تحميل رواية «حلم» PDF
بقلم سارة مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وصلت تلك القافلة التي تتبع أحد دور الرعاية بالمشردين، حيث أرسل أحد أهالي تلك البلدة رسالة يبلغهم عن سيدة في أواخر الأربعينات وقص عليهم قصتها. فهي متواجدة في بلدتهم من ثلاث أسابيع لا يعلمون عنها شيئًا أو من هي، وأيضًا هي لا تؤذي أحد، لكنها أيضًا ترفض أي مساعدة. وهناك أيضًا من عرض عليها غرفة صغيرة لتعيش بها، لكنها رفضت بشدة. لا تتناول الطعام الذي يحضره لها أهل البلدة، تتعفف عنه إلا من قطعة خبز صغيرة تأكلها، والدموع تملأ وجهها. بالفعل لم تتأخر تلك الدار وحضر اليوم إليها ثلاث رجال وفتاة وسيارة مجهزة...
رواية حلم الفصل الأول 1 - بقلم سارة مجدي
وصلت تلك القافلة التي تتبع أحد دور الرعاية بالمشردين، حيث أرسل أحد أهالي تلك البلدة رسالة يبلغهم عن سيدة في أواخر الأربعينات وقص عليهم قصتها.
فهي متواجدة في بلدتهم من ثلاث أسابيع لا يعلمون عنها شيئًا أو من هي، وأيضًا هي لا تؤذي أحد، لكنها أيضًا ترفض أي مساعدة. وهناك أيضًا من عرض عليها غرفة صغيرة لتعيش بها، لكنها رفضت بشدة.
لا تتناول الطعام الذي يحضره لها أهل البلدة، تتعفف عنه إلا من قطعة خبز صغيرة تأكلها، والدموع تملأ وجهها.
بالفعل لم تتأخر تلك الدار وحضر اليوم إليها ثلاث رجال وفتاة وسيارة مجهزة صحيًا.
جلس أحد الشباب أمام السيدة التي تمتلك عيون خضراء بشكل مميز وواضح، خاصة مع اتساخ وجهها واختفاء جمال ملامحها خلف تلك العلامات السوداء وخطوط الزمن، وقال بابتسامة:
– إزيك يا أمي؟ أنا محسن من دار (...) لرعاية كبار السن.
ظلت تنظر إليه بصمت، لم تتحدث ببنت شفة. ليكمل هو بابتسامته المريحة والبشوشة:
– نتشرف أن حضرتك تنضمي لأسرتنا الصغيرة.
أيضًا لم تقل شيئًا، تنظر إليه بنفس الابتسامة. ليمد يديه لها وأكمل:
– يلا بينا؟!
نظرت تلك المرة ليديه لتجد حول معصمه خاتم خطبة، فقالت:
– بتحبها؟
قطب جبينه بحيرة. لتضع إصبعها تشير إلى المحبس وكررت سؤالها:
– بتحبها؟
أومأ بنعم مع ابتسامة واسعة، وقال بصدق:
– أوى أوى... هي كل عمري.
أومأت بنعم ثم قالت بشرود حزين وبه من الألم الكثير:
– الحب ضمان لحاجات كتير... مفهمتش ده إلا متأخر... إلا لما كل حاجة ضاعت وراحت... لما خسرت الشخص الوحيد اللي بيحبني وخسرت صاحبة عمري وخسرت حياتي كلها.
قطب محسن حاجبيه بعدم فهم وشعر وكأنها تهذي، لكنه قال بهدوء:
– تعالي يلا معانا وهناك هسمع قصتك كاملة.
أعادت يديها على قدميها كما كانت تجلس، وقالت بأمر طفولي:
– لأ تسمع قصتي الأول.
ليجلس أرضًا أمامها، وجلست باقي القافلة التي حضرت معه أيضًا، وبدأت هي في قص كل ما حدث معها.
~~~~~
آه يا زين… آه يا زين… آه يا زين العابدين.
يا وارد يا وارد مفتح بين البساتين.
كانت تتمايل بدلال وأنوثة طاغية تخطف أنظار كل من بالمكان، خاصة مع تلك "البدلة" التي تظهر الكثير من جسدها بسخاء كبير. كانت عيونه التي تتابع جسدها بشوق، وعيون تلمع ولهفة للقائهم المرتقب. بعد تلك الوصلة من الرقص التي أشعلت جسده بنار الحب والشوق واللهفة والرغبة.
وكانت هي ترسل إليه نظراتها كسهام تعلم جيدًا أين تصيب وكيف تجرح دون نقطة دماء واحدة، تجعله دائم التعلق ولا يستطيع الابتعاد عنها، يلاحق خطواتها وتتعلق روحه بجرس خلخالها.
**************************
في بيت كبير عريق، لعائلة من أكبر عائلات تلك المدينة العريقة، كان الجد الكبير بركات والذي وصل عمره الآن إلى الثمانين، إلا أنه مازال صاحب الكلمة العليا في عائلته، لكن بحب واحترام واحتواء. لا يوجد لديه أغلى من عائلته وأولاده وأحفاده. لم يكن أبدًا ذلك الأب متسلط الرأي، أو الذي يريد أن يأمر والباقي يطيع دون أن يقتنع أو يكون راضي.
يجلس على رأس طاولة الطعام، دائمًا يكون أول الجالسين عليها وأيضًا أول المغادرين. كانت رقية زوجة مصطفى الابن الأكبر لهذه العائلة، والتي أصبحت سيدة البيت بعد وفاة حماتها ووالدة زوجها.
أيضًا هي أصبحت أم لبنات أخو زوجها بعد وفاة والدتهم منذ أكثر من عشر سنوات.
خرجت من المطبخ وهي تقول بابتسامة واسعة:
– صباح الخير يا عمي… حالًا والفطار هيكون جاهز.
أومأ بركات بنعم وقال بهدوء وهو يستند بيديه على عصاته الأبنوس:
– أحمد هيفطر معانا ولا زي كل يوم؟
أهتزت حدقتيها وقالت ببعض التوتر، فهي لا تستطيع أن تخفي شيئًا على والد زوجها:
– أحمد لسه مرجعش… مانمش في البيت امبارح.
أغمضت عيونها وارتسمت التقزز على ملامحها حين استمعت إلى ذلك الحديث صدفة، ولكن ما الجديد؟ هذا هو والدها، من تسبب في موت والدتها، أناني لا يفكر إلا بنفسه، لا يريد سوى رغباته وشهواته أهم عنده من بيته وزوجته وبناته. بناته الذي لا يكره شيئًا في الحياة كما يكرههم، من كان يعاير والدتهم بهم وبعدم قدرتها على إنجاب صبي كما فعلت زوجة أخيه، ناسياً أن المرأة ما هي إلا أرض صالحة تزرع بها بذرتك، وعلى حسب ما تزرعه تنبت.
تأخذت نفس عميق تحاول تجاهل ذلك الألم الذي يجثم فق صدرها، واقتربت من جدها تقبل يديه باحترام وجلست في مكانها تنتظر قدوم الباقي، وأولهم عمها مصطفى، أكثر الأشخاص التي تستمتع كثيرًا بحديثه ودفء مشاعره كأب يحترم أولاده وقراراتهم، وأيضًا يعطيهم المساحة الكافية ليخوض كل منهم تجربته كما يريد، وأيضًا يدعمها هو وشقيقتيها دائمًا.
انتبهت من أفكارها على صوت رقية وهي تقول:
– قومي يا حلم صحي أهل الكهف اللي فوق دول مش هنفضل مستنيينهم كتير.
– أنا جيت أه.
قالها مصطفى وهو ينحني يقبل رأس والده ويديه وجلس في مكانه وأكمل:
– آسف على التأخير يا رقة… عديها المراضي.
ابتسم بركات دون أن يعقب، واعتدلت حلم تنظر أمامها بخجل، خاصة وإن عمها حين يقول لرقية "رقة" تتلون وجنتيها بخجل وتبدأ في انتقاد أي شيء يقوله أو يفعله، وهو فقط يبتسم لها ويقول:
– حاضر.
ثواني قليلة وحضر غسان ونوار التي تبدو على عيونها البكاء، لتقطب حلم حاجبيها بضيق. هي تعلم حساسية نوار ودموعها القريبة التي تنهمر على أقل الأشياء، ولكن هل ضايقها غسان؟ كيف وهو يعشقها حقًا والجميع يعلم ذلك؟ إذاً تلك الدموع بسبب ذلك الموضوع الذي ينغص عليها حياتها.
ابتسمت نوار في وجه أختها حتى تطمئن ذلك السؤال الواضح في عيونها، وأنهى غسان حيرة حلم حين قال بعد أن حيا والده وجده وجلس جوار زوجته:
– حلم من فضلك تنزلي النهارده مع نوار علشان تجيب فستان حلو، علشان أنا النهارده عازمها على العشا وعايزها تكون مميزة كالعادة.
ابتسمت حلم وهي تومئ بنعم. حين نظرت إليه نوار بعيون حزينة ليمسك يدها المستريحة فوق طاولة الطعام ويربت عليها عدة ربتات وعيونه تخبرها بكم يعشقها.
في تلك اللحظة اقترب يوسف الذي يمسك بيد عائشة الأخت الوسطى والقريبة بشكل كبير من حلم، تتفهمها، تستوعب مخاوفها ودائمًا تدعمها، ولكن أيضًا أكثرهم مواجهة لها بحقيقة الأمور.
يوسف طبيب القلب الصغير لكنه متفوق في عمله، وأثبت ذلك أكثر من مرة، حين أقام عمليات قلب لكثير من أطفال البلدة، بمبالغ مخفضة وأحيانًا دون أن يدفعوا أي شيء.
المرح صاحب الابتسامة المستمرة والذي لا يتوقف عن مشاغبة الجميع ويترك بداخلهم دائمًا أثر طيب لوجوده في حياتهم. خاصة مع عشقه لعائشة التي تشبهه في المرح لكن بشكل أقل وهادئ.
جلسوا بعد أن حيوا الجميع وجلست رقية جوار زوجها وهي ترسل إليه من وقت لآخر نظرات تحذيريه من تكرار منادتها برقة مرة أخرى، ولكنها نظرت إلى غسان وقالت باستفهام:
– راغب فين يا غسان؟
رفع غسان عيونه ينظر إلى والدته، وقبل أن يجيبها دلف راغب من باب المنزل يدعم عمه أحمد في وقفته المترنحة ليقف الجميع سريعًا ينظروا إلى ذلك المشهد الذي يتكرر كثيرًا كل يوم وآخر يحضر أحمد إلى البيت وهو يترنح، أو يذهب أحد الشباب ليحضروه من إحدى الحانات.
ساعد غسان أخيه في إسناده والذهاب به إلى غرفته. كانت حلم تنظر لكل ما يحدث بعيون غاضبة مشتعلة، وأيضًا بكره شديد، كره يزداد تجاه والدها يوميًا ولا يقل.
لم تعد تحتمل، غادرت طاولة الطعام تحت أنظار الجميع الذين يتفهمون موقفها ويشفقون عليها، ولكن ليس بيدهم شيء، فقد عجز بركات ومصطفى على تقويم سلوكياته وجعله يتصرف بشكل سليم، ويراعي سمعته وسمعة عائلته وبناته، لكن لا حياة لمن تنادي وكأنه لا يسمع أو يرى أو يفهم من الأساس.
**************************
يوم ذهبت مع والدتها في ذلك اليوم إلى ذلك المكان الغريب، ورأت والدها يجلس جوار سيدة جميلة شابة صغيرة، ولم يكن يرتدي شيئًا سوا ملابسه الداخلية، يتحسس جسد تلك السيدة بشكل يثير الغثيان، ويسمعها كلمات معسولة ويتغزل بمفاتنها وجسدها.
جلست أرضًا تستند بظهرها على حائط الحمام وهي تتذكر ما حدث.
حين عادوا إلى البيت ووالدها يسحب والدتها من خصلات شعرها، وهي تمسك بيد ابنتها بقوة تحاول حمايتها من أن تطالها يد والدها. وحين وصلوا إلى البيت وكأنه لا يرى ابنته، إنهال على والدتها بالضرب دون رحمة.
وكانت حلم الفتاة الصغيرة صاحبة الثلاثة عشر عامًا لا تستطيع فعل أي شيء تساعد به والدتها، فنزوت في إحدى أركان الغرفة تبكي بصمت، وهي ترى كل تلك الصفعات والركلات التي تلقتها والدتها بكل غضب وعنف من والدها وبدون رحمة.
وحين انتهى منها قال بتقزز: "أنتِ مفكرة نفسك ست، أنتِ هنا علشان خاطر البنات يا أم البنات، وبس، لكن أنا هجيب الولد يعني هجيب الولد، يا أرض بور نبتها عار ومرار".
وغادر الغرفة وأغلق الباب خلفه بعنف كبير. كانت والدتها ممددة أرضًا وجهها ينزف بشدة وتأن بألم. اقتربت منها حلم تتمدد جوارها وتحاوطها بذراعها الصغيرة وتبكي بدون صوت.
لتغفو على هذا الوضع، واستيقظت على صوت صرخات وبكاء وكلمة نحرت قلبها وروحها: "ماتت والدتها بيد والدها".
رواية حلم الفصل الثاني 2 - بقلم سارة مجدي
طرقات على باب الحمام وصوت شقيقتيها الذين يريدون الأطمئنان عليها يصل إليها.
هم يعلمون حالتها جيداً ويعلمون ما تمر به الآن.
وتلك الذكرى تعود إليها في كل مرة يحدث مواجهة مع والدها أو يحدث ما يذكرها بتلك الليلة، كما حدث اليوم.
جميعهم كانوا يشعرون بالصدمة حين استيقظوا على ذلك المشهد.
دلال ممددة أرضاً تنزف من أكثر من مكان وتحوطها حلم مغمضة العينين.
كادت قلوبهم تتوقف من الخوف من أن تكون حلم أيضاً تعرضت للضرب من والدها، فمؤكد هي لن تتحمل ذلك.
ولكن حين فتحت عيونها تنفسوا الصعداء أنها بخير.
لكن حين حضر الطبيب وأبلغهم بوفاة دلال، كانت الصدمة التي خلقت جرح كبير لا يندمل أو يُشفى.
وكانت حلم هي أكثر المتضررين من ذلك.
وعلى أثر ما حدث، ظلت حلم لمدة عام كامل لا تستطيع الحركة أو الكلام.
لم تستطع أن تقف على قدميها أو تفتح الباب.
لذلك قاموا بالدخول إليها.
القلق والخوف واضح في عيونهم يصل حد الرعب.
وأقتربوا منها سريعاً يساعدها في الوقوف وخرجا بها إلى غرفتها.
وضعوها بالسرير وجلست كل منهم في جهة يحتضنوها بحنان.
وكعادتها أغمضت عينيها حتى توهمهم بأنها قد غفت وتستطيع كل منهم الذهاب وتركها بمفردها.
هذا ما تحتاجه حقاً.
