تحميل رواية «هوى الزيات» PDF
بقلم سارة الحلفاوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جالسٌ في سيارته، عيناه لا تكاد تنزاح عن تلك التي تسير أمامه تعبر الطريق بمفردها بقَدها الأنثوي وخصلاتها بلون حبات القهوة تتمايل يمينًا ويسارًا بعد أن عُقِصت بعنفٍ على هيئة ذيل حصان، الأدرينالين بجسده يرتفع بعنفٍ متأهبًا لمساعدتها. ف عيناه راكضة بينها وبين تلك السيارات التي تأتي مهرولةً غافلين عن أن محبوبته تمر الطريق. قلبه متعلق بفتنة عيناها، أطلق زفيرًا مرتاحًا عندما مرت ودلفت إلى شركة تعمل بها، عندما اختفت عن أنظاره. أطلق نفسًا عميقًا ثم عاد برأسه لمقعده وأنامله تطرق برتابة فوق مقود سيارته الف...
رواية هوى الزيات الفصل الأول 1 - بقلم سارة الحلفاوي
جالسٌ في سيارته، عيناه لا تكاد تنزاح عن تلك التي تسير أمامه تعبر الطريق بمفردها بقَدها الأنثوي وخصلاتها بلون حبات القهوة تتمايل يمينًا ويسارًا بعد أن عُقِصت بعنفٍ على هيئة ذيل حصان، الأدرينالين بجسده يرتفع بعنفٍ متأهبًا لمساعدتها.
فـ عيناه راكضة بينها وبين تلك السيارات التي تأتي مهرولةً غافلين عن أن محبوبته تمر الطريق.
قلبه متعلق بفتنة عيناها، أطلق زفيرًا مرتاحًا عندما مرت ودلفت إلى شركة تعمل بها، عندما اختفت عن أنظاره.
أطلق نفسًا عميقًا ثم عاد برأسه لمقعده وأنامله تطرق برتابة فوق مقود سيارته الفخمة، يتخيل إن كان مديرها يزعجها بشيء.
هل يحاول التقرب منها؟ هل عيناه تلتهم جسدها بشهوة بغيضة؟ تُرى هل لامست يداها يده في سلامٍ من وجهة نظرها بريء؟ هل أعجب بعيناها البنية وملامح وجهها التي يذوب بها وإن كان لم يراها من على مقربة؟
إبيضت مفاصل كفه على المقود من شدة قبضته عليه، وسرت قشعريرة في جسده من مجرد التفكير بالأمر.
ماذا ينتظر؟ سيذهب ويتقدم لخطبتها لينتهي هذا الأمر وتكن زوجته ويراها يوميًا يستفيق على وجهها وينام وهي بين أحضانه!
صدح رنين هاتفه فالتقطه بمللٍ من فوق تابلوه سيارته ثم رد بجمودٍ ظهر في نبرة صوته الرجولية:
- قول اللي عندك!
هتف الطرف الآخر بحماسةٍ تختلف كليًا عن فتور الآخر:
- عرفت كل حاجة عنها يا فريد باشا، هي بنت بسيطة من بيت بسيط عايشة مع أمها وجوز أمها وبتشتغل في شركة تحت السلم كدا، بس اللي بيتقال عليها إنها شخصيتها قوية شويتين ومحدش يقدر عليها!
إنزوى ثغره بابتسامة لا تظهر إلا على سيرة اسمها.
أتلك الملامح البريئة خلفها شجاعة مهرة تحتاج إلى ترويضُه.
هتف بعد لحظات صمتٍ يقول بهدوء:
- اسمها إيه؟ وعندها كام سنة؟
- اسمها نور الراوي، وعندها ستة وعشرين سنة!
- نور!
أعاد اسمها مجددًا على لسانه، متلذذًا بثلاثة أحرف كان وقعهم وقع سمفونية موسيقية حالمة على أذنيه.
أغلق مع الطرف الآخر الخط ووضع هاتفه جانبًا، ليضغط على زر السيارة ثم تحرك بها متجهًا إلى شركته التي تُعد من أضخم الشركات بفروعها المتعددة في أغلب فروع مصر.
ابتسم ساخرًا لا يصدق كون رجل أعمال مثله في منتصف الثلاثينات ينتظر فتاة لم تتخطى ربيعها الثاني بقلبٍ متلهف يحسب بالدقيقة والثانية ميعاد مغادرتها عملها ذلك!
عاد إلى نفس النقطة التي يقف بها دائمًا ينتظر خروجها.
تهتز قدمه اليمين بتوترٍ ينظر في ساعته الثمينة المحتضنة رسغه.
تأخر دقيقة وخمسة وأربعون ثانية. ماذا تفعل!
تنفست الصعداء عندما وجدها تخرج من العمل وعلامات الإرهاق بادية على وجهها الفاتن.
اقتضبت محياه بضيقٍ من ذلك الوهن الذي بدا عليها يتمنى لو باستطاعته جرها من يداه عنوةً ليريها كيف تكون الراحة، يريح بدنها من عملٍ شاق لا يليق بعذوبته.
نظر إلى الشارع حولها والذي كان في حارة لا يمر بها أحد، ويكاد يجزم أنه الوحيد الواقف في ذلك الشارع.
عيناه تسير عليها وهي تسير بتعبٍ تتجه إلى الشارع الرئيسي، لتلمح عيناه شاب يبدو في مثل سنها يخرج من ذات البناية التي ولجت منها، يسير خلفها مسرعًا بملامح متوترة.
ليزمجر فريد عندما وجده يقبض فوق ذراعها الغض يديرها له يتمتم بكلمات لم يسمعها.
إندلعت النيران من حدقتيه فريد ولأول مرة يشعر بحرائق تشتغل في قلبه بتلك الطريقة.
هم بالنزول ولأول مرة يجعلها تراه بعد أسبوع كامل من مراقبتها، لكن لم يترجل من سيارته عندما وجد وكأن وحشًا قد تلبسها ليمحى بوادر الإرهاق من على وجهها ويتبدل بشراسةٍ جعلته يبتسم وتلك من النوادر.
وصل إليه صوتها وهي تنهر ذلك الشاب تبعد ذراعها عنه:
- ورحمة أبويا لو ما مشيت دلوقتي من وشي لأخلي اللي ميشتري يتفرج عليك!!
ظهر بعض الخوف على ملامح الشاب فابتسم فريد وأسند مرفق ذراعه فوق مكان فتح الباب الداخلي وسبابته أمام شفتيه ينظر لذلك المشهد بإستمتاعٍ.
فها هي الشراسة يراها لأول مرة بعينيها.
لكن ما هز قلبه غضبًا إصرار ذلك الشاب على مضايقتها وتعالي صوته يردف بنبرة لم يراها فريد سوى وضيعة:
- إنتِ فاكرة نفسك مين يا روح أمك! ده أنا هطلع عين أهلك دلوقتي!!
لم يتحمل فريد ولم ينتظر رد فعلها.
ترجل من سيارته على وجه السرعة ببنيته الضخمة التي لم تكن سوى عبارة عن عضلات عنيفة.
ولأنه لم يكن يرتدي جاكت بدلته واكتفى فقط بقميص أسود التصق بجسده فجعله يتحكم أكثر بذراعيه.
وفي ثوانٍ كان يقبض بكفه على تلابيب قميص الأخير يسدد له لكمة أوقعته أرضًا وهو يهتف به بصوت عالٍ:
- ده أنا اللي هـطـلـع مـيـتـيـن أهـلـك دلوقتي يا خـ**
شهقت الأخيرة بصدمة وتراجعت وهي تراه قد أبرحه أرضًا حتى ترجاه الأخير أن يتركه.
فهتفت فريد بلهجة قاسية:
- لو شوفتك قربتلها تاني.. قول على نفسك يا رحمن يا رحيم!!
- حـ.. حاضر!!
دفعه فريد فزحف الأخير ليبتعد عن مرمى يديه حتى ذهب من أمامه وهو يركض وكأنه يركض من جان يود أن يتلبسه.
إلتفت إلى تلك الواقفة على مقربة منه.
لفظ بداخلُه "يا الله"! إن كانت ملامحها من بعدٍ فاتنةٍ، فهي من كثب باهية!
وقف صامتًا يحاول السيطرة على نظرات عينيه التي سارت بدايةً من منبت خصلاتها البنية نزولًا لأعين حائرة من نفس لون خصلاتها، وتلك الشفاه المكتنزة الذي ود لو أن يتذوق حلاوة مذاقهمها، وعنقها المرمري الذي تمنى لو بإستطاعته وصمه بعلامات كـ صك ملكيته لها.
وقبل أن يتنحدر عينيه لما هو أكثر من ذلك عبر صوتها العالي على أذنه يخرجه من شرودٍ كادت أن تجعله يجن.
تردف بنبرة حادة عنيفة:
- إنت مين!! ومين سمحلك تدخل وتعمل اللي عملته ده أصلًا!
ولأول مرة تتلبسه دهشةً من ردة فعل إحداهن.
ألن تشكره وتخبره أن لولاه لكانت الآن بيد أيادي عديم الشرف ذاك؟ ألن تخبره بأنها بالغة الإمتنان له؟ ألن تعطيه ابتسامة ودودة شاكرة؟
عادت تقول بحدة:
- إنت يا بني آدم! أنا بكلمك.. ولا الكلام مش واصل عندك فوق!
هتفت ساخرة من طوله مقابل قامتها التي كانت طويلة بين أقرانها لتشعر الآن بأنها أمامه باتت قزمًا.
حاول الاحتفاظ بهدوء أعصابه فقال بهدوء لم يكن سوى هدوء ظاهري:
- ده بدل ما تشكريني؟ كان زمانك دلوقتي مهروسة منه!!
شهقت بصدمة ليتعلى صوتها قائلة بحدة:
- نــعــم!!! مين دي اللي تتهرس يا أخينا ده إنت رحمتُه مني، ده أنا كنت هخليه يندم إنه عرفني في يوم من الأيام!!
- ششش!! مش عايز لَت كتير، تعالي إركبي هوصلك!!
هتف وهو يشير بعينيه لسيارته ذات الباب المفتوح الذي لم يهتم بقفله بعدما رأى ما تتعرض هي له.
نظرت لسيارته وبعنف صاحت به:
- ركبك عفريت يا بعيد!!! إنت شكلك مجنون وعيلتك عارفة!! أركب مع مين إنت فاكرني واحدة من اللي بيتاخدوا ورا مصنع الكراسي ولا إيه ده أنا آآ!!
بترت عبارتها مصدومًا ولأول مرة من تصرفات فتاة أمامه يقول بحدة:
- إخرسي!! بكابورت زبالة اتفتح عليا ولا إيه!!! أنا غلطان إني اعتبرتك زي أختي وجيت أساعدك ومش عايزك تمشي في إنصاص الليالي لوحدك، بس إنتِ متجيش ربع تربية أختي ولا أدبها، ما هي اللي تخرج في إنصاص الليالي وتجري الرجالة وراها تبقى زبالة واللي بيتاخدوا ورا مصنع الكراسي أحسن منها!!!
ولأول مرة يشعر بأنه قد ندم على شيء.
رأى عيناها تمتلئ بالعبرات المكتومة رافضًا كبرياؤها نزول دموعها.
لتصمت للحظات ثم تقول وقد شعر بغصتها:
- إنت بني آدم زبالة ومش محترم!
ثم استدارت وتركته تذهب للشارع الرئيسي بخطوات بطيئة.
وقف مكانه ولم يتحرك خطوة واحدة.
لمَ الذهاب الآن؟ كيف تذهب هكذا والدمعات مكتومة داخل عينيها لربما ستشوش عليها الرؤية، ولمَ تلك الرغبة المقيتة في معانقتها وإخفاء جسدها داخل جسده لكي لا يرى نظرة الحزن تلك بعينيها.
وقف ينظر لها حتى استقلت ميكروباص وهي شاردة بالفراغ، فذهب لسيارته ليضربها بقدمه بقسوة سيارته ثم استقلها يذهب بأعلى سرعة لمكان بيتها حتى قبل ذهابها هي إليه.
صف سيارته بعيدًا عنها قليلًا كي لا تراه.
فوجدها تترجل من السيارة تسير بعينيها قوة تحاول بها مداراة حزنٍ قد تغلغل بمقلتيها ليصل لقلبه فينخر به كما ينخر السوس بالخشب.
تنهد بارتياحٍ عندما اطمئن من دخولها للمنزل، ليشعل محرك سيارته ثم غادر حارتها المتواضعة.
***
صورٌ مختلفة بين يديه لها، يقلب بينهما بين كفيه ويقف عند كل صورة والأخرى ما يقارب النصف ساعة، يتأمل كل إنش بها ويمتع عينيه بمحياها وضحكتها وعبوسها وعنفوانها.
سار إبهامه فوق شفاهٍ يحلم بضمها بشفتيه، وكتفين صغيرين يحلم بتخبئتهما بين ذراعيه، وخصرٍ يود لو أن يطوقه بذراعيه.
أعين لا تنظر سوى إليه، وخصلاتٍ يدفن بها أنفه يستنشق عبقٍ لا يليق سوا بها هي!
لا.. لن يتحمل، سيذهب ويتزوجها الآن شائت أم أبت.
نهض بالفعل يرتدي ثيابًا رسمية تليق به، يصفف خصلاته وينثر عطره ليترك فلته ويترجل سيارته.
وفي بضع دقائق كان يصف السيارة أمام بيتها ليثير بذلك تساؤلات الجيران عن ماهية ذلك الشخص.
دلف للبناية ثم صعد الدور الثاني ورُفعت يده ليكسر الباب ولكن أوقفه صرخاتٍ مكتومة جعلت قلبه يرتج!
لم يستطع تمييز إن كان صوتها أم لا لكن هنالك شعور يخبرها أنها هي.
لم يطرق الباب، بل ضربه بقدمه عدة مرات حتى فُتح الباب الذي لم يتحمل ارتطام قدمه القوية به.
فوجد منظرًا لن ينساه طيلة حياته.. حبيبتُه.. الفتاة التي عاهد نفسه على جعلها ملكه وبحمايته منذ أول مرةٍ رآها متكومة فوق الأرض وتآوهات متألمة تخرج من بين شفتيها.
وجهها شديد الزرقة وشفتيها بيضاء تشهق بين الحين والآخر، تنادي بصوت مكتوم:
- مـ.. مامـا!!!
لم ينتظر، لم يتردد حتى في الهرولة لها والجلوس على مرفقيه عيناه تسير فوق وجهها وجسدها بقلقٍ يمسح فوق خصلاتها المتعرقة الملتصقة بجبينها يبعدها عن وجهها لكي يراه بوضوح هامسًا والقلق يأكل خلايا جسده:
- فيكِ إيه!!!!
لم ترد عليه سوى بمناداتها لأمها بصوت ضعيف مكتوم.
أسرع بوضع يديه أسفل ركبتيها والآخر على ظهرها يحملها كالريشة بين يديه يغادر بها تلك الشقة يترجل بها من فوق السلم ولأول مرة يشعر بسرعة دقات قلبه حتى كادت تصم أذنيه.
أدخلها سيارته ثم قاد هو يتراجع للخلف لكي يخرج من تلك الحارة ويذهب لأكبر مستشفى في محافظة الأسكندرية متغاضيًا عن شهقات الجيران وتساؤلاتهم عندما وجدوه حاملًا نور.
وصل بها للمشفى ليترجل من السيارة وصوت أنفاسه باتت عالية من شدة خوفه عليها.
دلف بها للمشفى ليهتف إلى موظفة الاستقبال بحدة يقول:
- العناية فين؟!!
أسرعت الأخيرة تقول في عجلة وقد علمت هوية من أمامها:
- في الدور الثاني ثواني هطلب لحضرتك سرير!!!
لم يستمع لباقي حديثها بل سار على قدميه حاملًا إياها ساخرًا من تلك التي تود أن تجعلها تنام بأحضان الفراش وليس بأحضانه هو.
صعد بها السلم دون أن يستخدم المصعد يحاول جاهدًا إبعاد عينيه عن وجهها.
فـ وجهها الشاحب يفزع قلبه ويجعله يود أن يضمها لصدره حتى يشعر بإلتصاق عظامها.
وجد في آخر الرواق غرفة العناية فسار لها لتوقفه ممرضة قائلة برسمية:
- حضرتك واخد الهانم ورايح على فين يا فندم!!
- عايز أدخلها العناية، حالًا!!!
قال بأعين جامدة ينظر إلى الممرضة التي ارتابت من نظراته فأسـرعت قائلة:
- طيب هجيب ترولي وآجي لحضرتك.
- مش هتتحط على سراير، أنا هدخلها!
قال بلهجة عنيفة فـ هتفت الأخيرة بضيق:
- مينفعش يا فندم تدخل العناية، هي لوحدها لإننا بنلبسها لبس معين عشان تدخل!
- طيب بسرعة!!
قال بضيقٍ لا يود أبدًا إضاعة الوقت في تراهات على حساب حياتها.
تركته الممرضة واقفًا في منتصف الرواق، لينظر لتلك المغشي عليها منذ أن حملها.
تستند برأسها على صدره فـ يتغلغل إليه شعور غريب لم يمر به بحياته.
رفعها أكثر فـ باتت رأسها فوق كتفه العريض وأنفاسها تضرب بشرة عنقه.
قاطع ذاك الشعور الترولي وهو يجر بواسطة تلك الممرضة.
وضعها فوقه برفق ثم أزاح خصلاتها من فوق جبينها ينظر لوجهها للحظات ثم تركها.
لتلج داخل الغرفة المجهزة، ويدلف وراءها أكثر من طبيب بعدما علموا أن المستشفى الخاصة بهم نالت شرف وجود فريد الزيات عندهم.
أوقف أحدهم يقول له بمنتهى الهدوء:
- لو جرالها حاجة، هقفلكوا المستشفى دي! وإنت عارف فريد الزيات لما يدي كلمة ولو متعرفش.. أعرّفك!
أومأ له الطبيب يقول في توتر:
- حاضر يا بيه، بإذن الله هنعمل كل حاجة عشان تبقى كويسة.
أشار له بالمغادرة فـ أسرع.
جلس فريد على ذلك المقعد الذي يشبه بروده برود المكان، يستند بظهره بقلقٍ يحاول إخفاءه.
تُرى ما الذي حدث لها؟ ولِمَ لم يكن سواها في البيت؟ هل قام أحد بأذيتها وتركها وحدها تعاني.. هل زوج أمها من فعل!!
خفق قلبه بعنف من تخيل فكرة لو أنها تقطن من رجل وضيع يحاول التقرب منها.
قلبه لم يتحمل الأمر فنهض وسار ذهابًا وإيابًا في المشفى، وتلك الفكرة تكاد تفجر رأسه.
لم يستطع الصمود وخرج من المشفى يدفع لموظفة الاستقبال تلك ثم وقف بعيدًا عن مبنى المشفى يدخن سيجارة تلو الأخرى يخرج بها غضبه واضطراب تفكيره.
يقسم لو حدث وكان ذلك الرجل السبب في أذيتها سيقتله ولن يتردد!!
دخل للمشفى بعد ساعة ليصعد في المصعد ثم ذهب يجلس لثوانٍ قبل أن يخرج الطبيب.
فنهض يردف بثبات:
- كويسة؟
هتف الطبيب بضيق مما رأى:
- هي كويسة، بس آثار الضرب اللي على جسمها مهداها جدًا، هننقلها غرفة عادية عشان حضرتك تقدر تشوفها!
لم يستمع فريد لباقي حديثه، فقد توقف عقله وصمتت أذنيه عندما استمع لأول جملته.
لتستوحش محياه.. أي آثار ضرب؟ من تجرأ وفعل!! كيف بتلك الشخصية التي تمتلكها تقبل أن يضربها أحد، من تجرأ على الاقتراب منها ومسها بسوء وهي تخصه، أذيتها تعني أذيته.
يقسم أنه فور ما سمع جملة آثار الضرب تلك وجسده أصبح يؤلمه وكأن جسده هو من ضرب.
رآها تخرج على الفراش وهي لازالت لم تستفيق.
دلف خلفها الغرفة العادية، ثم مال يحملها ينقلها للفراش الآخر.
فخرجت الممرضة من الغرفة تغلق الباب خلفها.
سحب هو مقعد وجلس جوارها، عينيه تتفحص هيئتها يبحث عن تلك الآثار، لكن ذلك الرداء الطبي حجب كل شيء.
زاح ذلك الغطاء الطبي من على خصلاتها فـ انساقت جوارها.
ربت فوق شعرها يحادثها بصوت امتلئ ضيقًا:
- مين.. مين اللي عمل فيكِ كدا واتجرأ يقربلك؟ ميعرفوش إنك تخصي فريد الزيات.. وإني مش بسيب حاجة تخصني!!
- مين ضربك.. وأنا أقطعلك إيده اللي اتمدت عليكِ!
يمسح فوق خصلاتها برفق يرى لون وجهها الطبيعي يعود شيئًا فشيئًا.
ظل على هذا الحالة ساعة كاملة حتى همهمت بألم تستفيق وهي تتآوه:
- آآآه.. آه!!
تلك التآوهات التي تنبثق من بين شفتيها تؤلم قلبه.
أبعد كفه عن خصلاتها كي لا تفزع منه.
فوجدها تفتح عينيها تحاول الاستناد على مرفقيها تقول بوجع جسدي فائق:
- آآه.. أنا.. فين!!!
- إهدي.. إنتِ معايا!
قال بهدوء فـ التفتت له تنظر لملامحه بأعين ضاقت وهي موقنة أنها رأت هذا الوجه من قبل.
اعتصرت ذهنها فضربها الصداع أكثر فـ أنَّت لتغمغم وهي تعود برأسها للخلف:
- عايزة أمشي.. القسم.. عايزة أروح القسم!!!
قال بجدية:
- وتروحي ليه.. القسم كله ييجي لحد عندك!!!
لم تستوعب كلماته تحيط برأسها بألم رهيب، فـ تابعها بعينيه يقول بقلق:
- راسك واجعاكِ؟
أومأت بأعين زائغة فـ ضغط على زر جوارها لتأتي الممرضة فـ قال لها:
- هاتي حباية مسكن، وفرخة مسلوقة بشربتها بسرعة!
- حاضر يا فريد باشا!
ثم غادرت.
نهض فريد يجري اتصالاته جوارها التي ظلت تنظر أمامها بحسرة تتذكر ما حدث فتتألم قلبها أكثر.
انتهى من حديثه على هاتفه ونظر لها فوجدها على تلك الحالة ليجلس على المقعد يناظرها بهدوء مستندًا بظهره على ظهر الكرسي.
لا يود أن يفتح معها ذات الموضوع رغم احتراقه لمعرفة ما حدث.
طالعته هي وعندما تذكرت أين قابلته صدمت.
لتردف بصوت اهتز:
- إنت.. إنت مين؟ وإزاي وصلتلي وليه جبتني هنا؟
لم يجيبها بل ظل ينظر لها نظرات أربكتها.
فأشاحت بعينيها عنه بضيق وقد علمت أنه لا يجيب.
وبحركة خاطئة نهضت بها نصف جلسة فجأة وفاجأت جسدها فـ شعرت وكأن ماء نارية سقطت على جروح ظهرها لتتآوه بصوت عالٍ مغمضة عينيها:
- آآآآآه
انتفض من فوق مقعده يجأر بها بغضب وهو يضع خلف ظهرها وسادتان:
- غـبـيـة!!!!
حاوط كتفيها وأراح ظهرها برفق على الوسادات.
فأسندت ظهرها تعود برأسها للخلف متمتمة بحدة وعيناها مغمضة:
- إنت اللي غبي.. ومعندكش دم آآه!!
ابتسم يجلس مجددًا وهو يقول ببرود:
- لولا القطر اللي داس عليكي ده.. أنا كان زماني كملت عليكِ!!
كم كاذب هو، يكمل على من؟ أيستطيع أذيتها! أيستطيع أن يمسها بسوء أو يعنف جسدها الذي يتمنى أن يضمُه لجسدها ويمسح عليه بحنوٍ!!!
بللت شفتيها وتغاضت عما قال لتردف بظمأ رهيب:
- عطشانة.. أوي!!
صب لها من الماء الموضوع على الكومود جوارها ونهض يقترب منها ليضع كف خلف رأسها والآخر ممسك بالكوب يضعه بين شفتيها لتشرب منه.. وكم حسد ذلك الكوب الذي استطاع لمس شفتيها واستشعار نعومتهما.
انتهت من الكوب فأبعده عنها ليرى قطرة تنزلق من شفتيها تركض مسرعة على ذقنها فـ أسرع يزيل تلك المتطفلة بإبهامه فوق جوار شفتيها.
شهقت ونفضت يده بعنف فـ تبسم بإستمتاع من نظراتها الشرسة التي عادت تنظر له بها.
لتقول بصوت حاد:
- إياك تلمسني، إنت مين عشان تجيبني هنا وتفضل قاعد معايا والأوضة مافيهاش غيرك ونقفل علينا باب، رد عليا مين إنت عشان تعمل كل ده!!
جلس واضعًا قدم فوق الأخرى وقال بمنتهى الجدية:
- جوزك.. المُستقبلي!!!
شهقت مصدومة من جرأة ما يتلفظ به.
لصرخ به بقوة:
- ده بُــــعــــدَك!!!
- هنشوف!
قالها بتحدٍ فـ اشتعلت عيناها أكثر ونظرت أمامها.
راقبه هو عن كثب حتى أغمضت عيناها بتعبٍ لكن فزعت عندما طرق الباب بعنفٍ وانتفض جسدها كـ طفلة أوشكت على النوم فأتى طارق مزعج أقلق راحتها.
ابتسم وهمس دون أن تسمعه:
- اسم الله عليكِ!!
نهض ليفتح الباب فوجد ضابط يجاورُه أكثر من أمين شرطي.
رحب به الضابط بحرارة فجلعه فريد يدلف.
أسرعت هي تناظر الضابط بلهفة تقول مسرعة:
- بعد إذنك أنا عايزة أحرر محضر!!
- بإسم مين يا هانم!
قالها الضابط باحترام فاستغربت اللقب الذي أطلقه عليها ولكن تغاضت عنه لتكمل:
- نور.. نور الراوي!!!
- طيب قوليلنا اللي حصل!
نظرت له بتوتر ثم نظرت إلى ذلك الغامض لتجده مستند بذلك المنكب العريض فوق إطار الباب يكتف ذراعيه بهدوء ينظر بترقب لما ستقول.
همهمت نور للضابط تردف بضيق:
- ممكن يطلع برا؟
لم يسمع فريد ما قالت فـ اعتدل بوقفته ليلاحظ ارتباك الضابط يهمس لها مقربًا وجهه من وجهها فـ اشتعل قلب فريد ليضرب على إطار الباب صائحًا بهما:
- إنتوا هتفضلوا تتوشوشوا كدا كتير!!!! محاضر إيه دي اللي بتتعمل بالوشوشة!!
أسرعت نور هاتفه باضطراب وعنف:
- لو سمحت تطلع برا، أنا مش حابة أحكي حاجة وإنت موجود!!!
طالعها بهدوء للحظات، ليقول بعدها بحدة:
- مش هطلع وأسيبكوا مع بعض، هقف بعيد!!
قالها بضيقٍ ثم وقف في شرفة الغرفة ينظر لهما وهي تتحدث لذلك الضابط عما حدث، يود أن يسمع ولكن صوتها خافت.
أعطاهما ظهره يضرب بكفه فوق سور الشرفة، حتى مرت نصف ساعة.
لينتهي الضابط ينظر لـ فريد قائلاً برسمية:
- المحضر اتسجل يا فريد باشا، ادو الإجراءات اللازمة هتتاخد!!
نظر فريد إلى الممرضة التي انشغلت بها نور، ليخرج مع الضابط قائلاً بهدوء:
- هات المحضر يا رياض!!
نظر له الضابط بتردد ليغمغم:
- بس آآآصمت وشعر بلسانه قد تكبل عندما وجد نظرة من فريد جعلته يمد له المحضر.
فهو يعلم فريد الزيات ويعلم أن أقل فعل لا يروق له سوف يكلفه حياته، هو أخطر بكثير مما يتخيل أي أحد!
قرأ فريد كلماتها ليغمض عينيه وقد تأكد ظنه.
هو من فعل ذلك، تعرض لها، وضربها حتى أدمى جسدها، لم تستطع الدفاع عن نفسها لأنه قام بربط كفيها ليستطيع ضربها!
ولولا صراخها و فرُه هاربًا لكان تطاول عليها أكثر!!
وبجمود ظاهري، مزق ورقة المحضر أمام نظرات الضابط الذي صدم من ردة فعله ووقف أمامه مشدوهًا.
ليقول الأخير بهدوء محتفظًا ببقايا الورق في جيب بنطاله:
- آسفين على الإزعاج يا رياض، اعتبر إن المحضر ده ما اتكتبش واللي اتقالك ده.. إنت مسمعتوش!!
- لـيـه!!
هتف رياض وهو بات موقنًا من أن ردود أفعال فريد الزيات ليست أبدًا متوقعة.
لم يجيبه فريد بل ضرب على جانب كتفه بهدوء ثم قال:
- متهيألي إنت سمعت اللي قلته.. ومتهيألي برضو إنك عارف إن فريد الزيات مبيكررش كلامه!
ثم تركه ودلف للغرفة دون أن يطرق الباب.
فـ شهقت نور التي كانت ترتدي كنزتها بمساعدة الممرضة.
فورما رأته أنزلت الكنزة فورًا على معدتها تحمد ربها أنها كانت نصف مرتدية إياها.
غفلت عن عينيه فريد التي التقطت ذلك الجزء من معدتها الذي ظهر منها.
نظر للممرضة التي أخذت تلملم ما كانت ترتديه نور لتلقيه.
فـ رماها بنظرات ضائقة من كونها قد سمح لها رؤية جسدها ببساطة.
أشار لها بالخروج فـ فعلت.
لينظر لـ نور التي طالعته بتلك الأعين المشتعلة تقول له بضيق:
- متشكرة أوي لخدماتك لحد هنا، مش عايزة أشوف وشك تاني بقى!!!
أخذ خطوات هادئة نحوها فـ وقفت صلبة في مواجهته ولم تتقهقر.
ليقف أمامها مباشرةً وهتف بابتسامة بسيطة لا تنكر أنها أخافتها:
- إنتِ عارفة لو لسان حد غيرك اللي نطق الجملة دي أنا كنت عملت فيه إيه!!
كتفت ذراعيها وهتفت مبتسمة ابتسامة استزازية:
- وريني هتعمل إيه!
- أنا فعلًا هوريكِ.. بس لما أتجوزك!!
هتف يحاول قدر الإمكان ضبط أعصابه.
فـ صرخت نور به بحدة:
- تـ إيـــه!!! تتجوز مين يا جدع إنت! إنت شكلك مجنون وجاي تطلع جنانك ده عليا! بقولك إيه!! روح يلا شوف طريقك وسيبني!!!
وفي لحظة كان ممسكًا بذراعها بقسوة ليجرها خلفه.
صرخت نور تحاول نزع قبضته تصرخ به كي يتركها وهي ترى نفسها منساقة خلفه يمرون في ممر المشفى.
ليقف بها أمام المصعد حتى انفتح وسط صرخاتها.
لم يشعر فريد بنفسه وهو يدفعها ضد حائط المصعد ولأول مرة تنفلت أعصابه أمام شخص يصرخ بها بعنف:
- إخــــرســي!!! نفَسِك مش عـايـز أسمعُه!!!
رواية هوى الزيات الفصل الثاني 2 - بقلم سارة الحلفاوي
!!! إخــــرســي
نفَسِك مش عـايـز أسمعُه
كان قريبًا منها لدرجة خطِرة على قلبُه، ينظر لملامح وجهها المفزوعة منه.
هو يحاصرها بالحائط خلفها وجسده الذي يعد بمثابة حائط آخر.
ينظر لعيناها المُرتعبة من هيئته التي بالتأكيد أخافتها.
وأنفها الصغير مع شفتيها المتفرقة بخوف ليراها ترتعش وهي تتمتم:-
إبـ .. ـعد عنـ .. ـي!!!
أغمض عيناه لينتفض جسدها عندما ضـ.ـرب الحائط جوارها وضغط على الزر كي يجعلُه ينزل للطابق الأرضي.
وابتعد عنها.
فـ وقفت تُلملم شتاتها لا تسيطر على رعشة جسدها.
حتى شعرت به يسحب رسغها مجددًا.
فـ حاولت نزع ذراعها تتلوى بجسدها لكنُه جذبها بعـ.ـنف أكثر حتى تآوهت بألم.
ولا تعلم كيف ومتى وجدت نفسها بسيارته تجاورُه.
أخذت تضـ.ـرب الزجاج بهيستيرية تصرخ به حتى إنتبح صوتها:-
نـــزلــنــي .. نـــزلــنــي بقــولـك!!!!
أسرع بالسيارة حتى إرتدت نور للخلف.
فـ نظرت له تلتقط أكمام قميصه من عند أكتافه تحاول شدها بعنف صائحة بهيستيرية به:-
نـزلـنـي إنت بني آدم حـيـوان!!!! نــزلـني!!!
قبض على عضدها يهتف بقسوة يبدل نظراته بين و بين الطريق:-
بدل ما تعملي الشويتين دول عليا .. كُنتِ إعمليها على اللي ضـ.ـربك و مرمطك!!
طالعتُه بصدمة من كلماته التي نغزت قلبها.
وتركته تنظر أمامها مندفسة في المقعد.
