تحميل رواية «حكاية قدر» PDF
بقلم نور شريف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انت عارف يا ابوي ان كل كلمة بتقولها انا بسمعك فيها. انا متجوز تلاته، عايز اتجوز الرابعه وكمان صغيرة. اي يا يونس هتعصي اوامر ابوك؟ دي بت غلبانة ملهاش حد. سمعتي الي سمعته يا بت انتي وهي. هيتجوز الرابعة عشان يخلف منها، الا مافي واحده فينا جابت ليه حتت عيل. عايزه ميتجوزش، ابوه زعلانن عشانه يا حبه عين امه. خلاص يا ابوي انا موافق. شوف هنتقدم ليها امته. وكتب كتاب، لاكن انا مش هعمل فرح. ومتنساش انها تكون بت بنوت. غير اكده هي مش غلبانة، هي اكده ضيعت شرفها. سلوي واقفة تشوف بيتاكلوا في اي. ياريتها ما تتدخل...
رواية حكاية قدر الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم نور شريف
شهاب واقف، عيونه على دهب اللي النار مسكت في هدومها، وهي من الخوف فقدت توازنها وخلاص هتقع من الدور التاني على الأرض. صرخ باسمها برعب وهو خلاص هيتجنّ من الخوف عليها: "دهب!"
ومن غير تفكير رمى نفسه خلف دهب ومسِكها، بس للأسف وقعوا هما الاتنين على الأرض. لكن كان شهاب على الأرض ودهب فوق منه. وفي اللحظة دي المطافي تكون وصلت وبتقوم بعملها..الجميع يجري على دهب وشهاب يشوف حصل لهم إيه. نور ببكاء شديد وخوف:
"شهاب يا ابني !"
سماح بنفس الخوف: "يا رب احمي أحفادي يا رب.. أنتوا كويسين؟"
مهند بصوت عالي: "شهاب! دهب!"
وينزل جاري وبصوت ممزوج بالخوف: "دهب!"
دهب ترفع رأسها باستغراب وتنظر إلى شهاب اللي فقد وعيه تماماً، وبصوت ممزوج ببعض الخوف والدموع:
"شهاب… انت كويس؟ رد عليّ! طيب افتح عينك!"
وتنظر إلى الجميع وبدموع وخوف شديد: "هو ليه مش بيفتح عيونه؟"
تقي تقعد علي الارض وتاخد شهاب من بين ايد دهب وتفضل تهز فيه وهي بتقول بخوف ودموع: "شهاب… حبيبي افتح عينك! يلا يا حبيبي!"
دهب تنظر إلى تقي بصدمة: "حبيبي؟"
وتبص على شهاب اللي نايم على الأرض: "هو انت عملت فيّا إيه؟ معقولة أنا… حضرت الظابط دهب… يوم ما قلبي ينبض، ينبض لحبيب واحدة تانية؟! لا… مستحيل اسمح بكده. مش أنا اللي آخد حبيب واحدة تانية."
وتفضل تكرر في الجملة كأنها بتحاول تقنع عقلها قبل قلبها باللي بتقوله: "مش أنا اللي أحب حبيب واحدة تانية… انت فاهم؟ أنا مستحيل اسمح بكده."
وتبعد عن شهاب وهي بتبص لتقي اللي بتبكي بشكل مش طبيعي من كتر الخوف: "أنا مستحيل اسمح لنفسي بكده… مستحيل."
نور بدموع: بقا كده يا شهاب؟! أنا حلفتك ما تخوّفنيش عليك يا بني… يلا يا ضنايا افتح عينك.
مهند جاي يجري وبخوف: دهب! بنتي… انتي كويسة؟
ويقرب منها وياخدها في حضنه: ما تعرفيش أنا خوفت عليكي قد إيه يا بنتي… خوفت تسيبيني وتمشي زي أمك.
دهب واقفة بهدوء تام، ومصدومة في نفس الوقت من اللي مهند عمله. وهي مش قادرة ترد وتقول "ابعد عني"، "أنا بكرهك" حاسة بحنان مش طبيعي في الحضن ده… أيوه حضن عصام كان حنون جدًا، بس مش بنفس حنان الحضن مهند…أنا حاسة إن دي أول مرة حد يحضني في حياتي… أنا بجد ضعيفة قوي قدّام الحنان ده.
وفي لحظة، أول ما يذكر مهند اسم أمها، مشاعرة تتغير كأن حد جه وضربها قلم جامد فوقها من دوامة كانت تايه فيها. وبغضب تبعد مهند عنها بعنف لدرجة كان هيقع علي الارض بس واحد من الموجودين سنده في اخر للحظة ودهب بتقول بصوت عالي ودموعها نازلها علي خدها: افهم بقا يا بني آدم انت! أنا مش بنتك!
أنا مش يشرفني يكون اسمي على اسمك! أنا بكرهك… انت فاهم؟! بكرهك… بكرهكم كلكم! انتو فاهمين؟
انتو السبب في موت أمي! ومش بس كده… وبدموع… انتو عذبتوها كتير قوي قبل ما تموت!
وبغضب تمسك مهند من هدومه وبصوت ممزوج بالدموع: وده كله ليه؟! علشان بس حَبّتك! علشان أخلصت لحبها! انت تعرف يا أستاذ مهند كانت أمنية أمي الأخيرة إيه؟ كانت عايزة تسمع صوتك…كانت عايزة تحس إن في حد جنبها في آخر لحظة في حياتها… بس انت عملت إيه؟! أهنتها… جرحتها… وعيّشتها في ذل!
وتزق مهند جامد لدرجة إنه كان هيقع على الأرض للمرة التانية لولا هاني مسكه. دهب بدموع حزن وكره: أنا بكرهك قوي يا مهند! ومستحيل أسامحك على أي حاجة عملتها في أمي… وانا هدفعك هدفعكم كلكم التمن غالي اوى ده وعد مني طول ما أنا عايشة!
هاني بحزن: بس يا بنتي انتي...
وقبل ما يكمل كلامه، مهند يحط إيده على كتف هاني ويبص له بحزن: سبها تقول اللي هي عايزة تقوله… هي معاها حق. أنا فعلًا ما استاهلش السماح على اللي عملته في الماضي.
سماح بدموع: بس يا بني… هي ما تعرفش غير جانب واحد بس من اللي حصل زمان.
وتبص لدهب: وللأسف… الجانب السيّئ بس. يا بنتي في حاجة لازم تعرفيها… إحنا مفيش حد فينا كان يعرف إن أمك مريضة بالسرطان. ولو كنا نعرف… كنا ساعدناها وقدمنا لها العلاج. لكن للأسف… هي خرجت من البيت من غير ما حد يعرف عنها حاجة.
دهب بسخرية: ولما كانت في بيتك وهي مريضة شهرين… ما كنتوش تعرفوا عنها حاجة برضه؟ ولما كانت بتاخد علاج غلط يسبّبلها السرطان… ما كنتوش تعرفوا عنها حاجة برضه؟ ولما أجبرتُوها تسيب البيت بسبب المعاملة والذل والاستحقار اللي كنتوا بتعملوه فيها… برضه ما كنتوش تعرفوا عنها حاجة يا مدام؟
الكل في حالة ذهول من كلام دهب، واللي بيسمعوه… ومفيش حد عارف يرد ولا يقول حاجة.
سوزان تفرك ايدها بخوف وشه بيعرق من كتر التوتر وهي بتكلم نفسها: يا رب استرها… والبت دي ما تجيبش اسمي في حاجة. دي تبقى مصيبة لو ذكرت اسمي… أكيد مهند هايقتلني لو عرف إني السبب في موت دهب.
مهند بصدمة: إيه اللي انتي بتقوليه ده يا بنتي؟!
إزاي… دهب أمك كانت مريضة بالسرطان وهي لسه في بيتي؟ ومين اللي كان بيجبرها تاخد علاج يسبب لها السرطان؟ انتي أكيد غلطانة… أمك يا دهب تعبت بالسرطان بعد ما سابت البيت. انتي اللي وصّلك المعلومات… وصّلها غلط.
دهب بجمود: لأ يا أستاذ مهند… معلوماتي صح 100%،
بس للأسف… مفيش دليل.لإن الدليل اللي كان موجود… للأسف زمانه اتحرق في بيت حضرتك بعد اللي حصل ده.
لسه مهند هيتكلم… يقطع كلامه صوت نور.
نور بدموع وخوف على ابنها: يا جماعة… أبوس إديكم… مش وقت الكلام ده! ابني هايروح مني!
حد يتصل بالإسعاف ولا يعمل حاجة… شهاب مش بيفتح عينه!
هاني يروح لمراته بخوف وقلق: ما تخافيش يا نور يا حبيبتي… إن شاء الله هيكون كويس. أنا اتصلت على الإسعاف… وهما زمنهم في الطريق. ما تخافيش… شهاب ابننا راجل، ما يتخفش عليه.
مهند بامتنان: فعلاً… شهاب راجل، وما يتخفش عليه.
أنا عارف… مهما أقول أو أعمل، مش هييجي نص اللي هو عمله.
دهب تبص لمهند بكره… وما تتكلمش. وبعد فترة… الإسعاف وصلت، وخدوا شهاب على المستشفى.
-------
في المستشفى
الدكتور طالع من الأوضة اللي فيها شهاب بعد ما كشف عليه. مهند وهاني بخوف، وبصوت واحد:
مهند وهاني:خير يا دكتور؟ طمّنا… شهاب عامل إيه؟
الدكتور: هو الحمد لله كويس… بس حصل عنده كسر بسيط في كتفه ودراعه، بس الحمد لله حالته مستقرة.
ولما يفوق تقدروا تاخدوه على البيت عادي.
نور بدموع: الحمد لله يا رب…أقدر أدخل أشوفه يا دكتور؟
الدكتور: أيوه… تقدروا تدخلوا تشوفوه في أي وقت تحبّوه.
سماح بدموع: طب… إحنا هِنعيش فين دلوقتي يا رب بعد اللي حصل ده؟
هاني: اهدّي يا أمي، وماتشيليش إنتي همّ حاجة علشان صحتِك. هو انتي نسيتي إن لسه عندنا بيتنا القديم؟هنرجع نعيش فيه لحد ما نصلّح البيت التاني. ولا إنت رأيك إيه يا مهند؟
مهند يكلم نفسه بخوف وحزن: معقولة… هرجع أعيش تاني في البيت القديم؟ أنا قفلته علشان ذكريات دهب كلها فيه… ماقدرتش أعيش فيه.وبعد ٢٤ سنة أرجع له تاني؟ يا رب… أنا ماليش غيرك. هَوّن عليا يا رب… وارحمني من العذاب ده. من ٢٤ سنة وأنا بهرب من كل حاجة تفتّح عليّ جراح الماضي…ودلوقتي مضطر أرجع أفتح جرحي بإيديا.
هاني: مهند… أنا بكلمك، انت كويس؟
مهند والخوف ظاهر عليه: أيوه، الحمد لله كويس… ماتخافش. بس خلينا نطّمن على شهاب الأول، وبعد كده ربنا يفرجها.
الكل – هاني وسماح – يلاحظوا خوف مهند من مواجهة ذكريات دهب اللي موجودة في البيت القديم…لكن مفيش حل غير كده في الظروف دي.
وبعد وقت…
شهاب يفوق، ويلاقي كل العيلة واقفة حواليه وهو نايم على السرير. وبصوت ضعيف من شدة الألم:دهب… فين؟ حصل لها حاجة؟
مهند بصوت ممزوج بدموع، وهو بيحضن شهاب:
شكرًا أوي يا بني…أنا مش عارف لولاك كانت دهب حصل لها إيه. عارف… كلمة شكراً ما تجيش حاجة جنب اللي انت عملته.
شهاب يقطع كلام عمه قائلاً: من بعد إذنك يا عمي…أنا مش غريب علشان تشكرني. وأنا…بطلب إيد دهب من حضرتك. أنا عايز أتجوزها.
------------
في بيت مهند
بعد ما المطافي طفوا الحريق ومافيش غير سوزان نزلها من الدور التاني مسكها صندوق مجوهراتها فجأة تشوف شخص داخل من الباب حاطط ايديه الاتنين في جيوبه وهو بيبص لأثر الحريق بحزن.. سوزان من خوف الصندوق يقع منها وهي بتقول صوت عالي: انت بتعمل إيه هنا؟ امشي، لو حد شافك هتكون مصيبة، وأنا مش ناقصة مصايب. أبوس إيديك امشي قبل ما حد ييجي ويشوفك.
الشخص يضحك: معقولة للدرجادي اتغيرتي وبقيتي جبانة يا سوسو! ده بدل ما تقولي "حمد الله على السلامة يا أبو بنتي" أو تقولي "وحشتني" بعد السنين دي كلها؟ ده اللي بيني وبينك مش شويّة برضو ولا إيه؟
سوزان بخوف لحد يسمع الحديث وتنظر يمين وشمال خوفًا لحد يكون موجود: هششش اسكت لحد يسمع حاجة. انت عارف لو السر ده انكشف مهند هيعمل فينا إيه إحنا الاتنين! وأنا ما استحملتش العذاب طول السنين دي علشان أنت تيجي تنهي كل حاجة في لحظة. وتِقي بنتي أبوها مهند مش انت. افهم بقا، وأبوس إيديك امشي قبل ما حد يشوفك، مش ناقصة… كفاية عليّا مهند وبنت دهب.
الشخص بغيظ وبصوت ممزوج بالغضب ويمسك سوزان من رقبتها: انتي أكتر واحدة عارفة تِقي بنت مين! فين تِقي تبقى بنت مهند ازاي وهو من يوم ما اتجوزك ما قربش منك! وحتى يوم ما شربتيه المخدر انتي قولتي نام وما حصلش حاجة بينك وبينه. وأنا وانتي كان بينا علاقة من قبل ما تتجوزي إنتي ومهند. إزاي بقا تِقي مش بنتي؟
ويبعد عنها بغضب: أنا كان ناقصني إيه علشان تسبيني بعد ما حبيتك الحب ده كله وتروحي لمهند؟! أنا كنت مستعد أعمل أي حاجة علشان أرضيكي، وحتى قولتلك خلينا نتجوز ونعيش مع بعض. بس لا، انتي مش بتفكري غير في مهند… حتى أخدتي بنتي تِقي مني وادّتيها لمهند.
في نفس اللحظة تكون تقي دخله وتسمع الكلام اللي شخص قاله وتقول بصدمة وهي وقفة مكانها: أنت مين؟ وإيه الكلام اللي أنت بتقوله ده؟
سوزان تبص لها لصدمة وخوف: تِقي! بنتي، انتي هنا من إمتى؟
—-----
في المستشفى، في الأوضة اللي فيها شهاب. مهند بصدمة: انت بتقول إيه يا شهاب؟
شهاب بتعب وبيحاول يقوم من مكانه ويعدل نفسه في الجلوس: زي ما حضرتك سمعت… أنا عايز اتجوز دهب من بعد إذنك.
نور تجري على شهاب لما تلاقيه بيحاول يقعد وما يقدرش من شدة التعب، وتساعده يقعد وتحط له مخدة ورا ضهره علشان يستريح أكتر في الجلوس، وبصوت ممزوج بالاستغراب: اهدى يا شهاب… الدكتور قال الحركة الكتير لك اليومين دول غلط عليك.
هاني باستغراب، وهو يعلم إن ابنه مش ناوي على الخير: انت عايز تتجوز دهب ليه يا شهاب؟ وحسب علمنا كلنا إن انت ودهب مش بترتاحوا لبعض. ليه عايز تتجوزها وانت عارف إنها مش بتحبك؟ وبحسب علمي… انت كمان مش بتحبها.
شهاب ينظر لوالده ولا يعلم بماذا يجيب، وبصوت ممزوج بالتوتر: ما هو أنا بعد اللي حصل ده كله عرفت إني بحبها. وعلى فكرة بقا… أنا ودهب كنا مع بعض من أيام الكلية بس ماكناش لسه نعرف بعض وكده.
نور باستغراب، وهي تعلم أن ابنها يكذب أو بيحاول يخبي شيء: بس انت ولا مرة قولت إن في بنت في حياتك يا شهاب؟
شهاب يحاول يغير الموضوع: وأنا من إمتى بقول حاجة تخص حياتي لحد؟
وينظر لمهند اللي واقف بجمود ومش عارف يعمل إيه: انت إيه رأيك يا عمي مهند؟
مهند: بصراحة أنا مش عارف أقولك إيه يا شهاب. مع إني عارف ومتأكد إني مش هلاقي أفضل منك لدهب، بس… (ويكمل بصوت حزين) بس زي ما انت عارف دهب مش بتعتبرني أبوها، وأنا مش هدخل في حياتها أو أي حاجة تخصها. لو بتحبها بجد اطلبها من أبوها اللي رباها… هي مش بتعترف إني أبوها.
شهاب: اسمعني بس يا عمي مهند… أنا لازم أتجوز دهب بأسرع وقت؛ لأن في حد بيحاول يقتل دهب، ودهب بتحاول تدمر العيلة.
مهند بعدم فهم: قصدك إيه؟ مين ده اللي عايز يقتل دهب؟
شهاب يتنهد ثم يقول: اقعد يا عمي مهند وأنا هافهمك كل حاجة دهب بتحاول تعملها.
مهند ينظر لكل الموجودين، والقلق بياكل قلبه خوفًا من الكلام اللي هيسمعه من شهاب، ويروح يقعد جنب شهاب على طرف السرير، وبصوت ممزوج بتوتر: قول يا بني… إيه اللي بيحصل وأنا ماعرفهوش؟
شهاب يشعر بخوف وقلق عمه، ويضع يده على كتفه يحاول تهديته: اهدى يا عم مهند… وأنا بإذن الله طول ما أنا موجود وباتنفس مش هاسمح لأي حد يؤذي دهب، ولا حتى هاسمح لها تنفذ اللي في دماغها.
مهند باستغراب: ليه؟ دهب ناوية على إيه؟
شهاب بجمود: دهب رافعة قضية في المحكمة… ومتهمّة كل العيلة بقتل أمها. والمحكمة وافقت على طلبها، بس محتاجين إثبات أو دليل يثبت إن العيلة هي السبب في موت أمها فعلًا. وعلشان كده دهب جات تعيش معانا في البيت علشان تجمع أدلة ضد العيلة… وانت بالذات يا عمي مهند. بس اللي مستغربه ومش فاهمه… إن في حد بيحاول يقتل دهب. بس مين؟… أنا لسه مش عارف.
الكل في حالة من الذهول والصدمة من كلام شهاب. سماح بدموع وعدم تصديق: معقولة دهب رافعة قضية على أبوها؟
وبصوت ممزوج بالغضب والدموع: لا… دي محتاجة حد يحط لها حد ويربيها من أول وجديد.
شهاب وهو ينظر لمهند: وده اللي أنا عايز أعمله… علشان كده أنا عايز أتجوز دهب قبل ما تنفذ اللي في دماغها، وكمان أقدر أحميها من اللي عايزين يؤذوها.
مهند بحزن: في رأيك… هي هتوافق؟
شهاب: مش مهم توافق ولا لأ… هو أنا وانت نكتب كتب الكتاب، وساعتها هنحطها قدام الأمر الواقع.
نور بصدمة من كلام شهاب: إيه اللي انت بتقوله ده يا بني؟! معقولة عايز تتجوز واحدة من غير ما توافق عليك… وكمان من غير علمها؟!
مهند بتفكير وحزن: أنا موافق علي كلامك يا شهاب اهم حاجه بنتي ما يحصلش لها حاجه انا ما قدرتش احمي أمها بس مستعد اعمل ايه حاجه علشان أحميها
--------
في منزل مهند
سوزان بصدمة وخوف لتكون تِقي سمعت شيء من هذا الحديث الذي كان بينها وبين الشخص، وبخوف وتوتر شديد: تِقي حبيبتي، انتي هنا من إمتى؟
تِقي بعصبية: مش مهم… المهم إيه اللي أنا سمعته ده؟ ومين الشخص ده؟
سوزان خلاص هيغمى عليها من كتر التوتر: هو إيه اللي انتي سمعتيه يا تِقي؟
تِقي بصوت ممزوج بالغضب والدموع وبصوت عالي: أنا بسأل مين ده؟ وليه بيقول إني مش بنت مهند؟ وإذا مهند مش بابا… مين بابا؟
الشخص: أنا هو أبوكي يا تِقي. كفاية كِذب بقا… من 25 سنة وإحنا بنكذب، وانتي أكتر واحدة عايشة في كذبة.
تِقي بصدمة ودموع هربت منها من كتر الصدمة من الكلام اللي سمعته، شلّ كيانها بالكامل، ولا تقدر تنطق بشكل طبيعي، وبصوت متقطع وهي تنظر لأمها ثم تنظر للشخص: إنت… إيه اللي بتقولُه ده؟ أنا ب…أب… مهند… إنت بتكذب… أنا مستحيل أصدق.
وفجأة ومن كتر التوتر تقع على الأرض مغمي عليها. سوزان بدموع والخوف يمزق قلبها: تِقي! حبيبتي افتحي عينِك… أنا آسفة يا بنتي… سامحيني.
وتفضل تعيّط… ليس خوفًا على تِقي، بل خوفًا من اللي هو قادم.
الشخص بخوف: تِقي…
ولسه هيقرب منها، يوقفه صوت سوزان الغاضب: ابعد عن بنتي! أوعى تلمسها! أنا بكرهك… بكرهك! انت السبب في كل حاجة… إيه اللي خلاك ترجع؟
وتقوم من على الأرض وتمسك الشخص من هدومه بغضب، وبصوت مليان كراهية: عايز تدمر كل حاجة أنا عملتها؟ عايز تاخد بنتي مني؟ ده يكون في بعدك! لو ده حصل وانت لسه ما تعرفش مين سوزان… وما تعرفش أنا ممكن أعمل إيه. أنا ممكن أقتل أي حد علشان السر يفضل سر… انت فاهم؟
تبص حوليها تلاقي قطع زجاج علي الارض تمسكه وهي بتقول بغضب: حتى لو كنت انت يا تامر انا مستعده اخلص عليك.
وتجري علشان تضربه بالزجاج. بس تامر بغضب يمسك إيد سوزان اللي ماسكة بيها قطعة الزجاج، ويحطها على رقبته، ويقول بغضب:انتي اتجننتي يا سوزان؟ تمسكي عاوزه تخلصب عليّا؟ انتي نسيتي نفسك؟ نسيتي أنا مين وانتي مين؟ ده احنا دفنينه سوا!للدرجادي غدارة وعايزة تقتليني بعد كل اللي أنا عملته علشانِك! بس إيه رأيك لو أقتلك أنا في اللحظة دي؟
ويضغط على على رقبتها لدرجة نزفت. سوزان بدموع وترجّي: امشي … أبوس إيدك… كفاية اللي حصل… أبوس إيدك يا تامر امشي قبل ما حد تاني يشوفك هنا… أبوس إيدك.
تامر بغضب من هذه الأنانية واللي مش يهمها حد غير نفسها، ويبعد عنها بقرف، ويرمي قطعة الزجاج على الأرض بعصبية، وبهدوء مميت عكس اللي بيحصل جواه: طيب يا سوزان… أنا همشي دلوقت… بس هرجع.
وينظر إلى تِقي اللي نايمة على الأرض مغمي عليها:
لإن أنا مستعد أحارب العالم علشان أخد بنتي في حضني… حتى لو انتي يا سوزان.
ويتركها ويرحل من أمامها.. وسوزان تفضل وقفها عرقها سابق دموعها وهي بتبص لتقي اللي نايمه علي الارض وتبص علي قطع الزجاج وهي بتقول: انا مستعده اعمل ايه حاجه علشان السر يفضل سر.
---
في المستشفى
شهاب بابتسامة انتصار وتائه في تفكيره وهو ماسك في ايديه قسيمة جواز بأسمه هو ودهب: خليني أشوف يا ست دهب هتعملي إيه بعد اللي حصل ده… انتي بقيتي ملكي أنا وبس. وشوفي أنا هعمل فيكي إيه على اللي انتي عملتيه ده… وشوفي إزاي هكسّرك… غرورك وثقتك دي.
نور بخوف: في رأيكم… دهب هتسكت بعد اللي حصل ده؟ ولا هتعمل إيه بعد ما تعرف؟
مهند ينظر لزوجة أخيه ويلتزم الصمت، وفي ذهنه: أنا عارف إني ماليش حق أدخل في حياتِك يا دهب… بس أنا مش مستعد أخسرك زي ما خسرت أمك.
