تحميل رواية «هل بعد الفراق يا امي لقاء» PDF
بقلم اية حسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الأول: رحلة النبش في الماضي وقت آخر، حين عاد من المدرسة، سعيدًا يريد أن يُري عمه درجة اختباره الكاملة. دخل المنزل فلم يجد أحدًا باستثناء أخته التي كانت تبكي دون أن تجد من يهتم لها، إذ كانت زوجة عمه جالسة في غرفتها بالأعلى تضع مساحيق التجميل مستعدةً للقاء صديقاتها، وعمه يجلس في مكتبه منشغلًا بعمله. عانقها وطمأنها ثم ذهب كي يري عمه درجة الاختبار. بمجرد أن طرق الباب ودخل، وجده يقول بحنق: - إيه اللي جابك؟ أنا مش قلت متخشش هنا؟ مش فاضيلك أنا. خرج "عمر" وقد استطاع "إسماعيل" أن يبدل سعادته غمًا د...
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اية حسين
قضى الليلة واليوم التاليين في الدفنة وحضور العزاء مع عمّه رغم عدم ترحيب عمّه بذلك، وكلٌّ منهما ينظر للآخر نظرةً تقول: أنت من خرّبت كلَّ شيء.
لم يسمح له عمّه بالتعريف عن نفسه كونه ابنهما، لأن جميع المعزّين يظنّون أن ابني "إبراهيم" و"هدى" ماتا منذ سنين طويلة.
كان "عمر" منهكًا نفسيًّا وجسديًّا، لا يقوى على الكلام حتى، أقصى ما استطاع فعله هو الوقوف في العزاء.
تمنّى أن يكون كلّ ما يحدث مجرد حلم، فالقصة تبدو أكثر عبثيّةً من أن تكون حقيقية.
اكتشف أن أبويه لازالا على قيد الحياة ماتا، هذا مثيرٌ للشفقة والسخرية معًا.
بالرغم من ذلك لم تنزل منه دمعة، بل لم يبدُ عليه شيء سوى ضيق تنفسه، كان جامدًا، شارد النّظرات وكأنّه مغيّب، أو كأنّ روحه انسحبت من جسده من شدّة الألم، ليبقى جسده متجولًا بين النّاس.
عاد أخيرًا إلى بيته، فتح الباب ليصطدم بشعلته الصغيرة، "إسراء".
دخلت "أروى" غرفة مكتبه ثم عطست بسبب عطره النفّاذ.
جلست ثم استمعت لتحيّته بصوته الحاد.
كانت في مقابلة عملٍ جديدة، غالبًا تعرف كيف ستنتهي: كفاءتكِ عالية، سنبلغكِ بردّنا خلال مدّةٍ محددة. ولا شيء يحدث بعد ذلك، لتعلم أنها رُفضت مجددًا.
رغم هذا انتابها التوتر، أن تقف بين يدي شخص يعاينك ويحددّ لك مصيرك المهني، يبدو غايةَ الترقب بالنسبة لها تلك اللحظة.
قال الرجل مغيّرًا طريقة السؤال التقليدية:
- ده الكلام الي في الـCV طلع صح!
- أكيد ماكتبتوش إثارة فضول يعني.
كانت "أروى" شامخة الرأس واثقة النبرة - بالرغم من رعشة يدها التي أخفتها، وارتعادها من الداخل -
ممّا جعله يسأل حائرًا:
- منين الثقة ديه كلها؟ مش خايفة نرفضك عشان نقبل واحد مبصر طبيعي؟
أجابت بذات الثقة التي أعجبته:
- أنا طبيعية الحمدلله، ولو كل واحد كان عايز يقدم على وظيفة ماقدمش عليها عشان خايف من الي أحسن منه يبقى مفيش حد هيقدم على أي حاجة.
- وأنتِ هتعرفي تشتغلي ازاي أصلًا في حالتك ديه؟
- في أجهزة كثير جدًا بتساعد، زي المسجّلات الصوتية الي بتحوّل صوتي لكلام مكتوب، والبيركينز الي بيساعدني أكتب على كومبيوتر عادي، ده غير الكتابة على الورق بطريقة برايل، وإلا ماكنتش دخلت المجال ده من الأول لو مش مناسب ليا.
