة
جلس على الأريكة ببطء شديد والورقة بين أصابعه وينظر إليها كما لو كانت كنزًا ثم ضحك فجأة ضحكة صغيرة خرجت رغماً عنه، ضحكة رجل ظل أيامًا يحاول سحب شخص من الظلام ثم لمح أخيرًا شعاع الضوء الأول فرفع الورقة إلى شفتيه وقبلها بخفة دون وعى منه ثم قال بصوت مبحوح من شدة فرحته:-
_ والله لو عايزة أجيبلك الكلية كلها هجيبها...
نهض من مكانه بسرعة متحمسًا لهذه البداية لكن توقف فكر لثوانٍ
واتجه إلى باب غرفتها رفع يده ليطرق الباب وكان متحمسًا لرؤيتها الآن لكنه تراجع وابتسم بخفة ثم أنزل يده احترامًا لها واحترامًا لتلك الخطوة الصغيرة التى أخذت منها شجاعة أكثر مما يتخيل فتحدث من خلف الباب بهدوء:-
_ صباح الخير يا ليل
ساد الصمت لثوانٍ لكن هذه المرة لم يكن الصمت مخيفًا بل يحمل نار الأنتظار فألتفت واثقًا بأن لن تُجيب كعادتها وتحرك خطوة ليغادر لكن جاءه صوتها، خافت، ضعيف لكن واضح لأول مرة منذ تلك الليلة وبعد أن أصبحت زوجته تتحدث مع أحد او معه بالأحري:-
_ صباح النور
تجمد "يزيد" مكانه واتسعت ابتسامته دون إرادة بينما فى الداخل كانت "ليل" جالسة على طرف السرير تضم الكتاب إلى صدرها وقلبها ينبض بخوف لكن للمرة الأولى لم يكن الخوف وحده ظل "يزيد" واقفًا أمام الباب لثوانٍ طويلة ثوانٍ فقط، لكنها كانت كافية ليشعر أن شيئًا كبيرًا قد تغير، لم تكن الكلمات التى سمعها مميزة فى ظاهرها
مجرد "صباح النور"
لكن بالنسبة له كانت أشبه بعودة شخص غاب طويلًا فأغمض عينيه لحظة وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بلطف:-
_ متقلقيش... قبل آخر النهار هتكون الملازم والأوراق عندك
صمت قليلًا ثم أضاف بابتسامة واضحة فى صوته:-
_ ولو ناقصك أى حاجة تانية ابعتلى على الواتس
لم يأته رد فلم يضغط عليها أكثر اكتفى بأن قال بهدوء:-
_ هستناك تفطري الأول... وبعدين أروح أجيبهم
ثم ابتعد عن الباب وغادر وظلت خطواته تُسمع تدريجيًا حتى اختفت تمامًا، داخل الغرفة كانت "ليل" جالسة فوق السرير الكتاب ما زال بين يديها ظلت تحدق نحو الباب المغلق لثوانٍ طويلة بعد رحيله
ولأول مرة منذ أيام ارتفعت زاوية شفتيها قليلًا بابتسامة صغيرة جدًا وخفيفة جدًا لكنها حقيقية شعرت بها بنفسها وشعرت بغرابتها أيضًا
رفعت يدها ولمست شفتيها كأنها تتأكد أن الابتسامة موجودة فعلًا ثم انزلت يدها ببطء إلى الكتاب المستقر فوق ساقيها، كانت كلمات "قُدس" ما زالت عالقة فى رأسها وصوت ابنة عمتها وهى تجلس بجوارها دون أسئلة، فضول، دون نظرات شفقة فقط تمسك يدها وتخبرها أن الحياة لم تنتهِ أنها ما زالت "ليل" وأن ما حدث لا يملك الحق فى سرقة عمرها كله حتى وهى لا تعرف ماهية ما حدث
ثم جاء "يزيد" بصبر غريب، لم يسأل، لم يضغط، لم يقتحم خوفها
كان يترك لها المسافة التى تحتاجها وفى نفس الوقت لا يتركها تسقط وحدها كأن الاثنين أمسكوا بيدها من طرفين وسحبوها برفق شديد من القاع الذى غرقت فيه، بلا أوامر وإجبار فقط بالكثير من الرفق وأنزلت نظرها إلى الكتاب مررت أصابعها على غلافه ببطء ثم فتحته من الصفحة التى توقفت عندها وفى هذه المرة لم تكن تقرأ هربًا من أفكارها؛ بل تقرأ لأنها تريد أن تعرف ماذا سيحدث فى الصفحة التالية تمامًا كما بدأت تريد أن تعرف ماذا سيحدث فى حياتها القادمة......
