تحميل رواية «حلم» PDF
بقلم سارة مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وصلت تلك القافلة التي تتبع أحد دور الرعاية بالمشردين، حيث أرسل أحد أهالي تلك البلدة رسالة يبلغهم عن سيدة في أواخر الأربعينات وقص عليهم قصتها. فهي متواجدة في بلدتهم من ثلاث أسابيع لا يعلمون عنها شيئًا أو من هي، وأيضًا هي لا تؤذي أحد، لكنها أيضًا ترفض أي مساعدة. وهناك أيضًا من عرض عليها غرفة صغيرة لتعيش بها، لكنها رفضت بشدة. لا تتناول الطعام الذي يحضره لها أهل البلدة، تتعفف عنه إلا من قطعة خبز صغيرة تأكلها، والدموع تملأ وجهها. بالفعل لم تتأخر تلك الدار وحضر اليوم إليها ثلاث رجال وفتاة وسيارة مجهزة...
رواية حلم الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة مجدي
تجلس وهي تفرك يديها بتوتر وقلق أمام الطبيب الذي ينظر في الأوراق والتحاليل بتفحص شديد.
كان غسان ينظر إليها بترقب، وبداخله يعتصره الألم من كثرة لومه لنفسه، وضميره ينبهه إلى الخطأ الكبير الذي يقترفه في حقها من جديد. يحاول منعه قبل حدوث ما سيهدم حياته كاملًا، ولكن لم يدرك بعد أن تلك الخطوة لا رجوع فيها أبدًا. وها هو بيديه يقطع جسر الرجوع.
وحين ينكشف أمره، سوف يخسر كل شيء، ولكن سيبذل كل ما بيده وما يقدر عليه حتى يظل الأمر سرًا.
خلع الطبيب نظارته الطبية وقال بهدوء:
– تحاليل أستاذ غسان كلها سليمة وفيهاش أي مشكلة.
ابتسمت نوار بسعادة كبيرة، بسبب قلبها الطيب الحنون الذي ينحر قلبه الآن دون أن يقطر منه قطرة دم واحدة.
وقالت بصدق:
– الحمد لله يا غسان.
ثم نظرت إلى الطبيب وقالت بأمل كبير:
– طيب والتحاليل بتاعتي؟
نظر الطبيب إليها وقال بوضوح:
– مدام نوار، حضرتك عندك مشكلة كبيرة في الرحم والحمل هيكون صعب جدًا. بصراحة مفيش أمل، حتى مفيش علاج أقدر أوصفه ليكي.
لتنحدر دموعها بصمت شديد. نظراتها المصدومة والتي تحمل انكسارًا كبيرًا جعلته يود أن يقتل نفسه الآن.
قالت بصوت مبحوح:
– يعني... يعني أنا... أنا تقصد إني...
كان قلبه يؤلمه بشدة. هيئتها، دموعها، ارتعاشة يديها وشفاهها، كل ذلك يؤلمه. هذه هي أفكاره. لماذا الآن يشعر بمرارة في حلقه وقبضة قوية تمسك بقلبه تعتصره. صوت شهقاتها المكتومة، يدها الموضوعة فوق معدتها الخاوية. كيف يقبل أن يجرحها ويكسرها بتلك الطريقة. كيف يصل كذبه إلى تلك المرحلة من البشاعة.
صمتها، دموعها، نظراتها المصدومة والغير مصدقة، وانكسار روحه.
لم تستطع أن تتحدث، فقط نظرت إليه، وياليتها لم تنظر إليه. لو كانت النظرات تقتل، لوقع الآن مقتولًا.
تجمعت الدموع في عينيه، ولكنها تحجرت داخلها كقلبه الذي أصبح كالحجارة أو أشد قسوة.
كان الطبيب يشاهد ما يحدث أمامه بعيون باردة، ويده تمسك داخل معطفه ذلك المبلغ المالي الكبير الذي أخذه من غسان حتى يخبرها كذبًا أن العيب منها وليس منه، ناسيا أن ما يقوم به خيانة لمهنته وشرفها، وأن الله يراه ويعلم ما قام به حتى لو لم تعلم نوار أبدًا.
***
كان الصمت هو سيد الموقف داخل سيارة غسان، إلا من شهقات نوار التي تلومه وتذبحه دون رحمة.
ولكن لماذا يتألم؟ أليس هذا اختياره؟ أليس هذا ما أراده؟ أن يجعلها تظل بجواره وبداخلها تتمسك به لاحتياجها له، ولأنه هو اختيارها الوحيد فقط، وأن لا يكون هناك مجال للاختيار بالبقاء أو الرحيل.
لكن لديه عقبة واحدة. إذا علمت العائلة بما حدث، ستبدأ والدته بعرض فكرة الزواج الثاني، وهذا ما لن يسمح به أبدًا ولن يقبله. ويراهن نفسه أن يجعل حياتهم أفضل بسبب ذلك الموقف، وسوف يصلح الأمر بينهم. صحيح هو حرمها من أن تكون أم، لكنه سيكون طفلها الأوحد، وتكون هي طفلته الوحيدة.
وقف بها في إحدى الأماكن الهادئة، واعتدل ينظر إليها، ومد يده يمسك يدها. لتنظر إليه والدموع تغرق وجهها، وبدأ صوت شهقاتها التي كانت تكتمها يعلو ويملأ السيارة. ليضمها إلى صدره بقوة وهو يقول:
– إشششش، أهدي يا نوار، أهدي حبيبتي.
ظل يربت على ظهرها برفق وحنان، وعيونه تنظر إلى السماء بدعاء صامت أن يعينه الله على ما هو فيه، ويلهمه الصواب حتى يغلق ذلك الباب إلى الأبد.
ظل يضمها بين ذراعيه لوقت طويل لم يستطع حسابه، حتى هدأ صوت بكائها وبدأت في الحديث من بين شهقاتها المتتالية:
– مش هخلف يا غسان، مش هعرف أكون أم، مش هعرف أجيب لك ابن يشيل اسمك. مش هسمع كلمة ماما، مش هحس بيه وهو بيكبر جوايا، مش هكون أم يا غسان، مش هكون أم.
كان يستمع لكلماتها وهو يعتصره الألم، لكن قد سبق السيف العزل ولا مجال الآن للتراجع. وذلك الألم ما سيجعلها دائمًا جواره تتمسك بطرف جلبابه إلى آخر العمر.
بعدها قليلًا عن صدره وهو يقول:
– أنتي بنتي ومش عايز عيال غيرك، أنا عايزك أنتِ وبس يا نوار، أنتِ وبس يا حبيبتي.
كانت تنظر أرضًا ولم تستطع النظر إلى عينيه وهي تقول:
– أكيد هيخلوك تتجوز عليا... والله هموت لو ده حصل يا غسان، هموت.
عاد يضمها من جديد وقال بصدق كبير:
– والله ما هيكون ليا زوجة تانية غيرك، ده وعد مني وأنا عمري ما خلفت معاكي وعد. أنا راجل يا نوار مش عيل بكلمة يهدم ساعدته وحياته. أنتي عندي أهم من ألف عيل.
عادت تبكي من جديد وهو يربت على ظهرها بحنان، ثم قال:
– حاولي تهدي يا حبيبتي، ده اختبار من ربنا وإحنا قد الاختبار ده، وإيدي في إيدك، عمرنا ما هنفترق يا نوار، عمرنا مش كده؟!
ظل يردد سؤاله الأخير عدة مرات حتى أومأت بنعم وهي داخل حضنه تخبئ وجهها في صدره. ليقول بهمس:
– عمرنا ما هنفترق أبدًا.
مرت دقائق كثيرة وهم على نفس الوضع حتى هدأت نوار تمامًا. ليقول هو:
– يوسف عمال يتصل بيا، مش عارف في إيه، خلينا نروح والموضوع ده سر بينا، محدش هيعرف عنه حاجة. يلا.
نظرت إليه بعيونها الحمراء من شدة البكاء، ثم أومأت بنعم دون أن تنطق بحرف. ليدير محرك السيارة وانطلق بها وهو يفكر: اليوم أصبحت نوار أسيرة فضله عليها وتكرمه بالبقاء معها، وهي العقار التي لا تنجب عليه الآن، أن يطمئن، هي لن تتركه أبدًا.
***
في نفس وقت حدوث ذلك، كان يوسف يتصل بوالدته يطلب منها أن تساعد حلم في ارتداء ملابسها وتحضر بها إلى العيادة حتى يفحصها زميل له حضر من العاصمة حتى يطمئنوا عليها.
لتقول له رقيه:
– طيب يا ابني ما تجيبه وتيجي، محدش من أخواتك هنا وهي كمان تعبانة.
– يا أمي، في كذا حد هيكشف عليه وكمان هو معندوش وقت كتير.
أجابها يوسف وهو ينظر إلى راغب بغضب شديد، الذي ابتسم له بسماجة:
– ماشي، إحنا جايين.
قالت رقيه ببعض الاستسلام وأغلقت الهاتف. ليقول هو لراغب:
– بقا أنا تخليني أكذب يا...
ولم يكمل كلماته، خاصة وهو يلقي أخيه بحامل الأقلام ليضحك راغب وهو يقول:
– معلش بقا يا دوك، خدمة لأخوك الصغير.
نفخ يوسف الهواء ببعض الضيق المصطنع، ثم قال:
– غسان مش بيرد على التليفون.
رفع راغب كتفيه بمعنى لا يعلم، والقلق واضح على ملامحه. ليكمل يوسف قائلًا:
– تفتكر اللي هتعمله ده صح يا راغب؟
– معنديش حل تاني، دي آخر فرصها.
أجابه راغب باستسلام وضيق، ليومئ يوسف بنعم، ثم قال:
– خلينا نشوف.
مرت نصف ساعة وها هم قد وصلوا أمام العيادة، لكنها مغلقة. اتصلت عائشة بيوسف الذي أجابها:
– أيوه يا عائشة.
لتقطب جبينها بحيرة واندهاش، كيف يناديها بهذا الاسم ومعه صديقه. لكنها قالت:
– أنت فين يا يوسف؟ إحنا عند العيادة وأنت مش موجود.
– معلش يا عائشة، اطلعوا استنوني فوق، ما أنتِ معاكي المفتاح يا حبيبتي.
أجابها يوسف سريعًا وهو ينظر إلى راغب شرزًا، ثم أكمل:
– يلا، هكلمك تاني.
نظرت إلى حماتها وقالت ما قاله لها يوسف، لتنفخ حلم بضيق. لتقول رقيه ببعض الهدوء:
– خلينا نطلع، محدش عارف ظروفه إيه.
أغلق مصطفى السيارة واقترب من باب حلم وفتحه، يساعدها على النزول ويدعمها في صعودها إلى العيادة.
مر أكثر من ساعة حين حضر يوسف إلى العيادة وهو يقول بأسف:
– أنا بجد آسف جدًا، بس حصل ظرف طارئ لصاحبي واضطر يمشي.
قال له مصطفى ببعض الضيق:
– يعني تعبت بنت عمك على الفاضي يا يوسف، وهي لسه خارجة من المستشفى.
نظر يوسف أرضًا وهو يقول:
– أنا بجد آسف يا حلم، بس والله غصب عني.
ظلت حلم صامتة ولم تعقب على كلماته، ولكنها حاولت الوقوف. لتقترب منها رقيه ومن الجهة الأخرى مصطفى وغادروا العيادة. لتقترب عائشة من يوسف وقالت:
– بتكذب ليه يا يوسف؟
رفع عينيه ينظر إليها، لكنه لم يقل شيئًا لعدة ثوان، ثم قال:
– خلينا نلحقهم.
وتحرك في اتجاه الباب، لتظل هي تنظر إلى ظهره ببعض الشك، ثم تحركت خلفه بصمت.
وصلوا جميعًا إلى البيت في نفس اللحظة التي أوقف فيها غسان سيارته أمام البيت.
ترجلوا جميعًا من السيارات ينظرون إلى البيت المظلم بالكامل بحيرة. لكن عائشة كانت تنظر إلى وجه أختها الذي لا يفسر. اقتربت منها وهي تقول:
– أنتِ كويسة يا نوار؟
نظرت لها نوار بوجه شاحب وعيون تلمع من كثرة الدموع. لكن الإضاءة القوية التي انبعثت من البيت جعلتها لا تجيب سؤال أختها.
دلفوا جميعًا إلى البيت ليجدوه مزينًا بالزهور، والأرض أيضًا مغطاة بأوراق الزهور والبالونات. صاحبة الشرائط الملونة تحمل في نهايتها شرائطها، وورد القرنفل. وفي وسط كل هذا كان راغب يقف بهيئته الرجولية التي تخطف الأنفاس، يحمل بين يديه باقة من القرنفل بها بعض الورود الجورية الحمراء. يرتدي بدلة سوداء ومبتسم بسعادة كبيرة.
تركهم يتأملون ما قام به، وبدأ يقترب بهدوء ورفق، حتى وقف أمامها ينظر إلى عمق عينيها دون أن ينتبه لوجهها الخالي من أي تعابير. ومد يده في جيب الجاكيت ليخرج تلك العلبة الزرقاء المميزة وفتحها ليظهر أمام عيون الجميع خاتم ماسي رائع ومميز. وكان الجميع ينظرون لهم بترقب وخوف وقلق، مصدومين من كل ما قام به راغب، ويشعرون بالخوف من رد فعل حلم.
قال هو بصدق بعد أن جلس على ركبته الواحدة أمامها:
– حلم، تقبلي تتجوزيني؟
لم تجب بشيء وظلت صامتة تنظر إليه وهو على جلسته، بين نظرات الترقب من الجميع، خاصة بركات الذي يجلس في مكانه المعتاد يتابع ما يحدث في صمت أيضًا.
ظل الصمت سيد الموقف لعدة لحظات، وبدأ راغب ينظر إليها برجاء وتوسل. لتبتسم ابتسامة صغيرة وهي تقول:
– هو أنت معندكش دم مش بتحس؟ لأمتى هفضل أقولك أني مش هتجوزك ولا عمري هفكر فيك. خلي عندك كرامة وابعد عني بقا.
شهقات متتالية، بين مصدومة وساخطة وغاضبة. وقف راغب ينظر إليها باندهاش، لم يستطع الرد فقد جمته الصدمة من كلماتها الجارحة.
وكانت رقيه تنظر إليها بغضب شديد وحزن على حال ابنها، خاصة وما حدث حدث أمام العائلة بأكملها. ارتسم على وجهها ابتسامة ساخرة وتحركت لتغادر من أمامه. ليوقفها وهو يقول:
– افتكري أنك انتي اللي بإيدك جرحتي قلبي اللي كان بيحبك، وهنتي كرامتي. افتكري أنك خرجتي نار جهنم، ومش هرتاح غير لما تتعذبي في جحيمها. نار قلبي مش هتحرق غيرك انت يا حلم، مش هتحرق غيرك.
ظلت تنظر إليه بنفس نظراتها الساخرة، رغم خوفها وحزنها الشديد. ليكمل كلماته:
– افتكري إني كنت بعشقك وكان نفسي تعيشي في نعيم عشقي، لكن أنتِ اللي اخترتي تدخلي برجلك جحيمي، وبدل ما تدوقي النعيم، هسقيكي من سقر عشقي.
لتبتسم بسخرية أكثر وهي تقول باستفهام مستفز:
– وإيه بقا سقر عشقك ده؟
– جحيم فراقي يا حلم، جحيم فراقي.
وتركها واقفة في مكانها، جسدها يرتعش بخوف وحزن، وقلبها يتلوى ألمًا، فهي غارقة في جحيم هواه منذ أول لحظة فهمت ووعت وشعرت بمعنى الحب، ولكنها لن تعيش من جديد مأساة أمها.
غادر راغب البيت، ولحق به كل من يوسف وغسان خوفًا عليه. واقتربت عائشة ونوار منها ينظرون إليها بصدمة ورفض لما حدث، لكن لم تتحدث أي منهما. لكن رقيه لم تحتمل.
لتقترب منها وتقف أمامها وتقول بقلب أم يحترق حزنًا على ولدها:
– إيه الجبروت والجحود ده؟ عملك إيه ابني علشان يكون ده ردك عليه؟ شايفه نفسك على إيه؟ في غيرك بنات كتير تتمنى ظافر رجله. وهجوزه يا حلم، هجوزه بنت تسعده وتفرحه وتخلي أيامه كلها سعادة وتداوي جرح قلبه.
ظلت رقيه واقفة تنظر إلى حلم نظرات غضب تحمل الكثير من الكره، ثم صعدت إلى غرفتها، ولحق بها مصطفى بعد أن أرسل نظرات حزن وأسف لحلم، التي تنظر إلى الأمام بصمت تام وعيونها مليئة بالدموع. ثم تركت أختيها وتحركت ببطء شديد حتى صعدت إلى غرفتها. لتنظر عائشة إلى نوار التي ابتسمت بسخرية وغادرت من أمام أختها دون أي كلمة. ظلت عائشة تنظر حولها وهي تشعر بالاختناق من كل ما يحدث لها ولأخوتها وللعائلة أجمع، وكل هذا بسبب والدها الذي لا يشعر بأحد منهما.
أغمضت عينيها لثوان ثم فتحتها وصعدت إلى غرفتها.
ظل بركات جالسًا في مكانه ينظر إلى البيت الخالي من حوله وهو يقول:
– أجني يا بركات نتيجة أخطائك وأفعالك وسكوتك على أخطاء ابنك، وأدي العيلة اللي أنت كنت خايف إنها تتفكك اتفككت. وأدي العيال كل واحد فيهم شايل فوق كتفه ذنب كبير ميخصوش. افرح بقا باللي أنت عملته. ضيعت دم دلال هدر، وعيلتك كمان بتضيع. اتحاسب يا بركات، اتحاسب وادفع تمن أخطائك وذنوبك.
***
يجلس أرضًا مقيدًا دون ملابس، ينظر إلى من يقف أمامه بخوف وجسده ينتفض خوفًا ورعبًا، خاصة بعد ما حدث ولم يكن يتوقعه أبدًا، والكفيل بالقضاء عليه إلى الأبد.
رواية حلم الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة مجدي
وقفت عائشة أمام النافذة الكبيرة تنظر إلى ذلك الظلام في الخارج، والذي يبتلع بداخله البلدة كاملة في ليلة لا قمر لها، ليلة تشاركهم أحزانهم.
تكاد تجزم أن تلك الليلة من أسوأ الليالي التي مرت على تلك العائلة، من ضمن سلسلة ليالٍ سيئة منذ وفاة والدتها وكل ما حدث بعدها وألم العائلة.
أيامهم السعيدة تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة.
لكن اليوم، اليوم جدار قوي في المنزل قد هدم، اليوم حدث شرخ قوي في علاقتهم بزوجة عمهم، وخاصة حلم.
هي تقدر موقف حماتها، وأيضًا تتفهم خوف ومشكلة أختها، لكنها لا تستطيع إيجاد حل وسط يريح الجميع، وللأسف ليس بيد أحد هذا الحل.
أخذت نفسًا عميقًا وهي تتذكر كل ما حدث.
هي لا تستطيع أن تلوم حلم على ما بدر منها، رغم رفضها التام له.
إلا أن ما حدث لا يصح بأي شكل.
الإهانة التي وجهتها لراغب كبيرة وقاسية، لن يتحملها هو ولن يقبلها والداه وإخوته.
ترجو من الله أن لا يؤثر ذلك على علاقتها بيوسف، وأيضًا ألا تتأثر علاقة نوار وغسان.
نوار هم آخر وسر كبير، إنها قلقة من أجلها وتشعر أن هناك أمرًا جلل حدث بينها وبين زوجها لا أحد يعرفه.
أخذت نفسًا عميقًا وهي تفكر بضيق.
أختها ترفض وبشكل قاطع أن تكشف عليها حتى تطمئنها على نفسها وقدرتها على الإنجاب.
جميع سيدات البلدة يأتون إليها، لكن أختها ترفض وتذهب لأطباء آخرين.
لولا تأكدها من حب أختها لها، لربما فكرت أن أختها تراها طبيبة فاشلة، أو ذهب تفكيرها لأبعد من ذلك.
التفتت تنظر إلى باب الغرفة وهي تفكر في حال أختيها، ثم قالت بصوت هامس يحمل الكثير من القلق:
"يا ترى يا حلم، حالتك إيه دلوقتي؟"
ثم نظرت إلى السماء من جديد وهي تفكر أيضًا في راغب وكيف حاله الآن، وماذا سيكون رد فعله.
وتدعو الله أن يمر هذا الأمر على خير.
***
يتكئ يوسف وغسان على السيارة ينظرون إلى ظهر أخيهم الذي يقف بعيدًا عنهم بعدة أمتار صامتًا.
بعد مجهود كبير في محاولة اللحاق به وهو يقود سيارته بسرعة كبيرة وجنونية، وبعد أن كانت الدماء تكاد تجف في عروقهم من شدة الخوف عليه، ليتوقف أخيرًا عند تلك الصخرة الكبيرة العالية التي تطل على البلدة بأكملها.
تلك الصخرة على شكل جبل كبير يصعد إليه الشباب من حين لآخر للاستمتاع بالمنظر المهيب للبلدة، وكل ما بها يبدو صغير الحجم.
ترجل من السيارة دون أن يهتم بغلق بابها، واقترب من الحافة بشكل خطر ووقف مكانه ينظر إلى الأسفل بصمت.
لم يتحدث ولم يجب على كلماتهم حين اقتربوا منه.
لم يجدوا حلاً سوى تركه بمفرده، خاصة وهو في تلك الحالة.
عيونه شديدة الحمرة، شفتيه مزمومتين بقوة، ذراعيه خلف ظهره يضمهما بقوة حتى ابيضت مفاصله من كثرة ضغطه على تلك العلبة الصغيرة التي تضم الخاتم.
بعد مرور الكثير من الوقت، نظر غسان إلى يوسف وقال حائرًا وقلقًا:
"هنفضل سايبينه كده؟"
لينظر إليه يوسف بحيرة أكبر، لكنه قال موضحًا:
"اللي حصل مش سهل يا غسان. وأنا حاولت أنبهه. حلم مش طبيعية وده كلام الدكتورة النفسية. اللي حصل من حلم كان متوقع، هو اللي الحب كان بيديله أمل كذاب."