ثم ينظر لشهاب ويكمل بحزن: أنا متأكد إن شهاب الوحيد اللي هيقدر يحميكي ويحافظ عليكي ومع الوقت هتفهمي اللي عملته ده
رواية حكاية قدر الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم نور شريف
تاني يوم خرج شهاب من المستشفى وكل العيلة رجعوا البيت القديم بتاع أبو مهند الحاج محمد.
سماح تبص للبيت بدموع وتتذكر الأحداث الماضية وكيف كانوا عايشين في المنزل وكيف كانت الفرحة والبهجة تملأ المنزل، وكيف كانت عايشة أيام زوجها المتوفى ومع أولاده، وتذكرت دهب وكيف كانت ابنتها الحنونة، وتذكرت أيضًا موت زوجها والأحداث السيئة التي حصلت في الماضي… وكل ده بتحكيه الدموع اللي نازلة على وجهها، وبصوت ممزوج بالدموع: ياه… بقا أنا غايبة عن بيتي خمسة وعشرين سنة… مش مصدقة إني كنت عايشة! ما تعرفوش معنى اللي أنا حاساه دلوقتي.
نور:أيوه فعلاً يا ماما… البيت ده فيه الذكريات حلوة قوي، بس للأسف فيه السيئ والبشع جدًا.
هاني يحب يقلب الجو ويغير الحديث، وهو ينظر إلى مهند وهو يعلم إنه أكتر شخص متأثر بهذا المنزل، ويعلم أيضًا إن الرجوع مش سهل عليه… فهو اللي طلب المغادرة وإغلاق هذا المنزل من أجل إغراق باقي الذكريات، ولأن بعد كل السنين دي رجعوا للصفر مرة تانية: إيه يا جماعة؟ هنفضل واقفين على الباب كده كتير؟ وما تنسوش إن إحنا من امبارح في المستشفى ومافيش حد أكل حاجة… وأنا بصراحة جعان أوي.
وينظر إلى شهاب اللي واقف وعينيه بتدور على دهب:
وانت يا شهاب… باين عليك تعبان. اطلع ارتاح شوية على ما الأكل يجهز.
بس كان شهاب في عالم آخر… وماسمعش ولا كلمة من كلام هاني.
شهاب مستغرب في نفسه: هي فين دهب؟ مش شايفها من ساعة اللي حصل… معقولة يكون حصل لها حاجة؟ أو تكون في خطر ومفيش حد يعرف؟ يا رب… هو أنا ليه خايف عليها بالشكل ده؟ معقولة أكون حبيتها بجد؟
لا! حب إيه… أنا لازم أنتقم منها على القلم اللي ادتهولي… بس هي فين؟
ويفوق من شروده على صوت هاني وهو بيحاول يركز:
نعم يا بابا؟ خير… في حاجة؟
هاني باستغراب: مالك يا شهاب؟ بقالي ساعة بكلمك… ولا انت هنا يا بني؟
شهاب بأسف: معلش يا بابا… أنا آسف. بس في حاجة شاغلة بالي شوية.
نور: ربنا يريح بالك يا بني… تعالى يا حبيبي اطلع ارتاحلك شوية على ما نجهز الفطار.
وتنظر إلى سماح: وانتي كمان يا ماما… ادخلي ارتاحي شوية. أكيد تعبانه من جو المستشفى… واللي حصل امبارح ماكنش سهل.
سماح وهي تمسح دموعها: انتي ما تعرفيش يا بنتي أنا مرتاحة قد إيه دلوقتي… البيت ده وحشني قوي… ذكريات الحاج محمد… الله يرحمه ويسامحه ويجعل مثواه الجنة… ويغفر له يا رب العالمين. وفي ذكريات حبيبة قلبي دهب كمان.
وفي اللحظة دي، الكل ينظر إلى مهند اللي واقف بجمود وظاهر عليه البرود، عكس الحزن والاشتياق، والذكريات اللي هجمت على عقله وقلبه من غير إنذار.
مهند ببرود ويحاول يداري الحزن والألم اللي في قلبه علشان ما يظهرش ضعفه: إيه مالكم؟ بتبصولي ليه كده؟ إيه يا جماعة؟ مفكريني ضعيف للدرجاتي ومش هقدر أعيش في البيت؟ أيوه… هو فيه ذكريات مؤلمة قوي… بس برضه ما تنسوش إن فيه ذكريات جميلة قوي… وأنا عشت أجمل سنين عمري في البيت ده… كبرت واتربيت فيه… وحتى لما حبيت… أنا حبيت فيه. والذكريات الجميلة بيني أنا وحبيبتي دهب فيه برضه… ما تخافوش يا جماعة… أنا مش ضعيف للدرجاتي علشان ماقدرش أعيش في البيت ده. أيوه… أنا اللي طلبت نطلع منه… بس أنا عشت خمسة وعشرين سنة بعيد عنه… بس الذكريات مش ساكنة في الحيطان والطوب… بالعكس… الذكريات دي في قلبي وعقلي… وأنا ماقدرش أنسى منها لحظة، سواء حلوة أو وحشة.
(وينظر لنور قائلاً بنبرة حزينة) لو سمحتي يا نور… ياريت تجهزي الفطار في أسرع وقت… علشان عندي اجتماع مهم في الشركة.
ويترك الجميع ويمشي… هارب من نظراتهم ومن الدموع اللي على وشك تنزل من عينيه. سماح بحزن وهي تعلم قد إيه ابنها بيتألم، لكنها تعلم إنه مش هيظهر ضعفه قدام حد: ربنا يريح قلبك يا مهند يا بن بطني… ويحنّن قلب بنتك عليك… ربنا يهديكي يا دهب… وما تعمليش اللي انتي ناوية عليه… يا رب العالمين.
الكل بصوت واحد: اللهم آمين يا رب العالمين.
نور بقلق: بس في رأيكم… لو دهب نفذت اللي في دماغها… إيه اللي ممكن يحصل؟
الكل ينظر لها… ويلتزم الصمت.
ــــــــــــــــــــــ
في مكان آخر
تقي تفتح عينيها وتتذكر كل ما حدث أمس وبصوت ممزوج بالدموع: "لا مستحيل اللي أنا سمعته ده حقيقة، أكيد في حاجة غلط، أنا بنت مهند، أيوه أنا اسمي تقي مهند محمد، أيوه أكيد بيكذب."
ومن الصدمة بيتردد في ذهنها كلامها من غير وعي منها.
سوزان تدخل الغرفة تلاقي تقي عمالة تردد في جملة واحدة: "أنا بنت مهند، أنا بنت مهند، أنا مش بنت حرام."
سوزان بخوف من الحالة اللي فيها تقي وبخوف أكثر من اللي سمعت تقي بتقوله.
تقي: "أنا لازم أعرف بابا إني أنا بنته، أيوه أنا هسأله وأنا متأكدة إنه مش هيكذب عليّا."
وبدموع: "هو أيوه مش بيحسسني بحنانه بس مافيش مرة كذب عليّا."
وتروح وتمسك التليفون علشان تتصل على مهند. سوزان تبص لها بخوف تجري وتاخد التليفون من تقي:
"إنتِ اتجننتي؟! هو إيه اللي عايزة تقوليه لمهند؟"
تقي وهي تحت تأثير الصدمة: "عايزة أسأله إذا كان أبويا ولا لا، هو مش هيكذب عليّا، أنا متأكدة."
سوزان تحاول التقرب من تقي لأجل تهدئتها وبخوف شديد لا تقي تنفذيش اللي بيدور في عقلك وتخبّري مهند بكل حاجة: تقي حبيبتي، اهدى بس، وأنا هفهمك كل حاجة، بس بلاش تعرفي مهند بحاجة، حبيبتي إنتِ ماتعرفيش أبوكي، ده لو عرف حاجة ممكن يقتلني فيها."
تقي بانفعال وتدفع سوزان بقوة للخلف وتبعدها عنها بعنف وبصوت عالي: "أنا مش يهمني إيه اللي يحصل، كل اللي يهمني أعرف أنا بنت مين ومين أبويا، بس إما إيه هيحصلك أو هيحصل أي شيء تاني، ده مايخصنيش."
تمسك سوزان بعنف من كتفها وبصوت ممزوج بالدموع:
"قولي إني بنت مهند، قولي إنه كان بيكذب، بالله عليكي قولي إني مش بنت حرام وإني بنت مهند."
سوزان بدموع وانفعال تدفع تقي للخلف فتقع تقي علي الارض بقوة: "بس بقى حرام عليكم، ارحموني أنا تعبت أوي، خمسة وعشرين سنة ماشفتش لحظة حلوة، وللأسف أنا اللي جبته لنفسي، ممكن ذنب دهب، ممكن ربنا بيعاقبني على أخطائي في الماضي مش عارفة؟"
وتنظر إلى تقي وترفع صباعها في وجهها: "بس اللي أنا عارفاه إني مستحيل أسمح للماضي ينهي مستقبلي، وإنتِ عايزة تعرفي مين أبوكي؟ أيوه يا تقي، إنتِ مش بنت مهند، إنتِ بنت تامر، إنتِ فاهمة؟ إنتِ مش بنت مهند، إنتِ بنت تامر."
تقي تقوم من على الأرض وتجري عايزة تخرج وتروح عند مهند، وبصوت ضعيف: "أنا لازم أعرف بابا بكل حاجة."
ولسه هتفتح الباب، سوزان تشدها من شعرها جامد: "تعالي هنا، إنتِ رايحة فين؟ وإيه اللي إنتِ عايزة تعرفيه لأبوكي يا مجنونة؟ إنتِ عارفة لو فتحتي بوقك بكلمة، أنا هاعمل فيكي إيه؟ أنا مستعدة أقتلك زي ما قتلت دهب. مهند ليا أنا وبس. إنتِ فاهمة؟ مهند حبيبي، مفيش حد هياخده مني، حتى إنتِ مش هتاخديه مني، إنتِ فاهمة؟"
وتمسك تقي من رقبتها جامد وهي بتقول: "عايزة تعرفي ليه مهند مش بيقرب منك؟ علشان أنا مش عايزاه يحب واحدة غيري، أيوه أنا اللي كنت بخليه يكرهك زي ما خليته يكره دهب."
وتفضل تضحك بصوت عالي:
"مهند ليا أنا وبس."
تقي مصدومة من سوزان وتصرفاتها وتنظر لها باستغراب شديد: "إنتِ مين؟ إنتِ مستحيل تكوني أمي، إنتِ شيطانة."
--------------
في المنزل، الباب بيخبط.
نور من المطبخ: "معلش يا باري يا حبيبتي، شوفي مين على الباب."
باري: "حاضر يا ماما."
وتجري وتفتح الباب وتقول باستغراب: "إنتي؟"
دهب بجمود: "ليه؟ هو أنتم كنتم مستنين حد تاني ولا إيه؟"
باري: "لا أبدًا، اتفضلي."
دهب لسه هتدخل. شهاب نازل السلم وهو بيقول بصوت عالي: "والله نورتي يا هانم حمدلله على السلامة."
دهب باستغراب من نبرة شهاب وصوته العالي: "نعم؟ هو أنا كان لازم آخد الإذن من حضرتك الأول ولا إيه؟"
شهاب بنفس الصوت: "أيوه يا محترمة، كان لازم تاخدي الإذن الأول بما إنك بقيتي ست بيت وعايشة مع بشر."
دهب بغضب من كلام شهاب وصوته العالي:"ليه؟ هو حد قال لك إني كنت عايشة مع حمير؟"
نور تخرج من المطبخ على الأصوات العالية:
"إيه؟ في إيه؟"
وتنظر إلى دهب: "دهب بنتي، مالك صوتك عالي ليه كده؟"
دهب بغضب: "اسألي ابنك المحترم علشان أنا مش ناقصة وجع دماغ."
ولسه هتطلع على السلم، شهاب يمسك دهب من ذراعها جامد ويشدها ويوقفها قدامه وبغضب: "إنتي رايحة فين؟ مش بكلمك؟ كنتي فين طول الليل يا بت إنتي؟"
دهب تنظر إلى قبضة شهاب علي ذرااعها بغضب: "إنت واحد قليل الأدب وماحدش علمك إزاي تتكلم باحترام. أنت مش متربي، مين سمحلك تقرب مني وتمسك إيدي بالشكل ده؟"
شهاب بغضب ومن غير ردة يضرب دهب بالقلم فجأة:
"مين اللي قليل الأدب ومش متربي يا بت إنتِ؟ الظاهر إنتِ اللي عايزة تتربي من أول وجديد."
نور بصدمة من تصرف شهاب: "عيب عليك يا شهاب، ترفع إيدك على مراتك قدامنا كده يا ابني!"
دهب من قوة القلم لفت وجهها الاتجاه الآخر وتحط إيدها على وشها وتنظر إلى الأرض بصدمة، هل ما حدث حقيقة؟ هل هذا المتجرف ضربني بالقلم فعلاً؟ ولكن تأتي الصدمة الكبيرة عندما تسمع ما قالته نور، وتنظر إلى نور بذهول وباستغراب: "إنتي بتقولي إيه؟ هي مين دي اللي مراته؟"
مهند نازل من على السلم يسمع الحديث بين دهب ونور، وبصوت عالي وهو يعلم أن دهب مش هتعدّي اللي هو عمله ده بسهولة: "أيوه يا دهب، مرات عمك بتقول الحقيقة. إنتِ وشهاب بقيتوا متجوزين دلوقتي وعلى سنة الله ورسوله."
تقي دخلت من باب المنزل هي وسوزان، والاتنين يقفوا مصدومين من اللي هم سامعينه، والخبر نزل على ودان تقي مثل الصاعقة. تقي ودموعها نازلة ومن غير ما تتكلم والحزن يملأ قلبها:ماذا يحدث؟ هل هذا يوم الصدمات؟ هل هذا هو عالمي؟ لا مستحيل… أشعر كما لو أني فتاة غريبة في هذا العالم… هل هذه عائلتي حقاً؟ ولا أنا تائهة؟ وتنظر إلى دهب: هل هذه الفتاة صارت زوجة حبيب قلبي شهاب؟ وبصوت يظهر فيه الصدمة وتحاول بكل ما تملك من قوة النطق مرة أخرى:
"هو إيه اللي إنت بتقوله ده يا بابا؟ هي مين اللي بقت مرات شهاب؟"
الكل ينظر إلى تقي وهما يعلمون كم هي بتحب شهاب، وكانت عايشة على أمل إنها تكون هي زوجته في المستقبل، ولكن كل شيء قسمة ونصيب.
مهند: "حبيبتي، هو اللي حصل."
وينظر إلى الجميع ولا يعلم ما الذي يقوله لهذه الفتاة المسكينة اللي مالهاش ذنب في شيء.ينقذه صوت دهب قائلة: "أنا بقى عايزة أعرف… إيه هو اللي حصل؟ هي لعبة صح؟ ولا أنتم بتهزروا؟"
شهاب بجمود: "في رأيك موضوع زي ده فيه هزار يا حضرة الظابط؟ أنا اتجوزتك على سنة الله ورسوله وبإذن من والدك."
تقي عندما سمعت كلام شهاب شعرت أن قدميها لا تتحملانها وتنهار على الأرض من شدة الصدمة.
سوزان بخوف: "تقي حبيبتي، إنتي كويسة؟"
وتمسك تقي وتقومها من على الأرض.
مهند بخوف وهو يعلم قد إيه هي تتألم: "تقي حبيبتي، إنتي كويسة يا قلبي؟ أنا عارف إن اللي حصل ده صعب عليكي… بس كل شيء قدر ومكتوب يا بنتي… والجواز ده قسمة ونصيب، حاجة بتاعة ربنا سبحانه وتعالى…
وجواز شهاب ودهب ده حصل من غير ما حد يحسبله حساب."
أما دهب، فهي كانت في عالم آخر: "آه يا ربي… لأول مرة أشعر إني مقيدة الأيدي… لا أعلم ماذا أفعل ولا ماذا أقول. وتنظر إلى شهاب: "هل هذا المتجعرف الذي أكره بشدة صار زوجي حقًا؟! إزاي… وأنا لا أعلم؟
إزاي من غير علمي ولا موافقتي؟! إيه اللي بيعملوه ده؟
لا مستحيل… لن أسمح إن المهزلة دي تطول كثيرًا."
وبصوت ممزوج بالغضب: "ومين بقى سامح لكم إنكم تعملوا المهزلة دي كلها؟ هو أنتم مفكريني هبلة؟! هصدق التخاريف دي؟"
وتنوي الرحيل من أمام الجميع هاربة، وعقلها يرفض قبول إن المتجعرف ده صار زوجها: "من بعد إذنكم… أنا مش ناقصة وجع دماغ… ومش فاضية للعب الأطفال ده."
ولسه هتطلع على أول درجة من السلم، شهاب يمسكها تانى بغضب : "تعالي هنا يا بنت! أنتِ فاكرة نفسك إيه؟
مش عاملة احترام لأي حد… ولا احترام للكبير ولا الصغير…بس أنا ورايح… هعرف إزاي أعلمك الأدب والأخلاق من أول وجديد… وخليكي تحترمي الصغير قبل الكبير!"
دهب تنظر حولها ومش مستوعبة ولا مصدقة إن الكلام ده ليها وتقول باستغراب: هو الكلام اللي حضرتك بتقوله ده… ليا أنا؟
شهاب بذهول من ردّها، هو كان متوقع تشتم… تصرخ… تضرب… لكن ردّها زوّده غضب أكتر. يمسك إيد دهب جامدًا وياخدها ويصعد الي غرفته
دهب بغضب وعصبية: "إنت يا بني آدم… سيب إيدي!
إنت واخدني على فين؟! أنا ما اسمحلكش!"
ولكن لو كانت تكلم حجرًا من أحجار الأرض كان ردّ عليها أكتر من شهاب…نور وعينها على شهاب وهو يأخذ دهب: "أنا متأكدة إن اليومين دول مش هايعدّوا على خير."
مهند بحزن وعينه على تقي اللي ما زالت تتابع الحدث بصمت، وبصوت ممزوج بالحزن: "تقي حبيبتي، انتي كويسة يا حبيبتي؟ ليه مش بتردي عليا؟ تقي… انتي سمعاني؟"
سوزان تبادله نفس النظرات والقلق: "تقي حبيبتي، بابا بيكلمك… ليه مش بتردي عليه؟ تقي مالك ردي عليا."
مهند يروح عند تقي ويهزّها على أمل يخرجها من الصدمة: "تقي! أنا بكلمك… ردي!" (ولكن بدون جدوى) "تقي… عيّطي… اعملي أي حاجة… بس متفضليش ساكتة كده."
نور بحزن وتأخذ تقي من مهند وسوزان وتحضنها: "تقي حبيبتي … إحنا مسلمين وعارفين إن كل شيء قسمة ونصيب وقدَر ومكتوب."
وفجأة تشعر بثقل في وزن تقي وتصرخ:
"تقي! بنتي!"
مهند وسوزان يجروا على تقي، ومهند بقلق: "دي أُغمِي عليها!"
يحملها ويتوجه لغرفته بسرعة وبصوت عالي: "حد يطلب الدكتور بسرعة!"
سوزان بدموع: "لو بنتي تقي حصل لها حاجة… أنا مش هسامح حد فيكم، فاهمين؟! وإنت بالذات يا مهند!"
نور باستغراب من كلام سوزان: "إيه اللي انتي بتقوليه ده؟! بس يا سوزان… هو ده وقته؟ نطمن على البنت الأول… وبعدين قولي اللي انتي عايزاه."
باري بدموع وخوف على صديقتها المقربة وأختها الكبيرة: "عمو… أنا طلبت الدكتور… وهو زمانه جاي."
مهند وهو يضغ تقي على السرير ويغطيها: "كتر خيرك يا بنتي."
نور بخوف: "أنا خايفة… شهاب ابني يتغابى ويعمل حاجة في دهب يا منهد هنعمل ايه دهب اكيد مش هتسكت وشهاب مش هيسكت لها ابني وانا عرفه"
مهند ينظر لها بقلق وسوزان تتنهد بشر وهي تقول في نفسها: اظن اني صبرت علي اللي اسمها دهب دي كتير اوى ولازم ينحط لها حد في اقرب وقت
رواية حكاية قدر الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم نور شريف
في غرفة شهاب، فتح الباب بعصبية واضحة، وسحب دهب إلى الداخل دون أن يمنحها فرصة للكلام، ثم أغلق الباب خلفه بقوة، وكأن الغضب يسبقه.
شهاب: قوليلي بقا يابت، انتي عايزة توصلي لي ايه من ورا البرود اللي عندك ده؟
حاولت دهب أن تتمالك أعصابها، رغم الغليان الذي بداخلها، وقالت وهي تحاول الثبات: أنا ولا عايزة أوصلك. ولا توصلي، كل اللي أنا عايزاه تسبني في حالي وماتخفش، اللي أنا عايزاه بعرف أزاي أوصله ياحضرت الرائد.
استدارت لتغادر، لكن شهاب أمسك بها بقوة، وجذبها نحوه، وصوته هذه المرة كان هادئًا على عكس قبضة يداه: وانتي عايزة توصلي لإيه؟ ماهو ده اللي أنا عايز أعرفه ياحضرت الظابط؟
ارتبك صوت دهب، وأغمضت عينيها محاولة إخفاء توترها: ابعد عني ياشهاب، قصدي ياحضرت الرائد.
شعر شهاب بسكونها بين ذراعيه، فاقترب منها أكثر دون وعي، بينما زاد ارتباكها، وهو نفسه لم يفهم لماذا فقد السيطرة على مشاعره. ظل ينظر إلى ملامحها، ثم رفع يده دون إدراك، وأزاح الحجاب عن رأسها، فتوقف للحظة متأمل جمالها. "أنتِ جميلة أوي يادهب، أنتِ ليَّا أنا لوحدي وبس."
ومن غير وعي، مال عليها وقبّلها بشغف، غير قادر على الابتعاد. أما دهب، فكانت في حالة ذهول، ليس من تصرفه فقط، بل من المشاعر المفاجئة التي هاجمت قلبها. أغمضت عينيها للحظات، وكأنها انساقت دون قصد، ثم انتفضت فجأة، واستعادت وعيها، فابتعدت عنه وصفعته بقوة. "أنتَ مين مفكر نفسك؟ أوعى تكون مفكر إني هاصدق المسخرة اللي حصلت دي..."
وقبل أن تكمل، فقدت توازنها وسقطت أرضًا علي أثر صفعة قوية. في لحظة، ركع شهاب بعصبية، وأمسك شعرها بقسوة. "أقولك أنا مين ومفكر نفسي اي، أنا جوزك يا هانم، وانا اتجوزتك على سنة الله ورسوله، يعني يحل لي أعمل اللي أنا عايزه."
عاد ليقبّلها مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت قبلته عنيفة، قاسية، حتى شعرت بطعم الدم في فمها. حاولت دهب المقاومة بكل ما تملك، لكنها لم تستطع إبعاده عنها. كانت المواجهة غير متكافئة، ولأول مرة تشعر بالعجز الحقيقي، وكأن قوتها خذلتها. بعد وقت، ابتعد شهاب قليلًا ليلتقط أنفاسه، ثم أمسكها من رقبتها بغضب: "أنا عايزك تفضلي تفتكري اللي حصل ده، لأن كل ما تعنديني وتقفي في وشي، هيكون ده عقابك."
تركها واتجه إلى باب الغرفة، وقال ببرود قاسٍ: "مش عايز أشوف رجلك تخطي براها البيت ده، وحتى شغل ورايح، مفيش، وأنا هعرفك إزاي ترفعي إيدك على حضرة الرائد شهاب."
❈-❈-❈
أما في غرفة تقي، كان الطبيب يفحصها بينما القلق يسيطر على الجميع.
مهند بقلق: خير يادكتور طمني بنتي مالها؟
تنهد الطبيب قبل أن يجيب بصدق: بصراحة يا أستاذ مهند، ماكذبش عليك، بنت سعادتك اتعرضت لحالة نفسية كبيرة أوي، وأنا دكتور باطني، والحالات النفسية مش تخصصي. اديتها حقنة مهدئة للأعصاب، ومن رأيي تشوف دكتور نفسي كويس ويتابع حالتها، هيكون أفضل.
انفجرت سوزان بغضب ورفعت صوتها: ليه حد قالك ان بنتي مجنونه علشآان نشوف لها دكتور نفسي؟ وفر نصيحك لنفسك.
تراجع الطبيب بإحراج: أنا آسف يا أستاذ مهند، بس أنا قلت رأي مش أكتر.