- أيوة بس أنتِ هتشتغلي صحفية، هتعرفي ازاي الأخبار أول بأول وتنقليها بصورة دقيقة من غير ماتشوفيها.
- حضرتك أكيد عارف إن في مصادر كثير ثانية وحواس أقدر أستخدمها غير البصر.
ثم جرت المحادثة بعدها كما المعتاد في أي مقابلة عمل قبل أن تنتهي مع تلميحٍ من الرجل لعدم القبول بسبب عماها.
عادت "أروى" لمنزلها لتجد خالها "نجيب" يجلس على الأريكة.
فور أن رآها تدخل من الباب ناداها متسائلًا عمّا جرى بالمقابلة فأجابت وهي تجلس إلى جواره متنهدة:
- زي كل مرة مفيش جديد، اشتغالة هنبقى نكلمك ومش عارف ايه ويطلع مفيش حاجة في الآخر.
ثم استكملت متذمرة:
- عشان مابشوفش طبعا.
قال "نجيب" مربتًا على كتفها مهوّنًا:
- معلش يا حبيبتي أنتِ لسة في الأول، بكرة إن شاء الله ربنا هيوفقك ويفتحها عليكِ وتعملي شغل هايل.
- مابلومش على أصحاب الجرايد والشركات بصراحة، ده المبصرين نصهم مش لاقيين شغل، أنا هلاقي؟!
شرد "نجيب" في حال ابنة أخته، الفتاة متحمسة للعمل بما درسته لكنه حماسٌ من طرفٍ واحد، ربما لو قضت عمرها كله تبحث عن فرصة لن تجد، لا أحد مستعدٌ لمنحها الفرصة، الجميع يريد المضمون المألوف.
تساءل داخل نفسه، هل هناك من هم مثل ابنة أخته؟ تُرى كم "أروى" تحاول اقتناص فرصةٍ لإثبات نفسها رغم إعاقتها؟
وسّع نظرته أكثر، فشملت جميع ذوي الإعاقة وليس المكفوفين وضعاف البصر فقط.
ومضت الفكرة في باله، فكرة أن يطبّق ما فكّر فيه في مجال عمله.
لمَ لا يحاول توظيف ذوي الإعاقة في عمله؟
حصل "نجيب" على منصبٍ عالٍ في شركة الشحن التي يعمل بها، لكنه ليس الآمر الناهي بخصوص التوظيف.
احتفظ بشيءٍ من الودّ مع المدير الذي من اختصاصه تلك الأشياء، فكّر في عرض الفكرة عليه بطريقةٍ مهنيّة ذاكرًا مقدرة الكثير من ذوي الإعاقة على العمل.
دخل "عمر" شقته فوجد "إسراء" تسأله:
- "عمر" كنت فين من امبارح؟ كل ده في المستشفى؟!
قال بصوتٍ خافتٍ مبحوح قليلًا:
- لا ماكنتش في المستشفى جالي مشوار كده.
- أنا عرفت إن أبونا وأمنا عايشين.
كان قولها بمثابة صاعقة لـ"عمر". لم يكن عاليًا بدرجةٍ كبيرة لكنه حمل لومًا كثيرًا.
قالت "إسراء" بانكسار:
- ليه ماقلتليش؟
كان "عمر" مرهقًا لا يقوى على التبرير ولا النقاش، بل بقي صامتًا.
فصرخت بصوتٍ مجلجل اهتزّ له قلب "عمر":
- رد عليّ ليه خبيت؟
انهمرت دموعها قائلة:
- هو أنت يعني مش عارف إني كل يوم بتمنى ألمحهم ولو في حلم؟ مش عارف إني بتعذب من غيرهم كل يوم؟ هو أنت مش عارف يا "عمر"؟
تغلّفت عينا "عمر" بالدمع، تمنّى أن يصالحها بجعلها تلقى أبويها لكن هذا غير ممكن.
تغيرت نبرة صوت "إسراء" فخلا اللوم منها وهي تقول بشكلٍ يكسر القلب:
- أقول لك، خدني ليهم ومش مهم أي حاجة ثانية.
