تحميل رواية «حبيسة قلبه المظلم» PDF
بقلم سارة علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد عدة أعوام ..” تبقى يومين وتخرج من هنا …” قالها صديقه وهو ينظر إلى ملامحه التي سيطر عليها التجهم بشدة ..” ماذا حدث ..؟! ملأ الضيق ملامحك فجأة ..؟!” نظر إليه نديم وأجاب :-” تبقى يومين يا مجد.. يومان وأخرج من هنا وأنا أعلم جيدا ما ينتظرني في الخارج ..” أردف وعيناه تنظران الى الأفق البعيد :-” هل تعلم ..؟! أحيانا أتمنى ألا أخرج من هنا … ادعو الله أن يأخذ أمانته قبل الخروج .. لم أخشَ يوما من شيء إلا إنني الآن أخشى وبشدة من المواجهة .. ” تغضن جبينه برفض :-” أخشى من مواجهة المجتمع ، الأهل والأصحاب ....
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سارة علي
في أحد المطاعم الشهيرة، كانت تجلس أمامه تبتسم برقة. شعرها الغامق بخصلاته الشقراء ينسدل بنعومة على جانبي وجهها. كانت ترتدي فستاناً حريرياً بنفسجياً طويلاً، ذا فتحة صدر واسعة تبرز منطقة نحرها بجاذبية خطيرة، وذا أكمام طويلة شفافة. إطلالتها كانت بسيطة لكنها فائقة الجاذبية مثلها تماماً. مكياجها الناعم ولون أحمر شفاهها المميز يجذبه نحوها برغبة مخيفة.
ابتسمت وهي تقول بعدما ارتشفت القليل من عصيرها المفضل:
"ما سبب هذه الدعوة، وفي يوم كهذا؟!"
هتف يتصنع عدم المعرفة:
"ما به هذا اليوم؟!"
ردت ضاحكة:
"دعوتني إلى العشاء في يوم زفاف أخيك."
قاطعها بجدية:
"لا تبدئين الآن.. أنتِ تعرفين كل شيء، فلا داعي لكل هذه المراوغات."
اكتفت بإبتسامة هادئة عندما حمل عصيره يتناوله بدوره، ثم قال بعدما أعاد وضعه على الطاولة:
"إذاً سأتحدث الآن."
"كلي آذان صاغية لك." قالتها بجدية.
ليبتسم بهدوء قبل أن يقول:
"اليوم ليس يوماً عادياً يا شيرين. اليوم نفذت أهم قرارين في حياتي لهذه الفترة.. بالأحرى نفذت إحداهما وسأنفذ التالي الآن."
"ما هذان القراران؟!" سألته بإهتمام.
ليجيب بنفس الجدية:
"أول قرار نفذته.. طلقت ليلى."
لم تبدُ عليها الدهشة، حيث اكتفت برد مقتضب:
"جيد."
سألها متمعناً النظر في ملامحها التي سيطر عليها البرود:
"ألن تقولي شيئاً عن هذا؟!"
ردت ببرود:
"ماذا سأقول؟! بالطبع لن أواسيك، لأن هذا آخر ما تحتاجه. وبالطبع لن أبارك لك، لأنك طلقت ليلى بعدما دمرت حياتها كلياً وسرقت سنوات عمرها."
"يكفي." قالها بحنق قبل أن يضيف بضيق:
"من الأفضل ألا تقولي شيئاً."
سألته بدورها:
"لماذا تزعجك الحقيقة إلى هذه الدرجة؟! لماذا لا تعترف بذنوبك؟!"
رد بهدوء:
"من قال هذا؟! على العكس تماماً.. أنا أعترف بجميع ذنوبي، وهذا الفرق بيني وبين البقية. أنا أعترف بذنوبي وجرائمي بحق الجميع، لكنني راضٍ عنها للغاية. أما الإنكار فليس طبعي، والدليل إنني لم أنكر يوماً أي شيء فعلته حتى الآن."
"أنت تخيفني." قالتها مرغمة.
ليبتسم وهو يردد:
"لا يجب أن تخافي مني.. طلبي لا يناسبه الخوف أبداً."
"أي طلب؟!" سألته بإستغراب.
ليرد بإبتسامة:
"أخبرتك إن هناك قرار ثانٍ اتخذته منذ مدة وسأنفذه حالاً."
تطلعت إليه بإهتمام، ليضيف بقوة وجدية:
"أنا أريد الزواج منك يا شيرين."
تجمدت ملامحها للحظات قبل أن يخف جمودها وهي تردد بعدم إستيعاب:
"تريد الزواج مني؟!"
أومأ برأسه وهو يجيب بجدية وثقة:
"نعم، أنا أعرض الزواج رسمياً عليك، وأريد موافقتك بشدة."
سألته وهي لم تستوعب بعد ما سمعته:
"لماذا؟!"
"هذا سؤال غير منطقي أبداً."
"بل إنه السؤال الأكثر منطقية.. لماذا تعرض علي الزواج الآن يا عمار؟! ولماذا تريد الزواج مني أنا تحديدا؟!" سألته بقوة.
ليرد بهدوء:
"اخترت هذا التوقيت، لأنني كنت أنتظر إتمام إجراءات الطلاق رسمياً قبل أن أعرض الزواج عليكِ. يعني أكون حراً من أي ارتباط قبل تقديم هذا العرض. ولماذا أريدك أنتِ تحديداً؟! لأنكِ المرأة الوحيدة التي وجدت بها الزوجة التي أريدها وأتمناها.. المرأة الوحيدة التي تصلح أن تكون زوجتي."
"هذا هراء.. أنا وأنت مختلفان تماماً.. وأنت بالطبع لا تتوقع أن أقبل بك بعد كل أفعالك الحقيرة."
توقفت عن المزيد من الكلام عندما لاحظت جمود ملامحه. ولا تعلم لماذا شعرت بألم في قلبها وهي تتحدث بهذه القسوة؟! هل طبيعتها ولطفها الزائد عادةً جعلاها تستاء من نفسها، لأنها تفوهت بكلام قاسٍ كهذا، أم إنها تألمت لأجله؟!
نفضت هذه الأفكار عن رأسها وهي تنهض من مكانها، تردد بجدية:
"أنا وأنت لا نناسب بعضنا أبداً.. أنا لا يمكنني العيش معك بكل ما تحمله داخلك من ظلام وقسوة.. بكل ما تفعله من جرائم وآلام في حق الجميع."
همت بالتحرك، لكنه قبض على ذراعها يجذبها نحوه، لتتلاقى عيناها بعينيه بنظرة طويلة. فرأت بعينيه شيئاً غريباً صادماً.. شيئاً يشبه الرجاء. هل يرجوها بنظراته حقاً أم تتوهم؟!
شعرت بقلبها يهوى أسفل قدميها من نظراته تلك، فهمست بتوسل:
"عمار.. اتركني من فضلك."
رد بقوة وإباء:
"لن أتركك قبل أن تعترفي أمامي، وأنت تنظرين داخل عيني، إنك لا تشعرين بأي شيء نحوي ولا تحملين داخلك شيئاً لي."
"ماذا تفعل أنت؟! ما هذا الطلب السخيف؟!" همست بضعف وهي تحاول التحرر من قبضته، بينما عيناها تنظران إلى الناس حولها، تخشى أن ينتبه أحدهم لوضعهما، قبل أن تعاود النظر إليه فتضيف برجاء:
"اتركني يا عمار.. الجميع سينظر إلينا.. أرجوك."
حرر ذراعها، لِتندفع بسرعة خارج المكان. فيجري مندفعاً خلفها، عندما تبعها خارج المطعم، ينادي عليها بأعلى صوته. فتتوقف مكانها تلتقط أنفاسها بصعوبة، فتشعر به يقترب منها قبل أن يقبض على ذراعها، يديرها نحوه، يأمرها بقوة:
"أخبريني هيا.. قولي إنك لا تشعرين نحوي بشيء."
"عمار.." قالتها بتوسل.
ليهتف وهو ينحني نحوها أكثر، مقرباً وجهه من وجهها:
"لن تستطيعي التأثير علي بما تفعلينه.. لن أتركك ولن أتراجع عن طلبي إلا عندما تخبريني بصدق، إنني لا أعني لك شيئاً."
"ابتعد من فضلك." همستها بتوسل وهي تشعر بنبضات قلبها ترتفع بقوة.
فيقرب وجهه من وجهها أكثر، يهمس بخفوت مغرٍ:
"هيا قوليها.. ماذا تنتظرين؟! قوليها يا شيرين."
صاحت بحرقة وهي تدفعه بقوة بعيداً عنها:
"نعم.. أنا أشعر بالكثير نحوك.. ما زلت تهمني وما زالت مشاعري القديمة موجودة.. لم يتغير شيء.. رغم كل شيء.. مشاعري ما زالت كما هي.. ربما خفت بمرور السنوات، لكنها ما زالت موجودة.. اللعنة عليك.. هل ارتحت الآن؟!"
"كثيراً." قالها مبتسماً قبل أن يجذبها نحوه بقبلة صادمة عنيفة. فتدفعه بعد لحظات بعيداً عنها، وهي تصفعه على وجهه بقوة، قبل أن ترفع إصبعها في وجهه وهي تردد بتهديد:
"إياك أن تكررها.. أنا لست واحدة من عاهراتك.. هل تفهم؟!"
تحركت مبتعدة، عندما سيطر هو على غضبه بصعوبة، وصاح بصوت عالٍ وصل إليها، وهي التي كانت على وشك ركوب سيارتها:
"أنتِ لستِ كذلك ولن تكوني يوماً.. أنتِ ستصبحين زوجتي.. المرأة التي تحمل اسمي.. حلالي وإمرأتي.. فلا داعي لكل هذا.. أنا لم أنظر يوماً إليك بهذه الطريقة.. فكري بعرضي جيداً.. فأنا أنتظر قرارك النهائي بأسرع وقت."
***
دلفت إلى داخل الشقة التي اختارت أن تقضي ليلتهما الأولى فيها، بدلاً من الذهاب إلى فندق راقٍ كما اقترح عليها هو. أرادت أن تقضي ليلتهما الأولى في هذه الشقة لسبب غير محدد. ربما لأنها شعرت بالدفء يسيطر عليها في المرات القليلة التي جاءت بها إلى هنا. وربما لأنها تشعر إن هذا المكان كان يحمل بداية جديدة له. أو ربما لأنه عاش الفترة السابقة وحيداً هنا، فقررت أن تقضي معه الأربعة أيام المتبقية لهما هنا، تمحو أي ذكريات له تملؤها الوحدة، وتمنحه ذكريات خاصة بهما.
أشياء كثيرة أرادتها وحلمت بها وخططت لها، لكن كل شيء ذهب هباءً.
سمعت صوت إغلاق الباب، فلم تشعر بالخوف الذي من المفترض أن تشعر به أي عروس، لأنها تدرك جيداً إنه لن يحدث أي شيء الليلة. هي لن تسمح أن يحدث أي شيء، وهو لن يرغمها بالطبع، فلا وجود للخوف. الشيء الوحيد الذي تشعر به حالياً هو الألم والحسرة، وربما الضياع. وهذا ما يجعلها ترغب بالانفراد مع نفسها قليلاً.
شعرت به يقترب منها، فظلت واقفة مكانها عندما وضع كفيه فوق كتفيها، فانتفضت مبتعدة بسرعة عنه، مستديرة نحوه بملامح عصبية.
هتفت تسبقه بالحديث:
"أين الغرفة الأخرى التي لا تمكث بها أنت؟! أريد تغيير ملابسي والنوم حالاً، لأنني متعبة."
هتف بجدية:
"حياة.. نحن يجب أن نتحدث."
قالت بقوة:
"بماذا سنتحدث؟! ماذا تريد أن تقول؟!"
رد بجدية:
"تفسير.. أريد أن أمنحك تفسيراً لما رأيته.. اسمحي لي بذلك على الأقل."
ردت بجفاء:
"صدقني مهما فسرت، فلن يغير حقيقة ما رأيت.. وأنت لن تستطيع أن تغير من حقيقة ما رأيته وشعرت به يا نديم.. لذا من الأفضل لك ولي أن نترك أي أحاديث لا معنى لها ولن تضيف لنا شيئاً. دلني على مكان الغرفة الثانية من فضلك، فطاقتي نفذت ولا يمكنني البقاء هكذا.. أحتاج إلى النوم حالاً أكثر من أي شيء."
نعم.. هي تحتاج إلى النوم، بل بالأحرى إلى الهروب.
حاول أن يتحدث محدثاً، لكنه تراجع، وهو يرى الإصرار بعينيها، فقال بجدية:
"تفضلي."
سارت خلفه إلى الغرفة المجاورة لغرفته، لتدلف إلى الداخل، تتأمل الغرفة الأنيقة بصمت، قبل أن تلتفت نحوه، تجده يتأملها بهدوء، دون وجود تعبير محدد على ملامحه.
"أحتاج حقيبتي." قالتها وهي تحاول الخروج من الغرفة.
لكنه أوقفها قائلاً:
"سأجلبها أنا."
خرج وعاد بعد لحظات يحمل حقيبتها التي تحمل قليلاً من ملابسها وأغراضها. وضع الحقيبة على الأرضية وسألها بإهتمام:
"ألا تحتاجين شيئاً آخر؟!"
ردت بجمود:
"كلا.. شكراً لك."
عاد يسألها:
"ألن تتناولي العشاء قبل النوم على الأقل؟!"
ردت بإقتضاب:
"كلا.. لا شهية لدي."
هز رأسه متفهماً، ثم منحها نظرة طويلة، وجدت بها شيئاً غريباً لم تفهمه، قبل أن يتحرك خارج الغرفة. فتندفع بسرعة نحو الباب وتغلقها بقوة، قبل أن تتجه نحو السرير، تجلس عليه، تسمح لدموعها لأول مرة أن تتساقط على وجهها بحرية.
مر بعض الوقت قضته تبكي بصمت.. تبكي دون أن تفعل شيئاً آخر. توقفت عن بكائها بعد مدة ليست قصيرة، لتنهض من مكانها، تجر قدميها نحو الحمام الملحق بالغرفة بتعب، بعدما خلعت حذائها. وقفت أمام المغسلة، حيث فتحت صنبور المياه، وبدأت تغسل وجهها بالماء البارد عدة مرات، قبل أن تجففه بقوة. اتجهت خارجاً وفتحت الحقيبة، تسحب منها بيجامة حريرية لها، قبل أن تقع عينيها على قميص النوم الكريمي الذي اشترته لأجل الليلة. فكتمت دموعها بصعوبة، وهي تحمله من مكانه، تتأمله للحظات، قبل أن ترميه بإهمال في الحقيبة مجدداً، وتتجه لخلع فستانها وارتداء البيجامة.
ارتدت بيجامتها، ثم فكت تسريحتها البسيطة، محررة شعرها القصير، لتتجه بسرعة نحو السرير، بعدما فتحت جهاز التكييف وأغلقت الضوء، حيث اندست بجسدها أسفل غطاء السرير، تغمض عينيها بقوة، تحاول ألا تفكر بشيء كي تنام بأسرع وقت. لكن رغماً عنها، عادت ذكريات الليلة تغزو عقلها، فبدأت دموعها تتساقط مجدداً، وشهقاتها تظهر هذه المرة. استمرت في بكائها أسفل الغطاء لوقت ليس بقليل، قبل أن تذهب في نوم عميق أثناء ذلك.
أما في الخارج، فوقف نديم في الشرفة يستنشق الهواء بقوة، محاولاً السيطرة على أعصابه الثائرة بعد كل ما حدث. لقد تدمرت هذه الليلة تماماً، وانتهت فرحته قبل أن تبدأ. لا يعلم بمَ عليه أن يفكر؟! من جهة ليلى وما علمه منها وترك داخله أثراً عميقاً، ومن جهة حياة وما سببه لها من ألم، والنتيجة إن مشاعره اختلطت تماماً. لكن شعور واحد واضح داخله نحو الاثنتين.. هو يشعر بتأنيب ضمير شديد تجاه كلا من حياة وليلى، مثلما يشعر إنه خذل الاثنتين. وهذا يجعله يرغب بالاختفاء من على وجه الأرض.
كان يتمنى حقاً أن يتخطى حديثه مع ليلى بوجود حياة، وقد استعاد ثباته واصراره، وظن إن وجود حياة سيساعده كثيراً، فهي تستطيع أن تؤثر عليه بقوة وتبعد كل الأفكار المؤلمة من قلبه وروحه. وجودها كالبلسم لجراحه. لكن ما حدث قلب كل الموازين.. فحياة هي الأخرى تخلت عنه بعدما تألمت منه. هجرته في أول ليلة لهما كزوجين. سرقت منه كل شيء أراده وخطط له. وها هو يقف وحيداً في شرفة شقته، يدخن سيجارته بصمت، وعقله يكاد ينفجر من التفكير، وقلبه يتألم لأسباب كثيرة.
ظل مستيقظاً حتى الصباح، وقد فشل في الحصول ولو على ساعات قليلة من النوم. اتجه نحو غرفته، حيث خلع ملابسه وأخذ حماماً سريعاً، قبل أن يخرج وهو يجفف شعره بالمنشفة، مرتدياً ملابس بيتية مريحة. وقف يتأمل نفسه في المرآة للحظات، قبل أن يعقد العزم على الدخول إلى المطبخ وتجهيز الفطور لهما.
بالفعل بدأ يجهز الفطور، حيث أعد البيض، وأخرج أنواعاً مختلفة من الأجبان والقشطة والعسل وغيرها من الأشياء. وبعدما أعد الشاي الذي تفضله هي على الفطور، اتجه لإيقاظها. عندما فتحت له الباب بعد لحظات بملامح ناعسة، فتأمل بيجامتها الرقيقة وملامحها المحببة وشعرها المبعثر قليلاً. ابتسم رغماً عنه، مردداً:
"صباح الخير."
ردت ببرود:
"صباح النور.. ماذا هناك؟!"
تجاهل برودها يجيب بإبتسامة متحفظة:
"الفطور جاهز."