______________________
كان "الجارحي" جالسًا خلف مكتبه العريض، مرفقاه مستندان فوق سطح الخشب اللامع، بينما أمامه جلس المحامي العائلي يقلب بعض الأوراق القديمة الخاصة بممتلكات العائلة
أشعة العصر الذهبية كانت تتسلل من النافذة خلفه، لكن ملامح "الجارحي" بدت أكثر جدية من أن يلتفت إلى جمال النهار رفع المحامي نظارته قليلًا وقال:-
_ يعنى حضرتك مصمم على القرار؟
هز "الجارحي" رأسه بهدوء:-
_ أيوة
نظر المحامي للأوراق مرة أخرى ثم قال:-
_ بس أنا لازم أوضحلك الوضع القانوني الأول
أشار "الجارحي" بيده وهو يعرفه تمامًا:-
_ اتفضل
تنحنح المحامي وقال بهدوء:-
_ وصية المرحوم كانت واضحة جدًا كل الأملاك والأسهم والأراضي انتقلت ليك بشكل قانوني كامل، ومحدش يقدر يعترض عليها
أجاب "الجارحي" ببرود:-
_ أنا مش بسألك عن الوصية..أنا عارفها
نظر إليه المحامي للحظة ثم قال:-
_ الشرع حاجة مختلفة
سحب ورقة أخرى من الملف وأكمل:-
_ لو هنتكلم شرعًا، فالأحفاد أصلًا لا يرثوا مع وجود الأبناء الأحياء
عقد "الجارحي" حاجبيه قليلًا فأوضح المحامي:-
_ يعنى حضرتك حفيد المرحوم وعندك والدك فؤاد وعمك هادى وعمتك هدير وآسيا والزوجتين الحاجة وصيفة والحاجة مديحة لسه عايشين، فبالتالى أنت لا تعتبر وارث أصلًا فى وجودهم
ساد الصمت للحظات، صمت ثقيل حتى المحامي نفسه شعر بالحرج من وقع الكلمات، لكن المفاجأة أنه وجد "الجارحي" يبتسم ابتسامة هادئة جدًا وكأن شيئًا كان ينتظر سماعه منذ فترة طويلة فقال المحامي باستغراب:-
_ أنت مبتضايقش؟
ضحك "الجارحي" بخفة وأرجع ظهره للمقعد بثقة ثم قال:-
_ أضايق ليه؟
_ لأنك حرفيًا هتتنازل عن كل حاجة مش نسبة بس من التركة
نظر "الجارحي" نحو النافذة بشرود قصير وتذكر صراخ "مديحة" اليومي وخصومات العائلة ونظرات الشك التى أصبحت بين الجميع وتذكر كيف تحولت البيوت التى كانت يومًا سندًا لبعضها إلى جزر متفرقة يأكل بعضها بعضًا ثم عاد ببصره للمحامي وقال بهدوء:-
_ الفلوس عمرها ما كانت مشكلتي
_ لكن دى ثروة ضخمة
_ والثروة دى عملت إيه غير أنها فرقت الناس؟، جدي كان فاكر إنه بيحمي العائلة وتعبه وشقى العمر عشان مش كل واحد يروح يبيع نصيبه فكتب كل حاجة باسمي... لكن اللى حصل أن العيلة كلها بقت واقفة قصاد بعض
خفض عينيه إلى الأوراق أمامه ثم قال:-
_ كل يوم خناقة و زعل و حد حاسس أنه اتظلم وأنا تعبت وعايز ارميلهم المال اللى عامل زى النار بتحرق فيا، عايز احمي ابنى اللى جاى من غدرهم
رفع رأسه من جديد وأكمل:-
_ طول عمرنا كنا سند لبعض ودلوقت بقينا بنتخانق على أراضي وبيوت وفلوس وأنا مش عايز كدة
أغلق المحامي الملف ببطء وقال:-
_ يعنى أبدأ إجراءات القسمة الشرعية؟
أجاب فورًا دون تردد:-
_ أبدأ كل واحد ياخد حقه اللى ربنا كتبهوله قسمة العدل
تنهد المحامي وقال:-
_ بس هل الكل هيوافق بسهولة
ابتسم "الجارحي" ابتسامة هادئة هذه المرة، ابتسامة رجل اتخذ قراره وانتهى الأمر ثم قال:-
_ المهم أبقى أنا راضي قدام ربنا أما الناس فربنا يهديهم لبعض
أغلق الملف أمامه وفى تلك اللحظة تحديدًا شعر لأول مرة منذ وفاة جده أن الحمل الثقيل فوق كتفيه بدأ يخف قليلًا ربما لأن المال كان يمنحه السلطة لكن العائلة كانت تمنحه السند وهو أخيرًا اختار السند.