نظر مهند إلى سوزان بنظرة غاضبة جعلتها تصمت، ثم قال: انا اللي بعتذر لحضرتك على تصرف المدام الغبي يادكتور، وان شاء الله هعمل بنصحتك وهشوف دكتور نفسي كويس.
ابتسم الطبيب بتفهم: عادي يا أستاذ مهند ولا يهم، أنا مقدر خوف وقلق المدام. بعد إذنكم.
وفجأة، رن هاتف سوزان برسالة من رقم مجهول. فتحت الهاتف ووجدت فيديو، فتمتمت باستغراب: هو ايه الفيديو ده ومين اللي بعتو؟
وقبل أن تفتحه، وصلت رسالة أخرى: نصيحة مني اسمعي الفيديو ده وانتي لوحدك.
شعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها، ونظرت حولها، ثم قالت بصوت متعب مصطنع: معلش يا نور خليكي مع تقى على ما اجي، اصل حاسه ان مصدعه شويه، هاروح اخد حبايه للصداع وهاجي تاني على طول مش هاتاخر.
نور بابتسامة صادقة: الف سلامه عليكي يا سوزان، خليكي جنب بنتك، وأنا أجيب لك البرشام لو مش قادرة.
لوّحت سوزان بيدها: لا خليكي انتي، انا هاروح اخدها، وانتي بس خدي بالك من تقي، وكفاية وقفتك جنبنا في الظروف دي.
ردت نور بحنان: إيه اللي انتي بتقوليه ده بس يا سوزان؟ احنا اهل، وربنا يعلم بحب تقي قد ايه وبعتبرها زي شهاب وباري بنتي.
نظرت سوزان إلى مهند وقالت: كتر خيرك يا حبيبتي، ما انحرمش منك. بعد اذنكم.
خرجت من الغرفة، وما إن وصلت حتى فتحت الفيديو. لم تمر ثوانٍ حتى انهمرت دموعها، وضعت يدها على فمها في رعب وهي تتمتم لنفسها: يالهوي لو حد شاف الفيديو ده… هيحصل فيّا ايه؟
وبيد مرتعشة، كتبت: انت مين وازاي المعلومات دي وصلتلك؟؟
❈-❈-❈
في غرفة شهاب.
وقف شهاب عند الباب ودهب تنظر له وهي في حالة من الذهول والدهشة لا تصدق ما حدث الان ولا ما سمعته منذ قليل. ثم نهضت وهي تقول بغيظ وغضب: " نعم يا خويا هي مين دي اللي ما تطلعش من باب البيت؟"
(وكملت بسخرية) لا وكمان ومفيش إيه شغل انت هتكذب الكذبة وتصدقها ولا ايه؟"
وفجأة رفعت صوتها بتحدي: "ده في أحلامك يا حضرة الرائد، وهقولك تاني، أنا مش مصدقة اللي حصل تحت ده، وحتى لو حصل، أنا مستحيل أوافق على الجواز منك بذات."
ثم تركته وغادرة من الغرفه، بينما الغضب كان بيغلي جواه. مسك زجاجة البرفان من على التسريحة، ورماها بعصبية على الأرض. وقف قدام المراية، رجّع شعره لورا بعنف وهو بيكلم نفسه بنبرة مرعبة: "ماشي يا دهب، عايزة تقفي في وشي وتعصي كلامي وتعندي؟استحملي بقى اللي هيحصلك من تحت. أمّ عنادك ده انا ما كانش حضرة الرائد شهاب لو ما كسرتش أم غرورك ده، وأم البرود اللي عندك ده. أنا مش عارف والله بتيجيهم منين."
❈-❈-❈
في الدور الأرضي.
نور كانت تجلس قلقانة وبصّت لسماح: "في رأيك يا ماما، دهب هتعمل إيه؟ ولا شهاب هيتصرف إزاي معاها؟"
سماح تنهدت بقلق: "والله ما أنا عارفة يا بنتي، بس الاتنين أعند من بعض، وربنا يستر من اللي جاي. والله ما صعبان عليّ غير الغلبانة تقي."
نور بحزن واضح: "والله يا ماما مش عارفة أقولك إيه، بس كل شيء قسمة ونصيب، وبالذات الجواز ده مش بإيدينا، دي حاجة بإيد ربنا سبحانه وتعالى، وهو وحده اللي بيقرر مين هيتجوز مين ومين هيكون مع مين. ونرجع برضه نقول كل شيء قسمة ونصيب."
سماح بحسرة: "ونِعْم بالله العلي العظيم، وأتوب إليه يا بنتي. معلش يا بنتي دخليني الأوضة بتاعتي أستريح شوية."
نور قربت منها بقلق: "خير يا ماما؟ حاسة بحاجة بتوجعك؟ أتصل بالدكتور؟"
سماح بابتسامة هادية: "لا يا بنتي ما تخافيش، أنا كويسة والحمد لله، بس عايزة أستريح شوية."
نور مسكت إيدها بحنية: "حاضر يا ماما، تعالي يا حبيبتي، ادخلي استريحي شوية، وأنا لما الغدا يجهز هاعرفك."
سماح وهي بتتكئ على العكاز: "ربنا يجبر بخاطرك يا نور يا بنتي."
نور ابتسمت بحب: "الله يبارك لنا في عمرك يا ست الكل، وما نتحرمش منك ولا من دعواتك الجميلة."
ودخل الاثنين الي غرفة سماح استلقت سماح علي الفراش ونور وغطتها بهدوء: "نوم الهنا يا ست الكل."
❈-❈-❈
في غرفة سوزان
كانت سوزان جالسة، والقلق ينهش قلبها بسبب الفيديو الذي وصل إليها. عقلها مزدحم بالأسئلة: من الذي يعرف كل هذا؟ وكيف وصل له التسجيل؟ فهي لا تتذكر أن أحدًا كان حاضرًا وقت ارتكابها لهذا الفعل. تفتح الفيديو مرة أخرى، ليتضح أنه تسجيل لاتفاق قديم بينها وبين الدكتورة التي كانت تتابع حالة دهب قبل وفاتها.
رجوعًا إلى الماضي…
سوزان بكبرياء: "ها فهمتي، أنا عايزة إيه منك؟"
الدكتورة، واحدة رخيصة فباعت ضميرها من أجل المال:
"فهمت، بس أنا هكسب إيه من كل ده؟"
سوزان بسخرية: "لايه من ناحية المكسب، فأنتِ هتكسبي كتير أوي، ماتخفيش، بس الأهم مش عايزة حد يشك في أي حاجة، وكمان عايزة تفهميها أن بسبب حبوب منع الحمل اللي هي اخدتها عمل عندها السرطان، ومش عايزة تعرف أو تشك في حاجة، وخدي البرشام ده وفهميها أن ده علاج لمرض السرطان."
الدكتورة تأخذ البرشام من سوزان وتنظر له بذهول: "يالهوي انتي تعرفي ده بيعمل إيه في الجسم الإنسان؟ ده هيقتلها في اللحظة أكتر من ألف مرة، في رأيي لو تدبحيها أرحم، لأن البرشام ده هيعذبها جداً، حرام."
سوزان بصوت ممزوج بالغضب: "انتي اعملي بس اللي أنا بقولك عليه من سكات، ولو أنا مش عايزة تتعذب، ليه هخطط لموتها بالطريقة دي بذات؟"
تفيق سوزان من شرودها على صوت الهاتف يعلن عن وصول رسالة جديدة. تفتحها، فتتجمد ملامحها صدمة وخوفًا مما تقرأ.
الرسالة: "ههههه هو انتي مفكراني بعمل ده كله علشان الفلوس يا حلوة؟ أنا عندي فلوس تشتري مصر كلها، وفري فلوسك لنفسك، أنا مش محتاج فلوس من حد، بس احتفظي بيها، ممكن تفيدك بعدين لما الفديو ده يوصل مهند بيه."
سوزان بخوف: "لااا ابوس ايدك، ماتبعتش الفيديو ده لحد، وانا مستعدة أديك المبلغ اللي انت عايزه، بس الفيديو ده مش يوصل لحد ويتمسح من عندك."
تصلها رسالة أخرى مكتوب فيها:" عايز بنتي."
سوزان باستغراب وشك:
"مين انت؟"
❈-❈-❈
في الممر
كانت دهب تسير بغضب واضح، تتحدث مع نفسها وهي تكتم انفعالها: "مين مفكر نفسه الجدع ده ولا مفكرني هبلة وعبيطة؟ هصدق أي حاجة هما بيقولها."
وفجأة تصطدم بشخص، فتعتذر بسرعة: "دهب، أنا آسفة جداً، ماخدتش بالي والله."
ترفع عينيها بدهشة حين تلاحظ وجود الرائد إيهاب، وتسأله باستغراب: "انت بتعمل إيه هنا؟"
لكن إيهاب كان في عالم آخر، مأخوذًا بمظهر دهب. كانت ترتدي فستانًا بيتيًا ذو للوان أبيض ونقوش حمراء وحجابها علي رأسها غير مثبت، تتطاير بعض خصلات شعرها حول وجهها. خجلها ونظراتها زادوها جمالًا.
إيهاب بدهشة: "يا دهب، أنتي جميلة أوي."
دهب بخجل: "نعم حضرتك، قلت إيه ما سمعتش؟"
يفيق إيهاب سريعًا، ويشيح بنظره بعيدًا ويغضّ بصره:
"لا ولا حاجة، بس سمعت عن اللي حصل، جيت أطمن على شهاب، بس لما شفتك حبيت أعرف رأيك في الموضوع اللي كلمتك فيه قبل كدا."
وفجأة يأتي صوت شهاب الغاضب من الخلف: "دهب بتعملي إيه عندك وإيه موقفك بالشكل ده؟"
دهب بصدمة: "نعم، لاكون مستنية الأذن من حضرتك علشان أعمل إيه ومش أعمل إيه يا حضرة الرائد."
شهاب، وهو يدرك ما في قلب إيهاب من مشاعر تجاه دهب ويرى نظرات الإعجاب في عينيه، اشتعل غضبًا. يتقدم خطوة، واقفًا حاجزًا بينهما، ويقول بصوت ممتلئ بالحدة: "ادخلي يا محترمة، شوفي نفسك في المرآيا وانتي هتعرفي أنا بتكلم عن إيه."
تنظر دهب إلى نفسها بصدمة، فتلاحظ طرحتها المنفلتة وفستانها الذي يُظهر جمال جسدها. يحمر وجهها خجلًا، وتتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها. ترفع عينيها إليه:
"أنا آسفة، ماخدتش بالي والله."
تقف لحظة مشوشة، مستغربة من نفسها، غير مستوعبة لماذا تهتم بكلام هذا المتكبر تحديدًا.
شهاب بهدوء: "طيب ادخلي وخدي بالك المرة الجاية وهدومك في الدولاب في الغرفة بتاعتي."
يقف إيهاب مذهولًا، لا يفهم ما يحدث أمامه.
أم دهب تسأل بدهشة: "هدومي في الغرفة عندك بتعمل إيه؟"
شهاب بزهق: "امشي يا دهب، شوفي أنا بقول إيه الأول ولا عجبك منظرك كدا."
تبتلع دهب ريقها بصعوبة، وتنظر إلى إيهاب بإحراج شديد، ثم تبتعد مسرعة لتعيد ترتيب نفسها. يبقى شهاب واقفًا، عيناه تتابعان دهب وهي تسير، وقد بدت في قمة الجمال، لدرجة جعلته يتمنى لو استطاع إخفاءها عن أنظار الجميع. فجأة يسمع صوت صديقه من خلفه يسأله بدهشة: "هي هدوم الآنسة دهب بتعمل إيه عندك في الغرفة أو الدولاب بتاعك يا شهاب؟ معلش بس مش فاهم حاجة."
شهاب ببرود، ويجيب باختصار: "علشان بقت مراتي يا إيهاب."
رواية حكاية قدر الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم نور شريف
نزلت كلمات شهاب على أذن إيهاب كالصاعقة، فتجمّد مكانه غير مصدق ما سمعه للتو. هل صديقه يمزح معه؟ لا بد أنه يمزح… شهاب أكثر شخص يعلم كم يحب دهب، ويعرف أنه يعشقها منذ سنوات طويلة. مستحيل يكون فعلها به. ظل يجمع كلماته بصعوبة وهو يحاول استيعاب الصدمة: "أنت بتقول إيه يا شهاب؟ هي مين دي اللي بقت مراتك؟"
شهاب كان متوترًا، يدرك تمامًا أنه بهذا الفعل خان صديق عمره. هو يعلم حب إيهاب لدهب، ومع ذلك تزوجها من دون علمه. سؤال واحد كان ينهش قلبه: هل سيسامحه إيهاب يومًا على ما فعله؟ يرد بصوت متردد: "إيهاب، أنا عارف إن الموضوع صعب عليك، بس هي دي الحقيقة، أنا ودهب اتجوزنا إمبارح وكتبنا كتب الكتاب إمبارح، أنا وعمي مهند، بس والله يا صاحبي كان لازم أعمل كدا لسببين."
وقبل أن يُكمل حديثه، قطعه صوت إيهاب الغاضب. يقول بصوت عالي: "مش عايز افهم حاجه، بس جاوب على سؤالي، دهب كانت تعرف وهي موافقة على الجواز دي؟"
كان شهاب يعلم أن صديقه لن يستمع لأي تبرير، ومع ذلك أجابه بحزن واضح: "لا، دهب ماكنتش تعرف حاجة، وهي مش مصدقة ان احنا اتجوزنا فعلاً، بس هي دي الحقيقة، أنا ودهب متجوزين دلوقت."
تتجمد ملامح إيهاب أكثر، وينظر إليه بغضب حارق: "يعني انت اتجوزتها بالغصب وكمان من غير علمها؟"
شهاب بأسف ثقيل: "للأسف هو ده اللي حصل، بس اكيد في سبب لكدا."
يغلي الدم في عروق إيهاب، وصوته يخرج حادًا ممزوجًا بالحزن: "مش عايز اعرف حاجه بعد، اذنك."
يحاول شهاب اللحاق به، وصوته مليء بالندم: "إيهاب، اسمعني بس."
لكن إيهاب لم يكن يسمع شيئًا. يقف شهاب مكانه، وصوت الأسف يخرج منه مكسورًا: "أنا اسف يا صاحبي، عارف اني خنتك وكسرت قلبك، بس انت ماتعرفش ايه اللي بيحصل، كان لازم أعمل الخطوة دي علشآان أنقذ عائلتي من الدمار وكمان أنقذ بنت عمي من الموت، اسف أوي يا صاحبي، بس ماكنش عندي حل تاني."
كان إيهاب ينزل السلم بسرعة، درجة وراء درجة، وكأن المكان يضيق به. في نفس اللحظة، كانت باري تسير وهي تتحدث في الهاتف، ولم تنتبه له، فاصطدم بها فجأة.
باري بغضب:"إيه يا غبي، انت؟"
يحاول إيهاب السيطرة على غضبه المكبوت، ويرد وهو يكتم انفعاله:"انا اسف يا نسّة، ماخدش بالي."
وقع هاتف باري على الأرض وتحطّم تمامًا. انحنى إيهاب وحمل الهاتف، بينما كانت باري تنفجر عصبية.
باري بعصبية: "يعني انت أعمى؟ هاعمل إيه باسفك، أنا دلوقتي تليفوني هييرجع زي مكان."
إيهاب كان الغضب مسيطر عليه، فأخذ الهاتف من يدها بعصبية: "بقولك اسف، إيه غبية للدرجة مابتفهميش، ولو علشآان التليفون، هاتي ياستي، أنا هخده وأصلحه وهرجعه لك زي مكان، خلاص ياستي، حلي عن دماغ أمي بقا، مش ناقص."
ثم تركها فجأة، وأخذ الهاتف وخرج من المنزل من غير ما يلتفت وراه. وقفت باري مكانها، تنظر له باستغراب، ثم اتسعت عيناها بصدمة: تليفوني يالهوي، هعمل إيه دلوقتي، الدروس كلها عليه، يارب، صبرني."
----------
في غرفة دهب، كانت جالسة شاردة الذهن، الأفكار تتزاحم في رأسها، وقلبها يخفق بعنف. "يارب، هو إيه اللي بيحصل ليا ده أنا مش فاهمة حاجة، ليه لما يقرب مني قلبي بيدق بهالشكل؟"
تشعر بالتوتر وكأن شيئًا يكبلها، غير قادرة على الحركة.
"بحس إني متكتفه، مش قادرة أعمل حاجة، حاسة اني بضعف قدامه، اعمل إيه؟ أنا مش عايزه أحبه، مش عايزه أتعذب نفس عذاب أمي زمان."
وفجأة، تذكرت شيئًا جعل قلبها يقفز من مكانه.
"هو فين كتاب الذكريات؟"
قامت بسرعة وبدأت تبحث عنه في كل مكان. دقائق تمر، والقلق يزداد، ثم تقول بدموع: "ياربي، هو فين؟"
فتشت بين الملابس، داخل الشنطة، في كل زاوية، ثم همست بخوف: "يارب، مايكونش اتحرق مع الحاجات اللي اتحرقت."
وضعت يديها على جبينها تحاول تهدأ وتسترجع ذاكرتها.
"أين وضعت الكتاب آخر مرة؟" وفي تلك اللحظة، دخل شهاب الغرفة.
شهاب بستغراب: "هو إيه اللي حصل في الاوضه ده؟"
ينظر حوله للفوضى ثم إلى دهب:"هو إيه اللي انتي عملتيه ده يا بنت انتي؟"
دهب، من غير ما تبصله، كانت ما زالت تقلب في الأشياء: "بدور على حاجة ومش لاقيها."
استفزته طريقتها، فاتجه ناحيتها بعصبية، وأمسك بذراعها السليم بقوة: "بنت انتي، انا لما أكلمك تسيبي اللي في إيديك وتقفي تكلمني، انتي فاهمة؟"
لكنه توقف فجأة عندما لمح الدموع تلمع في عينيها، هداء صوته من غير ما يحس: "انتي بتعيطي ليه؟"
دهب ترفع يديها وتمسح دموعها بسرعة: "أسفة بس، دي حاجة متخصكش، واتمنى ما تدخلش في أي حاجة تخصني مرة ثانية."
شدّت ذراعها بقوة من يده، وعادت تبحث مرة أخرى بجنون. وقف شهاب يراقبها في حيرة: "هو إيه اللي هي بدور عليه مهم للدرجاتي علشآان دموعها تنزل بسببه؟"
وفجأة، توقفت دهب، وارتسمت الفرحة على وجهها:"الحمدلله، يارب، لقيته."
نظر شهاب لما في يدها باستغراب: "كتاب؟، وبسخرية: ماكنتش أعرف إنك من عاشقة الروايات يا حضرت الظابط، وياتارا عن أي الرواية دي هي رومانسية للدرجاتي تخلكي تعيطي؟"
اشتعل الغضب في عيني دهب، فهذه ليست مجرد رواية، بل روح أمها وذكرياتها. رفعت الكتاب في وجهه وصاحت: "ده كتاب حكاية بنت ريف، ذكريات أمي دهب، يا غبي."
غضب شهاب من ردها وصوته ارتفع: "بنت انتي، احترمي نفسك ولمي لسانك، مين ده اللي غبي يا محترمة؟"
نظرت له دهب بهدوء مستفز، وابتسامة خفيفة على شفتيها: "انت طبعا الغبي لما تتكلم من غير ماتفهم تكون غبي ولم تحكم من غير ماتشوف تكون أعمى ولم بتعشق بتضعف ومن غير واعي منها زي كده حاسه اني بضعف قدامك"
وفجأة، سكتت، واتسعت عيناها بصدمة، ورفعت يدها بسرعة تضعها على فمها…وتجمد شهاب في مكانه، وقلبه يكاد يطير من الفرحة. هو نفسه عارف إن اللي قالته ممكن يكون عادي، لكن مجرد فكرة إن يكون في حاجة في قلب دهب ناحيته خلت قلبه يفرح من غير ما يستأذن عقله. اقترب منها بخطوات بطيئة وثقيلة، بينما هي كانت تتراجع للخلف بتوتر واضح. وهو يقول:
"وأنتِ بتضعفي قدامي ليه؟ كملي سكتي ليه يا قطة؟ لو حبه حاجة كدا ولا كدا، مش عندي مشكلة، بالعكس، أنا أتمنى وأنتِ مراتي دلوقتي، يعني مفيش مشكلة تمنع إن يحصل حاجة بيني وبينك."
ارتجفت دهب وهي تتراجع أكتر، لحد ما ضهرها خبط في الحائط. عيونها كانت ثابتة على شهاب، وكل تفكيرها إنها تعدي من قدامه وتبعد. لكنه مد إيده ومسكها، وقرب منها أكتر وقال: "طيب، أبعدني لو مش عاجبك."
رفعت دهب عيونها وبصت له بدهشة وحيرة، ولسه هتتكلم، لكن صدمها تصرفه المفاجئ لما انحنى وقبل شفايفها بشغف. غمضت عينيها من غير وعي، وانسابت مع المشاعر اللي هاجمت قلبها فجأة.
وفي نفس اللحظة، كانت تقي واقفة ورا الباب، شايفة كل اللي بيحصل. دموعها نزلت بغزارة، وقلبها كان بيتكسر مع كل ثانية. تفكيرها كان بيوجع أكتر من المنظر نفسه: "ياربي، لقد أحببته من كل قلبي وطوال حياتي لم أنظر إلى رجل غيره، ولكن ماذا قدم لي؟ إلا الألم والعذاب، مالذي فعله؟ لقد تزوج، وكأن كل شيء عادي، يالله، كم قلبي يؤلمني من رؤية هذا المنظر، يجب أن أنسى هذا العشق، يجب أن أنسى وأكمل حياتي، حتى لو كانت الفاتورة قلبي وهذا الألم الذي لا يطاق، يجب أن أنسى ولا أهتم بما يحدث في قلبي، لن أكون هذه الفتاة الغبية بعد الآن."
مسحت دموعها بإيد مرتعشة، وألتفتت لتغادر وهي تقرر أن تنسى الحب اللي عذب قلبها. وقبل ما تبعد تمامًا، بصّت وراها وشافت شخص واقف، بيتابعها بنظرة مليانة حزن.
كان مهند واقف يراقب تقي، والذنب مالي قلبه. ناداها بصوت مليان حنية: "تقي، بنتي، ممكن نتكلم مع بعض شوية، يا حبيبة قلبي؟"
مجرد ما سمعت كلمة بنتي، الدموع خانتها. افتكرت كل اللي حصل امبارح، واكتشافها المؤلم، ورغم إن مهند ما كانش أحن أب، لكنه عمره ما قصر معاها. بصّت له بعينين مليانين دموع، وفجأة جريت عليه وارتمت في حضنه. وقالت وهي بتبكي: "بابا، صحيح، أنت بتكون بابا، أيوه، أنا تقي، مهند، خطاب، وأنت بتقولي بنتي، يعني أنا بنتك صح؟، طيب، ليه؟…"
وسكتت فجأة لما شافت الشيطانة اللي بتدّعي إنها أمها واقفة قدامها. ضمّها مهند بحزن وألم، وقال باستغراب:
"إيه اللي إنتِ بتقوليه ده يا تقي، يا حبيبتي؟"
شدّها لحضنه أكتر، يحاول يزرع الأمان جواها ويهدي الوجع اللي في قلبها: "إيوا يا حبيبتي، إنتِ بنتي، وحبيبة قلبي، تقي، بنتي الكبيرة، سندي، وروح قلبي."
وأضاف وهو محتضنها بقوة: "متفكريش كدا تاني يا تقي، ولا تقولي كلامك ده مرة تانية يابنتي."
انهارت تقي في حضنه، وبكاؤها زاد. كانت تتمنى من قلبها يكون هو أبوها الحقيقي، وتتمنى إنها ما كانتش عرفت الحقيقة أبدًا. وبعد شوية مسحت دموعها وقالت بصوت مكسور: "ربنا يخليك ليا يابابا، ومتحرمش منك أبدًا. معلش يابابا، حاسة إني تعبانة شوية، بعد إذنك، هروح أرتاح شوية في غرفتي."
قرب مهند منها بخوف، وحط إيده على جبينها: "تقي حبيبتي، حاسة بإيه؟ يا قلبي، إيه بيوجعك؟ اطلب الدكتور."
طلع التليفون ولسه هيتصل، لكنها مسكت إيده بسرعة وقالت: "تقي بابا حبيبي، أنا كويسة، مفيش حاجة بتوجعني، بس دماغي مصدعة شوية، هرتاح شوية وإن شاء الله هقوم كويسة، متخفش."