همت بالرفض، لكنه سبقها، وقد شعر برفضها:
"لقد أعددت الفطور بنفسي، وأنتِ لم تتناولي شيئاً منذ صباح البارحة، وبالتأكيد جائعة للغاية، وأنا مثلك تماماً، لذا ضعي خلافاتنا جانباً وتفضلي معي لتناول الفطور."
شعرت بالجوع يسيطر عليها بالفعل، فهزت رأسها تهمس:
"دقائق وأتبعك."
اتجهت بعدها نحو الحمام، تغسل وجهها جيداً، قبل أن تقف أمام المرآة، ترفع شعرها بكعكة بسيطة، قبل أن تخرج له. تأملها بطلتها البسيطة، وهي ما زالت ترتدي بيجامتها الحريرية، ورغماً عنه شعر بالإنجذاب نحوها، وشعور إنه أصبحت زوجته منحه شعوراً قوياً يجمع بين الطاقة الإيجابية والسعادة.
جلست أمامه وبدأت تتناول طعامها بصمت، دون أن ترفع عينيها لحظة واحدة وتنظر في وجهه، بينما كان هو يتأملها بإهتمام، دون أن يرفع نظراته لحظة واحدة عنها. شعرت بنظراته مسلطة عليها، فتعمدت عدم النظر له والإنشغال بتناول طعامها، قبل أن تنهي فطورها بسرعة وتنهض من مكانها، متجهة إلى غرفتها مجدداً، حيث أغلقت الباب خلفها بقوة، ثم اتجهت تستلقي فوق سريرها بتعب شديد، وتغمض عينيها لتذهب في النوم مجدداً بعد دقائق.
***
تعمدت الخروج من المنزل باكراً، قبل أن تلتقي بوالدتها وأختها. لقد قضت الليلة كاملة تنازع أرقها، حتى غلبها النعاس أخيراً في ساعات الفجر الأولى، فلم تنم سوى أقل من ثلاث ساعات، كانت مليئة بالكوابيس المرعبة.
ركبت سيارتها وقادتها بمزاج سيء جداً. مهما تظاهرت بالقوة، فهناك شيء داخلها انكسر. حب حياتها تزوج، ورغماً عنها تتألم. هذا هو الحب، وهذا واقعه. في النهاية، هي إنسانة لديها طاقة تحمل.. لديها مشاعر وأحاسيس، ولا يمكنها أن تسيطر على شعورها المؤلم باستمرار. يشهد الله عليها إنها تقاوم مشاعرها.. تحاربها بشراسة وتحاول أن تخفيها عن نفسها قبل الجميع، لكن المشاعر داخلها ما زالت موجودة، تظهر بين الحين والآخر رغماً عنها، وهذا ما يحدث معها اليوم تحديداً.
أوقفت سيارتها في كراج الشركة، ثم خرجت منها ودلفت إلى الشركة بملامح جامدة، تحاول من خلالها إخفاء ألمها. ركبت المصعد واتجهت إلى مكتبها، حيث وجدت السكرتيرة تستقبلها بترحيب، فهمست لها بخفوت:
"لا أريد أي مقابلات أو أي شيء يخص العمل، حتى أخبرك بذلك."
ثم دلفت إلى المكتب، تغلق بابه خلفها، وتتجه على الكرسي المجاور للمكتب، تجلس عليه، تتراجع برأسها إلى الخلف، مغمضة عينيها، محاولة طرد تلك الأفكار عنها.
مرت حوالي نصف ساعة وهي على هذه الحال، عندما سمعت صوت الباب يفتح، فقالت وهي تفتح عينيها بسرعة:
"ألم أخبرك ألا تدخلي مكتبي قبل أن أطلب منك ذلك؟!"
توقفت عن حديثها، وهي تراه أمامها.. الرجل الذي دمر حياتها بالكامل وسرق سعادتها.
تابعته وهو يغلق الباب بقوة، ثم يتقدم نحوها، مردداً ببرود:
"صباح الخير يا ليلى.. أم أقول صباح الخير يا زوجتي السابقة.. أو طليقتي.. لا فرق بينهما."
سألته بحدة، متجاهلة حديثه:
"ماذا تفعل هنا منذ الصباح؟!"
رد ببرود، وهو يتجه ويجلس على الكرسي الرئيسي للمكتب:
"جئت لكي نتحدث بشأن العمل.. لا تنسي إن هناك الكثير من الاتفاقيات بيننا، إضافة إلى الشيكات."
قاطعته بضيق:
"لا يمكنني العمل الآن.. أنا مرهقة و.."
قاطعه ببرود:
"أنتِ المديرة العامة للشركة.. ألم تستوعبي مكانتك بعد وأهمية منصبك الجديد؟! كونك مديرة، فلا يوجد شيء اسمه مرهقة أو متعبة أو مزاجي ليس جيداً. توقفي عن البكاء على أطلال من باعك، وفكري بما ينتظرك.. توقفي عن الجري وراء مشاعرك الغبية، لأن هناك أشياء أهم تنتظرك."
نظرت إليه بحقد، فشلت في إخفائه. ليقول بجدية، متجاهلاً حقدها الظاهر عليها ناحيته:
"قاعدة أساسية يجب أن تعملي بها، كي تكوني سيدة أعمال ناجحة.. العمل والعواطف لا يجتمعان سوياً يا ليلى. عندما تدخلين إلى الشركة، عليك أن تضعي كل مشاكلك الشخصية والعاطفية ومشاعرك جانباً. أنتِ هنا ليلى سليمان.. مديرة الشركة.. هنا في هذا المكان، لا تستعملي سوى عقلك، أما أي شيء آخر، فاتركيه خارج هذا المكان.. هناك منزل يمكنك أن تنهاري به كما تشائين."
نهضت من مكانها، وهي ما زالت ترميه بنظرات نارية، قبل أن تهتف بقوة:
"شكراً على نصائحك، لكنني لا أحتاجها.. أنا أعرف كيف أدير شركتي بنفسي.. اسمح لي، فأنا سأغادر الآن، لأن الجو بوجودك أصبح لا يطاق."
ثم اندفعت خارج المكان، متجهة خارج الشركة بأكملها. اتجهت إلى الكراج وركبت سيارتها، قبل أن تنهار باكية، وقد فقدت كافة محاولاتها للسيطرة على نفسها. استمرت في بكائها، قبل أن تمسح دموعها وتقود سيارتها، وهي تحاول ألا تبكي. حيث قررت التوجه إلى أحد المقاهي الهادئة للانفراد بنفسها قليلاً.
توقفت أمام أحد المقاهي الهادئة المعزولة. جلست على إحدى الطاولات المعزولة قليلاً، وطلبت مشروباً دافئاً. بعد مدة قصيرة، جاء النادل يحمل لها طلبها. أخذت ترتشف القليل من مشروبها الدافئ بشرود. رغم إن الصيف ما زال في منتصفه، ورغم حرارة الجو في الخارج، لكنها شعرت بالحاجة لمشروب دافئ جداً في هذه اللحظة. مشروب يمنحها الدفء الذي تفتقده منذ مدة طويلة. نوبة البكاء التي أتتها قبل قليل ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، لكنها ستتجاوزها بالتأكيد. ستتخطاها كما تخطت الكثير قبلها.
ارتشفت قليلاً من مشروبها، قبل أن ترفع عينيها الحمراوين، وآثار البكاء ما زال يحتلها تماماً، لتتأمل ذلك الذي دلَف إلى المقهى بخطوات واثقة ونظرات حازمة. وقد تذكرته فوراً. اللعنة.. إنه ذلك الشاب الذي صدمت سيارته قبل أيام. ما الذي أتى به هنا؟! انتبهت لا إرادياً إلى النادل الذي تقدم يحييه بإهتمام لا يحظى به سواه، قبل أن تتفاجأ بنظراته تتجه نحوها، فخفضت وجهها بسرعة، مفكرة إنه بالتأكيد لم ينتبه لوجودها، وإن نظرته كانت عفوية.
لحظات قليلة شعرت بظل يتشكل فوقها، فرفعت وجهها لتنصدم بعينيه الباردتين تنظر مباشرة إلى عينيها، قبل أن يهتف بصوت هادئ، لكنه بارد:
"هل يمكنكِ تغيير طاولتك إذا سمحتِ؟!"
"عفوا؟!" رددتها بعدم فهم.
ليضيف موضحاً:
"أنا معتاد على ارتياد هذا المقهى بصورة مستمرة، وهذه طاولتي الدائمة هنا. من فضلك اختاري أي طاولة أخرى."
قاطعته بحدة وصوت ارتفع قليلاً:
"أنا أتيت قبلك وجلست عليها قبلك، وبالتالي لا يحق أن تطلب مني شيئاً كهذا."
"حسناً اهدئي، لا داعي لكل هذه العصبية." قالها بقليل من التهكم.
لتنظر له بنظرات مشتعلة، فيضيف ببرود ساخر:
"ليس ذنبي أن ألتقيك صدفة للمرة الثانية، وأنتِ تعانين من أزمة ما.. المرة السابقة فرغت حزنك وغضبك في سيارتي، والآن تريدين تفريغ آلامك بي أنا."
انتفضت من مكانها تهتف، وهي ترفع إصبعها في وجهه بقوة:
"أنت من تظن نفسك كي تتحدث معي هكذا؟!"
رد بنفس البرود المغيظ، وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
"لا تنسي إنني تنازلت عن البلاغ ذلك اليوم، وإلا كنتِ ستخسرين رخصة قيادتك لمدة غير معلومة."
"وأنا لم أطلب منك ذلك.. أنت من تبرعت وتنازلت."
قاطعه بجدية:
"لأنك فتاة.. ومن الواضح إنكِ كنتِ تعانين وتبكين، ففعلت هذا مراعاة لظروفك النفسية."
ردت بتهكم:
"يا لك من كائن حساس ورقيق."
هتف ببرود:
"على العكس تماماً.. أنا كائن بارد لا يُطاق، والآن من فضلك تفضلي من هنا."
هتفت بعناد، وهي تعاود الجلوس على كرسيها:
"لن أغير طاولتي.. وأنت افعل ما بوسعك، إذا كان بوسعك شيء من الأساس."
تأملها وهي ترتشف من كوبها بلا مبالاة، فشعر بغيظ يملأه منها. لحظات ووضع تلك الحقيبة العملية السوداء على الطاولة، وسحب الكرسي المقابل لها، لتتسائل بدهشة:
"ماذا تفعل؟!"
أجاب بغلظة، وهو يفتح حقيبته ويخرج حاسوبه:
"بما إنك لا تريدين تغيير الطاولة، سأشاركك بها."
هتفت بحنق:
"ومن قال إنني أقبل بذلك؟! هناك عشرات الطاولات الفارغة."
ادعى عدم سماع حديثها، وهو يشير إلى النادل بكفه، ليهز النادل رأسه بطاعة. تأملته وهو يفتح حاسوبه ويبدأ في التعامل معه، عندما بدت نظراتها شديدة الحنق في تلك اللحظة. لحظات وجاء النادل يحمل فنجاناً من القهوة مع قدح من الماء وبعض البسكويت، ليسأله بإهتمام شديد، إذا ما كان يريد شيئاً آخر، فيهز رأسه بنفي.
هم النادل بالتحرك، لكنها أوقفته، وهي تتحدث معه وتشير بكفها نحو أثير، الذي ما زال يضع أنظاره على الحاسوب، بدا غير مهتم بما تقوله، بل لم يرفع نظره حتى من فوق حاسوبه:
"من فضلك.. حضرته جلس على طاولتي دون موافقتي.. أخبره أن ينهض من طاولتي ويتجه إلى طاولة أخرى."
تنحنح النادل، مردداً بتردد:
"في الحقيقة.. هذا الطاولة خاصة بأثير بك.. هو زبون دائم لدينا، وهذه طاولته."
قاطعته تتسائل بغضب:
"هل سجلتم الطاولة باسمه؟!"
رد النادل بحرج:
"يا هانم.. أنا لا أرى مشكلة أن تشاركي أثير بك طاولتك.. يعني هو مشغول بعمله، وأنت ترتشفين مشروبك.. كونى أكثر هدوءاً يا هانم، ولا داعي لإثارة مشاكل من اللا شيء."
تأملته وهو يبتعد عنها بعدم تصديق، لتعاود النظر إلى أثير بحقد، فترى فمه يلتوي بإبتسامة خبيثة، وهو ما زال مسلطاً عينيه فوق حاسوبه. فتتراجع إلى الخلف بأعصاب مشدودة، بعدما عقدت ذراعيها أمام صوتها بقوة، فيهمس بينه وبين نفسه:
"ويلومونني لإنني لا أحب الشقراوات."
"ماذا قلت؟!" سألته بحزم، وقد شعرت إنه يتحدث مع نفسه عنها.
فرد ببرود، دون أن يرفع وجهه عن حاسوبه، ويضع عينيه في عينيها:
"أتحدث مع نفسي بأمر خاص بي تماماً.. لا تتدخلي أنتِ."
أكمل بعدما رفع عينيه نحوها أخيراً:
"برأيي إن مكياجك بحاجة إلى التعديل.. آثار البكاء خربته قليلاً، خاصة كحل عينيكِ."
اتسعت عيناها بعدم تصديق مما تسمعه.. فهو تجاهل كل شيء وغضبها الحارق منه، وتحدث عن كحل عينيها ومكياجها.!!
همست بإنفعال مكتوم:
"أنت حقاً مستفز."
رد بإبتسامة متكفلة:
"وأنت جميلة."
تجمدت ملامحها، ليضيف شارحاً:
"لا تفهميني بشكل خاطئ، ولا تشكي بنواياي من فضلك.. أنا أساساً لا أحب الشقراوات، ولكنني أعترف بالجمال وأقدره.. أنتِ رغم كون وجهك الكئيب ورغم شخصيتك النكدية، جميلة حقاً.. حتى إن جمالك يذكرني بأميرات ديزني.. سندريلا مثلا."
"وجهي الكئيب وشخصيتي النكدية." رددتها بعدم استيعاب.
ليهتف:
"الآن تركتِ كل ما ذكرته عن جمالك وتشبيهك بسندريلا، وركزتِ مع هاتين الكلمتين."
"هل أخبرك أحدهم من قبل إنك شخص فظ لا تجيد التحدث بلياقة؟!" سألته من بين أسنانها.
ليرد بتكلف:
"إذا كنت تعتبرين صراحتي فظاظة، فأنت حرة."
هتفت بحنق:
"هذه وقاحة وليست صراحة."
ابتسم لها بخفة، وهو يحمل كوبه يرتشف منه مجدداً، لتشعر برغبة شديدة بتفريغ كل آلامها وغضبها اليوم فوق رأسه. تأملت رنين هاتفها، فحملته وهي تجد رقماً غريباً يتصل بها. ردت تتسائل:
"تفضل.. من معي؟!"
جاءها صوته الرجولي الرخيم:
"أنا زاهر يا ليلى."
قالت بإرتباك غريب:
"آه زاهر.. أهلاً وسهلاً."
جاءها صوته الهادئ يرد تحيتها، ثم يتسائل:
"في الحقيقة.. وددت أن أسألك.. هل يمكنني رؤيتك اليوم؟!"
ردت رغم ترددها:
"نعم.. يمكن."
قال بسرعة:
"إذا ما رأيك أن نلتقي على العشاء في أحد المطاعم؟"
أرادت أن ترفض، فلا مزاج لديها حقاً للخروج، لكنها شعرت بالخجل، خاصة وهو يضيف:
"سنقضي وقتاً ممتعاً، وأيضاً هناك الكثير مما أريد التحدث معك بشأنه."
قالت مرغمة:
"حسناً.. كما تريد."
قال بسرعة:
"سأمر عليكِ في الفيلا في تمام الساعة التاسعة مساءً."
"سأنتظرك." قالتها بجدية، قبل أن تغلق الهاتف، تتأمل ذلك الذي يجلس أمامها يعمل على حاسوبه بتركيز شديد، فعادت تشعر بالغيظ منه، لكنها تجاهلت ذلك مرغمة.
كان يجلس في مكتبه يتحدث مع جيلان، يطمئن على أحوالها، فتخبره إنها بخير، والجميع يعتني بها منذ وصولها إلى قصر العائلة البارحة. أنهى اتصاله معها، واسترخى في جلسته قليلاً، متذكراً حديثه مع ليلى، التي لا تكف عن تصرفاتها تلك. فها هي تنهار مجدداً بسبب مشاعرها الغبية، متناسية إن هناك شركة ضخمة تنهار تدريجياً وبحاجة لإنقاذ سريع منها، رغم وثوقه إنها لا تستطيع أن تفعل شيئاً، فمهما حاولت، ستنهار الشركة لا محالة.
انتبه على طرقات على باب مكتبه، يتبعها دخول السكرتيرة، التي تنحنحت قائلة:
"مريم سليمان في الخارج.. تريد مقابلتك."
تغضن جبينه بإستغراب من قدومها اليوم تحديداً، رغم إنه كان ينتظر قدومها، بل واثقاً منه، لكنه لم يتوقع أن تأتي بهذه السرعة.
"عشر دقائق وتدخل.. لدي اتصالات مهمة أريد إنهائها أولاً." قالها بصرامة، لتهز السكرتيرة رأسها برسمية وتخرج، فيعاود الاسترخاء في جلسته، مردداً بإبتسامة متلذذة:
"وها قد بدأنا أول خطوة رسمياً في المشوار يا مريوم.. اليوم أتيتِ بنفسك، كما كنت واثقاً، لكنكِ أتيتِ مبكراً عما توقعت."
تنفس بقوة، ثم قال وهو يبتسم بإنتصار:
"كل شيء يسير كما أخطط له منذ أول يوم.. ولم يتبقَ سوى القليل.. القليل جداً وينتهي كل شيء، وأنال ما أريده كاملاً."