صمت لثوانٍ ثم أكمل:
"نوار وعائشة صحيح اتأذوا من كل اللي حصل، لكن حلم كانت مرتبطة بمرات عمي الله يرحمها وشافت اللي حصل كله. ده غير أنها فضلت طول الليل نايمة جنب أمها وهي ميتة. كل ده مش سهل. حلم من جواها خربانة أوي ومحتاجة علاج كتير، ومحدش فينا فكر أصلًا إنه يعالجها. كلنا ساكتين طول ما الحياة ماشية. مش مهم بقى ماشية صح ولا غلط."
كان غسان يستمع إلى كلمات أخيه التي تجلده دون أن يشعر. ما الفرق بينه وبين عمه الآن؟ هو لا يختلف عنه كثيرًا، هو أيضًا ظلم نوار، هو أيضًا يقتل أنوثتها وأمومتها.
"عمك أثر علينا كلنا. ظلمنا وساب فينا كلنا حتة منه. يا خوفي لا نكون شبه فعلاً وتكون حلم هي الوحيدة الصح."
رد غسان عليه وهو سارح فيما قام به بنوار، ليشعر يوسف أن أخيه به شيء غريب، ليقول له موضحًا:
"مش لوحدك. كلنا سكتنا عن الظلم وكلنا مشتركين فيه يا غسان."
لينظر إليه غسان وهو مقطب الجبين، وعاد ضميره يلومه ويؤلمه بما قام وما سيترتب عليه.
تعاظم إحساس يوسف أن أخيه به شيء غير طبيعي، لكنه لم يستطع أن يسأله.
حين انتبه لحركة راغب واقترابه أكثر من حافة تلك الصخرة الكبيرة، ليركض إليه ووضع يديه على كتفه يمسكه بقوة، لينظر إليه راغب بابتسامة ساخرة وقال:
"انت فاكرني هرمي نفسي من هنا ولا إيه؟"
ظل يوسف ينظر إليه وخلفه غسان، ليكمل راغب كلماته:
"أنا مش هموت نفسي عشانها. أنا هتجوز وهعيش وهفرح وهفرح أمك وأبوكوا بكل ما لديه من قوة."
رفع يديه وألقى بالعلبة الزرقاء في الهواء لتتهاوى أمام عيونهم في الظلام إلى القاع في الأسفل، وقال بحقد:
"هي اللي هتموت من القهر، هي اللي هتدفع تمن اللي حصل. لوحدها."
نظر يوسف إلى غسان بقلق، ليقترب غسان من أخيه وقال بهدوء:
"راغب لازم تهدى وبلاش تاخد أي قرارات وأنت في الحالة دي."
وبعدين..
ليقاطعه راغب حين نظر إليه بابتسامة ساخرة وقال:
"هو الجواز حاجة وحشة يا غسان؟ مش انتوا متجوزين ومبسوطين ولا إيه؟ أنا كمان هعمل زيكم في حاجة غلط!"
عاد الأخوان ينظرون إلى بعضهما بقلق، ليكمل راغب كلماته:
"وأمك نفسها تفرح بيا وأنا ناوي أفرحها بصراحة. والعروسة نقاوة عينها وحياتكوا."
تحرك سريعًا إلى سيارته بخطوات قوية تترك أثرًا قويًا في الأرض.
قادها بسرعة مشابهة لسرعته السابقة، تاركًا خلفه أخويه يحاولان اللحاق به من جديد.
***
تجلس في منتصف سريرها تبكي بدون صوت، وكأنها خسرت صوتها كما خسرت حلمها.
أن تكون أمًا، أن يتحقق ذلك الحلم الجميل التي تتمناه منذ عرفت معنى كونها أنثى، منذ طرق الحب بابها وعشقت غسان وتمنت أن تحمل في أحشائها طفلًا منه يحمل من ملامحه وطباعه الطيبة وحنان قلبه، يحبها كما يحبه والده وأكثر.
خبأت وجهها بيديها وعلى صوت نحيبها من جديد، وقلبها يتمزق إلى أشلاء، تشعر أنه أصبح غير صالح للنبض من جديد.
وعقلها يدور في دوائر مغلقة بين وحدة دائمة، وأن زوجة عمها بعد ما حدث من حلم لن تتهاون معها وسوف تزوجها غيره.
وهي أبدًا لن تتحمل ذلك، ستموت قهرًا.
ماذا تفعل؟
وضعت يدها على قلبها وهي تقول بصوت متقطع من كثرة البكاء:
"يااااااااارب."
***
داخل غرفة رقيه ومصطفى، كانت رقيه تقف في الشرفة تنظر إلى الباب الكبير للبيت ومكان وقف السيارات بقلق كبير.
لا تعلم حاله ابنها رغم أنها اتصلت بأخويه أكثر من مرة وطمأنوها أنه بخير رغم حالته النفسية السيئة.
كان مصطفى الذي يجلس على الأريكة الكبيرة في مواجهة الشرفة ينظر إلى ظهرها، وداخله أحاسيس مختلفة مختلطة بين حزن، غضب، رفض وضيق.
وأكثر ما يشعر به هو الذنب وتأنيب الضمير وإحساسه أنه مشارك في كل ما يحدث وأنه من أسباب حدوثه أيضًا.
بسبب صمته وموافقته على كل ما حدث وقام به والده، عدم وقوفه أمام أخيه ومنعه من كل تلك الأخطاء والتمادي فيها.
يلوم نفسه أنه لم يأخذ موقفًا حازمًا معه، يجعله يعود إلى رشده وصوابه، حتى لو كان ذلك عكس إرادة والدها.
أخذ نفسًا عميقًا ووقف على قدميه ليقترب منها، واستند بذراعيه على سور الشرفة وهو يقول:
"تفتكري لسه هندفع تمن سكاتنا على كل اللي حصل ولا خلاص كده؟"
نظرت إليه وعيونها تملؤها الدموع، رغم نظرة التحدي التي ترتسم بوضوح ويراها، وكأنها تتحدّاه، ثم قالت:
"غلط أخوك أنا وولادي ملناش دعوة بيه يا مصطفى، ولو حكم الأمر أطلق غسان ونوار ويوسف وعائشة هعمل كده ومش هتأخر."
لتجحظ عيناه من الصدمة، لكنها لم تهتم به ولصدمته، ودلفت إلى الغرفة مباشرة إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها بقوة.
لينظر إلى السماء وهو يدعو الله أن يمر القادم على خير.
يكفي ما حدث، وتكفي كل تلك الخسائر حتى الآن.
***
صعد بركات إلى غرفته بعد أن غادر الجميع كل في اتجاه، يشعر أن قدميه لا تحملانه.
جسده بأكمله يئن ألمًا، لا يجد بداخله الطاقة لفعل أي شيء، حتى استنشاقه للهواء أصبح صعبًا وثقيلًا.
يعلم أنه قد أخطأ وأبلى في حق دلال وبناتها، وأخطأ في حق العائلة التي تنهار أمامه.
واكتشف أن ما قام به لم يحافظ عليها، بل كانت أول خطوة في الانهيار والضياع الذي سيحدث.
حين دلف إلى غرفته، لم تعد قدماه تحملانه ليسقط أرضًا فاقدًا للوعي دون أن يشعر به أحد.
***
في عمق ظلام غرفتها وبجانب خزانتها تجلس أرضًا في تلك المساحة الضيقة، تضم ساقيها إلى صدرها.
دموعها تغرق وجهها وعيونها جاحظة في الفراغ، عيونها تصور لها كل مشاهد حياتها منذ وعيت على تلك الحياة.
بكاء والدتها كل ليلة وصوتها الذي لا يفارق أذنها.
مشاكلها مع والدها، إهانته لها في كل وقت وحين والتقليل منها، أمام العائلة أو فيما بينهم.
ذكرياتها لمشاهدة والدها بين أحضان الغانيات، كلماته البذيئة لوالدتها ووصفها بأقذر الصفات.
وحين قتلها لم يهتم، لم يكترث، وكأنها مجرد حيوان قد قتله بالخطأ ولن يحاسبه أحد عليه.
وكلمات جدها وصمته على ما حدث، وكذلك صمت باقي العائلة كان أكبر دليل على ذلك.
وحفر داخل عيونها وعقلها مشاهد عودة والدها كل يوم يترنح غير قادر على الوقوف ولو لثوانٍ قليلة ثابتًا، دون أن يهتم باسم العائلة الذي من أجلها ضحى جدها بحياته ووالدتها وحقوقها.
تبكي أمانًا افتقدته، تبكي حياة طبيعية حلمت بها ولم تشعر بها يومًا.
حرمها من أن تكون إنسانة طبيعية قادرة على الحب والعطاء، قادرة على أن تكون عائلة سوية.
شهقت بصوت عالٍ وهي تغمض عينيها تتذكر كل مواقف راغب معها وحبه لها الواضح دون جدال، دعمه الدائم غير المشروط، لكنها أبدًا لا تستطيع أن تأمنه على قلبها وحياتها.
أحنت رأسها، خبأتها بين ذراعيه، واضعة جبينها فوق ركبتيها، تبكي بصوت عالٍ، تشعر وكأنها تكاد تفقد صوتها من علو صراخها، لكنها لا تسمع صوتها ولا يصل إلى مسامعها من الأساس.
لا يغادر حنجرتها، هي تصرخ بداخلها فقط.
رفعت رأسها تمسح دموعها بظهر يديها، وعيونها يرتسم فيها التحدي.
أبدًا لن تصرخ بصوت عالٍ، لن يكسرها أحد ولن تسمح بذلك.
هي لن تتراجع أبدًا، لن تتزوج يومًا، لن تربط حياتها برجل صُنع وخُلق من الغدر والخيانة.
لن تنجب أطفالًا يعانون كما عانت هي.
لن تتزوج راغب وليفعل ما يحلو له.
***
غادروا ذلك المكان يتلفتون حولهم بحذر شديد حتى لا يراهم أحد.
صعدوا إلى السيارة وغادروا المكان سريعًا، غير منتبهين لكاميرات المراقبة الموجودة في المكان كنظام أمني يخص المنطقة بالكامل.
رواية حلم الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة مجدي
رواية حلم الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سارة مجدي
واقفه امامه تتناول تلك العلكه بطريقتها المستفزه لكنه اعتاد على ذلك و ايضا هو من دربها على كل هذا.
حركاتها المغريه و طريقه ملابسها التى تظهر ما يلفت دون ان تجعل الناظرين لها يرتوا من جمالها تشعل بهم النار التي تكسبهم المال الوفير.
– خلصتي اللي قولت عليه؟
هزت راسها بنعم.
… ليكمل من جديد.
– طيب روحي طربيزة ٦ و اتوصى.
قال كلماته الأخيرة و هو يضم اصابع يده على ذراعها بقوه جعلتها تئن الما لكنها لم تستطع ان تخرج و لو صوت بسيط يدل على ذلك.
كادت ان تتحرك حين نظرت اليه باستفهام و قالت.
– طيب و الموضوع اياه؟
– ملكيش فيه، ركزي في شغلك و غلطه كمان بعمرك.
جابها بصرامه و عيون جاحظه ثم تركها و غادر بعد ان دفعها من كتفها و هو يقول.
– يلا على شغلك.
لتغادر و هي تشعر بالقهر يتضاعف و الالم داخلها يزداد خاصه و هي كانت السبب في كل ما حدث و ما سوف يحدث.
~~~~~~~~~~~~~~~
ظلت حلم على جلستها بين الخزانه و الحائط حتى هدئت تماما و بدأت في ترتيب افكارها.
هي ابدا لن تتزوج.
لن تكون يوما لراغب او لغيره.
اذا اين المشكله في زواجه من جنه؟
جنه فتاه رائعه تليق به.
كانت دائما تظهر بعض الاعجاب به و بمواقفه الرجوليه.
ايضا هي لا تعلم شيء عن حب راغب لحلم.
دائما كانت تخبئ عنها ذلك الموضوع.
في الاساس هي لا تتحدث معها كثيرا في امور تخصها.
و جنه تعلم انها كتومه لذلك لا تدخل فيما يخصها الا اذا ارادت حلم ذلك.
مسحت اثر الدموع من فوق وجنتيها.
ثم وقفت على قدميها و توجهت الى خزانتها و اخرجت افضل طقم لديها.
عليها ان تذهب اليها و تتحدث معها.
ابدا لن تتراجع عن هذا.
في تلك اللحظه سمعت طرقات على باب لحقها دخول اختيها يرتسم القلق على وجوههم بوضوح.
لتبتسم و هي تخرج طقم اخر و تقول بابتسامه واسعه لن تخدعهم ابدا.
– انهي طقم احلى.
اقتربت عائشه و هي تقول.
– مش محتاجه تعملي كده يا حلم.
متجيش على نفسك علشان خاطر اي حد.
خفضت حلم يديها و نظرت الى اختها بحب حقيقي و قالت بصدق.
– انا كويسه و جنه بنت حلال و راغب يستاهلها.
نظرت نوار لها بشك و قالت ما تفكر به دون مراوغه.
– بس انتِ بتحبي راغب يا حلم يبقا ليه ده كله؟
تحركت حلم تجلس على سريرها اخذت نفس معيق و قالت بشرود.
– انا عمري ما هربط حياتي بحياه راجل و لا عمرى هقدر اكون عيله يدمرها هو علشان مزاجه و رغباته.
– مش كل الرجاله كده، في يوسف و غسان و عمك مصطفى رجاله محترمه و كويسين و قبلهم جدك اللي عاش على ذكرى ستك لحد دلوقتي رغم انها اتوفت صغيره.
انت اللي عايزه تشوفي راغب انه هيكون نسخه من ابوكى.
في رجاله هي اللي بتتحمل ستاتهم و بتصبر عليهم و الرجاله دي يتعلمها.
قاطعتها نوار قائله بصوت عالي و عيونها تتجمع بها الدموع.
لتقول عائشه باستفهام.
– مالك يا نوار ايه الدموع اللي في عيونك دي و الحزن اللي مالي وشك و قلبك و ليه كلامك فيه وجع و الم كده انت كويسه؟
نظرت اليها نوار بعيون حزينه و قالت.
– انا كويسه و بقول الحق و اللي اختك لازم تفهمه قبل فوات الاوان.
ثم نظرت الى حلم و قالت.
– حاولي تلحقي حياتك.
انت لوحدك اللي هتدفعي تمن كل اللي بتعمليه ده.
كل واحد بيدفع ثمن افعاله بس.
و لو ناويه تحاسبي على كله انت الخسرانه.
و غادرت الغرفه دون كلمه اخرى فلم تعد تحتمل حرقه عينيها بسبب حبسها لتلك الدموع و لا تريد ان تنهار امامهم فلن تتحمل و تقص عليهم كل شيء و هي قد وعدت غسان بان يظل الامر بينهما.
اشارت حلم الى الباب المغلق و قالت بأسى.
– شوفتي بقا.
اخرجي يا عائشه و سبيني اغير هدومي.
ظلت عائشه واقفه في مكانها تشعر بقبضه قويه تمسك بقلبها تكاد ان توقف نبضاته.
لكنها تحركت بالفعل لتغادر الغرفه في نفس اللحظه التي انحدرت دموع حلم و هي تهمس.
– من يوم ما وعيت على الدنيا يا نوار و انا بدفع ثمن اخطاء ابوكى و جدك.
و جبنكم و محدش حاسس بيا.
~~~~~~~~~~~~~~
– جايه و الله جايه مش واقفه ورى الباب انا.
عيب كده.
حين فتحت الباب ابتسمت بسعاده و هي ترى حلم تقف امامها بابتسامتها الهادئه التي نادرًا ما تراها ترتسم على وجهها.
لكن حين تكلمت علمت جنه السبب.
– هو انت طول الوقت كده رغي رغي و هزار حتى مع اي حد بيخبط على الباب.
ضحكت جنه بصوت عالي و هي تقول بمرح.
– حلم بنت الناس الاغنيه عندنا يا مرحبا يا مرحبا.
التفتت حلم الى داخل المنزل و هي تقول.
– يا بنتي بطلي بقا عايزاكي في موضوع مهم.
جلست جنه امامها و قالت بابتسامه واسعه.
– اكيد لان دي اول مره تجيلي خير يا حلم خوفتيني.
ابتسمت حلم لصديقتها الوحيده.
التي اصبحت على وشك ان تخسرها للباقي من عمرها.
لكن راغب يستحق و ايضا جنه.
تشعر انها مزدوجه الشخصيه.
من اين لها كل ذلك الكره للرجال؟
و من اين ترى ان راغب يستحق صديقتها الوحيده.
و يستحق ايضا ان تعيش الباقي من حياتها دون صديقتها المقربه.
اذا كان هذا احساسها لماذا رفضته؟
هل هي حقا بحاجه للذهاب الى طبيب نفسي؟
مشت عده مرات حتى تخرج من افكارها المتخبطة و قالت بابتسامه واسعه.
– جايلك عريس.
وقفت جنه و قد اقتربت عينيها من بعضها بشكل كوميدي و وضعت يديها على موضع خافقها و هي تقول.
– عريس ليا اني.
بتتكلمي جد يا خاله.
ضحكت حلم بصوت عالي و مدت يديها تمسكها و تعيدها لتجلس من جديد و قالت.
– يا بنتي بطلي هزار بقا و اسمعي للاخر.
وضعت جنه يديها على فمها و اومئت بنعم لتقول حلم مباشره و بشكل سريع و كأنها تلقي الكلمات لا تلقيها.
– راغب ابن عمي عايز يتقدملك.
– بجد يا حلم بجد.
قالتها جنه بسعاده كبيره و عدم تصديق.
لتنظر اليها حلم باندهاش و صدمه لتقول جنه بحالميه.
– من اول مره شوفته و انا معجبه بيه جدا جدا بس قولت اكيد أنتِ و هو هتتجوزوا زي اخواتك و اخواته علشان كده عمري ما اتكلمت عن مشاعري.
لتضحك حلم بصوت عالي رغم ذلك الحزن الواضح في عيونها و اصبح جزء لا يتجزء منها ثم قالت.
– انا و راغب عمرنا ما كنا لبعض هو اخويا الكبير.
و بسمت يدها تمسك يد صديقتها و قالت باستفهام.
– ها اقوله ايه بقا؟
نظرت جنه ارضا و ابتسمت بخجل لتتجمع الدموع داخل عيون حلم.
لكنها وقفت سريعا و هي تقول بثبات واهي.
– خلاص حددي معاد مع عمو و طنط و بلغيني علشان ابلغك.
لتقف جنه امامها تضمها بقوه و قالت بحب و صدق.
– شكرا حقيقي يا حلم انتِ جبتيلي احلى خبر في حياتي.
ربتت حلم على ظهر صديقتها و تحركت تغادر منزلها سريعا قبل ان تخونها عيونها و تنحدر تلك الدموع من عيونها و تلك الدماء من قلبها.
جلست داخل سيارتها تبكي بصوت عالي.
الم قوي ينحر روحها و قلبها لكن عقلها يلومها عما تفعل ينبهها ان ما تقوم به صحيح مئه بالمئه.
~~~~~~~~~~~~
كان ينظر الى الهاتف و تلك الرساله المكرره.
(( انت فين؟ طمني عليك))
نفخ الهواء بضيق شديد ثم قرر ان يجيب على تلك الرساله حتى يطمئن راسلها و يريحه راسه لبعض الوقت.
(( انا كويس بطل تبعت رسايل انا مرتاح بعيد عنكم ))
~~~~~~~~~~~~~
تجلس في غرفتها.
لا تشعر ان بداخلها طاقه لمواجهه اي من افراد العائله.
لا تستطيع الوقوف بجانب اختها الذي يتم ذبحه بدم بارد دون ان يحاول اي فرد من افراد العائله الدفاع عنها او انقاذها.
حتى هي تشعر من داخلها انها مقيده بسرها الكبير و ذنبها التي لم تكترفه و لم يكن لها ذنب فيه.
دلف غسان الى الغرفه ينظر اليها و الذنب يقتله ببرود خاصه بعد حديث والدته الثقيل عن رغبتها في ان يذهب هو و زوجته الى الطبيبه ليجدوا حل في موضوع الانجاب.
اقترب منها و جلس بجانبها يريد ان يدخلها داخل قلبه يخبئها ان الجميع حتى نفسه.
رفعت عيونها تنظر اليه و الدموع تلمع داخلهم ليقترب منها يضمها الى صدره بحنان ثم قال.
– انتِ الدنيا و ما فيها يا نوار انتِ كل حاجه و اي حاجه.
قبل وجنتها و اكمل قائلا.
– انا بحس انك بنتي حبيبتي و بتمني احبسك جوه قلبي و اضيع المفتاح علشان متخرجيش منه و احميكى من عيون الناس.
رفعت عيونها اليه و يدها تحاوط معدتها الفارغه و قالت بألم و قهر و كلماتها المتقطعه تنحر روحه.
– انا.
انا.
انتَ.
عاد لضمها من جديد و انحدرت تلك الدمعه الحبيسه بعينيه و قال.
– انسي اي حاجه انا مش عايز حاجه من الدنيا غيرك انت و بس يا نوار.
مش عايز غيرك انت و بس.
لتضمه بقوه و هي تبكي بصوت عالي و كأنها تتمنى ان تخترق صدره و تدلف الى داخله تختبئ من كل هذا الوجع و الالم و الخوف.
غير واعيه ان بداخله كل الوجع و اساسه و انه هو سبب كل ما يحدث معها.
~~~~~~~~~~~~~
غادر غرفته و توجه الى غرفتها بعد ان تأكد انها بمفردها.
حين دلف اليها وجدها تغمض عينيها و تريح راسها على الكرسي و كأنها في عالم اخر.
يشعر بالم قوي داخل قلبه من اجلها خاصه و هو يرى ذلك الالم الذي يرتسم على وجهها الضيق و الخوف.
ابتسم باشفاق و هو يفكر.
انها لم تجد الفرصه حتى تفرح بحملها ان تشعر بالسعاده و الراحه و لو قليلا.
لولا انه يثق فيها كطبيبة نسائيه لطلب منها متابعه الحمل مع اي طبيب.
اجلس على ركبتيه كعادته معها حين يحب ان يشاغبها و لكنه امسك يديها يقبلها لتفتح عيونها تنظر اليه بابتسامه صغيره فقال بهدوء.
– انا خايف عليكى اوى.
ايه رايك نروح المستشفى و نكشف عليكى و نطمن.
ربتت على يديه بحنان و قالت.
– متقلقش يا يوسف انا كويسه و ابننا كما بخير و كويس متقلقش.
انحنى يقبل يديها من جديد ثم قال.
– انا عارف ان.
– كلنا عارفين يا يوسف كلنا عارفين و مفيش في ايدينا حاجه نعملها للاسف.
قاطعته و هي تقول بحزن شديد لينفخ الهواء ببعض الضيق ثم قال.