وكلماته أعادت أمامها مشهد زوج أمها وهو يوسـ.ـعها ضـ.ـربًا وليس بيدُه، بل بـ حــ.ـزامٍ جلديّ غليظ.
أغمضت عيناها ودقات قلبها تتسارع تجزم على أن تخبر والدتها بكل ما حدث وتثأر لكرامتها التي أُهدرت!
وجدت نفسها أمام منزلها.
فـ ترجلت من السيارة لتجد أمها واقفة تبحث بعيناها عنها تسأل المارَّة.
أسرعت نور ناحيتها وهو خلفها.
ترى نظرات المرء حولها تتسائل والبعض يتشدق بكلماتٍ خافتة وبالتأكيد عن علاقتها بذلك الواثب خلفها.
ما إن رأتها والدتها حتى جذبتها تصرخ بوجهها بجزعٍ:-
كنتِ فين يا نور!!! إيـه اللي خرّجك من البيت!!!
همت نور بالحديث و لكن نظرات أمها لذلك الواثب خلفها وتساؤلها أوقفها:-
مين الأفندي!!
كادت نور أن ترد مجددًا لتبتلع الكلمات بجوفها عندما هتف هو بجمودٍ:-
أنا فريد الزيات، وعايز أتجوز بنتك!!!
نظرت له والدة نور ونظرت إلى نور مصدومةٍ.
وبدون مقدمات رفعت كفها لتصفـ.ـعها على وجنتها بلطـ.ـمةٍ جعلت نور تتراجع للخلف من شدة الصـ.ـفعة.
فـ أصبحت شِبه بين ذراعيه.
واضعة كفها فوق وجنتها التي تخدرت.
شعرت بذراعيه حول كتفيها قابضة بقوة.
فـ قد شعر فريد بـ إنتفاخ أوداجُه يود أن يفتك بتلك السيدة الواقفة أمامه.
حاول ضبط غضبُه وهتف بحدة:-
أنا بقولك عـايـز أتجوزها!! مش عايز أمشي معاها في الحرام عشان تضربيها القلم ده!!!
أغمضت نور عيناها بألمٍ لتشعر بأمها تجذبها من ملابسها بعنــ.ـفٍ تصيح بوجهها:-
غـلـطـتي معاه يا بـت!!! هـربـتي معاه!!!
لم ترُد نور التي شعرت بلسانها قد إلتف حول نفسُه.
لتسمع صوته من خلفها يجأر:-
شوفي جوزك عمل فيها إيه خلاها تهرب يا .. يا حجَّة!!!
لطـ.ـمـت نادية فوق وجهها وعلى صدرها تصرخ بهم:-
عـمـل إيـه!!! عمل إيه يا بـت ردي!!!!
تلملمت المارة حولها تتهامس وتتراشق كلماتٍ وقحة.
لتقول إحداهن بـ نبرةٍ شامتة:-
جوزيها يا نادية للراجل .. ده شكلُه أٌبَّهة و زغلل عين بنتك!!!
أسرعت نادية صارخة بها:-
بس يا ولية إنتِ و إتجري على بيتك!!!
هتفت الأخرى بعنف:-
روحي ياختي لمي بنتك اللي دايرة مع الرجالة هنا و هناك، إشحال ما إحنا شوفناه بعينينا و هو طالع الشقة فوق و شايلها قدام الحارة كلها!!
جحظت نور التي باتت لا تعلم أهذا صحيحٌ أم خطأ!
فهي لا تتذكر بالضبط ما حدث وكيف ذهبت معه للمشفى.
إلتفتت له فوجدته يطالعها بأعين جامدة لا روح فيها.
لتسأله بصوت يرتجف:-
الكلام ده .. حصل؟
أسرعت ذات السيدة تقول:-
إستعبطي أوي ياختي إستعبطي!! ده إنتِ كُنتِ مرمية في حضنُه!!!
لم تتحمل نور كلماتها ولم تشعر بنفسها سوى وهي تركض عليها تجذبها من حجاب رأسها صارخة بها بجنون:-
والله لأنـتـ.ـفـلك شعــرك يا ولــيــة يا زبـالة!!!
صدحت صرخات السيدة وهي تحاول النيل منها و ضـ.ـربها.
فـ أسرع فريد نحوها وقبض فوق خصرها وحملها بذراعٍ واحد بعيد عن تلك السيدة التي أخذت تسُبها وتسُب شرفها.
فـ مدت نور ذراعيها تحاول الوصول لها صارخة بـ فريد:-
ســيــبـني!!!! سيبني عـلـيـها!!!!
تحرّكت نادية التي كانت واقفة متسمرة في مكانها وكأنهم دقوا في قدميها مسامير.
ثم جذبتها من خصلاتها تصرخ بها:-
بــس!!! بــس بلاش فضايح إخـرسـي!!!
- أنا معملتش حاجه يا أمي والله العظيم و رحمة أبويا معملتش حاجه!!!
هدرت نور بها والدموع قد ملئت عيناها.
فـ شعر بذات الغصة في حلقها تملأ جوفُه.
أمسك هو بـ كف نادية يبعدها عن خصلات نور يقول بحدة:-
سيبيها!!!
دفعتها نادية ثم وجَّهت الكلمات له قائلة بحزم:-
إبعت هات مأذون، وشوية و جوزي جاي وهيتهوكلها عشان تتجوزها، بس أنا ليا طلب!!!
طالعتها نور مصدومة وقد بُهت وجهها.
وتصاعدت صدمتها عندما قالت بقسوة:-
الدُخلة تبقى في الشقة التانية فوق، ودليل براءتها وشرفها ينزل هنا للناس كلها .. قولت إيه؟!!!!
- المأذون دقايق و يبقى هنا!!!
قالها ببساطةٍ غافلًا عن تلك التي وقفت أمام أمها لا ذرة حياة بوجهها وقد هربت الدماء بأكملها من لون بشرتها.
شعرت بالدوار فـ أمسكت بها نادية تهزها بعنف:-
مدام إنتِ بريئة زي ما بتقولي .. يبقى الحارة كلها تعرف إنك بريئة!!!
- ده لو طلعت بريئة فعلًا!!!
هتفت بها تلك السيدة وهي تضبط حجابها بعدما تبعثر بين يدي نور.
ناظرتها نادية بعنف ثم أخذت إبنتها وصعدت لشقتهم.
بينما وقف هو يحادث مأذون في الهاتف لكي يأتي!!!
••••••
- يعني إيه هتتجوز يا نادية!! يعني أنا أغيب ساعتين آجي ألاقي بنتك هتتجوز!!!
- اللي حصل بقى يا مُنذر!! البت لو متجوزتش الجدع ده محدش هيقبل يبُص حتى في وشها!!!
قالتها نادية بضيق وهي تضرب على فخذيها بحسرة.
و نور جالسة لا تسمع سوى تهشيم قلبها لـ فُتاتٍ.
لينظر منذر لها بإرتباكٍ فـ هدوئها ذلك يشعر بأن هنالك رياح سوف تأتي لتعصف به.
إنتفضت نور عندما سمعت طرقات فوق الشقة.
ليفتح منذر فوجدتُه هو وخلفه المأذون.
طالع فريد ذلك الرجُل بأعين أخرجت حمائم نيرانية وهو يود لو أن يفـ.ـصل رأسه عن جسدُه.
أغمض عيناه وحاول التحلي بالهدوء إلى حين يتزوجها، وبعدها سيُحاسب كل من تسبب لها في أذى ولن يرحم أحدًا!!
أفسح المجال للمأذون الذي ألقى تحية السلام.
وخلفه رجلان ليكونا شاهدين على تلك الزيجة.
ثم دلف فريد.
طالعتُه نور تنفي برأسها بهيستيرية تردد بـ صوتٍ خافت جعل قلبُه يعتصر:-
لآ مش .. مش عايزه أتجوزُه! مش عايزه!!
تآوهت عندما قبضت نادية فوق ذراعها تهمس لها:-
و رحمة أبوكي لو ما إتجوزتي الراجل ده لكون دافناكِ حيَّة النهاردة يا بنت بطني!!!
هتف المأذون بريبة:-
هي العروسة مش موافقة؟
أسرعت نادية تقول بإبتسامة صفراء:-
مين قال كدا يا شيخنا، ده بس كسوف بنات مش أكتر!
هتفت نور بإهتزاز نبرةٍ:-
أنا مش .. موافقة!!!
قال المأذون بضيق:-
باين عليها مش موافقة .. ولو كتبنا و العروسة مش موافقة يبقى جوازهم باطل!!
- عايز أتكلم معاها شوية لوحدنا!!
قالها فريد بحدة.
فـ أسرعت نادية تدفعها لكي تنهض علُه يقنعها تقول:-
قومي .. قومي يا نور!!
نهضت نور لتخرج من الشقة يقفا في مدخلها.
وقف أمامها يتأمل مظهرها الرث و عيناها التائهة وتلك الشفاه التي ترتعش.
والتي ستكون بعد دقائق بأحضان شفتيه.
تنهد ثم هتف بهدوء:-
الجوازة دي في مصلحتك من كُل الجهات، أولهم إن كرامتك اللي إتبعترت تحت هتتردلك.
شرفك اللي شككوا فيه هيتأكدوا منُه، وكون إنك حرم فريد الزيات يبقى محدش يقدر يقرب منك ولا يمسِك بس بأذى.
هتترحمي من جوز أمك اللي طمعان فيكِ لإنه لو بس بصلك بصة معجبتنيش بعد جوازنا .. هحسّر أمك عليه!!
أغمضت عيناها وكلماته تتردد في أذنها.
لتنظر له بعيناها الامعة بدموعٍ مقهورة.
ثم لم يصدر منها سوى إيماءة صغيرة جعلتُه يزفر براحة.
دلفت للشقة ثم قال بجسدٍ يرتجف:-
أنا .. موافقة!!!
كُتب الكتاب، وكُتبت على إسمهُ، وأصبحت زوجته والآن يحق له كل شيء.
يحق له أن يضمها لصدرُه، يمتلك جسدها ويصكُه بإسمه هو فقط!
طالعُه مُنذر بحقدٍ مُتقع، ثم قال بإبتسامة صفراء:-
ألف مبروك .. تتهنوا ببعض!!!
هتفت نادية بهدوء توجه حديثها لـ فريد:-
الشقة فوق متوضبة يا بني وكل حاجة فيها جاهزة، خد مراتك و إطلع .. ومتنساش إتفاقنا!!!! المفتاح أهو.
ظلم يرد عليها وأخذ منها المفتاح ثم قبض فوق ذراع نور وأخذها وصعدا وهي خلفه كالدمية المتحركة.
كانت تصعد معه الدرجات بشرود تام حتى تعثَّرت فكادت أن تقع لولا ذراعه الذي أحاط بـ خصرها.
فـ رغمًا عنها تمسّكت بـ تلابيب قميصُه تشعر بدوارٍ غريب.
نظر لها ليهمس أمام شفتيها:-
إنتِ كويسة؟
لم تُجيبه.
فـ حملها بدون مقدماتٍ بين ذراعيه.
لتركل الهواء بقدميها تنهره بصوتٍ بالكاد يخرج:-
لآ .. نزلني .. نزلني!!!!
صعد بها للشقة ولم يلتفت لحديثها وحاول فتح الشقة وهو يحملها ونجح.
ليدلف للشقة التي كانت رغم تواضعها نظيفة.
أغلق الباب بقدمه فـ إنتابتها حالة هيستيرية تصرُخ به تضرب كتفيه:-
نـزلني ... بقولك نزلني!!!!
دلف بها لغرفة النوم، ثم أنزلها على الأرض يحاوط كتفيها فتتلوى بين ذراعيه ليهزها بحدة صائحًا بها:-
إهــدي!!!
صرخت به تنفي برأسها بجنون:-
مش ههدى .. مش هتلمسني مش هسيبك تقرّبلي!!!
- نـــور!!!
صرخ بإسمها لأول مرة يُناديها محاوطًا وجهها وخصلاتها يرفع وجهها لعيناه الحادة.
فـ صمتت تطالعُه وهي تنظر داخل عيناه التي باتت تخيف قلبها.
إنحدر بمقلتيه لشفتيها.
سيُضمهما، ولكن ليحاول تهدأتها أولًا.
حاول إزاحة رغبته المتفاقمة جانبًا لينظر لعيناها يقترب بوجهه من وجهها يهمس وقد لان قلبُه لحالتها الهلِعة:-
إهدي .. جسمك بيترعش!!!
طالعتُه برجفة وأنفاسها المتضاربة تصفع وجهه.
وكم تلذذ بفكرة أنه يتتفس أنفاسها.
برفق حرر خصلاتها من تلك الربطة.
ثم غلغل أناملُه بها فـ أنَّت بألم من أثر قبضة أمها على خصلاتها.
فـ دلّك فروة رأسها برفق يطالعها بـ هدوء.
لتنحدر مقلتيه لشفتيها وعيناه لا تهدف سوى تلك الشفاه.
وببطئ إقترب منها وفعلها.
وأخيرًا .. وأخيرًا فعل وضم شفتيها بشفتيه.
شعر بقشعريرية سارت في جسدها فـ مسح فوق وجنتها بإبهامِه.
بينما هي لا تعلم كيف تركتُه ينتهك عُـ.ـذرية شفتيها.
ثوانٍ مرت تحارب بهم شعور لأول مرة ينتابها لتبتعد عنه عدة خطوات للخلف تنفي برأسها وكأنها تنفي لنفسها قبلُه عن شيء بالنسبة لها مُحال أن يحدُث.
فهي لا تطيق قرب رجل منذ ما حدث مع زوج أمها.
أغمض عيناه بضيقٍ فهي للتو قد أخرجته من جِنان إغرورقت بعسلٍ كان يستمتع بتذوقُه.
طالعها فوجدها تجلس على الفراش.
تترفع قدميها وتزحف لآخرُه منزوية على ذاتها تهمس بهمساتٍ هيستيرية قد سمعها:-
لآ .. لآ مش هتقربلي، محدش هييجي جنبي!!!
أدرك لتوُه أنها ليست فقط كارهة له، هي خائفة قرب أي رجل.
إنهالت السيناريوهات السوداوية فوق رأسُه.
ليأخذ خطوات ناحيتها وجلس مباشرة أمامها.
ثم مسح فوق خصلاتها يقول برفق يحاول أن يُخرِس شيطانه بأنها قد تركت نفسها لزوج أمها:-
نور .. الراجل الـو** جوز أمك لمسك؟ قرَّبلك؟
أسرعت تنفي برأسها وقد إشمئزت تعابير وجهها من مجرد تخيل الأمر.
فـ حاوط وجهها يزفر براحة مستندًا بـ جبينه فوق جبينها يهمس:-
مكانش هيطلع عليه نهار!!!!
أغمضت عيناها فـ نظر لها ليبتسم يُقبل جوار ثغرها بعمقٍ.
فـ حاولت إبعاده بخوف ليقول بـ لين:-
ششش .. إهدي!!!
ثم تركها، وخرج من الغرفة يجلب سكـ.ّين حاد ثم أخرج ملاءة بيضاء من الخزانة.
راقبت تصرفاتُه بصدمة لتجدُه يرفع أكمامه ثم يُمرر السـ.ـكين فوق ذراعه لتشهق هي من ماهية ما يفعل تقول:-
بتعمل إيه!!!
لم يجيبها.
أخذ خط الد.ماء ذلك فوق الملاءة ثم مسح بقية الدماء بمناديلٍ ووضعها في جيب بنطاله.
أنزل كم قميصُه وفتح أول ثلاثة أزرار بقميصه ثم أخرجُه من بنطالُه.
لـ يلملم الملاءة ثم خرج وتركها.
سمعت بعدها صوت غلق الباب بعنف فـ إنتفض جسدها.
••••••
- بنتك شريفة .. حُطيها في عين التخين!!!
قال وهو يلقي بالملاءة أرضًا أمام أنظار نادية التي أطلقت زغرودة فرٍحة ثم خرجت من شقتها وصاحت بالجميع:-
بنتي طلعت أشرف بت في المنطقة يا حارة عِرة!!!!
صدحت الزغاريد والمباركات لـ نادية.
ليتركها فريد ويصعد لتلك التي سلبت قلبه.
دلف للشقة ومن ثم لغرفتهما ليجد نامت على حالها ساندة برأسها فوق ظهر الفراش.
تنهد و إقترب منها ثم حاوط خصرها بحذرٍ وأ نزلها على الفراش لكي تنام بوضعيةٍ مُريحة.
ظل جوارها يتأمل وجهها وأناملُه تسير على بشرتها.
يقسم أنه يجاهد لكي لا يأخذها الآن.
يحاول إماتة شعورُه في إمتلاكها في تلك اللحظة.
تنهد ثم تركها وغادر الغرفة بأكملها ليجلس على الأريكة ينزع عن جسدُه قميصه لا يتحمل أن يكون معها في نفس الغرفة دون أن يأخذها بين ذراعيه!
إذًا هو لا يشتهيها فقط!
وهو الذي ظن أن إعجابُه بها رغبة ليس أكثر.
لو كان الأمر كذلك لكان ضرب بـ رفضها ومشاعرها عرض الحائط و أخذ منها ما يُريد!!!
أغمض عيناه يحاول أن ينام حتى فعل بعد عناءٍ!!!
رواية هوى الزيات الفصل الثالث 3 - بقلم سارة الحلفاوي
إستفاقت من نومها تبحث عن شربة ماء تروي بها ظمأها، فوجدته نائم وهو جالس على الأريكة لتطالعه بضيق.
ثم دلفت للمطبخ لتشرب.
دلفت للمرحاض بعدها تغتسل، بعد أن حادثت والدتها أن تجلب لها بعض الملابس.
خرجت من المرحاض تلف منشفة حول جسدها بتوتر من أن يراها.
خرجت من المرحاض جالسة على الفراش، قدميها تهتزان بعجلة هامسة:
"إتأخرتي يامَّا!!!"
وضعت كفها فوق المنشفة وأسرعت تنهض، ولكنها توقفت مصدومة عندما وجدتُه يدلف الغرفة.
تراجعت خطوتين من سهام عينيه التي ضربت جسدها وهي تتأمله بصمت.
حاولت ارتداء قناع الشجاعة ومرت من جواره لتخرج وهي تقسم أن قدميها يهتزان.
لكنها وجدت من يقبض فوق ذراعها ليدفعها للحائط يهمس أمام شفتيها:
"رايحة فين .. بمنظرك ده!!!"
أسرعت نور تضع كفها فوق صدره تدفعه لكي يبتعد قائلة بتوتر أكل قلبها:
"ر .. رايحة أخد من أمي لبس!!"
نظر لخصلاتها الطويلة المبتلة وهي تنهمر فوق كتفيها.
نزلت عيناه لوجهها الذي تمنى تقبيل كل إنش صغير به.
ثم إلى عنقها ليجد قطرة من المياه تتسحب لتدلف إلى صدر تغطى بالمنشفة.
فأسرع يقطع طريقها وهو يقول بهدوء يعاكس نبرته التحذيرية:
"ممم .. يعني طالعة لأمك على السلم بفوطة، وطبعًا أمك مش هتديكِ اللبس بس .. هتقولك عملتوا إيه وحكاوي النسوان اللي بتبقى في الصباحية دي، ولو حد طالع ولا نازل هيشوفك، هيشوف مرات الزيات واقفة بفوطة على السلم!!!"
لم تستطع الرد.
إرتجف قلبها عندما مال بأنفه لعنقها يستنشق تلك الرائحة التي أذهبت بعقله.
رائحة جسدها اختلطت بصابون منعش.
أغمضت عيناها وازددرت ريقها ثم همست:
"أنا .. أنا مكنتش هقف معاها على السلم، كنت هدخل"
صمتت وكأنها ابتلعت لسانها الذي كانت تتحدث به عندما وجدته طبع قبلة فوق عظمة الترقوة الخاصة بها.
ثم قال بهدوء:
"سكتي ليه!"
"إبعد عني!!!"
هتفت بضيق من الفوضى الذي أحدثها بها من مجرد قبلة.
أخذت تتمسك بتلك المنشفة.
فرفع شفتيه لشامة في وسط عنقها يقبلها.
أغمضت هي عيناها تشعر بحرارة جسدها ترتفع أكثر.
إبتعد عنها فجأة ثم نظر لها بجمود صفعها.
ليقول بثبات زائف:
"دخّليها وأنا أصلًا ماشي، بس هرجع بعد ساعتين تكوني لبستي فيهم عشان نروح ڤيلتي!!!"
"أنا مش عايزة أمشي من هنا!! مش هروح معاك في حتة أنت فاهم!!!"
صرخت بها باندفاع في وجهه تشير بإصبعها أمام عيناه.
نظر لها ولإصبعها ثم أمسك به.
كانت تظنه سيشدد عليه لكنه أنزله محتفظًا به بأحضان كفه.
يقول بنفس الهدوء:
"صوتك ميعلاش يا نور!!!"
ثم تابع ينظر لإرتباك عيناها:
"وإنتِ هتروحي مع جوزك في أي مكان هو فيه!"
"إنت بتعمل ليه كدا!!"
قالتها بدهشة تطالعه بحيرة.
فرمُقها بهدوء ثم هتف بابتسامة خفيفة:
"بعمل إيه؟"
كادت تتحدث، لكن قاطعها صوت رنين جرس الشقة.
فأسرعت تكاد تذهب من أمامه، لكنها شهقت عندما حاوط ذراعيها مقربها له يهدر بها:
"إياكِ تتحركي برا الأوضة دي!!!"
ثم تركها تبتلع بصدمتها بمرارة.
خرج فريد ليفتح الباب لوالدتها التي أطلقت زغرودة ما إن رأته!
تقول بصوت عالٍ فرح:
"ألف ألف مبروك يابني!!!"
لكن شهقت عندما وجدته يرتدي نفس ملابس البارحة.
فهتفت بحيرة:
"يوه!!! إنت لسه بلبسك ليه؟"
قال فريد بمكر:
"هو في عريس بردو هيفضل بلبسه في ليلة دخلته يا حجّة، أنا لبست نفس اللبس عشان ماشي، وقولت لـ نور إني هاجي كمان ساعتين وهاخدها عشان نقعد في ڤيلتي!!"
ابتسمت نادية بفرحة وهمهمت:
"ربنا يسعدكوا يابني، روح إنت شوف مصالحك عقبال هي ما تجهز وتلبس!!!"
أعطاها إيماءة خفيفة ثم ذهب بالفعل.
دلف نادية إلى نور فوجدتها جالسة على الفراش شاردة أمامها.
لتجلس بجوارها تقول بحنان:
"مبروك يا نور!!!"
نظرت لها نور بحدة ثم صرخت في وجهها:
"مبروك!!! جوزتيني لشخص معرفوش ولا طايقاه وبتقوليلي مبروك!!!!"
احتدمت نبرة نادية لتهدر بعنف:
"أنا عملت اللي فيه مصلحتك .. ولا كنتي حابة الناس يتكلموا عليكِ ويمرمغوا بشرفك الأرض!!!!"
"إنتِ اللي سمحتيلهم بكدا ياما!!!"
هتفت ولأول مرة يحمل صوتها ذلك الجرح.
لتذرف دموعًا أليمة تصرخ بها بصوت قد بحّ:
"إنتِ اللي شكيتي في شرفي قبلهم .. مع إنك أكتر واحدة عارفاني ومربياني وعارفة إني محبش الحال المايل ولا العوجان!!!"
طالعتها نادية ببعض الندم ولم تجبها.
لتكمل نور بألم:
"ليه ياما .. ليه رميتيني الرمية دي!!!"
صاحت بها نادية باحتجاج:
"رمية!!! رمية إيه يا بنت بطني!!!! ده إنتِ متجوزة راجل أبهة معاه شيء وشويات ولو مشي على الفلوس كدا متخلصش، إنتِ مش شايفة عربيته!!! وبعدين ده مش راجل مكحكح كبير في السن .. ده شاب أهو وفي عز شبابه يعني مافيهوش عيب .. وبسم الله ما شاء الله عليه زي القمر وستات وبنات الحارة امبارح كانوا هيتجننوا عليه ومالهمش سيرة إلا هو!!! فمتقوليليش رمية يا روح أمك إنتِ متجوزة جوازة مكنتيش تحلمي بيها!!!"
"و أنا!!! هو أنا مش في حساباتك خالص!!! إنتِ أم إزاي ردي عليا، رفعتي على أبويا خلع زمان وسيبتيه بحسرته ومنعتيه يشوفني ومات لوحده في شقته بعد ما حسرتيه بجوازك من راجل زبالة بص لبنتك وطمع فيها وإنتِ عاملة نفسك مش واخده بالك عشان بيتك ميتخربش!!!!"
نظرت لها نادية مصدومة.
ولم تكبح غضبها فتلقت نور صفعة منها جعلتها تصمت للحظات واضعة كفها فوق وجنتها.
لتلتفت بوجهها لها تقول بقهر:
"أنا مش مسامحاكِ، وأنا فعلًا همشي مع جوزي ومش هتعرفي عني أي حاجة تاني!!!!"
ألقت نادية الملابس في وجهها وصرخت بها:
"في ستين داهية تاخدك وتغوري من حياتي!!!"
ثم غادرت.
لم تؤلمها صفعتها بقدر ما ألمتها كلماتها التي بصقتها في وجهها وذهبت.
وكأنها ليست فلذة كبدها .. بل كأنها بالأساس لا تمت لها بصلة.
إرتمت نور على الأرض تاركة العنان لصرخات بكائها التي كتمتها منذ سنوات رافضة ذرف دمعة واحدة.
بكت وصرخت حتى شعرت بأحبال صوتها تتقطع لتضرب فوق الأرضية بكلتا كفيها وخصلاتها تنسدل على وجهها.
دخل جسدها في حالة من الرجفة تمقتها.
فهي كلما حزنت حزنًا شديدًا يفوق طاقتها الذهنية والجدية ترتجف كطفل يقف وحده في ليالي قارصة البرد والأمطار تنهمر فوق رأسه.
ظلت تبكي وترتجف لأكثر من ساعة نائمة على الأرضية في وضع جنيني لا يصدر منها سوى همهمات هافتة بـ:
"بـ .. بابا!!"
لم تعِ دخول فريد الغرفة.
الذي ارتسمت الصدمة على محياه وهو يراها على تلك الحالة.
خطى نحوها لينزل لمستواها يميل بجسده عليها يبعد خصلاتها الملتصقة بجبينها من شدة تعرقها.
ينظر لوجهها شديد الاحمرار وإلى شهقات بكائها النابعة منها.
نزلت عيناه لجسدها الذي يرتجف بلا رحمة أسفل تلك المنشفة.
وفي لحظات كان حملها بين ذراعيه ليريح جسدها فوق الفراش.
نظر لعلامات الأصابع التي تركت أثرًا بغيضًا على وجهها فاشتعلت عيناه.
وبدون وعيًا منه أطاح بمزهرية كانت تجاور الفراش فسقطت أرضًا.
لينتفض جسدها من ذلك الصوت العالي الذي اقتحم أذنها.
جلس بجوارها ليحاوط وجهها بكفيه يردف:
"سامعاني يا نور؟"
أومأت ولازالت الدمعات تُذرف من عيناها المغماضة.
فهمس برفق:
"طب افتحي عينيكِ .. بصيلي!"
أظهر عن عيناها وليتها لم تفعل.
فمجرد النظر لبنيتها الدامعة تجعل قلبه يعتصر.
أعاد خصلاتها للخلف وقال بهدوء:
"أمك اللي ضربتك؟"
أومأت مجددًا لتزداد وتيرة ارتجافها فنامت على جنبها تضم قدميها لصدرها في محاولة بائسة لتهدئة جسدها.
مسح فوق خصلاتها بحنان لأول مرة يظهر في تصرفاته معها.
انزاحت المنشفة قليلًا من على جسدها ولم تنتبه.
فجلب بذراعه الطويل ملابسها المعلقة على الأرض بعد أن مال على الأرضية قليلًا.
ثم دفع كتفها برفق لكي تنام على ظهرها.
تنهد وهم بـ القبض على تلك المنشفة وإزاحتها بعيدًا لكنها قالت برعب تضم المنشفة لصدرها:
"إنت هتعمل .. إيه!!!"
"هلبسك يا نور!!!"
هتف هو بهدوء لكن أسرعت هي نافية بفزع:
"لالالالا ... سيبني .. أنا هلبس سيبني!!"
"هتقدري؟"
قال وهو يراها تعتدل في جسدها تحاول بيأس سحب المنشفة لأسفل لكي تخفي فخذيها تومئ مسرعةً.
لم ينتوي الضغط على أعصابها أكثر من ذلك فتركها وخرج من الغرفة.
لتخرج هي الأخرى بعد دقائق ما إن ارتدت ثيابها.
نظر لعيناها التي شردت في نقطة فارغة ليقف أمامها.
رفع ذقنها بإبهامه وسبابته معًا يسألها وعيناه تتشرب محياها:
"إنتِ كويسة؟"
ابتسمت ساخرة.
فهي تقسم أن طيلة سنوات حياتها لم يسألها أحد ما إن كانت بخير أم لا.
أجابته بابتسامة فاضت ألمًا:
"مش هتفرق!"
سحب كفها بكفه ليغادرا بصمت.
ترجلا من الدرج ليخرج منذر من الشقة في ذات الوقت.
طالعته نور بمقت ليصع فريد كفه فوق خصرها ويخفيها ورائه.
أراد الآخر استفزاز فريد فقال بـ خبث:
"هتوحشيني .. قصدي هتوحشينا يا نور!!!"
لم يتحمل فريد الذي كان ينتظر أقل خطأ من ذلك الرجل لكي يريه من هو فريد الزيات.
اندفع نحوه وسط صرخات نور المصدومة ليسدد له لكمات في وجهه أوقعتُه أرضًا.
مال فوقه وأمسك تلابيب قميصه ليرفعه من فوق الأرض ثلاثة سنتيمتر ثم أنزله بقسوة.
ليصرخ الآخر بألم من فقرات ظهره التي شعر بها تهشمت وكلمات فريد تقتحم أذنيه:
"يا ابن الـ** يا نجس!!!!"
اندفعت نور نحو فريد تمسك بكتفه قائلة برجاء:
"خلاص خلاص سيبُه لو سمحت!!!"
خرجت نادية من شقتها لتشهق فورما رأت ذلك المشهد أمامها.
ركت جوا زوجها تتمسك برأسه وهي تراه يكاد يغشى عليه تصرخ به:
"مـنـذر!!! حبيبي قوم!!!"
نهض فريد عنه وصدره يعلو ويهبط بينما نور تتمسك بذراعه لكي لا يفعل شيء آخر.
لترفع نادية وجهها لهم تصرخ بهم بإنفعال:
"إنت غبي!!! إيه اللي إنت هببته ده!!!!!"
كاد أن يندفع بجسده لها لولا كفي نور التي تشبثت بذراعه مقربة جسدها منه ترجوه بهمس:
"خلاص يا فريد!!!"
يكاد يجزم أنه وسط ما يحدث يود أن يتلفت لها ويخبرها أن تعيد اسمه مرارًا وتكرارًا على شفتيها.
فهو لأول مرة يشعر أن اسمه في غاية الجمال هكذا.
نظر لجسدها القريب من ذراعه العضلي.
لينظر إلى نادية التي تحاول إفاقة منذر وهو يتوعد لها هي الأخرى.
يقول بحدة:
"وإنتِ لولا إنك مرا أنا كنت مديت إيدي عليكِ، بس عقابك إني هحرمك من بنتك ومش هخليكي تشوفيها لو حصل إيه!!"
صرخت به بغلظة قلب:
"أنــا أصلًا مش عايزة أشوف وشها!! أنا مصدقت ارتحت منها ومن قرفها!!"
تهدّلت كتفي نور ونظرت أرضًا وكفيها ينحدران من فوق ذراعه ببطء.
لكنه أسرع يحيط ظهر كفها بباطن كفه يثبته فوق ذراعه يقول لتلك التي نزعت من قلبها كل معاني الأمومة:
"أنا هخليكِ تتمني تشوفي ضفرها .. ومش هطوليه!!!"
ثم جذب زوجته خلفه وخرجت من تلك العمارة.
سارت نور وراءه تشعر بإن قلبها تهشم بقسوة.
فتح لها باب سيارته ووضع كفه فوق ظهرها يحثها على الولوج ففعلت.
ليجاورها يقود السيارة وذهنه كله مع تلك الجالسة جواره بصمت أحزنه.
التقط كفها من حجرها ليأخذ على قدمه مغلفًا أصابعه في فراغات أصابعها.
طالعته للحظات دون حديث.
ثم نظرت أمامها لدقائق لتهمس بعدها بلا وعي:
"هي ليه مبتحبنيش؟"
"تعالي!!"
قالها فارداً ذراعه لها فـ نظرت له بتردد حسمه هو عندما جذبها من كتفها لصدره.
فأغمضت عيناها وانهمرت الدموع فوق وجنتيها تهمس بصوت جعله يشدد أكثر على عناقها:
"يعني ليه رافضاني؟ .. ليه عمرها ما طيبت خاطري بكلمة؟"
وبدون وعي منها تشبثت في قميصه المفتوح أول ثلاثة أزرار منه.
فلامست أناملها الباردة صدره الدافئ فابتسم رغم حزنه على حالتها.
استنشق عبير خصلاتها ليمرر كفه فوق كتفها يقول بهدوء حاول اصطناعه:
"أمك كانت عارفة باللي النجس ده بيعملُه؟"
"لـ .. لاء!!"
همهمت بحزن.