ساد الهدوء داخل المكتب والمحامي يكتب العقود ويجهز الملفات وبدء تجهيز الأوراق اللازمة للقسمة الشرعية كان "الجارحي" مستندًا إلى ظهر مقعده وقد شعر لأول مرة منذ شهور أن صدره أخف قليلًا
كأنه وضع حجرًا ثقيلًا كان يحمله فوق كتفيه لكن الراحة لم تدم طويلًا فُتح باب المكتب بعنف دون طرق
ودلف "يزيد" بوجهه شاحب وعيناه ممتلئتان بصدمة لم يرهما "الجارحي" بها من قبل رفع حاجبه باستغراب:-
_ خير؟
لكن "يزيد" لم يجب مباشرة ظل واقفًا للحظات يحاول استيعاب ما عرفه للتو ثم قال بصوت خشن:-
_ أقفل الباب
اعتدل "الجارحي" فى جلسته فورًا فهذه النبرة لا تحمل خيرًا
أغلق "يزيد" الباب بنفسه ثم التفت إليه وقال:-
_ عندى خبر مش حلو خالص يعتبر مصيبة يا معلم
تقلص فك "الجارحي" تلقائيًا وأحساس ثقيل بدأ يهبط داخل صدره فقال بحزم شديد:-
_ أنطق يا يزيد
ابتلع "يزيد" ريقه بصعوبة
ثم قال:-
_ ست مديحة راحت بنفسها قابلت جلال في شركته
ساد الصمت، ثانيتان وثلاث حتى عقد "الجارحي" حاجبيه بعدم فهم او يحاول عدم استيعاب ما يسمعه:-
_ جلال مين؟
نظر إليه "يزيد" مباشرة وقال بوضوح:-
_ جلال الصياد
اختفت الراحة من وجه "الجارحي" بالكامل واستقام جالسًا.
_ راحتله ليه؟
هنا فقط شعر "يزيد" بأن الجملة القادمة أثقل مما ينبغى لكنه قالها:-
_ دفعتله فلوس مقابل
_ فلوس مقابل أى؟ ديحة ليها مصلحة اى مع مجرم زى دا
صمت "يزيد" ثانية ثم قال:-
_ مقابل قتلك
وكأن قنبلة انفجرت داخل الغرفة، لم يتحرك "الجارحي" او يتفوه بكلمة حتى أن رمشة عين لم تتحرك فقط نظر إلى "يزيد" نظرة جامدة بشكل مخيف، بينما أكمل "يزيد" بصوت غاضب:-
_ المجوهرتي بتاع العائلة بعت مبلغ من الفلوس على الوكالة هنا ولما كلمته قال أن الحاجة مديحة باعتله ذهب كتير جدا واخذته منه 2 مليون وربع وكان باقي ربع مليون لعدم السيولة معه بعتهم ولما دورت على المبلغ وسألت السواق بتاعها قال أنه وصلها من أسبوع فى نفس الميعاد تقريبا اللى قال عليه المجوهرتي لشركة حراسات اسمها الصياد وسمعها بتتكلم فى التليفون عن أنها هتدفع لحد يجيبلها حقها منك وبعد موتك الورث هيرجع
ارتفع صوت أنفاس "الجارحي" تدريجيًا وتحول الصمت إلى غضب بارد، الغضب الذى يعرفه الجميع جيدًا، الذى يسبق العاصفة ونظر إلى الأوراق الموضوعة فوق مكتبه، أوراق التنازل عن الملك نظر إليها
طويلًا جدًا فى يد المحامي ثم ضحك ضحكة قصيرة، باردة، خالية تمامًا من المرح أثارت قشعريرة فى جسد "يزيد" وتمتم بضيق:-
_ كنت لسه من خمس دقايق بقول للمحامى أن العيلة أهم من الفلوس
قالها بصوت منخفض ثم أمسك أول ملف أمامه وألقاه بعنف على الأرض تبعته بقية الملفات ووقف فجأة من مقعده
حتى اهتز المكتب أمامه وقال بانفعال لأول مرة:-
_ وأنا طالع أتنازل عن حقى وأرجع لكل واحد نصيبه، هى رايحة تدفع فلوس عشان تقتلنى؟!
