تحميل رواية «حجر ينبض» PDF
بقلم فريحة خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أجيبلُكم اتنين لَمون وشجرة يَا دُكتور عُدىّ. عشان المُستشفى يِهمّها إنّك تِستمتع بالوقت مَع الدُكتورة شيماء!؟ - انتِ اتجننتي يَا دُكتورة!؟ اتنين لمون إيه وشجرة إيه!؟ عِيب الكلام ده. دُكتور عُدىّ كَان بِيناقشنِي في عِلاج مَريض و كَان هيخرُج علىٰ طُول. - وِ يُخرُج علىٰ طُول ليه!؟ هو إحنا ورانا حاجة؟ ما تسيبيه يهزّر وِ يِتنحنح معاكِي شوية قبل ما الدُكتور معتز يجي. وِ يضطّر يِمثّل دُور الدُكتور المُضحّي اللي مفيش منه ومن إخلاصه واجتهاده اتنين! الحقيقة أنا كُنت لسّه هرُد عليها و آخُد حقّي وحق عُديّ....
رواية حجر ينبض الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فريحة خالد
بعد ولادة رحيم، حياتي اتغيرت مية وتمانين درجة، حياة صالح ما اختلفتش كتير، دي بقت أسوأ، وبقى باين جدًا على تصرفاته إنه مدمن في مرحلة خطيرة.
أنا كنت فرحانة وطايرة من الفرحة إن ربنا رزقني برحيم، ملامحه صورة من ملامح باباه بالظبط، بس كنت بتمنى مياخدش من صفاته أي حاجة.
صالح كان بدأ يسيب الباب مفتوح ميقفلش عليا بعد إلحاح مني، بس كان مانعني من الخروج نهائي غير لما أعرفه أنا رايحة فين ومع مين وهعمل إيه، وبصراحة أنا ممانعتش كفاية إنه وافق أساسًا.
وفي مرة كنت قاعدة أنا وهناء وشكرية عندي في البيت وصالح بره، وعلاء بيلعب مع سمية، ورحيم كان في حضني، كنا بنضحك ونهزر سوا زي ما اتعودنا دايمًا.
وبعدين فجأة أخدت نفس عميق وقولتلهم بابتسامة:
"تعرفوا إن رحيم كمل سنة امبارح؟ مش مصدقة إنه كبر سنة، مش مصدقة إني بقيت كده، سعيدة وراضية ومجرد ما أبص في وشه أبتسم! وأنا الدمعة مكنتش بتفارق عيوني قبل ما يجي حياتي."
"مش قلتلك يا فيروز، لما تخلفي حضن ابنك هينسيكي أي هم وحزن في قلبك، وهتلاقي حياتك بقت أحسن مية وتمانين درجة."
"كان معاكي حق يا شكرية فعلاً."
"العمر كله ليه حبيب خالته، هجوزه بنتي إن شاء الله."
ضحكت وكنت لسه هرد، فردت شكرية وقالت:
"لا يا أختي سمية لعلاء أنا حاجزها من يوم ما اتولدت."
ردت هناء بضحكة:
"ما أنا مش قصدي على سمية يا أم علاء، أنا قصدي على اللي في بطني إن شاء الله."
"بجد والله يا هناء، انتِ حامل؟!"
هزت راسها بضحكة، فحضرناها وإحنا بنضحكلها ونباركلها.
فقلت بحماس وابتسامة مش قادرة أمحيها:
"الظاهر كده هيحجزولنا كلنا في مستشفى واحدة في يوم واحد."
كانوا مش فاهمين كلامي، فكملت:
"شكرية ولسه عارفين من أسبوعين إنها حامل، وهناء وأدينا عرفنا إنها حامل، والظاهر كده أنا كمان حامل."
كانت أجمل حاجة بتحصل في حياتي، لمّتنا إحنا التلاتة سوا، ضحكنا وهزارنا وابتسامتنا لبعض، كل واحدة فينا كانت بتهوّن عن التانية على قد ما تقدر.
الحياة كانت ماشية طبيعية لحد ما، بس ده ما استمرش كتير. صالح حصل معاه مشاكل في شغله وبدأ يكون مكشوف للحكومة، والناس خفت في التعامل معاه خوفًا يتمسكوا، وهو مبقاش لاقي مخدرات يتعاطاها أو حتى يتاجر فيها بسهولة زي الأول.
الظروف اتغيرت كتير، خلّفت نور وبعدها بسنة واحدة خلّفت ندى، وشكرية كانت خلّفت علي، وهناء خلّفت سجدة، بس كل واحدة فينا مشاكلها زادت بطريقة صعبة مع مرور السنين علينا.
شكرية جوزها مات وبقت هي اللي شايلة شغل الفرشة بتاعتها وشغل قهوة جوزها كمان ومسؤولية علاء وعلي. وهناء حصل بينها وبين جوزها مشاكل وبقى يسيبلها البيت بالأيام ويمشي، وهي بتصرف على سمية وسجدة من المحل بتاعها.
أما عني، فلما صالح عرف صدفة إني شغالة على ماكينة الخياطة من وراه وإني طول الوقت ده بصرف من فلوسي عليا وعلى ولادي، وإني أنا اللي كنت بخلي المستشفى ترجعله فلوس الولادة وأدفعها من معايا، في لحظة عصبية منه رماني بمفتاح الأنبوبة فتحلي راسي، من غير ما ينتبه حتى إن بنته على دراعي.
كانت ندى يدوب سنتين على دراعي الدم كان بينزل من راسي على وشها وهي في حضني.
ونور.. نور اتصرعت، كانت لسه أربع سنين بتبدأ تمشي لسه، صوت صريخها كان أعلى من صريخي.
الوحيد اللي دموعه نزلت في هدوء كان رحيم، رغم إن رحيم كان عنده ست سنين بس، لكن هو اتعود يشوف باباه بيضربني وأنا بعيط. ساعتها جرى على دكتور عبد العزيز عشان ييجي يشوفلي الجرح.
ويومها بليل بعد ما خيطت راسي في المستشفى بأمر من دكتور عبد العزيز، صالح مرجعش البيت. كنت قاعدة وندى على رجلي ورحيم ونور في حضني. بدأت أتكلم معاهم بحب:
"عارف يا رحيم أنا بخليك تروح المسجد تحفظ قرآن وتصلي مع الشيخ نوح ليه؟ علشان عايزاك تبقى شاطر لما تكبر وتعمل بكل حرف بتحفظه في القرآن، وتخلي بالك من نور وندى وتعاملهم حلو لا تزعلهم ولا تضربهم وتساعدهم دايمًا وتكون جنبهم."
"تيجي أقولك على حديث حلو أوي للرسول صلى الله عليه وسلم؟"
هز راسه، فكملت بابتسامة موجوعة وقلتله:
"ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: - ألا أخبركم بمن يحرم على النار، وبمن تحرم النار عليه؟ على كل هين لين قريب سهل."
"يعني ربنا بيحرم النار على القلوب اللينة الرحيمة اللي الناس بتحبها وتحب تتعامل معاها لطيبتها ونضافتها، عايزاك تكون من الناس دي يا رحيم، توعدني؟"
"أوعدك يا ماما."
حضنتهم كلهم بحب، وأنا بتمنى أيامي الجاية تعدي على خير.
عدت سنة كمان ما خلتش من الأذى النفسي والجسدي ليا، كان أوقات رحيم يدافع عني فيضربوه هو كمان، كنت بحضنه وأعيط وأنا بوصيه ميأذيش أي حد كده أبدًا في حياته، كنت بحاول أخلي رحيم ميتأذيش منه على قد ما أقدر.
وبدأ يروح المدرسة، صالح كان ميّال لندى أوي، عمري ما شفته بيعمل مع نور أو حتى رحيم كده، رغم إن الاتنين هما اللي شبهوه بالظبط في شكله وإن ندى صورة مني أنا، لكن رحيم كان دايمًا نافِر منه بسبب تصرفاته، ونور كانت بتترعب لما تشوفه وتجري تستخبى في حضني.
ندى الوحيدة اللي كانت بتضحك لما تشوفه، وهي الوحيدة اللي كان بيلعبها ويضحك معاها، الوحيدة فيهم التلاتة وفي الناس اللي صالح يعرفهم كلهم كانت بتستنى تشوفه، أول كلمة نطقتها كانت بابا على عكس أخواتها تمامًا، وده كان مخلي صالح فرحان بيها.
كنت بقول اشمعنا ندى اللي قلبه اتحرك ناحيتها، اشمعنا ندى اللي اتخلى عن قسوته معاها، بس كنت مبسوطة إن حد فيهم التلاتة هيحس بأمان ناحيته.
"كنت فين يا رحيم كل ده، المسجد قفل من نص ساعة خضتني عليك."
"كنت مع علاء يا ماما."
"و بتعمل إيه مع علاء كل ده بقى يا سي رحيم؟"
"عملنا حاجات كتير يا ست فيروز استني هقولك.. أول حاجة رحنا نصالح سمية عشان كنا بنلعب سوا في الفسحة في المدرسة الصبح وعلاء ضربها وأنا قلتله على الحديث اللي دايمًا بتقوليه ليا وإنه مينفعش يكون قلبنا قاسي ونأذي حد عشان ربنا يدخلنا الجنة ويحرم علينا النار، وبعد كده اتفقنا بكرة بعد المدرسة...."
كنت حابة علاقة رحيم بيا، أنا قدرت أصاحبه وأخليه يحكيلي تفاصيل يومه بكل حب، كنت بسمعه وأنا مبسوطة ومتجاوبة معاه، رحيم كان هادي في تصرفاته وهادي في طباعه، كل الحارة كانت بتحبه وبتستلطف وجوده.
مرت سنة كمان، والسنة دي كانت النقطة السودا اللي هختم بيها آخر سطر في آخر صفحة في كتاب حياتي.
لو كان صالح مش كويس بنسبة تمانين في المية وبيفقد أعصابه كتير بسبب إنه بيتعاطى، فدلوقتي هو خارج عن السيطرة تمامًا، تعدى مرحلة الإدمان والخطر ووصل لمرحلة الموت خلاص، فلوسه بدأت تخلص ومعتش قادر يجيب الجرعة اللي متعود عليها، مبقاش متزن في تصرفاته نهائي.
لحد ما وصل لمرحلة إنه بيجي البيت يفتش كل سنتي فيه عشان يدور على فلوس معايا، ولما مكنش بيلاقي كان بيضربني ولو شاف حد من الولاد كان بيضربهم ضرب مبرح.
كنت موصية رحيم أول ما باباهم يدخل البيت ياخد أخواته ويدخل جوه ومايفتحش مهما حصل باب الأوضة غير لما يمشي، لأن نور كان عندها حالة صرع بسببه كبر معاها، من صغرها مجرد ما تشوفه تجري عليا وتحضني بكل قوتها تستخبى فيا وهي حاضنة عروستها جامد.
والمؤسف ندى، كانت بترفض تدخل معاهم الأوضة وتفضل تعيط عشان تقعد معاه، لكن هو مكنش في وعيه، كان كذا مرة يضربها لحد ما بقت تعيط لما تشوفه هي كمان وتستخبى معاهم.
مرة كنا بناكل وأنا سرحانة في حياتي، بقالي تسع سنين مستحملة عشان مليش مكان أروحه وعشان خايفة على ولادي من البهدلة، بس لو فضلت هنا هنتبهدل كلنا أكتر، أنا لازم أشوف طريقة أخرج بيها من الحارة ومن حياة صالح نهائي بس مش عارفة. مش عارفة لو خرجت ورجعت الجيزة المصيبة اللي سبناها ورانا هتوديني على فين.
فوقت على صوت نور وهي بتقولي:
"ماما هو انتِ ليه مش عايشة من غير بابا زي خالتي شكرية وخالتي هناء كده عايشين لوحدهم؟"
اتصدمت من السؤال بس قلتلها:
"عشان خالتك شكرية جوزها عند ربنا، وخالتك هناء جوزها مسافر، إنما انتِ يا حبيبتي بابا عايش وموجود معانا مش مسافر."
"طب وهو هيموت أو هيسافر امتى بقى؟"
"نور!! انتِ بتقولي إيه يا حبيبتي ده بابا، مينفعش تقولي كده."
وطّت صوتها وميّلت عليا كأن فيه حد هيسمعها وهي بتقول:
"أنا بخاف منه يا ماما، شكله بيبقى يخوف أوي وهو بيزعق ويضربك، أنا كل يوم بليل بقوم أتسحب من الأوضة، أبص عليكي أتأكد إنك عايشة وأرجع بسرعة قبل ما يشوفني تاني."
أخدت نفسي بصعوبة وبدأت أفهمها إنه باباها وإنه غصب عنه مش قصده يعمل كده وإنها تدعيله يبقى كويس وتبعد عنه لما يبقى متعصب بس.
بعد ما شيلت الأكل واطمأنت إن رحيم بيذاكر، ونور بتلعب بعروستها المفضلة، وندى بترسم كعادتها، دخلت الأوضة وبدأت أفتش عن ورقي الخاص اللي مخبيه مني من يوم ما جينا هنا.
أنا لازم أشوف طريقة أتصرف بيها وأمشي، كفاية أذى ليا ولولادي كده، كل واحد فيهم بقى جواها رعب من ناحيته. لاقيته شايل كل الورق في كيس فوق الدولاب حطيته في مكانه من تاني لحد ما ألاقي الطريقة اللي همشي بيها وبعدين آخده.
يومها بليل، رجع حاله يصعب على الكافر، عيونه دبلانة وتحتها أسود، ومش قادر يصلب طوله. ندى كانت بترسم في الصالة أول ما شافته اتخضت وكانت بتلم حاجتها وهتقوم. قرب منها وهو مش واعي وقال:
"انتِ بتخافي مني يا ندى؟ بتعيطي ليه.. لأ متعيطيش لأ."
كان بيمسح دموعها بكف ايده بخشونة وهي كانت خايفة ودموعها بتزيد. قرب منها وباسها من خدها. صالح اتعمى وقتها ومشافش ندى قدامه. خرجت من المطبخ مفزوعة على صوتها بتعيط وتصرخ بكل قوتها. في ثانية كنت واقفة قدامه بشد ندى بعيد عنه وأنا بقول بصويت:
"يلاهوي يخربيتك يا صالح فوق دي ندى، أبوس إيدك سيبها دي بنتك، أنا.. أنا فيروز أهو دي ندى سيبها يا صالح أبوس ايدك متشدش فيها كده دي ندى بنتك."
كان مصر يشد فيها ويقربها لحضنه وهو بيقولها يا فيروز، وهي بتصرخ تستغيث بيا وأنا مش عارفة أعمل إيه. رغم إنه مش في وعيه خالص، إلا إنه مستقوي عليها. ملقتش حل قصادي غير إني أضربه بالقلم على وشه وأزقه بعيد.
أخدت ندى في حضني ودخلت بيها الأوضة جري، قفلت الباب بسرعة وفضلت واقفة وراه، واخداها في حضني بعيط بالصوت العالي مش متصورة اللي كان هيحصل من شوية.
لما رحيم ونور جم من المدرسة يوميها رفضت أتكلم وفضلت طول اليوم بحاول أخلي ندى تنسى اللي اتعرضتله وهي من يومها بقى حالها من حال نور مجرد ما يشوفوه يعيطوا ويستخبوا في حضني.
مر كام شهر من أصعب شهور حياتي، كنت بقفل الأوضة بالمفتاح عليهم وأنا القلق هياكلني. كنت محضرة بطاقتي وشهادات ميلادهم وشهادة ميلادي وعقد جوازي وأي حاجة هحتاجها، وبقيت بشتغل ليل ونهار أوفر فلوس زيادة وكنت بسيبهم مع شكرية ألا يلاقيهم وياخدهم مني.
كنت معرفة رحيم إننا هنسيب الحارة ونبعد عن صالح نهائي وهو مكنش مانع ده كان مبسوط، وهو بنفسه بقى يساعدني وينزل يشتغل يوم الجمعة والسبت عند أي سباك أو كهربائي أو ميكانيكي ويديني الفلوس أحوشها. أنا كنت رافضة رفض تام بس إصراره عليا واستعجاله إننا نمشي في أقرب وقت خلاني أوافق بصعوبة.
وفي يوم كنا متجمعين عندي للمرة الأخيرة، بس المرادي القعدة كانت كلها حزن. ختمت هناء القعدة بكلامها:
"هتوحشوني أوي، مش عارفة إذا كنت هشوفكم تاني ولا لأ، بس أتمنى أشوف وشكم بخير."
"هتقطعي بينا يا هناء، طب خليكي وسطنا و خدي شقة تانية في الحارة بعيد عن أبو سمية."
"معلش يا شكرية كده أحسن أنا خلاص بعت المحل والبضاعة اللي فيه، وهنقل مكان تاني بعيد أنا مش هستحمل أفضل في حتة واحدة مع اللي كان جوزي وكمان هيكون معاه مراته الجديدة."
"هتوحشيني أوي يا هناء، انتِ وسمية وسجدة، ربنا يكتبلنا نتجمع تاني."
"إن شاء الله والله هنتجمع من تاني كلنا."
كنا بنعيط وإحنا بنحضنها نودعها، حتى الولاد كانوا زعلانين. علاء وعلي، رحيم وندى و نور، سمية وسجدة اتعودوا يكونوا دايمًا سوا ما بيلعبوش من غير بعض، خصوصًا سجدة كانت بتخاف تلعب مع أي حد غيرهم. النهاردة اتنين ماشيين وبكرة همشي أنا بتلاتة غيرهم.
سلمنا على بعض ومشيت وفضلت قاعدة مع شكرية قلتلها بحزن:
"أنا قربت أجمع المبلغ اللي محتاجاه يا شكرية وهمشي أنا كمان قريب، هروح عند خالي في أسيوط، هو راجل وحداني ملوش غير ابنه اللي مسافر بره. عمي كان رافض يسيبني أروح أعيش معاه عشان وصية أبويا ليه إنه ميسيبنيش غير وأنا في بيت جوزي، بس أظن إني مليش غيره دلوقتي."
"حتى انتِ يا فيروز؟!"
"كل لحظة زيادة بعيشها هنا خطر عليا وعلى ولادي، زمان صالح كان بيأذيني بس وهو واعي، دلوقتي هو مش واعي بيعمل إيه، أنا بخاف أغمض عيني ألا يعمل مصيبة في حد منهم، أنا عايشة ميتة من الرعب يا هناء."
"طب وخالك ده عارف إنك هتروحيله؟!"
"لأ، أنا نفسي معرفش أي حاجة عنه غير إنه في أسيوط، أنا مشوفتوش من زمن وزمن، بس أخرج من هنا وأوصل أسيوط وبعدها ربنا يحلها من عنده، ده الحل الوحيد اللي وصلتله يا شكرية معنديش غيره لحد دلوقتي."
استعديت لكل حاجة خلاص في السر، كل حاجة كانت ماشية مظبوط. كنت لميت حاجتنا كلها في شنطة كبيرة وخبيتها تحت سرير الولاد، وخبيتها فيها الفلوس. فاضل اليوم المناسب للتنفيذ، خصوصًا إن صالح بقى يقعد كتير في البيت. ومع قرب الفجر لليوم المشؤوم ده، اتسحبت من جنب صالح واتحركت للأوضة التانية. كنت بكلم رحيم بهمس:
"مستعد يا رحيم؟"
هز راسه من غير ما يتكلم. بصيت لنور وقلت لها:
"مستعدة يا نوارة نمشي من هنا؟"
هزت راسها هي كمان وهي حاضنة عروستها وماسكة ندى في ايدها. اتسحبت وأنا شايلة الشنطة، ورحيم ورايا وفي ايده نور وندى. وقفت عند باب البيت بصيت على كل تفصيلة قصادي بصة سريعة وغصب عني دمعت.
مكنتش عارفة وقتها ليه دمعت إذا كانت دي دموع الحزن على حالي واللي وصلتله وإني سايبة البيت اللي عشت فيه تسع سنين وماشية، ولا دموع شفقة على صالح رغم كل اللي عمله، إلا إني حاسة بندم إني هخليه يقوم من النوم ميلاقيش عياله ومراته حتى لو مش هيفرق معاه.
فتحت الباب بكل هدوء ولسه هتحرك سمعت صوته من ورايا. عيوني برقت واتجمّدت في مكاني فقدت الشجاعة إني أدير حتى ليه. قرب ناحية الباب وهو بيسحبني من طرحتي وسط رعب رحيم ونور وندى. وأثناء زعيقه وصريخي كنت باصة لرحيم اللي بيعيط وهما مستخبيين في حضنه عند باب الشقة وأنا بقوله:
"امشيييي يا رحيم، خد أخواتك وامشي بسرعة، إنت عارف هتعمل إيه، امشي إنتَ واخواتك يا رحيم بسرعة يلا."
صالح كان مشغول في الضرب فيا مكنش شايف قدامه، لكن أول ما لقى رحيم هيتحرك باخواته فعلًا، اتحرك ناحية الباب في ثواني وقبل ما رحيم يتحرك بدأ يضرب فيه. نور وندى كانوا واقفين قصاد البوابة من جوه ماسكين في إيد بعض وبيعيطوا.
قمت من مكاني وحاولت أدافع عن رحيم، كنت بحميه وبحاول آخد الضرب كله مكانه، بس صالح اتنزع من قلبه معاني الأبوة زي ما اتنزع منه الرحمة وسحب ماسورة حديد مركونة على جدار الحيطة جنب الباب.
كان أعمى أنا متأكدة إنه كان أعمى، مكنش شايف إن ابنه اللي مرمي قدامه في الأرض بيصرخ من كتر الضرب، وهو بينزل بكل قوته على رجله بالماسورة الحديد اللي في ايده. مكنش شايف إن الماسورة نزلت على راسي أكتر من أربع مرات وأنا بحاول أحمي رحيم وآخده في حضني وأبعده عنه. كل اللي كان شايفه إننا بنهرب ونسيبه، كل اللي كان بيقوله كلمة واحدة بس "هقتـ لـكم يا ولاد الكـ ـلب".
نزل الدم من راسي ورحيم أُغمى عليه بين إيديا. كنت بتزحزح لورا على الأرض وأنا بنتحب في كلامي:
"خلاص يا صالح أبوس ايدك خلاص، ابنك بيموت بين ايديا، ابعد أبوس ايدك.. آاااااه."
خبطني فجأة بالماسورة على راسي بس المرادي كانت بقوة. بدأت أدُوخ وعيني تزغلل جامد. نور وندى كانوا بيعيطوا بكل قوتهم. أول ما صالح رفع عينه وجت في عيونهم، نور ما استحملتش وترعبت، صرخت بصوتها كله، فتحت البوابة وهربت وفي ايدها ندى.
حاولت أسند رحيم على الحيطة وزحفت على إيدي ورجلي لحد ما سندت على البوابة الحديد اللي بره ووقفت بالعافية. خرجت بتسند لحد ما شفت صالح وهو بيجري وراهم وبيزعقلهم يقفوا.
نور كانت كل شوية تبص وراها بخوف لحد ما وقعت اتكعبلت، وعروستها طارت من ايدها اتحشرت بين طوبتين. ندى ما أخدتش بالها من إن نور معتش بتجري جنبها وفضلت جري. صالح ساب نور واقعة من غير ما يهتم وكمل جري ورا ندى. كان في اعتقاده إنه هيرجع يلاقي نور لسه محشورة في مكانها بس أنا أخدت بالي من كارثة. فضلت أصرخ ومحدش سامعني:
"نووور سيبي العروسة، سيبي العروسة وابعددي يا نووور، يا نووور ابعددددي..."
كان فيه عربية نقل جاية بسرعة في الطريق من وراها. نور بتحاول تطلع عروستها من بين الطوبتين بس مش قادرة تحركها. أنا بصرخ وهي بتحاول ترفع الطوبة. وصلتلها بالعافية لسه بشيل نور وبتحرك بيها بعيد. كان فات الأوان والعربية ما انتبهتش لينا من الضلمة اللي كانت مالية المكان. اتحدت صرختي بصرخة نور ووقعت في الأرض وهي في حضني.
من هنا بقى أنا اللي هكمّلك يا ندى لإني مش قادر أنسى حالتكم كانت عاملة إزاي وأنا بنقلكم المستشفى.
كنت رايح أفتح المسجد لصلاة الفجر، وبعدها لقيت باب بيتكم مفتوح، خبطت بقلق وناديت محدش رد فدخلت لقيت رحيم سايح في دمه. جريت عليه بفزع أتأكد إنه لسه بيتنفس وحاولت أفوق فيه بس مكنش فيه فايدة. دخلت جوه لقيت مفيش حد في البيت وفيه شنطة سفر واقعة على جنب. وقتها اتأكدت إن أمك كانت هتهرب.
جريت على بره في الشارع وبدور على أمك وانتِ وأختك بقلق. فكرت صالح عمل فيهم حاجة. بس أول ما طلعت من الشارع وقفت متكتف في مكاني وأنا شايف أبشع منظر في حياتي.
أمك واقعة على الأرض غرقانة في دمها، وشها وجسمها وكل حتة فيها متلونة بالدم. نور أختك واقعة فوقها وملامحها مش باينة من الدم، وانتِ كنتِ واقعة جنبهم بس سليمة.
في ثواني كنت بنادي بعلو الصوت في الحارة على حد ييجي يساعدني نوديكم المستشفى. وفعلاً الناس طلعت من بيوتها وهم مفزوعين وكلّه بيضرب كف على كف. اتنقلتوا للمستشفى ونص الحارة كانت معاكم هناك.
كل حد فيكم دخل في أوضة وكان معاه دكتور. أول دكتور طلع كان طالع من أوضة رحيم وأول ما شافني بجري عليه قال لي بحزن:
"أنا متأسف للي هتسمعه، بس للأسف الطفل ده تعرض لأذى مبرح في رجله اليمين، إحنا هنحتاج أشعة عشان نتأكد بس بنسبة كبيرة جدًا هو مش هيقدر يدوس عليها تاني لفترة ووارد يكون عنده عجز فيها."
أول ما سمعت منه كده اتصدمت وفتحت عيوني بصدمة. كان واقف كذا حد جنبنا من ستات ورجالة. الناس كانت مش مصدقة وكذا ست صوّتت بصدمة. منهم شكرية اللي كانت هتموت من كتر البكا والصويت. وملحقناش نفوق من صدمة رحيم وشوفنا الأسوأ والأسوأ ودكتور تاني بيبلغنا بموت نور.!!
هنا الصريخ على في المستشفى والستات كانت بتلطم على وشها وأنا قعدت في الأرض من صدمتي. كنا مش مصدقين، نور كانت بريئة وجميلة جدًا، كانت زي الفراشة اللي يشوفها يفضل باصصلها بإعجاب عن كمية الجمال واللطف اللي فيها. خبر موتها صعقنا زي ما صعق أمك الغلبانة.
