تحميل رواية «حواء بين سلاسل القدر» PDF
بقلم لادو غنيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بدروب الحياة تفتح الأبواب. يختار القدر أشخاص يطلق عليهم عنان الأشواك. أصبحت المختارة لأتنقل بقدمي هاوية تجهل السير بتلك السراديب الإلهية. فيا عازف الأقدار اعزف قدري بالحان السلام فبالله لا تقسوا على صغيرة. جردها القدر من أحلامها. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد. " نسافر بخيالنا إلى الصعيد، وبالأخص قنا، في أحد البيوت حديثة البناء، داخل آخر شقة بالطابق الأخير، نجد بحجرة النوم فتاة في بداية الثلاثينات تدعى نهى، قد خرجت للتو من الحمام بعباءة سوداء خفيفة تظهر مفاتنها، ممسكة بمنشفة صغيرة تجفف شعرها...
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم لادو غنيم
"بارون الغنيمى" عندنا فى المقر و بالأخص فى مكتب "جواد" و بيزعق و بيقول إن "جواد" خاطف "ريحانه القص" مرات "ياسر" أخوه.
أطفئ شاشة الهاتف بابهامهِ بـقسوه مثل نـظرتهِ التى أعلنت عن حنقهِ.
فـوجه اللواء "منذر" لهِ الحديث بـرسميه:
خلص الموضوع يا "جواد".
نـهض عازماً الأمر بـتنفيذ:
عن إذن ساعدتك.
تسارعت أقدامهِ بـخطواتاً تـحمل نيران منبعثه من جميع عروقهِ إلى مـكتبهِ.
و'فـور فتحه للباب وجد الأخر يعتلى المقعد الجلد الاسود، قـدم فـوق الأخرى، و'فوق شفاهِ بـسمة تحدى:
إيه رأيك فى المفاجأه الحلوه دى.
قال تزامناً مع أغلاقهِ للباب:
مفاجأه تسد النفس بصراحه. بـقولك إيه مكنش عندك تمثيليه أرخص من كده تمثلها قُدام زمايلى؟
نـفى بحركه رأسيه إستفزازيه.
فـضاق خلق الأخر، و'سار إليه واقفاً أمامهِ راكلاً قدم "البارون" بـقسوه تزامناً مع قولهِ الجش:
نـزل رجلك يا حيلة أمك مش قاعد ع البلاچ.
فـزعَ الأخر من مقعدهِ حانقاً:
إنتَ قد الحركه دى يابن رضوان.
تقدم خطواتاً إليه حتى كادَ يلتصق بهِ:
قدها و قدود و اللى عندك اعملهُ.
إبتلعَ غضبهِ و لجئ لرداً من نوعاً أخر منبعث بـالمكر:
هوريك بس مش دلوقتى أنا مش مستعجل على حاجه. بس عايزك تشبع من مرات أخويا عـشان قُريب أوى هاخدها منك.
قطب جبهتهِ بـذات النظره تصحبها قـولهِ:
أخوك "ياسر" و لا ليك أخ تالت عشان بس أبقى عارف البت فى الأخر هتبقى مع مين.
ضيق مقلتي
بـستخفاف:
لاء رابع.
ختمَ جملتهِ بقهقهَ غنيه بـالتقليل.
ثمَ عاود الحديث بقولاً بارز الـكراهيه:
قول زى ما تـقول. مـرات أخويا هـخدها منك و هشيلها عندى لحد لما أخويا يرجع و يستلمها منىِ.
هندم لياقة سترتهِ بقولاً يحتوى ع السخريه:
طب تمام إتفضلها بس متنساش تشلها فى حته نضيفه عشان متعفنش منك. و'متنساش تسلملى على أخوك.
ضيق مقلتي
بـستفسار:
شكلك كده بتستهون بكلامى بس هتتأكد لما أخدها منك. إنتَ مفكرنى هسيبهالك ده الموت أقربلك منها.
هـتفَ "جواد" ببحه ملغمه بـحنقاً أمتزجَ بـغيره عارمه.
فـتمايل الأخر بـوقفتهِ ببروداً قاتل:
باين إن مرات أخويا كيفتك أوى لدرجة إنك بقيت مـجنون بيها. طب مدام هـىِ جامده كد مكنتش ليه بتمتع "ياسر" و لا حضرة الظابط بيدفعلها عشان تكيفهُ.
ثـقل العبارات على صدرهِ ك ثقل الأخشاب على الحطابين.
فـتسعت خضرواتيه بـحمرة قرمزيه معلنه عن دمائهِ الحارقه التى تبحر بين عروقهِ.
و'إقتربَ خطوه إليه تزامناً مع حديثهِ ذو البحه الجشه الملتحمه بـهدوءً بغيض:
معلش بقى هى ملهاش فـى مُتعة النسوان اللى زيها.
قصدك إيه.
قصدى وصلك كويس.
قال"البارون" حانقاً:
إنتبه على كلامك. و'بلاش غرورك ده عشان هجيبك الأرض قريب أوى. اما "ريحانه" فـ هتجيلى بنفسها. إنتَ مفكش، حاجه عدله تخليها معاك.
"جواد" بـرسميه بحته:
لاء و إنتَ الصادق شافت فيا الراجل اللى يحميها و يصون شرفها. مش كلب نـجـ س طمعان فيها زيك.
إوعى تـكون مفكر إن وجودك هنا منعنى عن قتلك و قطع لسانك اللى جاب سيرتها.
توء. الـلى حايشنى عنك إن لسه أوان موتك مجاش حتى الضرب خساره فيك عارف ليه لإنك زى البهايم هـتضرب و تكمل نهيئ تانى.
اما بقى للشويتين اللى عملتهُم دول مـلهومش أى لازمه يلا يا روح امك لم شيطانك و'إمشى عشان شيطانى لو حضر بالله ليحرقك.
و متنساش تسلملى على "غنوه" المدام ياترى في البيت و لا مطلعها أوردر نـجاسـ ـه أصل اشباه الرجاله اللى زيك بيسرحو نسوانهم مع كل راجل شويه.
هتحاسب على الكلام ده غالى أوى يابن رضوان.
قدم الفواتير و متشغلش بالك بالحساب هدفعهولك و عليه بقشيش كمان.
التف الأخر ذاهبً بـحقداً عبئ قلبهِ أكثر.
بينما بصق الأخر بـتقزز:
إتفوه ع اللى جابك خلفة أنجـ اس.
"بـذات الـوقت بـمكتب "هشام" بـالشركه كانَ يتحدث عـبر الهاتف مع أحد الأشخاص بنبره مشحونه بـالضيق:
أنا محولك فلوس عشان تلاقيهُم مش عشان تيجى تـقولى الموضوع صـعب.
قال "سامى" من داخل سيارتهِ:
يا أستاذ "هشام" أنا مقولتش إنى مش لاقيهُم أنا كُل اللى بـقولهُ إن الحكايه محتاجه شـوية وقت.
ذلك الوقت الضائع من حياتهِ بـعيداً عن حبيبتهِ و صغيرهِ لم يكُن بـهين مما أثار غضبهِ أكثر بشوقاً مُخلد بـالرفض للفراق أكثر من ذلك:
مفيش حاجه إسمها وقت. إعمل أى حاجه. المُهم تلاقيهُم.
"سامى" بـجديه:
تمام. سلام.
أغلق "هشام" الهاتف.
و'نظر إلى صورتهُم عبر الهاتف بـعين إتسعت ببذور الشوق:
وحشتينى يا "غنوه" وحشتينى أوى. كم كانَ يتمنى أن يلتقى بها. لـينعم معها بـلذة اللقاء و النعيم بمشاعر عشقاً مُخلده.
"فـى تمام الثالثه عصراً بـحجرة نـوم"فارس"كانَ يـجلس فـى شرفة حجرتهِ مع "مرعى" يتلو عليه كلماتً شائعه بـالمصلحه:
إنتَ مش هتخسر حاجه بـالعكس إنتَ هتاخد ثواب.
تسآئل الأخر بستفسار:
ثواب فـى إيه دأنت بتقولى أقرب من "نسمه" و'أعمل نفسى بحبها و أنقلك كُل حاجه بتحصل بنا.
حاول إقناعهِ بحديثاً مُنمق:
إنتَ هـتعمل كده عشان تـخليها تقبل إنها تدخل دين الإسلام هـوَ ده الثواب. و بعدين أنا مبقولكش تعمل فيها حاجه وحشه لاسمح الله أنا كُل اللى بطلبُه منك تـقرب منها تبقى معاها تـخرج معاها تحاول تحببها فى الإسلام.
"نسمه"عنيده و مش هـتقبل تدخُل الإسلام بـسهوله و أنا حاولت أفهمها قبل كده إنها غلط لأنها المفروض تتولد على دين أمها و أبوها ملهاش إختيار زي ما أهل أبوها ما فهمُوها. عشان كده عايزك تبقى الوسيله اللى تخليها تـغير تفكيرها.
إنتَ محسسنى إنك إستغفر الله يعنى قاعد مع شيخ. أنا"مرعى"كنت عسكري "جواد" باشا و إنت أدرى بيه. أبقى بذمتك هقنعها إزاى و أنا كنت مبسمعش غير كلام حاجه آخر قلة أدب من الباشا يعنى مفيش منى رجاء آخر واحد ممكن ينصحها أصلاً.
هتفَ بـرسميه:
و مين قال إن الشيوخ بـس هُما اللى بيقدرو يدو نصايح. كلنا عندنا علم بدينه بـس المهم إننا نـعرفه صح مش أي حد يقول حديث أو يقرالهُ كام آيه يبقى شيخ. المهم بجد إن اللى يعلم الإنسان الدين يكون إنسان نقى القلب و مؤمن بجد برب العالمين. و'إنتَ عندك الملكه دى يا "مرعى" بلاش تستهون بنفسك.
فـى كُل الأحوال مش هتخسر حاجه كل المطلوب منك تتقرب من "نسمه" و'توجهها للصح عـشان تقتنع من نفسها إنها ماشيه فى الطريق الغلط و إنها لازم تبقى على دين أبوها و أمها.
نـفى برفضاً لتلك الفكره التى ستعود عليه بشقاء القلب:
لاء إعفينى من الموضوع أنا عارف نفسى كويس مش هقدر. و'بعدين إفرض بقى الحكايه قلبت بجد و إدبست وحبتها أعمل إيه بقى أقعد أغنى ظلموه.
يابنى إفهمنى كل المطلوب تقرب منها تبقى صديق ليها لو إحتاجت حاجه تساعدها لـو كانت مضايقه تحاول تغير مودها. تتكلم معاها عن الدين و تحببها فيه.
ماهو أنا عشان ابقى صديقها فـَ أكيد هقرب منها. و'عشان أقنعها من غير ما تاخد بالها لازم أقنعها الأول بيا و لو الإقتناع ده حصل هروح فى داهيه.
ردد بكلمات إقناع من جديد:
مرعى"مـفهاش حاجه لو حبيتُو بـعض ده مش حـرام و لا عيب. و'بلاش بقى إعتراضات ع الفاضى إنتَ لو قـدرت تقنع "نسمه" هتبقى عملت إنجاز عظيم العالم كُله هيقرأه عنه.
قطب حاجبيه متسائلاً:
مش فاهم إزاى يعنى.
"فارس" بـإفصاح عما ينوى:
إنتَ عارف إنى كاتب. من فتره جالى خبر عن مسابقه عالميه هـتم خـلال شهور و المطلوب إن كل كاتب يقدم قـصه واقعيه عن ثنائي عايش فعلاً معانا. عشان كده عايزك إنتَ'و"نسمه" هتبقوا أبطال قصتى. هكتب كل حاجه بتحصل ما بينكم. من أول بداية الحكايه لحد النهايه. و'القصه هتتقدم فـى مسابقه و لو خدت المركز الأول هتتطبع بجميع اللغات و تتباع فى العالم كلهُ. و مش، بعيد الناس الملحده و الخارجين عن دين الإسلام يحبو قصتكم و يحبو الإسلام و يعتنقوه و بكده تبقى خدت ثواب أكبر و أعظم.
تـنهد الأخر بـإدراك قائلاً:
حتى لو كلامك صح أنا بردو قلقان و مش عارف نهاية الحكايه دى إيه. و'الست "نسمه" لـو عرفت إنى بقرب منها مصلحه هتزعل و ياعالم هتعمل معايا إيه.
مـتقلقش مـش هيحصل مشاكل. اسمع كلامى و كل حاجه هاتمشى زي ما أنا مخطط لها إن شاء الله.
تنهد الأخر بـقلقاً يوحى بـالموافقه:
ربنا يستر من اللى هيحصل.
إتسعَ فم الأخر ببسمة ربحاً قادم.
أما الأخر فلم يكن يدرك لما تملكه من الأن شعوراً بـالإنكسار الملتحم بـالرهبه فما هـو قادم إليه ليسَ بـهين.
"بـعد دقائق بـمكتب اللواء "منذر" كانَ يـقف"جواد"أمامهِ بـوقارً شكلى و صوتى:
مـتقلقش هسيطر ع الوضع.
تراجع الأخر بجسدهِ للخلف يستريح عـلى المقعد:
الوضع بـقى خطر. الـلى يـخلى "البارون" ياجى لحد هنا و يعمل الشوشره اللى عملها دى ملهاش غير معنى واحد إنُه يفهمنا إننا مش همينُه و لا خايف مننا.
"البارون" بيردلى المقابله اللى عملتهالهُ فـى بيتُه. مش هاين عليه إننا نكون سابقينهُ بـخطوه. فـجاى يردهالنا.
تنهد اللواء بـستفسار:
لو كلامه طلع صح و "ريحانه" فعلاً مرات "ياسر" فمش بعيد يكون مطلقهاش. و بكده جوازك منها باطل لإنها على ذمة راجل غيرك.
كانت الكلمات ك النيران تـحرق أوتارهِ فـزم فمهِ ينطق بالرفض التام بـصوت جهوري:
" ريحانه"تبقى مراتِ أنا و مفيش راجل غيرى هيبقى معاها برضاهم أو غصباً عن اللى جبوهم.
أما باللنسبه بقى للحوار بتاعه إنها متبقاش مـراتُه و تبقى مرات أخوه فحتى لو صح مـيلزمنيش. لأنى اتجوزتها على سنة الله ورسوله على يد مأذون و شهود و أشهرنا كمان جوازنا. و كلها شهر ونص و العقد يتوثق و تبقى مراتِ قانونى.
طرح اللواء سؤالاً إستشهادى:
أنا معاك إن جميع أركان جوازك منها شرعيه. لـكن لو مكنتش مطلقه من "ياسر" فكده كل حاجه تبقى باطله و جوازك منها كمان هايبقى باطل و الشهود و المأذون مش هيعملو حاجه و لا هيقدرو يـغيرو حاجه.
مع إعتراضى لكلام ساعدتك لكنى متأكد إن ولا "ياسر" و لا "البارون" إتجوزوها لعدة أسباب أولهُم إنهُم أغنيه و هى مجرد بت غلبانه و مرات أبوها شمال يعنى ميفرقش معاها إذا كانت تجوزها و لا تخليهُم معاها فـى الحرام. تانى حاجه البارون و أخوه مش هُبل عشان يتجوزهُا و يبقى في شهود و مأذون.
أنا متأكد إن الحكايه مش كامله.
جايز جداً تكون الجوازه تمت بعقد عرفى حتت ورقه مضت عليها البت و أياً كان هو مين بـقى اللىمضى قصادها و بكده الجوازه باطله شرعاً و قانوناً.
أنا أتاكدت بنفسى إنها عذراء مفيش راجل غيري لمسها. فـمش من الطبيعى إنها تكون مرات واحد فيهم لمدة سنه من غير مايمارس معاها حقوقه الشرعيه.
قطب اللواء جبهتهِ بـعتراض:
كلامك فى شبهة الإنكار لحقيقه عقلك رافض إنه يقتنع بيها. إن "ريحانه" تبقى مازالت فعلاً مـرات "ياسر" و البارون أخفى اخوه لسببً ما عشان يقدر يستحوذ على زوجته و يستخدمها للإيقاع بينا.
أما موضوع إنها عذراء فده مش دليل على إنها مكنتش متجوزه واحد فيهم أو حتى مارس معاها حقوقه زي مانت ما قولت. متنساش إنهم بيلعبونا فجايز جداً يكون البارون خلاها تعمل عمليه لإرجاع غشاء البكاره مره تانيه عشان يقدر يخدعنا كويس.
و لو هفترض معاك انهم فعلاً مفيش حد منهم إتجوزها. فـده ما يمنعش إن البنت دى هى وصلة الهمز اللى بينهم و بينك بختصار شديد جاسوسه عليك مش لازم أبداً تأمنلها لإنها جايز جداً تكون بتنقل أخبارك ليهُم.
أقاويلهِ المُلغمه بـالحقائق جعلت عقله يفور ويغلى ويصرخ مردداً لأقوال اللواء.
لكنهُ حاول كتم تلك الصرخات حينما أنبعثت الردود من فمهِ بـرسميه ملتحمه بـعتراضً:
مظنش أنا عرفت البنت كويس جداً مش من النوع الكداب أو من النوع الخداع دى بنت بريئه زي الأطفال ملهاش فى مكر و كدب النسوان التانيه. و'لـو كلام ساعدتك صح فـمتقلقش أنا مش عيل صغير هيقدرو يضحكو عليه و ياخدو منه الكلام.
و متنساش ساعدتك إننا مراقبين "البارون" من سنه و كل تحركاته كانت تحت عنين. و'هـو اللى كان بيتردد على بيت "غوايش" من الوقت للتانى لما كانت مبترحلوش البيت بتاعه. اما "ياسر" فـمظهرش غير أسبوعين و بعد كده إختفى من البلد و خلال الإسبوعين مترددش نهائى على بيت "غوايش" فـشبه مستحيل إنُه يكون جوز "ريحانه".
زم اللواء"منذر"فمهِ بشكاً ملـئ العقل:
"البارون" و"ياسر"تؤام نفس الشكل و جايز جداً يـكون اللى كان عايش فـى الصعيد و بيتردد على بيت "غوايش" طول السنه هـو "ياسر" مش أخوه. و'اللى جه لمدة إسبوعين و إختفى تانى يكون"البارون.
تراكمت الشكوك و الأفعال بـعقولهم.
فـزاد"جواد" الأمر شكاً حينما تفوه بـقولاً مليئ بـالرسميه الشائكه:
يعنى بختصار شديد إننا طول الفتره اللى فاتت بنتعامل مع "ياسر" اللى منتحل شخصية "البارون" و اللى كنا بنراقبه طول السنه اللى فاتت فـى الصعيد بردو "ياسر" اللى مداري ورا إسم و شخصية أخوه. و'لسبب ما "ياسر" أخفى "البارون" عشان يفضل عايش بـشخصيتُه.
يـعنى ممكن جداً يطلع البارون ملوش علاقه نهائي بـشغل المخدرات و التهريب.
أضاء نور العقول فـلوح اللواء بسبابتهِ بتأكيدً ذو بحة الإدراك:
بـالظبط كدا و لما نقبض عليه بصفقه "بارون" هيقدر يستشهد بـالاوراق اللى تثبت إنُه فعلاً "ياسر". و'هيقدر يفلت مننا و يخرج من التهمه. و'يتعايش بهويته الحقيقيه. و'هيقدر يشتغل فـى المخدرات و التهريب تانى تحت نفس خدعة انهُ" البارون".
حرك الأخر رأسهِ بـالاستيعاب ثمَ باح بـرسميه:
كده فـهمت سبب تمسكُه "بريحانه" مـش عشان مرات أخوه و عايز يحافظلهُ عليها لاء عشان تبقى مراتُه هـو و خايف لأحسن ميقدرش يرجعها ليه لو كان فعلاً متجوزها و كمان لإنه عايش بصفة أخوه مش بصفته الحقيقيه.
تنهد اللواء"منذر"ثم قال بإقرار:
أحنا كدا رجعنا لنقطة الصفر تانى. عشان كدا عايزك تجمعلى كل كبيره و صغيره عن "ياسر" و أى معلومات جمعت الأخين سوا و أي مشكله أو خلاف كان بينهُم عايز ملف فيه كل حاجه تخص"ياسر الغنيمى"و أهم حاجه تحرص من البنت اللى معاك واوعى تديها الأمان و ممنوع منعاً باتاً إنك تتكلم عن أى حاجه تخص الشغل قدامها.
أعطاه التحيه الميري بـوقارً:
إعتبره حصل يا معالى الباشا دى قضية و بالله ما هيهدالى بال غير لما أجبلك قرارهم و اكلبشهم لك فى كلبش واحد. عن إذن ساعدتك.
ذهبَ"جواد"من مكتب اللواء بـعقلاً دارت عجلاتهِ لـتنشر الضوء بداخلهِ جاعلةً الخيوط تتشابك من جديد.
"مرت الساعات و دقة العاشره مساءً ببـدرون القصر كانت تـقف"ريحانه"خلف الباب تناظر "غوايش" التى تحادثها بـستيهان:
خير جايه ليه يا محروسه.
هتفت بسؤالاً مستفسره عما يحدث:
لـو عملت اللى بتطلبيه منى'هـتعملى بعدها إيه تانى.
ضيقت مقلتيها بـستفسار:
قصدك إيه مش فاهمه.
يعنى لو خرجتك من هنا'و'جبتلك فـلوس من "جواد" هـتعملى إيه تانى.
ايه.
خفقت مقلتيها ببسمة المكر الشائكه.
و'إقتربت أكثر من القضبان تبوح:
هاخده منك.
هـو ايه اللى تاخديه منى.
"جواد" هاخده ليا.
إتسعَ بؤبؤها بـمياه معاديه لما تفوهت به تبوح ببحه متردده:
تاخديه ليكِ. مستحيل "جواد" جوزى أنا و مفيش حد هياخده منى.
قهقهة بـحيانيه مثل الافعى تزامناً بحديثها اللعوب:
جوزك دا بتاع نسوان يا محروسه راجل بجد بيحب الدلع و الهشتكه. و أنا فى الدلع مليش زى و متاكده انه مش هياخد فى ايدي غلوه.
تصاعدت الدماء بـعروق صغيرتاً تهوى من أعماقها رچلاً ك المهد لها.
فـشنت حروباً بكلماتً ك الأسهم المشتعله بـغيرة التملك المصرح به:
بوجهاً إتحدا بـِلون القرمزي الداكن. بهطول مياه العتاب المنبعثه من أعماق قلبها المذبوح بـخوف الفقدان:
جوزى مفيش واحده هتاخده منى. لا إنتى و لا عشره زيك يا مرات أبويا. إنتِ إيه شيطانه مش مكفيكى حياتى و البهدله و الذل اللى عيشتينى فيه. جايه دلوقتي و عايزه تاخدى الحاجه الوحيده الحلوه فى حياتى. حرام عليكِ إنتِ طول عمرك واخده كل حاجه منى. أبويا و أمى و رميتينى للكلب بتاعك. ياسر. عشان ينهش لحمى خلتينى خدامه فى بيت ابويا حرمتينى من الناس و من التعليم عشت زي المسجونه. حرام عليكِ إرحمينى و سيبهولى أنا مش عايزه غيره قـولتلك بحبه حرام عليكِ و الله العظيم بحبه خلينى اخد. مره الحاجه اللى بحبها.
حاربتها بـذات الأسهم الملغمه بـالكراهيه:
إوعى تكونى مفكره نفسك واحده تقدر تختار و تحب و تتحب. لاء إنتِ حياتك كلها فـى إيدى. مين قال إن ليكِ الحق عشان تحبى و تختاري.
فاضَ صدرهَا بـقهراً إحتوتهِ لسنوات ماضيه بـالعذاب و الإنكسار.
خفقاتها الطارقه على بابها بـألم كادَ يـقتل نبضها.
فثارت بصوتاً جهورى كادَ يـفجر أحبالها الصوتيه الصارخه بـكيان أنثى ترفض الخضوع بعد الآن:
أنا اللى قـولت عارفه ليه عشان أنا إنسانه يا "غوايش". إنسانه من لحم ودم بحس و بعيش و بشوف و بتوجع. أنا "الإنسانه" اللى أبوها قتل أمها قدام عنيها أنا "الإنسانه" اللى عاشت بشخصيتين جوه روح واحده. أنا "الإنسانه" اللى عاشت مسجونه طول عمرها جوه بيت بعيد عن الناس حتى الشمس كانت متحرمه عليا أنا" الإنسانه"اللى كانت بتشوف قرفك مع كل راجل شويه على فـرشة أبوها و بتسكت أنا "الإنسانه" اللى عاشت مذلوله عاشت خدامه فى بيت أبوها. أنا "الإنسانه" اللى بعتيها بـالرخيص لواحد مقرف زيك. أنا "الإنسانه" اللى عاشت طول عمرها محرومه من الحنان و العطف و الحضن الحنين. أنا"الإنسانه"اللى كانت قبل ما تنام كل يوم تدعى من قلبها إنها تموت و ميجيش نهار يوم جديد عليها. أنا "الإنسانه" اللى لما كانت بتصحى و تلاقى نفسها لسه عايشه تعيط و تزعل من ربها عشان مخليها مكمله فى دنيا مفهاش غير الظلم و الوجع و الحرمان. أنا"الإنسانه"اللى عمرها ما تمنت حاجه و خدتها. أنا "ريحانه"اللى لأول مره فى حياتها مش هتستسلم و مش هتقبل إنها تخسر الحاجه الوحيده اللى مخلياها عايشه و هـو" جواد"جوزى مش هسيبه مهما عملتِ و مهما قـولتى. لأول مره مبقاش خايفه منك سمعانى مش خايفه منك. و'جواد"مش هسيبهولك حتى لو فيها موتِ هدافع عنه بـروحى حتى لو كان التمن إنى أموت يا "مرات أبويا".
صراخاتها كانت كالنيران تحرق الآذان بـقوه بصريه ممتزوجه بحمرة البكاء التى كادت تغطى على عسليتيها.
ورغم رهبة الأخرى من ذلك التحول المفاجئ بـشخصية تلك الصغيره التى سيطرت عليها لسنوات عديده. الا إنها لم تكف عن محاربتها بسموم الحديث:
إنتِ هـتفضلى "ريحانه" بنت القص ملكيش لازمه ولا قيمه. اما "جوزك" فايواحده هتقدر تاخده بالدلع و الحنيه و المرقعه. و الحق يتقال إنتِ فى المرقعه مفيش زيك.
التفتت الأعين إلي من حضرَ بطلتهِ الملغمه بـهيبه تزينها الـوسامه الخاضعه للأبصار بملامح شرقيه متحده بـبراكين الحنق.
وإقتربَ من "ريحانه" التى بدا عليها الربكه المختلطه بـالحزن ذات قطرات الدموع الساقطه على وجنتيها.
فـقتربَ منها حتى أصبح بجوارها.
ثمَ رفعَ ابهمهِ و جفف دمعتها.
تزامناً مع قولهِ الهادف بـوقار المقام العالى:
أهى الدمعه دى أغلى من حياتك يا "غوايش". فـشوفى بقى"ريحانه"كلها على بعضها كده أغلى منك و من أهلك قد إيه.
تـراجعت الأخرى خطوه للوراء بـقلقاً من نظرتهِ التى باحت عما يخبئ خلف صدرهِ.
خصيصاً عندما قال لـتعزيز قيمة الأخرى:
اللى ملهاش قيمه واحده زيك كلبة شوارع مع كل كلب شويه. واحده متعرفش حاجه اسمها شرف ولا دين. إنما القيمه إتعملت على إسم "مراتِ". "ريحانه جواد رضوان الهلالى"اللى مقامها ميتوزنش بدهب الدنيا. شرفها و كرامتها هما تاجها اللى مخلينها ملكه فـى حياتها و حياة أى حد تدخلها. الشرف و الطهاره و عزه النفس و الروح الصافيه و المقام العالى ملهمش غير إسم واحد"ريحانه".
انما إنتِ حدث ولا حرج خبيثه و فـاجـ ـره بصراحه تخشى موسوعة چينس بـعدد نـومـ ـك مع الرجاله اللى بعدد شعر راسك دإنتِ يا مره النـجـاسـ ــه مكتوبه على إسمك.
تـهاتف عيناها بـكراهيه زائده فـهتفت بـبحه معلنه عن العاصفه القادمه:
صح أنا مره نـجـســ ــه و بتاعت رجاله و عشان كده ميبقاش شعري ده على مره أن مخليتلك ربة الصون و العفاف مراتك أوسخ منى و يبقى الباشا بقى يروح يجيبها من أحضان الرجاله.
تلك العبارات السامه كانت كفيله بـاشعال ثوره رجوليه لن تخمدها إلا النيل بثار الشرف.
فـحرر علاقه ذراعهِ و حذفها أرضاً ثمَ أخرج سلاحهِ الخاص.
فـتسعت عين "ريحانه" بخوفاً عليه وأسرعت بـالوقوف أمامهِ بـعتراض:
"جواد" أنتَ هتعمل ايه اهدء.
إبعدى من قدامى.
لاء لما تقولى هتعمل ايه.
إسمعى الكلام مره واحده من غير مناهده طلعتى عين أهلى.
إعترضت بـحركه رأسيه فـجذبها من ذراعها لخلفهِ ثمَ نظر لـقفل الباب و أطلق طلقه هشهشت القفل.
فـركلا الباب بـقدمهِ فـفتحَ على مصرعيه.
و'دخلا بـخطواتاً هزت وجدان الأخرى بتراجع للخلف من هول شحوب وجههِ و العروق التى برزت بـشراسه بمعالمهِ.
و قبل أن تتفوه بأى كلمه التقت بصفعتان متتاليتين على وجنتيها بـقوه طبعت آثار أصابعهِ على وجهها.
تزامناً مع بحتهِ الجشه بـغضباً كسيح:
هى مين دي اللى هجيبها من أحضان الرجاله يا مره يابنت العايبه. حد قالك عليا خـــــــــ*و لا ماشي مسرحها. دأنتى هيطلع مـيتـ ـن أهلك.
صـرخت"غوايش"بـالم خصيصاً عندما زرع أصابعهِ بشعرها يـجذبها منهُ بقوه مع إكمالهِ للحديث بذات القوه الحانقه:
بـقى أنا تقوليلى الكلام ده. بالله لهشردك إنتِ و أهلك يا مره يا نـجـسـ ــه. أيوه إصرخى يا حيلة أمك مانتى مقضياها طول عمرك صريخ بس من نوع الزوانى.
إستغاثت "بريحانه"
الحقينى يا بت هيطلع شعرى فى إيدهُ.
كادت تخطو إليهم إلا أنهُ أشار لها بسبابتهِ بصوتاً جهورى غليظ مليئ بـالتحذير:
لو رجلك خطت خطوه كمان هطلع عين أهلك إخفى من وشى دلوقتى عشان العفاريت بتتنطط قدام عينى. بالله يا "ريحانه" لو فكرتى حتى إنك تنطقى بحرف هـولع فيكى يلا على أوضتك يلا.
أمام شراستهِ تبخرت قوتها مثل الدخان بـالهواء و إبتعدت خطوتان لليسار.
أما الأخرى فحاولت الإفلات من يدهِ فشدد قبضتهِ أكثر عليها مع جذبها بقوه لتناظر خضرواتيه الملتحمتان بـحمرة الدماء الحر:
ما تسمعينى صوتك يا مره إتخرستى ليه دلوقتى و لا إحنا فالحين بس فى الكلام من ورا البيبان.
صاحت بـخوف إمتزج بـالكراهيه:
لاء مش خايفه. أنا عمرى ما خـوفت من حد أنا واحده حره.
سلامات يا حره. جرى ايه يا مره دا على أساس إنى مش عارف تاريخك المشرف بـالنجاسـ ـه. و الا الحريه عندك معناها الوساخه عرفينى بس عشان ابقى ماشي معاكِ ع الخط.
إنتَ عايز منى ايه ابعد ايديك دى عنى.
أبعدها عنك دا على أساس إنى بزغزغك و لا كفى الله الشر بتحرش بيكى و الست الشريفه ممانعه. فـوقى ياروح أمك يمين بالله لولا إنك واحده كنت قسمتك نصين تحت رجلى بس معلش ملحوقه خليكى هنا لحد لما تعفنى زى الخنازير.
الـقاها بقوه صدمت رأسها بـالجدار فـسقطت على الأرض بألماً.
اما هـو فبصق عليها و غادر الحجره و أغلق عليها الباب بـحذراً لكى لا تستطيع الهروب.
و التفت ليذهب فـوجد "ريحانه" تقف بجوار الجدار بملامح خائفه من شراسة وجههِ.
فـتنهد محاولاً الإسترخاء قليلاً.
ثمَ جذبها برفقاً من يدها حتى إحتواها بعناقاً لكيانها.
مـقربها من صدرهِ بخوفاً عليها من الأيام المقبله.
أخذها بين ذراعيه بعناقاً من نوع الامان.
مغمض العينان يستشتق عطر عناقها مربتاً على شعرها برفقاً.
يتلو عليها بصوتاً أصبح دافئ:
ماتخافيش خليكى بس فى حضنى عشان أرتاح.
ربتت على ظهرهِ برفقاً متبادل لتخفف من ثورتهِ:
خد الراحه اللى عايزاها أنا مش هخرج من حضنك أصلاً.
شقت الفرحه فم القلب الذي باحَ بنبضاتً ك الكلمات تحتويها بعناق الصمت الدافئ.
ظلا بـهذا القدر من العطاء حتى إفترقَا بعد دقائق على صوت"معالى"التى اتت وقالت بـرسميه بحته:
مدام الدنيا زي الفل بينكم من الأولى يابن رضوان ترفع راسك قدام اللى فى البيت و تمم جوازك منها و لا إنتَ ناوى تقضيها أحضان و بس لحد لما بقيت سيرتك على كل لسان من ورا عمايلها.
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم لادو غنيم
يدها الملوثة بدمائه، وبجانبه الأيسر مقص مزروع يزيد من تدفق دمائه. لم يكن يصدق أنها قد طعنته لتتخلص منه.
فزعت مخالب ثورته تود الفكاك بها، لكن هيئتها الخائفة بارتعاد جعلته يخمد ثورته، محاولاً الاسترخاء لسحب المقص. فأغمض عينيه لبرهة، وأمسك بقبضة المقص متنفساً باستعداد، وسحبه على الفور معلناً بصوت متحشرج بالألم عما شعر به، وألقى بالمقص أرضاً.
تزامناً مع ذلك، وضع يده على جانبه ليحبس من تدفق دمائه، ونظر إليها فوجدها تزداد ارتجافاً بدموع متدفقة مثل دمائه. فاقترب خطوة إليها ليهدئها بصوته الهادئ:
"متخافيش، أنا كويس. أهدي وخذي نفس، أنا كويس."
تقابلت جميع أوجاعها لتشن حروباً بلون قدرها، تثور عليه مثل العاصفة التي تود الفكاك بجنس البشر. تعاتبه بصرخة صوتية مداوية لمجاريحها:
"أنا كنت عايزك تموت زي ما موت أبويا. كنت عايزة أشوفك ميت قدام عيني عشان أرتاح. أنت إيه، إزاي قادر تكون بالقرف ده؟ قاتل وخاين وجاحد، معندكش دم ولا مشاعر!! رميتني في المستشفى زي الكلبه وأنت هنا مقضيها قرف مع الحيوانة بتاعتك وعلى سريري. أنت مفكر نفسك إيه، فوق أنت ولا حاجة؟ سامع ولا إيه؟ يا جواد، أنت متستهلش حتى النفس اللي بتتنفسه. إنسان أناني وبشع. أنا عمري ما كرهت حد في حياتي قد ما كرهتك. أنا بكره اللحظة اللي فكرتك فيها أماني وقلت عنك حضني الوحيد. بس لأ، لو حضني هيبقى معاك فأنا مستعدة أرمي نفسي في حضن النار، هتبقى أشرف لي من إني أرمي نفسي في حضن واحد زيك، واحد قاتل مجرم. خد من أبويا وخد مني أماني، وفوق كل ده بتقطع في مشاعري مع واحدة زبالة معندهاش ولا خشا ولا حيا. فيها بجاحة الدنيا، بس هي شبهك، انتوا الاتنين زي بعض. أنت أوحش حاجة في حياتي، أنا بكرهك، سامعني، بكرهك!"
استقبل عتابها الصارخ بلون الدموع بصدراً عانق أوجاعها. رغم ثقل الحديث على مسمعه، فقد رأى ذاته شاهد قيمته داخلها. فشعر بأنه ضئيل بعينيها. صارت كلماتها مثل الثعبان المهاجر ينهش بخلاياه، يفتك بها، لكنه حاول الثبات بقدر الإمكان، ولم يعطها إجابة لتلك التساؤلات التي لازمت صراخها.
"وبتتكلمي حديثها يا ويحك بصندوق قلبه، ثم صار من أمامها متجهاً للحمام ليداوي جرحه، فقد طعنته بمقص الإسعافات، فكان صغيراً فقط تسبب بجرح بعرض عقلة الإصبع. وحينما أصبح بالداخل، أغلق الباب عليه، صار للمرآة ليبصر بهيئته، وبأذنه مازالت تتردد كلماتها القابضة لأنفاسه.
تعمق النظر أكثر وأكثر إلى هيئته، وكأنه يبحث عن ما كانت تراه بعيونها الأيام القليلة الماضية، تلك العيون التي أعطت الأمر لفمها لتخرج ذلك الاعتراف القاتل لكيانه. رآه بشاعته، وضعه، انكساره، وتلوثه بحديثها الذي كان مثل الصفعة التي وقعت عليه لتزيل الغمامة القذرية عن غشاوته. فأخذ نفساً عميقاً، وفرغه بالخلاء، وبدأ بمداواة جرحه.
وبعد بضع دقائق، دلف للخارج، فرآها تقف أمام المرآة في حالة من الرهبة، تنظر ليديها الملوثتين بدمائه، وتفوح من مقلتيها رائحة الدموع الدفينة بحزنها عما فعلته. فتنهد ب استرخاء، يعذب قلبه على حالها، وذهب وأحضر مناديل وعاد إليها مجدداً. ثم وقف أمامها ممسكاً بكفوفها يزيل الدماء عنها. فرفعت مقلتيها تعاتبه بقلب مختنق من تراكم الألم:
"ليه عملت فيا كدا؟ ليه تقتل أبويا؟ وليه توجعني بالطريقة دي؟ ليه ترميني في المستشفى وتيجي تقضيها على سريري مع نهى؟ ليه بتكرهني كدا؟"
تنهد بحديث هادئ دون النظر لها:
"أولاً، أنا مقتلتش أبوكي. غوايش كدبة عليكِ. هي عملت كدا عشان ياسر هو اللي طلب منها كدا عشان يخليكِ تكرهيني وتبعدي عني. أما موضوع المستشفى، أنا مسبتكيش بمزاجي، كان غصب عني لإني رجعت شغلي في الداخلية وكانت مجبور أقعد أخلص شغل مهم بأمر من اللواء، ومرجعتش البيت نهائي غير من ساعة تقريباً. أما نهى، فأنا مقربتش منها. هي فعلاً دخلت الأوضة من شوية بس أنا طردتها. ودخلت الحمام عشان آخد دوش لأني كان بقالي يومين مرجعتش البيت. وربنا شاهد إني ملمستش حتى شعرة منها. ولو كنت عايز أعمل معاها حاجة كنت عملتها في أوضتها. وعشان متقوليش عليا كداب، هخليكِ تسمعي كل حاجة عشان تتأكدي بنفسك."
ترك المناديل من يده بعدما انتهى من تطهير الدماء من عليها، وصار للفراش، وانحنى وأخذ الجوال، ثم عاد لها وجعلها تسمع المكالمة المسجلة بين غوايش والبارون التي تم الاتفاق فيها عن ما ستفعله لتوقعه بها.
أصيبت بدهشة بعدما سمعت بأذنيها تلك المؤامرة الوضيعة. فازدادت ترعداً بشهقات بكاء هزت وجدانها. كم أصيب بخيبات أمل تحاصرها مثلما تحاصر الذئاب الغزال الشارد بأراضي الله. أما هو، فلم يضيع الوقت أكثر وأكمل قول الحقيقة كاملة لها دفعة واحدة ليفرغ ما يسكن قلبه:
"جوازي منك كان مدبر. أطلب مني أتجوزك عشان أقدر أقبض على البارون اللي مفهمك إن اسمه ياسر، لأنه تاجر سلاح. ويوم الفرح أنتِ ممضتيش على عقد الجواز، يعني ببساطة، بدون إمضتك العقد كان باطل. وهو ده اللي كان مطلوب إن جوازنا يبقى باطل. عشان كدا يوم الفرح سبتك ومشيت عشان معملتش معاكي حاجة حرام. بس بعديها بيوم وأنتِ نايمة براحتك قدامي، استحرمتك على عيني، فقمت وجبت القسمية الجواز السوري بتاعتنا وخليتك تبصمي عليها من غير ما تحسي عشان ميبقاش جوازي منك باطل. ولما جيتي قولتلي إنك متجوزاني محلل، فكرتها لعبة جديدة من جوزك وفكرتك شريكته في اللعبة، عشان كدا كنت بقسي عليكِ بكلامي. لكن بعد كام يوم عرفت إن الكلب بيلعب بيكِ، عشان كدا خوفت عليكِ لما عرفت إنك متعرفيش حاجة عن لعبته. أنا لو بشع زي ما بتقولي عني كنت استغليتك وعيشتك معايا في الحرام ومخلتكيش تبصمي على عقد الجواز، بس مقدرتش أعمل فيكِ كدا. حتى بعد ما اتجوزتك، مقبلتش إني أقربلك عشان شفت إنك عفيفة وطاهرة وشوفت نفسي مدنس. حرمت عليا لمستك عشان كدا قمت رغبتي في إني أملك جسدك. لما الشيطان كان بيوسوس لي عشان أملكك كنت بستغفر وأقول بيني وبين نفسي ليه عاوز تخليها مدنسة زيك، ليه عاوزها تبقى زيك. حرمتك على قلبي ونفسي عشان تفضلي طاهرة وعفيفة يا ريحانة. تصدقي إنك قبل ما تيجي كنت بقول لنفسي لازم أتغير عشان أقدر أبقى معاها فيما بعد، بس بعد الكلام اللي قولتيه عني عرفت إني كنت هراهن على حاجة خسرانة. بقيت واثق إن قلبك عليا محرم حتى لو اتغيرت."