ارتفعت عروقه فى عنقه بوضوح وعيناه اشتعلتا غضبًا صارخًا من الغيظ والغدر الذي يتعرض له منهم دائمًا:-
_ دا أنا كنت فاكرها طمعانة فى الفلوس، طلع الموضوع أكبر من كدة بكتير
ثم التفت ناحية المحامي الذى كان ما يزال واقفًا وقد تجمد مكانه من هول ما يسمع وأشار إلى الملفات المبعثرة على الأرض
وقال بحدة:-
_ القسمة اتلغت أنا مش هوزع ملك
سقط الصمت على الغرفة من جديد لكن هذه المرة كان صمتًا مخيفًا
ثم أخذ "الجارحي" سترته من فوق المقعد وارتداها بعنف حتى كادت أزرارها تتمزق بين أصابعه فسأله "يزيد" بحذر:-
_ رايح فين؟
رفع "الجارحي" عينيه إليه وكان الشرر يتطاير منهما ثم قال بصوت غليظ أخاف حتى "يزيد":-
_ رايح أسأل ستي مديحة بنفسى هى عايزة تورث ولا عايزة تدفن حفيدها الأول
ثم اندفع خارج المكتب بخطوات غاضبة بينما تبعه "يزيد" سريعًا وقد أدرك أن البيت كله بعد دقائق لن يبقى كما كان أبدًا
____________________________
فى الجهة الأخرى من المنزل
كانت الأجواء أكثر هدوءًا، هدوء دافئ يشبه دفء البيوت القديمة التى ما زالت تحتفظ برائحة الأمان بين جدرانها، جلست "وصيفة" على الأريكة العريضة بجوار النافذة المفتوحة، بينما كانت "قُدس" مستلقية برأسها فوق فخذ جدتها وقد أغمضت عينيها بإرهاق واضح بدأت أعراض الحمل تظهر عليها شيئًا فشيئًا، لم يعد الأمر مجرد خبر جميل تتناقله العائلة؛ بل أصبح واقعًا يسكن جسدها... إرهاق مفاجئ، دوخة تأتى دون إنذار، حساسية غريبة تجاه الروائح وغثيان يهاجمها فى أكثر الأوقات غرابة
وضعت "وصيفة" كفها المجعدة فوق شعرها تربت عليه بحنان أمٍ عجوز مرت بكل مراحل الحياة وعرفت وجع النساء وفرحتهن فقالت بحب:-
_ عاملة أى دلوقت يا قلب صفصف؟
فتحت "قُدس" عينًا واحدة فقط وقالت بتذمر طفولى:-
_ تعبانة
ضحكت "وصيفة" بخفة وهى تداعب خصلات شعر صغيرتها:-
_ دى إجابة عامة أوى
_ لا بجد تعبانة كل ما أشم ريحة أكل أحس أنى هموت وكل ما اجوع وأجى آكل أبقى هموت من الترجيع وكل شوية أنام وكل شوية أصحى، أنا مش فاهمة جسمى ماله
ربتت "وصيفة" على رأسها بحنان أكبر:-
_ جسمك بيخلق روح يا حبيبتى، أكيد هيتعب
ابتسمت "قُدس" بخفوت لكنها سرعان ما أغمضت عينيها مرة أخرى
كانت تشعر بثقل غريب فى أطرافها، كأن جسدها يستهلك طاقته كلها فى مهمة لا تراها حتى ظهرها الصغير بدأ يؤلمها من أقل مجهود
ومعدتها أصبحت لا تطيعها أبدًا، مدت يدها نحو كوب الليمون الموضوع أمامها فأسرعت "وصيفة" تمسكه قبل أن يقع منها وقالت بصرامة محببة:-
_ على مهلك، تحبي أشربك أنا
ضحكت "قُدس" رغماً عنها وجلست أمامها:-
_ يا ستى أنا مش مريضة
_ أيوة حامل والحامل عندى أهم من المريضة