– للاسف العند بيقلب كل الموازين و بيحول الحب لكره و الصديق لعدوا.
اومئت بنعم في نفس اللحظه التي طرقت المساعده الباب و دلفت و هي تقول.
– مدام امال وصلت.
لتلاحظ وجود يوسف و جلسته ارضا لتشعر بالخجل و غادرت سريع.
ليضحك يوسف بصوت عالي ثم وقف على قدميه و هو يقول.
– هروح مكتبي خلي بالك من نفسك.
اومئت بنعم ليقبل راسها و غادر الغرفه و دخلت مدام امال لتقف عائشه حتى تفحصها تاركه خلفها كل تلك المشاكل رغم انها لا تتوقف عن التفكير في كل ما يحدث.
~~~~~~~~~~~~~
حين وصلت الى البيت كانت الافكار تعصف بقلبها و عقلها و روحه.
لكنها تعود و تلوم والدها و جدها و كل من شاهد الظلم الذي وقع عليها و على اخوتها و والدتها دون ان يحركوا ساكن.
ترجلت من السياره و حين التفتت وجدته يقف هناك بالقرب من سيارته مكتف اليدين ينظر اليها بقوه و غضب مستتر داخل عيونه التي تحول فيها بريق الحب الى برود و لن تكذب ان قالت انها ترى الكره واضح دون مواراه.
عيونه التي لم تنظر لها طوال حياتها الا بالحب و الخوف و اللهفه الان تنظر اليها بكره واضح و رغبه قويه في الانتقام و هي تفتح له الابواب حتى ينتقم.
اقترب خطوه و اخرى.
يسير ببطء شديد و كانت خطواته تترك اثرها على قلبها و كأنه لا يسير على الارض.
اثر يؤلم و يجرح و لن تكذب ان قالت ان تلك الجروح تنزف و تشعر بدمها المهدور.
وقف امامها مباشره و قال ببرود.
– بشريني يا بنت عمي.
جنه وافقت.
ظلت تنظر اليه بصمت عيونها تنظر الى عمق عينيه تبحث عن ذلك الحب القديم لكنه قد اختفى اثر تلك الاهانه و تعلم ان له كل الحق.
خفضت عونها ارضا و قالت بهدوء كاذب.
– هتحدد معاد مع والدها و هتعرفني و هبقا ابلغك.
و كادت ان تتحرك من امامه حين قال هو ببرود جعل جسدها ينتفض و كأن الحياه تفارقها دون رجعه.
– شكرا يا بنت عمي ان شاء الله اردها ليكي يوم فرحك.
و اقترب منها مره اخرى و هو يقول بجانب اذنها بصوت بارد كصقيع القطب.
– بس يارب يكون حد كويس كده زي جنه.
جنه.
و غادر مباشره بنفس خطواته الواثقه الثابته دون ان يلتفت خلفه و لو لمره واحده.
لتنحدر تلك الدمعه الحارقه و التي اصبحت رفيقتها المقربه في الفتره الاخيره و التي تخبرها و بوضوح انها الخاسره الوحيده و كم هي ضعيفه عكس ما تتخيل.
رواية حلم الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سارة مجدي
كانت تشبه الأموات، صامتة، لا تتحدث مع أحد، تشاهد ما يحدث حولها بصمت. عيونها دائمًا تملأها الدموع والانكسار. كلمات حماتها الجارحة كلما اجتمعا، ووقوف غسان أمام والدته الذي يريد الأمور تعقيدًا، يجعلها تشعر أن هناك شيئًا غامضًا في الأمر.
لم تعد تحتمل وهي ترى أختها على تلك الحالة.
اقتربت منها وجلست بجانبها على الأريكة الخشبية تحت المظلة الكبيرة، مكانها الثابت منذ أكثر من أسبوعين.
مدت يدها تضعها على يد أختها المستريحة على الأريكة، لتنظر إليها نوار بعيون خاوية كسيرة يملأها الكثير من الخوف والضياع. لتقول عائشة بخوف حقيقي:
"إيه يا نوار؟ مالك يا حبيبتي؟ قوللي اللي تاعبك كده. أنا اختك وسرك، أنا خايفة عليكي بجد. قوليلي كل اللي جواكي وسرك في بير."
انحدرت دموع نوار دون أن تستطيع التحكم بها، لتضمها عائشة بقوة وهي تقول بقلق حقيقي:
"مالك يا نوار؟ فيكي إيه يا حبيبتي؟"
لم تعد تحتمل أكثر من ذلك، تريد أن يشاركها أحد فيما تحمل داخل قلبها من خوف وضياع.
بدأت في سرد كل ما حدث معها ويحدث، وكلمات غسان والتحاليل وكل شيء تعيشه بمفردها وبصمت.
كانت عائشة تستمع إليها وهي تشعر بالذهول والصدمة، وقالت بعدم تصديق:
"ليه غسان مش عايزني أكشف عليكي؟ وليه تروحوا لدكاترة تانية غيري؟"
كانت نوار في حالة ضياع، غير واعية لكلمات أختها ولا لحالتها. لكن عائشة انتبهت من أفكارها على حالة أختها، لتعود تضمها من جديد بحنان وهمست بحنان:
"اهدي يا نوار، اهدي. أنا جنبك ومعاكي ومش هسيبك أبدًا. اهدي يا حبيبتي، اهدي."
مرت الدقائق وهم على نفس وضعهم حتى هدأت نوار تمامًا. لتبعدها عائشة قليلًا عن أحضانها، وحاوطت وجهها بيديها ونظرت إلى عينيها بقوة، وقالت:
"نوار، خلينا نتفق إن الكلام اللي حصل دلوقتي يفضل بينا بس. أوعي تقولي لغسان، ماشي؟"
ظهرت علامات الرفض على وجه نوار، لتقول عائشة سريعًا:
"خلينا بس ما نتكلمش في أي حاجة دلوقتي، وبعد فرح راغب نشوف هنعمل إيه، ماشي؟"
ظلت نوار تنظر إليها بصمت، ولكنها أومأت بنعم. لتقول عائشة من جديد:
"نوار، أوعي غسان يعرف إني عرفت حاجة، ماشي؟"
أومأت مرة أخرى بنعم، وعيناها تتوسل إليها أن تساعدها. لتعود عائشة لضمها من جديد، وقلبها يتلوى ألمًا عليها، وتقول بصدق:
"أنا مش هسيبك أبدًا أبدًا، وأنا جنبك ومعاكي."
بعد مرور شهر، وخلال تلك الفترة كان التحول الكبير في معاملة راغب لحلم، من منتهى اللين والحب لمنتهى القسوة والإهانة. أصبح يتعامل معها كما يتعامل مع باقي أفراد العائلة، ولكن بكثير من التجاهل وبطريقة الأوامر، حتى موعد عرسه على جنه.
كان يقف أمام طاولة الزينة ينظر إلى نفسه وهيئته ببدلة العرس. ورغم ألمه وحزنه أن اليوم عرسه والعروس ليست حلم.
ولكن ما ذنبها تلك الفتاة؟ عليه أن يكون عادلًا، أن لا يظلمها، أن لا يرى حلم بعينه القديمة، خاصة وأنه في كل زيارة لها يرى بوضوح فرحتها وسعادتها به.
وأيضًا هناك داخل عينيها حب كبير، ولولا خجلها وحيائها لصرخت بذلك الحب بصوت عالٍ، كما قالت له ذات مرة:
"تعرف يا راغب، أنا عمري ما تخيلت إنك تكون شايفني أصلًا. عمرك ما بصيت عليا، ولو نظرة واحدة. بس يمكن دي أكتر حاجة شدتني ليك، تقيل كده وكاريزما."
لم يستطع أن يجيب على كلماتها سوى بابتسامة صغيرة جعلت وجنتيها تتلون بحمرة الخجل، وهي تظن أنه ينظر لها بحب.
كل ما يحدث يخلق بداخله سعادة كبيرة وشهوة الانتقام التي تزداد بداخله وتتصاعد مع شعوره بحب صديقة حلم المقربة المحبوبة من الجميع، الغارقة في عشقه، وتتمنى رضاه دائمًا، خاصة مع فرحة والدته بها بشكل كبير بسبب معاملة جنه لها بحب واحترام وتقدير كبير أيضًا، دون أن تتخلى عن مرحها الذي يجعل الجميع يتعامل معها بسعادة، وإظهارها لحبها له أمام والدته التي تراها العوض وخير عوض.
رغم الحزن الواضح في عيون نوار ونظرة اللوم في عيون عائشة، إلا أنهما لم يتحدثا معه بلوم أو عتاب.
أغمض عينيه لثوان وهو يتذكر آخر مرة نظر إلى عينيها. كان يتمنى أن يرى داخلهم الحلم القديم، نظرة حب، ولو خاطفة.
لكن كان يرى عينيها كمرآة زجاج خاوية من الإحساس والمشاعر، وكأنها جسد خالٍ من الروح، خاصة وأنه كان يعلم من جنه أن حلم معها في كل خطوة، تساعدها في شراء أغراضها، وقد حجزت لها في أكبر مركز تجميل كهدية.
النار تشتعل داخل قلبه، تحرق روحه، ولا يجد ما يطفئها.
طرقات على باب غرفته، ثم دخول أخويه بابتسامة واسعة وهم يغنون:
"مبروك عليك يا معجباني يا غالي يا غالي، عروستك الحلوة قمر بيلالي."
ابتسم ابتسامة واسعة، لكنها أبدًا لم تصل إلى عينيه. كان يوسف يرى الحزن الساكن داخل عينيه، والذي يحاول بكل طاقته إخفاءه عن الجميع.
اقترب منه يوسف يعدل له ياقة البدلة، وهو يقول:
"مبروك يا عريس. جوازة العمر يا حبيبي، وربنا يسعدك."
ربت راغب على كتف أخيه وهو يقول:
"الله يبارك فيك يا حبيبي."
اقترب غسان وهو يقول ببعض المرح:
"هتشرفنا النهارده ولا إيه النظام؟"
ليضحك يوسف وراغب بصوت عالٍ. واقترب يوسف من غسان وهو يقول بمشاغبة:
"يا ابني، اديله من خبرتك. ده بردوا أخوك الصغير."
ليقترب راغب منهم وهو يقول:
"كل واحد يكفي نفسي ويحتفظ بنصايحه لنفسه. مش محتاج حاجة منكم."
"خبرة أنت وفاهم؟ شكلك كنت بتلعب بديلك يا واد أنت من ورانا."
قال يوسف بشك وحاجب مرفوع. لينظر إليه راغب بحاجب مرفوع، ثم تركه وتوجه إلى طاولة الزينة مرة أخرى.
لينظر كل من غسان ويوسف لبعضهما البعض بحزن. رغم سعادتهم بزواج أخيهم الصغير، إلا أن البيت بأكمله يشعر بالتوتر والقلق، ويخيم عليه الحزن المستتر.
خاصة وأنهم يعرفون جيدًا إحساس أخوتها ويرون حزنهم رغم تماسك حلم، والذي يعلم الجميع أنه كاذب.
انتهى راغب من التأكد من كامل مظهره، ثم التفت إلى أخويه اللذان ينظران له بقلق وحزن يحاولان إخفاءه خلف تلك الابتسامة المتصنعة.
تحرك هو في اتجاه الباب، ليقول غسان بحيرة:
"لسه بدري يا ابني، أنت رايح فين دلوقتي؟"
نظر إلى غسان وقال بإقرار:
"رايح لجدي."
شعر كل من يوسف وغسان بكم الألم الموجود داخل قلب أخيهم. لكن ماذا بيدهم الآن؟ العند هو العامل المشترك الوحيد في كل تلك الآلام التي ترافق العائلة منذ سنوات، وليسامح الله من كان السبب في كل ذلك.
يجلس على الأريكة الكبيرة ينظر إليها وهي تضع بعضًا من مساحيق التجميل التي تزيدها جمالًا دون مبالغة، خاصة مع ذلك الفستان الأسود الذي يظهر جمالها على استحياء. وداخل عينيه الكثير من قصص العشق والحب الكبير الذي لم ينقص يومًا، بل يزيد مع الأيام.
كانت تتابع نظراته لها المعجبة والعاشقة، وذلك يجعلها تشعر بنفسها تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تنتظر حبيبها خلف نافذة غرفتها لتراه وهو يمر من أسفل منزلها مع أصدقائه، ويرفع عينيه دون أن يلاحظه أحد إلى نافذتها ويبتسم ابتسامة صغيرة.
ولكن الآن، ورغم أنها تكاد تقسم بحبه لها، ما زال كبيرًا وقويًا كما كان سابقًا، إلا أن الحزن سكن عينيه. وبدأت تشعر أن كتفيه قد تهدلا بسبب كثرة الهموم والحمل الثقيل الذي ألقي فوق عاتقه منذ سنوات، ويدفع ثمنه الآن هو وكل أبناء هذه العائلة.
نظرت إلى عمق عينيها في المرآة وهي تقول ببعض الضيق:
"راحت فين رقيه القديمة؟ الرقيقة اللي قلبها كان يساع الكل؟ إيه القسوة اللي شايفاها جوه عينيا دي؟ دي مش رقيه اللي أنا أعرفها، دي حد تاني."
خرجت من أفكارها على صوته وهو يقول:
"سرحانة في إيه يا رقيه؟"
رفعت عينيها إليه وقالت:
"أبدًا، مش مصدقة إن راغب أخيرًا هيتجوز ويطمن قلبي عليه."
أومأ بنعم، واكتست عيناه بالحزن. لِتترك ما بيدها وتتوجه إليه وتجلس بجانبه وهي تقول بقلق:
"إيه يا مصطفى؟ معقول في يوم زي ده تكون مضايق كده؟"
نظر إليها وقال:
"أجلي إجابة أسئلتك دي لبعد الفرح يا رقة، مش عايزين نتخانق."
أخفضت عينيها أرضًا، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت:
"اتكلم يا مصطفى، خرج كل اللي في قلبك. رقة هتسمعك بقلبها."
ابتسم لها بحب، ثم أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء، ثم قال:
"أنا فرحان إن ابني هيتجوز ويستقر ويبني عيلة، لكن كمان صعبان عليا حلم. الحزن اللي بتحاول تداريه أنا حاسة وشايفه. إحنا شفناها وهي بتعاني بعد موت أمها، ومحدش فينا اتحرك يحاول يساعدها. أبويا وقراره إن أحمد ما ياخدش جزاؤه على كل اللي حصل، واستمراره في تعذيب البنات نفسيًا بتصرفاته الغلط وإهماله. الصمت قدام كل اللي بيحصل. هي غلطت في حق راغب صحيح، لكن هي كمان موجوعة. إزاي أحاسب طير مدبوح على إنه غرقني بدمه."
كانت تستمع إليه وبداخلها إحساسان مختلفان. إحساس يؤيد كلماته ويرى صحتها، وإحساس آخر يرى مصلحة أولادها فقط. إحساس أناني تعلم، لكن ماذا تفعل في قلب الأم الذي لا يرى سوى مصلحة أبنائها فقط.
أكمل مصطفى كلماته:
"أحمد غلط، لكن إحنا كمان مشاركينه الغلط. كلنا بندبح فيهم بدون رحمة، من غير ما نحس أو نواعى. مش عارف، بس كلنا راكبنا الذنب من ساسنا لراسنا."
لم تعقب على كلماته، ولم تجد ما تقوله، فهي وعدته أن تستمع إليه بقلب رقة لا بعقل رقيه.
وقف على قدميه يقول بقلق أكبر:
"أصلًا أحمد فين؟ من يوم اللي حصل وهو مختفي، ومحدش عارف عنه حاجة. رغم إن بعده راحة للجميع، إلا إني قلقان عليه، وغيابه ده مخوفني."
وقفت هي الأخرى ووضعت يديها على كتفه، وقالت بإقرار:
"هو مش قال إنه مع أصحابه؟ ده ما خافش على بنته اللي وقعت قدام عينيه من على السلم، تخاف أنت عليه ليه يا مصطفى؟"
"للأسف، أخويا الوحيد يا رقيه."
أجابها بصوت مختنق وعيون يملؤها الحزن، ثم توجه إلى الحمام الخاص بالغرفة وأغلق الباب خلفه. ظلت هي تنظر إلى الباب المغلق، ثم نفخت الهواء ببعض الضيق.
قررت الذهاب إلى غرفة عائشة حتى تساعدها إذا احتاجت المساعدة في ارتداء ملابسها، فهي حقاً قلقة عليها بشدة. تلاحظ شرودها المستمر وصمتها أيضاً، ولا تعلم ما بها.
***
وقف أمام باب غرفة جده يمسك بمقبض الباب، يحاول أن يتغلب على ذلك الإحساس القوي بالغضب الذي يتصاعد بداخله، يجعله يرغب في الركض خارج أسوار ذلك البيت وعدم العودة من جديد، أن يلقي كل ذلك الألم والوجع خلف ظهره، ويأخذها معه. ومن الممكن أن يضربها بشيء قوي على رأسها حتى تنسى كل ما مضى وكأنها بدأت من جديد معه بصفحة بيضاء خالية من كل ذلك الوجع.
خرج من أفكاره وهو يأخذ نفساً عميقاً حتى يبعد تلك الأفكار التي تنهش روحه وقلبه، وطرق الباب ثم فتحه ودلف، ينظر إلى جده الذي أصبح لا حول له ولا قوة، يجلس على سريره دون حركة.
اقترب راغب من السرير وجلس جواره صامتاً لعدة ثوانٍ، ثم قال بابتسامة ساخرة:
"اليوم فرحي يا جدي، بس مش حلم؟ لا، أنا هتجوز صحبتها."
صمت لثوانٍ ثم قال والدموع تتجمع في عينيه:
"اليوم المفروض أموت قلبي القديم وأحط مكانه قلب جديد يحب جنه، عشان ما أبقاش خاين وجبان. هي مالهاش ذنب في كل اللي بيحصل ده."
نظر إلى جده وقال ببعض العصبية:
"بس قولي أعمل كده إزاي؟ ما أنت خليتنا كلنا نتعامل بزرار من غير إحساس ولا مشاعر. قولي إزاي أشيل حلم من جوه قلبي وأحط مكانها جنه؟"
رفع رأسه للأعلى وهو يقول:
"جنه اللي بتتمنى لي الرضا، بترضى بتتمنى إنها تسعدني وتفرحني، بتتمنى نظرة حب ورضا. قولي أعمل إيه؟"
قال آخر كلماته بصوت عالٍ والدموع تنحدر من عينيه، يشاركه جده بدموعه غير قادر على قول أي شيء ولا مساعدة حفيده. وكيف يساعده وهو في تلك الحالة؟ ومن الأساس هو سبب كل ذلك العذاب، هو المذنب الكبير.
ظل راغب ينظر إليه، يشاهد معالم الحسرة والألم ترتسم بوضوح على ملامحه، الذي ترك الزمن عليها علاماته دون رحمة، والدموع تسيل فوقها مثل المياه التي تسيل فوق شقوق الأرض العطشى.
أغمض راغب عينيه لعدة ثوانٍ ثم فتحهما ومسح دموعه، ثم اقترب من جده يمسح عنه دموعه، ثم قبل رأسه وقال:
"ادعي لي مظلمش جنه، ادعي ربنا يرحمنا من اللعنة اللي حلت علينا كلنا، وسلسال الظلم والغدر يقف بقى."
اعتدل في وقفته، وظلت عيونه متعلقة بعيون جده لعدة ثوانٍ، ثم غادر الغرفة، فلم يعد هناك ما يقال.
حين أغلق راغب الباب، ظل واقفاً أمام الباب، يصله صوت بكاء جده بصوت عالٍ، لينظر إلى الباب ويقول بهمس:
"ابكي يا جدي، يمكن دموعك دي تشفع لك عند ربنا."
ثم تحرك عائداً إلى غرفته، عليه أن يهدأ حتى يستطيع الذهاب إليها.
ضحك بسخرية، أن حلم معه سوف يذهب إلى مركز التجميل ليأخذ زوجته ويرى حبيبته القديمة. ويا لسخرية القدر.
***
"عارفة يا حلم، أنا اليوم عاملة مفاجأة لراغب، بس يا رب تعجبه."
كانت تستمع لصديقتها وعلى وجهها ابتسامة مرسومة بحرفية، صحيح وجهها يبتسم، لكن قلبها يبكي دون توقف، بدل الدموع ينزف دماء حارة.
لتكمل جنه كلماتها غير منتبهة لحال صديقتها التي تستطيع إخفاء ما بداخلها بجدارة:
"مفاجأة لما نروح، ومفاجأة في القاعة. بس قولي لي يا حلم، راغب فرفوش كده ومرح ولا دمه تقيل ومنشي؟"
"منشي؟"
سألتها حلم باندهاش، لتقول جنه بجدية:
"أيوه يا بنتي، يعني بدلة في نفسه، ولا فاكك كده ومرح؟"
لتضحك حلم بصوت عالٍ وكأنها تصرخ صرخة الموت، ثم قالت:
"لا مش بدلة في نفسه ولا منشي، مرح وفريش وكاجوال كمان."
لتصفق جنه كطفل صغير، ثم قالت ببعض القلق:
"تفتكري راغب بيحبني؟"
نظرت حلم إليها ببعض التوتر والقلق، لتكمل جنه كلماتها:
"أنا بحبه قوي يا حلم، ونفسي يكون هو كمان بيحبني، ولو نص حبي ليه. تعرفي أنا مستعدة أعمل أي حاجة وكل حاجة في الدنيا عشان يكون سعيد وفرحان."
كانت حلم تستمع لكلماتها التي تنزل على قلبها وكأنها ماء حمضي يحرقها دون رحمة، لم تستطع أن ترفع عينيها إليها، وكانت جنه سارحة في أحلامها الوردية، لتكمل بابتسامة حالمة:
"حتى لو مش بيحبني، بس أكيد طالما طلب يتجوزني يبقى على الأقل معجب وولهان، وده كفاية. الباقي بقى عليا أنا."
أومأت حلم بنعم، ثم قالت بصوت مختنق:
"فعلاً كفاية، وأنتِ أكيد هتسعديه."
أخرجت زفير حار، ثم قالت:
"أنا بس هطلع أعمل تليفون وأرجع على طول."
أومأت جنه بنعم، ثم نظرت إلى الفتاة التي تقوم بتزيينها:
"أنا عايزة أبقى قمر عشان أعجب عريسي."
لتضحك الفتاة وهي تقول:
"من عيوني، أنتِ أصلاً قمر."