اقتربت منه فتمسكت بذراعه ترجوه مستطردة:
- وديني ليهم أرجوك يا "عمر".
وكأنّ تمسكها بذراعه، نطقها لاسمه، رجاؤها الذي لا يستطيع إجابته وهو يرجوه مثلها، القشة التي قسمت ظهر البعير، فسقط منهارًا على الأرض.
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اية حسين
استفاق من شروده على صوت "إسراء" تسأل:
- ليه خبيت؟
أجاب متلعثمًا مرتجفًا:
- عشان ماتتعذبيش زي ما أنا اتعذبت، ماتفضليش بين ألف شك ومش عارفة تعملي ايه، ماتبقيش بتسألي نفسك كل يوم هم ليه سابوني؟ طب ايه الي حصل؟ وعمك يبعت حد وراكِ يخبطك بالعربية.
ثمّ وجّه بصره إليها قائلًا:
- بذمتك الليلتين الي عدوا عليكِ وأنتِ عارفة كانوا سهلين؟
- بصراحة لا
قال وقد برز الاعتذار في نبرته:
- أنا كنت عايز ألاقيهم وأظبط كل حاجة وبعدين أعرّفك، ماكنتش عايزك تقلقي.
لم تكن "إسراء" اقتنعت تمامًا لكنّ لهفتها منعتها من الاستمرار في هذا الجدال، فقالت:
- طب خلاص مش مهم، تعالى نروح لهم دلوقتي، لو أنت لسة مش لاقيهم، "علي" صاحبك وصل لهم كلّمه دلوقتي.
استقبل "عمر" لهفة شقيقته بقهر، تمنّى أن يجيب طلبها، ابتلع ريقه محاولًا بدء حديثه، ثم قال:
- لا ماهو ماينفعش نروح.
سألته مستغربة:
- ليه؟
أمسك بيدها علّ ذلك يبثّها بعض الأمان، أخذ نفسًا، ثم قال:
- عشان ماتوا يا "إسراء"، ماماتوش من ١٧ سنة، ماتوا أول امبارح.
تجلّى الاستنكار على وجه "إسراء" في حين كان "عمر" يقصّ عليها ما مرّ به الليلة الأخيرة. قابلت حديثه بالرفض ثمّ بالانهيار، حين دخلت في نوبة بكاءٍ عنيفة، فعانقها وهي ترجوه أن تكون روايته كاذبة وهو يتألم أمام قلّة حيلته.
- ليه قلت لها؟
وجِّه "عمر" هذا السؤال إلى "علي" الذي قال:
- ما أنا لو كنت لقيتك كنت قلت لك أنت الأول، أنت الي مختفي، ولما ظهرت ظهرت ومعاك مصيبة.
ثم أردف ساخرًا:
- ألا صحيح ماقلتليش، ضربت الواد ولا لا؟ ماقتلتوش بالمرة؟
تذكر "عمر" ماحدث تلك الليلة حين عاد لبيته ولم يفعل شيئًا، لكنه قال متجاهلًا قول "علي" ساخطًا عليه:
- أنت بوظت كل حاجة، لولاك كان زمانها مش دريانة بأي حاجة من الي حصلت، هي منهارة دلوقتي بسببك أنت.
تعجب "علي" من حديثه الذي لم يتماشَ مع سياق الأحداث بذهنه. قال مرتبكًا:
- منهارة ليه أنا عارف مكان أهلكم وممكن أقول لك عليه وتروحوا.... أو لو عايزني آجي معاك يلا بينا دلوقتي.
أغمض "عمر" عينيه متألمًا ثم فتحهما وقال متحسرًا:
- ياريت كان ينفع.
ثم نزلت منه عبرةٌ سابقةً فيضان الدموع الذي نزل منه بعد ذلك تزامنًا مع جلوسه على الأرض في الشارع تحت منزل "علي"، فقال:
- كنت رايح أقابلهم، سمعت صوت أمي وهي بتقول لي إني وحشتها، وأبويا وهو بيتفق معايا على مكان نتقابل فيه، بس الموت كان أسرع.