عاد برأسه إلى الخلف، مغمضاً عينيه. عندما فتحها بعد دقائق، عندما سمع صوت الباب يفتح، يتبعه دخول مريم بملامح جامدة. أغلقت الباب وتقدمت نحوه، ترتدي ملابس رسمية قليلاً، لا تشبه ملابسها الشبابية المعتادة، حيث بنطال جينز أزرق طويل، فوقه سترة سوداء، أسفلها قميص من الشيفون الأبيض. شعرها الأشقر الطويل منسدل على جانبي وجهها، الذي تزينه مستحضرات التجميل بعناية. رائحة عطرها القوية اقتحمت أنفه لا إرادياً، فارتفعت نسبة الأدرينالين داخل جسده بقوة. تأملها بتفحص، وهي تسير نحوه بخطوات مترفعة، قبل أن تلقي التحية بخفوت، ثم تجلس على الكرسي المقابل له، واضعة قدماً فوق الأخرى، بعدما وضعت حقيبتها السوداء الصغيرة على الطاولة أمامها.
"زيارة مفاجئة إذا." قالها بهدوء لا يخلو من السخرية.
لترد وهي ما زالت ترتدي قناع الجمود:
"هناك حديث بيننا لم ننتهِ منه على ما أظن."
رد ببديهية:
"أنا قلت ما عندي.. القادم يخصك."
أضاف موضحاً:
"القرار لكِ."
"أنت تطلب مني شيئاً تعجيزياً." قالتها بجدية، وقد بدأ الجمود يختفي من فوق ملامحها، والغضب ملأ عينيها.
رد بهدوء ولا مبالاة:
"أين التعجيز فيما أطلبه؟! هل الزواج مني أصبح طلباً تعجيزياً؟!"
ردت بحنق:
"لا تتغابى الآن.. أنت تدرك جيداً ما أعنيه."
همس بحزم، وقد بدت ملامحه صارمة بشكل مخيف:
"اضبطي لسانك يا مريم، ولا تتجاوزي حدودك معي."
قالت بصوت قوي، متجاهلة نبرته المغلفة بالقسوة وتهديده:
"أنت طليق أختي.. كيف سأتزوجك؟! ماذا سيقول الناس عني؟! وماذا سيقولون أنت عنك أيضاً؟!"
أضافت بجدية:
"الناس لن يرحمونا.. لا أحد سيرحمنا، وأنا لن أتحمل نظراتهم وأحاديثهم واتهاماتهم."
"وأنا لا يهمني الناس بكل أحاديثهم ونظراتهم واتهاماتهم." قالها بعدم إهتمام.
لتصيح بحنق:
"لكنني أهتم وأبالي بكل هذا.. يهمني منظري أمام الجميع، ومنظر عائلتي أيضاً؟! ماذا سيكون موقف عائلتي عندما أتزوج بطليق أختي؟! ماذا سيكون موقف ليلى مثلا؟! كيف سنبرر للناس..؟! أنا وليلى لسنا مثلك أنت ونديم، كي يستوعب الناس كيفية زواجك من خطيبة أخيك، فالجميع يعلم بعداوتكما وخلافاتكما، بل قطيعتكما، ومع هذا تحدثوا وكثيراً أيضاً."
"إذاً.. أنتِ ترفضين طلبي لهذا السبب؟! بسبب كلام الناس وما سيقولونه عنك، وموقف عائلتك ومظهرهم الاجتماعي؟!" سألها فجأة بهدوء.
لترد وهي تبتلع ريقها:
"بالطبع."
"وأنا لدي الحل المناسب لهذا." قالها وهو يبتسم ببرود.
لتسأله بإضطراب:
"حل..؟! أي حل؟!"
أجاب وإبتسامته تتسع ببطء:
"نتزوج سراً."
صاحت بعدم استيعاب:
"ماذا تقول أنت؟!"
رد موضحاً:
"اهدئي أولاً.. زواج سري، لكن شرعي وفي المحكمة."
"ومالذي يجعلني أقبل بوضع كهذا؟!" سألته بحنق.
ليرد ببرود:
"موقف أختك الخالي ودخولها السجن لا محالة، إذا لم تتزوجِ بي."
"أنت أكثر شخص استغلالي رأيته في حياتي.. كيف يمكنك أن تبتزني بهذه الطريقة؟!"
ضحك مرغماً، ثم قال:
"أنتِ تتحدثين مع عمار الخولي يا مريوم.. ألم تستوعبي بعد من هو عمار الخولي؟!"
هتفت من بين أسنانها:
"بلى.. استوعبت.. للأسف.. استوعبت منذ مدة طويلة.. استوعبت إنني وقعت بين براثن ذئب حقير.. مسخ بشع لا يطاق."
ضرب بكفيه على سطح مكتبه بقوة، صائحاً بتحذير عصبي:
"الزمي حدودك يا مريم، ولا تتجاوزيها.. لا تجعليني أتصرف معكِ بطريقة لا تعجبكِ.. ما زلت مراعياً لوضعكِ وما تمرين به."
"يا لك من شخص مراعٍ حقاً." رددتها بتهكم، قبل أن تضيف بجدية:
"ما تطلبه مستحيل يا عمار.. أنا لا يمكنني الزواج سراً منك.. أنا ابنة عائلة محترمة و.."
قاطعه بضيق:
"هذا ما يناسب وضعك.. أنت لا تريدين أن تتأثري أو يتأثر أي من أفراد عائلتك بزيجتنا، لذا دعينا نتزوج سراً ونحافظ على مظهر عائلتك المصون، كما تريدين."
قالت بغضب:
"هل تظن إن الأمر يتوقف هنا حقاً؟! ماذا عني؟! ماذا عن مشاعري؟! أنت تعلم إنني لا أحبك.. بل أكرهك.. أنت لو تعلم كيف أراك بعيني، ما كنت لتطلب شيئاً كهذا."
رد بقوة، وهو ينظر مباشرة داخل عينيها:
"لا يهمني كيف تريني يا مريم.. لا يهمني كل هذا.. أما مشاعرك، فأنا أعلم جيداً كيف أجعلكِ تعشقينني حد الموت، ولا ترين سواي."
"أنت مجنون.. لو كنت آخر رجل في هذا الكون، فلا يمكنني أن أحبك أو أتقبلك حتى." قالتها وهي تنهض من مكانها، تناظره بتحدٍ.
ليرد بتحدٍ أكبر:
"هل تراهنين؟!"
تأملت ملامحه الباردة المستفزة، لتهمس بغضب مكتوم:
"ألم أقل إنك مجنون.. بل مريض أيضاً."
حملت حقيبتها واندفعت خارج المكان بغضب، تاركة إياه يضحك بقوة، مردداً مع نفسه:
"سنرى يا مريم.. كم سوف تستمرين في مقاومتك الغبية لي."
***
كانت تتحدث مع إحدى الموظفات بشأن إحدى التقنيات الجديدة التي ستتبعها في نظام الشركة، عندما سمعت طرقات على باب غرفتها، يتبعها دخوله بملامح، رغم هدوئها، تحمل نوعاً من الغضب، خاصة داخل عينيه البنيتين. أشارت إلى الموظفة بجدية:
"اذهبي أنتِ الآن يا سمر.. سنكمل حديثنا فيما بعد."
هزت الموظفة رأسها بتفهم وخرجت، بينما عقدت هي ذراعيها أمام صدرها، تسأله بغضب مكتوم:
"كيف تدخل إلى مكتبي دون إستئذان؟! أساساً.. كيف تجاوزت سكرتيرتي ودخلت؟!"
رد ببرود:
"ربما.. لأن سكرتيرتك ليست موجودة أساساً."
أضاف وهو يتأملها عن كثب:
"مرت عدة أيام إلى آخر لقاء جمعنا.. نحن بحاجة أن نتحدث سوياً."
أضاف بهيمنة:
"سنذهب إلى أحد المطاعم القريبة، فهنا المكان غير مناسب لتبادل الأحاديث."
أكمل بصوت آمر، وهو يتحرك أمامها نحو الباب مجدداً:
"اتبعيني."
"توقف لحظة."
التفت لها بنظرات متسائلة، لتجيبه بثبات:
"أنا لا أحب هذه الطريقة."
أضافت، تحرك يدها أمامه:
"طريقة إلقاء الأوامر."
أكملت ببرود:
"أنا لم أتلقَ الأوامر يوماً من أحد، وأنت لن تكون استثناءً لذلك بالطبع."
"المعنى..؟!" سألها بغضب مكتوم.
لتجيب بترفع:
"المعنى هو، إما أن تطلب مني بكل لياقة أن أرافقك، وحينها سأفكر إذا سأقبل طلبك أو أرفضه، أو تتفضل وتغادر المكان فوراً، لأن بطريقتك هذه لن أتحرك معك خطوة واحدة."
كز على أسنانه بغيظ، وطريقتها وعجرفتها التي ظهرت بقوة استنزفته. حاول أن يسيطر على غضبه، الذي لا يجب أن يظهر أمامها الآن، فينفرها منه. أخذ نفساً عميقاً، ثم قال من بين أسنانه مرغماً:
"هل يمكنكِ أن ترافقيني إلى أحد المطاعم القريبة لنتحدث سوياً..؟!"
هتفت ببرود:
"هذه الطريقة المناسبة يا فراس بك.. أنت تحتاج أن تتعلم كيف تتحدث مع النساء عموماً، وخاصة النساء أمثالي."
رمقها بنظرات حانقة، جاهد لإخفائها، وهو يسأل مجدداً:
"إذاً.. ما جوابك؟!"
ردت وهي تتجه نحو المكتب، تحمل حقيبتها:
"سآتي معك.. نحن بالفعل نحتاج إلى التحدث."
سارت أمامه بخطواتها الأنثوية الأنيقة، يتبعها، وفي داخله غضب متفاقم، قرر السيطرة عليه الآن، فهو يريد أن ينالها بأي شكل، وعليه يجب أن يتحكم بأعصابه جيداً، كي لا يتسبب بأي شيء يبعدها عنه.
بعد مدة، جلسا على إحدى الطاولات في أحد المطاعم، عندما تقدم النادل يضع أمامهما الماء البارد. هتف بعدما ابتعد النادل:
"مبارك زواج أخيكِ."
أضاف بإبتسامة لم تصل إلى عينيه:
"مع إنني كنت أنتظر دعوة منك لحفل الزفاف."
ردت متجاهلة جملته الثانية:
"شكراً.. العقبى لك."
صحح لها عن قصد:
"العقبى لنا."
أضاف، يدعي التساؤل:
"أليس من المفترض بعد زواج أخيكِ، أن يأتي دورنا..؟!"
ردت بجمود:
"لا تكن واثقاً إلى هذا الحد يا فراس.. أنا لم أوافق بعد أساساً."
"أيام طويلة وأنا أنتظر موافقتك يا غالية، ولا أفهم حتى الآن متى ستمنحيني تلك الموافقة..؟!" ظهر القليل من الغضب في نبرته.
فردت بنفس البرود:
"لو فقط تكف قليلاً عن ثقتك المفرطة، إنني سأوافق."
"ولمَ سترفضين؟!" قالها بسرعة.
لتسأله بحنق:
"ماذا يعني هذا؟! من الطبيعي أن أرفض، مثلما من الطبيعي أن أقبل."
رد بجدية:
"لكل شيء سبب محدد.. وبرأيي لا يوجد سبب يجعلك ترفضين.. لمَ ترفضين إذا؟!"
سألته بدورها، وهي تجاهد للحفاظ على برودها:
"ولم سأوافق برأيك؟! ما السبب الذي يجعلني أقبل بك..؟!"
أكملت عن قصد:
"يكفي وجود ابنك.. وجوده فقط أكبر سبب يدفعني للرفض."
هتف بتحذير:
"ابني بالذات.. لا تتحدثي عنه بهذا الشكل يا غالية."
ردت بقوة:
"لم أقل شيئاً خاطئاً.. لكنني لا يمكنني أن أوافق على هذه الزيجة بوجود ابنك معنا، بعد تصرفاته الأخيرة.. ليست هذه الحياة التي أريدها وأسعى إليها."
"اخرجي تميم من الموضوع نهائياً.. تميم مسؤولية والدتي أساساً ومسؤوليتي، وأنتِ لن يكون لكِ علاقة به، فلا تخلقي حججاً لا أساس لها، كي ترفضي."
قاطعته بجدية:
"أنا لا أخلق حججاً يا فراس.. أنا أتحدث بواقعية.. لماذا لا يعيش الطفل مع أمه، ونحن نعيش بهدوء..؟!"
"أخبرتك إن هذا الأمر منتهي بالنسبة لي." قالها بقوة.
لتضيف:
"ولكن هذا الأفضل لنا جميعاً.. أفضل لتميم نفسه."
"اسمعيني يا غالية.. لا تدخلي تميم بيننا.. وإذا كان وجوده يزعجك، فنحن سوف نسكن في فيلا مجاورة لفيلا عائلتي، وهو سيظل مع والدتي."
"يا له من حل مثالي.. سنحرم الطفل من والدته ووالده أيضاً." قالتها بتهكم.
ليرد بجمود:
"أنا لن أحرم ابني مني.. أنا أحاول الوصول لحل يناسبك.. وفي نفس الوقت أكون متواجداً دائماً بجانب ولدي."
"ألهذه الدرجة تريد موافقتي يا فراس..؟!" سألته وهي تضحك بعدم تصديق.
ليهتف بجدية، وعيناه الحادتان تتأملان وجهها بعزيمة:
"أريد موافقتك كثيراً يا غالية.. بل إنها كل ما أسعى إليه في الوقت الحالي."
كان حصار عينيه والإصرار داخلها مسبباً لشعور غريب بالخوف داخلها، فمنحته إبتسامة جامدة لم تصل إلى عينيها، قبل أن يتقدم النادل ليدون طلباتهما، فتجدها فرصة لإنهاء الحوار الذي شعرت به غريباً وغير مريح لها أبداً.
***
كان يقف مستنداً على سيارته المركونة في الشارع الأمامي للفندق الذي تمكث به، يجري اتصالاً بها. عندما سمع صوتها الناعس يأتيه بعد لحظات:
"صباح الخير."
رد وهو ينظر إلى ساعة يده، التي تجاوزت الثانية عشر ظهراً:
"قولي مساء الخير يا نانسي.. انظري إلى الساعة.. لقد تجاوزت الثانية عشر ظهراً."
ردت بصوت ما زال ناعساً:
"لم أنتبه على الوقت.. ماذا هناك؟! هل حدث شيء مهم لتتصل بي؟!"
أجاب بسرعة:
"أنا أقف أمام الفندق بجانب سيارتي.. أنتظرك."
سألت بتعجب:
"لماذا تنتظرني؟!"
رد بسخرية:
"لكي أتأمل واجهة الفندق الجميلة.. بالطبع.. لأتحدث معك.. هيا أمامك عشر دقائق وتكونين عندي.. أنا على الشارع المقابل لواجهة الفندق."
"حسناً.. سآتي." قالتها بتذمر خفي، وهي تشعر برغبة شديدة في العودة إلى النوم.
ليهمس بجدية:
"لا تتأخري يا نانسي من فضلك."
ردت بخفوت:
"لن أتأخر.. لا تقلق."
وقف ينتظرها، فمرت العشر دقائق دون أن تظهر. انتظر خمس دقائق أخرى، ولم تظهر نانسي، فاتصل بها ليجدها ترفض المكالمة. تأفف بحنق، يتأمل الساعة، وقد مرت خمسة وعشرون دقيقة على مكالمتهما، ولم تنزل بعد.
بعد مرور ثلاثين دقيقة، واتصالات متكررة قوبلت بالرفض، جلس داخل سيارته حانقاً غاضباً، بعدما صعقته الشمس بشدة. نظر إلى الساعة، التي تجاوزت الأربعين دقيقة بعد المكالمة، عندما لمحها تخرج من بوابة الفندق الأمامية، بطلتها الأنيقة كالعادة، تتهادى بمشيتها نحو الجهة الأخرى من الشارع. حيث فتح النافذة وأشار لها بيده، وهو يلعن برودها ولا مبالاتها.
حيته بكفها، وهي تتقدم نحوه بخطوات بطيئة مثيرة للننق، عندما اتجهت نحو الجهة الأخرى من السيارة وركبت جانبه، ليهتف بحنق:
"أربعون دقيقة يا نانسي.. على أساس اتفقنا على عشر دقائق."
"مساء الخير." قالتها بهدوء، قبل أن تضيف:
"أساساً.. بالكاد استطعت تجهيز نفسي خلال هذه الأربعين دقيقة.. ما بين شاور سريع وتغيير ملابسي وتحفيف شعري والمكياج."
"وما ذنبي أنا يا نانسي..؟! ما ذنبي أنا، لتتركيني أربعين دقيقة تنتظريني هنا؟!" قالها بغضب مكتوم.
لترد وهي تمط شفتيها بعفوية:
"كان عليك أن تخبرني قبل مجيئك، لا أن تتصل بي وتطلب مني الهبوط إليك بعد وصولك."
ردد من بين أسنانه:
"نعم.. أنا المخطئ بالفعل."
شغل سيارته وحرك المقود، متجهاً إلى أحد المقاهي القريبة، عندما سألته بإهتمام:
"إلى أين سنذهب؟!"
رد وعيناه مسلطتان على الطريق:
"سنذهب إلى مكان مناسب لنتحدث قليلاً."
التزمت الصمت، عندما وجدته يركن سيارته أمام أحد المقاهي الشهيرة في المنطقة بعد دقائق. هبطا من السيارة واتجها إلى داخل المقهى، حيث جلسا على إحدى الطاولات المعزولة، قبل أن يشير صلاح إلى النادل، الذي جاء يدون طلباتهما.
بعدما دون طلباتهما النادل وغادر، هتف صلاح بجدية، وهو ينظر إليها:
"كان يجب أن نلتقي اليوم.. هناك حديث مهم بيننا."
قاطعته تتسائل:
"أي حديث بالضبط؟! أظن إن هناك موضوع واحد يجمعنا، ولا أظن إنك اتخذت قرارك فيه، خلال أقل من يومين."
"ولكنني فعلت." قالها بجدية.
لتتوتر ملامحها، فيضيف بقوة:
"سأتزوجك يا نانسي.. سوف أصحح خطئي."