فقال بهدوء:
"أكيد حست بنظراته ليكِ .. وده خلاها كارهالك وعايزة تبعدك عنها عشان بيتها .. ميتخربش!!!"
أغمضت عيناها وهي تشعر بأن كلماته مئة بالمئة صحيح.
ضمت جسدها لصدره أكثر تهمس برجفة:
"يعني هو .. أهم منها عندي صح؟"
"نفسها أهم منكم إنتوا الاتنين!"
قال بهدوء فـ صمتت تفكر في تحليله للأمر.
لكن صدمت عندما أخبرها بهدوء:
"وإنتِ عندي .. أهم من أي حد!!"
رفعت وجهها تنظر له بصدمة مما سمعت.
ابتعدت عنها تنظر خارج النافذة بارتباك.
لتشرد بكل ما مرت به حتى وجدت نفسها أمام ڤيلا يدلف لها من خلال بوابة فتحت تلقائيًا فورما وجدت سيارته.
نظرت حولها بانبهار وترجلت من السيارة لا تصدق ما تراه عيناها.
فتحت باب السيارة عندما توقفت وترجلت منها.
رفعت رأسها لضخامة المبنى.
وقف جوارها فـ نظرت له قائلة:
"كلها بتاعتك؟"
"آه"
قالها بهدوء وهو ينظر لها.
فسألت بدهشة:
"حد عايش فيها معاك؟"
"لاء!"
ازدادت دهشتها لتسأل مجددًا:
"فين باباك ومامتك؟"
"ميتين!"
هتف والتأثر لا يظهر البتة على وجهه.
فغمغمت بهدوء:
"الله يرحمهم!!"
نظرت لذلك المسبح وتلك الورود المزروعة في جانب بمفردها ومن الواضح أنها تحظى باهتمام كبير.
لفحها الهواء فضمت نفسها بذراعيها واتجهت ناحية باب الڤيلا وهو يسير خلفها.
وقف مباشرة خلفها ووضع كفه الأيسر فوق خصرها يزيحها قليلًا لكي يفتح الباب بالمفتاح.
حمحت بحرج من لمسته ودلفت.
أعتلت الصدمة محياها تنظر حولها ولم تكن تظن بحياتها أن مثل هذا الترف موجود بتلك الحياة.
أخرجها من شرودها عندما وجدتُه يمسك بكفها يسير بها إلى الدرج.
فتوقفت تقول بضيق:
"رايح فين، وبطّل بتجرني كدا!!!"
"رايحين أوضة النوم، وأجرك أحسن ما أشيلك .. ولا عايزاني أشيلك؟"
قال بخبث ظهر في نبرته فـ أبعد كفها عن مرمى كفه وقالت بحدة:
"لا ده ولا ده!!"
ثم همست بتوتر:
"سيبني أتفرج على الڤيلا شوية!!!"
شعر بالصداع يفتك رأسه.
ليجلس على الأريكة يعطيها ظهره الذي أراحه على ظهر أريكته الوثيرة.
يقول عائدًا برأسه مغمضًا عيناه يشعر وكأن شخص يضرب بمطرقة فوق رأسه:
"إتفرجي يا نور!"
زفرت براحة ودلفت إلى ما اتضح أنه مطبخ.
كادت تشهق من جماله لتفتح الثلاجة وترى فيها كل ما لذ وطاب.
التقطت تفاحة لتتذكر أنها كانت دائمًا تستأذن أمها لتأكل شيئًا من الثلاجة وتسمح لها أو لا.
وقفت على مدخل المطبخ وقالت بهدوء:
"ينفع آكل تفاحة؟"
رغم ألم رأسه إلا أنه فتح عيناه ونظر لها ساخرًا يقول:
"بتستأذني عشان تاكلي في بيت جوزك؟!!"
أخفت محياها الخزينة ودلفت إلى المطبخ مجددًا وهي تقضم التفاحة بجوع.
فهي لم تأكل منذ البارحة.
رفعت صوتها ليصل له تقول مستفسرة:
"مين بيساعدك في الهلمة دي كلها!!!"
جائها صوته هادئ كعادته:
"الخدامين!!!"
شهقت من كلمته لتتجه له تقول ببراءة وضحت له في نبرتها:
"مش بنقول عليهم خدامين!!! ممكن نقول مساعدين أو أي حاجة تانية!!!"
ابتسم رغمًا عنه ينظر لعيناها.
يريد أن ينهال بقبلاته فوق تلك الجفون التي تحاوط أجمل عينان قد رآها بحياته.
صمت ولم يرد.
فسألت وهي تقضم من التفاحة وعيناها تلف الڤيلا:
"هما فين بقى!!!"
"في أجازة!"
قال بهدوء.
فهتفت بدهشة:
"ليه .. بمناسبة إيه يعني؟"
"بمناسبة إنهم مينفعش يبقوا موجودين في ليلة دخلتنا يا نور!!"
قال وهو ينهض واقفًا أمامها يطالعها بأعين خبيثة.
صدمت مما قال لتقف قطعة التفاحة في حلقها.
فأخذت تسعل تميل برأسها للأمام واضعة كفها على صدرها.
أسرع يصب لها كأس من الماء كان موضوع على المنضدة.
ليحاوط ظهرها يقرب الكوب من شفتيها هامسًا بقلق نهش قلبه:
"اسم الله عليكِ .. إشربي!!!"
شربت من المياه مسرعةً بعطش.
وعندما أنهتها وضعها جانبًا.
لـ يعود يتفرس وجهها بقلق عليها.
فإذا مسه السوء مسه.
مسح على خصلاتها يسألها بهدوء منافي لنيران قلبه:
"إنتِ كويسة؟"
أومأت برأسها وهي تربت على صدرها مغمضة عيناها.
ابتسم ليدرك سبب سعلتها المفاجئ:
"كل ده عشان قولتلك دخلتنا!"
عادت تنظر له بتوتر.
تنظر لذلك القرب بينهما لتجحظ عيناها له بصدمة عندما قال بمكر:
"إنتِ ليه متخيلة إني هاكلك؟ هو أنا هاكلك فعلًا بس مش بالصورة اللي إنتِ متخيلاها!"
"إنت .. إنت بتقول إيه بجد!!!"
هتفت مصدومة.
فمال يحملها بين ذراعيه لتشهق تتمسك في قميصه تركل الهواء بقدميها تصرخ بخوف شديد:
"نزلني!!! رايح فين بيا بقول نزلني!!!!!"
صعد الدرج بها وسط قوله بضيق:
"نور .. أنا صبري نفد، وعايز أتمم جوازنا قدام ربنا!!!"
نفت برأسها بهيستيريا تقول برعب:
"لاء .. لاء!!!!"
تنهد ودلف بها الغرفة ثم أنزلها في وسطها.
وقبل أن تركض منه وبالفعل كادت تفعل حاوط خصرها بغضب جلي يهدر بوجهها:
"إيه شغل العيال ده! بتجري مني!!!"
ظلت تضربه على صدره تصيح به بعنف:
"وهقتلك كمان لو فكرت تقربلي ولا تلمس مني شعرة!!!"
أغمض عيناه وعاد برأسه للخلف يحاول التحكم في شيطان غضبه لكي لا يقسو عليها.
ولكن غلبه انفعاله وقبض فوق خصرها بعنف شديد يقربها منه حتى تآوهت هي وهي تبعد وجهها عن وجهه.
تمسكت بقميصه تحاول خلق مسافة بينهما هادرة بوجهه:
"إبعد عني!! آآه!!"
تآوهت من قوة قبضته على جسدها فخفف يدُه ورمى قسوة كلماته بوجهها بحدة:
"شغل عيال ودلع مش عايز يا نور!!!"
نزعت كفه دلّكت مكان قبضته والألم يغزو تلك المنطقة من خصرها وظهرها بالكامل تشعر بجروحه التي لم تطيب تفتحت بفعل قسوته.
طالعته بمقت لتتحول لنظرات مصعوقة عندما وبكل جرأة رفع كنزتها قليلًا ليرى مكان أصابعه تارك آثار عنيفة.
حاولت دفع يده وستر جسدها إلا أنها فشلت فقد صرخ بوجهها حتى انتفضت مخضوضة:
"بــــس فـــرك بـقـى!!!"
"إنـت إزاي بتزعقلي كدا!!!"
صاحت به بمثل غضبه.
فهمس وهو ينظر لتلك التي ستُدم حتمًا:
"ده أنا هديك بالجزمة!!!"
"إنت قليل الأدب!!!"
قالتها بغل.
فابتسم يرفع عيناه لها:
"بلاش تخليني أوريك قلة الأدب اللي بجد!!!"
حاولت خداعه بمحاولة دفعه خارج الغرفة حتى تغلق الباب ترجوه بحزن زائف:
"طب ممكن بس تخرج أستحمى وأغيّر!!!"
أعتدل بوقفته ينظر لها بمكر:
"الحمام عندك ادخلي استحمي .. وغيري هدومك في الأوضة دي، فيها لبس ليكِ وكل حاجة ممكن تحتاجيها"
أشار بعيناه لغرفة تبديل الملابس.
فلم تجد حلًا سوى حبس نفسها بتلك الغرفة.
تركته ودلفت للمرحاض لتغلقه جيدًا على نفسها تنزع ثيابها لتنظر لجسدها بحزن.
التفتت تنظر لظهرها لتشهق بحسرة على حالة ظهرها الذي امتلأ بآثار حمراء غليظة تؤلمها.
لا تعلم لم تخشى إشمئزازه منها.
فهو رجل مكتمل الرجولة لا ينقصه شيئًا.
ربما إن رآها بتلك الحالة سيطلقها ويعيدها إلى أمها وزوجها.
شهقت من مجرد الفكرة وتساقطت دمعاتها لتختلط بالمياه الساخنة التي هدرت فوق جروح ظهرها فألهبتها أكثر تاركة إياها تتآوه وتئن من شدة الألم.
تذكرت عندما ضربه بلا رحمة فشافى به غليلها.
فهي إن كانت طلبت منه يتوقف عن ضربه لأنه فقط كاد يموت بين يداه.
ورغم ما فعلته أمها فهي لا تريد تركها وحيدة بدونه حتى وإن كان حقيرًا.
ما دام لم يؤذي أمها بشيء!
نظفت جسدها قليلًا ثم خرجت من المرحاض لتنظر للعطور والكريمات المرطبة الأنثوية المتراصة فوق الرخام أمام المرآة.
طالعتهم بحيرة وقالت:
"هو جايبهم ليا؟ ولا كان في حد هنا قبلي؟!!"
تغاضت عن الفكرة وبدأت في ترطيب جسدها وتعطيره.
ثم ارتدت ذلك البشكير الذي ستر جسدها أكثر من مجرد منشفة.
وخرجت لتجده واقف في الشرفة يوليها ظهره والظاهر أنه ينفث دخان لفافة تبغه.
أسرعت داخل غرفة تبديل الملابس لكن صدمت عندما وجدتُها بدون مفتاح.
لا تدري ماذا ستفعل.
أتضع شيئًا خلف الباب؟
ولكن ماذا ستضع ولا يوجد شيء تستطيع تحريكه.
فالغرفة لا يوجد بها سوى خزانات زجاجية فخمة.
ومزينة من نفس الهيئة.
تساقطت عبرات من مقلتيها وأغلقت الباب عليها ثم بحثت في الخزانة التي قد امتلئت بثياب نوم فاضحة جعلتها تضحك من صدمتها.
انتقيت أكثرهم احتشامًا وكان عبارة عن قميص أسود بحمالات مفتوح الصدر يصل لمنتصف فخذها وفوقه روب وسط إلى ركبتيها.
ارتدته بضيق تحادث نفسها:
"إزاي مافيش بيجامة واحدة!!! كل اللي جايبه سافل زيه!!!"
نظرت لنفسها في المرآة وقد ضاهى سواد القميص بياضها.
ابتسمت وهي تسدل خصلاتها البنية المبللة.
وجدت مجفف كهربائي رأته كثيرًا في الأفلام.
فأمسكت به وحاولت تجفيف خصلاتها بحذر.
حتى جففت بالفعل.
جلست على أريكة موجودة بالغرفة وهمست لنفسها:
"شكلُه نسيني! يارب يكون نام!!"
أغمضت عيناها لكن انتفضت عندما سمعت طرقات على الباب.
فصرخت به بعنف:
"عايز إيه!!!!"
انفتح الباب بقسوة حتى ارتطم بالحائط خلفه لينكمش جسدها بخوف من فعلته لاسيما عندما وجدت محياه الغاضبة.
رأته يتجه نحوها فارتجف جسدها ليقبض على ذراعيها ينهضها قائلًا بعنف:
"ورحمة أبويا صوتك لو علي بالشكل ده تاني هخليكِ تندمي ندم عمرك يا بنت الراوي!!!!"
نظرت له بتوجس لا تنكر خوفها.
غضبه أعماه عما ترتديه.
فكاد يبخ بها غضبه لولا عيناه التي التقطت كتلة الأنوثة المتجسدة بها والموجودة بين يديه.
أغمض عيناه يحاول التحكم في رغبته الجامحة بها.
دفعها بضيق يوليها ظهره يهمس لنفسه كيف ترتدي الأسود!!
ألم تجد سوى اللون الذي طالما عشقه عليها.
يكاد يجزم أن لولا علمه بشخصيتها لكان ظن بها أنها تعرض نفسها عليه.
التفت لها وهي تقف مشدوهة لا تعلم ماذا يحدث له ليصيح بها بحدة:
"إيه اللي لبسك قميص نوم إسود!!! ما تردي!!!"
لم تجيبه بل نظرت له حائرة من أمره.
لتهمس بعد ثوانٍ:
"مش .. مش فاهمة، أنا لبسته عشان محترم شوية!!!"
تعالت نبرتها تقول بحدة:
"كل اللي في الدولاب حاجات سافلة وقليلة الأدب و"
قاطعت كلماتها عندما وجدته يندفع نحوها يحاوط وجهها وهو يستند بجبينه فوق جبينها يهمس بصوت خافت:
"استحملي اللي هيجرالك بقى يا نور!"
"إنت .. آآ أنا آآآبـ"
ماذا ستنطق؟ ومن أين ستأتي بحروف لتركبها وأنفاسه الحارة تضرب بشرتها.
أغمضت عيناها ولم تحسب حساب استسلامها بين يديه.
لم تظن أبدًا أن تأثير كلماته، ولمساته ستكون بهذا القدر على قلبها.
هي التي كانت تجزم وتقسم بأنها لم ولن تترك نفسها له.
لن تتركه ينالها مهما حدث ولن تكون لقمة سائغة بين فكيه.
وها هي الآن كالحمقاء تتجاوب معه وتستجيب لما يفعل.
وأصبح زوجته قولًا وفعلًا.
وأصبحت بين يديه كما تمنى.
لكن لم يشعر أنه ليس راضيًا بعد؟
لم يشعر بأن هناك ما ينقصه.
كان يظن أن لا شيء سيصل له بعد أن وصل لها.
لكن لماذا يشعر أن هناك الكثير بعد .. وأن وجهته لم تكن لغرض جسدها فقط!
رغم سعادته التي لم يشعر بها من قبل وهي بين ذراعيه.
ورغم تلك الليلة التي ستظل محفورة بقلبه طيلة حياته .. إلا أن الضيق تلبس قلبه.
فدثرها بالغطاء ونهض يقف في الشرفة صافعًا بابها خلفه.
تاركًا إياها مصدومة من الأمر برمته.
من استسلامها له ومن ردة فعله.
شعرت بقلبها تهشم ظنًا منها أنها لم تلق استسحانه.
بالتأكيد آثار الضرب على ظهرها أثارت اشمئزازه.
لم تتحمل كومة النيران التي اشتعلت في وسط صدرها.
ارتدت روبها ونهضت وهي توعد له.
ستثأر لكرامتها التي بعثرها على الأرض.
فتحت الشرفة ليضربها الهواء بقسوة.
التفت لها باستغراب ليجدها اقتربت منه ووقفت أمامه تردف بحدة ودموع القهر ملأت عيناها:
"أنا بكرهك!!!"
"في إيه!!"
قالها بدهشة واهتمام حقيقي.
هل آذاها؟
هل لتلك الدرجة تألمت بسببه؟
هل كان عنيفًا معها بفعل رغبته القاتلة بها!
لم تتحكم في عيناها الخائنة لتُملأ بالدمعات تضربه على صدره بقبضة عنيفة صارخة بوجهه بصوت شعر بالألم بطياته:
"لو أنا معجبتكش للدرجة دي كان ممكن على الأقل تنام جنبي!! مش تقوم من جنبي!!!!"
ثم انهالت دمعاتها فوق وجنتيها تصرخ بوجهه فيستشعر دمعاتها وكأنها سوط يسقط على جسده:
"مدام قرفت من العلامات اللي على ضهري كنت طلقتني وخدناها من قصيرها!"
"عـلامـات!!!"
أعاد الكلمة مرة أخرى على لسانه لا يصدق ما نطقت به.
وفي لحظة كان يدفعها للداخل يغلق الشرفة جيدًا ثم التفت لها يقبض على ذراعيها يغمغم مصدومًا:
"علامات إيه اللي على ضهرك، لفي!!!"
تلوت بين ذراعيه تهدر ببكاء:
"إبعد عني!!"
"لــفـــي بـقـول!!!"
صرخ بها وقد استوحشت عيناه من شدة غضبه يدفعها من كتفها لكي تستدير وتوليه ظهرها.
فعلت فـ فتح ذلك الروب لتشهق بخجل وهي تراه يُنزع ذلك الروب من فوق جسدها فسقط لتضم ذراعيها لصدرها بخجل رهيب.
نظر لتلك العلامات مصدومًا، علامات ضرب حمراء بارزة عن الجلد نفسه بقليل.
رفع إبهامه يتلمس تلك الآثار فـ ارتجف جسدها.
لينطق بصعوبة بعد أن شعر بلسانه مكبلًا:
"مين عمل فيكِ .. كدا؟"
"جوزها!!!"
قالت تصم كفيها لصدرها.
لتنتفض عندما وجدته يضرب فوق باب الشرفة ضربة تلي الغرفة.
فـ أسرعت تخفي جسدها بالروب تلتقطه لترتديه وهي تتراجع للخلف من تلك الحالة المصعورة التي هو عليها.
أخذ يضرب باب الشرفة ويزيح كل مقتنياته من فوق المزينة ويزيح تلك المزهرية المسكينة التي سقطت أرضًا متهشمة لشظايا زجاج.
أغمضت عيناها بثبات لا تدري ماذا عليها أن تفعل.
لتفتح عيناها عندما وجدتُه يتنفس بسرعة وكأنه للتو خرج رابحًا من سباق الماراثون.
وجدته يختطف هاتفه يغلط على شاشته وترى صدره العاري يعلو ويهبط.
لتجده يضعه على أذنه يصرخ به بعنف:
"دياب!!! تقوم حالًا تجيبي واحد و** اسمه منذر ساكن في عين شمس عمارة *** الدور الأولاني!!!"
شهقت لتركض ناحيته تقف أمام تضع كفيها على صدره ترجوه ولأول مرة:
"لاء لاء وحياة أغلى حاجة عندك متعملش كدا!!! أمي تموت فيها والله تموت!!!"
نظر لها للحظات ثم تابع حديثه يقول بحدة:
"مش عايز الساعة دي تعدي إلا وهو في المخزن يا دياب!!!"
كتمت شهقتها بكفيها ليغلق الهاتف معه يصرخ بها بعنف:
"أنـــا مـــش عــايــز أسـمـعـلـك صوت!!!!!!"
"ماما كدا هيحرا لها حاجة!!!"
قالت وهي تنظر له بصدمة ولم تسمع لما قال.
فأمسك بكتفيها يصرخ بوجهها:
"فـي سـتين داهـية!!!! مجرالهاش حاجة عليكِ هيجرالها على النجس ده!!"
ليتابع بشراسة:
"مقولتيليش لـيـه من بدري!!! لــيــه!!!!"
تركته وذهبت جالسة على الفراش واضعة رأسها بين كفيها بألم.
أخذ دقائق يحاول تهدئة نفسه.
حتى انطلق للكومود الذي يجاور الفراش ثم أخرج منه مرهم للجروح.
ألقى به على الكومود ثم اتجه ناحيتها.
ليُميل عليها يحملها بين ذراعيه.
تعلقة برقبه تقول بخضة:
"بتعمل إيه!!"
وضعها على بداية الفراش ليجعلها تستلقي.
يضع ذراعه خلف ظهرها، يميل بجسده عليها فـ وضعت كفيها فوق صدره تنظر له بعدم فهم.
أخذ كفها ثم قبّل باطنه لتُصدم.
همس بحنان ينبع من صوته لأول مرة:
"هغطيكِ .. وهديكِ ضهرك عشان أحطلك مرهم على اللي في ضهرك ده!!!!"
جحظت بعيناها تسرع قائلة:
"لاء لاء! أنا هبقى أعمل كدا!!!"
أغمض عيناه ليستند بجبينه فوق مقدمة رأسها يقول بوهن:
"نور .. مش عايز مناهدة وعِند، أنا فيا اللي مكفيني صدقيني!"
ابتعد عنها ثم قال بهدوء:
"يلا .. وأنا هغطيكِ عشان متتكسفيش!!"
تنهدت بحزن والتفتت بالفعل تعطي ظهرها له.
سحب الغطاء على جسدها من آخر ظهرها ململمًا خصلاتها وبرفق أبعد ذلك المئزر عن جسدها ليرى ظهرها الأبيض تشوه بتلك العلامات القاسية على قلبه قبل أن تكون على جسدها.
وأخذ عبوة الكريم وهو يشعر بتمزق قلبه.
ثم أفرغ القليل بين أصابعه.
وأدفأ برودته بين مقدمة أنامله ثم وضع القليل على الجرح الذي اشتد احمراره.
سمع تآوهاتها فأغمض عيناه يبعد أنامله عن ظهرها.
ثم عاد يضعها مجددًا برفق شديد.
ترك أثر واتجه للآخر.
حتى أنهى جميع جروحها.
مال بشفتيه ونفث الهواء على الكريم لكي يجف.
غلغل أنامله بخصلاتها فوجدها قد نامت.
ابتسم وظل يمسح فوق شعرها يقول متوعدًا:
"عهد عليا ما هسيب حقك، وهنسل أوسخ حزام عندي على جتته وهخليه يجيلك راكع يطلب منك تسامحيه!!!"
ظل جوارها حتى امتص جلدها المرهم.
سقط بشفتيه يقبّل كل جرح صغير طبع على ظهرها.
ينثر قبلات بطيئة حنونة متألمة على ظهرها.
ثم دثرها جيدًا.
وارتدى ملابسه وغادر منتويًا على ما خطط له!!!
رواية هوى الزيات الفصل الرابع 4 - بقلم سارة الحلفاوي
رُبط في كرسي حديدي، رسغيه ازرقا من قوة الحبل السميك المربوط به. أغمض عينيه يشعر بالدماء تسيل من كل شق بجسده بعد أن تم جلده على يد فريد الزيات حوالي مئة جلدة دون توقف. يأخذ أنفاسه بالكاد، حتى استمع إلى خطوات أقدام تأتي نحوه. رفع عينيه يحاول تميز ملامح القادم، حتى وجده فريد.
أشعل ضوء ذلك المخزن المتهالك، ثم جلس أمامه وأشعل سيجارة أمام عينيه. أسرع منذر يرجوه قائلاً:
"أبوس رجلك يا بيه سيبني أمشي، وأنا وربنا ما هتعرضلها تاني، بس سيبني أرجع لبيتي ومراتي."
انزوت شفتيه يقول بمكر:
"هسيبك ترجع طبعًا.. عشان إنت ومراتك تتحسروا على حالكم."
أسرع ينظر له بلهفة يذرف الدمعات. أشار فريد لرجاله لكي يحرروه من ذلك الحبل، ثم أمرهم بحدة:
"خدوه ورموه قدام باب بيته بعد ما تروّقوه شوية."
صرخ منذر برعب:
"لأ يا بيه أبوس إيديك كفاية، أنا اتروقت بما فيه الكفاية."
جذبوه رجال فريد يجرونه جرًا كالشاه. فنهض هو يلقي بلفافة تبغه ثم يخطو فوقها، ليقرر الذهاب لها، لملاذه وعشقه الأوحد، لطفلته التي يعلم بهشاشتها رغم تلك القوة التي تدعي وجودها. طفلته التي وطأوا فوق قلبها ودهسوه. كيف تحملت سقوط حزام فوق جسدها؟ كيف تحمل أن يسمع صراخها وبكائها وبالتأكيد توسلاتها له أن يكف ولم يفعل!
ركض بالسيارة لبيته بأقصى سرعة لديه، ثم ترجل منها ليدخل الفيلا ويصعد لغرفتهم. فوجدها قد استفاقت ويبدو أنها تحممت. ترتدي بيجامة مكونة من سروال قصير يصل لمنتصف فخذها وكنزة بحمالات رفيعة تظهر بداية نهديها. توقف في مكانه يأكل بعينيه تفاصيلها وهي تأتي الغرفة ذهابًا وإيابًا قبل أن تراه فتركض ناحيته ويركض معها خصلاتها المبتلة ورائحة جسدها التي غمرت أنفه. تقف على مقربة منه تقبض فوق قميصه والقلق يحتل عينيها قائلة:
"عملت إيه؟"
نظر لها كالثمل، ليردف وعيناه تسير على ملامح وجهها:
"فـ إيه؟"
تناسى تمامًا ما فعل، تناسى من هو وكيف أتى وكيف أصبحت بين ليلة وضحاها جليسة غرفته لا تبرح منها. وسينام ليرى عينيه ملامحها قبل أن تُغمض وتُفتح على بداعة وجهها. ناظرته بذات القلق ثم أسبلت عيناها لجسده تتفحص إن كان بخير أم تأذى مثلًا. لتردف بلهفة:
"فـ جوز أمي؟"
رفع كفيه وحاوط وجنتيها يمرر فوقهما إبهاميه يقول بهدوء:
"متجيبيش سيرته على لسانك.. تاني."
ارتبكت من قربه، فهمس بلطف وعيناه تتعلق بشفتيها بعدما راجع كلماتها:
"إزاي دماغك جابتك.. إني ممكن أكون قرفت منك؟"
لم تجبه، بل نظرت لعينيه واضعة كفيها فوق كفاه المثبتان على وجنتيها. فأردف بذات النبرة التي امتلأت رفقًا:
"ده أنا قضيت معاكِ ليلة ما كنتش أتخيل إنها تبقى بالجمال ده، حتى خيالي مجابش الجمال.. ده."
احمرار وجهها الخجول جعله يبتسم، ليميل مقبلًا وجنتها الحمراء ثم عاد ينظر لها. أسرعت تبتعد عنه لتجلس على الفراش تفرك أناملها بتوتر. لم ييأس واتجه لها جالسًا أمامها يردف بهدوء:
"بتهربي مني ليه؟"
"مش بهرب."
قالتها بضيق رافضة فكرة الهروب التي تبتعد عن سمات شخصيتها تمامًا. لتجده ينطق فجأة بـ:
"نور.. قولي فريد."
نظرت له باستغراب، ثم قالتها بعفوية:
"فريد."
ابتسم ولم يعلق، لكن اختفت ابتسامته عندما غمغمت:
"كنت.. يعني عايزة أقولك حاجة."
نظر لها بقلق ثم قال:
"قولي أربعة.. في إيه؟"
"عايزة أشتغل."
هتفت بهدوء زيّفته وهي تنظر داخل عينيه. رفع حاجبيه مشدوهًا من طلبها، ثم صمت لدقيقة.. دقيقتان حتى وصلا لخمس دقائق من الصمت التام. لا هي أضافت شيئًا ولا هو استجاب لطلبها ولو بإيماءة.
"نور.. إنتِ عارفة أنا مين صح؟"
هتفت بضيق:
"عارفة! وعارفة إن شغلي هيأثر على برستيج سيادتك، وعارفة إن مينفعش مرات فريد الزيات تبقى بتشتغل."
"قبل كل ده! أنا راجل دمه حر، مقبلش يبقى مراتي فوقيها مدير بيديها أوامر وهي بتقوله سمعًا وطاعة. الفكرة بالنسبالي مش متاحة أصلًا. وبعدين إنتِ عايزة تشتغلي ليه! أنا هعملك حساب في البنك وهحطلك فيه المبلغ اللي تطلبيه.. فلوسي كلها تحت رجلك يبقى ليه الشغل يا نور."
قال بمنتهى المنطق، فنظرت له بدهشة، وسألته بنفس الدهشة:
"إنت ليه بتعمل معايا كل ده؟"
ثم تابعت بحيرة:
"يعني أنا بنت عادية أوي، حتى شكلًا أنا مش ملكة جمال.. بنت عادية ملامحي مقبولة. ليه واحد زيك يتجوزني؟"
"إنتِ جميلة."
قالها بتلقائية ليسترسل:
"شكلًا وموضوعًا، وبالنسبالك شايفة نفسك بنت عادية، بس أنا شايف فيكِ البنت اللي فيها كل صفات الست التي تصلح تبقى مراتي."
جذبها من ذراعها برفق، ودفع رأسها تجاه صدره بحنو، فأراحت رأسها عليه دون أن تبتعد عنهُ. أغمضت عيناها تشعر براحة غريبة بين ذراعيه. ذلك العناق يذكرها بعناق أبيها. لا تعلم كيف حاوطت خصره ودفعت برأسها في أحضانه تستنشق تلك الرائحة النابعة من ملابسه تُنعش بها رئتيها. ولا يستطيع هو وصف سعادته من ذلك العناق. فهو لأول مرة يشعر بها تبادله عناقه. مسح فوق خصلاتها مقبلًا جبينها بهدوء، ليسمعها تغمغم ببراءة تلمسها في نبرتها:
"إنت كمان جميل."
ابتسم على براءة جملتها، ثم هتف:
"تعالي نخرج نتعشى برا."
قفزت من حضنه وصرخت بحماس:
"يلا بينا! هروح ألبس."
"ماشي."
قال والابتسامة مرسومة على ثغره يتابع ركضها لغرفة تبديل الملابس. تنهد ونهض لكي يستحم ثم يرتدي هو الآخر عاهدًا أن يجعلها في منتهى السعادة ولو كلفه ذلك عمره.
***
جالسًا فوق الأريكة الوثيرة ينتظر خروجها، حتى خرجت وأخيرًا بثوب باللون الروز الباهت انعكس على بشرتها فـ أظهر جمالها. كان بأكمام مختشم إلا أنه تهدل فوق جسدها فرسم تفاصيله بحرفية، مظهرًا خصرها الاعوجاجي، وتناسق جسدها المميت لرزانته وهدوءه. خصلاتها الناعمة انهمرت فوق كتفيها وظهرها مع لونهم البني الذي لاق لبشرتها ولون الثوب، وبعض من مساحيق التجميل برزت محياها. نهض وكان هو الآخر يرتدي بذلة مأزرها فوق معصمه. وقف أمامها بعد أن تأملها، لينظر لها عندما أخذت خطوات بعيدة عنه تقول بفرحة:
"بص كدا.. حلوة؟"
"زيادة عن اللزوم."
ابتسم وهو يصرح بحب ظهر في عينيه. لم امتعضت محياه عندما تذكر أن أناس سيروها، وبالتأكيد ستتشبث أعينهم بها، فقال بضيق ظهر في صوته:
"بس مينفعكيش."
طالعته بصدمة وظنت أنه يقصد أن ذلك الثوب الذي يوحي بغلاء ثمنه وقيمته لا يليق بفتاة مثلها. فـ رددت الكلمة على لسانها تشعر بوقعها كوقع دلو بارد فوق رأسها:
"مينفعنيش؟"
هتف بحدة:
"أبدًا! ضيق ورسم جسمك! مينفعش."
زفرت براحة عندما فهمت مقصده. ابتسمت لتقترب منه تتشبث في قميصه المفتوح أوله قائلة برجاء:
"لأ ده جميل أوي والله."
"ما أنا عارف إنه زفت جميل."
هتف بنفس الضيق، ثم أمسك بكفها ليوقفها أمام المرآة وهو خلفها كفه مثبت على خصرها:
"شايفة أد إيه ضيق؟ إنتِ فاكرة إني هسمحلك تنزلي كدا؟"
نظرت لنفسها تتأمل الثوب على جسدها، لتلتفت له قائلة بلطف:
"بس أحنا هننزل نركب العربية وننزل من العربية للمطعم، محدش هيشوفني."
أخذ كفها وسار بها لغرفة تبديل الملابس يقول بحدة:
"على أساس إن اللي قاعدين في المطعم دول فضائيين."
ضحكت وسارت معه حتى توقفا عند خزانتها، أخرج لها مئزر جوخ طويل، وضعه على كتفها يقيس طول عليها وسط صدمتها وهي تردف:
"إنت بتعمل إيه! إحنا في الصيف وده بالطو."
"مش مهم."
هتف وهو يلقي بـ جاكيته لكي يجعلها ترتديه يلبسها هو إياه. وبالفعل أغلقه جيدًا وهي تتذمر بين يديه. صعدت عيناه لخصلاتها يهتف بحدة:
"ومسيِّبة شعرك."
ثم التقط مشبك شعر على شكل فراشة، ولفها يلملم خصلاتها حتى عقصهم بقوة يثبتهم بذلك المشبك. التفتت له وقد احمر وجهها غضبًا:
"حرام عليك يا فريد، شكلي بقى عرة! حاسة إني صبي صنايعي."