اللي لقيناها هي طالعة من أوضتها وهي بتصوت وبتعيط وتنادي عليكم، كانت مش عارفة تمشي، تمشي خطوة وتقع عشرة. سنّدتها شكرية وهي بتترجاها تهدى، لكن هي كانت في عالم تاني. عالم مفيهوش غير رحيم ونور وندى.
أول حد دخلت أوضته كانت نور، ولما عرفت إنها ماتت، شالت الملاية من على وشها وفضلت تصرخ فيها وهي بتترجاها تقوم:
"لأ.. لآ يا نور لآ.. قومي.. قومي يا حبيبتي يلا هنمشي من هنا يلا يا نور قومي اسمعي كلامي، طب يلا وهجيب لك عروسة بشعر أصفر، مش انتِ بتحبي العرايس اللي بشعر أصفر.. قومي معايا وإحنا هنمشي من هنا خالص وهجيب لك سلسلة عليها اسمك زي ما انتِ عايزة، يا نوووووووور.."
صرخت باسمها ووقعت بعدها في الأرض. كان عندها ارتجاج شديد في المخ، كانت بتدخل في غيبوبة أكتر من مرة في اليوم وأول ما تفوق منها تنادي عليكم ويغمى عليها تاني.
عدى يومين مشوفناش فيهم صالح ولا مرة خلاص بعد اللي حصل، ودفنت نور في المقابر مع جدها وجدتها. كنتِ فوقتي لإن الدكتور قال إنك أغمى عليكِ من الصدمة بس. رحيم أخوكِ كان واخدك في حضنه وقاعد جنب أمك في السرير رافض يسيبها لحظة طول الوقت متحركش غير وقت دفن نور وأصر ينزل معايا وأنا بحطها في المقبرة رفض يسيبها لحد ما قفلنا المقبرة تاني وروّحنا.
الحزن كان مخيّم علينا في الحارة بطريقة بشعة. شكرية كانت بتفضل في المستشفى طول اليوم وتيجي تبات هنا آخر الليل مع عيالها. لحد ما قلت لها تخليها مستريحة هي وأنا هروح أبيّت معاكم الليلة دي.
قعدت جنبها في فرشتها وبدأت توصيني عليكم، وهي بتقول إنها خلاص مش هتكمل وهتموت. وكانت بتوصي رحيم ياخدك ويعمل زي ما كانوا متفقين. بصيت لها بحزن وأنا بقول لها إنها هتبقى كويسة وهترجع الحارة تاني وسطنا وهتعيش حياتها، بس هي قالت بتعب:
"أعيش حياتي؟! أنا ميتة قبل تسع سنين وقت ما وقعت بإيدي على عقد جوازي من صالح درويش!!"
وساعتها بقى حكت لي على كل حاجة أنا قلتهالك دلوقتي من وقت ما شافت صالح درويش أول مرة لمحاولة هروبها من جحيمه. وبعد ما خلصت وطّت على إيدي تحبها وقالت:
"أحب على إيدك يا شيخ نوح.. رحيم وندى أمانة في رقبتك ليوم الدين."
"أنا دفعت شبابي وعمري تمن لحياتهم."
"صحيح خسرت حتة منهم، بس والله حاولت.. حاولت يا شيخ.. حاولت بروحي وطاقتي كلها عشان أحميها هي كمان بس دي إرادة ربنا إنها تسبقني وأنا أحصلها كمان كام يوم..."
"خلّي بالك منهم، مش عايزهم يبقوا نسخة من صالح درويش، كفاية سوء وطلاح... كفاية..."
وقتها مسكت إيد رحيم أخوكِ اللي كان قاعد بيعيط جنبها على الأرض وهي في السرير، واخدك في حضنه مخبيّكِ؛ عشان ما تشوفييش أمك وهي بحالتها دي وقالت له بابتسامة وسط دموعها:
"عارف سميتك رحيم ليه يا حبيبي؟! عشان تبقى رحيم في الدنيا فربنا يرحمك في الآخرة."
"عشان الرحمة من صفات ربنا ورسوله.. حد يطول يتحلى بصفة من صفات الرسول!! مش إنتَ عارف إن اللي قلبه رحيم ربنا بيحبه ويبعد عنه النار؟! أوعى يا رحيم تقسي قلبك في يوم، أوعى تاخد من أبوك قسوة القلب، مهما حصل فيك.. ومهما حصل معاك افتكر حديث النبي اللي دايمًا أقوله لك لما كنت تلاقيني بعيط فاكره؟!"
هز رحيم راسه وهو بيعيط ووشه متغرّق دموع، باس ايديها بحب وهو متثبت فيها بقوته كلها، مكنش قادر يتكلم حتى. فكملت:
"خلي بالك على ندى، أوعى تقسي عليها في يوم من الأيام، وأوعى تعلمها القسوة، املى قلبها وحياتها بالرحمة والحنية، ندى أمانة في رقبتك من بعدي يا رحيم، حافظ عليها زي ما حاولت أحافظ عليكم لحد ما ربنا أراد إني خلاص أودع كمان كام دقيقة، ندى نسخة مني في الشكل، ابذل كل جهدك عشان متخليهاش نسخة مني في حياتي.. اوعدني يا رحيم اوعدني بكده..."
كانت بتنهج ووقتها حسيت إنها خلاص هتودع. دموعي نزلت غصب عني، وصوت شهقات رحيم أخوكِ ملت المكان، وحتى إنتِ يا ندى رغم إنه كان مخبيّكِ جوه حضنه كويس إلا إن صريخك كان محاصرنا.
اتكلم رحيم بصعوبة وهو بيوعدها ينفذ كلامها بالحرف.
نطقتها الشهادة، وبعد ثواني كانت روحها الطيبة خرجت من جسمها. ماتت..
ماتت وهي ماسكة إيد أخوكِ، وبإيديها التانية لمست وشك وابتسمت لك لآخر مرة في حياتها.
رواية حجر ينبض الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فريحة خالد
نَدىٰ انتِ بِـخير يا بنتي؟!
أنا.. أنا قلتلك إن الحقيقة صعبة عليكِ!!
كُنت سرحانة في اللاشيء قُصادِي ، عيوني مركّزة علىٰ ولا شيء ، بنزّل شلالات من الدّموع ، جِسمي كُلّه بيرتعش ، قلبي بِـينبُض بقوّة ، حاسّة كإن فيه مقبض من حديد بيعتصر قلبي..
مش قادرة أسمع من الشّيخ نُوح أي كلمة بعد كلمة ماتت..
صُوت بُكائي بدأ يعلىٰ ويزيد ، اتحوّل لهيستيريا من العياط..
لاقيتُه بيطبطب علىٰ ايدي وبيقول:
- فيروز ماتت علشان تعيشوا أنتم ، هيّ ضحّت بنفسها علشان خاطركم يا بنتي.
بصّيتله وِ دُموعي ما قلّتش بل بِـتزيد ، حاوطت نفسي بِـدراعاتي ، وِ اتكلّمت بتقطّع وِ أنا بقول:
- إيه.. حَـ... حَصل بعد كده؟!
بعد ما هيّ ماتت إزاي أنا بقيت شيماء؟
وِ إزاي.. إزاي رحيم بقىٰ عبد الرحمن؟
وِ إزاي أنا مش فاكرة كُل ده!!!
قُلت آخر جُملة بِـصُوت كلّه ضَعف مصحوب بِـشهقات كُلها حسرة..
حسرة علىٰ أمّي ، السّت اللي دفعت شبابها تمن لِـ حياتنا..
حسرة علىٰ أخويا ، اللي اتكتب عليه يتعجّز بسبب كمّية جُحود وِ قسوة في قلب شخص ، لو كان حجر مكنش هيعمل كده!!!
حسرة علىٰ أختِي اللي ماتت في حادثة بشعة وهيّ لسه طِفلة ماشافتش الدُّنيا.
رد بِـهُدوء وِ قالّي:
- أنا قلتلك من الأول إن حل كُل اللغز مش معايا ، الباقي عندك إنتِ وِ رحيم.
- يعني إيه مش فاهمة؟!
- يعني يا بنتي بعد ما أمّك ماتت ، أنا اللي دفنتها مع نُور في القبر وِ رحيم أخوكِ نزل معايا وِ إحنا بندفنها وِ بعد ما روّحنا شُكريّة أخدتكم تبيّتوا عندها ، وِ بعد كام يوم رحيم أخدك وِ روّحتوا بيتكم وِ فضلتم عايشين فيه أربع سنين..
أربع سنين أثبت فيهم رحيم إن أمّك عرفت تربّي صح ، رفض تمامًا إنكم تعيشوا مع حد وأصر تعيشوا في بيتكم ، رفض أكتر حد يصرف عليكِ أو عليه أو حتّى يساعدكم بِـرُبع جنيه وِ كان بيشتغل صبي عند ميكانيكي أو سبّاك وِ أوقات مع كهربائي وِ حدّاد باليوميّة ، اشتغل كُل حاجة وأي حاجة وِ هوّ عاجِز علشان تعيشي انتِ وِ هوّ..
مكنش فيه حد بيهدّيكي غيره لمّا تعيّطي وتنادي على أمّك أو نور ، كان بيسيبك مع شُكريّة لحد ما يرجع آخر اليوم ياخدك ، كنتِ طول اليوم بتصرّخي باسم مامتك وِ اسم نُور وِ مجرّد ما يشيلك في حُضنه تهدي وِ تنامي..
كان بيودّيكي المدرسة وِ يذاكرلك وِ يلعب معاكِ ، كان ليكِ أب وِ أخ زي ما أمّه وصيته..
أربع سنين دمعته مانشفتش من البُكا على مامتك ، أربع سنين وِ هوّ كُل جمعة ياخدك وتزوروا قبرها ويقرأ لها قُرآن هناك..
أربع سنين وهوّ بيكسب احترام وِ حب الناس كلها يوم عن يوم..
لحد ما في مرّة ماطلعش من البيت يروح مدرسته أو حتّىٰ يودّيكِ انتِ ليها ، وماطلعش يروح شُغله زي كُل يوم ، قلقنا عليكم وِ خفنا لَـيُكون صَـالِـح رجع وعمل فيكم حاجة ، مُعظم النّاس اللي في الشارع اتجمّعت عند الباب وِ شُكريّة خبّطت وِ بقيت أنا أنادي عليكم بِـعلوّ الصوت في الشارِع ، بس مفيش فايدة ومحدّش بيرُد..
كسرنا البوّابة الحديد بِـصُعوبة ، وكسرنا باب الشّقة اللي جوّه ، وِ لمّا دخلت أنا وِ شُكريّة لاقينا الأنوار مطفيّة ، وهدومك انتِ وِ رحيم مش في الدّولاب ، ومعظم حاجتكم من كُتب وِ لعب مش موجودة ، ساعتها عرفنا إنكم مشيتوا بمزاجكم وِ سيبتوا الحارة..
كُنا كلنا في قمة الحُزن وِ الأسىٰ عليكم ، حسّيت إني مقدرتش أوفّي بوعد أمّك وِ أحافظ عليكم ، شكرية حسّت إنها خسرت كل حاجة من ريحة صاحبة عُمرها ، وحتّىٰ هناء كانت متعوّدة تيجي تزوركم على` طول لمّا علمت اللي حصل لفيروز وِ نور من أبو عيالها ، أوّل ما جت بعد كده ولاقيتكم مش موجودين انهارت وِ ماشوفنهاش هِنا من يومها..
حاولت أوصلكم بس ماعرفتش كإن الأرض انشّقت وِ بلعتكم ، لحد ما يشاء القدر أشوفك بعد عشرين سنة.. عشرين سنة يا نَدىٰ وِ ألاقيكي نُسخة من فيروز!
وللسّخريّة انتِ كنتِ جايّة هنا تسألي عن الشّخص المسؤول عن كُل حاجة وحشة حصلت في حياتك انتِ وِ أمك وِ أخواتك ، والسبب الرئيسي في خروجكم من هِنا!!
حطّيت ايديا الاتنين علىٰ وِشّي وِ انفجرت في العياط ، كُل حاجة حكاهالي الشّيخ نوح بتمر قُصاد عيني توجعني كإن سكّينة وِ اتغرزت بكل جبروت في قلبي ، الشيخ نوح كان ساكت بيبصلّي بِـحُزن وِ أسىٰ ، لكن وداني كانت رافضة الصّمت وعمّالة تكررلي صُوته وهوّ بيحكيلي عن كمّية المأسآة اللي شافتها أمّي لحد ما ماتت..
سابني أعيّط وأخرّج صدمتي من اللي سمعته في دُموعي من غير ما يقاطعني ، بس بعد شويّة اتكلّم وقال بحسرة:
- عرفتي ليه قلتلك اللي زي الرّاجِل ده مايستاهلش غيبوبة تسرق شبابه وِ عمره بس ، وِ إنّه يِستاهل النّار تاكُل عضمه ، وِ تكوِي لحمه ، وِ تفحّم جِلدُه..
عرفتي ليه قلتلك كُل ده قُليل وِ عُمر النار دي ما هتقدر تخلّيه بني آدم وِ إنه هَـيفضل لحد ما يُموت مُجرّد حَـجَـر بِـ يُـنْـبُـض!!
شيلت ايدي من علىٰ وِشّي وِ مسحت دموعي بقوّة واتكلّمت بغل وأنا بتنفّس بِـصوت عالي ، وِ صدري بيطلع وينزل بقوّة:
- وِ رحمة أمّي اللي شافت العذاب ألوان على ايده..
وِ رحمة أختي اللي ماتت بسبب رعبها منّه..
وِ حياة أخويا اللي داق المُر واتعجّز من وِ هوّ لسّه طفل..
وحياة كل حاجة وحشة عملها فينا من صُغرنا حتّىٰ لو مكنتش فاكراها لَـ هدفّعه تمنها غالي وِ غالي أوي ، وِ أقسم بِـربّي اللي يعز وِ يذل لَـ أخلّيه يتمنّىٰ المُوت ومايعرفش يطوله بِـحق كُل السّوء اللي عمله يا شيخ نُوح.
مسكت شنطتي وِ كُنت لسّه هتحرّك ، لاقيت الشيخ نوح قبض علىٰ ايدي بِـقوّة وِ قال:
- وِ تفتكري لمّا تعملي كده فيروز هترجع؟ طب تفتكري نُور هترجع؟ ولا تفتكري أخوكِ هيرجع يمشي علىٰ رجله؟!
مهما عملتِ يا بنتي مفيش حاجة هترجع زي الأول ، اللي بيتكسر ما بيتصلّحش ، أمّك ربّيتكم علىٰ الرّحمة ولين القلب ، جاية انتِ بعد تسعة وِ عشرين سنة من عمرك تقسّي قلبك وِ تكونِي نسخة تانية من صَـالِـح دروِيش!!
حُطّي قُصاد عينك إن كُل ليّن مُحرّم علىٰ النّار يا بنتي!
حُطّي قُصاد عينك إن أمّك كان هدفها تزرع فيكم الحُب والحنيّة واللين..
سيبيه لِـربّنا قادر يقتّص منّه في باقي عُمره ، زي ما اقتّص منه في شبابه وِ حرمه منّه!!
بصّيتله وِ أنا تايهة وِ أنا حاسّة إن روحي بتتسحب منّي بالبطيء ، طبطب علىٰ ايدي تاني وِ قال بحنيّة:
- أنا شايف إنك تروّحي وتهدي وتفكّري بالعقل قبل ما تتصرّفي ، تشوفي نَدىٰ جوّاها إيه..؟!
جوّاكِ حِلو ولا وِحش ، واللي جوّاكِ هيظهر في رد فعلك..
شوفي شيماء اتربّت علىٰ إيه..؟!
اتربّت على` الحنيّة وِ الرّحمة ولا على` القسوة؟ وِ أنا واثق إن رحيم ربّاكِ على` الرّحمة واللين زي ما واثق إني شايفك قُصادِي دلوقتي..
خلّيكِ فاكرة إن أمّك عُمرها ما هتنبسط لو انتِ بقيتي نُسخة تانية من صَـالِـح دروِيش!!
أخدت شنطتي وِ وقفت قُصاده وِ هزّيت راسي بِحُزن وِ ألم وِ أنا بقول بِـتعب وِ إرهاق:
- أنا مُضطرة أمشي ، وِ أوعدك هفكّر في كلامك بالعقل زي ما قولتلي.
مشيت من الحارة وِ أنا راسي فيها مليون خِناقة وِ قلبي والع فيه النّار ، بتمنّى لو الزّمن يرجع بيّا ومعرفش أي حاجة من اللي حكهالي الشّيخ نُوح ، دموعي كانت بتنزل وأنا ماشية بِـمُنتهىٰ الاستسلام ، وقّفت أول تاكسي قابلني لما خرجت من الحارة خالص وِ ادّيتله عِنوان المُستشفىٰ وِ أنا بفكّر في طريقة أنتقم بيها شر الانتقام من صَـالِـح دروِيش.
- وصلنا يا هانِم.
نزلت من التّاكسي وِ وقفت قُدّام المُستشفىٰ ، بَـبُص لِـ المدخل بتاعها وِ أنا مُتردّدة أدخل المُستشفىٰ وِ أطلّع روحه بِـإيدي وِ ساعتها هكون انتقمت لِـ موت أُمّي وِ أختي وِ عجز أخويا من غير ما حد يمسك عليّا حاجة..
و وسط مشاعر انتقامي اتمرّدت عليّا مشاعر الشّفقة وِ الحُزن علىٰ حاله وقت ما فاق وِ هوّ بيترجّاني أفضل جنبه وِ أصدّقه..
وِ هوّ بيوعدني يكون صَـالِـح بجد!!
دلوقتي فهمت ليه قالي كده لإنه كان مثال للسوء والطّلاح قبل كده..
وِ هوّ بيقولّي إنهم هيقتلوه لو عرفوا مكانه ، رغم إني مش عارفة مين دول ، لكن رعشة ايده وهوّ بيترجّاني في كل لحظة أفضل جنبه مخلّياني مُترددة!!
أخدت نفس عميق ، ومسحت دُموعي اللي نزلت علىٰ خدّي كلّمت نفسي بقوّة وأنا بقول:
- فوقي بقىٰ فوقي ، ده طَـالِـح.. ده فاسِد.. وِ قاتِل ما يستحقّش منك شفقة ، ما يستحقّش غير القتل بأبشع طريقة ، سِم ينتشر في دمّه يدمّر جِسمه بالبطيء ، نار تولّع فيه وِ تحرقه زي ما حرق قلبك انتِ وأخوكِ على` أمك و أختك ، ده حجر!! فيه حجر يستحق الشفقة!
خطيت لِـجوه المُستشفىٰ وِ أنا بتجاهل كلام الشّيخ نُوح وتنبيهاته عليّا إني أتصرّف بالعقل وباللي جُوايا وِ اتربّيت عليه ، عزمت كل العزم إني مش هخرج منها غير وِ هوّ ميّت بعد ما يتعذّب قُصاد عيني وِ أشوف دُموعه نازلة بضعف وِ قهر لعلّها تطفّي النّار اللي مولّعة في قلبي وِ بتاكُل في رُوحِي!!
رواية حجر ينبض الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فريحة خالد
وَصلت عند باب الغُرفة رقم متين وِ تسعة.
كُنت مُتردّدة أفتحها.
دُموعي نزلت علىٰ خدّي وِ أنا بحط ايدي علىٰ مقبض الباب استعدادًا إني أفتحه.
أخدت نفس عميق، مِش قادرة أصدّق إني هَـواجهُه دلوقتي!!
مش قادرة أصدّق إني هدخل الأوضة لِـ أول مرة وِ أنا مش متعاطفة معاه، بل بالعكس أنا في أشد حالات الشّماتة فيه!!
وِ أخيرًا.. فتحت الباب وِ دخلت.
ضربات قلبه بِـتزيد زي كُل مرّة في وُجودِي.
بصّيت عليه من بعيد وِ أنا جسمي بيرتعش من اللي ناوية أعمله وِ دُموعي متمرّدة عليّا وِ مستمرّة في النّزول.
خرّجت حُقنة السّم من جيبي بِـهدوء وِ بدأت أقرّب منه.
كان نايم وِ مُستسلِـم تمامًا.
لِـوهلة تعاطفت معاه وِ في ثانيتها عنّفت نفسي وِ فكّرتها بإنه ما يستحقّش مني شفقة أو عطف.
شيلت الغطا من علىٰ الإبرة، وِ رفعتها باستعداد علشان أغرزها فيه.
حاولت.. حاولت مرّة وِ اتنين وِ تلاتة.
كُل مرّة ايدي بِـتتشل وِ بِـتُقف في نُص الطّريق!!
مش قادرة، مش قادرة أغلب نفسي وِ أغرز سن الإبرة فيه.
ما أخدتش بالي إن صُوت عِياطي بقى عالي، وِ إنّي بقيت بتشنهف بقوّة واحساس العجز مسيطر عليّا ببشاعة.
ليه.. ليه أنا مش قادرة أبقى حجر زيه وِ أقتله بالبطيء زي ما قتل أمي وأختي؟!!
ليه مش قادرة أسيطر علىٰ قلبي وِ مشاعري وِ أدمره بجبروت زي ما دمّرنا؟!!
فتّح عينه فجأة، وِ عيوني جت في عُيونه.
ما اتكلّمتش بس عيوني اللي كانت مليانة دموع وِ كلها غِل وِ حُزن وِ تعب وصّلتله اللي حاسّه بيه واللي عايزة أقوله.
اتكلّم بِـضعف وِ هوّ بيقول:
- سامحيني يا نَدىٰ، سامحيني يا بنتي، سامحيني.. أنا.. أنا ما أستحقّش دُموعك دي.. ما تعيّطيش، صدّقيني أنا ما أستاهلش إن دموعك تنزل بسببي واللّهِ!
رميت الحُقنة من ايدي بعصبيّة وِ اتكلّمت باندفاع و هيستيريا ومازلت بعيّط:
- إنتَ ما تستحقّش دموعي فعلًا، ولا تستحق الشفقة وِ الرّحمة، ولا تستحق إنّك تصعب عليّا وِلو لِـ ثواني!!
عارف..؟! إنتَ ما تستحقّش حتّىٰ النّفس اللي بتتنفسه ده!
إنتَ ما تستحقّش غير اللي الشيخ نُوح قالّي عليه.. تستحق نار تولع فيك، تفحّم جلدك، وتاكل لحمك، تستحق السّم اللي كُنت هغرزه في دمّك يعذّب روحك، يدمّر كل خليّة في جِسمك بالبطيء، تستحق كل حاجة بشعة في الدنيا، تستحق تموت بأسوأ طريقة، صدّقني إنتَ تستحق أكتر من غيبوبة تسرق شبابك وعمرك!!
نزلت دموعه وكان عاجِز إنه يرد.
أنا كنت في أشد مراحل انهياري.
مرّيت النهاردة بِـأصعب أيام حياتي.
سندت نفسي على الحيطة اللي جنب السرير ونزلت على الأرض بضعف.
اتكلّمت بنفس مقطوع وِ روح متحطّمة وأنا بقول:
- تعرف حاولت أكتر من أربع مرات أغرز السم في جسمك وماعرفتش، واللّهِ ماعرفتش أو بمعني أصّح ما قدرتش، عارف ليه؟!
مش علشان إنتَ للأسف أبويا و قلبي ماطوعنيش أعمل فيك حاجة، ومش علشان خايفة على نفسي يحصلي حاجة لإن مكنش حد هيقدر يمسك عليّا أي شيء..
بس علشان أخويا ربّاني على الرحمة!!
علشان أخويا زرع جُوه قلبي اللين والحنيّة، علشان للأسف الشديد يا صَـالِـح يا دروِيش أنا ماقدرش أكون نُسخة تانية منّك وِ أكون قاسية ماعنديش قلب وِ اللي بينبض جوه جسمي مُجرّد حجر منزوع منه الإنسانية والرحمة!!
حاوطت وشّي بِـكُفوف إيدي، وِ سمحت لنفسي أنفجر من العياط.
سمعت صُوته بعد مُدّة بيقول بتقطّع وِ كإنّه بيعيّط هوّ كمان:
- أنا آسف، أنا ماكنتش في وعيي، ما.. ماكنتش عارف أنا بعمل إيه، أنا واللّهِ ما كنت في وعيي، واللّهِ يا نَدىٰ ما أنا اللي عملت كده.. مِش أنا لأ، ده.. ده كان شيطاني!
شيطاني خلّاني أعمىٰ وِ أصم!! مش شايف ومش سامع ومش واعي لأي حاجة!
إنتِ ليه مش مصدّقاني، أنا كمان اتعذّبت واللّهِ يا بنتي، ومش عايز حاجة منك غير إنك تسامحيني بس!
رفعت عيوني ليه، قمت من مكاني وِ اتحرّكت بطاقة تكاد تكون معدومة وِ قعدت قُصاده على الكُرسي وِ أنا بقول:
- أسامحك؟! ياااه يا آخي!! بتطلب منّي أسامحك على إيه ولا إيه؟!
تفتكر أسامحك علىٰ السّواد اللي أمّي شافته منّك؟
ولا تفتكر أسامحك علىٰ إنك السبب في موتها؟
ولا يا ترىٰ أسامحك علىٰ مُوت أختي؟
ولا أسامحك علىٰ إنّك عجّزت أخويا وهوّ لسه طفل؟
ولا أسامحك علىٰ الأذىٰ النفسي اللي أذيته لأمي وأخواتي؟
وِ خُصوصًا رحيم!!
متصوّر إنتَ عملت إيه في طفل عمره معدّاش التمن سنين؟!
خلّيته يدفن أمه وِ أخته وِ يصرف على نفسه وِ أخته التّانية بعد ما عجّزته!!
إنتَ متصوّر مدىٰ بشاعة تصرّفاتك ولا لأ؟!!!
إنتَ شوّهته حرفيًّا.. شوّهته نفسيًّا وِ جسديًّا، خليت عنده أزمة ثِقة بيعيش رُعب وِ صراعات جُواه بيحاول يقنع نفسه إن مش كُل البشر صَـالِـح دروِيش!!
قُولّي إنتَ بقىٰ أسامحك على إيه ولا إيه؟!!
بعد كُل اللي عملته ده شايف إني المفروض أسامحك؟!
كان ساكِت، شفايفه بترتعش من كتر البُكا.
ماصعبش عليا ولا اهتّز جفني ليه حتّىٰ، بالعكس أنا حاقدة عليه.
ليه ربنا يعاقبه بغيبوبة بس!! حتى لو كانت عشرين سنة وسرقت منه شبابه وعمره كله، هوّ يستاهل أسوأ من كده!!
كمّلت كلام بس المرّادي كنت بتكلّم بسُخريّة شديدة:
- تصوّر افتكرت موقف ضحكني.