قاطعته بصدق:
"أنت لست مجبراً يا صلاح.. الخطأ كان خطئي أيضاً."
رد بسرعة:
"خطأنا نحن الاثنان.. أنا أتحمل جزءاً من مسؤولية ما حدث، مثلك تماماً.. بل ربما أتحمل الجزء الأكبر.. ما حدث بيننا أمر واقع، لا مفر منه."
أخذ نفساً عميقاً، ثم أضاف:
"انظري.. أنا شاب عابث.. متعدد العلاقات، وأعرف الكثير من الفتيات.. أنتِ مختلفة.. رغم كل شيء، أعلم إنكِ لست من هذا النوع."
ترقرت الدموع داخل عينيها، ليضيف:
"أنتِ لستِ كذلك، لذا لا يمكنني تجاهل ما حدث والتعامل معه كأمر طبيعي.. نحن سنتزوج.. لفترة محددة، وبعدها ننفصل، وحينها ستعيشين حياتك كما تريدين، ولن يكون هناك أي مشكلة لديك، وربما بعدها تجدين الرجل المناسب الذي يحبك وتحبينه."
همست بدموع حبيسة وصوت متحشرج:
"أنا حقاً لا أعرف ما يجب أن أقوله لك.. أنا أشكرك حقاً.. صلاح.. أنت.."
قاطعه بجدية:
"أنا تصرفت بما تمليه علي رجولتي يا نانسي.. أنا لا يمكنني ترككِ هكذا.. هذا ليس من شيمي أبداً."
أضاف وهو يمد أحد المناديل لها:
"امسحي دموعك من فضلك."
مسحت دموعها بطرف المنديل، عندما أكمل بجدية:
"برأيي أن نتزوج في أقرب وقت.. يعني لننهي الموضوع بسرعة."
وضعت المنديل جانباً، وسألته بعدما أخذت نفساً عميقاً:
"متى يعني..؟!"
رد بجدية:
"أعطني مدة أسبوعين، أكون خلالها مهدت الموضوع لعائلتي."
سألته بقلق:
"هل يمكن أن يرفضونني؟!"
قاطعه بسرعة:
"كلا يا نانسي.. الأمر ليس كذلك، ولا يتعلق بك إطلاقاً.. لكن والدتي وأخي، بل الجميع يعرفون إنني ضد مبدأ الزواج، ولا أحب القيود، لذا لا يمكنني أن أخبرهم فوراً، إنني سأتزوج.. يجب أن أخبرهم بقراري بطريقة مناسبة ومقنعة، كي لا يشكوا بشيء."
هزت رأسها بتفهم، ثم قالت بصوت مبحوح:
"وأنا يجب أن أفعل نفس الشيء، مع إنني لا أريد العودة إلى المنزل."
قال بجدية:
"يجب أن تعودي يا نانسي.. أنا سأتقدم لخطبتك، ومن البديهي أن أخطبك من والدتك وعمك في منزلك."
"أشعر بالإختناق.. من مجرد فكرة العودة." همست بها بخفوت.
ليهتف بجدية:
"حسناً أتفهمك.. لا تعودي الآن.. يمكنك العودة قبل يومين ثلاثة، لكن يجب أن تخبريهم بالأمر قبل ذلك، كي لا تصيبهم الدهشة."
أومأت برأسها موافقة، فأضاف بجدية:
"ومن رأيي أن تتركي الفندق يا نانسي.. اذهبي إلى منزل عمك على الأقل.. سيكون ذلك أفضل من بقائك في الفندق."
"لا أريد.. إذا سأخرج من الفندق، فسأعود إلى منزل والدي.. أساساً ماما أعادت تشغيل بطاقتي المصرفية."
هز رأسه رغم عدم اقتناعه بما تفعله، لكنها تبدو مصرة على بقائها في هذا الفندق. تقدم النادل نحوهما، يضع طلباتهما أمامهما، ثم ابتعد، ليسحب صلاح فنجان قهوته ويرتشف منه، مفكراً لا إرادياً بالطريقة المناسبة، التي سيخبر بها والدته وأخيه بقرار زواجه المفاجئ، بل الصادم لكليهما.
***
دلفت إلى داخل الشقة، لتجده جالساً أمام التلفاز، يتابع إحدى المباريات بإهتمام. تقدمت نحوه، ليتأملها بطلتها الأنثوية شديدة الأناقة، وشعرها المصفف بعناية، فيسألها، وهو يفسح المجال لها لتجلس جانبه:
"أين كنتِ؟!"
ردت وهي تخلع حذائها ذو الكعب العالي وترميه فوق أرضية المكان بإهمال:
"كنت في صالون التجميل."
أضافت، وهي ترفع قدميها على الكنبة وتمرر أناملها بين خصلات شعرها بقصته المختلفة قليلاً:
"هل أعجبتك تسريحة شعري الجديدة؟!"
رد بجدية:
"جميلة."
عاد يتأمل المباراة بإهتمام، لتسأله:
"هل سنبقى اليوم في الشقة؟!"
سألها بدوره، دون أن يرفع عينيه من فوق التلفاز:
"وهل من المفترض أن نفعل شيئاً آخر؟!"
أجابت وهي تحتضن ذراعه بذراعها:
"كنت أخطط لسهرة في الخارج.. في أحد النوادي الليلية الراقية."
رد بجدية:
"لا مزاج لدي يا تقى.. أجلي تلك السهرة فيما بعد."
سألته بقلق:
"ماذا هناك؟! مزاجك يبدو متعكراً اليوم."
رد بسرعة:
"لا شيء مهم."
أضاف، وهو يلتفت نحوها:
"فقط هناك بعض التغييرات التي ستطرأ على حياتي، بعدما حدث."
"ماذا تقصد؟! أي تغييرات تلك؟!" سألته بإستنفار.
ليرد موضحاً:
"جيلان علمت بأمر الزيجة، وبالتالي سنعلن خبر زواجنا للعائلة في أقرب وقت، وفي نفس الوقت سأضطر إلى التواجد في القصر بكثرة، فهي بعدما علمت بزواجها، باتت مسؤولة مني أنا أكثر من أي أحد."
سألته بإنفعال خفيف:
"يعني ستتركني وتبقى معها؟!"
أجاب بهدوء:
"لم أقل هذا.. لكنني لن أتواجد دائماً هنا."
صاحت بحنق:
"على أساس إنه زواج على الورق؟!"
"وهو كذلك بالفعل." قالها ببديهية.
لتهمس بتجهم:
"طالما مجرد زيجة على الورق، فما الداعي لوجودك هناك معها؟!"
هتف بجدية:
"لأن لا أحد يعلم بهذا الأمر سواي أنا وأخيها وراغب، وهي بالطبع."
ضحكت مرغمة، وهي تردد:
"بالله عليك.. هل أنت مقتنع بما تتفوه به؟! ماذا يعني زواج على الورق بعلمك أنت وثلاثة آخرين فقط؟! ثانياً.. أنا لا أفهم.. كيف ستشرحون فكرة زواجك من ابنة عمك القاصر أمام أفراد العائلة؟! كيف سيقتنعون بهذا القرار؟!"
رد ببرود:
"هذه مسؤولية راغب، وليست مسؤوليتي."
قالت بضيق:
"أنت يجب أن تفهم ما يحدث بالضبط يا مهند.. ليس كل شيء راغب.. لماذا تثق براغب لهذه الدرجة؟! ألا تخشى أن يكون هناك ملعوب خلف هذا، أو مخطط ما..؟!"
قال بضجر:
"يكفي.. مالذي تقولينه؟! أخي لن يفعل بي شيئاً كهذا..؟! هذا أخي، ولا تنسي ذلك، ومهما حدث بيننا، نظل أخوة."
"لا يوجد منطق كهذا.. راغب يفعل أي شيء لتفريقنا.. هو فقط يريد إبعادك عني بأي طريقة." قالتها بعصبية.
ليهتف بضيق شديد:
"حسناً.. يكفي.. أنتِ تتوهمين الكثير من الأشياء."
"إذاً.. هل يمكن أن تفسر لي سبب عودتك إلى الإقامة في القصر..؟! اقتراح من هذا..؟! وما الداعي لهذا الاقتراح أساساً..؟!" سألته بقوة.
ليرد بنفاذ صبر:
"افهمي مرة واحدة ما يحدث، ولا تفسري كل شيء على مزاجك.. أنا زوج جيلان رسمياً وأمام الجميع، وبالتالي وجودي خارج القصر دائماً، سيكون غير منطقي ومحل للشبهات أمام الجميع، وأولهم والدتي وأختي."
أكمل:
"تلك الفتاة.. بطريقة أو بأخرى.. مسؤولة مني."
قالها بقوة، وهو يضيف:
"ولا تنسي إنها ابنة عمي.. ولا داعي أن أخبرك عن قيمة بنات العائلة لدينا جميعاً، وليس لدى راغب فقط أو أبي."
صاحت بحنق:
"يكفي.. لا داعي أن تذكرني كل دقيقة بهذا.. فهمت إنها أصبحت مسؤوليتك.. وتحت رعايتك، واللعنة.. زوجتك أيضاً."
"يكفي يا تقى.. أقسم بالله لم أعد أتحمل ما تفعلينه." قالها بنفاذ صبر، وهو يفكك أزرار قميصه، بعدما نهض من مكانه.
لتتقدم نحوه، تصرخ بعصبية:
"لم تعد تتحمل، أليس كذلك؟! ها قد بدئت يا مهند.. بدأ يحدث ما كنت أخشاه.. بعد فترة ستقول إنك مللت، وتنسحب تدريجياً، ثم تتركني بعد كل ما حدث بيننا."
صاح بغضب مخيف، وهو يقف في وجهها:
"يكفي.. لا يمكنني تحمل هذا الجنون بعد الآن.. أنتِ من تجبريني على التفوه بأشياء لا أرغب بقولها.. تصرفاتك تجبرني على ذلك.. أنا مللت يا تقى.. مللت من كل شيء."
جذبته من قميصه، تقبله على شفتيه بقوة، قبل أن تبتعد عنه، مرددة بقوة:
"أنت لن تمل مني مهما حدث يا مهند.. أنت تحبني.. لا بل.. تعشقني.. لا يمكن أن تمل مني يوماً."
مسح شفتيه بأطراف أنامله، وهو يردد بضيق:
"كل شيء وله نهاية.. حتى العشق ينتهي يوماً، إذا كان عشقاً كالذي بيننا."
"ماذا تقصد؟!" سألته بصوت مرتجف.
ليرد بلا مبالاة:
"قصدي واضحاً.. أنا لن أتحمل طريقتك هذه أكثر.. إما أن تتغيري.. أو.."
توقف عن حديثه، لتصرخ بعصبية:
"أو تتركني، أليس كذلك؟! لماذا لا تقولها؟! الآن أصبحت تهدد بتركي، وهذا ما كنت أخشاه.. أنت تغيرت منذ أن تزوجت بتلك اللعينة."
"ماذا جرى لك..؟! أخبرتك إن ما تفكرين به لن يحدث.. تلك الفتاة مجرد زوجة مؤقتة.. لماذا لا تفهمين..؟!"
"أنت كاذب.. اللعنة عليك." قالتها بنبرة مجنونة، قبل أن تضيف، وهي تواجهه بقوة:
"تلك الفتاة ستخرج من حياتك فوراً.. ستطلقها.. لا أريدها بيننا بعد الآن.. لا أريدها مهما حدث.. ستطلقها، حتى لو بقينا على وضعنا هذا دون دعم أخيك."
"هل جننت..؟! هل تظنين الأمر بهذه السهولة..؟! أتزوجها وأطلقها متى ما أردت."
"نعم.. ستفعل.. وإن لم تطلقها.. سأتركك." قالتها ببرود.
ليهتف بجمود:
"أعيدي ما قلتِه..؟!"
ردت بإصرار:
"الآن عليك أن تختار.. إما أنا.. أو ابنة عمك تلك."
لحظات قليلة، وانطلقت ضحكاته عالية، لتنظر إليه بملامح متحفزة مجنونة. توقف عن ضحكاته أخيراً، لتظهر اللمحة الشيطانية بقوة على ملامحه:
"مهند الهاشمي لا يُخير يا تقى.. وأنتِ تدركين ذلك جيداً.. للأسف.. تعجلتِ بتصرفاتك.. وكتبتِ سطور نهايتك بيدك."
"ماذا تعني..؟!" سألته بصوت مرتجف.
ليتقدم نحوها، يقبض على ذراعها بقسوة، مردداً بحدة وعينين مشتعلتين:
"هل تظنين إنني سأهتم بتهديداتك السخيفة..؟! أو ربما تعتقدين أن أتوسلك كي لا تتركني..؟! أو أتراجع عن الكلمة التي منحتها لأخي، وأنهي زواجي من ابنة عمي لأجلك..؟! أفيقي يا تقى.. أنتِ تعلمين من أنا، وتدركين طبيعتي جيداً، وإنني وقت الجد، لا يهمني أي أحد.. لذا أنا لن أختار أساساً، لإنني آخر شخص يقبل أن يوضع بين خيارين.. طالما الحياة الجديدة لا تعجبك، فلتذهبي إلى الجحيم."
دفعها بقسوة، لتسقط على الكنبة بإنهيار، فيضيف ببرود:
"ابقي هنا في شقتي، حتى تجدي مكاناً آخر تعيشين به.. إياكِ أن تعبثي بأغراضي يا تقى."
ثم اندفع خارج الشقة، بعدما حمل هاتفه ومفاتيح سيارته، لتبكي منهارة، بسبب تصرفاتها الحمقاء وتخليه عنها بهذه السهولة، رغم إنها تدرك إنها أخطأت بتصرفها، فهي أكثر من يعرف مهند الهاشمي وغروره واعتداده بنفسه، لذا لم يكن عليها أن تتحدث هكذا أبداً.
***
كانت تجلس داخل جناحها، ترسم بإهتمام وتدقيق، وكل حواسها ترتكز في تلك اللحظة على تلك الرسمة. منذ أن عادت إلى القصر البارحة، وهناك شعور غريب تولد داخلها.. شعور يجمع بين الأمل والقليل من الفرح. لقد استقبلها الجميع بحفاوة. شعرت بأمومة زهرة وحنان همسة. اهتمام أبناء عمها، راغب وراجي، واللذين شعرت بهما أخوين لها، إلى جانب عمار. استقبال فيصل المذهل، والمفاجأة التي أعدها لها، حيث جهز لها صالة الاستقبال، يملؤها بالزهور التي تحبها، والبالونات، وتوليب، التي عانقتها بأخوة شديدة، وقد شاركت فيصل في تجهيزاته.
الجميع جلب الهدايا لها، حتى سيف ونزار اشتريا لها دمية جميلة، أحبتها كثيراً، واحتفظت بجميع الهدايا في خزانتها، وتحديداً في ذلك الصندوق الضخم، الذي يحوي أشياء مهمة بالنسبة لها. وتلك الهدايا منحتها شعوراً قيّماً لا يضاهيه شعور.
توقفت عما تفعله، وهي تنتبه إلى تلك الطرقات على باب جناحها، فنهضت من مكانها، بعدما ارتدت خفها البيتي، فوجدت السيدة حليمة، مدبرة المنزل، تبتسم لها بحنو، تخبرها عن موعد العشاء، بعد ربع ساعة من الآن.
عادت إلى الداخل، وقررت تغيير بيجامتها إلى فستان صيفي قصير يصل إلى ركبتها، بسيط يناسب عمرها، وارتدت حذاءً مسطحاً بنفس لون الفستان. رفعت شعرها من أحد الجوانب، ثم وضعت عطرها برائحة الفراولة. ثم خرجت من جناحها، وهبطت إلى الطابق السفلي، لتجد كلا من راجي وتوليب هناك، وعمها عابد يترأس الطاولة، بينما البقية لم يأتوا بعد. جلست على مقعدها بجانب توليب، وهي تبتسم بهدوء، بعدما ألقت التحية.
لحظات، ودلفت زهرة تلقي التحية، تتبعها همسة، حيث سألها عابد بإهتمام:
"أين الأولاد يا همسة؟! ألن يتناولا الطعام معنا؟!"
ردت وهي تجلس في مقعدها المخصص لها:
"ناما مبكراً اليوم، بعدما عادا من درس السباحة.. كانا مجهدين وبحاجة إلى النوم."
هز عابد رأسه بتفهم، ثم عاد يسألها:
"وأين زوجك؟!"
همت بالرد، لكن صوت راغب قاطعها، وهو يتقدم إلى الداخل، مردداً:
"ها قد أتيت يا أبي.. كنت أنهي بعض المكالمات في المكتب."
جلس في مقعده بجانب والده على اليمين، وجانبه كلا من همسة، ثم راجي، بينما على الجهة المقابلة تجلس زهرة، وجانبها كلا من توليب ابنتها وجيلان.
"أين فيصل..؟! ألن يأتي على العشاء؟!" سأل راجي بإهتمام.
ليرد راغب بجدية:
"لا أعلم.. ربما سيتناول طعامه خارجاً."
تنحنت زهرة قائلة:
"لقد اتصل بي وأخبرني إنه سيتناول العشاء مع أصدقائه في الخارج."
تبادل راغب وراجي النظرات بينهما، قبل أن يرمقا والدتهما بنظرات ذات مغزى،
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سارة علي
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سارة علي
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سارة علي
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سارة علي
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سارة علي
كان يقود سيارته بملامح شديدة الوجوم .. لا يصدق حتى الآن ما حدث وكيف كادت أن تصدمها السيارة بسببه ..
كلا هو ليس مذنبا .. هو تصرف بالشكل الصحيح وهي التي تصرفاتها بغيضة لا أخلاقية ..
توقف عند إشارة المرور يزفر أنفاسه بتعب يتأمل هذا الصباح المشرق والذي يتناقض مع عتمة روحه ..!!
نظر الى الساعة فوجدها تجاوزت الثامنة صباحا ليتسائل داخله اذا ما كانت حياة ذهبت الى الجامعة أم ما زالت في الشقة ..؟!