وتحت نظرات "علي" المستفسرة أكّد "عمر":
- ماتوا في الطريق.
اتسعت عينا "علي" مذعورًا يحاول تصديق ما قال صاحبه، قبل أن يقول "عمر" نادمًا:
- بس أنا الي غلطان، أنا كان المفروض أدور أكثر، وما أتخانقش معاك، يمكن لو كنت سمعتك من الأول كان زمانهم معايا.
جلس "علي" بجانب صديقه، ثم قال مربتًا على كتفه:
- ماتقولش كده يا "عمر" ده القدر مش هنعترض عليه.
وبالرغم من عتبه السابق عليه أكمل قائلًا بصوته الدافئ:
- وبعدين أنت عملت كل الي تقدر عليه واجتهدت ودورت، ايه الي كان هيعرّفك يعني ولا يخليك تتوقع أن أنا الي هشوفهم.
بدا منظر الأشجار والورد والخضرة جميلًا من الشرفة، حدّقت فيه محاولةً تصفية ذهنها، وعدم تذكر الأحداث الأخيرة، لكنّ الذكريات أخذت تتوالى كالصواعق، حين هربت من قبضة "إسماعيل" في الشقة بعدما رحل أخوه وزوجته، ثم حجزت تلك الغرفة التي هي بها الآن في الفندق، وجلوسها هكذا.
ركّزت "شيرين" بصرها على شجرةٍ قبعت بعيدًا عن باقي الأشجار، لم تكن جميلة الشكل مثلهنّ، وأصابت طفلًا بشوكها حين أمسك بورقةٍ من ورقاتها بينما كان يلهو بجانبها. شعرت أنها تشبه تلك الشجرة، لا تبدو جميلةً من الخارج، بالإضافة إلى أنّها تؤذي من يقترب منها، إلّا أنّها تخفف حرارة الجو، وتثمر الفاكهة ليأكل منها الفقير. هكذا هي، كرّهت طفلين لا ملجأ لهما في حياتهما وبذات الوقت ساعدتهما للوصول لأبويهما، كرهت أخا زوجها وغارت من زوجته وبذات الوقت ساعدتهما للوصول لابنيهما، طوال حياتها مع زوجها تحاول إرضاءه لكنها الآن تنتقم منه، بدت متكبرةً بسبب كثرة تجميلها لنفسها ومقاومة كبر سنّها وبذات الوقت تتواضع للخادمة وتصادقها.
مع شرودها سمعت طرقًا شديدًا على الباب تلاه تكسيره ثم صراخ "إسماعيل":
- أنتِ فين يا قذرة يا الي اسمك "شيرين"؟ فاكراني مش هجيبك؟
ارتعدت "شيرين" ثم تسللت بخفّةٍ إلى المطبخ لتجلب السكّين وهي تتوعد له.
رواية هل بعد الفراق يا امي لقاء الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اية حسين
جاءته "شيرين" بالسكّين تشهرها في وجهه ممّا جعله يرتبك ويرجع إلى الخلف، لكنّه تظاهر بالثبات قائلًا:
- مش هتخوفيني بالبتاعة الهبلة الي أنتِ ماسكاها ديه.
تجاهلت عبارته فقالت لاهثة وقد كاد فرط الخوف يقتلها:
- اخفى من قدامي يا "إسماعيل" بدل ما أشرّح.
ثم تابعت:
- ثم أنت ايه الي جابك ورايا؟ ماتروح تشوف أخوك ومراته وابنه الي أكيد مش هيسيبوك في حالك بعد ما اكتشفوا كل الي عملته فيهم.
ابتسم ابتسامةً ماكرةً وهو يجيب:
- مين قال لك إني ماشفتهمش؟ شفتهم طبعًا، وابنهم كمان شفته، شفته في عزا...
ثم ردّف:
- أمه وأبوه مع بعض.
نظر "إسماعيل" نظرةً خاطفةً إلى السكّين بيد "شيرين" سرعان ما أخفاها كي لا يبيّن خوفه منها وهو يتابع متهكمًا:
- عشان أنتِ غبية وكنتي فاكرة إنك حايشاني عنهم، وأنا عملت نفسي متقيد بيكِ، ونزلتي بعد ما مشيوا على طول ما استنيتيش، فاتصرفت وشفتهم.
