تحميل رواية «هوى الزيات» PDF
بقلم سارة الحلفاوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جالسٌ في سيارته، عيناه لا تكاد تنزاح عن تلك التي تسير أمامه تعبر الطريق بمفردها بقَدها الأنثوي وخصلاتها بلون حبات القهوة تتمايل يمينًا ويسارًا بعد أن عُقِصت بعنفٍ على هيئة ذيل حصان، الأدرينالين بجسده يرتفع بعنفٍ متأهبًا لمساعدتها. ف عيناه راكضة بينها وبين تلك السيارات التي تأتي مهرولةً غافلين عن أن محبوبته تمر الطريق. قلبه متعلق بفتنة عيناها، أطلق زفيرًا مرتاحًا عندما مرت ودلفت إلى شركة تعمل بها، عندما اختفت عن أنظاره. أطلق نفسًا عميقًا ثم عاد برأسه لمقعده وأنامله تطرق برتابة فوق مقود سيارته الف...
رواية هوى الزيات الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة الحلفاوي
إنتِ طالق يا نور!
شهقت وابتعدت وجُنّت، وكادت أن تسقط أرضًا من صدمتها. تأخذ أنفاسها بلهث، وكأنها كانت تركض بلا هوادة. تتساقط دمعاتها تباعًا، وقلبها يخفق بعنف. تنظر له بلا تصديق، لا تصدق أن اليد التي كانت تربت عليها هي من دفعتها بالأمس. لا تصدق أن اللسان الذي كان يطيب جروحها بات يخدش جراحها، فيجعلها تنزف بغزارة. لا تصدق أن العيون التي كانت تناظرها بهيام، يتشكل بها الجمود الآن. كيف أن يتحول منتهى الحب إلى منتهى الكره؟ كيف للحنان الذي كان يغمرها يتحول إلى قسوة تحطم روحها؟
رفعت كفيها تعيد خصلاتها للخلف. وسطت أرضًا بالفعل، ضد الحائط تميل للأمام، لا تستطيع أخذ أنفاسها بشكل صحيح. وبدلًا من أن يركض عليها ويحتويها بين ذراعيه كما كان يفعل، خرج وتركها وحيدة بالغرفة، وبالجناح بأكمله.
نهضت ولم تشعر بنفسها سوى وهي تركل بقدميها وتضرب بقبضتيها كل ما وصلت إليه يداها من خزانات وحائط، حتى ازرقت مفاصل كفها. تتأوه وتصرخ وتبكي وتسب وتجن وتنهار وتصمت، وتركض كالتائه الذي ضاعت منه وجهته إلى الأبد.
جلست أرضًا بعد نصف ساعة من الانهيار التام. وجهها قد احمر من شدة الجهد الذي بذلته، وحرارة رهيبة تنبعث من كامل جسدها، وكأنها تحترق احتراقًا لا مثيل له. قلبها به نار متقدة لا تنطفئ. بكت بألم، تحاوط وجهها بكفيها، حتى سمعت صوت باب الغرفة يفتح. لا تريد أن تنظر له، لا تريد أن تريه ضعفها. عن أي ضعف تواريه؟ فهو رآها وهي تنهار أمام عيناه، ولم ترمش أهدابه. والغرفة المحطمة تلك شهدت لحظات ضعفها التي تخزي.
سمعت صوته الذي بات يسلخ جسدها رغم بروده:
"المأذون جه تحت! اغسلي وشك وانزلي!"
ثم خرج وتركها. رفعت رأسها لمكان وقوفه الذي تركه، فبات فارغًا كفراغ قلبه. ثم ابتسمت ساخرة ومسحت دمعاتها، ناهضة. تتجه للمرحاض، تقف أمام مرآته وتتأمل وجهها الذي بهت بشكل غريب. نثرت المياه فوقه لتغسله بعنف حتى احمر أكثر. ثم خرجت تدلف لغرفة تبديل الملابس التي لم تطولها يدها. ثم تزينت. تضع أحمر شفاه بلون صارخ. تضع القليل من ذلك المسحوق الذي يكثف ويطول أهدابها. ثم تضع ما تخفي به تلك الدوائر التي تحاوط عيناها، تنم عن إرهاقها الجسدي. وصففت خصلاتها، تلملمها بشكل مهندم.
خرجت من الجناح رافعة رأسها، تسير بخطى واثقة لم تنبع سوى من بقايا أنثى تحطمت على يد من عشقت. وجدته بالفعل يجلس جوار المأذون، وجواره اثنان من الشهود كانا غالبًا حراسه. نزلت وسارت تدنو منهم. نظر لها، والضيق اعتلى ملامحه عندما سارت عيناه على شفتيها اللتين حددت بدقة بلون قاتم. أغمض عينيه يحاول التحكم في أعصابه، ولكن لم يستطع. خصيصًا عندما هتفت بابتسامة هادئة:
"أنا جاهزة للطلاق يا شيخنا!"
نهض على قدميه بحدة، وفي ثوانٍ كان يجذبها من ذراعها، يجُرّها جرًا إلى غرفة كانت بالأسفل. حاولت إبعاد كفه عن ذراعها، تصرخ به بحدة:
"بتلمسني بُناءً عن إيه؟!!! ابعد إيدك!!!"
دفعها للحائط فتأوهت بألم من ظهرها الذي آلمها. لم يأبه لها، وقبض على فكها يصرخ بحدة في وجهها، وعيناه مثبتة على شفتيها:
"روج الرقاصات اللي انتِ حاطاه ده يتشال، بدل ما قسمًا بالله ما هيفرق معايا طلاق ولا زفت وهشيلهولك أنا بشفايفي!!"
شهقت بصدمة من طريقته الفجة معها. لم يترك لها مجال تدارك الأمر، ليسحب منديلًا وراء الآخر، وأخذ يزيل بعنف شديد أحمر الشفاه ذاك من فوق شفتيها وسط تذمراتها واعتراضها عما يفعل. ضربت كتفيه بقبضتيها عندما انتهى مما يفعل، تهدر بعنف:
"ملكش حق تعمل اللي بتعمله ده دلوقتي!!! انت ناسي إنك طلقتني! يعني خلاص اللي أنا عايزه أعمله!!"
غرز أظافره بذراعيها يقول بقسوة:
"أنا ليا كل الحق أعمل اللي أنا عايزه فيكِ!!!"
صرخت بوجهه بقهر:
"لاء ملكش!!! من أول ما رميت الكلمة دي في وشي وانت حقوقك كلها راحت!!"
ثم أبعدت كفيه عن ذراعها تقول بجمود:
"وحتى مسكتك لدراعي دي ملكش الحق فيها.. ويلا عشان المأذون مش فاضيلنا!!!"
ثم ذهبت من أمامه تاركة إياه يضرب الحائط بكفه. خرج خلفها بعد قليل، فوجدها جالسة وعلى أهبة الاستعداد. للحظة انقبض قلبه من قرار سيتخذه ولا رجعة فيه. قرار مصيري سيجعلها لا تشاركه حياته.. غرفته.. نومه وأحضانه. يعود وتذكره نفسه بما فعلت، فكان وسواس النفس على قلبه أكثر تأثيرًا من شيطان جُنِّب يصفق لنفس أثبتت سوءها بجدارة.
جلس وأعطى للمأذون بطاقته، وفعلت هي المثل، ليبدأ الأخير في إجراءات الطلاق. كانت شاردة في اللاشيء. توقّع على ورقة الطلاق بدم قد اختفى من كامل جسدها، وفعل هو المثل، وقد عُمت بصيرته عن أعقاب ذاك القرار.
خطت على الورقة نهاية زواجها ونهاية حياتها أيضًا. كيف خطى على قلبها بتلك القسوة؟ وكيف له أن يراها تموت أمامه.. تلفظ أنفاسها الأخيرة ولم يحاول حتى مساعدتها؟ سمى القلب قلبًا لأنه يتقلب، ولكن كيف تقلب بذلك الجبروت؟
ظلت جالسة تشاهده وهو يقلهم إلى باب الفيلا. تراقبُه بأعين امتلأت سخرية.. سخرية مريرة مرت بحلقها. نهضت، وأخذت خطوات قوية إلى غرفتهما.. التي كانت غرفتهما والآن هي غرفته وحده، وستغادرها وإن كلفها الأمر قلبها. أخذت هاتفها الصغير الذي كانت تملكه قبل أن يبتاع هو هاتفًا آخر بمبلغ فلكي. أخذت مفاتيح شقة أمها، ثم ارتدت نفس الكنزة التي أتت بها هنا وذات البنطال. لملمت خصلاتها إلى ذيل حصان مرتفع، وأعادت وضع أحمر شفاه خفيف تلك المرة يناسب المنطقة الشعبية التي ستعود إليها.
ثم ترجلت من فوق الدرج تنظر إليه وهو جالس عائدًا برأسه للخلف، مغمضًا عينيه وذراعيه فردًا جواره. وقفت أمامه تقول بجمود قد تعلمته منه:
"أنا ماشية، سايبالك اللبس اللي كنت جايبهولي فوق.. والتليفون بردو، والفيزا جنب التليفون، سلام!"
اتخذت خطوات مبتعدة عنه، لكن قوله الجهوري أوقفها:
"إسـتــنــي!!!"
التفتت له فوجدته ينهض بطوله الفارع واقفًا أمامها، يردف بهدوء:
"اقعدي هنا.. متروحيش بيت أمك!"
ثم تابع رغم محياها المندهشة بصوت حاول أن يبقيه ثابتًا:
"مش هآمن عليكِ هناك.. ومدام الشرع محلل إنك تقعدي معايا مافيهاش مشكلة، ومتخافيش.. مش هقربلك!!"
تعالت ضحكاتها من فرط ألمها، تميل للأمام من شدة ضحكاتها تقول وسط قهقهاتها:
"مش قادرة.. بجد!!"
ثم تابعت بحدة ووجه جامد يختلف كليًا عن ضحكاتها السابقة:
"وانت بصفتك إيه نآمن ولا متآمنش!!! وأنا أقعد معاك بعد ده كله إزاي!!!"
ثم صرخت بوجهه مقتربة منه بعنف:
"مـ تــــرد عـــلــيــا!!!"
رفعت سبابته تنغزها بصدره هادرة بقوة:
"ده أنا لو هقعد على الإرصفة، وهاكل من مقالب زبالة.. عمري ما هقعد معاك تاني!!! سامع؟!!!"
"إمشي يا نور!!!"
قالها بكل هدوء، هدوء أشعل قلبها، فـ أبعدت إصبعها عنه، وتركته مغادرة صافعة الباب خلفها. أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا يأمر فيه السائق أن يقلها إلى منزل والدتها، فقال له:
"توصل الهانم لبيت والدتها.. هي هوصفلك المكان، وخليني معاك على التليفون وانت بتقولها!!"