استدار ليذهب من تلك الغرفة المليئة بالجراح، لكنه توقف لثوان، والتفت لينظر لها بجملته الأخيرة المحملة بالحقيقة المؤكدة:
"لو في حاجة واحدة حقيقية في حياتك يا ريحانة، فالحاجة دي هي أنا. ويكون في علمك نهى كنت محرمها عليا من يوم ما جيت هنا. أنا مش عارف هي قالت لك إيه، بس كفاية بقى لف ودوران كدا."
التفت من جديد وغادر الغرفة بسرواله فقط. أما هي، فلم تستطع الوقوف على ساقيها من شدة الخذلان، وجلست على الأريكة تلوم حالها بقطرات الألم عما فعلته وعما قالته له. داخلها مثل مساكن قديمة يملأها الغبار الذي يخفي آثار المقتنيات الثمينة، فكان غبار قلبها يخفي نغمات نبضها المطالبة بعناقه والأسف عما فعلته به. كم أصبحت فارغة من الداخل مثل الحفرة الفارغة من المياه التي تسقيها. مشاعرها المتدفقة بحزن عما فعلته كانت مثل الحبل المتين الذي يعقد عقدة حول قلبها ليذيد من اختناقها.
"أما بالحجرة المجاورة، فتلقّت نهى صفعة أطاحت بها فوق الفراش، جعلتها تثور باستفسار:
"إيه اللي بتعمله دا؟"
"جواد" حانقاً:
"ده أنا هطلع عين أهلك بقى. أنا قضيتي معاكِ وقت على سريرها. صحيح بجحة."
نهضت بزمجرة:
"آه، هي الحكاية كدا؟ المزغودة بتاعتك خبصتلك عليا؟ آه، أنا قولتلها كدا عشان أكيدها؟"
"تكديها؟ ماشي يا روحمك، خلي كيدك يفيدك."
ألقاها من أمامه بقسوة، واتجه للخزانة يفرغها من ثيابها، تزامناً مع قوله الصاخب:
"مش أنا اللي تعمليني لعبة. يلا خدي هدومك ومشوفش خلقتك تاني."
اتسعت مقلتيها بذهول:
"إيه؟ متشوفش وشك تاني؟ لأ، أنت بتهزر صح؟"
نظر لها بحتقار:
"أنا فعلاً كنت بهزر لو كملت جوازي منك، بس خلاص ناوي أصحح حاجات كتير قوي، وأولهم أنتِ. كنت غلطة ودفعت تمنها. ريحانة، يلا لمي هدومك وغوري من هنا، أنتِ طالق، سامعاني؟ طالق يا نهى."
تصادمت مشاعرها بنيران الرفض التي ذبحت قلبها، وجعلتها تركض إليه بزمجرة:
"نعم؟ طالق؟ أنت بتطلقني عشانها؟ لأ يا جواد، فوق. مش أنا اللي أتساب عشان حتة بت زي الغندورة بتاعتك. أنت ملكي أنا ومش هسيبك لغيري."
ألقاها بعيداً عنه بحنق:
"أعلى ما في خيلك اركبيه. يلا لمي هدومك وغوري من هنا. والورقة اللي بينا هتتقطع. وبالله لو لمحتك بتقربي من مراتي، همحيكِ من على وش الأرض. وكلها دقائق لو ملقيتكيش غورتي من البيت، هنده على الأمن يطلعوكِ بره."
أعطاها ما تستحق من الكلمات، وترك الغرفة، فشنت صارخة برفض لما يحدث:
"أنت بتاعي أنا، وحتى لو سبتني أنا مش هسيبك يا جواد، مش هسيبك ليها."
ضربت الأرض بكفوفها، وظلت تفكر ماذا ستفعل لتعود لها وتظل بالمنزل.
ـــــــــــــــــــــــــــ
تركها تنوح بصرخات باكية متمردة على هذا القرار الضار لكيانها، ثم اتجه إلى حجرة فارس حيث يغفو أخيه، وبجواره كريم، وعلى الأريكة يجلس مرعى الذي لم يبدل ملابسه بعد. وفور أن دخلا إليهم جواد بسرواله فقط:
قطب مرعى جبهته باستفسار:
"هو الجو حر للدرجة دي بره؟"
"جواد" حانقاً تزامناً مع جلوسه على التخت الفارغ:
"مرعى، اتمسخر وقول يا مسا."
أدرك الأمر، فقاله بصوت منخفض:
"قول كدا بقا، مطرود من الأوضة؟ يا عيني عليك يا زمن. بقا جواد باشا اللي كانت بتتهزله شنابات، يطرد وبي بـالباس من حتة شبر ونص. حقيقي عجبت لك يا زمن. رجعنا لبرطمة النسوان تاني يا مرعى."
استيقظ فارس على صياحه فجلس باستياء:
"استغفر الله العظيم يارب. يا ناس عايز أنام شوية. حرام عليكم."
"مرعى" باستياء:
"وهو ده بيت حد يعرف ينام فيه؟ داحنا لو بننام في قلب المعتزل مش هنصحى كل يوم على المصايب اللي بتحصل هنا. ده أنا كلها يومين كمان وهحس إني نايم في قلب معسكر اللي متتسموش."
"فارس" بتأييد:
"عندك حق والله."
"جواد" بصرامة:
"بقولك إيه، منك ليه؟ ناموا وكفاياكم كلام. أنا مش ناقص صداع."
ناظره أخيه باستيعاب:
"إيه دا يا جواد؟ أنت قاعد بالبوكسر كدا ليه؟"
"جواد" بصرامة:
"مزاجي جابني إني قاعد كدا خلاص بقا. خلصنا."
"فارس" باستفسار:
"هو أنت مطرود من أوضتك ولا إيه؟"
فزع من مجلسه بزمجرة:
"مين دا اللي مطرود يالا؟ أنت اتجننت ولا إيه؟"
تراجحت نظراته بين الاثنين، فتلعثم "مرعى" بإنكار:
"أنت بتبصلي ليه؟ هو اللي قال مش أنا."
"فارس" بتصحيح:
"أنا قصدي يعني، سايب أوضتك وقاعد بالمنظر ده ليه؟"
"نام يا فارس واتمسخر أنت وهو." هتف حانقاً، وأخذ بنطال وتيشيرت من الخزانة وارتداهم، وترك الغرفة.
فقاله أخيه:
"شكلك مطرود يابن رضوان."
"مرعى" بتأكيد:
"ده أكيد. يخسارتك يا باشا تتطرد. هقول إيه بس، ربنا قوي على كل قوي."
"فارس" بسؤال:
"بتقول حاجة يا مرعى؟"
"مرعى" ببسمة مرتبكة:
"بقول ربنا ميطردلكم ولا إيه."
ــــــــــ📌لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 🌿للتذكرة🌿
"بذات الوقت بغرفة ريحانة، كانت تجلس برفقة نسمة التي تعانقها لتخفف عنها.
"ريحانه" ببكاء:
"دي كل حكايتي من أول ما اتجوزت ياسر لحد لما رجعت البيت النهارده."
أفصحت بكل ما بقلبها لتفرغ قصتها بفرحها وحزنها لنسمة. كم كانت تود أن يشاركها أحدهم هذا الحمل المرهق لقلبها.
وبعد أن استمعت إليها بصدر رحب، ربّتت على ظهرها بهدوء:
"أولاً، شكراً من قلبي على ثقتك الغالية دي، وأوعدك إن سرك في بير."
"ريحانه" بتأكيد:
"أنا متأكدة من كدا، وإلا ما كنتش هحكيلك كل حاجة. عارفة يا حبيبتي، وإن شاء الله مش هخذلك. خلينا بقا نتكلم في المهم. أولاً، ياسر اللي طلع اسمه البارون، واحد حقير وميستاهلش يتقال عليه راجل أصلاً، وخسارة حتى إنك تفكري فيه. وجوازك منه باطل، لأنك بتقولي إنك ممضتيش على القسيمة. أما بقى بالنسبة لجواد، مش هنكر إنه كان غلطان لما خدك طُعم عشان يوصل للبارون، بس برضه حقيقي يعني طلع جدع وشهم، كفاية إنه اتجوزك بجد ومقبلش إنه يعيشك معاه في الحرام، وأثبت إنه صريح لما جالك وحكالك كل حاجة بنفسه أحسن ما كنتِ تعرفيها من حد تاني. أما بقى حوار الحيزبونة مرات أبوكِ دي، فدي واحدة أحقر من البارون، مينفعش تسمعي لها أصلاً لأنها مش مصدر ثقة. وأديكِ شوفتي بنفسك لما صدقتيها، قتلتِ جواد. ده لولا سِتر الرب، كان زمانه مات وكنتِ هتفضلي عايشة بذنبُه."
خرجت من عناقها تجفف دموعها بجرح صوتي:
"أنا معرفش عملت كدا إزاي. أنا مقدرتش أمسك نفسي لما شفت نهى على سريري وسمعت منها الكلام اللي قالته. حسيت إن الدنيا سوت وشوفت جواد هو السواد. حسيت إنه سبب وجعي في كل حاجة، موت أبويا وخيانته ليا، وحسيت بالوجع أكتر لما لقيته مسألش عني وسابني مرمية في المستشفى، عشان كدا محسيتش بنفسي غير وأنا بـقتله."
ضيقت الأخرى مقلتيها بابتسامة:
"طب بيني وبينك كدا من جواكِ، مكنتيش خايفة عليه؟"
تنهدت بحزن مغمور بفيضان تدفق بمطر الشتاء، تناثرت نبضاتها بتمرد فياض، يمطر عليها بكلمات كالنار في ليالي الشتاء القارصة:
"لما ضربته بالمقص حسيت بروحي بتتسحب مني. لما شفت الدم، كنت حاسة إن قلبي بيقتلني. لو كان جراله حاجة، مكنتش هقدر أكمل من غيره. جواد مش بس جوزي، لأ، أنا بعتبره الأمير بتاعي، الفارس اللي جالي وخدني على حصانه بيرمح بيا لبعيد. تقدري تقولي كدا الحارس بتاعي اللي متأكدة إن لو حد فكر يقرب لي، هيكون مطلع روحه في إيده. جواد، بحس معاه بخوف الأب اللي اتحرمت منه. بحس إني بنته، دايما بيوجهني وخايف عليا حتى لو بيحاول يخبئ. بحس معاه بحنان رهيب. أنا مش بس بشوفه جوزي، لأ، أنا بشوفه أبويا. شعور غريب جميل، عمري ما حسيته مع أبويا اللي بجد."
تنهدت نسمة باستحسان لكلماتها:
"يخربيت مشاعرك يا ريحانة، أنتِ دايبة دوب في ابن خالي. أنتِ بتحبي جواد."
كست الحمرة وجنتيها بلون قرمزي بدموع ممزوجة بكامل أوجاعها:
"أنا معرفش إيه الحب يا نسمة، بس لو اللي بحساه ده معناه إني بحبه، فأنا عمري ما هخليه يسيبني عشان متحرمش من الحاجة الحلوة اللي بحسها دي."
"وهو مش هيسيبك يا حبيبتي. جواد لو مش عاوزك بجد، كان هيطلقك ومش هيهمه مهمة ولا غيره. طب موضوع نهى، أنا مش طايقاها. مقطقاها، المهم إنها غارت. أنا قولتلك إني شفت جواد وهو بيطلقها وبيضربها، يعني خلاص ملهاش علاقة بيه تاني. جواد لـ ريحانة وبس."
تبسمت بنكسار:
"ليا إيه؟ بقولك، قالي إني اتحرمت عليه وعلى قلبه."
"هو قالك كدا لأنه عصّبك، أنما لو غيرتي طريقتك معاه وتمسكتِ بيه، صدقيني مش هيسيبك وهيواجه قلبه وهيحبك بجد."
أصبحت ترتعد بجبال ثلجية تجلد بقلبها الباكي بحصار الفراق العليل لمخابئ قدرها، وباحت بنكسار صوتي:
"أنا مش هسيبه، لأني من غيره هبقى يتيمة بجد، وأنا مش عايزة أبقى يتيمة تاني."
لمست أوجاعها، فكانت العون لها بعناق احتوى رعدتها، مربّت عليها بصوت متحشرج بالبكاء، تدعمها بعطف:
"أنتِ مش يتيمة، أحنا كلنا معاكِ، وماما تبقى مامتك، وخالو فوزي يبقى باباكِ، أحنا كلنا معاكِ."
وجدت السلام بعناق قبطية، فشدّت من ذلك العناق الدافئ لتخمد ثورة أحزانها.
ـــــــــــــــ📌يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين«للتذكرة🌿»
"مر الوقت، وعاد جواد للغرفة بعدما هدأت ثورته، فوجدها تغفو على تختها، فصار إلى الأريكة وممد جسده ليأخذ قسطاً من الراحة، وأغلق جفونه ليستقبل النوم، لكنه سمعها تقول له:
"أنا آسفة."
قالتها وهي تدفن رأسها بصدره بعدما نهضت من فوق تختها، وآتت إليه تغفو بجواره على الأريكة التي بالكاد اتسعت لحملهما. لم يلبّ نداء قلبه الذي يطالبه بعناق خصرها والإجابة عليها، فشعرت بالحزن أكثر، وعانقت صدره بتمسك زائد، تزامناً مع كلماتها ذات البحة المكسوة بغيمة البكاء:
"عارفة إني قولتلك كلام وحش، بس قولت كدا لما فكرتك فعلاً قتلت أبويا وخنتني مع نهى."
"ارجعي نامي مكانك يا ريحانة." حدثها بهدوء مغمض مقلتيه.
فشدّت من التصاقها به:
"لأ، أنا مكاني جنبك."
عارضها بذات الهدوء المنافي لما يشعر به من غضب:
"اسمعي الكلام، ورجعي على سريرك. أنا دراعي وجعني ومش عارف أتحرك منك، المكان ضيق."
"طب تعالي نامي جنبي على السرير."
"لأ، مرتاحة هنا."
"وأنا راحتي معاك، ومش هنام غير في حضنك."
تنهد محارباً لنبضاته التي ترهقه:
"بلاش مناهدة واسمعي الكلام، قولتلك المكان ضيق ومش هيشيلك."
"لو المكان مش هيشيلني، شلني أنت." هتفت ببحة منكسرة من الخذلان، تجفف دموعها. ولم تمضِ سوى ثانية واعتلت فوقه تغفو فوق جسده.
ففتح جفونه بتعجب زاده إرهاقاً من ذلك القرب المحارب له، فلم يكن يصدق ما فعلته، فقد أطاحت ببرقع الحياء من عليها، وصعدت فوقه تغفو، فأصبح جسداً واحداً.
وقبل أن يستوعب هذا الوضع النابش بصناديق شوقه إليها، سمعها تقول ببحة زادته إرهاقاً:
"بما إن الكنبة مكنتش شايلاك، فجسمك كفاني. وعلى فكرة، أنا عايزة أبقى مراتك بجد. حتى لو أنت مش عاوزني، فأنا عاوزاك. وأول ما تخف، عاوزاك تتمم جوازك مني. أنت حقي وأنا عايزة الحق ده. أنت قولت إنك شايفني عفيفة وشايف نفسك مدنس عشان كدا حرمتني عليك، بس أنا شايفة غير ما أنت شايف نفسك. أنت طاهر ونقي، حتى لو ملوث بشوية عيوب، فبقربي منك همحي كل التلوث وهظهر طهارتك. بلاش تبعدنا وتحرمنا على بعض."
ختمت جملتها برفع رأسها على صدره، وأبصرت بخضرتيه التي تهتز بإرهاق القلب والجسد من حديثها الذي نشر السرور والشوق بكيانه. مقابلة عينيهما مثل التقاء الشمس بالقمر، كونا هجين يجمع بين النيران ودفء الليل، هجيناً أوحى الكمال بكيانهما وبرز الشوق منهما. هجيناً أعطى الانتعاش للقلب والحاجة للجسد. صدورهما اتحدت بنبض متبادل فوق بعضهما، وإشارة العيون اتجاه رعدة الشفاه التي تسعى لتذوق هذا الشوق الجارف.
فكان الاقتحام حليف جواد، الذي عانق وجنتها بيده المتعافية، وجذب وجهها إليه برفق، ليقبض على وردتيها بقبضته لوعته بها.
يتبع….
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم لادو غنيم
بما أن الكنبة مكنتش شليني، جسمك كفاني. وعلى فكرة، أنا عايزة أبقى مراتك بجد. حتى لو أنت مش عايزني، فأنا عايزك. وأول ما تخف، عايزك تتمم جوازك مني، أنت حقي وأنا عايزة الحق ده. أنت قلت إنك شايفني عفيفة وشايف نفسك مدنس، عشان كده محرمني عليك. بس أنا شايفاك غير ما أنت شايف نفسك، أنت طاهر ونقي، حتى لو ملوث بشوية عيوب، فبقربي منك همحي كل التلوث وهظهر طهارتك. بلاش تبعدنا وتحرمنا على بعض.
ختمت جملتها برفع رأسها على صدره. وأبصرت بخضرويتيه التي تهتز بإرهاق القلب والجسد. من حديثها الذي نشر السرور والشوق بكيانه، مقابلة عينيهما مثل التقاء الشمس بالقمر، كونا هجين يجمع بين النيران ودفء الليل. هجينا أوحى الكمال بكيانهما وبرز الشوق منهما، هجينا أعطى الانتعاش للقلب والحاجة للجسد.
صدورهما اتحدت بنبض متبادل فوق بعضهما، وإشارة العيون اتجاه رعدة الشفاه التي تسعى لتذوق هذا الشوق الجارف. فكان الاقتحام حليف جواد، الذي عانق وجنتها بيده المتعافية، وجذب وجهها إليه برفق ليقبض على وردتيها بقبضة لوعته بها.
داخل ملحمة غرامها فوق الأريكة المشتعلة بنيران جرف القلب، دق هاتفه برقم اللواء. فحاول فك حصارهما بجيوش تأنف ذلك البعد، لكنه لم يكن أمامه سبيل آخر، خصوصًا عندما عاود اللواء الاتصال مرة أخرى. فابتعد عنها بعد ما قاله متزامنًا وهو يلهث أنفاسه: لازم أرد، ده اللواء.
جلس على الأريكة وأمسك بهاتفه مجيبًا ببعض الثبات وإظهار بصوت رأسي: آلو، أهلاً يا فندم.
اللواء باستفسار: مالك بتنهج كده ليه يا حضرة الظابط؟
حاول ضبط أنفاسه: مفيش يا فندم، كنت بجري شوية.
بتجري الساعة اتنين بعد نص الليل يا جواد.
هتف برسمية ممزوجة بغمرة لحظتهما: ما هو الجري مبيحلاش غير بالليل يا فندم.
هتف الآخر بسخرية وكأنه يدرك ما يحدث: والجري عجبك، ناوي تكمل ولا هتكتفي؟
نظر بلهفة إلى ريحانة التي تلهو بأطرافها على عنقه: والله يا فندم، الجري مفيش منه، بس لازم أكتفي لحد كده عشان الأمور خرجت عن السيطرة خالص.
لاء، ما هو باين من صوتك. المهم عايزك تركز معايا شوية وتسمعني؟
أشار لها بعينيه للابتعاد عنه قليلاً ليستطيع التحدث. فضاقت عينيها بطفولية رافضة أمره.
روحت فين يا جواد؟ ما ترد عليا.
هتف باستفسار، فـقاله الآخر: معاك يا معالي الباشا، اتفضل.
ياترى قدرت توصل لمدخل البارون؟
ارتعش بلهيب لمساتها حينما شعر بأطرافها تتغلغل أسفل ملابسه العلوية، فحاول الثبات الصوتي بقدر الإمكان: المداخل كلها متاحة، بس على الله هو يتهد شوية.
اللواء باستيعاب: يعني أعتمد عليك ولا أسلم القضية لحد غيرك؟
لم تكف عن اللعب فوق تقسيمات معدته، فجذبها من عنقها ناظرًا داخل عينيها باستياء بسبب تلك الحركات التي ترهقه، مجيبًا برسمية: أنا قتيل القضية يا فندم، بس على الله الخصم التاني يعرف إن كل حاجة بأولها.
اللواء برسمية: لازم تعمل احتياطاتك كويس، الخصم مش سهل يا حضرة الظابط.
هتف عندما تمردت على مسكته وأفلتت عنقها منه، معاودة مداعبة لحيته: ده طلع مش سهل خالص، والله شكلنا كده داخلين على أيام فرهدة.
المهم إنك تعمل كل اللي لازم عشان تتجنب أي هجوم أو تدخل يبوظ مهمتك.
الهجمات هتجيب لي ساكتة قلبية، والله يا فندم.
اللواء باستفسار: اطلعني على التقرير يا حضرة الظابط.
هتف ببعض الثبات الصوتي: لأ، دي تقارير خاصة جداً، ممنوع حد يطلع عليها غيري.
الواء برسمية: هي إيه اللي تقرير خاصة؟ بقولك اطلعني على تقرير قضية البارون.
وقفا مبتعدًا عن الأريكة ليستطيع إجراء تلك المكالمة، هاربًا من لمساتها التي تجعله يذوب مثل السكر في المياه.
معلش يا فندم، القضايا دخلت في بعضها.
اللواء باستفسار: أنت شايف إيه بخصوص المهمة؟
نهضت محررة شعرها البني الغجري ليسقط على أكتافها بشكل أنثوي، جعله يردف بلبلة: شايف إني داخل على اقتحام، ربنا يستر.
اقتحام إيه؟ مش لما ندرس القضية الأول ونحط الخطط كويس وكل فرد يشوف مكانه هيبقى إيه في المهمة؟
لاء، كل واحد ومكانه إيه. المهمة دي خصوصًا مينفعش لها غيري، دي مهمة خاصة جداً.
زمجر اللواء قائلًا: يعني إيه خاصة جدًا؟ دي مهمة أمن وطني، مهمة بتدمر بلد بحالها.
وقفت أمامه محاصرة عنقه بيدها، تقترب من فمه بغمرة عشقاً، فقاله بلهثة أنفاسه رغم محاولات صموده: دي دمرتني خالص يا فندم.
اللواء باستيعاب: دمرتك؟ هو أنت لسه عملت حاجة يا ابني؟ ده أنت لسه بتدرس القضية.
فك حصارها مبتعدًا خطوة للوراء: درستها والله يا فندم، بس طلعت صعبة وعايزة كفاءة عشان أثبت وجودي.
اللواء برسمية: أتمنى ده عشان شكلنا هيبقى وحش جدًا قدام سيادة الوزير.
تنفسا باسترخاء بعدما تركته ودلفت للمرحاض: متقلقش، ساعتك هشرفك. أما بالنسبة لآخر التقرير، أنا قدرت أوصل لمعلومات مهمة. البارون بيخطط لاستلام شحنة سلاح جديدة. لو قدرنا نحدد مكان التسليم، اعتبر البارون خلص خلاص.
ده خبر كويس جدًا، بس عايز سرية يا جواد. الخبر ما يتسربش لحد نهائي.
أكيد يا معالي الباشا، من غير ما تقول.
اللواء باستفسار: عايزك تجيلي بكرة مكتبي أول ما توصل، لأن خلاص مفيش وقت، لازم نبقى سابقين خطوة البارون، مينفعش يفلت مننا المرادي.
متقلقش يا فندم، والله ما هسيب أمه، هو بس يدخل المصيدة وهتكلك عليه بالقوي.
اللواء برسمية: أنا واثق من كفاءتك وقدراتك. المهم عندي المهمة تتم بنجاح وميحصلش أي خلل. إحنا مش ناقصين نسمعلنا كلمتين مالهمش لازمة من معالي الوزير.
بتلك اللحظة المنفردة بالحديث الجاد، طلت عليه من الحمام بمنامتها الحريرية السوداء، تلك المنامة التي أذابت أكثر جبال صموده، بالأخص عندما جلست على التخت بدلال. فحاول الحفاظ على بحته التي تلونت بالأرهاق: المهمة دي ربنا يستر عليا منها، والله. شكلي كده هعمل حظر تجول عشان الأمور خرجت عن السيطرة خالص.
تبسم اللواء بدعم: أنا واثق فيك، أنت قدها وقدود، ومُتأكد إنك هترفع راسنا قدام الوزير.
تنهدا ببعض الثبات: أتمنى والله يا فندم. المهم عايزك تركز وتصفي ذهنك، عايزك تبقى حاسب حساب كل خطوة بتاخدها عشان ما تقعش في المحظور.
فرك جبهته محاولًا ترويض مقلتيه عنها: ما هو اللي مكلبشني مكاني كده، خوفي لأقع في المحظور وأوسخها معايا؟
اللواء باستفسار: هي إيه اللي توسخها معاك؟
تحمحم بإدراك مصححًا حديثه: المهمة طبعًا يا معالي الباشا.
اللواء برسمية: عشان كده بقولك تاخد حذرك ومتديش الأمان لأي حد. خليك فاكر إن دي مهمة في غاية السرية وممنوع منعًا باتًا اطلاع أي حد على التقرير.
أعتلت الغيرة عينيها الخضراوية بضوء الشمس الحارقة لكيانه: تقرير مين اللي حد يطلع عليها؟ دي اللي هيفكر يعمل كده والله أموته مرعوب.
تنهدا اللواء برسمية: تمام، على خيرة الله. متنساش تجيلي بكرة بدري، مش عايز كسل أو تأخير يا حضرة الظابط. أنا عارف إن المهمة دي هتتعبك شوية، لكن النجاح اللي هتحصده يستاهل التعب.
تنهدا بإرهاق جسدي من تلك الأنثى المسطحة أمامه بدلال: هي تعبتني شوية، بس يا فندم، ده أنا ربنا اللي عالم بيا.
الواء ببسمة: كل التعب ده هيروح لما المهمة تتم بنجاح.
تتم إيه دي؟ لو تمت هبقى وقعت في المحظور. أنا بفكر أكلبش نفسي لحد لما المهمة تتهد وتنام.
ضيق عينيه بتساؤل: أنت بتقول إيه يا حضرة الظابط؟
هتف برسمية لتصحيح موقفه: قصدي يعني إني هكلبش نفسي في الشغل لحد لما المهمة تخلص.
اللواء برسمية ممزوجة بالمكر: ربنا يوفقك. وبقولك إيه؟ بلاش جري النهارده تاني، متنساش إن دراعك مصاب، وورانا شغل مهم الصبح.
فرك مدمع عينيه بتنهيدة أرق: والله يا معالي الباشا بقول نفس الحاجة، بس هنقول إيه بقى؟ الطريق سحلني معاك لحد لما قطع نفسي. بس متقلقش، اعتبرني نمت. كلام ساعتك أوامر يا معالي الباشا.
أطفأ الهاتف واستدار للجهاز المعاكس لها ذاهبًا لأريكته ليفر بالنوم منها، لكنها سألته باستفهام مغمغم بالرقة: هتنام بعيد ليه؟
المنطقة عندك ملغمة، وأنا مش ناوي أموت قبل ما تتأكد من توبتي.
نفرت من حديثه ببحة لاذعة: وناوي تتأكد من توبتك امتى يا حضرة الظابط؟
مدد جسده فوق الأريكة مخبئ عينيه بذراعه ليتفادى ضوء القمر: لما ربنا يريد يا ريحانة.
شعرت بالجفاء من قوله، فشدت الغطاء على جسدها باستيعاب مرير تحتويه بحة واثقة: لو مفكر إنك جامد وأعصابك تلج، فمبقاش بنت حواء إن مسيحت التلج و خليتك تدوب فيا زي ما الآيس كريم بيدوب في البسكوتة.
قولي يارب.
أجابته لم تغير شيئًا، فغفت لتتفادى حزن قلبها.
وباليوم التالي، كانت تجلس بحجرة المعيشة تخبر نسمة بما حدث بينهما باستياء.
فقالت الأخرى بشك: مش عارفة أقولك إيه، بس جواد ميطمنش. منين عملتي اللي قولتلك عليه وبدأتِ أنتِ بأول خطوة، ومنين هو فضل ثابت ومكمل في بروده ده؟ لو كان لوح تلج كان ساح يا بنتي.
تلونت مقلتاها بالحزن، فعزمت قائلة: أنا قولتلك إني مش فارقة معاه، بس أنتِ اللي قولتلي حاولي وهو هيحس بيكي.
ربتت على مرفقها بدعم: هيحس قريب قوي، بس الأول لازم نتأكد إن كان بيبعد عنك عشان زي ما بيقولك شايف نفسه مدنس، ولا عشان حاجة تانية.
حاجة تانية زي إيه؟
ملوش في البنات مثلاً؟
إزاي وهو كان متجوز نهى؟ عادي ممكن يكون متجوزها عشان تكون ستارة لمشكلته عشان محدش يعرف إنه ليه ميول للشباب.
نفت برفض: لأ، شباب إيه؟ جواد باين عليه راجل أوي.
طرحت سؤالها باستهازاء: وأنتِ عرفتي منين إنه راجل؟ عشان يعني طويل وعريض وعنده عضلات؟ دي كلها مظاهر على الفاضي، متبقيش عبطة.
راودها الشك، فتغلبت على رفضها بقولها: حتى لو كلامك صح، هنتأكد إزاي؟
هنتأكد إزاي دي سيبها عليا.
نظرت لها باستفسار، فتبسمت الأخرى بتفكير.
ولم تمر سوى عدة دقائق، وكان مرعي يجلس أمامهم يقطب حاجبيه باستفسار: أنا لحد دلوقتي مش فاهم أنتو عايزين مني إيه؟
نسمة باندفاع: بصراحة كده يا مرعي، عايزينك تبقى بتاع رجالة.
أحييه يا أبو سوسو، أحييه. بتاع رجالة ليه يا ست البنات؟ شكلي ميديش إني راجل ولا ناقصلي شنب ولا أستغفر الله العظيم؟ متخلوش الواحد يقول كلام ميصحش بقى يا جدعان.
نسمة بتمهيد: أنت فهمت كلامنا غلط. إحنا عايزينك تعمل نفسك بتاع رجالة عشان نعرف جواد ميته إيه، ليه في البنات ولا بتاع رجالة.
حرك رأسه بصدمة مغمغة بالقلق: جواد باشا؟ نهار أسوح يا جدعان. أنتو شكلكم كده عاملين دماغ ع الصبح. هو مين ده اللي ملوش في الحريم؟
نسمة بتنهيدة يأس: الموضوع مريب، عشان خاطرنا اسمع كلامنا وساعدنا عشان نشوف حياة المسكينة دي هتمشي إزاي، عشان خاطرنا يا مرعي.
مرعي بقلق: أنا مش فاهم حاجة خالص.
نسمة بطلب: مش مطلوب منك تفهم حاجة دلوقتي، المهم عايزك تدخل دلوقتي عند جواد أوضة النوم وتحاول تغريه، وهنقف نراقبكم وهنشوف بقى هو هيعمل إيه، هيتجاوب معاك ولا هيصدك.
مرعي باستفسار: أغريه؟ هي وصلت للإغراء؟ ودا أغريه إزاي؟ أوريه سيماناتي اللي شبه رجل المعزة اليتيمة، ولا أغريه بشعر صدري؟ وبعدين ده لو حصل معجزة واتجاوب معايا أنا، أنا بقا هيبقي وضعي أنا أمشي في طريق الزلة وأقف على نواصي شارع الهرم أشقط رجالة.
كبتت نسمة بسمتها بقولها: متقلقش، لو اتجاوب هندخل ونحل الموضوع بسرعة، بس يلا بقى عشان خاطرنا بليز يا مرعي بليز عشان خاطرنا.
مرعي بقلق: خاطركم على رأسي، بس اللي بتطلبوه مني هيبعتني ملفوف لفة هدية للمدفن جانب حرامية الكفن، يعني سودا دنيا وآخرة.
نسمة بتنهيدة: بلاش تكسفنا بقى عشان خاطري، لإنت موافق.
رغم أن الأمر كان مريبًا وشائكًا، إلا أنه لبى الأمر ونهضا قائلًا: حضرولي الكفن، مش هتأخر عليكم، كلها دقايق وتلاقوني نازلكم محذوف من أول دور.
نهضا برفقته وصعدوا جميعًا للطابق العلوي، ودلف مرعي إلى غرفة جواد بعدما طرق عليه الباب والإذن الآخر له بالدخول. وبعد دخوله، ترك الباب مواربًا قليلاً لتتمكن من مشاهدة ما سيحدث. وصار مرعي حتى وقفا خلف جواد، الذي يقف عاري الصدر يضع ضمادة جديدة على جراحه.
خير يا مرعي، عاوز إيه ع الصبح؟
هتف دون النظر له، فتنهد الآخر بخوف يأكل جسده: مفيش، أنا كنت جاي أطمن عليك.
كويس إنك جيت، بقولك إيه؟ امسك الشاش لف هولي على الجرح، مش طايل ألفه من على ضهري.
حاضر يا باشا.
أخذ الشاش منه وبدأ بمحاوطة الإصابة به، مع ملامسة أطرافه لظهر الآخر الذي تساءل برسمية بعد عدة ثوانٍ: مالك يالا؟ إيدك مش مظبوطة كده ليه؟
بلع لعابه بربكة: مفيش حاجة، أنا تمام، بس هو الجو حر كده ليه؟
حاول خوض الأمر ليكشف المستور كما طلبت منه. فابتعد خطوة للوراء بعدما انتهى وحرر أزرار قميصه ونزعه منه عليه وحذفه أرضًا، ثم اقترب خطوة من جواد متحدثًا ببحة منخفضة ممزوجة بطريقة لعوبة: إيه رأيك في شعر صدري؟
قطب جواد جبهته بخشونة: يقرف، تحب أنتف هولك؟ مالك يا لا مش على بعضك ليه؟
رغم قلبه المملوء بالخوف، لكنه أكمل قائلًا: مالي، ما أنا زي الفل أهو. هو أنا مش عاجبك ولا إيه؟
فرك جانب أنفه حانقًا: والله يا زفت، أنت لو مظبطتش هاخدك على القسم وهظبطك ظبطة ميري تطلع ميتين أهلك.
مرعي إدراكًا للدور تراجع ومدد جسده على الفراش بصعوبة: أنا مش عارف امتى بس هتحس بيا ودلعني وتعملي اللي نفسي فيه.
اللي نفسك فيه يا روح أمك، هخلي ناس متخصصة فيه تعملهولك، بس مش هنا في المكان المناسب عشان تتمزج.
يئست أوي يا جواد، بجد.
هتف بنعومة، فصدرت قهقهة من الفتاتين، فلمحهما جواد بطرف خضرويتيه فأدرك ما يحدث. فقرر مجاراتهم في تلك اللعبة.
ثم رسم بسمة مليئة بالإغواء إلى مرعي، وبدأ بفك حزام بنطاله، تزامنًا مع اقترابه من الفراش: يئست بس هكيفك يا مرعي، استعد بقى للسرير اللي هيولع بينا يا جميل.
اتسعت مقلتاه الآخر بذهول تزامنًا بقولًا: دي آخرة اللي يسمع كلام النسوان يا مرعي، آخرتها اغتصاب علني، يا فضحتك.
تدلى الخوف من عيني مرعي حينما زاد اقتراب الآخر الذي نزع حزام بنطاله وجلس على حافة الفراش مائلاً إليه، فتراجع الآخر بخوف أشد بقولًا: نهار أسوح، هو الكلام بجد؟
لوح بعينيه للجهاز المعاكس ببحة أشد برودة من الثلج: دلوقتي لو أنت قمت تجري مني، الست نسمة هتقول عليا ده جواد طلع بجد شا_ذ، برغم إني مش هبقى قربتلك، بس هتقول كده وتأكد ع الموضوع عشان تثبت وجهة نظرها لمراتي، مش كده يا نسمة هانم؟
ابتعد عن مرعي الذي تنفس بارهاق ذو فرحة. أما نسمة فدخلت بعدما علمت بأنه كان يراهما.
فقرب جواد منهما متحدثًا بسخط: إيه؟ ساكتة ليه؟ ما تتكلمي وقولي تقريرك عني يلا، سمعي مراتي آخر رأي في جوزها إن كان راجل بجد وهيُعرف يديها حقوقها ولا هيطلع زيها زيها وتاخدها من قاصرها وتشوفلها واحد غيره يبقى راجل بجد.
تدلت العبارات من فمها باستفسار: أنا ما كانش قصدي إنك تفهم الموضوع بالشكل ده. كل الحكاية إن ريحانة صحبتي وبتصعب عليا كل ما تقرب منك تصدها وتبعدها عنك، كأنك فيك مشكلة جسدية مانعاك من إنك تمارس حقوقك معاها.
هتف بسخط: وأنتِ مالك؟ أمارس حقوقي ولا ممارسهاش؟ الموضوع يخصك في إيه؟ دي أعراض وخصوصيات يا متعلمة.
تدخل مرعي بجدية: الست نسمة ما تقصدش. هما بس كانوا قلقانين عليك.
نظر له بضيق: أنت اتكم خالص. بقى رايح تساعدهم؟ ده بدل ما تهب فيهم وتمنعهم عن الغباء اللي عملتوه.
مرعي باستفسار: ما هو أنت برضه أمرك يحير يا باشا. حوار إنك مش عايز تقرب من الست بتاعتك يقلق.
زادة حنقه فردف بغضب: والله كلمة زيادة في الموضوع ده وهدور فيكم الضرب، ولا ضرب ليه؟ أنا أنام مع السنيورة مراتي قدامكم عشان تتأكدوا بنفسكم إن كنت راجل ولا لأ.
نسمة برسمية: جواد، أنا ما كنتش عايزة كل ده يحصل. صدقني.
اخرجي على بره يا نسمة واختصريني اليومين دول عشان مزعلكيش زعل وحش جامد مني. أما أنت بقى يا مرعي، فحسابك معايا بعدين. يلا غوروا بره، مش عايز أشوف حد منكم يلا.
تسارعت أقدامهم بالخروج من غرفته، فـأسرع بإغلاق الباب بقوة هزت وجدان ريحانة، الذي عاد إليها حانقًا ممسكًا بمنتصف ذراعها يعاتبه بصياح: المفروض أعمل فيكِ إيه بعد ما فضحتيني كده و خليتي اللي يسوى واللي ما يسوى يجيبوه في سيرتي؟ أنتِ إيه يابت؟ معندكيش مخ خالص؟ مبتحرميش؟
ارتجف وجهها بدموع الندم وقالت: حقك عليا، ما كنتش أعرف إن الموضوع هيضايقك كده.
ترك ذراعها بسخرية: صح. وأنا إيه اللي هيضايقني؟ مراتي راحت حكت لبنت عمتي إني مبقربش منها، فـخططوا وبعتولي راجل عشان يختبرني ويشوف حكايتي إيه.
اقتربت خطوة منه لتخفف عنه هول ما فعلت: طب اهدى، أنا مش قصدي أزعلك كده والله، حقك عليا.
نظر لها حانقًا: حقي على إيه؟ أنتِ مش مستوعبة المصيبة اللي عملتيها. أنتِ كل يوم بتثبتيلي إني متجوز طفلة عمرها ما هتعقل ولا هتشيل مسئولية. البنت اللي متقدرش تحافظ على أسرار بيتها مينفعش تبقى زوجة لأي راجل.
هتف بكلمات كالمنبه الذي أنار عقلها، وتركها وغادر الغرفة بعدما أخذ قميصه وسترته. أما هي، فركضت خلفه لتتأسف له. لكن فور نزولها للحديقة رأت سيارته تسرع بالخروج من المنزل. فزادها حزنها وندمها على ما فعلت.
واستدارة لتعود للدخل، فسمعت صوت غوايش يأتي من الجهة المعاكسة لمدخل البيت. فظلت تسير خلف الصوت حتى توقفت أمام البدروم، وبدأت بالنزول خطوتين للداخل حتى توقفت أمام باب حديدي به قضبان تجعلك ترى من بالداخل. فشبت قليلاً لتستطيع الرؤية، فتسعت مقلتاها عندما شاهدت غوايش تصرخ في ركن الحائط، وبعد الجرذان يركضون أمامها.
مرات أبويا.
هتفت بكنيتها، فنظرت لها الأخرى بلهفة وأسرعت بالركض والوقوف خلف القضبان تستغيث بها: ريحانة، افتحيلي يا حبيبتي، كويس إنك جيتي، افتحيلي. المتوحش اللي متجوزاه حبسني.
تراجعت خطوة للوراء بحزن: ليه عملتي كده؟ ليه كدبتي عليا وهمتيني إنه هو اللي قتل أبويا؟ وكنت هقتله؟ وأنا كنت هموت بسبب كلامك. طلعتي متفقة مع الزفت اللي كنت متجوزاه عشان تخلوني أخرب حياتي مع جواد. حرام عليكم، ليه تعملي فيا كده؟
تلونت بدموع المكر: كدابة، جوزك كداب. بيقولك كده عشان يخليكي تكرهيني وتكرهي ياسر. هو بيكدب عليكِ.
أنكرت ما تسمع بحركة رأسية وكممت أذنها بمرفقيها ببكاء صارخ: بس بقى، كفاية كذب. حرام عليكم، عايزين مني إيه؟ أنا خلاص تعبت من كتر الكذب. أنتِ كدابة و"ياسر" كداب. أنا بكرهكم. بكرهك أنتِ وهو. أنا مبحبش غير جواد. هو الحقيقة الوحيدة اللي في حياتي. هو اللي بيخاف عليا وبيعلّمني وبيحبني بجد. مش "ياسر" الكداب بتاعك.
أدركت أن مخططها نال الفشل، فترنحت للخطة البديلة، تطلق ضحكات بسخرية: جواد يحبك؟ أنتِ شكلك كده مش شايفة نفسك. أنتِ طفلة يا ريحانة، حتة عيلة متملش عين أي راجل. مفكيش حاجة تشده ليكي. أنتِ بالنسبة له حتة بت بيتسلى بيها، وبعد ما الشهرين يعدوا هيرميكي في أقرب خرابة ويشوف له واحدة حلوة زيه تروق عليه. عارفة ليه؟ عشان جوزك شكله خبرة، والراجل الخبر لازمله واحدة تظبطه وتدلعه، مش حتة عيلة مفهاش ريحة الأنوثة.