ضحكت بسخريّة وأنا بضرب كف على كف وبكمّل بنفس أسلوبي السّاخِر:
- لمّا عرفت إنّك في غيبوبة من عشرين سنة صعبت عليّا، آه واللّهِ تصوّر!! كُنت صعبان عليّا ومش بس كده كنت زعلانة وبقول زمان الحُزن واكِل قلوب أهله!! لإنه مُختفي عنهم من عشرين سنة وفي حُكم الميّت.
ويا حرام لمّا الدكتور اللي جابك هنا من عشرين سنة قال إنه لقىٰ معاك سلسلة فضّة عليها اسم نُـور، ما تتصوّرش بقى لمعة عيني وِ أنا بقول يا بخت نُور لو بنتك بأب يحبّها زيّك، وِ يا بختها أكتر لو مراتك بِـزُوج يعاملها بِـلُطف!!
تصدّق إني أصرّيت أتابع حالتك مخصوص ؛ علشان كان صعبان عليّا أهلك وإن حياتهم من غير سند صعبة!
سكت شويّة، اتأمّلت فيهم ملامح وِشّه الحزينة وأخدت نفس عميق وِ أنا بكمّل بدموع وحزن غصب عني وبقول:
- مش قادرة أوصفلك خيبة أملي دلوقتي قد إيه، وِ أنا مُدركة إن نُور اللي كنت بقول يا بختها دي بنتك اللي إنتَ السبب في موتها.
وِ مراتك اللي كُنت بقول يا بختها بزوج يعاملها بِـلُطف، موتّها بدل المرة مليون بعاملتك القاسية اللي منزوع منها الرحمة، من أول يوم اتجوّزتك فيه لحد ما ماتت بسببك فعلا!!
وِ أهلك اللي كنت بقول يا حرام زمان الحزن مالي قلبهم، وزمان عيشتهم صعبة من غيرك، بيتمنّوا لو يفضلوا عايشين من غيرك العُمر كلّه.
إنتَ مش مُدرِك خيبة أملي قد إيه فيك!!
مُتخيّل إنتَ يعني إيه بنت تكتشف إن أبوها إبليس!!
مُتخيّل إني كل ما أشوفك هفتكر أمي وأختي اللي قتلتهم وأخويا اللي عجزته؟!
سكت وِ هوّ كان ساكت.
أنا ببصلّه بِـحُزن وِ كسرة وِ دموع مختلط عليهم مشاعر الكُره وِ الانتقام وِ الحقد عليه، وِ هوّ بيبصلّي بحزن ودموع وكسرة مماثلة بس مختلط عليه الندم.
مسحت دموعي وِ قمت من مكاني.
أخدت الحقنة اللي كانت واقعة في الأرض رفعتها قُصاد عنيه وِ أنا بقول قبل ما أرميها في الزبالة:
- ده الفرق اللي بين فيروز وبينك!!
بيقولّك العرق دسّاس، بس الأصل غالب يا صَـالِـح يا دروِيش وِ أنا أصلي طيّب مش زيّك، أمّي زرعت فينا الطّيب ماقدرش أحصُد في أفعالي غير الطّيب!
أخويا ربّاني على الرحمة ولين القلب، فَـ ما أقدرش أنزع منه معاني الإنسانيّة اللي ربّاني عليها ويعميني شيطان انتقامي وِ أقتلك بأبشع الطرق حتى لو كنت تستحق كده!
رميت الحُقنة في الزّبالة.
مسحت بكفوفي الاتنين على وشْي كله بحاول أتماسك.
مسكت شنطتي وادّيرت في اتّجاه الباب علشان أخرُج.
اتكلّمت وأنا مدّياله ضهرِي وبقول:
- أنا همسح اليوم ده من حياتي بأستيكة، إنتَ بالنسبالي صفحة في كتاب حياتي هقطّعها مية حتة وأولّع فيها.
أنا هفضل شيماء منصور البحراوي، أخت عبد الرحمن منصور البحراوي، وِ أبويا المُحامي المُحترم منصور البحراوي.
من أوّل ما أخرُج من الباب ده تعتبرني ميّتة، ندىٰ ماتت مع فيروز وِ نور وِ انت السبب في موتهم.
أنا بالنسبالي ماكنتش عارفاك ولا فاكرة أي حاجة من اللي عرفتها و أتمنى لو الزمن يرجع بيا وأفضل مش عارفاك وما أفتكرش أي حاجة من اللي حصلت!
خلّي في بالك كوّيس إنك ميّت بالنسبالي وِ إنّك من هنا لحد ما ربنا ياخدك فعلا أنا عُمري ما هسامحك.
خرجت من الأوضة في ثواني قبل ما صوت عياطي يطلع.
سمعته وهوّ بيترجّاني أستنّىٰ وما أمشيش.
سمعته وهوّ بينادي عليا أدّيه فُرصة يتكلّم وأسمعه.
تجاهلت كلامه وخرجت وِ أنا مقررة إني هنساه وهنسى كل اللي عرفته تمامًا.
- السلام عليكم ورحمة الله و بركاته.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أيوة يا آنسة سجدة في جديد؟
- آه كنت عايزة أبلّغ حضرتك إن سُميّة فاقت الحمد لله، وهيّ موافقة ترفع القضيّة.
- تمام، أنا هخلّص شُغلي وِ أعدّي علىٰ المُستشفىٰ علشان تمضيلي التوكيل وِ أتناقش معاها في كذه حاجة مُهمّة.
- طيب هبعت لحضرتك عنوان المُستشفىٰ على الرقم ده.
- تمام.
قفلت سجدة مع عبد الرحمن المُكالمة، وِ بعتت عنوان المُستشفىٰ ليه.
فضلت واقفة مُدة سرحانة مِش قادرة تصدق إنها شافت رحيم بعد السنين دي كلها وبتتكلم معاه كمان، بس ليه بقى عبد الرحمن مش رحيم ده اللي كان هيجننها.
دخلت الأوضة تاني لِـ أختها قعدت جنبها وهيّ بتمسك إيديها بتشجيع وبتقولها بابتسامة:
- حمد الله على سلامتك يا سُوما، ربّنا ما يحرمني منّك يا حبيبتي.
ردّت سمية بتعب:
- الله يسلمك يا سجدة، كُنت خايفة ما أقومش منها تاني.
- بعد الشر عليكِ يا سمية ما تقوليش كده، انتِ هتصحي وِ هتبقي كويسة وهعمل أنا وِ انتِ المشروع اللي كُنا بنحلم بيه من صُغرنا.. فاكراه؟
- أنا معتش أنفع لأي حاجة يا سجدة، لا مشاريع ولا أحلام، معتش أنفع غير للسرير والمرض، إنتِ مش شيفاني عاملة إزاي!!
- شيفاكِ، ومتأكّدة زي ما أنا شايفاكِ كده إنك هتبقي كويسة و هترجعي سُمية بتاعة زمان الجميلة الطموحة واللّهِ.
عدّىٰ شويّة وقت، كان فيهم سجدة ومامتها بيحاولوا يقنعوا سُميّة إنها هترجع زي الأول، بس سُميّة الوحيدة اللي كانت عارفة إنها عُمرها ما هترجع زي الأول، حتى لو جروح جسمها اتعافت وبقت كويّسة، عُمر ما الندّوب والجروب اللي جوّاها ترجع زي الأول، شيء ما انكسر جوّه سُميّة وِ مش هيتصلّح.
وِ في آخر اليُوم، خبّط عبد الرحمن على الباب.
قامت سجدة وِ فتحت.
مُجرّد ما شافته قُصادها ضربات قلبها زادت وابتسمت.
رحبّت بيه وِ دخّلته الأوضة وِ هو دخل وِ هوّ ساند على عُكازّه.
كانت هناء قاعدة على الكرسي جنب سرير سمية وضهرها للباب.
اتكلّم عبد الرحمن وقال:
- السلام عليكم.
ادّيرت هناء وكانت بترد السّلام.
أوّل ما شافته قطعت الكلام من النّص، وِ بقت توزّع نظرها بين سجدة وبينه بصدمة شديدة.
عبد الرحمن كان ضابط تعابير وشه على الجُمود وِ بيتصرّف طبيعي من غير ما يدّي لصدمة هناء أي اهتمام.
بص لِـ سُميّة قُصاده بأسف وهوّ بيقولها:
- حمد الله على سلامتك.
هزّت راسها بابتسامة ضعيفة من غير ما تقدر ترد.
فَـ ردّت سجدة عليه:
- الله يسلمك يا أستاذ عبد الرحمن.
قعد عبد الرحمن على كرسي جنب السرير من الناحية التانية وهو بيقول لِـ سُميّة:
- آنسة سجدة بلّغتني إنك موافقة ترفعي قضية مظبوط؟
هزت راسها فَـ كمل:
- تقدري ترفعي قضيّة طلاق وِ تاخدي نفقة وِ تعويض عن كُل اللي اتعرّضتيله ده، وِ تقدري ترفعي قضية شُروع في قتل، انتِ كنتِ علىٰ حافّة المُوت بعد الشر عليكِ، فَـ لو رفعتي قضية شروع في قتل جانب قضية الطلاق وقضية الاعتداء عليكِ بالضّرب هتاخدي حقّك تالت وِ متلّت منّه وِ هيترمي في السّجن قُلتي إيه؟
وزّعت سمية نظرها بين سجدة اللي بتهزلها راسها إنها توافق، وأمها اللي مش قادرة تتكلم وبتعيط على حالها وِ قالت بإنهاك وهيّ بتفتكر كل مرة اتأذت فيها من جوزها:
- أنا موافقة.
- تمام يا مدام سُميّة، حضرتك هتمضيلي التوكيل ده وما تشغليش بالك أنا هرفع القضيّة وهتابع الاجرائات وهبلغ آنسة سجدة بالحاجات المُهمة توصلهالك.
اتكلّم عبد الرحمن مع سمية شويّة وسألها عن جوزها وإزاي عمل فيها كده وِ اكتشف إنه كان بيتعاطى مُخدّرات وإنه كان متعصّب ومش شايف قصاده فآذاها بالبشاعة دي، وإن دي مش أول مرة تحصل ويضربها.
خلّص عبد الرحمن معاها وِ استأذن علشان يمشي بس وقّفته هناء وهيّ بتقوله بتوتر:
- معلش يا ابني بس أنا بشبّه عليك، هوّ إنتَ اسمك الكامِل إيه؟
- عبد الرحمن منصور البحراوي.
قال عبد الرحمن الرد بثبات كإنه عارف هيّ بتفكّر في إيه.
خرج من الأوضة بعد ما هناء وِ سجدة شكرُوه.
بصّت هناء لسجدة وهيّ بتقولها بصدمة:
- أوّل ما شفته فكّرته رحيم ابن فيروز الله يرحمها!!
سبحان الله شبهه بالمللي، حتّى الشّامة اللي تحت عينه وحتّى رجله اليمين فيها عجز.
لولا إن اسمه عبد الرحمن كنت قلت إنه رحيم!!
ردّت سجدة وقالت:
- هوّ رحيم فعلا يا ماما، بس أنا مش عارفة هو ليه بقى اسمه عبد الرحمن.
- هوّ رحيم!!! رحيم ابن فيروز!! إزاي.. إزاي ما تقوليش ليا انتِ عبيطة يا بت؟
- فيه إيه يا ماما بتزعقي ليه؟ أقولك إزاي وهو بنفسه قالك إن اسمه عبد الرحمن، معنى كده إنه مش عايز حد يعرف إن اسمه رحيم!!
لما كنت في المكتب عنده بطلب منه يكون محامي سُميّة، اتصدمت لما شفته وأول ما سألته إزاي بقى اسمه عبد الرحمن، اتعصّب وِ معطانيش فُرصة أتكلّم وِ أكمّل.
خلّينا بس نخلص حوار سُميّة وِ ساعتها نبقى نحاول نكلّمه، المُهم إنه موجود وبقى وسطنا وعارفين مكانه!
قالت سجدة آخر جُملة بابتسامة، كإن وجود رحيم بالنسبالها بعد السنين دي كلها حِلم مش مصدقة إنه بيتحقق.
بلّيل كُنت نايمة في السّرير بتاعي، دموعي مانشفتش من على خدّي، بحاول أكتم صُوت عياطي في المخدّة.
سمعت بابا بيخبّط على الباب بقلق وهوّ بيقول:
- شيما انتِ كويسة يا حبيبتي؟ انتِ من ساعة ما جيتي الصّبح وانتِ في الأوضة! طب انتِ قافلة الباب بالمُفتاح ليه بس؟!
مردّتش عليه، ماكنتش قادرة أتكلّم.
طب هرد عليه إزاي وأنا فجأة اكتشفت إنه مش أبويا.. طب هوّ مين؟!
الشخص اللي عاملني بحنيّة وحب طول السنين دي يطلع مين؟!
مشىٰ من قدام الباب، وبعد شوية سمعت صُوت عبد الرحمن بيتكلم بقلق وخوف قدام باب الأوضة:
- شيماء انتِ قافلة باب الأوضة ليه؟ افتحي طمنيني عليكِ.
ما استحملتش نبرة القلق اللي في صُوته.
حاجات كتير كانت بالنسبالي عادية، دلوقتي بقت تفسير لحاجات كتيرة.. زي خُوف عبد الرحمن المُبالغ فيه عليّا خُصوصًا لمّا يعرف من بابا إني زعلانة أو فيه حاجة مضايقاني!
دلوقتي بقى تفسير للي حصل زمان، وإنه بيخاف عليا ليكون هوّ كمان صَـالِـح دروِيش، وهوّ السبب في زعلي!
فتحت الباب، كُنت لسّه بلبس الخروج حتّى طرحتي مكنتش قلعتها.
أول ما فتحته وِ شفت عبد الرحمن قُصادِي اترميت في حُضنه بكل قوتي، وعيطت.
عيطت.. عيطت وأنا بفتكر كل حاجة هوّ مر بيها، عيّطت وأنا بفتكر هو شال حِمل قد إيه وتعب قد إيه علشان ينفذ وصية ماما وماحسسنيش بأي حاجة.
عيطت وأنا بقوله أنا آسفة وببوس راسه وِ ايده وأنا بعتذرله بقلبي على كُل اللي مر بيه قلبه!
كان مصدوم وِ مخضوض بيبص بقلق وِ رُعب لبابا اللي كان واقف جنبه هو كمان بصدمة.
فضل يطبطب عليّا وِ يهدّيني وهوّ بيقولي:
- اهدي يا شيما، اهدي يا حبيبتي ماتخوّفنيش، مالِك بس احكيلي إيه اللي حصل، برّاحة من غير دموع يا حبيبتي!؟
خرجت من حُضنه وطّيت علىٰ الأرض ناولته عُكّازه اللي رماه من الخضّة أول ما فتحت باب الأوضة وشافني بعيّط، وبصّيتله بارهاق هوّ وِ بابا وِ قلتلهم:
- أنا آسفة قلقتكم عليّا أنا تعبانة شوية ومرهقة جامد من الشغل، أنا هدخل أنام شويّة وهقوم كويسة إن شاء الله.
أتكلم عبد الرحمن بشك وهو مازال قلقان وملامح وشّه خايفة:
- مُتأكّدة يا شيما إنك مرهقة من الشغل بس ومفيش حاجة؟
- أيوة يا حبيبي والله ما تقلقش.
- طب وِ كل العياط ده ليه بس؟
- ده بسبب.. بسبب حالة في الشغل أثّرت على نفسيتي أوي، بس أول ما أنام شويّة هقوم كويّسة صدّقني.
اتحرّك هوّ وبابا بقلق من قصاد الباب بعد ما أقنعتهم بالعافية إني كويسة.
قفلت باب الأوضة وغيّرت هدومي، ورحت على السرير.
بصيت للسقف وأنا مخنوقة!
مكنتش قادرة أحضن بابا النهاردة لما كنت بعيط إحساسي إنه غريب عليّا ومبقاش أبويا مضايقني، حاسة بقيود تمنعني أقرب منه.
وفي نفس الوقت أبويا اللي بجد لو آخر حد في الدنيا عمري ما أبكي في حُضنه!!
مش عارفة إذا كان المفروض أحكي لعبد الرحمن كل حاجة، ولا أسكت وكإني ماعرفتش حاجة، وأقفل الصفحة دي من حياتي نهائي..!!
شيء من جوايا بيمنعني أقفلها، غصب عني فيه صوت بيطلب منّي أرجعله وأسمعله رغم إني كُلّي كارهة لِـ صَـالِـح وحاقدة على وجوده حيّ بعد كل اللي عمله!
عنيا راحت في النوم من كتر التعب والارهاق، مافتحتش غير على صوت موبايلي وهوّ بيرن بإصرار ردّيت بهدوء:
- أيوة يا عُديّ.
- الحقي يا شيماء، مُصيبة سُودا.
اتعدلت في ثواني وِ قُلت بقلق:
- فيه إيه، خير؟
- عبد الرحمن في أوضة صَـالِـح دروِيش وِ شكله ناوي على مُصيبة.
- إييه!!
رواية حجر ينبض الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فريحة خالد
شيماء!! انتِ لابسة وخارجة علىٰ فين نُص الليل كده؟!!
رايحة المُستشفىٰ يا بابا ، مصيبة ولازم ألحقها عن إذنك.
شيماء استنّي بس ، ما ينفعش تمشي من غير أخوكِ ، إحنا نُص الليل يا بنتي.
عبد الرّحمن برّه يا بابا ، أرجوك أنا مش صغيرة ما تقلقش عليّا ، لازم أمشي بعد إذنك التأخير مش في مصلحتي واللّهِ.
إيه!! عبد الرحمن برّه؟! طب ثواني أنا هاجي أوصّلك.
لبس بابا وِ خرج معايا وِ أنا كنت متوتّرة وِ كل شويّة أرّن على عبد الرحمن بس تليفونه مقفول ، كنت ميّتة من الرّعب وفي دماغي ألف سؤال وِ سُؤال.
عبد الرحمن رايح لِـصَـالِـح دروِيش ليه؟!
هوّ عبد الرحمن كان عارِف بوجود صَـالِـح دروِيش أساسا!!
والأهم من ده كُله يا ترىٰ إيه المُصيبة اللي عُديّ بيقولي إن عبد الرحمن ناوي عليها؟!!
اتنّهدت بِـصُوت عالي وِ قُلت بقلق:
يارب استرها.. يااارب.
مالِك بس يا شيماء مش على بعضك ليه كده يا بنتي النهاردة!؟
وِ مُصيبة إيه اللي في المُستشفى خير بس؟!!
مفيش يا حبيبي ما تقلقش ، أنا هدخل بقىٰ وِ لما أخلص هرن عليك تيجي تاخدني.
نزلت من العربية وِ في ثواني كنت بجري في الطّرقة اللي فيها أوضة صَـالِـح دروِيش ، قابلني عُديّ وقّفني وِ هوّ بيقولي بارتباك:
شيماء..
الحقي أخوكِ أبوس إيدك لو حد شم حاجة من اللي بتحصل دلوقتي هنروح كلنا في داهية.
فيه إيه يا عُديّ ، أنا مش فاهمة حاجة ، إيه اللي جاب عبد الرحمن هنا ، وبيعمل إيه جوه؟
كلّمني من شويّة قالّي إنك تعبانة ومنهارة بسبب حالة في الشّغل وسألني إيه اللي حصل خلاّكِ تنهاري كده..
فَـ أنا حكيتله اللي حصل كُله من أول ما دخلنا أوضة صَـالِـح دروِيش لكلامه الغريب عن إنك ندىٰ ، وِ قلتله إن ده ممكن يكون السبب.
قفل من غير ما يتكلّم كلمة ومعدّاش دقايق ولاقيته قُصادِي هنا وِ دخل الأوضة فجأة وهوّ متعصّب وفي حالة مش طبيعية ، وقافل الباب من جوه ومش عارف أدخله ولا عارف إيه بيحصل جوه!
أبوس ايديكِ يا شيماء اتصرّفي ، أنا مش فاهم إيه اللي بيحصل بالظبط!!
وِ لو دكتور معتز أو دكتور عمر عرفوا حاجة عن اقتحام أوضة مريض بالشكل ده هروح في داهية.
طب وسّع يا عُديّ أنا هتصرّف ربنا يسترها.
اتحرّكت بقلق لِـ ناحية باب الأوضة ، حاولت أفتحها ما عرفتش ، بدأت أخبّط بهدوء وأنا بقول بتوتر:
عبد الرحمن إنتَ سامعني؟!
طب لو سامعني ممكن تفتح الباب؟
عبد الرحمن!! أرجوك افتحلي الباب ، وبلاش تعمل أي حاجة ، بالله عليك اهدىٰ وِ حكّم عقلك وما تتصرّفش بتهوّر.
حاولت أزّق الباب ما قدرتش ، هوّ سانده بحاجة قويّة من جوه تمنع اللي برّه يدخل إلا إذا حرّك اللي موجود ورى الباب ، بدأت أعيّط من كتر القلق وأنا بخبّط علىٰ الباب بقوّة وبقول:
افتح علشان خاطري ماتسيبنيش أموت من القلق كده بالله عليك.
عُديّ كان واقِف جنبي وهو مستغرب ومش فاهم إيه بيحصل ، بعد مُدّة صوتي راح من كُتر المناديّة وعيوني دبلت من كتر ما عيّطت ، عُديّ كان بيحاول يفتح الباب هوّ كمان بس عبد الرحمن كان سادد الباب من جوه بِـإحكام ، وِ فجأة.
اتفتح الباب وِ خرج عبد الرحمن.
أول ما خرج حضنته بسرعة ، كان شكله تعبان وِ مُرهق وعيونه وارمة وفيه آثار دُموع على وشّه ، طبطب على ضهري وكلّمني بهدوء وهوّ بيقول بصوت حزين:
انتِ عرفتِ كُل حاجة مِش كده؟
هزيت راسي من سُكات وأنا لسّه حضناه ، عُديّ دخل الأوضة علشان يطمّن إن ماحصلش حاجة لِـ صَـالِـح ، وِ تقريبًا حس إن فيه حاجة غلط بتحصل فَـحب يسيبلنا مساحة من الخُصوصية ، عبد الرحمن رجع كمّل كلام وِ قال بنبرة صُوت مخنوقة وكإنه ماسك نفسه من العياط بالعافية:
أنا آسف حقك عليا ، أنا السبب في انهيارك بالشّكل ده ، أنا مقدرتش أحافظ عليكِ وِ أحميكِ مِنُّه.
بعدت عنه خطوة ، مسكت وِشه بكفوف إيدي بحنيّة ، بصيّت بعيوني اللي بتبكي لِـعيونه اللي ورمت من كتر البُكا ، هزيت راسي يمين وشمال وِ أنا بقول بِـحُب:
أنا اللي آسفة ، حقك علىٰ قلبي أنا ، أنا اللي آسفة واللّهِ.
إنتَ أجمل أخ في الدُّنيا ، إنتَ أكتر حد حافظ عليّا وِحماني.
إنتَ.. إنتَ شيلت مسؤوليّتي وشيلت كل الهموم دي لوحدك من غير ما تحسّسني بأي حاجة!!
أنا اللي آسفة واللّهِ ، أنا اللي آسفة.
رميت نفسي في حُضنه تاني وعيّطت ، وِ هوّ كمان كان بيعيّط كإن جرحه اللي بقاله سنين وسنين بيمثّل إنه مقفول اتفتح فجأة وِ بيوجعه بقسوة!!
دُموعه كانت بتنزل على كِتفي وبقينا إحنا الإتنين نطبطب على بعض.
بعد دقايق بسيطة ، بعدني عن حُضنه لما عُديّ اتنحنح من وراه ، مسح دُموعه وِ مسحلي دُموعي بسرعة ، حاوط كتفي بإيده وِ ادّير لِـ عُديّ وِ قال بصوت حاول يكون طبيعي:
معلش يا دُكتور عُديّ ، سُوء تفاهم بسيط ، و ما تقلقش المريض اللي جوّه مافيهوش حاجة ، أنا كنت بتكلم معاه كلمتين بس.
عُديّ هز راسه بِـصمت وهوّ بيوزّع نظره بيني وبين عبد الرحمن بقلق ، استأذن عبد الرحمن وأخدني في إيده ومشينا ، كنت بتحرّك معاه من غير ما أتكلّم ، ركبنا عربيّته وِ اتحرّكنا في طريقنا للبيت.
كُـل شوية كنت أحاول أتكلم وكل مرة الكلام يقف على طرف لساني ومأقدرش أقول حاجة ، لحد ما سمعت صُوت عبد الرحمن المبحوح وهو بيقول:
عندك أسئلة كتير مش كده؟
هزيت راسي وِ ردّيت عليه بابتسامة مُرهقة:
مايفرقش معايا أي إجابة منهم ، كل اللي يفرق معايا إنك تكون بخير ، وما أشوفكش في الحالة دي أبدًا.
عُيونه دمّعت ، فَـوقّف العربية في حركة مُفاجأة ، جسمي اتحدَف لِـقُدّام ، وِ هوّ مسح بإيده علىٰ وشّه ، حسّيته زي الطّفل الصُّغير اللي يبقى بيبكي وعايز يمنع دُموعه إنها تنزل من غير إرادته فـ كُـل شوية يمسح عيونه بقوّة لعلها تستجيب لإرادته وِ تُقف ، بصلّي وقال بوجع:
أنا تعبان ، تعبان أوي!!
جرحي اللي دفنته صاحي من سنين وِ سنين اتفتح فجأة وبقىٰ ينزِف بقوّة.
الذّكريات اللي كُنت بجبر نفسي أنساها بتهاجمني بِـشراسة.
كُل حاجة عملتها في حياتي علشانك وعلشان أحافظ عليكِ ، اتهدّت في ثواني وأنا شايفك مُنهارة قُصاد عُيوني بسببه!!
أنا تعبان وحاسس بالهزيمة ، كُنت أتمنّى أموت وما أشوفش وِشّه مرة تانية في حياتي ، كُنت أتمنّى أفضل مخبّي الماضي عنّك عُمري كله وما أشوفكيش بتعاني بالشكل ده!
حط دراعه الشّمال على الدركسيون بتاع العربية وِ سند راسه عليه ، ساب نفسه لِـدُموعه.
حطّيت إيدي على كتفه وقلتله بثبات رغم دموعي:
طُول ما إنتَ جنبي أنا عُمري ما هَـعاني بسبب أي شيء يكن!
وِ طول ما إنتَ بخير أنا هكون بخير وِ عمرك ما هتشوفني مُنهارة نهائي.
نبرة صوتي اهتّزت وأنا بقول:
بلاش تشيل فوق طاقتك!
إنتَ ملكش ذنب في أي حاجة حصلت زمان وِ أنا اكتشفتها دلوقتي ، المُذنب الوحيد هو صَـالِـح دروِيش.