استدار الى الخلف يتأمل تلك التي تنام بعمق غير واعية لأي مما يدور حولها حيث فقدت وعيها بعدما كادت أن تصدمها السيارة دون أن يعلم اذا ما فقدت وعيها خوفا من الموقف ام لكونها كانت مخمورة تماما لكنه سارع يحملها ويتأكد من سلامتها ومعه السائق ليطمئن إن السيارة بالفعل لم تصدمها حيث كانت على وشك فعل ذلك لولا إن السائق تلافى الأمر في اللحظة الأخيرة ..
حملها بعد ذلك دون أن يعرف الى أين يذهب بها بعدما وجد هاتفها مغلقا ولا يوجد في حقيبتها اي شيء يدل على مكان إقامتها ..
لم يرغب في الذهاب الى المشفى فوضعها في سيارته وحاول إفاقتها بعدما جلب قنينة من المياه لكنها بالكاد تملمت وهي تأن بتعب وآثر الكحول يسيطر على عقلها كليا ..
انتبه الى اشارة المرور التي أصبحت خضراء ليدير مقود سيارته متجها الى شقته وهو يدعو ربه أن تتفهم حياة الأمر وتستوعب ما يحدث …
اوقف سيارته امام العمارة التي يسكن فيها فقادها نحو الكراج حيث اوقف سيارته هناك وهبط منها ليفتح الباب الخلفي ويحملها بين ذراعيه وهو يتأفف بصوت مسموع ..
شعر بعا تتململ بين ذراعيه فهتف بخفوت ورجاء :-
” استيقظي بالله عليك واذهبي الى منزلك …”
نظر الى السماء يشعر بمدى حظه العاثر وهو لا حل أمامه سوى الذهاب بها الى شقته حيث لا يعرف أين يذهب بها ؟!!
صعد بها الى شقته بعدما طلب من احد حراس العمارة أن يتبعه ليفتح له الباب ..!!
فتح الحارس له الباب فشكره ممتنا وهو يدلف الى الشقة ليزفر أنفاسه بتعب ثم يتأمل المكان حوله بحيرة مفكرا أين يضعها ..
نظر الى الكنبة وهم بوضعها هناك لكنه تراجع وهو يرى حجم الكنبة الغير مناسب ..!
تأفف مجددا وهو ينظر إليها متمنيا لو بإمكانه رميها خارجا دون إهتمام لكن لا يوجد في اليد حيلة ..
حسم أمره واتجه بها نحو غرفة حياة حيث وضعها على السرير وأخذ يتأملها بضيق وهو يحيط خصره بذراعيه وشعور التعب قد سيطر عليه فهو لم ينم طوال الليلة السابقة ..!
تثائب بتعب ثم عاد ينظر إليها مفكرا في ردة فعل حياة اذا ما جائت ورأتها ..
عليه أن يبقى مستيقظا حتى تأتي ويشرح لها كل شيء قبل أن تنصدم بوجودها في غرفتها ..
خرج من الغرفة واغلق الباب خلفه ثم اتجه نحو الكنبة يجلس عليها ينتظر قدوم حياة فينظر الى الساعة التي لم تتجاوز التاسعة بعد…
زفر أنفاسه بإرهاق تمكن منه وهو مفكرا إن الوقت ما زال مبكرا بالطبع على إنتهاء محاضراتها ..!!
لم يتحمل اكثر فنهض من مكانه متجها الى غرفته مقررا النوم لساعتين ثم يستيقظ بعدها قبل أن تأتي ليكون في إستقبالها عندما تأتي ويسارع في شرح القصة لها ..!!
……………………………………………………….
بعد اقل من ساعة ..
فتحت حياة الباب ودلفت الى الداخل .. أغلقت الباب خلفها ثم سارعت تتجه نحو غرفتها بعدما ألقت حقيبتها على الكنبة متأملة المكان الفارغ ففهمت إن نديم لم يعد بعد !!
فتحت الباب ودلفت الى الداخل حيث بدأت في فك أزرار قميصها دون أن تنظر ناحية السرير ..
كانت مستمرة في فك أزرار القميص حيث إلتفتت نحو الجهة الأخرى لتتجمد مكانها مما تراه ..
فتاة نائمة فوق سريرها بعمق وكأن الغرفة غرفتها والسرير لها ..
بالكاد أفاقت من صدمتها وبدأت تغلق أزرار قميصها وهي تتمتم العديد من الكلمات الغاضبة الحانقة الغير مفهومة ..!!
خرجت من غرفتها متجهة الى غرفة نديم حيث فتحت الباب بعنف لتجده نائما بعمق هو الآخر ..
” كم تبدو مسالما وبريئا ..؟!!!!”
قالتها بتهكم وهي تتأمل ملامحه الساكنة تماما قبل أن تندفع نحوه وتهزه من كتفه وهي تصيح عليه بصوت عالي ..
كانت تهزه بعنف وهي تنادي عليه صارخة لينتفض من مكانه بفزع ..
” استيقظ يا بك ..”
قالتها بغضب مخيف وملامح مشتعلة ليفرك عينيه بتعب فتصيح بقوة :-
” انت من جلبت تلك الفتاة بالطبع ..؟!”
وأخيرت بدأ يستوعب ما يحدث وهو الذي لم يغفُ لمدة ساعة على الأقل ..!!
اعتدل في جلسته مرددا قبلما يتثائب حيث وضع يده على فمه :-
” دقيقة يا حياة ..”
” كيف تسمح لنفسك بهذا ..؟!”
سألته بإنفعال واضح فمسح على وجهه بتعب فارتفع صياحها :-
” لماذا لا تجيب ..؟!”
نهض من مكانه يقف أمامها ويقبض على ذراعها مرددا بقوة :-
” هل يمكن أن تهدئي وتفهمين ما حدث اولا ..؟!”
” ماذا تقول انت ..؟! تريدين مني أن أهدأ بعدما رأيته ..”
قالتها بعدم تصديق قبل أن تضيف :-
” فتاة لا أعرفها .. في غرفتي .. وفوق سريري .. انا لا أصدق هذا ..”
” سأشرح لك يا حياة ..”
قالها بهدوء وجدية لتقاطعه مرددة بجنق :-
” ماذا ستشرح يا نديم ..؟! من تلك الفتاة ..؟! وكيف تجلبها الى هنا بل تضعها في غرفتي ..؟! كيف سمحت لنفسك بهذا ..؟!”
” لو تصمتين لدقيقة واحدة فقط كي أخبرك كل شيء …”
قالها بنفاذ صبر لتتأفف بحنق قبل أن تردد وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها :-
” تحدث هيا .. أسمعك ..”
تنهد بصوت مسموع ثم قال :-
” تلك الفتاة لا أعرفها .. إلتقيتها في احد البارات ..”
قاطعته بعدم استيعاب :-
” بارات ..؟! هل تسهر في البارات يا نديم ..؟!”
رد بجدية :-
” دعيني اشرح لك اولا واتركينا من هذا الأمر ..؟!”
نظرت له بخيبة سارعت تخفيها فأضاف بجدية :-
” انا لا أعرفها لكنها كانت ملتصقة بي طوال الليلة ..!! قررت المغادرة عندما حل الصباح بعدما نفذ صبري وقد كانت هي حينها مخمورة تماما .. ”
تنحتح مضيفا :-
” لحقتني تلتصق بي مجددا فدفتعها بغضب في نفس الوقت التي تقدمت به سيارة نحوها ..”
” ماذا ..؟!”
همست برعب ليهتف مكملا :-
” لكن السائق إستطاع أن يسيطر على سيارته في اللحظة الأخيرة فلم يصدمها لكنها فقدت وعيها .. حاولت إيقاظها عدة مرات دون فائدة فكانت مخمورة تماما لذلك احترت أين أذهب بها وانا لا أعرف عنها شيئا حتى اسمها ..”
أكملت نيابة عنه :-
” فقررت أن تجلبها هنا في شقتنا وتضعها فوق سريري ..”
قال متأسفا :-
” لم يكن أمامي حل آحر .. حتى هاتفها وجدته مغلقا ..”
” انا لا أصدق .. تسهر في البارت .. وتجلب فتاة من هناك .. ماذا بعد يا نديم .. ؟!أخبرني ..”
سألته بنرفزة واضحة ليرد بجمود :-
” لقد أخبرتك كل شيء بصراحة تامة .. اما عن موضوع سهري في البارات فهذا شيء يخصني ولا يحق لك أن تتحدثي عنه ..”
هتفت ببرود:-
” نعم ، اعلم إنني فقدت جميع حقوقي منذ قرار الطلاق ..”
” بالضبط ..”
قالها بجدية لتهتف وهي تشير الى الخارج :-
” حسنا ، تفضل من فضلك أيقظها ودعها تغادر …”
” هذا ما أريده أنا ايضا ..”
قالها بجدية قبل أن يهتف بتردد :-
” ولكن انت من ستفعلين ذلك ..”
” ماذا تعني ..؟!”
سألته بعدم فهم ليرد شارحا :-
” افهميني يا حياة .. تلك الفتاة تلتصق بي … أخاف أن تستيقط وتراني فتلتصق بي مجددا .. لذا انا سأغادر وانت دعيها تستيقظ وتغادر ..”
” ماذا تقول انت ..؟!”
هتفت بصدمة لتجده يجذب هاتفه ومفاتيح سيارته وهو يردد :-
” سأعتمد عليك في هذا الأمر …”
” ماذا تقول انت …؟! ستذهب وتتركني مع فتاة غريبة لا أعرفها .. ماذا سأفعل انا ..؟!”
” تصرفي انت ..”
قالها برجاء لتهتف بغضب مكتوم :-
” كيف سأتصرف أنا ..؟!”
” انظري سأذهب الآن حسنا ..”
قالها وهو يهم بالتحرك عندما قبضت على ذراعه توقفه وهي تردد بضيق :-
” أين ستذهب وتتركني معها ..؟! ”
هتف بتوسل :-
” بالله عليك تصرفي معها يا حياة .. لا أريدها أن تستيقظ وانا هنا ..”
” ما علاقتي انا بهذا ..؟! أنت من جلبتها أم أنا ..؟!”
سألته بغضب شديد ليرد بجدية :-
” ليس مهما من جلبها .. المهم أن أتخلص منها .. انظري سأغادر الآن وانت أيقظيها ودعيها تغادر وحينها اتصلي بي كي أعود ..”
انطلق بسرعة قبل أن يسمع كلمة اخرى بينما اخدت تصيح هي عليه دون فائدة قبل ان تهتف بعدم استيعاب :-
” اللعنة .. ماذا سأفعل أنا لوحدي معها ..؟! كل يوم مصيبة جديدة تقع فوق رأسي .. ما هذا الحظ ..؟!”
نظرت الى الباب المفتوح لتأخذ نفسا عميقا قبل ان تتجه نحو غرفتها مقررة إيقاظها والتخلص منها بسرعة ..!!
……………………………………………….
دلفت حياة الى غرفتها فأخذت تتأمل الفتاة حيث شعرها الأسود الفاحم وسمرتها الخفيفة وملامحها شديدة الفتنة ..
ملابسها المكونة من شورت اسود قصير فوقه تيشرت قصير يظهر جزءا صغير من بطنها المسطحة ذو حمالات رفيعة بينما ترتدي حذاء من نفس اللون الأسود ذو كعب شديد العلو …
تقدمت نحوها اكثر فشمت رائحة عطرها النفاذة للغاية ..
كانت تضع عطرا رائحته قوية جدا رغم إنها محببة ..
زفرت أنفاسها بضيق قبل ان تنحني نحوها تهمس بتردد جانب اذنها :-
” يا انسة .. استيقظي من فضلك ..”
لم تبدِ الفتاة اي ردة فعل فتأففت بصمت قبل ان تهزها من كتفها بخفة وهي تنادي عليها بصوت منخفض قليلا ..
لحظات وبدأت الفتاة تتململ في نومتها قبل أن ترمش عينيها عدة مرات ..
فتحت عينيها البنيتين أخيرا لتجد حياة تنظر إليها بوجوم فإنتفضت من مكانها تصيح لا إراديا :-
” من انت ..؟!”
تراجعت حياة الى الخلف مجيبة ببرود :-
” مرحبا .. انا حياة .. زوجة نديم .. الشاب الذي كنت تلتصقين به طوال ليلة البارحة ..!!”
ابتلعت الفتاة ريقها تردد بعدم استيعاب :-
” نديم !!”
أضافت تتسائل بحيرة :-
” هل تقصدين الشاب صاحب العيون الزرقاء ..؟!”
” نعم هو بنفسه ..”
قالتها حياة بتهكم لتزفر الفتاة أنفاسها بتعب ثم تمسح على وجهها بكفيها وهي تردد :-
” أفزعتني حقا ..”
” أعتذر حقا ..”
قالتها حياة بنفس النبرة المائعة تقلدها متعمدة لتنظر الفتاة إليها للحظات ثم ترسم إبتسامة على شفتيها وهي تنهض من مكانها تردد معرفة عن نفسها :-
” مرحبا .. انا ماذي ..”
ثم مدت كفها نحوها تحييها لتتأمل حياة كف الفتاة قبل ان تلتقطه وهي تردد :-
” اهلا ماذي .. ”
ابتسمت ماذي وقالت :-
” تشرفت بمعرفتك ..”
ردت حياة بإقتضاب :-
” الشرف لي ..”
مررت ماذي أناملها داخل شعرها ثم وضعت كف يدها فوق فمها تتثائب قبل ان تهتف بعدها :-
” أشعر بصداع شديد ..؟! ”
تأملتها حياة للحظات قبل ان تردد على مضض :-
” سأجلب لك دواء للصداع ..”
قالت ماذي بسرعة:-
” لا أريد مضايقتك حقا .. ”
أضافت تتسائل بحذر :-
” أين نديم ..؟! ”
سألتها حياة بحدة لا إرادية :-
” مالذي تريدنه من نديم ..؟!”
ردت ماذي ببرود :-
” أريد رؤيته وشكره على ما فعله معي ..”
ثم اندفعت خارج الغرفة تبحث عنه لتتبعها حياة بغضب تنادي عليها قبل ان تقبض عليها من ذراعها توقفها وهي تهتف بحنق :-
” ماذا تفعلين انت ..؟!”
رد ماذي وهي تمط شفتيها :-
” أبحث عن نديم ..”
قاطعتها حياة بغضب مكتوم :-
” نديم ليس هنا ..”
” هل خرج وتركني لوحدي ..؟!”
قالتها ماذي بإحباط لترد حياة ببرود :-
“‘الرجل لديه اعمال .. هل سيترك أعماله لأجلك ..”
توقفت عن حديثها وهي تراها تضع يدها فوق رأسها وتوازنها بدأ يختل فقبضت حياة على كفها تتسائل بقلق :-
” هل انت بخير ..؟!”
ردت ماذي بصوت مرهق خافت :-
” أشعر بدوار شديد ..”
” اجلسي هنا هيا ..”
قالتها حياة وهي تتجه بها نحو الكرسي لتجلس ماذي وهي تضع رأسها بين كفيها لتتسائل حياة بإهتمام :-
” متى آخر مرة تناولت بها الطعام .؟!”
ردت ماذي دون أن ترفع رأسها :-
” لا أتذكر .. تقريبا صباح البارحة تناولت فطوري ..”
هنفت حياة بضيق :-
” وتناولت الكثير من الكحوليات بالطبع ومعدتك فارغة .. يجب أن تتناولي شيئا ثم تشربين دواءا للصداع …”
أضافت وهي تتجه نحو المطبخ :-
” سأعد الفطور سريعا .. ابقي مكانك ولا تتحركي ..”
رفعت ماذي وجهها تتأملها وهي تتجه نحو المطبخ بصمت قبل أن تعود بجسدها الى الخلف وهي تتنهد بتعب ..!!
……………………………………………………..
بعد مدة من الزمن ..
كانت حياة تجلس أمامها تتأملها وهي تتناول الفطور بشهية شديدة فإرتشفت قليلا من الشاي خاصتها بصمت تتابعها وهي تتناول طعامها بأريحية مدهشة ..
انتهت ماذي اخيرا من تناول طعامها فهتفت تشكرها :-
” أشكرك حقا على هذا الفطور الرائع .. لقد كنت جائعة لدرجة كبيرة ولم أعِ ذلك حتى رأيت الطعام أمامي ..”
ابتسمت حياة بتصنع وهي تهتف :-
” بالهناء والعافية على قلبك ..”
ثم نهضت وهي تتجه خارج المطبخ لتعود بعد لحظات وهي تمد يدها بحبة من الدواء لماذي تخبرها :-
” اشربي هذه الحبة .. ستخفف صداعك باذن الله ..”
ابتسمت ماذي بإمتنان ثم اخذت الحبة وتناولتها مع الماء بينما بدأت حياة تلملم المائدة ..
نهضت ماذي بعدما وضعت قدح المياه جانبا لتهتف بجدية :-
” سأساعدك ..”
قالت حياة وهي تلتفت نحوها بسرعة :-
” كلا ارتاحي انت .. انا سأنهي كل شيء بسرعة ..”
قالت ماذي :-
” سأحمل الصحون عنك على الأقل ..”
ثم اتجهت تسارع بحمل الصحون ووضعها فوق المغسلة لتبدأ حياة بتنظيفها فتقوم ماذي بتنظيف المائدة بعدما انتهت من حمل الصفوف ..
انتهت حياة اخيرا من غسل الصحون والأكواب والملاعق فإلتفتت نحو ماذي تتأملها وهي تتقدم نحوها وتغسل يديها فتردد :-
” شكرا يا ماذي .. لم يكن هناك داعي أن تتعبي نفسك ..”
ردت ماذي بإبتسامة لطيفة :-
” لا تشكريني .. انا من يجب أن أشكرك أساسا .. شكرا على إستضافتك لي في شقتك وعنايتك بي ..”
” فعلت ما يتطلبه الواجب لا اكثر ..”