حضنته بحزن وهمست: "أنا بحبك أوي يا بابا، والله."
❈-❈-❈
داخل أوضة شهاب ودهب، قدرت دهب تبعد عنه بالعافية. نفسها كان متقطع، وقلبها بيدق بعنف، ومش فاهمة إيه اللي حصل ولا إزاي وصلوا لكده. بصّت له نظرة مليانة مشاعر متلخبطة، لكنها فضلت ساكتة.
شهاب، لسه مذهول من نفسه، بصّ لها بسخرية واستفزاز: "إيه يا قطة؟ عجبتك القبلة؟ على فكرة، أنا ممكن أبهرك، بس أنتي سبيلي نفسك يا حضرت الظابط."
غضبت دهب من كلامه، وصوتها طلع حاد: "أنت واحد رخيص، علشان كدا أفكارك وتصرفاتك رخيصة زيك."
ورفعت صباعها في وشه:
"وحسك عينك تقرب مني بالشكل ده مرة تانية، وده آخر تحذير ليك يا حضرت الرائد."
زاد استفزاز شهاب، وحط إيده على قلبها: "ياه أموت أنا في عنفك ده يا دودو، يا عسل، لو تعرفي عنادك ده بيأثر فيا كدا، وبحس زي ماكن عايز أعمل أكتر من إني أقبلك."وغمز لها: "وليه لا؟ ماحنا زوج وزوجة برضو، ولا إيه يا قطتي الشرسة؟"
وشّ دهب احمر من الغضب:"ما الحق علشان واقفة مع واحد قليل الأدب زيك. بس هقولك حاجه ممكن حضرتك مش واخد بالك منها الجواز اللي بتقول عليه ده حتي لو حصل بجد هو باطل لان مش موافقه عليه وسني راشد يعني يا حلو تبل ورقتك وتشربها علي الريق ممكن تبطل هبل شويه "
مسكت كتابها وهي ماشية، ومن شدة غيظها، ضربته برجليها بكل قوتها في رجله، وابتسمت بانتصار: "وده علشان تحترم نفسك يا حضرت الرائد، وتعرف أنت بتكلم مين."
وسابته ومشيت. مسك شهاب رجله بألم:
"الله يخربيت أمك يادهب، هو أنا ناقص تكسير؟ مش كفاية دراعي؟"
ومشي وهو بيعرج، بس لسه بيضحك خبث: "ماشي يادهب شوفي، أنا هعمل فيكي إيه."
وأضاف بابتسامة مريبة: "طيب، أصبري على رزقك بس، وشوفي والجواز الباطل هيبقي حقيقي وبأذنك انا بواعدك."
نزلت دهب على السلم، ولمحت نور واقفة لوحدها في المطبخ، بتعمل أكتر من حاجة في نفس الوقت. قربت منها بابتسامة وقالت: "السلام عليكم، تحبي تساعدي في حاجة؟"
كانت نور مشغولة في المطبخ، وبتتحرك بسرعة، لكنها في نفس الوقت ما كانتش حابة تخلي دهب تحس إنها غريبة أو تقيلة عليهم. وقالت وهي مركّزة في اللي في إيديها: "ايوه يابنتي، معلش هتعبك شوية، تعالى اقفي وخدي بالك من اللي على النار على ماخلص اللي في أيدي. معلش."
ردّت دهب باحترام: "لا عادي ولا يهمك."
راحت ووقفت زي ما نور قالت، وبقى الصمت مسيطر على المكان. نور كانت عايزة تفتح كلام مع دهب، بس مترددة، حاسة إن الموضوع حساس وممكن يوجّع.
بعد شوية، قالت بتردد واضح: "كنت عايزة أسألك عن حاجة كدا يادهب، يابنتي، بس مش تزعلي أو تضيقي، واعتبريني في مقام أمك دهب، الله يرحمها."
التفتت دهب ليها باهتمام، وقالت بهدوء: "الله يرحمها ويغفر لها ويسكنها فسيح جناته، هي وجميع أموات المسلمين يارب."
وبابتسامة طيبة كملت: "اتفضلي يا طنط، قولي اللي إنتي عايزة ومن غير خوف، أنا مش هازعل أو أضايق."
تنهد نور براحة بسيطة وقالت: "أللهم مأمن يارب العالمين، هي وجميع موت المسلمين، الله يكرم أصلك يابنتي."
وبنبرة حزينة: "هو إيه اللي خلّاكي متأكدة إن أمك دهب ماتت مقتولة؟"
رفعت دهب عينيها وبصّت لنور بنظرة مليانة حزن، وردّت بثبات زوّد توتر نور: "وانتي إيه اللي خلّه حضرتك متأكدة إن كل اللي حصل لماما ده كان قدر ومكتوب."
اتلخبطت نور، ومش عارفة ترد بإيه، وقالت بحزن:
"أنا عارفة يابنتي أن أمك دهب اتعذبت كتير أوي في حياتها، بس اللي أنا مش قادرة أصدقه أن يكون أبوكي هو السبب في موتها، لأن يابنتي إنتي ماتعرفيش أبوكي كان بيحب أمك دهب قد إيه."
لكن كلامها وقف فجأة على صوت ضحكة طالعة من دهب، ضحكة موجوعة أكتر ما هي ضحكة، وهي بتقول ودموعها تنهمر بهدوء: "ههه كان بيحبها في هو واحد بيحب حد يخليه يوطي عند رجل أعدائه ولا في حد بيحب حد يسيبه لما يلاقي اللي احسن منه ولا في حد يظلم حبيبها ومش يحقق لها آخر امنيه لها قبل ماتموت ايوه ممكن ماما حبته بجد علشان كدا اتعذبت كتير اوي في حياتها انتي تعرفي ايه آخر امنيه ماما طلبتها ياطنط طلبت بس تسمع صوت اللي اسمه مهند وهو من حقده والكره اللي عنده رفض يكلمها"
ومسحت دموعها وكملت بألم: "بالله عليكي ياطنط ماتقوليش أن كان في حد في العيله دي حب ماما بجد ايوه ماما حبت الكل بس هنا كلكم كنتوا بتعتبروها خدامه من غير فلوس وانا اخد وعد على نفسي اني هرجع حقي وحق امي اللي مالقتش حد ياخده لها وهي عايشه"
وقفت نور مكانها مصدومة: "انتي عرفتي ده كله منين يادهب؟"
ردّت دهب بجمود: "يعني كل اللي أنا قولته حقيقة."
تنهدت نور بأسف وقالت: "إيوه، للاسف كله حصل فعلاً مع دهب قبل ما تموت، بس إنتي ماتعرفيش غير اللي حصل بس، مش تعرفي إيه الأسباب يابنتي."
سألت دهب باستغراب: "قصدك إيه؟"
❈-❈-❈
في أوضة شهاب، خرج من الحمام وهو بينشف شعره بالفوطة. فجأة عينه وقعت على الكتاب اللي دهب كانت بتدور عليه وعيطت علشانه. وقف وبص له بفضول. قال لنفسه: "ياتارا فيه إيه الكتاب ده علشان الست دهب تعيط لما ما لقيتهوش."
قرب من الكتاب، ولمح صورة بنت شبه دهب جدًا، فاستغرب: "مين البت اللي شكل دهب دي؟"
فتح الكتاب على الصفحة اللي كانت دهب واقفة عندها، وبدأ يقرا.
"عودة إلى الماضي"
انتقل المشهد لذكريات مدونة في الصفحات…
كانت دهب واقفة، ماسكة الفلوس بتاعة الدبلة اللي باعتها، ودموعها نازلة: "يارب اعمل إيه دلوقتي؟ أنا مش عارفة أروح فين ولا أجي منين، حتى مش عارفة أقرا حاجة أفهم منها."
كان في راجل في الخمسينات باين عليه الطيبة، وقف قدامها وقال: "مالك يا بنتي، أنا واخد بالي منك من الصبح وإنتي بتعيطي وتكلمي نفسك. احكي ليا يا بنتي، أنا قد أبوكي. ما تخفيش."
ردّت وهي بتبكي: "أنا مش وعايزة أرجع القرية بتاعتي ومش عارفة الطريق، أو هقول إيه للسواق علشان يوصلني."
هز الراجل راسه بحزن وقال:"لا حول ولا قوة إلا بالله. قولي يا بنتي اسم قريتك إيه، وأنا إن شاء الله مش هسيبك غير لما توصلي لحد بيتك."
ارتاحت دهب وقالت: "الله يكرمك."
وراحت مع الراجل الطيب، وبعد ما وصفت له قريتها وقالت أقرب مكان تعرفه، وبعد ساعات طويلة من الطريق…قال لها: "هي دي قريتك يا بنتي؟"
بصّت حواليها ودموعها نزلت: "أيوه هي أنا. بجد مش عارفة أشكرك ازاي."
ومدت له شوية فلوس نظر لها بحزن وقال بنبرة أب:
"إيه ده يا بنتي؟ عيب كده، خلي فلوسك يا بنتي، أنا زي أبوكي."
ردّت وهي بتنزل من العربية ودموعها في عينيها: "أنا مش عارفة أقولك إيه، والله غير ربنا يكرمك يا رب. معلش، مش هقدر أقولك اتفضل، لأني مش عارفة إذا هلاقي حاجة أضيفك بيها ولا لا."
ابتسم الرجل ابتسامة حنونة وهو ينظر إلى دهب بعطف واضح، وقال بنبرة دافئة: "باين عليكي طيبة أوي يا دهب. والله يا بنتي، قلبي اتفتحلك لو ربنا يهديكي وتجي تعيشي معايا، أنا والحجة بس. أقول إيه؟ دماغك حجر؟"
ردّت دهب بابتسامة مهذبة مليانة امتنان:"الله يخليك ويبارك في عمرك، بس معلش، أنا عايزة أعيش في قريتي وأموت فيها. يلا بلاش أعطلك أكتر من كده."
سابت دهب الرجل وبدأت تمشي في شوارع قريتها، وكل خطوة كانت بترجعها لذكريات قديمة. ذكريات مع ستها، ومع خالها إسلام، ولحظة شافت فيها مهند لأول مرة وهي داخلة بيت جدها. فجأة، إيد شدتْها من ورا وأسقطتها على الأرض بعنف.
ارتفع صوت امرأة مليان قسوة: "إنتي إيه رجعك يا وش الفقر؟ احنا ماصدقنا خلصنا منك ومن فقرك ووشك ده. امشي، إنتي مالقيش أكل عيش هنا. ارجعي من مكان ما جتي."
رفعت دهب عينيها والدموع مغرقة وشّها: "معقولة لسه زي ما إنتم وبتعتبروني وش فقر؟"
ردّت المرأة بغضب أعمى: "امشي من قدامي بدل ما قتلك. أنا بنتي ماتت مقتولة بسببك"
وتتقدّم ناحية دهب وهي تريد ضربها.
❈-❈-❈
الحاضر
صرخت دهب بصوت عالي خرج من أعماقها: "شهاب!
دخلت دهب الغرفة فجأة، واتجمّدت مكانها لما شافت شهاب ماسك الكتاب وبيقرأ في ذكريات ولادتها. الغضب انفجر جواها، واعتبرت اللي بيعمله تعدّي لا يمكن تسكت عليه. قربت منه بسرعة وخطفت الكتاب من إيده بعنف، وصوتها طالع عالي وهي بتواجهه: أنت مين سمحلك تجي جنب حاجة تخصني؟ إذا كنا هنعيش مع بعض فترة، ياريت كل واحد يعرف حدوده ومش يدخل في حاجة تخص التاني. وزي ما أنا مش بدخل في حاجة تخصك، ياريت مش تدخل في حاجة تخصني!"
سكتت فجأة لما شافت شهاب يحط صباعه على فمها ويشير لها تسكت. بصّ لها باستغراب وقال: "الله يخربيتك، ده كله علشان قرأت سطرين من الرواية بتاعتك؟ إمال لو قرأتها كلها كنتي عملتي إيه؟"
ردّت بعناد واضح: "كنت قتلتك، وبعدين قولتلك مئة مرة: دي مش رواية، دي قصة حياة أمي دهب الله يرحمها. ومش حضرت الظابط دهب إللي بتتعلق بالكلام الفاضي ده، يا حضرت الرائد!"
اتسعت عيني شهاب بدهشة حقيقية:"بجد دي ذكريات أمك دهب؟"
قالت بصوت حزين هادي: "أيوه، دي ذكريات أمي دهب."
قال وهو بيحاول يستوعب: "يعني اللي أنا قرأته ده حصل حقيقي مع أمك دهب؟"
ردّت بأسف تقيل: "للأسف، أيوه."
تنهد وقال: "مع اني مش قراية غير سطرين، بس باين عليها اتعذبت كتير في حياتها بجد."
حاولت دهب تسيطر على دموعها وقالت بنبرة موجوعة:
"للأسف، هو ده اللي حصل فعلاً، وكل عذاب أمي كان بسببكم، أنتم."
لفّت وشها وهربت من قدامه بسرعة، علشان ما يشوفش دموعها ولا وهي ضعفها، وتركته واقف مكانه، والحزن واليأس باينين في عينيه. بعد دقائق، فاق من شروده على صوت صراخ جاي من الحمام. "شهاب، الحقني!"
رد بسرعة وخوف: "دهب، مالك، حصلك إيه؟"
جرى ناحية الحمام وفتح الباب، ووقف مصدوم من المنظر قدامه. دهب كانت واقفة جواه، لابسة لبس بيت بسيط، شعرها سايب على طبيعته، وجمالها خطف أنفاسه. نسي سبب وجوده، ووقف مكانه مش قادر يتحرك.
قالت دهب بغضب وهي شايفاه سرحان: "انت بتبص ليا ليه كده يابن آدم؟ اقتلها."
لف شهاب حواليه باستغراب وقال: "اقتل إيه ولا مين؟ مش فاهم؟"
ردّت بخوف واضح: "اقتل الصرصور يابن آدم، أنا عندي فوبيا من الصراصير."
في اللحظة دي، شهاب مقدرش يمسك نفسه، وضحك بصوت عالي وهو شايف رعبها الطفولي. ضحكه زوّد غضبها أكتر. ردّت بعصبية: "بتضحك على إيه يابن آدم، أنا مش بقول خايفة، أنا بقول عندي فوبيا من الصراصير."
قال وهو لسه بيضحك: "طيب اهدي، الله يخربيتك ويخربت أم جمالك، ده فين الزفت الصرصار ياختي."
من غير ما تفهم ليه، حسّت دهب بدفء غريب لما اعترف بجمالها، وردّت بخجل: "كان واقف على الدوش من فوق."
رفع شهاب عينه لفوق، وبص للصُرصار وقال: "طيب هجيبوا ازاي ده؟"
قالت بإصرار: "أنا ماليش دعوة، اتصرف واعمل حاجة المهم عندي تقتل الصرصار ده."
رد بسخرية: "والله مش صعبان عليا غير الصرصار الغلبان اللي هايتقتل وهو مظلوم ومالهوش ذنب في حاجة."
وفجأة، وقف مصدوم لما سمع ضحكة دهب، لأول مرة يشوفها بالشكل ده… ضحكة صافية خطفت قلبه.
قالت وهي بتضحك: "يالههههوي، عليك زعلان علشان حتة صرصار وتفضل تضحك."
من غير وعي، قرب منها، إيده اتحطت على خصرها، أنفاسه عليت ودقات قلبه زادت، وهو بيتكلم بإحساس طالع من القلب: "تعرفي، طلعت ضحكتك أجمل بكتير من دموعك ياحضرت الظابط، لا تعلمي مالذي حدث لقلبي عندما رأيتك تضحكين كأنك تمتلكين سعادة العالم بالكامل. هل تعلمين أن هذه الضحكة مثل زهور الربيع الذي على وشك التفتح ونشر عبيرها؟ هل تعلمين يا ملكة عرش قلبي أنك أجمل امرأة في العالم بالنسبة لي؟ رجاءً من أجل قلبي ومن أجل سعادتي، لا تجعلي هذه الضحكة تفارق وجهك الجميل، هذه يا قطتي الشرسة والجميلة."
نظرت له دهب، وعينيها بتلمع بخوف وحزن. حتى اللحظة اللي حسّت فيها بالسعادة، كان الخوف سابقها. هل هو صادق؟ ولا مجرد لعب بمشاعرها؟ قالت بسخرية خفيفة ودموعها واقفة في عينيها: "تعرف ياحضرت الرائد، أني واحدة من البشر اللي نسيت ازاي تضحك من قلبها، أنا مش فاكرة امتي آخر مرة ضحكت فيها، بس بشكر حضرتك لأنك خليت واحدة متكبره ومغرورة زي تضحك من قلبها من بعد سنين طويله."
❈-❈-❈
في أوضة باري
باري قاعدة لوحدها، بتتكلم مع نفسها:"يا رب، أعمل إيه دلوقتي؟ محتاجة ألدروس وكل حاجة على التليفون، حتى المحاضرة اللي كنت غايبة فيها موجودة على التليفون. هرن على رقمي يمكن يرجعلي التليفون. أيوه، ده الحل. بس خايفة لو شهاب عرف إني كلمت حد من صحابه ممكن يقتلني. هو منبه عليا ما أكلمش شاب غريب. بس أنا مش هكلمه عشان اتصاحب عليه. أنا بس عايزة تليفوني."
---
في شقة إيهاب
إيهاب قاعد لوحده، غارق في تفكيره: "إزاي رفيق عمري عمل كده بيا وياخد مني حبيبة قلبي؟ مهما كانت الأسباب، ما ينفعش يسرق حبيبة قلبي. هو عارف إني بحبها من زمان، ومش هسامحه على الغدر ده. هانتقم منه بنفس الطريقة، وهحرق قلبه زي ما حرق قلبي وأخد مني البنت اللي بعشقها بجنون."
يُفوق على صوت رنين الهاتف وينظر إلى هاتفه، لا يجد أحداً يتصل، ولكن هناك هاتف آخر. يستغرب ويتذكر ما حدث عندما كان في منزل صديقه، ويمسك الهاتف، يجد عليه صورة فتاة جميلة. ينظر لها باهتمام للحظات، ويجيب على الهاتف: "السلام عليكم."
باري بتوتر: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أنا باري أخت حضرة الرائد شهاب. اللي حضرتك كسرت لها التليفون."
شهاب باستغراب: "انتي اخت شهاب؟"
باري بخجل: "إيوه، أنا باري أخت شهاب الصغيرة."
إيهاب يصمت لدقائق ثم يجيب: "أهلاً بيكي، معلش استغربت شوية لأني فكرتك بنت عمه، وكنت مفكر أخت شهاب لسه بت صغيرة بس ماشاء الله الله طلعتي عروسة عسل."
باري بتوتر وخجل من كلمات الغزل من إيهاب: "شكراً، ده من ذوق حضرتك. ممكن أعرف أمته هترجع ليا التليفون؟ أنا محتاجة أوي علشان الدروس والمحاضرات كلها عليه."
إيهاب بخبث: "ليه هو أنتي في سنة كام في المدرسة؟"
باري: "لا حضرتك، أنا مش في المدرسة، أنا في أولى طب."
إيهاب بخبث: "ايه حضرتك دي، أنا إيهاب. قولي إيهاب بس. أنا زي شهاب برضو وربنا معاكي وتكوني دكتورة قمر."
في الجانب الآخر، باري بخجل: "اللهم، ما أمين يارب العالمين. ممكن أعرف أمته تليفوني هايوصلني؟"
إيهاب بخبث أكثر ويفتح الحديث: "ايه مالك؟ هو أنا هاكلك ولا هاكل التليفون؟ مالك حاسس إنك مش على بعضك ليه؟"
في الجانب الآخر، باري بتوتر: "بصراحة متوترة شوية، أنا أول مرة أكلم شاب غير شهاب أخويا، وكمان خايفة من حضرتك لتقول لشهاب حاجة عن الاتصال ده."
يرد إيهاب بخبث: "لا متخفيش، أنا مش هقول لشهاب أي حاجة، ارتاحي وخدي راحتك."
رواية حكاية قدر الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم نور شريف
في غرفة تقي تجلس تقي علي الارض تبكي وهي تقول: "بقى كده يا شهاب؟ بعد الحب اللي أنا حبيته لك، تروح بكل بساطة وتتجوز واحدة غيري؟ ومنين؟ أختي! وبقهر أختي! إيه؟ أنا مش بنت مهند ولا من العيلة دي أصلًا؟ يا رب أعمل إيه؟ قلبي واجعني أوي… أنا محتاجة أسافر فترة وأبعد عن كل اللي بيحصل هنا. أيوه، هو ده الحل الوحيد علشان أرتاح شوية من كل الوجع ده."
تمسح دموعها وتخرج من الغرفة لتُعلِم الجميع بقرارها، وقد عقدت العزم على السفر. تنزل تقي من على السلم، فتجد مهند وهاني وسماح جالسين على مائدة الطعام، ونور تقف عند بداية السلم.
نور بحنان: "تقي يا قلبي، كنت لسه طالعة أناديكي علشان الأكل جاهز. بس طمنيني عنك يا حبيبتي، عاملة إيه دلوقتي؟ معلش يا بنتي، ما عرفتش أطلع أطمن عليكي."
تقي بابتسامة لتلك الأم الحنونة التي لطالما أحبتها أكثر من أمها الحقيقية: "ما تخفيش يا طنط، أنا الحمد لله كويسة."
نور بحب: "يا رب دايمًا يا بنتي، بخير وسعادة."
سماح: "تعالي يا تقي يا حبيبتي، جنبي هنا."
نور: "روحي يا حبيبتي شوفي ستك عايزاكي ليه، على ما أطلع. واعرفي شهاب ودهب إن الأكل جاهز."
تقي وهي تحبس دموعها: "حاضر يا طنط، بس ما تعرفيش ماما فين؟"
نور: "والله يا بنتي، علمي علمك، من إمبارح ما شوفتهاش."
وبعد وقت، يجلس جميع أفراد العائلة على مائدة الطعام يتناولون وجبة الإفطار، والصمت يملأ المكان. شهاب ينظر إلى دهب بنظرات مغازلة. دهب تشعر بحرج شديد من نظرات شهاب، فتنكس عينيها نحو الطعام.
أما أم تقي، فكانت تتابع نظرات شهاب المستمرة لدهب، وكان قلبها يتمزق حزنًا وأسفًا على عشق عمر ضاع هباءً.
وباري، الفتاة البريئة التي لا تعلم ما يخبئه لها القدر، كانت تبتسم بخجل، تضع أحد أصابعها بين أسنانها كلما تذكرت كلمات المغازلة من ذلك الذي ينوي تدمير حياتها بالكامل دون أن تدري.
تتجمد ابتسامتها فجأة، وتنظر إلى تقي بصدمة عندما تسمع ما تقوله، ولم تكن وحدها، بل الجميع صُدم مما سمع. تشعر تقي بتوتر من ردّة فعل الجميع على ما تنوي قوله، فتردد بخوف وقلق: "أنا قررت أسافر تركيا أكمل الماجستير هناك، وممكن ما أرجعش مصر غير لما أخلصه إن شاء الله."
❈-❈-❈
في مكان آخر
تنام سوزان بجوار تامر، ذلك الرجل الذي طالما عشقها ولم تمنحه يومًا اهتمامًا. والآن يعود بدافع الانتقام من هذه المتكبرة، انتقامًا لقلبه الذي تحطم وتألم لسنوات.
تفيق سوزان من نومها، تنظر إليه بقرف وغضب، وتقول بتردد: "إيه بتبصلي ليه كده؟ مش أخدت اللي إنت عايزه؟ هات بقى الفيديو وبلاش مشاكل. أبوس إيديك يا تامر، أنا مش ناقصة مشاكل. كفاية اللي حصل."
تامر بسخرية: "هو إنتِ مفكرة اللي حصل ده تمن الفيديو؟ لا يا حلوة، ده بس دفعة صغيرة تحت الحساب. وبصراحة بقى، أنا لسه ما استمتعتش زي ما أنا عايز."
يلعب بخصلات شعرها وهو يقول: "اللي أنا عايزه لسه ما أخدتوش."
سوزان تبعد يده عنها بعنف وتقول بغضب: "اللي إنت عايزه ده مستحيل يحصل، حتى لو على جثتي. إنت فاهم؟"
يحاول تامر السيطرة على غضبه: "خلاص، زي ما إنتِ عايزة… بس أوعي تنسي، إنتِ اللي خَطِرتي، مش أنا."