لاحظ "إسماعيل" أن "شيرين" أرخت يدها الممسكة بالسكّين فجذبها بسرعة هامًّا بالخروج من الغرفة لكنّها سرعان ما استعادت توازنها وطعنته في بطنه بالسكّين لتجحظ عيناه وتتدفق دماؤه لخارج جسده. لم تكتفِ "شيرين" بذلك بل طعنته عدة طعناتٍ أخرى في أماكنٍ متفرقةٍ من جسده، مرةً في بطنه وأخرى في صدره.
في الأيام التاليات عمل "نجيب" على تقديم ملفٍّ للمدير المسؤول عن أعمال التوظيف الذي احتفظ ببعض الودّ معه. تناول في الملفِّ بضعة نقاط، أولاها هي أهمية وفضل تمكين ذوي الإحتياجات الخاصّة وكونها خدمةٌ مجمتمعيةٌ عظيمة.
ثانيها كيفية تمكينهم والأجهزة التي قد يحتاجونها.
ثالثها هو استفادة الشركة من هذا المشروع حيث سيصبح لديهم عقولٌ جديدة بتجاربٍ مختلفة بالإضافة إلى أنّ الإعلان عن فرص العمل ستمثل دعايةً للشركة.
ثم وضعَ خطةً مبدئية وهي السعي في توفير أبسط المطلوب لبيئة عملهم، فإنشاء قسمٍ خاصٍّ لهم حتى يستقرّ الأمر ثمّ دمجهم بين بقية الموظفين.
درس الأمر والمشكلات واردة الظهور، ثم أرسل له الملفّ ليقدّم اقتراحه بطريقةٍ احترافية.
وبالفعل، بعد أيامٍ أخرى من دراسة الشركة للأمر، نزل الإعلان عن فرص العمل لذوي الإعاقة.
داخل سجن السيّدات وتحديدًا في غرفة الزيارة حيث اقتادتاها سيدتان إلى تلك الغرفة وهي تنظر إلى الزائر الذي كان "عمر". كان عليها أن تتوقع زيارته، فهو لا يعرف أي شيء، ولا أحد قد يخبره سواها بعدما مات أبوه وماتت أمه ومات عمه "إسماعيل" بطعنةٍ منها في الفندق.
جلست "شيرين" أمامه فسألت:
- عايز ايه؟
- عايز أفهم القصة الي بقالي شهور بحاول أفهمها.
- عايز تعرف الي خلاك فاكر أن أهلك ميتين طول حياتك؟
ابتسم متهكمًا فقال:
- عليكِ نور.
- أبوك وعمك طول عمرهم بيكرهوا بعض بسبب تفرقة جدك، وأبوك زور وصيته وحرم عمك من الورث فقاطعوا بعض، لحد ما اتقابلوا ثاني وأمك ظهرت في الصورة، الاثنين حبوها.
- وماشاء الله مابتقولش لا، مشيت معاهم الاثنين واتجوزت أبوك في الآخر عشان أغنى.
استنكر حكايتها قائلًا:
- أنتِ بتقولي أي كلام.
تجاهلت "شيرين" عبارته مردفة:
- المهم إنه بعد ما سنين عدت وأبوك وأمك خلفوك وفتحوا معرض عربيّات سوا، وعمك اتجوز وخلّف.
نظر لها "عمر" حينها مستغربًا، لم يعرف أنّ عمه له ابن! تساءل في عقله: أين هو ياتُرى؟ قبل أن يجيب ساخرًا - في عقله أيضًا- بالتأكيد معدمُ الحال ينتظر من أبيه الاعتراف به، قبل أن تكمل "شيرين":
- لحد ما القدر جمعهم ثاني، "إسماعيل" كان يعرف صاحب المعرض المنافس لأبوك وكان بيروحله، وأبوك بوظ العربيات الي عنده وشال منها الفرامل عشان الناس تشتري من عنده هو وسمعة منافسه تنزل في الأرض، ولما زبون حب يجرب العربية، ابن عمك راح ضحية، وعمك ماقدرش يخلف غيره بعد كده، في الأول سكت زي كل مرة، بس صاحب المعرض المنافس أقنعه ينتقم بعد ما عرف علاقته بأبوك، وخلاه يسوق عربية من عندهم وجواها جثث بني آدمين ويوقفها في الشارع ويمشي من غير ما حد يشوفه، في الفترة ديه قابلني.