***
تجلس في مكان بعيد عن العيون، تبكي بصمت دون أن يشعر بها أحد، فلا أحد يرى دموعها، ولا يرى حرقة قلبها، ولا أحد يشعر بما بداخلها.
هذا ما جَنته من أفعالها، وعليها تحمله بمفردها.
***
"عائشة، بقالي شوية بكلمك وأنتِ سرحانة ومش بتردي."
قالت رقيه كلماتها وهي تهز عائشة، التي نظرت إليها باندهاش وكأنها لا تستوعب وجود حماتها جوارها.
وقبل أن تجيبها، دخلت نوار وهي تقول:
"عائشة، شوفي الحلق شابك في إيه، ودني وجعتني."
وقفت صامتة تنظر إلى حماتها التي نظرت أرضاً ببعض الضيق.
أن علاقتها بنوار أصبحت سيئة جداً، إذا كانت قاطعت حلم ولم تعد تتحدث معها، إلا أنها لا تفوت مرة ترى فيها نوار إلا وهي تسمعها حديثاً سيئاً عن عدم إنجابها حتى الآن، وذلك يزيد كلما وقف غسان أمامها بتحدي يخبرها أنه لا يريد من الدنيا سوى زوجته، فتزيد هي من حديثها السيء لها وتقوم بتجريحها أكثر وأكثر.
ظل الموقف ثابتاً لعدة ثوانٍ، حتى وقفت رقيه على قدميها واقتربت من نوار، وبدأت في إبعاد الحلق من أذن نوار، ثم فكت تشابكه من فستانها، ومدت يدها به لنوار التي أخذته بصمت، ثم تحركت حتى تغادر الغرفة، لتقول رقيه سريعاً:
"نوار."
وقفت نوار مكانها ونظرت إليها بصمت، لتقول رقيه بابتسامة صغيرة:
"الفستان ده يليق عليه طرحة موجودة عندي، هروح أجيبها لكِ على ما أنتِ تساعدي أختك اللي بتحب جديد دي وطول الوقت سرحانة."
أومأت نوار بنعم مع ابتسامة صغيرة، لتغادر رقيه الغرفة، لتقترب نوار من أختها وجلست جوارها، لتبتسم عائشة وهي تقول:
"يوسف مجنني، عامل نفسه مراهق وورد ودباديب ورسايل على الفون، مش قادرة أقولك... تفتكري يكون بيخوني يا نوار؟"
لتضحك نوار بصوت عالٍ، لتشعر عائشة ببعض الراحة وهي ترى الابتسامة ترتسم على وجه أختها من جديد رغم شحوبها وذبولها.
"يوسف يخونك؟ إنتِ ليه اتجننتي؟ وبعدين يوسف بيحبك جداً، وأبداً أبداً عمره ما يفكر في واحدة تانية، خصوصاً وأنتِ أهو هتجيبي له بيبي يفرح بيه."
صمتت عائشة غير قادرة على قول أي شيء، انكسار أختها يجعلها تتألم بشدة.
تكره كونها حامل وأختها قد حُرمت من تلك النعمة. نظرت إليها نوار وقالت بتوتر:
"ربنا يكملك على خير يا حبيبتي، والله أنا فرحانة لكِ من قلبي، وعمري ما حسدتك أو غيرت منك أو..."
لتضع عائشة يديها على فم أختها توقف سيل كلماتها، وقالت بابتسامة صغيرة:
"عارفة يا نوار، وابني ابنك يا حبيبتي، هو هيلاقي أحن منك؟ ولا أم حلوة وطعمة كده."
لتضمها نوار بقوة والدموع تغرق وجهها بحرقة قلب امرأة تشتاق أن تحمل داخل أحشائها طفل من الرجل الذي أحبته بصدق، طفل يحمل صفاتها وصفات والده، طفل يسعد حياتها وينيرها بجمال ابتسامته وضحكاته التي تخطف القلب والروح.
***
وصل الجميع إلى تلك القاعة الكبيرة، والذي سيقام بها حفل زفاف أصغر شباب عائلة بركات.
كان جميع أهل البلدة موجودين في ذلك العرس.
كان مصطفى يقف يستقبل المعازيم بابتسامة وقورة، لكن عقله سارح في والده الذي دلف إليه قبل أن يغادر المنزل، ليجد داخل عينيه شيئاً ما لم يفهمه، كأنه أراد أن يقول شيئاً ما، وذلك زاد الألم وإحساس الذنب داخل مصطفى.
خاصة كلما وقعت عيناه على عائشة ونوار اللذان يجلسان في مكانهما وكأنهما أغراب، يمسكان أيدي بعضهما البعض، عيونهما على باب القاعة ينتظرون ضلعهم الثالث حتى يضموه بين ضلوعهم، يحمونها حتى من نفسها ومن ما سيحدث.
رواية حلم الفصل السادس عشر 16 - بقلم سارة مجدي
وصلت السيارات أمام مركز التجميل. كل من الإخوة الثلاث في سيارة، دون أحد آخر. بالطبع، فنوار وعائشة رفضوا رفضًا قاطعًا الذهاب معهم. أوصت كل منهم زوجها ألا يترك حلم بمفردها، وألا يسمح لها بأي شكل من الأشكال الركوب مع راغب وجنة. فإذا كانت هي تعاند نفسها لدرجة الموت حزنًا وقهرًا، فهن لن يسمحن لها بذلك.
كانت جنه تقف أمام حلم تبتسم بسعادة كبيرة، رغم ارتعاش يديها، وذلك الألم اللذيذ الذي تشعر به في معدتها. بين شوق للخروج إليه ورؤية نفسها في عينيه، وبين خوفها الفطري كأي عروس على أبواب حياة جديدة.
وكانت حلم تنظر إليها وتتخيل نفسها هي من ترتدي ذاك الفستان الرقيق وتظهر بتلك الهيئة الملائكية، تنتظر نظرة عينيه إليها بشوق.
حاولت إخراج نفسها من تلك الأفكار، فهذا هو اختيارها وقرارها، فلتتحمل بصمت. وساعدها صوت جنه وهي تقول بتوتر:
– تفتكري هعجبه؟
– أكيد، ما شاء الله زي القمر.
أجابتها حلم بصدق: حين ابتسمت جنه، اقتربت منها إحدى فتيات مركز التجميل وقالت بابتسامة واسعة:
– يلا يا عروسة، العريس وصل.
تمسكت جنه بيد حلم وهي تقول بخجل، رغم الابتسامة الواسعة التي ترتسم على وجهها:
– أنا مكسوفة أوي، أرجوكي متسبنيش.
ربتت حلم على يد جنه وقالت لها بألم لم يشعر به غيرها:
– أنا معاكي ومش هسيبك.
فُتح باب مركز التجميل واقترب راغب بخطوات ثابتة قوية. كانت خطواته القوية بصداها فوق الأرضية المثقلة، تتردد داخل قلبها النازف دون رحمة. كانت عيونها ثابتة عليه، وعيونه ثابتة على جنه التي تنظر أرضًا بخجل. ليست عيون عاشق ولهان يحقق حلم حياته، ولا شاب يخطو خطواته الأولى في مستقبل جديد مليء بالأمل، بل كهل هرم فاقد الشغف وزاهد في الحياة. وذلك زاد من ألم قلبها وروحه. لم ينظر إليها ولو نظرة خاطفة. هو لن يسمح لنفسه بذلك. رغم أن جنه تنظر أرضًا ولن ترى نظراته، لكنه قرر من الآن أن يكون لجنه بكامله. لن يرى حلم من جديد بعينه العاشقة. سيحاول نسيانها رغم صعوبة الأمر، لكن هذا ما يجب أن يفعله رجل مثله لا يعلم طعم الخيانة ولن يعرفه يومًا.
وقف أمامها لعدة ثوانٍ صامت يحاول أن يجد ما يقوله أو يفعله. شيء ما مما يقومون به في مثل تلك المواقف، لكنه لا يتذكر ولا يعلم، وكأنه لم يرَ مثلًا إخوته يوم أعراسهم ماذا فعلوا. غسان قبل أن يمسك يدها كان يضمها إلى صدره بقوة ويدور بها وهو يصرخ كطرزان. ويوسف اقترب منها يقبل جبينها ثم يديها ثم ضمها بقوة وظل هكذا حتى أبعدته والدته عنها. هو لن يستطيع فعل كل ذلك.
أخذ نفسًا عميقًا ثم مد يده أمامها وقال:
– عروستي الحلوة.
ابتسمت حين ظهرت يديه أمام عيونها، ثم رفعت عينها له بابتسامتها التي تخلق بداخل أي من يراها سعادة لا توصف، ووضعت يديها في حضن يديه بعد أن تركت يد حلم، ليقترب خطوة أخرى، وقبل جبينها، وقال بصوت هامس وصلها ووصل لمن تقف بجانبهم تنزف دون دماء، تصرخ دون صوت، تبكي بلا دموع:
– مبروك عليا أنتِ يا جنه.
لمعت عيونها بعشق لا يخطئه من ينظر إليها، وضمت أصابع يديها حول أصابع يديه، وقالت بخجل شديد:
– مبروك عليا أنا يا راغب، ويا رب أقدر أسعدك.
كلماتها… واه من كلماتها. إنها تقول ما يجب عليه قوله، ليجد نفسه ودون شعور منه يضمها إلى صدره بقوة وهو يهمس جانب أذنها:
– يارب أنا اللي أقدر أسعدك وأفرحك… ووعد مني أعمل كل اللي أقدر عليه.
دخل كل من غسان ويوسف، اللذان كانا يتابعان ما يحدث بصمت، وعيونهم ثابتة على تلك التي تجمد جسدها وتحجرت نظراتها. فأقترب منها يوسف في نفس اللحظة التي قال غسان لراغب:
– يلا بقى هنتأخر على الناس في القاعة.
أومأ راغب بنعم، وضم يد جنه بين ذراعه وسار بها في اتجاه السيارة. ليقول يوسف سريعًا قاطعًا أي محاولة من أي من جنه أو راغب في جعل حلم تصعد معهم إلى السيارة:
– حلم تعالي يلا معايا.
وأمسك يدها يجذبها إلى السيارة. وخلال ثوانٍ كان موكب العروس يتحرك في اتجاه القاعة الكبيرة.
كانت حلم صامتة تمامًا، لم تتحدث بحرف واحد. وكان يوسف يلاحظ جيدًا يديها التي ترتعش، حركة فمها المتشنجة، اهتزاز ساقها. ليقول بهدوء:
– العند وحش، وأول واحد بيدفع تمنه اللي بيعند نفسه… علشان ممكن يجي على حساب نفسه وقلبه وروحه وما يرجعش في كلمة قالها أو حاجة عملها.
لم تنظر إليه، بل كانت تستمع لكلماته، ومن داخلها تعلم صحته. ليكمل هو كلماته قائلاً:
– إنسي إن أنا أخو راغب، وافتكري بس إني ابن عمك وجوز أختك. لو محتاجة تعيطي يا حلم، عيطي، خرجي كل اللي جواكي. كتر الكتم وحبس الدموع هيخليكي تنفجري في الآخر، وأنت الوحيدة اللي هتدفعي تمن كل ده.
أدارت وجهها إلى جهة النافذة، وسالت تلك الدموع بصمت دون أن يهتز جسدها حتى. ظلت تلك الدموع تسيل على وجنتيها حتى هدأت تمامًا، وظل هو صامتًا تمامًا تاركًا لها كامل الحرية والوقت. بعد عدة دقائق، كانت تفتح حقيبتها وتخرج مرآة صغيرة، وبدأت في إصلاح زينتها، وعادت ترسم على ملامحها الجمود، البرود، واللامبالاة. يعلم أنها أبدًا لن تظهر له أو لغيره ضعفها وانكسار روحها، ولكن يكفي أنها أخرجت ولو جزء قليل من ألمها… لعلها تستطيع تحمل القادم.
~~~~~~~~~~~~~~~
في سيارة راغب، كانت تنظر إليه بحب، تحاول أن تمتع عيونها بجماله الذي يخطف الأنفاس. عيونه شديدة السواد، والتي بها جاذبية لا توصف تجعل فراشات الحب داخلها ترفرف بسعادة وتطير بها فوق السحاب الوردية. مدت يدها بخجل كي تلمس يديه المستريحة فوق ساقه، لكنها تراجعت بخجل. لكنه قد رأى حركة يدها ليمسك يدها سريعًا قبل أن تعيدها إلى ما كانت عليه في حضن يدها الأخرى، وقال بصدق:
– متتكسفيش يا جنه، من اللحظة دي أنا ملك إيدك ومن حقك.
– بجد يا راغب؟
قالتها برجاء وعدم تصديق. لينظر إليها بتعجب واندهاش، لتقول بصدق:
– أصل أنت كنت حلم بعيد أوي يا راغب، وإنه يتحقق وبالجمال ده أنا مش قادرة أصدقه ولا أستوعبه.
– بس؟
سألها باندهاش، لتكمل بسعادة وهي تضع كف يديه على وجنتها، وقبلت باطنها برقة:
– أوعدك إني أحبك طول عمري وحياتي كلها تكون من اللحظة دي ملك إيدك.
أخذ شهيقًا قويًا وأخرجه ببطء، ثم قال:
– يا جنه… أنا مش حمل الكلام ده كله.
– أنت تستاهل أكتر من كده بكتير يا راغب.
قطعت سيل كلماته وقالت بصدق استشعره بكل كيانه، وذلك يزيد من ألم قلبه وضميره.
~~~~~~~~~~~~~~~
حين وصلوا القاعة، كان الجميع في استقبالهم، والفرقة المسؤولة عن زفهم إلى داخل القاعة تقف على الجانبين بملابسهم المميزة. كانت جنه تتعلق في ذراع راغب، وبجانبها والدتها التي تزغرط بسعادة كبيرة. والجهة الأخرى بجوار راغب، رقيه التي تحاوط ذراع ابنها الثاني، تربت على كتفه بفخر وسعادة. لم تكن نوار أو عائشة من ضمن الناس الواقفين. فأشار يوسف لحلم أن تدخل إليهم، لتقول هي بثبات وقوة تجعله، رغم يقينه وتأكده من بكاء روحها، إلا أنه يعلم جيدًا أن بها من العند ما لن يجعلها تغادر جانب صديقتها:
– جنه ملهاش أصحاب غيري ومش هسيبها لوحدها.
كان الجميع يصفق ويرقص، والسعادة تملأ الأجواء، لكن قلوب عائلة بركات بأكملها، ما عدا رقيه، تشعر بالحزن والألم. وبداخل القاعة، وعلى الأنغام الناعمة الرقيقة، وقف العروسان في منتصف القاعة يرقصان رقصتهم الخاصة بين نظرات حب وعشق وخجل.
كانت حلم تجلس في المنتصف بين أختيها، التي تمسك كل واحدة منهم يد من يدها بقوة حانية يدعمونها. كانت عيونها تتابع رقصة راغب وجنه، وقلبها يتألم بشدة، لكن أيضًا عقلها سارح في فكرة تعلقت بها منذ رأت راغب في مركز التجميل وسمعت كلماته. فكرة تتبلور داخل عقلها، وسوف تقوم بها دون تأخير.
في تلك اللحظة، توقفت نغمات الموسيقى، لتترك جنه راغب واقفًا في منتصف القاعة، وتحركت سريعًا لذلك الشاب مشغل الموسيقى وطلبت منه شيئًا ما، ثم عادت ركضًا إلى مكان وقوفه وهي تضحك بسعادة. وحين بدأت موسيقى الأغنية التي طلبتها ترتفع، أشارت إلى حلم التي لم تتأخر عليها رغم رفض أختيها لكل ما تقوم بها.
اجتمع كل فتيات البلدة حولهم، وكذلك الشباب، ومن ضمنهم يوسف وغسان، لتبدأ جنه في التمايل برقة وهي تغني مع الأغنية من قلبها وليس فمها فقط:
(( غنَّوا وبلوا الشربات وافرحوا دا العمر ساعات
زغرطوا وأَرقصوا يلا عقبال عندكوا يا بَنات
عيشنا بنتمنى الفرحة وحلمنا سنين وسنين
ياما بِفُستان وبطرحة ودعينا وقولنا آمين ))
ابتسم راغب على حركاتها مع كلمات الأغنية، ومد يديه يمسك يدها يشاركها رقصها وسعادتها، وهي تردد كلمات الأغنية وعيونها ثابتة على عينيه تبثه حبًا وشوقًا كبيرًا وسعادة لا توصف:
(( وأهو ربنا عوض صبرنا خير والدور جه علينا يا بنات
بعد ما كنّا هنتجنن م الوقفة قدّام المِرايات
وأهو ربنا عوض صبرنا خيّر والدور جه علينا يا بنات
بعد ما كنّا هنتجنن م الوقفة قدّام المِرايات
ويا رب يعدلهالكوا تفرحوا فرحتي يا بنات ))
شاركت فيما يحدث كل من رقيه ووالدة العروس، اللذان كانا في قمة سعادتهما بكل ما يحدث. رقيه ترى أن جنه بالفعل هي العروس المناسبة لابنها، هي من تعشقه وتتمنى رضاه، وذلك واضح في كل لفتة منها، خاصة مع كلمات الأغنية. وهي تركض إليها تضمها بقوة وتقبلها:
(( مبروك عليّا كدّا مية مية
عريسي خلاص جمبي ڤي عشّ الزوجيَّة
عيلته بقت عيلتي مامتة بقت مامتي
سمعُوني زغروطة رقصونى شوية
عريسي خلاص جمبي قي عش الزوجيَّة
عيلته بقت عيلتي مامتة بقت مامتي
سمعُوني سمَّعوني زغروطة يلا إنتي وهية ))
وعادت من جديد إلى راغب تمسك يديه، وهي تقول بخجل لذيذ:
(( هنجيب ولد حلو وبنتين أو بنت قمورة وولدين
كدا أو كدا نعمة وراضين أهم حاجة نكون مع بعض
على كل حاجة هقوله آمين خلاص يا روحي بقي متفقين
نشيله جوة في نني العين واقف معاة بقي وقت الجد ))
وزادت حركاتها رقة وجمال وهي تقترب منه أكثر وتردد مع الأغنية بسعادة، وكأنها تعده بتلك الكلمات أن تكون هكذا حياتهم القادمة:
(( هيلاقي دايمًا فيا جديد، هعيشه هارون الرشيده
خلي حبي في قلبه يزيد يشوفني يبقي مزاجه عالى
هنقضي كل حياتنا هزار وحب دايمًا ليل ونهار
وهدلعه وهخليه على نار، من حقي ما هو جوزي حلالي
من حقي ما هو جوزي حلالي ))
وفي كلماتها الأخيرة حاوطت عنقه بذراعيها، ليحاوط خصرها الرقيق وحملها بين ذراعيه يدور بها وسط تصفيق الجميع. كان راغب يشعر بمشاعر غريبة داخل قلبه. سعادة مختلطة بالألم، أحاسيس مختلفة تشبه فرحة أم بوليدها. رغم كل المعاناة والألم التي شعرت به وقت الولادة، لكنها تبتسم بسعادة كبيرة وهي تضمه لأول مرة بين ذراعيها، ناسيه تمامًا كل آلامها. هو يشعر بذلك، قلبه يتألم بين عبور أبواب مدينة حلم المهجورة إلى نعيم جنه.
جلس الجميع ليرتاحوا قليلاً بعد كل هذا الحماس من العروس، لتعود حلم تجلس جوار اختيها. اقتربت عائشة من أذنها وقالت:
– حلم حرام عليكي نفسك.
نظرت إليها حلم بابتسامة صغيرة، وربتت على يديها وقالت:
– أنا كويسة يا عائشة، متقلقيش… الجرح لازم ينفتح للمرة الأخيرة يتنضف ويتخيط علشان يخف.
فقالت تضمها عائشة بحنان أم وعيونها تتجمع بها الدموع، ولكنها لم تستطع أن تقول أي شيء.
مر بعض الوقت بين بعض الموسيقى الهادئة ورقصات مختلفة، وحانت لحظة عقد القران. كان الجميع يشاهد ما يحدث بعيون سعيدة، لكنها الآن توقع عقد الألم الأبدي مع نفسه. تقرر كيف ستكون حياتها القادمة وماذا ستفعل، وتضع الخطط، لكن جميعها خطط واهية لا معنى لها ولا قيمة.
كانت جنه تجلس جوار راغب، الذي يضع يده في يد والدها ويردد الكلمات خلف المأذون، وكان صدى كلماته يرتد داخل قلبها. نغمات موسيقى ناعمة كما يرتد داخل قلب حلم، ولكن كلسعات سوط تعذب قلبها وروحها.
حين انتهوا، وقف راغب يضم جنه التي تعلقت بعنقه بسعادة، وبين مباركات وأمنيات بالسعادة، على صوت مشغل الموسيقى وهو يقول:
– الأغنية دي إهداء من العريس للعروسة، ويا ريت أصحاب العريس وأصحابه العروسة ينضموا ليهم.
قطب راغب حاجبه باندهاش، لكن الاندهاش ذهب أدراج الرياح حين غمزت له والدته ليفهم جيدًا أنها تريد أن توصل رسالة إلى حلم. تريدها أن تتألم، تحاول أخذ ثأره، وكأن كل ما يحدث اليوم ليس كافيًا لها.
وحين وصلت كلمات الأغنية لسامع جنه، نظرت إلى راغب بابتسامة واسعة، ليضمها بين ذراعيه وحاول أن يردد كلمات الأغنية:
(( كتبوا كتابك يا نقاوة عينيا
حلي كلام بينك يا حلوة و بيني
يجيه اليوم اللي تكوني فيه حلالي
ما انا اصلي طيب و أمي دعيالي ))
لتزغرط رقيه بسعادة وهي تقترب من جنه تضمها بحب:
(( كتبوا كتابك بالقلم عالورقة
واللحظة دي ف حياتي لحظة فارقة
حافظ التاريخ بالهجري و الميلاد
يده من النهاردة يبقي عيد ميلادي
و ابتسمي . عايزك تترسمي
كتبوكي علي اسمي
بقي رسمي ))
كان يوسف يشعر بالغضب مما يحدث أمامه، ومصطفى يقف بجانبه صامت، لكن عيونه ثابتة على حلم التي تشاهد ما يحدث بصمت تام، وأخوتها يظهر على ملامحهم الغضب:
(( هي العروسة و الليلة ليلتها
سيبوها تتدلع علي راحتها
زي القمر اجمل بنات حتتها
فالزفة مش هننيم منطقتها ))
كانت جنه ترقص بسعادة كبيرة، لا تصدق أن تلك الأغنية التي حلمت أن يغنيها لها راغب من أول ما علمت بحبها له، بالفعل يقف أمامها يغنيها. رغم أنه لا يحفظ كلماتها، لكن سعادتها به وبما يقدمه لها لا توصف:
(( هالله هالله صلوا علي النبي يا جيرانها
عملت اللي ما يتعمل عشانها
هاتوا البطاقة و غيروا عنوانها
من الليلة دي بيتي بقي بيتها
و ابتسمي . عايزك تترسمي
كتبوكي علي اسمي
بقي رسمي ))
حقا لم تعد تحتمل، عيونها تحرقها بسبب تلك الدموع الحبيسة فيها، لتحاوط نوار كتفها وسارت بها خارج القاعة، لتسير خلفهم عائشة، ولحق بهم يوسف الذي لم يعد يحتمل حقًا كل ما يحدث.