"تمام يا بيه!!"
ثم نادى السائق بتهذيب:
"يا هانم.. اتفضلي هوصلك!!"
نظرت له نور بازدراء قائلة بضيق:
"متشكرة مش عايزة!!!"
هتف فريد بحدة:
"قولها فريد بيه بيقولك اركبي!!!"
فعل السائق مثلما قال، فاشتعلت غضبًا قائلة بحدة:
"أنا قولت لاء.. مش عايزة من اللي مشغلك حاجة!!"
ثم ذهبت، فـ قال السائق بتوجس:
"حضرتك سمعتها يا بيه؟"
لم يجبه فريد، أغلق الهاتف معه، ثم ضرب هاتفه الأرض، ولولا أنه لن ينكسر لكان سقط أشلاء. لم يكتفِ بهاتفه فقط.. بل حطم كل ما قابله وكل ما كان أمامه، يصرخ ويزأر كالأسد من شدة الألم الذي شعر به في قلبه. يشعر بغصة غريبة ولم ينفعه غروره في شيء. فورما ابتعدت عنه شعر وكأنها قد أخذت معها ذلك الأكسجين الذي يدلف لرئتيه. أخذت معه روحه وسلبتُه قلبه وشتتت عقله. بالكاد يأخذ أنفاسه.. الآن فقط شعر بها وهي لا تستطيع التنفس. الآن فقط شعر كيف لشخص أن يكون بمثل هذا القدر من الأهمية فتشعر بتضاؤلك أمام رحيله وأنك كالصغير الذي لا يستطيع إدارة أمره وحده. رغم كونه بمنتصف الثلاثينات ورغم عمله الذي ليس بيسير ورغم خبرته بالحياة، إلا أنه يشعر بأنه لا شيء فور ذهابها. كيف توصل به الأمر أن يبعدها بإرادته عنها؟ كيف استطاع دفعها بعيدًا عنه بتلك الطريقة؟ كيف طلقها؟
أغمض عينيه لا يستطيع التنفس، يميل للأمام واضعًا كفه على قلبه، يشعر بأنه سيتوقف، يتمتم من بين أنفاسه المبعثرة وأوهاته التي تصدر منه للمرة الأولى:
"نور.. نور!!!!"
• • • • • •
سارت على قدميها التي بالكاد تستطيع أن تخطو عليها، ضالة ولا تعلم كيف تذهب، من أين الوجهة؟ لطالما كان بوصلتها.. والآن تشعر بأنها قد ضاعت. انسابت دموعها وهي تتذكر مشهد طلاقهما.. تتذكره وهو يمضي بذلك الجمود.. كيف لم ترتعش أنامله مثلها؟ كيف لم يبلل شفتيه وينظف حلقه وهو يمضي على وثيقة انتهاء حياتهما معًا؟
وقفت تلتقط أنفاسها التي اختنقت من ذكرى ذلك المشهد. تنظر حولها فوجدت نفسها على الطريق، ولكن لا توجد سيارة أجرة واحدة أمامها. ظلت واقفة ما يقارب الساعة حتى أرهقت، وقبل أن تقرر تكملة ذهابها، وقفت أمامها سيارة قد شبهت عليها.. تشعر أنها مألوفة بالنسبة لها. لتترجل منها فتاة المئزر الجلدي، تلك التي حوتها بسبارتها عندما خطفها زوج أمها.. دنيا!!!
شهقت نور من القدر الذي جمعهما مرة أخرى، فابتسمت نور تقول بمداعبة:
"ده أنا لو سوبر دنيا مش هبقى موجودة عشانك كل مرة كدا!!"
طألتها نور بابتسامة وهتفت بهدوء:
"والله أنا مش عارفة أقولك إيه.. بتيجي في اللحظات اللي ببقى مش عارفة أعمل فيها إيه حقيقي!!"
قالت دنيا بلطف:
"طب يلا اركبي نروح نقعد في حتة وارجعك تاني!!"
تنهدت نور وصعدت معها، فسارت بها دنيا تقول بعفوية قتلت الأخرى:
"أومال جوزك فين؟ سايبك تنزلي بليل كدا إزاي؟"
قطبت حاجبيها تؤذيها حتى سيرته، فقالت بضيق ظهر على محياها:
"مش عايزة أتكلم عليه خالص!!"
صمتت دنيا تحترم رغبتها رغم استغرابها، فهو كان يبدو عاشقًا متيمًا لها.. ماذا حدث؟ سارت دنيا إلى مطعم محبب إلى قلبها، ثم صفّت سيارتها، وقال بحماس ملتفتة إلى نور:
"هتاكلي أحلى أكلة كباب كلتيها في حياتك!!!"
"بس أنا ماليش نفس!!!"
قالتها نور وهي تشعر بجمر في معدتها.. كيف تزيد النار نارًا؟ قالت دنيا بحدة:
"إنسي الكلام ده، انت نفسك هتتفتح أول ما تشوفي الأكل أصلًا!!!"
لم تجادلها نور وترجبت من السيارة. تسير معها داخل ذلك المطعم. كان الندلاء يعلمون بالفعل دنيا، فـ أخذوا لها الطاولة التي أرادتها. جلسا أمام بعضهما البعض، شاردة الذهن تنظر أمامها في نقطة فارغة. تنهدت دنيا بعطف عليها، فـ قال بحنان:
"نور.. انتِ كويسة؟"
نظرت لها نور والدمعات أخذت تتجمع في عيناها، تشير برأسها لها بلا، ثم تنهار في البكاء الخفيف، فـ تسر دنيا تربت على كفها تشاركها حزنها قائلة لها برفق:
"حبيبتي.. اهدي ومتعيطيش، قوليلي إيه اللي مزعلك كدا؟"
قالت بقهر ظهر في صوتها:
"أنا مش عارفة أنا عملت إيه عشان يعمل معايا كل ده!! إزاي هونت عليه أوي كدا؟"
"طب احكيلي!!"
قالتها دنيا بلطف جعل نور تقص على مسامعها كل شيء. فـ تنهدت دنيا تقول بهدوء:
"هو آه اللي عملتيه مكانش صح، بس أنا كنت مستنية منه وانتِ بتحكيلي إنه يحتوي الموقف أكتر خصوصًا إنك بتقولي إن مامتك كانت لسه متوفية الله يرحمها، هو يمكن يكون كبر الموضوع شوية.. بس أنا متأكدة إنه لما يهدى ويعقلها هيجيلك ويتأسفلك، كان واضح أوي عليه يا نور لما شوفته إنه مش بس بيحبك ده بيموت فيكِ، وكان خايف عليكِ جدًا يومها، أنا متأكدة إن الشخصية دي متقدرش تعيش من غيرك!!!"
قالت نور بانفعال مشددة على أسنانها:
"مين قالك لو جه أنا هسامحه؟ عمري ما هسامحه على الإحساس اللي حسسهولي ولا على قهرة قلبي!!"
تنهدت دنيا تربت على كفها وصمتت، ثم قالت مغيرة مجرى الموضوع:
"أنا بقى يا ستي متجوزة وجوزي مسافر!! بيسافر وبينزل كل 4 شهور شهر!!!"
مسحت الأخيرة دمعاتها وقالت بهدوء:
"كويس.. مش بيغيب يعني!!"
ابتسمت دنيا تقول بنبرة ممازحة:
"كدا مش بيغيب.. ده بيوحشني أوي أصلًا!"
"مسافرتيش معاه ليه؟"
سألتها نور باستفسار، فقالت بعد تنهيدة:
"مينفعش.. هو لسه مش مستقر بيتنقل من مكان لمكان ومش عايز يبهدلني معاه!!!"
صمتت نور ولم تعقب، فأتت صينية الطعام، وبدأت دنيا تأكل بشراهة على عكس نور التي نظرت للطعام ولم تلمسه. فقالت الأخيرة بضيق:
"كُلي يا نور!! والله لو ما كلتي أنا كمان مش هاكل وأنا ميتة من الجوع أصلًا!"
"طيب!!"
• • • • • •
"اعملي حسابك يا ست نور إني هطب عليكِ بكرة الصبح عشان نفطر مع بعض وهقضي معاكِ اليوم كمان وهقرفك شوية!!!"
قالت دنيا مبتسمة، فـ أسرعت الأخيرة تقول بترحاب:
"ده أكيد.. بدل ما نقعد لوحدنا ونتجنن!! هستناكِ متتأخريش!!"
ثم غادرت تشير له بكفها، فـ غادرت دنيا بسيارتها، ودلفت نور إلى تلك الحارة ثم إلى بيت والدتها. فتحته ودلفت تغلق الباب خلفها. ألقت جسدها فوق إحدى الأرائك بتعب، شاردة في نومتها الأولى بدونه، بدون أحضانه، بدون أنفاسه التي لطالما كانت قريبة من رئتيها. شاردة في حالها الجديد.. شاردة في هوانها عليه. أغمضت عيناها لكي لا تمطر، ثم غفت تُصمت تلك الأصوات التي بداخل ذهنها!!
استفاقت على طرقات فوق الباب أفزعتها، وجعلتها تنهض مسرعة تقول بصوتها الناعس:
"حاضر يا دنيا!!"
فتحت الباب تفرك بعينيها بنعاس شديد ورفعتهما، فـ توسعت عيناها عندما وجدته هو، يقف أمامها بطوله الفارع وتلك الهالة التي تحيطه، يُهزم حصونها ويدمرها مرة أخرى، فـ تحاول الدفاع عن بقايا روحها تصرخ به:
"جـاي ليـه؟!!!"
قال بهدوء:
"رديتك!!"
رواية هوى الزيات الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة الحلفاوي
شهقت تستفيق من نومها على ذلك الكابوس الذي هيأُه عقلها لها أنه قد عاد.
تستفيق فتجد نفسها على ذات الأريكة، تآوهت بألم تدلك رقبتها لتستوقفها طرقات الباب.
إنقبض قلبها تظن الكابوس قد تحقق، نهضت تسير ببطء ناحية الباب ثم تتمتم:
- مين؟
زفرت أنفاسها التي حبستها برئتيها عندما سمعت صوت دُنيا فـ فتحت لها فورًا.
إبتسمت لها بترحابٍ فـ غمغمت دُنيا:
- مين إيه بس م إنتِ عارفة إن أنا اللي جاية!
قالت نور بعد تنهيدة:
- حلمت إنه هو اللي جالي و قالي رديتك .. عشان كدا إتخضيت لما خبطتي!
أغلقت دُنيا الباب و جلست تقول:
- والله يا بنتي الرجالة دول شوية مجانين! تعالي أقعدي جايبالك فطار حلو أوي!