سوزان بخوف من هدوء تامر ونبرة صوته المرعبة:"قصدك إيه؟"
يبتسم تامر ابتسامة انتصار عندما يرى الخوف والقلق في عينيها: "قصدي يا حلوة، إن لو اللي طلبته ما تنفذش، هأنفذ كلامي اللي قلتهولِك في الأول، والفيديو الحلو ده هيكون على تليفون مهند ودهب قبل ما توصلي البيت."
سوزان بخوف وتكاد تبكي: "لا، أبوس إيدك… بس اللي إنت طالبه ده أشبه بالمستحيل. إنت إزاي عايز واحدة متجوزة من 25 سنة تسيب بيتها وجوزها وترجعلك؟ ده مستحيل. الناس هتقول عليا إيه؟ وهيفكروا فيا إزاي؟ ارحمني، أبوس إيدك، اطلب أي حاجة تانية وأنا والله هعملها… بس كله إلا كده."
تامر بضحكة ساخرة: "لا يا حلوة، ما تنسيش… أنا مش طالبك لوحدك. أنا عايز بنتي اللي إنتِ حرمتيني منها ترجعلي مرة تانية."
❈-❈-❈
في المنزل، كان مهند ينظر لتقي وملامح الزعل واضحة على وجهه، يتكلم بنبرة ممتلئة بالدهشة والغضب: "ايه اللي انتي بتقوليه ده يا تقي؟ تركيا ايه اللي انتي عايزه تسافريها وتكملي علامك هناك؟"
تحاول تقي السيطرة على دموعها التي خانتها، وصوتها يخرج مهزوزًا: "يا بابا رجاء افهمني. أنا بجد تعبانة أوي ومحتاجة إني أسافر وأغير جو. وأنا خلاص قررت إني أسافر ومش اهتم بأي حد."
ينهض مهند من مكانه بعصبية، وقد اشتعل الغضب في صدره: "يعني ايه يا بنت؟ انتي إنك قررتي ومش هاتهتمي بحد؟ كبرتي عليا ولا ايه يا تقي؟"
تتدخل سماح بسرعة محاولة تهدئة الأجواء: "اهدي يا مهند… مش كده يا بني."
لكن مهند يزداد غضبًا، يلتفت نحوها بنبرة حادة:"انتي مش سامعة هي بتقول ايه يا أمي؟"
وفجأة، تقف دهب على قدميها، وتعلو ملامح الفرح والدهشة على وجهها وهي تنظر نحو مدخل المنزل، وتقول بصوت مرتفع: "بابا، ماما!"
تتحرك بسرعة، تركض نحو عصام وشيرين اللذين دخلا للتو إلى المنزل: "ماما، بابا، عاملين إيه؟ وحشتوني أوي."
تقبل أيديهما وتحتضنهما بحب واحترام وسعادة، غير منتبهة للنظرات الحزينة لذلك الأب الذي يقف يراقب المشهد بصمت مؤلم. كم هو قاسٍ أن تسمع ابنتك تنادي رجلًا آخر بكلمة "أبي"، بينما كل ما تتمناه هو نظرة رضا منها.
نعم، أخطاؤه في الماضي كانت كثيرة، لكنه يتساءل في داخله: أليس كل هذا الألم والعذاب كافيًا لما تحمله طوال تلك السنوات؟ يتنحنح مهند، ثم يتكلم وهو ينظر إلى الجميع، وقد ارتسم الحزن واليأس على ملامحه: "عصام، إنت بعد السنين دي كلها جاي تعمل إيه؟"
يرد عصام بلا مبالاة، وكأن الأمر لا يعنيه: "ايه يا أستاذ مهند؟ لتكون ناوي تطردني زي ما عملت من 24 سنة؟ بس متخفش، أنا جاي أطمن على بنتي وحبيبة قلبي دهب، وأعرفها إن أنا وأمها مسافرين فترة وهنرجع تاني."
تنظر دهب إليهما باستغراب واضح: "مسافرين فين وليه؟"
تضع شيرين يدها على ظهر دهب بحنان محاولة طمأنتها: "متخفيش يا حبيبتي، دي صفقة شغل لأبوكي في تركيا، وإن شاء الله على ست أو خمس شهور هنرجع مصر."
تتسع عينا دهب بصدمة، تنظر إليهما غير مصدقة، وتقول بصوت مختنق: "خمس أو ست شهور؟ ده كله ليه؟ وأنا هاهون عليكم تسيبوني لوحدي طول الفترة دي كلها؟"
تتدخل سماح، وقد ظهر الحزن دفين في نبرة صوتها:"ايه يا دهب يا بنتي؟ هو إيه اللي هتسيبوني لوحدي؟ مانتي في وسط أهلك يا حبيبتي."
تقف شيرين بجانب دهب، وملامح الحب والاحتواء واضحة على وجهها، وتتكلم بهدوء: ستك معاها حق يادهب، انتي مع أهلك مش مع حد غريب."
يرد شهاب بثقة وهو ينظر للجميع: "ومع جوزها برضو."
تنزل كلماته كالصاعقة على أذن عصام وشيرين، يتبادلان النظرات، ويخرجان بصوت واحد مليء بالصدمة: "جوزها إزاي؟"
يشتعل الغضب في عيني عصام، ويتقدم خطوة للأمام:"انتي اتجوزتي يادهب من غير ما تعرفينا."
تنظر دهب إلى شهاب بغيظ واضح، وكأنها تحاول تسيطر على أعصابها: "أهدي بس يابابا، أنا متجوزتش
ولا حاجة."
لكن شهاب لا يعطيها فرصة لتكمل، ويقاطعها بابتسامة مستفزة: "لا والله ياعمي، اتجوزنا على سنة الله ورسوله، بس العروسة هي اللي ماكنتش موجودة، علشان كدا مش عايزة تصدق، اعمل ايه هي حرة بقا."
تلتفت دهب إليه بعصبية شديدة، الغضب يملأ عينيها:
"يابابا ياحبيبي، ماتصدقش كلام المجانين علشان بيقولوا كلام غير منطقي، إزاي واحدة تتجوز وهي مش موجودة، حتى لو حصل، هو بيكون باطل، مش ليه أي أساس."
يزيد شهاب من استفزازه، ويميل للأمام قليلًا: "بس أنا اتجوزتك بموافقة وكيلك ياحلوة."
تصرخ دهب بغضب، وقد نفد صبرها: "انا ماكولتش حد، هو انتم هتوكلو من نفسكم."
تعلو ابتسامة الانتصار على وجه شهاب بعدما نجح في إشعال غضبها: "بس وكيلك كان أبوكي مش أي حد."
تفقد دهب السيطرة على نفسها، ويرتفع صوتها ليسمعه كل من في المنزل، والجميع يتابع المشهد في صمت مشحون: "انا مش عندي أب غير بابا عصام، ويوم ما قرر أتجوز، مش هيكون في حد يستحق يكون وكيلي غيره، انت فاهم؟"
ينظر شهاب إليها بحزن حقيقي هذه المرة، متألمًا من حجم الكره الذي تحمله تجاه أبيها، وقبل أن يرد، يعلو صوت مهند بغضب قاطع: "بس بقا اسكتوا أنتم الاتنين، ايه مفيش احترام للكبار، خلاص."
ثم يلتفت إلى عصام بنبرة جامدة: "ايوا ياعصام، انا جوزت دهب لشهاب ابن أخويا هاني."
تشتعل عينا دهب بالغضب، وتتقدم خطوة للأمام:"وانت مين أداك الحق تعمل كدا بقا؟ انا مستحيل أوافق على الجوازة دي تحت أي ظرف من الظروف، انت فاهم؟"
وترفع إصبعها في وجه مهند، وصوتها يرتجف من شدة الغضب: "وإياك ثم إياك أنك تدخل في أي حاجة تخصني مرة تانية، أو أنك تقرر قرار بيخص حياتي، انت فاهم، انا بكرهك بكرهك وانا عارفة انك عايز تدمر حياتي وتقتلني زي ماقتلت أمي، بس ده هيكون في أحلامك."
يتحول الحزن في عيون سماح إلى غضب عارم، فتندفع نحو دهب، وترفع يدها وتصفعها أمام الجميع: "انتي بت قليلت الادب وأظاهر كدا اللي رباكي ماعرفش ازاي يعلمك تحترمي اللي اكبر منك."
تتدخل شيرين بسرعة، والغضب يشتعل في صوتها:
"معلش بقا دهب بنتي متربية أحسن تربية، ماسمحش لك تغلط في تربية بنتي حتى لو كنتي ستها وأم ابوها."
ترفع سماح يدها مرة أخرى، دون أن تنظر إلى شيرين، وصوتها حاسم: "ياريت لما أهل البيت يحصل بينهم خلاف، الضيف مايدخلش."
تحاول شيرين الكلام، لكن عصام يضع يده مانعًا إياها، ثم يقول بهدوء موجوع:"يلا ياشيرين، خلينا نمشي، احنا جين نطمن على دهب، واطمني عليها."
ثم ينظر إلى دهب بنظرة عتاب ثقيلة: "وهي ماشاء الله بقت كبيرة وواعية، وتعرف الصح من الغلط، وكمان اتجوزت من غير ما تعرفنا، احنا فعلاً مش أهلها الحقيقيين، بس احنا، الحمد لله، نفذنا وصية دهب، الله يرحمها، وربنها بكل حنان وحب وعلمنها، وبسم الله ماشاء الله، بقت ظابط قد الدنيا أهي."
تنهمر دموع دهب، وصوتها يخرج مكسورًا: "بابا، انت ليه بتقولي الكلام ده؟"
وتضع يدها على صدرها، وكأن قلبها لم يعد يحتمل: "أنا والله ماكنتش عارفة اللي هما عملوه، وانا مش موافقة أصلاً، وحتى لو أنتم مش أهلي الحقيقيين، على الأقل اخدوني وربتوني وعلمتوني لحد ما وصلت للي أنا وصلت له، ده كله بفضل الله ثم انت وماما."
يتكلم عصام بهدوء واضح، لكن نبرة صوته تكشف وجعًا كبيرًا حاول إخفاءه: "حبيبتي، انا مش زعلان علشان اتجوزتي، لا يابنتي، طول عمري انا وامك بنحلم باليوم ده من وانتي لسه طفلة، وحتى مش مهم إذا كنت أنا وكيلك أو مهند، انا ومهند واحد بس يابنتي، مافكرتيش ترفعي سماعت التليفون وتعرفيني إيه اللي بيحصل معاكي، ماعرفتيش تجي ليا وتقولي 'بابا حصل معايا كذا و كذا'، وانا والله يابنتي كنت جيت وجبت لك حقك، وحتى لو عايزة تطلقي كنت وقفت معاكي، بس انتي كبرتي أوي يادهب، ومابقتيش محتاجانا، انا وامك في حاجة، انا وامك يابنتي مش بنتمني لكي غير الخير، الله يسعدك يابنتي، احنا نفذنا وصية امك، وانتي دلوقتي في بيت ابوكي، وكمان اتجوزتي، عيشي حياتك، وانسي."
ينهي كلامه، ثم يبتعد من أمام دهب بخطوات تقيلة، تاركًا إياها غارقة في دموعها، ومشاعر متناقضة من وجع وكره مكبوت تجاه الجميع. تنظر دهب ناحية عصام وشيرين وهما بيبعدوا، وصوتها مكسور من البكاء: "بابا، ماما، ماتمشوش وتسيبوني، أنا مش ليا حد غيركم."
لكن ما إن تختفي ملامحهما من أمامها، حتى تنهار تمامًا، وتجلس مكانها تبكي كطفلة ضايعة من أهلها:"متمشوش وتسيبوني، أنا والله ما كنتش عارفة حاجة، ايوه انا غلطت اني ما جيتش وعرفتكم اللي بيحصل معايا، بس والله ماكنش بمزاجي."
كانت دهب تردد الكلمات وكأنها تحدث نفسها، والدموع لا تتوقف عن النزول. تتقدم نور منها بهدوء، وتمسح على شعرها بحنان أم حقيقي: "مين قال انك لوحدك يا عمري؟ احنا هنا كلنا اهلك يا بنتي، احنا مش غرب عنك، ابوك وستك وعمك واخواتك، وفيه تقى اختك وباري هما بنات من سنك، اعتبريهم صحابك وخدي عليهم واتكلمي معاهم."
ترفع دهب رأسها، وعينيها مليانة دموع وكره: "انا بكرهكم كلكم، ومستحيل اعتبر واحد منكم فرد من علتي، انتم سامعين؟"
تمسح دموعها بعنف، وتلتفت ناحية شهاب بنظرة مليانة كره وغضب: "وبالذات بعد اللي حصل ده انا مش هسامح واحد فيكم."
ثم تجمع نفسها وتتحرك بسرعة، وتترك المكان كله وراها.
يقف شهاب مكانه، ويمرر يده في شعره بندم شديد، وهو يلوم نفسه علي ما فعله: "هو ايه اللي انا عملته ده اكيد هتكرهني اكتر ما هي بتكرهني، اعمل ايه دلوقتي لازم الاقي طريقه علشان اصالحها، انا ماكنش قصدي الامور توصل لكده."
تكسر تقي الصمت بصوت حزين: "بعد اذنكم هجهز علشان السفر."
تنفجر سماح بالبكاء، وصوتها يرتعش من الخوف على بيتها: "سفر أيه يابنتي اللي انتي عايزه تسفريه، ارحمينا بقا حرام عليكي."
يرد مهند بعصبية واضحة، وكأنه لم يعد يحتمل: "سبيها يا أمي، ماهما كبروا وبقا كل واحدة بتاخد قرارها بنفسها."
ثم يترك الجميع ويغادر المكان.
❈-❈-❈
من خارج المنزل، تدخل سوزان، وتتفاجأ بعصام وشيرين وهما خارجين، فتقف في مكانها تنظر لهم باستغراب: "مش دي شيرين واللي معاه ده عصام، هم بيعملو ايه هنا؟"
تتوقف شيرين وتنظر إليها بدهشة: "سوزان؟"
ترفع سوزان نظرها لهم بكبرياء مصطنع: "انتم بتعملوا ايه في بيتي بعد السنين دي كلها؟"
يرد عصام بهدوء يناقض الغليان اللي جواه: "وده يهمك في ايه يامدام سوزان؟"
تبتسم سوزان بسخرية مستفزة: "طبعاً يهمني إذا ناس زيكم دخلوا بيتي ومن سنين وانا ماعرفش عنهم حاجة، وبصراحة لو كنت اعرف ماكنتوش لسه واقفين قدامي."
ترد شيرين بهدوء ثابت: "والحمدلله، ربنا حامنا من شرك، ونصيحة مني لكي، فوقي يا سوزان من الحقد والغل اللي انتي فيه ده، قبل ما تقعي وما تلاقيش حد يسمى عليكي."
تشعر سوزان بتوتر غريب من كلام شيرين، تحاول الرد، لكن الكلمات تخونها، فتكتفي بنظرة غضب صامتة.
يتكلم عصام بسخرية هادئة، موجّهًا كلامه لشرين: "ايه يا حبيبتي، الكلام ده؟ انتي ممكن تخلي الأفاعى تآلف، بس مستحيل تخلي شيطان يتوب، يلا يا حبيبتي هناتأخر على الطيارة."
تنظر شيرين لسوزان بشفقة: "معاك حق يا عصام، احنا فعلا ممكن نخلي الأفاعي تالف، بس مستحيل نخلي شيطان يتوب."
تلحق بزوجها وتجلس بجواره في السيارة، وقبل أن تغلق الباب تنظر لسوزان وتقول بهدوء صادق: "لو جالك فرصة تتوبي، توبي يا سوزان قبل فوات الأوان، إن الله تواب رحيم."
تقف سوزان مكانها دون حركة، والدموع تنساب على وجهها في صمت، لا تفهم لماذا اخترق قلبها كلام شيرين بهذه القوة، ولا لماذا اهتز قلبها فجأة.
❈-❈-❈
داخل البيت، في غرفة باري، يرن الهاتف فجأة، فتلتفت إليه باستغراب قبل أن ترد.
المتصل: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عاملة إيه يا قمر؟"
باري بستغراب: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مين؟"
يأتيها الصوت بنبرة خفيفة، كأنه متأكد إنها هتعرفه: "ايه نسيتي صوتي بالسرعة دي؟"
تشعر باري بالخجل، وتضع أحد أصابعها تحت أسنانها دون وعي، وهي تعلم جيدًا من المتصل، لكنها تحاول التهرب: "ايوه، يعني مين؟"
يأتيها الرد بغيظ ممزوج بمزاح واضح.: "مع اني عارف ومتأكد إنتي عارفة أنا مين، بس ماشي ياستي، هقولك إنا مين، أنا إيهاب صاحب شهاب، اخوكي ياستي، البنات عرفتي أنا مين ولا لسه؟"
يزداد ارتباك باري، ويظهر الخجل في صوتها.: "طيب حضرتك محتاج حاجة يعني؟"
يتنهد إيهاب قليلًا، ثم يتحدث بنبرة أكثر جرأة ودهاء.: "بصراحة لا، مش عايز حاجة، بس مش عارف إيه اللي حصل ليا من وقت ما شوفتك وسمعت صوتك، بصراحة كدا حاسس إني وقعت بس علشان ماعصيش ربنا فيكي، قررت أجي أتقدم لكي، أنا من أول ما شوفتك مش بنام بفكر وأحلم بيكي طول الوقت، صورتك قدامي مش بتفارق خيالي لحظة.
تشعر باري بالخجل، وتعض على إصبعها دون وعي.
يسمع صوت إيهاب مرة أخرى، أكثر جرأة هذه المرة، وكلماته تسقط عليها كالمفاجأة، لتفتح بابًا جديدًا في حياتها، بابًا لا تعلم إن كان قدرًا جميلًا أم بداية لعاصفة جديدة…
ايهاب:" توفقي تجوزيني؟"
رواية حكاية قدر الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم نور شريف
مهند كان جالسًا في غرفته، على مقعده الخاص، والظلام يحيط به من كل جانب. عقله يعيد كلمات دهب القاسية التي وجهتها له، اتهامها له بقتل أغلى ما كان يملك… وهي حبيبة قلبه وزوجته الغالية دهب.
كان العرق يغطي وجهه من شدته، وفجأة شعر بألم حاد في قلبه. اشتد الألم أكثر، فوضع يديه على صدره، غير قادر على النطق أو حتى التقاط أنفاسه. وفي لحظة، فُتح الباب وأُضيء النور. لتدخل سوزان تنظر له بستغراب: مهند مالك؟
شعرت أن هناك شيئًا غير طبيعي، فتقدمت نحوه وهي تردد بقلق: مهند حبيبي مالك؟
وبصوت عالي: هاني شهاب حد يلحقني (وبدموع) مهند حبيبي مالك ليه مش بترد عليا (وبصوت عالي) شهاب!
في غرفة شهاب ودهب
دخل شهاب الغرفة، فوجد دهب جالسة على الأرض، تضم قدميها إلى صدرها، وتبكي بشدة. وقف للحظة مترددًا، ثم تحدث بصوت يحمل الندم: دهب انا آسف ماكنش قصدي والله الأمور توصل لكده والله انا اسف.
ما إن سمعت دهب صوته، حتى رفعت رأسها ببطء، ونظرت إليه بكراهية وغضب. مسحت دموعها بعنف، ونهضت من على الأرض وهي تقول: ايه يا حضرت الرائد بتتآسف ليه مبروك وصلت لهدفك وأهلي زعلوا مني وسبوني لوحدي وسافرو وهما زعلانين ويا عالم هايرجعوا تاني ولا لا الف مبروووك ياحضرت الرائد انا اهو بعيط قدامك وبسببك مش هو ده اللي انت كنت عايزه من الاول اهو شوف انا بعيط.
اندفعت نحوه، وأمسكته من ملابسه بغضب شديد وهي تصرخ: بس مستحيل تكسرني
وتتركه بعنف وترفع صابعها في وجه شهاب وهي تردف بغضب: انت فاهم مستحيل اسمحلك تكسرني ياحضرت الرائد انت فاهم؟
وقف شهاب ينظر إليها بحزن وشفقة، محاولًا أن يستوعب حالتها. كان على وشك الرد، لكن صراخًا مفاجئًا قطع عليه تفكيره عقد حاجبيه بستغراب.: هو في أيه؟
ثم خرج مسرعًا من الغرفة دون أن يفهم ما يحدث، بينما مسحت دهب دموعها بسرعة وخرجت خلفه. لتقبلهم نور وهي تقول بخوف: هو في أيه ياشهاب يابني؟
شهاب: ماعرفش والله يامي بس الصوت جاي من اوضة عمي مهند.
خرجت تقي وباري من غرفتيهما في نفس اللحظة: في ايه ياجماعة؟
تقى بخوف: هي ليه ماما بتنادي بصوت عالي كدا؟
لم تنتظر تقي إجابة، واندفعت تجري لترى ما يحدث، وتبعها الجميع: شهاب، دهب، باري، ونور. أما هاني وسماح فلم يكونا في المنزل، إذ كان هاني قد أخذ والدته إلى الطبيب للاطمئنان على حالتها الصحية.
وصل الجميع إلى غرفة مهند، وتجمّدوا في أماكنهم من هول المشهد الذي أرعب قلوبهم. كان مهند ملقى على الأرض، الدماء تخرج من فمه، وسوزان جالسة بجواره تبكي بانهيار، بينما هو فاقد الوعي تمامًا، غائب عن الدنيا وما فيها.
تقي بدهشة وبكاء: بابا.
اندفعت تقي تجري نحوه، تحتضن والدها الذي لا يشعر بشيء مما يحدث حوله.
شهاب بدهشة: عمي مهند.
تقدم شهاب بسرعة ليرى ما به، ولحقت به نور وهي في حالة صدمة.
أما دهب، فشعرت وكأن سكينًا غُرس في قلبها، عندما رأت مهند ذلك الذي يدع ولدها في هذا الحالة. ولم تستطع النطق بكلمة واحدة، وظلت واقفة مكانها في صمت مريب.
وبعد وقت قصير، وصلت سيارة الإسعاف، وتم نقل مهند بسرعة إلى المستشفى، وذهب الجميع خلفه.
❈-❈-❈
في المستشفى، وقف الجميع؛ دهب، شهاب، تقي، نور، وباقي العائلة، أمام باب غرفة العمليات، ينتظرون أي خبر يطمئن قلوبهم. مر الوقت ببطئ شديد عليهم، حتى خرج أحد الأطباء بعد ساعة ونصف. جري شهاب إلى الدكتور وهو يقول بخوف: "خير يادكتور، طمني عمي عامل إيه؟"
نظر الدكتور الي ملامحهم القلقة وهو يقول: "اهدو ياجماعة."
سوزان بدموع وقلق: "نهدي إيه خلص، قول جوزي ماله وايه اللي حصل له؟"
تحدث الطبيب بحرج واضح من حدة سوزان: "أنا آسف يافندم بس بصراحة ماكذبش عليكم، حالة الأستاذ مهند ماطمنيش. حصله جلطة في القلب واحنا عملنا كل اللي نقدر عليه والباقي على الله بس انتم صلوا وادعوا له. أن 24 ساعة دول يعدوا على خير."
نزلت كلمات الطبيب كالصاعقة على الجميع، وسيطر الصمت على المكان، ولم يُسمع سوى صوت البكاء مكتومًا. وبعد لحظات، كسرت تقي هذا الصمت، وصوتها يخرج مرتجفًا وكأن قلبها هو من يتكلم: يعنى إيه بابا ممكن يموت ومش هقدر أشوفه تاني.
تجمدت الوجوه، وجف الدم في عروقهم قبل أن تجف دموعهم، عندما ذُكر الموت على لسان تقي. اجابت سوزان بصدمة: "لا مستحيل، اسمح أن الموت ياخد مهند مني."
وبصوت عالٍ، كأن الجنون بدأ يسيطر على عقلها: "دهب، أنا مش هسمح لكي تخدي مهند مني بعد السنين دي كلها، مهند ليا أنا وبس. فاهمة؟ مهند حبيبي أنا ومش هسمح لحد ياخدو مني. انتي فاهمة حتى الموت مش هسمح له ياخدو مني."
نور بدموع، تقترب من سوزان وتحاول تهدئتها، وهي تمسك بيدها برفق: "سوزان، اهدي، إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟ وحدي الله لا إله إلا الله."
لكن سوزان بدت وكأنها لا تدرك ما تفعله، تصرخ بصوت عالٍ وهي تدفع نور عنها بعنف: "ابعدي عني، مفيش حد يلمسني مهند ليا لوحدي."