وداخل سيارته كان الصمت هو سيد الموقف، حتى وصلوا إلى البيت. وقبل أن يترجلوا من السيارة، قال:
– عائشة أنا هرجع القاعة.
أومأت عائشة بنعم دون أن تقول شيء، لينظر هو إلى حلم في المرآة الأمامية وقال:
– راغب مش راجع على البيت، مسافرين دهب لمدة أسبوعين.
لم يعقب أحد على كلماته، وترجلوا من السيارة. وقفت عائشة ونوار بجانب حلم يدعمونها دون حديث، وبداخلهم قد قرروا أن يقضوا تلك الليلة معًا.
~~~~~~~~~~~~~~~
كانت رقيه تجلس في سيارة زوجها، الابتسامة تملأ وجهها. تعلم جيدًا أن مصطفى يريد أن يلومها على كل ما حدث وما قامت به، لكنها لا تهتم لكل ذلك. يكفي أنها قد حققت ما كانت تتمنى طوال حياتها في هذا اليوم. السعادة التي تشعر بها بزواج ابنها لا توصف حقًا. فهي قد رأت داخل عيونها حبًا كبيرًا لراغب ورغبة قوية في إسعاده، وهذا كل ما تتمناه. تهتم الآن لمصطفى أو لبنات أحمد أو حتى إلى غسان ويوسف، اللذان كانا ينظران لها بضيق طوال العرس.
أغمضت عيونها لعدة ثوانٍ ثم فتحتهما، تنظر إلى الخارج عبر نافذتها، وهي تدعو بقلبها أن ينعم ولدها بنعيم جنه وينسى جحيم حلم ونارها.
~~~~~~~~~~~~~~~
دلف إلى الغرفة المظلمة يشعر بالاندهاش، فلم يعد يستمع إلى ذلك الصوت المزعج. ابتسم بسعادة وبدأ يعد تلك الأموال التي بيده. بعد أن خرج من الغرفة، ذلك الرجل يبتسم بسعادة وهو يعدل ملابسه بعد تلك الحرب الصاخبة.
رواية حلم الفصل السابع عشر 17 - بقلم سارة مجدي
أوقف راغب السيارة أمام الفندق الذي سيقضون به شهر عسله.
نظر إليها تضع رأسها على كتفه نائمة بسعادة وهدوء، بعد أن ظلت تتحدث لأكثر من ساعة بعد مغادرتهم العرس.
أخذ نفسًا عميقًا وهو يتذكر كم مرة ذكرت اسم حلم، وكم وقفت بجانبها، وماذا فعلت معها، وأنها تعتبرها أختًا له.
وكلما حاول تغيير الموضوع، عاد الحديث في النهاية إلى حلم.
ليشعر هو بالاختناق وكأنه قد فقد أنفاسه، ليوقف السيارة على جانب الطريق.
لتنظر جنة حولها باندهاش وقالت باستفهام:
– أنت وقفت ليه؟ العربية فيها حاجة؟
نظر إليها وابتسم ابتسامة صغيرة يحاول مداراة ضيقه خلفها:
– تعبت بس من السواقة… كمان مش عارف أتكلم معاكي.
ثم أشار على استراحة قريبة وأكمل:
– خلينا نقف هناك أحسن، على الأقل أجيب لك حاجة تشربيها.
وحين وصل هناك، وجد أكثر من موضوع يتحدث معها فيه بعيدًا تمامًا عن حلم.
لكن حديثهم ذلك زاد من تأنيب ضميره ولومه لنفسه، خاصة مع ذلك الحب الكبير التي تظهره له بكل شكل.
أخذ نفسًا عميقًا وهو يعود ينظر إليها، تحاوط ذراعه بكلتا يديها وكأنها طفلة صغيرة تتشبث بذراع والدها مصدر أمانها الوحيد.
أغمض عينيه لثوانٍ ثم فتحهما، وهو ينظر إلى السماء التي تتلألئ بنجومها، وهمس بصوت غير مسموع:
– يارب هي ملهاش ذنب في كل إللي حصل… ساعدني مظلمهاش، شيل حلم من قلبي… أشفى قلبي من حبها.
عاد بنظره إليها وحاول تخليص ذراعه من يدها حتى يستطيع حملها على الأقل.
لكنها فتحت عيونها تنظر إليه في البداية بعدم استيعاب، ثم ابتسمت بسعادة وهي تقول:
– يعني كان حقيقة مش حلم؟!
ليقطب جبينه بحيرة، لتكمل هي بابتسامة واسعة:
– يعني فعلًا أنا وأنت اتجوزنا؟ يعني فعلًا أنت قدامي ومعايا؟!
ليضحك ثم قال ببعض المرح:
– تحبي أقرصك ولا أعضك، أو ممكن أضربك قلمين كده يمكن تصدق؟
لتضع يدها على وجنتيها وهي تقول بدلال:
– وأهون عليك يا سي راغب؟
لينفخ صدره بتصنع ويداعب شواربه الوهمية، لتضحك هي بصوت عالٍ وقالت بسعادة:
– عارف نفسي في إيه؟
نظر لها باهتمام، لتقول هي بابتسامة واسعة:
– نفسي أصرخ بصوت عالي وأقول لكل الدنيا إنك بقيت جوزي حبيبي.
صمتت لثوانٍ أمام نظراته المندهشة، ثم قالت:
– يمكن تكون مستغرب حبي ليك… والحالة إللي أنا فيها، بس أنا من أول مرة شوفتك فيها حبيتك وخبّيت حبّي جوه قلبي. كنت متوقعة إنك أنت وحلم هتتجوزوا زي إخواتكم وأنا مش مستعدة أخسر حلم عشان كده سكت ومتكلمتش. ويوم ما هي جت تبلغني إنك عايز تتقدم، كنت عايزة أقوم أرقص وأزغرط.
وليضع يديه فوق فمها يسكت سيل كلماتها وهو يقول:
– خلاص يا بايرة، مصدق إنك بتحبيني وربنا يقدرني وأكون أستاهل الحب ده كله.
كانت تنظر إلى عمق عينيه تنتظر تلك الكلمة التي تتمنى سماعها، ولكنّه لم يقلها.
أخفضت عيونها وبداخلها خجل شديد وخوف من القادم.
رفعت عيونها حين سمعت صوت بابه يفتح وهو يترجل من السيارة، لتعتدل حتى تغادر السيارة.
لكنه سبقها وفتح لها الباب، لتبتسم وهي تنزل قدميها أرضًا.
ليرفع ذراعه قليلًا لتحاوطه بذراعيها وهي تنظر إليه بحب وسعادة، تمنت نفسها بحياة سعيدة مليئة بالحب والسعادة.
وكان هو يفكر ويدعو الله أن يساعده ويمد له يد العون.
***
في ظلام غرفتها، يجلسون الثلاث أخوات جوار بعضهم على السرير، وفي المنتصف حلم على قدمها جهاز الحاسوب الخاص بها.
يشاهدان فيلمًا، وكل دقيقة وأخرى يصرخن بصوت عالٍ.
ليقف غسان ويوسف اللذان يجلسان بجوار الباب، بعد أن رفضت زوجاتهم الخروج لهم وإخبارهم أنهم سيظلون جوار أختهم الليلة.
لتتحطم أحلامهم في تجديد ذكرى يوم عرسهم ويعيشوا اللحظة كما أخيه.
ومع كل مرة يصرخون، الفتيات يحاولن معهم أن يخرجوا إليهم، لكن الفتيات يعللن رفضهن من جديد.
ليلوي فمهم بضيق، حتى قرر غسان أن يحضر لعبة الورق يلعبها مع أخيه ويضيعون الوقت.
وكانت كل من نوار وعائشة تمسك كل منها ذراع حلم القريب منها، وبعد كل مرة يصرخون فيها يضمون بعضهم ويضحكون.
كانت دموعهم تغرق وجههم، ومن يراهم ينسب ذلك لفعل ذلك الفيلم الذي جعل أوصالهم ترتعد خوفًا، ولكن كل منهن لها أسبابها الخاصة.
***
ممدد على السرير ينظر أمامه بغضب شديد.
وذلك الغضب بداخله من نفسه أكثر من أي شخص آخر.
ما حدث بينه وبين جنة منذ قليل، وكم كانت رقيقة محبة، كم تحبه وتتمنى رضاه.
زهرة رقيقة بين يديه تتمنى أن يغرزها داخل قلبه، وتتوسله بعيونها أن يحبها كما تحبه، أن يشعر بها قلبه كما هو يسكن قلبها.
أغمض عينيه وهو يتذكر وقت دخولهم إلى الجناح الخاص بهم.
وقفتها في منتصف الغرفة بخجل شديد، تنظر إليه نظرة خاطفة ثم تعود بنظرها إلى الأرض.
شعر أن عليه أن يقول شيئًا أو يفعل شيئًا، لكن لديه إحساس قوي أنه مقيد، حبيس كل ما حدث وذلك الألم الكبير.
ولكن صمته ووقفته بهذا الشكل غير لائقة.
فاقترب منها وهو يقول بابتسامة صغيرة:
– مبروك يا جنة… ربنا يقدرني وأقدر أسعدك.
لتقول هي بسعادة:
– إني بقيت مراتك دي أحلى حاجة في الدنيا ومش عايزة من الدنيا أكتر من كده.
لم يستطع أن يجيب كلماتها بأي شيء، لذلك تحرك يخلع الجاكيت ثم قال:
– غيري بقى هدومك علشان نصلي.
أومأت بنعم وتحركت سريعًا إلى الحمام، وبعد عدة دقائق خرجت وهي ترتدي إسدالها.
أبتسم وهو يراها كم هي رقيقة وبريئة، عيونها تنطق بحب كبير له، وتحيطها هالة من الطيبة والبرائة.
أشار لها أن تقترب لتقف خلفه، وبدأوا في الصلاة.
كانت أسعد لحظاتها وهي تقف خلف راغب زوجها وهو إمامها في الصلاة.
كم حلمت وتخيلت ذلك، والآن يتحقق كل ما كانت تراه حلمًا بعيدًا غير قابل للتحقيق.
تخشى على قلبها أن يتوقف من كثرة السعادة، ولكن كيف تكذب أذنها التي تستمتع بسماع لهمس صوته وهو يقرأ القرآن؟
وكيف تكذب عينيها وهي ترى قدميه أمامها حين ترفع عيونها عن الأرض، وحين سجودها؟
كيف تكذب أنفها وهي تشم رائحة عطره المميز الذي يملأ رئتيها؟
حين انتهوا من الصلاة، وحين التفت إليها ورأى نظرة عينيها، وقف سريعًا قبل أن تقول أي شيء.
قال وهو يبتعد عنها بتوتر:
– أنا جعان جدًا، تعالي نشوف عاملين لينا إيه.
كان يحاول التهرب منها، لا يعلم ماذا يفعل أو يقول، ولكن إلى متى؟
كانت نظرات عيونها العاشقة، كلماتها الرقيقة، لفاتها الخجلة التي تثير مشاعره، تجعله، وبأنانية شديدة، يشعر بسعادة بالغة.
أن هناك من هي في جمال جنة ورقتها تحبه كل هذا الحب، وأنه يستحق أن يغرم به شخص ما لتلك الدرجة.
إذاً، حلم مخطئة وهي الخاسرة.
ويعود يلوم نفسه وهو يشعر بالغضب من نفسه ومن كل ما يحدث، ولكن ذلك الصوت الداخلي الذي يشبه صوت والدته كثيرًا، مع آخر كلماتها له قبل رحيله من قاعة العرس.
أغمض عينيه وتلك الكلمات تتردد داخل عقله:
"جنة بتحبك بجنون، بتحترمك، شايفاك أغلى حاجة في الدنيا، انسى إللي ميستاهلش تفكر فيه، واشغل بالك وعينك وقلبك باللي تتمنى تراب رجليك تتكحل بيه. افرح يا راغب وعيش يا حبيبي، أنت تستاهل كل السعادة والحب إللي جوه قلب جنة ليك."
ومع تردد آخر تلك الكلمات، فتح عينيه ينظر إلى جنة يتأملها بهدوء بملامحها البريئة، خاصة مع ما يظهر أمام عينيه من جسدها، جعله يقترب منها يقبلها برفق ولين.
وبدأ يتعمق أكثر، لتفتح عيونها تنظر إليه باندهاش، ثم بدأت تتجاوب معه بشوق أكبر وحب أكبر ورغبة أكبر، ليغرق معها في لحظات عشق كبير وأنانية أكبر، ينهل من عشقها وحبها وجمالها.
***
في صباح اليوم التالي، كان الصمت، التوتر والقلق.
الكل يشعر وكأنهم على صفيح ساخن، الكل متحفز.
كان يوسف يشعر أن كل فرد من أفراد العائلة يبتسم في وجه الآخر، ولكن خلف ظهره يمسك بسكين حاد جاهز أن يطعن بها من يخالفه في الرأي.
لكنه رغم كل ذلك، لا يستطيع أن يمنع نفسه من الابتسام كلما تذكر نومه هو وغسان أمام باب غرفة حلم مثل الشحاذين بسبب غضب زوجاتهم منهم واعتراضهم اللذيذ على ما قام به أخيهم.
غابت حلم عن طاولة الطعام، ليس هربًا ولا حزنًا، ولكنها أرادت أن تتناول وجبة الإفطار مع جدها، خاصة بعد تركهم له طوال يوم أمس.
كانت رقيه تنظر إلى غسان بضيق، خاصة وهو كل دقيقة وأخرى يهمس في أذن نوار بشيء ما، فتبتسم بخجل.
ثم يعود ويقول شيئًا آخر، فتقطب جبينها.
فلم تشعر بالضيق بمفردها، فقالت بابتسامة صفراء:
– مقولتليش يا غسان أمتى بقى هتروح أنت ومراتك للدكتور، أو تخلي عائشة تكشف على نوار؟
توترت ملامح نوار، لكن غسان نظر إلى أمه بغضب مكتوم وقال ببعض البرود:
– ومين قالك إننا مرحناش؟ ومين قالك إن العيب من نوار؟
كانت رقيه تستمع إليه والغضب بداخلها يتصاعد ويزداد، ومع آخر كلماته ضربت الطاولة بيديها وهي تقول:
– احترم نفسك يا ولد وأنت بتكلمني، ولا هي مقوياك عليا؟ وعشان خاطر أختها هتقلل احترام قدامي؟
ليقف غسان بصمت شديد ينظر إلى أمه بهدوء يصل حد البرود، أمام نظرات يوسف المراقبة ومصطفى المتحفزة، ودموع نوار التي سالت فوق وجنتيها بغزارة، وعائشة التي تنتظر رد فعل غسان في محاولة لفهم كل تلك التناقضات التي تتكون منها شخصيته.
– مراتي عمرها ما قللت احترام معاكي وعمرها ما قالت أو عملت حاجة غلط… وموضوع حلم وراغب خلص خلاص وابنك اتجوز… نوار زعلانة أو فرحانة، صعبان عليها أختها أو لأ… كل ده جواها هي وبتتعامل مع الجميع باحترام… وفي المقابل لازم الكل يتعامل معاها بنفس الاحترام وغير كده مش هقبل يا أمي.
كان الغضب واضحًا بشدة على ملامح رقيه التي لم تستطع السيطرة على نفسها، خاصة وكلمات ابنها الكبير تقلل منها وتضعها أمام مرآة حقيقتها.
– طيب يا غسان، اسمع آخر كلام عندي… خلال شهرين لو مراتك مبقتش حامل هجوزك.
وتحركت تغادر طاولة الطعام، وقبل أن تضع قدمها على أول درجات السلم، وصلها صوت غسان يقول:
– وأنتِ لو فضلتِ بنفس طريقتك يا أمي، بعد شهرين أنا ومراتي هنسيب البيت.
ألتفتت تنظر إليه بغضب، ليقترب خطوة واحدة جعلت نوار تقف خلفه مباشرة، وأكمل قائلًا:
– وأنا متجوز يا أمي، وعمر ما هيكون ليا زوجة تانية غير نوار.
ولم ينتظر أن يستمع إلى أي كلمة أخرى، ألتفت إلى نوار يمسح دموعها، وقبل رأسها كنوع من الاعتذار، وليس فقط اعتذار عن كلمات والدته، ولكن اعتذار عن خطئه الكبير وذنبه الذي لم يغتفر يومًا.
زاد الشك داخل عائشة من موقف غسان وغضبها أيضًا، وكان يوسف يشعر بالحيرة.
أما مصطفى، فكان يرى أمامه نتيجة أفعاله هو ووالده وأخيه، مستسلم تمامًا لذلك الثمن الذي سيدفعه هو وأولاده.
وكانت رقيه تنظر إلى نوار بغضب شديد… ولو كانت النظرات تقتل، لسقطت نوار أرضًا فاقدة للحياة.
وظل الأمر متوقفًا لعدة لحظات، لتعود رقيه تصعد درجات السلم إلى غرفتها مباشرة، وشيطانها يلعب بعقلها ويرسم لها الكثير من الخطط المدمرة.
***
– يلا يا جدي لازم تاكل.
كانت تحاول إطعامه من أكثر من عشر دقائق وهو لا يستجيب لها.
عيونه ثابتة عليها… يحاول أن يعتذر منها بتلك النظرات التي تغلفها الدموع.
وهي كانت ترى كل ذلك وتشعر به، خاصة محاولته المستميتة في تحريك أصابع يديه.
لكنها دون إرادة منها، تجاهلت كل ذلك، وبداخلها إحساس بالبرود، وكأن من يجلس أمامها ليس بجدها، أنه شخص غريب لا تعرفه.
لم تشعر بالشفقة، فهل شعر هو يومًا بالشفقة عليها؟ فليجرب الآن.
بدأت تتحدث بما يؤلم قلبها دون أن تهتم بتلك الدموع التي تغرق وجهه مع كلماتها.
– راغب اتجوز يا جدي… راغب إللي كنت بتدافع عنه… عشان تعرف أن كل الرجالة أنانية… أنت عارف مش هقول أنه خاين… عارف ليه؟
صمتت لثوانٍ وهي تأخذ أنفاسها بغضب، وعيونها تنظر في كل الاتجاهات يظهر بها الألم وجرح عميق واضح للجميع، لكنهم تحولوا إلى صخور بقلوب حجرية لا أحد يشعر أو يرى.
ثم نظرت إليه وقالت:
– هو اتجوز… كان بيقول أنه بيحبني بس مستحملنيش… قالي هدوقك جحيم فراقي وهتعيشي بسقر عشقي… هو محبش بجد وقلبه ميعرفش معنى الحب… هو لو حبني كان ساعدني حتى لو مكناش لبعض، حتى لو أنا كنت ببعده عني، حتى لو جرحته… أنت عارف؟
أحتدت نظراتها إلى جدها والغضب يتضاعف، وأكملت:
– أنت عارف هو عمل إيه؟ هو بس اتألم لمرة واحدة في حياته، اتوجع ومقدرش يستحمل الوجع كام يوم. حب يوجعني ويزود جروحي جرح جديد… طيب… طيب هو مفكرش للحظة في وجعي أنا طول السنين إللي فاتت ولا الخوف إللي عايشة فيه عمري كله… هو أناني أوي يا جدي، أناني وضعيف وأنا بكرهه… وبكرهك وبكره ابنك إللي قتل أمي وقتلني أنا… بكرهكم كلكم كلكم.
قالت كلماتها الأخيرة بصوت عالٍ، رغم أنه لم يغادر جدران الغرفة، إلا أنها شعرت بصرختها تشقق جدران ذلك البيت الذي عاش جدها طوال عمره يحاول أن يحافظ عليه، وهو في الأساس بناء ضعيف ليس له أساس قوي.
ظلت تنظر إلى جدها الممتد أمامها بلا حول ولا قوة، وتتذكر يوم وقف أمامها بكل قوته وجبروته يخبرها أنه لن يقتص لأمها، وسوف يترك القاتل حرًا طليقًا.
كانت نظراتها الكارهة عقابًا لم يتحمله قلبه الذي يئن بألم، وهي لم تهتم، لن تشفق على أحد، فلم يشفق عليها أحد يومًا.
ولن تفكر في أحد غير نفسها وأخواتها، ستكون كما الجميع، أنانية، ومن الآن سيدفع الجميع الثمن.
رواية حلم الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سارة مجدي
تسير جواره على شاطئ البحر. تمسك يده بكلتا يديها كأنها طفلة صغيرة تمسك يد والدها حتى تطمئن من كل العالم المخيف حولها. وداخلها شعور دائم أنه البطل الخارق الذي يحميها دائمًا أبدًا، وجواره كامل الأمان.
لقد مر أسبوع على زواجهما، وتشعر أنها داخل حلم جميل لا تستطيع تصديقه. تبتسم بثقة وسعادة كبيرة، كأنها أول مرة تغادر منزلها وتكتشف العالم من حولها. وبخجل فتاة مراهقة لا أول مرة تخرج مع حبيبها، وبجرأة عاشقة تذوب عشقًا في زوجها.
وكان هو يسير بجانبها، عقله سارح في كل ما يعيش فيه من تخبط. مر أسبوع على زواجه، غارق في نعيم جنة، يكتوي بنار فراق حلم ومحاولة نسيانها. يشعر أنه خائن لجنه حين يفكر في حلم. وإذا توقف عن التفكير فيها، يشعر أنه خائن لقلبه الذي لا ينبض إلا باسمها. واقع بين حيرة الحب والغدر، وبين الخيانة والظلم، وبين قلبه وعقله وضميره. أحاسيس مختلفة تجعله معظم الوقت سارحًا بعيدًا عنها. وهي تلاحظ هذا، ولكنها تخشى أن تسأله حتى لا تصدم بالإجابة أو يجرح قلبها الذي لا ينبض إلا باسمه هو.