ضحك حتى عاد برأسه للوراء، ثم نظر لها يقول بخبث:
"هو في صبي صنايعي بالحلاوة دي! ده أنا هاين عليا أقلعك الفستان خالص ونقعد بلا عشا بلا بتاع."
شهقت بصدمة لتقول بغضب:
"آه أومال إيه.. م هو ده اللي ناقص."
أمسكت كفه تقول بضيق:
"يلا بقى قبل ما تعمل كدا بجد."
التقطت جاكيت بذلته وسار معها، لا يصدق أن فريد الزيات ينساق خلف امرأة بمزاجه كليًا.
***
سحب لها المقعد لتجلس والغضب يأكل ملامحه، فقد لاحظ نظرات النادل لها ولولا نظراته لها لكان الآن بين عداد الموتى بين يديه. جلس أمامها يعود بظهره للخلف ولم يتحمل أن يجلس دون أن يشعل لفافة التبغ، وفعل. فطالعتُه بإستغراب. تأملت ضيقه لتقترب بجزعها العلوي منه، جاذبة تلك السيجارة من بين شفتيه، وضعتها في المطفأة تقول بهدوء:
"إيه اللي مدايقك؟"
"إيه اللي عملتيه ده؟"
قال وعيناه اشتعلت كاشتعال تلك السيجارة قبل أن تُطفأ. لم تجيبه ليسترسل بعنف:
"مين سمحلك؟"
"أنا اللي سمحت لنفسي."
هتفت بجرأة تستند برأسها للخلف هاتفة بثقة:
"أنا مبطقش ريحة الدخان."
أغمض عيناه يتحكم في غضبه، ليردف بحدة:
"تتعودي يا نور."
"إنت اللي تتعود متشربهاش قدامي."
هتفت بنفس الضيق، ثم لفت وجهها تشيح به بعيدًا عنه من ضيقها. طرق فوق الطاولة بحواف أنامله، ينظر لملامحها الجميلة التي بهتت بضيق. كاد أن ينطق لولا أنه لمح ذلك النادل يقترب منهم لكي يأخذ طلبهم. زفر الأخير بضيق ثم أملى عليه طلبه لكي يغادر ولم يسألها عما تريد. عندما ابتعد النادل ناظرته بصدمة قائلة:
"إنت مسألتنيش هاكل إيه."
"عشان عارف ذوقك."
قال بجمود، فـ انفعلت واحتدت نبرتها وهي تقول:
"عارف ذوقي منين! أنا أصلًا مبحبش الجمبري."
"وطي صوتك."
قال بهدوء استدرزها أكثر، لتدفع بظهرها للمقعد تضم ذراعيها لصدرها تنظر أمامها بحزن ظهر على عينيها. تنهد ونهض ليجلس جوارها. التقط ذقنها يلف وجهها له يقول بحنو:
"عايزة تاكلي إيه وأنا أروح بنفسي أطلبهولك."
"مش عايزة شكرًا."
قالت دون أن تنظر له، تبعد كفه من على ذقنها. لكن فجأة وجدته يسحب مقعدها لمقعده واضعًا كفه على خصرها. نظرت له بصدمة فـ ابتسم ومال ملتقطًا قبلة سريعة من شفتيها المنفرجة. شهقت وأسرعت تبعد وجهها عنه تقول بصعوق:
"إيه اللي عملتُه ده! في ناس حوالينا."
ثم أخذت تنظر لمن حولها ولكن لم تجد أحد ملتفتًا لهما فـ حمدت ربها. طالعته بغضب شديد ثم هتفت:
"إنت.. اللي عملته ده ميصحش قدام الناس."
"أنا أعمل اللي أنا عايزه في أي وقت."
قال بخبث، ثم هتف بمكر:
"ووالله لو ما قولتي دلوقتي أطلبلك إيه هبوسك بوسة بجد مش الزغزغة اللي عملتها من شوية دي."
لم تتحمل وضربت فوق صدره من شدة خجلها، ثم قال بارتباك رهيب:
"لأ لأ خلاص.. أنا عايزة رز وفراخ."
ثم فكرت قليلًا لتردف مسرعة:
"وعايزة محشي ورق عنب."
ابتسم وقال وهو ينظر لشفتيها:
"أطلبي حاجة تانية."
لم تلاحظ نظراته فـ قالت:
"شوية ملوخية."
"عنيا."
قال وقبل جبينها ثم نهض. جلست ترتب خصلاتها بتوتر وحيرة، ثم همست بابتسامة:
"والله مجنون.. بس قمر يخربيت جمال أمه."
ثم ضحكت تخفي فمها الذي نطق بالذي لو سمعه لكان قتلها. تنحنحت تعيد ذاتها الوقورة إليها، وشردت. تحدث نفسها:
"ليه حاسة جنبه بإحساس غريب أول مرة أحسُه مع حد؟ ليه حاسة إني في أمان طول ما هو قريب مني؟ ليه قلبي بيدق بالشكل ده لما بكون في حضنه أو معاه.. بس أنا مش فاهماه! ساعات بيبقى حنين وساعات قاسي، ساعات بيبقى عصبي وساعات هدوءه بيستفزني، حاسة إنه بيحبني وفي نفس الوقت مش طايقني! أقل حاجة مني بتعصبُه."
حاوط مقدمة رأسها تشعر بصداع من كثرة الأفكار المتضاربة بـ ذهنها، حتى وجدته أتى وجلس جوارها، يقول وهو يميل برأسها لأسفل لكي يرى وجهها الذي تخفى أسفل كفيها:
"مالك في إيه؟"
همست بهدوء:
"مافيش.. دماغي واجعاني شوية."
مسح على خصلاتها وقال بقلق:
"نروح لدكتور؟"
نظرت له باستغراب، مجرد ألم رأسها جعله يقلق ويطلب منها الذهاب للطبيب؟ وهي التي كانت تموت أمام أعين أمها من ألم معدتها عندما أتتها الدورة الشهرية لأول مرة وترجوها أن تذهب بها لطبيبة لكن لم تفعل متحججة بأن ذلك الألم سينتهي ولن يطول. ابتسمت ونظرت لذلك القلق المرْتَسَم في مقلتيه ولم تجيبه، فقال بنفس الرهبة:
"مبترديش ليه؟"
قالت بهدوء وابتسامة:
"شوية صداع يا فريد.. هيروحوا على طول."
قال برفق:
"طيب.. بعد ما ناكل.. لو لسه الصداع موجود هنروح لدكتور."
أومأت له ولم تجيبه، فأتى الطعام على يد نادل آخر ووضع الطعام أمامهم فـ بدأت نور تأكل بجوع. ثم نظرت إلى فريد الذي جلس يراقبها، لتلتقط إصبع من أصابع المحشي الملفوفة تلك وقالت بلطف:
"افتح بؤك."
فتح فمه قليلًا وذراعه مسنود على ظهر مقعده، أطعمته وقبل أن تبعد إصبعها عن مرمى شفتيها كان ممسكًا بـ كفها يقبل ذلك الإصبع قبلة تلي الأخرى أخجلتها، ابتسم ثم قال يحرر أنملها من بين أصابعه:
"عايز تاني."
هتفت بلهفة:
"حاضر."
ثم جلست تُطعمه متناسية تمامًا جوعها، حتى نظر لها ولم يتحمل براءتها ونقاء قلبها، ليحاوط وجهها يقبل وجنتها اليمنى يتنفس رائحة بشرتها. ابتسمت لتنظر له عندما رفع وجهه يقول بحنان:
"يلا يا نور كملي أكلك."
التفتت تكمل طعامها بالفعل حتى أكلت الكثير لتستند بظهرها للخلف تقول تشعر بالامتلاء:
"حاسة إني اتنفخت."
"لسه مصدعة؟"
سألها باهتمام فـ قالت:
"لأ الحمدلله راح."
جلسا معًا يتبادلا أطراف الحديث حول اللاشيء، ليتمر ساعتان فـ حاسب النادل ونهضا، خرجا من المطعم لتشهق عندما وجدت أمطار غزيرة تنهمر فوق رأسها. ضحكت ضحكات طفولية وهي تمد كفيها للأمام لتتلقى تلك القطرات التي تسقط على باطني كفيها كالورود المنثورة. ضحكت من قلبها فهي لأول مرة تمر بتلك التجربة. حاول فريد سحبها بضيق قائلًا:
"يلا يا نور نركب العربية."
أسرعت تبعد كفها عن مرمى يده قائلة بسعادة غامرة.. تشبه تلك الأمطار التي غمرت جسدها:
"لأ لأ عربية إيه ده أنا هفضل هنا لحد ما المطرة تخلص."
لتجذبه هي من ذراعه تجعله يقف أمامها قائلة بغبطة:
"غمض عينيك كدا وحس بالميا وهي بتنزل على جسمك."
هتف بهدوء:
"مبحبش المطر أصلًا."
صدمت صارخة بسعادة:
"مبتحبش المطر! في إنسان طبيعي ميحبش المطر."
وجدها تفرد ذراعيها على جانبيها ترفع وجهها للسماء مغمضة عينيها، فـ صرخ بها بحدة:
"نـور! يلا عشان متبرديش."
"لأ لأ."
قالت مسرعة تبتعد عنه خطوات عدة فـ انفلتت أعصابه لاسيما عندما ترجته قائلة:
"و حياتي استنى شوية."
أمسكت بكفه تصرخ ببراءة:
"يلا نجري."
"إنتِ كدا لسعتي بجد! إحنا هنجري فعلًا للمستشفى بعد ما يجيلك التهاب رئوي ويطلعلك زور في احتقانك مش احتقان في زورك."
ضحكت من قلبها لتذهب معه عنوةً بعد أن تبللت ملابسها وخصلاتها لتدلف للسيارة تجلس جواره. احتفظ بـ كفها بين يده والقلق ينهش قلبه عليها، خائفًا من تبعات ما فعلت أو أن تمرض. ومجرد فكرة فقدانها تقتله وتجعله يود أن يموت في الحال. عندما وصلا.. ترجل هو أولًا بينما هي تثاقلت جفنيها بنعاس. ليفتح الباب ويميل وفي ثوانٍ كان يحملها بين يديه، تشبثت بعنقه بنعاس تدفن أنفها في رقبته فـ تُدغدغ رجولته. سار بها للفيلا وقبل أن يفتح كان الباب يُفتح ليجد عمته تبتسم له باصفرار. دُهش من وجودها ليقول باستغراب:
"عمتي! إيه الزيارة المفاجأة دي؟"
رفعت نور عينيها لتنظر لتلك الواقفة بحرج من وضعيتها بين ذراعي زوجها، لكنها طالعت هيئتها تلاحظ الغل قد تشكل بعينيها قائلة بضيق حاولت إخفاءه:
"يارب بس تكون عجبتك يا فريد."
دلف فريد قائلًا بابتسامة زائفة وهو يتجه للدرج ليصعد به:
"طبعًا يا عمتي، هطلع مراتي وآجي نقعد مع بعض شوية."
تمسكت نور بـ عنقه تنظر لتلك الواقفة ولم تجيبه بـ توجس. فنظراتها التي كالرصاص نحوها جعلتها تهابها وتنكمش أكثر بين أحضان مأمنها الوحيد. دلف لغرفتهم ثم إلى غرفة تبديل الملابس ينزع عن جسدها ذلك المئزر، ثم لفها و بخفة كان يفتح زمام ثوبها بينما هي منشغلة في التفكير في تلك السيدة. أبعد طرفي الثوب عن ظهرها ليُغمض عينيه يشعر بتلك الندوب على قلبه هو. يميل ليُقبلهما بلطف فـ اقشعر جسدها وأغمضت عيناها تردف بارتباك:
"فريد."
حاولت الإبتعاد لكنه كان قابض فوق خصرها، ليقترب من أذنها هامسًا بها:
"مش لازم تخافي وترتجفي كدا.. أنا مش هعملك حاجة، لإني عارف إنك تعبانة ومرهقة النهارده."
التفتت له وقبض فوق تلابيب قميصه بينما هو تاركًا الحرية لأنامله بالعبث فوق ظهرها يسير بطوله بأصابعه عليه، فـ تمتمت بحرج:
"هي اللي تحت دي عمتك؟"
غمغم بهدوء:
"ممم."
تابعت بحرج:
"طب وهو يعني كان ينفع تشوفك شايلني كدا زي العيال الصغيرة، كان المفروض تنزلني أسلم عليها. بس أنا الغلطانة.. لساني اتلجم لما لقيتها واقفة وبصراحة بصاتها مريحتنيش."
تنهد ثم قال بابتسامة:
"مش شايف فيها عيب لحد جاي من برا شايل مراته. وبالنسبة لبصاتها فـ أنا مش عايزك تخافي من حاجة وأنا معاك."
ثم حاوط وجنتيها المغطاة بخصلاتها يقول بحنان:
"يلا أنا هطلع.. وإنتِ غيري هدومك ونامي."
ثم هم بالذهاب فـ تشبثت بقميصه كـ طفلة لا تريد أباها أن يبتعد عنها، تسأله بـ براءة:
"هتغيب تحت يعني؟"
مال طابعًا قبلة جوار شفتيها بالضبط فـ ابتسمت ولأول مرة لا تخجل قربه، بل باتت تعشق وجوده بالقرب منها هكذا. ابتعد عنها ثم قال ينظر لعيناها اللامعة:
"كنت هغيب، بس بعد الجملة دي ربع ساعة بالظبط وهطلعلك."
ابتسمت ملء ثغرها ثم قالت:
"ماشي."
قبّل مقدمة رأسها وذهب، فـ ضربتها برودة غريبة فور ابتعاده عنها. زمت شفتيها بحزن عندما أدركت تأثير وجوده عليها. نزعت ذلك الثوب وارتدت بيجامة نوم مريحة تتكون من قميص بلون الروز أيضًا قصير معه المئزر الذي امتلأ بريش رقيق. ابتسمت لنفسها وجففت خصلاتها ثم خرجت، تسطحت فوق الفراش البارد وانتظرت دخوله في أيّة لحظة. لن تنام سوى عندما يأتي ويضمها لأحضانه فـ تدفن وجهها بصدره وهنا فقط تستطيع النوم بـ سلام.
بعد دقائق وجدته قد دلف والضيق يحتل ملامحه. اعتدلت في جلستها تنظر له بترقب لتجده ينزع عنه قميصه ويلقي به أرضًا فـ ظل عاري الصدر. ذهب نحوها لتتفاجأ به ينام على معدته جوارها لكنه أسند رأسه فوق صدرها محاوطًا خصرها. ابتلعت شهقاتها الخجولة ولم تقل شيئًا، بل وجدت نفسها تحيط رأسه وتغلغل أنامله داخل خصلاته الناعمة الكثيفة ويدها الأخرى تمسح فوق ظهره. ثم همست بحنو ينبع منها لأول مرة:
"مالك طيب؟ قالتلك حاجة دايقتك؟"
أغمض عيناه يتذكر حديثها الذي أشعل نيران بقلبه عن ماهية الفتاة التي تزوج منها، وكيف أنها بحثت عن عائلتها فلم تجد لها اسمًا ولا أصلًا ولا فصلًا. ووبخته لأنه تزوج منها وأسماها على اسمه. تذكر كيف حاول ضبط أعصابه لكي لا ينفعل على من هي بعمر أمه. أغمض عينيه وأسند أذنيه فوق موقع قلبها يقول بهدوء لا يضاهي انفعاله:
"لأ يا نور مقالتليش حاجة."
ثم تابع:
"أنا بس حاسس إني مرهق شوية، وعايز أنام هنا.. في حُضنك."
رغم خجلها من ذلك الوضع إلا أنها حاوطت رأسه تناديه بهدوء:
"فريد."
"نعم."
قالها متلذذًا بسماع صوتها من ثغرها، فـ غمغمت بحيرة:
"هو إنت ممكن تندم إنك اتجوزتني؟"
"ليه بتقولي كدا؟"
قال وهو يفاجئها بأن قبض على خصرها يزيحها لأسفل لتكن في مواجهته. شهقت ووضعت كفيها على صدره، فـ ثبّت كفها فوق صدره وقال وهو يتفرس ملامحها بعينيه:
"اللي بتقوليه ده هبل! أنا متجوزك بإرادتي.. وأنا مستحيل أندم على حاجة عملتها بإرادتي ومزاجي."
أسرعت تبعد وجهها عنها لتعطس تفرك أنفها تحمد ربها على عدم توقف قلبها في تلك العطسة. فـ ابتسم ولكنه ناظرها بقلق ومسح فوق خصلاتها وجبينها يقول:
"أكيد خدتي برد."
نفت برأسها تقول بهدوء:
"خلينا بس في اللي كنا بنقوله."
تابعت وأناملها تعبث بـ زر قميصه بارتباك:
"إنت.. إنت اتجوزتني ليه يا فريد."
"كنت عايزك."
قالها ببساطة، فـ توقفت عن العبث بـ زر قميصه ونظرت لعينيه بصدمة:
"عايزني!! بس؟"
فكر في سؤالها لثوانٍ، ليثبت لها ولنفسه حتمية ذلك الأمر بقوله:
"آه بس."
"معنى كلامك.. إن جوازنا مؤقت، هينتهي بانتهاء رغبتك دي فيا."
قالت مصدومة مما يقول. تأمل كلماتها يفكر به مليًا. هل ما تقوله صحيح؟ محال هو أن يتركها، كيف له أن يبتعد عنها بعدما ذاق لذة قربها، بعدما جرب حضنها واستشعر دفء قربها ووجودها بحياته، كيف له أن يحيا دونها؟ دون ضحكتها ودون عينيها! كيف سيخطو هذا الفراش الذي تلذذ بنومها فوقه من دونها؟ يجزم أن ذلك الفراش سيتحول من جنات نعيم إلى جحيم مضجر إذا لم تكن فوقه وجواره وبأحضانه!
ولأنه فريد الزيات الذي لن يصرح بتلك الأشياء أبدًا، نظر لها بهدوء وقال:
"معرفش الله أعلم."
"كنت فاكرك بتحبني."
هتفت بخذلان ظهر في صوتها. تنهد وقال بضيق:
"أنا بكره الحب."
انفعلت تعابير وجهها وضربت فوق صدره بغضب رهيب:
"وأنا بكرهك! أنا كنت فاكرك بتحبني! طب ليه عشمتني.. ليه دافعت عني وخوفت عليا واديتني أمان وفي لحظة سرقته مني!"
لم تجد تعبير واحد على وجهه، ليعلو صدرها ويهبط من جهدها في ضربه فوق صدره، لتخاف عندما وجدته يقبض فوق كفيها يظفعهما على الفراش جوار رأسها بعنف يثبتهما بكفيه بحدة. رغم هدوء وجهه وعينيه إلا أن ذلك الهدوء أخافها أكثر. تآوهت بألم تغمغم:
"آه.. إيدي."
"هقطعهالك.. لو فكرتي ترفعيها عليا تاني."
قال بحدة وقد تملّك الغضب منه فشدد أكثر وأكثر فوق ذراعيها مما جعلها تعود برأسها للخلف تتأوه بألم أكبر:
"آه آه فريد."
نهض من فوقها نافضًا ذراعيها من كفيه، ثم دلف للمرحاض وصفع بابه خلفه، فـ ضمت هي ذراعيها لصدرها بألم وهي تئن من شدة وجعها. أغمضت عينيها لتعطس مرة أخرى وهي ترتجف من شدة البرودة التي تضرب جسدها فورما يبتعد عنها ويتركها. دثرت جسدها جيدًا وأغمضت عينيها بإرهاق حتى نامت بالفعل. خرج من المرحاض بعدما تحمم مرتدي بنطال قطني وصدره عاري. وجدها نامت فـ أغلق الأنوار ليغط هو الآخر في نوم عميق.
***
فتح عينيه على ضوء الشمس الذي تخلل غرفته وقبع به، فـ فتح عينيه بضيق ثم نهض يغلق أبواب تلك الشرفة وعاد للفراش، لكنه للحظة من نصف فتحة عينيه ارتجاف جسدها وهمهماتها والعرق يتصبب من وجهها. فرك عينيه وأسرع ناحيتها يجلس جوارها بالضبط يمسد على جبينها فوجده ملتهبًا. اتسعت عيناه بصدمة ليميل فوق جسدها ويده تسير على ذراعيها العاريان وعلى رقبتها ليجد كامل جسدها ساخنًا. أسرع واقفًا لا يعلم ماذا سيفعل. اتجه ناحية الثلاجة الموجودة في غرفتهم ليخرج منها مكعبات ثلج ثم سكبها في الطبق وصَب فوقها مياه شديدة البرودة. أغرق بها قماشة نظيفة ليأخذ الصحن وذهب لها. وضعه على الكومود واعتصر القماشة جيدًا ليضعها فوق جبينها.. ومن ثم رقبتها وصدرها. رفع ذراعها ليضعها على إبطها وهو يعلم جيدًا أن ذلك المكان يمتص البرودة. مال ومسح فوق وجنتها وهمس بـ قلق رهيب:
"نور.. حبيبتي سامعاني؟"
لم يتلقى منها سوى همهمات بسيطة تقول فيها بصوت خافت بالكاد سمعه:
"جسمي.. سخن أوي.. وباردانة أوي أوي."
أبعد تلك القماشة عنها وغمسها في المياه مجددًا ثم اعتصرها ووضعها فوق صدرها ورقبتها ثم مسح فوق خصلاتها بحنو يقول:
"عشان تبقي تقفي تحت المطر كويس."
أنت بألم تهمس بنفس النبرة الخافتة:
"إيدي كمان.. و.. واجعاني أوي."
التقط رسغيها ورفعهما لـ شفتيه يبادل القبلات بينهما بحنوٍ وهو يرى آثار أنامله فوق كفيها قائلًا:
"حقك عليا."
لم يتلقى منها حرفًا، يراها تئن بألم فـ أبعد تلك القماشة ثم نهض يميل عليها يحملها بين ذراعيه يردف:
"مبدهاش بقى."
"هنستحمى."
قالها بابتسامة فـ أسندت رأسها فوق صدرها بعدما شعرت بثقلها. صعد بها لمكان الاستحمام والذي كان عبارة عن مكان زجاجي ملحق بـ باب وصنبور الدش يعلوهما. فتح الصنبور فـ انهمرت المياه فوقهما لتتمسك هي برقبته تشهق من برودة المياه ترجوه:
"لأ لأ.. بتعمل إيه نزلني."
"مش هتخفي غير كدا."
قال وهو يقربها لصدره يوجه جسدها للمياه بالضبط، فـ أخفت وجهها بصدره العاري تقول برجفة:
"فريد."
فورما تنطق اسمه يشعر بقلبه ضعيفًا أمامها. أغمض عينيه وأنزلها على قدميها فـ أسرعت تلقي بجسدها بأحضانُه تقول وكل خلية بجسدها ترتجف من شدة برودة المياه:
"خلينا نطلع يا فريد.. أنا بردانة أوي."
تلقى جسدها بين ذراعيه ليحاوطها يمسح فوق خصلاتها يرفع وجهها الأحمر له، ثم ألصق وجنته بوجنتها فوجد حرارتها قد انخفضت. أغلق الصنبور وخرج من ذلك المستطيل العامودي الزجاجي فـ قالت برجفة:
"هتروح فين."
"هجيبلك فوطة."
قال وهو يبحث عن منشفتها فـ لم يجدها ليلتقط منشفته وذهب لها. حاوط جسدها بتلك المنشفة، حملها بين ذراعيه مجددًا ثم ضمها لصدره مقبلًا جبينها. دلف بها لغرفة تبديل الملابس ثم أنزلها. أخرج لها بيجامة ذات أكمام من النوع القطيفي المخملي. أبعد تلك المنشفة عن جسدها و بجرأة أزاح حمالة قميصها فـ تشبثت به تبتعد عنه قائلة بتعب:
"بـ.. بتعمل إيه."
"هلبسك يا نور.. متتكسفيش مني."
قال بلطف، فـ نفت برأسها تقول بضيق:
"متشكرة، أنا مش عايزة حاجة منك. إنت فاكر إني ناسيه كلامك امبارح؟ ولا ناسيه إيدي اللي طلعت ضيقك كله فيها! لو سمحت يا فريد اطلع برا."
نظر لها للحظات ثم قال بجدية:
"تنسي أو متنسيش دي مش مشكلتي، أنا هطلع وإنتِ اعملي اللي إنتِ عايزاه."
رواية هوى الزيات الفصل الخامس 5 - بقلم سارة الحلفاوي
بتعمل إيه!!!
هلبِسك يا نور .. متتكسفيش مني!!!
قال بلُطف، فـ نفت برأسها تقول بضيق:
متشكرة، أنا مش عايزة حاجه منك!!! إنت فاكر إني ناسية كلامك إمبارح؟ و لا ناسية إيدي اللي طلّعت ضيقك كله فيها!!! لو سمحت يا فريد إطلع برا!!
نظر لها للحظات ثم قال بجدية:
تنسي أو متنسيش دي مش مشكلتي، أنا هطلع و إنتِ إعملي اللي إنتِ عايزاه!!!
تركها تقف وحيدة ترتعد من البرودة، لتجلس على الأريكة تفكر في كلماته التي ألقاها بوجهها البارحة و التي لم و لن تقتنع بها، فإن كان زواجه منها ليس إلا رغبةً لكان أجبرها في أول يوم على إمتلاكها، وقفت عازمة على إثبات كذبه لنفسها، لتخرج من الغرفة تبحث عنه فوجدته جالس على الأريكة، ترددت لكن حسمت أمرها هامسة:
فريد!!!
يا نعم!!
هتف بضيق و هو ينظر لهاتفه، فـ قال مُصطنعة التعب:
جسمي مش قادرة أحركُه .. ينفع .. يعني تيجي إنت تلبسني!!!
قولنا كدا!!
قالها ساخرًا لينهض يسير خلفها، سارت هي أمامه تتمنى لو أن الأرض إنشقّت و إبتلعتها بجوفها، وقفت أمامه كالطفلة التي تنتظر عقاب والدها، و هو كان عقابًا لها بالفعل، بدأ في نزع ذلك القميص عن جسدها، أغمضت عيناها من شدة الخجل و هو لم يتوانى عن نزع حتى ملابسها الداخلية، فتحت عيناها لترى عيناه تُظلم برغبةٍ لكنه بهدوء ألبسها المنامية الثقيلة دون حتى أن يقترب منها، أغمضت عيناها و إقتربت منه ترفع ذراعيها له قائلة بتعب:
وديني السرير!!
حملها بين ذراعيه فإلتصقت به مصدومة أنه لم يقترب منها و في نفس الوقت فرِحة للغاية، وضعها على الفراش ثم تركها و جلس على الأريكة فقالت بهدوء:
مش هتنام؟
هخلص حاجه و هنام!!
قالها متحاشيًا النظر لها، فهو يريدها و لكن لا يريد أن يكُن أنانيًا كعادته مع أي شخص سواها، لا يريد أن يرهقها فوق إرهاقها حتى لو كان سيموت إن لم تكُن بأحضانه، سيموت و لكن لا يُرهق روحها! سمعها تقول بوهن:
طيب ممكن تيجي ثانية يا فريد!!
نهض و إتجه نحوها فـ حاوطت عنقه تجذبُه عليها قائلة بتعب:
مش عارفة مالي .. حاسة وشي و جسمي سخنوا تاني!! إلمس وشي بـ خدك و شفايـ.ـفك كدا!!!
تنهد و فعل فـ إبتسمت بمكرٍ و هي تستشعر شفتيه فوق جبينها نزولًا لـ وجنتها، جلس جوارها و همس بهدوء أمام شفتيها:
حرارتك نزلت عن الأول كتير!!
أومال طيب!!
همست بحُزن زائف كل الزيف، و عيناها مثبتة على عيناه، تنهد و قال بهدوء:
هطلبلك دكتورة تيجي تشوفك!
أسرعت تتمسك بعنقه قائلة بـ براءة:
لاء متمشيش، خليك جنبي!!
نظر لها بإستغراب ثم قال ساخرًا:
سبحان مغير الأحوال .. إنتِ كدا سخنة بجد!!
تنحنحت بحرجٍ و غمغمت:
خلاص لو عايز تقوم قوم .. بس متطلبش دكاترة أنا هبقى كويسة!!!
لاء مش هقوم!
قال و هو يمرر إبهامُه فوق وجنتها، شعرت بقلبها سيتوقف تتمنى ألا يفعل و يبدأ في القرب منها .. فـ هُنا ستتأكد من أنها بـ كينونتها لا تشكل فارقًا أمام رغباتُه، حاولت أن تدغدغ ضميرُه عندما همست بوهن:
أنا تعبانة أوي يا فريد .. حاسَّة كإني بموت!!
إنقبض قلبه و نظر لعيناها موبخًا إياها:
بعد الشر إيه الجنان ده!! شوية سخونية و هيروحوا على طول!!
ثم دفن أنفه في عنقها قائلًا بهدوء:
و لولا إني عارف إنك تعبانة .. كان زماني عاقبتك بطريقتي على جملة زي دي!
رفع عيناه لعيناها التي برقت و قد تأكد حدسها:
أنا رغم إني عايزك دلوقتي و مش عايز غيرك .. بس مقدرش أقربلك طول م إنتِ تعبانة!!
أسرعت تسألُه و الإبتسامة تزين ثغرها:
ليه؟
قال و هو يلف خصلة من خصلاتها البنية حول سبابته:
مش عارف .. يمكن مقدرش أبقى مبسوط و إنتِ تعبانة!
إبتسمت ملء فِيّها ولم تُعلق، فـ أراح جسده جوارها و أغلق الأنوام بذلك الجهاز المتحكم المتنقل، ثم جذبها من ذراعها لتقبع بأحضانه فـ فعلت، و لم تكُ تتوقع أنه لن يتقرب منها هكذا، ظنت أنه لربما سيحاول و يتراجع لكنه لم يفعل البتة، من فرحتها لم تنام، إنتظت نومه بلهفة و تأكد من سُباته ثم إنهالت على وجهه بقبلاتٍ بريئة فرحة تُمتم بسعادة:
يا كداب مطلعتش متجوزني عشان الغرض الدنيء ده .. يا كـداب!!!
حاوطت عنقه تتنهد و لأول مرة تشعر بفراشاتٍ تحلق في معدتها و بقلبها ينبض بتلك القوة، أغمضت عيناها تدفن وجهها بعنقه قبل أن تنهض و تخرج من غرفتهما لكي ترتشف شربة ماء، ترجلت من الدرج فوجدت عمته جالسة تقرأ كتاب واضعة قدمٍ فوق أخرى بغطرسةٍ، فـ إتجهت لها نور تردف بهدوء:
إزي حضرتك؟
نظرت لها عمته من فوق نظارتها الطبية و قالت بضيق:
كنت كويسة .. بعد ما شوفتك إتغميت!
نظرت لها بدهشة، لكن تداركت الأمر فـ جلست أمامها على المقعد بظهرٍ مفرود لتقول ببرود:
ليه بس كدا كفى الله الشر ربنا ما يجيب غم!!!
ألقت نرجس بالكتاب و هدرت بها:
أنا مش فاهمة ابن أخويا راح جابك من أنهي داهية!! لا عيلة ولا مستوى ولا حتى تعليم!!! أكيد دبستيه و نمتي معاه عشان تعرفي تتجوزيه .. م إنتِ تربية حواري!
طالعتها نور بغضب ناريّ لتنهض واقفة أمامها تشير بإصبعها في وجهها:
إسمعي يا ست إنتِ .. متخلينيش أطلع وش تربية الحواري عليكِ و أخليكِ متنطقيش كلمة، أنا لحد دلوقتي عاملالك حساب إنك عمة جوزي اللي بحبُه و بموت فيه، و لـ أجل عيونه تكرم ألف عين، لكن قسمًا بربي لو فكرتي بس مجرد تفكير توجهي أي إهانة ليا أو لأهلي أنا مش هعمل حساب لحد أبدًا!!!
ثم تعالى صوتها تقول بعصبية شديدة:
و البيت ده ميدخلهوش غير المحترمين، و مش مسموح لأي حد أيًا كان مين يتعامل فيه بعدم إحترام!!!
ثم تركتها و ذهبت دون أن تنتظر ردها، أخذ صدرها يعلو و يهبط من شدة الجهد الذي بذلتُه في حديثها معها، أغمضت عيناها و إستندت على رخامة المطبخ متناسية تمامًا لِما أتت بالأصل، جلست تحاول تهدئة قلبها الذي إنغصّ بتلك الإتهامات الباطلة التي أُلقيت عليها، سمعت خكوات تأتي من خلفها لتجدها هي، تقول بإبتسامة ساخرة و بكل برود:
إنت مُغفلة!! فاكرة إنه بيحبك .. و هو لسه مطلع فيكِ بلاوي من كام ساعة بس!! تحبي تسمعي بودنك يا .. يا نور!!!
نظرت بها بعدم إستفهام، لتعشر بقلبها توقف عن النبض عندما سمعت ضوته من هاتفها يقول بضيق:
أنا مش عايزها يا عمتي! أنا و إنتِ عارفين إني متجوزها مؤقتًا و هطلقها في أقرب وقت .. فـ ياريت منفتحش مع بعض السيرة دي تاني!!
طالعت الهاتف بـ نظرة خاوية شعرت بها أن قلبها قد أُميتَ، قد توقف تمامًا عن النبض! أغمضت عيناها و شعرت بدوار يفتك رأسها، لتسمعها تقول بـ شماتةٍ:
لو لسه عندك ذرة كرامة إمشي من هنا! ملكيش مكان مع فريد الزيات .. و نصيحة مني بعد كدا بُصي على أدك عشان رقبتك .. متتكسرش!!!