عدّى ثواني وهوّ جفف دموعه واتحرك بهدوء بالعربية من تاني من غير ما يقول حرف حتّى!
متأكدة إنه في صراع مع دوّامة من الذكريات جواه دلوقتي.
............
بابا إنتَ لسه صاحي لحد دلوقتي؟
تليفونك مقفول يا أستاذ عبد الرحمن ، ونزلت من غير ما تعرفني حتى ولولا شيماء قالتلي ماكنتش هعرف!
بابا كان واقف قُدام عبد الرحمن وهو متعصب ، وعبد الرحمن كان ساند نفسه بالعافية ، حمحم بهدوء ورد بإحراج:
معلش يا بابا ، أنا كنت مش مركز ومستعجل ونسيت أبلغك خالص ، وتقريبا موبايلي فصل شحن والله ما أخدت بالي.
أومال عرفت إن شيماء في المُستشفى إزاي؟ أنا فكرتها رنت عليك تروح تاخدها.
لأ ، أنا كنت في المستشفى أساسًا.
كنت في المستشفى!! خير كان فيه حاجة ولا إيه؟
آسف يا بابا الصّبح هبقى أتكلم معاك وأفهمك كل حاجة ، أنا مرهق جدا دلوقتي وعايز أنام.
كنت واقفة ساكتة بتابع إرهاق عبد الرحمن الواضح جدا عليه وإنه مش قادر حتّى يطلع الحروف من لسانه ، و عصبية بابا اللي اتحوّلت في ثواني لخوف وقلق في نبرة صوته وهو بيقول:
يعني إنتَ بخير طيب؟
ابتسم عبد الرحمن وباس راسه وسحبني من إيدي بهدوء وحضنا إحنا الاتنين وقال بتنهيدة:
أنا بخير دايما طول ما أنتم بخير.
استأذن عبد الرحمن ودخل الأوضة ، بصيت لبابا وقبل ما يسألني على حاجة قلتله بابتسامة ثقة:
ما تقلقش عبد الرحمن قوّي وعُمر الظروف ما تقدر توقعه أو تهزمه.
طب انتِ عارفة هوّ كان في المُستشفى ليه؟
تقريبًا ، بس الأحسن تسمع مِنُّه هوّ ، وِ زي ما قلتلك عبد الرحمن ما يتخافش عليه أبدًا أبدًا ، هوّ يغلب كل حاجة وِما يتغلبش.
استأذنت من بابا وِ دخلت على جوّه ، غيّرت هدومي وحاولت أنام بس ما عرفتش رغم إن يومي النهاردة من أصعب أيامي وقلبلي موازين حياتي كلها إلا إني مش قادرة أغمض عيني.
حاسة إن عيني هتطلع من مكانها من كتر ما عيطت ، وِ راسي هتنفجر من كتر التفكير ، وحاسة روحي مُشتتة بأقصى طريقة ، و الأسئلة اللي ملهاش إجابة بتتردد جوايا ترهقني أكتر.
هوّ أنا مش فاكرة أي حاجة من اللي حصلت زمان وحكهالي الشيخ نوح ليه؟
طب إيه اللي حصل يخلي رحيم وِ ندىٰ صَـالِـح دروِيش عبد الرحمن وِ شيماء منصور البحراوي؟
طب هوّ مين منصور البحراوي أساسًا وليه.. ليه يعمل معانا كل ده؟
وِ يا ترى إيه اللي حصل لما عبد الرحمن دخل لِـ صَـالِـح درويش؟
صَـالِـح دروِيش!!
هوّ كمان عنده حاجات كتير كان بيترجّاني أسمعها الصبح!
ممكن كان هيقولي على اللي خايف يعرفوا مكانه ويقتلوه؟
ولا كان هيحكيلي على اللي حصله قبل ما يدخل الغيبوبة؟
أيًّا كان هوّ عنده إيه هوّ مايستاهلش إني أسمعه حتّىٰ.
صَـالِـح دروِيش مايستاهلش من قلبك لحظة شفقة!!
بُصّي لكسرة أخوكِ من ساعات ، بصي لِـدُموع قهرته وِ حزنه لما جروح الماضي اللي كان هوّ السبب الوحيد فيها اتفتحت من تاني وِ وجعته بسببه برضه!!
بُصّي لِـنفسك وِ لِـوجع قلبك وروحك المتكسّرة مية حتّة لمّا عرفتي اللي حصل في أمك وأختك وأخوكِ على إيده زمان!!
لو بإيدي.. كُنت مسحت من ذاكرتي النهاردة بكل تفاصيله المُرّة ، زي ما ممسوح منها كل اللي حصل أيام زمان.
............
محدّش بيصحيني من النوم غير مُكلماتك يا عُديّ!
إنتَ بتلحق تنام امتىٰ؟ أنا ملحقتش أغمّض ساعتين على بعض واللّهِ!!
ما هو أنا مش فاهم حاجة يا شيماء ومش هلاقي تفسير غير عندك!
عبد الرحمن إيه علاقته بالراجل اللي هنا ده؟
وانتِ إيه علاقتك بيه وِ بِـ ندىٰ اللي بينادي عليها دي؟
وليه انهيارك انتِ وعبد الرحمن بالشكل الغريب ده بسببه!!
والأهم من ده كله..ليه طلب يسيب المُستشفى وِ يخرج منها على مسؤوليته أول ما عبد الرحمن أخوكِ خرج من أوضته ، رغم إنه لسه محتاج عناية ورعاية كويسة؟!!!
بلعت ريقي وِ قلت بتردد و خوف:
هو ساب المُستشفى وِ خرج يا عُديّ؟
رواية حجر ينبض الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فريحة خالد
يُخرج؟ لأ طبعًا يا شيماء، إزاي أسيبه يخرج يعني؟
أنا اديتله حقنة مهدئة لإنه كان منهار أول ما عبد الرحمن خرج من عنده، والصّبح هبلغ دكتور معتز أو دكتور عُمر، أنا ما أقدرش أتصرف من مزاجي مع الحالة دي بالذات.
مش عارفة ليه لما عُديّ بلّغني إنه ما خرجش من المستشفى وإنه لسه موجود حسيت براحة من جوايا، يمكن لإن لسه عندي أسئلة كتير عايزة أواجهه بيها؟
شيماء انتِ معايا؟
ها.. آه آه يا عُديّ.
شيماء أنا خطيبك مش حد غريب! ومن حقي أعرف إيه بيحصل بالظبط!
أخذت نفس طويل، خرجته بهدوء واتكلمت بثبات:
حقك طبعًا يا عُديّ، اديني فرصة بس أهدى وأستوعب الأول وهفهمك كل حاجة.
براحتك يا شيماء، أنا هكون مستعد أسمعك في أي وقت تقدري تتكلمي فيه.
شكرًا يا عُديّ بجد.
الشكر لله يا شيما، انتِ هتيجي المستشفى بُكرة مش كده؟
فكرت لثواني وبعدين رديت عليه:
أيوه هآجي طبعًا.
طيب هسيبك تكملي نومك وهروح أنام أنا كمان ونتقابل الصبح.
ماشي تصبح على خير.
أنا بحب الوضوح في حياتي، مبحبش الألغاز أبدًا، مش هسمح بأي شيء يعكّر عليّا أنا وأخويا صفاء حياتنا.
هروح المستشفى بكرة، مش عارفة إزاي هتحمل أشوفه تاني، بس لازم أحط النقط على الحروف، أنا عايزة أعرف هو عايز مني أنا وأخويا إيه بعد السنين دي كلها.
عايزة أعرف إيه اللي حصل يحوّله من شيطان ما يفرقش معاه شيء لإنسان ندمان.
ومن حجر لبني آدم بيبكي بحرقة وحزن على الماضي.
رغم إنه ميستاهلش مني إني أسمعه، بس أنا مضطرة أسمعه علشان أخلص من العبء اللي على قلبي، عايزة أخلص من عبء صالح درويش، بقى عامل زي المعضلة واقف في طريق حياتي وسعادتي أنا وأخويا.
اتنهدت تنهيدة قوية، وقمت من السرير، الظاهر إني مش هنام النهاردة خلاص.
غسلت وشي ورفعت راسي للمرآية اللي فوق الحوض، للحظة دققت النظر فيا، وابتسمت.
أنا مش قادرة أفتكر ملامح أمي، بس شايفاها فيّا.
فكرة إني شبهها دي مفرّحاني أوي.
فكرة إن كل اللي يشوفني يفتكرني فيروز دي محسساني بفرحة لا متناهية.
يعني أنا كل ما توحشني وقلبي يوجعني عليها أبص لنفسي في المراية هشوفها.
خرجت قعدت في البلكونة وسيبت الهوا يخبط فيا بقوة، كنت متغطية بشال خفيف وببص للطريق، سرحت في العربيات اللي رايحة وجاية ما أخدتش بالي من دخول عبد الرحمن البلكونة إلا وهو بيحط إيده على كتفي، اتخضيت وقمت من مكاني بقلق وأنا بقوله:
عبد الرحمن! انت كويس يا حبيبي؟ مالك في حاجة!
ابتسملي بملامح مرهقة وعيون حزينة وقال:
أنا كويس يا حبيبتي ما تقلقيش، أنا بس قلقان فقمت أشم شوية هوا، انتِ بقى إيه مصحيكي؟
كنت نايمة وصحيت على مكالمة من عُديّ فمعرفتش أنام تاني، جيت أشم هوا.
قعد وقعدت جنبه، حاوط كتفي وضمني لحضنه وقال لي:
هو كان عايز حاجة؟
أبدًا، كان بيستفهم عن اللي حصل، وأنا قلتله لما أبقى كويسة شوية وأقدر أستوعب اللي بيحصل هفهمك كل حاجة.
هو انتِ عرفتي إزاي؟ على حسب كلام صالح درويش لما دخلت عنده الأوضة في المستشفى قال إنه محكاش ليكي حاجة، وإنك انتِ كنتِ عارفة كل حاجة لوحدك.
بدأت أحكيله كل حاجة حصلت، من أول ما عُديّ كان واقف يناقشني باستغراب عن حالة في غيبوبة من عشرين سنة لحد ما وصلت بيه للنّهاردة ومحاولتي الفاشلة إني أسمّ صالح درويش بعد ما اكتشفت كل حاجة.
وهو كان مستغرب جدًا ومش متوقع إني عملت كل ده، رد وقال لي بلوم:
يااااه، مرّيتي بكل ده لوحدك!! شكيتي واتلخبطتي وعيشتي في كل الصدمات دي من غير ما تفكري تشكيني همّك؟
في الأول كان الموضوع مش في بالي، كنت بقول سوء تفاهم، بس بعدين حسيت إن فيه حاجة غلط ولازم أعرف إيه هي.
بس كنت خايفة!! كنت خايفة لو جيت وحكيتلك ما أعرفش أوصل للي عايزاه، وبعد ما وصلت للي عايزاه تمنيت لو إني ما وصلتش لحاجة، ونويت أنسى كل حاجة عرفتها علشانك، علشان ما أفتحش في جرحك من تاني.
رغم إني مش عارفة إيه اللي حصل عشان هويتنا تتبدل.
ورغم إني مش عارفة مين منصور البحراوي.
ورغم إني مش عارفة أنا مش فاكرة ليه.
بس للأسف انت اكتشفت كل حاجة خلاص.
يعني ماكنتش صدفة أسئلتك عن إحنا شبه مين؟ وعن أهل ماما عايشين فين؟ ولا كانت صدفة الأسماء اللي كنتِ بتقولي إنك نفسك تسمي بيها ولادنا.
ابتسمت بهدوء وقلت له:
ماكنتش صدفة، كنت بحاول أثبت لنفسي إن دي مجرد شكوك.
بس ردود أفعالكم أثبتتلي العكس ولذلك رحت للشيخ نوح.
ياه الشيخ نوح!! تتخيلي ما شوفتش الشيخ نوح ده من ساعة ما خرجت بيكِ من الحارة من عشرين سنة فاتوا..!!
هو ينفع أسألك انت خرجت ليه؟
أخذ نفس طويل وخرجه في تنهيدة أطول، ضمّني ليه أكتر ورد على سؤالي اللي قلته باندفاع بنبرة كلها وجع وعذاب:
ما كنتش عايزك تواجهي نفس مصير نور.
ما كانش باقي لي غيرك، وما كنتش مستعد أخسرك انت كمان، انتِ وصية ماما الله يرحمها ليا وعلشان أنفذ وصيتها وأحافظ عليكي مستعد أدفع دمي التمن.
الكابوس اللي كنت بصارعه كل ليلة.
القلق اللي كنت بعيشه في كل لحظة.
الخوف اللي كان متمكن مني من وقت ما ماما ماتت.
هو رجوع صالح درويش تاني.
مكنتش آخر مرة شفته فيها اللي كانت قبل ما يغمى عليّا وأنا في حضن ماما.
تفاصيل اليوم ده عمرها ما هتتمحي من دماغي، وهو بيضربني بالماسورة الحديد في رجلي بكل قسوة، كنت بموت قصاد عينه، كنت بعيط وبقوله كفاية، ماما كانت بتصوت وبتحاول تاخد عني الضرب بس هو كان مصر.
كإنه كان في نيته يعجزني.
كل مرة أسند فيها على العكاز أفتكر اليوم ده وأتوجع، كإن اليوم ده كان إمبارح، كل مرة أحاول أدوس عليها وأفشل أتعذب كإنّي لسه متعجز إمبارح.
شُفته مرة كمان، بس المرة دي كانت غير كل مرة، ودي بقى كانت آخر مرة، واللي بسببها خرجت من الحارة نهائي.
كان عدى أربع سنين من بعد موت ماما، كنت بحلم فيهم وأنا صاحي بكابوس رجوعه، كنت مجهز نفسي كويس أوي لو رجع أنا هعمل إيه، كنت ناوي على موته.
كنت ناوي أقتله بإيدي زي ما قتل ماما ونور وده كان هيكون أقل عقاب ليه.
رجع.
بس رجع تعبان ومتبهدل وحزين واللي يصدمك بقى رجع ندمان.
يومها بليل كنتِ نايمة في حضني زي ما متعود من وقت موت ماما ونور علشان كنتِ بتفوقي على كوابيس كتير، وأول ما سمعت البوابة الحديد بتتفتح فتحت عيني برعب، وفي ثانية كنت قايم من مكاني وخارج من الأوضة وقفتلت ورايا بالمفتاح، دخلت المطبخ أستخبى فيه وسحبت سكينة وخبّيتها ورا ضهري علشان أول ما يخطّي لجوه أغرسها في قلبه بإيدي.
سمعت باب الشقة بيتفتح بهدوء، سيبته لما دخل خطوتين لجوه وجيت من وراه، حاولت أخرج السكينة من ورا ضهري علشان أقتله ما قدرتش.
اتكتفت.
اتكتفت زي ما اتكتفتي بالظبط وماعرفتيش تغرسي فيه السم.
كإن تربية فيروز عائق ل انتقامي ول خطتي اللي فضلت ليالي بدرب نفسي في بالي إزاي أنفذها، ما كنتش قادر أستحمل شعور العجز ده، ورميت السكينة فجأة من إيدي وأنا بعيط.
ادّاريت بصدمة وأول ما شافني قال لي بدموع:
رحيم.
حاول يجي يقرب عليّا، بس أنا رجعت في ثانيتها لورا وأنا بعكز على رجلي، لما أخد باله إني عزقت على رجلي سألني بنبرة صوته ملهوفة:
انتَ.. انتَ رجلك مالها؟
وقتها كنت بعيط، زعّقت فيه وقلت له:
وانتَ مالك؟ جاي هنا ليه تاني؟ عايز مني إيه بعد كل ده؟
عجزتني وقتلت أمي وأختي وأختي التانية بتعيش أسوأ أيام حياتها، مش كفاية كده؟ ولا جاي تكمل وتقتلني أنا وهي ما انت قتال قتلة ومش مستبعد منك حاجة.
رد. رد وقول لي جاي ليه.
نزل على رُكبه في الأرض، وطّى راسه لتحت ولمحت دموعه بتنزل، سمعته بيتكلم بصعوبة ويقول:
ماتوا؟ نور وفيروز ماتوا؟ ماتوا بسببي.
انت اتعجزت. أنا.. أنا اللي عملت كل ده؟
استحالة. أنا عملت فيكم كده.
مشيت ناحيته وبقيت مش خايف منه كنت مبسوط بكسرته دي، نزلت لمستواه في الأرض وخبطته في كتفه بإيدي وأنا بقوله بقوة رغم إني كنت بعيط:
أيوه انت اللي عملت كده. انت اللي قتلتهم وعجزتني يا صالح يا درويش.
وأقسم بدين الله مش هسمح لك. مش هسمح لك تقرب مني أنا أو ندى لآخر يوم في عمرك فاهم.
رفع عيونه فجأة ليّا، وقام من مكانه وهو بيقول بحيرة وبيتلفت يمين وشمال:
ندى. ندى فين؟ هي فين ندى.
عايز أشوفها بالله عليك، هي فين؟
أنا كنت خايف، كنت خايف ألا يأذيكي، ألا يكون بيمثل جو الانكسار والندم ده، علشان ياخدك مني أو علشان يعمل فيكي حاجة، اتأكدت إن المفتاح في جيبي، وفضلت أراقبه من بعيد وهو بيحاول يفتح باب الأوضة.
كان بيعيط وهو بينادي عليكي من ورا الباب وبيحاول يفتح، رجعلي تاني كنت لسه هبعد عنه لقيته نزل على الأرض وحاول يبوس رجلي، رجعت خطوة لورا بسرعة فوقعت في الأرض، كنت بعيط وهو بيعيط ولأول مرة هو اللي يترجاني مش العكس.
أبوس رجلك يا ابني، أبوس رجلك، هشوفها مرة واحدة بس.
هشوفها وآخدها في حضني مرة واحدة، مرة واحدة ومش هتشوف وشي تاني.
أبوس رجلك يا رحيم، ندى الوحيدة اللي بتحسسني إن ينفع حد يحبني، محتاج أحضنها، محتاج أشبع منها وأصبر نفسي على عمري من غيرها.
كنت هضعف قصاد كسرته ودموعه دي كلها.
كنت هضعف قصاده وهو بيترجاني.
كنت هضعف وأطلع المفتاح من جيبي، بس في اللحظة الأخيرة وما أعرفش. ما أعرفش عملت كده إزاي والله.
إيدي قبضت على السكينة اللي وقعت منّي أول ما جه، كنت واقع في الأرض وهي ورايا، مسكتها وعلى غفلة منه وهو بيعيط وبيترجاني مسكتها وغرزتها في كتفه.
وأنا بغرس السكينة فيه، ماكنتش شايف حالته دي لأ، كنت شايفه وهو بجبروته بيضرب أمي كل يوم والتاني.
كنت شايفه وهو بيضربني بقساوة، كنت شايف نور وأنا بدفنها، كنت شايف ماما وهي في فرشتها بتودع.
عيني ماكنتش قادرة تشوفه وهو ندمان ومكسور أبدًا.
أول ما صرخ من الوجع، سمعت صريخك من ورا الباب بتعيطي وبتنادي عليا وبتجربي تفتحي الباب المقفول.
كنت مرعوب عليكي، ومرعوب منه، ومرعوب أكتر من اللي عملته.
قمت من مكاني جري وأنا بعيط أكتر ومش عارف حتى أمشي على رجلي السليمة، كنت بهز راسي يمين وشمال مش مصدق إني عملت كده.
هو حاول يقوم وهو بيبص لي من غير تصديق إني أنا فعلاً عملت فيه كده.
لاقيت نفسي بصرخ وأنا مغطي وشي بإيديا الاتنين من منظر الدم اللي غرق قميصه وبقول له:
اطلع بره، امشي بالله عليك، امشي بعيد عن هنا.
أنا خايف. لأ أنا مرعوب. أنا مش عارف أنا عملت كده إزاي.
ندى بتصرخ بالله عليك امشي. امشي بعيد عن هنا. بالله عليك.
وقف عند باب الشقة وقال بنفس نبرة صوته المكسورة الحزينة من ساعة ما جه بس كان بينهج وباين عليه التعب جامد:
أنا همشي.
همشي ومش هتشوفني تاني صدقني.
بس مش عايز منك غير إنك تسامحني أرجوك.
أول ما خرج من باب الشقة، أنا بصيت للسكينة اللي في الأرض والدم اللي عليها وعلى الأرضية وأنا هموت من الرعب.
ومرعوب أكتر حد يسمع صوت صريخك يجي على البيت يشوف المنظر ده.
إيدي كانت بترتعش وشفايفي وجسمي كله وأنا بمسح الأرض بفوطة، وبغسل الفوطة والسكينة أنضفها من الدم، وبعد خمس دقايق كنت فاتح باب الأوضة بتاعك وواخدك في حضني وبقينا نعيط إحنا الاتنين.
كنت مدمر يا ندى. مدمر تمامًا، أنا إزاي قلبي طاوعني وغرزت السكينة فيه.
خفت ألا يرجع تاني، أنا كنت لسه مش مصدق إنه ندمان بجد. مش مصدق إنه اتغير.
أول ما نمتي في حضني، لميت كل حاجة تخصك وتخصني في شنطة وأخدت معاهم شوية حاجات لماما ونور، غيرت هدومي وخليتك تغيري، ماكنتش عارف أنا رايح فين أو ناوي على إيه، كل اللي كنت عارفه إن صالح درويش ممكن يرجع تاني في أي لحظة. وأنا خايف من اللحظة دي.
قفلت الأنوار، ووقفت نفس وقفة ماما عند الباب وهي بتودع البيت، كنت حاسس إننا مش هنرجع تاني.
كان على عيني أسيب البيت رغم إن ليا ذكريات مرة فيه، بس ذكرياتي الحلوة معاكم كانت كلها فيه.
شدّيت باب البيت قفلته و دموعي بتنزل ومش عارف أرد على سؤالك وانتِ بتقولي إحنا رايحين فين.
خرجت من الحارة وفضلت ماشي بيكِ وبالشنطة لحد الصبح، تعبت وانتِ كنتِ تعبتي، قعدت بيكِ على الرصيف ومش عارف أفكر.
ماكنش معايا فلوس غير الفلوس اللي كنت بحوشها وكانت تعتبر شوية ملاليم، افتكرت ماما لما كنا هنهرب من الحارة زمان وكانت قايلالي إننا هنركب قطر لأسيوط وهناك هنسأل على خالها، هي كانت موصياني وهي بتموت أسيب الحارة أساسًا، بس أنا كنت خايف. كنت خايف من الحارة بس في نفس الوقت كنت خايف لو سبتها أتوه ومأعرفش أرجع تاني.
أخدتك ووصلنا لأقرب محطة قطر، سألت على تذاكر لأسيوط ما لقيتش قطر طالع لأسيوط الوقت ده، القطر اللي هيتحرك لأسيوط هيكون كمان ست ساعات.
أخدتك وقعدت على رصيف المحطة، كنت بعيط من قلة الحيلة، انتِ نمتي في حضني، وأنا كنت بقاوم علشان ما أغمضش لحد ما نركب القطر.
ركبنا القطر وساعتها نمت أنا وإنتِ فيه لحد ما وصلنا، لما وصلنا أنا كنت عامل زي اللي بيدور على إبرة في كوم قش.
مش عارف عن الراجل اللي بدور عليه غير اسمه.
لفيت ولفيت وما عرفتش أوصل لحاجة، كنت بسأل أي شخص بيعدي من قصادي عن الاسم ده، سألت في المحلات والمطاعم وأي مكان يقابلني ومافيش أي فايدة.
انتِ كنتِ تعبتي وجبتي آخرك خلاص وبتعيطي من التعب والجوع.
كنت ببص لدموعك وتعبك وأنا ماسك دموعي بالعافية وللحظة الرعب دب في قلبي أول ما خطر في بالي سؤال.
هعمل إيه لو ما عرفتش أوصل لخال ماما.
الفلوس اللي معايا ما ترجعنيش القاهرة.
الفلوس اللي معايا ما تعملش أي حاجة غير إنها تجيب ساندوتش لكل واحد فينا.
رحت جبت لكل واحد فينا ساندوتش وقعدنا على الرصيف في الطريق ناكل، كنت بتمنى لو أرجع تاني الحارة.
على الأقل لو حصلي حاجة هناك انتِ هيكون معاكِ ناس تعرفك تحافظ عليكي، إنما هنا لو حصلي حاجة مكنتش عارف أتخيل مصيرك هيكون إيه.
سيبتك تكملي أكلك وحطيت الشنطة جنبك وجريت على راجل كان ماسك جُرنال بيقرأ فيه وهو ماشي على جنب الطريق، قلت جايز يكون عارف حاجة، كنت واقف بسأله وهو كان متجاوب معايا وبيحاول يساعدني.
ادّرت وأنا مبتسم لإنه قالي على مكان هروحه وهناك هقدر أوصل لخال ماما بسهولة، بس أول ما شفتك وانتِ بتجري على عربية الجيلاتي اللي على جنب الطريق من الناحية التانية، ابتسامتي اتمسحت وحل مكانها الرعب والقلق، صرخت باسمك وأنا شايف عربية مش واخدة بالها منك بتخبطك.
جريت عليكِ وأنا بعيط وبفوق فيكِ، اترجيتك كتير تفوقي وما تقلقنيش عليكي، بس انتِ كنتِ بتنزفي دم من راسك بطريقة صعبة، وعيونك مغمضة، الناس كانت ملمومة علينا، صاحب العربية أخدنا للمستشفى، وهناك الدكتور قال إن حصلك ارتجاج في المخ نتيجة للغبطة.
لما سمعت كده انهارت، كنت عارف ومتأكد بنسبة مية في المية إنك هتروحي من إيدي.
بقيت بعيط وأنا جنبك وأنا حاسس إني ما أفرقش حاجة عن صالح درويش، هو السبب في موت ماما ونور وأنا هكون السبب في موتك.
نفس الطريقة اللي ماما ونور ماتوا بيها. كنتِ انتِ هتموتي بيها. وأنا. أنا كان عمري ما هسامح نفسي إني ما قدرتش أنفذ وصية ماما وأحافظ عليكي.
عدى يومين وانتِ لسه في المستشفى ما فوقتيش، خلال اليومين دول صاحب العربية كان دايماً يجي يطمّن عليكي وكان متكفل بمصاريف المستشفى لحد ما تفوقي، وأنا كنت بات معاكِ وخايف أسيبك.
لما قلت له إن شنطة هدومنا في الشارع اللي خبطك فيه وإني محتاجها، سألني أنا بعمل إيه هنا بيكِ وبشنطة الهدوم.
لاقيت نفسي بحكيله كل حاجة حصلت معايا في حياتي، من جواز ماما وحياتها مع صالح درويش لهروبها منه وموتها، لهروبي أنا وانتِ منه على أسيوط، كإن ما صدقت حد يسمع اللي جوايا، كإن الحمل اللي شايله عايز حد يساعدني فيه مش شرط يشيل معايا ممكن يسمعني بس ده كان هيخفف عني.