كان هو يقف خلف بابها ينتظر خروج شقيقتيها حتى يطمئن.
قلبه يؤلمه على كل ما تمر به.
لكنه يتمنى أن تعطيه الفرصة فقط لكي يدعمها ويرمم ما هدمه والدها بداخلها.
ولكنها لا تسمح له بالأقتراب أو اختراق ذلك الحاجز الذي حاوطت نفسها به منذ ذلك اليوم.
وقفت نوار وعائشة أمامه واستمروا هكذا لعدة ثواني ورحلوا.
وذلك كان كافياً بالنسبة له ليعلم كم حالتها سيئة.
حين أغلقت أختيها الباب فتحت عيونها تنظر إلى صورة والدتها الموضوعة على الكومود بجانب السرير وسالت تلك الدمعة الحبيسة.
وهي تتذكر ما حدث بعد اكتشاف موت والدتها.
وكيف وقف جدها أمام والده ليصفعه عدة صفعات ثم أمسكه من ملابسه وهو يصرخ في وجهه قائلاً:
"قتلت مراتك، بقيت مجرم، خلاص مبقاش في حاجة تقف قصادك، بقيت مجرم ويتيم بناتك."
يجيبه أحمد بأي شيء لكن نظراته كانت باردة كالجليد.
تشعرك أن ذلك الواقف أمامك إنسان نزع قلبه من مكانه ووضع بدلاً منه حجر كبير لا يشعر.
وربما الوصف ظالم حقاً، فأحياناً الحجر يتشقق وينفجر ليخرج منه الماء وأحياناً النبات.
وكان مصطفى يقف بجانب والده صامت ينظر إلى أخيه بغضب وتقزز.
يود لو يصفعه على وجهه حتى يعود إلى عقله الذي فقده مع الراقصات.
نظر بركات إلى مصطفى وقال بأمر:
"خده على الأوضة اللي في الجنينة ومش عايز أشوفه ولا ألمح طيف خياله طول الأسبوع ده."
أومئ مصطفى بنعم دون أن يستوعب رغبة والده أو الهدف منها.
وأمسك بذراع أخيه يجذبه خلفه لينفذ ما أمره به والده.
ثم نظر بركات إلى رقية وقال:
"روحي ابعتي مرزوق يجيب المغسلة على ما مصطفى يعمل تصريح الدفن."
أومئت بنعم سريعاً والدموع تغرق عينيها.
كانت تشعر من داخلها بغضب.
هي أكثر من تعلم ما كانت دلال تعانيه مع أحمد وما رأت من ظلم.
وكم من مرة حاولت قتل نفسها لولا خوفها من الله وخوفها على البنات.
وكان غسان ويوسف وراغب يقفون جوار إحدى الحوائط بصمت.
فالموقف لا يحتمل كلام، وأيضاً الصدمة جعلتهم جميعاً غير قادرين على الحديث.
وكانت الثلاث فتيات يجلسون في منتصف السرير يضمون حلم بحماية رغم أن أجسادهم تنتفض بخوف والدموع تغرق وجوههم.
وكانت حلم تنظر إلى الأمام بصدمة، عيونها مفتوحة على اتساعها.
هيبتها وهيئة أخواتها ينفطر لها القلوب.
نظر إليهم بركات وبين عينيه نظرة أسف وحزن وقلبه يؤلمه حقاً عليهم.
لكن اسم العائلة وسمعتها على المحك الآن وعليه أن يحافظ عليها.
وبعد ذلك سيكون هو وأفراد العائلة يحملون مسؤولية علاج كل ما حدث وكل ما تركه أحمد من أثر سلبي عليهم.
أقترب من مكان جلوسهم وجلس أمامهم ينظر أرضاً يحاول أن يجد ما يقوله لهم.
وظل الصمت سيد الموقف لعدة ثواني حتى قال بألم:
"أنا عارف انتوا حاسين بإيه أو أقدر أتخيل الوجع والحزن اللي جوه قلوبكم. وأنا عارف أن أبوكم ذنبه كبير ومالوش عذر ولا شفاعة للي كان بيعمله واللي حصل النهارده محدش يقدر يتخيله. صدمنا كلنا. بس..."
صمت يحاول تجميع كلماته أو ما يريد قوله حتى يستطيع لملمة الأمر.
"اللي أبوكم عمله ده عار وفضيحة وكارثة محدش كان متوقعها ولا يتخيلها. وأنا عايزكم تعرفوا حاجة. أنا مش هعمل كده عشان هو ابني لأ والله. لكن ده عشاننا كلنا. انتوا بنات سمعتكم وسمعة العيلة وسمعة ولاد عمكم. وعارف أن اللي هعمله صعب عليكم ووالله صعب عليا كمان لكن مفيش قدامنا حل تاني. من النهارده انتوا مسؤولية رقية. وأحمد من النهارده ملوش علاقة بيكم من قريب أو بعيد. بس اوعدوني أن اللي حصل يفضل سر. سر العيلة اللي مينفعش يطلع براها ولا حد يعرف عنه في يوم."
كانت الفتيات لا يستطعن الحديث.
صدمة موت والدتهم بيد والدهم وصدمة كلمات جدهم وإحساسهم بالعجز عن أخذ حق والدتهم وترك المذنب دون عقاب من أجل اسم العائلة.
وظل ذلك الصمت يخيم عليهم جميعاً وأولهم رقية طوال فترة العزاء والتي استمرت لمدة أسبوع كامل.
وقيل أن أحمد كان مسافر ولم يستطع الحضور إلا في آخر يوم من أيام العزاء مجهد ومتعب وبملابس رثة.
كما أراد بركات أن يظهره أمام الناس حتى يستطيع إثبات ما قاله وإخفاء كل الأمر وإبعاد أي شبهة عن أحمد.
عادت من أفكارها حين شهقت بصوت عالٍ لتكتشف أنها كانت تكتم أنفاسها وهي تتذكر ما كان ولم ينمحي يوماً من عقلها وعيونها.
أحاطت ساقيها بذراعيها وهي تتذكر أن جدها قد نفذ وعده ولم يسمح لوالدها بالتدخل في حياتها أو حياة أختيها حتى في أمر زواجهم.
لم يكن أكثر من وكيلهم أمام الناس من أجل سمعة العائلة وسمعتهم أيضاً.
لكن يكفي ذلك الألم التي تشعر به كلما شاهدت والدها أمامها وصورة والدتها وهي مسطحة أرضاً تحت أقدام والدها مدرجة في دمائها دون قدرة على الحركة.
جلس راغب على أقرب كرسي يشعر بألم حاد في قلبه وحالة من العجز.
لا يعلم ماذا عليه أن يفعل أو كيف يساعد من ملكت قلبه.
لم يعد يحتمل كل ذلك الخوف الذي يشعر به كلما مروا بموقف كهذا والذي يتكرر يومياً دون توقف.
توجه راغب إلى غرفته يشعر بالثقل فوق قلبه.
أنه يعشقها يتمنى قربها يحلم بها ليل نهار.
هي حلمه الذي يشتاق إلى تحقيقه لكنها دائماً صعبة المنال.
وقف أمام النافذة الكبيرة التي تحتل إحدى حوائط غرفته وتطل على الحديقة الخلفية للبيت الكبير كما غرفة حلم.
وذلك يجعله يشعر ببعض الراحة أنه يشاركها ولو في رؤية ذلك المشهد يومياً.
أخذ عدة أنفاس متلاحقة وعاد بذاكرته إلى أربع سنوات مضت.
حين قابلها صدفة وهي عائدة مع صديقتها جنة يضحكون دون أن ينتبهوا لذلك الشخص الذي يسير خلفهم ينظر إليهم بطريقة فهمها راغب جيداً وجعلت الدماء تفور في عروقه.
ليقترب منهم ووقف أمامهم لتنظر إليه حلم بغضب وتقول من بين أسنانها:
"إيه ده في إيه يا راغب؟ أنت مراقبني ولا إيه؟"
نظر إليها بعيون غاضبة جعلتها تتراجع إلى الخلف خطوة واحدة والتصقت بصديقتها التي كانت ترتعش خوفاً خاصة حين قال:
"على البيت على طول."
ليركضا سريعاً لينظر هو إلى ذلك القذر الذي ظل يتراجع إلى الخلف وكاد أن يركض إلا أن راغب أمسك به من ملابسه وحرك رقبته يميناً ويساراً ليصدر ذلك الصوت لتتمدد عظام رقبته.
ليقع ذلك الشاب أرضاً على ركبتيه وأمسك بساق راغب وهو يقول:
"والنبي يا عم أنا معملتش حاجة؟"
كان راغب ينظر إليه بشر وأسنانه تصدر صوت عالٍ بسبب اصتكاكهم ببعض والنار تشتعل داخل قلبه.
ليقول الشاب من جديد والدماء قد هربت منه:
"هتاكلني يا عم ولا إيه؟ والنبي ما عملت حاجة."
ليرفعه راغب من ملابسه وضربة لكمة قوية في وجهه ليرتد إلى الخلف ثم عاد إليه من أثر قوة الضربة ليضربه مرة أخرى وأخرى وأخرى حتى ملئت الدماء وجهه.
ليترك ملابسه ليسقط أرضاً فاقداً للوعي.
لينفض راغب يديه ورحل بعد أن ركله في معدته بقوة.
حين وصل إلى البيت كانت حلم تجلس في الحديقة الخلفية تكاد تشتعل من كثرة الغضب تقطع الحديقة ذهاباً وإياباً.
وقف أمامها فجأة لتقول هي بصوت عالٍ:
"ممكن أفهم إيه اللي حصل؟"
"كان في حيوان ماشي وراكم وأنتِ والهام التانية ولا أنتِ ولا هي واخدين بالكم منه."
صمتت تنظر إليه بزهول وصدمة.
ليكمل هو كلماته بغضب ومن بين أسنانه بعد أن رفع قبضة يديه في الهواء.
"وبعد كده صوتك ميعلاش عليا أنتِ فاهمة؟"
نظرت إلى يديه بزهول ثم تحركت من أمامه وأبتعدت عدة خطوات ثم نظرت إليه وقالت:
"أنت ملكش دعوه بيا أصلا. ومتمشيش ورايا يا راغب. وأنا حرة أعمل اللي أنا عايزاه."
تحرك خطوة واحدة لتركض هي إلى داخل المنزل ليضحك وهو يحرك رأسه يميناً ويساراً بمعنى لا فائدة.
عاد من أفكاره ليبتسم إلى تلك الذكرى التي تعتبر من أكثر الذكريات سعادة.
فذكرياته مع حلم قليلة ونادرة.
أخذ نفس عميق وأخرجه بهدوء ثم توجه إلى كيس الملاكمه وبدأ في إخراج كل ما بداخله من غضب وخوف وقلق.
هوايته التي يفضلها وتساعده أيضاً على التفكير بوضوح.
بعد أكثر من نصف ساعة توقف وهو يلهث بشدة.
ولكن كان على وجهه ابتسامة واسعة.
لقد وجد الفكرة التي تخرجها مما هي فيه.
غادر غرفته وتوجه إلى الأسفل ليجد والدته تجلس على الأريكة الكبيرة التي تتوسط بهو البيت الكبير بهيئتها المميزة جلباب أسود مزين ببعض الخطوط العربية وبجانبها نوار التي تمسك أحد الكتب التي تفضلها تقرأ فيه بتمعن.
ومؤكد عائشة ذهبت إلى عملها.
هو اليوم لم يستطع الذهاب لعمله.
لا يستطيع ترك حلم في هذه الحالة والخروج.
جلس جوار والدته التي نظرت إليه بطرف عينيها وقالت:
"مش كنت روحت شوفت اللي وراك يا راغب؟"
نظر إلى أمه ببعض الخجل وقال:
"يا أمي مفيش حاجة مهمة وبعدين الكل خرج وراح شغله. لو حصل حاجة لحلم مين يلحقها."
كانت نوار تتابع ما يحدث دون أن ترفع عيونها عن كتابها وأبتسمت ابتسامة صغيرة لم يلحظها أحد.
أكملت رقية كلماتها وهي تقول بحنان:
"الله يكون في عونها اللي شافتوه من وهي صغيرة مش شوية."
ثم نظرت إلى نوار وقالت:
"قومي يا بنتي شوفي السواق خليه يوصلك عشان تجيبي الفستان اللي هتخرجي بيه مع جوزك النهارده."
"غسان أجلها يا ماما عشان خاطر حلم."
أومئت رقية بنعم وهي تتنهد بتثاقل وقالت ببعض الشرود:
"كلنا بندفع تمن طيش وعدم مسؤولية أحمد. الله يرحمك يا دلال كنتي شايلة كتير عن بناتك."
أنحدرت تلك الدمعة الحبيسة في عيون نوار التي قالت:
"كلنا مجروحين وموجوعين وهو ولا شايف ولا حاسس."
كان راغب من داخله يغلي غضباً مما يقوم به عمه من يوم وعى على تلك الحياة وهو يرى أفعاله المشينة وأثرها الواضح على العائلة رغم محاولات جده ووالده المستميتة لتغطية تلك الأفعال حتى لا تطول العائلة سمعة سيئة.
كان ممدداً على السرير غير واعٍ لما فعل أو يفعل.
ولن يختلف الأمر أكثر أن كان يعني هو في الأساس لا يهتم لأحد.
غارقاً في النوم بسبب ما تعاطاه من مشروبات مسكرة وأشياء أخرى مخدرة.
إن ذراعي حسن بمفردهما كافيان أن يجعلاه يسكن الجنة دون مجهود منه.
بين ذراعيها يجد الراحة التي لم يجدها يوماً مع دلال أو في بيت عائلته.
لا أحد يفهمه ولا أحد يرى ما يريد لذلك هو أيضاً لا يرى سوا نفسه وفقط ولن يتوقف عن ما يفعله أبداً.
حتى إذا اضطر أن يقتل والده وبناته وأخيه الذي سرق حلمه قديماً.
رواية حلم الفصل الثالث 3 - بقلم سارة مجدي
خيم الصمت على الجميع لعدة ثوانٍ.
وقف راغب ونظر إلى والدته وقال:
- أنا هخرج بس أجيب حاجة وأرجع على طول.
أومأت بنعم ليتحرك سريعاً لينفذ ما فكر فيه، عله يخرجها من تلك الحالة سريعاً. رغم يقينه بصعوبة ذلك، لكنها تبقى محاولة من أجلها، وإن لم تنجح سيجد غيرها، فعقله الذي لا يفكر إلا بها سوف يبتكر الكثير من الأفكار.
بعد أن غادر راغب، وقفت نوار هي الأخرى وقالت:
- هطلع أطمن عليها وأتصل بجنة تيجي تقعد معاها شوية، يمكن حالتها تتحسن.
وقفت رقيه وهي تقول ببعض الحزن:
- ربنا يروق بالها ويصلح الحال. وأنا هروح أشوف الغدا.
توجهت كل منهم لتقوم بما قالت.