عبارات التقليل منها فكانت زادت تأثيرًا من نوع خاص على الأخرى التي استقبلت الكلمات بإدراك نابع بقول احتوى على وقار فريد: أنا عارفة كويس إن جواد خبرة وعرف بنات كتير، بس أنا بالنسبة له حاجة نادرة. بيعاملني معاملة خاصة، مش عشان أنا مفيهمش ريحة الأنوثة، لأ، عشان شايفني حاجة غالية. مش زي باقي البنات اللي زيك. أما بقى كلامك، فأنا هاخد بيه وهتغير للأحسن عشان أملي عين جوزي، مع إني متأكدة إنه مبيشوفش غيري. وموضوع الطلاق مش هيحصل. عارفة ليه؟ عشان أنا وجواد بقينا روح واحدة، محدش فينا يقدر يبعد عن التاني. أما أنتِ، فخليكِ بقى هنا، تستاهلي كل اللي يجرالك عشان أنتِ واحدة حقودة ومفترية.
غلت الدماء بعروق الأخرى، فبحت بأغلى ورقة لديها: براڤو عليكِ. شكلك جواد علّمك حاجات كتير أوي وبقيتي ناصحة. طب يا ست الناصحة، الطلاق هيحصل وأنتِ اللي هتبقي السبب فيه غصبن عنك. أصل مفيش اختيار، لا إما تطلقي، لا إما أمك تموت.
تضاربت الصدمات بعقلها بشعاع ناري من الماضي الأليم. فثقلت خطوتها على الأرض مثل بحتها المترددة بثقل على اللسان: ماما ماتت من زمان.
ده اللي أنتِ تعرفيه. بس اللي متعرفيهوش إن هنية لسه عايشة، ومش كده وبس، لأ، دي كمان كانت متجوزة ومخلفة بنت وولد. ولو مش مصدقاني، أدي صورتها، مبشلهاش من صدري أبدًا من يوم ما صورتها.
أخرجت الصورة من حمالة نهدها ووضعتها أمام عين الأخرى التي تمعنت النظر بأدق. تتأمل ملامح تلك المرأة التي مازالت بذات الجمال. شعرت بأن الماضي يعود بتلك الذكريات الدافئة التي جمعتها بها في صغرها. نعم، كانت تلك الصورة لوالدتها، مما أثار جنونها وتسبب في تدفق المياه من عينيها المغمضتين بحريق، هدم الذكريات: إزاي عايشة؟ ده أنا شفت بابا وهو بيقتلها.
لأ يا أختي، أمك بسبع ترواح وماتتش. هي هربت لما فاقت ورفعت قضية خلع على أبوكِ وكسبتها غيابي عشان تتجوز المحامي اللي ساعدها وهربها من البلد.
أنتِ عارفة الحاجات دي كلها إزاي؟
كل حاجة بأولها. المهم دلوقتي لو عايزة أمك تفضل بخير، نفذي اللي هقولك عليه.
هو إيه؟
حاجة بسيطة أوي. تهربيني من هنا وتبقى العين اللي بتراقب كل تحركات جواد لياسر. ومش بس كده، لأ، أنتِ بعد ما تخرجيني تطلبي من المحروس جوزك يسبني أعيش معاكم، وكل يومين تقلبي له في فلوس. أظن جوزك محفظته عمرانه ومش هيتأخر عليكِ، ولو اتأخر، إيدك البيضا الحلوة دي تتمد وتجبلي اللي أنا عايزه.
رفضت بحزن: لأ، بلاش جواد. اطلبي أي حاجة تانية، بس بلاش حاجة تكون تخصه.
الله، ده الحب ولع في الدرة يا بنت القص. لأ، أمك عايشة وعارفة فين مكانها، وأدي صورتها. لو عايزاني أقولك على عنوانها، اعملي اللي بطلبه منك. ولو بقا عملتي نفسك ناصحة ورحتي قولتي للدكر بتاعك، والله يا بنت القص لهخلي ياسر يخفيها ومتعرفيلهاش طريق، ولا يخفيها ليه؟ أنا هخنقها المرادي بإيدي لحد لما روحها تطلع.
عاتبها بلوم مرير: أنتِ ليه بتعملي معايا كده؟
عضت فمها ببسمة الكراهية التي اعتلت وجهها: عشان بكرهك يا روح أمك. يلا يا بت، غور، مش طايقة أبص في خلقتك، جاتك الهم.
أصبحت في وضعًا لا تحسد عليه أمام أمر الاختيار بينهما يجلب التعاسة والحزن للطرف الآخر.
مر اليوم وأتى المساء بغرفة نوم ريحانة التي تجلس على حافة فراشها بنكسار هدم أحلامها برفقة خيالها. تحولت مشاعرها الدافئة إلى نوبات من الحزن والحرمان. تتردف مقلتاها بدموع كالجمار تحرق وجنتها. وبأذنيها ما زال صديد صوت زوجة أبيها يضرب مسمعها كلما تذكرتها حينما تلت عليها: أمك عايشة وعارفة فين مكانها، وأدي صورتها لو عايزاني أقولك على عنوانها، اعملي اللي بطلبه منك، ولو بقا عملتي نفسك ناصحة ورحتي قولتي للدكر بتاعك، والله يا بنت القص لهخلي ياسر يخفيها و متعرفلهاش طريق، ولا يخفيها ليه؟ أنا هخنقها المرادي بإيدي لحد لما روحها تطلع.
تلاشت الأصوات من أذنيها حينما دخل جواد إلى غرفتهما بعد يوم عمل شاق، وأغلق الباب خلفه. وحينما استدار رأى ما يحدث لها بتلك الحالة المخذية. فظن أنه من تسبب بذلك الانكسار بسبب مشاجرته معها في الصباح. فتدلى إليها حتى جلس على عقبيه أمامها ناظرًا لعسليتيها المحترقة بحمرة البكاء، فزادة أسفه عليها وشعر بالضيق مما تفوه به هذا الصباح. فتنهد باستياء مما فعله وقاله ببحة هادئة: أنا لما قولتلك الكلام اللي قولته الصبح كنت بقوله عشان مصلحتك، عشان أنبهك للغلط اللي عمالة تعمليه. أسرار أوضة نومك مينفعش حد يعرفها يا ريحانة. مينفعش تروحي تحكي لحد عن اللي بيحصل بينا. ميصحش إنك تروحي وتتفقي مع بنت عمتك إنكم تبعتولي راجل عشان تشوفني شا_ذ ولا طبيعي. الحركة دي قللتني في نظرهم وخلتهم يتمادوا في كلامهم معايا، حتى مرعي بقى واقف يسألني ويحاسبني كأني في محكمة. أنا نبهتك ألف مرة إن أي حاجة بتحصل بينا ميصحش إنها تتقال لحد، خصوصًا موضوع إتمام جوازنا وعلاقتنا ع السرير دي حرمات يا ريحانة، مينفعش حد يعرف عنها أي حاجة. أنتِ تعرفي إن البنت اللي تحكي عن اللي بيحصل بينها وبين جوزها ع السرير للناس بتبقى كأنها نامت معاه قدام الناس كلها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها". ربنا حرم إن المرأة تقول اللي بيحصل بينها هي وجوزها من متعة، زي ما حرم على الراجل برضه إنه يحكي لحد. اللي بيحكوه اللي بيحصل لهم مكانه أشد وحشية مما تتخيلي، ف ليه عايزة نفسك تبقي من الكارهين عند ربنا. وفي حديث تاني عن أبي هريرة الطويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد على الفتاة التي قالت: إنهم ليتحدثون وإنهن ليتحدثن. تعني: إفشاء كل من الزوجين سر الآخر. فقال: "هل تدرون ما مثل ذلك؟" فقال: "إنما مثل ذلك مثل شيطانة لقيت شيطاناً في السكة فقضى منها حاجته والناس ينظرون إليه". عارفة يعني إيه تشبهنا لشياطين بيمارسوا الزنا قدام الناس؟ دي حاجة أشد وسخة من أي حاجة ممكن تحصلك في حياتك. فبلاش بالله عليكِ تحكي لحد حاجة عننا تاني، احفظي سرنا عشان ربنا يحفظك ويرعاكي. أنا مش هاين عليا إنك تشيلي ذنوب، عشان كده زعقتلك الصبح قبل ما أمشي.
سخاء حديثه ومعرفته بالكثير من أمور الدين جعلها تزداد حزنًا وبكاءً من وراء طلب غوايش، ذلك الطلب الذي سيكون نقطة الكراهية بقلبه لها. أما هو، فلم يكن يدرك سبب هذا البكاء المرير، خصوصًا بعد كل ما قاله. فـحاول التمسك بوقت إضافي من الهدوء ورحب الصدر. وأمسك بمرفقيها ثم طبطب على باطن مرفقها بقبلات كالنسيم وقت الخريف. قبلات تشبه تفتح الزهور بقلبها النابض بجهل لا تعرف معناه. أما هو، فنظر لشمسها الباكية في صمت. ورفع طرفه الأيسر وجفف تلك المياه الغنية بالألم. ثم رفع ساقيه قليلاً مقبلاً جبينها. ثم نظر لها بقولًا: خلاص بقى، كفاياكي عياط، عينك وجعتك.
نفت برأسها، فتنهد بفمه ببسمة أظهرت غمازتين فكيه حينما قاله بوقار مندلع ببحة الانجراف الأخلاقي: واضح كده إن بوس الكفوف والرأس مبجوش معاكي سكة. تمام، نجرب بوس الفراولة أهو بالمرة أدوق حاجة مسكرة بعد اليوم المر اللي قضيته.
ضيقت مقلتيها باستفسار زاد ملامحها أناقة، لكن الإجابة كانت بقبلة لورديتيها حينما حاوط وجنتيها بيدها يستولي على فمها بتملك رائع. فـاسترخت بين يديه كاسترخاء القناديل بالمياه الدافئة. وصارت هي والتخت قطعتين واحدة. فأصبح كالغطاء فوقها كالئم التصق يرتوي من شراب كالورد من شفتاها. فلم تـمانع في أن تظل بهذا القدر من الالتصاق لوقت إضافي. فـبادلته عناق العنق بذراعيها كالجام يحاصر الخيل، تقوده للغوص أكثر بكيانها. وعندما تمكنت منهما نيران الشوق لإتمام تلك المغامرة الخاصة، ارتخت أطرافها لأزرار قميصه تحررها واحدة تلو الأخرى حتى تمكنت منه وأصبحت يدها اليسرى تبحر فوق ضفاف تقسيماته البارزة بإثارة. أصبحت أنفاسهم تتصادم ببعضها ونبضات القلوب كالسهام تخترقهما بفيضان حائر من المشاعر المخزنة. ووسط صراع من نوع الحب الفياض، تسابقت أطرافها لحزام بنطاله محاولة نزعه مرارًا. فشعرت يداها بعد محاولة كثيرة منها، فابتعدا عن شفتاها باستفسار ذو بحة مغمغة بالمداعبة: هو الحزام مضايقك في حاجة؟
ارتجفت بقهقهة مطلقة مرحها: لأ، مش مضايقني في حاجة خالص. أنا فكرتُه مضايقك أنتَ.
تنحى عنها ناهضًا باتجاه الخزانة بقوله المحتوى على ذات البحة: فـقولتي تعملي معايا واجب وتفكي هولي.
جلست بقليل من الخجل: أيوه.
أخرج بنطالًا وتيشيرت من الخزانة تزامنًا مع قوله: لأ، ما تتعبيش نفسك. لما أعوذ أفككه، هفككه لنفسي. أنا هدخل آخد دش ع السريع، لو حد خبط ما تفتحيش.
حاضر.
تحمحم بغزل من الطراز الخاضع للأذان: الفراولة كانت طعمة أوي. كان نفسي آكل طبق الفاكهة كله، بس أنتِ السبب بقى. بفكك للحزام رجعتيني لوعيي.
شقت البسمة الباهظة رحاب المشاعر فمه. فغمز لها بقوله المختلط برجولة منعمة بتمني: إشارة أنك قبلت التوبة. يارب عبدك بتعب من الانتظار.
تدللت برموشها لليسار هاربة من نظراته القاتلة لكيانها بطلب: هو أنتَ ممكن تنام جنبي ع السرير بعد كده؟
حرك رأسه ببسمة مختلطة بمزيج من المشاعر المحاربة لبعضها: مع إن الوضع هيبقى خطر، بس عشانك موافق.
ثم دخلا إلى الحمام.
وبعد عدة ساعات، حيث دقت الواحدة بعد منتصف الليل، بين طيات الفؤاد ولذة الحرمان يولد عشقًا مخلد بوجدان أنثى حرة ورجل ثائر. تلك الليلة الشتوية كانت أول ليلة في فصل الشتاء الذي يجمع العشاق تحت غطاء واحد يحتويهما بعناق رغماً عنهم يضخ الدفء بكيانهما. وعلى فراشهم الزهري يستلقيان بجوار بعضهما، تتغلغل العيون ببعضهما، تفصح عما يخبئ القلب بصناديق سوداء.
جواد: أنا سقعانة أوي.
تعالى في حضني أدفيكي.
أمرها ببحة الترحيب المنبعث من أعماق قلبه. فلم تضيع الوقت الذي سيجمعها بـجسده. واقتربت منه تغفو على ذراعه، تحاوط خصره بذراعها. فلم يتأخر في ضمها إلى صدره ليتشبع من لذة هذا القرب الضائع بين سلاسل القدر.
أول مرة أحب الشتا.
هتفت ببسمة مناظرة لبؤبؤه. فتعمق النظر بها باستفسار: أشمعنى؟
عشان حضنك هيبقى دفايتي. وكل ما الجو ما يشتي أكتر، كل ما هتاخدني في حضنك أكتر، يا خيالي.
كلمتها كالبصمة بوتر قلبه الذي أضاء بؤبؤه ببسمة الاستحسان. متسائلًا ببحة أشد هدوءًا من ليلة الشتاء: خيالك؟ ليه بتقولي كده؟
عشان اسم جواد معناه الخيال، ومعنى خيالي حصاني اللي هفضل جنبه وأرعاه لحد لما أعجز.
قطب جبهته بتساؤل: هو أنتِ ناويه تفضلي معايا لحد لما تعجزي؟
أيوه باذن الله. هفضل معاك عشان وجودي معاك هو اللي مخليني عايشة.
تنهدا باستحسان لجوابها وقربها أكثر لصدره: طب يلا نامي، عندي شغل مهم الصبح، ولازم أصحى بدري.
عارضته بحركة رأسية ناظرة بعينيه متحدثة ببسمة لم تفارق شفتاه: هتنام وتسيبني؟
ناقشها بهدوء معاكس لشخصيته: عندي شغل مهم والله، عشان كده لازم أنام يا ريحانة.
داعبت أوتار قلبه بجملتها الصادقة: هتوشحني الشوية اللي هتنام فيهم يا خيالي.
أشعلت طيات الوصال بـقبلتها لوجنته، فتلونت عينيه بنظرة الاحتياج لماء قلبها الذي يرويه. وانحنى قليلاً إليها، يحكم بصمته فوق ثغرها ليذوبا تحت غطاء كالمهد الذي جمعهما بدفء الشتاء. لم يكن يدرك إلى متى عليه محاربة كينونته المطالبة بالنيل منها. كان يشعر بها كاليقطينة بين يديه، ناعمة كنعومة الحرير مثل بيجامتها الحريرية البيضاء التي ترتديها. غاص مثل البحار بأعماقها بحثًا عن مأوى للمساته المبحرة بين ضفافها التي تشبه رمال الصحراء الناعمة. وبتلك اللحظة الحاسمة بعناق العاشقين لثغر بعضهم، ترنحت بشفاهها بعيدًا عنه قليلاً تلهث أنفاسها بيد محتضنة وجنته: جواد، عيوني. أنا كنت عايزة أقولك حاجة.
أوامري.
هتف أثناء مداعبته لخصلاتها البنية. فقالت: هو أنتَ عرفت كام بنت قبلي؟
بتسألي ليه؟
عايزة أعرف كام واحد غيري كانت معاك.
هيفرق معاكِ؟
مش عارفة، بس عايزة أعرف.
تنهدا برسمية: اتنين، بس.
أيوه. نهى ورحاب.
ضيق عينيه باستفسار: عرفتي منين رحاب؟
هتفت بهدوء: مش سر، عرفت من أهلك. بس هو أنتَ كنت بتحبها؟
ترنحت مشاعره وذكرياته، فتنهدا بعمقاً بحركة رأسية معلنة عن إيجابيته. فـقالت من جديد بسؤال أشد حيرة: لو رحاب رجعتلك تاني، هتعمل إيه؟ هتسبني عشانها ولا هتسبها عشانى؟
سؤالها ذو حدين، مغمغم بعين امتزجت بحزن مرهق بلمعة البكاء. فزم فمه ببسمة معلنة عن الاحتفاظ بها، تزامنًا مع لمسه ليدها: رحاب ماضي جواد، أما ريحانة، فهي حاضر ومستقبل خيالها.
أنت بتتكلم بجد؟ يعني لو رحاب بجد رجعتلك هتختارني وتسبها؟
ضيق عينيه بسؤال يحتوي على تعزيز قيمتها: أنتِ ليه متخيلة إني شايفك قليلة أو حاجة ملهاش قيمة؟ لازم تعرفي إنك غالية أوي، مينفعش تتقارني بحد. رحاب مش أحسن منك، بالعكس، أنتِ أغلى منها ومقامك أعلى منها. أما بقى بالنسبة لقلبي، فهو طردها من جواه من يوم ما عين ما شافتِك يا بنت القص. معرفش عملتي فيا إيه، سحرتيني ولا جننتيني ولا حكايتك معايا إيه؟
تحمحمت بسؤال أشد جرأة: طب هو أنتَ عملت معاها حاجة؟ يعني قربت منها وعملت معاها اللي كنت بتعمله معايا دلوقتي؟
قطب جبهته ببسمة ماكرة: الباشا قصدُه ع الاقتحام الحامي ده؟
لأ يا باشا، متقلقش، محصلش.
ترنحت البسمة منها: بجد؟ قول والله.
والله محصل حاجة بينا نهائي.
ضيقت عينيها بسؤال آخر: طب ونهى؟ حصل بينك وبينها اقتحام؟
رفع حاجبه ببسمة أثارت غيظها: اقتحام إيه؟ نهى استنزفت معظم مخزوني خلال الست شهور اللي عرفتهم فيها. دي مكنتش بيحصل معاها اقتحام ع الهادي ده. لأ، ده كان فيه تدخل للقنابل والمدفعية. بصي، حرب شاملة كل حاجة.
تملكت الغيرة منها فـبحت بتقليل: على إيه يعني؟ هي مش حلوة أصلاً؟
ضيق عينيه باستفزازها حينما قاله: مش حلوة؟ دي عندها شوية أسلحة بدغدغ حصون العدو، حاجة كده كلاشنكوف أوي. تصدق بالله إنك قليل الأدب. عارف؟ أنا مش فاهمة أنتَ إزاي كده؟ أنتَ بجد متربتش خالص، مش فاهمة أهلك كانوا فين؟
كانوا مشغولين بتربية فارس وهشام. يلا، تمم جوازك مني حالاً.
ضيق عينيه باستفهام: دلوقتي؟
أيوه، يلا، وإلا أنا مشبهش الست نهى.
هتف بنفي: لأ، متشبهيش بصراحة.
شرة الغيرة من عسليتها بقولًا: نعم؟ مشبهش ليه بقى؟
احتوى خصرها بيده مقربها إليه قليلاً ثم تلى عليها عبارتين كالدواء على جروحها: عشان أنتِ قطعة سلاح دهب، مفيش في جاذبيتها وجمالها. أما هي، قطعة فلز من الفضة، متعش في العقل ولا تدخل القلب. ولو ع الاقتحام، الأكيد هيحصل، بس محتاجين شوية هدنة يا سلاحي عشان لما أمسكك أعمل معاك أحلى شغل. وبعدين أنتِ إمكانياتك ع الهادي، حاجة بتمزج القلب قبل العقل. في مين نهى دي اللي بتقارني نفسك بيها؟
بجد يا جواد، أنتَ شايفني حلوة ومالية عينك؟
تنهدا باستسلام للكلمات النافذة بحقائق مسلسلة بقلبه: مالية القلب قبل العين يا ريحانة. ومدام مليتي القلب، فـعيوني مش هتشوف غيرك.
كم من الراحة أن تستمع المرأة لحلاوة الكلمات من فم زوجها من تملكها بالحلال تحت ضياء الرب والخلق. كم من الرضا أن تجد الاحتواء من قلب رجلها المملوك لها بمفردها. كم قلب أنثى ينبض بالحياة عندما تشعر بدفئ الحب من قلب ما زال ينبض بها.
جبتلك حاجة هتعجبك.
جلس على الفراش وأحضر من الكومود هاتفًا زهري اللون. أعطاه لها بقولًا: اشتريتلك التليفون ده عشان لو احتاجتي لحاجة تكلميني. وسجلتلك رقمي وعملتك واتساب. وفي باقة نت تكفيكي لشهرين قدام.
جلست بجواره بعين متسعة بسعادة: ده تليفوني أنا، شكرًا بجد يا جواد.
احتضن وجنتها بيده بسمة دافئة: مفيش شكر، أنا جوزك. وقت ما تحتاجي لأي حاجة قوليلي، هتلاقيها حضرت في دقايق.
دفئة وجنته بقبلة مليئة بالحب له، ثم قالت: أنت أحلى خيل في الدنيا كلها.
طب تعالى بقى أعلمك تستخدميه إزاي. وجبتلك كڤر عشان يحميه عشان ميتكسرش منك.
أخرج الكڤر الزهري المطبّع بفرشات ملونة بالحياة. فتسعت بسمتها أكثر واقتربت أكثر منه، تضع رأسها على ذراعه تستمع لحديثه لتتعلم التعامل مع هاتفه.
أما باليوم التالي، تمام الساعة العاشرة صباحًا، بحجرة الاجتماع بمقر الداخلية، كان يجلس جواد وسط زملائه ومعهم اللواء منذر، الذي يطلعهم على آخر الأنباء. ووسط الانتباه الشديد، أنار هاتف جواد برسالة واتساب من رقم ريحانة. فسحب الهاتف بحذر لكي لا يراه اللواء. ثم وضع يده الممسكة بالهاتف بين فخذيه لكي لا يراه أحد. وفتح المحادثة التي تحتوي على كلمتها: جواد، كتب سريعًا: خير.
مش خير. أنا عايزة أتكلم معاك.
أنا في اجتماع مش فاضي.
لما أخلص هرن عليكِ.
أرسلت له من فوق مخادعها: لأ، لو بطلت كلام معايا دلوقتي ممكن أتعب، أنا حاسة إن النوبة هتجيب لي.
راوده القلق حيالها، فارسل لها: طب اهدى، متخفيش، مش هقفل.
تبسمت باحتضان تيشرته: تعرف إنك في حضني دلوقتي وشامة ريحة جسمك حلوة أوي يا جواد.
دبت الحرارة بجسده، خصوصًا عندما أكملت الإرسال بجملة: نفس الإحساس اللي حسيتُه امبارح وأنتَ واخدني طول الليل في حضنك الدافئ وشامة ريحتك وأنا حاطة وشي في رقبتك، ريحتك كانت حلوة قوي. عارف دي كانت أحلى ليلة في حياتي.
ما ترسله له كان بمثابة صواريخ تضرب كيانه تهش هش مخزون تمالكه. شعر بـزَبزَبَة كهربائية تزلزل أعصابه الصلبة. فكتب لها حينما تعالت أنفاس صدره: مش وقت الكلام ده خالص، لما أرجع نبقى نتكلم.
راودتها بسمة خافتة على ثغرها وكتبت بخجل لمس جملتها: أنتَ طلعت بتحب البيجامات الحرير. فـهلبسلك البيجامة الحمرا، هتحبها أوي.
ضيق عينيه بإرهاق جسدي مرسلًا: هنبقى نشوف الموضوع ده بعدين لما أرجع.
أقولك سر.
قولي.
أنا نفسي في حضنك دلوقتي أوي، ما تيجي.
نفسي، بس مش هينفع.
حاول: طب اتحجج وتعالى بجد، وحشتني وعايزك جنبي أوي يا جواد.
بتلك اللحظة، دخلا إليهم أحد الضباط يقول بخبر من النوع الثقيل: بارون الغنيمي عندنا في المقر، وبالأخص في مكتب جواد، وبيزعق وبيقول إن جواد خاطف ريحانة القص اللي تبقى مرات ياسر أخوه.
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم لادو غنيم
"بارون الغنيمى" عندنا فى المقر و بالأخص فى مكتب "جواد" و بيزعق و بيقول إن "جواد" خاطف "ريحانه القص" مرات "ياسر" أخوه.
أطفئ شاشة الهاتف بابهامهِ بـقسوه مثل نـظرتهِ التى أعلنت عن حنقهِ.
فـوجه اللواء”منذر”لهِ الحديث بـرسميه:
خلص الموضوع يا “جواد”.
نـهض عازماً الأمر بـتنفيذ:
عن إذن ساعدتك.
تسارعت أقدامهِ بـخطواتاً تـحمل نيران منبعثه من جميع عروقهِ إلى مـكتبهِ.
و’فـور فتحه للباب وجد الأخر يعتلى المقعد الجلد الاسود’وَاضعاً قـدم فـوق الأخرى’و’فوق شفاهِ بـسمة تحدى:
إيه رأيك فى المفاجأه الحلوه دى.
قال تزامناً مع أغلاقهِ للباب:
مفاجأه تسد النفس بصراحه.
بـقولك إيه مكنش عندك تمثيليه أرخص من كده تمثلها قُدام زمايلى.
نـفى بحركه رأسيه إستفزازيه.
فـضاق خلق الأخر’و’سار إليه واقفاً أمامهِ راكلاً قدم “البارون” بـقسوه تزامناً مع قولهِ الجش:
نـزل رجلك يا حيلة أمك مش قاعد ع البلاچ.
فـزعَ الأخر من مقعدهِ حانقاً:
إنتَ قد الحركه دى يابن رضوان.
تقدم خطواتاً إليه حتى كادَ يلتصق بهِ:
قدها و قدود و اللى عندك اعملهُ.
إبتلعَ غضبهِ و لجئ لرداً من نوعاً أخر منبعث بـالمكر:
هوريك بس مش دلوقتى أنا مش مستعجل على حاجه.
بس عايزك تشبع من مرات أخويا عـشان قُريب أوى هاخدها منك.
قطب جبهتهِ بـذات النظره تصحبها قـولهِ:
أخوك “ياسر” و لا ليك أخ تالت عشان بس أبقى عارف البت فى الأخر هتبقى مع مين.
ضيق مقلتييهِ بـستخفاف:
لاء رابع.
ختمَ جملتهِ بقهقهَ غنيه بـالتقليل.
ثمَ عاود الحديث بقولاً بارز الـكراهيه:
قول زى ما تـقول.
مـرات أخويا هـخدها منك و هشيلها عندى لحد لما أخويا يرجع و يستلمها منىِ.
هندم لياقة سترتهِ بقولاً يحتوى ع السخريه:
طب تمام إتفضلها بس متنساش تشلها فى حته نضيفه عشان متعفنش منك.
و’متنساش تسلملىعلى أخوك.
ضيق مقلتييه بـستفسار:
شكلك كده بتستهون بكلامى بس هتتأكد لما أخدها منك.
إنتَ مفكرنى هسيبهالك ده الموت أقربلك منها.
هـتفَ “جواد” ببحه ملغمه بـحنقاً أمتزجَ بـغيره عارمه.
فـتمايل الأخر بـوقفتهِ ببروداً قاتل:
باين إن مرات أخويا كيفتك أوى لدرجة إنك بقيت مـجنون بيها.
طب مدام هـىِ جامده كد مكنتش ليه بتمتع “ياسر” و لا حضرة الظابط بيدفعلها عشان تكيفهُ.
ثـقل العبارات على صدرهِ ك ثقل الأخشاب على الحطابين.
فـتسعت خضرواتيه بـحمرة قرمزيه معلنه عن دمائهِ الحارقه التى تبحر بين عروقهِ.
و’إقتربَ خطوه إليه تزامناً مع حديثهِ ذو البحه الجشه الملتحمه بـهدوءً بغيض:
معلش بقى هى ملهاش فـى مُتعة النسوان اللى زيها.
قصدك إيه.
قصدى وصلك كويس.
قال”البارون” حانقاً:
إنتبه على كلامك.
و’بلاش غرورك ده عشان هجيبك الأرض قريب أوى.
اما “ريحانه” فـ هتجيلى بنفسها.
إنتَ مفكش، حاجه عدله تخليها معاك.
“جواد” بـرسميه بحته:
لاء و إنتَ الصادق شافت فيا الراجل اللى يحميها و يصون شرفها.
مش كلب نـجـ س طمعان فيها زيك.
إوعى تـكون مفكر إن وجودك هنا منعنى عن قتلك و قطع لسانك اللى جاب سيرتها.
توء.
اللى حايشنى عنك إن لسه أوان موتك مجاش حتى الضرب خساره فيك عارف ليه لإنك زى البهايم هـتضرب و تكمل نهيئ تانى.
اما بقى للشويتين اللى عملتهُم دول مـلهومش أى لازمه يلا يا روح امك لم شيطانك و إمشى عشان شيطانى لو حضر بالله ليحرقك.
و متنساش تسلملى على “غنوه” المدام ياترى في البيت و لا مطلعها أوردر نـجاسـ ـه أصل اشباه الرجاله اللى زيك بيسرحو نسوانهم مع كل راجل شويه.
هتحاسب على الكلام ده غالى أوى يابن رضوان.
قدم الفواتير و متشغلش بالك بالحساب هدفعهولك و عليه بقشيش كمان.
التف الأخر ذاهبً بـحقداً عبئ قلبهِ أكثر.
بينما بصق الأخر بـتقزز:
إتفوه ع اللى جابك خلفة أنجـ اس.
بـذات الـوقت بـمكتب “هشام” بـالشركه كانَ يتحدث عـبر الهاتف مع أحد الأشخاص بنبره مشحونه بـالضيق:
أنا محولك فلوس عشان تلاقيهُم مش عشان تيجى تـقولى الموضوع صـعب’.
قال “سامى” من داخل سيارتهِ:
يا أستاذ “هشام” أنا مقولتش إنى مش لاقيهُم أنا كُل اللى بـقولهُ إن الحكايه محتاجه شـوية وقت.
ذلك الوقت الضائع من حياتهِ بـعيداً عن حبيبتهِ و صغيرهِ لم يكُن بـهين مما أثار غضبهِ أكثر بشوقاً مُخلد بـالرفض للفراق أكثر من ذلك:
مفيش حاجه إسمها وقت.
إعمل أى حاجه.
المُهم تلاقيهُم.
“سامى” بـجديه:
تمام.
سلام.
أغلق “هشام” الهاتف.
و’نظر إلى صورتهُم عبر الهاتف بـعين إتسعت ببذور الشوق:
وحشتينى يا “غنوه” وحشتينى أوى.
كم كانَ يتمنى أن يلتقى بها.
لـينعم معها بـلذة اللقاء و النعيم بمشاعر عشقاً مُخلده.
فـى تمام الثالثه عصراً بـحجرة نـوم”فارس”كانَ يـجلس فـى شرفة حجرتهِ مع “مرعى” يتلو عليه كلماتً شائعه بـالمصلحه:
إنتَ مش هتخسر حاجه بـالعكس إنتَ هتاخد ثواب.
تسآئل الأخر بستفسار:
ثواب فـى إيه دأنت بتقولى أقرب من “نسمه” و’أعمل نفسى بحبها و أنقلك كُل حاجه بتحصل بنا.
حاول إقناعهِ بحديثاً مُنمق:
إنتَ هـتعمل كده عشان تـخليها تقبل إنها تدخل دين الإسلام هـوَ ده الثواب.
و بعدين أنا مبقولكش تعمل فيها حاجه وحشه لاسمح الله أنا كُل اللى بطلبُه منك تـقرب منها تبقى معاها تـخرج معاها تحاول تحببها فى الإسلام.
”نسمه”عنيده و مش هـتقبل تدخُل الإسلام بـسهوله و أنا حاولت أفهمها قبل كده إنها غلط لأنها المفروض تتولد على دين أمها و أبوها ملهاش إختيار زي ما أهل أبوها ما فهمُوها.
عشان كده عايزك تبقى الوسيله اللى تخليها تـغير تفكيرها.
إنتَ محسسنى إنك إستغفر الله يعنى قاعد مع شيخ.
أنا”مرعى”كنت عسكري “جواد” باشا و إنت أدرى بيه.
أبقى بذمتك هقنعها إزاى و أنا كنت مبسمعش غير كلام حاجه آخر قلة أدب من الباشا يعنى مفيش منى رجاء آخر واحد ممكن ينصحها أصلاً.
هتفَ بـرسميه:
و مين قال إن الشيوخ بـس هُما اللى بيقدرو يدو نصايح.
كلنا عندنا علم بدينه بـس المهم إننا نـعرفه صح مش أي حد يقول حديث أو يقرالهُ كام آيه يبقى شيخ.
المهم بجد إن اللى يعلم الإنسان الدين يكون إنسان نقى القلب و مؤمن بجد برب العالمين.
و’إنتَ عندك الملكه دى يا “مرعى” بلاش تستهون بنفسك.
فـى كُل الأحوال مش هتخسر حاجه كل المطلوب منك تتقرب من “نسمه” و’توجهها للصح عـشان تقتنع من نفسها إنها ماشيه فى الطريق الغلط و إنها لازم تبقى على دين أبوها و أمها.
نـفى برفضاً لتلك الفكره التى ستعود عليه بشقاء القلب:
لاء إعفينى من الموضوع أنا عارف نفسى كويس مش هقدر.
و’بعدين إفرض بقى الحكايه قلبت بجد و إدبست وحبتها أعمل إيه بقى أقعد أغنى ظلموه.
يابنى إفهمنى كل المطلوب تقرب منها تبقى صديق ليها لو إحتاجت حاجه تساعدها لـو كانت مضايقه تحاول تغير مودها.
تتكلم معاها عن الدين و تحببها فيه.
ماهو أنا عشان ابقى صديقها فـَ أكيد هقرب منها.
و’عشان أقنعها من غير ما تاخد بالها لازم أقنعها الأول بيا و لو الإقتناع ده حصل هروح فى داهيه.
ردد بكلمات إقناع من جديد:
مرعى”مـفهاش حاجه لو حبيتُو بـعض ده مش حـرام و لا عيب.
و’بلاش بقى إعتراضات ع الفاضى إنتَ لو قـدرت تقنع “نسمه” هتبقى عملت إنجاز عظيم العالم كُله هيقرأه عنه.
قطب حاجبيه متسائلاً:
مش فاهم إزاى يعنى.
“فارس” بـإفصاح عما ينوى:
إنتَ عارف إنى كاتب.
من فتره جالى خبر عن مسابقه عالميه هـتم خـلال شهور و المطلوب إن كل كاتب يقدم قـصه واقعيه عن ثنائي عايش فعلاً معانا.
عشان كده عايزك إنتَ’و”نسمه” هتبقوا أبطال قصتى.
هكتب كل حاجه بتحصل ما بينكم.
من أول بداية الحكايه لحد النهايه.
و’القصه هتتقدم فـى مسابقه و لو خدت المركز الأول هتتطبع بجميع اللغات و تتباع فى العالم كلهُ.
و مش، بعيد الناس الملحده و الخارجين عن دين الإسلام يحبو قصتكم و يحبو الإسلام و يعتنقوه و بكده تبقى خدت ثواب أكبر و أعظم.
تـنهد الأخر بـإدراك قائلاً:
حتى لو كلامك صح أنا بردو قلقان و مش عارف نهاية الحكايه دى إيه.
و’الست “نسمه” لـو عرفت إنى بقرب منها مصلحه هتزعل و ياعالم هتعمل معايا إيه.
مـتقلقش مـش هيحصل مشاكل.
اسمع كلامى و كل حاجه هاتمشى زي ما أنا مخطط لها إن شاء الله.
تنهد الأخر بـقلقاً يوحى بـالموافقه:
ربنا يستر من اللى هيحصل.
إتسعَ فم الأخر ببسمة ربحاً قادم أما الأخر فلم يكن يدرك لما تملكه من الأن شعوراً بـالإنكسار الملتحم بـالرهبه فما هـو قادم إليه ليسَ بـهين.
بـعد دقائق بـمكتب اللواء “منذر” كانَ يـقف”جواد”أمامهِ بـوقارً شكلى و صوتى:
مـتقلقش هسيطر ع الوضع.
تراجع الأخر بجسدهِ للخلف يستريح عـلى المقعد:
الوضع بـقى خطر.
اللى يـخلى “البارون” ياجى لحد هنا و يعمل الشوشره اللى عملها دى ملهاش غير معنى واحد إنُه يفهمنا إننا مش همينُه و لا خايف مننا.
“البارون” بيردلى المقابله اللى عملتهالهُ فـى بيتُه.
مش هاين عليه إننا نكون سابقينهُ بـخطوه.
فـجاى يردهالنا.
تنهد اللواء بـستفسار:
لو كلامه طلع صح و “ريحانه” فعلاً مرات “ياسر” فمش بعيد يكون مطلقهاش.
و بكده جوازك منها باطل لإنها على ذمة راجل غيرك.
كانت الكلمات ك النيران تـحرق أوتارهِ فـزم فمهِ ينطق بالرفض التام بـصوت جهوري:
” ريحانه”تبقى مراتِ أنا و مفيش راجل غيرى هيبقى معاها برضاهم أو غصباً عن اللى جبوهم.
أما باللنسبه بقى للحوار بتاعه إنها متبقاش مـراتُه و تبقى مرات أخوه فحتى لو صح مـيلزمنيش.
لأنى اتجوزتها على سنة الله ورسوله على يد مأذون و شهود و أشهرنا كمان جوازنا.
و كلها شهر ونص و العقد يتوثق و تبقى مراتِ قانونى.
طرح اللواء سؤالاً إستشهادى:
أنا معاك إن جميع أركان جوازك منها شرعيه.
لـكن لو مكنتش مطلقه من “ياسر” فكده كل حاجه تبقى باطله و جوازك منها كمان هايبقى باطل و الشهود و المأذون مش هيعملو حاجه و لا هيقدرو يـغيرو حاجه.
مع إعتراضى لكلام ساعدتك لكنى متأكد إن ولا “ياسر” و لا “البارون” إتجوزوها لعدة أسباب أولهُم إنهُم أغنيه و هى مجرد بت غلبانه و مرات أبوها شمال يعنى ميفرقش معاها إذا كانت تجوزها و لا تخليهُم معاها فـى الحرام.
تانى حاجه البارون و أخوه مش هُبل عشان يتجوزهُا و يبقى في شهود و مأذون.
أنا متأكد إن الحكايه مش كامله.
جايز جداً تكون الجوازه تمت بعقد عرفى حتت ورقه مضت عليها البت و أياً كان هو مين بـقى اللىمضى قصادها و بكده الجوازه باطله شرعاً و قانوناً.
أنا أتاكدت بنفسى إنها عذراء مفيش راجل غيري لمسها.
فـمش من الطبيعى إنها تكون مرات واحد فيهم لمدة سنه من غير مايمارس معاها حقوقه الشرعيه.
قطب اللواء جبهتهِ بـعتراض:
كلامك فى شبهة الإنكار لحقيقه عقلك رافض إنه يقتنع بيها.
إن “ريحانه” تبقى مازالت فعلاً مـرات “ياسر” و البارون أخفى اخوه لسببً ما عشان يقدر يستحوذ على زوجته و يستخدمها للإيقاع بينا.
أما موضوع إنها عذراء فده مش دليل على إنها مكنتش متجوزه واحد فيهم أو حتى مارس معاها حقوقه زي مانت ما قولت.
متنساش إنهم بيلعبونا فجايز جداً يكون البارون خلاها تعمل عمليه لإرجاع غشاء البكاره مره تانيه عشان يقدر يخدعنا كويس.
و لو هفترض معاك انهم فعلاً مفيش حد منهم إتجوزها.
فده ما يمنعش إن البنت دى هى وصلة الهمز اللى بينهم و بينك بختصار شديد جاسوسه عليك مش لازم أبداً تأمنلها لإنها جايز جداً تكون بتنقل أخبارك ليهُم.
أقاويلهِ المُلغمه بـالحقائق جعلت عقله يفور ويغلى ويصرخ مردداً لأقوال اللواء.
لكنهُ حاول كتم تلك الصرخات حينما أنبعثت الردود من فمهِ بـرسميه ملتحمه بـعتراضً:
مظنش أنا عرفت البنت كويس جداً مش من النوع الكداب أو من النوع الخداع دى بنت بريئه زي الأطفال ملهاش فى مكر و كدب النسوان التانيه.
و لـو كلام ساعدتك صح فـمتقلقش أنا مش عيل صغير هيقدرو يضحكو عليه و ياخدو منه الكلام.
و متنساش ساعدتك إننا مراقبين “البارون” من سنه و كل تحركاته كانت تحت عنين.
و’هـو اللى كان بيتردد على بيت “غوايش” من الوقت للتانى لما كانت مبترحلوش البيت بتاعه.
اما “ياسر” فـمظهرش غير أسبوعين و بعد كده إختفى من البلد و خلال الإسبوعين مترددش نهائى على بيت “غوايش” فـشبه مستحيل إنُه يكون جوز “ريحانه”.
زم اللواء”منذر”فمهِ بشكاً ملـئ العقل:
“البارون” و”ياسر”تؤام نفس الشكل و جايز جداً يـكون اللى كان عايش فـى الصعيد و بيتردد على بيت “غوايش” طول السنه هـو “ياسر” مش أخوه.
و اللى جه لمدة إسبوعين و إختفى تانى يكون”البارون.
تراكمت الشكوك و الأفعال بـعقولهم.