صمتت لدقيقة وهي تجترّ ذكرى خيبتها ثم تنهدت فقالت:
- بعدما عرفت حكايته تعاطفت معاه وقلت هغيره وكلام البدايات ده، رغم أسلوبه وبهدلته وقلت معلش أصل ظروفه وحشة، الهبل ركبني بقى، ماكنتش أعرف إنه اتجوزني عشان فلوس أبويا وعشان يشتغل معاه.
قاطعها "عمر" متذمرًا:
- مش مهتم خالص بمعاناتك ديه أنا مش دكتورك النفسي أنا عايز أعرف ايه الي حصل لأمي وأبويا اختصري.
اغتاظت من قوله لكنها تابعت:
- بعدما عمك رشا المحامي أمك وأبوك اتسجنوا سنين طويلة وعمك فهمهم إنه سامحهم وإنه عايز يفتح صفحة جديدة وفهّمهم إنك أنت وأختك متتم، وأظن الباقي أنت عارفه.
شرد "عمر" أمامه دون أن ينطق قبل أن يستعيد تركيزه ويسألها:
- ايه الي خلاكِ تقرري فجأة كده تكشفي كل حاجة؟
استطرد ساخرًا:
- صحوة ضمير؟
أجابته متجاهلةً سخريته برغبتها في الانتقام من زوجها وظهوره أمامها كفرصة.
قالت "شيرين" أخيرًا:
- أكيد بتفكر إنك ملكش ذنب في أي حاجة بس اتاخدت في الرجلين، كل ذنبك إنك ابن "إبراهيم عبدالوهاب" أخو "إسماعيل عبدالوهاب".
انصرف "عمر" بعدها وأخذ يتفكّر في هذه القصة، تجاهل عمدًا أفعال أبيه وأمّه الآنفة، إذ لم يكن مستعدًا للخروج من فكرة أن أباه وأمه ضحايا لأخٍ جاحد.
بالنسبة لـ"عمر" كان "إسماعيل" زوجته هما الشريران وحرماه من أبويه، وبالنسبة لـ"إسماعيل" فهو ينتقم بعد طول صمتٍ وانكسار أمام من ظلمه، وبالنسبة لـ"شيرين" فهما أخوان فاسدان دمّرا شبابها، وتركاها تتحسّر على سنين عمرها، وبالنسبة لـ"إبراهيم" ولـ"هدى" فهما يريدان إصلاح أخطائهما التي تابا عنها، وقد ظنّا أنّ ذلك سهل، وأنّ "إسماعيل" هو فاسد القلب الذي لا يعرف العفو، أمّا حين تنظر نظرةً واسعة دون أن تكون طرفًا، كلّ شيءٍ يصبح أوضح، فترى أنّ الجميع أخطأ، وانّ الجميع أصاب، وأنّ لا أحد أصاب كليًّا أو أخطأ كليًّا -باستثناء الأبناء -.
حين يخطئ الإنسان في علاقته بربّه، يتوب ويستغفر فتُمحى ذنوبه، أمّا حين يخطئ مع البشر، فالأمر مختلفٌ تمامًا ومتفاوتٌ تمامًا، لا نستطيع أن نلوم إنسان لأنه لم يسامح ولا لومَ آخر لكنه متسامح ويعفو عن الجميع.
مرّت الأيام سريعةً متتابعات بعد نزول الإعلان، ظهر الكثير من المتقدمين، من كانوا يبحثون في بقية الشركات عن مكانٍ لهم دون فائدة مثل "أروى" أو من اختبئوا خلف أسوار خوفهم وشجّعهم الإعلان.
بالإضافة إلى ذلك فقد اشتهرت شركتهم كثيرًا بفعلتهم على وسائل التواصل، لدرجة أنّ بعض البرامج طلبت لقاء مدير الشركة ومدير التوظيف.