في هذا الوقت، كان راغب يبحث عن كل أنواع الشوكولاتة بعد أن أحضر زهور القرنفل التي تعشقها ولفهم جميعاً بشكل مميز. انتهى وتوجه مباشرة إلى البيت وظل ينظر ويتلفت حوله. لا يريد أن يراه أحد، تكفي نظراتهم له منها المشفق ومنها اللائم ومنها من يخبره كم هو مسكين. وأيضاً هو لا يريد أن تعلم هي أنه هو من أحضر لها تلك الأشياء، يكفي أن تشعر هي ببعض الشك أنه هو، ذلك يكفيه وفقط.
وضع الأغراض أمام غرفتها وطرق الباب عدة طرقات، وابتعَد سريعًا حين استمع لصوت خطوات على السلم. دلف إلى غرفته سريعًا، لكنه ظل يراقب الوضع من خلف بابه. ليجد جنة تقترب من باب غرفة حلم. وقفت تنظر إلى تلك الأغراض الموجودة أمام باب غرفة حلم، ثم انحنت تحملهم وطَرقت الباب عدة طرقات. وحين لم تجد إجابة، فتحت الباب ودلفت.
أغلق باب غرفته وتوجه إلى كيس الملاكمة من جديد وبدأ في ضربه، ولكن هذه المرة بابتسامة واسعة، فهو يعلم الآن أن حلم سوف تبتسم وتعود إلى طبيعتها.
***
ظلت واقفة عند الباب تنظر إليها ممددة على السرير في وضعية الجنين. اقتربت من السرير ووضعت الأغراض على طرفه أسفل قدمي حلم. واقتربت منها وجلست بجانبها تداعب خصلات شعرها. رغم كونهم أصدقاء منذ كانوا أطفال، إلا أنها لا تعلم الكثير عن حياتها. حلم قليلة الكلام، لا تتحدث عن عائلتها أو عن ما تشعر به، أو سبب تلك الحالة التي تحدث لها من وقت لآخر.
ظلت تداعب خصلات شعرها السوداء وهي تقول بابتسامتها التي ترتسم دائمًا على وجهها ولا تغيب إلا نادرًا:
- أنا عارفة إنك صاحية يا حلم.
فتحت حلم عيونها لتظهر غابات الزيتون التي تسكن عينيها، ونظرت إلى صديقتها الوحيدة التي تبتسم ببشاشة. واعتدلت جالسة دون أن تقول أي شيء. لتقترب منها جنة تقبل وجنتها وهي تقول ببعض المرح:
- بحب خدودك المقلبظة دي، رغم إنك رفيعة وشبه خلة السنان، لكن عندك خدود تتاكل أكل.
ابتسمت حلم ابتسامة صغيرة. لتكمل جنة من جديد وبنفس المرح:
- قولي يا بنتي طريقة عمل الخدود المقلبظة. عيب عليكِ، إحنا أصحاب.
لم تتمالك حلم نفسها وبدأت تضحك بصوت عالٍ، لدرجة أن صوت ضحكاتها وصل لذلك الذي يقف في النافذة يحاول أن يطمئن عليها. وحين سمع ضحكاتها ابتسم بسعادة، وقفز في مكانه يمسك ذلك العمود الحديدي وبدأ يرتفع ويهبط حتى برزت عضلات ذراعيه. وحين انتهى، توجه إلى سريره وتمدد عليه براحة وهو يتنفس الصعداء، وأغمض عينيه براحة وقلب مطمئن.
***
ظلت جنة تتحدث مع حلم وتحاول إخراجها من تلك الحالة حتى يطمئن أخواتها وعائلتها بأكملها. رغم عدم معرفتها بذلك السر الكبير الذي يجعل صديقتها في تلك الحالة، إلا أنها ليست فضولية ولا تدخل فيما لا يعنيها. ورغم ذلك، قد أخبرت حلم أكثر من مرة أنها مستعدة أن تستمع إليها وكأنها تتحدث مع نفسها.
توقفت حلم عن الضحك حين وقعت عيونها على تلك الحقيبة وبجوارها ورود القرنفل. لتنظر إلى جنة باندهاش وقالت:
- أنتِ اللي جايبه الحاجات دي؟
نظرت جنة إلى ما تشير إليه حلم وقالت بابتسامة واسعة مرحة ولطيفة:
- وأنا من إمتى وأنا جاية أزورك بجيب معايا حاجة؟ سيد، عيب متقولش كده، إحنا أخوات ومفيش الكلام ده.
ضحكت حلم من جديد لتكمل جنة:
- أنا لاقيتهم على باب أوضتك يا هانم.
تنظر حلم إلى الأغراض من جديد، وهي تشعر من داخلها أنه هو من أحضرها، بل هي موقنة تمامًا أنه هو وليس أحد غيره. لتنتبه من أفكارها على صوت صديقتها تقول من جديد:
- تلاقي حد من أخواتك جابهم ليكي، أو غسان أو يوسف. كل العيلة أصلًا بتحبك وكلهم قلقانين عليكي.
أومأت حلم بنعم، فهي لم تقص على صديقتها أي شيء يخص راغب. راغب الذي يعشقها منذ كانت صغيرة، هي تعلم ذلك، والجميع يعلمه. ولكن تظل عقدتها كما هي، أنه رجل، رجل كوالدها. وإذا كان والدها وإخوته عكس والدها في كل شيء، إلا أن ذلك ليس ضمانًا لأن يكون هو الآخر مختلفًا. إذا كان والدها سيئ الطباع، فعماها رجل نادر الوجود. إذاً ما الذي يمنع أن يكون راغب كما والدها ويختلف عن والده وإخويه؟ غير كل ذلك، هي لن تسلم قلبها وحياتها لرجل، لن تعيش أسيرة رجل يتحكم بها ويقتل روحها تدريجيًا حتى تنقطع أنفاسها عن كل الحياة. لن تكون مثل والدتها، لن تسمح أن تنتهي حياتها كما انتهت حياة والدتها.
أغمضت عينيها بقوة تحاول تجاهل تلك الذكرى التي تحاول أن ترتسم أمام عينيها كجميع ذكريات والديها السيئة التي تخيفها أكثر وأكثر وتجعلها تبتعد عن الرجال أميال وأميال.
***
في غرفتها بالعيادة المشتركة بينها وبين زوجها، كانت تجلس بعد خروج تلك المريضة التي حددت موعدًا سريعًا بسبب حالتها الحرجة والتي تنبئ بولادة مبكرة. لذلك قررت عائشة إرسالها إلى المستشفى وسوف تلحق بها، لكنها أعطت تعليماتها للمستشفى بعمل اللازم معها حتى وصولها.
طرقات على باب غرفتها ثم دخوله المحبب مع ابتسامته المحببة إلى قلبها. فمنذ كانت صغيرة، وقعت في غرام ابن عمها الشاب الهادئ الخجول، صاحب النظارات الطبية والذي استغنى عنها بعد إجرائه لعملية جراحية في فترة مراهقته. أعادت نظره لسابق عهده وجعلت وسامته تزداد خاصة بجمال عينيه الساحرة. لم تشعر ذات يوم أنه ينظر إليها بنظرة مميزة، فهو كان دائمًا صامت، عيونه داخل أحد الكتب. وذلك كان يؤلم قلبها، خاصة وهي كانت ترى مطاردة غسان لنوار في كل مكان وإظهار حبه لها ورغبته في الاقتران بها طوال الوقت. وكانت نوار هي من تخجل وتختبئ منه قدر إمكانها. لكن يوسف لم يكن كذلك يومًا. كان دائمًا يتجنبها هي وأخواتها، يجلس دائمًا في غرفته في أبعد نقطة في حديقة البيت الكبير ليكون بعيدًا عن لعبهم أو الاختلاط بهم. الكتب العلمية هي فقط صديقته المقربة.
ولكن حين دلفت إلى نفس الكلية التي كان بها، تحول فجأة وأصبح يتقرب منها يتودد لها، يطلب توصيلها ويعلم مواعيد محاضراتها وينتظرها حتى يعيدها إلى البيت. ولم يستمر الوضع كثيرًا وطلب يدها من جدها ووالدها، وبالطبع هي وافقت وبشدة.
اقترب منها ووقف خلف الكرسي الخاص بها، ومد يديه يدلك فقرات رقبتها برفق. لتغمض عيونها باسترخاء لتأثير لمساته على جسدها وروحها، وكلماته تصل إليها تهدئ روحها وقلبها:
- أعصابك مشدودة كده ليه يا عائش؟
أخذت نفسًا عميقًا، فكم تعشق ذلك الاسم منه، تشعره محببًا إلى قلبها. ولم تجبه بشيء، وهو يعلم أنها لن تجيب. هو يفهمها أكثر من نفسها، يعلم جيدًا أنها رغم قوتها إلا أنها تتجنب ذكر والدها بأي شكل، حتى حين يحدث موقف كالذي حدث اليوم تتظاهر وكأن شيئًا لم يكن وتتعامل بشكل عادي، لكن يظهر ذلك على جسدها كالآن. يعلم جيدًا كيف يتجنب عقلها ذلك الألم، هي لا تعتبر والدها على قيد الحياة، لا تتحدث إليه ولا تتحدث عنه، كحال شقيقتيها، رغم أن لكل منهم وعلى حسب طباعها رد فعل مختلفة خاصة بوالدهم، لكنه يتألم أكثر على حبيبة قلبه.
استمر لبضع دقائق في تدليك كتفيها وعنقها، ثم تحرك خطوة واحدة وأدار الكرسي لتواجهه ليجلس أرضًا على ركبته واحدة وهو يقول بعشق كبير:
- أنا خايف عليكي، مجهدة ووشك أصفر، مالك يا عائش؟ بلاش تخوفيني عليكي. ولو على اللي…
لتضع يديها على فمه تسكت سيل كلماته وهي تقول بابتسامة صغيرة:
- يمكن تعب من الشغل أو مجهود زيادة.
يعلم جيدًا أنها لن تتحدث عن الأمر وهو لن يضغط عليها. لكنها ابتسمت بمشاغبة وأكملت قائلة:
- يمكن محتاجة إجازة ودكتور قلبي يعملي مساج استرخائي مميز.
ليبتسم بجانب فمه وعيونه ترتسم بداخلها شقاوة الأطفال وقال بمشاغبة تشابه مشاغبتها:
- يا خبر أبيض، ده أنا مقصر خالص. استعدي، النهارده هعملك مساج.
ومد يده يلمس ساقها من أسفل الفستان، صعودًا إلى الأعلى وهو يكمل:
- هيريحك على الآخر، ويخليكي تسترخي، وبعده مش هتقدري تستغني عن المساج بتاعنا خالص يا فندم.
أوقفت يديه التي تداعب ساقيها وقالت ببعض الغضب الواهن:
- يوسف، عيب، إحنا في العيادة. استنى لما نروح.
ليضحك بصوت عالٍ وهو يرى تورد وجنتيها بخجل وحبيبات العرق التي نبتت على جبينها، وأبعد يديه عنها ورفعها بجانب وجهه وهو يقول:
- أوامرك يا برنسيس.
ثم وقف على قدميه وهو يقول:
- هروح على مكتبي بقا علشان أنا سايب ثلاث حالات بره.
لتقف هي الأخرى وحملت حقيبتها وهي تقول موضحة:
- وأنا رايحة على المستشفى في حالة ولادة وشكلها كده الموضوع كبير وخطير.
ربت على كتفها وهو يقول بتشجيع:
- وأنتِ قدها يا قلبي. ربنا يوفقك يا حبيبتي.
سارت بجانبه ليغادرا غرفة مكتبها، وتوجه هو إلى مكتبه ودخلت له إحدى المرضى وغادرت هي، رغم إحساسها بالإرهاق وبأنها ليست بخير.
***
جالس بداخل مكتبه في الديوان، رأسه مستريح على الكرسي وعينيه مغلقة بعد أن أنهى عمله وتأكد أن كل شيء يسير جيدًا. لا يشعر بالرغبة في العودة إلى البيت، إحساسه بالذنب يقتله. منذ ذلك اليوم وانقلبت حياته رأسًا على عقب. يحمل الآن فوق كتفيه ذنبًا كبيرًا، يعلم جيدًا أنه حين يفضح سره لن يسامحه أحد وسيكون هو الخاسر الوحيد. أن نوار هي عشقه الكبير. من يوم وعى على تلك الحياة وهو يراها ملاك لديه جناحان أبيضان كبيران، دموعها القريبة وسريعة النزول، قلبها الحاني، رقتها في التعامل معه وكأنه ابنها وليس أكبر منها بسنوات. يتذكر حين كانت صغيرة خاصة بعد موت والدتها، وكأنها أصبحت هي والدتهم. رغم أن الفروق بينها وبين أخواتها ليست بالكبيرة ما عدا حلم، إلا أنها وحتى تلك اللحظة هي الأم البديلة من بعد والدتهم.
فتح عينيه ينظر إلى تلك الصورة الموضوعة على رف سفلي في مكتبه خشية من أن يراها أي من زوار الديوان. يضعها هناك حتى يراها هو فقط.
ابتسم لأبتسامتها الرقيقة التي تزين ثغرها وهو يتذكر يوم تزوجها. لم يتحمل أن ينتظر حتى تنهي دراستها وتعهد لها وأمام الجميع أنه سيعينها على إكمال دراستها، وأيضًا سيؤجلون الإنجاب حتى تنتهي، ودون أن يعلم أن الله قد قرر عنه أنه لن يكون أبًا أبدًا.
أغمض عينيه من جديد وهو يتذكر بعد انتهائها من دراستها بأكثر من ثلاث سنوات وقد أوقفت وسيلة تنظيم الأسرة ولم يحدث حمل. فجلست بجانبه ليضم يديها بيديه لتقول بخجل:
- غسان.
- نعم يا حبيبتي.
أجابها وهو يقبل يديها المستريحة بين يديه. لتبتسم بحب وعشق:
- كنت عايزة أطلب منك طلب.
نظر إليها باهتمام وقال بثقة وثبات:
- نوار حبيبتي تأمر وأنا أنفذ، بس…
تتسع ابتسامتها الخجلة وتزداد تلك اللمعة العاشقة داخل عينيها، لكنها قالت بخجل:
- ربنا يبارك لي فيك يا غسان، وتفضل حنين كده عليا ديما.
ليقترب منها أكثر، وقبل جبينها بحب وقال:
- ويبارك لي فيكي يا قلب غسان وروحه.
ثم ربت على وجنتها برفق وأكمل مستفهمًا:
- عايزة أروح لعائشة أشوف سبب تأخير الحمل.
أجابته بابتسامة مرتعشة، لتختفي ابتسامته تدريجيًا وأبتعد عنها قليلاً ثم قال:
- نروح يا حبيبتي.