كان متأثر جدًا جدًا باللي حكيتهوله وكان بيبص لي بعطف وهو شايف دموعي بتنزل وأنا بحكي، سألني عن اسم خال ماما اللي أنا كنت جايله وقالي هيساعدني مش هيسيبني أنا وانتِ غير لما نوصل له، وأول ما نطقت الاسم قام وقف من مكانه بصدمة وهو بيقول بعيون مفتحة على آخرها:
فيروز! أنتم ولاد فيروز.
هزيت راسي باستغراب وسألته:
أيوه، انت تعرفها؟
أنا منصور البحراوي. ابن خال فيروز.
ابتسمت وأنا مش مصدق، مسحت دموعي وأنا بسأله تاني بتأكيد:
بجد؟ انت ابن خال ماما؟ بس إزاي وماما كانت بتقول إن خالها ما عندوش غير ابن واحد بره مصر.
أنا فعلاً كنت بره مصر ولسه راجع من أسبوع، وأول مرة كنت أنزل فيها أسيوط يوم ما خبطت ندى بالعربية.
بقالي سنين وسنين ما أعرفش حاجة عن فيروز، كان نفسي لما أعرف عنها أخبار تكون أحسن من كده.
بس. بس أوعدك أول ما ندى تفوق هاخدك انت وهي لبابا هيفرح بوجودكم جدا جدا.
لولا تدابير ربنا، كان زمانا مشردين، يشاء ربنا العربية تخبطك علشان يطلع صاحبها ابن الراجل اللي جاي أسيوط بدور على أي خيط يوصلني بيه.
اليوم ده بليل قبل ما هو يمشي الدكتور بلغنا إنك فوقتي، دخلت وحضنتك وأنا مبسوط إنك بقيتي كويسة بس الصدمة كانت لما انتِ اتخضيتي وبعدتي عني وما كنتيش عارفاني.
هنا أنا ما كنتش مستوعب إيه؟ كل ما أقرب منك وأقول لك أنا أخوكِ وأحاول أهديكي تصرخي وتبعدي عني، الدكتور دخل وقال إنك للأسف فقدتي الذاكرة نتيجة للارتجاج اللي حصل في مخك، قال ممكن تفقديها يوم اتنين تلاتة وممكن العمر كله، وعدى عشرين سنة وانتِ لسه فاقداها أهو.
اللي حصل بعد كده هو اللي قلب موازين حياتنا، منصور البحراوي كان الشخص اللي ربنا مسخره يقف في ضهرنا ويكون سند لينا، هو اللي يستحق عن جدارة إنه يكون أبونا، هو الوحيد اللي يستحق لقب بابا بجد.
أخدنا يومها عنده البيت، كنتِ انتِ نايمة بسبب حقنة المهدئ، وأنا كنت مصدوم من فكرة إنك فقدتي الذاكرة ونسيتيني، حسيت إني لوحدي تمامًا.
هناك قابلت خال ماما، جدو عبد العزيز، ولما اتعاملت معاه عرفت ماما جايبة الحنية دي كلها منين.
مكنش بيحب يقولك يا ندى، كان دايماً يقولك يا شيما على اسم أخته اللي هي مامة ماما لإنك شبهها أوي.
عيشت أنا وانتِ شهر كان من أجمل أيام حياتنا، منصور البحراوي عاملنا على إننا عياله بجد، وانتِ كنتي بتقوليله بابا أنا ممانعتش بالعكس اتمنيت لو ده كان أبونا الحقيقي.
لحد ما ربنا حققلي أمنيتي، وأجازته في أسيوط خلصت، وكان لازم ينزل القاهرة، جدو طلب منه ياخدنا معاه وقاله إننا مسؤوليته، وإننا الحاجة الوحيدة اللي هيوصيه عليها، وطلب منه يحافظ علينا بقدر حبه لفيروز.
بس أنا كان عندي حسابات تانية كتير وكنت قلقان وخايف.
أنا هربان من صالح درويش في القاهرة هستفاد إيه إني أرجع له برجليا.
لما ناقشت جدو في كده وقلت له نفضل هنا في أسيوط رفض وقال إنه كبير في السن ومش عارف هيعيش لينا لحد امتى، وإن الوحيد اللي هيعرف ياخد باله مننا ويحافظ علينا هو منصور البحراوي، ده غير إننا مش هنفضل نهرب من صالح درويش طول عمرنا.
لما جينا هنا كان عايز يقدملنا في مدرسة وأنا كنت متردد خايف وخصوصا عليكي، خايف يتعرض لك في أي وقت وانتِ مش فاكرة حاجة عنه.
ساعتها بابا اقترح عليا الحل اللي ريحني وشال كل الهموم من على كتفي، الحل اللي طبطب على قلبي وحسسني إن خلاص أنا هقدر أدفن الماضي بكل جروحه وأعيش حياة طبيعية.
اقترح عليا إنه ينقل أسمائنا لاسمه، بحيث لو حتى هو حاول يتعرض لنا هيقدر يحمينا منه لأنه هيطلع لنا شهادات ميلاد جديدة يكون هو فيها اللي أبونا، يعني عمره ما يقدر يأذينا.
أنا وافقت وكنت مبسوط، شبح صالح درويش هيختفي من حياتي، وفعلاً تاني يوم بابا بحكم إنه محامي وإنه دارس قانون بره مصر واشتغل فترة بره كان له علاقات كتير، قدر ببساطة يطلع لنا شهادتين ميلاد جداد كان اسمنا فيهم كالتالي.
عبد الرحمن منصور البحراوي.
شيماء منصور البحراوي.
كتبك شيماء على اسم تيتا لإنك سبحان الله زي ما بيقولوا انتِ صورة من ماما الله يرحمها اللي كانت صورة من تيتا.
وكتبني عبد الرحمن علشان تكون أسمائنا الجديدة بعيدة تمامًا عن أسمائنا الحقيقية، وساعتها اتفقت معاه يساعدني ما نرجعش الماضي بأي طريقة كانت.
يعني انتِ لما تكبري مش هنقول إنه مش أبوكِ الحقيقي نهائي، ولا هنقول إنك اسمك ندى، ولا هنقول إن أنا حتى رحيم، إحنا هنعيش زي ما مكتوب في شهادات الميلاد الجديدة بالظبط، وهنحاول ما تفتكريش أي لحظة من اللي فات.
وده اللي حصل يا ستي، انتِ كنتِ عارفة إن اسمك شيما أساسًا لإن من وقت ما فوقتي ورحنا بيت جدو عبد العزيز وهو وبابا بيقولولك كده، وبدأت أحفظك إني اسمي عبد الرحمن، وساعدني في ده فكرة إنك مش فاكرة أي حاجة عن الماضي فَـ استوعبتي بسرعة وبقت بالنسبالك دي الحقيقة.
أما بقى يا ستي، ماما حنان اللي عاشت معانا ست سنين وماتت، دي انتِ عارفة قصتها من بابا نفسه لما سافر قنا واتجوزها، كانت حنينة زي ماما الله يرحمها وكانت بتحبنا جدا ورغم إنها كانت عارفة الحقيقة كلها، إلا إنها خبّت عن أهلها، وأي حد يسألها علينا تقول إننا عياله من مراته الأولى اللي ماتت، بابا اتجوزها بعد حوالي شهر وشوية أيام لما جينا هنا، وانتِ لما سألتى عليها هي بنفسها قالتلك إن هي ماماتك وكنت مسافرة فترة عند أهلها بعيد علشان كده ما كنتيش موجودة جنبك.
رغم إني كنت زعلان علشان مش قادر أعرفك إن فيروز هي مامتك الحقيقية، بس كنت مبسوط إني قدرت أنفذ وصيتها وخليتك تعيشي في حياة هادية مليانة حب وحنية.
كنت مبسوط بيكِ وبالرحمة اللي قدرت أزرعها في قلبك زي ما ماما زرعتها فيا.
تعرفي إن مر عشرين سنة على الأحداث دي، ورغم كل السنين اللي فاتت أنا عايش حاطط إيدي على قلبي.
خايف ألا بعد كل اللي عملته ده، يجي اليوم اللي تشوفي فيه صالح درويش من تاني ويأذيكي.
وأهو حصل فعلاً وكل المجهود اللي بذلته طول حياتي علشان أمنع ده يحصل اتبخر في الهوا، اتبخر وأنا شايفك منهارة قصادي لما اكتشفتي الحقيقة.
مع آخر جملة نطقها عبد الرحمن انفجر في العياط، كنت بعيط أثناء ما هو بيحكي وأول ما خلص وتيرة عياطي زادت، واتشبثت في حضنه أكتر.
كنت حاسة بحاجات كتير جوايا متضاربة مع بعضها، كنت لسه هتكلم من وسط دموعي، بس موبايل عبد الرحمن رن، اتنحنح ومسح دموعه، شدني ليه أكتر ورد على الموبايل بقلق:
ألو أيوه يا آنسة سجدة في إيه خير.
سمعت صوتها من الموبايل بتعيط بصوت مكتوم وبتتكلم بهمس بتقول:
الحقني يا رحيم، أبوس إيدك الحقني، مصيبة. هروح في ستين داهية، تعالى المستشفى بسرعة.
في إيه يا سجدة عندك؟ أنتم كويسين.
لأ لأ مش كويسين بسرعة يا رحيم بالله عليك بسرعة.
كان لسه عبد الرحمن هيرد، سمع صوت صرخة سجدة ومن بعدها الخط قطع والصوت اختفى.
رواية حجر ينبض الفصل السادس عشر 16 - بقلم فريحة خالد
- في إيه يا عبد الرحمن؟
- مش عارف ، أنا لازم أمشي بسرعة دلوقتي علشان الظاهر في كارثة هتحصل!
- طب انتَ رايح فين ، وِ مين البنت اللي كلّمتك دي؟!
- لمّا أرجع هفهمّك.
- طيب يبقى طمّني عليك أرجوك.
- حاضر مع السّلامة.
أوّل ما الخط قطع ، عبد الرحمن اتحرّك بربكة وِ مشىٰ ، كُنت قلقانة عليه ، أنا سمعته بيقول اسم سجدة فَـ جه في بالي وقتها سجدة بنت السّت اللي الشّيخ نُوح قالّي إنها كانت صاحبة ماما ، وِ رجعت بعدت الفكرة عن راسي بسُرعة أصل مش معقول مفيش سجدة غيرها في الدّنيا يعني!
معدّاش ثواني وِ لاقيت مُخّي بينبّهني إني سمعتها بتقول يا رحيم!!
معقول؟ معقول دي سجدة!! طب إيه علاقتها بِـ عبد الرحمن!!
ومُصيبة إيه اللي هيّ فيها وِ بتستغيث بيه!!
رجعت راسي لِـ ورىٰ وأنا حاسّة إن كُتر التفكير هيفجّر راسي ، سرحت في حياتي من أسبُوع.. أسبوع بس!!
كانت كل حاجة طبيعية وِ مُريحة!
دخلت أوضتي وِ مسكت ورقة وقلم وقعدت أرسم وأنا على السرير ، مُجرّد رسمة عشوائية أطلّع فيها ال لغبطة وِ الحيرة اللي جُوّايا.
.........
دخل عبد الرحمن المُستشفىٰ بتوتّر ، خبّط على باب أوضة سُميّة وِ دخل قبل ما يسمع رد ، أول ما دخل عينه وقعت على سجدة وهيّ في حُضن مامتها بتصرّخ وفي حد بيحاول يسحبها وهوّ بيزعّق ، وِ سُميّة بتعيّط في السّرير وهيّ مش قادرة تتحرّك وبتترجاه يبعد عن أختها..
اتحرّك عبد الرحمن في ثواني ، مسك إيده اللي كان بيحاول يسحب بيها سجدة وِ وقف حائل بينه وبينها هيّ ومامتها ، قال بنبرة هادية :
- إنتَ مين وعايز إيه منها؟!
- إنتَ اللي مين وبتعمل إيه هنا !
- أوّلا صُوتك ما يعلاش بالطّريقة دي إحنا في مُستشفىٰ ولو حد من اللي برّه سمع صوتك هتلاقي نفسك طالع من هنا بالكلبشات ، ثانيًا وده الأهم جاوب على السؤال بإجابة مش بسؤال تاني ، وقولي إنتَ مين وعايز إيه منها؟!!
- أنا هبقى جُوزها قول إن شاء الله ، وسّع كده بقى من سكّتي وخلّيني آخدها علشان انتَ واحِد عاجز ومش عايز أقّل منك وِ أعملها معاك.
الشاب كان بيتكلّم بِـ بجاحة ، عبد الرحمن بصّله من سُكات وِ ساب إيده ، ادّير لِـ سجدة اللي كانت واقفة في ضهره في حضن مامتها بيعيّطوا همّا الاتنين وسألها بهدوء :
- الكلام ده حقيقي؟!
هزت راسها بالنّفي وقالتله بخوف :
- ما حصلش واللّه ما حصل ولا هيحصل ، على جثّتي يا إيهاب!! على جُثتي أكون مراتك ولو لِـ دقيقة واحدة إنتَ فاهم!!
عبد الرحمن رجع بصله تاني وقاله برفعة حاجب ونفس الهدوء :
- سمعت؟ قالتلك ما حصلش ولا هيحصل ياريت تتّكل على الله من هنا بقى علشان دي أوضة مريضة زي ما إنتَ شايف كده وِ وجودك عامل إزعاج في المكان ده غير إنه مش مرحب بيك.
جز إيهاب على سنانه و بصلهم بغل وهوّ بيقول :
- زي ما أخويا كان السبب في رقدة أختك كده ومابقتش تنفع لا لِـحياة ولا لِـمُوت ، أنا هكون السبب في رقدتك في السرير برضُه يا سجدة..
وديني وما أعبد لأحسّرك على شبابك وِ أخلّيكِ تتمنّي أبص في وشّك وِ أنا اللي هكون قرفان منّك ، ويبقى خلّي العاجز اللي اتحاميتي فيه ده ينفعك.
عبد الرحمن كان محافظ على هدوئه ، حط إيديه الاتنين في جيبه وقاله :
- قُلت الكلمتين اللي عندك وخلاص عملت نفسك خوّفتنا؟
يلا بقى من هنا.
بعد ما خرج إيهاب من الأوضة ، بص عبد الرحمن لِسجدة و لمامتها وقالهم :
- هوّ ده أخو مُحسن جوز مدام سميّة؟!
ردّت أم سُميّة وقالت بِـ دُموع :
- أيوة هوّ ، وِ كان.. كان متقدّم لسجدة بس أنا كنت مأجّلة أي حاجة لحد ما أبوهم يرجع من السّفر ويعرف.
- واضِح إنه بيشرب هوّ كمان زي أخوه ، إزاي حضرتك ما أخدتيش بالك؟
- أصل.. أصل ماكنش باين عليه حاجة أوي.
بعدت سجدة عن مامتها و ردّت عليها باندفاع وهيّ بتقول :
- لا كان باين يا ماما ، كان باين بس انتِ ما كنتيش شايفة غير إن شغله ومركزه وفلوسه كويسين ، وكنتِ مستنيّة على أحر من الجمر بابا يرجع علشان تجوّزيني ليه وِ طظ فيا أنا.
اتنحنح عبد الرحمن بإحراج لما سمع رد سجدة وقال :
- أنا آسف لو سألت في حاجة ماتخصّنيش ، عُمومًا أنا بكرة الصّبح على طول هرفع القضيّة لمدام سُميّة ، ولو تحبّي يا آنسة سجدة ممكن تعملي محضر بعدم تعرّض إيهاب ليكِ.
- أكيد هعمل كده ، شكرا بجد.
- الشكر لله تحت أمرك ، عن إذنكم.
اتحرّك عبد الرحمن وخرج من الأوضة ، مسحت سجدة دموعها بسرعة وخرجت وراه ، نادِت عليه فَـ وقف في مكانه وادّيرلها :
- نعم يا آنسة سجدة؟
- أنا آسفة لو أزعجتك بس أنا مجاش في بالي حد غيرك أول ما اتهجّم على الأوضة ، هوّ كان شارب زي ما شفته كده ومش في وعيه وأنا كنت مرعوبة ألا ياخُدني بجد ويعمل فيا حاجة.
- مفيش إزعاج أبدًا المهم إنك بخير وماحصلّكيش حاجة.
ردّت سجدة بابتسامة سعيدة :
- شُكرا مرّة تانية.
رد عبد الرحمن على ابتسامتها بابتسامة هادية ورد على كلامها وقال :
- الشكر لله ، ما تتردديش تكلّميني لو كُنتم محتاجين أي حاجة ، عن إذنك.
مشى عبد الرحمن وِ رجعت سجدة لِـ أوضة سميّة ، قعدت على الكُرسي جنب سريرها وقالتلها بابتسامة :
- الرّعب اللي عيشته أوّل ما إيهاب الحيوان دخل الأوضة اتبدّل في ثواني لفرحة وآمان أول ما شفت رحيم يا سُميّة!
ردّت سُميّة بابتسامة مُتخلّلها التعب :
- ربنا يسعدك يا قلب أختك وتعيشي حياة كلها آمان وفرحة مع اللي قلبك يتمنّاه.
- ويسعدك انتِ كمان يا سُوما وتقومي بالسّلامة لينا يارب.
بصّت سجدة بطرف عينها على مامتها لاقيتها قاعدة على كرسي على جنب السرير من النّاحية التّانية ومش بتتكلّم ، قالتلها بسُخريّة :
- طلع معاكِ حق يا ماما ، وِ إيهاب عريس لُقطة فعلا!!
.......
- شيماء.. شيماء انتِ صاحية؟!
- أيوة يا بابا أنا صاحية ، اتفضّل.
- إيه اللي مصحيّكِ لِـ بعد الفجر يا جميل؟
- كُنت برسِم شويّة.
دخل وقفل الأوضة وراه ، كنت مُبتسمة لِـفكرة إنه مش غريب عليّا ، وينفع أحضنه وأقعد قُصاده بشعري عادي!
كنت حزينة وناعية الهم وحاسّة بقيود تمنعني عنّه لما اكتشفت إنه مش أبويا وإنه غريب عليّا ، بس دلوقتي أنا أكتر من سعيدة!
قعد جنبي على السّرير وهوّ بيقول :
- اممم انتِ مش بترسمي غير لو مضّايقة وفيه حاجة شاغلة تفكيرك ، وِ حالتك النهاردة كانت مش حلوة وكنتِ تعبانة ، مش عايزة تحكيلي إيه مزعّلك وِ مغيّر حالك كده؟
اتنّهدت وحضنته وأنا بقوله بحُب حقيقي :
- زي ما قلتلك يا حبيبي والله حالة في الشغل مضايقاني شويّة ، بس طول ما إنتَ وعبد الرحمن جنبي أنا هكون في أحسن حال!
حضنّي هوّ كمان وقبل ما يتكلّم موبايلي رن فَـ قال :
- خير اللهم اجعله خير ، مين بيرن دلوقتي؟
- ده عبد الرحمن يا بابا.
ما لحقش يرد عليا ، لإني فتحت الموبايل بلهفة ورديت :
- أيوة يا عبد الرحمن ، إنتَ بخير؟
- الحمد لله يا شيما ما تقلقيش أنا في الطريق وجاي أهو.
- الحمد لله ، رنيت عليك كتير على فكرة وانتَ ما ردّيتش.
- كنت سايب موبايلي في العربية والله.
- طيب ماشي يا حبيبي تيجي بالسلامة.
- الله يسلمك يا حبيبتي.
أول ما قفلت مع عبد الرحمن ، بابا سألني وهوّ مكشّر :
- هوّ عبد الرحمن خرج تاني؟
- آه من حوالي ساعة كده ، جاتله مُكالمة مُهمّة ومشىٰ علىٰ طول.
- غريبة! دي تاني مرّة يطلع وما يقولّيش ، أنا مش متعوّد إن عبد الرحمن يُخرج من غير ما يعرّفني!
- هوّ بس كان مستعجل ، أصل أنا كنت قاعدة في البلكونة برّه ، ولاقيته هو كمان جاي يقعد مكنش جايلّه نوم ، فَـ وإحنا قاعدين موبايله رن ، وقالي مشوار مهم هقضيه وأرجع على طول ، زمانه ما حبّش يقلقك بس.
- حالك انتِ واخوكِ اتقلب في ليلة وبقيت مش عارف أفكر من قلقي عليكم يا شيماء!!
- ما تشغلش بالك يا بابا والله إحنا بخير ، وِ أكيد عبد الرحمن الصّبح هيحكيلك كل حاجة.
- ماشي يا شيما ، نامي انتِ بقى علشان تقدري تصحي تروحي شغلك.
- حاضر.
سابني وِ خرج من الأوضة ، الخُوف كله من رد فعل بابا لما يعرف إني عرفت كل حاجة!
سمعت صُوت عبد الرحمن جه برّه في الصّالة ، فَـ كنت لسّه هخرج بس سمعت بابا بيتكلّم معاه بحدّة :
- كُنت فين يا عبد الرحمن؟
- كنت في مشوار مهم يا بابا ، إنتَ صاحي بدري كده ليه؟
- لأ أنا ما نمتش أساسًا يا أستاذ!!
- ليه كده يا بابا إنتَ كويّس؟
- كويّس إزاي وأنا شايفك إنتَ وِ أختك في الحالة دي ومش عارف فيكم إيه!!
- طيّب ممكن حضرتك تروح ترتاح ، وبكرة أوعدك هقعد معاك وأحكيلك كل حاجة ، لإني والله محتاج أرتاح ولو ساعة بس قبل ما أروح شغلي بكرة.
- ماشي يا عبد الرحمن ، اتفضّل.
استنّيت لما سمعت بابا أوضة بابا وهو بيتقفل ، ورحت أوضة عبد الرحمن ، خبطت ودخلت وأنا بقول بهمس :
- ينفع أسأل سُؤال؟
ضحك وقال :
- اسألي علشان هموت وأنام.
- بعد الشر عليك ما تقولش كده ، أنا بس كنت عايزة أعرف هيّ البنت اللي كنت بتكلمها قبل ما تنزل دي سجدة بنت طنط هناء اللي كانت صاحبة ماما الله يرحمها؟
- وانتِ عرفتيهم منين؟
- ما الشّيخ نوح كان حاكيلي كل حاجة عنهم ، وانتَ لما موبايلك رن سمعتك بتقولها يا سجدة ، وهيّ قالتلك يا رحيم فَـ شكّيت.
- أيوة يا ستّي هيّ ، مش هتصدّقي شُفتها إزاي!!
- إزاي؟
حكالي عبد الرحمن كُل حاجة من أوّل ما راحتله المكتب علشان يكون محامي سُميّة لحد ما جه من عندها دلوقتي بعد ما مشّى أخو جوزها من عندهم ، عيوني كانت مدمّعة وهوّ بيحكي و قلتله بأسف :
- ده الظّاهر بقىٰ فيه نُسخ كتير من فيروز.
- وِ نُسخ أكتر من صَـالِـح دروِيش!
- عبد الرّحمن هوّ إنتَ ناوي على إيه معاه؟
مدد على السرير ، وحط إيده الشمال تحت راسه ، بصلي وهوّ بيقول :
- ناوي على إيه في إيه؟
- يعني هتعمل معاه إيه بعد ما عرفت إنه عايش وإنه موجود في المُستشفىٰ؟
- ولا أي حاجة! صَـالِـح دروِيش وجوده زي عدم وجوده الاتنين سواء عندي ، هوّ ميّت بالنسبالي من زمان!
ميّت مع كل دمعة بكيتها أمّي بسببه..
ميّت مع كل دمعة نزلت من عيني وأنا بدفن أختي وِ أمي..
ميّت مع كل دمعة نزلت من عيني وأنا عاجِز ومش قادر أدوس على رجلي..
ميّت مع كل مرة حسّيت فيها بالضّعف وقلّة الحيلة وأنا
مش عارف أحدد مصيري ومصيرك إيه وإحنا لوحدنا ملناش حد!!
ميّت مع كل مرة حسيت فيها بالرّعب ألا يرجع ويأذي حد فينا..
بالله عليكِ يا شيماء مش عايز السّيرة دي تيجي ولو بالصّدفة قصادي..
بقالي سنين و سنين بحاول أتناسى كل جرح سببهولي صَـالِـح دروِيش!
أنا مش عايز لا أشوفه ولا أسمع سيرته تاني بعد النهاردة ، وانتِ كمان ما تقلقيش هوّ هيسيب المُستشفى وِ يمشي قبل ما تروحي بكرة شغلك ، وهنرجع لحياتنا الطبيعية كأنّ شيئا لم يكُن!
أنا عبد الرحمن وانتِ شيماء وِ إحنا الاتنين ملناش أب غير منصور البحراوي.
مشيت خطوتين لحد سريره ، قعدت على رُكبتي ابتسمتله وِ هوّ بادلني الابتسامة قُلتله بكل صِدق وِ حُب :
- أنا أخدت حظّي من الدّنيا كله فيك!
ربنا بيحبّني لدرجة إنه رزقني بأخ كان ليّا أب وِ أخ وِ صديق ، كُنت دايمًا في ضهري ، و دايمًا مُستعد تضحّي بروحك علشان خاطري!
استحملت كل حاجة حصلت لأجلي بس!!
عافرت وحاربت وماضعفتش أو استسلمت في مرة!
وعمرك.. عمرك ما حسستني بأي حاجة..
كلمة شكرا دي قليلة بجد ولو عيشت عمري كله أحاول أوفّي حقك عمري ما هقدر أوفي ولو جزء منّه بجد!
- أنا استحملت كل حاجة علشان أشوف ضحكتك مرسومة على وشّك ، ومستعد أعيش اللي عيشته زمان مية مرة قُصاد إنك تبقي سعيدة يا شيما.
انتِ الحاجة الحلوة اللي مخليّاني أكمل حياتي ، وابتسامتك عندي زي النّفس لو ما شوفتهاش أحس إني بتخنق و روحي هتطلع!
- بعد الشر ما تقولش كده قلتلك ، ربنا ما يحرمني منّك يا.. يا رحيم!
- ولا يحرمني منّك يا فيروز الصغيّرة.
ضحكت وحضنته وهوّ كذلك ، خرجت من أوضته لِـ أوضتي وأنا مش عارفة إذا كنت مستعدّة للي هيحصل بكرة ولا لأ ، وإذا كان اللي هعمله ده صح ولا لأ أساسًا !
.......
- صباح الخير يا عُديّ.
- صباح النّور يا شيما ، دكتور مُعتز هنا على فكرة وكان عايزك في مكتبه.
- طيب أنا هروحله أشوفه محتاج إيه.
- تمام.