ثم تركتها ببساطة و ذهبت، حاولت هي السيطرة على دقات قلبها الجنونية و كإنها آخر دقات له، الدماء تنسحب تدريجيًا من جسدها حتى إنهارت فوق الكرسي واضعة كفها فوق رأسها، ظلت هكذا دقائق حاولت بهم لملمة شتاتها و جمع ما تبقَّى من كرامتها التي بعثر بها الأراضي، صعدت لـ غرفتهم و حمدت ربها أنها وجدته نائم نومًا عميقًا، أخذت هاتفها البسيط و إرتدت ثيابها التي أتت بها، و لأن الفجر كان يؤذن فإنتظرت قليلًا حتى أشرقت الشمس، ثم أسرعت تخرج من ذلك المكان الذي كانت تظن أنها ستقضي به أجمل أيام حياتها، أسرعت بخطواتها لتستقل سيارة أجرة حمدت ربها أنها وجدتها في هذا المكان النائي، جلست تفكر ماذا ستقول له و إلى أين من المفترض أن يقلها، حتى وجدت نفسها تصف لها ما يطلق عليه بالبانسيون الصغير الذي يكفي ليلتان بالمال الذي بحوزتها، عندما وصل ترجلت و هي تحاول إيقاف الدمعات التي ملأت عيناها تشعر بقلبها يحترق بنيرانٍ موقدة، دلفت لمن تستقبل الزائرين لذلك البانسيون و أخبرتها أنها ستقضي ليلتان و أعطتها بطاقتها، سلّمت المال لها فـ أعطتها الأخرى مفتاح غرفتها، ذهبت لها و عندما دلفت لتلك الغرفة البسيطة إرتمت على الأرض تبكي بحُرقة قلبٍ ملكوم، مرارة حلقها لا تنفك تُمرر حياتها، نامت مكانها من شظة تعبها و الدموع على مسامات بشرته رافضة أن تجف مربتة على وجنتيّ قد لُطخا بالألمِ
نــــور!!!!
نادى عليها بصوتٍ عالٍ حتى شعر بأحباله الصوتية تتـ.ـقطّع، منذ إستفاقته و هو يدور عليها بالأرجاءِ عندما لم يجدها جواره، سأل عليها عمته التي نفت رؤيتها بالأصل، فـ لم يتوانى عن الذهاب لأمها علها قد ذهبت إلى هناك، لكن قول أمها الجاف إستوقفُه:
مشوفتهاش .. روح دوّر عليها بعيد عننا!!!
ثم تابعت:
و إتأكد إنها لو جات أنا اللي هتصل بيك تيجي تاخدها من هنا، كفاية اللي حصل لـ مُنذر من ورا راسكوا!!
ذهب بعد أن جاهد لكي يحافظ على ثباتُه الإنفعالي و ألا يُخرِج شحنات غضبه بأكملها على تلك التي نُزعَت الرحمة من فؤادها، هاتف رياض يصرخ به أن يجدها قبل أن تغرب الشمس، و هو الآخر بحث عن إسمها بجميع المستشفيات و بكن لم يجده مقيد بأي منهم، توقف للحظة يلعن غباءه الذي أنساه أن يهاتفها على هاتفها، و فعل و لكن وجده مُغلق فـ ألقى بهاتفه فوق تابلوه السياره و هو يشعر بقلبه سيتوقف من خوفه عليها، أعاد رأسه للخلف يطرق بحوافِ أناملُه فوق مقود السيارة و هو لا يستطيع وصف شعورُه كيف لها أن تتركُه بتلك البساطة و تذهب، ما الذي ضايقها؟ ما الذي دفع بـ عشقُه الأوحد أن تذهب و تتركه وحيدًا ملكومًا لا يعلم عنها شيء! كيف لها أن تركُل قلبُه و تندفع بعيدًا غير مُبالية بـ شيء ولا حتى .. به!
يومان عصيبان مرّا عليه كمرور شاحنة فوق قلبُه، يومان مرّا دون أن يرى مقلتيها الذابحتان، دون أن يشتمّ عبير رائحتها، دون أن تجلجل ضحكتها الجميلة في أذنيه فـ تنعش روحه، دون أن يسمع صوتها الأنثوي المُسكر، لا يعلم ماذا حدث لها و إن كانت بخير أم أصابها مكروهٍ!
خرجت هي بعد اليومان من الفندق عازمة على الذهاب لأمها، فهي لن تتركها تُبيت في الشوارع بالتأكيد، واقفة أمام باب ذلك المنزل الذي ذاقت فيه العذاب الوانٍ، ذلك المكان الذي لم تكُن تتخيل أنها ستعود له بقدميه و لكن تلك مرارة قدرها، وجهها شاحب بالكاد تتنفس، رفعت كفها و طرقت فوق الباب راجية أن تفتح لها أمها و تتلقاها بين ذراعيها، فُتح الباب بعد ثوانٍ، لتجد أمها تقف أمام بذات الملامح القاسية التي تتمنى لو تلين لثوانٍ فقط، نطقت نور بـ وهنٍ:
ماما!!
جاية بيتي ليه؟!
قالتها بحدةٍ جرحت قلبها و أنزفته، فـ قالت بألم:
جاية هنا عشان مقعدش في الشارع
لاء أقعدي في الشارع يا بنت بطني!!
هتفت بها بقسوةٍ تجرّعتها حتى فاضت منها، ثم صفعت الباب بوجهها، نظرت للفراغ الذي تركتُه و قد تجمع بقلبها خذلان لا حصر له، أُغلقت جميع الأبواب في وجهها، لم تدري ماذا تفعل فـ جلست على عتبة الباب تنظر لذلك الهاتف الذي أغلقته بمحض إرادته، فتحته لكي تبحث لها عن أيّ عمل يأويها، فـ مرت إحداهن من كبار السن تقول بعد إن شهقت بصدمة:
نـور!! مالك يا بنتي قاعدة كدا ليه!!!
رفعت نور رأسها لها و قال بهدوء:
مافيش حاجة يا خالة فتحية!!
أمسكت بذراعها تقول برفق:
طب قومي يا ضنايا، قومي أقعدي معايا شوية و فطّميني على اللي حصل!
نهضت معها بالفعل لتذهب لبيتها، ربتت فتحية على ظهرها و هي تقول بحنان أموي:
أقعدي يا حبيبتي و أنا هروح أعملك لقمتين تاكليهم!! أكيد مكلتيش حاجه من الصبح!!
إبتسمت بشخرية مريرة، لا ليس من هذا الصبح لم تأكل، بل من صباح اليوم الذي غادرت به، أخرجها من شرودها رنين هاتفها .. قطبت حاجبيه بإستغراب فـ من الذي سيهاتفها .. فتحت الخط و قالت بهدوء:
ألو؟
أتاها صوت تعلمه عن ظهر قلب، صارخًا به صيحةً جعلتها تنتفض:
إنـــتِ فــيـن!!!!
أغمضت عيناها و شعرت بقلبها يهتز، بينما هو كاد يجن و هو جالس في مقعد سيارته كم جلس فوق الجمر يهتز بعنف ضاربًا بقبضته المقود، بل خرج من سيارته بأكملها و قال بنبرةٍ لا تضاهيها عنفٌ:
رُدي .. ردي عـــلــيــا!!!!
لم يستمع سوى لـ شهقة تنذر ببكائها فـ إنفجرت بالبكاء بالفعل، وقف للحظة و أسوأ السيناريوهات تدور بذهنه، فـ قال بـ توجسٍ:
بتعيطي ليه؟ حد عملك حاجه؟!
لم تُجبيه و إستمرت في بكاءٍ خفيف، فـ قال و قد لان قلبُه:
نور .. قوليلي إنتِ فين و نقعد نتكلم و بعدها هعملك اللي إنتِ عايزاه .. و لو عايزه تطلقي هطلقك بس قوليلي إنتِ فين الأول!
وجدها تنطق بصوتٍ مهزوز:
أنا .. أنا هنا عند جيراني، أمي .. مرضيتش تدخلني!
إستقلّ السيارة و قد إسودت عيناه وليردف و هو يقود بسرعةٍ كبيرةٍ:
خمس دقايق و هتلاقيني قُدامك!! متتحركيش من مكانك!
أغلق معها و بالفعل في دقائق معدودة كان يصف سيارته في شارعها، و ترجل منها يبحث عنها كالمجنون .. كـ من ضلّ سبيله، حتى وجدها تخرج من البيت المُطل على الشارع مباشرةً، تنظر له بعيناها التي إشتاق لها إلى حدٍ لا حد له، خطى بخطواتٍ عنيفة ناحيتها فـ تراجعت إلا أن كفيه الذان أحاط بهما كتفيها أوقفوها، يطالعها بغضبٍ و حنين إمتزجا معًا، يريد أن يصفعها و في نفس الوقت يعانقها حتى يمزق جسدها، و لم يتوانى عن فعل ذلك، بعنفٍ جذبها لصدره رافعًا ذراعيها لـ عنقه يميل قليلًا لكي يصل لمستواها ضاغطًا على ظهرها و خصرها ضد صدرُه مغمضًا عيناه و لأول مرة منذ اليومان يهدأ قلبُه، قبض على خصلاتها المنسابة محاوطًا خلف عنقها بكفُه و لا يقول غيرَ جملة واحدة:
ليه عملتي فيا كدا .. ليه!!!
أغمضت عيناها و هي لا تنكر إشتياقها له، لا تنكر كم كانت بحاجة ذلك العناق، لن تناقشُه في أنها بالفعل أحبته لكن لم يفعل هو، لم تجد كلماتٍ على لسانها سوى:
إحنا في الشارع .. لو سمحت إبعد عني!!!
و على عكس ما توقعت وجدته يحاوط خصرها بذراعه المفتول ليرفع جسدها به و بالآخر يضمها له، شهقت و حاولت دفع كتفه لكي يجعل قدميها تلمس الأرض إلا أنه لم يفعل سوى بعد دقائق، وقفت أمامه تنظر له و هو يحاوط عيناه بإبهامه و سبابته مستندًا بكفه الآخر على إطار الباب خلفها مُباشرةً، ثم مسح على خصلاته و قال و قد عادت عيناه الغاضبة:
هندخل دلوقتي و تعرفيني ليه .. مشيتي، سـامـعـة!!!!
إنتفض جسدها من صراخُه العالٍ، ليدفعها للداخل فوجدت نور فتحيه تقول بـ خضة:
مين ده يا بنتي!!!
ده .. ده جوزي يا حجّة!
قال نور بضيقٍ، فأسرعت فتحية ترحب به بلُطف هاتفه بحُزنٍ:
أهلًا و سهلًا يابني نورت، والله جيت في وقتك ده أنا يا حبة عيني جايباها من على الرصيف قدام بيت نادية ربنا ينتقم منها!!
نظر لتلك السيدة التي ظهرت الطيبة على ملامحها ثم حوّل أنظاره إلى نور التي كانت ضاردة في حديثها، كم ألّمه قلبه عليها، طالع تلك السيدة و هي تقول بـ هدوء:
هسيبكوا مع بعض يابني تحلوا الخلاف اللي بينكوا!
ثم تركت طبق بها شُربة و صدر دجاج قائلة برجاء:
بالله عليك يابني تأكلها، أكيد مكالتش حاجه من الصبح!!
أومأ لها بهدوء و قال:
حاضر يا حجّة .. تسلم إيدك!
إبتسمت برفق و تركته و ذهبت، فـ جلست نور تحاوط كتفيها تنظر للخواء بشرود إنقطع عندما سألها بحدة:
كُنتِ فين اليومين دول؟!!
متزعقليش!
قالتها بحدةٍ و هي تنظر له، فـ صاح بها بقسوةٍ:
إحمدي ربنا أوي إني بزعّق بس، أنا هاين عليا أطلّع روحك في إيدي دلوقتي!!
نهضت متخلية عن صمتها تقف في وجهه هادرة به:
إنت!!! إنت اللي عايز تطلع روحي في إيدك!! أومال أنا أعمل فيك إيه بعد ماسمعتك بتقول بعضمة لسانك لعمتك إنك مش عايزني و إن جوازنا مؤقت!!!
طالعها مصدومًا و قال:
إيه؟! أنا قولت كدا!!
إمتلئت عيناها بالدموع صارخة بوجهه:
بطّل كدب!! أنا شبعت من كدبك كفاية!!!
طالعها بضياعٍ ليحاوط وجهها بكفيه يقول برفق:
طب إهدي .. إهدي و فهميني لإني و رحمة أمي ما فاهم!!!
نظرت له قائلة بألمٍ:
أفهمك إيه!! روح لعمتك و هي تفهمك!!
ثم تابعت بحُزن:
كنت قول ليا أنا، ليه قولتلها كدا و فرّحتها فيا و إنت عارف إنها مش طايقاني!!
نـور!! أنا عابزك تحكيلي بالحرف اللي حصل بعد ما سبتك و نمت!!!
قال و قد تملّك الغضب منه، لتقُص على مسامعه ما حدث بالتفاصيل، نظر لها مصدومًا مدركًا عما تتحدث، تركها و أدار ظهره لها يمسح فوق وجهه بعنف، ثم صمت و كانت هي تموت في لحظات صمته تلك و كأنه يؤكد لها صحة ما قال، وجدته يلتفت لها و يقول بثباتٍ ظاهريّ:
الكلام ده مش عليكِ .. الكلام ده كان على بنتها .. مراتي!!!
رواية هوى الزيات الفصل السادس 6 - بقلم سارة الحلفاوي
إنت متجوز!!!
قالت بعد ما حاولت فك لجام لسانها، إلى أن نطقت بها، تبعد كفيه عن وجهها تقول والصدمة تعتلي وجهها الشاحب:
متجوز؟ .. متجوز غيري؟
نور مش زي ما إنتِ فاهمة!
قال في محاولة لتهدأتها، لكنها صرخت به تضرب صدره ومن شدة صراخها شعرت بتقطع أحبالها الصوتية:
بــس إسكت!!! إسـكـت خــالــص!!!
ظلت تضرب بصدره حتى انهارت بأحضانه مغمضة عيناها تشعر بدوارٍ غريب يحتل جسدها، لتجد نفسها تُبتلع في بقعة سوداء مظلمة بين ذراعيه!!!
***
إستفاقت تنظر حولها فوجدت نفسها في غرفتهم على فراشه، إنتفضت وكأنها نائمة فوق جمرٍ، فوجدته جالس أمامها والقلق ساكن عيناه، نظرت له تتذكر ما سمعته منه قبل أن يُغشى عليها، تعالى صدرها من أنفاسها المُبعثرة وكامل جسدها يرتجف، نهض يقف أمامها يقول راجيًا لأول مرة:
ممكن تهدي؟ إهدي وإسمعيني!!!
شششش!!!! مــش عــايــزة أســمــع مــنـك حـــرف!!!
صاحت بكل ألم تطبق فوق أذنيها مغمضة عيناها، فـ إنتفض قلبها لحالتها المُنهارة، عادت تنظر له وبكل غلٍ ضربت قلبه بكفيها تصيح بوجهه:
إنت غشاش!!! عارف يعني إيه غـشـاش!!!!
ثم إلتطقت تلابيب قميصه تصرخ بوجهه:
لما إنت متجوز بنت عمتك إتجوزتني ليه!!! عملت فيا كدا ليه رُد عليا!!!
انهارت وامتلئت عيناها بالدمعات تقول بقهر:
لما إنت معاك واحدة .. لما إنت بتنام في حضن واحده إتجوزتني ليه؟ لما.. لما إنت بتحب واحدة .. ومتجوزها ليه دخلت حياتي؟!!!
ثم إقتربت منه وقد خانتها دمعاتها وانهمرت بغزارة فوق وجنتيها، تضع كفيها فوق عنقه ووجهه تهمس بحرقة ظهرت جلبة في نبرتها:
متجوز واحدة .. بتقرب منك .. بتحضنك وبتشم ريحتك ونفسك بيبقى في نفسها صح؟ يعني .. يعني أنا .. أنا مش أول واحدة تعمل كدا، يعني أنا مش أول واحدة تقربلك .. مش أول واحدة تحضنك، يعني حُضنك ده مش بتاعي لوحدي!
رفع رأسه للخلف فظهرت تفاحة آدم خاصته، ثم عاد ينظر لها محاوطًا وجنتيها يقول بحنوٍ:
و غلاوتك عندي الكلام ده محصلش، أنا ملمستش غيرك .. ومحضنتش غيرك، محدش قرّب مني غير نور الراوي، محدش إتجرأ يبقى نفسُه في نفَسي غيرك يا نور!!
ثم مال يمسح دمعاتها بشفتيه، يُقبل عيناها وكل إنش في وجهها، ثم يستند بجبينه فوق جبينها هامسًا أمام مُعذبة قلبه:
معملتش اللي بعملُه ده دلوقتي غير ليكِ!!
ثم إلتقط شفتيها في قبلة مُشتاقة لها دامت لكثير من الوقت حتى أبعدته تشعر بإستكانة جسدها جراء لمساته، فـ قال بتلعثم أثر نهيج قلبه:
شفايفي ملمستش غير شفايف نور الراوي!!
أغمضت عيناها تقول بصوتٍ يرتجف:
ليه إتجوزتها؟
رفع كفيها لشِفاه ليُقبلهما كأنها صغيرته، يقول بهدوء:
هفهمك!!
دفعها برفق لتجلس على الفراش، ثم جلس جوارها يقول وهو يرفع وجهها له محاوطًا وجنتيها برقبتها:
غلطت مع واحد .. وسابها، أمها جات وطت تبوس رجلي عشان أتجوزها، وعشان هي من دمي وافقت .. إتجوزتها من حوالي شهرين، أنا مبطيقهاش يا نور، مبروحلهاش أصلًا عشان اللي بتقوليه ده يحصل، ولو بروحلها مباجيش جنبها لإني قرفان منها!! وأنا أصلًا كلها شهر ولا شهرين وهطلقها لإن كدا مهمتي خلصت!!!
طالعت حديثه بصدمة، ثم قالت:
ليه مقولتليش ده كله؟!!!
عشان مخسركيش!!
قال يميل مُقبلاً جبينها بعُمق وكأنه يتنفسها، ثم تابع وقد انحدرت شفتيه لـ تجويف عنقها هامسًا بحنوٍ:
عشان أنا مستعد أخسر أي حد وأي حاجة .. ومخسركيش!!
طبع عدة قبلات فوق عنقها جعلتها تغمض عيناها وقد سارت رجفة بـ جسدها، وضعت كفيها فوق كتفه تحاول دفعه لكنها توقفت عندما شدد فوق خصرها قائلًا وقد لمست الألم في صوته:
إزاي تسيبيني وتمشي؟
قبّل عظمة الترقوة خاصتها متابعًا بنفس النبرة:
إزاي تعملي معايا كدا؟
دفعها برفق فـ إستلقت، لـ يلقي برأسه بأحضانها محاوطًا خصرها لجسده يهمس:
كُنتِ فين يا نور؟
في فندق!
أجابته وهي بالكاد تحاول لملمة شتاتها مما يفعل، أغمضت عيناها وانكمش جسدها بخجلٍ عندما قبّل بشفتيه موضع قلبها أسفل ما كان يستند عليه، وفي لحظة كان يجذبها لأسفل له، يغمغم وهو ينظر لشفتيها:
دي أول .. وآخر مرة تمشي فيها من غير إذني، لو كُنتِ واجهتيني باللي حصل، مكنش زمانك بتتعاقبي مني دلوقتي!!
همهمت بخوفٍ:
أ .. أتعاقب؟
تفاجأت به ينتهك عذرية شفتيها، لا يترك المجال لها لتُضيف شيء، لا يتوانى عن إشباع رغبته الناجمة عن اشتياقه لها، وعشقه لكل إنش بها، يُثبت لها أنها الأولى والأخيرة، وأنها غبية وساذجة إن قادها عقلها أنها تأتي في المرتبة الثانية، هي أولُه .. وقبلُه هو، وقلبه، كان يهمس لها وسط قبلاته كم تعذب في غيابها، كم كان يجوب الطرقات والأزقة بحثًا عن ظلها، يخبرها أن مثلما هي ملكُه بكل ما بها، فـ هو ملكها بكل ما فيه، ولا يجرؤ أن يجعل فتاة دونها تقترب منه، وهي لا تنكر هدوء قلبها بعدما أخبرها بذلك، ولن تنكر استكانة روحها في كل ثانية يثبت لها بها أنها الوحيدة التي وهب لها صلاحيات لم يهبها لأخرى!
***
إستفاق قبلها، وجدها لازالت نائمة، فظلّ عليها بمكتبه العريض يستند بمرفق ذراعه جوار رأسها، ينظر لملامح وجهها التي يعشقها، وأنامله تسير على وجنتها الناعمة وإبهامه يسير فوق شفتيها المنتفخة أثر قبلاته، ابتسم وهو يرفع الراية البيضاء ويتحدى كبرياءه وأعلن أنه لا يحبها فقط، بل هو عاشقٌ مُتيَّم بها حد النخاع، أمسك كفها الصغير يحتضنه بكفه، يُقبل باطنه .. ويطبع قبلات حنونة فوق أناملها، همهمت هي بعدما فتحت عيناها نصف فتحةً، فوجدته يُقبل باطن كفها وظهره، غمغمت بتلقائية:
فريد!!!
رفع عيناه لها ثم همس بحنوٍ:
روح قلب فريد!!
إستغربت ردّه لكن لم تُعلق، حرّكت جسدها قليلًا لتتآوه فـ جزعت ملامحه عليها هامسًا:
اسم الله عليكِ!!
قالت وقد تغلغل الألم نبرة صوتها:
آآه .. جسمي واجعني أوي!!!
مسح على وجنتها بـ باطن إبهامه يقول بلطفٍ:
حبيبتي!!!
ثم تابع بخبثٍ:
بس إنتِ متتخيليش أد إيه كُنتِ واحشاني!!!
توَّرد وجهها بخجلٍ وانكمشت تسحب الغطاء لجسدها، فـ نظر لفعلتها وأمسك بكفها القابض فوق الغطاء يترك قبلة فوق رسغها، ثم سألها وهو يُبحر في أنهار القهوة القابعة بعيناها:
لسه بتتكسفي مني؟
أنا .. أنا عايزة أقوم!!
قالت مُغيرة مجرى الحديث، فـ تنهد يدفن أنفه بعنقها هامسًا بأذنها:
بس أنا لسة مشبعتش منك!
شهقت خائفة من تكرار الكرة مرةً أخرى فـ جسدها كأن قد مرت فوقه شاحنة، فـ ابتسم عندما قالت ببراءة:
لاء مش .. مش هينفع!!!
طبع قبلة فوق عنقها ثم هتف بخفوت:
أنا لا بشبع .. ولا هشبع منك، حتى وانتِ في حُضني بحس إني لسه مشبعتش!!
شعرت بكلماته كالبلسم على أوجاعها، تناست البارحة بما حدث به، تناست زواجه وذبحها على يدِ خبر لم يكُن بحسبانها، أغمضت عيناها ورفعت كفيها لوجهه لتبعده عن رقبتها تحاوط وجنتيه هامسة بحزن غزى نبرتها:
فريد!
روح فريد!
قال بثمالةٍ أمام صوتها ولمسة يدها، فـ همست بألم وكأنها تتوقع إجابته النافية:
بتحبني؟
أمسك بكفها يُقبل باطنه قائلًا بحنوٍ:
جدًا!!
شهقت عندما خالف توقعاتها، فـ ابتسم وهو ينظر لشفتيها اللواتي تفرّقا، ليميل يلتقط قبلة من السفلى فـ أبعدته تقول بدهشةٍ:
بجد؟
بجد طبعًا!!
قال بلطفٍ فـ ابتسمت ابتسامة خفيفة جعلته هو الآخر يبتسم، ثم سار بسبابتة فوق عنقها يهمس بهدوء:
وإنتِ؟
هتفت بعشقٍ جارف:
أنا بحبك أوي!!
ابتسم من ردها التلقائي، لكن أسرع قائلًا وهو يرى عيناها الدامعة:
وليه الدموع؟
حاوطت عنقه وضمت جسدها له فـ عانقها وكفه أسفل ظهرها العاري يتلمّس دفئه بأنامله الباردة، يسمعها تقول وهي تدفن وجهها في عنقه:
عشان بحبك .. عشان مستحملتش فكرة إن في واحدة غيري قرّبت منك!!
ثم حاوطت عنقه بأقوى ما لديها فـ وضع كفه الآخر على أعلى ذراعها يمسح فوق نعومته، يُقبل كتفها العاري يُردف:
ولا حد يقدر .. غيرك!!
أغمضت عيناها وابتعدت عنه فـ مسح دمعاتها بأنامله، ثم نهض فجأة ليهم بإبعاد ذلك الغطاء الذي يحجب رؤية جسدها عن عيناه إلا أنها فُزعت وصمت الغطاء لصدرها قائلة:
بتعمل إيه!!
لفّها بذلك الغطاء ثم حملها بين ذراعيه يقول بهدوء:
هناخد شاور!!
تشبثت بعنقه قائلة بصدمة:
نـ إيه؟ ناخد!!!
قال بمكر وهو ينظر لها:
عندك اعتراض؟
طبعًا!!
صاحت به لينزلها على قدميها يضبط المياه فتنهمر على حوض الاستحمام الكبير، وضع جل الاستحمام وكرات فوارة لها رائحة جميلة، وقفت هي تراقبه بدهشةٍ حتى انتهى، التفت لها وأمسك حرف الغطاء عند صدرها فـ إرتعدت وعادت للخلف تقول بحدة:
فريد بـس!!!
هتف بضيق:
بلاش هبل وسيبي الغطا اللي حاضنة فيه ده!!
مستحيل .. إنسى!!!
هتفت بعناد تعود للخلف أكثر حتى التصقت بالحائط، فـ أخذ نفسًا عميقًا وذهب لها، ليقول بحنوٍ زائف:
نور .. إنتِ جسمك متكسر ومش هيفكُه غير شاور دافي، يلا يا حبيبتي سيبي الزفت ده!
ثم تابع بهدوء:
أنا كدا كدا شايف كل حاجة قبل كدا، مافيش جديد هشوفُه منك!!!
قالت بترددٍ:
طيب بُص .. لف كدا وأنا هشيل الغطا وهنزل البانيو، وهو كله رغاوي مش هتشوفني .. إيه رأيك!!!
زفر بضيق والتفت بالفعل فـ أسرعت تنزع الغطاء ثم تدلف لـ حوض الاستحمام وتخفي جسدها بتلك الرغاوي، التفت فوجدها فعلت بالفعل، ابتسم وذهب ناحيتها وجلس على حرف الحوض، ثم أمسك بـ زجاجة الشامبو، وضع كمية منه فوق باطن راحة يده، ثم دلّك فروة رأسها برفق فابتسمت مغمضة عيناها بإستمتاعٍ تقول ببراءة:
الله!!
نظف لها خصلاتها جيدًا، ليأخذ صنبور الدش بيدُه يمرر رأسها يزيل بقايا الشامبو من فوق رأسها يمسح بكفه على خصلاتها الطويلة، حتى تأكد من أن خصلاتها نظفت جيدًا، أخذ لوف الاستحمام ملئها بـ جل الاستحمام، ثم أخذ كفها المبلل .. ليرفع باطنه لـ شفتيه يُقبله فـ ابتسمت تتنهد مُعلنة هيامها بذلك الرجل، سار باللوف فوق ذراعها، مرورًا برقبتها، غزى الاحمرار وجهها عندما أكمل باقي جسدها وهي تهمهم بإعتراضٍ خفيف:
هكمل أنا يا فريد!!
قال بهدوء:
أنا مش شايف حاجة يا روح فريد!
تنهدت و تركت نفسها له، وعندما انتهى إلتقط ذقنها يقول بحب:
همشي أنا عشان تعرفي تقومي وتغسلي جسمك!!
أومأت له على الفور مبتسمة بحب مماثل، ثم رمت له قبلة على الهواء فـ ابتسم وذهب مبتعدًا عنها يخرج من المرحاض بأكمله، نهضت هي بالفعل وحممت جسدها تغتسل، ثم خرجت من الحوض ولفّت جسدها على الفور بالمنشفة، خرجت من المرحاض والإبتسامة تعلو وجهها، فـ ها هي قد اكتشفت به جانبًا حنون، تنهدت وجلست على المقعد أمام المزينة ترطب جسدها ببعض الكريمات المرطبة، لكن قاطعها من يطرق على باب غرفتها فـ قطّبت حاجبيها بدهشةٍ، فهو بالتأكيد لن يطرق، ظنت أنها عمته فنهضت مقررة بداخلها التعامل معها ببرودٍ واستفزاز حتى تُخرجها عن أعصابها وتنتقم منها على التشتت الذي أحدثته بعقلها، نهضت وخرجت من الغرفة لتفتح الباب، قطّبت حاجبيها عندما وجدت فتاة ذات خصلات قصيرة سوداء بجسد ممشوق ترتدي بنطال من الجينز التصق بساقيها وكنزة تظهر جزء بسيط من معدتها البيضاء، تناظرها بنظراتٍ غريبة، لتنطق بعد لحظات من الصمت:
فريد فين؟
إنتِ مين؟!
قالتها نور بدهشةٍ، فهتفت الأخيرة:
أنا مراته .. نيِّرة!!!
رواية هوى الزيات الفصل السابع 7 - بقلم سارة الحلفاوي
حملقت بها بصدمةٍ، لم تكُن تتوقع مجيئها إلى هنا.
دلف بكل وقاحةٍ للغرفة تنظر إلى نور من أسفل إلى أعلى قائلة بإحتقارٍ:
- ذوقُه بقى بايخ!!!
لم تتحمل نور فـ إنفلتت أعصابها و هتفت بحدة:
- إطـلـعـي بـرا!!!
نهضت الأخيرة من فوق الفراش و قالت ُمستنكرة:
- هطلع متزعقيش!!
ثم قالت بـ خبث:
- بس قبل ما أطلع، أنا مراتُه زي ما إنتِ مراتُه .. يعني هنقسِّم الأيام بينا!!
- ده إنتِ هطلة بقى!!!
صرخت بها نور فـ قالت الأخيرة بضحكة مُستهزءة:
- أنا قولتلك اللي عندي! و فريد موافق على فكرة أنا لسه جاية من عندُه، واحدة زيي متتسابش أصلًا!!
لم تلتقط أذنيها سوى أن فريد يعلم بتلك التراهات، فـ غمغمت بصدمةٍ:
- فريد عارف؟!!!
أومأت لها نيّرة لترمي لها قبلة بالهواء ثم خرجت.
جلست الأخيرة على الفراش تُلملم بعثرة أحاسيسها، ظلت على وضعها بـ المنشفة حتى دلف هو يجفف خصلاتُه بـ منشفتُه عاري الصدر لا يرتدي سوى بنطال أزرق قاتم رياضي قطني.
أنعقد ما بين حاجبيه عندما وجدها على هذا الحال، ذهب لها و رفع ذقنها له يقول بتوجسٍ:
- مالك يا نور؟
حاولت نور التظاهر بالشجاعة، لتنهض واقفة أمامُه تقول بـ جمودٍ تلبّس نبرتها:
- مراتك كانت هنا .. و بتقول إنها عايزه تقسم الأيام بينا و إنك عارف .. و موافق على ده!!!
- نيّرة جات هنا!!
قالها بحدةٍ، لينظر لعيناها يقول بضيق:
- كل اللي قالتُه ده هبل .. و لا كإنك سمعتيه!!!
قالت نور تشعر بدمائها تحترق بنيرانٍ موقدة:
- عادي يا فريد .. ده حقها و حقك بردو!!
- إنت هبلة و لا شكلك كدا؟
هتف بعنفٍ حتى إنتفض جسدها، ثم قال بقسوة:
- أنا نفَسها مبطيقهوش تقوليلي حقها .. كَسْر حُقها!!!
ذهب من أمامها دون أن ينتظر ردها، فـ تهاوت على الفراش تكتم دمعاتها تشعر بنيران تتأجج بصدرها، شعور الغيرة مُميت، يشبه سكب مياة نارية تكوي قلبك.
أغمضت عيناها واضعة كفها فوق قلبها.
عاد بعد دقائق ممسكًا بـ رسغ نيرة وسط إعتراضاتها، أوقفها أمامه و كفُه فوق عضدها.
لم تنتبه نور سوى لـ لمسة يده لـ جسدها، لترفع عيناها له و هو يزجرها بعنف:
- قسمًا بربي لو عتبتي الأوضة دي تاني لكون مطلقك وقتي، إعتذري منها حالًا!!!!
هتفت نيّرة بخوف و هي تطالعها:
- أنا .. أنا أسفة!!
ثم إلتفتت إلى فريد تقول و هي تذرف الدمعات:
- حلو كدا؟ مش هتحِن عليا بقى يا فريد و تعتبرني مراتك و لو ليوم واحد!!
- ده بُعدِك!!!
قالها ببرود فـ كانت قاصدة الإقتراب منه أمام أعين نور و محاوطة عنقُه تقول بـ صوتٍ يضعف أمامه أعتى الرجال:
- بس كدا حرام .. أنا عايزاك!!!
أغمضت نور عيناها و كفها قابض فوق ملاءة الفراش تكورها بيدها، لتفتح عيناها على دفعة فريد إلى نيرة و جرُه لها تاركًا الغرفة.
سمحت لدمعاتها بالنزول و بدأ جسدها في الإرتعاش بـ حُزن عجزت السيطرة عليه.
رفعت رأسها للخلف تحاول التنفس بشكلٍ طبيعي، حتى وجدته يدلف مجددًا و الغضب بادٍ على وجهه.