كانت أمواج البحر بصوتها المميز تتغلغل إلى روحها، تناديها برفق وبنغمة ساحرة جعلتها تترك يده وتقف في مواجهة البحر. تغمض عينيها باسترخاء، تستمع بصوت تلاطم الأمواج ورائحته البحر المميزة التي تريح القلب وتعد الروح. وأشعة الشمس التي تدفئ بشرتها ببعض الخجل. لتتسع ابتسامتها حين حاوط خصرها برفق وانحنى قليلًا يريح ذقنه على كتفها. وعطره المميز يتغلغل إليها يملأ حواسها بالسعادة. وهمس قائلًا:
"أكيد أنا في الجنة. معايا حورية وبحر وجمال ساحر، يبقى أنا في الجنة."
اتسعت ابتسامتها أكثر ليكمل هو كلماته:
"تعرفي نفسي في إيه؟"
هزت رأسها يمينًا ويسارًا ليكمل هو بصوت هادئ:
"نفسي أغرق أنا وأنت جوه البحر ده. نفضل نعوم والموج يغطينا والسما تشهد على حبنا."
"حبنا!؟"
قالتها ببعض الاندهاش ومازالت تغمض عينيها والابتسامة ترتسم على وجهها. ليقول هو بتأكيد:
"أكيد حبنا. مين يعيش في الجنة وما يعشقهاش كمان."
ربتات على كتفها جعلتها تفتح عينيها، خاصة وأنها لم تعد تشعر بذراعيه تحوطها. لتنظر إليه بنفس الابتسامة ونظرة الحب التي تحولت لبعض الحزن حين قال هو باندهاش:
"أنتِ واقفة كده ليه؟"
ظلت نظراتها ثابتة عليه، وقلبها يئن بألم. هل ما حدث كان مجرد حلم؟ أمنية داخل قلبها؟ تتمنى حدوثه فقط. شعر هو بتلك الدموع التي تتجمع داخل عينيها، تحول نظراتها العاشقة إلى أخرى حزينة. ليقترب منها يضمها إلى صدره بحنان وهو يقول برفق:
"عارف إني مقصر معاكي. بس أنا مش رومانسي. ومش بعرف أعمل زي ما أبطال الروايات ما بيعملوا. لكن ممكن أتعلم. والبركة فيكي بقى."
نظرت إليه بشك، ثم قرصت يدها لتئن بألم. ليقول هو باندهاش:
"ليه عملتي كده؟"
"علشان أتأكد إني مش بحلم تاني."
شعر بألم قوي داخل قلبه. وكل دقيقة وأخرى يكتشف كم هو مخطئ بحقها، وكم هو ظالم. ليقبل جبينها بقوة ثم همس أمام شفتيها:
"أوعدك من النهارده مش هيكون فيه خيالات ولا أحلام. من النهارده هتعيشي في جنتي يا جنه."
وا اقترب منها يقبلها قبلة سريعة، لكنها جعلت قلبها يقفز داخل صدرها بسعادة كبيرة. لتضمه بقوة وهي تقول بابتسامة واسعة:
"ربنا يخليك ليا يا راغب. أنا بحبك أوي أوي أوي."
ليضمها بقوة وهو يغمض عينيه، غير قادر على رد الجملة لها. هو لم يفكر يومًا قرر الزواج بها في ساعة تحدٍ وغضب أنه هو أيضًا سيدفع الثمن غاليًا.
***
بعد مرور أسبوعين مليئين بالضغط النفسي، القلق والتوتر بين الجميع. اليوم يعود راغب إلى البيت مع عروسه. ورقيه التي لا تتوقف لحظة عن استغلال المواقف حتى تؤلم حلم أو نوار. اليوم استغلت ذلك الأمر بشكل لا يوصف.
مع أول خيوط النهار بدأت في تنظيف المنزل بمساعدة بعض الفتيات وإعداد وجبات فاخرة من الطعام. كانت عائشة تتابع كل ما يحدث بتوتر شديد وهي تشعر بضغط كبير بعقلها، كأنه سينفجر من كثرة التفكير وأيضًا الخوف والترقب. كل ما يحدث حولها يجعلها في حالة نفسية غير صحية لها أو لطفلها. وذلك حقًا ما يقلقها، خاصة مع ذلك الألم الذي بدأت تشعر به أسفل معدتها. كانت تعتزل الجميع حتى تستطيع تحديد ذلك الألم وسببه، وحتى لا تقلق يوسف الذي أصبح قلقًا طوال الوقت بطبيعة الحال وأصبح شديد العصبية. فكل ما يحدث لا يستطيع تقبله من الأساس. وكم من مرة تحدث إلى والدته التي لا تتراجع عن ما تقوم به مهما قال لها. وأيضًا تحدث مع والده الذي يقف موقفًا سلبيًا تمامًا. في الحقيقة هو غير راضٍ عما تقوم به زوجته، لكنه لا يتحدث في الأمر ولا يحاول أن يوقفها. وأصبح يقضي أغلب وقته في غرفة والده وكأنه يعتذر للجميع. ولم يعد يذهب إلى عمله أيضًا. وألقى الحمل فوق كتف غسان الذي يدير عمله ويتابع عمل راغب حتى يعود. والآن يقوم بمهام والده أيضًا. وبسبب كل ذلك لم تستطع تنفيذ ما كانت تخطط له، وخاصة بسبب ألمها المستمر والضغط المستمر على الجميع.
بدأ عقلها يرتب أفكاره، وكل أمور تلك العائلة تعود إلى مكانها الطبيعي. انقلب حال البيت، وبدأت الشقوق والتصدعات تظهر لعيون الجميع. كل الأخطاء، الضعف في أساس تلك العائلة، والذي حاول بركات أن يداريها طوال تلك السنوات، تتضح للجميع. وأصبح البيت الآن آيلًا للسقوط دون شك. والخوف أن يقع فوق رؤوسهم جميعًا، خاصة إذا ظل أصحابه على تلك الحالة ولم يفكروا في الخروج من تلك الدائرة المغلقة العالقون بها والتي يدورون فيها دون توقف.
أخذت نفسًا عميقًا، وعقلها يصل بتفكيره على حال أختها الذي انقلب. إنها لا تبقى في البيت وقتًا طويلًا. لا أحد يعلم إلى أين تذهب أو ماذا تفعل. لكنها تبدو غريبة جدًا، صامتة وهادئة. لا تهتم لكل ما تقوم به زوجة عمها وكأن الأمر لا يعنيها. والأكثر غرابة أنها يوميًا كانت تتحدث إلى جنه. وإذا لم تتصل جنه بها، تتصل هي وتظل تضحك كعادتها معها.
هذا كان يثير جنون رقيه بشكل كبير، والتي أوضحت ذلك ذات يوم حين ظلت واقفة أمام حلم وهي تتحدث إلى جنه، تتابع ما تقوله. وبعد انتهائها قالت لها بصوت هادئ لكن يحمل الكثير من الغضب:
"أنتِ عايزة إيه من جنه؟ عايزة تخربي عليها صح؟"
قطبت حلم حاجبيها باندهاش وقالت ببعض الحيرة:
"هخرب عليها ليه؟ ده أنا اللي روحت أبلغها برغبة ابن عمي في جوازه منها. وأنا اللي كنت معاها في كل خطوة."
كانت رقيه تستمع إليها بحاجب مرفوع، وغضب كبير واضح داخل عيونها. وقالت بحقد شديد:
"أوعي تفكري إني هسمح لك تدمرى حياة ابني. انسى أنا موجودة يا حلم ومش هسمح بكده."
كان الجميع يتابع ما يحدث بصمت وبرود. وهذا أكثر ما يضايقها، وكانت تود التدخل لتوقف زوجة عمها عما تفعل. لكن رد حلم جعلها تبتسم وتجلس باسترخاء:
"لو أنتِ ناسيه يا مرات عمي، أنا أفكرك. أنا رفضت ابنك قدامكم كلكم وهو ركع قدامي بيترجاني أحبه. وأنا قولته لأ، يعني هو مش فارق معايا. اطمني."
وغادرت من أمامها بثبات وقوة ودون أن تنظر إلى أي منهم. صعدت إلى غرفتها.
عادت من أفكارها على صوت زوجة عمها التي تغادر المطبخ متوجهة إلى الخارج وهي تقول:
"راغب وصل."
حمدت الله أن حلم ليست هنا، رغم أنها لا تتوقع رد فعل أختها. ولكن أيضًا نوار في غرفتها. وهي ظلت مكانها فالألم يزداد وتشعر بأنها غير قادرة على الحركة. وكل ذلك بالتأكيد سوف تفسره زوجة عمها بما تريد ولن يمر مرور الكرام.
***
دلف راغب وهو يمسك يديها بقوة. عيونه تبحث عنها دون أن ينتبه له أحد. وكان كلما شعر بالقلق والتوتر ضم يد جنه أكثر. حتى صدر عنها ألم. وصلت إلى أذنه لينظر إليها باعتذار. لتبتسم له برقة كعادتها دائمًا. كان ترحيب رقيه بهم غاية في السعادة والمبالغة أيضًا. وكأنها تريد أن تثبت شيئًا معينًا أو توصل رسالة لشخص معين.
تحاملت عائشة على نفسها لتغادر الغرفة الكبيرة حتى ترحب بهم. فهي ليس لديها القدرة لخلق عداوة مع حماتها، خاصة وهي ترتب لبعض الأشياء ولا تريد لفت انتباه أحد لها.
وقفت أمامهم. وقبل أن تقول أي شيء، صرخت بصوت عالٍ. ليقف راغب سريعًا يدعمها قبل سقوطها أرضًا. حين وصل همسها له:
"وديني المستشفى بسرعة."
حملها سريعًا واتصلت رقيه بيوسف لتخبره بما حدث حتى يكون في استقبالها.
ظلت جنه واقفة في مكانها تشعر بالصدمة وأيضًا لم تستوعب ماذا عليها أن تفعل. ولم تمر دقيقتان حتى وجدت نوار تقف أمامها بوجه شاحب، تقول بقلق:
"مين اللي كان بيصرخ؟ وفين راغب ومرات عمي؟"
قصت عليها كل ما حدث لتشهق بصوت عالٍ. واتصلت سريعًا بغسان الذي أخبرها أنه قادم وينتظره عند باب البيت الخارجي.
كانت جنه تتابعها وهي تتفحص وجهها الشاحب والإرهاق الواضح عليه. جعلها تشعر بالخوف الشديد عليها. فهل من تقف أمامها هي نوار، تلك الفتاة الرقيقة المشرقة صاحبة الابتسامة الدائمة؟ ماذا حدث لها؟ ولما هي بذلك الحال؟ هل هي مريضة؟ تساؤلات كثيرة دارت في عقلها. حتى قطعت نوار كل ذلك حين قالت:
"أنا هروح لهم المستشفى. خليكي هنا علشان جدي فوق وميبقاش لوحده."
أومأت جنه بنعم دون أن تستطيع الرد. لتصعد نوار سريعًا إلى غرفتها حتى تبدل ملابسها.
كانت رقيه تقف جانب راغب الصامت تمامًا. عقله سارح في بحور الحيرة وعدم الفهم. ماذا حدث لها؟ وأين إخوتها؟ ولماذا شعر أن البيت قد خلى من جميع سكانه؟ وكأنه أصبح مهجورًا. لماذا شعر بالغربة وهو يدلف إلى البيت وكأنه قد غادره منذ سنوات، ليس فقط منذ ثلاثة أسابيع. لماذا يشعر أن قلبه يؤلمه وعقله لا يهدأ أبدًا من التفكير. والأفكار تعصف بروحه وعقله إلى بئر سحيق لا نهاية له ولا يوجد به ضوء.
وصل غسان ونوار التي لم تتحدث إلى رقيه. ولكنها سألت راغب قائلة:
"مالها عائشة يا راغب؟ يوسف معاها؟"
أومأ راغب بنعم. ثم قال:
"محدش عارف هي مالها لسه."
ابتعدت خطوتين وجلست على إحدى الكراسي. ليقترب غسان ويجلس بجانبها يمسك يديها يدعمها وقال بهمس:
"إن شاء الله هتكون بخير."
أومأت بنعم دون أن ترد. وعيونها ثابتة على باب الغرفة. مرت الكثير من الدقائق. القلق يزداد، الخوف يتصاعد. فالجميع قلق. الجميع يحلمون بذلك الطفل. أول حفيد للعائلة. ورقيه متعلقة به جدًا ولن تتنازل عنه بأي شكل. ونوار تتمنى أن تحمله بين يديها. تشتاق لهذا الإحساس أن تشم رائحته وتضمه إلى صدرها. لعلها تروي ذلك الشوق الذي يشعل نار الألم في قلبها.
حين فتح الباب وخرج الطبيب من الغرفة. وقف الجميع أمامه ينتظرون أن يطمئنهم. وهو لم يتأخر:
"دكتور، عائشة حالتها الصحية غير مستقرة خالص. ضغطها عالي وحصل إنذار بالإجهاض."
لتشهق نوار بصوت عالٍ وهي تضع يديها فوق فمها والدموع تغرق وجهها. وقالت رقيه بصدمة:
"أيوه يعني إيه؟"
قال الطبيب موضحًا:
"هي محتاجة راحة تامة وتفضل نايمة على ظهرها. وكمان محتاجة تبعد عن أي ضغط عصبي أو مشاكل. محتاجة راحة نفسية كاملة."
خيم الصمت على الجميع إلا من شهقات بكاء نوار التي تخبئ وجهها في صدر زوجها.
واستند راغب إلى الحائط خلفه وهو يفكر. مؤكد هو من ضمن الأسباب التي ترهقها وتتعبها. فهو سبب حزنها على أختها. ليغمض عينيه بإرهاق وكأنه كان بحاجة لشيء آخر يؤلم قلبه ويزيد همه وتأنيب ضميره.
غادر الطبيب بعد أن أنهى كلماته. لتجلس رقيه على الكرسي القريب منها وهي تفكر. إن بنات دلال يسرقن أحلامها. كل واحدة منهم بطريقتها. نوار لم تنجب حتى الآن ولم ترَ أولاد ابنها الكبير. وعائشة سوف تحرمها من ذلك الحفيد الذي تعلقت به. وحلم كادت أن تسرق عمر راغب لولا ما حدث. ولن تسمح لها بتدمير زواجه. عليها أن تفكر في حلول سريعة لتجعل كل الأمور كما تريد هي.
***
يمسك بيديها. ينظر إلى وجهها الشاحب وتلك الهالات السوداء حول عيونها. انحدرت تلك الدمعة الحبيسة داخل عينيه وهو يلوم نفسه. كان يرى كل ما يحدث حولها ولم يفعل شيئًا يحميها به من كل ذلك الضغط والحزن.
كيف يكون رجلًا حقًا وهو يتركها في كل ذلك الحمل بمفردها؟ رغم أنه يقتسم معها كل شيء، لكنه قادر على التحمل. هو لا يحمل داخل أحشائه طفلًا صغيرًا. كل هذا يؤثر عليه وعليها. ولكن هي أهم من كل شيء. هو لن يتحمل خسارتها ولن يقبل بذلك. وإذا استمر وضعها بهذا الشكل، لن يتردد في إجهاضها ولو للحظة. صحتها وحياتها أهم من أي شيء آخر.
دلف الجميع إلى الغرفة. واقتربت نوار سريعًا من أختها تضمها بحنان وهي تبكي بصمت. ليقول يوسف بصوت مختنق:
"هتكون كويسة. إن شاء الله هتكون بخير."
"المهم الولد يا يوسف."
قالتها رقيه بصوت قلق وغاضب. لينظر إليها يوسف بعينيه شديدة الحمرة ووجه محتقن من كثرة الخوف والغضب. وقال من بين أسنانه:
"عائشة أهم يا أمي. ولو هختار بينهم هختار عائشة. مش هضحي بمراتي أبدًا. أبدًا."
كان راغب يلاحظ ما يحدث باندهاش شديد. ما كل تلك الطاقة السلبية والغضب المكتوب. والحزن سائد بين الجميع والتحفز الواضح في تصرفات أخويه.
دلت حلم من الباب مندفعة وهي تقول لنوار بقلق شديد متجاهلة الجميع:
"عائشة مالها يا نوار؟"
أخبرتها نوار بما حدث باختصار. لتنظر إلى يوسف وتقول باستفهام وقلق واضح:
"هتبقى كويسة يا يوسف؟ مش كده؟"
نظر إليها يوسف ليهولها منظر عينيه والخوف الواضح فيها. ليسقط قلبها أسفل قدميها. لكنه أومأ بنعم وهو يقول:
"إن شاء الله هتكون بخير."
ثم نظر إلى أمه وقال بإقرار غير قابل للنقاش:
"ولو الحمل فضل خطر عليها، هتجهض. صحتها عندي بالدنيا."
تشتعل عيون رقيه بغضب. ثم غادرت الغرفة وهي تقول لراغب بأمر:
"تعال وصلني يا راغب. وكمان مينفعش تسيب مراتك لوحدها. أنت لسه عريس يا حبيبي."
لم تهتم حلم لها أو لراغب. وأظلت واقفة تضم نوار وتمسك يد عائشة. وكان غسان يقف في إحدى أركان الغرفة يتابع ما يحدث بصمت تام. يكفي ما هو فيه. وحال زوجته الذي انقلب. أصبحت كالاشباح، هادئة دائمًا. لا تتحدث. تتقبل كل ما تقوله والدته دون أن تدافع عن نفسها. الدموع دائمًا تسكن عينيها. والأكثر من ذلك هو عيونها الثابتة على الأرض. انكسارها أمامه وهذا حقًا يؤلمه. إنها ولا أول مرة منذ زواجهم تهتم أن تبدل له ملابسه وتخلع عنه حذاءه. والأمر لم يقتصر على مرة أو اثنتين، لكنه كل يوم حين يغادر صباحًا وحين يعود مساء. حتى إذا كانت غارقة في النور حين يدلف إلى الغرفة، تستيقظ من نومها تفعل ما تفعله وتعود إلى النوم من جديد. كأنها تحاول أن تجد لها سببًا أو قيمة في بقائها بجواره. حتى في علاقتهم الخاصة فقدت شغفها. يشعر بها جسد بلا روح. لقد فعل كل هذا حتى لا يخسرها. لكن من الواضح أنه قد خسرها بالفعل. وأمام هذا هو لا يهتم بأي شيء آخر.
انتبه من أفكاره على صوت حلم التي تضم نوار التي لم تتوقف عن البكاء:
"روحي أنتِ يا حبيبتي وأنا ويوسف هنا معاها وهي مش محتاجة غير دعواتك لها."
نظرت إليها نوار بخوف. لتبتسم لها حلم بتشجيع وقالت بهدوء رغم أنها خائفة وبشدة. هي ليست حمل خسارة جديدة. وقالت بهدوء:
"متقلقيش أنا ويوسف معاها. ولو حصل أي حاجة هكلمك على طول."
أومأت نوار بنعم. ليقترب غسان من يوسف ويضع يديه فوق كتفه وهو يقول:
"أنا جاهز على رنة يا يوسف. ماشية."
أومأ يوسف بنعم. ليربت غسان على كتف يوسف عدة مرات. ثم تحرك في اتجاه نوار حاوط كتفيها بذراعه وغادروا. لتقترب حلم وتقف جوار عائشة تنظر إليها بخوف. ليقول يوسف بشرود:
"تقوم بس بالسلامة وكل ده هيتغير."
لم تفهم ماذا يقصد. لكنها لم تعقب على كلماته. ظل هو يقبل يديها عدة قبلات وهو يهمس من بين قبلاته:
"هتبقي بخير. أوعدك هتكوني بخير إن شاء الله."
وكانت هي في بحر ظلاماتها بين تلك السحب الضبابية تختنق خوفًا ورعبًا. قهراً لم تتحدث به يومًا لأحد. ولكن من وقت لآخر يقترب صوته منها كسحابة وردية تخلق حولها نسمة ربيعية رقيقة. تجعلها تستطيع التنفس ولو لثوانٍ قليلة.
لكن الخوف الساكن داخل قلبها. قلقها على حلم وما تفعله دون معرفتهم. وحالة نوار ووعدها لها بأن تظل بجوارها وتجد لها حل. صحيح هي الاخت الوسطى. لكنها تشعر بعاطفة الأمومة تجاه أختيها ويتألم قلبها من أجلهما. وتشغل عقلها بحل مشاكلهم مثل أي أم تدور حياتها حول أولادها. وكان أكثر ما يتعب قلبها إحساسها بقطرات المطر التي تلمس يديها من وقت لآخر. وقلبها يخبرها أنها دموع حبيبها. وهذا ما يجعلها تشعر بالاختناق حقًا. وأيضًا تعافر من أجل فتح عيونها أو تحريك يديها حتى تمسح عنه دموعه.
***
وصل راغب ورقيه إلى البيت الكبير. وحين دلفوا إلى البيت كان مصطفى يجلس بجانب جنه يتحدثان. وحين لاحظوا وجودهم ركضت جنه إلى راغب تضمه بقوة وخوف وهي تقول:
"عائشة كويسة؟ إيه اللي حصل لها؟"
ضمها برفق وربت على كتفها عدة مرات. حين قالت رقيه بغضب وهي تجلس بجانب مصطفى:
"الهانم عايزة تخلص من حفيدي. مش كفاية إن أختها مخلفتش لحد دلوقتي. لا كمان عايزة تخسرنا الحفيد الوحيد كمان."
كان مصطفى يستمع لكلماتها بضيق شديد. ولكن راغب اقترب خطوة وقال بغضب مكتوم:
"الدكتور قال إن ضغطها عالي وإن في حاجة مضايقاها وده اللي ممكن يسبب الإجهاض."
"وإيه اللي مضايق الهانم؟ متجوزة دكتور قد الدنيا. جناحها فوق ينضرب بيه المثل من جماله وشياكته. عايزة إيه تاني الهانم علشان تحافظ على حفيدي؟ أصلًا أنا مش هسمح لها إنها تخسره."
قالت رقيه بغضب شديد. لتتراجع جنه خلف راغب بخوف. ولم يتحدث مصطفى في شيء. خاصة مع وصول تلك الرسالة له ليغادر من جوارها ببرود. اندهش له راغب. لكنه أخذ جنه وصعد إلى جناحه. وحين أغلق الباب قالت جنه بخوف:
"هو فيه إيه؟ أنا أول مرة أشوف ماما رقيه كده؟"
نظر لها راغب بحيرة. ثم قال بعد عدة ثوان:
"هي بس خايفة على عائشة والبيبي. متخافيش."