فـزاد”جواد” الأمر شكاً حينما تفوه بـقولاً مليئ بـالرسميه الشائكه:
يعنى بختصار شديد إننا طول الفتره اللى فاتت بنتعامل مع “ياسر” اللى منتحل شخصية “البارون” و اللى كنا بنراقبه طول السنه اللى فاتت فـى الصعيد بردو “ياسر” اللى مداري ورا إسم و شخصية أخوه.
و لسبب ما “ياسر” أخفى “البارون” عشان يفضل عايش بـشخصيتُه.
يـعنى ممكن جداً يطلع البارون ملوش علاقه نهائي بـشغل المخدرات و التهريب.
أضاء نور العقول فـلوح اللواء بسبابتهِ بتأكيدً ذو بحة الإدراك:
بـالظبط كدا و لما نقبض عليه بصفقه “بارون” هيقدر يستشهد بـالاوراق اللى تثبت إنُه فعلاً “ياسر”.
و هيقدر يفلت مننا و يخرج من التهمه.
و’يتعايش بهويته الحقيقيه.
و هيقدر يشتغل فـى المخدرات و التهريب تانى تحت نفس خدعة انهُ” البارون”.
حرك الأخر رأسهِ بـالاستيعاب ثمَ باح بـرسميه:
كده فـهمت سبب تمسكُه “بريحانه” مـش عشان مرات أخوه و عايز يحافظلهُ عليها لاء عشان تبقى مراتُه هـو و خايف لأحسن ميقدرش يرجعها ليه لو كان فعلاً متجوزها و كمان لإنه عايش بصفة أخوه مش بصفته الحقيقيه.
تنهد اللواء”منذر”ثم قال بإقرار :
أحنا كدا رجعنا لنقطة الصفر تانى.
عشان كدا عايزك تجمعلى كل كبيره و صغيره عن “ياسر” و أى معلومات جمعت الأخين سوا و أي مشكله أو خلاف كان بينهُم عايز ملف فيه كل حاجه تخص”ياسر الغنيمى”و أهم حاجه تحرص من البنت اللى معاك واوعى تديها الأمان و ممنوع منعاً باتاً إنك تتكلم عن أى حاجه تخص الشغل قدامها.
أعطاه التحيه الميري بـوقارً:
إعتبره حصل يا معالى الباشا دى قضية و بالله ما هيهدالى بال غير لما أجبلك قرارهم و اكلبشهم لك فى كلبش واحد.
عن إذن ساعدتك.
ذهبَ”جواد”من مكتب اللواء بـعقلاً دارت عجلاتهِ لـتنشر الضوء بداخلهِ جاعلةً الخيوط تتشابك من جديد.
مرت الساعات و دقة العاشره مساءً ببـدرون القصر كانت تـقف”ريحانه”خلف الباب تناظر “غوايش” التى تحادثها بـستيهان:
خير جايه ليه يا محروسه.
هتفت بسؤالاً مستفسره عما يحدث:
لـو عملت اللى بتطلبيه منى.
هـتعملى بعدها إيه تانى.
ضيقت مقلتييها بـستفسار:
قصدك إيه مش فاهمه.
يعنى لو خرجتك من هنا.
و’جبتلك فـلوس من “جواد” هـتعملى إيه تانى.
ايهخفقت مقلتييها ببسمة المكر الشائكه.
و’إقتربت أكثر من القضبان تبوح:
هاخده منك.
هـو ايه اللى تاخديه منى.
“جواد” هاخده ليا.
إتسعَ بؤبؤها بـمياه معاديه لما تفوهت به تبوح ببحه متردده:
تاخديه ليكِ.
مستحيل “جواد” جوزى أنا و مفيش حد هياخده منى.
قهقهة بـحيانيه مثل الافعى تزامناً بحديثها اللعوب:
جوزك دا بتاع نسوان يا محروسه راجل بجد بيحب الدلع و الهشتكه.
و أنا فى الدلع مليش زى و متاكده انه مش هياخد فى ايدي غلوه.
تصاعدت الدماء بـعروق صغيرتاً تهوى من أعماقها رچلاً ك المهد لها.
فـشنت حروباً بكلماتً ك الأسهم المشتعله بـغيرة التملك المصرح به:
بوجهاً إتحدا بـِلون القرمزي الداكن.
بهطول مياه العتاب المنبعثه من أعماق قلبها المذبوح بـخوف الفقدان:
جوزى مفيش واحده هتاخده منى.
لا إنتى و لا عشره زيك يا مرات أبويا.
إنتِ إيه شيطانه مش مكفيكى حياتى و البهدله و الذل اللى عيشتينى فيه.
جايه دلوقتي و عايزه تاخدى الحاجه الوحيده الحلوه فى حياتى.
حرام عليكِ إنتِ طول عمرك واخده كل حاجه منى.
أبويا و أمى و رميتينى للكلب بتاعك.
ياسر’ عشان ينهش لحمى خلتينى خدامه فى بيت ابويا حرمتينى من الناس و من التعليم عشت زي المسجونه.
حرام عليكِ إرحمينى و سيبهولى أنا مش عايزه غيره قـولتلك بحبه حرام عليكِ و الله العظيم بحبه خلينى اخد. مره الحاجه اللى بحبها.
حاربتها بـذات الأسهم الملغمه بـالكراهيه:
إوعى تكونى مفكره نفسك واحده تقدر تختار و تحب و تتحب.
لاء إنتِ حياتك كلها فـى إيدى.
مين قال إن ليكِ الحق عشان تحبى و تختاري.
فاضَ صدرهَا بـقهراً إحتوتهِ لسنوات ماضيه بـالعذاب و الإنكسار.
خفقاتها الطارقه على بابها بـألم كادَ يـقتل نبضها.
فثارت بصوتاً جهورى كادَ يـفجر أحبالها الصوتيه الصارخه بـكيان أنثى ترفض الخضوع بعد الآن:
أنا اللى قـولت عارفه ليه عشان أنا إنسانه يا “غوايش”.
إنسانه من لحم ودم بحس و بعيش و بشوف و بتوجع.
أنا” الإنسانه” اللى أبوها قتل أمها قدام عنيها أنا “الإنسانه” اللى عاشت بشخصيتين جوه روح واحده.
أنا “الإنسانه” اللى عاشت مسجونه طول عمرها جوه بيت بعيد عن الناس حتى الشمس كانت متحرمه عليا أنا” الإنسانه” اللى كانت بتشوف قرفك مع كل راجل شويه على فـرشة أبوها و بتسكت أنا “الإنسانه” اللى عاشت مذلوله عاشت خدامه فى بيت أبوها.
أنا “الإنسانه” اللى بعتيها بـالرخيص لواحد مقرف زيك.
أنا “الإنسانه” اللى عاشت طول عمرها محرومه من الحنان و العطف و الحضن الحنين.
أنا”الإنسانه” اللى كانت قبل ما تنام كل يوم تدعى من قلبها إنها تموت و ميجيش نهار يوم جديد عليها.
أنا “الإنسانه” اللى لما كانت بتصحى و تلاقى نفسها لسه عايشه تعيط و تزعل من ربها عشان مخليها مكمله فى دنيا مفهاش غير الظلم و الوجع و الحرمان.
أنا”الإنسانه” اللى عمرها ما تمنت حاجه و خدتها.
أنا “ريحانه”اللى لأول مره فى حياتها مش هتستسلم و مش هتقبل إنها تخسر الحاجه الوحيده اللى مخلياها عايشه و هـو” جواد”جوزى مش هسيبه مهما عملتِ و مهما قـولتى.
لأول مره مبقاش خايفه منك سمعانى مش خايفه منك.
و’جواد”مش هسيبهولك حتى لو فيها موتِ هدافع عنه بـروحى حتى لو كان التمن إنى أموت يا “مرات أبويا”.
صراخاتها كانت كالنيران تحرق الآذان بـقوه بصريه ممتزوجه بحمرة البكاء التى كادت تغطى على عسليتيها.
ورغم رهبة الأخرى من ذلك التحول المفاجئ بـشخصية تلك الصغيره التى سيطرت عليها لسنوات عديده.
الا إنها لم تكف عن محاربتها بسموم الحديث:
إنتِ هـتفضلى “ريحانه” بنت القص ملكيش لازمه ولا قيمه.
اما “جوزك” فايواحده هتقدر تاخده بالدلع و الحنيه و المرقعه.
و الحق يتقال إنتِ فى المرقعه مفيش زيك.
التفتت الأعين إلي من حضرَ بطلتهِ الملغمه بـهيبه تزينها الـوسامه الخاضعه للأبصار بملامح شرقيه متحده بـبراكين الحنق.
و إقتربَ من “ريحانه” التى بدا عليها الربكه المختلطة بـالحزن ذات قطرات الدموع الساقطه على وجنتيها.
فـقتربَ منها حتى أصبح بجوارها.
ثمَ رفعَ ابهمهِ و جفف دمعتها.
تزامناً مع قولهِ الهادف بـوقار المقام العالى:
أهى الدمعه دى أغلى من حياتك يا “غوايش”.
فـشوفى بقى”ريحانه”كلها على بعضها كده أغلى منك و من أهلك قد إيه.
تـراجعت الأخرى خطوه للوراء بـقلقاً من نظرتهِ التى باحت عما يخبئ خلف صدرهِ.
خصيصاً عندما قال لـتعزيز قيمة الأخرى:
اللى ملهاش قيمه واحده زيك كلبة شوارع مع كل كلب شويه.
واحده متعرفش حاجه اسمها شرف ولا دين.
إنما القيمة إتعملت على إسم “مراتِ”ريحانه جواد رضوان الهلالى”اللى مقامها ميتوزنش بدهب الدنيا.
شرفها و كرامتها هما تاجها اللى مخلينها ملكه فـى حياتها و حياة أى حد تدخلها.
الشرف و الطهاره و عزه النفس و الروح الصافيه و المقام العالى ملهمش غير إسم واحد”ريحانه”انما إنتِ حدث ولا حرج خبيثه و فـاجـ ـره بصراحه تخشى موسوعة چينس بـعدد نـومـ ـك مع الرجاله اللى بعدد شعر راسك دإنتِ يا مره النـجـاسـ ـه مكتوبه على إسمك.
تـهاتف عيناها بـكراهيه زائده فـهتفت بـبحه معلنه عن العاصفه القادمه:
صح أنا مره نـجـســ ــه و بتاعت رجاله و عشان كده ميبقاش شعري ده على مره أن مخليتلك ربة الصون و العفاف مراتك أوسخ منى و يبقى الباشا بقى يروح يجيبها من أحضان الرجاله.
تلك العبارات السامه كانت كفيله بـاشعال ثوره رجوليه لن تخمدها إلا النيل بثار الشرف.
فـحرر علاقه ذراعهِ و حذفها أرضاً ثمَ أخرج سلاحهِ الخاص.
فـتسعت عين “ريحانه” بخوفاً عليه وأسرعت بـالوقوف أمامهِ بـعتراض:
“جواد” أنتَ هتعمل ايه اهدء.
إبعدى من قدامى.
لاء لما تقولى هتعمل ايه.
إسمعى الكلام مره واحده من غير مناهده طلعتى عين أهلى.
إعترضت بـحركه رأسيه فـجذبها من ذراعها لخلفهِ ثمَ نظر لـقفل الباب و أطلق طلقه هشهشت القفل.
فـركلا الباب بـقدمهِ فـفتحَ على مصرعيه.
و’دخلا بـخطواتاً هزت وجدان الأخرى بتراجع للخلف من هول شحوب وجههِ و العروق التى برزت بـشراسه بمعالمهِ.
و قبل أن تتفوه بأى كلمه التقت بصفعتان متتاليتين على وجنتيها بـقوه طبعت آثار أصابعهِ على وجهها.
تزامناً مع بحتهِ الجشه بـغضباً كسيح:
هى مين دي اللى هجيبها من أحضان الرجاله يا مره يابنت العايبه.
حد قالك عليا خـــــــــ*و لا ماشي مسرحها.
دأنتى هيطلع مـيتـ ـن أهلك.
صـرخت”غوايش”بـالم خصيصاً عندما زرع أصابعهِ بشعرها يـجذبها منهُ بقوه مع إكمالهِ للحديث بذات القوه الحانقه:
بـقى أنا تقوليلى الكلام ده.
بالله لهشردك إنتِ و أهلك يا مره يا نـجـسـ ــه.
أيوه إصرخى يا حيلة أمك مانتى مقضياها طول عمرك صريخ بس من نوع الزوانى.
إستغاثت “بريحانه”الحقينى يا بت هيطلع شعرى فى إيدهُ.
كادت تخطو إليهم إلا أنهُ أشار لها بسبابتهِ بصوتاً جهورى غليظ مليئ بـالتحذير:
لو رجلك خطت خطوه كمان هطلع عين أهلك إخفى من وشى دلوقتى عشان العفاريت بتتنطط قدام عينى.
بالله يا “ريحانه” لو فكرتى حتى إنك تنطقى بحرف هـولع فيكى يلا على أوضتك يلا.
أمام شراستهِ تبخرت قوتها مثل الدخان بـالهواء و إبتعدت خطوتان لليسار.
أما الأخرى فحاولت الإفلات من يدهِ فشدد قبضتهِ أكثر عليها مع جذبها بقوه لتناظر خضرواتيه الملتحمتان بـحمرة الدماء الحر:
ما تسمعينى صوتك يا مره إتخرستى ليه دلوقتى و لا إحنا فالحين بس فى الكلام من ورا البيبان.
صاحت بـخوف إمتزج بـالكراهيه:
لاء مش خايفه.
أنا عمرى ما خـوفت من حد أناواحده حره.
سلامات يا حره.
جرى ايه يا مره دا على أساس إنى مش عارف تاريخك المشرف بـالنجاسـ ـه.
و الا الحريه عندك معناها الوساخه عرفينى بس عشان ابقى ماشي معاكِ ع الخط.
إنتَ عايز منى ايه ابعد ايديك دى عنى.
أبعدها عنك دا على أساس إنى بزغزغك و لا كفى الله الشر بتحرش بيكى و الست الشريفه ممانعه.
فـوقى ياروح أمك يمين بالله لولا إنك واحده كنت قسمتك نصين تحت رجلى بس معلش ملحوقه خليكى هنا لحد لما تعفنى زى الخنازير.
الـقاها بقوه صدمت رأسها بـالجدار فـسقطت على الأرض بألماً.
اما هـو فبصق عليها و غادر الحجره و أغلق عليها الباب بـحذراً لكى لا تستطيع الهروب.
و التفت ليذهب فـوجد “ريحانه” تقف بجوار الجدار بملامح خائفه من شراسة وجههِ.
فـتنهد محاولاً الإسترخاء قليلاً.
ثمَ جذبها برفقاً من يدها حتى إحتواها بعناقاً لكيانها.
مـقربها من صدرهِ بخوفاً عليها من الأيام المقبله.
أخذها بين ذراعيه بعناقاً من نوع الامان.
مغمض العينان يستشتق عطر عناقها مربتاً على شعرها برفقاً.
يتلو عليها بصوتاً أصبح دافئ:
ماتخافيش خليكى بس فى حضنى عشان أرتاح.
ربتت على ظهرهِ برفقاً متبادل لتخفف من ثورتهِ:
خد الراحه اللى عايزاها أنا مش هخرج من حضنك أصلاً.
شقت الفرحه فم القلب الذي باحَ بنبضاتً ك الكلمات تحتويها بعناق الصمت الدافئ.
ظلا بـهذا القدر من العطاء حتى إفترقَا بعد دقائق على صوت”معالى”التى اتت وقالت بـرسميه بحته:
مدام الدنيا زي الفل بينكم من الأولى يابن رضوان ترفع راسك قدام اللى فى البيت و تمم جوازك منها و لا إنتَ ناوى تقضيها أحضان و بس لحد لما بقيت سيرتك على كل لسان من ورا عمايلها.
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم لادو غنيم
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد
"مدام الدنيا زي الفل بينكم من الأول. يابن رضوان، ترفع راسك قدام اللي في البيت وتمم جوازك منها، ولا إنتَ ناوي تقضيها أحضان وبس لحد لما بقيت سيرتك على كل لسان من ورا عمايلها."
نـفـر بتنهيدة جافة مع قوله:
"اسبقيني ع الأوضة يا ريحانة."
أومأت بموافقة وذهبت. أما هو، فاقترب من معالي، ناظرًا لها بجفاء:
"ادخل عليها، والا أقضيها أحضان؟ دي حاجة تخصني لوحدي، ملكيش علاقة يا مرات عمي!"
ضيقت مقلتيه بحنق:
"يعني إيه ماليش دعوة؟ أنا في مقام أمك. ااه أمي؟ طب وهي في أم برده تبعت لابنها واحدة عشان تلف عليه ويتجوزها عرفي؟"
تلبكت بقولًا:
"إنتَ بتلمح لإيه؟"
فرك عنقه ساخرًا:
"بلمح للوساخة اللي ملازمة حياتي، كأني صندوق زبالة. اللي عنده كيس زبالة عايز يرميه، بيجي يحدفه عندي. من نهى لغنوه لياسر للبارون، ماشاء الله صندوق مجمع الزبالة كلها."
أدركت ما يلمح له، فباحت برسمية:
"كدا فهمت. بص بقا يابن رضوان، أيوه أنا اللي بعتلك نهى، مش عشان أنتَ هاين عليا أو عشان عايزة أوقعك في الغلط. أنا بعتهالك عشان تخرجك من الحزن والهم اللي كنت عايش فيه. بس مكنتش أعرف إنك هتتجوزها عرفي. ولما جاتلي بالورقة وقالتلي إنك مبسوط، وكلها شوية وهتتجوزها رسمي، عشان كدا سكت وقولت: سبيه يابت، يمكن حاله يتصلح ويرجع لعقله ويتجوزها بجد وينسى معاها المزغودة رحاب."
زم فمه ببسمة استهانة:
"يتصلح حاله؟ لاء بجد، براڤو عليكي. ومن أمتى كان الحال بيتصلح بالحرام وغضب ربنا يا مرات عمي؟"
ضاق محيط مقلتيه بفهم من ذلك التغير المفاجئ:
"من إمتى الكلام دا يا جواد؟ دا إنتَ ماشي حياتك غلط، وبقالك شهور وأيام مبتعملش حاجة غير إنك تمشي عكس الدين."
تنهد بقوله:
"كل حاجة وليها آخر. وبدل مانتي واقفة بتحققي معايا، ارجعي تاني مرات عمي الست القوية صاحبة الحق والمبادئ. بلاش ترسميلنا طرق الغلط وترجعي تحاسبينا. وبلاش تسألي في حاجات خاصة، علاقتي بمراتي خط أحمر مش مسموح لحد يتكلم أو يدخل فيها. عن إذنك، هطلع أرتاح من تعب الشغل."
انحنى وأمسك بعلاقة ذراعه وصاره إلى غرفته، تاركها تعيد التفكير بأفعالها الماضية.
***
بعد مرور ساعة تقريبًا، كانت تغفو ريحانة، وبجوارها يجلس جواد، ينهي فحص بعض الأوراق الخاصة بقضية البارون. كان يضع جميع حواسه بتلك الأوراق ليعثر على شيء يستفاد به. ولم تمر سوى دقائق، ودق هاتفه برقم مجهول، فحمل الهاتف وأجاب برسمية بحتة:
"مين؟"
"أنا، إيه نسيت؟"
رفع حاجبه بزفير الجفاء:
"عايزة إيه ع المسا يا نهى؟"
"عاوزاك يا جواد، إنتَ عارف إني بحبك."
هتف برفض ذا بحة منخفضة:
"أنا مش فاهم. عقلك فين؟ إنتِ مبتفهميش. قـلتلك مش عايزك، اللي بينا خلاص خلص."
صرخت تهاتفه بغضب هشّش ملامحها:
"كل دا عشان المسخوطة بتاعتك؟ والله العظيم ما هسيبك ليها، إنتَ ملكي لوحدي. وريحانه هانم هاخدها منك، وهخليك ترجعلي تاني، ترجع لنهى يا جواد، سامعني؟ هاخدها منك، هحرق قلبك عليها زي ما حرقت قلبي ببعدك عني."
أطلقت مخزون غضبها بتهديدات كالسم الذي انتشر كالوباء بخلاياه. فأغلق الهاتف لكي يتفادى حديثه الذي سيكون أشد قسوة إذا باح به. ترك جواد الهاتف من يده، ثم وضع المستندات على الكومود بجواره، وأطفأ الضوء، ثم ترنّج بجسده بجوارها، يتعمق النظر بها، يتأملها بعين الحارس الخائف على أمانته. ظلا يتفحصها بخضرويتيه، تزامنًا مع تفكيره بكلمات نهى التي نبشت بعقله الباطل لتتخزن به، حتى أغلقت الجفون أبوابها لتأخذه برحلة النوم العميق.
وبتمام الساعة الثالثة صباحًا، داخل عقله بعالم الأحلام خاصته، كان يرى منامًا من نوع خاص. بليلة مظلمة بهطول الأمطار بشوارع فارغة من البشر، كان يركض بحثًا عنها مثل السباح وسط أمواج القدر. أنفاسه المرتفعة كانت تتصادم مع الهواء لتصدر صداها بجميع الأرجاء، حتى توقف بمنتصف الطريق حينما دق هاتفه برقم نهى. فرد سريعًا ببحة متلازمة بوقاحة الخوف:
"وديني لو عملتي فيها حاجة، هصفيكي وقتي."
اهتزت بقهقهة بحيوانية:
"براحة على نفسك، دا أنا بردو نونو. وبعدين البت بتاعتك طلعت ميتانة خالص، تصدق بالله؟ مخدتش في إيد الزبون غلوة، وكانت مسلمة نفسها ع الآخر، لدرجة إن الواد اتكيف قوي ومحتاجش يعمل دماغ."
اتسعت مقلتيه بدموع الشرف النابعة من جوف قلبه الذي تطعنه بكلماتها السامة. فهتف ببحة مائلة للهدوء تحتويها جشة صوته:
"مراتّي فين؟"
"مراتك عندها زبون تاني، متقلقش، هيخلص بسرعة ويمشي. وبعدين هبعتلك عنوانها. بس بقولك إيه، متقربش منها الليلة دي عشان البت تعبت أوي ياقلب أمها، ومش حمل راجل تالت، كفاية عليها اتنين النهارده يا جوادي... والا أقولك يا خيلي زي ما بتقولك."
"ورحمة أمي وأبويا اللي عمري ما حلفت بيهم باطل أبدًا، يوم ما إيدي تطولك، هخليكي إنتِ والأرض حتة واحدة. أنا قـلتلك يا جواد، مش هسيبك لوحدي، غيري. بس إنتَ بقى اللي ركبت دماغك وطلقتني عشان حتة عيلة متجيش دراع فيا. بس مش ده المهم، خلاص اللي حصل حصل. بس إنتَ مقلتليش إن المحروسة بتاعتك كانت لسه بنت بنوت؟ مش عيب بردو لما تبقى متجوزاك ومتقربش منها؟ دأنت حتى مفيش منك، والسرير اللي جمعنا يشهدلك بالرجولة. بس تصدق، الزبون اتبسط أوي لما لقاها لسه بختمها، مانت عارف بقى مفيش أحلى من إنك تكون أول واحد يدوق بضاعة جديدة."
تلك الجمل أطاحت بدموعه لتسقط أرضًا برجفة وجه كادت تمزقه:
"بالله ما هيطلع عليكِ شمس يوم جديد، هجيبك إنتِ والكلاب اللي نهشوا شرف مراتّي، وهعرفك إزاي الشرف أغلى من الروح."
أغلق المكالمة، وجذب خصلات شعره بصرخة معلنة عن قهر الرجال بكلمات زادت من نزيف قلبه وبكاء عيناه:
"آآآآه يا بنت الـــــــــ* ليه كده يارب؟ عملت إيه عشان تعمل فيها كده؟ بتعاقبها على وسختي ليه؟ مانـا عندك اهو، موتني ولا اخسف بيا الأرض، سايبني ليه وبتعذبها بدالي؟ اهدأ يا جواد، اهدأ يابن رضوان، ماشي ورحمة أمي ما هـيكفيني موتك يا زبالة يا تربية الشوارع. ماشي يا نهى، بتدبحي شرفها، تمام أوي كده. تمام."
بتلك اللحظة، دق هاتفه برقم اللواء. فرفع مرفقه وجفف دموعه، ثم أخذ نفسًا عميقًا وأجاب ببحة أخفت صوت آثار بكائه:
"أيوه يا فندم."
"إحنا تتبعنا رقم نهى وقدرنا نوصل لمكانها. فين؟ مش هتصدق لو قولتلك بيت البارون. بس مش ده المهم. للأسف يابني، الراجل بتاعنا اللي عنده بلغنا إن ريحانة ماتت."
شهقة شرخت القلب جعلت جفونه تتفتح بتسع الرهبة من ذلك الحلم البغيض، تزامنًا مع جلوسه على التخت، يلهث أنفاسه بعرق يصب بغزارة على جبهته، بنبضات قلب تطرق أبواب صدره بتمرد الرهبة من ذلك الحلم القاسي الذي استيقظ منه للتو. ونظر بجواره ليتأكد أنها بجواره ولم تفارقه، فوجدها تغفو بتناغم ويدها ممسكة بطرف تيشيرته. فتنهد باسترخاء، ثم انحنى عليها مقبلًا جبهتها بشدة، وكأنه يلصق شفاه بها لمد الدهر. ثم انعطف لشفاهه يستنشق منها ماء الحياة بعطش جعله يرتوي منها لدقيقة متواصلة أو أكثر بثوانٍ. ثم ابتعد عنها يزداد تعمقًا بالنظر بها، وكأنها كنزه الوحيد وصلة الرحمن له لاعتناق الطهارة من جديد. خوفه عليها من أن يصيبها مكروه كان الدافع القوي الذي جعله ينهض من ع الفراش متجهًا للحمام، وبعد دقائق خرج متجهًا للخزانة، وأخرج سجادة صلاة بيضاء اللون بنقشات بنية، وصاره بها إلى أمام الشرفة، ثم وضعها اتجاه القبلة. ثم أبصر لليمين يتمعن الحياة بتلك النائمة في سلام. كان يدرك جيدًا أنه يحتاج لعون الله ليرعاها. وبعد انقطاعه عن الصلاة لمدة عامين، ها قد عاد الآن ليخضع بين يدان الخالق الرحمن بخطوات التوبة والرجوع للطريق الصحيح. شعور فقدانها والخوف عليها كان السبيل له للرجوع لطريق الله والعودة للصلاة. فكان ذلك الحلم مثل المنبه الذي أيقظ عقله، فقد علم أن الله سيكون عونه الوحيد للحفاظ على زوجته ومرعاتها بسلام. فخطا أول خطوة على سجادة الصلاة وعانق ذراعه بخشوع، رجف جسده برهبة هذه المشاعر الناعمة بسلاسة الخشوع، وبدأ بصلاة قيام الليل ليدعو الله بالرعاية زوجته تحت غطاء ستره وعفاف رحابه. ظلا يصلي عدة ركعات تعدت العشرون ركعة، فكم كان يشتاق قلبه العاصي لذلك اللقاء الرباني مع صلاة الله غذاء الروح. وحينما تشبعت أوتاره من الصلاة لتلك الليلة، قام بالتحيات ثم انحنى برأسه أمام كفتي يديه يدعو الله ببحة استحياء مليئة بالتمني:
"يارب العالمين، اجعل المستخبئ لها خير. احفظها ورعاها يا الله، صونها وحفظ شرفها، وعوضها خيرًا وفرح عن كل الأيام الآسية اللي عاشتها. احفظهالي من كل شر يارب العالمين."
لوح بخضرويتيه إليها خاتمًا دعاءه بقول انبعث من جوف القلب الهائم بها:
"يالله، اجعلها لي سندًا صالحًا إن اعوجت خطواتي أقامتها، واجعلني لها ضلعًا لا يميل."
ظلا يدعو لها بالثلث الأخير من الليل لينعم الله برعايته على من ملكت قلبه.
***
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
مرت الأيام والليالي بين ضفاف ساعتهم، حتى مر شهر ونصف على الجميع. وخلال تلك الأيام التي مرت، لم يحدث شيئًا هام، فحياتهم ظلت تسير بذات النمط: ظل هشام يبحث برفقة سامي عن غنوه وصغيره أمان، بينما فارس كان يعطي مرعي دروسًا تساعده بالتقرب من نسمه. أما جواد، فكان منغمسًا في العمل على قضية البارون، بينما ريحانة فلم ترهق نفسها في شيء، فقد ظلت كما هي تأخذ ركن الانطواء بذلك القصر الكبير. أما غوايش، فظلت حبيسة البدروم طول الأيام الماضية. هكذا كانت حياتهم طوال الليالي الماضية هادئة بسكون مخيف، حتى أتى ذلك اليوم الذي سيكتب مهداً جديدًا للجميع.
***
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
في تمام الثانية عشر ظهراً بمكتب هشام، يجلس على مقعده بوجه بشوش معلنًا عن سعادته جراء حصوله على رقم هاتف غنوه، الذي استطاع سامي الحصول عليه. لم يكن يعلم هشام أنه يحمل جمرة من جهنم على وشك حرق القادم من لياليه. بثوانٍ قليلة، ضغط إبهامه على أيقونة الاتصال، فدق قلبه مع دقات الهاتف، حتى تراقصت عيناه بلهفة أحاطت بقلبه حينما أجاب عليه ببحتها المحفورة بكيانه:
"مين معايا؟"
عبرت الكلمات من جوفه بحلاوة الشعور الدافئ:
"هشام، حبيبك يا غنوه."
اتسع بؤبؤه بصدمة ملتزمة بارتباك صوتي:
"هشام الهلالي؟ عندك حق تستغرب، بقالنا سنتين مسمعناش صوت بعض."
جلست على حافة الفراش بذات الصدمة:
"جبت رقمي منين؟"
"مش مهم جبته منين، المهم إني بكلمك. إنتِ فين وفين أمان ابننا؟ ليه هربتي مني؟ في حاجات كتير عايز أعرفها، إنتِ متعرفيش اتعذبت إزاي وإنتو بعيد عني."
أغمضت جفونها بتنهيدة يأس:
"مكالمتك جات متأخرة أوي يا هشام."
ضيق محيط مقلتيه باستفسار:
"دا بدل ما تفرحي إني قدرت أوصل لرقمك؟ وبعدين بتلوميني على إيه؟ هـو أنا اللي سبتك وهربت يا غنوه؟"
تنهدت برسمية بقولًا:
"مش مهم مين اللي ساب مين، المهم اللي حصل وخلاص."
لم يليق به حديثها، فعاتبها بذات الرسمية:
"بس أنا من حقي أعرف إيه اللي خلاكي تعملي كدا، إيه؟ ليه هربتي؟ لازم أعرف دا حقي عليكي، على الأقل عشان خاطر الحب اللي كان بينا."
بتلك اللحظة، خـاطـرها ذلك اللقاء الذي جمعها بجواد بالصعيد، فشنّت ملامحها سهام الكراهية التي أطلقتها باحترافية بكلماتها الهاتفة بحنق سنوات ماضية:
"جواد، ابن عمك حبيبك اللي بتقول عليه أخوك، هو اللي هددني وقال لي ابعد عنك. قـال لي لو ممشيتش من الصعيد واختفيت عنك، هيسجني لباقي عمري."
اتسعت عيناه بقرمزية النفي لما طرق مسمعه:
"إنتِ بتقولي إيه؟ جواد طلب منك كده؟ طب ليه؟ مش ممكن دا كان بيدور عليكي معايا؟ كان بيخدعك، عامل فيها حبيبك وخايف عليكي وهو اللي إذاكي. جواد شيطان، دمر حياتنا، فرقنا عن بعض. ولو واجهتيني بيه، مش هيقدر ينكر أي حاجة من اللي قولتها."
"لو كلامك صح، إيه السبب اللي خلاه يعمل كده؟"
وقفت بشموخ الكراهية:
"كان عاوزني ليه."
نفرت الدماء الحامية بعروقه، جاعلة إياه يضغط على قبضته بغضب:
"وضحي كلامك، يعني إيه عايزك ليه؟ إنتَ فاهم قصدي كويس يا هشام، ابن عمك طمع فيا. ولما رفضته وقولتله إني بحبك وهقولك على كل حاجة، هددني وقال لي هحبسك لو ممشيتيش. دا غير إنه كان هيلوث سمعتي ليك وينكر إن اللي في بطني ابنك. ابن عمك بعد ما رحاب ما سابته، كان عامل زي الحيوان، معندوش نخوة ولا ضمير. حيوان سعران، كل اللي همه ينهش لحم البنت اللي قدامه، أيًا كان بقى هي مين. وخلي بالك، أنا مش بكذب ومستعدة أواجه جواد بكل حرف قولتهولك."
نبشت بقبر قلبه عن أي ثغرة تؤكد له اعترافاتها، فتذكر علاقته بنهى وتلك المساعدات الكاذبة له أثناء بحثه عن غنوه، فتوثقت كلماتها بعقله. فوقف شامخًا جزعه بقامة الكراهية التي انزرعت بأرض قلبه، عاقدًا ملامحه بحنق ذو بحة الهدوء العتيقة:
"مش محتاجة تواجهي حد. دا طاري أنا. جواد لعب بيا، شافني بتعذب وكذب، خدعني وضحك عليا، خلاني أعيش في عذاب لسنين، ودلوقتي جه الدور عليا عشان أدوقه من نفس الكاس."
ترنحت بسمة الثأر عبر شفتاه بقوله:
"ناوي تعمل إيه؟"
"مش لازم تعرفي، بعدين هتسمعي اللي هيحصل له بسببى. المهم أنا عايز أقابلك، ومش كده وبس، عايز أتـجوزك. أنا من حقي أعيش معاكي إنتِ وابني."
تلبكت بقولًا:
"نتجوز؟"
هتف بتأكيد:
"أيوه نتجوز."
تنهدت بتفكير:
"طب سبني أفكر وأرد عليك. أنا مش عايزة أغلط تاني. سلام يا هشام."
أغلقت الهاتف وجلست على حافة التخت تفكر بالأمر. أما لديه، فضرب الطاولة بقبضته، بؤبؤ ارتجف بدموع العتاب القرمزية الملونة بغضب الأخوة التي تبخرت بالهواء:
"ليه كده؟ دا أنا كنت بقول عليك أخويا. تطلع إنت السبب في قهري لسنين وكسرة نفسي. ماشي يابن عمي، من اللحظة دي الأخوة اللي بينا خلصت، واللي جاي مفهوش محبة بيني وبينك. طار ورحمة أبوك، لاهشربك من كأس العذاب اللي شربهولي."
سقطت دمعتاه مع آخر حرف خرج من فمه.
***
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
بذات الوقت بالداخلية بمكتب جواد، كان يقف أمام نهى باندهاش مرددًا:
"حامل؟"
"أيوه حامل في تلت شهور، ولو مش مصدقني، تعالى نروح لأي دكتور، ولو طلعت كدابة، اعمل فيا اللي أنتَ عاوزه."
أمسك بمنتصف ذراعيها بقسوة تضامنًا مع بحته المـرهقة بشخط:
"حصل إزاي؟ وحبوب منع الحمل اللي كنت بتاخديها قبل ما أقرب لك، إزاي حملتي عليها؟ فهميني."
سحبت يدها برفقًا قائلة:
"أمر ربنا بقى، أعمل إيه. وبعدين إنتَ ناسي إن في أيام كنت بتبقى ملهوف عليا ومبلحقش آخد الحبايا؟"
"لاء ياروح أمك، مش ناسي، بس دي كانت مرة واحدة."
"أهو بقى الحمل حصل في المرة دي، اعترض على ربنا؟"
فرك وجهه بغضب من ذلك القدر المصمم على تغير مساره دائمًا. فقالت بهدوء:
"أنا مش كدابة يا جواد، إنتَ عارف إني من يوم ما عرفتك، ومفيش راجل غيرك لمس شعرة مني. ولو مش مصدقني، إنتَ ممكن تعمل تحليل إثبات النسب اللي بنسمع عنه، وإنتَ هتتأكد إن اللي في بطني ابنك أو بنتك."
أمام سلاسل القدر المنغمسه بنيران تحرق ما بناه من بوابات التوبة، لم يكن هناك سبيلاً آخر أمامه سوى أن يقبل بذلك الأمر الرباني. فرك مدمع عينيه بشخط:
"مش عاوز أسمع صوتك بيعصبني. اتكلي قدامي، خليني نروح لدكتور وبعدين نبقى نتكلم. يلا."
صارت أمامه قاصدة الطبيب ليتأكد من أمرها. وبعد ساعتين تقريبًا بغرفة الطبيب المتواجد بالمعادي، كان يجلس جواد على المقعد يحرك قدمه اليسرى باهتزاز معلنًا عن غضبه، وأمامه نهى التي تشق البسمة فمها أثناء قول الطبيب الذي فحصها منذ دقائق:
"فعلاً، المدام حامل في الشهر التالت، ولإزم لها الراحة."
تدلى بسؤال يحتوي الشك:
"هـو ممكن يحصل حمل لو بتاخد حبوب منع الحمل؟"
شبك الطبيب أصابع يديه مجيبًا بجواب:
"جايز جدًا لو النوع مكنش كويس، وكمان لو الزوجة نسيت تاخد الحبايا."
فرك جبهته محركًا رأسه بندم. بينما سألت نهى بذات الفرحة:
"قولي يا دكتور، هو أنا حامل في واد ولا بنت؟"
"لاء، لسه شوية على ما نعرف، قدامنا لأول الخامس عشان أقدر أشوف نوع الجنين."
وقف الآخر باستياء نافراً من تلك المقابلة:
"شكرًا يا دكتور، يلا يا بنتي خلينا نغور."
تبسمت بحرج ونهضت ذاهبة برفقته. وحينما استقلا السيارة، قالت بحزن:
"أنا عارفة إنك زعلان ومش عايز اللي في بطني. وبص بقى عشان متقولش إني بلوى دراعك بيه، لو مش عايزه، أنا معنديش مشكلة إني أمشي وأربيه لوحدي، بس ليا طلب واحد عندك، لما أولد تكتبه باسمك."
حرك وقود السيارة تزامنًا مع قوله الجاف:
"أنا مش ابن حرام عشان أسيب ابني من غير اسمي. اللي في بطنك أنا متأكد إنه من صلبي، عشان كده هيتكتب على اسمي. مش إحنا اللي بنفرد في لحمنا، حتى لو كان الموضوع مش على هوانا."
هتف بكلمات كانت طوق النجاة الذي رسما السعادة بقلبها وعلى فمها، فقد تأكدت أن صغيرها سينمو برفقة من تهوى. زادت سعادتها عندما أدركت أنها ستنال فرصة أخرى للعيش برفقته.
***
يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين.
لم تمر سوى ساعات قليلة، ودقة الثالثة عصرًا بقصر الهلالي، حيث يقف جواد بغرفة المعيشة أمام جميع من بالقصر، وبجواره نهى التي توزع نظرات الفرح ع الجميع، أثناء قوله:
"زي ما سمعته كدا، نهى حامل في ابني أو بنتي. عشان كده هترجع تعيش معانا في القصر لحد لما تولد."
تملكت ريحانة رجفة نارية ضربت بقلبها بسهام الظلم من ذلك القدر العاثر، فنهضت سريعًا تركض بحزن، فصطدمت بمنكبه، فتبادلا نظرات الحزن الممزوج باستيائهم من قدرهما، ثم أكملت هروبها للأعلى. بينما فركت بهيه مرفقيها باستفسار:
"أولًا مبروك يا حبيبي. بس هي هتقعد بصفاتها إيه؟ متنساش إنك مطلقها. وبعدين البيت فيه شباب، فارس وهشام، ميصحش يبقى فيه واحدة غريبة بينهم."
تدخلت معالي بقوة بالحديث:
"ع الدوغري عمتك عايزة تعرف إن كنت هترجع نهى لعصمتك تاني، والا هتعيش معانا لحد لما تولد وبعدين تغور وتريحنا."
زمجرة نهى باستياء:
"جر إيه يا حجة معالي، ملافظ السعد."
نهضت برفض لمكوثها برفقتهم:
"بلا سعد بلا هم. وإنتَ يابن رضوان، هات من الآخر عشان كل حاجة تبقى على عينك، يا تاجر. ناوي تتجوزها والا لاء؟"
قطع السنت الشكوك بقوله الحاد بهدوء مخيف:
"مفيش جواز. نهى هتعيش معانا لحد لما تولد، وبعدها هتروح لحالها. ومن دلوقتي بقى لحد لما تولد، مش عايز مشاكل وحورات عشان أنا على آخري. أظن كلامي واضح يا نهى."
تبسمت بجواب:
"من عنيا يا جواد، مش هتسمعلي حس."
بتلك اللحظة، وقفت نسمة بتنهيدة صاحبتها مقولة:
"لاء يا حبيبتي، لو طلعلك حس متقلقيش، هحبس هولك."
رفعت حاجبها باستفسار بغيض:
"قصدك إيه يا نسمة؟"
عقدة ذراعيها أسفل نهدها تحذرها بهدوء جاف:
"قصدي إنتِ عرفاه كويس أوي."
"ريحانه." قبل أن تهتف بحرف، جذبها جواد بقوة من منتصف ذراعها مشيرًا بتحذير بسبابته بشخط:
"بالله لو فكرتِ، مجرد التفكير، إنك تقربي منها أو حتى تنطقي معاها بحرف، مش هرحمك، والا يهمني الحمل والا غيره."
تلبكت بقلق، فقالت:
"أنا مش عبيطة عشان أعملها حاجة. مش هضحي ببني عشان المحروسة بتاعتك."
نفرت نسمة منها، فقالت باقتراح:
"بقولك إيه، ما ترجعي تعيشي مكان ما كنتِ، ولما تولدي بالسلامة، هنبقى نيجي نزورك."
تشتت ملامحها خوفًا من قبول جواد للاقتراح، فتدخلت بهيه معلنة اعتراضها بتحضر:
"إيه اللي بتقوليه دا يا نسمة؟ مهما كان، هي حامل في ابن جواد، ومسؤوليتها في رقبتنا، لازم نرعاها ونخلي بالنا منها عشان خاطر البيبي ابننا."