رغم أني مش مستعجل على الموضوع ده، وكمان خايف لما تخلفي تنشغلي عني بولادنا وحبك ليا يقل. عاد يقبل يديها مرة أخرى ثم قال ببعض التوتر:
- بس ليا عندك طلب ممكن؟
أومأت بنعم سريعًا. ليكمل هو سريعًا:
- هنروح لدكتورة بس بلاش عائشة. بلاش نخلي أي حد من العيلة يعرف أي حاجة عن الموضوع ده. ممكن؟
لم تتفهم سبب ذلك الطلب، لكنها أومأت بنعم ليربت على وجنتها من جديد بابتسامة متوترة.
عاد من أفكاره ينظر إلى صورتها من جديد وهو يقول:
"أنا آسف يا نوار. آسف، رغم أني عارف إن اعتذاري مش هيفيد بأي حاجة، بس أنا آسف."
رواية حلم الفصل الرابع 4 - بقلم سارة مجدي
ظلتا الصديقتان يتحدثان كثيراً و يضحكان.
أن جنة قادرة على إنتزاع الضحكات من أعماقها و إخراجها من قلبها بحرية و إنطلاق.
وقفت جنة و هى تقول:
– هو أحنا هنفضل قاعدين فى الأوضة؟ تعالى ننزل الجنينة نقعد فى الهوا.
ثم جذبتها من يديها و هى تكمل بمرح:
– أنا مش عارفة إزاى يكون عندكم جنينة حلوة كده و تفضلي قاعدة في الأوضة يا كئيبة يا عدوة الفرحة؟ ده لو أنا ممكن أبات فيه.
تضحك حلم بصوت عالى و سعادة.
حقاً جنة الوحيدة التى تخرجها مما هى فيه دون أدنى مجهود منها بطبيعتها المرحة و روحها الطيبة.
توجهوا إلى الحديقة الخلفية بعد أن وضعت الزهور فى إناء مميز و خبئت باقى الأغراض فى إحدى أدراجها حتى لا يراها أحد. فلن تتوقف أختيها عن محاولة إقناعها بالموافقة على الأقتران براغب.
جلست على الأريكة الخشبية و جلست جوارها جنة و عقصت قدميها و هى تقول:
– إبن عمك ده عبقرى .. عامل المكان ده تقعدوا فيه براحتكم و كمان محدش يشوفكم فيه و حاجة كده قمر.
نظرت إليها حلم و هى تتذكر ذلك الوقت الذى ظل راغب يعمل فى ذلك المكان المخصص لهم و لمدة أسبوع كامل بعد أن أحضر كل الأدوات الذى أراد. كان يرفض أقتراب أى شخص من المكان حتى أنه وضع مظلة كبيرة حتى لا يراه أحد من النافذة.
و حين أنتهى توجه إليها هى و طلب منها أن تأتى معه, و حين رفضت ذهبت معها عائشة ليصدما الأثنان من جمال المكان و روعته و الخصوصية القوية به دون أن يشوه المظهر المميز للحديقة.
– فعلاً المكان حلو أوى و بحب أقعد فيه .. رغم.
و لم تكمل كلماتها و هى ترفع عيونها إلى نافذة غرفته المفتوحة دائماً.
لتنظر إليها جنة بعدم فهم و قالت:
– رغم أيه؟
نظرت إليها حلم و أبتسمت إبتسامة صغيرة و هى تقول:
– بطلى فضول.
لتضحك جنة بمرح و قالت بمشاغبة و هى تداعبها بحاجبيها:
– مبقاش جنة لو مكنتش فضولية.
لتضحك حلم من جديد بصوت عالي.
مر الوقت بين الصديقتان فى مرح.
و كانت رقيه و نوار يقفان عند باب المطبخ الخلفى يتابعان ما يحدث.
حتى قالت نوار:
– أكثر واحدة بتخرج حلم من عزلتها و الحالة النفسية السيئة إللى هى فيه.
لتقول رقيه ببعض الشرود غير منتبهَّ لكلماتها و تأثيرها على نوار:
– لولا أن راغب بيحب حلم و لسه شايف منها أمل كنت خطبت جنة ليه؟ هى دى البنت إللى تفرحه و تسعده بجد.
تجمعت الدموع فى عيون نوار و لم تعلق على تلك الكلمات.
لكنها تحركت خطوتان حتى تصعد إلى غرفتها لتجد غسان يقف هناك ينظر إليها باعتذار عن كلمات والدته التى ضايقته رغم تفهمه لموقف أمه و خوفها على إبنها الذى كاد يكمل عامه الثلاثين بعد عدة أيام.
أكملت سيرها و وقفت أمامه و هى تقول:
– حمدالله على السلامة … رجعت بدرى النهارده.
قبل جبينها و هو يستنشق رحيقها المميز و الذى يتغلل إلى روحه.
يربت على قلبه المحمل بالأثم و الذنب.
أقتربت رقيه من وقفتهم و هى تقول:
– أطلع شوف راغب .. و خليه ينزل عمك هيصحى كمان شويا و أنت عارف إللى بيحصل كل مره.
نظر إلى نوار التى نظرت أرضاً.
ثم نظر إلى والدته بلوم.
لتقول رقيه بهدوء بعد أن أقتربت عدة خطوات من نوار و ربتت على كتفها بحنان:
– يا بنتى أنتى و أخواتك البنات عندى زى بناتى و غلاوتكم من غلاوة ولادى الثلاثة. أنتوا عندى ولاد دلال الله يرحمها مش ولاد أحمد.
ثم أبتسمت بتشجيع و هى تكمل كلماتها:
– أطلعى بقى مع جوزك ساعديه علشان يغير هدومه بسرعة و صحوا راغب و أنزلوا بسرعة.
غادرت نوار مع زوجها.
فى نفس اللحظة التى علا فيها صوت هاتف المنزلتوجهت رقيه إليه و جلست على الأريكة الكبيرة التى تجاوره و وضعت قدم فوق الأخرى و أجابت.
ليصلها صوت يوسف الذى أبلغها بأنهم سيتأخرون اليوم.
فلدى عائشة عملية ولاده متعثرة و هو أيضاً لديه عملية قلب مفتوح لطفل لصغير.
أغلقت الهاتف و هى تدعوا لهم و لأولادها جميعاً بصلاح الحال و الرزق الحلال و الذرية الصالحة.
***
كان بركات يجلس فى غرفته يفكر بهم.
ماذا فعل بحياته حتى يكون له ولد كأحمد بكل ما يقوم به من أعمال مشينة و سيئة.
بماذا أذنب و بماذا أخطئ معه.
و كيف يكون أخطئ و ما قام به معه قام به مع أخيه الأكبر.
و ها هو مصطفى إبن يفتخر به و أب جيد و زوج رائع و رجل أعمال مميز.
بماذا أخطئ حتى يقتل ولده زوجته.
ويجعل فتياته يخجلن من كونه والدهم.
لا تستطيع إحداهم أن تنظر فى عينية براحة و أمان.
دائماً هناك لوم ظاهر فى عيونهم.
لوم عن ذلك اليوم الذى طلب منهم أن يتناسوا أن والدهم هو من قتل والدتهم.
و ليس هذا فقط سكوته أمام أفعاله المخجلة.
وما كان يكترفه من أخطاء تجاه والدتهم و أيضاً تجاههم و هو يتنقل من إمرأه لأخرى و من حانه لأخرى.
و يعود يومياً يخرج غضبه فى والدتهم المسكينه حتى ماتت من تأثير ضرباته المتكررة و التى لا تحمل أدنى رحمه.
وضع رأسه بين يديه بهم و هو يقول:
– لا حول و لا قوة إلا بالله .. حسبى الله و نعم الوكيل .. حسبى الله و نعم الوكيل.
***
أستيقظ أحمد و هو يآن بألم.
فرأسه سينفجر من كثرة الصداع.
يشعر و كأنه كان يجلس داخل إحدى تلك السماعات الكبيرة الخاصة بالأفراح.
أعتدل جالساً و هو يتذكر حسن و جمال حسن و رقة حسن و هى بين ذراعية.
أنه يتمنى ألا يعود إلى واقع عائلته و بيت العائلة و بنات.
لا يريد مفارقة أحضانها و مفارقة كلماتها المعسولة.
التى تشعره بقيمته و أهميته خاصة حين تجلس جواره تسمعه تلك الكلمات الرقيقة عن كونه رجل أحلامها و كم هو غالي و مهم و بداخلها حب كبير له و كم تتمني أن تكون جواره و أسفل قدميه طوال حياتها.
في حين لا يرى من أهله و لا يسمع منهم سوى الكلمات الجارحة و اللوم و العتاب و أنه دائماً أقل من أخيه الذى ينال دائماً ما يسحتقه و يأخذ دائماً منه ما يريد.
هو الإبن الذى يمسك كل أعمال العائلة.
يتزوج من الفتاة التي يحبها و تنجب له الصبيان و هو لا يستطيع العمل و لا يتحمل.
و أيضاً تزوج دلال صديقة رقيه فتاة بسيطة من عائلة بسيطة و متوسطة الجمال أيضاً و لم تنجب له إلا البنات.
نفخ الهواء بضيق و رفع عنه العطاء و غادر السرير.
ليدلف إلى الحمام يأخذ حمام دافئ يبعد عنه الإرهاق و التعب.
و غادر الحمام يلف وسطه السفلي بشرشف الحمام.
وقف أمام مرأة طاولة الزينة و بداء فى ترتيب خصلات شعره المبلله و هو ينظر إلى تلك العلامة الزرقاء أسفل عنقه.
و أبتسم بمشاغبة و هو يمسك هاتفه يتصل بها.
و حين أجابته قال سريعاً:
– وحشتينى أوى يا قلب أحمد.
أبتسم و مازالت يديه تداعب خصلاته المبلله و قال:
– أكيد يا قلبى هجيلك النهارده .. بس عايزك تسربى عدنان بقى عايز أبات معاكى كام يوم.
صمت لثواني ثم قال:
– و لا أقولك أيه رأيك نسافر يومين كده الغردقة و لا الساحل حتى.
أتسعت إبتسامته و قال سريعاً:
– خلاص أستنى منى تليفون النهارده بس جهزى شنطتك.
ثم أرسل إليها قبله و هو يقول:
– سلامى يا قلبي.
و أغلق الهاتف و توجه إلى الخزانه و أخرج ملابسه ثم بداء فى ترتيب حقيبته و وضعها فى إحدى جوانب الغرفة.
ثم أتصل بأحد معارفه و رتب معه الأمر.
ثم توجه إلى باب غرفته و أغلقها بالمفتاح و توجه إلى سريره يتمدد عليه باسترخاء فهو يعلم جيداً ما سيحدث الأن.
أنطرقات على الباب و صوت أحد أبناء أخيه يطلب منه الإنضمام إلى الطعام.
و رغم أنهم لا يكونوا جادين فى ذلك الطلب إلا أنهم لا يتوقفون عنه.
و رغم أنه يرفض كل مره إلا أنهم أيضاً لا يتوقفون.
ليس عليه سوى أن ينتظر أنتهائهم و ذهاب كل منهم إلى غرفته و سيغادر و يرتاح منهم قليلاً.
***
كانت تتابع كل مأشراتها الحيوية.
حالتها ليست بخير و ضغطها مرتفع.
و هى تشعر بأرهاق شديد و لا تستطيع المغامرة بحياة المريضة و طفلها.
لذلك أتصلت بزميل لها ليحضر معها تلك الولاده.
حتى تقلل من حجم مخاطر خطئها و هى فى تلك الحالة.
كان يوسف ينتظرها بالخارج حين أتصلت به و أخبرته بما تشعر و أنها بحاجة لوجوده.
فاتصل بالبيت يخبرهم أنهم سيتأخرون.
و لكنه أيضاً لم يرد أن يقلقهم.
لكنه يتابع حركاتها و قلبه يشعر بالخوف و القلق و التوتر.
كانت تشرح لزميلها حالة المريضة بالكامل و كل ما يقلقها.
ولكنه شعر بها.
أنها وصلت إلى نهاية تحملها لما هى فيه.
فأقترب منها سريعاً وضمها بين ذراعيه لتغمض عينيها باستسلام لذلك الدوار الذى لم تعد تتحمله.
حملها سريعاً و توجه بها إلى غرفة الكشف و لحق بهم زميلها و بداء فى فحصها بشكل سريع و يوسف يقف خلفه يكاد القلق يفتك به.
حتى أعتدل الطبيب و نظر إلى يوسف و قال:
– مبروك يا دكتور يوسف .. دكتور عائشة حامل.