قالتها حياة بجدية لتهتف ماذي مبتسمة :-
” انت لطيفة حقا .. نديم محظوظ بزوجة مثلك …”
بالكاد إستطاعت حياة أن تبتسم ما إن ذكرت سيرة نديم لتضيف ماذي بخفوت :-
” منذ زمن بعيد لم أتعرف على شخص مثلك …”
قالت حياة بسرعة :-
” انت تبالغين .. انت حتى لم تتعرفي علي جيدا بعد ..”
ردت ماذي بجدية :-
” لا داعي للتعرف أكثر كي أحكم عليك .. اي واحدة مكانك تجد فتاة نائمة في شقتها لسارعت تجرها من شعرها وتلقيها خارج الشقة .. لا يمكن ان تتصرف اي واحدة مثلك .. توقظني وتعد الفطور لي وتجلب الدواء …”
قاطعتها حياة :-
” لإنني اعرف سبب وجودك هنا ..”
” حتى لو .. هذا لا ينفي مدى كرمك ولطفك …”
هتفت حياة محاولة تغيير الموضوع:-
” اذا ، هل تحتاجين لدواء آخر ..؟!”
قاطعتها ماذي :-
” كلا ولكن هل يمكن أن تعدين القهوة لي .. أحتاجها كثيرا فهي تساعدني للغاية في وضع كهذا ..!!”
” حسنا سأعدها ..”
قالتها حياة بجدية قبل أن تبدأ في إعداد القهوة تحت انظار ماذي التي سألتها :-
” منذ متى وانت متزوجة من نديم ..؟!”
ردت حياة :-
” منذ مدة قصيرة ..”
ابتسمت ماذي وهي تردد :-
” تليقان ببعضيكما كثيرا .. بالتأكيد تزوجتما عن حب ..”
تجمدت ملامح حياة للحظات وقد لاحظت ماذي ذلك قبل ان ترد بإختصار :-
” شيء كهذا …”
” كم عمرك ..؟!”
سألتها ماذي مجددا لترد حياة بجدية :-
” اثنان وعشرون عاما …”
” أووه صغيرة جدا ..”
التفتت حياة نحوها تسألها بدورها :-
” لماذا ..؟! كم عمرك انت ..؟!”
ردت ماذي بجدية :-
” تسعة عشر عاما وسأنهي عامي العشرين بعد إسبوعين …”
” ظننتك أكبر مني بكثير ..”
قالتها حياة بسخرية لترد ماذي بجدية :-
” تفاجئت لإن عمرك صغير على الزواج ..”
ردت حياة بصوت غير مسموع :-
” يبدو إنه بالفعل كذلك ..!!”
حملت القهوة وصبت في الكوب خاصتها وكوب آخر لماذي التي حملت الكوب وهي تبتسم بخفة فهتفت حياة :-
” دعينا نتناولها في الشرفة ..”
جلستا على الطاولة في الشرفة ترتشفان القهوة لتهتف ماذي بإستمتاع :-
” الجو رائعا اليوم وقهوتك أروع …”
ابتسمت حياة بصمت لتضع ماذي كوبها على الطاولة وهي تهتف بتردد :-
” حياة .. هل يمكنني قول شيء ما لك ..؟!”
” بالطبع .. تفضلي ..”
هتفت بها حياة بتوجس لتهتف ماذي :-
” في الحقيقة انا شعرت بالراحة اتجاهك .. لقد مر وقت طويل لم أقابل شخصا مثلك.. شخص يجعلني أرغب في التعرف إليه بشدة .. أعلم كيف هي نظرتك اتجاهي .. فتاة تقضي ليلها في البارات .. مخمورة تماما ..”
قاطعتها حياة بجدية :-
” انا لا أنظر إليك بأي طريقة لإنني لا أعرفك عن قرب .. وانا من عادتي ألا أحكم على شخص دون التعرف عليه بشكل جدي وعن قرب …”
ابتسمت ماذي قبل ان تهتف بصوت مبحوح والألم ظهر داخل عينيها :-
” انا لا اعرف لماذا اقول هذا .. ربما لإنني في هذه الوقت تحديدا وحيدة اكثر من أي وقت آخر …”
هتفت حياة بجدية :-
” أتفهم شعورك .. لقد عايشته لفترة بعد وفاة والدي وربما ما زلت أعايشه بالفعل لكن الفرق إنني تأقلمت نوعا ما ..”
” انا أعايش هذا الشعور منذ سنوات .. منذ أن ولدت ربما ..”
قالتها ماذي بشرود لتتسائل حياة بإهتمام :-
” لماذا ..؟! يعني مالذي يجعلك تشعرين بهذا ..؟!”
غمغمت ماذي بخفوت :-
” إنها قصة طويلة .. هل انت مستعدة لسماعها ..؟!”
تأملتها حياة بصمت للحظات قبل ان تهز رأسها بصمت لتهتف ماذي بجدية :-
” لكن عليك ان تعلمي إن ما أقوله لا يعلمه سوى القليل جدا .. لا أعلم لمَ سأخبرك بهذا وانا بالكاد تعرفت عليك منذ ساعة لكن هناك شعور غريب تملك مني تجاهك يجعلني أشعر بالحاجة للبوح لك انت تحديدا ..”
ابتسمت حياة تطمأنها لتبادلها ماذي إبتسامتها قبل أم تبدأ بالتحدث وحياة تستمع لها بإنصات …
………………………………………………………….
انهت ماذي حديثها وهي تمسح عينيها بأناملها لتهتف حياة بتعاطف :-
” حسنا يكفي .. ”
أضافت وهي تنهض من مكانها تحتضنها بشكل عفوي وقد تعاطفت تماما معها :-
” انا لا أعرف ماذا اقول .. ما مررت به كان صعبا..”
أضافت وهي تنظر الى وجهها :-
” لكنني حقا فخورة بك .. رغم صغر سنك إلا إنك فتاة قوية ما زلت صامدة رغم كل شيء..”
ضحكت ماذي تردد من بين دموعها :-
” نعم قوية .. قوية لدرجة إنني أقضي يومي بين البارات … كل يوم مع شاب جديد .. انا اهرب من واقعي يا حياة .. من واقعي المرير ..”
” لا تلومي نفسك .. انت مررت بظروف صعبة جعلتك هكذا ..”
قالتها حياة بمواساة تضيف :-
” ولدت يتيمة واختك التي تولت ترتبيتك لم تهتم بك ابدا .. لم تجدي حضنا يحتويك ..”
” اختي أذتني كثيرا دون أن تدرك .. لم تراعني يوما .. لم تهتم بي كما فعلتِ انت اليوم .. كل ما تفعله هو منحي الأموال ليس إلا ..”
أضافت ضاحكة :-
” حتى إنها لا تهتم بحياتي وعلاقاتي المتعددة .. تراه شيئا عاديا فلا تحاسبني ابدا ولا تسأل عني اذا تغيبت عن المنزل لشهور …”
هتفت حياة بتعاطف :-
” لا بأس .. ربما هي لا تجيد التعبير عن مشاعرها ..”
نهضت ماذي من مكانها تنظر الى حياة وتقول :-
” علاقتي مع ستيلا عبارة عن أريد مالا فتمنحني المال .. هكذا فقط .. هل تصدقين إننا نعيش في منزل واحد ولا أراها كل عدة ايام مرة فهي دائما مشغولة ما بين عملها وأصدقائها وبالطبع علاقاتها المتعددة ..؟!”
” ماذا تعمل هي ..؟!”
سألتها حياة بجدية لترد ماذي بخفوت :-
” عارضة ازياء .. مشهورة جدا في مجال عروض الأزياء حتى انها أسست شركة خاصة بها بعدما جنت الكثير من الأموال بسبب شهرتها ..”
أضافت بتهكم :-
” يمكنكِ البحث عنها وستدركين حجم شهرتها ..”
” هل يضايقك ذلك ..؟! يعني كونها مشهورة و ..”
قاطعتها ماذي :-
” لا يهمني الأمر من الأساس .. ألم تفهمي بعد يا حياة .. ؟! انا لا أمتلك أي مشاعر نحوها لإنني لا أعرفها من الأساس .. ”
” ربما لو تحاولي التقرب منها ..”
قالتها حياة بتأني لترد ماذي وقد كسا الجمود ملامحها :-
” فعلتها مرة وليتني لم أفعلها …”
” لماذا ..؟!”
سألتها حياة بتوجس لتشرد ماذي لا إراديا قبل ان تتحدث بلا وعي :-
” كنت في الرابعة عشر من عمري وأحتاج لوجودها معي .. حاولت التقرب منها فطلبت منها أن أصاحبها في مجال عملها وسفراتها العديدة .. وافقت على مضض وبدأت أرافقها بالفعل وكنت أسمع كلامها وألتزم بأوامرها …”
توقفت عن حديثها لتسألها حياة :-
” ثم ..؟!”
” لم تكن تهتم بي .. كانت مجبرة على أخذي معها .. كانت تمثل الاهتمام بوجود اصدقائها ومعارفها وعندما يذهبون تتجاهلني تماما حتى أخبرتني ذات مرة إنها لا تريدني وإنني عبء ثقيل عليها .. أخبرتني إنها ليست مستعدة لتأخذني معها دائما فأنا كبيرة وعلي أن أعتمد على نفسي ..”
” وانت منذ ذلك الحين تجاهلتها .. صحيح ..؟!”
سألتها حياة بحزن لتمسح ماذي العبرات المترقرقة داخل عينيها قبل ان تعاود الجلوس جانبها وهي تردد وقد ارتدت قناع الجمود مجددا :
” ذلك اليوم لا يمكنني نسيانه .. بعدما جرحتني بكلامها خرجت مسرعة من المنزل بأكمله .. ركضت دون وجهة محددة وبسبب ذلك ..”
ابتلعت ريقها بحشرجة بعدما توقفت عن الحديث لتتسائل حياة بتوجس :
” ماذا حدث بسبب ذلك ..؟!”
وضعت ماذي كفيها فوق وجهها للحظات قبل ان تزيل كفيها وهي تردد بصوت بارد :-
” تعرضت لمحاولة إغتصاب ..!!”
………………………………………………….
مدت حياة كوب الماء لها فتناولته ماذي تشربه قبل ان تضعه على الطاولة وهي تمسح دموعها بالمنديل ..
غمغمت حياة بجدية :-
” توقفي عن البكاء من فضلك .. انا اسفة .. لم يكن علي سؤالك ..”
هتفت ماذي وقد بدت منفصلة عن الواقع :-
” لولا ظهور ذلك الشاب وإنقاذه لي في آخر لحظة لكنت إنتهيت بالفعل .. انا ممتنة له حقا .. لقد أنقذني من الإغتصاب الحتمي ..”
” الحمد لله .. لقد سخره الله لك ..”
” نعم ، مهما فعلت لا يمكنني رد جميله …”
قالتها ماذي بشرود فهتفت حياة بجدية :-
” حسنا توقفي عن البكاء الآن .. لقد حدث ما حدث .. حاولي أن تتجاهلي تلك الذكريات المؤلمة وبالنسبة لأختك فتجاهليها تماما ..”
” انا أتجاهلها بالفعل .. بعد كل ما حدث معي بسببها … لا يمكنني تقبلها اساسا ..”
قالتها بنبرة بائسة قبل ان تضيف ببكاء :-
” لكنني لا يمكنني تجاهل تلك الحسرة الموجودة في قلبي .. حسرتي الشديدة على نفسي وحياتي وما مررت به .. حسرتي على عدم وجود أي أحد يحبني فحتي أختي لا تحبني …”
أدمعت عينا حياة فجذبتها نحوها تحتضنها لا إراديا لتتساقط دموع ماذي لا إراديا وهي تردد :-
” هل تعلمين ..؟! لقد سامحتها بعد تلك الحادثة .. نعم لا تستغربي سامحتها … لكن الأمر لم ينته هنا .. بعدما حدث بعامين فعلت شيئا كان النهاية الحتمية .. ما فعلته جعلني لا أتجاهلها فقط بل أكرهها وأحقد عليها وأتمنى كل شيء سي لها …”
تجمدت كفي حياة فوق شعرها لتبتعد ماذي عنها مرددة :-
” انا اكرهها يا حياة .. لقد دمرتني وسرقت مني كل شيء .. بسببها أصبحت ما عليه انا الآن …”
” حسنا اهدئي ..، توقفي من فضلك .. انت ما زلت صغيرة ويمكنك إصلاح كل هذا …”
اضافت حياة وهي تمد يدها لها بمنديل اخر :-
” امسحي دموعك هيا ..”
تناولت ماذي المنديل منها واخذت تمسح دموعها بينمت ابتسمت حياة لها تردد :-
” ما رأيك ان تبقي معي اليوم ونتناول الغداء سويا ..”
” لكنني لا أريد إزعاجك ..”
قالتها ماذي بتردد لتهتف حياة وهي تقبض على كفها :-
” لا يوجد اي ازعاج .. هيا انهضي وساعديني.. بسرعة هيا …”
ثم دفعتها أمامها من ظهرها نحو المطبخ محاولة منها لإخراجها من وضعها المتأزم في هذه اللحظة ..
………………………………………………………………
بعد حوالي ساعتين ..
فتح نديم باب الشقة ودلف الى الداخل ليغلق الباب خلفه ثم يتقدم نحو صالة الجلوس فيسمع صوت ضحكات عالية تنطلق من المطبخ ..
تجمد مكانه للحظات مستغربا صوت الضحكات الصاخبة فاتجه مسرعا نحو المطبخ ليتجمد مجددا مما رآه ..
حياة تجلس امام ماذي تتناول الغداء معها وهما تتبادلان الأحاديث والضحكات الصاخبة ..
” ماذا يحدث هنا ..؟!”
قالها بصوته الصلب القوي لتلفت الإثنتان نحوه فتهتف ماذي بسرعة وهي تنهض من مكانها متقدمة نحوه :-
” نديم ، واخيرا عدت ..”
ثم قبضت على كفه تهتم بإمتنان :-
” اشكرك حقا على ما فعلته لأجلي .. شكرا كثيرا ..”
نظر نديم الى حياة ليجدها مبتسمة بهدوء قبل ان تقول :-
” تعال وتناول طعامك معنا أم إنك تناولته خارجا …؟!”
” انت ..”
قالها بجمود لتبتسم حياة وهي تنهض من مكانه وتقول :
” سأجلب طبقا وملعقة لك …”
بينما جذبته ماذي تجلسه على الكرسي بينهما لتضع حياة الطبق أمامه وهي تردد :-
” أعتذر لإنني نسيت الإتصال بك كي تأتي لتناول الغداء لكن الأحاديث شغلتني ولم أنتبه لذلك …”
” انت تمتلك زوجة رائعة حقا يا نديم .. ”
قالتها ماذي بفرحة ليهتف نديم بدهشة خفية :-
” يبدو إن تعارفكما كان مثمرا ..”
هتفت حياة بصدق :-
” ماذي رائعة وصحبتها ممتعة جدا ..”
” ماذي …”
رددها نديم بدهشة لتهتف ماذي ضاحكة :-
” نعم ماذي يا سيد نديم ..”
اضافت وهي تشير الى حياة :-
” هو لا يعرف اسمي حتى الآن .. ”
ابتسمت حياة وقالت :-
” اسمها ماذي وفي التاسعة عشر من عمرها .. إنها لطيفة جدا وخفيفة الظل ..”
” بل أنت لطيفة للغاية ورائعة جدا ..”
اكملت وهي تشير الى نديم :-
” انت محظوظ بها حقا يا نديم …”
ابتسم نديم بعدم استيعاب بينما نهضت ماذي من مكانها فسألتها حياة :-
” الى اين ..؟!”
ردت ماذي بسرعة :-
” لقد شبعت .. سأذهب وأغسل يدي …”
سألتها حياة :
” هل تفضلين الشاي ام القهوة بعد الغداء ..؟! ام تريدين عصيرا باردا ..؟!”
ردت ماذي بسرعة :-
” عصيرا باردا بالطبع ..”
ابتسمت حياة تردد :-
” سأعده بعدما ينتهي نديم من تناول طعام الغداء وأنظف بدوري المائدة ..”
اتجهت ماذي خارج المطبخ بينما جذب نديم حياة من ذراعها مرددا :-
” ماذا تفعل هذه الفتاة هنا ..؟! أليس من المفترض أن تغادر منذ مدة ..؟!”
ردت حياة بسوعة :-
” توقف كي لا تسمعك .. سأشرح لك كل شيء فيما بعد ..”
ثم نهضت من مكانها لتسمعه يقول وهو ينهض من مكانه هو الآخر :
” لا اريد طعاما فأنا لست جائعا ..”
ثم خرج من المطبخ لتتأمله حياة بضيق لتصرفه الغير منطقي وكأنه لم يأتِ بنفسه بتلك الفتاة الى هنا ..
بعد مدة من الزمان أنهت ماذي تناول عصيرها تحت انظار نديم الذي نفذ صبره تماما وحياة التي كانت تتبادل معها الأحاديث ..
توقفت ماذي تردد:-
” لقد حان وقت ذهابي ..”
” ما زال الوقت مبكرا ..”
قالتها حياة بجدية ليرمقها نديم بنظرات نارية فإبتسمت ماذي مرددة :-
” بل تأخر الوقت كثيرا ويجب أن أذهب .. لكن سنلتقي مجددا بالطبع …”
” بالطبع …”
قالتها حياة بتأكيد وهي تسير جانبها وتودعها لتعود بعد لحظات فتجد نديم واقفا يرمقها بنظرات حادة فسألت بتوجس :
” ماذا حدث..،؟!”
هتف متسائلا بدوره :-
” انا من يجب أن يسأل .. ماذا يحدث هنا ..؟! ماذا تفعلين مع تلك الفتاة ..؟!”
ردت حياة بعفوية :-
” قمت بالترحيب بها وتعرفت عليها ووجدتها لطيفة حقا و …”
قاطعها بصرامة :
” حياة .. هذه فتاة مستهترة لا يمكنكِ أن تتعاملي معها .. انت لا تعرفين مدى إستهتارها ..”