كنت رايحة لِـ أوضة صَـالِـح دروِيش بس حوّلت وجهتي ورحت لمكتب دكتور معتز ، وِ أول ما وصلت عند مكتبه لاقيته بيخرج مِنُّه وبيقول :
- بنت حلال ، كنت لسه بدور عليكِ.
- آه ما عُديّ بلّغني إن حضرتك عايزني.
كان ماشي وأنا جنبه وهوّ بيقول :
- عايزك تقعدي مع صَـالِـح دروِيش ، هوّ بدأ ياكُل لحد ما بس لسه طبعا مش زي أي بني آدم طبيعي ، وبدأ يتحرّك بس لسّه جسمه مش بيقدر يمشي فترات طويلة هوّ محتاج رعاية كويّسة ، أنا بقى عايزك تقعدي معاه وتتكلّمي معاه وتساهريه ، تخففي عنه شويّة وتحاولي تفهمي منه بقى مين أهله ومين ندى وتخليه يحكيلك هوّ ليه مُصرّ يسيب المُستشفى ويخرج وهوّ لسه تعبان بالشّكل ده!
أنا واثق إن الراجل ده وراه حكاية ، محدش هيعرف يوصلها غيرك ، انتِ الوحيدة اللي الراجل ده مطمنلك ، انتِ الوحيدة اللي قلبه بيحس بوجودك لدرجة إنه فاق بسببك ، أنا عايز تقرير مُفصّل عن حالته النفسية بعد جلستك دلوقتي معاه ، مفهوم يا دكتورة شيماء؟
كان وصل بيّا لأوضة صَـالِـح دروِيش ، هزّيت راسي وأنا بقوله :
- مفهوم يا دكتور ، عن إذنك أنا هدخله دلوقتي.
- اتفضّلي.
سحبت نفس عميق وخرجته ، فتحت باب الأوضة ، دخلت وقفلتها ورايا ، كان نايم على السرير بس مفتّح عُيونه ، أوّل ما دخلت قالّي بلهفة :
- نَدىٰ!! انتِ.. انتِ بجد موجودة هنا؟
سحبت كرسي وِ قعدت قُصاده وأنا بضغط على نفسي وبقنعها إن ده شر ولابد منه ، ده الشيء الوحيد اللي هيريحني وهيخلّيني أكمّل حياتي عادي مع أخويا و أبويا بمنتهى السعادة ، دي آخر خطوة هعملها علشان أقفل صفحته مدى الحياة كإني مفتحتهاش ، اتكلمت بصعوبة وقُلت :
- سمعاك..
أنا هنا وهسمع أي حرف تقوله من أول ما تبدأ لحد ما تقولّي خلّصت..
قول اللي عندك يا صَـالِـح يا دروِيش.
"رواية حجر ينبض"
رواية حجر ينبض الفصل السابع عشر 17 - بقلم فريحة خالد
أنا صَـالِـح وِ مُعترِف تمامًا إنّي طَـالِـح وِ عُمري ما كُنت صَـالِـح أبدًا.
مُعترِف إني كُنت ابن عَاق ، وِ مش الابن اللي كان يتمنّاه أستاذ مُصطفىٰ دروِيش ناظر المدرسة ، ولا الابن اللي كانت أبلة همّت بتنام وتقوم تدعي ربّنا يرزقها بيه.
مُعترِف إني كنت زوج فاشل وأب أفشل!
مُعترِف إني عُمرِي ما كنت إنسان بِـ يحس وِ إن قلبي حَجر!
مُعترِف إني بني آدم فاسد ، وِ مُعترِف إني شيطان ، إبليس متجسّد على هيئة شخص!
وِ مُعترِف إني ما كنتش أستحق نِعمة زي فيروز.. وما كنتش أستحق نعمة زيّك انتِ وأخوكِ وأختك.. وما أستحقّش لا شفقة ولا عطف ولا حتّى السّماح.. ما أستحقّش الرحمة لإني ما رحمتش حد علشان أترِحِم.. الغيبوبة اللي سرقت من عُمري عشرين سنة أستحق أسوأ منها..
عارفة؟ لو النّار مسكت فيّا كلت جسمي وِ شوّهت خِلْـقِتي وِ خلّيتني أصرُخ بِـ علوّ الصوت وِ أنا بتحرق وِ بولع.. ما أستحقّش أصعب عليكِ لحد ما أموت متفحّم!
دُموعه نزلِـت ، أخد نفس عميق وِ هوّ بيتشنهف كمّل بصوت بيرجف:
بس يمكن أستحق إني أندم! طب انتِ عارفة إن ندمي ده جُزء من عقابي.. آه جزء من عقابي!
لما ندمت مابقيتش لا أنام بِـالليل ولا بِـالنّهار.. لما ندمت مابقيتش عارف أتحكّم في دمعتي ، وكل لحظة بتمر عيني بتبكي الدّم على كل السّوء اللي عملته في حياتي.. لما ندمت روحي بقت بتتعذّب العذاب الأليم على بيتي اللي خربته بِـ إيدي!
على مراتي اللي ماتت في عز شبابها بسببي!
على بنتي اللي ماتت بسبب رُعبها منّي!
قلبي بِـ يقيد فيه النّار ، بِـ يغلي غليان كُل ما أفتكر صرختها وِ الرّعب اللي اترسم في عيونها وهيّ بتجري تهرب منّي.. بدل ما أكون سندها و ضهرها ، كنت الشّيطان في حياتها وسبب رعبها وخوفها وسبب موتها وهيّ لسه بنت إمبارح.
على ابني! ابني اللي عجّزته بإيديا دول بدل ما أفديه بعنيّا وِ حياتي!
عليكِ ، وِ أنا بفتكر إن في مرّة من المرّات كنت أعمى ومش شايف وكنت هاخد شرفك بدل ما أنا اللي أحافظلك عليه!
بتحسّر على كل لحظة عدّت عليا في حياتي ، على أبويا وأمي اللي ماتوا وهما الاتنين مش راضيين عليا.. بتحسّر على نفسي وأنا بقيت في آخر عُمري وما عملتش حاجة أقابل بيها ربنا.. بتحسّر على كل نفس اتنفسته علشان أعيش وأنا خسارة فيا إني أعيش!
بس أتارِي المُوت رحمة ليّا ، وأنا مكتوبلي أعيش وِ أتعذّب عن كل الذنوب اللي عملتها في حياتي وأتمنّى لو عذابي ده يكفّرلي ذُنوبي.
أنا ما أنكرش إن أبويا و أمي حاولوا معايا علشان أكون بني آدم كويّس وإني أنا اللي كُنت متصوّر بغبائي إنهم بيحققوا أحلامهم فيّا..
سكت يِمسح دُموعه ، ابتسم بِـ سُخريّة وكمّل:
كُنت مُغفّل ، طُول عمري مُغفّل ، حُمــار مش فاهم إن دي مصلحتي ، وإني لما أصلي ولا أحفظ قُرآن ده لِـ مصلحتي أنا مش هُمّا ، وِ إني لما أتعلّم وأكون دكتور زي ما أبويا كان بيتمنّى ده لِـ مصلحتي أنا.. مش علشان هو كان نفسه يكون دكتور فَـ معرفش فَـ قال لازم إنتَ تحقق حلمي وتكون دكتور!
لمّا كان بيقولّي ما تروحش مع ده وما تتكلّمش مع ده ماكنش علشان هوّ عايز يفرض سيطرته عليّا ، وماكنش علشان كان بيكره يكون عندي ناس تحبّني وبتروح وتيجي معايا ، وماكنش علشان هو عاش في حاله فَـ كان عايزني أكون زيّه.. ده كان عشان بيحبّني وخايف عليّا.. كان بيحبّني!
تصوّري كان فيه حد بيحب صَـالِـح دروِيش! تصوّري كان فيه حد بيخاف عليه مش بيخاف من جبروته!
بس للأسف بِـ غبائي ضيّعته من ايدي وما اتمتّعتش بِـ حُبّه ولا حسّيت بيه إلا بعد سنين و سنين و سنين طويلة!!
كنت دايمًا مفكّرهم أعداء ليّا ، وبعاندهم في كل حرف ، عملت عكس كل اللي اتمنوني أعمله ، كنت معتقد إن كده أنا بنتقم منهم وإن كده أنا راجل و كلمتهم مش بتفرق معايا وإن كلمتي اللي محرّكاني.. مش قادر أسامح نفسي إني فرحت لما أبويا مات!
وقلت هم وانزاح محدّش هيقولي رايح فين ولا جاي منين ولا اعمل وماتعملش! وما اهتمّيتش أزوره في قبره مرّة حتّىٰ.
وسيبت نفسي أجري على سكّة اللي يروح ما يرجعش زي ما أمّي كانت بتقول!
قلت هجرب مرة علشان محدش في الشّلة يقول عليا جبان وخايف ، و مرّة جرّت مرّة لحد ما بقيت شمّام بجد!
وبقيت بتعاطىٰ مُخدرات كنت مستمتع بيها ، ومش واخد بالي إني حرمت نفسي من حُضن أمي وما استمتعتش بيه لحد ما ماتت ، ده حتّى قبرها ما كلفتش خاطري وعرفت مكانه اللي بعد امتىٰ وامتىٰ!
كانت بتعميني ، كانت عاملة غشاوة على قلبي وعيني ، ما افتكرتش كل المواقف دي غير لمّا بطّلت.. واحدة واحدة الغشاوة اللي كانت على عيني وقلبي اتشالت ، و ذاكرتي بدأت تجيبلي القديم كله..
بدأت تجلد روحي مع كل موقف أفتكره ، وِ تبكّي عيني على اللي عملته في كل موقف.
أنا مش هبرر أي حاجة من اللي عملتها ليكِ انتِ وأخواتك وأمك ، لإني غلطان..
غلطان في حقكم وفي حق نفسي لما أدمنت وبقيت زيّي زي البهيمة إحنا الاتنين لا بنحس ولا لينا عقل..
ومعترف بِـ غلطي وإني حجر زي ما مُعترِف إني أستاهل أي عقاب في الدنيا للغلط ده وبرضُه مش هيكون عقاب كافي ولا مُرضي.
بس أنا ندمت واللّهِ العظيم ندمت ندم عُمري..
أنا بنزف الدم من عيني بدل الدموع..
أنا عارف إني ما أستحقش فرصة أثبت فيها إني ندمت ، بس في نفس الوقت هموت من جُوايّا على مرة أخدك إنتِ أو أخوكِ في حُضني.. هموت على مرة ما أشوفش الخوف والكره في عيونكم.. هموت على مرة أسمع فيها كلمة بابا منكم! هموت على مرة.. مرة واحدة أقعد فيها معاكم وأملّي عيني منكم!
بص في عُيوني اللي كانت بتدمّع في صمت ، ابتسم بحُزن وقال:
وهموت على مرة عيونك ماتدمّعش لما تشوفيني!!
لما فيروز كانت عايزة تاخدكم وِ تهرب ، أنا صحيت على صوت الباب وهوّ بيتفتح ، رغم إن طول التسع سنين اللي اتجوّزناهم كنت بخوّفها علشان ما تهربش وبقولها هتعيشي وتموتي فيها ، مكنتش أعرف إنها هتعيش وتموت فيها فعلا ، وما كنتش أعرف إنها هتحاول تهرب بجد ، كنت ضامن إنها ملهاش حد تروحله وإنها مش هتهرب مني.. بس كالعادة أنا كنت مغفل ، وفيروز اللي كنت مفكّرها ضعيفة ، طلعت أقوىٰ إنسانة عرفتها ، طلعت أقوىٰ مني ما استسلمتش لآخر نفس فيها.. حافظت عليكم منّي ومن جبروتي طول حياتها ، وحتّى لما ماتت ، ماتت وهيّ بتحاول تحمي نور.. صرفت عليكم من فلوس حلال.. ربّت رحيم صح!
حاولت تبعد بيكم عشان تعيشوا في سلام بعيد عنّي! ما استسلمتش ليا ولا ضعفت للحرام معايا أبدا.
مش عارف ، حقيقي مش عارف أنا كان عقلي فين وأنا بضربها ولا وأنا بضرب رحيم اليوم ده!! عقلي كان فين وأنا بعجّز ابني!! عقلي كان فين وأنا شايف بنتي واقعة في الأرض وأنا بتجاهلها ببرود وبقول في نفسي خليها تعيط شويتين علشان تبقى تهرب مني تاني.
عقلي فين وأنا بجري وراكِ أجيبك ولما مسكتك ضربتك بِـ وحشيّة لِـ درجة إنك بدأتِ تدوخي منّي وما مكنتيش قادرة تتكلّمي من كتر صريخك إني ما أضربكيش ، ومن كتر عياطك وتوسلاتك ليا إني أبعد عنّك!!
وقتها شيلتك على كتفي وأنا ناوي أرجع على البيت أكمل عليكم بس.. بس في الطريق شُفت المنظر اللي كان زي القلم اللي نزل على وشي بِـ منتهى القسوة.. قلم من قوّته خلّى عقلي مش مستوعب هوّ ده بجد!
شفت فيروز و نور غرقانين في دمهم ، نزلتك من على كتفي وانتِ استسلمتي و وقعتي في الأرض جنبهم مجرد ما شوفتيهم كده ، كإنك عايزة تبقي جنبهم.. كنت لسه هنزل على الأرض أطمن عليهم ، لاقيت الشيخ نوح جاي ، جريت.. فضلت أجري وأبص ورايا و أنا خايف! مش عارف أنا رايح فين ولا هعمل إيه! بس كنت بجري بِـ خُوف ، مش عارف كنت خايف من إيه! من منظرهم وهما واقعين في الأرض و إن شوية وفيروز هتقوم تعاتبني إني السبب.. ولا من الشيخ نوح اللي ماكنتش هقدر أواجهه إني السبب في إن مراتي وبنتي يسيبوا البيت وتخبطهم عربية؟
كنت مصدوم مش عارف إيه ممكن يكون حصلهم بس مجاش في بالي أبدا أبدا إنهم يكونوا ماتوا ! وماعرفتش ده غير لما قابلت رحيم بعد أربع سنين من اليوم ده!
أربع سنين عدّوا عليا أربع قرون.. أربع سنين عيشت فيهم أصعب أيام حياتي.. أربع سنين.. اتمرمطت وبيّت أيام فيهم في الشوارع وعلى الأرصفة ، بجري من الحكومة ألا أتمسك وساعتها هكمل باقي حياتي في السجن.. في الأربع سنين دول كفرت عن كل ذنب عملته ، ربنا عاقبني على كل ذنب بطريقة أصعب من اللي قبلها.. ربنا رحيم و رحمته وسعت كل شيء ، بس هوّ برضُه شديد العقاب وأنا كنت أستاهل العقاب!
أنا فضلت كام يوم ببات في الشارع ، على الرصيف ، وتحت الكباري ، كنت بنام بقلق ، مغمّض عين ومفتّح التانية.. كنت بحارب.. المعنى الحرفيّ لكلمة بحارب! أنا كنت مدمن في أصعب المراحل ، أربع أيام من غير مخدرات كان تحدّي ، كنت حاسس إني هموت وأنا ماشي بلف في الشوارع ، شوية أضحك وشوية أصرخ وشوية تانيين أعيط ، مش قادر أرجع على الحارة مش عارف إيه كان مانعني بس كنت خايف أرجع من بعد ما شفت منظر فيروز و نور!! ما كنتش هقدر أواجهم أبدًا.. ما جاش في بالي إن ممكن ما يكونوش موجودين أساسًا ! زي العيل الصغير اللي اتّاخد منه لعبته!
كنت بوطّي في الأرض وأحط راسي على التراب ، كنت بخبط راسي في الأرض بكل قوّة ، كنت بتمنّى الدم اللي بينزل منها من أثر الخبطة يخفف الصداع اللي حاسّه! يخفف الرغبة جوايا إني هموت على حباية تهديني! ما كنتش باكل ولا بشرب وما كنتش بعمل حاجة غير إني أدور على حد من معارفي يديني حاجة تهدي الصداع ده!
وبعد مرة واتنين وتلاتة لاقيت شلة كنت متعود أسهر معاهم زمان سهرانين في شارع مقطوع ، وكل حاجة اتحرمت منها الأربع أيام دول كانت معاهم ، ما حسيتش بنفسي غير وأنا بقعد معاهم و بـ بلبع أكبر كمية أقدر أخدها من الحبوب المخدرة ، فضلت حوالي ساعة مش حاسس بيهم أو بكلامهم و مركز بس في المخدرات اللي بشمّها واللي اتحرمت منها أربع أيام..
أنا كان حالي يصعب على الكافر! هدومي متنيلة وشي متبهدل وفيه آثار جروح و دم عليه! وفوق كل ده منظري وأنا بشم المخدرات بعد حرمان منها أربع أيام ما يتشبّهش غير بالكلب المسعور!!
مش عارف إيه حصل بس أنا سمعت الشباب وهما عمالين يلموا حاجتهم ويهزوا فيا ويقولولي اجري يا صَـالِـح من هنا.. كل حد منهم جرى في حتّة وأنا ما كنتش شايف وبقيت بعيط وأنا بقوم وبقع ومش عارف أوزن نفسي ، لاقيت نفسي بجري شوية وِ أزحف على ايدي ورجلي شوية ، ومش لاقي حتّة أستخبّى فيها ، لحد ما لاقيت مسجد..
هنا بقى في المسجد ده كان التغيير الفعلي في حياتي ، هنا فُقت ، هنا وعيت وفهمت كل اللي عملته وأضراره إيه.. هنا أدركت إني خسرت كل حاجة.. كل حاجة.. أبويا ، أمي ، بيتي ، مراتي ، ولادي ، سُمعتي ، حب الناس.. خسرت كل حاجة فعلا حتّى صَـالِـح خسرته وأنا مش واخد بالي!!
أول ما لاقيت المسجد قصادي ، حسّيت إن ده المكان الوحيد اللي البوليس مش هيتخيّل إني موجود فيه! مدمن هيدخل مسجد ليه؟! واحد اختار طريق ما يتقابلش مع طريق ربنا هيدخل مسجد ليه؟! دخلت وأنا متأكد مليون في الميّة ، إن استحالة حد يتصور إن صَـالِـح دروِيش مستخبّي في المسجد!
كانت تقريبا أول مرة أدخل فيها مسجد ، دخلت وكان الناس موجودة في كل ركن ، اللي بيصلي ، واللي بيقرأ قرآن ، واللي حواليه شوية ناس و بيشرحلهم حاجة في المصحف ، أخدت ركن وأنا بقول بيني وبين نفسي إن أنا مش من أهل المسجد ، مش من الناس دي! مش داخل أعمل حاجة من اللي أهل المسجد بيعملوها.. أنا مدمن هربان من الحكومة! عيني بفتحها بالعافية! داخل المسجد وأنا شارب مخدرات! داخل أستخبّى فيه وأرتاح من الجري على السكك!
وسبحان الله كان المكان اللي حسيت فيه بالراحة والأمان فعلا!! أنا تقريبا نمت من كتر الصعوبة اللي مرت عليا في الكام يوم اللي فاتوا.. صحيت على صوت راجل وهوّ بيهز فيا براحة وبيقول بصوت كله هدوء:
يا ابني.. يا ابني.. صلاة الفجر هتروح عليك ، يلا علشان هقيم للصلاة.
ما كنتش عارف أرد ، أنا كنت بفتح عيني بالعافية ، لاقيته مدّلي ايده وهو بيقول بابتسامة:
هات ايدك هساعدك ، تغسل وشك وتتوضّىٰ.
مدّيت ايدي ليه بـ ضعف ، كنت حاسس إني عايز أغسل وشي فعلا ، دخلت معاه لجوّه المسجد كان فيه حنفيات ، فتحلي واحدة وقالي اغسل وشّك واتوضّى يلا ، مش هقيم الصلاة غير وانتَ موجود.
كنت مش عارف أعمل إيه علشان أقوله إني مش عارف أتوضّى إزاي ، و زي ما يكون قرأ أفكاري قالي بنبرة تشجيع:
يلا سمّي الله في سرك وابدأ اغسل ايدك تالت مرات وخلل بين صوابعك في الغسيل..
كان بيقولي كل خطوة في الوضوء لحد ما خلصت ، وأنا كنت مستسلم تماما وبسمع كلامه ، بعد ما خلّصت ، أخدني لِـ المسجد مكان الصلاة تاني وِ وقفني وسط المُصلّيين ميّل على وداني وقال:
إنتَ دلوقتي هتقف بين ايدين ربّنا ، لو حابب تعيط تتكلم تشكي ، مش هتلاقي غيره يسمعك ويقف جنبك.
عارفة حالتي وقتها كنت زي المهدود ، أنا مش عارف أنا مستسلم ليه ، لا بعمل فعل ولا بَبدي أي رد فعل على تصرفاته ، بسمع كلامه وبتحرك وراه وبهز راسي بصمت..
أقام الصلاة ، وبدأ يصلّي..
أنا كنت خايف أنا مش عارف بيصلوا إزاي!! عملت زي ما الناس جنبي عملت وكنت بحاول أركز علشان أعمل كل خطوة زيهم وماحدش ياخد باله إني مش عارف أصلي..
كنت أول مرّة أسمع فيها قُرآن عن قرب كده ، دايما كنت بسمعه في الراديو في الشارع و أوقات أيام ما أهلي كانوا عايشين ، بس ما كنتش بركّز ، بس صوت الشيخ أجبرني إني أركز ، الآيات اللي صلّى بيها خلّيتني سرحت فيها ومش عارف دموعي كانت بتنزل إزاي!!
صوته وهوّ بيقرأ ' وِ جاءت سكرةُ الموتِ بالحق فَـذلك ما كنت منه تحيد ' كان صُوت عذب جميل كفيل يهز قلبي! أول حاجة كانت تحرّك قلبي ، وتبتدي تمسح الغبار اللي عليه هي الآية دي!!
لما كمل وقال ' ونفخ في السور ذلك يوم الوعيد * وجاءت كل نفسٍ معها سائق وشهيد * لقد كنت في غفلة من هذا فـكشفنا عنك غطاؤك فـبصرك اليوم حديد '
أول كلمة كان يدركها عقلي بعد سنين و سنين من عدم الفهم ، كلمة غفلة!! أنا من الناس اللي في غفلة!! أنا في غفلة!! عقلي رددها مئات المرات ، دموعي نزلت ، كملت الصلاة وأنا بفكر في كلمة غفلة! وبأسأل نفسي إذا كنت هموت على الغفلة دي فعلا!
بعد ما الشيخ سلم ، الناس مشت وأنا كنت مش عارف أخرج أروح فين ، فـ أخدت ركن أقعد فيه لحد الصبح وأمشي ألف في الشوارع تاني.. لاقيت الشيخ جاي عليا ، بابتسامته المعتادة وهو بيقول:
تقبّل الله يا صَـالِـح.
- ها... هوّ.. هوّ إنتَ تعرفني؟!!!
- عز المعرفة ، مش بتشبّه عليّا؟
- لأ.. دقيقة كده!
عزيز!!
- أيوة عزيز ، عزيز اللي اتسحب لسكة المخدرات معاكم ، بس ربنا أنعم عليه بالهداية فَـنَدم وِ استعفر وبيدعي ربنا يتقبّله ، وبقى إمام المسجد هنا ، وتقريبا شِبه مُقيم فيه ، أنا اللي بكنُسه وِ بمسحه وبغسل حمّامه بنفسي ، وبتمنّى ربنا يتقبّلني وِ يتقبّل توبتي.
كنت لسه هرد عليه ، لاقيته منعني وقال:
عارف إنتَ هتقول إيه! إنتَ هتقول أنا بقيت كده إزاي صح؟ أنا فقت لما زقيت أختي على السلّم كسرت رقبتها وأنا متعصّب علشان عطّلتني عن النزول للشرب ، أبويا كرشني من البيت وقالي خلّي الدنيا تلطّش فيك وتعلّمك الأدب وتعالىٰ وانتَ ابني المتربّي ساعتها بيتي هيكون مفتوحلك.
ما لقيتش مكان غير بيت ربنا اللي دايمًا مفتوح للناس كلها ، ربنا أنعم عليا إني أدخله ، ويشاء ربنا اللي حصلّي من تالت سنين يحصلّك يا صَـالِـح! دخلت بعد ما كنت مبيّت في الشارع باليومين ، وأنا هربان من الحكومة بعد ما طبّت علينا وإحنا بنشرب! صح؟ مش ده اللي حصلك إنتَ كمان بالظّبط! هدومك وقلقك وخوفك وانتَ داخل المسجد أثبتلي إن تفكيري صح.
كان في واحد ابن حلال بيصلّي هنا بالناس صحّاني أصلّي معاهم ، دخلت بس ماكنتش فاكر أنا بتوضّى إزاي ، كان بقالي سنين ما صلّيتش ، كنت مكسوف وأنا بقوله أنا مش فاكر أنا بتوضّى إزاي! ساعدني أتوضّى ، وقالي نفس الجملتين اللي قلتهم ليك قبل الصلاة ، وصلّى بنفس الآيات اللي صلّيت بيها النهاردة ، واللي حرّكت قلبي بعد ما كان مُنتكس وكله غبار و ذنوب ، وبعد الصلاة قعد معايا نفس القعدة دي ، وقالي إن ربنا بيحبني ، علشان كده هوّ رزقني دخول المسجد. لو ما كنش بيحبني كان خلاني لاقيت أي سبيل بره غير المسجد وماكنتش هدخل المسجد ، قالي من حب ربنا فينا بيلهمنا الاستغفار ، قالي صلّي ركعتين عاهد ربنا فيهم إنك مش هتبعد عنه تاني ، وإنك هتوب وهتستغفر عن كل حاجة عملتها بعدت بيها عنه ، وقالي اندم وعيّط بس ما ترجعش لذنبك تاني و اغلبه!
شهرين.. شهرين عايش على التمر اللي في المسجد ، والماية اللي هنا في الحنفيات ، شهرين بعيط طول الليل علشان أخرج على حد يديني اللي محتاجُه علشان يهدّي راسي ، وبعدين أرجع في كلامي وأمنع نفسي وأروح أصلي وأنا بدعي ربنا يقويني ويتوب عليا ويغفرلي! شهرين غسلت بدموعي التراب اللي على قلبي.. ومن بعد الشهرين دول بقيت بطلع من المسجد كل يوم الصبح أدور على شغلانة آخد منها اللي فيه النصيب وأرجع المسجد أحمد ربنا على اللقمة اللي كلتها بفلوس حلال ومن عرقي.
وأنا على الحال ده من سنتين ، بس من سنة فاتت بقيت إمام المسجد ، لإني راجعت على القرآن اللي كنت حافظه زمان وأتقنت قرآته على ايد الشيخ اللي كان هنا ، وبقيت بحضر الدروس في الجامع وبقرأ من كتب الفقه اللي هنا لحد ما بقيت أقدر أدّي دروس للناس في المسجد الحمد لله.