رواية حلم الفصل الخامس 5 - بقلم سارة مجدي
حين وصلته طرقات أخيه على باب غرفته لم يكن نائماً بل يقف عند النافذة بشكل جانبى يتابع ما تقوم به هى وصديقتها دون أن تلاحظه خاصة و هى تنظر إلى النافذة كل دقيقة و أخرى و كأنها تشعر بوجوده و تريد أن تتأكد من ذلك الإحساس و كان هو يبتسم على حركاتهم الطفولية يتابع كل حركة و لفته منها و كل ذلك يذكره بحلم الطفلة الذى أشتاق إليها .. أشتاق لألتصاقها به كقطة صغيرة تتمنى أن يضمها صاحبها إلى صدره .. تتمسح فى قدميه فى كل خطوة تتمني حنانه .. يتذكر حين كانت تنتظره على باب البيت و هو عائد من المدرسة حتى تأخذ منه الحلوى الخاصة بها … تجلس بجانبه فى الحديقة حتى يساعدها فى كتابة واجباتها لأنها تتزمر طول الوقت .. تضحك على كلماته و تلوى فمها بضيق حين يقرر الخروج مع أصدقائه .. عاد من أفكاره حين فتح غسان باب الغرفة أبتعد هو عن النافذة و وقف ينظر إلى أخيه الذى يشعر به جيداً و يفهم كل ما يدور بداخله و ما يشعر به و يشفق عليه حقاً و يظهر ذلك جلياً فى عينيه يعلم جيداً كما الجميع حلم تختلف كثيراً عن شقيقتيها … هى الصغرى مدللة الجميع و أمها أكثر من يدللها و يحتويها .. ملتصقه بها دائماً و أكثر من رأت نزوات والدها و الظلم الكبير الذى سقط على والدتها و عليها و على أخوتها خاصة و أن والدها لم يخفى كرهُّه لها و لأخوتها لأنهم بنات .. و لا أحد ينكر تأثير رؤيتها لوفاة والدتها بيد والدها .. هى من عانت فترة طويلة بصمت لا تسمع سوى صوت أفكارها و ترى ذلك المشهد يتكرر مراراً و تكراراً أمام عيونها
ظل الموقف صامت لعدة ثواني حين قال راغب بهدوء و بعض الملل
– عمك مش هينزل زى كل يوم … متقلقش و طمن أمك
– عارف .. و مش جايلك علشان كده
أجابه غسان و هو يجلس على السرير بتثاقل و قد يبدوا على وجهه الضيق و القلق و شئ آخر لم يستطع راغب فهمه
أقترب منه و جلس أمامه و هو يقول باستفهام و قلق
– مالك يا غسان ؟ ليه شكلك مضايق كده و كأنك شايل هموم الدنيا على كتافك
أخذ غسان نفس عميق و أغمض عينيه لثواني كان راغب ينظر إليه باندهاش من تلك الحالة التى عليها و كم التعب و الإرهاق الواضح على ملامحه … ليقول غسان و هو على نفس وضعه
– أنا مجرم و حقير أنا مش قادر أسامح نفسى على إللى عملته فى نوار
قطب راغب حاجبيه باندهاش و صدمة .. حقاً هو يشعر بالصدمة … فكلمات غسان صادمه بالنسبه له ماذا فعل غسان بنوار و كيف يكون أجرم فى حقها و هى عشقه الوحيد و جميع من يراهم يتمنى أن تكون لهم قصة حب شبيهه بحب غسان و نوار و هو أكثر من يشهد عليها .. فهو فى مرحلة ما كان مرسال الغرام بينهم .. و موضع أسرار غسان و أيضاً كان يخبئ له الهدايا التي يحضرها لها كان يقف له (( ندورجي )) حين يقفا فى الحديقة الخلفية يتحدثون بعيد عن أعين الجميع .. و ضع يديه على قدم أخيه و هو يسأل بأهتمام
– فى أيه يا غسان أنت قلقتني ؟
فتح غسان عينيه ينظر إلى أخيه الأصغر لعدة ثواني ثم نظر أرضاً و وقف على قدميه ليغادر الغرفة ليمسك راغب يد أخيه يوقفه و هو ينطق أسمه بقلق و أندهاش
-غساان
نظر إليه غسان بعيون خاويه تتألم .. بها نار تشعل روح أخيه و تعذبه .. ليشعر راغب بالصدمة و هو يرى كل ذلك الألم بداخل عيني أخيه ليترك يده ليغادر غسان الغرفة لكنه ترك داخل قلب راغب خوف لم يعرفه من قبل رغم خوفه الساكن داخل قلبه من خسارته لحلم
****************************
دلفت حلم إلى البيت بعد رحيل جنة … تعلم جيداً أنها لن تراه و لكن وجوده فى المنزل يجعلها دائماً تشعر بالغثيان و أيضاً يرتفع داخلها إحساسها بالكُره .. و فى هذة الحالة هى تفضل الإبتعاد عن الجميع لكن راغب له وجهة نظر أخرى .. فبعد مغادرة أخيه الغرفة توجه بتثاقل إلى النافذة لم يجدها فغادر الغرفة سريعاً وقف عند السلم ينظر إليها و هى تدلف من باب المنزل تنظر حولها بحذر يعلم جيداً أنها لا تريد رؤية والدها و لكنه يريد أن يخرج بعض من غضبها الذي يعلم جيداً أنه لا يهدئ أبداً مهما كان يبدوا على ملامحها الهدوء
قطع طريقها فى الصعود إلى غرفتها و قال ببعض المشاغبة رغم ذلك الحب الكبير الواضح داخل عينيه
-هو مفيش حد بيضحكك غير جنة ؟
-وأنت مش هتبطل تراقبنى .
أجابته ببعض الضيق .. ليبتسم إبتسامة جانبية و هو يفكر كم هو غبى .. كيف يستهين بذكائها و إحساسها الأنثوى أيضاً .. أقترب منها خطوة و قال بتأكيد
-عمرى يا حلم .. هفضل وراكى لحد ما أحقق حلمى يا حلمي
أغمضت عيونها .. و بدأت تشعر بالغثيان .. هذا هو سرها الذى لم يعرفه أحد حتى الأن .. حين تقترب من أى رجل و تشعر بأعجابه بها .. و يصور لها عقلها خيالات عن مغازلته لها .. أو أنه يتعامل معها كزوجته تشعر بالغثيان .. فوالدها و ما شاهدته منه و سمعته أيضاً قضى على جمال تلك اللحظات الرقيقة التى أحلاَ الله لأى سيدة و رجل فى إطار الزواج .. لم يستطع تفسير ما أرتسم على ملامحها من تقزز هل هو موجه له بالتحديد أم هناك شئ آخر لا يستطيع هو فمه و تفسيره .. تحركت خطوتان لتصعد إلى غرفتها ليقول هو سريعاً
-أنا مش عمى أحمد يا حلم .. أدينى بس فرصه مش يمكن أكون زى بابا و يوسف و غسان و زى رجاله كتير فى الدنيا دى مُخلصه .. رجاله حقيقيه بتحترم الست و عارفين قدرها كويس
ظلت واقفه مكانها .. تعطيه ظهرها تغلق عيونها بقوة و شعور الغثيان يزداد ليكمل هو بحب
-مش كل الرجاله خاينة .. فى أبويا و يوسف و غسان .. حتى جدى .. مش كل الرجاله عمى أحمد بصى على كل البيوت إللى حوالينا .. شوفى أصحابك إللى متجوزين و المخطوبين .. شوفى كل قصص الخيانات لستات كتير خانت جوزها أو حبيبها أو حتى أهلها .. أحنا مش شياطين يا حلم مش شياطين
لم تعد تتحمل لتنظر إليه و الغضب يرتسم بعيونها .. و بدلاً من أن تفرغ ما بمعدتها .. أفرغت ما بقلبها كاملاً فى وجهه
-أنا بكره جنسكم .. أنتو مقززين .. أنتوا بس بتدورو على غرايزكوا .. كل الرجاله زى الحيوانات الشهوة و الجنس هو إللى بيحركم كلمة حلوة بتوديكم و تجبكم و علشان رغباتكم بتجروا ورا أي واحدة .. لا يا راغب أنتوا شياطين .. و المخلص إللى فيكم بجسمه خاين بقلبه و بعنيه .. أنتوا شياطين .. كلكم شياطين
تراجع خطوة للوراء .. فى أسوء كاوبيسه لم يتخيل يوماً أن يكون هذا هو تفكيرها فيه بل فى الرجال جميعاً .. لتكمل هى كلماتها
-أنا بكرهكم .. بكرهكم .. بكره أبويا إللى بيخون أمى كل يوم رغم أنها عاشت عمرها كله علشانه و تحت رجليه .. بكره جدي إللى خاف على أسم العيلة أكثر ما خاف علينا بكره عمى إللى شايف كل الغلط إللى بيحصل و ساكت بكرهك و بكره صمتك و بكره حبك ليا .. بكرهك
وصعدت سريعاً إلى غرفتها و مباشراً إلى الحمام لتفرغ ما بمعدتها و دموع عينيها تغرق وجهها
و كان هو ينظر فى أثرها بصدمة و أندهاش أنفاسه متصارعه .. لم يتخيل يوماً أن يستمع لتلك الكلمة منها .. رغم أنها لا تتوقف أفعالها عن توضيح ذلك لكن أن يسمعها منها مباشرة بكل ذلك الكره داخل عينيها بكل ذلك الغضب و التقزز الواضح على ملامحها .. ظل على وقفته عدة دقائق لا يعلم بما يشعر الأن و كأنه فقد كل حواسة و مشاعرة
***************************
غادرت الحمام و هى تشعر بنوبة غضب كبيرة .. أحاسيس مختلفة بين كرهها لوالدها و بين أقتناعها بكل كلمة قالتها .. و بين تلك النظره داخل عينيه التى تلمس قلبها لكنها أبداً لم تخترقه يوماً
أرادت أن تنسى كل ما حدث أن تشغل نفسها بشئ آخر .. أمسكت هاتفها و فتحت مشغل الأغانى الخاص بها و دون أن تنظر إلى الأسم أدارت أول أغنية فى القائمة و وقفت عند النافذة الكبيرة تستمع لكلماتها التى جعلت إبتسامة سخرية ترتسم على وجهها رغم تلك الدمعات التى تسيل فوق وجنتيها
(( و قالوا سعيدة في حياتها، واصلة لكل أحلامها
وباينة عليها فرحتها في ضحكتها وفي كلامها
وعايشة كإنّها ف جنة وكل الدنيا مالكاها ))
أغمضت عينيها بألم و هى تتذكر كلمات صديقاتها عنها و عن عائلتها الكبيرة و كم هى محظوظة … و رغبتها القوية فى أخبارهم أن يجربوا كل ما مرت به و أن يعيشوا ما عاشته و لترى رأيهم بعدها
(( وقالوا عنيدة وقوية، مبيأثرش شئ فيها
محدش في الحياة يقدر يمشي كلمته عليها
هتحلم ليه وتتمنى؟ مفيش ولا حاجة ناقصاها ))
ينقصها أم .. أم حانية كانت تحمل عنها كل سؤ الدنيا .. و أحزانها .. دفئ أحضانها يساوى كل تلك الحياة بمن عليها
(( ومن جوايا أنا عكس إللى شايفينها
و ع الجرح إللى فيها ربنا يعينها
ساعات الضحكة بتداري في جرح كبير
ساعات في حاجات مبنحبش نبيّنها ))
ماذا تظهر .. و كيف تتحدث عن والدها الذى قتل أمها كل يوم من حياتها .. حتى قتلها فعلاً و أزهق روحها بركلاته لها و كلماته الجارحة و تفاخره بعلاقاته النسائية المحرمه دون خجل أو خوف
(( كتير أنا ببقى من جوايا بتألِّم
ومليون حاجة كاتماها بتوجعني
بيبقى نفسي أحكي لحد و أتكلم
وعزٍّة نفسي هيّا إللي بتمنعني ))
و ذلك هو إحساسها مع راغب .. أكثر الشخصيات التى تمنت أن تكون قريبة منه لكن كونه رجل كوالدها يجعلها تركض مبتعده عنه و للأبد رغم ذلك الإحساس الذى يؤلم قلبها برغبه قوية فى إخراج كل ما يؤلم قلبها له هو فقط أحاسيس مختلفة مختلطة قاتله تنحر روحها يومياً دون أن يشعر بها أحد
(( سنين وأنا عايشة في مشاكلي وبعمل أني ناسياها
وحكموا عليّا من شكلي و م العيشة إللي عايشاها
أنا أوقات أبان هادية، ومن جوايا نار قايدة ))
أغمضت عيونها بقوة .. فهى أكثر من يعرف ذلك الشعور أن تبتسم و بداخلك يبكى .. أن تتعامل مع أنسان ترى على يديه دماء أغلى الناس على قلبها .. أن ي ويُذكرها أسمها حين ينطق أحد بمن تكرهُّه اكثر من الموت
(( ولو يوم إللي حسدوني يعيشوا مكاني لو ثانية
ولو شافوا إللي أنا شوفته هيتمنوا حياة تانية
ولو أحكي عن إللي أنا فيه هتفرق أيه ؟ أيه الفايدة! ))
جلست أرضاً تبكى بدون صوت رغم رغبتها القوية فى الصراخ بصوت عالى .. أبى قتل أمى و قتل أحلامى .. شوه روحى .. مزق قلبي... وضعني في حفرة كبيرة من الألم وأغلقها عليّ دون رحمة. دلف إلى الغرفة على وجهه ابتسامة واسعة سعيدة رغم الإرهاق الذي يرسم على وجهه من كثرة الخوف عليها، ليجدها تجلس في منتصف السرير تضع كف يديها على معدتها وابتسامتها الهادئة ترتسم على محياها. اقترب عدة خطوات ليصله صوتها الذي يحمل الكثير من السعادة. "آه طبعًا مصدق، كرم ربنا كبير يا عائش، وحفيد عيلة بركات الأول هينور الدنيا." رفعت عيونها إليه وقالت بابتسامة واسعة:
"عايز ولد ولا بنت؟" نظر إليها بحب كبير وعشق يزداد وقال:
"كل اللي ربنا يجيبه خير، ويا سلام لو بنت حلوة كده زي أمها يبقى ربنا بيحبني قوي." وضعت يدها الأخرى فوق يديه، وبداخل عيونها حب كبير رغم ذلك الخوف الساكن بهما. ورغم تلك السعادة التي يعيشانها، إلا أنه دائمًا يقلق من ذلك الخوف ويحاول يطمئنها، لكنه يشعر من داخله أن هذا الخوف كقنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي وقت. وهي من داخلها تتمنى وجود والدتها بجانبها، تضمها، تطمئن خوفها، تبتسم لها ابتسامتها الحنونة، تخبرها أنها ستكون أفضل أم في هذه الحياة، تنصحها، توجهها، تربت على قلبها المرتعش خوفًا. لكن والدتها ليست هنا. قتلها والدها. قتل رحمتهم على الأرض ولم يبق لهم شيء. ظل صامتًا يتابع انحدار تلك الدمعات، الذي يعلم جيدًا ماذا سيحدث. بعد عدة ثوانٍ سوف ترفع يديها تمسحها بقوة وكأنها لم تغادر عينيها، تنظر إليه وتبتسم بقوة رغم أنه يعلم جيدًا أن قلبها يتألم بصمت، ولذلك يموت خوفًا عليها.
رواية حلم الفصل السادس 6 - بقلم سارة مجدي
ظل واقفًا في مكانه لدقائق كثيرة لم يحسبها ولم يشعر بها، وكل ذلك بسبب تلك النار التي أشعلتها حلم بكلماتها. نار لا تنطفئ أو تهدأ، ورغبة قوية في الذهاب إلى عمه وهزه بقوة والصراخ في وجهه بأعلى صوت: "لماذا تفعل كل هذا؟ لماذا قتلت بناتك وحطمت قلوبهن وأحلامهن؟" لم يعد يحتمل، وغضبه يتصاعد، يكاد يحرق كل البيت بمن فيه.
تحرك سريعًا متوجهًا إلى غرفة جده. عليه أن يتحدث معه، لعله يجد لديه إجابة تريح قلبه وروحه المعذبة، وتساعد أيضًا روحها التي تتألم. رغم أنه يحمله بعض الذنب، ولا يبرئ ذمته أبدًا من كل ما حدث.
وقف أمام باب غرفة جده ينظر إليه وهو ينهي صلاته. لكنه شعر بالصدمة حين سمع جده يدعو الله قائلًا: "اللهم اغفر ذنبي في حق المرحومة دلال، وذنبي في حق الفتيات، وذلك الذنب الكبير الذي لا أعلمه، وبسببه رزقتني ابنًا عاقًا. اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني."
اقترب راغب وجلس أمامه، ينظر إليه ليخفض بركات عينيه أرضًا، خاصة مع ذلك السؤال الواضح داخل عيون حفيده.
ظل الصمت ثالثهما لدقائق، حتى قال راغب:
- هو أنت ليه مش بتتصرف؟ ليه مش بتلاقي حل لكل اللي إحنا فيه ده؟ أنت الكبير وبإيدك.
يُجبر بركات على شيء وظل كما هو ينظر أرضًا. ليكمل راغب من جديد، والغضب يتملكه وجعل صوته يرتعش قليلًا:
- لأمتى هتفضل البنات تدفع تمن اللي عمي أحمد بيعمله؟ لأمتى هتفضل حلم تتعذب؟ وأنا بتعذب، وكلنا بندفع التمن.