وفجأة، اندفعت نحو دهب، التي كانت تقف تتابع ما يحدث في صمت تام. وضعت سوزان يديها حول رقبة دهب، وبدأت تخنقها بقسوة، وهي تصرخ بجنون: "أنا مش هسمحلك تاخدي مهند مني، زي ماقتلت أمك، أنا هقتلك بأيدي دي، مهند ليا أنا وبس، فاهمة؟ مهند حبيبي."
حاول الجميع التدخل وإبعاد يدي سوزان عن دهب، لكنها كانت كوحشٍ هائج، لا يستطيع أحد السيطرة عليه.
بدأ وجه دهب يزرقّ، وتجمد الدم في عروقها، ولم تعد تشعر بشيء، ولا ترى شيئًا أمام عينيها. في تلك اللحظة، دوّى صوت الطبيب عاليًا: "هاتوا حقنة مهدئة بسرعة."
أسارعت إحدى الممرضات بإحضار الحقنة، فأخذها الطبيب وحقن بها سوزان، وبعد لحظات قليلة، سقطت في سباتٍ عميق.
شهاب يهرع نحو دهب بخوف شديد، بعد أن سقطت على الأرض، وهي تكح بعنف وتحاول التقاط أنفاسها بصعوبة، وكأنها تصارع للبقاء: "دهب حبيبتي، انتي كويسة؟"
ثم يصرخ بصوت عالٍ: "حد يجيب ماء بسرعة!"
تقى، وهي تبكي بخوف، ليس فقط مما يحدث أمامها، بل مما يحدث داخل قلبها، تلك الغيرة، غيرة العشق، التي اشتعلت فيها بعدما رايته يحضن امرأة أخرى أمامها: "حاضر!"
تركض بسرعة، وتحضر زجاجة ماء، ثم تعطيها لشهاب، ويداها ترتجفان من شدة الحزن الذي يمزق قلبها: "اتفضل يا شهاب، الميه."
ينظر شهاب إلى تقى بامتنان: "شكراً."
يأخذ الزجاجة منها، ويقربها برفق من فم دهب، وهو يقول بحنان: "اشربي يا حبيبتي."
بصعوبة، تأخذ دهب الزجاجة من يد شهاب وتشرب، بينما تنظر إليه باستغراب من شدة خوفه وقلقه عليها. تشعر بيده تلامس ظهرها بحنان، وصوته المرتجف يصل إلى قلبها: "دهب حبيبتي، حاسة بإيه؟ اتكلمي، سكتة ليه؟"
ثم يزداد خوفه: "مالك سكتة ليه، اتكلمي؟"
من شدة دهشة دهب من خوف شهاب وقلقه عليها، تنظر إليه بعمق، ويتردد سؤال داخلها: ما الذي يجعله خائفًا عليّ إلى هذا الحد؟ هل هو خوف حقيقي عليّ، أم خوف من أن يصيبني مكروه وتدخل زوجة عمه السجن بسببي؟ تشعر بتخبط داخلها، وكأنها لم تعد تفهم نفسها:
"يالله، لم أعد أفهم شيئاً، مالذي يحدث لي؟ لم أعد أعرف نفسي، هل هذه أنا فعلاً أم واحدة آخرى؟" تفيق من شرودها على صوت نور، وهي تهز جسدها بخوف شديد لا يكون حدث شيء ل دهب بسبب الشئ الذي فعلته سوزان منذ قليل!" ثم تقترب منها أكثر، وصوتها يرتجف: "دهب يابنتي، مالك في حاجة؟ وجعاكي انطقي، سكتة ليه؟ قولي حاجة!"
تنظر دهب إلى وجوه الجميع من حولها، وترى الخوف واضحًا في عيونهم، لكن الصدمة الحقيقية تضربها حين تحاول الكلام ولا يخرج صوتها. تحاول مرة أخرى، ثم ثالثة، بلا جدوى.
تتسع عيناها برعب، ويتردد صوتها داخل رأسها فقط:
"يالله، مالذي يحدث لي؟ لماذا لا أقدر على قول شيء؟"
ترفع يديها إلى عنقها، تضغط بخفة، تحاول أن تنطق بأي كلمة، لكن كل محاولاتها تفشل.
شهاب ينظر إليها بقلق، ثم إلى الجميع، وعيناه تمتلئان خوفًا: "ايه مالك مش قادرة تتكلمي؟"
تهز دهب رأسها ببطء، بمعنى نعم، لا تستطيع النطق.
نور تتجمد في مكانها من الصدمة: "يعني ايه يابنتي مش قادرة تتكلمي خالص؟ طيب اهدي شوية كدا وحاولي تاني."
شهاب يزداد خوفه، وكأن فكرة فقدان صوتها تخنقه هو الآخر، فيحاول طمأنتها بصوت مرتجف: "خدي اشربي واهدي، ماشي، ماتخافيش، تقي وباري راحوا يجيبوا الدكتور يكشف عليكي، ماتخفيش، إن شاء الله هتتكلمي تاني، إن شاء الله."
تنظر دهب إلى شهاب نظرة طويلة مليئة بالتساؤل.
هل هو متأثر فعلًا بكل هذا بسببها؟ هل تعني له شيئًا إلى هذه الدرجة؟ تتعمق نظراتها فيه، نظرات لم يستطع شهاب تفسيرها. يتوتر شهاب تحت نظراتها، ويقول مرتبكًا: "مالك بتبصي ليا ليه كدا؟ عايزه حاجة اجبهالك."
نور تقترب منها بحنان: "دهب حبيبتي، عايزه حاجة، أقوم أجبهالك."
تنظر دهب إليهما، ثم إلى الأرض، وكأن الكلمات محبوسة داخل صدرها. بداخلها سؤال واحد يصرخ بلا صوت:
لماذا كل هذا الخوف عليّ؟ هل أنا مهمة لهذا الحد؟
تهز رأسها بمعنى لا، لا تريد شيئًا.
وبعد وقت قصير، تعود تقى وباري ومعهما أحد الأطباء.
يتقدم الطبيب بهدوء واحترام: "بعد إذنك يا فندم، خليني أشوفها."
يبتعد شهاب قليلًا، وما زالت عيناه معلقتين بدهب، ويقول: "آسف، اتفضل، شوف شغلك."
يتوجه الطبيب إليها: "بعد إذنك يافندم، افتح بوقك كدا علشان اكشف عليكي."
تنظر دهب إلى شهاب، وكأنها تستمد منه طمأنينة، ثم تفتح فمها كما طلب الطبيب. يبدأ الطبيب في فحصها بعناية: "طيب انتي سمعنا يافندم، قادرة تسمعي حاجة؟ سامعة صوتي كويس؟"
تهز دهب رأسها بالإيجاب، لتؤكد أنها تسمع كل شيء بوضوح. ينهي الطبيب الكشف، ثم يقول بنبرة مطمئنة:
"طيب ماتخفيش أنتي فقدتي صوتك لفترة، وإن شاء الله مع الوقت هترجعي تتكلمي زي الأول وأحسن كمان، بس التزمي بالعلاج وخديه بانتظام، وإن شاء الله كل حاجة هتكون كويسة، ماتخفيش."
شهاب ينظر إليه بذهول وحزن: "ازاي فقدت صوتها لفترة، مش فاهم؟ طيب هي هاتقعد قد ايه ماتتكلمش؟"
يرد الطبيب بهدوء: "بصراحة، دي حالة بتحصل كتير، والسبب ممكن يكون حالة نفسية أو تكون بسبب اختناق شديد في الزور، وأما الفترة فهي حسب ارادة واسرار المريض على استرجاع صوته مرة تانية."
نور تقترب من دهب بحنان، وتمسح على يدها: "متخفيش يا دهب يا حبيبتي، إن شاء الله هاترجعي أحسن من الأول، ماتخفيش وماتزعليش من سوزان، هي كدا لما تزعل مش بتعرف هي بتعمل ايه."
شهاب يشتعل غضبًا، وصوته يعلو: "انتي بتقولي ايه يا أمي، دي واحدة مريضة نفسيًا ولازم نشوف لها دكتور، دي كانت ممكن تقتلها."
ثم ينظر إلى تقى، التي كانت تسمع كل شيء في صمت: "انا آسف يا تقي، بس كلنا شوفنا اللي حصل واللي امك عملته، هي فعلاً كانت ممكن في حالة زي دي تقتل دهب، فماتزعليش من كلامي."
تحاول تقى السيطرة على نفسها، وترد بصوت مكسور:
"لا ولا يهمك يا شهاب، مازعلتش، وانت معاك حق في كل كلمة قولتها، بس دلوقتي أهم حاجة نطمن على صحة بابا."
وتنفجر بالبكاء:"أنا مش يهمني حاجة غير بابا يقوم بالسلامة وبس."
تأخذها باري في حضنها، وتضمها بقوة. نور تقترب منهما بحزن، وتحاول التخفيف عنها: "إن شاء الله يا حبيبتي، هيكون بخير وهيقوم بالسلامة، بس قولي يارب، ماتخافيش."
وفجأة، يقطع الجو المشحون صوت الممرضة وهي تصرخ من بعيد: "دكتور الحقني، المريض اللي لسه خرج من غرفة العمليات بين عليه بيموت؟"
يقف الجميع في صمتٍ ثقيل، بعد أن سقط الخبر على آذانهم كالصاعقة. لا أحد يقدر على استيعاب ما قيل، ولا أحد يملك رد فعل واضح، إلى أن يقطع هذا الجمود صوت باري، وهي تصرخ بكل ما فيها من رعب:
"تقي حبيبتى، الحقني ياشهاب، تقي!"
تتجه الأنظار سريعًا إلى تقى، التي سقطت على الأرض مغشيًّا عليها فور سماعها خبر موت أبيها. يهرع الجميع نحوها في لحظة واحدة. نور بدموع وارتباك: "تقي حبيبتى، حد يجيب شوية ميه نفوقها بيهم."
يتقدم شهاب بسرعة، وينحني ليحمل تقى بين ذراعيه، قائلًا بحسم: "لا، سيبيها كدا، أحسن لها."
يحملها إلى أحد غرفه المستشفى، ويضعها برفق علي السرير، ثم يلتفت إلى باري: "باري، تعالى اقعدي جنب تقي."
باري، ودموعها لا تتوقف: "حاضر، ياشهاب."
تجلس بجوار تقى كما طلب منها. ينظر شهاب بعدها إلى دهب باستغراب؛ يلاحظ هدوءها الغريب وسط كل هذا، ويتساءل في داخله: هل أصابها شيء؟ أم أنها لم تعد تشعر بشيء مما يحدث حولها؟ نور، وهي ترفع يديها بالدعاء ودموعها تنساب: "استرها يارب."
في تلك اللحظة، تدخل سماح وهاني إلى المستشفى مسرعين، وقد سبقتهما دموع سماح: "مهند، ابني فين، فين مهند؟"
هاني بقلق شديد: "فين مهند؟ وايه اللي حصل؟"
يقف الجميع في صمتٍ عاجز، لا أحد يستطيع الإجابة، إلى أن يتقدم شهاب بعد لحظات، محاولًا التماسك: "هو الدكتور مع عمه مهند جوه، ولسه مش عارفين ايه اللي حصل، بس إن شاء الله كل حاجة هتكون كويسة."
سماح تبكي بحرقة: "يارب، ياحبيبي، أنا ماليش غيرك، جيب العوايد سليمة، يارب، والطف بينا يالطيف."
هاني ينظر إلى شهاب باستغراب وقلق أكبر: "يعني إيه متعرفوش حاجة عمك في إيه، ياشهاب؟"
وقبل أن يرد شهاب، يظهر الطبيب أمامهم قائلًا:"لو سمحتم، ياجماعة، مين هنا دهب وتقي المريض، طلبهم."
تنزل دموع دهب بصمت، ولا تقدر على قول أي شيء. تشعر أنها عاجزة عن المواجهة في هذه اللحظة. ترفع عينيها إلى شهاب، تنظر له نظرة تشبه نظرة الغريق الذي يطلب النجدة. سماح تتجه إلى الطبيب بلهفة ودموع:
"طمني، يابني، مهند ابني عامل إيه، عايزه أدخل اطمن عليه."
ينظر الطبيب إليها بحزن واضح، متأثرًا بحالها، ثم يقول:
"حاضر من عيني، بس هو طلب بناته الاتنين دلوقتي."
هاني بخوف متزايد: "مهند عامل إيه، يا دكتور؟"
يصمت الطبيب، ويكتفي بالنظر إليه، فيفهم الجميع أن القادم ليس خيرًا. يلتفت شهاب إلى دهب، وكأنه يقرأ ما بداخلها، ويعلم أنها لا تقوى على هذه اللحظة: "طيب، يادكتور، بس التانية اغمى عليها، هفوقها وهجي."
يتجه شهاب إلى الغرفة التي ترقد فيها تقى. تنهض باري فور رؤيته وتقول بقلق: "شهاب، خير في حاجة؟"
ينظر شهاب إلى تقى بحزن: "هي لسه ماصحيتش خالص."
ترد باري بصوت مكسور: "لا، ما صحيتش لحد دلوقتي."
شهاب يشير إلى زجاجة المياه: "طيب، نوليني قزازة المية دي علشان نفوقها، عمك طلبها."
تضيء عينا باري بلهفة مفاجئة: "هو عمي مهند فاق!"
يصمت شهاب، لا يعرف ماذا يقول، فيكتفي بالنظر إليها.
تتوتر باري من صمته: "شهاب، انتي سكت ليه؟ وبدموع عمي مهند فاق صح؟"
يضمها شهاب إلى صدره بحنان، ويقول بهدوء حزين:
"هشششش، لازم تكوني قوية علشان تقدري تسندي تقي وتقفي جنب منها في الظروف دي، والموت والحياة بإيد الله، وهي دي سنة الحياة، وانتي كبيرة وعارفة كل ده."
تبكي باري أكثر: "بس الفراق صعب أوي ياشهاب."
يمسح شهاب دموعها: "عارف، ياحبيبتي، أن الفراق صعب، بس هنعمل إيه، لازم نستحمل ونكمل حياتنا، يلا، خلينا نفوق تقي قبل فوات الأوان."
يأخذ زجاجة المياه، ويرش القليل منها برفق على وجه تقى، وبعد عدة محاولات تفتح عينيها ببطء، وهي لا تدرك ما يحدث حولها. وفجأة تتذكر كل شيء، فتنهض مفزوعة من السرير وهي تصرخ: "بابا! بابا! بابا فين حصل له اي."
تحاول النهوض بعصبية وارتباك. يضع شهاب يده على كتفها بلطف، محاولًا تهدئتها: "تقي، اهدي و، ارتاحي، أبوك كويس والله وهو عايز يشوفك تعالي معايا."
رواية حكاية قدر الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم نور شريف
في الغرفة حيث تتواجد تقى تجلس على الفراش تبكي بحرقة شديدة، وهي تنظر الي شهاب الواقف أمامها. كأنها تعرف ما الذي سيحدث قريبًا، وبصوت مخنوق من كثرة البكاء تقول: "بابا بابا فين يا شهاب؟ بابا حصل له حاجة؟ بابا فين، أنا عايزة أروح عند بابا."
ظلت تبكي بلا توقف، فهي تعلم أنه ليس والدها الحقيقي، لكن منذ صغرها لم تعرف أحدًا آخر غيرها وحتي ولم يكن ولدها فهو الذي رباها واعتنى بها، وعلمها كل شيء حتى وصلت لما هي عليه الآن. لا تستطيع التخيل لحظة واحدة أنها ستكمل من دون وجوده، كيف ستكمل حياتها بدونه؟ كيف سيتركها ويذهب؟ رفعت رأسها علي صوت شهاب متوترًا وهو يقول ونظره معلق علي شقيقتها التي تنهمر دموعها هي الأخري: "تقي، احنا مؤمنين بالله وعارفين ربنا سبحانه وتعالى، وأنتِ كبيرة وواعية وعارفة أن دي هي سنة الحياة، قوي إيمانك واهدي كدا."
يمسح لها دموعها قائلاً بحنان: "وبلاش الدموع دي، وتعالي يلا علشان عمي مهند عايزكِ أنتِ ودهب."
تنظر تقى إلى شهاب وهي ترفع يداها تمسح دموعها وترد: "ونعم بالله."
تنهض من على الفراش بحذر، قائلة: "يلا خليني أشوف بابا، مين عارف هشوفه تاني ولا لأ."
تضع يديها على فمها لكتم صوت بكائها، وتلتصق بشهاب بحنان:"ماتسبنيش يا شهاب بالله عليك، أنا خايفة أوي."
باري، وهي تبكي، تضع يديها على شعر تقي بحنان: "تقي حبيبتي، أهدي شوية علشان خاطري."
يمسك شهاب رأس تقى بين يديه، ويردف بحزن: "متخفيش يا تقى، أنا معاكي ومش هسيبكِ أبدًا."
بعد دقائق قليلة، يخرج شهاب وتقى وباري من الغرفة. ينظر شهاب إلى دهب ويقول: "تعالي يلا يا دهب."
دهب تنظر إلى شهاب، وإلى تلك الأيدي التي تمسكه بإحكام من ذراعه، وتشعر بشيء غريب يهاجم قلبها فجأة. تتبع شهاب وتقى في صمت، وهي تشاهد كيف تمسك تقى بشهاب، وكأنها تريد أن تقول لها: "ابتعدي عن زوجي"، لكن كبريائها يمنعها من الصراخ. عندما وصلوا إلى غرفة مهند، لم يعرف أحد ما الذي سيحدث بعد خروجهم منها. ينظر شهاب إلى مهند، الذي يرقد على فراش الموت محاطًا بالأجهزة الطبية، وبهدوء يكسو صوته العاصفة والحزن: "عمي مهند."
يفتح مهند عينيه بتعب شديد، وينظر إليهم جميعًا:"تقى حبيبتي، بطلي عياط، شكلك بقا مش قمر من العياط ده."
تنهال تقى في حضنه، وهي تبكي بحرقة: "بابا حبيبي، خليك معايا، ما تسبنيش، أنا ما قدرش أعيش من غيرك أبدًا يابابا، بالله عليك مش تمشي وتسبني."
يمسح شهاب دموعه قائلاً: "تقى، إيه الكلام اللي إنتِ بتقوليه ده؟ هو ده اللي اتفقنا عليه."
مهند بتعب شديد، يضع يديه على رأس تقى:"تقى حبيبتي، عايزك توعديني إنك هتكوني قوية علشان تقدري تواجهي مصاعب الحياة. لازم تعرفي إن مش كل حاجة بنتمناها في حياتنا هتكون لينا، ولا كل شخص هنحبه هيفضل معانا. لازم تحطي النقطتين دول في رأسك على طول وتمشي على الأساس ده علشان تقدري تكملي حياتك بشكل طبيعي."
ينظر مهند إلى دهب، التي تقف خلف شهاب بتعب واضح:"تعالي يا دهب لو سمحتي، قربي شوية عايز أعرفك حاجة."
دهب تحدق في شهاب وتقى، ثم تنظر إلى مهند وإلى الأجهزة من حوله، وكأن قدميها لا تحملها، ولا تشعر إلا بيد شهاب التي أمسكت كفها بإحكام، وكأنه يحاول أن يزرع الأمان بداخلها ويقول:"دهب تعالى، عمي بيكلمك."
يسحبها خلفه بلطف، ويجلسها بجوار مهند:"دهب، اهي يا عمي بس هي حصل لها حاجة مش هتقدر ترد عليك، اتكلم وهي هتسمعك."
مهند بخوف:"خير يابنتي، إنتي كويسة؟"
تهز دهب رأسها بمعنى نعم، فيبتسم مهند بارتياح:"الحمد لله يارب."
ثم يكمل بحزن:"هقولك سر يا دهب، مفيش حد يعرفه غير تلاتة، أنا وأمك، دهب، الله يرحمها بعد. ربنا سبحانه وتعالى، أنا مش عارف إنتي إيه اللي عرفتيه علشان مفكرة إنّي اتخليت عن أمك أو سيبتها لما عرفت أنها مريضة. لا يا بنتي، أنا ماسبتش أمك ولا اتخليت عنها بمزاجي. هحكيلك يابنتي إيه اللي حصل يوم ما أمك سابت البيت عشان ارتاح من الذنب اللي إنتي بتحمليه ليا."
ثم يبدأ مهند بحكاية ما حدث في ذلك اليوم الملعون الذي فرق بينه وبين حبيبة قلبه وزوجته، بعيون تملؤها الحزن والأسى.
رجوع إلى الماضي
مهند عاد إلى المنزل بعد يوم شاق في العمل، ودخل ليجد سوزان جالسة ومشغولة بالهاتف، لا تعطي أحدًا أي اهتمام. مهند بزهق يحدث نفسه:"أنا والله مش عارف لحد امتى هاتفضل عديمة المسؤولية كده؟ حاسس إني محمل دهب زيادة، بس أعمل إيه؟ أنا بثق فيها ومتأكد إنها قد المسؤولية، بس أنا ممكن ذودها شويه الصبح. لازم أصلح حبيبتي دهب."
وبصوت عالي يعلن وصوله:"دهب!"
سوزان بفرح:"حبيبي مهند، انت رجعت!"
تقوم وتتظاهر بالتعب والزعل: "نفسي مرة لما ترجع البيت بعد الشغل، تنادي على اسمي، أنا بدل دهب. أنا مش مراتك حبيبتك، واللي هكون أم عيالك بإذن الله."
مهند بزهق:"بقولك إيه يا سوزان، روحي اقعدي شوفي انتي كنتي بتعملي إيه، أنا جاي زهقان لوحدي. وبعدين انتي بتعملي ربع اللي دهب بتعمله؟ علشان لما أجي أنادي على اسمك، لما الراجل بيرجع من الشغل وينادي باسم مراته، ده بيكون شرف، والشرف ده مفيش حد يستاهله غير دهب. ويوم مالقكي تستاهلي هنادي ياستي على اسمك خلاص."
سوزان بغيظ: "بس دهب سابت البيت ومشيت."
مهند بصدمة: "انتي بتخرفي؟ تقولي إيه، دهب مين اللي مشيت؟"
سوزان بهدوء مستفز: "زاي ما بقولك كده، هي مشيت وسابت البيت."
مهند بغضب: "مشيت ازاي؟ ومين سمح لها تمشي؟"
سوزان بكذب:"معرفش، هي قالت إنها هترجع القرية، بس أنا شوفتها ركبت عربية مع واحد بس ماعرفش مين."
مهند بغضب يمسك ذراع سوزان بقوة:"انتي بتخرفي؟ تقولي إيه، واحد مين اللي دهب ركبت معاه؟"
الحاضر
مهند يفوق من تفكيره، يمسح دموعه ويقول: "أنا مش صدقت سوزان يابنتي. روحت القرية في نفس اليوم علشان أرجع أمك، بس ما لاقتهاش."
الماضي
مهند وصل إلى القرية التي كانت فيها دهب، وقف امام منزل جدها ووجدها غير موجودة في بيت جدها الذي كانت تقيم فيه. استغرب وقال: "غريبة لو دهب مش هنا، هتكون راحت فين؟"
يمر عليه أحد سكان القرية فيقول: "السلام عليكم يا بيه، مش انت بردو اللي خد دهب؟"
مهند ينظر إليه، الرجل يبدو في سن الخمسين:"ايوه، أنا هو، انت تعرف دهب؟"
الرجل: "يوه يا بيه، دهب دي أنا اللي مربيها. أنا الحاج محمد اللي ماسك أرض العنب بتاعت سعدك."
مهند: "طيب، انت ما شوفتش دهب رجعت هنا؟"
الحاج محمد بستغراب:"لا يا بيه، من وقت ما خدتها، ماحدش شافها ولا رجعت."
الحاضر
مهند: "وفضلت يا بنتي طول اليوم قاعدة قدام الباب على أمل أمك تيجي، بس للأسف ما جاتش. ووقتها صدقت كلام سوزان إن ممكن تكون أمك هربت مع واحد غيري فعلاً. ورجعت البيت وأنا مش طايق نفسي، وكرهت أسمع اسمها، وكرهت حتى حياتي بسببها. لحد يوم ما ماتت، عرفت كل حاجة واكتشفت إني ظلمت أمك… ماحدش يعرف غير ربنا. أنا لسه لحد دلوقتي بتعذب قد إيه، يا بنتي. لما كرهت أمك، كرهتها لما فكرت إنها هربت مع واحد غيري فعلاً… وللأسف لما عرفت الحقيقة…"(وبدموع) "ماقدرتش أطلب السماح منها."
يصمت فجأة، يغلق عينيه ويغرق في سبات قبل الموت.
في أحلام مهند: يبتسم عندما يرى دهب زوجته واقفة أمامه.