قالت نور بحرجٍ:
- إنت بتكلفي نفسك ليه يا دُنيا أنا عندي الأكل!
قالت دُنيا بمرحٍ:
- أنا مش هستناكِ لما تطبخي يا عسل .. أنا على لحم بطني!
ضحكت نور و قالت و هي تجلس أمامها:
- يا بنتي إرحمي نفسك .. بتودي الأكل ده فين و إنتِ رفيعة كدا!
- طب يلا كُلي!
جذبتها إلى الطعام من يدها فـ ضحكت نور و بدأت تأكل بالكاد تبتلع اللُقيمات.
كلما أكلت تذكرتُه و هو الذي كان يطعمها بيداه.
أغمضت عيناها تسُب عقلها الذي لا يفكر بـ سواه.
لاحظتها دُنيا فـ قالت بهدوء:
- نور .. إنتِ لسه عايزاه!
نظرت لها مُتفاجئة من السؤال.
ظلت تفكر للحظات حتى قالت بهدوء:
- لاء .. و لو جه باس على رجلي مش هسامحُه، خلاني أحس إحساس بشع أوي يا دنيا.
تنهدت دُنيا تقول بحزن على حالها:
- إنتِ بتقولي كدا عشان لسه في مرحلة الغضب، لكن أنا عارفة إنك بتحبيه، و إنه لو جه و إعتذر هتسامحيه!
صمتت نور لا تستطيع أن تجيبها .. فهي نفسها لا تعرف كيف ستكون ردة فعلها إذا أتى.
حاولت تغيير الموضوع فـقالت بإبتسامة زيّفتها:
- سيبك مني و إحكيلي إنتِ .. جوزك هينزل إمتى؟
قالت دُنيا مبتسمة عند ذِكر سيرته:
- أقل من شهر و هيبقى هنا بإذن الله!
قالت نور بحُب لـ تلك الإبتسامة التي إرتسمت على وجهها فور أن أتت بسيرته:
- بتحبيه؟
أسرعت قائلة دون تردد:
- أوي يا نور .. بحِس إنه حتة مني و لما بيمشي قلبي بيبقى كإنه عايز يطلع من جسمي و يروح معاه!
إبتسمت لها نور و ربتت على كتفها قائلة بحنان:
- يجيلك بالسلامة يا حبيبتي!
- يارب!
قالتها مبتسمة.
فـ ظلت نور تفكر للحظات حتى قالت بهدوء:
- دُنيا أنا عايزة أشتغل!
***
وقفت أمام المرآة، تُهندم ثيابها و تُنمقها، تلك الثياب التي أعطتها لها دُنيا لترتديها كي تكون لائقة للشركة التي ستعمل بها.
و ثياب كثيرة قد أتت لها دُنيا بها.
كانت ترتدي بنطال قماشي تعلوه كنزة بيضاء ضيقة إلتصقت بجسدها و طرفها قد أُدخل داخل البنطال.
تعلو تلك الكنزة بليزر قماشي من نفس نوع و لون البنطال الأسود.
خصلاتها رفعتهم عن وجهها بكعكةٍ مُنمقة.
نظرت لنفسها بإعجابٍ و أخذت هاتفها و غادرت.
فوجدت دنيا تقف منتظرة إياها بسيارتها.
و فورما رأتها قالت بإعجاب:
- يا ولا على الحلاوة!
إبتسمت لها نور و صعدت جواره بالسيارة تقول بإمتنان:
- أنا بجد مش عارفة أقولك إيه، يعني كلمتيلي مديرك عشان أشتغل معاكي في نفس الشركة و جيبتيلي اللبس الفورمال ده كلُه و كمان واقفة مستنياني بالعربية!
قالت دُنيا مُبتسمة:
- أومال إحنا صحاب إزاي .. ده الطبيعي!
ثم تابعت:
- و الحمدلله مدير الشركة راجل كبير أد أبوكِ كدا .. يعني مُستحيل يبُصلك و شُغل الروايات ده!
***
بدأت نور العمل في الشركة مع صديقتها دُنيا.
و التي إحتلت جزء كبير للغاية من يومها و من قلبها أيضًا.
حتى مرّ شهرٌ كامل دونُه، دون أن تسمع صوته و تستأنس به، دون أن تنظر له و تشعر بأنفاسُه تُبعثرها.
و في اليوم الثلاثون، وقف تحتضن دُنيا التي قالت بحُزن:
- هتوحشيني الشهر ده، أنا والله ما عايزة أسيبك لوحدك أصلًا!
أسرعت نور تقول بحنان:
- يا حبيبتي إنتِ مش مسافرة، و بعدين الأيام بتعدي بسرعة و هتقضي مع جوزك الشهر ده و هتيجي تاني .. إنتِ ما بتصدّقي إنه يجيلك أصلًا!
تنهدت دُنيا و قالت تمسح على خصلاتها:
- هرن عليكِ كل يوم أتطمن عليكِ!
قالت نور بمزاح تخفف الأجواء:
- آه إنتِ عايزة جوزك يعلّقك بقى!! أنا قاعدة في بيتنا مش هيجرالي حاجه، هلخم نفسي في الشغل!
- ماشي يا حبيبتي! همشي أنا و إنتِ نامي بقى عشان تصحي بكرة بدري .. تصبحي على خير!
أشارت لها دُنيا و هي تبتعد متجهة إلى الباب.
ردّت نور عليها ثم تغلق الباب خلفها.
مُحيت الإبتسامة من فوق شفتيها فورما إنفردت بنفسها.
أغمضت عيناها تستند برأسها على الأريكة تضم قدميها لصدرها، تُهدئ من إشتعال قلبها، و تأجج روحها و من القر الذي يختلجها.
حتى إستمعت لطرقات فوق الباب.
ظنت أن دُنيا قد نست شيء فأسرعت تنهض تفتح لها، لكنها أخذت خطوتان للخلف عندما وجدتُه واثب أمامها.
بجسدُه الذي إزداد ضخامة .. و بـ ذقنُه التي نمت أكثر، عيناه المُرهقة و ملامحه التي بُهتت.
نظرت له بقسوةٍ، ثم قالت:
- خير؟ إيه اللي جابك؟
نظر لها بإشتياقٍ حاول جاهدًا أن يخفيه، يتفرّس وجهها وجسدها الذي قد نُحف قليلًا.
يحاول فكّ عُقدة لسانه فيقول بهدوء:
- وحشتيني!
ضحكت من قلبها، حتى عادت للخلف من شدة ضحكاتها واضعة كفها على معدتها.
ثم إعتدلت في وقفتها قائلة مُبتسمة:
- مش ممكن .. كل مرة تضحكني كدا؟
تابعت بهدوء:
- لو إنت فاكر إني هفتحلك دراعي عشان أخدك في حُضني تبقى مُغفّل أوي! و لو فاكر إن الكلمة دي هتخليني أنِخ و أسامحك تبقى مبتفهمش!
مرّ من جوارها و دلف للبيت فـ إلتفتت تنظر له بحدة.
ليتابع ببرود:
- تسامحيني؟ مين اللي المفروض يسامح التاني؟!؟
جلس على المقعد و قال مشيرًا لها على الأريكة:
- أقعدي نتكلم!
صرخت بوجهه:
- مافيش بينا كلام ولا قُعاد .. إطلع برا!
أشارت للباب كي يخرُج.
فـ هتف بضيق:
- هتعبر نفسي مسمعتش طردك ليا، و هراعي إن نفسيتك تعبانة و مش هاخد بكلامك!
قالت بنبرة إستفزته:
- نفسيتي تعبانة؟ مين العبيط اللي قالك كدا؟ أنا في أحسن مراحل حياتي .. عايشة في شقتي ، نزلت إشتغلت و الحمدلله بثبت نفسي في شغلي، و عندي صاحبتي دايمًا واقفة معايا، فين نفسيتي التعبانة دي بقى!
نهض واقفًا أمامها، و تجرأ محاوطًا وجنتيها هامسًا بصوتُه الرجولي:
- يعني أنا موحشتكيش!
أبعدت كفيه بعنف صارخة بوجهه:
- إياك تاني مرة تلمسني، إحنا مطّلقين مينفعش اللي بتعملُه ده!
إقترب منها أكثر يقبض فوق ذراعيها يدفعها إلى ركن في الحائط فـ شهقت و هي تشعر بـ نواقيس الخطر تدُق في ذهنها.
إقشعرّ بدنها عندما سار بأناملُه على ذراعيها العاريان:
- إنتِ لسه في شهور العدّة .. أقدر أرُدك في أي وقت!
- تبقى بتحلم، مش هوافق لو حصل إيه!
قالت بقسوةٍ ظهرت في عيناها.
كانت عيناه مُثبتة على شفتيها التي إشتاق لها، شهرًا كاملًا لم يتذوق عسلهما.
يعلم خطورة ما سيفعله و لكن ليفعلُه.
و على غفلةٍ و بدون سابق إنذار كان يميل مُلتقطًا ملاذُه في قبلةٍ دامت ثوانٍ معدودة قبل أن تدفعه بعنف من صدرُه.
، و قبل أن يأخذ صفعةً من كفها أفاقت ثمالة عقلُه بها.
إشتعلت النيران بعيناها تدفعُه من صدره بعد أن لطمت وجهه تهدر في وجهه:
- إنت إزاي تعمل كدا!!! إزاي تتجرأ و تعمل كدا إنت إيه!!! بقولك أنا مش مراتك!!! مبقتش مراتك .. كُنت و خلاص مبقتش و لا هبقى تاني!!!
ظل مُغمضًا عيناه يحاول أن يسيطر على أعصابه و لا يُحطم عظامها الآن.
يقبض فوق كفيه و أسنانه تصتك فوق بعضهم في غضبٍ لا مثيل له.
لا تنكر خوفها من ردة فعله التي باتت غير متوقعة.
هل سيرُد لها الصفعة صفعتان؟ هل سيسحب خصلاتها فتتقطّع في كفُه؟ هل سيُلقي عليها سِباب نابية؟
خافت و تراجعت جالسة على الأريكة تضُم كتفيها بذراعيها، مُغمضة عيناها بألم من الحال الذي آلا كلاهما له.
ظل صامتًا لا يتحدث ما يُقارب النصف ساعة، حتى وجدته يتحرك و يجلس على الأريكة قائلًا بأعين إحمرّت:
- نور!
نظرت له متوجسة، حتى قال بهدوء زائف:
- لو إنتِ عيشتي حياتك فـ أنا مش عارف، كُل رُكن في البيت بيفكرني بيكِ .. أنا أصلًا مبنساش، و لو أنا موحشتكيش ..