قالتها بحينة ثم قربت الكوب من شفتيها، لتشرب "قُدس" عدة رشفات صغيرة وشعرت بعدها براحة بسيطة فسندت رأسها من جديد على فخذ جدتها وأغمضت عينيها، ظلت "وصيفة" تمسد على شعرها الأسود الطويل بحنان، تتأمل وجهها الصغير وابتسامتها الهادئة وتلك البراءة التى ما زالت تسكن ملامحها رغم كل ما مرت به وقالت فجأة:-
_ تعرفى يا بت، أنا كنت خايفة عليكِ أوى
فتحت "قُدس" عينيها باستغراب وقالت:-
_ من إيه؟
تبسمت "وصيفة" بحب وهتفت:-
_ من جارحي
ضحكت "قُدس" فورًا بينما أكملت الجدة:-
_ كنت أقول الواد دا قلبه حجر وعصبي وصوته عالى وقلت فى عقل بالى هيخوف البت الغلبانة دى، لكن طلع قلبه بيطاطى ليكى أكتر من أحد
احمر وجه "قُدس" بخجل واضح فقالت وهى تحاول إخفاء ابتسامتها:-
_ صفصف
_ نعم يا عين صفصف
ازداد احمرار وجه "قُدس" ففهمت الجدة خجلها ووضعت يدها فوق بطنها الصغيرة برفق شديد وقالت بحنان:-
_ ربنا يتمملك على خير ويجى بالسلامة ويرزقكم أيام أحسن من اللى فات
أخفضت "قُدس" بصرها نحو بطنها ولأول مرة منذ الصباح وضعت كفها فوقها هى الأخرى لم تكن تشعر بحركة بعد ولا تسمع صوتًا
لكن مجرد فكرة وجود جزء صغير من "الجارحي" ينمو داخلها جعلت قلبها يخفق بدفء غريب دفء يشبه الوطن ويشبه الأمان ويشبه الحب حين يتحول إلى حياة جديدة
كانت "قُدس" ما تزال مستندة برأسها فوق فخذ "وصيفة"، بينما يدها الصغيرة مستقرة فوق بطنها فى حركة تلقائية بدأت ترافقها مؤخرًا كلما شردت فى طفلها القادم
أما "وصيفة" فكانت تمسد على شعرها بحنان وتتمتم ببعض الأدعية لحظة هادئة ودافئة تشبه السلام
لكن السلام فى بيت "الجارحي" لم يكن يدوم طويلًا فجأة اهتز باب الشقة بقوة ثم انفتح بعنف حتى ارتجف المقبض فى مكانه فانتفضت "قُدس" من مكانها فزعًا بينما التفتت "وصيفة" ناحية الباب ليدخل "الجارحي" كالعاصفة وجهه محتقن عيناه تقدحان شررًا وصدره يرتفع ويهبط بعنف واضح حتى أن هيئته وحدها كانت كافية لبث القلق فى النفوس، وقف فى منتصف الصالة وهو يرمق المكان بعينين غاضبتين ثم قال بصوت هادر:-
_ أبويا فين؟
ارتبكت "وصيفة" من هيئته وقالت:-
_ فى الجامع غالبًا
نظر حوله مرة أخرى وتابع بشرارة تهب منه:-
_ وعمى هادى؟
_ خرج من شوية
ضيق عينيه ثم استدار فورًا نحو الخارج فأسرعت "قُدس" تقف رغم ثقل جسدها وهى تناديه بقلق:-
_ جارحي!
لكنه لم يتوقف؛ بل خرج من الشقة بخطوات غاضبة جعلت الأرض تهتز تحت قدميه نظرت "وصيفة" إلى "قُدس" ونظرت "قُدس" إليها وكلاهما أدرك أن مصيبة جديدة فى الطريق
فى الجهة المقابلة كان باب شقة "مديحة" مغلقًا لكن "الجارحي" لم يطرقه؛ بل فتحه بعنف ودلف للداخل فانتفضت "مديحة" من فوق الأريكة ونظرت إليه بصدمة صارخة بغضب من تصرفه:-
_ فى أى يا واد أنت؟!