رفع بركات عينيه ينظر إلى حفيده، ذلك الشاب الذي يفتخر به الجميع ويتمنى الجميع أن يكون لهم ولد مثله. لكنه أيضًا عاطفي أكثر من اللازم. الجميع يعلم بحبه لحلم، والجميع أيضًا يعلمون جيدًا ما يقوم به بالخفاء من أجلها، والوحيدة التي لا تعلم هي حلم نفسها. وهو راضٍ بكل هذا، يكفيه أن يراها بخير وفقط.
أخذ بركات نفسًا عميقًا وقال بهدوء رغم ما يعتليه من إحساس بالذنب:
- رغم الوجع اللي الكل حاسس بيه، لكن يا ابني اسم العيلة أهم. اسم العيلة هو اللي خلى أخوك يوسف أشهر دكتور قلب في البلد، ومراته أشهر دكتورة نسا وكل الناس بتثق فيها وبتجيلها من كل مكان. هو اللي خلى المزرعة بتاعتنا من أكبر المزارع اللي الناس عايزة تتعامل معاها، والكل بيحلف بإنتاجها وإدارتك ليها. اسم العيلة هو اللي فاتح شركة الاستيراد والتصدير، وهو اللي مخلي للفواكه والخضار بتاعتنا اسم ومركز كبير في السوق، وأبوك قادر يصدرها لكل الدنيا. وغسان أخوك كل الدنيا بتيجي لحد عنده عشان تاخد منه الخبرة وبتجري وراه عشان تحجز المحصول.
كان يستمع لكلمات جده، وبداخله إحساس غريب. يتفهم منطق جده ويستطيع استيعابه، لكنه يرفضه وبشدة. كيف من أجل المال يتقبل خسارة حلم؟ حرك رأسه يمينًا ويسارًا وقال برفض:
- أنت غلطان يا جدي. أنت بتفكر في اسم العيلة، وعمي أحمد مش بيفكر غير في نفسه، واللي بيدفع التمن حلم. ومش حلم لوحدها. لو حضرتك شايف إن عائشة ونوار سعداء وكويسين تبقى غلطان. شوف كل واحدة فيهم لما بتيجي سيرة عمي إيه اللي بيحصلهم، والنار اللي بتحرق قلوبهم وتبقى باينة للأعمى في عينيه.
ثم وقف على قدميه وأشار لجده وأكمل:
- ذنب موت طنط دلال، وذنب كسرة البنات وذنب حلم. وذنبك في رقبتك يا جدي.
وغادر الغرفة سريعًا، تتابعه عيون جده التي امتلأت بالدموع. فكلمات راغب أصابت الجزء المتألم والذي لا يتوقف أبدًا عن لومه وعتابه. فتحت ذلك الباب الذي كان دائمًا يغلقه بقوة حتى يظل متمسكًا بما أخذه من قرار، وأن يظل اسم عائلة بركات دون شائبة، متغافلًا عن كل ما يسوء الاسم بسبب تصرفات أحمد التي يعلمها الجميع، والبعيد قبل القريب.
***
عاد يوسف وعائشة إلى البيت، يمسك بيدها وهي تحاوط معدتها بيديها. شعرت رقيه بالاندهاش، خاصة أنه لم يمر وقت طويل على مكالمة يوسف الذي أخبرها فيها أنهم لن يعودا باكرًا. وقفت واقتربت منهما وهي تقول ببعض القلق:
- انتوا كويسين يا ولاد؟
لينتبه الجميع إلى سؤالها بين اندهاش وعدم فهم. ليبتسم يوسف وهو يقول بفخر ذكوري:
- عائشة حامل. ولي العهد والحفيد الأول لعائلة بركات في الطريق.
ابتسمت نوار بسعادة كبيرة، رغم تلك الدموع التي تجمعت في عينيها. إلا أنها اقتربت من أختها تضمها بقوة وحب وحنان، وهي تقول بصدق:
- اللهم بارك. اللهم بارك. مبارك يا عائشة، مبارك يا حبيبتي. ربنا يكمل حملك على خير. هتبقي أحلى ماما في الدنيا.
اقتربت أيضًا حلم بسعادة كبيرة، وهي تقول بمرح:
- وأخيرًا هبقى خالتو. مبروك يا عائشة، ألف مبروك يا قلبي.
ثم نظرت إلى يوسف وقالت:
- مبروك يا دكتور.
- الله يبارك فيكي يا حلم، عقبال ما نفرح بيكي.
قال كلماته الأخيرة وهو ينظر إلى راغب، الذي كانت عيناه ثابتة على حلم. رغم حديثه مع عائشة بسعادة، خاصة وهو يقول بمرح:
- وأخيرًا هبقى خالو. وأصيع أنا وابن أخويا الصياعة اللي مأصعتهاش طول حياتي.
لتضحك عائشة بصوت عالٍ، وقالت بمرح:
- لو هيصيع معاك أنت يا راغب، أنا كده مطمنة عليه جدًا.
ليضحك الجميع، وأكمل الجميع مباركات لها وليوسف. إلا غسان، الذي ظل صامتًا. عيناه ثابتة على نوار، التي تحاول إخفاء دموعها بابتسامة سعادة كبيرة. وقلبه يؤلمه من أجلها. وضميره يعذبه مما فعل، ولا يجد حلًا الآن ليصلح ما أفسده. ولا توجد فرصة أمامه. إنه الآن خاسر بكل ما للكلمة من معنى.
***
اجتمعوا جميعًا على طاولة الطعام، والسعادة تملأ وجه مصطفى، الذي قال بسعادة طفل صغير:
- وأخيرًا هبقى بابا جدو.
ثم نظر إلى والده وأكمل قائلًا بنفس السعادة:
- بعد إذنك يا حج، أنا هدبح عجل لله.
أومأ بركات بنعم وقال بابتسامة وقورة:
- أكيد طبعًا يا ابني، ده أول حفيد للعيلة.
كانت نوار صامتة تمامًا، تتلاعب بطعامها. لا يشعر بها أحد غير ذلك المذنب في حقها. نظر إلى الأمام وهو يتذكر ذلك اليوم بعد ذهابهم إلى الطبيب وقيامهم بجميع التحاليل. ادعى أنه لديه عمل كثير ولن يستطيعوا الذهاب إلى الطبيب، ولكن، عاد متأخرًا وبين يديه التحاليل، وبابتسامة واسعة وقف أمامها وقال:
- متقلقيش يا ستي، إحنا الاتنين سلام وزي الفل. وتأخير الخلفه ده مسألة وقت مش أكتر.
اقتربت منه، تمسك يديه بتوسل، وعيناها تبتسم بسعادة، وقالت بعدم تصديق:
- بجد يا غسان؟ بجد؟
- آه يا قلب غسان. بجد.
أجابها كاذبًا، وقد سار في طريق لا رجوع فيه. أوله وأوسطه وآخره خسارة.
عاد من أفكاره على صوت ضحكات عائلته، ليعود بنظره لها، ومن جديد صامتة. عيناها حزينة رغم تلك الابتسامة التي ترتسم على ثغرها دون أن تصل إلى عينيها.
وحين رفعت عينيها إليه، أخفض هو عينيه. يكفي ضميره يعذبه، فهو لا يستطيع النظر إلى عينيها. يكفي عذابه لنفسه، وكل يوم الخوف داخل قلبه يزداد.
***
بعد الغداء، توجهت حلم إلى الحديقة الخلفية، وتوجه راغب إلى غرفته، ومباشرة إلى النافذة ليجدها تجلس هناك على الأريكة الخشبية الكبيرة، ممددة القدمين، وبين يديها ذلك الكتاب التي لا تمل ولا تتوقف عن قراءته.
ابتسم ابتسامة مشاغبة اليوم، ليظهر بعض من مشاعره. علها تفهم وتشعر به، علها تجد فيه ما تبحث عنه، عل قلبها يميل.
توجه إلى مشغل الموسيقى وأوصله بالسماعات لتصدح تلك الكلمات الرقيقة، وهو يقف أمام النافذة في مرمى بصرها مباشرة، ينظر إليها بتحدٍ وثقة وحب، ويردد الكلمات بصوت عالٍ. رغم ارتفاع صوت الأغنية الأصلية، إلا أن صوته يصل إلى أذنها، ويالا العجب.
"حلوة وبتحلي أي مكان وتنوره
والله ما تلاقوا زيها لفوا الدنيا ودوروا"
غمز لها بمشاغبة، ويديه تصف كلمات الأغنية بحب وصدق. كانت تنظر إليه باندهاش وعدم تصديق. ثم تلتفت حولها لترى أن كان هناك أحد يشاهد ما يقوم به ذلك المجنون.
"دي جمالها معدي وإللي يشوفه بيقدره
والله ما تلاقوا زيها زيها مين بتهزروا"
ثم رفع يديه وهو يشير إليها ويحرك كتفيه برقصة شبابية لطيفة تخطف القلب، خاصة وهو بذلك الجمال الرجولي المميز والجسد الرياضي الممشوق. كل ذلك جعل عيونها ثابتة عليه ولا تستطيع النظر بعيدًا.
"تؤمر تتأمر ماهي دي إللي عليها من
طبعًا حقها تدلع تتبغدد قوي تتمنع"
وضع يديه فوق قلبه وانحنى قليلًا للأمام وهو يقول:
"قصاد الغمزة إحنا تلامذة
قصاد المشية إحنا الحاشية
ودي السلطانة وتتسلطن نغني معاها ونتسلطن
قصاد الغمزة إحنا تلامذة
قصاد المشية إحنا الحاشية
ودي السلطانة وتتسلطن نغني معاها"
وبدأ في الرقص بكتفيه وذراعيه وكتفيه، وعيونه تبتسم بسعادة كبيرة وتحمل الكثير من المشاغبة.
"ليل يا عين ياليل يا عين يا ليل
عين يا ليل يا عين يا ليل
يا عينيا عين يا ليل يا يا ليلي
يا عين يا ليل يا يا ليل"
توقف عن الرقص وعاد ينظر إليها بحب ومشاغبة.
"الورد اتنقّى بالواحدة عشان خدها
يا جماعة مش ممكن لأه دي لا قبلها ولا بعدها
مبتدلعشي ماهي دلوعة لوحدها
الرقة يا ناس رباني رباني يا ناس بعدها
أنا مش هاتكلم أنا رافع إيدي مسلم
القد يا ناس يتدرس منه الغزلان تتعلم
دانا مش هتكلم أنا رافع إيدي مسلم
القد يا ناس يتدرس منه الغزلان تتعلم"
توقفت الأغنية، وتوقف هو عن الغناء والرقص، ووقف ينظر إلى عمق عينيها، رغم تلك المسافة الفاصلة بينهم. وأيضًا الابتسامة العاشقة لم تغادر شفتيه، رغم عيونها التي تنظر إليه من خلف مرآة الكبرياء والكره. لكنه أبدًا لن يستسلم. كان يردد كلمات الأغنية بقلبه قبل شفتيه. وشعرت هي به، ولاحظ ذلك من ارتباكها وخجلها وتوتر ملامحها.
وحاولت هي أن تسيطر على تلك الرجفة بجسدها حين رأته بذلك الجمال الرجولي الذي يخطف الأنفاس، يغني لها بحب. وكلمات الأغنية التي تثبت لها مكانتها لديه. أغلقت الكتاب بقوة ووقفت على قدميها وسارت بغضب لداخل المنزل. لتتسع ابتسامته وهو يتحرك ليغلق مشغل الموسيقى، وتمدد على السرير بسعادة وبعض الراحة. لقد استطاع اختراق تلك الحواجز التي تحاوط بها قلبها وروحها.
***
دَلفت رقيه إلى الغرفة لتجد مصطفى يمسك هاتفه باهتمام شديد على غير عادته. اقتربت منه وجلست جواره تنظر للهاتف حتى تكتشف بما هو منشغل. لتبتسم ابتسامة صغيرة وهي ترى تلك الملابس الصغيرة، وصوت مصطفى يقول:
- هجيبهم ألوان حيادية لحد ما نعرف هو ولد ولا بنت.
نظرت إليه بعشق وداعبت خصلات شعره التي بدأ الشيب يغزوها منذ سنوات، تزيده وسامة ووقار، وتزيدها عشقًا وحبًا مهما مرت السنوات، وحتى إذا أصبح لديه من الأحفاد الكثير.
- هتبقى أحلى جدو.
- بجد يا رقه؟ أنا مستني اللحظة دي من سنين.
صمت لثوانٍ ثم أكمل:
- صحيح، كان نفسي أول حفيد يكون من غسان بس النصيب بقى.
اعتدلت رقيه ووضعت رأسها على كتفه وقالت ببعض الحزن:
- كله في وقته، وزي ما قال غسان قبل كده، هي مسألة وقت، وإن شاء الله ربنا كريم.
أومأ بنعم وعاد من جديد بكامل تركيزه ينتقي ما يريد من ملابس الأطفال.
وأغلقت رقيه عينيها ببعض الاسترخاء وهي تهمس بسعادة:
- هبقى تيته. الحمد لله. عقبال ما أفرح براغب وأشوفه عريس بقى.
نظر لها مصطفى بطرف عينيه. ومن داخله شعور يزداد أنها لا تقصد حلم في كلماتها. هو أيضًا يريد أن يزوج راغب، وأن يكون أسرة ويصبح أب. ولكن كيف يتخلى عن ابنة أخيه، أكثر المظلومين في هذا البيت. تنهد بتثاقل، وهو يدعو الله أن يحل ذلك الأمر، فقد عجز الجميع عن حله.
رواية حلم الفصل السابع 7 - بقلم سارة مجدي
أطمئن أن الجميع في غرفهم بعد الغداء، وكعادتهم التي لم تتغير منذ سنوات.
حمل حقيبته وفتح باب غرفته، وغادر الغرفة وهو يُمني نفسه بسهرة لطيفة والعديد من الأيام المليئة بالحب والدلع والدلال بين ذراعي حُسن.
تلك الفتاة التي يرى فيها جميع النساء تدلله، وتسعده، وتعيد إليه شبابه، وتشعرّه أيضًا بقوته ورجولته التي كان يشعر أنه يفقدها مع دلال.
لا يعلم سبب كرهه لدلال، هل لأنها كانت اختيار والده له لكونها صديقة رقية؟ هل لأنه فضل أخاه الأكبر وزوج رقية بدلاً منه؟
أغمض عينيه وهو ينطق اسمها بقلبه، قلبه الذي لم يعشق سواها يومًا حتى التقى بحُسن.
التي تذكره برقية طوال الوقت، قوتها وعنفوانها، ثقتها بنفسها وجرأتها.
لا يعلم إذا كانت رقية تستطيع الرقص كحُسن أم لا، ولكنّه الآن لا يستطيع التخلي عنها أو الابتعاد، لن يخسر مرتين.
علا صوت هاتفه ليمد يده داخل جيب بنطاله ليصطدم بحلم التي كانت تصعد درجات السلم بعصبية شديدة وهي تتحدث إلى نفسها بغضب.