تابع بعد تنهيدة:
- فـ إنتِ وحشتيني لدرجة متتخيليهاش، كل حاجة فيكِ وحشتني .. ضحكتك .. عينيكِ .. صوتك .. حُضنك كُل حاجه مفتقدها، كان لازم تُعذريني .. أنا كُنت حاسس إني مش قادر أثق فيكِ!
تأملت كلماته .. كيف ستخبرُه أنها إشتاقت هي الأخرى له و لكن لن تبقى معُه.
كيف ستُخبره أن صوته .. عناقه .. عيناه و ضحكاته التي تنعش خلايا جسدها تشتاق لهم و لكنها أبدًا لن تبقى معه.
أخذت أنفاسها الضائعة و حاولت موازنة نبرته تقول ساخرة:
- أعذُرك؟ طب و أنا مين يعذُرني؟! ليه عايزني أعذُرك و إنت معذرتنيش لما قولتلك إني مكُنتش مُستقرة نفسيًا و !ني عملت كدا من اللي شوفتُه في حياتي! ليه و أنا بنهار قدامك و بقولك إني بحبك و مقدرش أعيش من غيرك مرحمتنيش؟ ليه و إنت شايفني قصادك بطلع في الروح .. عينك مرمشتش حتى عليا!
- حقك عليا!
قالها بتعبٍ من ذكر الأمر مرة أخرى.
كيف لم ترمش عينه و هو كل خلاياه إنتفضت عندما رأتها بهذا الوضع و لكن الشيطان أعمى بصرُه.
فـ قالت مُبتسمة بمرارة:
- هي هتخلص كدا؟!
إقتربت منه هامسة أمام وجهه بـ قوةٍ:
- و رحمة أبويا .. ما هرجعلك، و هدوّقك المُر اللي سقيتهولي، هخليك تتمنى لو يرجع بيك اليوم ده عشان متعملش كدا هندمك على الوجع اللي وجعتهولي ندم عُمرك كلُه يا ابن الزيات!
إبتعدت عنه تناظر وهن عيناه بشماتةٍ زرعها بها.
ثم أشارت إلى باب الشقة تقول بأنفٍ وصلت لعنان السماء:
- إطلع برا .. و آخر مرة تعتب الشقة دي!
نظر لها مطولًا، نظرات يرجوها بها ألا تفعل لكنُه قوبل بنظراتٍ قاسية و أعين مُتحجرة.
فـ أخذ خطواتٍ بعيد عنها ثم خرج صافعًا خلفه باب الشقة.
نظرت للفراغ الذي تركه، تغمغم لنفسها:
- إياكِ تضعفي! إوعي يا نور .. إفتكري اللي عملُه فيكِ!
ذهبت إلى غرفة نومها و أراحت جسدها فوق الفراش، تضبط المنبه لكي تستفيق باكرًا لتذهب لعملها.
ستذهب له وحدها لأن دنيا لأول مرة لن تأتي لتقلها بسبب الأجازة التي أذنوا لها بها!
***
نهضت بنشاطٍ و إرتدت ثيابها.
صفت خصلاتها و قررت تركها حُرة اليوم و ساعدها على ذلك نعومتها.
ثم خرجت من الشقة بعدما أخذت مفاتيحها و هاتفها.
أغلقت الباب جيدًا و إلتفتت لتصُدم به جالسًا في سيارتُه عائدًا بالمقعد للخلف و نائم.
إعتلى الضيق مِحياها لكن أكملت طريقها تتظاهر بأنها لم تراه.
أوقفتها السيدة فتحية .. تلك التي أخذتها ببيتها عندما رفضت أمها أن تفتح لها الباب و تُدخلها.
تقول بأعين تلومها:
- كدا يا نور يا بنتي .. تسيبي جوزك نايم في العربية كدا من إمبارح يا حبة عيني على الوضع ده!
هتفت نور بضيق:
- ده مبقاش جوزي يا حجّة فتحية، إحنا إطلّقنا خلاص!
غمغمت فتحية بحزن:
- م أنا عرفت يا بنتي .. بس و ماله إنتِ في فترة العدة يعني ترجعوا في أي وقت بالمأذون بردو!
صدح صوت نور الهجومي:
- و مين قالك أصلًا إني هوافق أرجعلُه!
تنهدت فتحية تربت على كتفها قائلة:
- طيب خلاص يا حبيبتي روحي شغلك عشان متتأخريش، و لما ترجعي لينا كلام مع بعض!
تنهدت و ذهبت من أمامها لتخرج للشارع الرئيسي تنتظر سيارة أجرة تمُر.
لتمُر أمامها آخر سيارة كانت تنتظرها، سيارته، و فتح زجاج النافذة يميل برأسه لكي يراها قائلًا بنبرة هادئة:
- إركبي!
تأففت بنزقٍ و قالت بحدة:
- إمشي من هنا عشان مصوّتش و ألم الناس عليك!
- لو مركبتيش هنزل أجيبك من شعرك و أركبك بالعافية!
قالها بتحذير حقيقي و قد فُلتت أعصابُه.
فـ ضربت السيارة بقدمها بجُرها تقول بعنفٍ:
- يلا إنزل وريني .. عشان أخلي اللي ما يشتري يتفرج عليك!
رفع حاجبيه من طريقتها الجديدة عليه، حاول التحلي بالصبر فـ قرر أن يهاودها قائلًا برفق:
- مش هتلاقي مواصلات دلوقتي الدنيا زحمة!
- حاجه متخُصش حضرتك!
هتفت ساخرة ثم أشارت إلى سيارة أجرة مرت من جوار سيارته فوقف السائق.
أخبرته بالمكان فهزّ رأسه لها موافقًا.
صعدت معه دون أن تعاير فريد إهتمام.
ضرب الأخير المقود بعصبية شديدة.
لكنه توقف للحظة مُدركًا بأنه فالتة خُصلاتها تحررهم على ظهرها.
فـ ردد مع نفسه مصدومًا:
- دي مسيبة شعرها! دي نازلة و مسيبة شعرها! ده أنا هطلع عين أمها دلوقتي!
سار خلف السائق بسُرعة جنونية و قد إنتفخت أوداجُه، لا يصدق أن غيره سيرى خصلاتها مفرودة على ظهرها.
كيف لم يُحجبها، كانت على ذمته و كيف لم يتخذ هذا القرار و يجعلها عنوةً ترتدي الحجاب.
أطلق زفيرًا حارًا من شدة لهيب جسدُه الغاضب.
حتى وجدها تترجل من السيارة بعدما أعطت للسائق بعض النقود.
ترجل هو الآخر من السيارة و سار خلفها طاويًا أسفل قدمُه الأراضي مُدبدبًا عليها بـ حذائه الذي يصرخ بالغِنى.
ثم بقسوة إلتقط ذراعها و جذبها خلفه بعنف وسط صراخها و جسدها الذي يتثاقل عمدًا حتى يعجز عن جذبها و لكن ذهبت محاولاتها هدرًا فهو أقوى بنيةً منها بمراحلٍ.
دفعها إلى السيارة في المقعد الخلفي حتى لا يتسنى لها النزول و إستقل جوارها.
ظلت تصرخ به أن يتركها و يبتعد لكنه ضرب على ظهر المقعد الذي أمامُه صارخًا بوجهها:
- إخرسي مش عايز أسمعلك صوت! نازلة شغل و قولت ماشي سيبها، قاعدة لوحدك في شقة طويلة عريضة في مكان مبيرحمش و كلُه بيتكلم عليكِ و قولت مالهاش ذنب و أقطع لسان أي حد يجيب سيرتك عشان أنا عارفك!!!، لكن نازلالي بـ قميص هيتفرتك من على صدرك و شعرك مسيباه!!! ده إنتِ نهارك إسود معايا أقسم بالله لهعرفك أنا مين على اللي بتعمليه ده!!!
شهقت من وقاحتُه و همت بالصراخ في وجهه لكنه أشهر بأصبعه في وجهها هادرًا بقسوة لدرحة أن عروق جبينه و عنقه نفرت:
- قـولـت صـوتـك مـسـمـعـوش!
لم تتوانى عن الحديث و الصراخ به بصوتٍ قد بُحّ:
- لاء هتكلم!!! لو مشيت عريانة في الشارع ملكش الحق تـ!!!
بتر عبارتها قابضًا على ذراعها يقربها منه صارخًا بوجهها بصوت جفل له قلبها:
- إخــــرســـي! ماليش حق إيه يا أم حق! ده أنا أكسرلك رقبتك و رجلك اللي فرحانة بيها و لابسة بنطلون مفصَّلها دي!
- آآآه إبعد عني!
تآوهت تُحاول بإستماتة إبعاد كفُه عن فكها لكنه شدد على فكها أكثر فـ تعالى صوتها من شدة ألمها تضربه على صدرُه حتى تركها تاركًا على وجهها الصافي علامات أناملُه.
مالت للأمام تفرك مكان قبضته ثم طالعتُه بنفورٍ، تنطقها للمرة الأولى:
- أنا بكرهك!
شقت الكلمة صدرُه، فـ خفّت نبضات قلبُه، متأملًا كلمتها التي تبدّلت بعد أن كانت تنطق له بمعاني العشق بأكملها و كم تُحبه، تخبره الأن أنها تمقتُه.
لم تكتفي بجرحُه مرة، فـ تابعت بصوتٍ إمتلئ غصةً جعلته يلعن نفسه على كبمةٍ ألقاها عليه في لحظة شيطانية:
- بكرهك من كُل قلبي، و لو رجع بيا الزمن عُمري ما كُنت هوافق أتجوزك!
- بس أنا بحبك!
قالها بضعفٍ، و رفع إنمله بالكاد بعد أن تخدّر جسده من كلماتها، و سار به فوق موضع أناملُه.
فـ غمغمت بقسوة:
- كفاية كدب! إنت مبتعرفش تحب!
- و حبيتك!
قالها بألم تغلغل نبرة صوته، متابعًا و هو ينظر لعيناها:
- مكُنتش بعرف أحب بس حبيتك، و عشقتك! ليه بتعملي فيا كدا؟
إبتسمت إبتسامة لم تكُن سوى شامتة، شامتة بذلك الضغف الذي تمكّن منه، بتلك النظرات التي تفترسها دون أن يستطيع الحصول عليها.
لمساته التي تطوق أن تغوص بأعماقها.