شُفت مريت بِـ إيه؟! إنتَ لسه في أول الطريق يا صَـالِـح ، أوعىٰ تستسلم طالما ربنا رزقك بأول الطريق. هعلمك تصلي إزاي ، وهنصوم سوى يومين في الأسبوع بـ نيّة إن ربنا يتقبلنا ويقبل توبتنا. وانتَ هتجاهد وتحارب وهتتغلب على ذنبك.
مد ايده ليا وأنا كنت متردد بس حطّيت ايدي في ايده.. علّمني الصلاة ، بدأ يساعدني أقرأ قرآن ، بدأ يحكيلي عن قصص الأنبياء وعن المجاهدة في سبيل الله ، كنت بقعد معاه وهو بيشرح دروس في المسجد أسمعله ، ونفس اللي مر بيه مرّيت بيه وأسوأ.. جايز عزيز كان بيشرب بنبسة عشرين في المية وماكنش قادر يستغنى عن النسبة دي لفترة بس بعد شهرين قدر! أنا كنت مدمن في أخطر مراحله ، كنت هموت وأنا بصوت وبعيط عايز أخرج من المسجد ، وعزيز هو اللي كان بيمنعني ، كان بيسحبني بالعافية لحنفيات الماية يكب على راسي مية علشان الصداع يخف ، عشت أسوأ وأصعب سنة في حياتي ، سنة جدران المسجد تشهد فيها على عياطي زي العيل الصغير وأنا بقول يارب وبستغيث بيه يخفف عني. سنة كنت كل ليلة.. كل ليلة أعيط وأوطي على رجل عزيز أحاول أبوسها علشان يسيبني أخرج ما يمنعنيش..
سنة كنت بصبر فيها نفسي إني هرجعلكم بني آدم جديد ، هعوضكم عن كل حاجة وحشة عملتها معاكم.. لما حسيت إني قدرت أمنع نفسي ، وإن ربنا استجابلي وخفف عني وبقيت مش عايز.. مش عايز أشرب مخدرات!! كنت طاير من السعادة ، ليلتها عيطت بس من الفرحة والسعادة إن ربنا استجابلي أخيرا.
اتناشر شهر بمساعدة ربنا قدرت أبطل بعد ما كنت بشم من حوالي أكتر من اتناشر سنة! مفيش جديد يذكر في التالت سنين اللي قضيتهم بعد السنة دي غير إني اشتغلت حداد ، حفظت القرآن ، عرفت كتير عن ديني اللي كنت جاهل فيه ، وأدركت إني كنت غلط أوي وإني ارتكبت ذنوب عظيمة أوي أوي..
عقوق والدين.. قسوة وعدم رحمة وضرب و إهانه للي ربنا جعل العلاقة بينا قايمة على المودة والرحمة.. والأسوأ من ده كله بقىٰ ، اللي عملته فيكم ، اللي شفتوه بسببي ، الرعب والخوف اللي اتربّى جواكم بسبب صَـالِـح دروِيش.
الفلوس اللي كنت بكسبها من شغلة الحدادة كانت مش كتيرة ، بتكفّي أكلي أربع ساندوتشات جبنة في اليوم ، وكنت بشيل الباقي وكل أسبوع بحط منه مبلغ في صندوق الجامع علشان التجديد ، حرّمت على معدتي أي أكل غير اللي يعيّشني ، كان نفسي أغسل معدتي من أي أكل نزلها بفلوس حرام..
في يوم وأنا راجع على المسجد علشان أبيّت فيه مع عزيز ، اللي اعتبرناه بيتنا ، الركعتين اللي بنصلوهم بعد يوم تعب وشقىٰ بيخففوا عننا كتير! كنت بدعي ربنا يتقبّلني ويتقبل توبتي.
اليوم ده أنا كنت بتكلم مع عزيز وبقوله هاخد بيت إيجار بالفلوس اللي بوفرها من شغلة الحدادة ، وهروح البيت في الحارة أطلب من فيروز وعيالي السماح ، وهطلب منهم نيجي نعيش هنا ، وأنا اللي هشتغل وهصرف عليهم بفلوس حلال ، وهعوضهم عن كل اللي عملته معاهم.
وفعلا اتحركت من المسجد وأنا كلي حماس ومبتسم للتغيير اللي حصلي ، واللي كنت متأكد إن فيروز هتفرح جدا بيه..
بس صدمة عمري ، الصعقة اللي نزلت عليا ، لما فتحت باب البيت في الحارة..
أنا فاكر يوم ما خرجت من البيت ده كان يوم ما فيروز هربت ، ويومها أنا كنت راجع من بره شارب لدرجة إني ما قدرتش أغير هدومي ، نمت و بطاقتي ومفاتيحي في جيبي وهربت بيهم برضه ، لما فتحت الباب وحسيت بهدوء للحظة قلقت تكون فيروز أخدتكم ومشت..
بس صدمتي كانت لما اكتشفت موت فيروز ونور وعجز رحيم.. وكل ده.. كل ده بسببي!!!
خرجت وأنا موجوع ، مش بس لما أخوكِ منعك عني ورفض يسامحني وضربني بالسكينة في كتفي.. اتوجعت أكتر لما حسيت إن ربنا ما تقبلنيش ، وإن لسه عقابي مستمر! وإن موت فيروز ونور وعجز رحيم ، وخسارتك انتِ ورحيم دول كلهم عقاب ليا ، وأنا أستاهل العقاب!
الجرح كان سطحي ، عالجته في صيدلية ورجعت على الجامع أخدت الكيس اللي كنت بحط فيه القميصين اللي ببدل بينهم في الشغل ، وصليت ركعتين أودع فيهم الجامع اللي غير حياتي ، واللي فوق قلبي وخلاه يحس مش مجرد حجر بِـ ينبض جوه جسمي وخلاص! الجامع اللي خلاني بني آدم مش شيطان!
وأنا بسجد عيطت وأنا بقول:
كان نفسي تتقبلني وتتقبل توبتي يارب! لكن أنا أستحق العقاب.. أنا أستحقه.. أستحق كل حاجة ، اللي عملته مش هيّن و أنا راضي بالعقاب.
رجعت تاني على الحارة بس المرّادي على المقابر ، كنت عارف إن فيروز ونور مدفونين في مقبرة أبويا وأمي.. أصل هيندفنوا فين؟ مفاتيح المقابر دي مع الشيخ نوح وهو أكيد اللي تولّى الأمر ده ، أخدت نفسي وطلعت المقابر بقيت بدوّر على اسم أبويا محفور على أي مقبرة لحد ما شفتها ، قعدت قصادها على التراب وحطيت الكيس جنبي ، رفعت ايدي وقريت الفاتحة وبدأت أتكلم وأنا بعيط وبقول:
ازيك يا حاج مُصطفىٰ ، أنا.. أنا صَـالِـح ابنك..
صَـالِـح اللي عمره ما كان صَـالِـح.. صَـالِـح اللي أذاك في حياتك وماسمعش كلامك وأهو بيدفع تمن كل كلمة كسرهالك غالي وغالي أوي كمان ولسه.. ولسه هيدفع كمان وكمان.. إنتَ عارف أنا عرفت حديث للنبيّ صلى الله عليه وسلم إن لو ابن آدم مات انقطع عمله من الدنيا إلا في حالة لو كان ليه علم الناس بتنتفع بيه ، أو صدقة جارية أو ابن صَـالِـح يدعيله بعد موته..
أنا جاي أتأسفلك إني ما قدرتش أكون الابن الصّالِح ده ، وجاي أتأسفلك إني ما ودعتكش قبل ما تموت ، وجاي أتأسفلك إني ما سمعتش كلامك ، وجاي أتأسفلك إني ماحفظتش على أمي من بعدك ، بالله عليك تسامحني يا حاج ، سامحني.. سامح ابنك يابا.. بالله عليك تسامحني..
أنا عارف إنك سمعاني يامّا.. تعرفي إني جاي وأنا مدّاس على وشي بالجزم القديمة وبقولك إني فعلا مشيت في سكة اللي يروح ما يرجعش.. أنا رجعت بس بعد ما خسرت كل حاجة.. كل حاجة يامّا خسرتها.. حتّى نفسي خسرتها في سكتي! شفتي ابنك يامّا دفع تمن كسرة قلبك غالي إزاي!
أنا أستاهل.. أستاهل ، بس انتِ ما كنتيش تستاهلي تعيطي وتموتي بسببي! تعرفي يامّا مش انتِ بس اللي موتّي بسببي لأ ده بنتي ومراتي كمان.. شُفتي صَـالِـح اللي كنتِ بتقوليله ربنا يجعلّك نصيب من اسمك عمل إيه بفساده في أقرب الناس ليه؟! شفتي يامّا.. سامحيني انتِ كمان إني ماكنتش صَـالِـح ، سامحيني إني ماكنتش الابن اللي تستحقّيه والله.
عارفة يا فيروز؟ إنتِ تستحقي تموتي ، أصل اللي زيك الجنّة أفضل مكان ليهم ، مش الأرض اللي عليها شياطين زيي؟ أنا أذيتك كتير ، موتّك بدل المرة مليون ، ضربتك وبهدلتك وانتِ استحملتيني ، استحملتيني بكل قرفي ، بكل عيوبي ، استحملتيني وأنا ماعنديش مميزات أساسا ، انتِ تستحقي الجنة ونعيمها ، أنا بس اللي أستحق النار وجحيمها.
وانتِ يا نور ، نور حياتي! حسيت فجأة إن حياتي ضلمت لما عرفت إنك موتّي بسببي يا نور! تعرفي كنت جايبلك إيه؟ كنت جايبلك سلسلة فضة عليها اسمك ، وكتبتلك جواب كمان وعدتك فيه إن المرة الجاية تكون دهب علشان عارف إن كان نفسك في سلسلة عليها اسمك.. وكنت هاخدك أشتريلك عروسة بشعر أصفر زي اللي بتحبيهم.. بس أنا.. أنا ما لقيتكيش يا نور.. ليه كده؟ طيب كنتِ ادّيني فرصة بس أعوضك فيها عن أي حاجة ، أي حاجة وحشة عيشتيها معايا.. اديني فرصة أخلّيكِ تعيشي ولو يوم من طفولتك اللي حرمتك منها وعيّشتهالك في رعب.
إنتِ مش مسامحة بابا مش كده يا نور؟ مش مسمحاه زي رحيم! وأكيد زي ندىٰ.
كان نفسي أطلب السماح منكم كلكم وإنتم موجودين ، كان نفسي تكونوا موجودين وأطلب السماح منكم.. كان نفسي أكفر عن ذنوبي قبل الآوان ما يفوت! أنا.. أنا نفسي أموت علشان أطلب منكم السماح ، بس خايف.. خايف ألا يكون بيني وبين النار مسامحتكم وألاقي نفسي في النار وانتم مش مسامحني! أنا أستحق النار دي ، أستحقها والله!! بس نفسي ربنا يتقبلني ، نفسي ربنا يسامحني ، نفسي رحيم وندى يسامحوني ويدوني فرصة أعوضهم فيها عن المُر اللي داقوه بسببي.
وِ بعد ما عيّطت وخرّجت كل اللي في قلبي عند القبر ، سيبت الكيس اللي في الهدوم في مكانه ومشيت بين المقابر ، كإني كنت حاسس إني هموت.. لو ما مُوتّش موتة طبيعية فـ هموت على ايد رجالة فاروق اللي بيدوروا عليا من فترة ولو وقعت في ايدهم هيقتلوني ، علشان بيعت فاروق وهربت وهو اتسلم للحكومة ، وسنين السجن بتاعته قربت تخلص ، وهيخرج يدور هو بنفسه عليا..
فضلت ماشي ، دموعي بتنزل ، جسمي كله بيتهز ، وشفايفي بترتجف من البكا... آخر حاجة أفتكرها إني كنت بقول يارب.. وبعدها.. بعدها ما حسّيتش بأي حاجة.. أي حاجة غير قربك منّي.. حسيت إنك جنبي ، كنت عايز أقوم بسرعة أشوفك قبل ما تمشي وما أعرفش أشوفك تاني.. وأول ما قُمت وِ فتّحت عيوني اتصدمت..
اتصدمت لما اكتشفت إني هنا من عشرين سنة! وإني نمت شاب وقمت عجوز ، عمره ضايع ومسروق! اتصدمت لما شُفتك كبيرة قصاد عيني ونسخة من فيروز! واتصدمت لما شفتك مش عارفاني! واتصدمت أكتر بقى لما عرفت إن رحيم أخوكِ مسح وجودي من حياتكم تماما ، حتّى اسمي مسحه ، كإني فعلا ميّت أو ما جيتش الدنيا من الأساس!!
أنا مش عايز منك أي حاجة غير إنّك...
قبل ما يكمّل الجُملة باب الأوضة اتفتح ، وِ دخل واحد لابس بالطو الدكتور وهوّ بيقول بنبرة غريبة:
واللّه وِ وقعت يا صَـالِـح يا دروِيش! وجه الوقت اللي أحرق قلبك ومش عليك وبس.. عليك وعلى الغالي عليك كمان.
نهى كلامه وهوّ بيبصلّي وبيقفل باب الأوضة وبيخرّج من جيبه ازازة أول ما أدركت محتواها وإنها عبارة عن مايّة نار ، قُمت وقفت والرّعب متمكّن من كل ذرّة في جِسمي.
رواية حجر ينبض الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فريحة خالد
انتَ..انتَ مين؟ دخلت هنا إزاي وبتعمل إيه هنا؟
بلعت ريقي بتوتر، اتكلمت بنفس النبرة المرعوبة وأنا شايفاه بيقرب عليا.
: بلمسة زرار مني ألم عليك المستشفى كلها ومش هتخرج من هنا إلا على البوليس.
ضحك بسخرية، بص لصالح درويش وقال بتهديد:
: روحك قصاد روحها، أنا الصراحة عايز روحها عشان أحرق قلبك عليها في اللي باقي من عمرك، بس أنا هكون متسامح، وبخّيرك بين روحك وروحها.
قبل ما يرد، اتعصبت وقلت بصوت عالي:
: انت مجنون ولا إيه حكايتك يا جدع انتَ.. انتَ لا هتمس شعرة مني أو منه ولآخر مرة بقولك اخرُج من هنا بدل وِ قسمًا باللّه..
: وقسمًا باللّه إيه يا حلوة؟ اسمك ندى مش كده؟ بصي يا ندى، أنا هكون متسامح معاكي انتِ كمان، وهخيّرك بينه وبينك.. أنا معايا إزازة فيها مية نار وإنتِ دكتورة وعارفة بقى إن الأسيد مش بيحرق الجلد وبس ده ممكن ياكل العضم كمان ومؤدي للموت بنسبة كبيرة..
فالاختيار ليكم، أنا هسمع منك ومنه، مين مستعد يضحي بروحه عشان التاني.
كان بيتكلم بمنتهى البرود، قعد على الكرسي اللي كنت قاعدة عليه، حط رجل على رجل وهو ماسك الإزازة في إيده، وبيوزع نظره بيني وبين صالح درويش اللي ماكنش باين عليه القلق خالص.
: أنا ما عملتلهاش حاجة حلوة في حياتها تدفعها إنها تضحي بروحها علشاني!!
من غير ما أفكر ومن غير ما هي تفكر، أنا قصادك أهو لو عايز ترميها كلها في وشي، اعمل كده.. أنا عارف إني أستاهل الموت بأبشع الطرق ومستعد تمامًا لكده!
برقت بصدمة وأنا شايفاه بيبتسم ابتسامة جانبية وبيتحرك من على الكرسي بكل هدوء وهو بيفتح في الإزازة اللي معاه.
بصيت للسرير لقيت صالح درويش بيبصلي بدموع متحجرة في عينه من غير ما يتكلم. غصب عني دمعت وقفت بسرعة البرق حائل بين السرير وبين الراجل الغريب اللي اقتحم الأوضة.
: لو فاكر إنك هتخوفني تبقى غلطان، ولو فاكر إنك هتأذي حد هنا فتبقى غلطان أكتر. ولو فاكر إنك هتفلت بعـملتك دي فتبقى مش غلطان وبس لأ.. تبقى آسفة في اللفظ حمار.
: ماشاء الله يا صالح يا درويش! بنتك قليلة الأدب زيك بالظبط!! يا ترى بقى يا ندى انتِ ليكِ في الشمال زيه ولا..
ما سمحتلوش يكمل كلامه، وضربته بالقلم، وأنا بقول من غير تحكم في عصبيتي:
: اخرس قطع لسانك يا حيوان.
بعد خطوة بصدمة، رفع عيونه اللي كانت محمرة وقال بغضب وانفعال:
: إيه مستغربة؟!! مستغربة إني بقولك إن أبوك شمال!! إيه يا صالح يا درويش ما تقولها.. قولها انت عملت إيه في حياتك السودة! قولها.. قولها إنك انت وفاروق السبب في انتحار أبويا بعد ما لوثتو سمعته! مش انت برضه اللي كنت شريك فاروق في كل قذارته؟ وخلعت وقت ما الحكومة قفشتكم! فاروق بقى ملقاش حد يشيل معاه شيلته غير أبويا الموظف الغلبان. واتحكم على أبويا بمؤبد وهو اتحكم عليه بعشر سنين بس!!
قرب مني تاني، وبص للي ورايا وقال بسخرية:
: ما تقلقش يا صالح يا درويش فاروق مات بمية النار زي ما انت هتموت بالظبط. ما تتصوروش بقالي قد إيه بدور عليك؟ سنين طويلة، وأنا مش سايب مكان غير لما أدور عليك فيه.. وشوف يا آخي سبحان الله، أبقى جاي لدكتور معتز صاحبي، ألاقيه بيحكيلي عن شخص في غيبوبة من عشرين سنة، واسمه صالح درويش!! ما صدقتش نفسي، وما كذبتش خبر، وزرعت جهاز تصنت في الأوضة هنا، عشان أشوف امتى البيه ما بيكونش عنده ممرضين ولا دكاترة، حكم أنا عرفت إنهم هنا مهتمين بيك جامد أوي، وعرفت سر خطير..
بص في عيوني وكمل بهمس:
: دكتورة شيماء أخت الأستاذ عبد الرحمن المحامي اللي اسمه زي الجنيه الدهب أبوهم يطلع تاجر مخدرات قديم.
ختم كلامه بضحكة عالية، أنا كنت مصدومة من اللي سمعته، كل ثانية بكتشف في صالح درويش حاجة أسوأ من اللي قبلها!! شخص تالت مات بسببه!! لا شخص تالت إيه! الله أعلم كام حد مات بسبب الزفت اللي كان بيتاجر فيه!!
لاقيت صالح قام من على السرير بتعب ودموعه نازلة، وقف قصادي في وش الدكتور وهو بينهج:
: ملكش دعوة بيهم، كفاية الأذية اللي اتأذوا بسببي طول السنين اللي فاتوا، مش هاجي على آخر عمري وأذيهم تاني. أنا مش فاكر مين أبوك، ومش عارف مين اللي شال مع فاروق القضية، بس أيًا كان.. كل اللي أعرفه إني أستحق الموتة دي.. أنا قصادك أهو، خد حقك زي ما تحب، احرق وشي زي ما كنت سبب في حرقة قلبك على أبوك، بس كل اللي طالبُه منك بعد ما تاخد حقك.. تسامحني.. تسامحني وتنسى أي حاجة سمعتها هنا ومتحاولش تأذي حد منهم، أنا أذيتهم بما فيه الكفاية خلاص.
دموعي نزلت من الموقف وأنا شايفاه بيستعد عشان يرمي محتوى الإزازة اللي معاه، زرار الإنذار الناحية التانية من السرير، مفيش حل قصادي غير إني أدافع بنفسي، يا صابت.. يا خابت...
اتجرأت وحاولت أزق إيده قبل ما يرمي اللي فيها، لكن..
لكن كان فات الأوان، مع زقة إيدي لإيده، كان اتنتر جزء من الإزازة في وشه قبل ما تقع الإزازة ويتنتر الباقي على الأرض...
صوت صريخه رعبني، موطي في الأرض وبيصرخ بعلو الصوت، قلبي وقف واتخشبت في مكاني مش عارفة أعمل إيه!!
بعيط بخوف وأنا شايفة منظره وهو بيتلوى من الوجع، جريت بسرعة على زرار الإنذار، ضغطت عليه بقوة ورجعتله في نفس الثانية..
حاولت أسنده أوقفه لكن رعشة إيدي ما ساعدتنيش، وصوت صريخه ووجعه مكتفني، اتجمع دكاترة كتير عندي وأولهم دكتور عمر، اللي اتصدم من منظره وصريخه وقالي بصوت عالي:
: إيه اللي حصل هنا؟!!
كنت برتعش كليًا، رديت بصوت متقطع وأنا لسه بحاول أساعده يقوم:
: مية.. مية نار.. حد كب عليه مية نار..
لازم يتنقل لمستشفى حروق بسرعة..
ساعدني الدكتور عمر وكام دكتور تاني ونقلناه على ترولي لعربية إسعاف..
كنت أنا اللي قاعدة جنبه في العربية، بكب مية ساقعة على جنب وشه اليمين ورقـبته وجزء من كتفه اليمين، كنت بعيط وبحاول أهديه وأنا بقول:
: ما تقلقش.. ما تقلقش هنوصل للمستشفى في أسرع وقت.
كنت بغسل الأماكن اللي لمستها مية النار بإيدي، أكب المية من الإزازة على إيدي ومن إيدي على وشه، فضلت حوالي عشر دقايق بعمل كده لحد ما وصلنا المستشفى، وهو طول الطريق بيتألم ويبكي ومن وسط دموعه مش بيقول غير كلمة واحدة:
: سامحيني أرجوكِ!!
............
: يعني دلوقتي شيماء عرفت كل حاجة؟
: أيوة يا بابا.
: و موقفها إيه؟!
: موقفها إيه من إيه؟! أنا حكيتلك كل حاجة يا بابا، وخلاص هو زمانه مشى من المستشفى وكل حاجة هتفضل زي الأول. أنا مش مستعد أرجع أي حاجة من الماضي بعد ما حاربت كل المحاربة دي.
سكت بابا واتنهد تنهيدة طويلة، قال بخيبة أمل:
: يعني أنتم مش هتسيبوني لوحدي بعد السنين دي كلها مش كده؟
: نسيبك؟؟ نسيبك إزاي ولمين وعلشان إيه أساسا؟! بابا إحنا استحالة نبعد عنك ولو لثواني، بالنسبالي وبالنسبة لشيما فـ انتَ أبونا وملناش أب غيرك. انت الوحيد اللي حسستنا بمعنى الأبوة والحنان والحب بجد، ومفيش أي شيء في الدنيا ممكن يبعدنا عنك، أنا عايزك تتطمّن وماتسمحش للأفكار دي أبدًا تدخل راسك. لآخر نفس فيا صالح درويش ملوش وجود في حياتي أنا وأختي، صالح درويش ميت بالنسبالي حتى لو هو عايش.. فاهمني يا بابا؟!
هز بابا راسه بتوهان، حضنه عبد الرحمن بحب واستأذن عشان يخرج.
...........
: أيوة يا آنسة سجدة، أنا في طريقي للنيابة عشان أرفع القضية لمدام سمية أهو.
: رحيم.. الحقني يا رحيم.. أنا.. أنا بموت..
: مالك؟ في إيه عندك؟!!
: أنا في تالت شارع بعد المستشفى.. الحقني أرجوك.. أنا بطلع في الروح.
: سجدة.. سجدة.. ألوو... سجدة!!!!
تكملة الفصل
- عمي أحمد!! حمد الله على سلامة حضرتك نوّرت الحارة.
: الله يسلمك يا علي، الحارة منورة بأهلها، أخبارك وأخبار الحاجة أم علاء وباشمهندس علاء إيه؟
: كلنا بخير والله يا عمي، هات الشنط عنك هطلعها أنا.
: تسلم يا علي، كثر خيرك والله.
: العفو يا عمي ما تقولش كده.
: بقولك يا علي صحيح هو الباشمهندس علاء نازل إجازة امتى؟
: علاء هنا أساسًا يا عمي من يومين وإجازته ممتدة عشر أيام.
: بجد؟ طب كويس والله كنت عايز أقعد معاه شوية.
: استريح انت يا عمي من سفرك، ومنين ما تقدر تقعد معاه هايجي لحضرتك.
: لا لا يا ابني ما تتعبهوش، أنا هغير هدومي وأسلم على أسماء ومامتها وهنزلّه على طول على القهوة عندك لو هو فاضي.
: آه طبعًا يا عمي، هوصل حضرتك بالشنط وأبلغه على طول ينتظرك عندي على القهوة.
: شكرا يا ابني ربنا يكرمك يارب.
: الشكر لله يا أحمد.
.......
: حمد الله على سلامتك.
: الله يسلمك يا بنتي، أنا.. أنا آسف للموقف اللي كنتِ فيه بسببي.
: لا لا ما تعتذرش، المهم إنك بخير والحمد لله ربنا سترها وماية النار ما لمستش غير جانب بسيط من وشك ورقبتك وكتفك، والمستشفى هنا قدرت تلحق الموضوع في أوله قبل ما النار تيجي ناحية العضم.
: شكراً ليكِ، لو ما كنتيش موجودة كان زمان وشي كله اتشوّه.
: الشكر لله يا أستاذ صالح، هستأذن أنا عشان لازم أرجع على شغلي، عربية الإسعاف هترجعك لما المستشفى تغيـّـرك على الجرح وتكتب الأدوية اللي لازم تمشي عليها، ودكتور عمر هيرجع معاك عشان هو المسؤول عن حالتك الصحية.. عن إذنك.
كنت لسه هتحرك لبره سمعت صوته بينادي عليّا بضعف، بقيت متعودة على نبرة صوته الضعيفة المخنوقة بالدموع، رجعت نفس الخطوة اللي مشيتها، وأنا بقول:
: نعم يا أستاذ صالح؟
: أنا مش عايزك تمشي.. عارف.. عارف إنه مش من حقي أطلب منك الطلب ده، بس أنا نفسي تفضلي جنبي حتى.. حتى لو من بعيد.. أنا حكيتلك كل حاجة ومش عايز منك تسامحيني لإنه صعب عليكِ.. أنا عايز منك تبقي جنبي بس.. من وانتِ صغيرة وانتِ أقرب حد من إخواتك ليا.. انتِ الوحيدة اللي حسستيني بالحب.. انتِ الوحيدة اللي كنتِ مش بتخافي مني وبتحبي وجودي، ولمّا بقيتي تعيطي لما تشوفيني حسيت إني خسرت الحاجة الوحيدة الحلوة في حياتي! رحيم ونور كانوا دايمًا نافـرين مني وبيخافوا من وجودي وكارهينه.. ولحد دلوقتي.. لحد دلوقتي رحيم كاره وجودي..