قاطعته حياة بقوة :-
” بل انت لا تعرف عنها شيئا وتحكم عليها من تصرفاتها الظاهرة فقط مثلك مثل الجميع .. ولا تنسى إن تصرفاتها المستهترة تلك أنت تفعل مثلها بذهابك الى البارات الليلية ..”
همت بالتحرك ليوقفها مرددا بحزم :-
” انا أذهب واتناول القليل من المشروب وأعلم إن هذا خطأوإثم كبير لكنني لا أذهب لإصطياد النساء ..”
التفتت نحوه تردد بجدية :-
” أخبرتك إنك لا تعلم شيئا فالأفضل ان تصمت …”
بدأ نديم يسعل بقوة فجلس على الكنبة وهو يضع يده فوق صدره ..
سألته حياة بتوجس :
” هل انت بخير …؟!”
رد من بين سعاله الشديد :-
” أظن إنني مصاب بالإنفلاونزا ..”
ردت بسرعة :-
” كنت اعلم ذلك .. لقد انتقلت العدوى لك مني ..”
اضافت بسرعة :
” سأجلب الدواء لك حالا …”
ثم تحركت تبحث عن دواء تعطيه إياه يخفف من مرضه ..!!
………………………………………
مساءا …
كانت تعد طعام العشاء له وهو الذي تناول الدواء الذي أعطته له وخلد الى النوم فورا …
بعد حوالي ساعة بدأت حرارته ترتفع فسارعت تضع الكمادات له وتهتم به بعناية شديدة حتى إنخفضت حرارته بعد ساعات وهاهي الساعة تجاوزت الثانية عشر صباحا وهي تقف تعد الطعام له كي توقظه ليتناول طعام ثم يرتشف الدواءالذي اقترب موعده ..
انتهت من اعداد الطعام حيث صنعت له شوربة الخضار مع قطع من الدجاج المشوي والقليل من الأرز وبالطبع عصير البرتقال الذي سيفيده كثيرا …
حملت الصينية بعدما وضعت الطعام فوقها ورتبته بعناية ثم سارت نحو غرفته فدخلت لتجده ما زال نائما …
وضعت الصينية على الطاولة ثم اتجهت نحوه توقظه فإستيقظ اخيرا ليجدها امامه لتغمغم بسرعة :-
” اعلم انك متعب .. لكن يجب أن تستيقظ وتتناول الطعام ثم تشرب دوائك .. انت لم تتناول شيئا ابدا طوال اليوم ..”
هز رأسه وهو يعتدل في جلسته قبل ان يقول وهو يشعر بالحرارة والتعرق الشديد بسبب الحمى التي صاحبته لساعات :-
” سأخذ حماما سريعا اولا ..”
” كما تريد ..”
قالتها حياة بجدية لينهض من مكانه ويسير نحو خزانة ملابسه فيخرج ملابس بيتية مناسبة له ثم يتجه نحو الحمام بخطوات مرهقة تحت انظارها …
نهضت من مكانها واخذت ترتب الفراش وتلملم بعض الأغراض عندما حملت بعض الاوراق وهمت بوضعها في درج الطاولة جانب السرير عندما فتحت الدرج الاول ووضعت الأوراق لتنتبه الى تلك الصورة داخل الدرج فجذبتها تتأملها بعدم تصديق فقد كانت صورة لها وهي في سنتها الجامعية الاولى حيث كان شعرها طويلا لم تقصه بعد وملامحها مختلفة قليلا فكانت أقل نضوجا ووجها ممتلئ عن الآن ..
جلست على السرير تتأمل الصورة بدهشة وهي تتسائل من أين حصل عليها…
عادت تبحث في الدرج مجددا لتجد ألبوما من الصور جذبته بقلب خافق ثم فتحته لتجد العديد من الصور له ولكليهما من الخطبة والزفاف ..
متى حصل على هذه الصور ووضعها في الألبوم ..؟!
تأملت احدى الصور من حفل خطبتهما وتلك الإبتسامة التي تعلو شفتيه .. كانت تبدو كإبتسامة رجل سعيد حقا ..!!
هل كان سعيد حقا أم يدعي السعادة …؟!
اخذت تقلب في الصور حتى شعرت به يقف جانبها فإنتفضت من مكانها تردد بتوتر :-
” اسفة .. لم أقصد التفتيش في الدرج ..”
قاطعها بهدوء :-
” لا عليك …”
تأمل الألبوم الذي تقبض عليه بين أناملها فسحبه منها وهو يردد :-
” إذا لم يكن لديك مانع فهذا الألبوم لي … يعني أريد الإحتفاظ به ..”
” لم أكن أنوي أخذه أساسا ..”
قالتها بجدية قبل أن تشير الى الطعام :-
” اعددت الطعام لك .. عندما تنتهي من تناوله سأعطيك دوائك ..”
” حياة لحظة من فضلك ..”
توقفت أمامه تعقد ذراعيها أمام صدرها تسأله بإستفهام :-
” نعم ..؟!”
سألها بجدية:-
” ألن تشاركيني طعامي ..؟!”
ردت بجدية :-
” شكرا على الدعوة لكنني لا أتناول وجبة العشاء من الأساس ..”
همت بالتحرك لكنه أوقفها مجددا :-
” انتظري لحظة ..”
توقفت مكانها لتجده يسألها مجددا :-
” طالما إنك لا تتناولين العشاء عادة فلم يكن من الداعي أن تعدي الطعام لي … كنتِ أخبرتني وسأدبر أمري ..”
رددت بهدوء :-
” أعددت العشاء لك لإنك مريض قليلا وليس لأي سبب ثاني .. عندما تتعافى وتعود الى صحتك ستعد العشاء لنفسك اما وجبة الغداء فسوف نتشارك بإعدادها ..”
” ولمَ كل هذا التعب ..؟! المطاعم موجوده ..”
هتف بها وهو يضحك بخفة لترد ببرود هذه المرة :-
” اطلب من المطعم إذا أردت .. أما أنا فسأعد طعامي بنفسي ..”
أخذ نفسا عميقا ثم تسائل بتعب :-
” الى متى يا حياة ..؟!”
سألت مدعية عدم الفهم :-
” الى متى ماذا ..؟!”
رد بجدية :-
” إلى متى سوف تستمرين هكذا .. إلى متى ستتجاهليني وكأني مرض معدي ؟! وإلى متى ستتجنبين حتى التواجد معي في مكان واحد ..؟! الى متى ستتعاملين معي بهذا البرود ..؟!”
قاطعته بجدية:-
” هذا إسلوبي الجديد وهذه طريقتي الجديدة .. ”
قال رافضا :-
” كلا يا حياة .. أنت تفعلين ذلك عن قصد .. مرت العديد من الأيام بل الأسابيع وأنتِ ما زلتِ كما أنتِ .. كل يوم أستيقظ على أمل أن تخففي من برودك وجفائك معي او على الأقل تمنحيني الفرصة للتحدث ..”
” عن أي شيء ستتحدث ..؟! ماذا يمكن أن تقول ..؟! نديم انت لا تفهم .. الوضع لم يعد يناسبه مبرراتك .. هل تعلم لماذا ..؟! لإنني وبكل آسف إستوعبت إن زواجي منك كان خطئا .. خطأ لا مفر لي منه حاليا .. ”
تقدم نحوها يجذبها من ذراعها مرددا بقوة :-
” زواجنا ليس خطئا أبدا .. الخطأ الوحيد هو ما تفعلينه.. الخطأ يكمن في هروبك وإصرارك على تصرفاتك هذه دون حتى أن تمنحي نفسك حق السماع وتمنحيني حق التوضيح ..”
” لا أريد سماع شيء .. لا أريد سماع أي شيء منك .. لا أريد آمال جديدة كاذبة وأحلام لن تتحقق ..”
قالتها بعصبية وتشنج ليهتف بعدم تصديق :-
” انت لم تكوني هكذا .. لم يكن هذا تفكيرك .. مالذي غيرك فجأة بهذه الطريقة ..؟!”
” انا لم أتغير يا نديم كما تظن .. انا فقط إستيقظت .. إستيقظت من ذلك الوهم الذي بنيته في عقلي .. وهم لن يتحقق .. ”
أضاف بصوت متحشرج :-
” أنت معك فقط استخدمت قلبي .. انت الشخص الوحيد الذي بسببه وضعت عقلي جانبا وإستمعت لقلبي وحده والنتيجة إنني سقطت وتدمرت حياتي كليا ..”
سألها بعدم تصديق :-
” هل ترينني سببا في تدمير حياتك ..؟!”
ردت بسرعة تكتم دموعها :-
” أبدا .. انت لا دخل لك .. انا المسؤولة عن تدمير حياتي لإنني من دخلت علاقة غير ناجحة دون أن أدقق وأفكر كثيرا ..”
” ربما سننجح سويا ..”
قالها بصوت متأمل لتهز رأسها نفيا مرددة بعينين محتقنتين :-
” انا لن أتأمل شيء كهذا مجددا ..”
” حياة …”
قالها وهو يحاول التمسك بها لكنه حاولت دفعه وهي تردد بصوت متحشرج :-
” من فضلك اتركني ..”
قبض على ذراعها يقربها منه اكثر يردد وعيناه تحاصران عينيها :-
” لن أترككِ هذه المرة .. لقد منحتك وقتا طويلا تنفردين به تماما بعيدا عني ولكن هذا الوقت انتهى .. لن أسمح لك بتدمير كل شيء بيننا ولن أسمح لك أن تهدمي ما بنيناه ..”
صرخت وهي تضربه على صدره لا إراديا :-
” نحن لم نبني أي شيء .. أساسا لا يوجد نحن .. يوجد انت .. وإن كانت هناك واحدة سيقترن إسمها بك فهي ليلى ولست أنا ..”
ابتعدت عنه تهمس بتوسل :-
” اتركني ارجوك .. اتركني واذهب إليها ..”
وقبل أن تنهي كلماتها كان يقاطعها وهو يجذبها نحوه بقبلة مفاجئة اقتحمت شفتيها دون وعي منها ..
تجاوبت معه لا إراديا فهي تحبه رغم كل شيء لكن بعد لحظات دفعته مرغمة وهي تردد بصوت لاهث :-
” نحن نتطلق .. كيف تفعل شيئا كهذا ..؟!”
قبض على ذراعها مرددا :-
” نحن لن نتطلق ..”
همست بعدم استيعاب :-
” ماذا تقول انت ..؟! نديم لا تنسى اتفاقنا .. لقد اتفقنا على الطلاق وانت وعدتني ..”
جذب وجهها بين كفيه يردد وهو ينظر نحو عينيها بقوة :-
” نعم وعدتك لكنني أدركت الآن حقيقة إنه لا يوجد سبب مقنع يدفعنا للإنفصال لذا أعذريني فأنا لن أطلقك حتى يكون هناك سببا يستحق ذلك ..”
” لا تفعل ذلك يا نديم …”
قالتها بترجي ليهتف :-
” ماذا افعل يا حياة ..؟!”
ردت بتوسل والدموع تترقرق داخل عينيها :-
” لا تتسبب بإيلامي اكثر .. لا تكن سببا في تدميري …”
” متى ستتعلمين أن تثقي بي يا حياة ..؟! متى ستدركين إنني أخاف عليك أكثر من خوفي على نفسي ..؟!”
قالها بصدق وعيناه تحاصران عينيها لتهتف بتوسل باكي :-
” توقف من فضلك .. لا تفعل ذلك …”
لكنه لم يتوقف بل أكمل بنفس القوة والثبات :-
” متى ستفهمين ماذا تعنين لي ..؟! كم وجودك ضروري في حياتي .. ؟! كم إنني أريدك معي ..؟! أحتاجك جانبي ..؟! الى الابد ..”
أطلق تنهيدة طويلة قبل ان يقول وهو يقرب وجهه من وجهها أكثر :
” اريدك يا حياة انت دون سواك .. اريدك الى الابد … اريد الى ما لا نهاية ..”
تجمدت اطرافها عندما شعرت بشفتيه تلامس شفتيها فلم تستطع المقاومة هذه المرة وقد سقطت جميع أسلحتها أمامه ليميل بها فوق السرير وهو ما زال يحتضنها بين ذراعيه يقبلها برقة تجعلها تذوب تماما بين ذراعيه ..!!
كانت نائمة بين ذراعيه تتأمله وهو يغط بنوم عميق والسلام يسكن ملامحه ..
تذكرت آخر ما تفوه به وهو يجذبها بين ذراعيه يحاوطها بجسده قبل أن يغفو وهي بين أحضانه :-
” وأخيرا ستنامين بين ذراعي كما رغبت دائما …”
لا تصدق كيف حدث كل شيء فجأة وكيف استسلمت له ..؟!
أين ذهب قرارها بالإنفصال ..؟! ليس هذا ما عاهدت نفسها عليها .. ليس هذا أبدا …
كان عليها أن تمنعه .. أن توقفه عما يفعله بدلا من التجاوب معه بهذه السهولة وتسليمه جسدها وروحها وقلبها على طبق من ذهب …
لا تنكر إن كل شيء كان رائعا وإنه تعامل معها بطريقة جعلتها تشعر إنها فراشة تطير في الفضاء الواسع …
لا يمكنها أن تنكر هذا مهما حدث مثلما تعلم جيدا إن هذه الليلة طبعت داخل قلبها .. ليلة لن تنساها مهمت حدث .. تلك اللحظات التي قضتها بين ذراعيه جعلتها تحلق عاليا .. جعلتها تنسى كل شيء .. كل حائل يقف بينهما وكل ماضي وكل ظلام يملأ كيانه …
نست كل شيء ولم يتبقَ سوى هو وعشقها له فوجدت نفسها تتجاوب معه ببساطة .. تذوب بين ذراعيه …
ورغم برائتها وخجلها استطاع هو بكل بساطة أن يجذبها الى عالم مختلف تماما فلم تشعر بنفسها إلا وهي تنجرف معه وموجة من المشاعر المحمومة تقتحم روحها دون هوادة ..
لمست لحيته بأناملها تشعر بألم داخل قلبها ..
لم كل شيء عليه أن يكون معقدا الى هذا الحد ..؟!
لماذا كتب عليها أن تحب رجلا مظلما مثله ..؟!
رجلا يملك ماضي مؤلم وطويل ..؟!
لماذا كتب عليها أن تدخل في علاقة معقدة كهذه ..؟!
لماذا لم يكن نديم شخصا عادية أحبها وأحبته .. ؟!
لماذا لم تعش علاقة حب اعتيادية تكون نهايتها حفل زفاف بسيط يتبعه اطفالا نتاج عشقهم ..؟!
شعرت بدموعها تتراكم داخل عينيها فإبتعدت فورا عنه وسحبت جسدها من داخل جسده بخفة قبل ان تسارع وترتدي ملابسها وتتسحب خارج الغرفة تاركة إياه غارقا في نومه ..!!
دلفت الى غرفتها وجلست فوق سريرها تكتم دموعها …
كلا لن تبكي بعد الآن .. ليس بعدما حدث ..
ما حدث الليلة كان بكامل إرادتها وعليها أن تتحمل مسؤولية ما حدث مثلما عليها أن تعيد حساباتها وتفكر في قرارها مجددا ..
بعدما حدث ليس من السهل أن تتجاهل كل شيء كما أرادت وتعاود الإنغلاق على نفسها … لن يكون سهلا ابدا …
غطت وجهها بكفيه بعدما أخذت نفسا عميقا وعقلها المشوش يبحث عن القليل من السكون كي يتوصل الى قرار نهائي ومريح لكليهما … !!
نهضت من فوق سريرها تتجه نحو النافذة تنظر الى الظلام الدامس خارجا فتتذكر تفاصيل ما حدث بينهما مجددا فتضطرب مشاعرها بقوة …
تختلط المشاعر عليها بين الخجل والسعادة والضيق …!!
لا تعرف أي مشاعر يجب أن تستقر عليها وترضى بها ..
هل تفرح بما حدث ام تغضب منه ..؟!
هل تؤنب نفسها أم تعتبر تصرفها فرصة أخيرة لعلاقتهما ..؟!
أغمضت عينيها وهي تستند بجبينها على زجاج النافذة البارد تحاول ألا تفكر في تلك اللحظة بأي شيء ..
لحظات قليلة وشعرت بكفين يقبضان على كتفيها فإستدارت مجفلة تتأمله ليبتسم لها مرددا :-
” لماذا لم تبقِ معي ..؟!”
سألته بتلعثم :-
” متى استيقظت ..؟!”
رد وهو يمرر أنامله بين خصلات شعرها :-
” قبل لحظات وشعرت بالإحباط عندما لم أجدك بين ذراعي …”
ابتعدت عنه تحتضن جسدها بين ذراعيها عندما همس متسائلا :-
” ماذا يحدث يا حياة ..؟!”
اضاف متنهدا بتعب :-
” انظري انا لست مستعدا لسماع أي شيء يعكر سعادتي بعدما حدث …”
هتفت بصدق وهي تتأمله بعينيها العاشقتين :-
” آخر ما أريده هو أن أعكر سعادتك يا نديم …”
” كوني معي وسأكون سعيد دائما يا حياة ..”
قالها وهو يتقدم نحوها محيطا وجهها بين كفيه لتهتف بتردد:-
” نديم ، انا فقط …”
توقفت عن حديثها فسأل بقلق :-
” هل انت نادمة عما حدث بيننا يا حياة ..؟!”
ردت بنظرات مشتتة :-
” لا أعلم …”
ابعد يديه فورا من حول وجهيها وقد ظهرت الخيبة على ملامحه فقالت بسرعة مبررة :-
” لا تتضايق ارجوك .. كل شيء حدث بسرعة .. انت تعرف صعوبة ما مررنا به وانا فعليا تائهة في هذه اللحظة .. هذا لا يعني إنني نادمة ولكن ..”
قاطعها بصوت مرهق :-
” حسنا يا حياة .. تحدثي بصراحة وقولي ما تريدينه …”
ردت بخفوت :-
” لا يوجد شيء أريده يا نديم حتى الآن ولا يوجد ما أريد قوله حاليا ..”