طالعتُه بنظرات لا حياة بها، و غمغمت بهدوء لا يماثل ما بقلبها:
- أنا مش هقدر أستحمل وجودها في البيت .. يا أنا يا هي!!
- إنتِ حاطة نفسك في مقارنة معاها إزاي؟
قالها بحدة، فنهضت صارخة بإنفعال:
- جربوعة مين دي اللي أحط نفسي في مقارنة معاها! أنا بقولك مش هقدر أستحمل إنها تبقى هنا في نفس المكان اللي أنا عايشة فيه مع جوزي!!
- همّشيها قُريب!!
قال محاولًا إمتصاص غضبها، فـ هتفت بنبرةٍ عنيفةٍ:
- مـش هتقـعد هنـا يـوم واحـد!!!
إنفلت زمام صبرُه فـ هدر بها بنبرةٍ أكثر عنفوانًا:
- وطـــي صـوتـك!!!!
إنتفضت من صوته الذي يلج الرعب بداخلها، فـ جلست كاتمة عبراتها من السقوط.
مسح هو فوق وجهه بـ عصبيةٍ، و لان قلبُه عندما وجدها تكتم شهقات بكائها تفرك بأناملها بقسوةٍ حتى غزاهم الإحمرار.
جلس أمام قدميها كالقرفصاء فـ ناظرتُه بصدمةٍ، لم تكُ تتوقع جلوسه أمامها و هو الذي يسقط أمام قدميه أعتى الرجال، جالس بـ هيبتُه الكبيرة و رجولته الصارخة أمام قدميها ضاربًا بكُل هذا عرض الحائط.
أمسك كفيها، ثم قبل مكان فركها العنيف يقول بهدوء:
- مُضطر على وجودها اليومين دول، إستحمليهم و بعدين همشيها من حياتي خالص مش بس من هنا .. إتفقنا؟
سمحت لـ شهقاتها بالخروج فـ خرجت كالأطفال اللواتي يبكين على عقابٍ تلقوه من أبائهم.
إبتسم و مسح دمعاتها بإبهامه محاوطًا خدها الأيمن، ناظرًا لتلك الشفاه التي ترتجف و هي تُتمتم:
- إنت .. لـ .. ليه مش قادر تفهم إني بغير عـ .. عليك!! دي إتجرأت و حطت .. إيديها حوالين رقبتك و لـ .. لمستك!!
رفع حاجبيه مصدومًا محافظًا على إبتسامته، فـ كلماتها أدخل السرور إلى قلبُه و أنعشت روحه متيقنًا الآن كم تحبُه هي .. تحبه إلى الحد الذي يجعلها تبكي من قوة الغيرة على قلبها.
نهض و جلس جوارها ليستطيع تخبأتها بأحضانه فـ فعل فورًا يمسح فوق تلك المنشفة التي تخفي عن ناظريه جسدها.
تشبثت هي بخصرُه و كأنها صغيرتُه تغمغم بـ براءةٍ مُحببة إلى قلبه:
- إزاي تجيلها الجُرأه تقول إنها .. عايزاك!! أزاي يا فريد رُد عليا أنا حاسة إن فيه نار قايدة جوايا!!!
- متاخديش على كلامها يا روح قلب فريد!!
قال مُقبلًا جبينها، فـ رفعت عيناها له تقول بألمٍ:
- فريد!
مسح فوق وجنتها قائلًا بحنو:
- قـلـبُه!!
تنهدت و أراحت رأسها فوق صدرُه دون أن تنطق، فهي تثق به ثقةً عمياء و موقنة بأنه لن يخونها مهما حدث و لكن رغم ذلك تشتعل من دواخلها.
أغمضت عيناها فـ قال بلُطفٍ:
- يلا يا حبيبتي قومي إلبسي عشان متاخديش برد، و أنا هلبس عشان أروح شغلي، عندي meetings كتير النهاردة!!
إبتعدت عنه و قال بهدوء ظاهريّ:
- ماشي يا حبيبي!!
ثم نهضت تجُر قدميها من شدة ألم قلبها، و إرتدت ثيابها ثم خرجت فوجدته ينثر عطرُه و يصفف خصلاته.
ذهبت له و إحتضنت ظهرُه بعشقٍ قد تملّكها، لا تعلم متى و لكن رُبما منذ أن وجدتُه كـ حائطٍ منيع أمام كل ما يُمثل خطر بالنسبة لها.
نظر لها في المرآه ليرفع كفها يُقبله قائلًا بهدوء:
- هتوحشيني!!
لفّته لها ثم قالت بوله:
- و إنت كمان هتوحشني أوي أويمالُ يلتقط قبلة من وجنتها الشهيّة، حتى تحولت لقُبلات عديدة ضحكت على أثرها، فـ إبتعدت عنه تقول محاوطة عنقه:
- كفاية!!
دفن أنفه في عنقها يُقرب خصرها منه قائلًا:
- كفاية إيه بس .. أنا لا بكتفي ولا بشبع، حاسس إني عايز أخبيكٍ جوايا عشان متبعديش عني لحظة!!
- يا ماما إنتِ مُتأكدة من اللي هنعملُه ده؟
قالتها نيرة بقلبٍ متوجس من خطة والدتها التي لم تخطر على بالك الأبالسة، فقالت الأخير بـ قلبٍ ليس به ذرة رحمة:
- أنا مبعملش حاجه غير و أنا مُتأكدة منها، البت دي لازم نخليها تغور من حياة فريد بأي تمن، أنا خلاص إتفقت مع الزفت جوز أمها ده اللي قدرت أوصلُه بالعافية، و هندخله من الباب الوراني و الـ guards مش هيحسوا بينا، أهم حاجه نخلي حد من الخدم يطلعلها العصير اللي فيه المنوم عشان تنام و متعملناش مُصيبة!!!
إرتجف بدن الأخيرة و قالت برُعب:
- فـ .. فريد لو عرف مش هيكفيه فينا عُمرنا يا ماما!
- عقبال ما يعرف .. هتكون هي في خبر كان، و محدش هيدرى إن إحنا اللي عملنا كدا أصلًا!!!
هتفت نرجس بـ برود أعصاب، و كأنها لا تخطط الآن إلى زهق روح إنسان بل و تسليمُه للهاوية بيديه.
أخرجت من جيب ردائها المنزلي علبة إسطوانية بها بودرة، ثم سلمتها إلى نيرة التي إلتقطتها بترددٍ، فـ قالت نرجس:
- هتروحي تحطيها في العصير و تقولي لحد من الخدم يطلعه ومعاه صينية فطار عشان متشُكش في حاجه، و أنا هكلم مُنذر!!
- ماشي يا ماما
غمغمت نيِّرة ثم ذهبت للمطبخ لتخرج تلك البودرة البيضاء ثم أذابت القليل منها في الكوب، و لإرتعاشة يدها من الخوف وقعت فـ إنكسرت منها مُتبعثرة لأشلاء.
إلتفت الخدم لها بإستغرابٍ لكنها سرعان ما إنحنت تلملم الزجاج تلعن غباءها، جذبت خرقة قماش ثم مسحت بها بقايا البودرة، فأتت إحدى الخادمات تقول بإحترام:
- أنا هلم اللي إتكسر يا نيرة هانم!!
هتفت نيّرة بضيق:
- خلاص .. لميتُه!
ثم نهضت تُقلب العصير جيدًا و تقول بهدوء حاولت الحفاظ عليه:
- خُدي الفطار ده لـ نور!!
و شهبت من أمامها، فـ قلّبت الأخيرة كفيها قائلة بدهشة:
- بتحضرلها الفطار .. ضراير آخر زمن!!
جلست نور أمام التلفاز تحتسي العصير و تقضم من تلك الشطيرة الشهية، تنطلق منها ضحكاتٍ أنثوية أثر إحدى المسرحيات التي تعشقها.
أسندت رأسها فوق ظهر كفها ثم ثبتته على يد الأريكة، لتمُر دقائق و تشعر بـ ثقل رأسها، و إنسدال جفونها ببطء، و تراخي جسدها بشكلٍ غريب.
قطبت حاجبيها لتحاول النهوض مستغربة حالتها، فهي قد إستفاقت من نومها قبل قليل .. كيف يُخيم النعاس على قسماتها بذلك الشكل.
لم تستطع التحكم في نفسها و فور نهوضها سقطت أرضًا و كأنها أُغشي عليها، ظلت على هذا الحال بين أيادي الأرض الباردة، حتى فُتح باب غرفتها، بحذر.
دلف نيّرة فوجدتها على هذا الحال لتشير لمنذر على الفور لكي يدلف، دلف الأخير لينزوي جانب شفتيه بخبثٍ شيطاني ثم حملها بين ذراعيه و يداه تتسلل لبعض المناطق بجسدها لا يصدق أنها باتت بين يداه.
نظرت نيّرة لما يفعل بإشمئزاز، ثم ضربتُه على كتفُه قائلة بحدة:
- إنت يا جدع إنت .. الوساخة دي إعملها بعيد عن هنا!! خلاص يعني مش قادر تمسك نفسك!!!
تنحنح منذر بحرجٍ و قال بـ طريقتُه الفجة:
- أعذريني يا ست هانم .. كان نفسي في البت من زمان!!
ثم غادر و سبقته نيّرة ترى إن كان أحد يراهم من الخدم أو غيرُه، لكن الجميع منشغل بما بين يداه، فأشارت له أن يتقدم للخارج فـ فعل و خرج من الباب الخلفي.
كانت هنالك سيارة في إنتظارُه فـ صعد بها بالخلف على الفور، آخذًا نور الغائبة عن وعيها على قدمه، عيناه تنهش جسدها أسفل بيچامتها السوداء التي كانت بـأكمامٍ طويلة و لحسن حظها كانت محتشمة، لكن نظراته كانت تُعري جسدها.
لهثت أنفاسه يحاوط وجنتيها قائلًا بـ شهوةٍ بغيضة:
- أخيرًا .. أخيرًا يا بنت الكلب!! الجمال ده كلُه مينفعش غير إنه يكون ليا .. الجسم اللي البيه واخدُه ليه لوحدُه، النهاردة هيبقى بتاعي!!
مرر كفُه فوق جسدها برغبةٍ، ليغمض عيناه بتلذذٍ ثم حاول التحكم بأنفاسه المُستثارة حتى قال لنفسه بإبتسامة أظهرت عن أسنانه التي أكلتها سجائرُه:
- إهدى يا مُنذر، كلها دقايق و تبقى بتاعتك!!!
وصلوا بالفعل لـ بيت في منطقة نائية، حملها و سار بها ناحية البيت يسمع مكابح السيارة خلفه تغادر.
دلف للمنزل و أغلقه ثم دلف لغرفة كانت حالتها معقولة، تصلُع فقط للمهمة التي سيؤديها ولا تصلح للحياة بها، ألقى بجسدها على الفراش .. ثم أسرع بأنامل متلهفة يحرر أزرار قميصه و عيناه ثابتة على جسدها، نزع عن القميص و بقي عاري الصدر، هم بالإنقضاض عليها بكن قاطعُه هاتفه المحمول، فنظر به بضيق لكنه وجده ذلك الرجل الذي داينهُ بعض المال، فـ هتف بنزقٍ:
- أرُد عليه بدل ما يعمل مصيبة ده راجل لاسع!
خرج من المخزن يجيب على الهاتف، إستغرق أكثر من نصف ساعة في إقناع ذلك الرجل أن المال سيكون عنده الليلة بينما الأخير يهدر به أن تلك كذبة جديدة أضافها لقائمة كذباته.
بينما نور .. إستفاقت و عيناها ثقيلة، تنظر حولها بـ حاجبي تقطبا و أعين ملئتها علامات الخوف عندما أدركت أنها ليست بغرفتها، ولا على فراشه.
إنتفضت من فوق الفراش و كامل جسدها يرتجف بصدمةٍ تنظر حولها، حتى إستمعت لصوتِ تعلمُه جيدًا ذلك ااصوت الذي لطالما أسمعها فُحش الكلمات و أثار غضبها بـ تلميحاتٍ لا تمُت إلا للدناءة.
سقط قلبها أرضًا و إرتعدت فرائها لا سيما عندما وجدته يدلف ليصدم من أنها إستفاقت، لكنه سرعان ما قال بمكرٍ:
- صحيتي .. طب كويس!! أنا بصراحة كنت عايزك فايقالي!!
إقترب منها و قال بقسوةٍ:
- عايز أسمع صوتك صريخك و أمتّع وداني بيه!
إبتعدت عنه بـ رجفةٍ فوجدته يقبض فوق خصلاتها وسط صرخاتها و يلقي بها فوق الفراش يصرخ بوجهها:
- صرّخي .. صرّخي و إترعشي كمان!!! لسه الرعش جاي!!!!
ظلت تصرخ و تحاول مقاومته بأظافرها و قدمها و هو يعلوها، ضربت ركبتها في معدته و أسفلها و إستطاعت بصعوبة تحرير كفيها فـ قبضت على خصلاته بعنف لـ تصدح صرخاته في المكان، لا تعلم القوة التي تلبستها و جعلتها تنهض تكيل له لكمات بـ وجهه و بطنه تشدد فوق خصلاته بعنف صارخة بوجهها:
- أنا هخليك ترعش ولا صافينار دلوقتي يا ابن الكــلــب!!!!
أمسكت بـ إحدى الفازات و سقطت بها فوق رأسُه فـ سقط مغشيًا عليه و الدماء تنهمر من رأسه.
نظرت له بإرتعادٍ من أن تكون قتلته، فـ ركضت خارج المنزل لتجد نفسها في وسط مكان يبعُد عن البشر، ظلت تركُض و هي تبكي بألم حتى وجدت الشارع الرئيسي، و لأنها في وضح النهار توقفت لها سيارة ترجلت منها فتاة في مثل سنها ترتدي مئزر أسود جلدي و بنطال من خامة الجينز.
نزعت عن عيناها نظارة الشمس و إقتربت من نور التي كانت منهارة في بكائها تقول بقلق:
- إيه ده في إيه!!! بتعيطي كدا ليه .. قوليلي لو محتاجة مُساعدة!!!
نظرت لها نور لتمسك بذراعيها ترجوها:
- لو سمحتي أنا .. أنا عايزة أعمل تليفون من عندك ضروري!!!
- حاضر!!
هتفت الأخيرة بلهفة ثم أسندتها تقول برفق:
- طب تعالي .. تعالي إركبي العربية بدل وقفتك كدا بالبيچامة!!!
و بالفعل صعدت السيارة معها تحاول أخذ أنفاسها اللاهثة، ناولتها الفتاة هاتفها ذو الطراز الحديث و قالت بهدوء:
- خُدي رني على اللي عايزاه!!!
إلتقطت منها الهاتف و أسرعت تضرب أرقام هاتفُه التي حفظتها مؤخرًا عن ظهر قلب، وضعت الهاتف على أذنها تضم كفها الآخر لصدرها لا تستطيع التحكم بدقات قلبها التي تزداد مع إزدياد الرنين الي يطن بأذنيها، حتى أجاب تستمع لصوته الرجولي:
- ألو ..
إنفجرت في البكاء تشهق بقوة و هي تقول بتقطُعٍ:
- فـ .. فريد!!! تعالى خُدني يا فريد!!!
- نــــور!!
إنتفض من فوق مقعدُه الجلديّ، أسرع من خلف المكتب يغادره تمامًا يصرخ بها و كل خلية بجسده تنتفض:
- في إيــه!!! إنتِ مش في البيت؟!!
بكت أكثر تحتضن الهاتف بكفيها تقول و الدمعات أغرقت وجهها:
- فريد .. أنا .. جوز أمي!!!!
حملق بالفراغ أمامه بعدما توقف أمام سيارتُه، كاد أن يسقط الهاتف من يدُه و أسوأ السيناريوهات في عقلُه.
صعد بالسيارة يقول بصوتٍ لا يحمل سوى الجمود:
- إنت فين؟!
نظرت حولها تقول بحيرة:
- مش عارفة .. مش عارفة أنا فين أنا آآآ!!!
قاطعتها الفتاة تقول و هي تربت على كتفها:
- قوليله إننا على طريق المُقطّم!!!
أسرعت نور بلهفةٍ تقول ببكاء:
- أنا على طريق المُقطم يا فريد .. متتأخرش يا فريد بالله عليك!!!
ثم أغلقت الهاتف فـ أغمض عيناه و ضرب المقود بكفُه مرتان متتاليتان من شده الألم الذي فطر قلبُه من صوتها، سار بالسيارة على سرعة مائتان لكي يصل لها، بينما جلست نور تخفي وجهها بين كفيها، فـ ناظرتها المدعوة دُنيا بـ شفقة على حالها، ربتت على كتفها تقول بلُطف:
- إهدي .. بإذن الله هييجي على طول!! هو جوزك ولا أخوكِ!
قالت وسط شهقات تلت بكائها:
- جـ .. جوزي!!!
تنهدت و قالت بحنان:
- طيب إهدي لو سمحتِ ..
ثم قالت بإبتسامةٍ تحاول التخفيف عنها:
- والله لو فضلتي تعيطي كدا هقعد أعيط جنبك و أنا أصلًا دمعتي قُريبة!
نظرت لها نور و إبتسمت قائلة بهدوء:
- أنا مش عارفة أشكُرك إزاي!!
- أشكريني بإنك تضحكي يا ستي!
همهمت بها بإبتسامة صافية، فـ أسندت نور جبينها فوق كفها، حتى رنّ هاتف دنيا فأسرعت تعطيه إلى نور التي أجابت مُسرعةً:
- إنت فين!!!
ترجل من سيارتُه و قال و هو يلتفت حولُه:
- أنا ع الطرق، شايفاني من بعيد حتى؟
نظرت حولها فـ وجدته منتصبًا مرتديًا نظارتُه يبحث بكل لهفةٍ عليها، إنطلقت منها ضحكة إختلطت ببكاءٍ عارم و هي تفتح باب السيارة و تركض نحوه.
نزع نظارتُه عندما وجدها تركض لكي تصل له بـ بيچامة بيتية جعلت الدماء تغلي بعروقها، شعرها مُشعث و هيئتها شاحبة.
ركضت هي بكُل ما تملك من قوة لتسقط بأحضانه بوهنٍ فـ تلقاها هو بذراعيه يسندها ثم يحتضنها، يضمها بكل ما أوتي لصدرُه و قلبُه ينفطر على شهقاتها الباكية، يمسد فوق خصلاتها بلهفةٍ فأعاد ترتيبُه، ظلّا هكذا مُدة حتى أبعدها و هو لايستطيع التحكم في خيالاته السوداوية يقول محاوطًا وجنتيها:
- أذاكِ؟ .. لمسك؟!!
حاولت التحدُث وسط شهقاتها، فـ كان هو يهز رأسه يحثها على تجمعة حروفٍ مُشتتة كحالها بالضبط، يضغط بأنامله فوق وجنتيها، فـ قالت بحروفٍ تقطّعت:
- لـ .. لاء لاء .. لاء معملش حاجه ملحقش يعمل .. أنا .. أنا ضربتُه بـ فازة، لو .. لو مكُنتش عملتكدا أنا كان زماني ..!!!
لم تستطع إيجاد كلمة مناسبة .. لربما كانت الآن ميتة .. أو كانت مجرد جسد دنّسُه هو بدنائتُه، ضم رأسها لصدرُه يمسح على ظهرها صعودًا و هبوطًا يهمهم:
- ششش .. بس .. بس يا حبيبتي خلاص!!
أغمضت عيناها تتشبث في قميصُه الله وحدُه يعلم حجم الألم الذي قد إختلج قلبُه، أبعدها عنه بعد قليل، ينزع عنه چاكت بذلته ثم يحاوطها به، يدفعها برفق إلى السيارة فـ إستقلتها تقول برجاء:
- البنت اللي واقفة بالعربية الحمرا دي هي اللي كلمتك من عندها، عايزه أشكرها يا فريد!!
نظر حيث تشير ليومأ لها بهدوء:
- كل اللي إنت عايزاه هعملهولك .. إرتاحي يا حبيبي!!
أسندت رأسها للخلف و دمعاتها تهطل بصمت، إستقل جوارها و ذهب إلى تلك السيارة فوجد صاحبتها بها، إبتسم لها و قال:
- متشكر على اللي عملتيه مع مراتي!!
إبتسمت دُنيا بهظوء و قالت:
- أنا معملتش حاجه .. أي حد مكاني كان هيعمل كدا! أهم حاجه إنها بخير دلوقتي!!
نظرت لها نور بإمتنان حقيقي، و أشارت لها فـ أرسلت لها الأخيرة قبلة في الهواء و غادرت، أغمصت نور عيناها بتعبٍ، و سار هو بالسيارة يحاول جاهدًا أن ينظم أنفاسه التي تبعثرت، طالعها ثم ضم رأسها له، و همس لها بـ كل هدوء:
- نور ..
- نـ .. نعم!!
قالت تتشبث بقميصُه دافنة رأسها بـ عنقه، فـ هتف بنفس النبرة:
- عايزك تركزي أوي معايا و تحاولي توصفيلي المكان اللي كُنتِ فيه!! قوليلي مشيتي إزاي!!
رفعت رأسها تنظر حولها، و بصعوبة إستجمعت نفسها و أشارت له على أحد الطرقات حتى وصلا إلى ذاك البيت، إنتفضت فورما رأته و صرخت بوجعٍ تغلغل قلبُه هو قبلها:
- ده .. هو ده يا فريد!!!
- طيب يا روح قلب فريد!!
هتف محاولًا تهدأتها، ثم قبّل كفها الذي يرتجف و هو يهمس برفقٍ:
- عايزك تهدي .. و أنا هنزل إشوف الو** ده و راجعلك!!!
شهقت و تشبثت بـ تلابيبه تقول مصدومة:
- إيه!!! لاء إوعى .. و حياتي يا فريد لاء متسيبنيش، أنا عايزاك مش عايزه أخسرك .. بلاش توسخ إيدك بدمُه!! البوليس لو خدك أن هيجرالي حاجه يا فـ..!
قاطع حديثها عندما أنهال على وجهها بالقُبلات و بين كل قبلة و الأخرى يهمس لها بحنوٍ:
- وَلا تخافي .. أنا عُمري ما هسيبك!
فتح كفها يُقبل باطنُه هامسًا:
- متتحركيش من العربية يا حبيبتي .. و أنا مش هتأخر صدقيني!!
أومأت له بإستسلام، فهي على يقين أنه لن يترُك الأمر يذهب سُدى، و بالفعل ترجّل ليدلف لذلك البيت!!
دلف و قد إستوحشت ملامحه تختلف كليًا عن محياه و هو معها، الدماء تغلي بعروقُه و قدميه تطوي الإرض أسفلهما، إبتيم و الشرر يتصاعد من عيناه عندما وجدُه يحاول أن يستفيق ممسكًا برأسه يتآوه بألم، و بحركةٍ لم تكُن متوقعه ضربَه فريد بـ قدمه في معدته فـ ثرخ الأخير و سط أرضًا يبصق الدماء و الرؤية مشوشة أمامه لا يعلم ممن يُضرب، و قبل أن يتدارك الضربة الأولى و جد الضربات تتابع فوق معدته و جزءُه السفلي، حتى أغشي عليه، مال عليه فريد يتفحص نبضُه فوجده ضعيف لكن موجود، زمجر بضيق ليأخذ مسدسه و يسحب زنادُه بجمودٍ فتنطلق طلقة رصاصية إستقرت بصدر الأخير، وضع المسدس بـ جيب بنطاله الخلفي مجددًا و غادر يشعر بالقليل من الإرتياح في قلبُه سـ يكتمل فورما يعلم من نصب هذا الفخ لـ أغلى شخص بحياته.
عاد لها فوجدها ترتجف من شدة خوفها، بالتأكيد وصل لأذنيها صوت تلك الطلقة، صعد جوارها فـ إلتفتت له تقول ببكاء رهيب:
- ليه .. ليه عملت كدا!! أنا مش هقدر أعيش من غيرك!!
ضرب على المقود بعنف و صرخ بها من شدة غضبُه من الأمر برمته:
- لـيـه عـمـلت كــدا!!! مستنية مني إيه و أنا لاقيت مراتي كانت في بيت مع راجل ابن **** لوحدهم و لولا ستر ربنا كان زمانُه ضيّعك و ضيّعني؟! أعمل إيه بعد ما لقتك جاية بتجري عليا بـ بيچامة بـيـت!!! و طبعًا إنتِ كان مُغمى عليكِ .. يعني ال***** ده قدر يلمس جسمك و إنتِ مش واعية!!! عندك فـكـرة باللي حاصل جوايا دلوقتي؟!!! عُمرك ما هتحسي بالنار اللي جوايا فـ متقوليليش عملت كدا ليه!!
إندفست في المقعد و إزدادت وتيرة بُكائها، أغمضت عيناها تستمع لكلماته التي تذبح روحها، تستمع لـ صوت أنفاسه العالية، تفتح عيناها لترى أنامله التي ترتعش و ملامحه التي باتت مُخيفة و لـ نفور عروقه من جبينه فـ تُغمضها مُجددًا خائفة من منظرُه، تسمع مجددًا يستطرد بقسوةٍ:
- حــالًا .. تحكيلي اللي حصل بعد ما مشيت!!
حاولت إستجماع شتاتها، تفرك بـ طرف مئزر بذلتُه بعنفٍ تجمع الحروف لترتبها مكونة جملتين بسيطتين:
- مش .. قادرة أتكلم .. في حاجه دلوقتي!!!
إنتفض جسدها و إرتعش بدنها عندما وجدته يصيح بصوتٍ مُخيف:
- مـــش إيـــه؟!!!! لاء م أنا مش هـسـتـنـى لـمـا سيادتك تِـروقـي عشان تـتـكلـمي!! مـتسـيبينيش لـدماغـي أنـا مـش ناقص!!
أغمضت عيناها و مالت برأسها للأمام تحاوط رإسها تحاول تهدئة خفقات قلبها التي صمّت أذنيها من خوفها منه و من الموقف برمتُه، تحاول أخذ أنفاسها بصعوبة، حتى شعرت بـ كل شيء حولها يطبق على أنفاسها، أسندت كفها فوق الزجاج تغمغم بصعوبةٍ:
- نزلني .. نزلني حاسة إني هتخنق!!!
نظر لها و كأنه قد عُمي عن وضعها، فـ لم يلقي بالًا لما تقول، و واصل سيرُه دون الإلتفات لها، وضعت هي كفها فوق صدرها تغمض عيناها و أنفاسها بالفعل لا تدلف رئتيها مهما حاولت إلتقاطها، أغمضت عيناها و إزرقّت شفتيها فـ همست بخفوت سمعه:
- فريد!!
رواية هوى الزيات الفصل الثامن 8 - بقلم سارة الحلفاوي
الفصل الثامن
نزلني .. نزلني حاسة إني هتخنق!!!
نظر لها و كأنه قد عُمي عن وضعها، فـ لم يلقي بالًا لما تقول، و واصل سيرُه دون الإلتفات لها، وضعت هي كفها فوق صدرها تغمض عيناها و أنفاسها بالفعل لا تدلف رئتيها مهما حاولت إلتقاطها، أغمضت عيناها و إزرقّت شفتيها فـ همست بخفوت سمعه:
- فريد!!
نظر لها و هم بالعدول عنها محدقًا أمامه، لكنه أوقف السيارة بعنفٍ ضاغطًا على المكابح بقوة عندما وجدها على تلك الحالة، أسرع يصف السيارة جانبًا فـ فتحت الباب على الفور دون أن تنتظر، ترجلت من السيارة تستند عليها تميل برأسها و خصلاتها تتساقط جوارها تحاول أخذ أنفاسها و بالكاد تفعل، ترجل هو خلفها فورًا يركض ناحيتها، الخوف ملأ قلبه عليها، وقف جوارها يرفع وجهها له يقول و عيناه تسير على شحوب وجهها:
- نور .. حاسة بإيه يا حبيبتي؟!!
- روحي .. هتطلع!!!
قالتها تتمسك بقميصُه تكاد تنهار أرضًا لولا أنه إمسك بـ خصرها قابضًا عليه بذراعه الأيسر و الذراع الآخر يحيط به رأسها خلف عنقها يتمعن قسمات وجهها، يتمعن في جملتها أيضًا التي ألتقتها على مسامعه و لا تدري عمّا أحدثت به من خراب داخله، ضم وجهها بكفيه يقول بـ صوتِ أهتز أثر كلماتها:
- بُصيلي .. خُدي نفسك ورايا .. يلا إعملي زي م أنا بعمل!!
نظرت له بأعين زائغة و إرتجافة بدن، تحاوب أن تفعل مثله و تتنفس أنفاس عميقة، أدمعت عيناها و هي تنظر له حتى إمتلأت رئتيها بالهواء، تنفس هو براحة يلصق جبينه بـ جبينها المُتعرق، ثم ضم رأسها لصدرُه مربتًا فوق ظهرها ماسحًا عليه يغمض عيناه و يرتجف قلبُه من أثر خوفه عليها، أبعدها عنه ثم مال يُقبل جفونها الدامعة و وجنتيها اللتين تلطّخا بالدمعات، يهمس بـ ألم:
- حقك عليا .. بس أنا جوايا بركان بيغلي يا نور!
طالعتُه و هي تشعر بـ ألم ينهش في روحها، تحدثت بعد معاناه في محاولة إخراج صوتها الذي بُحّ:
- يعني أنا اللي عادي؟ أنا إتاخدت من نُص بيتي معرفش إزاي ولا إمتى ولا مين عمل كدا!!
إلتقط أنفاسه و هو لازال يكوِّب وجهها قائلًا بـ لين:
- هعرفُه .. و هدفعُه التمن غالي أوي!!!
ثم أجلسها في مقعدها، و استقر هو في مقعده ليقود السيارة و هو عازم على معرفة من الفاعل بل و تسويته بالأراضي و لو كان الثمن هو!
• • • • •
دلف ڤيلتُه يضم كتفيها و مئزرُه يحاوط جزعها العلوي، و فور ولوجهما وجدا نرجس جالسة تتبادل الضحكات مع إبنتها ظنًا منهما أن خطتهما نجحت نجاحًا باهرًا لكن الصدمة إعتلت وجوهما عندما وجدا نور لازالت حيّة و بين ذراعيّ فريد الجامدة مِحياه، إنتفضت نيرة من فوق المقعد و عجزت نرجس عن الحديث، ردة فعلهُما كانت أكبر دليل على فعلتهما بالنسبة إلى فريد الذي إنزوت شفتيه بنصف إبتسامةٍ مُتيقنًا الآن بـ أنهم الفاعلين، نادى فجأة بصوتٍ جهوري:
- يا حجّة يُسرية!!!
أتت من تشرف على الخدم فورًا فورما سمعت إسمها يُنادى منه، وقفت أمامه تقول بتهذيبٍ:
- تؤمر يا بيه!!
- خُدي نور إعمليلها حاجه تاكُلها و خليكِ معاه!!
قالها بهدوء ثم قبّل رأس نور بحنان، لتستند نور على تلك السيدة و يذهبا، وقف هو واضعًا كفُه في جيبُه قائلًا ببرود قارس:
- مراتي غايبة من الصبح، و إنتواىقاعدين هنا مقضينها ضحك و مرقعة؟
أسرعت نرجس تفك شباك لسانها و تتمتم بتوتر ظهر رغمًا عنها في صوتها:
- غايبة إزاي يابني، إحنا مكُناش نعرف هي دايمًا مبتخرجش من الأوضة أصلًا!
رفع حاجبيه بدهشةٍ مُصطنعة و غمغم بـ :
- ممم .. و الله؟
ليتابع و هو يقترب خطوات وئيدة من نيِّرة:
- ويا ترى كنتوا بتضحكوا على إيه .. ضحكوني معاكوا!!
هتفت نيِّرة التي بدأت بأخذ خطوات للخلف تقول بصوتٍ مُهتزّ:
- أبدًا يا .. يا فريد أنا آآ!!!
و في لحظةٍ كان يجذب خصلاتها النفىود بين قبضته يرفع كفُه عاليًا و ينزل به على وجنتها يلطمها بعنف كاد أن يجعلها تفقد توازنها و تسقط لولا كفه القابض على شعراتها يهزها بعنف و قد إستوحشت عيناه و هو يصرخ به بصوتٍ جعلها ترتعد و وسط صرخات نرجس و لطمها على وجهها بـ رعبٍ على إبنتها و على نفسها:
- أنا هعلِّمك تضحكي إزاي يا زبالة!!!
صرخت نيرة ترجوه أن يترك خصلاتها التي تجزم على أنهم تمزّقا بين يداه و لكنه لم يرحم صرخاتها، أمامه صورة نور و هي تعاني بين يدا ذلك الحقير فـ يعود و يصفع نيرة مرةً أخرى مرة تلي الأخرى و صفعة على وجنتها اليُمنى و اليُسرى بكفٍ واحد مرة بباطن كفه و الأخرى بظهرُه!! أمسكت نرجس بكتفه تتوسل له أن يتوقف لكنه نظر لها بأعين حمراء أرعبت قلبها:
- إبــعـدي!!! إنــتِ دورك لسه جاي!!!!