عارضتها بقولًا:
"بس يا ماما."
تدخل جواد برسمية:
"خلص الكلام يا نسمة. وأنا قولتها كلمة لنهى، لو لمحتها بتقرب من مراتّي، مش هرحمها، وأظن هي فاهمة كويس أنا أقدر أعمل فيها إيه. من فضلك يا عمتي، شوفي لها أوضة تقعد فيها."
"حاضر يا حبيبي، تعالي معايا يا نهى."
صارت برفقة بهيه، أما الآخر، فصعدا لغرفته. وفتح الباب ودخلا، ثم أغلق الباب عليهما، واستدار للأمام، وجدها تجلس على الأريكة تبكي دون صوت. فصاره إليها هاتفًا بهدوء:
"كفاية عياط."
وقفت أمامه تبصر به بانكسار هزيلة الصوت والنظرة:
"أنا مش هسألك عن حاجة عدت ولا هلومك عشان دا قضاء ربنا، بس هسألك سؤال واحد، ناوي تعمل إيه بعد نهى ما تولد؟"
"مش هعمل حاجة، هاخد ابني منها وخلاص على كده."
"هتحرم ابنك من أمه؟"
"أنا مش جاحد عشان أعمل كده. كل الحكاية إن ابني هيتربى بيني وبينها."
زفرة بسمة الحزن منها بقولًا:
"هيعيش مقسوم نصين، ومش بعيد يبقى معقد زيه."
أخذ نفسًا عميقًا أطلقه بالهواء تزامنًا مع نزع لسترته الجلدية:
"كلامك وراه معنى تاني يا ريحانة. عايزة توصلي لإيه؟"
"مش عايزة أوصل لحاجة. أنا خايفة."
احتوى وجنتيها بمرفقيه بشعور دافئ لمسته بمرفقيه، وأرسله إليها بعبارته المنبعثة من أعماق فؤاده:
"متخفيش من حاجة، حمل نهى مش هيغير حاجة في حياتي معاكِ. أنا اتربيت من غير أب وأم، وعارف إزاي الواحد بيتعب ونفسه بتتكسر من غير حضن أبوه وأمه، عشان كده مش هقدر أحرم ابني من حضني، مش هقدر اخليه يعيش اللي عشته، حتى لو مكنتش متجوز امه. هحاول على قد ما أقدر اخليه مبسوط واخليه عايش بيني وبينها من غير ما يحس بوجع ولا تشتت. لازم تعرفي إنك بنتي قبل ما تكوني مراتي، وأنا مبتخلاش عن عيالي يا ريحانة."
"هتتجوز نهى؟"
سألته برجفة لمسها بصوتها، فتنهد ببعض الاسترخاء قائلًا:
"كنت متجوز نهى عرفي، عشان كده مضطر أكتب عليها النهارده رسمي عشان لما تولد أقدر أسجل الطفل، لأنهم هيطلبوا قسيمة الجواز."
قبضة عبارته نبض قلبها الذي صرخ برفضًا لذلك الظلم القدري، فرفعت مرفقيها الصغيرين وملكـت مرفقيه تبعدهما عن وجنتيها بنظرة الاندهاش المحتوى بالحزن:
"تتجوزها؟"
"إنتِ عارفه كويس سبب جوازي منها. هتجوزها لمدة يوم، وتاني يوم هطلقها."
وضعت يدها أسفل فمها تحجز سائل بكائها:
"سهل الموضوع صح؟ سهل أوي."
حاولا التقرب منها، فتراجعت خطوة للوراء هاتفة:
"طب وأنا إيه حكايتي معاك؟ إنتَ جوزي، وكلها خمس تيام وعقد عليكِ رسمي. الشهرين فضل لهم أقل من أسبوع وتم السن القانوني وهقدر أتجوزك رسمي. وهتفضلي معايا، مش هطلقك، إنتِ عارفه كويس إنك غالية عندي."
أخطأ في التعبير، فشق قلبها الذي أجبرها على سؤاله بوضوح تام:
"أنا بحبك يا جواد، إنتَ بقى يعني إيه غالية عندك؟"
بأطياف الأحرف داعبت قلبه، وكأنها أعطته الحياة لقلب ألمه الهجر لسنوات ماضية. لكن تلك الكلمة المنعمة بالحياة، لم يكن قد حان وقتها بعد ليسمعها، مما دفعه للقول بصراحة بالغة بصوت رأسي:
"إنتِ لسه صغيرة، مكملتيش الثمانية عشر سنة. في مرحلة المراهقة، مشاعرك وأحاسيسك زي فصول السنة، كل شوية هتتغير. جايز النهارده بتحبيني، وبكرة تحبي غيري. وأنا مش هقدر أقبل حبك غير لما تتأكدي منه مليون في الميه. ومش بقولك كده عشان تقولي إني بكرهك أو مش عايزك، لاء، اللي مخليني أقولك الكلام ده تمسكي بيكِ، مش عايز يجي كمان كام يوم ألقيكِ بتقوليلي كنت غلطانة، مش بحبك وبحب فلان، وقتها مش هقدر أتمالك نفسي ومش هقبل كده عليا. أنا أكبر منك بعشر سنين وعارف يعني إيه مرحلة مراهقة، مشاعر متلخبطة، حب كل شوية لشخص جديد، جرح وفراق وندم. أنا ياما حبيت وأنا في سنك، بس لما كبرت ونضجت عرفت إن كل ده كان أوهام، والحب اللي بجد بيتولد لما ننضج ونحس إننا عدينا المرحلة دي. عشان كده مش عايز أقبل حبك، لأنك ممكن تكون كل مشاعرك دي وهم، هتفوقي منها كمان كام يوم أو كام شهر. سؤال أخير، إنتَ ناضج زي ما بتقول، وأكيد عارف يعني إيه البنت تحب بجد. بصيلي كويس وأنتَ هتعرف إن كنت بحبك بجد ولا مجرد مرحلة وهتعدي. بص في عنيا يا جواد، واحكم بنفسك."
ساعات كتير لغة العيون بتكون كدابة، وأنا مبأمنش بيها. حطم جدار المحبة التي بنته منذ ليالٍ، فقالت بسؤال أخير لتلك المواجهة:
"طب سيبك مني خالص، إنتَ إيه بالظبط؟ بتحبني ولا بتكرهني، والا مش فارقة معاك؟ يلا قولي الحقيقة، بما إنك راجل وناضج، فاكيد عارف مشاعرك كويس. بتحبني يا جواد؟"
الاعتراف بالحب أوقاتًا كثيرة يحتاج لمواجهة النفس، يحتاج لهدنة مع القلب لنتأكد من اتجاه النبض، ولأي شخص ينبض بعشقًا حقيقي. ولهذا أخذ هو طريق الصدق يبوح بجواب احتوى من الوقار والحقيقة ما يجعله يتربع على عرش الوفاء:
"هكذب لو قولت لاء، وهبقى كداب أكتر لو قولت آه. إنتِ دخلتِ حياتي في وقت كنت ضايع فيه، متلخبط جوايا بركان من القهر والحرمان بسبب فراق أول حب ليا. قدرتي تداوي جراحي، وتكوني السبب في رجوعي لأول طريق الصح. بس رغم كل ده، مش متأكد إن كانت مشاعري نحيتك حقيقة ولا مجرد وهم. أحنا محتاجين شوية وقت عشان نقدر نحكم على نفسنا ونتأكد من الحاجة اللي بنحسها إذا كانت حقيقة ولا مجرد نبض مضيع وقت."
هجر مجلسه وذهب للحمام، فجلست على فراشها تلهث أنفاسها بحصرة العبارات التي قتلت ما شعرت به لليالٍ.
***
بعد أذان المغرب، حضر المأذون ليعقد عقد قران جواد على نهى بحجرة المكتب. أما ريحانة، فلم تتحمل الأمر واتجهت للبدروم. وبعد دقائق، كانت تقف أمام الباب تنظر عبر القضبان لغوايش التي تمكث بجوار الحائط، وقد أصبحت هزيلة جراء الحزن من تلك الوحدة الموحشة.
"مرات أبويا." هتفت بصوت منكسر، فنهضت الأخرى مقتربة من الباب تناظرها ببسمة استحسان كارها:
"كنت عارفة إنك هتلفي وتلفي وترجعلي. إيه صوتك مكسور ليه؟ حضرة الظابط خد غرضه منك ورماكي، والا جات واحدة ولسطته منك؟"
سالت دموعها دون سابق إنذار وهي تتذكر أنه الآن يتزوج غيرها:
"أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان أروح لأمي."
اتسعت عيناها ببريق الانتصار تضامنًا مع تنهيدة عميقة مليئة بالاسترخاء:
"بس كدا، من عنيا. إنتِ تأمري. بس قبل ما أقولك هي فين، عايزاكِ تعملي حاجة صغيرة."
"حاجة إيه؟"
"تكسري نفس جواد."
تلك الغيوم المرافقة لرفضه لها جعلتها تستبيح أي شيء مقابل رد الانكسار له:
"هعمل أي حاجة عشان أرجع لأمي، أنا خلاص مبقتش عايزة أعيش معاه."
"هقولك أول حاجة، عايزاكِ تخرجي دلوقتي من باب القصر وتمشي على يمينك لآخر الشارع، وبعدين تلفي شمال، هتلاقي بوابة القصر الخلفية، ادخلي منها من غير ما حد ما يشوفك، وتستخبي وسط الزرع لآخر الليل. وبعدين تطلعي وتقولي لجواد اللي هقولك عليه."
أومأت بموافقة، فزمّت الأخرى فمها بكراهية.
***
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
مر الوقت ودقت الساعة الثامنة مساءً، وخلال تلك الساعات الماضية بعد انتهاء عقد القران، ظلا جواد يبحث عن ريحانة لكن دون جدوى، حتى صعدا من جديد لحجرته ليأخذ مفتاح سيارته ليذهب ويبحث عنها بعدما علم من الحارس أنها غادرت القصر. والتفت ليذهب، فوجدها تدخل إلى الغرفة ثم أغلقت الباب خلفها. فاسرع بالسير إليها بعينين ممتلئتان بالحنق.
"السنيورة ريحانة، كانت فين؟"
تجاهلته بوجه غاضب يصب عرقًا:
"مالكش دعوة."
أمسك بمنتصف ذراعها يمنعها من السير بشخط:
"آه دي ست العقلة، هي اللي بتكلمني. طب يا محترمة، كُنتِ فين؟ من غير ما تاخدي إذن جوزك."
سحبت يدها بقوة:
"إنتَ ملكش كلمة عليا، فبلاش بقا تعمل فيها راجل عليا."
تـجـحـظـت مقلتيه بشراسة هزت وجدانه، وأمسك بذراعها بقوة كادت تمزق نسيجها، متحدثًا بصوته الجش:
"بالله لو واحدة غيرك هي اللي نطقت بالكلام ده، كان زماني مكسر عضمها. بس هعدهالك عشان إنتِ مش عارفة إنتِ بتقولي إيه. انطقي وقولي كُنتِ فين."
رمقته بحتقار:
"كنت عند جوزي."
ضيق عينيه باستفهام:
"جوزك دا على أساس إنك متجوزة غيري؟"
"إنتَ مش جوزي، إنتَ مجرد مُحلل، إنما جوزي هو ياسر."
اعتصرت قبضة حديدية قلبه لتمزق أوتاره بسكين الغدر الذي تسبب بفيضان نهري مليء بالأمواج الآتي لأخذ الأنفاس. فاستقبل حديثها بقوة اعتصر يداها، رغم صوته الثابت على الهدوء:
"كنتِ بتعملي إيه عنده؟"
سؤاله كان بمثابة الفاصل لتلك المواجهة، وتلك النيران التي تأكل جسده. فوجدها تجيبه بكل وقاحة:
"اللي عملته معاه مينفعش يتحكى."
اهتزت مقلتيه بمياه ساخنة صبت النيران بعقله، وسألها ببحة تحارب بحته التي اهتزت بالقلق:
"انطقي، عملتي معاه إيه؟ قربتوا من بعض؟"
رفعت وجهها بجفاء، متجاهلة ألم ذراعها الذي يزداد مع كل سؤال ينطق به:
"أنا وياسر اجتمعنا ببعض النهارده، كانت أول مرة تحصل مابيننا علاقة على السرير."
انفجرت براكين شرفه بكامل جسده. سقطت دمعتان ساخنتان كانتا معلقتين على رموشه السوداء حتى سماع الإجابة التي جعلته يصفعها بقوة جعلتها ترتتمي أرضًا تنزف من فمها وأنفها. ورفع يديه يجذب شعره بغضب يقسو على كيانه:
"يا بنت الـك_لب، يا بنت الـك_لب. بتفرطي في شرفك؟ بقيتي زانية. أعمل فيكِ إيه؟ أقتلك؟"
صوت شهقات عذابها مثل البرق في ليالي الشتاء. رفعت عينيها الباكيتين بغضب:
"اعمل اللي تعمله. أنا مش خايفة منك. ويكون في علمك، كل شوية هروح عنده، وهسلم له نفسي عشان أنا بحبه. هو سامعني؟ هسلم نفسي لحد لما تزهق وتطلقني."
صوت صك أسنانه وصل لمسمعها. كلماتها كانت كفيلة بإحراق ما تبقى من الشفقة عليها لديه. شنت جيوش رجولته بسيوف الشيطان بخيول الغضب التي تتسابق بجسده لتجعله يعاقبها دون رحمة. وانحنى عليها يزرع أصابعه بشعرها يجذبها منه بقوة كادت تقتلعـه، وألقاها بقوة فوق الفراش، وشق أزرار قميصه، وألقاه على الأرض، ونزع البنطال، وهو يقول بغضب عمى عينيه:
"نجا_سة بنجا_سة، أنا أولى بيكي. أنا كنت حايش نفسي عنك عشان موسخكيش بوساختي، بس طلعتي أوسخ من الوساخة نفسها. فخلاص مبقاش في حجة عشان أمسك نفسي. خليني بقا أجرب بضاعة ياسر باشا قبل ما أرجعهاله."
سندت على ذراعيها تتراجع للوراء بخوف هز وجدانها بعدما سمعت ما تفوه به.
"ابعد عني، متقربليش."
اعتلى فوقها يكبل يديها بيده، وباليد الأخرى أمسك بثوبها ومزقه من عليها، فظهر جزعها العلوي وحمالة صدرها. فرفع عينيه ونظر داخل عينيها بحتقار غاضب، متحدثًا ببحة الكراهية عكس ما ألم قلبه الذي يمزق صدره:
"كنت شايفك أشرف مخلوقة خلقها ربنا. كنت بحارب نفسي عشان ملمس شعرة منك. كنت بحارب نفسي عشان أحافظ عليكي حتى من عيني. بس طلعتي أرخص بكتير مما كنت أتخيل. عشان كده في اللحظة دي، أنا مش ندمان على اللي هعمله معاكِ، لأنك في كل الأحوال بقيتي زانية لما سلمتي نفسك لواحد غير جوزك. فزنا بزنا بقا يا ست الشريفة."
انحنى عليها ليلتهم جسدها بقهراً احتوى لمساته، وجردها من جميع ثيابها حتى أصبحت كالوليدة بين يدي طبيبها. وكلما استباح جسده بشفتاه، زاد من احتوائها له بعناقها لتهدئ من جيوش غضبه. ترتجف بصوت بكاء كان يكسر قلبه. وبأقل من دقيقة، لم يستطع الغوص أكثر بها، فنفر مما يفعل بها. فابتعد عنها واقفًا، ثم أمسك بالغطاء وستر جسدها، وتوجه يجلس على الأريكة يضع كوعيه فوق قدمه يسند برأسه على مرفقيه، يلهث أنفاسه بسخونة كادت تتسبب بحرق دمائه. لم يكن يعرف مالذي يحدث له، رغم ما اعترفت به، لكنه لم يستطع أن يجاري غرائزه الغاضبة لامتلاكها حتى بعد ما عرفه عنها. أما هي، فسارت إليه بثوبها الممزق، وجلست على عقبيها أمامه، وأبعدت يديه عن رأسه. ثم اقتربت منه حتى أصبحت تجلس على عقبيها بمنتصف ساقيه وحاوطت خصره بيداها تعانقه باحتواء الأمان، تستقر برأسها على صدره العاري تبلله بدموعها الدافئة:
"حقك عليا، أنا عارفة إنك زعلان مني. أنا غلطانة، بس لازم تعرف أنا ليه عملت كده."
لم يكن أمامه سبيلا لرد كرامته سوى أن ينطق بما يتوجب عليه ليلملم ما تبقى من كرامته وشرفه كرجل:
"إنتِ طالق."
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم لادو غنيم
أنتِ طالق.
الطلقة النارية اخترقت مسمعها، فتسعت مقلتاه بدمعتين محترقتين. سقطت، فتراجعت للوراء تناظره باستيعاب:
"لا، متعملش كده. أنتَ بتهزر."
تفادى نظرها ونهض متقدماً خطوات للأمام قائلاً بجفاء لا يعلم كيف خاطبه:
"لا، مبهزرش."
فزعت من مجلسها وصارت إليه بلهفة تلقنه ضربات بقبضتها على صدره بصرخات باكية:
"لا، أنتَ بتكذب. أنتَ قولتلي إن عمرك ما هتسيبني. ليه سبتني؟ موفتش بوعدك ليه؟"
أحكم قبضتيه على مرفقيها يعاتبها بشحنات مليئة بالشخط:
"وعد إيه اللي أوفى بيه وقرف إيه؟ أنتِ مستوعبة قولتيلي إيه؟ كنتِ مع راجل غيري، سلمتي شرفي لكلب ينهش فيه. عايزا ني آخدك في حضني وأطبطب عليكي؟ بالله أنا لولا إني ماسك نفسي كنت قتلتك وما خدتش فيكي ساعة سجن. فوقي، أنا "جواد" مش أبوكي. لو أبوكي كان بيقبل إن مراته تبقى مع كل راجل شوية، فأنا مستعد أدبح نفسي قبل ما أقبل إن شرفي يبقى لعبة في إيد كل راجل شوية."
رغم ثقل العبارات على قلبها المجروح، أثار طلاقهما. إلا أنها أبت أن تظل عاهرة بعينيه، فأطلقت الحقائق دفعة واحدة، بحركة رأسية مزجتها بدموع الندم الرافضة لنظراته القاتلة لشرفها:
"وأنا مش "غوايش" عشان أقبل إني أكون مع كل راجل شوية. أنا كنت بكذب عليك. أنا مرحتش عند "ياسر" ولا أعرف مكانه أصلاً. أنا قولتلك الكلام اللي قولته عشان كنت مضايقة من جوازك من "نهى". كنت عايزة أوجعك زي ما وجعتني لما قولتلي إنك مش بتحبني."
قطب جبهته بعدم تصديق بقول:
"كذابة. الحرس بلغوني إنك خرجتي من القصر."
"أنا فعلاً خرجت زي ما مرات أبويا قالتلي."
شعرت بشيء غامض بتلك القصة، فحاول الهدوء قليلاً ليعرف كل شيء:
"غوايش" وهي قالتلك كده ليه؟ وليه روحتيلها؟"
"هحكيلك."
بدأت تروي له كل شيء دار بينهما في تلك المقابلة، أخبرته عن اتفاقهما وأمر والدتها. فضجت الصرخات بعقله الذي طفح كيله من تصرفاتها الموحشة. بعدم فهم، تقدم خطوة إليها ممسكاً بسعدها، يبوح بزمجرة:
"يعني روحتي اتفقتي مع مرات أبوكي عليا عشان تكسروني مقابل إنها تقولك مكان أمك؟"
أومأت بقسم مليء بالندم:
"قسمًا بالله ده اللي حصل. أنا مرحتش عند حد ولا شوفت "ياسر" ولا أعرف حاجة عنه من ساعة ما جينا مصر. ولو مش مصدقني كمل اللي كنت بتعمله معايا وأنت هتعرف إن محدش لمسني. أنا لسه عذراء يا "جواد". محدش لمسني ومحدش هيلمسني غيرك عشان مش هأمن حد عليا غيرك."
تراجع خطوة للوراء يفرك جبهته حانقاً من أفعالها التي تسببت بضمور قلبه:
"المفروض دلوقتي بقى أفرح وآخدك بالحضن وأقول لنفسي معلش صغيرة ومش عارفة بتعمل إيه؟"
"لا، متقولش كده. أنا عارفة إني غلطانة وأستاهل أي حاجة تعملها. بس لازم تعرف إني عملت كده بسبب غيرتي عليك. أنا بحبك حتى لو أنت شايف ده وهم."
زم فمه ببسمة ساخرة:
"بتحبيني؟ سلامات يا حب. حب إيه اللي خلاكي تتفقي عليا عشان تكسريني؟ وبالله بلاش كلام مستفز عشان أنا ماسك وسخة لساني بالعافية."
تقدمت إليه مستقرة بالوقوف أمامه مباشرة، تخاطب خضرويتيه بشمسها المحترقة من البكاء، مرددة بحزن:
"أيوه بحبك. حبي ليك عامل زي الدم بيجري في عروقي. ممكن تقولي هتعمل إيه لو حسيت إن الدم اللي معيشك جت واحدة تشاركك فيه؟ هتحس إنك بتموت؟ هتلاقي الدنيا بقت سودا في عينيك، هتحس إن نص روحك بقت ميتة. عقلك هيقف، مش هتبقى عارف تفرق بين الصح والغلط. وهو ده اللي حصلي. كنت مجروحة، مش واعية أنا بعمل إيه. كل اللي كان في دماغي إني أحسسك بالوجع اللي حسستني بيه. أيوه أنا غلطانة وأستاهل الموت، بس عشان خاطري بلاش يبقى موتي ببُعدك عني."
رآه الضعف الممزوج بالانكسار ببصرها، فحاول الهدوء ليخفف من ألم قلبه الذي طرق صدره بنبضة الحزن. ثم هتف برسمية:
"أنتِ محبتنيش بجد، عشان اللي بيحب مستحيل يأذي اللي بيحبه حتى لو كان فيه غضب الدنيا. أما بقى بالنسبة لكلامي اللي بتقولي إنه وجعك وكان السبب في تصرفك، فأنتِ مفهمتيش كلامي. لأنك لو فهمتيه، كنتِ هتعرفي إن حقيقة كلامي معاكي وصراحتي أكبر دليل على إني عايزك ومش عايز غيرك. مش كلمة بحبك هي الختم اللي هتأكدلك حبي. دي مجرد كلمة مصطلح الكل بيستخدمه عشان يعترف بالحب. أما الحب اللي بجد مش محتاج كلمة عشان يتعرف بيها. الحب مواقف، أفعال، احتواء، خوف، حنية. في ناس بتعترف بكلمة، وفي ناس بتعيش عمرها كله بتعترف بأفعال من غير ما تمل ولا تزهق. أنا لما قولتلك إني متلخبط ومش متأكد من إحساسي، كنت بقول كده عشان مش عايز أظلمك معايا. كنت بحاول أفهمك إن الواحد لازم يتأكد مليون في المية باللي حاسس بيه. وبعدين أنا لو بكرهك أو مش عايزك، إيه اللي هيخليني أصحى في نص الليل يوماتي عشان أصلي قيام الليل وأدعيلك إن ربنا يحفظك ليا؟ إيه اللي هيخليني دايماً خايف عليكي وبحاول أعملك كل اللي نفسك فيه؟ أظن لو بكرهك مش هفكر فيكي، بس أنتِ ماشاء الله مبتفرقيش تفكيري حتى وأنا نايم."
أدركت ما تسببت بأهداره من يداها، فزادت قربه منه ببسمة مرتجفة بسعادة، أسقطت الدمع من بؤبؤها:
"معنى كلامك إنك مش بس بتحبني، أنتَ بتعشقني. بس بتقاوع معا نفسك يا حضرة الظابط."
تنبض قلبه شوقاً لعناقها ليخفف صرخات عقله، لكنه تجاهل كامل مشاعره التي أصبحت ملوثة بموقفها الأخير. فهتف برسمية جافة:
"أفعالك وتصرفاتك بتخليني أموت كل حاجة بحسها نحيتك. المرة دي لما غضبتي مني كدبتي عليا كذبة قطمت ضهري. يا عالم بعد كده لما أزعلك هتعملي فيا إيه؟ تصرفاتك كل مرة بتثبتلي إنك لسه طفلة مش عايزة تكبري، طفلة مش قادرة تتحمل مسؤولية إنها زوجة. لازم تستحمل وتعالج المواقف اللي بتمر بيها مش تعمل العكس. لو كل واحدة جوزها زعلها أو اتخانق معاها أو اتعرض لحاجة خلته يتصرف غصبن عنه، عملت عملتك، كان زمان كل البيوت خربانة ومفيش عمار."
احتضنت وجنته بمرفقها تحتويه بدفء النبض الطارق بعروقها، تستسمحه بدموع العين المنهكة من ذلك الفراق:
"عندك حق في كل كلمة قلتها، ولك حق تزعل، بس سامحني المرة دي ووعدك إني هخلي بالي بعد كده وهتعلم إزاي أبقى زوجة تليق بيك يا "جواد"."
"أنتِ غلطتي، والغفران مش هيبقى بالسهولة اللي متخيلها يا "ريحانه". إحنا دلوقتي مطلقين، ولمستك ليا متحرمة عند اللي خلقني وخلقك."
نزع يدها من عليه ثم قال بذات البحّة الجافة التي تزيد من تشقق قلبها:
"من اللحظة دي، أي حاجة هتحصل بينا هتبقى "زنا". فمش عايز أي حركة غبية منك. ياريت تراعي دينك. وطول ما أنا معاكِ، متقلعيش الطرحة ولا تلبسي حاجة عريانة. أنتِ متحرمة عليا من أول شعرك لحد ضفر رجلك، فبلاش بقى نغضب ربنا أكتر من كده. خليه يرضا عننا شوية، يمكن يخف مصايب الأقدار عننا. أما بالنسبة لموضوع طلاقنا، فمحدش هياخد خبر بيه لحد لما أكتب عليكي رسمي بعد انتهاء مدة الشهرين. وبعدين بقى نبقى نشوف هنعمل إيه."
سألته باستفسار احتوته بحزن بغيض:
"أنتَ هتطلقني بجد رسمي بعد ما تتجوزني يا "جواد"؟"
"ربنا يسهل."
عارضته بحنق مليء بالدمع:
"يسهل! أنتَ عايز تسبني بعد ما اعترفتلك بالحقيقة؟ إيه القسوة دي؟ أنتَ إيه؟ معندكش إحساس؟ ده بدل ما تطبطب عليا وتحاول تعلمني."
هتف "جواد" بشخط:
"أنتِ اتخلقتي عشان تحرقي دمي وبس، ده أكيد. وديني يا "ريحانه" لو مبطلتيش تصرفاتك واندفاعك ده، هسود العيشة على دماغك. أنتِ إيه يا بت؟ مين فينا اللي مش بيحس؟ مين فينا اللي لسه دابح التاني؟ مين فينا اللي فرط في التاني؟ مين فينا اللي اتفق ع التاني عشان يكسره؟ مين فينا اللي مصمم على ضياع التاني؟ أنتِ إيه؟ عقلك ده فيه إيه بالظبط؟ فيه "جواد"؟ عرفت عقلي فيه إيه؟"
أخذ نفساً عميق، فرغه في الهواء، ثم هتف بتحذير:
"من اللحظة دي، رجلك متخطيش بره الأوضة. ع الله تنزلي عند "غوايش". رجلك متخطيش بوابة القصر. بالله لو كسرتي كلمتي المرة دي هتبقى النهاية. أديني نبهتك عشان مترجعيش تلومي نفسك."
انتهى حديثه وتوجه للحمام ليغتسل. أما هي، فتوجهت للخزانة وأخرجت ثوباً وحجاباً وبدلت ثيابها، وأعادت ترتيب الفراش. فخرج من الحمام مرتدياً بنطالاً قطنياً أسود وسترة رمادية، وتوجه لخارج الغرفة دون النظر لها بتاتاً. فغزت الدموع مقلتيها بحزن خيم على ملامحها من جديد.
***
"البدروم"
ضرب الباب بقدمه بقوة، ففتح على مصراعيه، فوجدها تقف بمنتصف الغرفة بعين ارتجفت من هول طلبه المزدحم بالحنق:
"أنتِ إيه؟ وليه شيطانة الوساخة بتجري في دمك؟ مبتزهقيش من نفسك؟"
تراجعت للخلف باستفسار تدعي الجهل:
"يوه، هو أنا عملتلك حاجة ولا حتى بشوف حد؟"
"بقولك إيه، أنا خلقي في مناخيري والعفريت بتتنطط قدامي. هاتِ من الآخر عشان مجبش أنا آخر عمرك وأخلص من قرفك."
تعثرت فوقعت على شوال حطب قائلة بتلعثم:
"طب قولولي بس تقصد إيه عشان أقولك."
"ريحانه" والبلاوي اللي بتوقعيها فيها. عايز أفهم ليه أم الكره ده؟ ليه عايزة توسخيها وتخليها رخيصة في عينينا؟ خلتيها تكذب عليا وتلوث شرفها بالكلام، وكل ده تحت بند أمها. أنا مقولتش حاجة. دي بتكذب عليك."
قبض على ساعدها بشراسة جعلتها تتألم، تزامناً مع جذبه لها لتستقر أمامه:
"يلعن أبو الكذب على اللي عملوه يا شيخة! أنتِ إيه يا مرة معجونة بمية إبليس؟ أمك كانت بترضعك وسخة. قولتلك معملتش حاجة. متصدقش كل حاجة بتقولها. هولك الغندورة بتاعتك. أنتَ متعرفهاش، دي مياه من تحت تبن."
شدد من حصار ساعدها بحنق زائد:
"وديني لو عليا لدفنك تحت التبن عشان أخلص من قرفك. أنتِ عايزه منها إيه؟ عايزها تبقي زانية وحرامية وكذابة؟ وملاوعة ورخيصة؟ في حاجة تانية عايزة تضفيها ع أوردر الوساخة ولا استكفيتِ الحد كدا؟ عمالة تلعبي بيها وتجيبيها يمين وشمال على مزاجك. كل مرة بلعبة شكل. لحد لما ربنا نجاها منك. ودلوقتي جاية تعيدي الحكاية من تاني بفيلم جديد. عايزاها تعمل مصايب تحت مسمى أمها العايشة. بس الحد هنا وخلصت الحكاية. مكانك الشارع كفيل بأنه يلمك."
جذبها بقسوة خلفه، يسير بها للخارج وسط أقاويلها الصارخة:
"مش هتخلص مني مهما عملت. مش هتخلصها مني. ريحانه بقعة ملزوقة فيا مش هتخرج غير بالدم. زمان قدرت أخلي أبوها يقتل أمها بدم بارد، وقريب قوي هخلي الحكاية تتعاد، بس المرادي بقتلك أنتَ ليها. ميبقاش شعري ده على حرمة إن معيشها في مرار. أنا اللي حرمتها من أمها لسنين بعد ما قدرت تفلت من الموت. بس ما قدرتش تفلت من إيدي وخليتها عايشة محرومة من الغندورة بتاعتك. هفضل أحرمها منها لسنين محدش يعرف طريق أمها غيري. وزي ما حرقت قلبها عليها وهي عيلة، هرجع أحرق قلبها عليها وهي كبيرة. أنتَ مهما عملت فيا مش هتعرف تحميها مني، سامع؟ مش هتعرف."
صرخة مدوية أطلقتها جراء سقوطها على الأرض حينما ألقاها بقوة كما يُلقى العامل قمامة الطريق. أصبحت خارج بوابة القصر في الليل الكحيل بظلام دامس، تبصر بكراهية موحشة. استقبلها بنظرة استثنائية جمعت أوصاف جميع مقتنيات الغضب والحنق وفجور الكلمات التي أطلقها ببحّة أشد من هدوء الهواء، تحتويها لهيب ضربات البرد القارص:
"الضربة منك قصادها ألف ضربة مني. حاولي إنك تقربي منها أو حتى تفكري تمسي شعرة منها. وديني وما أعبد، هقلب حياتك جحيم لدرجة إنك هتخافي تنامي لاجيلك في كوابيسك. يلا، غورِ من هنا. أنا أديتك المرادي فرصة عشان تعيشي، أنما المرة الجاية القبر هيبقى مستنيكي."
التفت للخلف يأمر حراسه بتحذير شاخطاً:
"حسِك عينك منكم ليه الولية دي تدخل البيت. بالله لو رجليها خطت خطوة واحدة جوه، هتبقوا مكانها بره."
هتف باستماع:
"أوامرك يا باشا."
سارت دون النظر للخلف، تاركها تبصر بكراهية ملغمة لكيانهم.
***
"بغرفة غنوه"
تقف أمام "البارون" تستمع له بعدما أخبرته بحديثها مع "هشام".
"مع إني مكنتش مخطط للموضوع ده، بس كويس جه في مصلحتنا. اتجوزيه على بركة الله، وأهو تبقى عيني جوه بيتهم."
اتسعت مقلتاها بصدمة أطلقتها بقول:
"نعم؟ اتجوزه؟ إزاي يعني؟ أنتَ ناسى إني مراتك؟"
ملس على شعرها بمكر ذو بسمة تخدير يتقنها:
"أنسا إزاي يا قلبي يا "غنوه"؟ أنتِ هتفضلي مراتي طبعاً."
"إزاي هفضل مراتك وأنتَ عاوزني أتجوز "هشام"؟ هو حد يعرف إنك مراتي؟ مش فاهمة؟"
"أفهمك يا قلبي."
جلس على المقعد الإسفنجي وجعلها تجلس على فخذه، يستبيح شرفها بقوله الدنيء:
"محدش يعرف إنك مراتي، فمش هطلقك. كل الحكاية إنك هتروحي لـ "هشام" وتقوليله إنك موافقة تتجوزيه، بس بشرط ياخدك تعيشي عندهم في البيت، على أساس إنه اتجوزك بحجة إنك عايزة تشوفي معاملة أهله و"جواد" ليكي."
اتسع بؤبؤها بذهول القول:
"عايزني أعيش معاه في الحرام يا "بارون"؟"
"مين اللي قال كدا يا حبيبتي؟ أنا واثق فيكي وعارف إنك مش هتخليه يلمسك. ففين بقى الحرام؟"
ابتعدت عنه وتقف أمامه بتصحيح لعقليته:
"طبعاً حرام. إحنا كده بنضحك على ربنا يا "بارون". وبعدين ده أنا هنام وأقوم وأدخل الحمام، كل ده قدامه. أيش ضمنك إنه ميحاولش معايا؟ مش ممكن يضعف ويخلينا نرجع نعيد نفس الذنب تاني؟"
سند بيداه على سندات المقعد ووقف أمامها يناقشها بذات الدناءة:
"أديكي قولتيها بنفسك، غلطوا مرة فبلاش بقى أسلوب الشرف ده عليا. إحنا في حرب يا "غنوه"، وكل شيء متاح في الحرب."
دمعت عيناها كالؤلؤ بتجريح بالقلب الذي شعر بكم الترخيص لشخصها:
"حتى الشرف مباح في الحرب يا "بارون"؟ للدرجة دي الشرف والعرض بقوا رخاص؟"
احتوى ذراعيها بتوضيح سام:
"بلاش نكبر المواضيع. الشرف والأعراض كلام الناس التافهة اللي عايشة على قولة الشرف أحلى من الفلوس. إنما إحنا ناس عمليين وعارفين كويس إيه القيمة الأكبر. وبعدين أنا قولتلك، أنا واثق فيكي يا قلبي."
زم فمها ببسمة سخرية مزجتها بتجفيف دموعها:
"اعتمادك مبني على الوهم، لأن أنا مش واثقة من نفسي. فزارِ أنتَ واثق فيا."
عقد ذراعيه خلف ظهره متسائلاً ببحة تبدلت للجفاء:
"يعني إيه يا "غنوه"؟"
"يعني طلقني الأول، واتجوز "هشام" لحد لما اللعبة تخلص وأطلق منه، وبعدين نرجع أنا وأنتَ لبعض."
اتسع فمه بشق بسمة الاتفاق:
"ماشي، موافق عشان ميرضنيش زعلك. بكرة هيتم الطلاق. أنا أهم حاجة عندي رضاكي."
جذبها برفق لتستقر بعناقه الذي شعرت به بالشوك.
***
"صباح اليوم الجديد بغرفة جواد"
استيقظت "ريحانه" فوجدته يقف أمام المرآة يهندم خصلاته السوداء، فتنهدت بحزن جراء ما حدث بينهما. ثم لمست رأسها فتأكدت أن الحجاب يخفي شعرها. فشاحت الغطاء عنها ونهضت بثوبها القطني الذي يستر كامل جسدها كما طلب منها:
"صباح الخير."
التفت وجلس على الأريكة يرتدي حذاءه الشمواه الأسود:
"صباح النور. أنتَ رايح الشغل؟"
"أيوه."
"هتتأخر؟"
"ممكن."
"طب ينفع أبقى أروح أقعد مع "نسمة"؟"
"لاء. ليه؟"
نهض يناظرها بشك:
"لأني عارفك هتحكيلها كل حاجة ونتفضح رسمي."
أخفضت عيناها بحزن:
"مش هقولها حاجة والله."
"مفيش خروج من الأوضة. أنا قولتها كلمة تتنفذ من غير مناهضة. خلي يومك يعدي معايا ع الصبح."
أومأت بطاعة مخذولة وصارت من جواره، فشعرت بدوار جعل رؤيتها تتشوش، فهتز جسدها وكادت تسقط أثناء استغاثتها به بيرق:
"جواد!"
انتبه لها فحاوطها سريعاً بيديه يجلسها على الأريكة، ثم جلس على عقبيه أمامها يتفحص شحوب وجهها باستفسار يصحبه القلق:
"مالك؟ حاسة بإيه؟"
رأت الخوف عليها بخضرويتيه، فشنت بسمة الغرام بعينيها ترهق قلبه قولاً:
"حاسة إني مريضة بحبك اللي بتتجاهله يا حضرة الظابط."
تنهد بتجاهل لما قالت:
"مش وقت الكلام ده. طمنيني عليكي. حاسة بإيه؟"
"مش حاسة بحاجة. أنا كويسة."
"يعني إيه كويسة؟ أومال كنتِ هتقعي ليه؟"
تبسمت بكذبة الحب الضائع:
"كنت عايزة أشوف خوفك عليا."
"بلاش كذب، وشك باين عليه التعب. عايز تعرف إيه اللي تاعبني؟"
أومأه دون حديث، فسقط الدمع منها بحرف انبعث من جوف قلبها المحترق:
"تعبانة عشان مزعلاك. أنا عارفة إني وجعتك، بس والله مكنت حاسة بنفسي. عشان خاطري سامحني. فكرة إني متحرمة عليك وجعاني أوي. أول مرة من شهرين متنمش جانبي وتاخدني في حضنك. هانت عليك تبعدني عنك يا "جواد"؟"
رغم حزنه على ما تمر به، إلا أن ألمه كان أضعافاً مضاعفة، فنهض بقوله بذات الجفاء:
"أنتِ اللي عملتي فيا وفيّكي كده. سلمتي ودنك للناس تلعب بيكي. قولتي كلام جرح شرفك قبل ما يجرح كرامتي. العقاب على قد الغلط، وأنتِ غلطتك متتنسيش بسهولة."
غادر الغرفة وتركها تلعن حظها العاثر. أما بجوار الباب، فكان يختبئ "هشام" بعدما استمع بطريق الصدفة كل شيء دار بينهما.
***
"وقت المغرب بالشركة"
يجلس "هشام" ويتحدث عبر الهاتف مع "ريحانه" التي لم تغادر حجرتها منذ الصباح:
"أيوه، يعني أنتَ عايز إيه؟"
هتف بمكر:
"عايز مصلحتك. "جواد" حكالي على الخناقة واللي حصل بينكُم. وبصراحة معاه، حتى أنتِ زودتيها أوي. وبينى وبينك "جواد" مش من النوع اللي بيقبل إنه يسامح بسرعة، عشان كده قولت أساعدك إنك تصالحيه، وبالمرة عشان أصلح موقفي معاكِ."
تسائلت باستفسار:
"تصالحني عليه إزاي؟"
"قبل ما أقولك إزاي، عايزك الأول توعديني إنك متقوليلوش إني كلمتك أو حكيتلك حاجة أو حتى هساعدك. ده طبعاً عشان ميزعلش مني إني بساعدك."
تنهدت بحزن:
"أكيد مش هقوله، أنا مش ناقصة خناق معاه."
"تمام أوي. بصي بقى، "جواد" بيحب المفاجآت. إيه رأيك لو روحتيله شغله وقلتيله إنك مستحملتيش زعله منك فروحتي وراه عشان تراضيه؟"
"لوحة" الفكرة برأسها باستفسار:
"أروح شغله؟ لاء، هيزعقلي."
"بالعكس، ده هيفرح وهيحس إنك زعلانة عشانه. صدقيني، امشي ورايا وأنتِ تكسبِ. أنا عارف "جواد" أكتر منك."
تساءلت بقلق:
"طب هو فين شغله وأروحلُه إزاي؟"
"بسيطة أوي، هخلي حد من السواقين يوصلك ليه. بس طبعاً لما جواد يسألك هتقوليلهُ إنك أنتِ اللي طلبتي منه يوصلك."
"أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان يصالحني."
"تمام أوي، انزلي بقى الجنينة من غير ما تخلي حد يشوفك، وسيبِ الباقي عليا."
أغلق المكالمة وأجرى مكالمة أخرى للسائق:
"البنت هتنزلِك، عايزك تنفذ كل اللي طلبتوه منك. وعلى الله حد يعرف حاجة عن اتفاقنا."
أغلق الهاتف وتركه على الطاولة يفكر بابن عمه بكراهية ملأت قلبه.
***
"بعد ساعتين بمقر الداخلية مكافحة المخدرات"
بمكتب "جواد"، كان يقف برفقة "علاء" يخاطبه برسمية:
"لازم نركز تفكيرنا على مكان التسليمة الجاية. كفاية المرة اللي فاتت مقدرناش نلاقي حاجة في شحنات الخشب، وأديك شوفت اللواء هزقنا إزاي."