حاولت جذب كلمات أكثر منه تزيد نشوتها في الشماتة به فـ قالت بصوتها الغنج:
- بعمل إيه؟
تنهد غافلًا عن عيناها الشامتة به، قائلًا موجوعًا:
- بتعذبيني .. شايفاني قُدامك و النار قايدة فيا و بتعندي .. بتعاقبيني على غلطة أنا ندمت عليها، كفاية يا نور! شهر كامل من غير ما أخدك في حُضني و أسمع صوتك و أشوفك، شهر كامل مخلي حد يراقبك و يجبلي أخبارك كلها .. و عشان البنت اللي إسمها دنيا دي كانت معاكِ في كل حاجه سيبتك .. سيبتك براحتك و مكُنتش عايز أضغط عليكِ، و لما إشتغلتي و عرفت الشركة اللي بتشتغلي فيها و إن محدش فيها هيدايقك بردو سيبتك، كنت بتعذب و بموت و إنتِ بعيدة و كل اللي كان بيهون عليا الكام صورة اللي كانوا بيتبعتولي ليكِ، كنت بقعد بالساعات قُدام الصور أملي عيني منها بس، نور أنا تعبان .. تعبان من غيرك، و حاسس إن حياتي واقفة و إنتِ مش فيها!
طالعتُه مصدومة مما قال، كان يجند شخص يراقبها لتصل أخبارها له كل تلك المدة؟
إزدردت ريقها تنظر له و لذلك الضعف المتشكل بعيناه و بلمساتُه و بأنفاسُه.
إقترب منها يريح رأسه فوق كتفها مثبتًا جبينه على حرف منكبها، أناملُه تعبث بخصلاتها المفرودة على ظهرها.
أغمضت عيناها و قد إمتلئت عيناه بالدمعات و كامل جسدها يرتجف، ليقول كلماتٍ أفاقتها كدلوٍ بارد صُب عليها صبًا:
- يلا نروح للمأذون دلوقتي .. و كإن اللي حصل ده محصلش، هنسيهولك!
إنتفض كامل جسدها تبتعد عنه تدفعه من صدرُه قائلة برعب:
- مش هيحصل، مش هرجعلك أبدًا عُمري ما هرجعلك!
ثم زحفت لآخر الأريكة الخلفية و خرجت من السيارة، صافعة الباب خلفها تسير إلى داخل الشركة، تاركة أياه خلفها مُتدمرًا!
***
تحاول التركيز في عملها بالكاد، لا تستطيع لملمة شتاتها بعد تلك المواجهة التي حدثت بينهما.
هي لأول مرة تراه بهذا الضعف، نفت برأسها تزجر نفسها هامسة:
- لاء .. مش هرحمُه، زي ما هو مرحمنيش!
أنهت عملها بعد إرهاق، لتُغادر الشرطة تقرر أن تمشي على أقدامها قليلًا علها تُسكت إرهاق ذهنها ذلك.
ظلت تسير حتى إستوقفتها تكدُس غريب في منطقة مُعينة.
فـ قطّبت حاجبيها تسأل أحد المارة:
- هو في إيه .. إيه الزحمة دي؟
قال الرجل بضيق:
- في واحد عربيته إتقلبت بيه هنا على الطريق، و من ساعتها و الشارع واقف!
لا تعلم لمَ إنقبض قلبها.
أخذت تزيح في المارّة تحاول الوصول لتلك السيارة.
شهقت و كادت أن تسقُط أرضًا عندما وجدتها سيارته.
هرعت عليها كالمجنونة لترى الراكب بها.
فـ تصنمّت مكانها عندما رأته، وجهه نازف و عيناه مُغمضة كالأموات!
رواية هوى الزيات الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة الحلفاوي
فــريـــد!!!! فـريـد!!!
نظرت للمارة حولها ترجوهم بصراخ:
- ده جوزي!!! جوزي حد يطلب الإسعاف أبوس إيديكوا!!!! طلعوه من العربية!!!
تلملم الناس يحاولون إخراجه من السيارة، وآخرون يهاتفون سيارة الإسعاف. هي وقفت ترتجف واضعة كفيها على فمها.
جاءت الإسعاف فورًا ونقلته. صعدت بسيارة الإسعاف معه لا تستطيع السيطرة على شهقاتها وبكائها وهي ترى ملامحه قد غطتها الدماء. إمساكت بكفه بأيدٍ ترتعش تضمها لصدرها تناديه ببكاء ينفطر له القلب:
- فريد .. قوم يا فريد!!! حبيبي إيه اللي حصلك!!!
وصلا إلى المستشفى فأنزلوه بالفراش وركضوا به إلى غرفة الطوارئ. ترجتهم أن تدخل معه لكن أحدهم هدر في وجهها:
- مينفعش طبعًا يا مدام، لو سمحتِ استني هنا!!!
أغلق الباب في وجهها، فسقطت على الأرضية الباردة جوار المقاعد المتراصة. تبكي بقهرٍ تبحث عن هاتفها لا تعلم تُحادث من. وجدته لتهاتف دنيا تخبرها بأنفاس متقطعة:
- دنيا .. فريد .. فريد عمل حادثة يا دنيا!!!
شهقت دنيا مصدومة:
- يا نهار أزرق، إنتِ فين طيب؟
- في .. في مستشفى الحياة .. حاسة إن قلبي هيُقف!!!
قالت دنيا مسرعة:
- طب أنا هجيب جوزي و جاية يا حبيبتي مسافة السكة!!!
أغلقت نور مع دنيا وظلت على حالها تبكي. حتى مرت ساعة لتجد دنيا تأتي راكضة في الرواق وزوجها خلفها. شهقت فورما رأت حالها فمالت عليها تسندها حتى تنهض قائلة بحزن:
- يا حبيبتي .. قومي .. قاعدة على الأرض يا نور!!!
أجلستها على المقعد وجلست جوارها، فانهارت الأخرى في أحضانها تشدد على ثيابها تقول بحرقة:
- العربية اتقلبت بيه، أنا السبب!!! أنا اللي سبته وهو كان محتاجلي، أنا اللي عملت فيه وفنفسي كدا!!! آآآه يارب .. يارب أنا ماليش غيره، يارب متاخدهوش مني!!!
- شششش!!!
مسحت دنيا على خصلاتها وقد أدمعت عيناها. نظرت لزوجها الذي طالع نور مشفقًا على حالتها، ثم نظرت إلى زوجته التي أخذت عيناها تذرف الدموع هي الأخرى وهي تنظر له. اقترب منها ومسح فوق خصلاتها، يميل عليها مقبلًا خصلاتها هامسًا بهدوء:
- هستنى أنا برا!!
أومأت له بأعين قلقة، فخرج من المستشفى يقف ينفث دخان سيجارته. ظلت دنيا تربت على ظهرها وتمسح فوق خصلاتها حتى نامت من شدة تعبها. فأخبرت إحدى الممرضات أن تجهز لها غرفة لكي تستريح بها، ففعلت. وساعدتها في نقلها إلى الفراش. دثرتها دنيا بغطاء الفراش وتركتها شاردة وهي تخرج من المستشفى، تضع نفسها ب مكان صديقتها، لتشعر بقلبها يُعتصر وهي تتخيل زوجها في نفس المكان.
خرجت فوجدتُه واقفًا ينظر أمامه. التفت لها ليحاوط وجهها بخصلاتها المفرودة مبعدًا السيجارة عنها قائلًا بحنان:
- حبيبتي كانت بتدمع ليه؟!
شهقت في بكاء مفاجئ لتلقي بجسدها بأحضانِه تقول بألم:
- للحظة بعد الشر عليك تخيلت إنك مكانُه، ده أنا ممكن يجرالي حاجة يا عز والله أموت فيها!!
ابتسم يربت على ظهرها قائلًا بحنو:
- بعد الشر عليكِ يا قلب عز!!!
ابتعدت عنه تحاوط وجهه هامسة ببكاء:
- ربنا يخليك ليا يا حبيبي ويباركلي فيك .. وميحرمنيش من وجودك أبدًا!!
ابتسم مقبلًا باطن راحتها، متأملًا وجهها الذي يعشق تكوينه!!
• • • • • •
استفاقت نور بعد ساعات غابت بها عن واقعها. واقعها الذي يخلو منه ومن صوته وكلماته. نظرت حولها تعي ما حدث، وآلت سوداوية أفكارها أنه .. مات!! وأنها في هذه الغرفة بعد أن انهارت أعصابها من الخبر. شهقت وصرخت باسمه وهي تنهض تخرج من الغرفة تسير في الرواق كالمجنونة تُفتش عنه في كل مكان، حتى وجدته خلف الزجاج نائم كـ جثة هامدة، جسده موصل بأسلاك ذبحت روحها. وضعت كفها فوق الزجاج تبكي بصمت وهي ترى وجهه مملوء جروحًا، ملفوفة رأسه بشاش طبي. ظلت واقفة حتى ازرقت قدماها.
لتسمع صوت دنيا من خلفها تقول بخضة:
- قومتي إمتى يا نور!!!
لم تجبها ظلت شاردة تتمتم باسمه تمسح على الزجاج كأنها تربت عليه هو. فـ وقفت دنيا تربت فوق ظهرها مشفقة على حالها، ثم قالت بحنان:
- تعالي يا حبيبتي أقعدي ريحي رجلك!!!
نفت برأسها تغمغم بصوت مبحوح:
- مش هقعد غير لما أدخلُه، ده ظلم إني أبقى قاعدة مرتاحة وهو جوا العناية كل شبر في جسمه بيوجعه!
حزنت دنيا على ما قالته فتنهدت وصمتت. ظلت واقفة جوارها حتى خرج الطبيب من الغرفة يزيل حبات العرق من فوق جبينه. اقتربت منه نور تسير بالكاد على قدميها اللتين تنملتا من وقفتها، تسأله برجاء ألا يخبرها بأمر سيء:
- جوزي .. كويس؟
تنهد الطبيب وقال بأسف:
- يعني .. في رضوض عنيفة في جسمه ومخه، هنحتاج نتأكد من إشاراته الحيوية لما يفوق بإذن الله!!!
- طب .. هيفوق إمتى؟ ينفع أدخلُه طيب؟
قالت مستندة على الزجاج، فـ قال الطبيب بهدوء:
- مش هينفع حضرتك تدخلي غير لما ننقله غرفة عادية الأول .. ومش هنقدر نحدد هيفوق إمتى للأسف..
- طيب!
تركها وذهب، فـ ترجتها دنيا تقول:
- عشان خاطري يا نور أقعدي ارتاحي لحد ما يفوق، إنتِ مش قادرة تمشي على رجلك يا حبيبتي!!
نفت برأسها تقول بوهن:
- مش هقعد لحد ما يفوق .. وأطمن عليه!
- ليه العند ده يا نور بس!!