خرجت نور من الغرفة تنزل على الدرج حتى توقفت بصدمةٍ مما يحدث أمام عيناها، ترى زوجها في حالة إهتياج تراها لأول مرة يُكيل لـ نيِّرة الصفعات حتى كادت روحها أن تزهق بين يداه، لا تعلم لِم و لكن كلماته التي ألقاها في وجه نيّرة جعلتها تفهم سبب ما يفعل:
- بتعُضي الإيدك اللي إتمدتلك يا بنت الـ****!!! بتسلِّمي مراتي يا *****
أغمض نور عيناها و صرخات نيّرة تصدح في أذنها، حتى فتحت عيناها على نرجس التي مالت على قدمُه. تتمسك بـ بنطاله راجية إياه بدمعاتٍ أغرقت وجهها:
- كفاية يابني إبوس رجلك كفاية يا فريد!!!
نظر لها يبعد قدمه عنها يقول بقسوةٍ رهيبة:
- هو أنا لسه عملت حاجه!!
ثم تابع بحدة:
- قوليلي عملتوها إزاي!!!
صرخت به نرجس وسط بكائها:
- معملناش حاجة!!!
- طب حلو أوي!!
قال مُبتسمًا ثم إلتفت إلى نيّرة ليجدها بالكاد تقف على قدميها، فـ رفع يده مجددًا و هوى بها على وجنته مرة تلي الأخرى فـ إنهارت نرجس تقول بـ توسلٍ حقيقي:
- كفاية كفاية سيبها و أنا هقولك بس سيبها و رحمة أبوك!!
دفعها بعنف فـ سقطت أرضًا تحاوط وجهها الذي إرتفعت حرارته أثر ضرباته و تزيل خط الدماء ذاك الذي ينهمر من شفتيها، زحفت نرجس إلى إبنتها و ضمتها لصدرها، فـ قال فريد و هو يجلس على المقعد يشعل سيجارته و هو يقول:
- هـا .. أنا سامع!!!
قالت نرجس و هي ترتجف:
- خليت حد .. يعرفلي كل حاجه عنها، و عرفت إن جوز أمها كان طمعان فيها، جبت رقمُه بنفس الطريقة اللي جيبت بيها المعلومات عنه، و إتفقت معاه إني هخليه ييجي ياخدها مُقابل إنه .. يعني يعمل فيها اللي هو عايزه و بعدين يموتها بأي شكل، و إتفقنا على مبلغ هياخدُه لما يقتلها و بعدها هسفّرُه بمركب لأي بلد أجنبية!!!
سقطت نور جالسة على الدرج تستمع لكلماتها و دمعاتها تنهمر فوق وجنتيها، تنظر إلى فريد الذي حافظ على هدوء ناظرًا لـ نرجس يحثها على إكمال حديثها، فـ قالت بخوف:
- خليت نيرة .. تحطلها منوم في العصير، و قدرنا ندخله من الباب الوراني و لما جه الجناح .. خدها و هي نايمة و مشي!!!
إبتسم و الله وحده يعلم ما خلف إبتسامتُه من غضبٍ وصل عنان السماء، أخذ هاتفُه من جيب بنطالُه، و ضرب فوق شاشته فنظرت له نرجس بإستغراب لكنها شهفت عندما وضعه على أذنه و هو يقول:
- النجدة معايا؟
نهضت نرجس تاركة إبنتها تقترب منه صارخة به بصدمةٍ:
- هتبلغ عني يا فريد!!!
نظر لها فريد و قال ببرود:
- عايز أبلغ عن إتنين كانوا عايزين يقتلوا مراتي .. آه شروع في قتل!!
لم تصدق نرجس أذنيها، عندما أغلق معهم بكت و أنهارت و ترجته تمسك بيدُه تقبلها بذلٍ حقيقي:
- لاء يا فريد متعملش فينا كدا! أنا عمتك و نيّرة مراتك حرام عليك!!!
نظر لها ليبعد يده عن مرمى كفيها يضحك ساخرًا و يهتف بـ صوت لا يوجد به ذرة من المرح:
- عمتي اللي حاولت تدمرني عن طريق مراتي؟ أنا معرفكيش ولا يشفرني تبقي عمة ليا!! و بالنسبة لمراتي ..
ثم تابع ناظرًا لتلك التي مفترشة الأرضية مغمضة عيناها، و قال بجدية:
- نيّرة .. إنتِ طالق!!!
أطبقت فوق جفونها لا تجرؤ على رفع عيناها بـه بعدما حدث لها، ترتجف و تشعر بتخدُر حقيقي في وجهها و روحها، صاحت به نرجس بعنفٍ:
- إنــت إيــه!!! جايب منين الجبروت ده كلُه!!! ده أبوك بجلالة قدرُه ميجيش فيك حاجة!!! طايح في الكل ليه!!! إنت فاكر إن مجرد ما هتقولهم هييجوا ياخدوني يعني!! إنت دليل واحد مش معاك عليا!!!
أخرج السيجار من فمُه يقول بإبتسامة:
- يــاه .. تاهت عني إزاي دي!! هو أنا مقولتلكيش يا عمتي إني كنت بسجلِّك، شكلك مخدتيش بالك و إنتِ بتحكي إني شغلت التسجيل على تليفوني و بدأت أسجل وساختك .. يلا معلش يا عمتي الكَبر .. والخرَف بيعملوا أكتر من كدا!!!
لطمت على وجهها تنظر له مصدومة، لتلتفت حول نفسها لا تعلم ماذا ستفعل، حتى ركضت ناحبة نور التي كانت جالسة على الدرج بشرودٍ، تمسّكت بكتفيها تقول راجية إياها:
- نور!!! أبوس إبدك يا بنتي قوليلُه حاجه!!
نظرت لها نور دون أن تتحدث، لتتابع نرجس بنبرة حاولت بها جذب عاطفتها:
- و حياة أغلى حلجة عندك قوليله بلاش السجن!!!
- السجن هيبقى أرحم عليكِ من اللي ممكن أعملُه فيكِ!!!
قالتها نور بكل هدوءٍ، فـ إبتسم هو على تلك التي لا تضعف و لا تخضع و لا تترك حقها يذهب هدرًا، بينما صرخت بها نرجس:
- حتى إنتِ يا زبالة!!! ده لمِك من الشوارع و جابك تعيشي هنا و تبرطعي في بيتُه يا لمامة الشارع يا عِرة البنات!!!
ظلت نور تناظرها ببرودٍ و لكن إبتسامة أغاظت نرجس أكثر ظهرت على وجهها، لم يتحكم فريد في أعصابه فنهض متجهًا لها يسحبها من ذراعها بعنف بعيدًا عن نور، صوت سرينة الشرطة أوقفتهم جميعًا، فـ هاتف حُراسه يخبرهم أن يسمحوا للشرطة بالدخول، و بالفعل دلفوا للڤيلا فـ ترك هو نرجس و إتجه لهم يُجري معهم محادثة قصيرة عن طبيعة الوضع يخبرهم بـ هويتُه، فقال الضابط على الفور:
- تحت أمرك يا فريد بيه!!! هاتوهم!
و في ثوانٍ كان يجذبهم العساكر وسط صرخات نرجس و نيرة التي لازالت لا تصدق ما يحدث لها، أخبره الضابط بعد خروجهم:
- هنحتاج سيادتك تيجي القسم عشان نعمل المحضر، هنتحفظ عليهم النهاردة لكن بكرة وجود حضرتك هيبقى مهم جدًا!!
- أكيد بإذن الله بكرة هبقى عندكوا!!
قال فريد بهدوءٍ، ثم ظل معه حتى غادر و عاد إلى نور، التي ظلت على حالها جالسة على الدرج تنظر بشرودٍ غريب أمامها، إتجه ناحيتها مقتربًا منها، ثم مال عليها و حملها بين ذراعيه يقول بصوته العالي:
- جهزوا أكل و طلّعوه جناحي!!!
تشبثت بعنقه تريح رأسها على صدرُه مغمضة عيناها بإرهاقٍ، دلف بها للجناح و أغلق الباب خلفه، و من ثم لـ الغرفة، وضعها على الفراش ثم همّ بالإعتدال و تركها لكنها أمسكت بـ تلابيب قميصُه تهمس بوهن:
- خليك معايا!!
- تعالى!
قالتها و هي تبتعد لتترك له مساحة لكي يجلس، فعل هو و جلس جوارها دون نقاشٍ، فـ نامت أعلى فخذُه الأيسر تحاوط قدمه مُغمضة عيناها مسح فوق خصلاتها بحنان، ثم مسح فوق كتفها المُغطى بـ منامية أخرى شتوية بعد أن إستحمت، ثم يعود و يغلغل أنامله بخصلاتها بلُطفٍ، فتحت عيناها التي أخذت تذرف الدمعات، لتغمغم بخفوتٍ و صوتٍ ظهر بالكاد:
- شكرًا .. إنك موجود!
تابعت تتشبث بقدمه أكثر بألم ظهر في بحّة صوتها:
- كُنت هعمل إيه لو مكُنتش في حياتي!!
ثم نهض تثني ركبتيها أسفلها تقول بـ حُزن و هو يبعد خصلاتها عن وجهها لكي يرى ملامحها التي تأسرُه:
- أنا بحبك أوي! مقدرش أعيش من غيرك!!
ألقت بنفسها بأحضانُه تحاوط عنقه بقوةٍ تضم جسدها على جسدُه شبه جالسة فوق قدمُه، تقول وسط نحيب بكائها الخفيف:
- متسيبنيش يا فريد!! متتخلّاش عني أبدًا زي ما كلُه عمل!
ضمها لصدرُه يغمض عيناه يستنشق عبير خصلاتها و رائحة جسدها الفاتنة يُهدئ من روعها مُربتًا فوق ظهرها يقول بعشقٍ:
- و أنا بموت فيكِ!! و عُمري ما هسيبك بلاش هبل! إنتِ نَفسي و نفَسي .. أسيبك و أروح فين؟
عانقته أكثر تسند رأسها موضع أذنها فوق كتفُه تمسح على آخر خُصلاته من الخلف، ثم إبتعدت عنه بعد دقائق، حاوطت وجنتيه تتأمل ملامحُه التي باتت هائمة بها، عجزت عن التعبير فـ ألصقت جبينها بـ جبينه تتنهد فقط فـ تدخل أنفاسها لرئتيه، إبتسم يسمح بدخول أنفاسها العطرة لـ قفصُه الصدري .. و لو كان بإمكانه لـ شقّ صدرُه و أدخلها به يجعلها بداخلُه للأبد، إبتعدت عنه ثم قالت بـ رجاءٍ:
- نام جنبي .. هتقوم تروح فين؟
مسح بكفيه فوق خصلاتها الساقطة على وجنتيها يقول:
- هغير هدومي و آجي يا عُمري كلُه!!!
حررت أزرار قميصُه واحدًا تلو الآخر، ثم نزعته عن جسدُه تقول ببراءة:
- و آدي القميص و قلعتُه، نام بالبنطلون مش مهم!!
إبتسم و قال و هو يجذبها لأحضانه، يضمها لصدره و يستلقى فـ تريح رأسها على صدرُه، أغلق أنوار الغرفة بـ جهاز التحكم و أخذ يمسح على خصلاتها حتى نامت، لكن هو لم يغمض له جفنًا، ظل مُستفيقًا لا يستطيع أن ينام، أسند رأسها على الوسادة و طلّ عليها بمنكبيه، مال يلتقط قُبلة من وجنتها، يدفن أنفُه في عنقها هامسًا بصوته الرجولي و لكن بخفوتٍ:
- مش قادر أنسى و لا أتخطى فكرة إن كُل ده إتعمل فيكِ، حاسس بحجر على قلبي كُل ما بتخيلك بتحاول تدافعي عن نفسك من كل القرف اللي شوفتيه من أول أمك اللي متستاهلش يبقى عندها بنت زيك .. في حد يبقى عندُه بنت زيك و يفرط فيها؟ في حد عاقل تبقي إنتِ بنتُه و يرميكِ يا روح قلب فريد!
و الو** التاني اللي كان معيِّشك في عذاب .. أكيد كُنتِ خايفة طول الوقت رغم إنك كُنتِ في بيتك، أكيد كنت بتبقي مرعوبة لَيدخل عليكِ كإنك قاعدة في الشارع، كُنت بتقفلي على نفسك أوضتك عشان ميدخلش عليكِ و إنتِ نايمة .. يا حبيبتي .. عيشتي كُل ده لوحدك، جيتي هنا و بردو مسلِمتيش من شر اللي المفروض تبقى عمتي، أنا أسف .. مش بس بالنيابة عنها، ده أنا أسف على كل جرح و وجع في قلبك أيًا كان مين سببُه، و أوعدك إني بنفسي هعالج جروحك .. و هطيب وجعك و محدش هيقدر يلمس منك شعرة و لا يإذيكِ بكلمة واحدة!!
قبّل عُنقها و نهض ليستحم و يبدل ثيابُه، ثم عاد جوارها يأخذها بين ذراعيه و ينام بعد عناء!
• • • • •
فُتحت عيناه قبل إستفاقتها، فجدها تختبئ داخل أحضانُه كطفلة صغيرة، قبّل جبينها يُتمتم بحُب:
- أسيبك إزاي و أقوم أنا دلوقتي!!
همّ بالنهوض لولا ذلك الصوت الذي وصل لمسامعُه ينوح يـ:
- يــا نـــور!!! جـــوزي فــيــن يا نــور!!!!
رواية هوى الزيات الفصل التاسع 9 - بقلم سارة الحلفاوي
يا نور!!! جوزي فين يا نور!!!
انتفض من فوق الفراش يخرج من الشرفة فوجدها خارج أسوار البيت تصيح بذات الجملة. ارتدى ملابسه وخرج من الڤيلا بأكملها، يقسم أن يلقنها درسًا لن تنساه. وبالفعل، وقف أمامها وجهه قد اشتعل من فرط غضبه يهدر بوجهها بصوت جهوري أخافها:
بـتـعـلي صــوتك فين يا سـت إنتِ فاكرة نفسك في حارتكوا!!!!
انقضت عليه رغم خوفها منه، تمسكت بتلابيب قميصه صارخة به:
جوزي فين!! عملتوا في جوزي إيه انطق!!!
رفع حراسه أسلحتهم يشهروها بظهرها، فانتفضت خائفة وتركتها. بينما قال لها بجمود:
روحي دوّري عليه في حتة نجسة شبهُه.. بيتي مبيدخلوش أوساخ!!
أخرجت منها كلماته أسوأ ما بها، فصاحت بوجهه:
أنا متأكدة إنك عملت فيه حاجة، وهعرف وهسجنك والله لسأجنك!!
طب يلا.. روحي اعملي اللي تعمليه!!
قالها بابتسامة مستهزئة. فلمحت الواقفة خلفه لتصرخ بها بغلظة قلب لا مثيل لها:
بتبيعي أمك يا نور!! بتبيعيها عشان جوزك يا بنت بطني؟!! يا خسارة!!
ثم سارت تاركة إياهم. لتنهمر دمعاتها على وجنتيها، فالتفت هو لها يناظرها بضيق من وجودها الآن. لم يكن يريدها أن تتواجد بالأصل وتسمع تلك التراهات. رآها تتقدم له تشير بأعين دامعة إلى الفراغ الذي تركته أمها:
أنا عايزة أروحلها.. ينفع أروحلها!!
حاوط كتفيها وقال بحنان:
تروحي تعملي إيه يا حبيبتي؟
هتفت راجية:
خليني أروح وراها أرجوك يا فريد!!
تنهد وقال مشيرًا لها:
روحي يا نور!
ما إن سمعت جملته حتى فرت راكضة خلف أمها لتقبض على كفها تحاول إيقافها، بينما الأخيرة نفضت ذراعها عنها بعنف ملتفتة لها تقول بحدة:
عايزة إيه متلمسنيش!!
قالت نور ببراءة وهي تبكي:
اسمعيني يا ماما!!
صرخت بها:
بس اخرسي!! أنا مش أمك خلاص من النهاردة، اعتبري أمك ماتت ومش راجعة تاني أبدًا!!!
طالعتها مصدومة، ارتعدت شفتيها وهي تقول:
ليه.. ليه يا ماما.. كل ده عشان إيه؟ عشان جوزك؟
عشان انتِ طالعة لأبوكِ! واطية وناكرة زيه! الراجل اللي كان بيعاملك بما يرضي الله افتريتي عليه وخلّيتي جوزك يضربه ويمد إيده عليه قدام باب بيته.. وأهو مختفي دلوقتي من امبارح والله أعلم راح فين!
ضحكت نور بمرارة ثم غمغمت:
بيــعاملني بما يرضي الله؟!! الراجل اللي كان بيبصلي وبيتمناني بتقوليلي كان بيعاملني بما يرضي الله؟ الراجل اللي خطفني من وسط بيتي ووداني في حتة مقطوعة عشان يغتصبني بتقوليلي إنه كان بيعاملني زي بنته!!!
لطمت الأم صارخة بوجهها:
يا مصيبتي!!! يعني عملتوا فيه إيه!!! جوزك قتله صح؟ ردي عليا!!!!
صرخت بها نور تقبض فوق ملابسها تهزها بانهيار:
هـو إنـتِ مـش سـامـعـاني!!!! مـش سـامـعـة أنـا بـقـول إيــه!!
تابعت بصوت عالٍ وسط انهيارها:
هو اللي فارق معاكِ!!! كل اللي فارق معاكِ وجوده وسلامته وأنا في ستين داهية!!! مش كده!!!
أشارت لها وهي تشعر بقلبها تحطم أشلاء أمام عيناها:
إمشي يا.. مـ.. يا نادية هانم!! إمشي وانتِ اللي تعتبري إن بنتك ماتت!!
سارت نور مبتعدة عنها تعود إلى الفيلا، تسير بلا هوادة بالكاد تستطيع أن توازن خُطاها، ومن هوان جسدها.. وانفطار قلبها كادت أن تسقط لولا ذراعيّ حاوطا خصرها يُقيم وقفتها وهو يمسح على خصلاتها. رفعت عيناها له لتغمضها تستند برأسها على صدره. نظر هو إلى أمها التي لازالت واقفة تشير ببغض. أسندها داخل حدود منزله حيث أمانها، ثم حملها ليسير بها للبهو. أنزلها وقد أغضبه مظهرها الضعيف، ليحاوط بكفيه ذراعيها يهزها بحدة قائلاً:
افردي ضهرك وبصيلي!!! مش دي الأم اللي تعيطي عليها!
نظرت له والدمعات تتلألأ بمقلتيها. كيف تخبره أنها قوية ولكن الخصم كان أمها، كيف تخبره أنها لم يسبق لها وقد شعرت بمثل هذا الشعور بين طيات قلبها، كيف تصف له إحساس الصفعة التي تلقاها فؤادها. لم تجد على لسانها سوى حروف متقطعة تمتمت بها:
هو أنا بنت مش كويسة؟ أنا مستاهلش أنها تحبني أو تحن عليا؟
رفع رأسه للخلف ليعود ينظر لها يجذب رأسها لصدره بعنف قائلاً بنبرة عالية:
هي اللي متستاهلش وجودك في حياتها، هي اللي مش كويسة ولا تستاهل سؤالك ودموعك دي!!!
تمسكت بقميصه وهمست:
أنا مش قادرة أوصفلك.. إحساسي دلوقتي!!
ثم بكت حتى شعرت بدمعاتها أغرقت قميصه:
ياريتني ما رحت وراها.. ياريتني سمعت كلامك!!!
تنهد ولم ينطق بشيء. رنين هاتفه صدح فابتعدت عنه تزيل دمعاتها بكفيها. حاوط وجنتها اليمنى بحنو والتقط هاتفه بيده اليسرى من جيب بنطاله ليجيب:
في إيه؟
سمع ما جعل عيناه تغمض. نظرت له نور بقلق فهمست:
في حاجة يا فريد؟
أغلق الهاتف ولم يعلم كيف يخبرها. بعد ثوانٍ نطق بعد أن حاول ترتيب الحروف ليوصل لها ذلك الخبر:
أمك في عربية خبطتها برا!!!
إيــه!!!
صاحت به مصدومة، لتتركه وتركض للخارج. ركض هو خلفها بينما توقفت نور وكأن جسدها شُل. ترى جسد أمها على بعد أمتار منها قد تخمد مفترض على الأرض الأسفلتية، ساكن تمامًا كسكون نبضات قلبها الآن. دائرة دموية كبيرة تحوطها جعلت أعين نور تذرف الدمعات تباعًا. ركضت لها وجلست بجوارها فتلطخت كامل ثيابها بالدماء لكنها لم تهتم. حاوطت وجهها تقول بصوت يرتجف وأعين محدقة بها من شدة صدمتها لا تصدق:
مـ.. ماما!! ماما اصحي، بصيلي يا ماما أنا آسفة مكانش قصدي أقولك كدا!! ماما أرجوك بصيلي متعمليش في بنتك كدا!! مش لازم تحبيني خلاص المهم إني بحبك.. يا ماما مينفعش تمشي وتسيبيني دلوقتي.. مينفعش انتِ وبابا تسيبوني كدا!!!
وجدت من يحاول جذبها له يخرجها من تلك الدائرة لكنها صرخت به بانهيار:
سيبني يا فريد سيبني!!!
ثم مالت على أمها تقبض على كفيها داخل باطن راحتيها تطبع شفتيها فوقهما ترجوها ودمعاتها انهمرت فوق كفي أمها:
ماما.. قومي يا حبيبتي متحرقيليش قلبي أكتر من كدا!!!
نظرت حولها فلم تجد أحد لتصرخ بعنف:
مين عمل كدا!!! مين اللي خبطها!!!
سمعت حارس فيلا فريد خلفه يقول بأسف:
خبطها وهرب يا مدام!!!
آآآآه!!!!
تأوهت من فرط ألمها وضمت رأس أمها لصدرها، لتجد هو جالسًا على عاقبيه خلفها يضم بدوره رأسها لصدره. بكت بحرقة تصرخ بعنف، تشعر بأورطة قلبها تتمزق:
مـــامـــا!!!!!!
***
واقفة أمام ذلك التابوت الذي يأوي بداخله جثتها، تحاوط نفسها بذراعيها وجوارها يقفن العديد من السيدات. الدمعات تنهمر على وجنتيها فتؤلم عيناها.. تُغمضها تارة وتفتحها تارةً على كابوس بشع متجسدًا أمامها. ترى زوجها ورجال آخرين يحفرون في الأرض حفرة مستطيلة لكي تسع جسدها. بالكاد تصلب طولها وهي تراهم يفتحون التابوت، يأخذونها بالملائة البيضاء التي تخفي جسدها ووجهها. شهقات باكية كتمتها وهي تضع أناملها فوق شفتيها وكامل جسدها يرتجف. عيناها الحمراء باتت كغابات تحترق من شدة احمرارها. تشعر بالتربيت على كتفها من بعض السيدات لكن تقسم أنها حتى لا تشعر بيدهم.. يبدو وكأن جسدها قد تخدّر كتخدّر عقلها تمامًا. وضعوها في قبرها وأزاحوا التراب عليها، فأشاحت بعينيها تغمضها لا تستطيع أن ترى هذا المنظر. أبعدت عنها الواقفين جوارها وركضت على شقة أمها. تعلقت عيناه بها متأثرًا بحالتها ولكن أكمل ما كان يفعله. دلفت هي للشقة تنظر لها ولخواءها بإنفطار. هنا كانت تصرخ عليها أمها، وهنا من المرات القليلة التي ابتسمت لها، هنا عانقتها نور غصبًا وسط تأففاتها. انهارت نور أرضًا تشعر بفراغ في قلبها يتوسع حتى يملأ روحها. ضربت الأرض بكفيها وقد تعلى صوت بكائها من فرط ألمها. ظلت هكذا لأكثر من ساعتين، تبكي دون توقف حتى شعرت بصوتها لا يخرج وبالصداع يفتك رأسها بلا رحمة. أنفاسها بالكاد تلتقطها وشحوب وجهها لا يحتمل. حتى سمعت خطوات تعلم من يخطوها عن ظهر قلب، فالتفتت له. جزع قلبه عندما رآها بتلك الحالة. أغلق باب الشقة التي تركتها مفتوحة، ودنى منها جالسًا على الأرضية أمامها، مكوبًا وجهها بين راحتيه. عيناه امتلأت شفقة وهو يزيل تلك الدمعات من فوق وجنتيها بإبهاميه. تمسكت بكفيه تقول بصوت خافت متقطع تخرج بين الفينة والأخرى منه شهقة:
مـ.. ماتت يا.. فريد!!!
تابعت وعيناه تنظر لها بحزن على حزنها:
أنا ماليش حد دلوقتي!!
وأنا؟ أنا يا روح فريد؟
قالها بحنان وإبهاميه يسيران على وجنتيها برفق. أغمضت عيناها وشهقت ببكاء قائلة بانهيار:
انت لو زعلتني أنا.. أنا هفضل مستحملة عشان مبقاش ليا حد!!
ابتسم يقول بحنان:
يا غبية.. أنا لو كنت هزعلك.. فـ دلوقتي عمري ما هزعلك للسبب ده.
أنا قلبي واجعني أوي يا فريد!!!
قالتها تميل للأمام رأسها اقتربت من معدته، فتنهد يشعر بثقل على قلبه. يأخذها بأحضانه يضم رأسها لصدره بأقوى ما لديه ويداه تربت على خصلاتها تارةً وتتغلغل بها تارةً أخرى. ظلت بأحضانه تبكي حتى غلبها الإرهاق، فهمست له بخفوت:
تعبانة.. أوي!!!
تنهد ووضع ذراعه خلف ركبتيها والآخر أسفل ظهرها ثم حملها ليسير بها بتوازن. يسير إلى غرفة عشوائية لا يعلم لمن، لكنها كانت لها. وضعها على الفراش ومسح على خصلاتها يميل بجزعه العلوي عليها، ينظر لجفنيها المتهدلان من شدة البكاء، وإلى معذبته التي ترتعش أسفل أنفها المتورد. تنهد وطبع قبلة فوق كفها البارد. ثم اعتدل في وقفته وهم بترك كفها لكنها شددت عليه تقول بجزع:
هتروح فين؟
شدد هو الآخر على كفها يقول برفق:
اهدي يا حبيبتي.. هروح أعمل أوردر غدا.. انتِ مكلتيش حاجة من امبارح!!
نفت برأسها فورًا تقول متعلقة بيده:
لأ لأ.. أنا مش جعانة خليك.. خليك جنبي، متسبنيش زي ما هما سابوني!!
علم أنها قد وصلت لأعلى مراحل الحزن والتوجس، فجلس بجوارها، يمسح على خصلاتها وفوق وجهها، يطمئنها بكلماته الحنونة:
أنا جنبك.. ولو الدنيا كلها سابتك أنا هفضل جنبك!!
أخذت كفه بين كفيها تضمه لصدرها لتتأكد أنه لن يذهب. تلتفت على جانبها محتبسة يده في زنزانة قبضتيها تغمض عيناها تحاول كل المحاولات أن تنام. ظل بجوارها لا يمل من التربيت على خصلاتها حتى نامت نومًا عميقًا. حرر كفه من راحتيها ونهض ليحدث أحد المطاعم المشهورة يخبرهم بطلبية الطعام التي يريدها وأملأهم العنوان. ظل جالسًا في بهو الشقة يستند برأسه للخلف يفكر بها، يتمنى لو بإستطاعته إخراج ذلك الكم من الوجع ودفنه بصدره هو. دق باب المنزل فنهض فورًا يفتح لهم قبل أن تستفيق. حاسبهم وأخذ الطعام ثم وضعه في الثلاجة. عاد لها ونزع عن جسده قميصه ثم أغلق الأنوار واستلقى بجوارها. جذبها بحذر لتنام بحضنه لكي يستطيع أن ينام هو الآخر. ونام بالفعل بعد دقائق، ليستفيق على صوت صراخها الذي صدح بالغرفة بأكملها وأنفاسها اللاهثة وهي جالسة على الفراش. نهض مفزوعًا يظن أن مكروهًا قد أصابها، ليجدها جالسة تدفن وجهها في كفيها تبكي بانهيار. نهض مسرعًا بجوارها يلفها له قائلاً والقلق قد تجسد بصوته:
في إيه؟!!!
أبعد كفيها عن وجهها برفق عندما لم تجيبه لينظر لجبينها المتعرق، ولأنفاسها المبعثرة وعيناها التي باتت تشبه الدماء في احمرارها، فعلم أنه كابوس مفجع. أغمض عيناه وأطلق نفسًا مرتاحًا أنها بخير. لكنه فتح عيناها على بكائها فمسح حبات العرق من فوق جبينها يهدهدها هامسًا أمام شفتيها:
ششش اهدى.. اهدى!! كان مجرد كابوس يا حبيبتي اهدى!!
ارتمت في أحضانه تغرق رأسها بصدره تبكي فقط دون أن تتحدث. مسح على ظهرها يستلقي ويأخذ كامل جسدها على صدره دون حتى أن يشعر بثقلها، فكل الثقل الآن جاثم على قلبه وهو يراها بذلك الانهيار بينما هو عاجز كل العجز عن التصرف. نامت فوق جسدها تدفن أنفها في عنقه، أنفاسها تضرب رقبته فتجعله يضمها له أكثر، يتساءل كيف لهذا القدر من التكنولوجيا لازالوا لم يخترعوا تقنية أن تدفن جسد شخص في جسدك؟ أن تحويه بجوارحك وتضمه حتى لا يعود يفصل بينكما فاصل!! همسات من بين شفتيها أطلقها في محاولة لتهدئتها يغمغم:
انتِ في حضني دلوقتي.. محدش يقدر يقربلك ولا يمس منك شعرة واحدة، أنا معاكِ يا حبيبي، وهفضل طول عمري معاكِ وفـ ضهرك.
أغمضت عيناها بإستكانة، حاوطت عنقه أسندت رأسها على كتفه، حتى شعر بإنتظام أنفاسها وعودتها للنوم. ظل هكذا ولم يعدل نومتها، مستمتعًا بكون حتى الإنش ليس بينهما، حتى نام هو الآخر بعمق!!
***
فتحت عيناه، فلم يشعر بذلك الثقل الجميل على جسده لينظر حوله لم يجدها، انتفض من الفراش يبحث عنها كالمجنون، حتى سمع هدير المياه بالمرحاض فـ أخذ أنفاس عميقة سرعان ما عادت تُحبس برئتيه عندما هيأ له أنها ربما وقعت في المرحاض وأُغمي عليها. اندفع بلا هوادة يقتحم المرحاض عليها فوجدها تلف المنشفة حول جسدها الذي انتفض فورما رأت هجومه التتاري عليها. نظرت له بعينيها المتورمة، نظرت لصدره الذي يعلو ويهبط من قلقه والأفكار السوداوية التي اقتحمت عقله. نظرت لعيناه المتوجسة فأشفقت عليه وعلى نفسها، فهو لم ينم بسببها وبسبب إرهاقه في جنازة والدتها. اقتربت منه وحاوت وجنتيه تقول بصوت ناعم أذاب حصونه:
مالك.. انت كويس؟
أغمض عيناه وقرب كفيها من شفتيه يقبلهما ثم حاوط وجنتيها وخصلاتها المبللة يقول وعيناه تسير على وجهها:
قلقت عليكِ.. افتكرت حصلك حاجة هنا في الحمام!!
ابتسمت بحزن أعاد له ألم قلبه، ثم قالت بهدوء أقلقه:
متقلقش يا فريد.. لسه مش هموت دلوقتي!!
صياحه بها نفض جسدها عندما هدر:
مش عايز سيرة الموت دي تيجي على لسانك أبدًا.. فاهمة؟!!
ازدردت ريقها من عنفوانه، لتحاوط خصرها تحتضنه هامسة بحزن:
حاضر.. بس اهدى!!
أراحت رأسها على صدره فعانقها يستنشق تلك الرائحة النابعة من خصلاتها، تلك الرائحة التي تنبع من جسدها وتسكره، تخدر كامل حواسه فيشعر وكأن العالم لا يحوي سواهما. مال برأسه يقبل فكها فـ رفعت رأسها له قائلة بهدوء وأناملها تعبث بذقنه:
عايزة أمشي من هنا.. البيت بيفكرني بحاجات وحشة أوي مش عايزة أفتكرها!!
التقط ذقنها بين أنمليه وقال بهمس:
عنيا.. يلا ادخلي البسي عشان نرجع بيتنا!!
أجلت حلقها ثم أعطته ابتسامة بسيطة وابتعدت عنه تاركة إياه يقف ولا زال القلق ينهش بقلبه، فهو لن يطمئن سوى عندما تعود لقوتها وعنفها وذلك اللسان الذي تمنى قطعه من جذوره. ابتسم عندما تذكر شخصيتها القديمة والتي كانت لا تتهاون في حقها أبدًا. خرج من المرحاض ثم وقف في الشرفة ينفث دخان سيجارته. التفت بعد دقائق على صوتها الهادئ الذي بدا وكأن الحياة ذهبت منه:
أنا جاهزة!
نظر لوجهها المنطفئ فتنهد ثم قال:
يلا!
***
عادا معًا، فور دلوفهما صعدت إلى جناحهما وألقت بجسدها على الفراش نائمة على معدتها. خط من الدمعات سال على وجنتها. شعرت بثقل فوق ظهرها فـ شهقت بصدمة عندما وجدته شبه نائم فوقها مكبلًا ذراعيها خلفها يقول بشر زائف:
وقعتي يا حلوة ومحدش سمى عليكِ!!!
شعرت بإحراج كبير من وضعها أسفله فركت الهواء بقدميها صارخة به بخجل:
انت بتعمل إيه يا فريد ابعد!!!
ششش.. محدش هيعرف يشيلك من تحت إيدي النهارده!!!