لكنها لم تحصل على جواب وقف أمامها مباشرة عيناه مشتعلة وعروقه بارزة فى عنقه وقال بصوت أرعبها لأول مرة فى حياتها:-
_ بعتي ذهبك ليه يا ستى؟
تجمدت ملامحها للحظة قصيرة فقط لكنها كانت كافية ليلتقطها
كافية ليعرف فابتسم ابتسامة باردة جدً وقال:-
_ ذهبك، ذهب المرحوم اللى جابهولك رميتي وبعتيه ليه؟
وقفت من مكانها بعصبية مُتحدثة بضيق:-
_ أنت بتتكلم عن أى؟
اقترب خطوة
_ بتكلم عن جلال
سقط الاسم كالحجر على مسمعها وتجمد وجهها تمامًا بينما أكمل هو:-
_ بتكلم عن الفلوس اللى دفعتيها، العقد اللى عملتيه، عن الراجل اللى استأجرتيه يقتلنى
خرج صوتها مرتجفًا هذه المرة:-
_ كدب
ضحك ضحكة قصيرة مخيفة ثم صرخ فجأة:-
_ متكدبيش!
اهتزت الجدران حولهم من شدة صوته وفى نفس اللحظة بدأت أبواب الشقق تفتح ودخل أفراد العائلة على أثر الضجة "فؤاد" و"هادى"وهكذا "وصيفة" بصحبة"قُدس" وخرجت "آسيا" من الغرفة
والدهشة تعلو وجوههم، أما "الجارحي" فكان يقف فى منتصف الصالة كبركان انفجر أخيرًا وأشار نحو "مديحة" بإصبعه وقال مُحدث الجميع بانهيار عصبي:-
_ كنتوا عايزين تعرفوا أنا ليه أخدت الورث؟ كنتوا فاكرينى طماع وحرامى وظالم، تمام أنا كدة، أنا النهاردة كنت قاعد مع المحامى
وبحضر أوراق التنازل وهقسم التركة اللى نصيبي وحلال لأنى مجبرتش جدي يكتبها بأسمي، بس قولت لا العائلة وحقوقهم مع أنه بعد ما اتكتب برغبته وهو بكامل قواى العقلية باسمي مبقاش لأى حد فيكم حق فيه، بجهز كل حاجة عشان كل واحد يرجعله نصيبه اللى عايزه
ساد الصمت، صدمة كاملة احتلت الوجوه، حتى "فؤاد" اتسعت عيناه بقوة أمام أنهيار ابنه العصبي وانفعاله الزائد وقد خرج عن شعوره وسيطرته أما "هادى" فنظر إليه غير مصدق،بينما أكمل "الجارحي" بغضب:-
_ كنت هوزع كل حاجة، كل متر أرض، كل جنيه وكل بيت كنت هسلمهم بإيدى ومسبتش لنفسي قرش واحد
توقف عن الحديث يبتلع كلماته فى حلقه ثم التفت فجأة ناحية "مديحة" وأكمل بصوت أكثر قسوة:-
_ وفى نفس الوقت كنتى دفعتي فلوس عشان تقتلينى
شهقت "وصيفة" بينما وضعت "قُدس" يدها فوق فمها بصدمة أما "فؤاد" فشحب وجهه تمامًا وتراجع خطوة للخلف نظر إلى والدته بعدم استيعاب وهى تحاول قتل ابنه، ألم يكفيها حسرته على ابنه "عماد الدين"
_ أمى؟
لكن "مديحة" لم تتكلم لم تجد ما تقوله أصلًا، فصرخ "الجارحي" من جديد:-
_ كنتى مستعجلة للدرجة دى؟ بس كنتي مستعجلة تاخدى الورث قبل ما أرجعه؟ ولا كنتى مستعجلة تشوفينى فى قبرى الأول؟!