قالت دنيا بيأس من إقناعها، فلم تجبها الأخرى. تلتفت مجددًا تتأمله ويفصل بينهما لوح زجاجي، لولاه لكانت ارتمت بأحضانِه. بكت وهي تنظر له بحزن. وبعد ساعة بالضبط كانوا ينقلونه من العناية إلى غرفة عادية. وضعت كفها فوق شفتيها وهي تراه يُنقل على فراش المستشفى أمامها. عيناها تتابعه حتى دلف للغرفة، فسارت خلفه تستند جوارها، حتى دلفت للغرفة ترى الممرضة تنزع أسلاك جسده وتضع أخرى. ودنيا خلف نور تتابعها بخوف على حالتها.
وقفت نور جواره، تمد كفها الذي يرتجف إلى وجهه المخدوش .. تتحسسه وهي تبكي، ثم صعدت إلى لفافة الشاش تلك وخصلاته تتحسسها بحنان. تنهدت دنيا وتركتها تخرج من الغرفة تغلق الباب عليهما.
ازدردت نور ريقها، وأمسكت بكفه ترفعه إلى شفتيها تُقبله وقد تساقطت دمعاتها عليه، تقول بألم:
- فريد .. كفاية كدا وقوم، الساعة من غيرك سنين يا فريد، قوم عشان إنت وحشتني أوي، مش عايز تقوم ليه يا حبيبي .. هو أنا موحشتكتش؟ إنت زعلان مني صح؟ زعلان إني سبتك لما احتجتني مش كدا؟ طب قوم وأنا مش هسيبك .. والله ما هسيبك تاني، أنا عاقبتك باللي عملته .. متردليش ده وتعاقبني بإن يجرالك حاجة، متعاقبنيش أنا عاقبت نفسي وواقفة أهو لحد ما تقوم، رجلي والله مش حاسة بيها من كتر ما وجعاني، عشان خاطري يا فريد فتح عينيك!!! يارب!!!
فتحت كفه واضعة وجهها به تبكي عليه بحرقة. حتى سمعت تآوه خفيف شهقت مصدومة على أثره. فـ أبعدت كفه تنظر له بلهفة لتجد ملامحه منكمشة ربما من الألم. جلست تلقائيًا تقول بجنون:
- فريد .. فريد سامعني!!!!
حاوطت وجهه تمسح فوق خصلاته تقول وعيناها متسعة من فرحتها. فتح عينيه وأخيرًا ينظر لها، فـ أخذت تبكي ساندة رأسها على معدته وشهقات بكائها قد تعالت. أغمض عينيه يرفع كفه بصعوبة ثم وضعها على رأسها، يربت عليها بخفة. أسرعت ترفع رأسها تمسك بكفه تُقبلها ود معاتها أغرقته، تغمغم بصوتٍ باكٍ زاد ألم جسده وروحه:
- حرام عليك ليه بتعمل فيا كدا!! أنا .. أنا قلبي كان هيقف أقسم بالله كان هيجرالي حاجة!!!
حاوطت وجنتيه بكفيه تميل عليه تُقبل عينيه التي كانت تتمنى أن يظهرا عن عسليتاه، تُقبل وجنته وفكه وذقنه وتُشبعه قبلاتٍ تُشبه قبلات أم انكسر قلبها قلقًا على صغيرها الذي كادت أن تفقده أبديًا. أغمض عينيه يقسم بأن ما تفعله الآن أكثر تأثيرًا عليه من تلك الأسلاك الموصولة بجسده. أنهكت قبلاته بأن حاوطت عنقه بقوة تلصق جسدها بجسده فـ كتم أنينًا متألمًا من جسده الذي يؤلمه كل إنش به. ولم يخبرها أن تبتعد .. أو أن تخفف ذلك العناق .. كيف سيطلب منها شيء هو بالأساس لا يريده. رفع ذراعه وحاوط خصرها بذراع واحد والثاني اكتشف أنه لا يستطيع تحريكه. أغمض عينيه وتغاضى عن الأمر يمسح فوق خصلاتها بحنو فـ دفنت وجهها في عنقه تمسح على ظهر رقبته.
ثم ابتعدت عنه تحاوط وجهها تهمس له بألم:
- إيه واجعك يا حبيبي؟
نطق أخيرًا بتعب:
- جسمي .. كله!!!
بكت تمسح على وجنته بكفيها المرتجفين، تغمغم وسط بكائها:
- يا قلبي أنا!!!
تابعت:
- هقوم أجيبلك الدكتور!!
أومأ لها بهدوء، فـ نهضت وما إن مست قدميها الأرض حتى تآوهت بألم ضرب جسده قبل جسدها، فـ ناظرها بخضة يقول متلهفًا:
- في إيه!!!
طالعته تبتسم ابتسامة متألمة:
- ولا حاجة يا حبيبي .. متقلقش رجلي بس منملة شوية!!!
أمسك بكفها يمسح عليه بإبهامه يقول:
- طب اقعدي لحد ما تفك!!
نفت برأسها تقول بنهيج:
- لاء .. هروح أجيبه وهتفك على طول!!
سارت بقدميها الحافيتين واللتين ازورقتا بفعلتيبسهما. بعد قليل دلفت خلف الطبيب الذي بدأ يتأكد من إشارات جسده الحيوية، فأخبره الأخير بوهن:
- دراعي الشمال .. مش قادر أحركه!!!
قال الطبيب بأسف:
- يبقى هنحتاج نجبسه!!
ثم تابع بهدوء:
- طيب رجلك قادر تحركها؟
أومأ له الأخير وهو يحرك قدميه وأنظار نور تتابعه بلهفة. ليلتفت الطبيب لها قائلًا بهدوء:
- هيفضل معانا في المستشفى يومين لحد ما نطمن على حالته، وبعدها هيقدر يمشي لكن الجبس هيفضل في إيده مدة لا تقل عن شهر! هبعتلكوا ممرضة بالأكل دلوقتي لإن التغذية مهمة جدًا بالنسباله!
- ماشي يا دكتور شكرًا لحضرتك!!
غادر الطبيب واقتربت منه هي تسير بصعوبة، فـ تمتم بتعب:
- رجلك واجعاكِ؟
نفت برأسها تقول وهي تزيل دمعاتها:
- لاء يا حبيبي لاء!!
رفع كفه يمسح على وجهها فأمسكت به تقبل باطنه، ليبتسم مغمغمًا:
- وحشتيني .. ووحشتني اللهفة اللي في عينيكِ عليا دي!! يعني لازم أتكسر عشان أحس بحنيتك عليا؟
قالت مسرعة:
- متقولش كدا!!!
دلف الممرضة بصينية الطعام الصحي، ثم أسندتها على الكومود وغمغمت إلى نور بضيق:
- بعد إذنك عشان ياكل!!
قالت نور بهدوء:
- اطلعي انتِ وأنا هاكله!!
احتجت الأخرى، فـ تلك تقطع عليها فرصتها الوحيدة في الاقتراب من رجل أعمال مشهور كهذا، لتقول بعدم تهذيب:
- لاء مينفعش طبعًا آآ!!
بتر هو عبارتها يقول بضيق:
- اسمعي كلامها .. واطلعي برا!!
نظرت متضايقة من كلماته، ثم تركت الصينية على الكونود وخرجت صافعة الباب خلفها. استغربت نور طريقتها لكنها لم تعلق ل تنهض تقترب من جزعه العلوي تقول بلطف:
- يلا يا حبيبي .. اسند عليا عشان تقوم تقعد!!
وضعت ذراعيها على ظهر من أسفل ذراعيه، وشدت جسدها حتى تتحمل ثقل جزعه فقط، فـ استند هو بكفه على الفراش يحاول النهوض، لكنه تآوه بصوت عالٍ فـ جزعت عليه وقالت بحزن:
- حبيبي اسم الله عليك .. معلش براحة خالص!!
أخذ يتنفس بألم مغمضة عينيه، فـ ربتت على ظهره تقول بحنو:
- بالراحة .. خد نفسك، إحنا مش مستعجلين!!
فتح عينيه ينظر لها متأملًا معاملتها له كمعاملة أم حنون إلى طفلها. ابتسم وقال بعشق:
- أنا بحبك أوي!!!
ابتسمت تقول:
- وأنا بعشقك!!
ابتسم على كلمتها التي أعطته قوة جعلته يستند بظهره على الفراش بعدما وضعت خلف ظهره وسادة، ثم جلست أمامه تأخذ الصينية على قدمها اليسرى التي انثنت قليله لكي تسند الصينية، فـ رأى قدمها ليُصدم. وضع كفه عليها يقول:
- رجلك زرقا!!! مالها؟!!!
حاولت تشتيت ذهنه عن الأمر لم لم يستجيب وانهمر بأسئلته عليها فـ قالت أخيرًا:
- فضلت واقفة عليها أكتر من أربع ساعات .. بشوفك من ورا الإزاز!!!!
صُدم مما قالت، ولم يتحدث. فقط وضع كفه على خصلاتها من الخلف وقرب وجهها منه يُقبل جبينها قبلة عميقة تنفسها بها، ثم همس مبتعدًا بشفتيه فقط:
- أنا آسف .. آسف على كل حاجة وحقك عليا على كل حاجة عملتها في حقك وجعتك!!! سامحيني يا نور!!
رفعت عيناها له تقول بحنو:
- أنا مسامحاك!!!
ثم قالت بلهفة تغير مجرى الحديث:
- يلا بقى عشان حبيبي ياكل!!
ثم ملئت الملعقة بالشوربة وأخذت تُطعمه وتمسح فمه بأناملها دون أن تتقزز فيه، فيُهيم بها عشقًا أكثر. قطعت له الفرحة وأطعمته وهو يتأمل ملامحها التي اشتاق لها. أنهى الطعام بأكمله بعد إلحاح منها، ثم أسندت الصينية فوق الكومود مجددًا. نظر هو لها ثم قال بهدوء:
- ارفعي رجلك!!
- ليه؟
قالتها باستغراب فـ هتف بهدوء:
- اسمعي الكلام بس!!
فعلت لأنها تعلم أنه بالكاد يتكلم، فوضعت كلتا قدميها أمامها. أمسك هو بقدمها اليمنى، يُفردها قليلًا يُردف:
- ارجعي بجسمك لورا شوية!!
فعلت فـ انفردت قدمها، دلّك لها كاحلها وقدمها برفق وسط انكماش وجهها من ألمها. انتقل للأخرى وهو يغمغم بضيق:
- إياكِ تاني مرة تأذي نفسك بالشكل ده .. لما بتأذي نفسك كأنك بتأذيني!!!
قالت بحزن:
- مكنتش قادرة أرتاح وأنا شايفاك جوا بتحارب الموت!!