وحين اصطدمت به، رفعت عيونها الغاضبة إليه ليتحول الغضب إلى كره ونفور، لتتراجع قدماها من تلقاء نفسها للخلف لتنزلق وتسقط إلى الأسفل دون أن يتحرك أحمد من مكانه أو يرف له جفن.
لتصرخ حلم بصوت عالٍ، وأول من سمع صوتها كان راغب الذي خرج راكضًا من الغرفة ليصدم مما يراه أمامه.
حلم ممددة أرضًا أسفل الدرج، وعمه أحمد يقف ثابتًا تمامًا دون أي ردة فعل.
نزل درجات السلم سريعًا ليحاول حملها في نفس الوقت الذي حضر فيه جميع سكان البيت على صوت صرختها وأيضًا صوت راغب المستغيث.
"حد يتصل بالإسعاف بسرعة... حد يتصل بالإسعاف."
اتصل يوسف، والذي كان أول الحاضرين بسيارة الإسعاف.
اقترب من راغب وأمسك يديه وهو يقول بأمر: "بلاش تشيلها يا راغب، ليكون في كسر أو حاجة."
ليبْعد راغب يديه سريعًا عنها، ونظر إليه برعب كبير.
وكانت نوار وعائشة تجلسان بجوارها بالجهة الأخرى والدموع تغرق عيونهما.
وبركات يقف خلف أحمد الصامت تمامًا، بارد الملامح.
لتقترب رقية من الفتاتين وقالت: "قومي أنتِ وهي، البسوا بسرعة على ما عربية الإسعاف توصل."
لتركض نوار وعائشة سريعًا إلى غرفتهم، وتحرك غسان وراغب لتجهيز السيارات.
وظل يوسف جوارها يتابع حالتها حتى وصول سيارة الإسعاف.
لكن مصطفى لم يتحمل أن يظل صامتًا، فقترب من أحمد وأمسكه من ملابسه وبدأ في هزّه بقوة وقال: "عملت فيها إيه يا أحمد؟ إيه ناوي تقتلها زي أمها؟"
شهقات متتالية صدرت من جميع الواقفين، ولكن أحمد احتَدّت ملامحه وهو يبعد يد مصطفى عن ملابسه.
وظلت ملامحه تحمل تعابير اللامبالاة.
ونزل السلم ببرود ووقف جوار ابنته الملقاة أرضًا وقال ببرود: "أنا مسافر يومين مع أصحابي... سلام."
غادر المنزل أمام نظرات الذهول والصدمة من الجميع.
ولكن لم يستمر الموقف كثيرًا حيث دوت أصوات سيارة الإسعاف، ليتحرك الجميع خلف السيارة وقلوبهم معلقة بالدعاء.
***
خلال دقائق كان الجميع في المستشفى خارج الغرفة التي يتم الكشف على حلم بها.
التوتر والقلق واضح على ملامح الجميع، خاصة والجميع يركض يمينًا ويسارًا يحضرون أشياء وأدوية مختلفة.
والحيرة من موقف أحمد، وأيضًا مرحبا الجهل بما حدث وكيف وقعت حلم بتلك الطريقة.
وكان راغب يشعر بنار تشتعل داخل قلبه، إذا حدث لها شيء لن يترك عمه وسوف يأخذ بثأر حلم والعائلة منه.
بعد مرور أكثر من نصف ساعة بين فحص طبي وإشاعات، خرج الطبيب يقف أمامهم ليلتف الجميع حوله والقلق وصل بهم مبلغه.
ليقول بعملية: "المريضة عندها كدمات قوية في ظهرها والتواء في الذراع الأيمن وشرخ في الكاحل الأيسر."
بعض الراحة ظهرت على ملامح يوسف وعائشة.
والتي قالت باستفهام: "الكدمات دي في منها أي مشكلة؟"
"لأ يا دكتور، الموضوع إن شاء الله بسيط. هي بس محتاجة الراحة وهكتبلها على مرهم للكدمات وإن شاء الله هتكون بخير."
أجابها الطبيب بهدوء وتوضيح.
لتومئ بنعم، ليشعر الباقي ببعض الراحة أيضًا.
إلا أن راغب قال بقلق: "طيب ممكن نشوفها؟"
ابتسم الطبيب بعملية وقال مؤكدًا: "طبعًا... حمد الله على سلامتها."
غادر الطبيب، لتتحرك رقية وخلفها الفتاتان، وخلفهم باقي العائلة ليجدوها نائمة على ذلك السرير البغيض.
يدها اليمنى تختبئ داخل ذلك الضمادة البيضاء، وكذلك قدماها يلتف حولها الجبس.
شعر راغب بألم قوي داخل قلبه وغصة في حلقه تجعل الدموع تتجمع داخل عينيه يحجبها بقوة كبيرة.
اقتربت نوار وعائشة من أختهن الصغيرة، والتفت باقي العائلة حول السرير.
لتفتح حلم عينيها تنظر إليهم بجمود وكأنها لا تراهم، أو كأنها بمكان آخر وترى شيئًا تكرهه بشدة.
اقتربت نوار من أذنها وقالت بحب كبير وصوت يرتعش من الخوف: "حمد الله على سلامتك يا حبيبتي... خوفتينا عليكِ."
لم تجب بشيء وكأنها لم تستمع إليها من الأساس.
وبعد عدة ثوانٍ أغمضت عينيها.
لا يعلمون من أثر الأدوية المسكنة أم هي تريد الهروب منهم جميعًا.
كان الجميع صامتًا وكأن على رؤوسهم الطير، لا يجدون كلمات يقولونها أو تفسير وتبرير.
لا أحد يفهم ما فعله أحمد وكيف وصل الأمر لدرجة سقوط حلم من فوق السلم ورد فعله البارد.
وقف مصطفى وهو يقول موجهًا حديثه إلى يوسف: "خد مراتك وروح يا يوسف، دي حامل يا ابني ومش حمل تعب."
لتقول عائشة سريعًا: "أنا كويسة يا عمي، مش هقدر أمشي وأسيب حلم لوحدها."
قالت نوار بإقرار: "روحي يا عائشة، كلام عمي صح وأنا هفضل معاها هنا."
اقترب يوسف وهو يحاوط كتفي عائشة وقال بهدوء: "قومي يا عائشة، لازم حد يرتاح عشان كلنا نقدر نهتم بيها."
أومأت بنعم، ليقترب يوسف من جده وقال: "قوم يلا يا جدي روح معانا."
في تلك اللحظة تحرك راغب ليجلس أرضًا في إحدى أركان الغرفة، ومن موقعه يستطيع أن يراها جيدًا.
كان الجميع يشعر بقلقه وخوفه، ولكن لا أحد يستطيع التحدث أو قول أي شيء.
وقفت رقية وقالت: "يلا يا مصطفى أنت وغسان روحوا انتوا كمان."
"أنا هفضل معاكم عشان لو احتاجتوا أي حاجة."
قال غسان موضحًا سبب رغبته في البقاء.
لتنظر رقية إلى راغب وقالت: "أخوك موجود معانا، معتقدش أنه هيرضى يروح."
أومأ غسان بنعم واقترب من نوار وانحنى يقبل رأسها وقال: "اتصلي بيا لو احتاجتي أي حاجة."
أومأت بنعم مع ابتسامة صغيرة، ليغادر مع والده وجده.
عادت رقية تجلس في مكانها على الأريكة ونظرت إلى ولدها الذي لم يحرك ساكنًا، عيونه ثابتة على حلم.
هي تعشق الثلاث فتيات تراهم كبناتها، لكن حال ابنها لا يسعدها ولا يرضيها، وعليها أن تجد حل لكل هذا الوضع.
إذا كانت حلم قد أغلقت حياتها، فما ذنب ابنها.
***
"لو تعرفي حسيت بإيه وقت ما شفتك واقعة على الأرض، قلبي وقف، كنت هموت يا حلم. أنا مستعد أقتل عمي لو ده هيرجعك للحياة ويفرحك ويخليكي تنسي كل اللي حصل زمان. لو تعرفي يا حلم إنتِ عندي إيه، وشايفك إزاي، وبتمني تكوني ليا عشان أسعدك وأفرحك إزاي، كنت نسيتي الماضي واللي حصل، وعمي، وكنت نسيتي كل الدنيا يا حلم."
كان عقله يفكر في كل هذا دون أن ينطق بحرف واحد، كان يتمنى أن يصرخ بكل هذا الكلام لتسمعه هي والجميع وكل الدنيا تسمعه أيضًا.
كانت هي في عمق أحلامها ترى نفسها الحاكم وبيدها صولجان، وهذا الصولجان قادر على تحويل كل الرجال إلى تماثيل مشوهة الشكل.
وكانت هي تدور في كل الشوارع، وحين تلتقي برجل توجه إليه الصولجان وتحوله إلى مسخ مشوه، تمثال سيء الشكل يكره الجميع النظر إليه.
حتى قد أنهت جميع الرجال.
وقف أمامها راغب ينظر إليها بحب صادق، تراه بوضوح، لكن تغلب كرهها وحقدها وهيئة جثة والدتها على ذلك الحب الكبير الواضح أمامها.
لترفع الصولجان، وقبل أن يتحول، انتفضت من النوم تصرخ بصوت عالٍ جعلت جميع من معها بالغرفة ينتفض خوفًا، تحول لرعب بسبب نظرتها لراغب.
رواية حلم الفصل الثامن 8 - بقلم سارة مجدي
رواية حلم الفصل التاسع 9 - بقلم سارة مجدي
جالسه في منتصف سريرها، ممددة قدميها أمامها، سارحة، غير واعية بنظراته التي تتفحصها بقلق.
يعلم جيدًا أن عقلها سارح في كل ما حدث مع أختها الصغيرة، وكيف سقطت أرضًا من على درجات السلم دون أن يرف جفن لوالدها الذي شاهد سقوطها بكل دم بارد.
أخذ نفسًا عميقًا وهو يقترب منها برفق وجلس أمامها لتنتبه له، حين بدأ في تدليك قدميها بطريقة احترافية ومميزة وهو يقول بحب:
– أنا بحب أنفذ وعدي، لكن من الواضح كده أنتِ اللي عايزة تهربي.
لم تستطع الابتسامة على كلماته، لكن سقطت تلك الدمعة الحبيسة داخل عينيها من وقت غادرت المستشفى.
ترك قدميها واقترب منها يضمها إلى صدره بحنان وقال بهدوء:
– عارف إن كل اللي حصل صعب على أي حد يستوعبه ويفهمه… بس إيه الجديد في تصرفات عمي؟ هو عمره ما فكر في حد ولا شغل باله بحد. المفروض يا حبيبتي بدل ما تفكري في اللي حصل وتزعلي، تفكري إزاي نقف جنب حلم ونخرجها من دايرة الماضي وكل الأحداث الصعبة اللي حصلت، إزاي نقدر نخليها تعيش حياتها.
صمت لعدة ثوانٍ ثم قال بصوت هادئ تغلغل إلى عقلها وروحها ووصل إلى قلبها:
– إحنا كلنا محتاجين ننسى عمي أحمد وننسى تصرفاته ووجوده… إحنا محتاجين نقفل بيبان الماضي علشان نعرف نعيش الحاضر ونرتب لمستقبلنا.
رفعت عينيها إليه التي تحمل حزنًا ينحر قلبه دون رحمة، ليبتسم لها بحنان وكأنه أب ينظر بحنان كبير إلى طفلته الصغيرة الحزينة على فقدان دميتها المفضلة، يعدها أن يأتي لها بأفضل منها.
يمسك بيديها يضمها إلى صدره بحركة حماية ودعم، لتضع رأسها من جديد على كتفه وأغمضت عينيها وهي تهمس ببعض الكلمات الذي لم يتبين منها سوى:
– الماضي لعنة هيطولنا كلنا.
شعر بانقباض في قلبه وكأنه لا يستطيع التنفس ولا يجد هواء حوله يستطيع تنفسه.
***
في صباح اليوم التالي، دلفت الطبيبة النفسية إلى غرفة حلم التي تجلس صامتة تمامًا، تنظر إلى النافذة الكبيرة تتابع تلك السحب البيضاء الكبيرة التي تملأ السماء وتخفي خلفها زرقة السماء وصفائها، غير شاعرة بمن معها في الغرفة ولا بدخول الطبيبة.
جلست الطبيبة أمامها لعدة دقائق صامتة، لم تنظر لها حلم ولا يبدو على وجهها أنها تعلم بوجودها من الأساس.
قالت الطبيبة بصوت هادئ:
– إزيك النهاردة يا حلم؟
لم تتحرك حلم ولم يظهر على وجهها إلا معالم تدل على أنها سمعتها، وقبل أن تعيد الطبيبة كلماتها، نظرت لها حلم وقالت:
– كويسة.
– طيب الحمد لله… تسمحيلي نتكلم شوية مع بعض؟
قالت الطبيبة كلماتها بابتسامة بشوشة مريحة للنفس، لتبتسم حلم ابتسامة حزينة صغيرة وقالت:
– آه ممكن… وهو فيه في إيدي حاجة تانية غير الكلام؟
اعتدلت في جلستها وقربت وجهها من الطبيبة وهي تقول:
– أنا مش محتاجة أتكلم عشان أنسى الماضي… أنا الماضي عايش الحاضر… وعمره ما مات ولا خلص. نقدر نتكلم وأقولك على كل اللي بحس بيه واللي بفكر فيه… بس لا أنتِ ولا أخواتي ولا أي حد قادر يشيل الكره اللي جوه قلبي لأب عمره ما حبني. عمره ما كان راجل حقيقي لأمي أو لأخواتي أو ليا. عمره ما كان مصدر أمان، طول عمره هو الشيء الوحيد السيء في حياتي، العلامة السودة اللي شوهت صورة الحياة في عيوني.
ابتسمت بسخرية وهي تكمل:
– أمحي الماضي… رجعي أمي… غيري أبويا… وقتها أنا هخف زي ما أنتوا عايزين.
كانت الطبيبة تستمع إليها بصمت، عيونها ثابتة على تعبير وجه حلم الذي يرسم عليه التقزز وقت ذكر والدها، وترتسم ضحكة لطيفة حين تذكر والدتها… وظلام حالك داخل عينيها حين تتحدث عن المستقبل والحياة… إنها حالة صعبة وتصل إلى حد أنها ميؤوس منها طالما هي ترفض العلاج.
ظل الاثنان ينظران إلى بعضهما بصمت، حتى عادت حلم تنظر إلى السماء من جديد عبر شباك غرفتها، لتقف الطبيبة وتتوجه إلى الباب، وقبل أن تفتحه نظرت إلى حلم وقالت:
– محدش فينا بيختار أبوه وأمه وإخواته، بس الإنسان في إيده يختار حياته… يغيرها ويبدلها زي ما هو عايز ويحقق رغباته كلها. الحياة مرة واحدة بس يا حلم ولازم تتعاش… بلاش تبقي ضعيفة، كسري قيود روحك وشوفي راحتك فين وارتاحي.