لم يكن كلّ شيءٍ ورديًّا، حدثت مشكلاتٌ واضطرابات بعدما بدأ ذووا الإعافة المتقدمين مباشرة عملهم، لكنّ الشركة تحاول تجاوزها واحدةً بعد أخرى.
كان يمشي بين النّاس، ويبتسم أحيانًا، ويتحدث، لكنّ الشعور بالخواء يلازمه، وكأنّ الأمل الذي وُلد فجاةً ثمّ عاش بداخله لأشهر، قد ملأ دنياه فلم يعد يستطيع التعايش من دونه بعدما مات، مثل الابن الذي لا تشتاق إليه قبل إنجابه، لكنّك تحيا تتألم لفراقه بعدما يموت. كان هذا حال "عمر" وقد مرّت أيامٌ كثر على زيارته لـ"شيرين".
أمّا "إسراء"، فقد صُدمت بكل شيء مرةً واحدة فبقت مبهوتة، حضرت جامعتها لمرةٍ واحدةٍ فقط، وفقدت الشغف لكلّ شيء. ناداها "عمر" الجالس بجانبها فأجابت فقال:
- أنتِ ماعندكيش محاضرات النهارده؟
أجابت بعدما تنهدت:
- عندي بس مش قادرة.
- ليه؟
- مش قادرة أتعامل مع بشر خالص ولا أسمع محاضرات ولا أي حاجة، أنا خدت صدمة في وشي كده لحد دلوقتي بحاول أستوعبها.
- طب يلا انزلي.
قالت مستنكرة:
- أنزل ايه بقولك مش قادرة، عايزة أستوعب الي أنا فيه.
- أيوة ماأنتِ مش هتستوعبي غير لما تنزلي، طول ما أنتِ قاعدة كده مش هتخرجي من الصدمة.
لم تستجب له كذلك فربّت على كتفها كأنّه يدفعها قائلًا:
- طب يلا يا "إسراء" قومي.
قالت "إسراء" مستنكرةً وقد انكمشت ملامح وجهها:
- الله! أنت بتطردني؟
- أيوة بطردك يلا اطلعي برا.
قالت "إسراء" بلهجة المحقق الذي حلّ اللغز أخيرًا:
- "عمر" أنت جايب بنات؟
نظر لها "عمر" مذهولًا ثم قال:
- هو ده الي جه في بالك؟!
أردف بسخطٍ زاد قليلًا:
- أنا هموت وأعرف أنتِ بتفكري منين، قومي يا "إسراء" الله يهديكِ.
قامت بالفعل لتبدّل ثيابها وهي تقول بعدما ضحكت ضحكةً قصيرة:
- في ايه يا عم بهزر معاك ماتاخدش كل حاجة على صدرك كده.
بعد دقائق كانت قد بدّلت ثيابها وخرجت من غرفتها حين سألها "عمر" بما جال في ذهنه تلك الدقائق:
- "إسراء" هو أنا أخ وحش؟
لم تلحق تندهش من سؤاله بل وجدته يقول بشعورٍ بالتقصير تغلغل بداخله:
- يعني أنا قصرت معاكِ؟ يمكن لو حد غيري كان حالك بقى أحسن، أو أنا ما اهتميتش بيكِ كفاية.
جلست "إسراء" بجانبه وهي تقول مندهشةً فاتحةً فاها:
- أنت الي بتقول كده يا "عمر"؟! ده أنا الي مزهقاك ومطلعة عينك طول عمري.
أردفت بحبٍّ وهي تمسك يده:
- "عمر" أنت في الوقت ماكنتش تقدر فيه تشيل مسؤولية نفسك شلت مسؤوليتي، أنا كنت الأول عندك دايمًا، مفيش حاجة أكثر من كده تقدر تعملها أصلا، لو في حد المفروض يحس بالذنب تجاه الثاني يبقى أنا.
ثم بادرت بعناقه فاحتواها في حضنه وهي تقول:
- ربنا يخليك ليّا يا حبيبي وتبطل الكلام العبيط ده.
قال ضاحكًا:
- عمرك ماهتعرفي تقولي كلام حلو للآخر.