رد عليه بوقار:
"عشان مسمعتوش كلامي. قولتلكم إنه بيلعب بينا ومستحيل يكشفلنا نفسه بالسهولة دي. بس أنتو بقا اللي صدقتوه."
"علاء" بجدية:
"عندك حق والله. المهم، أنا هروح مكتبي أكمل التحقيق عشان أروح. بقالي يومين مطبق هنا. سلام."
"سلام."
ذهب "علاء"، فدق هاتف "جواد" برقم "هشام"، فرد على الفور بجدية:
"إيه يا ابني؟ في حاجة ولا إيه؟"
هتف الآخر بمكر من داخل سيارته:
"مصيبة يا "جواد". مراتك."
فزع من مجلسه بلهفة:
"مالها؟ جرالها حاجة؟"
"ريحانه" في كباريه ومولعاها مع الشباب. ثواني هبعتلك ع الواتساب الفيديو اللي اتبعتلي. أنا رايح ع العنوان. هسبقك لهناك."
شعر أنه داخل حلماً بغيض يقتل ما تبقى من كرامته، خصوصاً عندما أتاه الفيديو وقاما بتشغيله. فرآها تقف وسط حشد من الرجال تتمايل على أنغام الموسيقى الشرقية برفقة كل منهم، محروقة شعرها وبيدها كأساً من الخمر. امتلأت خضرويتيه بدموع تسكر بعقله وتذبح ببطء أوتاره. بتلك اللحظة الموحشة بقهر كساه الغضب، عاود الاتصال على "هشام" قائلاً بحنق:
"ابعتلي العنوان حالاً."
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم لادو غنيم
تـوقفت عجلات السيارتين خـلف بعضهُما أمام مـدخل الملهي الليلي.
نـزلا “جواد” و الغضب يـليه متقدماً إلى “هـشام” الذى قـال بـتهكم:
إيه السرعة دى دأنا قولت هاجى أسيطر ع الوضع قبل ما تيجى.
رَبّت على منكبهِ الإيسر بـقولاً جاف:
شايلك للكبيرة يابن العم.
تـخطاه متجهاً للداخل فـلحق بهِ الأخر.
حـتى أصبحَ داخل ذلك الملهى الفارغ لا يوجد بهِ أحداً لا عاملين و لا سـهرانـين.
حتى “ريحانه” لم تـكُن هُـناك مما أثارَ جـنون “هـشام” الذى التف بـالقاعة مُتحدثً بشخطً:
إيه الهبل دا هما فين المفروض تـبقى هنا إحنا جينا مكان غلط و الا إيه.
لاء مش غلطانين هـوَ نـفس المكان اللى كنت هـتبيع شـرف أبن عمك فـيه.
تـلبشت قدماه بـالأرض بينما ألتفَ بصرهِ للجانب الإيسر.
يـرا “جواد” يـبتسم بـعتابً.
فـقال بـئنكار:
أنتَ بتقول إيه.
شـرف إيه مالك بتتكلم كدا ليه.
حـرك رآسهِ ساخراً تزمناً بـرفع حاجبهِ الإيسر:
بتكلم عن إيه تـصدق إنى فعلاً بـتكلم عن إيه.
الحكاية بـسيطة أوى فيها إيه يعنى لما أبن عمى اللى بَعتبرُ أخويا كان عايز يخدر مـراتِ و يجبها تعمل نمره وسط الرجالة.
بـلع لعابهِ بـتشتت مُدعى النـفى بـنفعال:
إيه الجنان دا أنتَ واعى لـنفسك بتقول إيه.
لـوح الأخر لهُ بـسبابتهِ بـفم مـلتوى بـتاكيد:
أنتَ دلوقتي بتثبتلى مـقولة خدوهُم بـالصوت لا يـغلبوكُم.
بـس شكلك نـسيت أنها معمولة للنسوان.
هـو الباشا حاسس أنُه ئلب على واحدة.
نـفرت الدماء بـعروقهِ فـنتفض بقولاً:
“جواد” شكلك كدا شارب حاجة و مش فى وعيك أنا مش واحد من المساجين اللى عندك عشان تـطول لسانك و تهلفط بـكلام رخيص.
فـرك أنفهِ يناظرهُ بـحتقارً:
تصدق بالله أن المساجين اللى عندى أرجل منك.
شكل عقلك راح منك جرالك إيه.
تملكتهُ الـغضب الدفين داخلهِ فـقطم على شفاه السفلية بـحركة رآسيه من ثمَ أخرجَ ما بداخلهُ بـهجماتً صـوتية تـعلن بشخط عما يحدث لهُ:
أنا اللى جرالى و الا أنت اللى جرالك يا ابن عمى يا خويا ياللى كُنت بـعتبرك عُكازى فى الدنيا.
وصلت بيك الوساخة أنك تبيع شـرفى عايز عـرضى يبقا بين الرجاله للدرجادى كُرهك عما عنيك و خلاك تستبيح شـرف مـراتِ.
يـشيخ يـلعن أبو الكُره اللى يـخلى الواحد يعمل فى أبن عمهُ كدا.
أدرك ما يـلمح لهِ فـدعى التجاهل بـقولاً:
شـرف مراتك إيه و كره ايه أنا مش فـاهم حاجة.
أهتزَ جسد”جواد” بـرجفة ملازمة بـسمة أسقطط دمعتان من عيناه ففـركَ أنفهِ.
يناظرهُ بـعتاب يـرهق قلبهِ لكن الأرهاق الأكبر كانَ شعورهِ بـغضبه مما كان سيحدث لـزوجتهِ أن لم يـستطيع حمايتها من مخططهِ الدنيئ.
ثمَ تقدم خطوتان منهِ يفصح عما يـعرفهُ بـرسمية قاتله:
أنا هـفهمك.
كل حاجة بدأت من لما بطلت تـسالنى عن “غنوه” إذا كُنت بدورلك عليها و الا لا.
لما بطلت تسأل شكيت فيك و قولت أكيد بيدور عليها من ورايا.
خـوفت عليك و كُنت عايز أبقى معاك خطوة بخطوة من غير ما تـعرف عشان لـو حصلك حاجة أقدر الحقك.
و مكَنش قدامى طريقة عشان أعرف أنتَ بـتعمل إيه غير إنى أراقب تـلفونك و سمعت مكالمتك معا “سامى” اللى أنتَ كلفتهُ يدورلك عليها.
و مش بس راقبت تلفونك لا أنا كمان جندت”سامى”عندى و خليتهُ يعرفنى كل حاجة قبل ما يعرفك.
و مفيش أيام بسيطة و جالى و قالى أنه “قـدر يوصل لرقمها لحظتها قـولت لـنفسى بـلاش تـبعتلهُ الرقم بـس رجعت و قولت مصيرهُ يوصلها فـخلينا نخلص الموضوع و خليتهُ بعتلك رقمها و طبعاً كُنت متأكد أنك هتكلمها و حصل و كلمتها و سمعت كل اللى دار بينكُم.
بـصراحة مـستغربتش كلام” غنوه”لأنى كُنت عارف أنها هـتقول أكتر من كدا.
بـس اللى إستغربتهُ أنك صدقت كلامها عنى فى لمح البصر حتى مدتش لنفسك فـرصة عشان تـتأكد.
المهم عـرفت أنك ناوى تـنتقم بس كدبت نفسي و قولت مستحيل “هشام” يـعمل حاجة أكيد هياجى يسالنى و يـواجهنى و هـعرفهُ الحقيقة بـس و الا جأت و الا سألت.
بـس الغريب بجد أنى متوقعتش نـهائى أنك هتنتقم فـى شـرف مراتِ حقيقى أرفعلك القبعه فـى الوساخة و الدناسه يابن عمى.
كـاده يـطلق “هشام” ردودهِ بأنفعال بصري لكن الأخر أوقفهِ حينما أكملا بـذات الوجه الحاد بـحنقاً عكس بـحتهِ الباردة:
لـسه الحكاية مخلصتش إستنا.
من يـوم ما أتنقلنا للعيشة هنا و أنا عملت كل إحتيطاتى عشان أئمن حياة مراتِ لإنى مكُنتش واثق فيك بـعد اللى عملتوه معاها لليلة الفرح.
عشان كدا أمنتها على قد مقدر.
و كُنت بـقدر أشوفها و أشوف كل اللى بيحصل معاها طول مانا مش موجود و متفكرش أنى حاطط كاميرات مراقبة و الجو دا أنتَ لـو قلبت القصر من فوقه لتحته مش، هتقدر تلقى كاميرا واحدة و متسألنيش أزى عشان دا سـر المهنه.
بـس بصراحة كدا شكى و عدم ثـقتى فى معظمكم خلانى مستكفتش بـكدا و حبيت أئمنها أكتر.
فـجبتلهاتـلفون و من خـوفى عليها لا حد يضحك عليها وصلت تـلفونى بتلفونها و بقيت بشوف هى بتكلم مين و مين اللى بيكلمها.
و بصراحة طلع شكى فى محلهُ.
دا أول حد يكلمها غيري كان أنتَ يابن عمى فاكر مكالمة الصبح و الا أفكرك بيها لما كلمتها و قولتلها تـنزل تمشى معا الحارس عشان يجبها ليا.
أحب أقولك حاجة مهمة “مراتِ” مـخرجتش من أوضتها من ساعة ما خرجت أنا من الأوضة الصبح.
أقـولك الكبيرة اللى فـى الڤيديو مش مراتِ.
أقولك بقى القاضية أنا اللى بعتلك الڤيديو كُل اللى حصل من تخطيطى إيه رأيك بقى أستاهل أبقى ظابط بـجداره مش كدا.
إتسعت مقلتيه بـندهشاً فكيف يـعقل هذا كيف تبدل الحـال.
بينما فـرغ ما تبقى من الإسرار دفعة واحدة:
لما خـرجت الصبح وركبت عـربيتى مـفيش دقايق و سمعت مـكالمة ليك معا الحارس بتاعك بـتقوله“حـدث قـبل الظهيرة”بـسيارة “جواد” يـستمع لـتلك المكالمة الدائرة بين “هـشام” الذى يـقول لـحارسهِ:
عايزك تـشترى حبوب هلوسة و تـحضرها و ع الساعة سته هـتنزلك “ريحانه” مـرات جواد و هتطلب منك تـوصلها للداخلية عندهُ.
بـس أنتَ بقى هتوديها حتى تانية هـتروح على عنوان الكباريه اللى هـقول هولك و أول ما توصل قدامه تـقولها أن العربية عطلت و أنكم هتنزلو تستنوا جوه الحد لما تتصلح.
و بمجرد ما تدخلوه تحطلها الحبوب فى أى عصير و تشرب هولها.
و بمجرد ما الحبوب تـهلوس عليها.
عايزك تـقلعها الطرحة و تشربها خمره الحد لما تبقى ضايعة و تـرقصها وسط الشباب و تصورهالى ڤيديو و هـى خـربه الدنيا و مولعها معاهُم.
و هبعتلك عنوان الكباريه في رسالة.
أوامرك يا “هـشام” بـاشا أعتبرهُ حـصل.
الموضوع سري محدش ياخد بيه خبر يا “حسين”.
و متقلقش هـظبطك فـى الفلوس.
خـيرك سابق يا باشا أعتبره حـصل.
تمام إستنى منى تـلفون عشان أقولك تـنفذ.
أغـلق”هـشام”فـهبطط الدمع من عين الأخر الذى تلاحمت الضربات بـقهراً كـسرا القلب فـ أقسم أنهُ سمعا صـوت ذلك الانكسار الذى جعلهُ يـضرب الطابلوه بقبضتهِ بقسوة تـسببت بـلوى مرفقهِ.
يـعاتب طيف الأخر بعين تـرتجف بدموع الحرقة:
ليه كدا بتستبيح شـرفِ يـخساره يا أخويا يخساره.
فـرغَ نيران جـوفهِ نفساً أحرق الهواء.
تزمناً معا تـجفيف لدموعهِ.
و أكمل قيادة السيارة.
من ثمَ أجـرى إتصالاً على “مـرعى” الذى أجاب بـثوانى:
أهلاً يا باشا.
تـجيبلى “حسين” و تـجيلى على مكتبى فى الداخلية تـجيبهُ بأى حجه مش عايزهُ يـفلت منك و الا يتكلم معا أى حد فـاهم يا “مرعى”.
أدرك الأخر أن هناك شئياً فـقال:
حاضر متشلش هم هجيلك بيه.
أغلق الهاتف و لم تمرا سـوا ساعة و نصف و كانَ “مـرعى” يـقف بجانب”حـسين أمام “جواد” الذى يناظر الأخر بـحنقاً كادا يطق مقلتيه:
ودينى لا هـطلع عين أهلك صبرك عليا.
بـقى بتتفقوا على شـرفى يا ولاد الكـــــــ.
تـلبك الأخر بخوفً:
أنا ماليش ذنب “هشام” بيه هـو اللى طلب منى كدا.
طلب و هـو اى حد يطلب منك أورود هتك أعراض توافق صحيح الطيور الوسخه على إشكالها تـقع.
إسمع يالا أنتَ هـتنفذ اللى هطلبه منك بـالحرف الواحد.
هـتفضل مرزوع معايا هنا الحد ما القواد بتاعك يتصل بيك و يقولك تنفذ خطته.
و بالله لو نطقت بـحرف أو حسستوه أن فى حاجة مش هتخرج من هنا غير على نقاله.
أنا هـعمل اللى ساعتك عاوزه.
كـبل يداه بـكلبشاتً حديدية ثمَ القاه فـسقطَ عـلى الإرض بـجوار الباب من ثمَ قال:
خلى بالك منه يا “مرعى” ع لله يخفى عن عينك ثانية و لو فكر يعمل حاجة كدا و الا كدا صفيه فوراً.
قال ما لديه و غادر الغرفة من ثم إتجها لقسم الكمبيوتر، داخل مقر الداخلية حيث تصميم الڤيديوهات و كشف المقاطع المُفبركه.
و’فـور دخولهِ نـهضا زميلاً لهُ يدعى”ياسر”مرحبً بهِ:
أهلاً نورت الأوضة يا باشا.
منوره بيك يا صاحبي بـقولك إيه كنت عايزك فى خدمة بس تبقى سر ما بنا.
قطب جبهتهِ بـستفسار:
خير فى إيه قلقتنى.
عاوزك تعملى ڤيديو متفبرك لبنت بترقص فى كباريه وسط رجاله و كدا.
ليه فى حد مضايقك و عاوز تزعله.
لاء يا عم ربنا يكفينا شر فضايح الناس.
كل الحكاية أن الڤيديو هستخدمه لكشف حاجة.
تمام أعتبره أتعمل إبعتلى صورة البنت.
تمام بس تعمله و أنا واقف جانبك دلوقتى.
معا أن الڤيديو هياخد وقت بس هحاول أعمله بسرعه عشان خاطرك.
جلسَ “ياسر” و بدأ بتنفيذ الڤيديو الذي أحتوى على وجه “ريحانه” جسد وشعر فتاه أخرى.
و’بـعد مرور سـاعة ونصف تقريباً أنتهى”ياسر”من صُنعهِ.
و أرسلهُ على هاتف”جواد”الذى قاله بـستحسان:
عاش يا “ياسر” ليا بقى طلب أخير تمسح الڤيديو حالاً مش عاوزه يبقى معا حد غيري.
بس كدا أهو ياعم حذف من جميع الأجهزة.
نظرا الأخر بنتباه فتأكد أنُه تم بالفعل حذفهِ من جميع الأجهزة.
فـتنهدا بـراحه و غادر الغرفةمتجهاً لـمكتبهِ و عند دخولهِ أمرا “مرعى” بقولاً:
عاوزك تـروح ع القصر حالاً و عينك ما تتشلش من على أوضة مراتِ يا “مرعى”.
و لو لمحتها خارجه خطوه براها تمعنها “مراتِ” أمانه فـى رقبتك الحد لما أرجع.
تـبسم “مرعى” بعتماد:
أحمى هالك بـرقبتى يا باشا دى فى مقام مرات أخويا.
رَبّت على منكبهِ ببسمة الحزن على ذلك الزمن الغادر الذي يحميه فيه الغريب شرف أباحهِ أعز الأقربين:
عشان كدا أمنتك عليها متأكد أنك هتحميها بـروحك يلا أتكل ع اللى خلقك.
ذهبا”مرعى”أما هـو فـجلس على مقعدهِ يحدق النظر إلى ذلك الخائن الجالس أرضاً بـندماً.
ثمَ مرت الساعات و أضاء هاتفهِ بمكالمة من “هشام” لـزوجتهِ فـحملا الهاتف سريعاً و ستمع لكُل ما دار بينهُما فـأغلق المكالمة و فـرك وجههِ بحنقاً قائلاً:
يا صبر أيوب صبرنى على ما إبتلاني مش فاهم أعمل معاها إيه مبتسمعش أم كلامى أقولها متخرجش بره الأوضة عايزه تجيلى الشغل أولع فى نفسى عشانها و الا أعمل إيه فيها تعبتنى يارب قدرى تعبتنى.
تنهدا بـستياء ثمَ دق هاتف الأخر بـرقم هـشام فحملا “جواد” الهاتف بقولاً للحارس:
لو عملت حاجةحاولت تنبهوا مش هرحمك أمك.
أومأه الحارس بطاعه.
فـتجها لهُ و فتح المكالمة تزمناً بفتح مكبر الصوت.
و ستمعا لقول “هـشام”:
البنت هـتنزلك عايزك تنفذ كل اللى طلبته منك و ع لله حد يعرف حاجة عن إتفاقنا.
أنتهت المكالمة فـستقاما “جواد” بشموخاً ليمحى أنكسار قلبهِ مما يحدث بيد أحد دمائهِ.
و بعد ساعة تقريباً إستخدم هاتف الحارس الإرسال الڤيويو لـى “هشام” من ثمَ أرسل الحارس للتخشيبه لينال عقابهِ.
أما هـو فـجلس على مقعدهِ ينتظر تلك المكالمة الحاسمة للتأكد من نوايه أبن عمهِ.
“يحدث الأن”أكملا ذلك الكم من الأعترفات التى تسببت بـفيضانات أغرقت خطط الأخر:
بـعتلك الڤيديو و أستنيت و قولت هـشوفك هـتعمل إيه هـتكمل فى لعبتك الوسخه و الا لما تشوف مراتِ وسط الرجالة تـفوق و نخوة الشرف تضرب فى عروقك و تفكرك بأنك بتلوث شرف أخوك.
و مفيش دقايق و لقيتك بتتصل و بتقولى الحق مراتك مولعها رقص و مسخره معا الرجالة.
لـحظة ما قولتلى كدا حسيت بقهر الدنيا بياكل فى قلبى حسيت بقطمت الضهر اللى بجد.
و عشان أجيبك الحد هنا و أوجهك جراتك فى لعبتك و قولتلك إبعتلى العنوان معا أنُه كان معايا من ساعة ما بعته الصبح للكلب بتاعك.
و على فكرة أنا اللى أجرت الكباريه من صاحبة النهاردة عشان أوجهك فى نفس المكان اللى كنت هتدبح فيه شرف مراتِ.
بس مش دا المهم السؤال اللى بجد اللى نفسى أسأل هولك من ساعة معرفت بلعبتك الوسخه.
إقتربا منه أكثر حتى إستقر أمامهِ مباشرتاً من ثمَ لكم قلب”هشام”لكمتان يحملان من القهر ما يكفى لهتك ما تبقى من صلة الدم.
يعاتبهُ بـعين تـرقرقت بمياه الحزن بـوجهاً يحمل الآسى و بحتاً مكبله بـالحنق:
إيه كمية الكره اللى فى قلبك دا ليا.
أتولدت و عششت جواك أمتا.
و متقوليش بنتقم لحبى لا.
لأنك لو مكُنتش بتكرهنى من الأول و مداري جواك مكنتش هـتصدق عليا الكلام بسهولة حتى أنتقامك مش هيبقى بالغل و السواد دا.
يلا أتكلم من أمتا بتكرهنى و ليه أتكلم ساكت ليه أكيد مش مكسوف و الا حتى ندمان لأن اللى زيك الندم بيبقي أخر همهومُ.
أقولك على حاجة من شهرين قابلت عرافه قالتلى اللى جاى سواد هيخليك تشوف الناس على حقيقتها ناس كُنت مخدوع فيهُم.
لحظتها كدبتها و قولت تخاريف و كلام أوهام بس فى الحظة اللى واقف فيها دلوقتى قدامك أتأكد أن كلامها كان صح و صح أوى كمان.
يمكن ااه مش كل اللى قالتهُ حقيقي بس كان فى حقيقة واحدة فى كلامها أنتَ.
قطب الأخر جبهتهِ بـسخريه:
و أنتَ عمال تدينى دروس فـى الأخلاق و القيم ما تـدى نفسك الأول و الا حضرة الظابط نـسى أن البادى أظلم و أنُك إستبحت شرف حبييتى الأول.
و الا حضرة الشيخ معندوش أوبشن على نـفسُه.
تـصدق بالله كنت عارف أن دا هـيبقى ردك.
بس للتصحيح.
شـرف حبيبتك اللى بتتكلم عنُه مـستبحتوش و مش فـاكر أزاى دا حصل.
و الا عايز حـتى أفتكر.
زم فـمهِ ببسمة أحتقار:
لا و هـو أنتَ هـتفكر أزاى مـن كتر علاقتك.
فـرك “جواد” عنقهِ بـجفاء أحتوى من القسوة ما يـقطم النفس:
أنا مش ملاك بس كمان مش شيطان.
جايز فيا عيوب الدنيا زي أى حد خلقه ربنا.
بس باجى عند شرف الناس و الأعراض و بفرمل.
لأنى ماشى بمبدأ داين تُدان و لو بعد حين.
و عشان مبجيش على شرف حد ربنا نجى “مراتِ” من لعبتك الوسخه.
أما بـالنسبة لحوار “غنوه” هانم فـهى اللى بعتتلى عشان أروحلها بيتها بمزاجها و حط تحت مزاجها دى الف خط.
و لما وصلت عندها حاولت معايا بس أنا رفضتها عشان عارف أنك بتحبها.
الحد هنا و مش فاكر إيه اللى حصل لأنى بـمجرد ما شربة الشاي اللى كانت حطاه موعتش بنفسى غير تانى يوم و هى نايمة فى حضنى عـريـ ـانه زى ما أمها ما ولدتها.
و لما سالتها إيه اللى حصل بنا أبتسمت بـرخص و قالتلى أنها قضت أحله لليله فى عمرها.
و بعد شهر جأت قالتلى أنها حامل منى و لو معترفتش بـالعيل هتلبسهُ ليك.
بس معترفتش لأنى مش متأكد من أي حاجة حصلت بنا يوميها لأنى مش فاكر إيه اللى حصل كأن اللي حصل أتمسح من عقلى بأستيكه بمجرد ما صحيت.
نـفرا من حديثها بشخطً:
أنتَ إيه مش هتبطل وساخه بقى عشان تنجى نفسك توسخها هى أكتر أنتَ مفكر إنى هصدقك و أكدبها لا هصدقها هى و أكدبك أنتَ عشان أنتَ واحد ميتوثقش فيه عايش حياتهُ و مفكر مفيش غيرو.
واكل الكل بعميلك و حركاتك.
عملك قيمة و الكل بيخاف منك.
مفكر نفسك الكبير بتاعنا.
من و أنتَ صغير شايف نفسك أحسن مننا حتى لما كبرنا بقيت ظابط عشان تتميز عننا بتفرض نفسك بحجة أنك ناصح و فاهم.
دائماً سابقنى بخطوة و أنا وراك بجرى و بعافر عشان يبقالى قيمة أكتر منك.
حتى حب أمى ليا شركتنى فيه بقت شيفاك الكبير و أنا من بعدك شيفاك حماها و أنا من بعدك شيفاك الهيبه و أنا من بعدك شيفاك صاحب الكلمة و أنا من بعدك شيفاك سيد الكُل و أنا من بعدك.
أرتجف جسد الأخر بـذهولاً على ما يطرق مسمعهِ.
فـمتزجت مقلتيه من جديد بدليل الألم.
بينما أكمل الأخر بذات الحده الموحشه:
الحد هنا و خلاص يا “جواد” من الحظة دى هاخد مكانى اللى خاتو منى لسنين.
من الحظة دى بينى و بينك طار الشرف و العرض.
و الا عوجت السان نستك أننا صعيده مبنسبش طارنا يابن رضوان.
تلاحمت نظرات الإثنين بذات النار التى إشتعلت بـتحدى من نـوع الـشرف.
فـبادلهِ القول بـتمسكاً لتراث أصولهِ و لغتهِ الأم:
لاع منسيتش أصولى ياولد عمى.
الشرف طارهُ مبيموتش عامل زى الخنچر بيجتلنا يوماتى.
و أنتَ جولتها الاول بينى و بينك طار الشرف.
و طار تانى الحجد و سواد الجلب اللى حداك ليا.
بـس خليك فاكر زين أنك أنتَ اللى بدأت بـالغدر فـمترچعش تبكى كاف الحريم.
لما تيعرف أن حبيبة جلبك سجتك كاف الحمار و دلدلت رچليها عليك و خليتك كاف البهيمه بتلف فى ساجيه ملكش صالح بيها.
و لما ياچى الوجت اللى هتتواكد فيه من صدج حديتى هـتجول ياريت اللى چراه مكان.
و من الأخر ملناش جعاد معا بـعض تانى أنا هـرچع بلدى هـرچع كابير عائلة الهلالى.
هـرچع لأصولى و هـحمى مارتى منك أنتَ و الحيه اللى معاك.
و فـى مكان هروحه هيفضل الطار بينى و بينك دايم الحد لما عجلك يرچع لرأسك و تيعرف أنك كُنت لعبه فى يد الست “غنوه”.
تفجر ما بداخلهِ بـوجه الأخر و التفت لـيذهب فطرق الأخر مسمعهِ بـنوايه الاحاق بهى:
بلدك هى بلدى هاچى وراك عشان يبچى العب على أرض عائلة الهلالى ياولد العم.
التفت بمقلتيه لهُ يـدعوه بـترحيبً جاف:
يا أهلاً بيك.
بس متنساش تاچى و تچيب ست البنات وياك و الا صوح هتچبها كاف و هى على زمة راچل أوسخ منكُم.
أنها جملتهِ ببسمة إستحقار.
و غادر المكان تاركهُ يـُلاحقهِ بـحقداً مرير.
ـــــــــــــــــ
“اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك 🌿”
عـلى الطريق حيث يـقود سيارتهِ متجهاً للبيت كانَ يتحدث عبر الـهاتف معا اللواء يـطلب منهِ:
ياريت تـقبل يا فندم.
هتفَ اللواء من داخل مكتبهِ:
أنتَ عاوز تـرجع تتابع القضية من الصعيد.
أنا فاهم طبعاً موقفك و أنك عايز تـرجع لبلدك لكن دا شغل يا حضرة الظابط و متنساش أنك مش شغال لوحدك فيه زمايل ليك بيشتغلو معاك أزاى عايزنى أنقل كل حاجة لمديرية أمن الصعيد.
أنا فاهم كل دا يا معالى الباشا.
بـس متنساش ساعتك أن مديرية أمن الصعيد متعاونه معانا فى القضية بسبب أن معظم شحنات السلاح و المخدرات بتدخل عن طريق الجبل.
و أظن أن وجودى هناك هيساعدنا أكتر فى أننا نسيطر ع الوضع.
اما بـالنسبة لزمايلى فخليهم فى مكانهم و نبقى ننسق معا بعض الشغل كل ما حد فينا يوصل لحاجة هما يتابعوا من القاهرة و أنا أتابعها من الصعيد.
تـنهدَ “اللواء” بـتفكيراً ثمَ قال:
ماشى يا “جواد” تـجيلى بكرا عشان ننسق معا بـعض و أمضى قـرار نـقلك.
هتفَ بـجدية:
تحت أمر ساعتك.
ـــــــــــ
“لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 🍀”
“بـغرفة نـوم ريحانه”
عادا “جواد” من الخارج و رأها تـغفو على الإريكة ببجامة نـوم حريرية و شعـرها الغـجرى يستبيح مخضعهِ.
فـصاره إليها و جلس علي عقبيه أمامها يُـناظرها بـأرهاق الحزن على ما كانَ سيحدث لها.
ثمَ نـهضا و أمسك بـالغطاء و سترا جسدها ثمَ أحضرَ حجابها من عـلى الفراش و القاه بـرفقاً ساترً شعرها فـهو بـالنسبة لها أجنبى و لا يحل أن يـراها بتلك الهـيئة قبل أن يـعقد عليها من جديد.
ثمَ جلس بجوارها على حافة الاريكة بمشاعرً ثائره تُعاكس بعضها طائفة ممتزجه بمفاهيم أرهقت قلبهِ.
يبوح بجوف الليل بأنكسار التى تسببت بهِ.
قائلاً بهدؤً أحتوى بحتهِ الخذلان:
قوليلى أعمل معاكِ إيه عشان أرتاح.
ليه بتعملى فيا و فيكى كدا يابنت الناس ليه مصممة أنك تخسري نفسك و تخسرينى.
كلامك دبحنى يا “ريحانه” معا أنى مستهلش دبحك ليا.
بالله لو قلبتى الدنيا من فوق لتحت مش هتلقى حد بيخاف عليكى زيي و الا هتلقى حد مستعد يموت بدالك غيري.
فاليه دبحتينى كدا ليه معملتيش خاطر لأي حاجة كويسة عملت هالك.
للدرجادى هونت عليكِ.
يمكن كلامى ليكى جرحك بس كلامك دبحنى مش بس جرحنى.
أنتِ رميتى كلامك فى وشي زى القنبله من غير ما تخافى عليا أقسملك بالله لحظتها كُنت حاسس أنى بتحرق.
و حاولت أحرقك معايا بس فشلت عارفة ليه عشان حضنك وقت حرقِ لشرفك كان عامل زى المياه البارده بيسكنى ورغم أن كلامك كان عامى عنيا بس مقدرتش أعملك حاجة و بعدت وسبتك.
قوليلى أعمل معاكِ إيه عشان أرتاح يا بنت الناس.
حقك على قلبى تعاله فى حضنى و أنتَ ترتاح.
بكلماتً قليلة أجابت على كل ما طرق مسمعها.
و ثالت دموع بجوانب عينيها التى فتحتهُما بنظرة الإنكسار.
فـنهضا من جوارها هاربً من لقائها.
فلم تستسلم و همت بـالنهوض و السير إليه حتى وقفت أمامهِ بـجوار التراث.
بـعين يملئها الحزن الآسير لقدرها:
أنا عارفه أنى غلطانة و أستاهل كل حاجة هتعملها فيا.
بـس لإزم تـعرف أنى عشت حياة غير أى واحدة حياتى كلها كانت عبارة عن ظلم و قهر و عياط.
عشت من غير أم تـعرفنى الصح من الغلط تنصحنى تقولى أعمل إيه و معملش إيه.
مكنتش بشوف حد و الا بخرج من البيت معرفش يعنى إيه أختلط بالناس مـعرفش يعنى إيه أتعامل معاهُم.
اما بقى بابا فكان أب على ورق و بس عمره ما علمنى و الا حسسنى بـالأمان عشان كدا تصرفاتى غبيه و أنا معترفه بكدا.
بس والله العظيم أنا نفسى أتغير نفسى أبقا ناضجة بجد أعرف أتعامل و أواجه و ابقى عارفة الصح من الغلط.
عشان كدا محتجالك جانبي عايزاك تبقى مدرستى اللى أتعلم فيها كل حاجة أتحرمت منها.
عشان خاطري سامحنى و أدينى فـرصة جديدة و أوعدك إنى بجد هـتغير يا “جواد”.
مين قالك إنى مش عايز أعلمك و أفهمك أزاى تتعاملى معا العالم الغريب عنك.
أنا بحاول أفهمك و أعلمك بس أنتِ مش بتساعدينى و بتهدى كل حاجة ببنيها.
أنا عارف كويس أنتِ كنتِ عايشة أزاى و تعبتى قد إيه و ربنا شاهد إنى بحاول أحتويكى و أعزك و اخليكى ناضجة بما فيه الكفاية بس أنتِ مصممة تـهدى كل حاجة بتهورك و اندفعاك و عدم سمعانك لكلامى.
حاولا التوضيح لها بلين بقدر المستطاع فشعرت بالآسى أكثر وذادة شـهقات بكائها التى لم يـتحمل سماعها فـقاله بـهدؤ:
بلاش عياط أنا مش بقولك كدا عشان تعيطى أنا بحاول أفهمك اللى مش قادرة تـفهميه.
أنا النهارده نبهت عليكى متخرجيش من بره باب الأوضة ورغم كدا كنتِ هتكسري كلمتى و تخرجى.
من غير إذنى.
أنتِ مش عارفة أن الزوجة لما تخرج من غير إذن جوزها الملائكة بتلعنها.
دا في حديث بيفسر حجم المعصية الى بترتكبها لما بتخرج من غير أذن جوزها.
الحديث بيقول« عن ابن عباس قاله أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله: ما حق الزوج على الزوجة؟ فقال: حقه عليها ألا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن فعلت لعنتها ملائكة السماء وملائكة الرحمة وملائكة العذاب حتى ترجع.»صدق الرسولﷺ.
أنتِ متخيله كم اللعنات اللى بتاخدها كل واحدة بتخرج من غير أذن جوزها لعنات ملهاش عدد.
دا غير أنها بتتكتب عند ربها أمرأه ناشز يعنى أمراة بتعصى جوزها.
أرتجفت بـحزنً أكثر تبوح لهُ بجهلاً بالبكاء:
مكنتش أعرف كل دا و الله.
ناله تنهيده عميقة و فرك وجههِ متسائلاً بـجديه:
أديكى عرفتى تـقدرى تقوليلى هتعملى إيه.
مش هعصاك مهما حصل و الا هخرج من البيت من غير إذنك أوعدك قدام ربنا أنى بجد هتغير و هـتعلم من الغلطات اللى فاتت.
هتفَ بـجديه:
ماشي يا “ريحانه” على العموم أنا تعبان و عاوز أنام عشان بكرا عندنا سفر هـنرجع نـعيش فـى الصعيد يلا روحى نـامى.
جففت دموعها بينما هـو فجلسَ على الإريكة فـجلست قابلهِ على التخت متسائلة:
أنتَ لسه زعلان منى أنا حسه بكدا.
ممكن تسامحنى مش بتقول عليا بنتك أعتبر بنتك غلطت و طالبة السماح من باباها.
خاطبهُ بـريق شمسيها المشتاق لنيل الرضا و مهداً لحياة جديدة بـرفقتهِ فـتنهدا بـقهراً لم يغادر قلبهِ بـعد:
المفروض أسامح بنتى بـالسهوله دى بعد ما دبحتنى بـالكلام.
صـعب يا “ريحانه” مـحتاج وقت عشان أقدر أسامح.
و انسى كلامك اللى الحد دلوقتى بتردد فى ودانى زي طلق النار.
أنا هخليك تسامحنى هعمل كل اللى هقدر عليه صدقنى.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد 🌼
“بـنهار يوماً جديد فى العاشره صباحاً كانَ يجلس “جواد” بـغرفة نوم عمتهِ”بـهيه”يشاورها بـامراً ما:
أنا بطلب منك الطلب دا لأنك أصلح واحده لـتعليم “ريحانه” و توجها.
تنهدة ببتسامة أمتنان تليها:
ثقتك فيا غاليه جداً عليا.
بس فكرة أنك عايزنى أسيب عمك فـوزى و أسافر أعيش، معاك فى الصعيد مش بالبساطه دى أنتَ ناسى أن عمك ملوش غيري أنا مسبتهوش من يوم ما جوزى ما مات.
ناقشها بـوقارً حكيم:
عمى كبير و قادر يتولي مسئولية نفسه.
أنما “ريحانه” محتاجاكِ بجد جنبها.
أنتِ عارفه طبيعة شغلى و أنِ هبقى معظم الوقت مشغول و بره البيت فـمحتاج حد جنبها يفهمها الصح من الغلط فى غيابى حد يخاف عليها و يعاملها أكنها حد من دمه.
و لما فضلت أفكر ملقتش أصلح من حضرتك عشان تساعدينى و تبقي أمها البديله اللى تتعلم على أيديها معنا النضوج و يعنى إيه تبقى زوجه و مسئوله عن بيت و زوج و فيما بعد أطفال.
أخرجت تنهيده إشد حيره فـدخلت بتلك الحظه “نسمه” التى سمعت أثناء دخولها أخر حديث”جواد”فـساندة والدتها باخذ القرار ببسمه مليئه بـالترحيب:
من غير تفكير يا ماما “جواد” معاه حق “ريحانه” محتاجنه جنبها و بعدين أنا نفسي أعيش فى الصعيد زي ما كنتِ عايشه قبل مانتِ و بابا تتنقله للعيش فى القاهره.
خلاص يا”جواد”هنسافر معاك و أمرنا لله.
هتفت ببتسامة عقد الإتفاق فـنهضا يهندم لايقة سترتهِ البنيه زمماً فمهِ ببتسامه خافته:
كويس عشان بالمره تشرفى على تجهيزات الفرح.
وقفت متسائله بستفهام:
فـرح.
فرح مين.
شطئ بعيناه بـبريق لليالى الحب.
خبئها بـلكنتهِ البارده:
فـرحى على “ريحانه” كلها أربع أيام و تم التمانتشر سنه و لإزم أعقد عليها رسمى من أول و جديد.
قـفزت “نسمه” بحماساً سخئ:
أيوه بقى عندنا فرح يسلام رينا هتبقى عروسه من جديد.
عـقد حاجبيها بـستفسارً:
هى “ريحانه” بقى أسمها رينا و أنا معرفش.
إيه أسم الدلع الماسخ دا.
عقدة ذراعيها بستياء:
على فكره بقى دا أكتر دلع لايق على أسمهاو بعدين لو مش عجبك قولنا حضرتك بدلعها بايه.
تـحمحم بـوقارً مذدوج بـالسخريه:
أدلعها ليه حد قالك عليا من بتوع بابى و مامى و الا من العيال الىىمسقطين بناطلهم لفخدهم.
قال أدلعها قال.
ع العموم جهزه شناطكم هنسافر بعد الضهر باذن الله.
تخطاهم سيراً للخارج فقالت الأخرى بـضيق:
أبن أخوكِ دا عايز الضرب يا ماما مش شايفه ماله متنك أوى كدا ليه أنسان عجيب مش عارفه رينا بتحبه على إيه دا يجيب الضغط و السكر و جلطاط ملهاش عدد.
عيب لما تتكلمى كدا على أبن خالك لازم تحترمى فرق السن اللى ما بينكم و ممنوع تتكلمى على حد فى غيابه دي مش من الأصول يا “نسمه” و يلا روحى جهزى شنطتك مفيش وقت.
أوماة بطاعه و ذهبت لتنفيذ الأمر:
ــــــــــــــــ
يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لى شأنى كله و الا تكلنى إلى نفسى طرفة عين🍀
“بـعد عدة دقائق بـساحة القـصر’كانت تقف “معالى بين” جواد’و’هشام’الذانى يتبادلاً سـهام التوعد لما قادم.
أنا مش فاهمه مالكم يعنى إيه يا “جواد” هترجع الصعيد و هتعيش لوحدك مش خلاص اتصفينا لإزمته ايه بقى الكلام دا.
و بعدين مالكم بتبصوا لبعض كدا ليه و الا اللى بينكم طار.
أومأه “جواد” ببتسامة مزجت بين الفراق و الندم المذدوج بـالمحاربه:
فعلاً بينا طار يا مرات عمى.
طار صنعه أبنك اللىأخويا اللى دمى بيجرى فى دمه.
تشتت مقلتيها بينهما بـقلقاً مزجتهِ بدموع قهرها بصوتاً صارخ بشراسه عليهما:
طار ايه من أمتا بنعض فى بعض يا ابن رضوان أنتَ و أبن حسان إيه خلاص مبقاش ليكم كبير يقفلكم و يكسر عضم اللي يفكر فيكم يعادى التانى.
إيه عايزين الناس بعد السنين دي كلها تقول “معالى” معرفتش تربى رجاله.
ربة شوية عيال بياكله في بعض.
لاء لا عاش و الا كان اللى يخلينى أشوف الحظه دي تانى بينكم.
صاحَ “هشام” حانقاً بندفاع:
لاء جات الحظه يامى.
من الحظه دي أنا و هو مفيش بنا أي صلة رحم و الدم اللي مابنا بقي زي المياه فى عروقى.
و’رحمة أبويا في تربته ما هرتاح غير لما أجيبك الأرض يا “جواد”.
صفعة لإزمة أخر حروف نطق بها.
صفعه لم تحتوى فقط على القوه بل مزجة بين الحزن و العتاب و الندم و قطع علاقة الدم و الأرحام.
صفعه أطاحت بوجنتهِ اليسار إلى الهواء لتترك أثرها بقوه عليه.
صفعه خيطتها بكلماتًأفحصت عن مكنون غضباً يكاد يحرك الأخضر و اليابس:
يمين بالله يوم ما تفكر أنك تلمس شعره واحده من أبن عمك هكون دفناك وواخده عزاك يابن “معالى”.
أنا من شهرين ضربة” جواد”عشان أسكتك و أطفى النار اللى جواك بس دلوقتي عرفت إن القلم كان لازم ينزل على وشك أنتَ يمكن تفوق و ترجع لعقلك.
سبحت الدموع بمقلتاه بـغضباً أشد يليه صوتهِ الحانق:
“جواد” اللى عملله خاطر داس على شرف أبنك.
و’نـا_م معا حبيبتى إستباح شرفى و عرضها.
عايزانى بعد كل دا أطبطب عليه و الا أقوله براڤو عليك أنتَ كدا راجل و ميه ميه.
“جواد” زانـ_ى إيه هتغفريله دى كمان و طلعيه ملاك.
إستلزم رد الهدؤ المعلن عن ثبات موقفهِ:
أبقا’زانـ_ى زي ما بتقول عنى لو كنت عملت كدا و أنا فى وعيه.