لم تنظر إليها ولم تحرك ساكنًا، لتفتح الطبيبة الباب وغادرت، لتنظر حلم إلى الباب وانحدرت تلك الدمعة، ثم عادت بنظرها إلى السماء وهي تقول:
– نفسي أرتاح.
***
قبل ذلك بقليل، وصل غسان إلى المستشفى ليجدهم يجلسون بالخارج، شعر ببعض القلق واقترب سريعًا من نوار التي تسند رأسها إلى الحائط ومغمضة العينين.
جلس جوارها وهو يقول:
– مالك يا نوار؟ حلم فيها حاجة؟
فتحت عيونها تنظر إليه وقالت بابتسامة صغيرة:
– أنا كويسة… الدكتورة النفسية مع حلم عشان كده قاعدين هنا.
نظر حوله وقال باستفهام:
– أمي فين؟
اعتدلت في جلستها وقالت:
– نزلت الكافيتريا تجيب قهوة وراغب راح يصلي.
أومأ بتفهم، وعم الصمت عليهم لعدة دقائق، كان هو يحتضن كف يديها بين يديه.
لتقول هي بابتسامة متوسلة:
– غسان، هو ينفع وإحنا هنا نكشف مرة تانية؟ مش يمكن يكون فيه علاج تاني؟
خفض عينيه ينظر أرضًا، والذنب يعود ليؤنبه من جديد، لكنه قال:
– حاضر يا نوار، هنروح لدكتورة تانية بس نطمن على حلم.
أومأت بنعم وهي تقول:
– اللي تشوفه يا غسان.
أطاعته هدوء نظرات الاحترام والتقدير… العشق الواضح في عينيها والحب الكبير الذي تكنه له يزيد من ألم قلبه ويزيد من تأنيب ضميره واحتقاره لنفسه.
مر بعض الوقت في صمت.
عادت رقية ومعها قهوة لها ولنوار، جلست جوار غسان تطمئن منه على البيت وعلى والده وجده.
حين غادرت الطبيبة، وقف الجميع أمامها في نفس اللحظة التي اقترب فيها راغب منهم يسأل باهتمام:
– خير يا دكتور؟
نظرت الطبيبة لهم بأسف وحركت رأسها يمينًا ويسارًا بيأس:
– للأسف الحالة رافضة أي تدخل. الحالات اللي زي دي الطب بيقف قدامها عاجز طول ما المريض رافض إنه يعترف أنه محتاج مساعدة.
خيم الصمت على الجميع لعدة ثوانٍ، حين قالت الطبيبة:
– لازم تفهموا إن الشخصيات دي مش هتكون مؤذية لحد قد ما هتكون مؤذية لنفسها.
نظروا جميعًا إلى بعضهم بصدمة، لتقول نوار بقلق:
– ممكن تموت نفسها؟
حركت الطبيبة رأسها بلا وقالت:
– مش للدرجة دي… بس قراراتها ممكن تتسم بالحدة وزيادة العند والتحدي حتى على حساب نفسها.
– أنا مستعدة إن أعطيكم أي نصيحة أو معلومة أو حتى دواء… أتمنى إنها تكون بخير.
قالت الطبيبة كلماتها وغادرت، وظلوا جميعًا واقفين يخيم عليهم الصمت، يحتضن غسان نوار التي تبكي بحزن شديد وغضب وكره يزداد تجاه والدها الذي دمر حياتهم دون استثناء.
وعند تلك النقطة، نظرت إلى راغب الذي يستند إلى الحائط بإحباط وحزن شديد.
***
أستيقظ أحمد من نومه بتثاقل كأسد تناول وجبة دسمة ونام وهو سعيد.
نظر إلى حسن النائمة كملاك بريء ينقصه أجنحة بيضاء.
غادر السرير برفق وهو يعدها بينه وبين نفسه أن يعطيها أفضل صباح مر في حياتها بعد تلك الليلة النارية، والتي شعر فيها أنه ملك من ملوك العصور الوسطى وليس معه أمرأة واحدة فقط، بل شعر أنه يجلس داخل حريم كبير مليء بالجواري الذين لا يريدون شيئًا في الحياة سوى رضاه.
وقف يعد الطعام وعصير طازج وعقله سرح في كلماتها عن عدنان:
– أنت عارف إنه بيجبرني على الشغل في الكباريه وأنا تعبت من الزباين وهو كل يوم ياخد فلوسي وبس.
كان يستمع إلى حديثها وهي تجلس فوق قدميه يداعب خصلات شعرها المموجه.
أكملت هي بدلال يفقده كل خلايا عقله وقلبه:
– أنت عارف نفسي أطلق منه وأبقى ليك أنت بس… أنا وأنا معاه بحس إني بخونك أنت لأني مش بحب حد غيرك ولا بحس إن ليا جوز غيرك.
عاد من أفكاره وهو قد وصل لحل لها، سوف يرضيها وأيضًا يرضي رجولته.
أمسك هاتفه واتصل بأحد أصدقائه محامي، لكنه متخصص في قضايا الخلع والطلاق والزنا، فهو أفضل معين له في تلك المشكلة وهو من سيجد له الحل المثالي.
رواية حلم الفصل العاشر 10 - بقلم سارة مجدي
صعد أحمد درجات السلم الداخلي للشاليه وهو يحمل الفطار بين يديه، بعد أن أنهى حديثه مع صديقه المحامي الذي أخبره بما يستطيعون فعله.
كانت الابتسامة الواسعة ترتسم على ملامح أحمد الذي يقضي الآن أسعد لحظات حياته بين ذراعي حسن، وأيضًا بعد كلمات صديقه التي طمأنته بشدة.
دلف إلى الغرفة ليجدها كما تركها، غارقة في النوم، وبعض من جسدها يظهر لعينيه بشكل مغرٍ لرجولته التي اشتعلت الآن بنار الشهوة.
ترك ما بيده واقترب منها يوقظها بقبلاته المتفرقة على جسدها الرقيق.
لتفتح عيونها تنظر إليه برغبة وشوق مشابه لرغبته.
ليغرقوا سويًا في المتع المحرمة، ناسين الله وعقابه.
***
قررت حلم العودة إلى البيت.
لا تريد أن تظل فيها، تشعر بالاختناق، وأيضًا لا تريد أن ترهق باقي العائلة بالجلوس في المستشفى جوارها.
كان الصمت هو سيد الموقف طوال طريق العودة إلى البيت، في جميع السيارات.
رغم إصرارها على الركوب في سيارة زوج أختها، ورفضت الصعود في سيارة راغب.
تقبل راغب كل ذلك بصمت تام، منذ حديث الطبيبة وهو صامت بشكل مريب.
يفكر في كلمات الطبيبة وكلمات أمه، يفكر في حقيقة الأمور التي كانت واضحة طوال الوقت أمام عينيه وهو يرفض أن يراها.
لا أحد يعرف، ولكن رقيه كانت تشعر بخوف كبير على ابنها، تشعر بقلبه وبألم روحه، ولكن ليس بيدها شيء.
عليها أن تنير له طريقه بالحقيقة حتى لو كانت مؤلمة.
يتألم الآن أفضل من أن يضيع حياته.
نظرت إليه لتراه يمسك بمقود السيارة بيديه الاثنتان، وكأنه متشبث بها، مقطب الجبين، مزموم الشفتين.
وتعلم جيدًا أن بداخله يأس كبير وحزن وألم.
"أنا قلتلك قبل كده يا راغب."
نظر إليها نظرة خاطفة دون أن يفك تلك التقطيبة عن حاجبيه، ولم يجيبها وعاد ينتبه إلى الطريق.
حين مرت من جواره سيارة أخيه، لتعلق عيونه بها وعقله يصور له فكرة سوف تختصر الكثير من الوقت.
وكانت رقيه تشعر بالضيق ولم تمرر الموقف أبدًا، سوف تتحدث مع مصطفى حتى يضعوا حدًا لتلك القصة.
***
وصلوا جميعًا إلى البيت، وساعدت نوار ورقيه حلم للذهاب إلى غرفتها، وساعداها في تبديل ملابسها، وتركاها لترتاح وغادرا الغرفة.
كان البيت بكل ما فيه صامت تمامًا، وكأن على رؤوسهم الطير.
الجميع يحمل بقلبه قلقًا وخوفًا وإحساسًا بالذنب.
الجميع يشعر أن هناك أمرًا لابد من إيجاد حل له، لكنهم لا يعلمون كيف السبيل لذلك الحل.
كيف يستطيعون تغيير ما حدث في الماضي، حتى يصبح الحاضر أفضل مما هم فيه.
خاصة بركات، الذي منذ ما حدث مع حلم، يجلس في غرفته ويرفض الحديث أو رؤية أي شخص.
***
من وقت وصوله إلى البيت، صعد إلى غرفته، أبدى ملابسه وغادر.
وحين سألته رقيه، أجابها قائلًا بابتسامة صغيرة:
"رايح الشغل يا ماما، هو أنا صايع معنديش شغل."
لوت فمها ببعض المرح وقالت:
"لا يا قلب ماما، عارفة إنك مش صايع وعندك شغل، ومش بس وراك شغل، أنت وراك مستقبل كمان لازم تفكر فيه."
اختفت ابتسامته، لكنه أومأ بنعم، واقترب يقبل أعلى رأسها، ثم وضع نظارته الشمسية وغادر.
كان يوسف يستمع إلى حديث والدته وأخيه، يتفهم موقف والدته، وأيضًا يشعر بأخيه.
إضافة إلى ذلك، هو يدرك مخاوف حلم، ويدرك ما تشعر به وتخبئه روحها وقلبها المجروح.
اقترب من أمه وحاوط كتفها بحب، وقبل جانب رأسها وهو يقول:
"عارف إنك خايفة عليه، بس بلاش تضغطي عليه أكتر من كده، راغب دلوقتي زي الريشة في مهب الريح، ضايع ومحتاج بس فرصة، سيبيه يعيش فرصته وصدقيني هو ما يتخفش عليه."
كانت تستمع إلى كلمات ابنها وهي تفكر فيها، تحاول أن تطمئن قلبها.
أومأت بنعم، ليكمل هو بابتسامة صغيرة:
"أنا هتكلم معاه ومش هسيبه لوحده."
ربتت على كتفه بحنان، ودعت له بقلب أم:
"ربنا يخليكم لبعض، ويقوم مراتك بالف سلامة."
انحنى ليقبل يديها وغادر بعد أن ألقى السلام، ليجد راغب ينتظره في السيارة كما اتفقا منذ قليل.
تذكر راغب حين كان في غرفته يبدل ملابسه، وبعد انتهائه جلس على السرير وأرسل رسالة إلى أخيه يخبره أنه سوف ينتظره في السيارة ويريده بأمر هام.
صعد يوسف إلى السيارة وهو يقول:
"خير يا طير، أوامر يا أستاذ راغب، أنا تحت الأمر."
ليضحك راغب وهو يقول بمرح:
"إيه يا أبيه يوسف، مينفعش أطلب من أخويا الكبير طلب؟"
"أبيه! أبيه يا واد أنت؟ الفرق بيني وبينك أقل من أربع سنين."
قالها يوسف ببعض الغضب المصطنع، ليقول راغب:
"خلاص بقا يا جو، بهزر معاك، ما بتهزرش."
رفع يوسف حاجبه ببعض التقزز وقال بقرف مصطنع:
"اخلص قول لي عايز إيه؟"
"عايزك في خدمة ضروري جدًا ومحدش هيقدر يساعدني فيها غيرك."
قالها راغب بجدية شديدة جعلت يوسف يلتفت إليه ويستمع إلى كلماته بتركيز شديد حين بدأ في سرد ما يريد.
ليدب الخوف بقلب يوسف مما سوف يحدث.
***
صعدت رقيه إلى غرفتها لتجد مصطفى يقف أمام النافذة الكبيرة ينظر إلى الحديقة الكبيرة.
شعرت بالقلق والاندهاش، مصطفى ملتزم دائمًا بدوامة في العمل، ما السبب خلف بقائه في المنزل؟
اقتربت منه بهدوء ووضعت يدها على كتفه وقالت:
"غريبة! ما رحتش شغلك ليه؟"
نظر إليها بعيون تحمل الكثير من القلق والذنب، لتتراجع خطوة إلى الخلف بقلق.
إنها المرة الثانية التي ترى فيها تلك النظرة منذ وفاة دلال.
انقبض قلبها وقالت بقلق:
"مالك يا مصطفى؟"
"خايف يا رقيه، خايف من اليوم اللي هقف فيه قدام دلال وتقول لي ضيعت حقي وحق بناتي."
أجابها بصوت يحمل الكثير من القلق والتوتر والخوف.
لتقول هي باستفهام:
"إيه اللي بيخليك تقول كده؟ إيه اللي حصل؟"
نظر إليها نظرة تعني:
"ما أنت عارفه كل حاجة."
عاد بنظره إلى النافذة وقال:
"أنا وأبويا مذنبين في حق دلال وبناتها زي ما أحمد مذنب بالظبط، وكلنا لازم نتحاسب."
تراجعت خطوة للخلف وقالت بصوت عالٍ:
"هو محدش فيكم بيفكر فيا وفي ولادي؟ الكل بيفكر في أحمد وبنات أحمد واللي بيحصل من أحمد، طيب مش بتفكر في ابنك اللي متعلق ببنت أخوك المعقدة والتاني اللي لسه مخلف؟ فكر في ولادك شوية وفيا."
التفت إليها ينظر إليها باندهاش.
إنها المرة الأولى التي تتحدث فيها رقيه معه بتلك الطريقة، أول مرة تظهر كره مستتر داخل قلبها تجاه زوجات أولادها وحلم.
وكانت هي تتنفس بصوت عالٍ تنظر في جميع الاتجاهات، وكأنها قالت ما لا يحب قوله.
وحين اقترب خطوة منها، تحركت هي تغادر الغرفة سريعًا.
لينفخ الهواء باستسلام وهو يقول:
"منك لله يا أحمد، منك لله."
***
وصل إلى المكان وظل ينظر حوله في كل الاتجاهات، وكأنه يبحث عن شيء.
حتى وقعت عيناه على المكان المقصود، ابتسم بانتصار وتوجه إليه ينظر إليه بتفحص.
حتى وقعت عيناه على النافذة الوحيدة المفتوحة، ليبتسم بانتصار وهو يقترب.
ينظر منها إلى الداخل وأخرج هاتفه من جيب بنطاله يلتقط بعض الصور والابتسامة المنتصرة لم تختف عن وجهه.
خرج غسان من غرفة الطبيب يأخذ نفسًا عميقًا ببعض الراحة.
وأخرج هاتفه يتصل بها، وحين أجابته قال:
"جهزي نفسك أنا جاي آخدك عشان نروح للدكتور زي ما وعدتك."
وأغلق الهاتف وهو يصعد إلى سيارته.
في طريقه إليها، خطوة جديدة لا يعلم هل ما يحدث صواب أم خطأ، ولكن ليس بيده شيء آخر.