قال وهو يكبل ذراعيها للخلف بذراعيه، لا يود سوى أن يزيل آثار الحزن تلك التي سكنت محياها. مال يقبل خلف أذنها بعشق، ثم رقبتها لترتجف الأخيرة تقول بتوتر طغى على صوتها:
ابعد يا فريد متهزرش!!!
وبحركة مفاجئة لفها له محاصرًا كفيها جوار رأسها فـ ضحكت من أفعاله قائلة:
انت ليه واخد دور المغتصب كدا!!!
ابتسم على ضحكتها وقرب وجهه من وجهها هامسًا بهيام:
أنا واخد دور العاشق.. المفتون بالضحكة دي، أنا مستعد أعمل أي حاجة.. عشان بس أشوف ضحكتك!!
نظر له بتأثر، ثم حاوطت وجنتيه هامسة بابتسامة حنونة:
بتحبني أوي كدا؟
بعشقك!!
قالها فورًا دون أن يتردد، فتنهدت بحب وعانقت رأسه محاوطة رقبته، تحمد الله على وجوده بحياتها، فلولاها لكانت انهارت وذهبت دون رجعة. ابتعد عنها بعد قليل ثم قال بحدة مصطنعة:
هتفضلي نايمالي على ضهرك كدا!! لاء قومي و فُوقي معايا!!!
ابتسمت قائلة بهدوء:
هقوم أعمل إيه؟
حملها غفلة فـ شهقت متمسكة بعنقه قائلة برعب:
بتعمل إيه يا فريد!!!!
سار بها إلى أسفل وهي تصرخ بخضة. تجمعن الخادمات على صوتها فـ قال لهم فريد بضيق:
ارجعوا على شغلكم واقفين هنا تعملوا إيه!!!
دلفوا فورًا بخوف منه، بينما هتفت نور بضيق:
أنا عايزة أفهم انت بتعمل إيه!!!
هفوّقك!
قالها والخبث يتطاير من عيناه. شهقت وهي تجده يخرج من الفيلا بأكملها إلى الحديقة، واقفًا أمام المسبح. تشبثت بعنقه قائلة برعب:
لأ اوعى، أنا ممكن اموت فيها دي!
انقبضت ملامحه فقال بضيق:
بعد الشر!!!
عاد لمحيّاه الماكرة وأبعدها قليلًا عن صدره لكي يستطيع إلقائها في المسبح لكنها أخذت تتشبث في قميصه بكل قوتها ترجوه بصوتها العالٍ:
بالله عليك لأ!!!
ظلت تتمسك بقميصه وبجسده فقال بهمس خبيث:
هاجي أقف كل يوم هنا عشان تفضلي ماسكة فيا كدا!!!
قالت مرتعـبة تهز برأسها تتمسك بعنقه:
همسك فيك من غير حاجة بس استهدى بالله ومتعملش كدا!!!
تؤتؤ!!
قالها يعيد رأسه للخلف وكأنه يخبرها أنه لن يتنازل عن فعلها، فيأست تعيد هي الأخرى برأسها للخلف تقول بحزن:
يا حبيبي عشان خاطري!!!
قولي يا حبيبي تاني كدا؟
هتف بخبث غامزًا بعيناه، فقالت بلهفة:
حبيبي!!! نزلني بقى!!
لأ متمزجتش.. مش طالعة بإحساس كدا!!
قالها بضيق زائف ثم ومن دون مقدمات ألقاها في المسبح، تعالت صرخاتها وهي تحاول أن تنجو بنفسها رافعة ذراعيها لأعلى. ابتسم وأخذ يحرر أزرار القميص على عجالة ثم قفز لها، ومسرعًا التقط خصرها يرفع جسده له، وبشق الأنفس أخذت تحاول التقاط أنفاسها المبعثرة. ابتسم يعيد خصلاتها المبللة للخلف يميل مقبلًا خدها الذي تناثرت فوقه القطرات. حاوطت عنقه تتنفس بالكاد، حتى تداركت الأمر فاحمر وجهها وبعنف ضربته على صدره بكفيها صارخة بوجهه بأنفاس لاهثة:
قولتلك مش بعرف أعوم يا فريد!!!
تركها تفعل ما تشاء حتى شعر بعودة أنفاسها فمال عليها جاعلًا من شفتيها بأحضان شفتيه فامتزج عسل شفتيها بقطرات المياه الباردة. حاولت الإبعاد في البداية لكن بطريقته جعلها تستسلم لمساته دون أن تعارضه.. ابتعد بعد قليل فـ ظلت مغمضة عيناها تشعر بخزي استسلامها له، تضاعف ضيقها وحزنها وقد أدركت كم تأثيره عليها، فنظر له تبعده من صدره بحدةٍ لكن شهقت عندما وجدت نفسها تسحب للأسفل داخل ذلك المسبح العميق، شهقت وعادت تتشبث في عنقه فحاوط خصرها مبتسمًا هامسًا وقد قبض على ذقنها بين أنامله:
ملكيش مكان.. إلا في حضني!!!
رواية هوى الزيات الفصل العاشر 10 - بقلم سارة الحلفاوي
أمسكت بشريطٍ به حباتٌ صغيرة صفراء.
أفرغت واحدة بكفها الذي يرتعش، ثم نظرت له بألمٍ تغلغل لأعماقها.
لتقرر رميه بجوفها بعد ثوانٍ معدودة.
أغمضت عيناها، تجلس على الفراش بعدما أخبئت الشريط في أحد أدراج الكومود.
ضمت كفيها معًا ومالت للأمام تكتم شهقاتها الباكية.
لكن جسدها انتفض عندما وجدتُه يدلف للغرفة.
فرفعت رأسها له فوجدت عيناه قلقة وكأنها تفر من محجريه وتركض عليها.
وجدته يميل عليها رافعًا رأسها له، هاتفًا بقلقٍ:
- مالك يا حبيبتي؟
نهضت واقفة أمامه بحزنٍ.
ليتها تخبره عن الصراعات التي تدور بخلدها، وتعلمه بجراحها عله يضمدها.
لكن الخوف كل الخوف أن ينبش بذلك الجرح، فيجعله ينزف مجددًا بعدما كان أوشك أن يلتئم.
طالعت عيناه ولم تجد من جسدها سوى أنه ينكمش بأحضانُه.
وكفيها يحوطا ظهرُه كطفلةٍ صغيرة تتمسك بأبيها.
شعرت به يمسح فوق خصلاتها المفرودة يهمس بأذنيها بعدما قبّل شعرها:
- في إيه؟
أغمضت عيناها تبحث بذهنها عن كذبة تخبره بها.
فقالت بأحرفٍ تهتز وتتقطع:
- ماما واحشاني يا فريد!!!
سمعت تنهيدتُه ثم مواساتها بالكلام عندما قال:
- الله يرحمها، ادعيلها!
ابتعدت عنه ثم عبثت بتلابيب قميصه تقول بحزنٍ:
- فريد أنا محتاجاك أوي!!
نظر إليها، ولوهلةٍ لم يفهم مقصدها.
كيف تكون بحاجته وهو دم ولحم أمامها وتتوسط ذراعيه.
حتى فهم ما تعني، فرحب ترحيبًا حارًا.
وقبل أن يقبل عليها يروي ظمأ روحه من شفتيها ويشبع قلبه بمقاربتها، قال بحنان:
- صدقيني أنا اللي عايزك.. بس أنا مكنتش حابب أضغط عليكِ.
رفعت أناملها الرقيقة تتلمس وجهه هامسة:
- عمرك ما هتكون سبب في ضغطي، انت الوحيد اللي بتقدر تخفف أي حاجة وحشة عني!!
***
تستلقي على الفراش.. بل على صدره.
عيناها شاردة أمامها لا تعلم أهي مُحقة فيما تفعل أم لا.
كيف ستكون محقة وهي التي بكل قسوة تمنعه من حق الأبوة؟
كلماته التي ألقاها الآن على مسامعها جعلتها تنتفض ظنًا منه أنه يقرأ أفكارها:
- لو جبنا بنت.. عايزها تطلع شبهك، عشان يبقى عندي نسخة منك على صغير!!!
ارتعش كامل بدنها.
حتى رفعت عيناها تنظر له بابتسامة ظهر الحزن بها.
ثم همست بخفوت:
- بس أنا.. مش عايزة أخلف!!!
استغرب جملتها لينظر لها للحظات ثم قال بأعين غامت بضيق:
- ليه؟!
نهضت تلف الغطاء حول صدرها، تجلس على ركبتيها أمامه قائلة بهدوء:
- حاسة إني مش مستقرة نفسيًا.. ولو جبت طفل دلوقتي هظلمه معايا!!!
- طيب بلاش تفكيرك الأهبل ده!!
قالها بضيقٍ حقيقي من كلماتها.
فبينما هو يتوق للحظة التي سيحمل بها وليده منها، تخبره هي أنها لا تريد تلك اللحظة.
عندما وجدها صمتت ظنها حزنت من كلماته.
فأقبل عليها بصدره العريض يبعد خصلاتها يواريهم خلف أذنيها هامسًا بحب:
- لسه صغيرة.. ومش فاهمة إحساس إنك تبقي أم.. فيه كتير يتمنوا يعيشوا الإحساس ده وانتِ مش عايزاه؟
نظرت له والدموع لمعت في عيناها ولم تجيبه.
فتسلل القلق لعيناه يقول وعيناه تتشرب ملامحها:
- انتِ فيكِ حاجة مش مظبوطة يا نور!!
ألقت بنفسها بين أحضانه تشهق ببكاءٍ عنيف وجسدها يرتجف بين ذراعيه.
حاول تهدأتها وقلبه جزع عليها.
يمسح فوق جسدها وخصلاتها يهمس بحنوٍ:
- بس يا حبيبتي.. ششش بس اهدي!!!
خفّ بكائها أثر لمساته وكلماته ولم يتبقى سوى شهقاتٍ خفيفة تلَت بكائها.
ضمها له أكثر قائلًا:
- قوليلي إيه اللي مزعلك أوي كدا؟
رفعت رأسها له.
أتخبره؟ هل سيتفهّم شعورها؟
نفت برأسها مغمضة عيناها تستند بأذنها محل قلبه فوق صدره الصلب تهمس لذاتها بأنه لن يفعل.
تنهد ولم يشأ الضغط عليها.
فتركها نائمة بأحضانه وكفه يبعد ذلك الغطاء الأحمق عن ظهرها الناعم ليتحسسه بلمساتٍ جعلتها تغفو بارتخاءٍ!!!
***
كانت جالسة أمام المسبح تغطس قدميها بمائه الدافئة.
شاردة أمامها تنتظر قدومه من شركته لتخبره بكل شيء.
فهي قد اتخذت قرارها أن تزيح تلك الأنانية جانبًا وتشاركه القرار.
وإن لم يقتنع ستمتنع عن أخذ تلك العقاقير لإرضائه فقط.
فهو لا يستحق منها ذلك الفعل أبدًا.
علت ابتسامة مشرقة وجهها عندما سمعت صوت مكابح سيارته.
فنهضت فورًا تنزل أطراف بنطالها على ساقيها.
وجدته يدلف بالسيارة إلى الحديقة فركضت له تفتح هي الباب.
ترجل من السيارة بابتسامة عند رؤيتها ونزع عن عيناه تلك النظارة.
فأسرعت تحاوط عنقه قائلة بابتسامة أسفرت عن ابتسامة ثانية تعلو شفتيه هو:
- وحشتني أوي، حاسة إني مش هقدر أتحمل بعدك تاني وهروح الشغل معاك بجد!!!
ضمها له يحاوط خصرها قائلًا بعشق:
- وإنتِ وحشتيني أوي أوي!!!
ابتسمت ثم ابتعدت عنه ليحاوط وجنتيها بكفيه قائلًا:
- كنتِ بتعملي إيه!!!
أشارت بإصبعها ببراءة قائلة:
- كنت قاعدة قدام البسين شوية!!!
أمسك بذلك الإنمل الصغير وقبّله قائلًا بحب:
- تصدقي فكرة، أنا هطلع أغيّر هدومي عشان ننزل شوية!!!
- اتفقنا!!
قالتها بحماسٍ متناسية تمامًا أمر إخبارُه.
قبّل جفنها الأيمن وتركها صاعدًا لجناحهما.
جلست هي أمام المسبح تنتظر نزوله حتى تتشبث به وتسبح معه.
فهو إن تركها.. تغرق!
ظلت جالسة تعبث بالمياه بيدها بفرحةٍ.
حتى سمعت خطواته خلفها فالتفتت له تواري الشمس عن عيناها واضعة كفها على جبينها.
وجدته واقفًا أمامها ومحيّاه تخلو من أي تعبير.
انقبض قلبها فنهضت واقفة أمامه وهمّت بالحديث لولا كفه الذي ارتفع بالشريط بجانب وجهه يقول بهدوءٍ زاد من قلقها:
- إيه.. ده؟
أغمضت عيناها تُطبق عليها بقوة.
حتى انهالت الدموع منهما لتعود تفتحها فتجد عيناه تشتعل بإحمرارٍ أرعب فرائصها.
حاولت التحدث فلا مفر من المواجهة:
- ده شريط حبوب منع حمل!!!
- ليه؟!!
لم يقل سواها، وكأنه يسألها ماذا فعلتُ لكِ حتى تفعلي بقلبي هذا!
صمتت.. وطال صمتها حتى عادت للخلف أثر هديره بوجهها:
- رُدي علـــيـــا!!!!!
أجهشت بالبكاء تعود للخلف فلاحظ إقتراب قدمها من حافة المسبح.
مدّ كفه وأمسك بعضدها يجذبها لصدره بعنفٍ شديد.
شهقت برعب ظنًا منها أنه سيصفعها.
لكنه لم يفعل بل سار بها غارزًا أنامله وأظافره بذراعها الغض.
تآوهت بألم أثر قبضته تحاول مجاراة خطواته لاسيما عندما كان يصعد بها الدرج بدرجتين.
فسقطت أرضًا يرتطم جسدها بالدرج تتنفس بصعوبة.
لم يرحم انهيارها بل جذبها بقسوة لتنهض بالفعل وسار بها مجددًا.
فتحت باب الجناح ومن ثم الغرفة ودفعها بعنفٍ فسقطت أرضًا تبكي بحرقة تفرك أعلى ذراعها الذي وُصم بعلامات كفه وأظافر أنامله.
رفعت عيناها له فوجدته يستند على المزينة يميل عليها مغمضًا عيناه أنفاسه شديدة العلو.
صُدمت عندما وجدته يضرب عدة مرات فوق المزينة وأزاح كل ما كان عليها صارخًا بألم كالطائر الجريح.
عادت للخلف بخوف من هيجانه الثوري حتى التصقت بمقدمة الفراش.
أطبقت فوق أذنيها والرعب ملأ قلبها متيقنة بأن فورما لا يجد شيء آخر يحطمه سيأتي ويحطم ضلوعها كما كانت تفعل أمها.
بكت فالأصعب من الضرب هو انتظاره.
فتحت عيناها بعدما وجدت ذلك الهدوء يطغى على الأجواء فوجدته يقف يوليها ظهره.
سقطت عيناها على كفه الأيسر الذي بات ينزف من أثر الزجاج المتهشم.
شهقت وتناست خوفها وهي تنهض تركض له تقف أمام بركان دون أن تخشى انصهار جلدها.
أمسكت بكفه تقول والدمعات تسقط من عيناها:
- فريد.. إيدك!!!
نفض كفه من بين راحتيها.
فنظر له بألمٍ.
تنظر لخصلاته التي تبعثرت وعيناه الجحيمية وذلك الصدر الصلب الذي يعلو ويهبط أمام أنظارها.
ظل واقفًا أمامها ينظر لها بينما هي تتهرب النظر لعيناه بخزيٍ.
حتى وجدته يسير من أمامها متجهًا إلى باب الغرفة.
أسرعت تقف أمام الباب واضعة ذراعيها عليه لكي لا يخرج:
- إنت رايح فين!!! لاء مش هتمشي من هنا!!!
- إبعدي أحسنلك.. أنا مش شايف قُدامي!!!
قالها مغمضًا عيناه يتحكم بأعصابه.
فإنهارت أمامه تقول برجاءٍ:
- متمشيش وحياة أغلى حاجة عندك، اضربني واقتلني بس متمشيش!!!!
- إوعي.. من.. قُدامي!!!
قالها ببطءٍ يجز فوق أسنانه.
فنفذت برأسها تقول متوسلة حنانه الذي اختفى وتبخر:
- فريد.. متعملش فيا كدا!!!
قبض فوق ذراعيها فأنكمشت بخوف منه.
ليبعدها بقسوة من أمامه فسقطت أرضًا وارتطم ظهرها بذلك المقعد الذي كان أمام المزينة.
تآوهت بألم لكن لم يسمعها وغادر الغرفة.
تحامت على ألمها ونهضت تسير ببطء خلفه واضعة كفها فوق مكان الألم الذي تقسم أنه سيخرج روحها من جسدها.
خرجت من الغرفة تناديه بضعفٍ لكنه كان الأسرع حتى أنه خرج من الفيلا بأكملها وهي لازالت تنزل الدرج.
جلست على درجة من درجاته تبكي من قلبها.
تبكي وتبكي حتى أراحت رأسها على جانب الدرج ولم تشعر بعدها سوى بصيحات الخادمات عليها من خوفهم.
بينما هي قد ابتلعت في موجة سوداء لن تستفيق منها!!!
***
ثلاثة أيام.. اثنان وسبعون ساعة دون أن تلمح حتى طيفه.
ودون أن تنهض من فراشها، دون أن تأكل سوى القليل حدًا والذي بالكاد يجعلها تصمد.
تلك الكدمة التي أخذت حيز لا بأس به بظهرها كانت تضاهي كدمات قلبها.
تغمض عيناها فلا ترى وجهه ولا تشم رائحته فتعود لتنام مرة أخرى هاربة من واقع يخلو منه.
فتتمنى أن تحلم به ولكن لا يحدث.
وكأنه يعاقبها في صحوتها ونومها.
وفي اليوم الثالث بعد منتصف الليل.. داعبت أنفها رائحته ففزعت ونهضت.
وبالفعل وجدته يقف في الشرفة مستندًا على سورها.
ظنته خيال وإن كان.. نهضت تتبعه تناديه وقد تشكل الألم على هيئة حروف فخرج منها:
- فـ.. فريد!! آآه!!
تآوهت عندما نهضت فجأة فاشتد الألم بظهرها.
لم يوقفها الألم لتنهض تسير دانية منه.
وقفت خلفه وهمست باشتياق بلغ حده معها:
- فريد!!!
لم يلتفت لها.
فازدردت ريقها ومدت كفها تميد على ظهره العضلي بحنان تؤكد لنفسها بأنه ليس بسرابٍ.
تعالت أنفاسها تحارب شهقات دمعاتها.
لكن خرجت فـ قالت بصوتٍ ينفطر له القلوب:
- فريد أنا آسفة.. متعاقبنيش ببُعدك!!!
- إنت مش عايز تبصلي يعني؟
قالت وشهقات بكائها تخرج واحدة تلو الأخرى.
فأغمض عيناه.
ولم يلتفت ضاغطًا بكل قسوة على الجرح الذي يؤلمها.
فـ يسمعها تقول بكل وجعٍ:
- يعني كرهتني؟
اختنق صوتها بالبكاء وهي تغمغم:
- بعدت عني كل ده.. طيب مكنتش خايف يجرالي حاجة!
لازال الصمت هو من يجيبها.
فأمسكت بذراعه برفقٍ تلفه لها فوجدت ملامحه التي رغم خوائها اشتاقت لها.
بكت من قلبها تحاوط وجنتيه تقول وسط شهقاتها كطفلٍ قضى ليله يبكي بحرقة:
- وحشتني أوي!!!
لم ترى تأثر بعيناه.
فأسبلت مقلتيها بحزن لترى كفه الذي التفّ فوق شاش أبيض.
جزعت عليه تحاوط بكفيها تقول بقلقٍ:
- لسه بتوجعك؟
أيضًا لم يجبها.
فترجته قائلة:
- اتكلم.. قول أي حاجة! مستكتر عليا صوتك؟!!!
- عايز أطلقك!!!
قالها بكل برودٍ صدمها.
بل وجعلها تترك كفه الذي كان بين يديها.
تنظر له محملقةً والتعابير انمحت بممحاة من فوق وجهه.
لم تقل شيء.
لا يزال لسانها المسكن منعقدًا لا يقوى على نطق حرفٍ.
فقط عيناها من تذرف الدمع على عشقٍ يختم بالنهاية الآن.
شعرت بهوان كل شيء حولها.
هوان ألم جسدها أثر كدمةٍ لم تزول.. هوان صداع يفتك برأسها.
هوان ألم تغلغل لـ معدتها فجعلها تزمجر بوجعٍ.
هوان ألم خلايا جسدها بأكملها التي تأثرت بما يقول.
ولم يتبقى سوى صوت دقات قلبٍ جريح يخفق بعنف صمّ أذنيها.
ابتعدت عنه تعود للخلف وكأن ما قال كدفعةٍ من يداه لصدرها.
وأخيرًا تحرر لسانها فهمست ولا تزال الصاعقة تحتل ملامحها:
- إنت بتقول إيه؟!!
قال بجمودٍ يبتعد عنها دالفًا للغرفة:
- اللي سمعتيه!! مش هقدر أثق فيكِ تاني، ومينفعش أسيبك على ذمتي وأنا مش واثق فيكِ!!
التفتت له تسير ببطء هي الأخرى لداخل الغرفة.
تنظر له ظنًا منه أنه ربما يمزح.. أو هي في كابوسٍ لعينة ستستفيق منه بعد لحظات.
لكن صوته وهو يتابع بصوته القاسي كان كالصفعة على وجنتها:
- على فكرة أنا مش باخد رأيك.. أنا بس بعرفك عشان متتفاجئيش لما تلاقي ورقة طلاقك قدامك!!!
ارتجف بدنها وهو يكرر ذات الكلمة أمامها مرة أخرى لا يراعي الارتعاش الذي يسير بجسدها كمن ضربتها صاعقة كهربائية.
اقتربت منه تنظر له هامسة بصوتٍ به غصة:
- عايز تطلقني؟ يعني هيهون عليك تسيبني عادي؟
كان ترجوه بأسئلة تزيد من ألمها أكثر أن ينفي ما تقول.
ترجوه أن ينطق فقط أنه لن يفرط بها، وأنها ستبقى مقترنة باسمه إلى الأبد.
لكنها وجدت صمت تام حرق روحها.
فقالت بأنفاسٍ بالكاد تؤخذ:
- ليه كل ده؟ عشان إيه؟
نظر لها ببرودٍ قارس، ثم قال بقسوةٍ:
- هسيبك إزاي على ذمتي بعد ما خونتِ ثقتي فيكِ وخدتي برشام عشان متخلفيش مني!!
قالت ببطء:
- قولتلك.. نفسيتي كانت مش مستقرة بعد وفاة أمي، ليه.. ليه مراعيتش ده؟!
صوته تعالى وصرخ بوجهها:
- لاء راعيت!!! بس مش لدرجة إنك تمنعيني أبقى أب عشان أمك اللي أصلًا متستاهلش اللي انتِ عاملاه ده كله!!!
عادت للخلف تستند على الفراش.
لتجلس عليه وقدماها باتا لا يحملاها.
لم تقل شيء، لم تقوى على الحديث وهي تكاد تقسم أن نبضات قلبها على وشك أن تتوقف.
للحظات تخيلت أن تعيش بدونه فلم تستطع.
أغمضت عيناها تبكي بصمت دون أن تصدر صوت.
فنظر هو لها.
نظر لجسدها الهزيل فهي بالتأكيد لا تأكل.
نظر لكفها الذي يرتجف وهو مستند على الفراش.
نظر لشحوب وجهها ولعيناها المطبقة.
وشفتيها اللواتي همستا:
- لو دي رغبتك فـ أنا طبعًا مش هقدر أمنعك، ولا هقدر أخليك معايا وانت مش عايز!!!
تأمل كلماتها للحظات، ثم قال بهدوء:
- كويس.. يبقى اتفقنا!
فتحت عيناها ومسحت دمعاتها ترفع عيناها له تقول بابتسامة لا حياة بها:
- بكرة الصبح نروح لأقرب مأذون!
- من غير ما تقولي!!
قالها ساخرًا.
فابتلعت غصة كانت بحلقها بمرارةٍ.
ليتابع وهو يتجه للمرحاض:
- حقوقك كلها هتبقى عندك وزيادة!
دلف وأغلق الباب خلفه.
فضحكت بمرارة.
تعيد غرتها خلف أذنها برجفةٍ.
تنهض واقفة أمام مرآتها.
تبتسم بحزن وهي تتأمل ملامحها التي بهتت.
نظرت للكنزة التي ترتديها وأسفلها بنطال يصل لما بعد ركبتيها.
فرفعت طرف الكنزة والتفتت تنظر لجانب خصرها مصدومة من حجم الكدمة الذي يكبر يومًا بعد يوم.
وضعت أناملها عليها بخفةٍ فأطلقت آهٍ متألمة فورما لمستها فقط.
تساقطت دمعاتها تنظر لزرقتها تتذكر ذلك اليوم المشؤوم.
حتى وجدته يخرج من المرحاض فأسـرعت تنزل كنزتها.
لمح هو ذلك الزرقة الذي أخذ حيز من جانب خصرها وظهرها.
قطّب حاجبيه باستغرابٍ ثم دنا منها يقول:
- إيه الزرقان ده؟!!
أسرعت تقول بتوتر:
- ولا حاجة!!
- مبتشبعيش كدب؟!!!
قالها بحدةٍ فصمتت تبتلع باقي الكلمات بجوفها من اتهامه لها.
وجدته يقربها منه ممسكًا بذراعها يرفع تلك الكنزة عن خصرها فتوسعت عيناه عندما وجد تلك الكدمة التي لم تكن بالصغيرة.
رفع عيناه المصـدومة لها ليقول وهو يعود ينظر لخصرها المكدوم:
- من إيه دي؟
قالت بخفوت:
- يومها لما زقتني.. اتخبطت في كرسي التسريحة!
تنهد بضيق من ذلك اليوم.
هل دفعها بتلك القسوة؟ كيف لم ينتبه لها ولا لألمها؟
أنبه ضميره قليلاً على فعلته معها.
ليقول بأمرٍ حاد:
- روحي اقعدي على السرير!!
- ليه؟
قالت بدهشة فهتف بنفس النبرة:
- من غير ليه!!
ذهبت تجر قدميها لتجلس على الفراش.
بحث في درج الكومود عن أكثر من مرهم وأخذهم.
جلس خلفها وبرفق دفعها لتنام على معدتها.
فعلت بتوجسٍ تتمتم:
- هتعمل إيه!!
رفع كنزتها فانتفض وهمت بالنهوض صارخة بفزع:
- لاء لاء متحطش عليها حاجة أنا.. أنا مش قادرة أحط صباعي حتى عليها!!!
وضع كفه فوق كتفها يقول بهدوء:
- متخافيش.
نفت برأسها ترجوه بدمعاتٍ:
- لاء بالله عليك.. والله هتوجعني أوي!!!
لان قلبه لها فقال برفق:
- هحطه بالراحة.. متخافيش!!
تنهدت بيأسٍ من أن يتركها فصمتت.
أفرغ هو القليل من جلٍ لزج فوق إنمليه.
ومن ثم برفقٍ شديد فرد طبقة الچل فـ تآوهت بخفوتٍ تآوهات أذهبت بالباقي من عقله.
أبعد أنامله.
ثم عاد يفعل المثل.
عندما امتص جلدها الچل أخذ الكريم ووضعه مباشرةً على الكدمة وفعل نفس الشيء.
ارتخت قليلاً من تشنج جسدها أثر لمساته التي وللغرابة لا تؤلمها.
لا تعلم لمَ أرادت أن تغمض عيناها لترى ماذا سيفعل.
فعلت بالفعل وأغمضت عيناها تدعي النوم.
فلم يتغير شيء بالبداية.
لكن عندما أنهى ما يفعل مسّد على خصلاتها بحنان أذاب قلبها.
ومال يُقبل الكدمة قبلة تلي الأخرى.
يسند جبينه فوق ظهرها يوزع قبلات على كل ما ظهر منها.
حتى مسح بإبهامه فوق كدمتها يهمس:
- كانت تتقطع إيدي قبل ما أزقك!!!
أنزل الكنزة بالقوة يبتعد عنها.
يتركها نائمة ويغلق الأنوار لينام جوارها.
مدركًا أنها الليلة الأخيرة.. التي سينام بها.. جوارها.
والتي سينام بها عامةً!!!
كانت هي لازالت مستيقظة.
وبالكاد تُسيطر على دمعاتها وارتجاف جسدها.
حتى نام.. نام دون أن يأخذها بين ذراعيه.
نظرت له بعدما لفت وجهها إليه فـ لم تجده سوى قد نام بعمقٍ.
نامت هي الأخرى عاجزة أن تنام بأحضانه فيستيقظ فتُهزم بضعفها أمامه مجددًا.
حتى كان آخر ما رأته.. وجهه!!!
***
- المأذون جاي في الطريق!!
قالها بجمودٍ وهو يجلس على المقعد ينفث دخان لفافة تبغ كانت في يده.
تجلس هي أمامه على الفراش شاردة في اللاشيء.
حتى التفتت له.. وسألته وشحوب وجهها يزداد:
- بتعمل فينا كدا ليه؟
قال بسخريةٍ مريرة:
- إنتِ اللي عملتي فينا كدا!
نهضت واقفة أمامه تُطالع ذلك الجمود المرتسم على وجهه.
تقول بألمٍ:
- وانت ما صدقت صح؟.. بذمتك إنت حبيتني؟!!
نهض واقفًا أمامها صارخًا بوجهها:
- أنا مش بس حبيتك!!! ده أنا كنت بحب التراب اللي رجلك بتمشي عليه يا ست هانم!!
ارتعشت شفتيها تدمدم بخفوتٍ:
- وانت دلوقتي؟
زاغت عيناه من سؤالٍ لا يود الإجابة عليه.
فإن صدق قوله سيظهر أمامها ضعيفًا لا قيمة له.
وإن كذب سيخسرها للأبد ويفوز بكرامته.
أغمض عيناه يتهرب من الإجابة.
فوجدها تقترب منه.
أنفاسها الحارة تضرب بوجهه فـ يتنفس أنفاسها.
تتمسك بتلابيب قميصه هامسة بحزنٍ:
- بصلي.. قولّي إنك مبقتش تحبني!!!
فتح عيناه ونظر لها بنفس النظرات الجامدة دون أن يجيبها.
فلم تستسلم لنظراته التي رغم برودها.. تحرقها.
رفعت كفيها لوجهه تتلمس وجنتيه المغطاة بذقن غير حليقة.
تقف على أطراف أصابعها وتهمس أمام شفتيه بصوتٍ أفلت من يده زمام الأمور:
- يلا.. قول إنك مبتحبش نور.. ومبتعشقش.. نور!!
- إبعدي!
قالها في محاولةٍ منه ألا يستسلم لسحر إغوائها.
لكن دعست هي على كرامتها بعد كلمةٍ لو كانت في موقفٍ عادٍ لأبتعدت عنه كيلومترات.
ولكنها على شفا أن تتركه ويتركها إلى الأبد وهذا الذي لا توّده أبدًا!
تجرأت فـ اقتربت أكثر.
وطبعت شفتيها فوق شفتيه بقلة خبرة منها جعلته أكثر جنونًا.
انتظرت لحظاتٍ حتى بادلها.
وبل سار بشفتيه على كامل وجهها وكأنه يشبع منها ولكنه لا يشبع.
حتى ابتعد بعد دقائق وقد هُزم منها.
يوليها ظهرها ويضرب بكفيه باب الشرفة فابتسمت هي على نيرانه المشتعلة بفعلتها.
ابتسمت بانتشاءٍ غمر روحها عندما تيقنت أنه لازال وسيظل عاشقًا.. متيمًا بها!!!
فقالت والثقة ارتفعت لعنان السماء بتأثيرها عليه:
- أنا بس بثبتلك إنك بتعشقني.. وإني هفضل محفورة في قلبك وعقلك للأبد، وحتى لو اطلقنا.. هتفضل تحبني لآخر نفس فيك!!!
لم يقل شيء.
فتـحركت تقف أمامه بلهفةٍ تقول بعشقٍ:
- وأنا كمان يا فريد.. أنا مش بعاند فيك.. أنا بموت فيك!!!
أغمض عيناه يزمجر بحدةٍ فابتسمت تقول بحب:
- بلاش تعند إنت كمان.. لا إنت تقدر تعيش من غيري ولا أنا أقدر أعيش في حياة إنت مش فيها!!!
لم يتحمل وانقض على كتفيها يحاوطها يهزها بقوةٍ هادرًا:
- كل اللي عملتيه ده ميثبتش إني لسه بحبك.. اللي حصل ده طبيعي من راجل لـ ست حلوة بتعرض نفسها عليه مش أكتر!!!
انطفئت لمعة عيناها أثر كلماته.
ليتابع بقسوةٍ:
- بلاش الجلالة تاخدك وتفتكري إنك لسه حاجة كبيرة في حياتي.. حقوقك خسرتيها لما فكرتي إنك تتصرفي في قرار مصيري لوحدك.. وحبي انتهى من أول ما عرفت إنك أنانية مبتفكريش غير في نفسك بس!!!
لمعت عيناها ولكن بالدمعات تلك المرة.
فهمت بالنطق لولا كلمته التي أخرستها وجعلتها تبتلع باقي الكلمات بجوفها:
- إنتِ طالق يا نور!!!!