شهقاته زادت، دموعه نزلت بغزارة عن الأول، وصوت بكاه بقى مسموع، كمل كلام وهو بيقول:
: أنا عارف إنهم كانوا كده بسبب أفعالي، بسببي أنا، عشان أنا ما عملتش أي حاجة تخليهم يحبوني أو يحبوا وجودي.. ما عنديش أمل في أي حد غيرك! عايز لما أموت.. ألاقي اللي يدفنّي ويفتكرني بدعوة تخفف عنّي. أنا حد كان ماشي وسط المقابر وقع في الأرض قام عجوز رجله والقبر، فلو ليا أمنية واحدة قبل ما أبقى في قبري فعلًا هي إنك تكوني جنبي حتى لو من بعيد بس. مش عايزك تسامحيني والله لإني ما أستحقش منك أي مشاعر ولا حتى أستحق منك تشفقـي عليا.. أنا عايزك بس تكوني جنبي من بعيد لو لقيتيني مت ادفنيني، مش عايز جثتي تعفّن وما ألاقيش اللي يحط عليا شوية تراب.. ولو.. لو ساعتها مش هتقدري تطلبي من ربنا يرحمني هيكون معاكِ حق، أنا ما أستاهلش الرحمة لا في الأرض ولا في السما.
بلعت ريقي، مسحت دموعي اللي نزلت بصمت، حاولت أتكلم وقلت بصعوبة:
: بص أنا.. أنا مش هقدر أسامحك.. غصب عني مش هقدر.. أنا مش هنكر إني كنت عايزة أسمعك عشان أنا ما كنتش فاكرة حاجة من اللي حصلت، وزي ما سمعت منهم عليك، كنت عايزة أسمع منك على نفسك... مش عارفة ليه كنت عايزة أسمع منك؟ جايز كان عندي فضول أعرف الحجر اللي عمل ده كله، إيه حوّله لشخص ندمان بالشكل ده!! مش هنكر إني تعاطفت معاك وانت بتصرخ لما مية النار حرقتك.. مش هنكر إن وضعك واللي مرّيت بيه واللي وصلتله مخلّيك صعبان عليّا.. مش هنكر إن قلبي بيتمرّد عليّا وعايز يتعاطف معاك رغم إني مش عايزة كده!! ورغم كده.. زي ما أقدرش أسامحك ما أقدرش أكون جنبك، وجودي جنبك هيحسسني إني ضيعت حق أمي وأختي اللي ماتوا بسببك، هيحسسني إن تضحية فيروز بروحها عشان تبعدنا عنك ملهاش لازمة، والأسوأ بقى هيحسسني إني ضيعت حق رحيم اللي انت سبب تعجيزه ووجعه وحزنه.. رحيم من أول يوم في عمره وهو ماشافش منك غير الألم، دفن ماما، دفن نور، اتعجـّز بعد كام سنة مشى فيهم، داق المر ألوان وكتم جواه، شال مسؤوليتي و ربّـاني أحسن تربية، كان واقف جنبي وفي ضهري لحد ما علمني أحسن تعليم، عمره ما حسسني بأي حاجة بل بالعكس ملى حياتي حب وحنان وحنيّة وسعادة، وشال كل الحمل من حزن ووجع على كتفه لوحده.. ما ينفعش بعد كل ده آجي أنا بمنتهى البساطة وأقف جنب الشخص اللي وقف ضد أخويا طول عمره.. أنا آسفة.. آسفة والله.. سامحني ما أقدرش غصب عني.. ما أقدرش.. دي آخر مرة هتشوفني فيها، أنا هقفل صفحتك من حياتي تمامًا كإني ما عرفتش أي حاجة عن وجودك، والمرة الأخيرة اللي هذكر فيها اسمك هي وأنا بكتب تقرير نفسي عن حالتك.. عن إذنك.
مسحت دموعي وخرجت بسرعة قبل ما أضعف من تاني قصاد دموعه وتوسلاته!
.........
: سجدة.. سجدة.. سجدة فُوقي إيه عمل فيكي كده؟؟
حاول رحيم يوقفها كذا مرة ماعرفش بسبب إنها تقيلة وهو مش عارف يسندها بإيد واحدة.. بص للعكاز اللي في إيده اليمين بعجز، رماه على الأرض، وطّى رفعها بإيديه الاتنين، تحامل على نفسه لحد ما ركبّها للعربية وهي مغمى عليها وهو بيسند على رجل واحدة.. وبعد مدة، فتحت سجدة عيونها لاقت رحيم قاعد جنبها على كرسي وهي نايمة على سرير ومتوصل بإيدها محلول، وقبل ما تتحرك من مكانها سمعت صوته بيقول:
: حمد الله على سلامتك يا آنسة سجدة.
ردت بتعب ودموع:
: الله يسلمك، هو انت اللي جيبتني هنا مش كده؟
: آه، لما اتصلتي بيا كنت في طريقي للنيابة، دورت ورجعت تاني، ووصلت لتالت شارع بعد المستشفى زي ما قلتيلي في الموبايل، لقيتك واقعة في الأرض مغمى عليكِ، فجبتك في العربية لهنا، والدكتور قال إنك اتعرضتي لضرب شديد في أماكن متفرقة في جسمك.
سكتت سجدة ودموعها نازلة فكمل رحيم بأسف:
: هو صح؟
: صح، في أقل من ليلة بعتلي ستات تنفذ تهديده وغدر بيا وأنا رايحة أعمل محضر عدم تعرض.
: أنا هسيبك تستريحي، وهبلغ والدتك باللي حصل عشان تجيلك هنا، ما تقلقيش كلها ساعة أو اتنين بالكتير خالص وهتفكّي المحلول، وإن شاء الله الجروح والكدمات اللي في وشك وجسمك متاخدش وقت طويل وترجعي أحسن من الأول.
عيطت سجدة بحرقة وقالت:
: شكلي بقى بشع زي ما قال هيعمل فيا مش كده؟ قرفان تبص في وشي؟
بصّلها رحيم من سكات، استأذن وخرج بسرعة من غير رد، وهي انهارت من العياط.
.........
: كنتِ فين يا شيماء؟
: عدي؟ كنت عند أستاذ صالح درويش في الأوضة عشان بكتب تقرير لدكتور معتز، بس.. بس في حد اقتحم الأوضة ورش عليه مية نار، وأنا كنت معاه في مستشفى الحروق.
: طب أنا عايز أتكلم معاكِ في موضوع مهم.
: معلش يا عدي أنا تعبانة أوي دلوقتي مش هقدر أتكلم، لو ينفع تأجل الموضوع لـ بليل، لإني يادوب دلوقتي هكتب التقرير اللي دكتور معتز عايزه وهستأذن أعصابي تعباني جدًا والله ومش قادرة أتكلم.
: شيماء استنّي.
حاول يمسك إيدي فبعدتها لورا بسرعة، بصيتله باستغراب وقلت بصدمة من أسلوبه الحاد:
: مالك يا عدي في إيه؟
: دبلتك أهي يا دكتورة!! من النهاردة انتِ من طريق، وأنا من طريق تاني.
رواية حجر ينبض الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فريحة خالد
مالك يا واد يا علي مهيبر كده ليه؟ علاء جوّه في البلكونة بيقول عنده اجتماع شُغل على المحمول.
أنا خلّصت يا أمّي، مالك يا علي مبسوط كده ليه؟!
حلّق علي علىٰ كِتف علاء وهوّ بِـيتمشّىٰ معاه لِـ البلكونة وبيتكلم بفرحة:
حمايا رجع من السّفر، وِ مش بس كده لأ، ده عايز يُقعد معاك كمان، يعني فُرصة وِ جتلي علىٰ طبق من دهب يا علاء.
رد علاء بِـابتسامة وهوّ بيسند علىٰ سُور البلكونة:
آه ما أنا لمحته وأنا قاعد على اللاب هِنا، وكمان شُفتك اتحمّست أول ما جِه وجريت طلّعتله الشّنط.
هيبقىٰ حمايا يا جدع بقولّك، المُهم هوّ عايز يُقعد معاك على القهوة.
عايز يقعد معايا أنا؟! غريبة!! مِحتاج حاجة ولا إيه؟
مش عارف هوّ سألني عليك هتنزل أجازة امتىٰ، ولمّا قلتله إنك هنا انبسط وقالي لو فاضي عايز أقعد معاه شويّة، فـ قلتله لما تستريح من السفر بلغني وهو هيجيلك، رفض وقال هيغير هدومه ويسلم على أسماء ومامتها وينزل يستنّاك على القهوة.
تفتكر عايزني في إيه يعني؟
مش عارف واللّهِ، آديك شويّة وهتعرف، بس المُهم دلوقتي إنه رجع من السّفر في نفس الوقت اللي انتَ فيه أجازة، فاتحهولي بقىٰ في حِوار إنّي عايز أخطُب أسماء.
ماشي يا أخويا لمّا أشوف هوّ عايز إيه الأول هفاتحه في حوارك، ويلاّ ارجع علىٰ شُغلك بقىٰ القهوة لِـوحدها و الصيدلية كمان لِـوحدها.
ماشي نازل أهو ما تتأخّرش بقىٰ وانزل استنّاه تحت.
هغيّر وجاي وراك.
.. في الشّارِع ..
عم أحمد؟ انتَ هنا من بدري، أنا كُنت لسّه فُوق بقول لِـعلاء.
لا يا ابني أنا لسّه نازل.
طيب أجيبلك حاجة تشربها معمال ما علاء يجي.
لا تسلم يا علي، علاء جه أهو.
ازيك يا عم أحمد، حمد الله على سلامتك.
بخير يا باشمُهندس، الله يسلمك يارب.
هاتلنا اتنين شاي يا عَـلِـي بقىٰ باللّه عليك.
حاضر.
دخل علي يجيب الشّاي، وِ بص علاء لِـ أحمد بـ ابتسامة وقال:
عَـلِـي كان بيقولّي إن حضرتك عايزني يا عم أحمد.
بصراحة يا باشمُهندس أنا بكلمّك وِ أنا مكسوف، أنا مُحرج جدًّا من الطّلب اللي بطلبه منّك، بس أنا..أنا طول ما أنا مِسافر وأنا مش عارف أبطّل تفكير، وانتِ أوّل حد جه في بالي أطلُب مِـنُّـه المُساعدة.
خير يا عم أحمد قلقتني، إيه المُقدّمات دي؟ هوّ أنا مش ابنك ولا إيه؟ اؤمرني باللي عايزُه وأنا عِينيّا ليك.
سُميّة.. سُميّة بنتي الكبيرة مِتخرّجة من كليّة هندسة قسم بترول، بس يعني اللي حصل إن شركات البترول رفضت تعيّنها بِـحجّة إنها بنت وإن الشّغل تقيل عليها ومش هتقدر عليه، وأمّها شجّعتها تبطّل تدوّر علىٰ شُغل وتوافق على العريس اللي متقدملها لإن حالته الاجتماعية كويّسة وهيّ وافقت بس..
أحلىٰ شـاي لِـعُيون عم أحمد.
تسلم يا علي واللّهِ.
العفو يا عم أحمد.
بص لِـعلاء وحط قُصاده الكُوبّاية بحدة قال وهوّ بيضغط علىٰ سنانه:
امسك يا أخويا.
تسلم يا حبيب أخوك.
دخل علي، فـ ضحك علاء وِ بص لِـ أستاذ أحمد وكمّل:
معلش يا عم أحمد، انتَ عارف علي بيحب يرخم عليّا كده، المُهم كمّل كلامك أنا سامع حضرتك.
كنت بقولّك إن أم سُميّة أقنعتها بالعريس وهيّ وافقت بس يعني هيّ من يوم ما اتجوّزته ماشافتش يوم عِدل معاه وأمها واقفة ضد طلاقها عشان خايفة عليها تتبهدل من بعد طلاقها..
أنا بقولّك كده لإني بعتبرك ابني اللي مخلفتوش ومش مكسوف وأنا بحكيلك أسرار بيتي، فـ أنا عشمان فيك تساعدني لو تشوفلها أي وظيفة في الشركة اللي انتَ شغال فيها، أو.. أو لو مش هتعرف وهيكون فيها احراج ليك قولّي بس لو تعرف مكان ممكن يقبل بيها وأنا همشي في كل الاجرائات اللازمة لتوظيفها..
أصل.. أصل يعني بيني وبينك كده، أنا طول ما أنا مسافر وأنا بفكّر أطلقها منُّه، بس عايز أئمن مُستقبلها بعد طلاقها بالشّغلانة دي، وأنا عارف إنك يعني ماشاء الله عليك نائب مُدير شركة البترول اللي شغّال فيها، قُلت أعرض عليك المُشكلة يمكن تقدر تساعدني.
يا عم أحمد انتَ زي أبويا اللّه يرحمه، وِ سُميّة أُختي وأخدمها بِـ عينيّا، بإذن اللّه أوّل ما أنزل الشّغل خلّي سُميّة تجيلي بس وبإذن الله هتكون مُهندسة تحت التدريب كام شهر وبعد كده تتعيّن مُهندسة رسمي في الشّركة.
بجد يا باشمُهندس علاء؟ هتعرف تخليها تشتغل فعلا ولا هيكون في احراج ليك؟
لأ فين الاحراج بس يا عم أحمد، بالعكس إحنا بندوّر على خريجي كُليات الهندسة علشان نشغلهم معانا، و باشمُهندسة سُميّة هتشتغل بِـ شهادتها بإذن الله، أنا بس همهدلها جزء من أول الطريق.
مش عارف أشكُرك إزاي والله يا ابني، جميلك ده في رقبتي لآخر يُوم في عُمري.
مفيش جمايل يا عم أحمد، احنا أهل.
تسلـم يا باشمُـ..
أيوة يا سجدة، وحشتيني جدًّا جدًّا.
بابا انتَ وصلت امتىٰ؟ أنا محتاجاك أنا وِ سُميّة يا بابا، محتاجينك أوي.
أنا لسّه واصل يا حبيبتي، مالك بتعيّطي ليه؟ انتِ كويّسة انتِ وأختك؟؟
إحنا متبهدلين يا بابا، متبهدلين في بُعدك واللّهِ.
طب اهدي يا سجدة، اهدي وِ بطّلي عياط، أنا جايلُّكم مسافة السّكة وأكون عندك.
إحنا مش في البيت يا بابا بقالنا أيام مع سُميّة في المُستشفىٰ.
إيييه!!! سُميّة في المُستشفىٰ!! ليه وعلشان إيه؟!! طب اسم المُستشفىٰ إيه بِـسُرعة؟
مُستشفىٰ الإصلاح يا بابا، رن عليا لما توصل وهآجي أخدك من تحت للأوضة بتاعتها.
ماشي مسافة السكّة.
في حاجة يا عم أحمد؟ مالها مدام سُميّة؟
سُميّة محجوزة في المُستشفىٰ يا ابني، أنا لازم أمشي دلوقتي وهبقىٰ أكلمك تاني.
طب استنّىٰ يا عمّي هوصّلك.
لا لا مفيش داعي تتعب نفسك، أنا هاخد مُواصلة.
ما تقولش كده يا عمّي مفيش تعب ولا حاجة، هوصّلك بعربيّتي بدل ما تتأخر عليهم في المواصلات، ثواني بس هجيب مفاتيحي من البيت وهآجي.
.................
انتَ بتهزّر معايا يا عُديّ ولا إيه؟
لا يا دُكتورة مش بهزر، واتفضّلي دبلتك أهي، الحمد لله إننا لسّه علىٰ البر.
عُيوني دمّعت، مكتوب عليّا حياتي تتدمّر، وِ نفسيّتي تنهار تمامًا في ظرف أسبوع، بلعت ريقي وِ قُلت بِـصُوت ضعيف وأنا مـانعة نفسي من العياط بالعافية:
انتَ واعي للي بتعمله؟طب.. طب إيه حصل علشان يخلّيك تضحّي بِـحُب السنين دي كلها في لحظة كده من غير ما تفكّر أو حتّى تدّي لنفسك فُرصة تُكون برّه الشغل.رُد عليا إيه اللي حصل، أنا عملت إيه علشان تعمل كده!!
كان باصصلي بِـتشتت من غير ما يُرد، بصّيتله و دموعي نازلة على خدّي، كمّلت كلامي بِـحُزن وِ سخرية:
ياه يا عُديّ هوّ أنا رخيصة عندك لِـ الدّرجادي بجد؟بتدّيني دِبلتي وبتنهي كُل حاجة بينا هنا؟!!!في طُرقة المُستشفىٰ!!طب يا آخي تعالىٰ علىٰ نفسك و استنّى نخلّص شُغل حتّىٰ، وبعدها ارمي الدبلة في وشّي، مش هقولك نتكلم ونهدىٰ بقىٰ لإن واضح ماشاء الله إنك دارس قرارك ومِستعجل تنفّذه.
أخدت نفس عميق، قلتله بحسرة وقلبي واجعني:
خِسارة.. حقيقي خِسارة بجد قلبي اللي كان مِلكك!!
سيبته وِ مشيت دخلت مكتبي، قفلت الباب بِـقوّة ورايا، ولاقيت نفسي بقعد على المكتب وبمسك ورقة وقلم وبكتب تقرير مُفصّل بحالة أستاذ صَـالِـح النفسيّة علشان أسلمها لدكتور مُعتز، كنت بكتب و في نفس الوقت بعيّط، بعيّط علىٰ كل حاجة بتحصل في حياتي، حاسّة إني خسرت الهدوء والسّلام النفسي اللي عِشت فيه عُمري كُلّه، وغير كده، خِسرت الشّخص الوحيد اللي قلبي دقّله، عند النقطة دي قلبي وجعني بزيادة وصوت عياطي زاد!!
وبعد حوالي ساعة ونُص، كنت قُصاد دكتور مُعتز في مكتبه، اتكلّم أول ما شافني وقال:
انتِ فين يا دُكتورة؟ أنا كُنت موصّي دكتورة بسمة تبلّغ دكتور عُديّ إنك أوّل ما توصلي من مُستشفىٰ الحُروق تجيلي مكتبي هنا.
احم سوري يا دُكتور محدّش بلّغني خالص، أنا جيت من شويّة وكتبت لِحضرتك كمان التقرير اللي كُنت عايزه.
طب استريّحي وِ اشرحيلي الأول إيه اللي حصل بالظبط في أوضة صَـالِـح دروِيش قبل ما دكتور عمر يدخل وينقلكم لِـمُستشفىٰ الحُروق؟؟
هشرح لحضرتك، أنا كنت في أوضة المريض بتكلم معاه علشان أقدر أكتب التقرير اللي حضرتك عايزه، بس فجأة حد اقتحم علينا الأوضة، الشّخص ده دُكتور صديق لحضرتك علىٰ فِكرة، لإنه قال كده بنفسه....
شرحت لِـ دُكتور مُعتز كل اللي حصل في الأوضة بالحرف، شرحلته إن اللي جُوّه الأوضه ده أبويا الحقيقي وعلشان كده دقات قلبه كانت بتزيد في وجودي، وإن غيبوبته دي عقاب من ربنا للي عمله في حياته، حكيتله كل حاجة اكتشفتها الفترة اللي فاتت، كان باين علىٰ ملامحه التأثر وِ الزّعل و هوّ بيسمع القصّة من وسط دُموعي ختمت كلامي وقلتله:
بعد كل اللي حكيته لحضرتك ده، أنا بطلب مُوافقة حضرتك علىٰ أجازة من الشّغل لمدة أسبوعين بس، أنا مرهقة جدا ونفسيتي تعباني ومحتاجة أرتاح شوية.
آه.. آه طبعا أكيد حقك، اعتبري نفسك في أجازة مفتوحة منين ما تقدري ترجعي الشغل هتنوري مكتبك، خُدي وقتك وارتاحي تماما وبعدين ارجعي لما تحسي نفسك كويسة، بس بلاش تطولي الغيبة.
حاضر يا دكتور، شكرا لذوق حضرتك والله.
الشكر لله يا دكتورة، وأوعدك إن أي حاجة حكيتهالي هفضل مُحتفظ بيها لنفسي محدش هيعرف أي حاجة عن خُصوصيّاتك نهائي، وبالنسبة للدكتور اللي اقتحم الأوضة أنا هفرغ كاميرات الدخول والخروج وكاميرات الدور وهعرف هو مين وصدقيني هياخد عقابه.
تمام يا دكتور، متشكرة لحضرتك جدا، وبعد إذن حضرتك تبلغ دكتور عمر باللي حكيتهولك ؛ لإنه سألني وأنا ماكنتش قادرة خالص أحكيله وإحنا في مُستشفىٰ الحُروق.
تمام يا دكتورة، اتفضلي انتِ.
شكرا عن إذن حضرتك.
خرجت من الأوضة، أخدت نفس طويل، دخلت مكتبي لميت حاجتي المهمة وأخدت شنطتي وبدأت أتحرك من المُستشفىٰ، قابلت عُديّ في طريق خُروجي، حاول يوقفني بس رفضت أسمعله وخرجت من المُستشفىٰ، وأنا طول الطريق للبيت بفكر في اللي عمله!!
يا ترى إيه حصل علشان عُديّ يعمل كده!!
ده بدون أي مقدمات قالي دبلتك أهي وكل حد من طريق!!
وصلت البيت، لاقيت بابا قاعد في البلكونة وشكله سرحان، ابتسمت وأنا بقوله:
مساء الخير يا حبيبي، سرحان في إيه؟
مساء النور يا شيما، أنا مش سرحان ولا حاجة والله.
بجد؟ أومال ما أخدتش بالك إني جيت إزاي بقىٰ؟
ما كنتش مركز بس.
طب احكيلي إيه شاغل تفكيرك مخليك مش مركز كده.
أخد نفس وقال بحزن:
انتم.
إحنا !!
أيوة انتم، انتِ يا نَدىٰ وِ رحيم أخوكِ.
اتصدمت من إجابته، أخدت نفس عميق، مسكت ايده وأنا ببتسمله بحب:
الظّاهر عبد الرحمن حكالك كل حاجة، أنا مُتأكّدة كمان إنه حكالك إننا ملناش غيرك، وإن لآخر يوم في عمرنا إحنا ولاد منصور البحراوي.
أنا.. أنا مليش غيركم، مش عايز أخسركم، أنا عارف إنه مش من حقي أقول إنكم عيالي، بس واللّهِ لو كنت خلّفت ما كنتش هحبهم زي ما حبيتكم كده.
أنا عيشت معاكم أجمل أيام حياتي، عيشت معاكم كل مراحل الأبوّة، كنت بسهر معاكم لما تذاكروا، كنت بشتغل وبتعب علشان أعوضكم عن سنين التعب، كنت بحاول أخفف عن رحيم، كنت بتألم لألم أي حد فيكم، وبفرح لفرحكم.
ماكنتش الدنيا سيعاني لما رحيم أخوكِ جاب مجموع عالي وقرر يدخل حقوق من حُبه في المُحماه، وكنت طاير من الفرحة لما جيبتي مجموع طب، أعياد ميلادكم ونجاحكم في سنين التعليم، وبعد كده تخرجكم كل دي أيام محفورة في دماغي، خططت للاحتفال بالمُناسبات دي بِـمُنتهىٰ الشّغف والحُب، أنا جايز مش اللي خلّفت لكن واللهِ يشهد ربنا ربيت وِ حبيت كـأب بالظّبط.
المفروض دلوقتي الحقيقة ظهرت والسبب اللي خبّيت علشانه هويّتكم بطل لإن خلاص من كلام رحيم صَـالِـح اتغيّر وعايز يرجّعكم لحضنه من تاني، طبعا أنا برفع من عليكم أي حرج، انتِ ورحيم من حقكم القرار والاختيار دلوقتي وأيا كان القرار والله أنا راضي بيه، المُهم عندي سعادتكم، و ما تبعدوش عني أوي، طُلوا عليا كل شوية، أنا مليش غيركم وحياتي تتضلم في بعدكم والله، أنا طول الوقت قلبي بيوجعني وحاطط ايدي عليه وبسأل نفسي سؤال واحد لو الحقيقة اتكشفت قصادك و صَـالِـح رجع مصيري معاكم هيكون إيه!!
نزلت علىٰ رُكبي قُصاده، مسحت دموعه، بُوست ايده كذه مرّة و دموعي نازلة على خدي، اتكلّمت بصدق وببتسم من وسط عياطي:
أنا عايزة أقولك على حاجة، انتَ أحسن وأجمل أب في الدنيا دي بحالها، أنا ما شوفتش أحن منك عليا أنا و رحيم، ما شوفتش حد خاف علينا زيك كده، أنا بحبك جدا وممتنة لكل لحظة حلوة عيشتها معاك، ممتنة ليك انتَ شخصيا علىٰ كل حاجة عملتها لينا في حياتنا، انتَ ربيتنا أحسن تربية وعلمتنا أحسن تعليم، وعيشنا أحسن عيشة، إحنا من غيرك ماكنش زمانا بقينا كده، انتَ أبويا وهتفضل أبويا لحد ما أموت.
حاولت أخفف عنه لما لاقيته لسه ساكت، وقلت بصوت جاهدت إني ما أبيّنش فيه زعلي ويكون مرح:
علىٰ فِكرة أنا أخدت أجازة مفتوحة من الشغل أريح فيها أعصابي وأفصل فيها من الشغل والدوشة اللي حصلت طول الفترة اللي فاتت دي شوية، والنهاردة أنا اللي هطبخ، هدوقك انتَ و عبد الرحمن أحلى صنية مكرونة بالبشاميل في حياتك كلها صدقني.
ضحك بدموع، حضني وهو بيقول:
ربنا ما يحرمني من وجودكم في حياتي أبدًا.
................
دكتور عُديّ!
أيوة يا دكتور بسمة في حاجة؟
بنادي عليك من بدري!
سوري سرحت شوية.
في خطيبتك مش كده؟الحقيقة حقك تسرح أنا لو مكانك كنت هدّيت الدنيا لما أكتشف إن خطيبتي واللي هتبقى مراتي بتغفلني..
وإن أبوها المحامي الشريف طلع مش أبوها، وأبوها الحقيقي أعوذ بالله تاجر مُخدّرات، والله أعلم بقى اللي بتقول إنه أخوها ده أخوها بجد ولا إيه!!
لأ وفوق كل ده كمان ما طلعش اسمها شيماء..
يعني سوري في اللفظ مستغفلاك وعاملة عليك الطّاهرة الشريفة، وهيّ لا مؤاخذة مدوّاراها وعايشة مع اتنين رجالة غُراب عنها، صحيح ياما تحت السّواهي دواهي.
تبقىٰ غلطان يا دكتور عُديّ بصراحة لو سكت عن اللي عملته ده كله ومفضحتهاش وخلّيت اللي ما يشتري يتفرج.