أنما أنا مش فاكر أي حاجة عن الليله العظيم اللى بتحكى عنها “غنوه” هانم.
و بعدين تطلع مين أنتَ عشان تحاسبنى أو تطلب منها تغفرلى.
المغفره و الحساب من أختصاص ربنا و بس مش من أختصاص العبيد.
و ربنا هو الوحيد اللى شاهد و عارف إيه اللى حصل بينى و بينها و مهما كان عقوبتى عنده هرضي بيها لأنه حقانى و مبيظلمش.
صفق بسخريه على ما قال الأخر:
الله الله على الشيخ “جواد” إيه الإيمان و التقوى دى طب مش من باب أوله بقى تراجع غلطاتك و معصياتك دأنت يا جدع مقضيها شمال فى شمال من يوم ما حبيبة القلب مشيت و سابتك.
و إلا أنتَ ناسى المحرمات اللى عايش فيها.
خـمـ ره و نـسوان و سبت الصلاه و الصوم و رسمت على جسمك وشم.
إيه كل دا بالنسبالك محلل.
خـمـره و نـسوان و سبت الصلاه و الصوم و رسمت على جسمك وشم.
إيه كل دا بالنسبالك محلل.
زم فمهِ ببتسامة أشد من هدؤ الليل وسط نسيم الهواء البارد:
الله يهدى من يشاء.
عقبال ما يهديك لنفسك يابن العم.
أكتفِ من الحديث معهِ موجهاً الحديث تلك المره لزوجة عمهِ بـرسميه:
أنا هرجع الصعيد النهارده معا مراتِ و خويا و عمتى و بنتها هنعيش فى بيت أبويا.
لو حبه تيجى تعيشي معانا أهلاً بيكِ و لو مش عايزه على راحتك يا مرات عمى.
ذهبَ بعدما قال ما بداخلهِ تاركاً الأخر يبوح بـكراهيه معلنه:
مفكر نفسه ملك الصعيد عايز يجمع الكل حوليه بس ماشى هنشوف بقى اللى هيجمع الكل حوليه.
و رحمة أبويا لهاخد الكل منك و خليك تعيش مذلول.
كانت تشعر بالرهبه مما تسمعهِ فكيف و متى ترعرعت بثمرة الشيطان بكيانهِ كيف ضخ الغضب شرارهِ بقلبهِ الأخضر.
كيف تحول من أبن العم و الأبن المثالى إلى طيفاً مليئ بحقداً يحرق النفوس.
خصيصاً عندما رآت عتاب الكراهيه بعيناه حينما قاله لها:
أنا كمان هرجع الصعيد و هعيش فى البيت الكبير و هتجوز “غنوه” أنا خلاص لقتها.
بس عايز أعرف أنتِ هتختاري مين هتعيشي معايا و الا معاه يامى.
تلك البحه التى لمستهِ بكلمتهِ الأخيره أكدة لها مدا سوء أبنها.
مدا قسوتهِ و كراهيتهِ.
فـقالت بما يستوجب عليها فعلهِ:
هعيش معاك يابنى مش هسيبك لشيطانك يلعب بيك و يسود قلبك أكتر من كدا.
يخوفى لا ياجى اليوم و شوف أيدك مطلطخه بدم أبن عمك سواد قلبك اللى باين من صوتك بيقول أن الجاى خراب ع الكل يابن “حسان”.
باحت بما تخشئ و همت بالذهاب من جوارهِ تاركه أياه معا شيطانهِ المستحوذ عليه بمتياز:
ـــــــــــــــــــ
“لا اله أنتَ سبحانك أنى كنت من الظالمين “🍀”
“بـعد دقائق بغرفة نـوم”فارس”كانَ “جواد” قد إبلغهِ بخبر رجوعهم للصعيد.
و معهم “مرعى” الذى تسأل بستفسار:
طب و أنا هرجع للشغل بتاعى و الا إيه.
قاله”جواد”برسميه:
أيوه هتشتغل معايا ع القضيه اللي ماسكها.
و كمان منعن لتعرضك لإى إذي هتعيش معانا فـى البيت.
الحد لما القضيه تخلص.
قاله بمتنان:
كتر خيرك يا باشا مكنتش أعرف أنى غالى عندك قوى كدا.
رفع حاجبهِ بـتذكير:
طبعاً لإزم تبقى غالى و الا نسيت شعر صدرك.
فرك شعرهِ بمزاح:
قلبك اسود قوى.
مش فاهم مش قادر تصفالى ليه.
عشان مصايبك اللى كل واحده انقح من اللى قبلها.
المهم يلا دقايق و تكونه تحت عشان نلحق نسافر.
“فارس” بستفسار:
طب و عمك “فوزى” هياجى معانا و الا إيه.
هتفَ بجوابً رآسى:
أيوه هياجى يقعد معانا الحد بعد الفرح و بعدها ربنا يسهل بقى.
حرك رأسهِ بفهماً:
تمام.
فى لمح البصر تبقوا تحت مش عايز عطله عايزين نوصل قبل الليل.
أمرهم و ذهبَ تاركهما يوضبون حقائبهم.
_ و بعد ساعاتً طويله وقت إذان العشاء تقابلتان السيارتين أمام مدخل البلد بـالصعيد.
يسيران بجوار بعضها و كل سياره يقودها شخصاً يتوعد للأخر بالخراب.
لتشهد الصعيد على بداية الملحمه التى ستجمع أولاد العم ك أخصام بوجه بعضهما.
ـــــــــــــــــ
يتبع….
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم لادو غنيم
خلف الإهتمام، تختبئ كُل معاني الحُب. ليس كُل من قال: “أُحبك” يهتم لأمرك، بل كُل من يهتم بِك ثِق.. تماماً بأنهُ يُحبك.
بـمدينة نصر، داخل شقة بـهيةُ المنظر، بـغرفة نـوم بيضاء اللون، يـجلس “سليم منصور الهلالى” على فراشةِ، يـحتوى بـعانقةِ زوجتهِ الجميلة”زهرة حسن”التى تُحاوط خصرهِ بيدها، وعيناها تتدلل بين تقسيمات ملامحهِ الشرقية الهادئة، تبوح بـبتسامة الإطمئنان:
خلاص بقا يا “سليم” هى سنة و هتعدى و هنرجع تانى.
أخرج تنهيدة محمله بـالرفض لما حدث قائلاً:
أنا مش فارق معايا سنة و الا إتنين يا “زهرة”. اللى حارق دمى أنهم نقلونى من جامعة القاهرة للتدريس فى جامعة الصعيد عشان أعترضت على كلام الإستاذ مختار. أعتبرو مناقشتى ورفضى لإسلوبة تقليل منى لقدره. و عشان يعقبونى نقلونى للصعيد. يعنى بعد ما أبقى معيد فى جامعة القاهرة لمدة تلت سنين أتنقل كدا بكل بساطة للصعيد دا ظلم و ميرضيش ربنا.
ربتت على صدرهِ بحنان تخفف عنهُ هذا القدر من الحزن ببتسمتها الصافية بإشراقة الأمل:
ربنا مبيعملش حاجة وحشة صدقنى. كل اللي حصل كان مجرد سبب عشان تتنقل. أنتَ متعرفش الخير فين. و بعدين هو ربنا بردو بيقبل بالظلم أكيد لاء. فصدقنى اللى حصل دا الخير ليك. و بعدين تبقا معيد فى جامعة القاهرة أو معيد فى جامعة الصعيد فى كل الأحوال أنتَ أجمد معيد كدا كدا.
ختمت تخفيف أحزانهِ بـقبلة لوجنتهِ بعثت الراحة لكيانة. فـزاده عناقهِ لها يعطيها من الحب ما يدفئ للياليهم بـقولةِ الهادئ:
سبحان الله عاملة زى المرطب اللى بيتحط على أى جرح فيا بيشفينى. يخليكي ليا يا زهرتى.
إسترخت برأسها على صدرهِ تتمتم بعطور الكلمات:
يسلم عمري بيك يا سليم.
أنتَ ناسية أنك فى سنة رابعة أزى هتيجى معايا الصعيد. أنتِ عارفة أنى مش هقدر أسافر و أسيبك.
أبصرت بُكحلتيهَ بإشراقت التماسك:
و مين قالك إنى ناويه أسيبك. أنا رجلى على رجلك فى أى مكان تروحه. بُص يا سيدى أنا ناويه مروحش المحاضرات و هحضرها أونلاين و أنزل بس على الأمتحانات و فى الترم التانى أنقل أوراقى للصعيد. و بعدين أنتَ موجود معايا و هتذاكرلى و الا سيادة المعيد مش ناوي يساعدنى.
طبعاً هساعدك و عمري مازهق.
قطبت جبهتها بستفسار خطرا على عقلها:
هو أحنا هنعيش فين. أنتَ قولتلى قبل كدا أن بيت اونكل “منصور” ميصلحش للحياة بسبب الحريق اللى حصل فيه و أنتَ صغير.
أومأه بتأكيد:
فعلاً الدوار بتاعنا لما أتحرق أمى صممت أننا ننزل نعيش فى القاهرة فى شقة أبوها. و دا عشان زي ما حكتلك أبويا مكنش غنى و الا حاجة مكنش يحتكم غير على حتة أرض و النار كلت الزرع و بقت أرض بور. فـمكنش معاهم فلوس يبنو بيها البيت من جديد.
سألت بستفسارً أدق:
طب ليه عيال عمُه مسعدهوش. أنتَ قولتلى أنهم أغنيه.
لأن أبويا رفض أي مساعدة مكنش بيحب ياخد حاجة من حد. عشان كدا وافق أنُه ينزل يعيش معا أمى فى شقة أبوها و أشتغل معاه فـى محل الفاكهة.
ااه فـهمت. طب أنتَ عارف مكان هنعيش فيه.
فـرك لحيتهِ بـقتراح:
بفكر أكلم” جواد”أبن عم “رضوان” أبوه و أبويا عيال عم. و أنا وهو فى مقام عيال العم. و ماظنش أنه هيرفض أننا نعيش معاهم فى البيت الكبير الحد لما الحال يتصلح و أقدر أرمم بيت أبويا و ننقل فيه.
دعمتهِ ببتسمتها التى تعطيه الدافع للأمام:
طب كويس و باذن الله فى أقرب وقت دنيتنا هتتظبط و هنرمم البيت و نعيش فيه زي ما قولت. يلا خير البر عاجلهُ أتصل عليه و شوفة.
ضيق مقلتيه بتسأول:
أنتِ شايفة كدا.
أحتضنت وجنتيهِ بـدعماً من قائمة الثقة:
أنا مبشوفش غير اللى أنتَ بتشوفُه. و متأكده أن قرارك صح.
داعب خصلاتها بمرفقهِ ثمَ حملا الهاتف. و أجرا إتصالاً على “جواد” الذي دلفَ فوراً من السيارة داخل دوار “رضوان”. فـاخرج هاتفهِ و أجابهُ بـترحيبً:
طول عمرك أبن حلال. كنت هتصل عليك بكرا عشان أعزمك على فرحى.
قدم التهنئة بـصوتاً يدل على الفرح:
ألف مبروك يا “جواد”. إيه الأخبار الحلوه دى. أخيراً هتدخل قفص الزوجية.
قال الأخر برسميه ملونه بشئ من الحب:
أعمل إيه النصيب غلاب. المهم سيبك منى و قولى فى إيه مش عوايدك تتصل متأخر كدا.
داعب شعرهِ بستحياء:
بصراحة كدا كنت قصدك فى خدمة.
‘أوامر’.
أنا أتنقلت للتدريس فى جامعة الصعيد لمدة سنة. و أنتَ عارف حال بيت أبويا مينفعش أقعد فيه. فـلو ينفع يعنى.
قاطعهُ “جواد” بترحيب الأخوة النابعة من أصول تـربيتهِ:
قبل ما تكمل بيت عمك “رضوان” مفتوحلك العمر كله. أنتَ زي “فارس” تيجى فى أي وقت. دا بيت أبوك مش محتاج طلب و الا استاذان.
شقت البسمة شفتاه بأمتنان عبرا عنهُ بالكلمات الهادئة:
و الله معارف أقولك إيه بس أوعدك أنى هحاول أرمم بيت أبويا و أنقل فيه. مش هتقل عليكم كتير.
عاتبهـهُ بـرسميه:
أنتَ بتقول إيه يالا. بقولك دا بيت أبوك و أنا أخوك الكبير. لو سمعتك بتقول الكلام دا تانى هزعل منك. أنتَ و مراتك هتيجوا تعيشوا معانا سنة أتنين تلاتة عشرة أنشاله العمر كله. متشلش هم حاجة طول ماأنا موجود.
تسلم يا “جواد” دا العشم والله.
حبيبي يا سليم قولى بقى هتيجى أمته عشان أبعت عربية تاخدكم.
لاء مفيش داعى أنا هاجى بـالقطر.
قطر إيه بلاش مناهده قول جاى أمته.
المفروض بعد بكرا باذن الله.
تمام بكرا بالليل هكلمك عشان أشوف العربية أبعتهالك الساعة كام.
تنهدا “سليم” بـأمتنان أشد:
شكراً بجد و الله معارف أقولك ايه.
متقولش حاجة مفيش بنا الكلام دا.
ماشي يا خويا معا السلامة أشوفك علىخير أن شاء الله.
أغلق “سليم” المكالمة و نظرا إلى “زهرة” التى هتفت قائله:
واضح كدا أنُه وافق.
أومأه بتأكيد:
أيوه وافق ورحب بوجودنا كمان.
طب الحمدلله شوفت بقى ربنا ميسر الموضوع أزاى عشان تعرف أن اللى حصل دا مش شر بالعكس دا خير.
هتفَ من جديد بقتراح:
بفكر أئجر الشقة لمدة السنة اللى هنقعدها فى الصعيد. عشان تسد معانا فى المصاريف. يعنى الأيجار اللى هيطلع لنا منها معا قبض الجامعة هيساعدنا فى المصاريف و كمان عشان ناوي أشارك معا “جواد” فى مصاريف البيت ميصحش نقعد ناكل و نشرب على حسابه زي العيال.
ماشى يا حبيبى اللى تشوفهُ.
و كمان أنا ممكن أبيع الإسوره اللى ورثتها عن ماما أهى هتجبلنا مبلغ حلو هيسند بردو.
ربت على يدها بعتراضً رآسى:
لاء أنا ميرضنيش تبيعى حاجة من ريحة أمك. خليكِ محتفظة بيها. و بأذن الله إيجار الشقة معا قبض شغلى هيكفينا.
أومأة بموافقة فـجذبها برفقاً لتسكن بصدرهِ يبوح بوعوداً ملغمه بـالعشق:
عمرى ما هنسا وقفاتك معايا بأذن الله بكرا الحال يتعدل و حياتنا تتحسن. و هعوضك عن كل الأيام القاسية اللى عشتيها معايا. ربنا بس يكرمنى زي ما بتمنا و هجبلك كل حاجة عايزاها.
تـرقرقت عسليتيها بـدموعً تعلن عن مدا إستحسانها لكلماتهِ المبعوثه من نبضاً إذابه قلبها:
مين قالك انى ناقصنى حاجة. أحنا الحمدلله حياتنا أحسن من ناس كتير و أنتَ بتجبلى كل حاجة عايزاها. دائماً بتجبلى اللى بتقدر عليها و أنا راضية و مبسوطة. دا كفاية واحدة الشكولاته اللى بتجيب هالى كل يوم حتى لما مبيبقاش معاك فلوس بتوفر من فلوس موصلاتك و بتجيب هالى. و بعدين أنتَ عندى بالدنيا كفاية ضحكتك و حضنك ليا دا بكنوز الدنيا كلها والله.
تنهيدا دافئه عبر بين جوفهِ تدفئ الهواء من حولهم. تنهيدا عبرت عن سعادة قلبهِ و عشقهِ الذائد بين الدقيقة و الأخرى:
عمرى أنتِ يا زهرة والله.
إسترخت أكثر برحاب قلبهِ تبوح بما يرهق القلب عشقاً:
عمري بيسلم بيك يا سليم.
بـغرفة نـوم “جواد” كانَ يقف بـرفقت “ريحانه” التى تتسأل بـستفسار:
هـو أحنا هنتجوز.
نظرا لها بتأكيد:
أيوه ايه عندك مانع.
لاء أنا بس كنت بسأل.
تمام من النهارده هتباتى فى الأوضة دي و أنا هنام فى أوضة تانية الحد يوم كتب الكتاب.
عبثت بمعالمها بـقلقاً:
هتسبنى أنام لوحدي. لاء بلاش مش هعرف أنام من غيرك.
نام هنا و أوعدك أنى مش هضايقك و الا هقرب منك. أنا هانم ع السرير و مش هقرب من الكنبة بتاعتك.
أجابها بـرسمية:
الموضوع مش موضوع كنبة و سرير. أحنا مطلقين فخلاص مينفعش نعيش معا بعض فى نفس الأوضة. أنتِ دلوقتي متحرمه عليا و مينفعش أقسمك نفس الأوضة.
ليه ما أنا قولتلك كل واحد هينام لوحدهُ. و بعدين مأنتَ أمبارح و أول نمت معايا فى نفس الأوضة.
عقد ذراعيه أمام صدرهِ يناظرها بتصحيح لعقليتها:
مين قالك إنى كنت بنام معاكِ فى الأوضة. أنا كنت بستناكِ الحد. لما تنامى و بروح أنام ع الكرسى فى البلكونة.
إتسعت مقلتيها بـتشتت:
بتنام فى التلج دا فى البلكونة. طب ليه مأنتَ تنام ع الكنبة. و أشوفك لما تتعرى و أشيلك ذنوب و أشيل ذنوب أكتر من اللى شايلها. دأنا بقيت بتعلق فى رضا ربنا مش عايز أرجع تانى للغلط حتى لو بنظرة مُحرمه. و بعدين الدين مبيدعمش المُساكنه معا بعض منغير جواز. حتى لو كل واحد هينام بعيد عن التانى.
أدركت مفاهيمه بـأومأة بـالموافقة على كل ما قال. ثمَ إقتربت منهُ بـحزنً تبوح بطلبً:
بما أنك مش هتنام فى نفس الأوضة فـممكن تقلع الچاكت بتاعك عايزاه.
عقد حاجبيه بستفسارً:
ليه.
هاخدهُ فى حضنى عشان أحس أنك جانبي و أقدر أنام. ريحتك اللى فى الچاكت هتخلينى أحس أنك معايا. ممكن بقى الچاكت.
رأها العشق بـشمسيتها فـبلع ريقهِ ليهدٔ من نيران نجع قلبهِ التى أشعلتها بتصريحها. لكنَ الثبات كانَ مبدئهُ فـحاولا تجاهل عينيها التى تناديه لطريق المعصية و الحصول عليها. ثمَ نـزعَ سترتهِ و أعطاها لها. ثمَ تحمحم بـرسمية:
أحم. طب أنا هخرج دلوقتى على أوضتى. و أنتِ أقفلى الباب عليكِ و متفتحيش لحد النهارده غيري ليا أنا و “نسمه” و عمتى. أنما أى حد تانى يخبط عليكِ متفتحيش. و لو قلقتى أو أحتاجتى لحاجة أتصلى عليا.
أنتها من الحديث و التفت ليذهب. فـأمسكت بـساعدهِ بسؤلاً لمسَ الحزن بهِ:
مش هتنام عند “نهى” مش كدا.
لوح بخضرويتيه لها ليطمئنها بذات الثبات:
أنا طلقت “نـهى” أمبارح بالليل مبيتتش على زمتى.
لمعت عيناها بسعادة رسمتها ببسمة شقة فمها:
بجد يعنى هى مش مراتك.
نفى بحركة رآسية بـزمة شفاها بـستحسان:
أنام و أنا مطمنه بقى. يلا تصبح على خير.
ماله برآسهِ للجها اليسري بـعين ضيقها بـستفصار:
و دا ليه بقى. ما يمكن أدخلها عادى.
جايبه منين الثقة دى.
أهدتها الليلة فرصة للإفصاح عما يخبئ بداخلهِ. فـلم تضيعها هبائاً و أقتربت منهِ مباشرتاً تخاطب عيناه التى تفصح بما يخفى خلف ستار جمودهِ:
جايبها من جواك من جوه قلبك. من عيونك الحلوة دى اللى فضحاك يا حضرة الظابط. عيونك اللى بتوشوشنى و بتقولى “خيلك” بيحبك بس بيقاوح. خيألك عايزك أكتر مأنتِ عايزاه بس بيكابر. خيألى اللى قالها زمان مدام مليتى القلب فعيونى مش هتشوف غيرك. أنتَ قولتها خلاص يا “جواد” و مبقاش ينفع ترجع فى كلمتك. أنا مش بس ماليه قلبك لاء و ماليه عينك و متأكده أنك مش هتفكر تروح لغيري و الا تبص لغيري عشان مبقتش بتشوف غيري أصلاً. زي مأنا مبقتش أشوف راجل غيرك.
ببذور الهواء نسمت حول قلبهِ الدافئ تـُعطية التنفس لليالى كممت فيها أنفاسهِ بـأفعلاً كانت كـالنار تحرقهُ. فـحاولا الهروب من مخضع عيناها فـتدللت بأطرفها تهمس على صدرهِ فـوق قلبهِ:
يمكن معرفتى بالدنيا محدودة. جاهلة فـى أمورها. بس فى حاجة واحدة فاهمها كويس و عرفاها إن قلبك اللى بينبض تحت أيدي ملكى أنا و بس. ريحانه. محفوره جواك يا حضرة الظابط. زىمأنت محفور جوايا. ساعات كتير كُنت بسرح و أقول يا تره ممكن أحب و أتحب زى الأميرات اللى بشوف قصصهم على التلفزيون بس كُنت برجع وأقول دى مجرد قصص كرتون أساطير ملهاش وجود. الحد لما جاتلى فى أحلامى و تانى يوم الحلم أتحول لحقيقة و شوفتك قدام داركم و خبتنى من عيون الناس. و معدتش الليلة غير و أنا مراتك. لحظتها بس قولت بينى و بين نفسي أفرحى يابت يا “ريحانه” شكلك دخلتى قصص الأساطير و هتبقى واحدة منهم معا “جواد” خيلك. و معا كل يوم عشتهُ معاك و كل حاجة مريت بيها معاك كُنت بقول لنفسي هى دي أسطورتك معاه و هـو دا بطل حكايتك و لأزم تتمسكِ بيه لأن مفيش عشان أسطورة عشقك مينفعش تكمل معا خيل غير جوادك. حتى لو بطل أسطورتك رافض يعترف بهواكِ. كفاية أنتِ مستكفيه بهواه.
يا الله من حديثها المُلغم بـشرارة الهوا لقاتل للكيان. فاض الأمر بنبضهِ الذي طرق رحاب صدرهِ ليهرُب إليها. فـفلتَ زمام لسانهِ الذي أفصح قائلاً:
مكنش حلم. أنا كُنت عندكُم فـى البيت و دخلت أوضتك بـالغلط و شوفتك و أنتِ نايمة على سريرك. و قربت منك ورغم إنى كنت موسخ بمعاصى الدنيا و مكمل فيها بس جأت الحد عندك وهدانى الله مـقدرتش المسك. إكتفيت بـالنظر فيكِ الحد لما صحيتِ و شوفتينى فـخرجت بسرعة من عندك و مكنتش مخطط أنى هقابلك تانى الحد لما شوفتك تانى يوم قدام دارنا و بدأت حكايتى معاكِ اللى مش عارف هـتنتهى على إيه.
الأجابة أصبحت تنهيدة تجهل ما يُخبئ القدر لهُما. لكنها تشبثت بوصال الأمل قائلة:
أسطورتى معاك هـتنتهى بسعادة زى باقى الأساطير. بس أنتَ أقبل الغفران لـبنتك كفاية زعل عشان خاطر قلبىِ.
ردا السؤال بسؤال إحتؤى على بحة العتاب العنيدة بـوصال الجفاء:
و أنا قلبىِ خاطرهُ عند مين يا “ريحانه”. حُطى نفسك مكانِ لو كُنت أنا اللى جاتلك و قولتلك أنِ كُنت فى حضن واحدة غيرك و سلمتها نفسي اللى هى من حقك و بس. و أنى هروحلها كل يوم و أسلمها نفسى عشان تاخد منى اللى من حقك أنتِ. يا تره كُنتِ هتسامحينى بسهولة حتى لو قولتلك أنِ كُنت بكدب عشان أكسرك وأرود كرامتىِ.
إنحنت عيناها هاربة من السؤال فـزم فمهِ ببسمتاً ساخرة:
مش لقيه حتى أجابة و جاية تطلبى الغفران بدري أوى على طلبك.
تركها تلوم حالها عما فعلت بهما من أنكسارً هزا وجدان علاقتهُما.
بـذات الوقت لـدى “غنوه” تقف أمام “البارون” تضب حقائبها بينما يسألها أثناء مكوثهِ على المقعد:
هـتسافرى أمته.
أجابة أثناء وضعها لمعطفها الزهرى الحقيبة:
بـكرا الفجر. بتسأل ليه.
قطب جبهتهِ برد السؤال:
بسأل عشان أعرف دا من حقى.
حركت رآسها بيماء قائلة بـجفاء:
ااه فعلاً حقك. طب بمناسبة حقك “هشام” و “جواد” أتخانقة بسببى و بقا بينهُما طار و كل واحد فيهُم عايز يخلص على التانى الأول.
فرك مرفقيه ووقفا بخبثاً:
أيه الأخبار الحلوة دى. أيوه بقى كدا الواحد يقعد و يتفرج بـمزاج و يركز فـى شغلهُ. “جواد” هيتجوز “ريحانه” كمان كام يوم. “هشام” قالى أنُه سمعهُ و هـو بيتكلم معا عمهُ “فـوزى” أن الفرح هيبقي فى بيت أبوه بعد تلت أيام.
هـتبقا مراتُه رسمى.
شرعاً و قانوناً:
أضيقت عيناه بـحنقاً ذاده بؤبؤهِ سوادً. و هتفَ بكراهية أفصحتها بحتهِ:
بقى هيتجوز من غير ما ياخد واجبُه. دا حتى تبقى عيبه فى حقى. تمام يا “غنوه” سافري و متشغليش بالك بحاجة. هدية العريس عليا.
نـوى بعقلهِ بشراً لقلب الزفاف إلى شيئاً أخر.
بـنهار اليوم التالى بـحجرة المعيشه بـمنزل “رضوان” تجلس كلن من “ريحانه” و نـسمه”برفقة”جواد”و “مـرعى” الذانى يستعداً لبدء تحضير الزفاف. و بـحوزة الفتيات دعوات الزفاف.
لحقت عملت كل دا أمتا يا “جواد”. دأحنا لسه جاين الصعيد أمبارح بالليل. أزى لحقت تطبع دعوات الفرح بالكم دا و بالسرعه دى.
سألتهِ “نسمه” فـردا برسميه:
كُنت بحضر للفرح من أسبوع فات. مفيش حاجه جأت فجأه. كل حاجه كانَ متخطط لها.
سألتهُ من جديد بستفسار و هى تتعمق النظر داخل الدعوه:
إيه دا أسم العروسه:R. دا إيه مش فـاهمه.
أجابها “مرعى” بالنيابه عنهِ ببتسامة تـعزيز:
من عوايدنا أننا منكتبش أسم العروسه فى الجواب و بنكتب أول حرف من أسمها: عشان الدعوات دي بتتفرق على رجالة البلد كلها و ميصحش أنهُم يـعرفهُ أسم العروسه إيه.
عقدة حاجبيها بـتعقيب:
الموضوع دا قديم أوى. فيها إيه لما يتكتب فى الدعوه”ريحانه”و الناس تقرء أسمها. دا مجرد أسم هينطقوا مش هيشفوها يعنى متحبكهاش قوى كدا يا “جواد”.
قطب جبهتهِ بـضيقاً يناقشها:
محبكهاش. دي أصول و تـربيه يا “نسمه”. عوايد بتحفظ قيمة الواحده مبتخليش، أسمها سلعه على لسان كل راجل شويه. التحابيك دى هى الأصوال اللى لإزم نمشى عليها عشان نحفظ أهل بيتنا من أى رُخص. و بعدين الرجاله هتستفاد إيه لما يـعرفهُ أسم مـراتِ. هيذيدو و الا هياجوا ينقطونا بـالدهب. مـش هنستفاد حاجه غير أن أسمها هـيتردد بين كل واحد فيهُم. و يبقي على لسان اللى يسوه و اللى ميسواش.
أمام هـجومهِ العنيف نظرة إلى “ريحانه” بـغيظ تحادثها:
هـتفضلى ساكته ما تردى يابنتى عليه. دي دعوات فرحك أنتِ كمان أعترضى.
”نفت بدلالً فقد راق لها كثيراً:
سبيه على راحتُه. هـو خايف عليا و غيران و أنا عجبنى كلامُه.
لوت فمها ببتسامه:
لاء يا شيخه إيه النحنحه دى. دأحنا أتقدمنا أوى.
فرك أنفهِ بحمحمه ليفض ذلك النقاش الذى بأتَ يـرهقهِ:
خلاص خلصنا. أنا هـقوم عشان ورايا حاجات مهمه لإزم أخلصها قبل بكرا.
أستنا قبل ما تمشى ناوى تجيب مين يـغنى فى الفرح. أنا من رأيه تـجيب “تامر حسنى” أو “تامر عاشور”.
قالت الأُخرى بستحسان:
خليه “تامر عاشور” أنا بحبهُ قـوى.
شبثت الحريق بقلبهِ أثار جملتهِ أكلتهُ الغيره من تلميحها لغرام رجلاً أخر بـأى طريقتاً أُخـرى. فـقررا رد الصفعه ليشعرها بما شعرا:
مفيش مُغانين. الحنه هياجى فيها رقضات.
أيوه بقى هنجيب رقاصه دا إيه الفرح الحلو داه. هكذا قاله “مرعى” بحماساً فـزم الأخر فمهِ بمكراً يناظر من تلوح بشمسيها عليهِ بـغيره عارمه:
مش رقاصه واحده تلاته. هياجوا تلات رقصات هيحيوا الليله الحد الفجر.
فرك “مرعى” صدرهِ بمرفقهِ يتلو بأنعاش:
دول مش هيحيوا الليله لاء دول هيحيونا أحنا. بقولك إيه يا باشا ما تخليهم أربعه أهو نمشي ع الشرع ربنا محلل للراجل أربعه.
صححت لهُ ريحانه بـستياء:
أربعه فى الجواز مش فى الرقصات. و بعدين مالكم مسروعين ع الرقصات كدا ليه. إيه شغل المراهقين دا.
نـهضا “جواد” بشموخاً يليه قولاً:
هيبقوا خمس رقصات.
صفق بحماس:
أيوه بقى يا مدلعنا خمسه في عين العدوه. هروح أنا بقى أجهز الجلبيه عشان بكرا عن إذنكم.
صاره مرعى فـلحقت ريحانه بجواد الذي ذهبا للخارج حيث المندره:
جواد استنا.
نظرا لها بجفاء:
خير.
أنتَ بجد هتجيب رقصات في الفرح.
أيوه.
وليهمزاجى كدا.
و هو مزاجك دا مش ناوى يتوب شويه.
هتفَ بجفاء:
ملكيش دعوه و يلا على جوه.
لاء ليا أنتَ ناسي أنك هتشوفهم.
فرك لحيتهِ بمكراً:
أنا جايبهم عشان أشوفهم وروق على نفسى. عنديك مانع.
عزمجرت بغيره علنيه:
أيوه عندى. أنا محبش أنك تشوفهم.
بصفتكِ إيه.
بصفتى مراتك.
ضيق عيناه بـستفزازً خبئه خلف جمود طلتهِ:
الرقصات جايه بكرا تحيه الحنه فـ للأسف هتكونى لسه مبقتيش مراتى. لما أكتب عليكِ بعد بكرا أبقي أتكلمى. سلام.
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم لادو غنيم
تركها تنفر بغيره وذهب.
فدلت للداخل، فقابلت "بهيه" التي أمسكتها من ساعدها تتساءل:
"مالك يا ريحانه؟ شكلك مضايق ليه؟"
رتبت معالمها بهدوء ثم قالت:
"مفيش حاجة يا عمتوا."
نظرت داخل عينيها بابتسامة اطمئنان:
"متخبيش عليا، أنا زي مامتك. احكيلي إيه اللي مضايقك؟ ولو حد مضايقك هجبلك حقك منه."
ربتت على قلبها المتعطش لعطف الأمومة و زارت البسمة شفاها بحنين:
"ربنا يخليكي ليا. كل الحكاية أن جواد عايز يجيب رقصات في الفرح وأنا مش عايزاه يجيبهم."
"بس كده؟"
"والا تحطي في بالك أنا هتكلم معاه واعتبري مفيش رقصات."
"بجد هتكلميه؟ طب هو هيسمع كلامك؟"
"جواد محترم ومش ظنه إنه هيرفضلي طلبي. المهم أنتِ روّقي كده ويلا هنروح أنا وأنتِ ونسمه نشتري فستان الفرح والحنة."
أومأت بسعادة خاطفة لكيان تلك العمة التي ربتت على وجنتها بقول دافئ:
"ربنا يجعل أيامك سعيدة وشك دي ويحفظك من نفسك ومن نفوس الناس يا بنتي."
***
تقف "غنوه" أمام "معالي" بغرفة النوم.
"إيه اللي جابك يا غنوه؟ جولت هالك جبل سابج، ملكيش مكان بينا."
"ده بيتي يا طنط، وإلا هشام مقالكش إني أم ابنه أمان؟"
"أمان يا بلدي أمان. بجولك إيه يابت الغنيمي، أنا مش دجه عصافير وخابره زين إنك جايه هنا عشان توجعي بينه وبين ولد عمُه. بس يمين بالله لو فكرتي تبخي سمك زي الحيه في جلب ولدي ناحية جواد، هلدعك كف العجربة وأنا لدعتي والجبر."
"ملوش لازمة تهديدك عشان أنا مبتهددش. وبعدين هو ابنك صغير عشان أوقع بينه هو وابن عمه؟"
"صغير كبير ملكيش صالح بيه. وهي كلمة ورد غطاها، عايزة تعيشي بينا مسمعش لسانك بينطق بحرف واحد عن جواد. تعيشي بأدبك، إنما تعملي غير كده ورحمة جوزي في جبره هوريكِ جلبة الصعيدية بتبجي كاف. اللهم بلغت اللهم فشهد."
"انتِ ليه شاكة إني جاية أعمل مشاكل بينهم؟"
"عشان اللي زيك مبيجيش من وراها غير الشر. يكون في معلومك الشر اللي جايه وناوية بيه على خراب هجلبو عليكِ يوم متواكد من كلال."
ألقت بالتحذيرات في وجهها الذي تلون بصفار القلق من تلك المرأة التي تحولت إلى درع ناري سيحرق كل من ينوي دمار عائلته.
***
يجلس "جواد" مقابل "هشام" يستمع إلى حديث العمده.
"زي ما بجولك يا ولدي، هشام ولد عمك جه وقصدني عشان أحكم بينكم."
"تحكم بينا بخصوص إيه؟"
"بخصوص الأراضي والأطيان اللي بيناتكم. أنتَ خابر أملكُم وأراضيكُم اللي بيراعيها هشام، هو اللي كبر الملك والفلوس."
"من غير لف ودوران، ادخل في الموضوع على طول، مع إني بجيت خابر ولد عمي بيلمح لإيه."
"بحب فيك نباهتك يا جواد. طبعاً أنتَ هتقولي اللي ربه خير ماللي اشتري؟"
"من الآخر أكده، هشام بيقول إنك ملكش حق في أملكُه ولا فلوسهُ. مليكش عندي غير نص الأرض بتاعة أبوك ونص الدوار الكبير وزريبة البهايم الجبلية."
"نص أرض ونص الدوار والزريبة؟ وجاي على نفسك كده ليه؟ مبلها ورث من أساس!"
"ياريت، بس مبعرفش آكل حق حد."
"يسلام. تصدق بالله مشوفتش في ضميرك. عايز ياخدله وشين نظافة يمكن ينضف من الوساخة اللي عششت عليه. من الآخر كده الكلام ده ميكولش معايا. أنا ليا حق في كل مليم معاك، وبصراحة كده متعودتش إني أسيب حقي ولو على رقبتي. وبعدين ده مش حقي لوحدي، ده كمان حق أخويا فارس."
"مليم إيه؟ هو أنتَ كنت شقيت ولا اشتغلت عشان يبقالك حاجة؟ الأراضي والمكتب أنا اللي بديرهم من وأنا عندي عشرين سنة. أنا اللي كبرت الورث وزودت الأراضي، حتى المكتب عملته بشقايا وسهر الليالي، وأنتَ وأخوك كنتوا بتاخدوا فلوس على الجاهز."
"جاهز مين يا أبو جاهز؟ شغل المسكنة والتضحية ده تعملوه على واحد غيري. أومال لو مكنتش شاهد على كل حاجة؟ أنا إيدي كانت في إيدك في كل حاجة لحد لما دخلت كلية الشرطة وسبتك تتصرف وتشرف على كل حاجة لأن ده كان طلبك وشغلتك كمان. بس مش معنى كده إنك تقول لي ملكش حق. لأ، أنا ليا حق وأخويا ليه حق وحقنا مبنسبوش. والا نسيت أصولنا يا ابن العم؟"
"لأ، منستش. بس كمان مليكوش حاجة عندي غير ملك أبوكم اللي سابوه، زريبة ونص الدار والأرض. أما الباقي ده شقايا أنا اللي تعبت وعملتوه، ومعنديش كلام تاني أقوله."
"أنا بقي عندي أفعال مش كلام. اللي يحضر العفريت وميعرفش يصرفه ميرجعش يزعل عشان العفريت هيقرفه. سلام."
"استنى بس يا ولدي خلينا نتفاهم. ميصحش كده."
"اللي ميصحش إن ولد عمي ياكل حقي أنا وأخويا. بس هشام نسي إن عمه خلف رجالة مبتسبش حقها. ترك المكان لهما ذاهباً ليفرغ غضبه بقيادته المسرعة."
"جولتلك بلاش كده يا ولدي. ده أنتو مهما كان ولاد العم، الدم عمره ما يبجي ميه."
"الدم بجى ميه، ومافيش غيره بيجري في عروقنا. سلام يا عمده."
***
عاد "جواد" للبيت وصعد الدرج قاصد غرفة نوم "نهى" وطرق الباب عليها فسمع صوتها يسمح لمن بالخارج بالدخول.
فدخل إليها، فوقفت بترحيب:
"جواد، تعالى واقف عندك كده ليه؟ نورت الأوضة."
دلف للداخل بينما ترك الباب مفتوحًا. فضيقت عيناها باستفهام:
"ما تقفل الباب، سايبه مفتوح ليه؟"
جلس على الأريكة بتنهيدة رسمية:
"سبيه مفتوح، متنسيش إنك مبقتيش على ذمتي."
جلست على حافة الفراش أمامه تناظره باستغراب:
"اتغيرت أوي يا جواد، حاسة إني قاعدة قدام واحد معرفهوش."
"مفيش حد بيفضل على حاله يا نهى. المهم أنا جالك عشان عايزك في موضوع مهم."
"موضوع إيه؟"
"كنت بفكر إنك تروحي اليومين دول تقعدي في شقتك."
"عارفة عشان فرحك على ريحانه. بس عادي يعني، هنا ولا هناك مفتكرش إن الوجع هيقل يا جواد."
لمس حزنها فحاول التخفيف بقول:
"بلاش تشيليني ذنبك. أنتِ عارفة كويس من يوم ما تقابلنا إننا مش هنكمل سوا. وياما قولتلك نسيب بعض بس أنتِ اللي كنتِ بترفضي وتقوليلي خلينا سوا لحد لما تحب وبعدين هخرج من حياتك، مش ده كان كلامك؟"
"أنتَ حبيتها جواد؟ جاوبني؟"
هرب بعينيه بعيداً عنها يفر من تلك الإجابة التي يسجنها بين قضبان قلبه:
"حبتها أو محبتهاش، الموضوع ميخصكيش يا نهى. أنا كنت بفكرك بكلامك. وبعدين مش معنى إني بقولك تمشي أبقى بتخلي عنك. كل الحكاية إني بحاول أراعي إحساسك. والأهم من كل ده إني عايزك تبدئي حياة جديدة تعيشي بجد. تتجوزي ويبقالك أسرة وزوج يتقي ربنا فيكِ، وعيال تربيهم على الصح والأخلاق. تبدئي صفحة جديدة؟"
"صفحة جديدة وأسرة وزوج وعيال؟ مش بقولك بكلم واحد معرفوش. ده أنتَ مش بس حبيتها، أنتَ دايب فيها دوب يا حضرة الظابط. بدليل إنها غيرتك لواحدة معرفش عنها حاجة. بس على العموم أنتَ معاك حق، أنا لازم أبدأ من جديد. وكمان لازم أسيب البيت من بكرة. كتر خيرك إنك خايف على أحاسيسي."
وقف باسترخاء بعدما شعر بثقل تلاشى من عليه ثم قال:
"تمام. هخلي مرعي الصبح يوصلك للشقة ويجبلك كل اللي محتاجاه. تصبحي على خير."
غادر الغرفة، فرتجفت بابتسامة أسقطت دموعها بحزن:
"على خير! وهيجي منين الخير؟ قال صفحة جديدة ماشي، هفتحها بس معاك أنتَ. حقي أنا وابنك ولازم ترجعلي مهما كان الثمن. أما ريحانه، فو حياتك عندي ما هخليها تتهنى بيك، هتشوف أنا ولا هي في حياتك."
***
تمكث على فراشها تمسك بين يديها رواية ألف ليلة وليلة، منغمسة بقراءتها.
"مين؟"
سمعت صوته الجش بدفء:
"جواد."
كادت تقفز من فوق فراشها، لكنها تذكرت أقوله لها في الصباح، فتصنعت الجفاء. ثم وضعت الحجاب على شعرها وأذنت له:
"اتفضل."
فتح الباب ودخل، ثم وارب الباب قليلاً عليهما. وتدلى حتى وقفا أمامها بتساؤل:
"صاحية ليه لحد دلوقتي؟"
"مش جايلى نوم."