أومأت بنعم. ثم بدأت تنظر إلى جناحها وهي تبتسم بسعادة كبيرة. هذه المرة الأولى التي تراه فيه. جميع الحوائط ملونة بألوان مبهجة وبها بعض الأشكال اللطيفة المتداخلة وأثاث راقٍ ومميز. ظلت عيونها تدور في كل مكان حتى وقعت عينيها على إحدى الحوائط وقالت باندهاش:
"ده قرنفل صح؟ حلم بتحب القرنفل جدًا."
جحظت عيون راغب بقلق وخوف. وهو ينظر إلى المكان التي تنظر إليه. إنه كان يعد الجناح لينال إعجاب حلم وكان يضيف فيه كل الأشياء التي تحبها. فرسم حائط كامل به زهور القرنفل.
اقترب منها سريعًا وقال ببعض التوتر:
"أصل أنا كمان بحب القرنفل. علشان كده يعني."
نظرت إليه وقاطعته قائلة بابتسامة واسعة:
ليبتسم لها بتوتر وقلق لعدة ثوان. ثم قال:
"خلينا نغير هدومنا وننام. أنا بجد تعبان جدًا من السفر واللي حصل كمان."
"عندك حق. أنا كمان تعبانة أوي. أعصابي باظت جدًا."
تحركت لتخرج لها ملابس وهي تكمل:
"شكل نوار قلقاني عليها أوي. كمان حلم لما شفتها حسيت فيها حاجة متغيرة. بس ملحقتش أتكلم معاها. لما ترجع إن شاء الله ونطمن على عائشة هبقى أقعد معاها وأفهم إيه الحكاية."
كان يستمع إلى كلماتها وهو يفكر. أين كانت وما هذا الاختلاف الذي لاحظه عليها. لماذا يشعر أن هناك شيء غريب بها. شيء لا يفهمه ولم يعهده فيها من قبل.
تمدد على السرير وهو لا يستطيع التوقف عن التفكير فيها. حتى أنه لم يشعر بالوقت. نظر إلى جانبه ليجد جنه تنام باسترخاء وسلام وراحة. وعاد ضميره يؤنبه من جديد. ما ذنبها وبما أخطأت حتى يظلمها بتلك الطريقة. الذنب ذنبه هو فقط.
ظفر الهواء خارج صدره بضيق واستغفر الله في قلبه وعقله. وأطفأ النور وأغمض عينيه حتى ينام.
***
يئن بألم. يبكي بصمت مختنق بتلك القيود. لا يستطيع الفكاك منها. يشعر بالنار تشتعل في جسده من كثرة الألم وما يحدث فيه وهو لم يتخيله يومًا. غروره وكبرياؤه قد دُهس تحت الأقدام دون رحمة أو شفقة كما كان يفعل فيها. لم يكن يتخيل يومًا أن يكون ثمن ما قام به غاليًا إلى تلك الدرجة. وهل سينتهي ذلك العذاب يومًا أو ستنتهي حياته أولًا.
رواية حلم الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سارة مجدي
بعد مرور شهر.
كانت أحوال البيت الكبير و الذي يضم كل عائلة بركات تزداد تعقيد و تزداد صعوبة.
كانت العلاقات بين حلم و رقيه مقطوعه تماماً.
فى الأساس حلم لا تبقى فى المنزل كثيراً و لا أحد يعلم أين تذهب أو ماذا تفعل.
حين سألتها عائشة أبتسمت لها بسعادة كبيرة و قالت:
- متقلقيش عليا .. أنا زى الفل و مفيش أحلى من كده.
تشعر عائشة بالقلق حقاً.
فبقائها فى السرير طوال الوقت يجعلها بعيده تماماً عن أختيها.
و رغم خوفها على حلم إلا أن نوار هى ما تشغل عقلها بالكامل.
وجهها الشاحب و شرودها طوال الوقت و غسان الصامت بشكل غريب.
لا يقوم بأى شيء تجاهها و كأنه لا يهتم من الأساس.
هو بالأساس لا يجد وقت حتى يرتاح من ضغط العمل و أيضاً من تصرفات والدته.
لا يوجد أحد سعيد و يعيش فى عالم وردي سوى جنة فقط.
التى علمت منذ يومين أنها حامل.
الجميع كان يشعر بالاندهاش.
لكن رقيه كانت سعيدة بشكل مبالغ فيه.
و كأنها تقول القدر يقف بجانبها و ينصرها على بنات أحمد.
بركات حالته الصحيه فى تدهور مستمر لا يتحسن.
خاصة مع إنقطاع أخبار أحمد.
وخصام حلم و راغب له.
و حديث مصطفى الغاضب دائماً من تصرفات رقيه مع الفتايات.
و حاله أولاده الغير مستقرة.
خاصة مع موقفها الأخير مع عائشة و الذي بسببه أصبح يوسف حاد فى حديثه معها فى كل ما يخص عائشة.
***
كانت جنة تجلس فى حديقة المنزل الكبير.
و خاصة فى ذلك المكان الذي صممه راغب بيديه من أجل حلم.
لكنه أصبح الأن مكان جنة المميز.
و تجلس بجانبها حلم كعادتهم منذ زمن طويل و على مدار سنوات صداقتهم.
- من أكثر الحاجات إللى خلتني أوافق أتجوز إبن عمك بعيد عن أنى بحبه طبعاً هو أنى أفضل قاعدة فى المكان ده كل شوية و كل يوم.
ضحكت حلم بصوت عالي و هى تقول ببعض المرح:
- هو أنتِ يا بنتي مش ناويه تعقلي أبداً خلاص أنتِ هتبقي أم.
وضعت جنة يديها فوق معدتها و قالت بأبتسامة واسعة:
- اااااه يا حلم أنا مش قادرة أصدق أنى شايله جوايا حته من راغب.
صمتت لثواني ثم قالت بصدق:
- تعرفي لو طلعت بنت هسميها حلم.
- لأ.
قالها راغب بصوت حاد و قاطع و هو يقف أمامهم.
ثم أكمل قائلاً و هو ينظر إلى حلم بغضب و حقد:
- حلم لأ … أنا مابحبش الأحلام .. أصلها خداعة و قاسية .. بنتى هسميها جنة علشان تكون جنتى أنا و بس و علشان أكون عايش فى جنة أمها و مالك الجنة بإيدي.
كانت جنة تشعر بالاندهاش و الصدمه من موقفه و ردة فعله.
لكنها أبتسمت بسعادة و هى تقول:
- يعنى لو ربنا رزقنا ببنت هتسميها جنة يا راغب ؟!
نظر إليها و إبتسم إبتسامة صغيرة و قال:
- أيوه طبعاً علشان أبقى صاحب الجنتين.
لتقف سريعاً تضمه بحنان و هى تريح رأسها فوق صدره تستمع إلى دقات قلبه المتسارعه.
تظنها من أجلها و لكنه بسبب نظرة البرود القاتله التى شاهدها فى عيون حلم قبل أن تغادر المكان بهدوء.
لكنه لحق بها هو و جنة سريعاً حين وصل إليه صوت يوسف الغاضب بشده.
حين دلفوا من باب البيت كان يوسف يقف أمام والدته ينظر إليها بتحفز.
عيونه شديدة الحمره يضم يديه بشده حتى أبيضت مفاصله.
- أمي جوازي و حياتي أنا و عائشة خط أحمر مش مسموح لأي حد .. أى حد مهما كان أنه يدخل فيها .. ولا هقبل إنك تهيني مراتي و تتهميها بحاجات محصلتش.
- هى محتاجه تعمل أيه أكتر من كده … ما هى معصياك عليا و مخلياك تقف قدامي تزعق و تعلي صوتك على أمك .. أيه ناقص تاني.
قاطعته رقيه و هى تجيبه بعصبيه و غضب شديد.
ليقترب هو خطوة واحدة و قال بصوت هادئ لكنه قوي:
- أنتِ بتخسرينا يا أمي … إللى أنتِ بتعمليه ده مش صح .. و أنتِ مصره عليه محدش من البنات بيتحداكي أنتِ إللى عايزة الحريقة تفضل قايده فى البيت.
ثم تحرك ليغادر البيت سريعاً حين قابل راغب الذي يقف أمام باب البيت.
لينظر إليه ببعض الحقد والغضب ثم قال:
- و أنت كمان مش صح .. عايش دور الضحيه و أنت الجاني و السياف .. بكره مش بعيد يا راغب .. و خليك فاكر كلامي.
و تركه و غادر سريعاً بعد أن أهدى حلم نظرة صغيرة أومئت له بعدها بهدوء و تحركت إلى غرفتها تاركه الجميع دون إهتمام لنظراتهم الغاضبه و المصدومه.
***
كانت نوار تجلس بجانب عائشة تحاول تهدئتها.
فصوت يوسف وصل إليها و هذا جعلها تشعر بالتوتر و القلق.
فحاولت أن تخفف عنها و تشغل عقلها بشيء آخر فقالت:
- أنا عارفه إنك مش هتقدري تتحركي خالص الفترة دى .. لكن أنتِ بتفكري فى حل لموضوعي.
أبتسمت عائشة إبتسامة صغيرة و قالت بأرهاق:
- التحاليل بتاعتكم معاكي ؟
هزت نوار رأسها يميناً و يساراً ثم قالت:
- بس هما مع غسان فى العربية تقريباً.
أخذت عائشة نفس حتى تهدئ من ذلك الألم الذى تشعر به داخل قلبها و أسفل بطنها و أيضاً رأسها التي تكاد تنفجر من الألم.
ثم قالت:
- عايزاكي تجبيهم من غير غسان ما يعرف أو ياخد باله.
كانت نوار تنظر إليها ببلاهه و عدم فهم و ظهر على ملامحها القلق و التوتر.
لتقول عائشة موضحه:
- لما ينام أبقى أنزلى خديهم من العربية .. و خبيهم و لما ينزل الصبح على الشغل جبيهم ليا علشان أشوفهم ماشي.
أومئت نوار بنعم فى نفس اللحظة التى فتحت حلم باب الغرفة و هى تقول:
- أنا جيت يا بشر … مفيش ترحيب.
ليبتسما الأثنان ببعض المرح لتكمل كلماتها و هى تغمز لعائشة:
- يوسف فتح صمام أمان القنبله و أحنا حالياً مستنين الأنفجار الكبير.
لتضحك عائشة بصوت عالى و هى تحاوط معدتها بحماية و قالت ببعض المرح:
- إذاً هى الحرب.
لتضحك حلم بصوت عالي حين قالت نوار:
- الحرب قايمة من زمان بس كانت بارده .. دلوقتي النار عليت عليها شوية.
لتعلوا ضحكات الثلاث فتايات.
وقد غاب عنهم ذلك الإحساس المؤلم الذى لم يشعروا بغيره من مده طويله و سكنت قلوبهم بعض الراحة و السعادة.
***
ظلت حلم جوار عائشة حتى أقترب موعد عودة يوسف.
غادرت الغرفة بهدوء حتى لا توقظها من نومها بعد عناء طويل مع ألم رأسها.
لتجد يوسف أمامها يستند على الحائط المجاور للباب وواضح على وجهه الإرهاق و التعب و عيونه شديدة الحمره.
- مالك يا يوسف ؟ أنت كويس ؟ تعبان ؟
نظر إليها بعيون حائره.
لتشعر بقلق أكبر و خوف حقيقي.
غير منتبه لذلك الذى يقف فى آخر الرواق ينظر إليهم بحيره و هو يراهم يتحدثون و كأنهم يخططون لشيء ما.
و دون شعور منه شعر بالغيره و عدم الأرتياح.
***
فى صباح اليوم التالي كانت حلم تستعد فى غرفتها للخروج ككل يوم.
حين سمعت صوت زوجة عمها تنادى على الجميع بصوت عالى.
لينقبض قلبها بخوف و خرجت سريعاً لتجد الصوت قادم من غرفة جدها.
كان الجميع يقف فى حاله ترقب يريدون معرفه ما حدث.
حتى أن عائشة غادرت غرفتها فلم تتحمل أن تبقى بها مع هذا الصوت الذي يقبض القلب.
و حين دلف راغب و خلفه جنة كان الموقف أشبه بتجمع بعض الأرواح المتألمه حول جثه هامده.
قلوب ترتجف بخوف.
وعيون حائره تنظر إلى كل ما حولها بأندهاش و عدم فهم.
أقترب غسان خطوة واحدة من والده الذى يجلس منكس الرأس يحاوطها بكفيه و قال:
- فى أيه يا بابا ؟ أيه إللى حصل ؟
ليصدر صوت من شاشة التلفاز المعلق على الحائط المقابل لسرير بركات.
لتشهق الفتايات بصوت عالى و هن يخبئن عيونهن عما يروه.
و جحظت عيون الشباب فى صدمه من النوع غير المتوقع.
و هم يرون ما يعرض أمامهم بصدمه لم و لن يتخليها أحد.
باب الشالية الخاص بأحمد.
والصالة الواسعة.
دراجات السلم الداخلى.
ثم باب غرفة النوم الأساسية.
و حين فتح الباب كان أحمد فى منتصف السرير هو و فتاة غاية فى الجمال و الحسن يمارسان الرذيلة.
و حين شعروا بمن دخل عليهم شهقت الفتاة بصوت عالى و بان الخوف جليا على وجه أحمد الذى كان يحاول أن يواري جسده العاري من نظرات من أقتحم خلوتهم و عيونه تنطق بخوف لا أحد يستطيع وصفه.
و بعد عدة لحظات.
وجدوا أحمد مقيد بحبال قوية فى صالة الشالية لا يرتدى شئ سوى ملابسه الداخلية و عيونه تحاوطها شريطة سوداء.
ثم لقطه أخرى له و هو مقيد بسرير حديدي بلا ملابس تقريباً و رجل يقف عند نهاية السرير و الباقى فهموه جميعاً من اللقطات التى لحقت بتلك اللقطه.
وصوت أحمد الصارخ و الطالب للرحمه من خلف تلك الشاشة السوداء تماماً.
أقترب راغب سريعاً و أغلق التلفاز و نظر إلى الجميع بصدمه.
ليرى يوسف يحاوط عائشة التى تخبئ وجهها فى صدره كحال نوار مع غسان.
جنة لم تحتمل وغادرت الغرفة سريعاً.
و رقيه كانت تعطى التلفاز ظهرها و مصطفى على نفس جلسته رأسه بين كفيه.
توجهت عينيه مباشرة إلى حلم التى مازالت عينيها معلقة بشاشة التلفاز.
عيونها بها برود قاتل و حقد كبير ولكن أيضاً هناك راحة كبيرة و كأنها أخذت بثأرها منه أو أنتصرت فى حربها.
و أخيراً ظلت نظراته ثابته عليها حتى نظرت إليه بأبتسامة ساخره و تحركت لتغادر الغرفة.
حين سمعت صوت صرخات نوار المتتاليه.
لحقتها عائشة و رقيه.
و صوت عمها و هو ينادى على والده الذى لا يجيب و أصبح جثه هامده دون حراك تماماً.
رواية حلم الفصل العشرون 20 - بقلم سارة مجدي
يقف على باب غرفتها ينظر إليها وهي تكمل زينة وجهها. يتأمل مفاتن جسدها الذي يمتلكه ويتصرف فيه كيفما يشاء. فعدنان لا يحب إلا أن يمتلك.
كانت عيناها تنظر إليه عبر المرآة وهي تتذكر كل ما حدث حين دخل عليهما في الشاليه. الموقف كان حقًا أصعب من التخيل. صحيح هي معتادة على ذلك، لكن أحمد كان بعيدًا تمامًا عن عدنان، ليس من زبائنه المعروفين. كيف عرف به؟
هي وأحمد كما ولدتهما أمهما، ويقف أمامهما عدنان واثنان من رجاله. للعجب، هو لم يتكلم، وذلك جعلها ترتجف من الخوف. إذًا القادم أصعب من التخيل.
أشار لأحد رجاله وبدأ في التصوير. أحمد يحاول أن يخفي وجهه عن الكاميرا، لكن لا أحد منهم يعطيه فرصة. حاولت هي أن تقلب الموضوع لصالحهم، حاولت إقناع عدنان أنها كانت تحاول أخذ الكثير من المال من أحمد، كما عودها عدنان أن تأخذ كل ما تستطيع أخذه من زبائنها. وأنها لا تستطيع الابتعاد عنه، وأن كل ما حدث كان مجرد لعبة.
لكن رده كان صفعة واحدة أسقطتها أرضًا. بعد ذلك، لا تتذكر ما حدث، ولم تعرف شيئًا عن أحمد إلا بعدها بأسبوع. هي تعلم أنه موجود في الكباريه، لكن لا تستطيع الوصول إليه مهما حاولت.
دلف عدنان إلى غرفتها وقال وهو يجلس براحة فوق الأريكة، ولوح لها بشريط فيديو:
"السهرة النهاردة مختلفة... جهزي القعدة."
وبالفعل قامت بكل ما أمرها به، من وضع زجاجة الخمر المفضلة لديه وبعض التسالي والأشياء الأخرى. وارتدت ملابس تكشف أكثر مما تستر، وجلست جواره.
وبدأ عرض الفيلم. لتشهق بصدمة وهي ترى أحمد في ذلك الوضع المخل مع رجل آخر من رجال عدنان. صوت صرخات أحمد وتوسلاته كانت تجعل جسدها ينتفض بقوة. لم تعد تحتمل. ظلت تتوسل عدنان أن يغلق الفيديو، ولكنّه ظل يتأملها بسعادة.
لعدة دقائق، ثم أغلقه وخيم الصمت عليهم إلا من شهقات بكائها. اقترب من أذنها وقال بصوت كفحيح الأفعى:
"ده جزائه علشان كان فاكر نفسه يقدر يخدع عدنان وياخد مني اللي أنا مش عايز أديهوله."
ثم لف خصلات شعرها على يديه وجذبها إلى الخلف بقوة حتى تصبح عيناها في عينيه وقال:
"أما أنتِ بقا يا حلوة... فده آخر انظار ليكي."
وأخرج من جيب بنطاله زجاجة صغيرة وأكمل:
"الجمال الحلو ده نشوهه ونقرا عليه الفاتحة."
كانت تبكي بخوف وصدمة. رغم معرفتها بجبروت عدنان، كونه قواد على مستوى عالي ويتعامل مع شخصيات كبيرة وذات سلطة، لكنها أبدًا لم تتخيل أن يصل انتقامه إلى ذلك الحد.
عادت من أفكارها على يديه التي تحاوط خصرها، مرافقة مع كلماته:
"زبون النهاردة ده A كلاس يعني تخلي بالك ومش عايز شكرى، مفهوم؟"
وأومأت بنعم. وسؤال بداخلها لا تستطيع نطقه، لكنها حقًا قلقة وتريد أن تعرف مصيره. وكأنه شعر بها، أو أراد أن يخيفها أكثر، فقال وهو عند الباب:
"متفكريش فيه... هو خلاص بقا طوع ومش هينجيه من اللي هو فيه غير الموت... ده لو أنا سمحت إنه يموت."
وضحك بصوت عالٍ وهو يغلق الباب خلفه. لتقول من بين دموعها:
"شيطان... شيطان ربنا ياخدك."
***
مرت أيام العزاء ثقيلة على الجميع، بين صدمة موت بركات بتلك الطريقة، وما وصلهم من أخبار أحمد الصادمة، وقرار مصطفى بعد موت والده أن العزاء سوف يكون على روح والده، وأحمد من اليوم سوف يعتبره ميتًا. يكفي ما طالهم من فضائح بسببه.
كانت كل من نوار وعائشة غير قادرتين على الاستيعاب والتصديق، أو حتى تخيل أن ما حدث وشاهدوه بأعينهم حقيقة وواقع. شاهده الجميع أيضًا، متقبلين قرار عمهم. فهم بالأساس يعتبرون أنفسهم أيتام الأب والأم.
وكل من الشباب الثلاث في حالة صدمة لا تختلف كثيرًا عن صدمة الفتيات. أن انتقام الله أكبر وأعظم حقًا. ولكن ذلك الانتقام سوف يطولهم أيضًا. كيف يرفعون رؤوسهم أمام الناس الآن؟ إذا عرف هذا الأمر سوف ينتهون جميعًا وبلا رجعة. لذلك رحبوا أيضًا بقرار والدهم.
ولكن ما يشغل بالهم حقًا هو من أرسل ذلك الفيديو وماذا يريد وما الهدف؟ لم يتصل أحد، ولا يعلمون مصير عمهم، ولا ماذا سيحدث في المستقبل.
كانت جنة تشعر بالصدمة وينتابها شعور عدم التصديق. أن المظاهر حقًا تخدع. أنها كانت ترى دائمًا عائلة حلم عائلة متكاملة قوية وكبيرة. عائلة حلمت بها كثيرًا وحلمت أن تكون جزءًا منها. لكن الصورة الخارجية تختلف تمامًا عما بداخلها. وهالة العائلة الكبيرة والعريقة والمتماسكة خلفها تفكك ومشاكل لا حصر لها. وأيضًا فضائح استطاعوا أن يخبئوها لسنوات دون أن يكتشفها أحد.
لكن لماذا تندهش؟ فحلم طوال حياتها تتجنب الحديث عن عائلتها، وهي حقًا لا تعلم عنهم سوى الصورة الخارجية فقط.
***
كانت نوار تفكر ما هو مصيرها الآن مع غسان. لقد أصبحت لا تصلح له بكل المقاييس. أنها لا تنجب، وفضيحة والدها مع اتهام حماتها لها. أنها لم يعد لها فرصة مع غسان، وعليها الابتعاد عنه قبل أن يبتعد هو. والدته لن تتركه يبقى معها. ولماذا يبقى معها؟ لما يظل مع عاقر بائسة ولديها والد كوالدها.
كانت حلم عكس أختها تمامًا. أنها هادئة، مستريحة. تنظر إلى كل ما يدور حولها وكأنها تشاهد فيلمًا تعلم نهايته. تشعر بالسعادة وأيضًا الانتصار. لا تبالي لنظرات زوجة عمها الشامتة، ولا لخواء عيون عمها، ولا بالتفكير الواضح على ملامح غسان، أو حتى النفور على وجه يوسف، ولا ذلك السؤال العالق في عيون جنة، وحتى تلك الحيرة في عيون راغب. لا تهتم بها. أن القدر قرر أن ينتقم لهم ولوالدتها بطريقته الخاصة، وهي راضية عنها تمامًا.
تعلم أيضًا أن صمام الأمان الذي كان يوقف انفجار زوجة عمها قد نُزع. وهي في انتظار اندلاع تلك النار التي سوف تأتي بالأخضر واليابس. ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تعد في عقلها تنازليًا: 10، 9، 8، 7...