دهب: "مهند، عامل إيه؟ وحشتني أوي يا مهند."
مهند بدموع يحضنها: "أنا آسف أوي يا دهب… آسف عارف إني ظلمتك وجيت عليكي… سامحيني يا حبيبتي، سامحيني يا قلبي."
دهب بابتسامة، تمسح دموعه: "حبيبي، هما ما وصلوش ليك إن أنا سامحتك من سنين، بس خلاص يا مهند… أنا مستنية من زمان علشان نرجع نعيش مع بعض تاني. وحشتني أوي يا زوجي العزيز."
مهند بفرح: "بجد يا دهب… أنتي مسامحاني وهنرجع نعيش مع بعض تاني."
دهب بابتسامة: "ايوه يا مهند… هنعيش مع بعض تاني، بس في عالم غير العالم ده. العالم ده وحش أوي ومليان ألم وعذاب… أما العالم التاني، جميل وهاديء أوي."
مهند: "طيب… هنسيب دهب وتقي لمين واحنا هنروح فين؟"
دهب: "متخفش يا مهند… معاهم اللي أحسن مني ومنك… معاهم اللي خلقهم، وهما لسه قدامهم الحياة طويلة أوي. وأنت وحشتني أوي… تعالى يا مهند… أنا مستنية من زمان."
مهند: "دهب، رايحة فين؟ استني… أنا جاي معاكي… أنا بحبك أوي، واتعذبت من غيرك أوي."
ويجري ويمسك يد دهب: "مستحيل أسيبك تروحي مني مرة تانية."
في هذه اللحظة، تعلن الأجهزة وفاة مهند.
تقي بصدمة: "باااابااا!"
دهب تنظر إلى تقي التي انهارت في البكاء، وتنظر إلى مهند الذي رحل في سبات أبدي.
شهاب بدموع وحزن عميقة: "عمي مهند!"
بعد دقائق يدخل أكثر من طبيب، ويبدأون الكشف على مهند. أحد الأطباء يشيل الأجهزة ويقول: "يا بني، انتهى."
شهاب بصدمة، غير قادر على تجميع الكلمات: "يش… يلو… لا… جه… زه… ليه؟"
الطبيب بحزن، يضع يديه على كتف شهاب:
"البقاء لله يا حضرت الرائد… عمك… مات."
شهاب بصدمة وهو ينظر إلى الطبيب:"إيه؟! انت بتقول إيه؟! عمي مهند ماله؟!"
تقي تنظر إلى والدها الذي تحوّل في لحظة إلى جسد بلا روح. تتقدم نحوه بخطوات بطيئة، كأن الموت يسحبها إليه، وهي تردد بلا وعي:"بابا حبيبي… قوم يا بابا… افتح عيونك، عايزة أشوفهم… يلا يا بابا، افتحهم، هزعل منك أوي كده."
تهز جسده بكل ما تبقى لديها من قوة، وصوتها يعلو بالبكاء: "افتحهم يا بابا حبيبي… افتحهم… أنا ماقدرش على بعدك لحظة، إزاي هكمل من غيرك؟!"
وتنهار في بكاء شديد، تصرخ بكل الألم المختزن في صدرها، لعل الصوت يخفف من النار التي تشتعل بداخلها. يصل صوتها إلى كل أرجاء المستشفى، فتأتي باري ونور وهاني وسماح مسرعين. باري بدموع وهي تحاول احتضانها: "تقي حبيبتي، اهدي… علشان خاطري."
تركض نور معها، ويحاولان إبعاد تقي عن جسد مهند بصعوبة، بينما تواصل الصراخ وكأنها تُنتزع منه انتزاعًا.
هاني يقف مذهولًا أمام جسد أخيه، الدموع تنساب بصمت على وجهه وهو يهمس: "مهند… مهند… انت مالك نايم كده ليه؟ قوم يا أخويا… لسه عندنا شغل كتير."
سماح تقترب ببطء، عيناها ممتلئتان بالدموع، لكنها ثابتة على نحو موجع. تنحني وتقبل رأس مهند، وتمسح على شعره بحنان أمٍ مفجوعة، وتخرج كلماتها مكسورة:
"مهند يا ضنايا… مبسوط علشان روحت لدهب وسبتني؟ هان عليك أمك؟ هان عليك تمشي وتسيبني لوحدي؟"
وتكمل بصوت يرتجف:"طيب كنت خدني معاك يا ابني… هتوحشني قوي يا مهند… أوعى تنساني، وسلملي على كل غالي عندك."
تقبله مرة أخيرة، ثم تغطي وجهه بملاءة السرير، وما إن تنتهي حتى تسقط على الأرض، وكأن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها. نور تصرخ بخوف، تترك الجميع وتركض نحوها، والدموع تعمي عينيها، لا تدري لمن تتجه أولًا: زوجها الذي فقد أخاه، أم هذه العجوز التي كانت لها أمًا، أم تلك الفتاة التي تصرخ من شدة ألم الفقدان: "ماما!"
تجلس بجوارها على الأرض وتحتضنها بقوة خوفًا أن يصيبها مكروه: "ماما، انتي كويسة يا حبيبتي؟"
سماح بصوت مبحوح ودموع حارقة: "لا… مش كويسة… في نار جوايا ومش راضية تطفي… مهند… ابني مات."
ثم تصرخ بأعلى صوتها: "مهند ابني مات! آه يا قلبي… هان عليك أمك يا مهند؟!"
وتظل تردد وهي تبكي بحرقة:"مهند… يا قلب أمك… رد عليا يا ضنايا."
نور تبكي وهي تحاول تهدئتها:"قولي لا إله إلا الله يا ماما… وبلاش الكلام ده علشان ربنا… انتي مؤمنة وعارفة ربنا."
سماح ترفع رأسها والدموع تنهمر:"من غصب عني يا رب… سامحني… انت وحدك اللي حاسس بيا دلوقتي."
أمّا دهب… فكانت في عالمٍ آخر. ما زالت جالسة في مقعدها بجوار مهند، وكفّه ممسك بكفها بإحكام، كأنّه يخشى أن تفرّ منه حتى بعد الرحيل. عيناها تجولان في الوجوه من حولها، ثم تعودان إليه، إلى وجهه الساكن، إلى صمته الذي صار أثقل من أي كلام. كلماته الأخيرة تتردد في أذنيها بلا رحمة… تتذكر كل شيء. برودها.
قسوتها. اتهاماتها له في الأمس. كيف حمّلته ذنب موت أمها، وكيف تركته دون أن تعتذر. لماذا قلتَ كل هذا ثم رحلت؟ لماذا أكّدت أنك بريء… وتركتني غارقة في الذنب؟ هل أردتَ أن تعاقبني؟ أن أذوق نفس الألم الذي ذقته؟ لكنني لستُ قوية… أنا أضعف من أن أتحمّل ما تحمّلته أنت. ليتك لم تخبرني بشيء… ليتك صمتَّ.
يا الله… هذا الألم أكبر من قلبي. أشعر وكأنني أغرق في بحر بلا شاطئ، وكأن يدًا خفية تطبق على عنقي وتمنعني من التنفس، روحي تكاد تفلت من جسدي،
وقلبي… قلبي يتفتت مع كل نبضة. تنظر إليه وهمسها يخرج بلا صوت: لماذا جعلتني أتألم هكذا؟ أكرهك… نعم، أكرهك. حتى دموعي خانتني ورفضت النزول.
لماذا لم تأخذ هذا الألم معك؟ لماذا تركتني وحدي أحمله؟ تظل على حالها، لا تبكي مثل الآخرين، لا تصرخ، لا تتكلم…فقط تنظر إلى جسده المسجّى، وكأن الصدمة شلّت كل شيء بداخلها. بعد دقائق، يدخل أحد الممرضين ليأخذ جثمان مهند إلى غرفة الأموات. تمتد يد الممرضة لتفصل كفه عن كف دهب. دهب تنظر إلى يدها المفرغة… كأنها يد غريبة لا تعرفها. وفجأة…
تقي تنتفض من فوق الأرض، وتندفع نحو الممرضة وتدفعها بعنف: "إنتِ مين؟! سمحلك تلمسي بابا؟! ها؟! مين سمحلك؟! واخداه وريحة فين؟!"
تصرخ بجنون: "بابا مش هيروح في حتة! بابا هيفضل هنا معايا!"
تعود إلى جسد مهند، تضع يديها عليه، ودموعها تنهمر:
"مش كده يا بابا؟ إنت مش هتسبني لوحدي… صح؟"
تسند رأسها على صدره، وصوتها يخرج مكسورًا: "إنت مش هتسبني، صح يا بابا؟ قوم قولهم… قولهم إنك مستحيل تسيب تقي حبيبتك لوحدها."
ثم تبتعد عنه ببطء، تمسح دموعها بعنف، وتنظر إليه بعينين ممتلئتين بالخذلان: "إنت كذاب يا بابا… أيوه، كذاب."
وتكمل بصوت مرتعش:"إنت مش بتحبني زي ما بتقول. لو بتحبني بجد… قوم. قوم وقول: بحبك يا تقي."
وتصرخ:"يلا يا بابا… علشان أصدق إنك بتحبني بجد… يلا، قوم." .
رواية حكاية قدر الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم نور شريف
شهاب يذهب إلى تقي ولا يقدر على قول شيء ويمسك تقي ويبعدها عن جسد منهد بالقوة وينظر إلى الممرضة وينظر إلى جسد مهند وهو يقول بصوت مخنوق من الدموع: "معلش خديه ".
تقي بصوت عالي وبدموع شديدة: "بابا لا ماتلمسهوش ماتلمسيش بابا بابا لا"
وتضرب في جسد شهاب وهي تقول "سبني انا عايزه بابا سبني بقولك" وبصوت عالي "بابا"
وتهدي فجأة. شهاب يشعر بثقل جسد تقي يحملها بين ذراعيه ويضعها على فراش في إحدى الغرف المستشفى ويأتي لها بطبيب للاطمئنان عليها.
الطبيب: "ماتقلقش يا ستاذ، هي كويسة بس حصل لها انهيار عصبي بسبب الصدمه وانا علقت لها محلول وان شاء الله هتكون كويسة".
شهاب بحزن وهو يمسح دموعه: "طيب معلش، بعد إذنك يادكتور ممكن تخلي اي ممرضة تقعد جنبها زي مانت شايف الظروف اللي احنا فيها؟"
الدكتور بتفهم: "امرك يا حضرت الرائد، حاضر هبعت ممرضة تفضل مع الانسة"
شهاب بامتنان: "شكراً".
الطبيب: "من غير شكراً ده واجبي".
شهاب يتركه ويتجده ليغادر ليكمل إجراءات خروج جثمان مهند من المستشفي ويساند عائلته في تلك الاذمة..
وبعد ثالث ايام من موت مهند لا أحد في المنزل يشعر بالحياة والضحكة اختفت تماماً من المنزل وحتى الابتسامة أيضاً لا أحد يتذكر. امتي آخر مرة هو ابتسم فيها وديماً الدموع محتجزة في عيون الكل. فتقي طول الوقت تبكي ولا تشعر بشيء يحدث بجانبها وأما سوزان فهي خسرت أغلى من روحها وتعتمد على الشرب من أجل أن تنسي هذا الألم الذي بداخلها وهذا حالها من يوم موت مهند حبيب قلبها الذي فعلت المستحيل من أجل أن يبقى بجوارها ولا يتركها أبداً. ولكن مالذي حدث فهو قد مات وتركها للأبد وأما تامر فهو يحاول التقرب من ابنته تقي من يوم موت مهند ولكن تقي ترفض حتى النظر له، فهي ترفض الفكرة أن يكون لها أب غير والدها الذي رحل وتركها. وأما دهب فهي دائما هادئة، كأنها ليست من هذا العالم وتفضل الصمت والجلوس في غرفتها دائماً.
والأن تجلس نور وشهاب في الدور الأرضي،
تشعر نور بقلق على حالة دهب، فهي أكثر ما تخاف عليها. فتقي تبكي وهذا شيء طبيعي، أما هي فصامتة طول الوقت كما لو كانت ليست من هذا العالم. تنظر الي شهاب قائلة بحزن: " بقولك اي يا شهاب انا يا بني مش مطمئنة من ناحية سكوت دهب، ده مرعب قوي لازم لازم نعمل حاجة علشان نطلعها من الحالة اللي هي فيها دي".
شهاب وهو يتنهد بحزن وينظر إلى أمه: حاضر يامي هحاول معها وماكذبش عليكي انا كمان مش مرتاح لسكوتها ده بس انا عارف ان اللي حصل ده هي اكتر واحده اتأثرت بيه وبالاخص المعامله بنها وبين عمي مهند الله يرحمه ماكنتيش كويسة وقبل مايموت هو حكي لها عمل ايه علشان عمتي دهب وانه راح القريه علشان يرجعها مالقهاش ودهب سبب حالته دي حاسه بالذنب مش اكتر بس انا هحاول اطلعها منها باي شكل من الأشكال.
نور باستغراب: أنت بتقول إيه يا شهاب؟ هو مهند راح القرية علشان يرجع دهب؟ الله يرحمها. اليوم ده بس حسب علمي إنه لما رجع وعرف إن دهب سابت البيت، رفض أي حد يجيب سيرتها.
شهاب بحزن: آه، لأنه فكر إن عمتي دهب خنته وهربت مع واحد تاني، زي ما عمتي سوزان قالت له لما وصل القرية مالقهاش.
نور بصدمة من حديث شهاب: أنت بتقول إيه ده؟ أنا ما بقتش فاهمة حاجة. وبعدين، دهب الله يرحمها، كانت بتحب مهند أكتر من نفسها، وكانت بتتمنى له الرضا. يرضى، إزاي تسيبه وتروح مع واحد تاني؟ أنا مش مصدقة إن دهب تعمل كدا ولا تحت أي ظرف من الظروف.
شهاب ينظر الي نور ويصمت لدقائق، ثم يقول وهو يفكر في اليوم الذي اشتعال النيران في المنزل:. على ماظن كدا في حاجة غلط. والماضي والمستقبل مرتبطين مع بعض.
نور: قصدك إيه مش فاهمة؟
شهاب ينظر إلى أمه التي تنتظر الرد منه بفراغ الصبر: ولا حد قادر يفهم حاجة، يا أمي، بس أهم حاجة دلوقتي نطلع دهب من حالتها دي ونخليها تقول حاجه او تعيط حتى.
ينهض ويذهب متوجهً الي أعلي حيث تجلس دهب في غرفتهم، ويصل ثم يفتح الباب وينظر إلى تلك التي تجلس علي الأرض وما زال الطعام أمامها ولم تأكل منه شيء، ثم يردف بحزن: هنفضل لحد امتي كدا يا حضرت الظابط؟ بقا دي هي فتاة المستحيل اللي مفيش نيابة ولا قسم ولا كتيبت جيش في مصر اللي وبتحكي عن قوتها وشخصيتها.
يجلس بجانبها وينظر لها ثم يكمل وهو متمسك بيديها: أنا تعبت أوي يا دهب من الحالة اللي أنتي فيها دي. فكرتك قوية وتقدري تطلعي نفسك من أي مشكلة بتوجهك. بس إذا كنتي أنتي ضعيفة كدا، هتخدي حق أمك من اللي كان سبب ظلمها وسبب في موتها. إزاي أنا عارف إنك حاسة بذنب اتجاه عمي مهند، الله يرحمه؟ بس هانعمل إيه؟ أحنا في النهاية بشر وبنغلط.
تنظر له دهب ودموعها تنزل وهذا جعل شهاب يعلم أن حديثه سوف يجيب نتيجة. شهاب وهو ينظر لدهب: وعارف إنك ظلمتيه وسمعتيه كلام يجرح وهو مالهوش ذنب في حاجة.
ويفضل يذكرها بكل شيئ قد فعلته قصدًا من أجل أن يجعلها تخرج كل ما بداخلها.: وحتى إنتي اتهمتيه بموت أمك دهب، البت اللي هو حبها وما قدرش يحب من بعدها، عارف إنك كنتي بتجرحيه جروح فوق جروحه. بس اللي حصل حصل يا دهب وهو الله رحمه من العذاب اللي هو كان عايش فيه بسبب تانيب الضمير. بس لازم تفوقي يا دهب علشان نعرف مين المجرم الحقيقي ونعاقبه على كل حاجة. ولازم دلوقتي نكون عرفنا هو مين. وبصراحة، إنا شاكك في حد.
ثم يصمت لما يسمع صوت دهب وهي تقول: سوزان.
دهب من غير ان تنظر إلى شهاب وهي تنظر إلى قدميها: سوزان هي السبب في كل حاجه؟
ثم نهضت وخرجت من الغرفة ومن المنزل بالكامل وهي تنوي الانتقام من هذه الطبيبة التي كانت سبب موت والدتها التي لم تراها. وتذهب دون أن تعلم ماذا يخبئ لها القدر. بعد وقت، وصلت إلى المكان الذي تتواجد فيه هذه الطبيبة الرخيصة التي باعت ضميرها من أجل بعض النقود. دخلت وهي في غاية الغضب، حتى لم تستأذن بالدخول. وجدت الطبيبة جالسة على الكرسي الرئيسي وأمامها مريضة.
الطبيبة بستغراب من دخول هذه الفتاة المفاجئ، وهي تقول بغضب: "ايه، هي حديقة حيوان الدخول فيها من غير استأذن؟"
دهب بهدوء عكس بركان الغضب الذي بداخلها وتوجه حديثها إلى المريضة: "أنا حضرت الظابط دهب، من بعد أذنك. ممكن تسبيني أنا والدكتورة مع بعض شوية عشان محتاجة في موضوع مهم من بعد إذنك؟"
المريضة تفهم وتقول: "طبعًا، اتفضلي يا حضرت الظابط، أنا اصلا كنت خلصت وخرجة."
دهبت بهدوء تردف قائلة: "شكرًا لذوق حضرتك"
ثم نظرت إلى الطبيبة بغضب، وهذا جعلها تتوتر أكثر. الطبيبة بتوتر وهي تنظر إلى دهب وتبلع ريقها بصعوبة جدا، وتقول: "اتفضلي يا حضرت الظابط، اقعدي واقفة ليه؟"
دهب تذهب بهدوء عكس ما بداخلها، وتجلس دون أن تنطق بحرف، وتنظر إلى الطبيبة فقط، مما جعلها تتوتر أكثر. الطبيبة تشعر بالخوف من نظرات دهب وتعرف أن هذا اليوم لن يمر على خير، وتقول بتوتر: "خير يا حضرت الظابط، في حاجة اقدر أساعدك فيها؟"
دهب ترد بهدوء وهي تحاول التلاعب بخوف وزيادة قلق الطبيبة، قائلة: "لا مفيش، بس كنت جاية أسأل على مريضة كانت بتتعالج عندك من مرض السرطان. كنت عايزة أطمن على حالتها أكتر، هي عاملة إيه دلوقتي، ممكن أعرف؟"
الطبيبة بستغراب: "مريضة سرطان مين دي واسمها إيه، بس لحظة أكيد حضرتك غلطانة، أنا دكتورة نساء يافندم، مش مرض السرطان. ممكن تكون حضرتك جتي على العنوان الغلط؟"
دهب بهدوء مريب: "اها، ممكن برضو معاكي حق، بس أنا للأسف متأكدة إني جيت العنوان الصح، وأنا حابة أوضح لكي إني جاية أسأل على إيه بالظبط. أنا جاية أسألك على مريضة كانت بتعاني من الخبيث في الرحم وكانت بتتعالج عندك.
وتلعب بايديها بقلم من على المكتب، وهي بتكلم الطبيبة: مش عايزة تعرفي كان اسمها إيه؟"
الطبيبة وهي توشك على البكاء: "أنتي عايزة إيه؟"
دهبت بهدوء تخرج عبوة دواء التي تسبب في موت دهب وفتحت شريط البرشام، قائلة: "ايه يا حبيبتي، اهدي كده واجمدي. احنا لسه في الأول. كنت عايزة اعرف مدة الصلاحية ه بتاعته انتهت ولا لسه، لأنه زي ما تقولي كده عدي عليه 24 سنة كدا، امسكي كده جربي عاوزه اشوف بس المفعول بتاعه لسه شغال ولا ايه؟"
الطبيبة برعب وهربت منها الكلمات، ولا تقدر على الكلام وتنطق بصعوبة: "بس أنا ممكن أموت."
دهبت تنهض من مكانها وهي تمسك في أيديها البرشام، قائلة: "مانا عارفة احنا مش صغيرين وعارفين بنعمل ايه. ماتخفيش، عارفة إنك هتموتي لو خدي حباية واحدة، هتموتي بعد ست شهور، ولو خدي اتنين ممكن سنة. ايه رأيك تخديه كله مرة واحدة وتعيشي كمان عشر سنين؟ أو حاجة اصلا العلاج ده بيموت على البطيء، يعني كل ماخدتي منه كل ماتعيشي اكتر، بس هيكون الموت أرحم لكي."
وفتحت فم الطبيبة بالقوة ووضعت فيه ثلاث حبات من البرشام وتركت الثالثة في يديها
الطبيبة بدموع: "كان ممكن تسجيني أو تبلغي عني ليه الطريقة دي، أنا عندي عيال."
دهب بغضب: "وانتي مافكرتيش للحظة إن دهب امي كانت حامل."
الطبيبة بصدمة: "انتى البنت اللي دهب كانت حامل فيها؟"
دهب بغضب ودموع: "ايوه انا."
الطبيبة بدموع: "فعلاً، إن الله يمهل ولا يهمل، يعني بعد 24 سنة ربنا بعتك ليا علشان تخدي حق امك مني، وانتي حتى ماكنتيش لسه جتي على الدنيا، بس انتي اتخلقتي علشان تخدي حق امك مني ومن غيري. امك كانت غلبانة أوي يابنتي، علشان كده ربنا سبحانه وتعالى ماضيعش حقها، وبعد 24 سنة وبعد موتها لسه ربنا فاكر حقها وبيخده لها." وتبكي بشدة. "أنا ندمانة قوي على كل حاجة، وشكراً إنك اخترتي ليا نفس الطريقة على الأقل عطتيني فرصة أتوب وأحس بنفس اللي امك حست بيها."
دهب بدموعها تنهمر وهي تنظر إلى هذه الطبيبة التي تبكي، إثبات على توبة وتأنيب الضمير وكما هي ندمانة فعلاً. وطلعت زجاجة صغيرة بها دواء ووضعتها على المكتب أمام الطبيبة، قائلة: "دي حقنة ضد مغعول سم البرشام، خديها واستغلي الفرصة دي وصلحي من أخطائك في الماضي وتوبي إلى الله. ممكن ربنا يسامحك."
وتركتها وذهبت. بعد أن غادرت دهب أحدهم بضحك بصوت عال من خلف الطبيبة وهو يخرج من دورة المياه: "ههههههه والله وطلعت هبلة زي أمها بالضبط. وأي حد يضحك عليها بكلمتين بس. ايه يا دكتورة، ده انتي لو كنتي ممثلة كنتي بقيتي أكبر ممثلة في العالم كله، والله، ده انا خوفت تكوني توبتي بجد."
الطبيبة بضحكة: "تلميذتك ماتخفيش.
وتاخد الحقنة علشان تحقن نفسها:، بس هتعملي ايه مع البت دي بين عليها مش سهلة."
سوزان وهي تنظر إلى الطبيبة: "لا متخفيش، هي مش هتوصل البيت أصلاً، لأني خليت حد يقطع فرامل العربية بتاعتها، بس انتي بقى أحل مشكلتك ازاي. والله طلعتي مش سهلة."
الطبيبة بستغراب: "قصدك إيه مش فاهمة؟"
سوزان تنظر اليها نظرة غدر، تجي حقنة الطبيبة حقنة هواء من رقبتها وتضحك زي الهبلة: "كده انا شرحت لكي، وزيادة. يلا بقا باي باي."
تتركها تصارع الموت وتغادر
❈-❈-❈
في المنزل، الباب يخبط.
نور بصوت عالي: "حاضر، جاية أهو."
وتفتح الباب وباستغراب من وجود تامر: "استاذ تامر، اتفضل."
تامر باحراج من نظرات نور، خصوصاً أنه يأتي البيت كثيرًا على أمل أن يقترب من تقي.: "مساء الخير يا مدام نور، هل تقي موجودة؟"
نور بستغراب من سؤال تامر وكونه يسأل عن تقي بذات: "ايوه، هي موجودة في الغرفة بتاعتها فوق. اتفضل ارتاح وانا هاطلع انديها."