مسح على قدمها بحنان، ثم فرد ذراعها لها لتأتي وتقترب منه فـ فعلت، تستند برأسها فوق صدره، ليهمس لها متلهفًا:
- أبعت أجيب المأذون؟
ضحكت ونظرت له تومئ برأسها، فـ أنهال على وجهها بالقبلات الفرحة مشتاقًا لكل شيء بها. وبالفعل لم يتوانى عن مهاتفة ذات المأذون عبر هاتفه الذي بالكاد كان صالحًا للاستخدام، وأتى المأذون في المستشفى، مع شهود كان أحدهم زوج دنيا. دنيا التي سعدت لأنها رأت صديقتها تبتسم من قلبها وأخيرًا. وفورما نطق المأذون بـ "بارك لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير" حتى التقط أنفاسه وعادت له روحه بعودتها زوجته مرة أخرى. غادر الجميع بما فيهم دنيا مودعة نور، ليستند برأسه على ظهر الفراش يقول براحة سرت في خلاياه:
- آآآه وأخيرًا .. أخيرًا بقيتي مراتي تاني!!
تابع بشغف يفتح لها ذراعه والآخر قد لف بجبيرة قوية وجبس:
- تعالي في حضني بقى!!!
ابتسمت له وركضت تقبع في أحضانه جالسة جواره على فراش المستشفى، تحاوط خصره ساندة رأسها على صدره تغمغم بصوتها الذي يذيبه:
- بس ده ميمنعش إني لسه زعلانة منك!!
ابتسم وقرص ذقنها قائلًا بمكر:
- اخف بس .. وهاصالحك بطريقتي!!
استشعرت الخبث في كلماته فـ قررت مجاراته تقول باستنكار:
- طريقتك إيه بس بإيدك المتجبسة دي!!
ضحك من قلبه ثم مال عليها يقول بنفس النبرة:
- مش مهم .. الثانية بتعمل أحلى شغل!!
شهقت من وقاحته لتضرب صدره فـ تآوه بألم لتضع كفيها فوق شفاهها بخضة تقول مسرعة وهي تربت على صدره:
- يا نهار .. أنا آسفة نسيت والله!!!
- بوسيها بقى!!
قال بملامح منكمشة من الألم، فـ ابتسمت تطبع قبلة فوق صدره المغطى بثياب المستشفى، وعانقت رقبته تتنهد هامسة:
- كنت واحشني أوي، حاسة إني عايزة أفضل في حضنك مطلعش منه أبدًا عشان أعوض الأيام اللي مكنتش معايا فيها!!
ضمه لصدره مشددًا على عناقها ويده تسير على ظهرها بدفء، يقول شاردًا:
- أنا من ساعتها مبنامش في سريرنا .. بنام على الكنبة أو في أوضة تانية أصلًا!
مسحت على خصلاته من الخلف تُغمض عيناها غارقة في إحساس أنها بين ذراعيه مجددًا، تستشعر لمسة ذراعه على خصرها مرة أخرى، تريح رأسها على كتفه تارة .. وتقبل عنقه تارة أخرى، وهو .. هو ظل صامتًا كفه يمسح على خصرها مستشعرًا غضاضة جسدها بأحضانِه مجددًا، يقسم أن أنفاسها تصل لمسامعه فـ يسعد بها، يسعد بكونها بين يداه، رائحتها .. يدفن أنفه ويستنشق رائحتها التي بات يدمنها، ثم يعود ويغمر وجهه في خصلاتها مشددًا على جسدها، ينعم بنعيم أحضانها، يمرر كفه على خصلاتها المفرودة على ظهرها. أبعد وجهها عنه يحاوط وجنتها بكف واحد، يميل مقبلًا كل إنش صغير في وجهها بأنفاس تلهفت لها. ابتسمت ولم تنبث بشيء. أغمضت عيناها فـ سنحت له الفرصة يُقبل جفونها. ترك وجهها وقبل عنقها عدة قبلات أذابتها، حتى رفعت كفيها ووضعتهما على صدره تهمس بخفوت:
- فريد .. كفاية!!!
تنهد مستندًا بشفتيه فوق عظمة الترقوة الخاصة بها، يقبلها هي الأخرى ثم يغمغم:
- عايز أرجع البيت!!
قالت بتردد:
- ليه .. إنت لسه مش كويس!
رفع وجهه لها يمرر إبهامه على شفتيها هامسًا بوله:
- طول مـ انتِ معايا .. فـ أنا كويس!! بس أنا محتاج أرجع البيت!!
ثم تابع مبتسمًا:
- وعايز أستحمى .. حاسس إني معفن!!
ضحكت من قلبها تعود برأسها للخلف، ثم قبّلت وجنته تقول بحب:
- إنت زي العسل .. هروح أقول للدكتور ييجي يشوفك عشان لو كدا نمشي!!
قبّل جوار شفتيها وقال بهدوء:
- طيب يا حبيبتي!!
تركها تنهض وتنادي للطبيب الذي أتى يقول بضيق:
- مينفعش يا فريد بيه تمشي دلوقتي!! حالتك لسه لازملها إشراف طبي!!
قال فريد مصرًا:
- أنا عايز أمشي .. اتخنقت من قاعدة المستشفى، ولو على الإشراف فـ مافيش مشكلة تقدر تيجي كل يوم تطمن!
قال الطبيب بهدوء:
- طيب يا فندم .. بس تمضي على إقرار إن خروجك هيبقى مسؤوليتك مش مسؤولية المستشفى!
نظرت له نور تقول بقلق:
- طيب يا فريد نقعد يومين كمان مدام الدكتور بيقول إن الموضوع خطير كدا!!
قال فريد بضيق:
- لاء .. أنا خلاص قررت .. ومافيش مشكلة هاتلي الإقرار أمضي عليه!!!
غادر الطبيب يائسًا من إقناعه، فـ جلست نور أمامه تقول وقد لمعت عيناها بالدموع:
- يا فريد .. اسمعني يا حبيبي عشان خاطري أنا خايفة عليك!! لو جالك حاجة أنا ممكن أموت فيها والله!!
حاوط وجهها يقول بهدوء:
- ششش اهدى يا عمري كله، متخافيش مش هيحصل حاجة بإذن الله، وزي ما قولت أنا هخلي الدكتور ييجي يطمن كل يوم على وضعي، اتفقنا؟
تنهدت ولم تقتنع بعد، لكن دخول الطبيب منعها من إكمال حديثها، فـ مضى فريد على الإقرار ليقول الطبيب بهدوء:
- تمام كدا .. ثواني وهجيب لحضرتك كرسي!!!
هدر به فريد بقسوة:
- نعم!!! شايفني مشلول قدامك ولا إيه؟!!!
قال الطبيب مسرعًا بخجل:
- مش القصد يا فريد باشا، أنا عشان عارف بس إنك مش هتقدر تمشي على رجلك!!
هتف فريد بحدة:
- دي حاجة متخصكش، وأنا لو احتجت كرسي هقول!!
- اللي يعجب سيادتك يا فندم!!
قال الطبيب وغادر، بينما نظرت له نور بحزن على حاله، يحاوط مقدمة رأسه مغمضًا عيناه، فـ نهضت تقف أمامه تربت على ظهره قائلة بحنان:
- متضايقش نفسك يا حبيبي!!
رفع رأسه لها يقول بوهن:
- ساعديني أقلع البتاع دي يا نور .. وفي حد من الخدم جايبلي لبس عشان ألبسه!!
- حاضر!!
قالت مسرعة، ثم ذهبت لتغلق الباب وبدأت في نزع ذلك القماش الطبي من فوق جسده تمزقه بحذر ليكشف عن صدره العاري، أسرعت تأخذ ثيابه لكي لا يبرد، دخل فراغ البنطال في قدمه ولأول مرة لا تخجل منه، بل كانت تصب جل تركيزها على أن تساعده مهما كلفها الأمر. ساعده في أن يرتدي القميص لكن وضعت كفيها بخصرها بحيرة لا تعلم كيف سيرتدي فوق جبيرة يده، ليحسم هو الأمر عندما قال بهدوء:
- هاتي مقص وقصي الكم وخلاص!!
- طيب!
قالتها ثم سألت الممرضة عن مقص فأتت لها به، وبالفعل مزقت الكم لكي يرتديه بشكل صحيح. أخذت حذاءه ولم تتردد في أن تجلس أسفل قدمه، تلبسه جوارب سوداء اللون، وتلبسه الحذاء برفق تحرص على ألا تؤلمه. شقت الابتسامة وجهه وأمامه زوجة لن يعوضها أبدًا، فـ قال يمسح على وجنتها الغضة بإبهامه:
- إنت .. حياتي!!!
رفعت رأسها له وابتسمت ثم أكملت ما تفعله، وعندما انتهت نهضت تمد له ذراعها ممسكة بذراعه السليم تقول برفق:
- يلا يا حبيبي اسند عليا وحاول تقوم!!
تنهد وحاول بالفعل الاستناد عليها، فـ يبّست جسدها حتى تتحمله وفورما وقف حتى تآوه بألم سار في كامل قدمه، قطّبت حاجبيها تحاوط خصره بذراعها الآخر جاعله من ذراعه الصحيح حول رقبتها قائلة بجزع:
- يا حبيبي .. معلش اتحمل!!
أخذت أنفاسه تعلو ثم سار خطوتان يغمغم بضيق:
- ليه مش قادر أمشي عليها!!!
قالت بهدوء:
- يا فريد انت عملت حادثة قوية .. ده طبيعي إن جسمك كله يبقى مش مستحمل وفيه رضوض!! بإذن الله كل ده هيلتئم وهتتعافى!!
سار معها مغمضًا عينيه بتعب، فـ قالت بتردد:
- نجيب الكرسي؟
- لـاء!!
قال بحدة يعود فاتحًا عينيه، فـ ربتت على ظهره قائلة بحنو:
- طيب اهدى خلاص!!
سارا إلى الرواق بخطوات بطيئة، حتى وصلا إلى سيارة فريد التي كان سائقها ينتظرهما بها، وفورما رآه حتى ترجل من السيارة يفتح له الباب قائلًا بحزن على حال رب عمله:
- ألف مليون سلامة على حضرتك يا فريد بيه!!
أعطاه فريد ابتسامة خفيفة، وساعدته نور في أن يصعد بالسيارة في الخلف، ثم أغلقت الباب وذهبت للناحية الأخرى كي تصعد جواره دون أن تجعله يفسح لها. تحركت السيارة بهما فـ أسند رأسه للخلف مغمضًا عينيه. وجهت جسده له تربت على صدره تحاول أن تكون داعم نفسي له، ثم أسندت برفق رأسها على صدره ولازالت أنامله الصغيرة تربت على صدره بحنان جعلها تضمها لها أكثر، وبعد نصف ساعة وصلا، فـ ترجلت من السيارة أولًا وساعدته في أن يترجل منها. سارت معه حتى وصلا لجناحهما، ظلت معه حتى جلس على فراشهما وأراح ظهره عليه يتآوه من مشقة بذلها في مجرد السير. جلست جواره تتغلغل أناملها في خصلاته فأغمض عينيه يستمع لصوتها العذب وهي تقول:
- ألف سلامة عليك!