ثم أمسك أول ملف كان لا يزال بيده ومزقه نصفين أمام الجميع وألقى الأوراق أرضًا وأكمل بغضب بركاني:-
_ اسمعوا كلكم من النهاردة، المال دا مالى والورث دا حقي وباسمي ومحدش هيأخد منه جنيه واللى عايز يورث أو يملك كلكم عارفين عنوان قبر جدي روح خدوا حقوقكم منه
نظر للجميع بعينين يملؤهما الغضب والخذلان ثم قال ببطء شديد:-
_ كنت هفتح باب الجنة بينا لكن واضح أن بعض الناس اختارت الجحيم فخلاص هتشوفوا الجحيم وأقسم بالله محدش فيكم هياخد منى جنيه واحد بعد النهاردة
ساد الصمت صمت ثقيل وخانق
بينما كانت نظرات الصدمة تنتقل بين أفراد العائلة أما "قُدس"
فشعرت لأول مرة أن الجرح الذى ظل ينزف داخل هذه العائلة منذ وفاة جدها قد انفجر بالكامل ولم يعد أحد قادرًا على إيقاف النزيف.....
_____________________
فى مكانٍ آخر
بعيدًا عن صراخ العائلة وحروب الميراث كانت حربٌ أخرى تبدأ، حرب لا تُحسم بالمال، ولا بالنفوذ، ولا بالسلاح؛ بل حرب يخسر فيها أقوى الرجال أمام كلمة واحدة ينطقها طبيب
وقف "جلال" أمام غرفة الطبيب داخل المستشفى ظهره مستقيم كعادته وهيبته التى كانت تُرعب الرجال ما زالت كما هى لكن وجهه لم يعد كما كان كانت عيناه مثبتتين على الطبيب الذى يجلس أمامه يحمل الأشعة والتقارير الطبية
أما عقله فكان عالقًا عند الجملة التى سمعها للتو كأنها ترفض المغادرة و التصديق، قال الطبيب بحذر شديد:-
_ للأسف التحاليل الأخيرة أكدت الشكوك اللى كانت عندنا
لم يرد "جلال" ولم يرمش حتى فأكمل الطبيب:-
_ الورم رجع من جديد
تشنج فك "جلال" بقوة حتى برزت عضلات وجهه بوضوح بينما تابع الطبيب حديثه:-
_ المرض كان فى حالة هدوء لشهور الأخيرة، لكن واضح أن الضغط النفسي والإجهاد الشديد أثروا بشكل كبير
ظل الصمت سيد الموقف، صمت ثقيل، مخيف حتى الطبيب نفسه بدأ يشعر بالتوتر من نظرات الرجل الجالس أمامه
خرج صوت "جلال"خافتًا على غير عادته يقول بتلعثم:-
_ نسبة الخطورة؟
خفض الطبيب بصره نحو الملف ثم قال بصراحة:-
_ محتاجين نبدأ العلاج فورًا وأى تأخير هيكون خطر
أغلق "جلال" عينيه للحظة لحظة واحدة فقط، لكنه شعر خلالها أن الأرض سُحبت من أسفل قدميه وعاد المرض، عاد إليها مرة أخرى
إلى "ليان"، المرأة التى حارب العالم كلهلأجلها،ا المرأة التى تعلم بسببها لأول مرة معنى الخوف ومعنى الفقد، معنى أن يصبح قلب الرجل رهينة شخص واحد، رفع رأسه ببطء نحو الطبيب وسأله بصوت أجش:-
_ وهى تعرف؟
هز الطبيب رأسه بالنفى
_ لا، أنا استدعيت حضرتك الأول وأعتقد أن قرار إخبارها لازم يكون مدروس لأن حالتها النفسية مهمة جدًا الفترة دى
عاد الصمت من جديد لكن هذه المرة لم يكن صمت صدمة؛ بل صمت رجل يحاول أن يمنع نفسه من الانهيار فنظر "جلال" إلى الأشعة الموضوعة أمامه كانت مجرد صور رمادية، لكنها بالنسبة له كانت حكمًا بالإعدام على كل أحلامه، تذكر ضحكتها وعنادها، تكبرها المستفز، خناقاتها اليومية معه، نظراتها الغاضبة، حتى صوتها وهى تناديه باسمه كل تلك التفاصيل التى كان يتذمر منها أحيانًا، بدت الآن كنعمٍ يخشى فقدانها خرج من غرفة الطبيب بخطوات بطيئة
على غير عادته حتى الحراس الواقفون بالخارج نظروا إليه باستغراب فـ"جلال الصياد" لم يكن يومًا رجلًا يهتز أو تبدو عليه الهزيمة
لكن اليوم كانت الهزيمة تقف فوق كتفيه فأتكأ بذراعه على الحائط وشعر بثقل قدميه وقد نفدت طاقتهما ولم يعدا يقوى على حمله أكثر.......