تامر بحراج: "ممكن أطلع لها انا من بعد إذنك؟"
نور بشك: "اتفضل يا استاذ تامر، البيت بيتك وتقي زي بنتك."
تامر: "شكرًا."
في غرفة تقي، تقي تجلس على فراشها وتضم قدميها إلى صدرها وهي تبكي بشدة على ما يحدث لها. فجأة، تسمع أحدهم يخبط على باب غرفتها بلطف، فتمسح دموعها في لمح البصر وهو تقول بصوت مخنوق من شدة البكاء.
تقي: "اتفضل."
تنظر إلى ذلك الذي يقف على الباب وتقول بغضب: "انت تاني عايز إيه؟ أنا مش قلتلك مش عايزة أشوفك تاني."
تامر بحزن: "اهدي يا بنتي، أنا بس كنت جاي أشوفك لآخر مرة علشان أنا مسافر ومش هرجع مصر تاني."
تقي تشعر بضيق: "ولكن على ماذا أنا مضيقة؟ فهو تركني منذ الصغر ولم يسأل عليَّ ولا بالهاتف، والآن هو يستسلم بكل بساطة ويريد أن يتركني ثانياً."
تامر بحزن وهو يمسح دموعها: "أنا كنت شاري بيت هنا في مصر على أمل إنك هاتجي تعيشي معايا، بس أنتِ مش حابة. وأنا مش هغصبك على حاجة، ياتقي، بس لو لسه في أمل تعالي، ياتقي نعيشي سوا." ويقترب منها بحنان. "أنا بحبك أوي ياتقي، وكنت نفسي تتربي في حضني، بس أمك منعتني حتى أشوفك."
تقي تبكي بشدة وتشعر بالحزن والخجل لأن لديها أم مثل سوزان، امراة قاتلة وخائنة أيضاً. إنها خانت زوجها وخانت هذا الرجل الذي عشقها بصدق أيضاً. تقي تبكي وهي تعانق تامر قائلة: "ماتسبنيش أنت كمان، أنا ماليش حد، أبويا مات، الرجل اللي رباني مات، وأمي طلعت مجرمة وهتتسجن قريب، والشخص اللي أنا حبيته هو اتجوز ماتسبنيش يا بابا." وتحضن تامر وهي تبكي وتردد: "ماتسبنيش لوحدي انا خايفه اوى."
تامر من السعادة لا يعلم هل يبكي أم يضحك، وهو يقبل تقي من خدها ومن رأسها وأيديها، وبصوت ممزوج بالبكاء: "بجد ياتقي؟ بجد ياتقي؟ هاتجي تعيشي معايا؟"
تقي بابتسامة وهي تمسح دموع تامر: "ايوه بجد يا بابا، أنا كمان محتاجالك أوي."
تامر بفرحه يحضن تقي بقوة: "الله، كلمة بابا طلعها منك حلوة أوي ياتقي. قوليها تاني يا تقي، عايز أسمعها منك تاني."
رواية حكاية قدر الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم نور شريف
في غرفة شهاب، يتحدث شهاب بقلق إلى نفسه:"ياترى روحتي فين يا دهب؟ يا رب استرها. أنا الغلطان، ماكنش لازم أسيبها تنزل لوحدها."
فجأة، يرن الهاتف. يحمله شهاب بلهفة ويجيب:
"دهب، إنتي فين؟"
دهب بصوت عالٍ من الهاتف: "الحقني يا شهاب، العربية مفيهاش فرامل، وأنا مش عارفة رايحة على فين، مش قادرة أتحكم في العربية، ماشية لوحدها."
يصمت شهاب لثوانٍ يحاول استيعاب ما يسمعه، قلبه يرتجف قلبه خوفًا على دهب، ثم يرد بقلق: "إنتي بتقولي إيه؟"
دهب بصوت مرتفع مخنوق بالبكاء: "الحقيقة يا شهاب، العربية ماشية لوحدها، مش وقت الصدمة، اعمل حاجة، خايفة أوي يا شهاب، اعمل حاجة."
ينزل شهاب ركضًا دون أن يرتدي حتى حذاءه، محاولًا تهدئة دهب، وهو يقول: "دهب حبيبتي، ما تخافيش، أنا موجود. اهدي، وإنتِ حضرتك الظابط دهب، بنت شجاعة. اهدي يا نور عيني، وقوليلي إنتِ ماشية على طريق إيه بالظبط."
دهب داخل السيارة ترد وهي تمسح دموعها: "مش عارفة، بس باين إنه طريق مهجور، مفيش حد، والعربية ماشية على طول ومش عارفة أعمل إيه."
شهاب: "طيب اهدي، أنا عرفت إنتِ فين."
وبعد ساعة، كان شهاب يقود سيارته وهو يستمر في الحديث مع دهب لتوجيهها ألي طريق حيث تقودها سيارتها. يرى شهاب سيارة دهب، فيقترب بسيارته منها، ثم يفتح باب سيارته ويصرخ بصوت عالٍ: "افتحي الباب يا دهب!"
دهب تنظر له بدموع وخوف: "شهاب، إنت هتعمل إيه يا مجنون؟"
شهاب بغضب:"بِت اسمعي الكلام، مش وقت أم العند اللي عندك ده."
تنظر دهب إلى شهاب بدموع، ولا حيلة لها، فتفتح الباب كما قال لها. تُغلق عينيها وتضع يديها على وجهها خوفًا مما قد يحدث. يقفز شهاب من سيارته إلى سيارة دهب، ويتمسك في سقفها جيدًا حتى لا يسقط، ثم يدخل إلى السيارة وهو يلهث، يلتقط أنفاسه بصعوبة ويقول بصوت متقطع: "دهب، لازم نعمل حاجة علشان نوقف العربية."
دهب ببكاء، تضرب شهاب وهي تردد مثل الطفلة الغاضبة: "غبي، غبي، غبي."
ثم تحتضن شهاب دون مقدمات، وهي تقول: "كنت هموت من الخوف… افرض كان حصلك حاجة؟ كنت هاعيش إزاي من غيرك؟"
وفجاة تقبّله بشغف، ثم تقول: "اسمع بقى… أنا بحبك."
ينظر شهاب إليها بدهشة؛ فهذا ليس الوقت المناسب لمثل هذا الكلام. هل جُنّت؟ ألا تعلم أنهما على وشك الموت بعد لحظات؟ وهل تريد استغلال هذه اللحظات؟
ورغم ذلك، كان قلبه يرقص من شدة الفرحة حين اعترفت له هذه المغرورة المتكبرة بأنها تحبه، وأن وجوده في حياتها مهم، وأنها تخاف أن تخسره. يشعر برغبة قوية في امتلاك هذه المغرورة، لكن… هل هذا وقت هذه المشاعر؟ إنهما على حافة الموت.فيقول بسخرية: "بت، هو إنتِ اتهبلتي؟ هو ده وقته؟"
دهب بخجل: "آسفة."
تحاول الابتعاد، لكن تلك اليد توقفها، تحيط بوجهها بالكامل، وتلك الشفاه تلمس شفتيها بامتلاك ورغبة كبيرة. وهي أيضًا تبادله القبلة بشغف وحب.
((الجماعة دول حاسين إنهم على وشك الموت، فقالوا ننبسط شوية… ناس فاضية 😏)) بعد لحظات، يبتعد شهاب عن دهب، وقلبه يتمنى لو يتوقف الزمن عند هذه اللحظة، وهو يقول: "بحبك، وبموت فيكي، وبعشقك بجنون يا دهب، يا كنزي الغالي. بس إحنا في وضع ما نتحسدش عليه. بوعدك لو ربنا كتب لنا عمر جديد، لأخليكي أسعد إنسانة في العالم. بس لازم نلاقي حل ونوقف العربية، ماشي؟"
أما دهب، فكانت في عالم آخر، لم تسمع أي شيء مما قاله شهاب. كانت كأنها مخدَّرة تمامًا، لا ترى ولا تشعر إلا به، تنظر إليه فقط، وهي لا تدري بشيء حولها.
❈-❈-❈
في مكتب الطبيب...
عادت سوزان إلى المكتب مسرعة بعدما اكتشفت أنها نسيت حقيبتها. وما إن دلفت إلى الداخل، حتى رأت الطبيبة جسدًا بلا روح، ملقى على سطح المكتب. توقفت تنظر إليها، ثم انفجرت ضاحكة كالمجنونة.
تناولت كوب الماء وشربت منه، وهمّت بالرحيل بعدما حملت حقيبتها من على الكرسي، لكنها توقفت مصدومة عندما رأت رجال الشرطة يقتحمون الغرفة، والطبيبة ما زالت ملقاة على الأرض جثة هامدة.
أحد الضباط بصرامة: "معانا أمر بالقبض عليكي، اتفضلي معانا من سكات."
سوزان في صدمة، لا تعلم ماذا تفعل، وكل ما يشغل بالها كيف علموا بالأمر؟ كيف وصلوا إلى هنا؟ ومن الذي أبلغهم؟
الضابط: "يلا يا بني، إنت وهو، خدوها ."
سوزان بخوف وقلق: "بس اسمعني يا حضرت الظابط… أنا، أنا ما قتلتهاش. أنا لسه واصلة حالًا ولقيتها ميتة، وكنت لسه هبلّغ، بس إنتوا وصلتوا."
وتمسح قطرات العرق التي تجمعت على جبينها من شدة الخوف القاتل الذي تشعر به. الضابط بهدوء مرعب، زاد من رعب سوزان، يضع يديه في جيب بنطاله ويقول بنبرة مخيفة: "لا والله؟ بجد؟ كنتي هتبلغي عن مين؟ عن نفسك مثلًا؟"
سوزان تتصبب عرقًا، والرعب يسيطر على قلبها:"كان في بنت هنا… أنا دخلت، قصدي هي كانت داخلة قبلي، ولما دخلت لقيت الدكتورة ميتة."
يسود الصمت الغرفة بأكملها، وسوزان تنظر أمامها فقط، تنتظر الرد من ذلك الذي يقف أمامها بجمود، يحدق فيها دون تعبير. الضابط بهدوء، يتقدم بضع خطوات نحو المكتب، يأخذ كوب الماء ويعطيه لسوزان، وهو يقول:"اشربي واهدي كده، علشان تستحملي تشوفي الدليل اللي معايا، واللي يثبت إنك إنتِ اللي قتلتي الدكتورة بإيدك الحلوين دول… من عشر دقايق كده."
سوزان بصدمة: "دليل إيه ده؟"
الضابط يرفع الهاتف:"اتفضلي، شوفي بنفسك."
تشهق سوزان من الصدمة وهي ترى الدليل القاطع الذي يثبت أنها هي من قتلت الطبيبة بيديها، وتقول بصوت أوشك على البكاء: "مين اللي سجّل الفيديو ده؟ من حقي أعرف."
الضابط بهدوء:"طبعًا من حقك تعرفي يا مدام… ده حضرت الظابط دهب بنفسها بعتت لك السلام."
تنهار سوزان أرضًا من شدة الصدمة، وهي تقول:"ياااه… طلعتِ أذكى مما تخيلتِ يا دهب. بهنيكي على ذكائك… وحققتي انتقامك أخيرًا."
❈-❈-❈
عند شهاب ودهب.
دهب تنظر الي شهاب باستغراب:"شهاب، إنت بتعمل إيه؟"
شهاب: "بصي، أنا هخرم صندوق البنزين، وأكيد العربية هتقف لما البنزين يخلص."
دهب بصدمة: "إنت اتجننت؟ ده ممكن يسبب انفجار العربية!"
شهاب بتوتر:"هو فعلًا ممكن يسبب انفجار العربية، بس ممكن ينجح والعربية تقف."
دهب:"ولو ما نجحش يا فالح، هتعمل إيه؟"
شهاب بسخرية:"أنا بقول عليكي ملكة التفاؤل، محدش مصدقني."
دهب بزعيق:"شهاب، مش وقت خفة دمك."
شهاب:"طيب اسكتي وسيبيني أشوف أنا هعمل إيه، بادك القرف فيكي وفي حلاوتك دي."
تنظر دهب إلى الاتجاه الآخر، وهي تبتسم من شدة فرحتها بهذا المتجعرف، وفجأة تصطدم بما رأته عيناها، وتصرخ بصوت عالٍ: "شهاب! شوف العربية رايحة على فين، الطريق مش كامل!"
شهاب باستغراب: "إنتِ بتقولي إيه؟ مش فاهم قصدك إيه."
وينظر شهاب إلى المكان الذي تنظر إليه دهب، فيجد أن الطريق الذي تسير عليه السيارة غير مكتمل فعلًا. يردف بهدوء: "دهب، إنتِ بتثقي فيا؟"
دهب بخوف ممزوج بالشك: "إيه اللي إنت بتقوله ده يا شهاب؟ هو ده وقته؟"
شهاب بصوت عالٍ:"ردي بس، بتثقي فيا ولا لأ؟"
دهب بدموع:"أنا عمري ما وثقت في حد قد ما بثق فيك دلوقتي."
شهاب يحتضن دهب بقوة، ودون سابق أنذار يفتح باب السيارة، وبكل قوته يدفعها خارج السيارة وهو يصرخ بصوت عالٍ:"آسف يا حبيبة قلبي."
ويبقى هو داخل العربية، ولا يلحق أن ينزل منها، وفجأة تصل السيارة إلى نهاية الطريق، وتنقلب داخل حفرة كبيرة وعميقة لا يُرى قاعها.
تفوق دهب من الصدمة، وتستوعب ما حدث، ترفع رأسها بألم، فترى السيارة منقلبة وشهاب ما زال بداخلها. تصرخ بصوت عالٍ: "شهاب… لأ!"
تنهض من على الأرض، وتجري كالمجنونة وهي تنادي باسمه: شهااااااب.
❈-❈-❈
في المنزل، تقي بدموع:"بابا، أنا موافقة أسافر معاك."
نور من عند الباب بصدمة:"مين اللي بابا يا بنتي؟ وسفر إيه اللي بتقولي عليه؟"
تقي تتوتر، وتنظر إلى تامر ولا تجد ما تقوله. يردف تامر بجمود وهو يمسك يد تقي:"تقي بنتي أنا يا مدام نور، مش بنت مهند، وجه الوقت اللي أخدها فيه."
نور بصدمة: "إنت بتقول إيه؟ إزاي تقي بنتك مش بنت مهند؟"
تامر بإحراج:"أنا وسوزان كنا متجوزين في السر قبل ما تتجوز مهند."
نور بصدمة:"متجوزين؟"
تامر:"أيوه، للأسف كنا متجوزين في السر، وتقي بنتي أنا، مش بنت مهند."
نور بدموع:"وإنتِ يا تقي يا بنتي، عايزة تمشي وتسيبينا؟ حتى لو إنتِ مش بنت مهند، إحنا اللي ربيناك، وكبرتي وسطنا… إزاي هتمشي وتسيبينا يا بنتي؟"
تحضن تقي نور وهي تبكي بشدة:"آسفة أوي يا طنط، إنتِ عارفة إني بحبكم قد إيه، وماقدرش أبعد عنكم، بس لازم أعمل الخطوة دي. إنتِ أكتر واحدة عارفة أنا بحب شهاب قد إيه."
وببكاء أشد:"بس هو دلوقتي اتجوز واحدة تانية، وأنا جوايا نار كل ما أشوفه مع واحدة غيري. علشان كده قررت أسافر مع بابا."
❈-❈-❈
نرجع لدهب وشهاب…
دهب بدموع:"شهاب…"
تنظر إلى مكان الحادث، وإلى السيارة التي تحطمت أشلاء، وتصرخ بصوت عالٍ وعقلها لا يستوعب ماحدث ولا تصدق الي درجة وصل جنونه. واي حب واي جنون ذلك يجعله يضحي بحياته من أجل فدائها:"شهاب حبيبي، لا… شهاب!"
شهاب بزعيق:"مالك يا مجنونة؟ هو إنتِ كنتِ مستنية العربية تتقلب علشان تعملي الشوية دول؟ هاتي إيدك وساعديني أطلع !"
تنظر دهب ناحية شهاب، فتجده ممسكًا بشيء، تمسح دموعها بفرحة:"شهاب حبيبي!"
تجري عليه، تمد يديها، وتساعده يخرج من الحفرة اللي كانت على وشك تقتله، وهي تقول بلهفة: "شهاب حبيبي، كنت هموت من خوفي عليك."
وقبل ما تكمل كلامها، تحضنه فجأة وتقبّله قبلة طويلة وهي تقول:"أنا بحبك أوي يا شهاب."
شهاب بفرحة وحب:"وأنا بموت فيكي يا مجنونة."
يحملها بين يديه وهو يقول بابتسامة:"على ما أظن كده، لازم نبدأ نفكر في أسماء حلوة كده لعيلنا اللي جاي في الطريق."
دهب بفرحة ممزوجة بشيء من الخجل:"نفسك في بنت الأول ولا ولد؟"
شهاب وهو لا يزال يحملها:"أنا حاليًا نفسي فيكي إنتِ، لا عايز ولد ولا بنت دلوقتي… إنتِ وبس. وبعدين اللي يجيبه ربنا عسل، المهم إنهم هيكونوا ثمرة الانتقام."
دهب بفرحة: "انتقام إيه؟ أنا كده خلصت انتقامي."
ثم تصمت قليلًا، وتتذكر ما حدث…
ذكريات دهب
في مكتب الطبيبة، دهب تتحدث معها، وفجأة تلمح سوزان واقفة خلف باب دورة المياه من خلال انعكاس صورتها في زجاج النافذة التي أمامها. لا تُظهر أنها رأتها، وتكمل حديثها مع الطبيبة، وهي تضع البرشام في فمها، ومن غير ما حد يشوف، تضع بعض الحبات في كأس المياه.
وبعد ما خرجت، توقفت عند باب الغرفة تراقب ما سيحدث، وتفهم من حديث سوزان أنها تنوي قتل الطبيبة. تُخرج هاتفها وتصور كل شيء، وقبل أن تغادر، قد أبلغت عن سوزان بتهمة قتل الطبيبة، وأرسلت الفيديو كدليل على صحة كلامها.
الحاضر
تمسح دهب دموعها وهي تقول:"كده أنا نفذت وعدي لأمي، وخدت حقها منك يا سوزان. وهتموتي بنفس الطريقة اللي إنتِ اخترتيها لموت أمي. أمي ماتت ومكانش جنبها حد، بس كانت مؤمنة بالله، وربنا كان دايمًا معاها… أما إنتِ، حتى ربنا مش هيكون معاكي في اللي إنتِ هتشوفيه."
شهاب بصوت عالٍ:"دهب!"
دهب:"إيه يا عم؟ إنت في إيه يا حاج؟"
شهاب بذهول:"عمك؟ وحاج؟!"
دهب بابتسامة، وتقبّل شهاب:"أيوه… عمي، وأبويا، وأخويا، وحبيبي، وابني، وصاحبي، وقلبي، وكل حاجة حلوة في حياتي. هو إنت يا حضرت الرائد."
وبعد 9 شهور…
باري خارجة من جامعتها، فتجد إيهاب واقفًا في انتظارها. تمرّ من جانبه دون أي اهتمام بوجوده. يركض خلفها وهو ينادي.
إيهاب:"باري، استني."
يسرع ويمسك بيدها، وهو يقول بزعيق:"بس بقى كفاية عناد! أنا بقالي شهرين ونص باجي وبطلب السماح، وطلبت إيدِك من الكلب أخوكي يمكن عشر مرات، وآخر مرة قال لي إني مبقاش عندي كرامة. وكل ده علشان خاطر جمال أمك اللي جنني ده! خلاص بقى، آسف والله، وبحبك."
باري كانت لسه هترد عليه، لكن إيهاب يقاطعها بقبلة كبيرة، وهو يقول: "بس اسكتي، مش عايز أسمع غير كلمة واحدة موافقة أتجوزك يا إيهاب… وبمزح: وحياة أمك وافقي يا شيخة، ربنا يبارك لك في عيالك وما تشمتّيش فيّ أخوكي."
باري لم تعد تسيطر على نفسها، فتنفجر في الضحك بسبب مزاح وكلمات إيهاب، وهي تقول: "يا لهوي عليك، ده إنت مسخرة! يا لهوي، مش قادرة!"
ولا تشعر بنفسها إلا وهي ترتفع عن الأرض، وصوت إيهاب يعلو:"بحبك، بحبك، بحبك، بحبك!"
باري وقلبها يرقص فرحًا:"نزلني يا مجنون، فضحتني!"
إيهاب وهو يحمل باري:"توتوتوتوتو… مش هنزلك غير لما تقولي موافقة تتجوزيني الأول."
باري بخجل:"طيب موافقة، بس بعد ما دهب تولد. نزلني بقى، الناس بتتفرج علينا."
إيهاب بصدمة، وينزل باري:"نعم يا أختي؟ وأنا مالي ومال ابن أخوكي؟ وبعدين هي مرات أخوكي في الشهر كام؟"
باري:"دهب لسه في الشهر التاني."
إيهاب بصدمة:"نعم يا روح أمك؟ لسه في الشهر التاني وعايزة تأجلي جوازي علشان مرات أخوكي؟ وأنا أأجل فرحي ليه علشان خاطر أخوكي ومراته؟ ده مستحيل!"
ثم يحملها مرة أخرى بين ذراعيه:"أنا بقول نكتب كتاب الكتاب، وبعدين نبقى نشوف موضوع الولادة ده."
❈-❈-❈
في السجن عند سوزان…سوزان بدموع، وهي في نفس الحالة التي كانت فيها دهب قبل موتها: "بالله عليكم حد يقتلني، أنا ما بقيتش مستحملة."
وفجأة يُفتح الباب، وتدخل دهب وهي تقول:"إيه صوتك ماله عالي كده؟ ده إنتِ لسه ما كملتيش تسع شهور، وإنتِ أخدتي تالت حباية برشام، يعني لسه في الأول."
ثم تضع مرآة أمام عيني سوزان:"شوفي يا حلوة، شكلك بقى حلو إزاي."
سوزان تفزع من شكلها، وبصوت عالٍ:"أععع!"
وتكسر المرآة خوفًا من نفسها ومظهرها القبيح.
دهب:"إيه يا حلوة؟ مش عاجبك شكلك الجديد؟"
ثم تبكي وتكمل:"شفتي إنتِ كنتِ بتعملي إيه في أمي دهب؟ إنتِ مش بس عذّبتي جسدها، إنتِ عذّبتي روحها وقلبها، لما حرمتِيها من الشخص اللي حبته، لما سرقتي منها جوزها وحبيبها مهند."
تمسح دموعها وتقول:"يلا أسيبك أنا دلوقتي، علشان عندي معاد مع الدكتورة. سلام."
وقبل أن تخرج من الزنزانة، ترى سوزان تمسك قطعة من زجاج المرآة المكسورة على الأرض، وتقطع شريان يدها.
دهب بصوت عالٍ:"لااا!"
لكن كانت سوزان قد أنهت حياتها.دهب، بدموعٍ منكسرة، تجلس بجوار سوزان وتقول بصوتٍ مرتعش:«يعني عِشتي مجرمة وكذّابة، ويوم ما تموتي تموتي كافرة… لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.صدق الله حين قال في كتابه الكريم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.لو كنتِ تُبتِ وطلبتِ من ربنا السماح، واستغلّيتي حالتك لطلب المغفرة، كان سامحك…
لكنِك عِشتي في غفلة، ومِتّي في غفلة، وحرمتِ نفسك حتى من الرحمة».
تمسح دموعها، ثم تتحرك لتغادر، وتترك سوزان خلفها جثةً هامدة، غارقة في دمائها.
.
إلى كل قارئ العزيز تابع الرواية حرفًا حرفًا، وصدق الألم، وعاش التفاصيل، وانتظر النهاية…شكرًا من قلبي. شكرًا لكل عين بكت مع دهب، ولكل قلب وجِع مع تقي،
ولكل روح فهمت إن الظلم مهما طال، نهايته عدل،
وإن الصمت مش ضعف، لكنه أحيانًا انتظار لحظة الحق.
الرواية دي مش حكاية انتقام وبس، دي حكاية إن الظلم بيرجع لصاحبه، وإن اللي يختار طريق الأذى، لازم في يوم يمشي في نفس الطريق ده وهو مكسور. وحكاية إن الحب الحقيقي عمره ما يموت، حتى لو اتدفن سنين… بيرجع أقوى.
اتعلمنا إن:
مش كل ساكت ضعيف
ومش كل ضحكة رضا
ومش كل صبر خسارة
ومش كل انتقام شفاء
وإن ربنا دايمًا شايف…
وبيمهل، لكنه لا يهمل.
تمت