ثم همت بالنهوض لكنه أمسك بكفها يقول وهو ينظر لها:
- رايحة فين؟
- هقلعك الجزمة!
قالتها ببراءة مشيرة على حذائه فـ حرق قدمه بحذر ينزعهما قائلًا بضيق:
- آدي الزفتة .. خليكِ قاعدة!!
ابتسمت قائلة:
- حاضر
- نامي جنبي .. تعالي في حضني!!
قالها بخشونة يفرد ذراعها لها فـ استلقت جواره على صدره تحاوط خصره، أغمض عينيه يمسح على خصلاتها مغمغمًا بـ:
- يعني يرضي مين تبقى مراتي في حضني .. ومش قادر اقربها عشان مش قادر احرك شبر فيا!!!
تعلم أن الأمر حساس للغاية بالنسبة له، فـ حاولت تلطيف الأجواء وأخذ الأمر بدعابة قائلة وهي ترفع رأسها له تمسح فوق ذقنه:
- إنت دماغك قليلة الأدب ليه! ما أنا في حضنك أهو عايز إيه تاني؟
نظر لها بنزق يقول:
- إنتِ مش متخيلة ولا هتفهمي أنا مدايق أد إيه!!
نهضت على ركبتيها تشهق قائلة بصدمة زائفة محاوطة وجهه بكفيها:
- يا نهار مش فايت!!! حبيب قلبي فريدة فرودة مدايق وأنا معاه!! إخص على الزمن والدنيا والناس!!
منع ابتسامة من الظهور على وجهه يتابع حركاتها الطفولية، لتنفرج أساريره عندما مالت عليه تُقبل وجنتيه وعينيه وذقنه وجبينه بقبلات سريعة مجنونة تقول:
- لازم أصالحك .. مش ممكن .. متحاولش هصالحك يعني هصالحك!!
ضحك من قلبه ثم غمز لها بخبث قائلًا:
- طب في حتة في وشي لسة مبوستيهاش!
وقع طرف أنملها فوق أرنبة أنفه تقول بضيق زائف:
- شايف بقى قلة الأدب!! ومع ذلك عشان انت حبيبي بس هعملها!!
طبعت شفتيها فوق شفتيه بقبلة سريعة أنعشت قلبه، ليحاوط خصرها يقول بهدوء مشيرًا إلى معدته:
- اقعدي!
نظرت له بتردد قائلة:
- ما بلاش .. جسمك هيوجعك وأنا تقيلة أصلًا!!
أمسك بقدميها ودفعها بلطف لتجلس على معدته بالفعل، ثم جذبها له يحاوط وجهها قائلًا وعيناه تلمع بالرغبة:
- نور!!
- إيه يا حبيبي!!
قالت بلطف تتأمل عينيه، وقبل أن ينطق وجدها تقول بعفوية:
- تعرف إن عينيك خطيرة؟
- أنا عايزك!!
قالها متغافلًا تمامًا عما قالت محددًا هدفه، لكنها هتفت في محاولة بائسة لتشتيت عقله:
- بحبها أوي .. مع إنها بني عادي وبني غامق بس بجد بموت فيها!!
- وأنا بموت فيكِ .. وعايزك!!!
قالها وكأنه يؤكد لها أنها لن تحيده عما يريد. طالعته بهدوء ومالت عليه تحاوط رقبته تعانقه قائلة بهمس:
- مينفعش يا حبيبي .. هتتعب أكتر!!
قال بضيق:
- لاء مش هتعب ملكيش دعوة انتِ!!
نفت برأسها تقول بحنان:
- ماليس دعوة إزاي يا فريد، والله ماينفع الدكتور مانع أي مجهود عليك!! عشان خاطري اسمع كلامي ويومين تلاتة لما تتحسن ساعتها هنتكلم!!
انفلتت أعصابه فـ أبعدها برفق عنه يقول بحدة:
- متحسسينيش إني عاجز يا نور!!!
تلك النقطة التي لم تكن تريد الوصول لها من البداية، فـ قررت التعامل معه بحذر شديد تثول بضيق:
- ليه بتقول كدا يا فريد بعد الشر عليك من العجز، يا حبيبي والله أنا كمان عايزة أكون معاك بس أنا خايفة تتعب!، ليه على طول بتفهمني غلط؟ أنا هقوم!!
همت بالنهوض لولا يده التي ثبتتها يتنهد قائلًا مزيحًا خصلاتها عن وجهها:
- لاء متقوميش، حقك عليا يا حبيبتي بس أنا بجد مش طايق نفسي!!
قالت بهدوء:
- حصل خير .. يلا عشان ننام!
ثم ابتعدت عنه تغلق الأنوار وتعود لتستلقي جواره. أعطاها ظهره من شدة ضيقه فـ هجمت عليه من الخلف تحاوط خصره تُداعب قدميه بقدميها قائلة بطفولية:
- لولا بس إنك تعبان كان زماني عاقبتك على حركة زي دي!!
تنهد والتفت لها، ليأخذها بأحضانه فتغمر وجهها بصدره، يتحسس خصلاتها الناعمة ويمسد فوقها حتى شعر بها نامت، فـ نام هو الآخر يحاول كتم تلك الأصوات المزعجة من عقله!
• • • • • •
مر شهر كامل، شهر كانت معه في كل شيء. لم تذهب لعملها فقط كي تكون جواره وتخدمه بعينيها، حتى تعافى إلى حد كبير وأصبح يسير بمفرده دون مساعدتها مع العلاج الطبيعي الذي ساعده كثيرًا، حتى أن ذراعه المجبور بات يحركه بحرية. وفي أحد الأيام، كانت نائمة بأحضانِه تحاول إقناعه بأنها لن تستطيع ترك العمل، تقول برجاء:
- يا فريد .. والله ما هقدر أقعد من غير شغل خلاص أدمنته!!!
قال بحدة:
- أبو الشغل في الأرض، مافيش شغل خلاص ده كان زمان!!
- طب ليه!! قول سبب مقنع!
قالت بحدة أكبر فـ هدر بها:
- مش عايز حد يؤمر مراتي ويقولها تعمل إيه ومتعملش إيه!! شايفني قرني قدامك!!!
- طب والحل؟!!
قالت بضيق مكتفة ذراعيها، فـ هتف وعيناه تسير على عبوس محياها:
- عايزة تشتغلي يبقى عندي وتحت عنيا، الشركة مليانة موظفين هشغلك فيها!!
- طيب!
قالت زامة شفتيها، فـ قال وهو يميل مقبلًا جوار ثغرها:
- بقولك إيه بقى .. أنا بقالي شهرين .. 60 يوم مجيتش جنبك، مش كفاية كدا؟
ابتسمت قائلة:
- بصراحة إنت أنجزت!، بس بردو لسه!!
قالت آخر جملتها بجدية فـ صرخ بوجهها:
- إنسي ياما الكلام ده! أنا حاسس إني مش متجوز!
- أنا الغلطانة إني خايفة عليك يا فريد فرودة؟!!
قال ببراءة زائفة فـ هتف بحدة:
- بلا فرودة بلا زفت، أنا مش بهزر دلوقتي أنا بجد عايزك!
حاوطت عنقه تقول بدلع:
- ما أنا معاك وفي حضنك أهو!!
- متستعبطيش يا نور!!
قال بغضب فـ امتصته مسرعة تقول بهدوء:
- طيب خلاص، أنا معنديش مشكلة!
ابتسم فجأة فـ ضحكت على تحول تعابير وجهه المفاجئة وقالت:
- إيه الفرحة دي!!
قال وعيناه ثُبتت على شفتيها:
- طبعًا لازم أبقى فرحان، مش هتبقى في حضني ألذ وأطعم بني آدمة في الدنيا!!
ابتسمت تحاوط وجنته تهمس بحب:
- وأنا هبقى في حضن أحسن .. وأحلى وأحن راجل في الدنيا!
أنهال على شفتيها يستنشق رحيقهما كـ بتلات ورد تفتحت على يده، بجوع له مبرر ينهل من كل إنش منها دون أن يشبع، ودون أن تعارضه هي!!
• • • • • •
وضعت كفها فوق شفتيها وهي تنظر لذلك الاختبار المنزلي للحمل. تمسكه بكف يرتعش لتضمه بين كفيها وعيناها تلمع بالدمعات. تخرج من الغرفة فوجدته نائم على معدته عاري الصدر. اتجهت ناحيته والصدمة ملئت قلبها. جلست جواره، ثم مدت كفها تضعه على ظهره تقول بصوت يرتجف:
- فريد .. فريد قوم!!
همهم بنعاس وأدار وجهه لها ينام على ظهره قائلًا بصوته الناعس:
- في إيه؟ إنتِ كويسة!!
انهمرت دمعاتها تنفجر في البكاء دون أن تتحدث. انتفض ينهض جالسًا يحاوط وجنتها قائلًا بصوت قلق:
- ششش في إيه!! مالك يا حبيبي اهدى؟!!
رفعت أمامه الاختبار الطبي. نظر لها ولم يفهم، يقول وهو يلتقطه بكفه:
- ده إيه؟
- اختـ .. ـبار حـ .. حمل!!!
قال ببكاء، فـ توسعت عيناه يقول مبتسمًا:
- طلعتي حامل؟!
أومأت برأسها فـ التقطها بأحضانِه من فرحته يصرخ بسعادة:
- وبتعيطي!!! بتعيطي يا هبلة!!!
حاوطت عنقه تبكي أكثر فـ أبعدها عنه يقول بفرحة:
- بس كفاية!! ليه العياط ده كله!!
غمغمت ببراءة وسط بكائها:
- أنا فرحانة أوي .. أوي والله متفهمنيش .. غلط أنا بعيط من كتر ما أنا مبسوطة ومش متخيل بجد إني هبقى أم!!
ضم رأسها لصدره يقول بسعادة إن وُزعت على العالم بأكمله ستفيض، ثم أبعدها يحاوط وجهها ساندًا برأسه فوق رأسها قائلًا بعشق:
- الحمدلله! هيبقى عندي نسخة مصغرة من أكتر بني آدمة بعشقها!!!
ضحكت وعانقته بقوة من شدة فرحتها، تريح رأسها على كتفه، لتُكتب نهاية قصة الزيات .. وهواه الذي جعل منه شخصًا آخر لا يهمه سوى من هواها ولا يعنيه سوى فرحها وحزنها، تلك من هواها بجوارحه بأكملها، وجعلها تتربع على عرش قلبه دون غيرها، لتخرج منه هواه .. هوى الزيات