تحمحم وجلس أمامها آخر التخت تاركًا مسافة كافية بينهما. ثم أعطاها علبة قطيفة زيتية قائلاً:
"افتحيها."
تناولتها منه وفتحتها، ففوجئت بشبكة شديدة الفخامة والثمن. فتسعت مقلتاها بتساؤل له، فرد عليها قبل السؤال:
"شبكتك يا ريحانه. المفروض كنتِ تنقيها بنفسك بس مفيش وقت. بس لو مش عاجباكِ عادي أغيرها."
لمعت شفتيها ببريق الاستحسان، فتدللت العبارات من شفتاها بمذاق العشق:
"حلوة أوي بجد، تسلم أيدك. بس دي باين عليها غالية أوي."
"الغالى للغالى."
ضيقت محيط عينيها بتساؤل احتوى الخجل:
"قصدك إني غالية؟"
"يسلام. ده على أساس إنك مش عارفة."
"عارفة إيه؟"
أدرك مكرها، فوقف قائلاً بذات المكر:
"مش عارف. لما أعرف هبقى أقولك."
"ماشي. إيه اللي بتقريه ده؟"
"حكاية ألف ليلة وليلة. شهريار وشهرزاد."
"سيبك من الحكايات دي عشان هتبوظلك مخك."
"شهريار ده غريب أوي. بعد ما قتل نص بنات القرية، جاله واحدة نستُه الدنيا باللي فيها بشوية حواديت. مش شايف الموضوع غريب؟ تفتكر شهريار مقتلهاش عشان بس بتقوله حواديت ولا عشان حاجة تانية؟"
"أهو ده اللي بناخده من الروايات. اقفلي الكتاب ونامي. الساعة داخلة على اتناشر. عندنا بكرة يوم طويل."
تجاهل سؤالها وذهب بعدما أغلق عليها الباب، وتركها تتمعن النظر بحب لتلك الشبكة الذي جلبها بعشق.
***
صباح اليوم التالي، في تمام العاشرة صباحًا، قد وصلا "سليم" و"زهرة" الصعيد ويقفان داخل بيت "رضوان" يتبادلون السلامات مع أهل الدار. وعند الانتهاء من المصافحة، جلسوا جميعًا على طاولة الفطور يتناولون الفطير المشلتت والعسل الأبيض والقشطة والجبن.
"نورت بيت عمك يا سليم. أنا مشوفتكش من وأنت عندك خمسة عشر سنة، ماشاء الله كبرت وبقيت زي القمر ووسيم بجد، طالع شبه أبوك. وزهرة ماشاء الله عليها قمراية."
"ده من ذوق حضرتك يا طنط بهيه."
"لأ، طنط إيه، قوليلي يا عمتوا. أنتِ في مقام مرات ابن أخويا."
"حاضر يا عمتوا."
"لأول مرة من سنين أحس بالدفء ده. فعلاً مفيش أحلى من لمة العائلة. بس هو فين هشام وطنط معالي؟"
"بس مقولتليش أنتَ معيد في كلية إيه؟"
"هندسة."
"وأنتِ يا زهرة، بتدرسي ولا خلصتي؟"
"لأ، لسه بدرس في كلية حقوق في سنة تالتة. ادعيلي أخلص وأشتغل بقى."
"إن شاء الله يا حبيبتي تخلصي على خير."
"بقولك صح يا جواد، أومال فين عمك فوزي؟"
"صحيت ملقتهوش. سافر بالليل، قالي عنده شغل مهم مضطر يسافر عشانُه. وهييجي بالليل، ولو ملحقش هييجي بكرة."
"على خير إن شاء الله. إحنا ناكل ونقوم نعجن الحنة ونحضر لبسنا والفاكهة اللي هنقدمها للضيوف والمشاريب."
"متتعبيش نفسك يا عمتي. في دبايح وطباخ عشان ناكل أهل البلد كلهُم. الناس شغالين من سبعة الصبح. والفاكهة هتدخلكم متغلفة وجاهزة للتفريق وهيبقي في بنات من البلد بتقدم الحاجة للحريم."
بتلك اللحظة امتلأ البيت بالزغاريد. فنظروا جميعًا فتفاجئوا بـ"معالي" وبرفقتها الكثير من الفتيات والطبلة. فنهضوا جميعًا، فاقتربت منهم بفرحة تملأ عيناها.
"إيه يا معالي؟ خضتينا."
"طول عمرك بتتفزغي ع الفاضي. دول حبايبنا جاين يباركولنا ويساعدونا في تخديم على الحريم. ويهيصولنا. ده النهارده حنة الغالي، ابن الغالية."
"تعيشي يا مرات عمي."
"يعيش عمرك وشبابك يا حبيبي. يلا بقى اخرج شوف وراك إيه وسيبنا الدار عشان نحضر للحنة."
"يلا معايا. ورانا حاجات كتير نعملها. بس لو سليم تعبان من السفر ممكن ترتاحلك ساعتين وتنزل."
"أنام إيه؟ في يوم زي ده. يلا بينا طبعاً."
"سليم ابن منصور؟"
"أيوه أنا."
"يسلم حياتك يا ولدي. إيه اللي جابك؟"
"هو وجودي مش مرغوب فيه ولا إيه؟"
"مقصدش، أنا قصدي إيه اللي جابك النهارده؟ قصدي يعني مين دعاك؟"
"أنا دعيتُه. يلا بقى هنسيبكم ونشوف اللي ورانا. يلا بينا يا شباب."
ذهبوا جميعًا، فلحقتهُم عيونها الخائفة التي امتزجت بدموع تتمتم بداخلها:
"ربنا يسترها على شبابك يا ولدي."
***
بعد مرور يوم شاق طويل، دقت الساعة السادسة مساءً. كانت حديقة الدوار التي تم إعدادها لتصبح مثل القاعات، مليئة بالأنوار الملونة والطبل البلدي ورقص الخيول على المزمار، وأهالي البلد من الأعيان والفقراء. البعض يصفق والبعض يتناول الفاكهة والبعض داخل صوان جانبي يتناولون الطعام، والبعض الآخر يرقص بالعصا. بينما يقف "جواد" برفقة أخيه و"سليم" يستقبلون المعازيم. فكان "جواد" مرتديًا جلبابًا أسود صعيدي وحذاء بني، وعلى منكبه تلفيعة بنفس اللون البني، فكان شديد الفخامة التي زادت من وسامته.
أما بالداخل لدى الحريم، بساحة الدوار من الداخل، ترقص الفتيات بين الزغاريد والتصقيف. وبالمنتصف ترقص "ريحانه" بثوب أسود وبرقع صعيدي حدد جمال عينيها التي يحاوطها الكحل الأسود الداكن، وعلى ذقنها دق صعيدي قديم وتضع على رأسها غطاء أسود ناعم بدوائر فضية. فكانت إطلالتها صعيدية بحتة. وبجوارها تتراقص "نسمه" وزهرة برفقتها يقسمانها الفرح بقلب محب، بينما تهتم "معالي" وبهيه بالضيوف. كانت الأجواء شديدة البهجة على قلوب الجميع.
حتى دخلت إحدى الفتيات وقالت بحماس:
"الحقوا يا ست معالي، سي جواد بيرقص الخيال."
أسرعت "معالي" بالذهاب للخارج، فلحقت بها "ريحانه" ونسمه وزهرة وبعض الفتيات، ووقفوا بالمندرة يشاهدون من بعيد ما يحدث. فلمعت عين عاشقة للحبيب على ظهر الخيل الأبيض، يمسك بعصاه يلوحها برقص في الهواء باحترافية، غير آبه من حركة ذلك الفرس الراقص أسفله. على أغنية "الصعيدي دايما ريس" وحوله الألعاب النارية تتراقص في الهواء، كانت نبضات قلبها تتراقص مع رقصة الذي أثر كيانها. فلم تتوقع أن تراه بتلك الفرحة. فبدأت تصفق له مع الفتيات بحب متضاعف.
حتى انتهى من الرقص وقفز من فوق الفرس بشموخ يلقي التحية بيديه على جميع الحاضرين. فدخلت "معالي" برفقتهم للداخل ليكملوا ليلتهم.
وبعد ساعة تقريبًا، وصلت الحجة "نعمات". فاستقبلها "جواد" ودخلا بها لدى الحريم. فتقابل مع "ريحانه" التي انتهت فورًا من الرقص، فغرق بسحر جمالها الصعيدي الذي برزته تلك الثياب. فغطت شعرها منه بخجل. فتحمحم ببعض الثبات قائلاً:
"أعرفك يا خالة، ريحانه. عروستي."
"عروستك كالقمر يا جواد. عرفت تنجي صح."
مالت عين "ريحانه" بخجل أثار بصره بها، تزامناً مع فرك كم جلبابه الصعيدي، قائلاً باستحسان صوتي:
"مانتِ خبراني طول عمري مبجش غير واجف يا خالة."
ربتت على ذراعه ضاحكة:
"مخبرش. تعلمتي ماتي الكبر يا ولد رضوان. بس بيني وبينك، لايق عليك كالجلبيه الصعيدي أحلى بكتير عليك من البنطلون والجواكت. خليك كده على طول."
تقدمت منهم بهيه بابتسامتها كالمعتاد:
"براحة عليه يا خالة نعمات، عروستنا تغير سبيلها حاجة تقولها."
"متخفيش عليها مش هتغلب. بكرا دخلتهم وهتجول كل اللي نفسها فيه، والا إيه يا بنتي؟"
تصبغت بقرمزية عتيقة جففت حلقها، فزم فمه بابتسامة شوقًا للغد.
"ياربي على كلامك يا خالة. طول عمرك مبتخديش بالك من كلامك. شايفة أهو بسببك العروسة وشها بقى لون الفراولة. لوحت بعينيها لجواد تراوغه بابتسامة مقولة: الفراولة هيدوقها عريسنا بكرا بالليل، ونبي خايفة عليك بعد ما داق الفراولة، تبلط جارها وتهمل شغلك."
زادت الأمر خجلًا عليهما، فحك عنقه بتحمحم:
"طب هخرج أنا بجى عند الرجالة. منورانا يا خالة نعمات."
كاد يذهب، فتدلت العبارة من ريحانه:
"جواد، كنت عايزة أقولك حاجة."
"في إيه؟ قولي."
لوحت عينيها عليهما بحرج:
"مش هينفع هنا، خلينا نتكلم جوه في الأوضة."
"تمام، تعالي."
أوقفتهما نعمات بابتسامة:
"وااه رايحين فين؟ ميصحش كده. يابنتي بكرا هييجي معاكِ. مستعجلة على إيه؟ وأنتَ إيه؟ مصدقت رايح معاها. اتجل مبجاش غير كام ساعة على بكرا."
"سبيهُم على راحتهم يا خالة، بلاش تقفليها عليهم كده. وبعدين جواد محترم مش هيعمل حاجة. كده والا كده صدقيني. يلا بينا أحنا بقى عند الحريم."
"وهو في بردك عريس محترم. يلا بينا يا أختي. بس عالله هو يجدر على حاله."
ذهبت، فصارت "ريحانه" معه إلى المكتب، فدخلا وأغلق الباب عليهما، ثم تساءل:
"مالك؟ في إيه؟"
تنهدت بتفكير ثم تساءلت بقلق:
"هو أنتَ فرحان عشان هتتجوزني ولا مجرد جواز والسلام؟"
فرك عنقه بحنق خفي:
"هو دا السؤال المهم؟ أيوه."
فرك مدمع عينيه بغيظ:
"تصدقي بالله مش هرد عليكِ عشان أنتِ بتخرجي الواحد بره شعورهُ. يلا اخرجِ للحريم، خليتي الست تفكر فينا شمال ع الفاضي."
نفخت بغيظ وجاءت لتذهب، فلاحظ ما أثار حنقه من جديد:
"خدي هنا، إيه دا؟"
رأت "ريحانه" الضيق بعينيه، فزمت فمها باستفسار:
"في إيه؟"
أشار بسبابته إلى شعرها الذي وقع الغطاء من عليه:
"أنتِ قصيتي شعرك؟"
شقت البسمة فمها باستحسان:
"إيه؟ عجبك شكله؟ أحلى."
قطم على شفتيه بحنق، فلم يروق له قصره:
"بعد ما كان شعرك طويل وعدى. استغفر الله العظيم. متخليش بقى الواحد يغلط. تقومى تقصيه بالشكل ده لنص ضهرك ليه يا بنتي؟ كان حد اشتكالك؟"
"ده شعري. وبعدين أنتَ متعصب عليا كده ليه؟ مش فاهمة."
"وأنتِ من امتى بتفهميني؟ وبعدين قوليلي، هو أنتِ خدتي إذني قبل ما تقصيه؟"
"لأ، وهاخد إذنك ليه؟ ده شعري أنا."
"اللي حضرتك نسيّاه إن كلك على بعضك كده بتاعتي. والخصل اللي اتقصت دي تخصني. مينفعش تغيري حاجة في شكلك من غير ما تقوليلي ونتفاهم عليها. وبعدين شعرك كان حلو، كان زي شعر الفرسة العربي. مش فاهم بوظتيه ليه!"
لمست سبب ذلك الانزعاج، فضيقت عينيها بسؤال:
"هو أنتَ كنت بتحب شعري وهو طويل؟"
"يسلام."
انحنت بوجهها للأسفل بخجل:
"مكنتش أعرف والله."
ابتلع حنقه ثم قال بجدية:
"ملوش لازمة الكلام، خلاص حصل اللي حصل. بس ياريت متعمليش حاجة زي كده تاني من غير إذني."
رفعت شفتيها تبحر بخضرتيها بخجل:
"على فكرة دي باروكة لبستها لي نسمة كـ تغيير، إنما شعري لسه طويل زي ما بتحبه، زي شعر الفرس العربي."
نزعت الباروكة وألقتها على المقعد، وتركت الحرية لشعرها البني الحريري الذي سقط على ظهرها كما تسقط الستائر على الجدران. فلمعت كالؤلؤ بعينيه الذي أشاحها بعيدًا عنها مستعينًا بذكر الله للحفاظ عليها من وساوس الشيطان:
"أعوذ بالله. يا قوي على كل قوي يا رب."
إنها الجملة أثناء خروجه من المكتب، تاركًا إياها تبتسم بخجل أشد.
***
أما بالخارج، وصل "هشام" بجلباب رمادي صعيدي ممسكًا بيده عصاه. ثم دخلا لمنتصف الساحة رافعًا عصاه يلوح بها اتجاه "جواد" الآتي إليه.
"اسمع أجدع سلام لحضرة الظابط جواد ووالد عمي الحاج رضوان رحمه الله عليه. جرب خلينا نرقصوا بالعصا جدام بعض، ده أنا جاي أحيك. ارميلوه عصا يا ولد، ودج ع الطبل يا ريس."
ألقاه "مرعى" العصا لجواد، الذي أمسكها ووقف أمام ابن عمه يتبادلان نظرات التحدي المشتعلة بالثأر. وبدأ الطبل البلدي وبدأ معه الرقص أمامهما بالعصا، التي ضربها ببعضهما عدة مرات بشراسة، حتى لصقهما ببعضهما، وكل منهما يستعين بكامل قوة ذراعيه ليسقط الآخر. وتقابلت العيون، فقال "هشام" بحنق صوتي ضعيف:
"اجمد يا عريس، ده بكرة دخلتك. شكلك كده مش هتقدر على العروسة وهتجيب راسنا الأرض. مالك مفكش حيل أكده ليه؟"
شدد من قوته جاعلًا قدم الآخر تتراجع للخلف:
"متقلقش عليا، طول عمري بطلع كسبان ورافع راسي، وبكرة بعون الله هرفع راسي قدام الكل. متشغلش بالك بيا."
زم فمه بابتسامة الحنق، وألقاه للخلف وبدأ بالرقص وضرب العصا ببعضهما، حتى تمكن "جواد" من إسقاط العصا من يد "هشام"، ثم قال بوقار:
"واجبك وصل يا ولد عمي. نورتني."
ألقاه نظرات الحقد ثم ذهب. أما هم، فظلوا يرقصون مقابل بعضهم. "فارس" و"سليم" و"جواد"، ثلاثة فوق الخيل يتبادلون الفرح.
***
بغرفة ريحانه بعد ست ساعات. بعد انتهاء ليلة الحنة، كانت تجلس على فراشها وبجوارها "نسمه" و"زهرة"، وبآخر الفراش تجلس العمة "بهيه" التي تضع لها الحنة على باطن قدميها.
"ماما، عايزاكي تحطيلي حنة في إيدي."
"و أنا يا عمتوا، حطيلي."
"حاضر من عنيا، أخلص بس ريحانه وبعدين هحطلكم. المهم دلوقتي خلينا في المهم، فهمتِ يا عروسة؟ هتعملي إيه بكرة؟"
تلونت بقرمزية الخجل الداكن:
"فهمت يا عمتو، ربنا يستر."
"يستر إيه يابنتي، أنتِ داخلة حرب. ده ليلة فرحك حاجة عادية، بلاش القلق ده."
"الحرب أهون من ابن أخوكِ ده. فضل متجوزها شهرين وممسكش حتى إيديها. بت يا ريحانه، سيبك من النصايح والكلام المحترم اللي قالتلك ماما. اسمعي مني، جواد عايز حد يقتحمه من غير ذرة كسوف. هو أصلاً قليل الأدب بجدارة، فلازم تفوقي جدارته. بصي، اعتبري نفسك في الشارع وبتتخانقي، اهجمي عليه. بصي، مرمطيه."
"أهدى إيه اللي بتقولي هول ده؟ لاء طبعاً. الليلة لازم تبقي رومانسية، فيها شموع وموسيقى هادية، كلام رومانسي، عشا خفيف، كاسين عصير، احتواء وأمان وخجل، تحسيسية إنك حاسة بالأمان معاه ومش خايفة منه، تحسيسية بحبك بكلمة بنظرة كده يعني."
"سيبك منها عشان دي بتحكيلنا ليلة فرحها مع سليم. فوقي، سليم حاجة كده كيوت محترم، جاد باين على شكله. إنما جواد باد بوي وقح، معندوش تربية، مينفعش معاه الحنة دي خالص، صدقيني. ده عايز دلع. هييجي معاه، صدقيني."
"والله كلهم كيوت وبييجوا بالحنية والرومانسية. اسمعي مني يا ريحانه، خليكِ رومانسية وسيبك من كلام نسمه. يابنتي أنتِ متعرفوش زينا، ده بينه وبين الرومانسية مصانع الحداد. ده عايز اقتحام شعبي. اسمعي مني يا ريحانة."
"ريحانه، اهدى يا حبيبتي واسترخي ومتفكريش في كلامهم. أنتِ أدرى بجواد، وأكيد هتلقي طريقة للتعامل معاه. وأعملي بالنصايح اللي قولتلك عليها، وباذن الله ليلتك هتبقي جميلة زيك. وأنتِ يا نسمه، قومي نوليني كيسين من الدروج عشان ألبسهم لرجليها عشان الحنة ماتتمسحش منها وهي نايمة."
"حاضر، ثواني."
بعد دقائق، انتهت العمة من وضع الحنة للفتيات وتركتهن ينعمن بالنوم سويًا، يتبادلون الحديث عن ليلة الزفاف التي ستجمعها بخيالها.
***
"بغرفة هشام"
بتام الثامنة صباحًا بغرفة المعيشة، يقف برفقة "معالي" التي يبدو عليها عدم الرضا، والتي أفصحت عنها بقولها:
"أنا جولت هالك كلمة يا هشام. جَلبي مش مرتاح للست غنوه، صدقني يا ولدي، صدج جلب أمك."
تغربت عيناه للجهة المعاكسة لها، غير مبالٍ لما تقول:
"بقولك إيه ياما، قلبك مرتاح ولا مش مرتاح دي حاجة ترجعلك. إنما أنا بقى قلبي مرتاح ومطمئن مية قراط. وبعدين أنتِ بتقولي الكلام ده بسبب زعلك على اللي حصل بيني وبين جواد. إنما لما تهدى كده هتروقي والقلق هيسيبك."
نفرت بحنق من كلماته الضارة لتهدئتها:
"أروح ليه؟ حد جالك عني مجنونة ولا ماشية أشد في شعري بين الخلق. والله عال. من أولها علمتك تطاول عليا، ماشي يا هشام. ورحمة أبوك في تربته ما هخرجها من راسي. الحية بتاعتك هقطعلك رأسها جريب جوي."
غادرت مجلسه بعاصفة محملة بالحنق، بينما أتت الأخرى تتساءل باستفسار:
"مال طنط بتزعق كده ليه؟"
طرد حنقه قبل النظر لها، ثم التفت لها يناظرها بابتسامة العشق العامي للعين:
"متشغليش بالك. المهم طمنيني عليكِ. ارتاحتي في النوم؟"
أومأت برضا، فخطر بباله شيئًا جعله يعقد حاجبيه باستفسار بغيض على قلبه:
"جواد قالي إنك متجوزة. الكلام ده صح؟"
ارتجفت رموشها بتضليل لربكتها التي لحقت ببحتها:
"متجوزة إيه؟ لاء، وأنتَ صدقت؟"
"لو صدقت مكنتش جيت وسألتك يا غنوه. أنا عايز أعرف الحقيقة منك من غير كدب."
حاول كسب ثقتها، فلوحت بإنكار احتوى على لوعة الكلام:
"كنت متجوزة من سنة تقريبًا من البارون، بس كان جواز على ورق عشان أداري حمْلي. وبعد كتب الكتاب طلقني. جوازنا مكملش يومين يا هشام، والبارون عندك تقدر تروح وتسأله لو مكدبني."
رفض برسمية:
"مش هسأل حد. أنا مصدقك. بس عشان نكسر كلام جواد، قررت إننا نتجوز النهارده. المأذون اللي هيكتب كتابه على ريحانه هيبقى نفس المأذون اللي هيكتب كتابي عليكِ."
ضربة الصدمة كيانها، فتبدلت ملامحها للخضة التي تزامنت من قولها:
"نتجوز النهارده؟ طب إزاي؟ مينفعش."
قطب جبهته باستفسار:
"مينفعش ليه؟ المفروض إننا بنحب بعض وجيتي هنا عشان نتجوز، فمظنش إن هيبقي فيه مشكلة لو اتجوزنا النهارده."
تلبلكت بقول:
"لاء، مقصدش. أنا قصدي يعني إني مش جاهزة. لازم أحضر نفسي لليلة زي دي، أنتَ فاهم بقى."
أدرك مخزاها، فتبسم بحرج:
"أنا مش مستعجل على حاجة يا حبيبتي. خلينا نتجوز وخذي وقتك. يوم، اتنين، أسبوع. براحتك. اللي خلاني أستحمل بُعدك عني سنتين مش هيخليني أستحمل بعدك عني وأنتِ مراتي. وبعدين أنا مش حيوان ههجم وأفترسك بالليل. أنا مستعد أستناكِ العمر كله يا غنوتي."
"هروح أنا بقى عشان ورايا كام حاجة هخلصها."
ودعها بقبلة على جبينها وغادر الحجرة. فاخرجت هاتفها فورًا واتصلت على "البارون" الذي استجاب لاتصالها:
"أهلاً يا غنوه، أخبارك إيه؟"
نفرت بحنق:
"زفت يا بارون، زفت. هشام عايز يتجوزني النهارده."
تبسم بوضاعة:
"مبروك يا حبيبتي، ده الواد واقع أوي."
"أنتَ اتجننت بقا؟ ده كل اللي همك؟ بقولك عايز يتجوزني النهارده. أنتَ ناسي إني في العدة وجوازي منه ميجوزش؟"
عارضها بجفاء:
"ما قولتلك قبل كده تسيبك من الأمور التافهة دي. وبعدين ده مجرد جواز على ورق، متحبكيهاش كده."
"كله حرام في حرام."
ارتجفت بسخرية أحاطت عينيها بالدمع:
"محبكيهاش. والله ما مصدقة اللي بسمعه. أنتَ كل يوم بتثبتلي إني كنت عايشة مع واحد معرفهوش. بس على رأيك، ما كله حرام في حرام، جأت على جوازي يعني. سلام يا بارون، عشان ألحق أجهز نفسي للعريس."
أغلقت الهاتف وألقت به أرضًا، ثم جلست على الأريكة تلهث أنفاسها المختنقة بحزن هش هش كيانها.
***
"بمندرة دار رضوان الهلالي"
"مالك يا سليم؟"
نظر "سليم" بعين متشتتة برهبة لا يدرك مخزاها، يقول بجهل لزوجته:
"مش عارف مالي. أول ما جيت أنام بدأت أشوف حاجات غريبة وبسمع أصوات صريخ وزعيق وست بتعيط."
ناولها الخوف من تلك الرؤية البغيضة، فاحتوتها بصدرها ثم ربتت على ظهره بأمان قائلة:
"ده أكيد كابوس عشان غيرنا مكانه و نمنا على سرير غير السرير بتاعنا."
"لأ، ده مش كابوس. أنا كنت بين النوم والوعي، حاسس إن الحاجات دي عشت فيها. الوشوش مشوشة وصوت ضرب نار وصريخ ست بكسرة شرخت قلبي. والغريب إني صحيت ورجعت نمت تاني، شوفت نفس الحاجة يا زهرة. بس مش قادر أحدد شكلهم. اللي شوفته عامل زي فيلم مشوش، الوشوش مش باينها."
"اهدأ يا سليم، متشغلش بالك. أنتَ أكيد شوفت كابوس وسمعت فيه صوت ضرب النار عشان الحنة كان فيها ضرب نار كتير والزغاريد، يمكن قلبت لصريخ. أنتَ أكيد تعبان من السفر والوقفة امبارح في الحنة."
نظر لها بعين تزداد قلقًا أخفاه خلف صوته الجاد:
"ياريت يا زهرة، ياريت يكون مجرد كابوس."
أتت إليهم "بهيه" تتساءل باستفسار:
"جر إيه يا ولاد؟ مش هتيجوا عشان تلحقوا تفطروا قبل ما الناس ما تبدأ تيجي؟"
ابتسمت "زهرة" بقول:
"حاضر يا عمتوا، بس كنت بشوف سليم."
رأت القلق ينتابه، فتسألت:
"مالك يا سليم؟ شكلك بيقول إنك مضايق أو قلقان. في حاجة ضايقتك؟"
نفى بحركة رأسه تزامناً مع قوله:
"مش عارف مالي. أول ما جيت أنام بدأت أشوف حاجات غريبة وبسمع أصوات صريخ وزعيق وست بتعيط. حاجات غريبة حصلتلي كأني بشوف فيلم مشوش. طول الليل فضلت الأصوات والعياط والصريخ وضرب النار بياكله في دماغي. أول مرة يحصلي كده."
قشعر بدنها بخوف تسبب برجف تضليل لحركة عينيها التي باتت غير مستقرة، ثم تحدثت بربكة:
"ده أكيد كابوس. متشغلش بالك. أنتَ تلقيك حلمت بكده عشان غيرت مكان نومتك؟"
رآه الخوف ينتابها، فتسأل بعين ضيقها بشك:
"طب أنا اللي شوفت الكابوس، أنتِ بقى مالك خوفتِ كده ليه؟ هو أنتِ مخبية عني حاجة؟ لو فيه حاجة معرفهاش، قوليلي."
بلعت لعابها بقلق حاولت إخفاءه بابتسامة مصطنعة:
"حاجة إيه بس يابني، أنا قلقت عشان حسيت الكابوس مخيف شوية. المهم يلا، أنا هدخل عشان أكمل التجهيزات وأنتُ لحقوني عشان تاكلوا."
التفت للجهة المعاكسة لتغادرهما بعين ارتجفت بدموع جعلتها تتمتم بداخلها:
"لأ يارب، متعدش الزمان تاني. أبعد الدم عن عرفهم، بلاش يشيلوا نتيجة حاجة مكنش ليهم علاقة. بلاش الدم يبقى نهاية حد منهم. متوجعش قلبنا على حد فيهم."
أسرار نهر الدم تبحر بكيانها عبر السنين، تخبئها بين شرايينها خوفًا من المستقبل الذي رسمه الماضي المجهول.
***
"بـحجرة فارس"
يعاتب "مرعى" باستياء:
"يعني إيه يا مرعى؟ مش هتعمل اللي اتفقنا عليه؟ هو كلام عيال؟"
"لأ، مش كلام عيال. بس أنا من الأول قولتلك إني مش هقدر ألعب اللعبة بتاعتك. أنا منفعتش أقرب من الست نسمه. وبعدين إحنا رجعنا الصعيد ورجعت شغلي في القسم ومش هتشفوني كتير. ده غير إني همشي من هنا أول ما شغلي ما يخلص."
فرك عنقه باستياء:
"يعني بعد ما اتفقنا ورتبت كل حاجة، جاي تقولي الكلام ده؟ أعمل أنا إيه دلوقتي؟"
"متعملش. ممكن تتقرب أنتَ منها، وبعدين أنتَ مهما كان ابن خالها، ومتعلم عنها وهتقدر تتكلم معاها وتوعيها. إنما أنا مش هعرف خالص. سامحني يا فارس بيه. عن إذنك."
هاجر "مرعى" الحجرة، فجلس الآخر على المقعد يرجف قدماه باستياء، فقد تغير كل ما خطط له. ثم قال لحاله:
"شكلك كده هتبقى بطل روايتك يا فارس."
قرر خوض التجربة كتابة وتمثيل، لكنه لم يكن يدرك أنه يقدم على خطوة ستكون الهلاك لقلبه وقلب أحدهم.
***
"بمطبخ الدوار الساعة العاشرة"
تقف الخالة "نعمات" برفقة "ريحانه" وأمامها الكثير من الطيور المدبوحة والخضروات.
"خير يا خالة؟ عمتوا بهيه قالتلي إنك عايزاني."
"خير يا جلب الخالة. بجولك إيه بجى، أحنا لينا تقاليد في العائلة وكل عروسة جديدة لازمن تعملها."
نابها القلق، فقد تساءلت:
"خير، تحت أمرك."
"ميا مرش عليك عدو. أحنا عوايدنا إن العروسة هي اللي بتطبخ عشا فراحها. دي عوايد عائلة الهلالي. شايفة بجى الطيور المدبوحة دي، عايزاكِ تنضفيها من الريش وتمرشيها تخليها زي القشطة وتطبخيها. والخضار تساويه والرز يبجى معمر."
نظرت بذهول إلى هذا الكم من الطعام وقالت:
"أعمل كل ده لوحدي يا خاله؟"
"كل ده إيه؟ دول يدوبك دكرين بط وعشر تجواز حمام وربع فرخات بلدي ودكر وز. وهتعملي طاجن باميه باللحمة الضاني وطاجن كعك وطاجن رز معمر وحلة بطاطس بالتخديعه وكشك لزوم البط وصنية كوسه باللحمة المفرومة. بس يا ضنايه فين بجى الكتر؟"
"هو كل الأكل ده ليا أنا وجواد؟ ده كتير أوي، ده إحنا على كده هنقعد ناكل فيه شهر يا خاله."
غمزتها بساعدها بابتسامة:
"شهر إيه ده، يدوب يرم عضم جوزك النهارده."
"يرم عضم جوزها النهارده؟ ده يرمم عضم البلد كلها يا خاله!"
هكذا هتف حينما دخلا إليهما بجلابيبه البلدي. فقالت الخالة:
"عيني عليك باردة يا ولدي."
وقف بجوارها يعاتبها جواد باستفسار:
"بتعملي فيها إيه يا خالة نعمات؟ همليها تروح ترتاح. أنتِ ناسيه إن النهارده دخلتنا."
زَمَت الأخرى بفمها بعتاب رسمي:
"بجولك إيه يا جواد، دي عوايد عائلتنا وملكش صالح واصل. يلا وريني عرض كتافك وروح جهز لليلتك ومتخافش يا حنين عليها مش هتنجص حتة. يلا يا عروسة، ورينا شطارتك."
"عوايد إيه يا خالة؟ ريحانة مش هتقدر، هتتعب. أنتِ مش شايفة إنها تعبانة كاف، باين عليها منامتش من الأساس. كمان هنجففها تطبخ."
"وااه مالكم؟ هي دي أول عروسة في العائلة تعمل أكده؟ مالكم جلقين أكده؟ جولُه بجى إنها موكوسة ومبتعرفش تطبخ."
فزعت "ريحانه" قائلة بتصحيح:
"أنا شاطرة أوي في المطبخ ومعرفيش حاجة الحمد لله إلا وبعرف أعملها يا خاله."
رفعت حاجبيها بجدية:
"يبجى تورينا شطارتك يا عروسة الغالي، والوكل يبجى جاهز قبل العصر عشان تلحق البنات تجهزك للفرح."
"ماشي. ممكن بقي تخرجوا عشان أبدأ."
سألتها "بهيه" بقلق:
"أنتِ متأكدة إنك هتقدري؟ قولي متخفيش."
"إن شاء الله هقدر يا عمتوا، متقلقيش عليا."
"إن شاء الله يا حبيبتي، ربنا يقويكي. يلا بينا يا خالة، خليها تلحق تخلص."
أومأت "نعمات" وذهبت برفقة "بهيه"، بينما تقرب منها "جواد" يتساءل بتأكيد:
"لو مش هتقدري قوليلي، متخفيش ومش هخليكِ تعملي أي حاجة."
"هقدر، متشغلش بالك."
نظر إلى هذا الكم من الطيور والخضروات، فهز رأسه برفض جاد:
"لأ، مش هسيبك تعملي الحاجات دي. ده أنتِ على ما تعمليهم مش هيبقي فيكِ نفس تتحركي. يلا اطلعي الأوضة ارتاحي، وأنا هتصرف معا الخالة."
شعرت بالراحة تنتابها أثار خوفه عليها، فاقتربت خطوة إليه، فـتراجع خطوتين للوراء ليعطي مسافة فارقة بينه وبينها تحجبهما عن التلامس. فـتوقفت تقول بهدوء:
"متقلقش عليا، أنا ياما عملت وتعبت واشتغلت في بيت أبويا على إيد مرات أبويا. تفتكر إني مش هقدر أتعب عشان ليلة زي دي؟ على الأقل تعبها هيروح مني لما أكتب على اسمك وتاخدني في حضنك، كل التعب هيروح بحضن منك يا جواد."
بنيران الهوى طافت نبضاته تحلق بأفق سماوية، تعزز عزتها بقلبه المطل على استحسانها. فحاول طرد الشيطان الذي يغويه لضمها الآن:
"استغفر الله. خلاص خليكِ على راحتك. هخرج أنا بقى عشان أكمل ترتيب للدخلة. بس قبل ما أمشي عندي كام حاجة عايز أقولهالك."
"قول."
"عايزك متخفيش ومتشغليش بالك بالتفكير في ليلة الدخلة. أنا مش حيوان وإلا هجبرك على حاجة. لازم تبقي عارفة كويس إن مفيش حد هيبقي حنين عليكِ زيي ولا هيخاف عليكِ قدي. فبلاش تشغلي بالك بالتفكير في حاجة. سبيها على الله وثقي فيا."
أومأت بابتسامة اطمئنان، فغادر برسمية وتركها تخوض معركتها مع تلك الأغراض.
***
"بالمندرة بعد ساعة"
تسألت "نسمه" باستفسار:
"خير يا جواد؟ ماما قالتلي إنك عايز تشوفني أنا وزهرة."
"في حاجة يا أبيه؟"
عقد حاجبيه باستفسار:
"أبيه؟"
تحمحت بحرج:
"أسفه لو الكلمة ضيقتك، بس أنا قولت أقولك يا أبيه لأنك حاليًا في مقام أخويا الكبير وفرق السن اللي بينا حوالي عشر سنين، فمن الاحترام إني أقولك يا أبيه خصوصًا إنك في مقام الأخ الكبير لفارس، جوزي."
استحسن كلماتها، فأبدى إعجابه بوقار:
"عاش سليم، عرف يختار بنت ناس متربية. ماشي يا زهرة، قوليلي أبيه. أنتِ بردك بقيتي في مقام أختي الصغيرة."
قاطعتهما "نسمه" باستفسار:
"ممكن نعرف طلبتنا ليه؟ أوعى تكون زعلت البت الغلبانة، حرام عليك بجد، هي مبتلحقش تفرح."
"مزعلتش حد. كل الحكاية إنها بتعمل عشا الدخلة لوحدها لأن دي عوايدنا وأنا مش حابب إنها تعمل كل الأكل لوحدها عشان هتتعب. فقولت أبعتلكم تدخلوا تسعدوها بس من غير ما الخالة نعمات تشوفكم."
"مين الخالة نعمات؟ وليه يعني متشوفناش؟"
"عمت أبويا وأكبر ست في العائلة، واحترامها واجب علينا. ومينفعش نقولها عشان من عوايد العائلة إن العروسة تطبخ عشا الفرح بنفسها. والخالة جأت مخصوص من بدري عشان تخلي ريحانة تعمل الأكل."
أومأت "نسمه" بفهم، فقالت:
"كده فهمت. تمام، متشغلش بالك. هنحل الموضوع من غير ما تاخد بالها. يلا بينا يا زهرة."
ذهبت بحذر خوفًا من أن تراهما الخالة، حتى دخلتا إلى المطبخ ليجدا "ريحانه" تقف أمام حوض المياه بعدما انتهت من تنظيف ريش الطيور وتغسل أنسجتهم تحت المياه الفاترة. فوقفتا بجوارها تساندها، فقالت "ريحانه" باعتراض:
"بتعملوا إيه؟ ابعده، أنا هعمل لوحدي."
عارضتها "زهرة" بابتسامة وهي تتناول الحمام لتهتم بغسله:
"متبقيش عبيطة، أحنا أخوات. وبعدين تعملي إيه لوحدك؟ أنتِ مش شايفة الحاجات ماشاء الله كتير أزاي."
ساندتها "نسمه" بذات البسمة بعدما أخذت البط لتكمل غسيله:
"زي ما سمعتي كده، الحاجة كتيرة عليكي لوحدك، لازم نساعدك يا عروسة."
شعرت بدافع الأخوة الذي عاشت طول سنين تتمنى أن تشعر به، فابتسمت لهما قائلة:
"متحرمش منكم ربنا يخليكم ليا."
"ويخليكِ يا لولو. قوللي بقى هنعمل أكل إيه؟"
"طاجن عكاوي وطاجن باميه باللحمة الضاني وطاجن رز معمر وبطاطس وصنية كوسه باللحمة، والبط والوز وحمام بالفريك والبط، وكشك."
"هو جواد قاطع مياه ونور خالص كده، فبتعملوله عامرة؟"
"عندها حق، بصراحة كمية الأكل رهيبة وكلها مقويات."
خفضت عينيها بخجل:
"أعمل إيه طيب؟ مش الخالة هي اللي طلبت الأكل."
"قوليلي يا زهرة، هو سليم اتعشى إيه يوم فرحكم؟"
"كل رقاق باللحمة وشوية سلطة وافتكر حتت بانيه، بس كده."
"شايفه العريس الرايق، كل جلاش وحتت بانيه وشوية سلطة يا عين أمه. وتلقيه عمل زلزال عشرة رختر في العمارة."
انفجرت الفتاتان من الضحك، فاكملت الأخرى قولها:
"أدي دقني أهي، إن مكان جواد بعد كل الأكل ده قدر حتى إنه يبص في وشك، ده هياكل من هنا والأكل هيطبق على نفسه وينام. خلي بقى الخالة نعمات ترتاح."
لوت "زهرة" فمها بابتسامة:
"أنتِ مشكلة والله يا نسمه. بقولك إيه، خلينا نركز في الأكل ومليش دعوة عليه، خلي ليلة فرحهم تتم على خير."
ظلت الفتيات تتبادل الحديث حتى انتهوا من طهي الطعام بالكامل دون أن تراهن الخالة.
***
"بديوان الأعراس الخاص بعائلة الهلالي"
يجلس "جواد" بدلته السوداء المنمقة بجوار شيخ البلد ويحاوطه المعازيم من كبار أهل البلد والمشايخ، يسمعون أصوات الدق والطبل القادمة من الركن الخاص العروس.
"مبروك يا جواد يا ولدي، أبوك الحاج رضوان لو كان لساته عايش كان زمان الفرحة مش سايعاه."
"يبارك فيك يا شيخنا. بجول إيه بجى، مش نكتبه الكتاب؟"
"على جولك. نكتبه فين بجى وكيل العروسة؟"
"وكيلها موجود يا شيخ البلد."
"أنا."
التفتت الأعين إلى المتحدث، فسودت خضرتيه بغضب غمم فرحته وهو يرى "البارون" يدخل مجلسهم دون حياء، وتعلو البسمة وجهه البغيض. فنهضوا يقابله بصوت جاف كجفاء الأرض القحطة:
"خير."
وقفا أمامه بمكر:
"أهلاً يا عريس، منورين يا رجاله. كويس إني متأخرتش وجأت في الوقت المناسب عشان أبقى وكيل العروسة."
"العمده وكيل العروسة."
"طب هو ينفع بردو يبقي العمده وكيلها وابن عمها الكبير موجود؟"
بدأت الهمسات من حولهم وعمت الصدمة على وجوه الجميع، فزادت بسمة الآخر بثقة نافذة مكملاً حديثها دون تردد برسمية بحتة تعلن عن ثقته بما ينوي عليه:
"طبعاً كلكم عرفني كويس، بارون الغنيمي. بس اللي متعرفوهوش إني أبقى ابن عم العروسة، ريحانه الغنيمي. بنت عمي حسن اللي معروف بينكم باسم القص."
ثم تقدم إلى "جواد" متبسمًا بقول ضئيل الصوت:
"اللي بيني وبينك نهر من الدم بيجري في عروق عروستك بنت عمي يا حضرة الظابط."
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الثلاثون 30 - بقلم لادو غنيم
ريحانه الغنيمى”بنت عمى حسن اللي معروف بينكُم بأسم القص”
ثمَ تقدم إلي “جواد” متبسماً بقولاً ضئيل الصوت:
اللي بينى و بينك نهر من الدم بيجري في عروق عروستك بنت عمى يا حضرة الظابط
ـــــــــــــــــــــــــــ