وعند عائشة، هي لم تشغل عقلها بالتفكير في حماتها، أو ما هو موقف يوسف. ولكن ما شغل عقلها حقًا، أخوتها. ومحاولتها لفهم سبب ما حدث لوالدها أحمد بركات. الرجل البارد الذي لا يهتم لأحد. كيف وصل به الحال أن يحدث فيه ما حدث. تعلم جيدًا أن الجزاء من جنس العمل، ومن استهان بأعراض الناس وشرفهم لابد له من دفع الثمن وبنفس الطريقة. بداخلها إحساس بالسعادة يجعلها تشعر بالتوازن النفسي، وأيضًا حزن قوي. فهم أيضًا يدفعون الثمن ويشعرون بالخجل والعار.
هي أيضًا تعلم جيدًا أن النهاية قد أوشكت، وأن الصمت لم يعد خيارًا. وأن البركان الخامد لسنوات، والذي بدأ منذ مدة قليلة يلقي ببعض حممه عليهم، وصل به الأمر إلى نهايته. وانفجاره وشيك.
وتوجهت إلى غرفتها. هي حقًا لم تعد تحتمل تلك السيدات المعزيات، ولا ذلك اللون الأسود البغيض، ولا تلك الكلمات الكاذبة التي تقال لهم أو يردون بها. تريد أن تطلع على التحاليل الخاصة بنوار وتكتشف الحقيقة التي تستشعرها منذ زمن.
***
لم يمر الكثير من الوقت على رحيل آخر المعزين، لتقول رقيه بحقد دفين:
"الحقيقة اتكشفت... والفضايح بانت وكل واحد دلوقتي عارف مقامه كويس. والبيت ده مينفعش يفضل فيه أمثال أحمد وأشباهه."
انتبه الجميع إليها والجميع في حالة ترقب وقلق. إلا حلم التي تبتسم بهدوء. لتكمل رقيه كلماتها السامة:
"أنا ميشرفنيش إن مراتات ولادي يكون ليهم أب زي ده، حتى لو كان أخو جوزي."
نظرت إلى حلم بتشفٍ وأكملت:
"والحمد لله إن راغب ما وقعش. وقعه إخواته نفد بجلده."
وقف يوسف أمام والدته بعينيه شديدة الحمرة من الإرهاق والضغط النفسي وأيضًا الغضب، وقال مستفهمًا:
"تقصدي إيه يا ماما؟ وعايزة توصلي لإيه بكلامك ده؟"
"أقصد إنك أنت وغسان لازم تطلقوا عائشة ونوار. أنا ميشرفنيش إن دول يكونوا مرتات ولادي ولا أمهات أحفادي."
قالت رقيه بإقرار وبشكل مباشر دون مراوغة. ثم نظرت إلى نوار وأكملت بسخرية:
"ده لو قدروا يعني يجيبوا أحفاد."
اقترب يوسف خطوة واحدة في نفس اللحظة التي وقف فيها غسان بتحفز وقلق، ليقول يوسف مستفهمًا:
"بأي حق بتطلبي مننا نطلق مرتاتنا؟"
"أنا مش بطلب يا يوسف... أنا بأمر."
أجابته رقيه بغرور وإصرار، وأكملت قائلة:
"وبحق إني أم."
قالها مصطفى بصمت تام، ينظر إلى ما يحدث بعيون خاوية. هو لم يتخطى صدمة أخيه، ولحقتها صدمة موت والده. والآن يرى عائلته تتفكك. رغم قراره القوي في حق أحمد، إلا أن ما يراه الآن صدمه.
اقتربت جنة من راغب تحاوط ذراعه بذراعيها بخوف. وكان هو ينظر إلى والدته باندهاش. يعلم أنها حزينة على غسان من أجل عدم إنجابه حتى الآن، وغاضبة من حلم وكل ما حدث له منها. لكن ما سبب تحاملها على عائشة؟ وأيضًا كل ما حدث لا يعني أن تخرب بيت أخوته أو أن تفكر في طلاقهم. من أين لوالدته كل هذا الكم من الغضب والكره؟
ظلت حلم جالسة جوار نوار تضمها إلى صدرها بحنان، خاصة وهي تبكي بصمت وقهر. هي لم تشعر بالضيق أو حتى لم تفكر في أن تقف لترد على كلمات زوجة عمها. هذه المعركة تخص غسان ويوسف، وإذا لم يدافع كل منهم عن حقه وكرامة زوجته، فالأفضل هو الانفصال حقًا.
"أنا قلت كلمتي، واللي مش هينفذها لا هو ابني ولا أعرفه، وهغضب عليه ليوم الدين."
ظل الموقف متجمدًا لعدة ثوان. يوسف لا يستطيع تفسير جبروت والدته، وصمت والده. وغسان يشعر أن الأمور ستخرج عن السيطرة. لتكمل هي كلماتها:
"ومن النهارده بنات أحمد ملهمش مكان في البيت ده. هياخدوا ورثهم ويمشوا من البيت."
"فعلاً أحنا لازم نمشي من البيت لأنه كله كذب وخداع وظلم."
قالت عائشة كلماتها وهي تقف أعلى السلم تنظر إلى زوجة عمها وحماتها بتحدٍ وقوة. تقابله نظرات قوية مغرورة من رقيه.
بدأت عائشة نزول الدرج بهدوء وعيناها ثابتة على رقيه. حين اقترب منها يوسف عند نهاية الدرج وقال بغضب مكتوم:
"إنتِ بتقولي إيه يا عائشة؟"
نظرت إليه بابتسامة صغيرة وقالت بثقة:
"النهاردة يوم انكشاف الحقيقة، أو تكملة انكشاف الحقيقة."
شعر أن هناك شيئًا ما خلف كلماتها، لكنه سوف يدعمها مهما حدث. فهو يثق فيها وفي رجاحة عقلها. ليظل صامتًا. لتتحرك من أمامه ووقفت أمام رقيه وقالت:
"أنا مش عارفة إنتِ بأي حق واقفة تأمري وتتآمرى فينا كلنا."
قطبت رقيه حاجبيها بضيق ونظرت إلى يوسف وقالت بغضب:
"إنت هتسكت لها على قلة أدبها؟"
"أنا مش قليلة الأدب. أنا صاحبة حق وصاحب الحق مش قليل الأدب. وبما إنك مستقوية علينا كلنا، خلينا نجيب الحكاية من الأول بقا، ولا إيه رأيكم؟"
قاطعتها عائشة قائلة بقوة وثبات، ونظرت إلى الجميع بتحدٍ. حين رفعت حلم عينها إلى أختها بابتسامة صغيرة واثقة. حين أكملت عائشة كلماتها بنفس القوة والثبات:
"تحبي نبدأ منين يا مرات عمي؟ تحبي نبدأ من وقت قصة حبك أنتِ وبابا قبل جوازك من عمي؟ واللي لما اكتشفتي إنه مفيش أي حاجة من أملاك جدي تحت إيده، حولتي العطا على عمي مصطفى وبدأتِ تشاغليه لحد ما حبك واتجوزك."
شهقة مصدومة خرجت من نوار وجنة، ونظرات غير مصدقة مصدومة من مصطفى. لكنها ليست نظرات اكتشاف الحقيقة، بل هي نظرات: "لقد فضح الأمر." ونظرات حادة من حلم التي بدأت تتذكر كلمات والدتها التي سجلتها في مذكراتها والتي خبأتها في مكان بعيد عن الجميع، خاصة أحمد ورقيه التي لم تكن تترك مكان في البيت إلا ولها لمسة فيه حتى تعلم ما يحدث من خلفها. والتي وجدتها بالصدفة البحتة وهي تبحث في أوراق والدتها التي ألقيت في غرفة صغيرة ببدروم البيت بعد وفاتها. حقيقة هي لا تعلم كيف حصلت عليها عائشة، لكن هذا رفع عن كاهلها الكثير، خاصة وأن الحقيقة سوف تظهر إلى الجميع وتعود الحقوق إلى أصحابها وسوف يرد حق المظلوم. وغضب مكتوم من رقيه وحقد يملأ عيونها وصدمة من الباقي دون ردة فعل واضحة.
"ولا تحبي نبدأ من أول ما قررتي تجوزي أمي، صحبتك اللي كنتِ بتغيري منها وبتكرهيها علشان أجمل منك، لأبويا اللي أخلاقه فاسدة، وأقنعتيها إنه هيتهدي بعد الجواز."
تراجعت رقيه خطوة إلى الخلف بصدمة وحاولت أن تتحدث، لكن حلم قاطعتها وهي تكمل كلمات أختها:
"ولا تحبي نبدأ من أول ما كنتِ بتشجعي أمي إنها تخرج كل يوم ورا أبويا، علشان تقفشه وهو بيخونها وتنجرح وتتعذب بكل اللي بيحصل، وتشوفي دموعها وحسرتها وزهرة شبابها اللي بتدبل كل يوم، وتعيشي أسعد لحظات حياتك لما يرجع هو يكمل عليها ضرب وهو بيفكرها إنه عمره ما حبها وإنه أنتِ حب حياته وكل الستات الدنيا في عينيه."
كانت الصدمة واضحة على الجميع. صدمة من العيار الثقيل تشبه صدمتهم حين شاهدوا الفيديو الخاص بأحمد. كانت نوار تشعر أنها داخل كابوس كبير. أن العائلة التي كانت تتباهى بها أمام الجميع، الأم التي ضمتهم واحتوتهم طوال سنوات عمرهم، ما هي إلا أكبر عدو لهم. هي سبب عذابهم وألمهم طوال حياتهم. وغسان كان ينظر إلى الجميع وكأنه لأول مرة يراهم. جنة أخذت جانبًا بعيدًا وجلست وهي تحاوط معدتها بخوف وعقلها يدور في دوائر الحيرة والتفكير وهي تسأل نفسها: ما هذه العائلة التي دخلتها؟
أما راغب، فكان يلوم نفسه على عدم قدرته على استيعاب كل ذلك من قبل. كيف لم يستطع أن يرى الأمر بشكله الصحيح؟ ولكن أيضًا عقله يفكر كيف استطاعت والدته أن تخدعهم طوال تلك السنوات إذا كان هذا الحديث حقيقياً.
تكمل عائشة كلمات أختها:
"ولا نبدأ من وقت ما كنتِ بتلعبي في عقل جدي علشان يفضل ساكت عن اللي أبويا بيعمله، وما يدخلش ولا على كلامك مع كل واحد فينا من غير الباقي ما يعرف إننا نتجاهل حالة حلم علشان تحس إنها طبيعية، ومحدش فينا يفكر يخليها تروح للدكتور النفسي."
اقترب يوسف من وقفة عائشة ينظر إلى والدته بصدمة وزهول. لتكمل عائشة كلماتها:
"ولا، وما اكتفيتيش بكده، إنتِ كمان مش سايبة نوار في حالها. إهانة وذل، وكل ده وإنتِ مش عارفة العيب من مين فيهم."
ثم نظرت إلى غسان وقالت بابتسامة مستنكرة:
"مش كده يا غسان؟"
انتفض غسان واقفًا وهو ينظر إليها بتوتر. لتتسع ابتسامتها الشامتة، ثم عادت بنظرها إلى رقيه وقالت:
"بس ربنا بقا حب يكسرك زي ما كسرتي أمي... ويذلك زي ما ذلتي أختي... ويقهرك زي ما قهرتي حلم وأنتِ بتشمتي فيها يوم فرح راغب وجنة."
رفعت التقارير أمام عيونها وأكملت قائلة:
"وسبحان الله يطلع العيب من ابنك... ابنك اللي عمره ما هيخلف ابنك هو المعيوب مش اختي."
لتتصلب عيون رقيه بصدمة، وعاد غسان يجلس مكانه بتهالك. حين وقفت نوار بعد أن شهقت بصوت عالٍ واقتربت من عائشة وقالت بعد تصديق:
"إيه اللي بتقوليه ده يا عائشة؟ إنتِ متأكدة؟ بس... بس غسان قال..."
"غسان قالك إن العيب منك أنتِ، لكن الحقيقة بقا إنه هو اللي عنده العقم... هو اللي مش هيقدر يخلف... العيب منه هو يا نوار مش منك."
قاطعتها عائشة قائلة بقوة وبصوت عالٍ وهي تنظر إلى غسان الذي ينظر إلى نوار بتوسل. ومع آخر كلمات عائشة، اقترب منها وقال:
"أنا... أنا... أنا... أنا آسف يا نوار، بس... بس... بس أنا كنت خايف... خايف تسبيني وتبعدي عني. أنا بحبك يا نوار ومقدرش أتخيل حياتي من غيرك."
مد يده حتى يمسك يديها لتبعدها سريعًا عنه وهي تقول بقهر:
"قهرتني ودبحتني وعيشتني في عذاب. استحمل إهانات أمك ونظرات الشفقة من الجميع علشان خوفت أبعد عنك. ذلتني وكسرتني علشان بتحبني."
قالت كلماتها الأخيرة بصوت عالٍ رغم اختناقه بالدموع التي تغرق وجهها:
"حب إيه ده؟ ده مش حب، دي أنانية. ده مش حب يا غسان، ده مرض."
اقتربت منه خطوة تنظر إلى عينيه اللتين تبكيان الآن بندم وأسف، وأكملت قائلة:
"مصعبتش عليك وأنت بتدبحني؟ كل يوم وأنا عيني في الأرض قدام كلام مرات عمي اللي كان بيطعني في قلبي. مكنتش بتصعب عليك وأنا بعيط كل يوم؟ وأنا شايفة نفسي ناقصة ومستاهلة أكون معاك وأحرمك من إنك تكون أب؟"
خيم الصمت على الجميع. فالجميع أصبح مدانًا. الحقيقة كشفت كل المساوئ والأسرار المخفية منذ سنوات.
وكأن رقيه لم تكتفِ بعد من كل تلك الإدانات التي ألقتها عائشة في وجهها، لتقول بكل حقد وغل:
"إنتوا كدابين... ابني سليم. محدش فيكم أحسن من ولادي. لا أمكم... ولا نوار اللي الكل بيضرب بيها المثل في الأدب، ولا الدكتورة اللي على ما تفرج... ولا حتى المجنونة حلم."
"بس حلم مش مجنونة يا ماما."
قال يوسف بثبات وقوة. حين ابتسمت حلم ابتسامة صغيرة واثقة وساخرة. ليكمل يوسف كلماته رغم نظرات رقيه التي تشتعل بنار الغضب والحقد:
"حلم أعقل واحدة فينا. حلم عارفة مشكلتها. شايفة كل الحقيقة. هي الوحيدة اللي قدرت تشيل أول طوبة من أساس البيت الواهي اللي كلنا كنا بنداره وراه، واللي كلنا كنا فاكرين إنه كيان كبير وهو في الأساس ولا حاجة."
ثم نظر إلى راغب وقال بإقرار:
"حلم بتروح لدكتور نفسي من تاني يوم جواز راغب. وأنا الوحيد اللي عارف الموضوع."
ابتسمت عائشة بسعادة وهي تنظر إلى أختها بفخر. كانت جنة تتابع ما يحدث بصدمة وكل الرسائل الخفية من بين كلمات الجميع تصل إليها واضحة تمامًا، خاصة مع نظرات راغب السعيدة حين قال يوسف أن حلم تذهب إلى طبيب نفسي. وبدأت الذكريات تعود لها في نظراته الغاضبة لحلم وعدائه في الحديث معها، خاصة حين فكرت في أن تسمي ابنتها حلم. غضبه غير المفهوم الواضح داخل عينيه، والتي تجاهلته هي، كما تجاهلت الكثير من تصرفاته السابقة بسذاجة. كلمات حماتها التي كانت تحمل الكثير من المعاني التي لم تتفهمها في وقتها، لكن الآن... كل الأمور وضحت وفهمت زوجها يحب حلم. وتزوجها فقط لأنها صديقتها. أنه لا يراها ولم يشعر بها يومًا، ولم ولن يحبها.
أكمل يوسف كلماته:
"أنا هاخد مراتي وحلم وهنمشي من البيت ده."
"وأنا جاية معاكم."
قالتها نوار وهي تنظر إلى غسان بغضب، ثم أكملت:
"بعد ما تطلقني."
"لا لا لا لا لا. اعملي فيا أي حاجة... إلا إنك تسيبيني. عقبيني بأي طريقة لكن ما تبعديش عني يا نوار. لا لا أبوس إيدك متسبنيش."
قال كلماته وهو يجلس على ركبتيه أمامها يقبل يديها بين كل كلمة وأخرى. لتسحب يدها منه بقوة، ونظرت إلى الجهة الأخرى. ليمسك قدميها وهو يقول بتوسل:
"أبوس رجلك يا نوار متسبنيش."
لتقترب رقيه منه تجذبه لكي يقف على قدميه وهي تقول بغضب:
"تبوس رجل مين؟ إنت اتهبلت؟ طلقها وأنا هجوزك ست ستين."
نظر إليها غسان بعيون مليئة بالدموع، وقال وكأنه لم يستمع لكلماتها:
"قولي لها متسبنيش... خليها تسامحني. أنا عملت كده علشان بحبها... قولي لها متسبنيش."
لترفع رقيه يديها تمسكه من ملابسه وتهزه بقوة وهي تقول:
"متعملش كده. تغور في داهية... إنت راجل متعملش كده."
جلس أرضًا يبكي كالأطفال وهو يقول:
"أنا آسف... أنا بحبك. أنا آسف. أنا آسف."
لم تهتم نوار له، ولم يأثر بها حديثه. اقترب يوسف من عائشة وقال:
"خلينا نمشي من هنا."
"لا."
قالها مصطفى بصوت قوي وواضح أمام نظرات راغب الصامت بصدمة، وجنة التي تبكي بصمت، ورقيه التي تنظر إلى الجميع وكأنها ملكة الأرض ومن عليها، رغم أنها الخاسرة الآن، إلا أنها لا تستوعب أو غرورها يمنعها من التصديق.
لينظر له الجميع دون توقع واضح. لكن ظل الصمت سيد الموقف لعدة لحظات، حتى اقترب من رقيه وقال:
"إنتِ اللي هتخرجي بره... إنتِ اللي ملكيش مكان بينا."
ضحكت رقيه بصوت عالٍ وغرور، ثم نظرت إلى عمق عينيه وأمسكت مقدمة ملابسه وقالت:
"إنت متقدرش تمشيني. إنت متقدرش تعيش من غيري. متقدرش تبعد عني. إنت بتموت في التراب اللي بمشي عليه."
ليمسك يديها ويبعدها عن ملابسه، ودفعها إلى الخلف بقوة حتى كادت أن تسقط أرضًا، وقال:
"هو إنتِ فاكرة إني معرفش كل اللي قالوه ده؟ لا، أنا عارفه من فترة. أنا لقيت مذكرات دلال اللي إنتِ كنتِ مخبياها في هدومك بالصدفة. وبعد ما عرفت الحقيقة كاملة، خبأتها في المكان اللي لقيتها فيها حلم... علشان الحقيقة تتكشف للجميع. لو معتمدة على حبك القديم في قلبي تبقي غلطانة. لو لسه مفكراني مصطفى القديم اللي بيريل قدام جمالك تبقي غلطانة."
اقترب منها خطوة واحدة فقط وأكمل قائلًا:
"غرقتيني في بحر عينيكي وقدرتي تلفي حواليا زي الحية لحد ما دمرتيني ودمرتي عيلتي. لكن لو فاكرة إن ليكي لسه تأثير عليا تبقي غلطانة."
صمت لثوان يستمتع بنظراتها المصدومة التي تتحرك بسرعة وتوتر. ابتسم بشماتة واقترب منها وقال:
"إنتِ طالق يا رقيه... طالق... طالق."
وفي خلال لحظات الصدمة التي احتلت الجميع، معاد غسان الذي يجلس في أحد الأركان، عيونه ثابتة على نوار التي لا تهتم لوجوده ولا نظراته التي تعيد إليها القليل من كرامتها المهدورة والتي استباحها هو باسم الحب. إذا فليجرب ذلك الإحساس ويرى ما كانت تراه.
التفت مصطفى ينظر إلى الجميع وقال:
"البيت ده بيت بركات. واللي هيفضل فيه هما ولاد بركات وأحفاده. الخاين ملوش مكان بينا. والغدار واللي كاره الخير لينا ملوش مكان بينا."
ثم نظر إلى حلم وقال بإقرار:
"وجود راغب في البيت ده قرارك يا حلم. لأنك الأولى منه إنك تفضلي في البيت ده. زي ما قرار وجود غسان في إيد نوار."
اقتربت حلم من رقيه وقالت بابتسامة شامته:
"حق أمي رجع لما عمي رماكي دلوقتي زي ما أبويا رما أمي زمان. وحق أختي رجع وابنك راكع تحت رجلها يتوسل حبها ورضاها وأنها تفضل معاها."
اقترب راغب وضم أمه إلى صدره وهو يقول:
"مش هسمح لك تهيني أمي."
نظرت إليه حلم وقالت:
"تقدري تاخدها وتمشي من هنا. البيت ده مبقاش بيتي."
"يلا يا أمي."
نظر إليها بتحدٍ وقال:
"يلا يا أمي."
ثم نظر إلى جنة وقال بأمر:
"يلا يا جنة."
نظرت إليه جنة وقالت:
"أنا فعلاً هطلع ألم الهدوم، بس هدومي وعايزة ورقة طلاقي توصلني على بيت أبويا."
قطب جبينه بحيرة وقال بغضب:
"طلاق إيه؟ إيه اللي إنتِ بتقوليه ده؟ إنتِ اتهبلتي؟"
ابتسمت بسخرية وهي تقول:
"معتقدش إن قلبك هيوجعك لما أطلقني. ولا هتركع قدامي تتحايل عليا علشان أفضل معاك. أنا مش فارقة معاك أصلًا يا راغب. ولا هفرق أصلًا."
ثم نظرت إلى حلم التي تنظر إليها باعتذار ورجاء وقالت:
"اديني فرصة أرتب أوراقي وأفكاري. أنا مش عارفة أشوف مين صاحب حق ومين مظلوم ومين ظالم. أنا مش شايفة دلوقتي غير إني أنا اللي مظلومة وسطكم وانضحك عليا."
وقبل أن تتحرك خطوة واحدة، دوت صرخة عالية ولحقتها صوت سقوط ودماء كثيرة. ليشعر الجميع بالصدمة، وتحولت النظرات إلى خوف وإحساس جديد بالخسارة.