اخذت نفسا عميقا ثم قالت :-
” ما حدث دمر كافة مخططاتي … اظن إن كلينا يحتاج الى التفكير جيدا في الوضع القادم …”
” فكري يا حياة .. فكري كما تريدين … القرار لك ..”
قالها بهدوء قبل ان ينسحب خارجا من غرفتها وملامح الخيبة واضحة على ملامحه ..!!
لقد خذلته مجددا وما أصعب خذلانها له …!!
…………………………………………………………………
في صباح اليوم التالي
دلفت مريم الى غرفة ليلى التي كانت تقف امام المرآة تصفف شعرها فتقدمت مريم نحوها تهتف بمرح :-
” صباح الخير ..”
ردت ليلى بإقتضاب :-
” صباح النور ..”
أضافت ببرود :-
” ألم أخبرك مسبقا أن تستأذني اولا قبل الدخول ..؟!”
مطت مريم شفتيها تردد :-
” يبدو إن مزاجك سيئا اليوم … ”
ردت ليلى ببرود :-
” على العكس .. مزاجي جيد جدا .. يكفي إن والدي سيخرج اليوم .. ”
” هذا رائع رغم إنني أشعر العكس ..”
قالتها مريم بنبرة ذات مغزى لتلتفت ليلى نحوها تهتف بحدة :-
” كفي عن تلميحاتك السخيفة يا مريم .. حسنا ..؟!”
قالت مريم بغضب :-
” ماذا حدث لكل هذا ..؟! ألا يمكنني المزاح معك قليلا ..؟! ”
اكملت ساخرة :-
” وتقولين إن مزاجك رائعا ..”
تخطتها ليلى وهي تخرج من غرفتها لتتبعها مريم بضيق حيث هبطتا درجات السلم لتجدا والدتهما تهم بالخروج فقالت ليلى بسرعة :-
” الى اين تخرجين وحدك ..؟! انتظريني لآتي معك …”
قالت مريم بسرعة :-
” وانا ايضا سآتي معكما …”
قاطعتهما فاتن بجدية :-
” ولا واحدة منكما ستأتي معي .. سأذهب مع السائق وهناك ستكون ممرضة تعاونني … انتما انتظرا هنا حسنا ..”
” لكن لماذا …؟! لتذهب واحدة على الأقل منا معكِ..؟!”
سألتها ليلى بتعجب لتهتف فاتن بجدية :-
” ستبقيان هنا .. انا سأجلب والدكما وأنتما كونا في استقبال خالكما وزوجته فهما سوف يأتيان بعد قليل …”
أضافت بتحذير :-
” وجهزا أخيكما ليكون في استقبال والده ..”
” هل ستخبريه اليوم ..؟!”
سألتها ليلى بحذر لترد فاتن :-
” بالتأكيد لن يعود الى منزله ولا يرى ابنه .. هل سأخفيه عنه وهو يعيش هنا أم أكذب عليه ولا أخبره بتصرف سهام ..؟! لا تقلقي لقد تحدثت مع الطبيب قبل أن أقرر إخباره بما حدث …”
هزت الفتاتان رأسيهما بتفهم لتغادر فاتن فتتجه كلتاهما نحو صالة الجلوس عندما قالت ليلى بجدية :-
” سأرى عبد الرحمن وأجهزه لإستقبال والدي …”
هزت مريم رأسها بعدم اكتراث لتتجه ليلى نحو غرفة اخيها حيث وجدته يلعب مع مربيته عندما وقفت تتأمله للحظات بشعره الأشقر وملامحه التي بدت تشبه ملامحها الى حد ما كما أخبرتها والدتها وهذا ليس شيئا غريبا فهي شبيهة والدها حيث أخذت عنه شقاره وملامحه …!!
تقدمت بحذر لتنهض المربية تحييها بإحترام فقالت ليلى :-
” جهزي الصغير ليكون في استقبال والدي ..”
هتفت المربية بفرحة :-
” بالطبع يا هانم .. سيكون جاهزا في غضون دقائق …”
ثم اشارت الى الصبي :-
” هيا يا عبد الرحمن .. بابا سيأتي .. ستتجهز لتكون في استقباله ..”
قفز الصغير بفرحة :-
” بابا سيأتي ..”
اضاف وعيناه تلمعان :-
” وماما ستأتي معه ايضا …”
تأملته المربية بإحباط بينما ظهر الضيق على ملامح ليلى عندما أخبرتها قبل خروجها :-
” جهزيه بسرعة ..”
ثم خرجت من غرفة ووقفت خارجها بملامح مضطربة تتسائل عن مدى استمرارية ذلك الجمود الذي تحمله ناحية من يكون أخيها ..
ذلك الطفل الذي لا ذنب له بأي شيء والذي يحمل نفس دمائها ..!!
احيانا ترغب أن تتقرب منه وتتعرف عليه بل وتتعامل معه كأخت حقيقية لكن شعور النفور يسكنها مجددا عندما تتذكر إنه ليس شقيقها من والدتها وعندما تتذكر والدته وما فعلته بوالدتها بل وحتى بوالدها …
افاقت من افكارها على صوت مريم ترحب بخالها وزوجته في الأسفل فقررت الهبوط للترحيب بهما حيث هبطت ورحبت بخالها وزوجته اللذين جائا خصيصا لإستقبال والدها ..
تذكرت لا إراديا ما حدث البارحة وتوسلها السخيف بزاهر كي يبقى ورفضه لذلك ..
لا تعرف كيف فعلت هذا فهي لم تكن ضعيفة يوما ولم تفعل ذلك مسبقا لكن مشاعرها المنهكة وقتها ورغبتها بوجود شخص داعم مثل زاهر غلبتها فتصرفت بتلك الطريقة الغبية ..
تشعر بالخجل من نفسها وهي تتذكر محاولته لطمأنتها وإعتذاره عن البقاء معها كونه مضطرا ان يغادر البلاد ..!!
عضت على شفتيها بقوة عندما استأذنت الجميع واتجهت الى الخارج حيث الحديقة لتأخذ نفسا عميقا هناك …
اغمضت عينيها تشعر بنسمات الهواء تلفحها فتبتسم وهي ما زالت مغمضة عينيها عندما سمعت صوتا يهمس جانبها :-
” أتسائل بفضول شديد عما تفكرين به في هذه اللحظة ويجعلك تبتسمين بهذه الطريقة …؟!”
فتحت عينيها والتفتت بسرعة تهتف بعدم تصديق :-
” زاهر ..؟!”
ابتسم مرددا :-
” نعم زاهر ..، مفاجئة أليس كذلك ..؟!”
سألته وما زالت الدهشة تسيطر عليها :-
” ألم تسافر ..؟!”
رد مبتسما بهدوء :-
” كنت على وشك السفر .. تراجعت في اخر لحظة ..”
سألته بإضطراب :-
” لماذا ..؟!”
رد ببساطة :-
” شعرت إنك تحتاجين لوجودي اكثر من عملي الذي ينتظرني ..،”
هتفت بتلعثم :-
” زاهر …”
رد بجدية :-
” لا تقولي شيئا .. لم أبقَ هنا لأنتظر منك شيئا ولا لأجبرك على شيء .. انا هنا لأكون جانبك .. كصديق او ابن خال .. كما تريدين .. المهم إنني معك وبجانبك … ”
هتفت بعينين محتقنتين :-
” انت كيف يمكنك ان تكون هكذا ..؟!”
رد مبتسما :-
” كيف يعني ..؟!”
هتفت بصوت مبحوح :-
” كيف يمكنك أن تكون رائعا لهذه الدرجة ..؟!”
ضحك بخفة ثم قال وهو يتأملها بعشق فشل في السيطرة عليه :-
” غريب ان تسألي ذلك وانت بكل هذه الروعة … زهرة خلابة محظوظ من ينال قربها .. قطعة من القمر لا ينالها أي شخص ..”
ضحكت بخجل وقد لمعت عيناها لا إراديا من كلماته ورغما عنها هناك شعور بالإطمئنان ملأ كيانها عندما وجدته جانبها مجددا ..!!
………………………………………………………
اوقف سيارته امام المقهى الذي اتفقا أن يتقابلا به ..
هبط من سيارته بملابسه الشبابية الأنيقة وتلك النظارة الشمسية التي تخفي عينيه وإبتسامة مرحة مرسومة فرق شفتيه وهو يطالع تلك الفتاة الجميلة التي مرت جانبه اثناء دلوفه للمقهى ..
دلف الى المقهى واخذ يبحث عنها بعينيه قبل ان يجدها تجلس على احدى الطاولات جانب النافذة الواسعة ..
ملامحها جامدة تماما وعيناها شاردتان .. تبدو بائسة بشكل مريب .. وجهها شاحب للغاية وكل شيء بها يدل على مدى تعبها وألمها ..
زفر أنفاسه بتعب وهو يتقدم نحوها يسحب الكرسي المقابل لها ويجلس عليه لترفع بصرها نحوه فتلتقي نظراتها الجامدة بنظراته المتسائلة الحذرة ..
كان يتسائل من خلال نظراته عما يحدث خاصة بعدما اتصلت به تطلب مجيئه بهذه السرعة …؟!!!
مالذي حدث معها وأرادت رؤيته سريعا ..؟!
اما هي فنظراتها ايضا كانت متسائلة وحائرة في نفس الوقت ..!! حائرة للغاية ..!!
هذا الرجل الماثل أمامها .. هذا الشاب الذي جمعتها به علاقة آثمة ستبقى موصومة بعارها الى الأبد ..!!
لم يعد هو نفسه الشاب الذي شاركها خطيئتها .. لقد نتج عن تلك الخطيئة جنين .. جنين ينمو داخل رحمها .. جنين نتاج ذنب عظيم وخطيئة ارتكبها كلاهما .. خطيئة لا تنسى ولا تغتفر ..!!
هذا الرجل هو والد طفلها الغير شرعي .. طفلها الذي لو علم فيما بعد كيف تكون داخلها لكرهها وكره والده وكره كل شيء يخصهما ..
جفلت لا إراديا وهي تتخيل المستقبل مع طفل من صلاح ..
صلاح الذي كان صديقا عابرا تلتقيه بين الحين والآخر ..
صلاح الشاب الطائش المستهتر ذو العلاقات النسائية المتعددة … صلاح بكل طيشه واستهتاره ولا مبالاته …
وماذا عنها ..؟! ماذا عنها وهي التي تعاني من الكثير من المشاكل التي لا نهاية لها ..؟! ماذا عنها وهي تائهة مشتتة طوال الوقت عاجزة عن الثبات على موقف محدد ..؟!
كيف يمكنها أن تنجب طفلا كهذا للحياة ..؟! طفلا سيولد لأب مستهتر لا مبالي وأم مهزوزة دائما …!!!
كانت أفكارها تقتلها دون رحمة وخيالاتها تتقدم نحو الأسوء بإستمرار حتى أفاقت على صوته ينادي عليها فهمست بخفوت وهي تخفض عينيها نحو الطاولة فلا تريد مواجهة عينيه :-
” نعم ..؟!”
هتف متعجبا :-
” لقد طلبت رؤيتي .. ماذا حدث ..؟! أخبريني …”
رفعت وجهها بسرعة وقد ظهر التوتر جليا على ملامحها وهي تفكر فيما ستقوله ..!!
هل ستعترف له ..؟! هل ستخبره الحقيقة ..؟! هل ستخبره بأمر حملها منه ..؟!
توترت ملامحها فهتف محاولا تهدئتها دون أن يفهم سبب هذا الإضطراب والتوتر :-
” اهدئي يا نانسي وأخبريني ماذا هناك …”
ابتلعت ريقها وأخذت تنظر اليه بعين مذعورتين للحظات قبل ان تهتف به :-
” عمي يريد رؤيتك …!!”
اخذ نفسه مرددا :-
” كل هذا التوتر لأجل ذلك ..؟!! لقد شعرت بالقلق من ملامحك حقا .. لا بأس .. سأقابله بالطبع ..”
هتفت بلا وعي :-
” ارجوك أقنعه بصحة زواجنا .. يجب أن نتزوج سريعا يا صلاح .. لم يعد يهمني رأي والدتي .. هي حرة في قرارها .. عمي هو ولي أمري .. ارجوك دعه يوافق ..”
قال صلاح بجدية :-
” سأفعل ذلك بالطبع .. لا تقلقي يا نانسي … انا وعدتك ..”
هزت رأسها بملامح مترددة قبل ان تقول :-
” لقد تحدثت معه البارحة .. كما أخبرتك هو طلب مقابلتك ليتحدث معك ..”
” جيد ، سأقابله متى ما يريد …”
قالت مضيفة :-
” لقد حدث شيء ايضا ..!!”
عقد حاجبيه متسائلا:-
” ماذا حدث ..؟!”
اجابت بتردد :
” لقد كنا انا وهايدي عنده وهايدي أخبرته إنك تعمل .. يعني بدأت فعليا بالعمل مع أخيك في شركة العائلة ..”
رفع صلاح حاجبه مرددا بعدم فهم :-
” شركة العائلة ..؟!”
اضاف بجدية :-
” نحن لا نمتلك شركة يا نانسي .. اخي اساسا طبيب .. واملاكنا وثروتنا عبارة عن عقارات واموال في البنوك وطبعا المشفى الذي يكون أخي شريف احد المساهمين الرئيسيين فيها …”
اكمل بجدية :-
” اما بالنسبة لمجموعة شركات الخولي فهي انتقلت ملكيتها لعمي حسين رحمة الله عليه بعدما باع كلا من أبي وعمي رحمة الله عليهما أسهمهما في الشركة له مقررين استثمار تلك الأموال بشكل مختلف بعيدا عن التجارة …”
قالت نانسي بحذر :-
” اعتذر حقا .. لقد قلنا هذا دون تفكير عندما سألنا عمي عن عملك .. ماذا كان بوسعنا ان نفعل ..؟!”
رد بجدية :-
” انا لا احتاج الى العمل يا نانسي .. لدي اموال كثيرة .. كما ان حصصي من اجارات العقارات والمحلات والعمارات وغيرها تجعلني أعيش ملكا ..”
قاطعته نانسي :-
” هذا الكلام لن يفهمه عمي يا صلاح .. أخبره إنك تعمل بالفعل .. لن تخسر شيئا ..”
زفر أنفاسه بملل قبل ان يهز رأسه وهو يردد بملل :-
” حسنا حددي موعدا لي مع عمك …”
قالت بسرعة :-
” سأتصل به حالا ..”
ثم اخرجت هاتفها تتصل بعمها بينما اشار صلاح الى النادل يطلب منه مشروبا ..
بعدما غادر النادل مدونا طلبه انهت نانسي مكالمتها ليتسائل صلاح بإهتمام :-
” هل حددتِ موعدا معه ..؟!”
اومأت برأسها واجابت :-
” بإمكانك الذهاب اليوم او في يومي العطلة صباحا وحتى العصر فهو متواجد في المنزل طوال هذه الفترة ..”
” يعني يمكنني رؤيتي اليوم ..؟!”
سألها بجدية لترد :-
” نعم .. هو قال ذلك ولكن هل ستذهب حقا لرؤيته اليوم ..؟!”
رد بأريحية :-
” ولم لا .. ؟! دعينا ننتهى من هذا الأمر بسرعة ..”
” اتمنى ان تنجح في إقناعه حقا يا صلاح وسأكون ممتنة لك …”
ابتسم بخفة دون رد ثم قال بعد لحظات :-
” سأتناول عصيري بسرعة ثم اغادر لمقابلته ..”
هزت رأسها وهي تبتسم له بإمتنان قابله هو بإبتسامة لم تصل الى عينيه .. ابتسامة كانت مصطنعة …!!
………………………………………………………….
جلس امام والده الذي اخذ ينظر اليه بإهتمام فتسائل نضال :-
” نعم أبي .. ماذا هناك …؟!”
تنهد أشرف ثم قال :-
” أريد أن أفهم ماذا سيحدث بعد الآن ..؟! ماذا ستفعل ..؟!”
” ماذا سيحدث يعني ..؟!”
سأله نضال ببرود ليرد أشرف بجدية :-
” يا بني لا تتصرف هكذا … سكوتك بهذه الطريقة ليس حلا على الإطلاق .. لقد حدث ما حدث ..”
” جيد إنك تعلم ذلك .. لقد حدث ما حدث ولا مجال للعودة ..”
قالها بإقتضاب ليهتف والده بقوة :-
” ولكن انا لن أسمح لك أن تبقى على حالتك هذه بسبب قرار طائش اتخذته والدتك .. لا أستطيع أن أبقى صامتا وانا أراك في هذه الحالة …”
رد نضال بهدوء :-
” لا تقلق .. سأكون بخير …”
اكمل مبتسما بإستخفاف :-
” كما إنه لا حاجة للقلق .. انا لست حزينا او بائسا .. انا فقط أردت الإنفراد بنفسي قليلا .. ترتيب أولوياتي … يعني نوع من المحاولة للوصول الى مرحلة جديدة ومختلفة !!”
” وهل وصلت لتلك المرحلة ..؟!”
سأله والده بإهتمام ليرد ببرود :-
” سأصل بالتأكيد .. لكن مهما وصلت الى مراحل مختلفة وجديدة ومهما فعلت وأنجزت سيظل السلام والإستقرار بعيد عني تماما ..”
” لماذا تقول هذا يا بني ..؟!”
سأله أشرف بقهر ليرد نضال بشرود :-
” ربما لإن كلاهما غادراني منذ سنوات ولم يعودا من حينها …”
” ألن تخبرني ما حدث قبل سنوات وما قصة رويدا تلك ..؟!”
سأله والده بجدية ليرد نضال مبتسما بمرارة :-
” لا أريد .. لا أريد التحدث ولا التذكر مع إنني لا أنسى ولو للحظة واحدة ..”
اكمل وهو ينظر الى والده بقوة :-
” لن أتخطى ذلك الماضي مهما حدث يا أبي … سيبقى ملتصقا بي الى الأبد .. هل تعلم ..؟! مرة واحدة فقط شعرت إن هناك أملا بنسيان ما حدث .. مرة واحدة فقط .. وحتى هذه المرة لم أنجح في الحصول عليها ..”
” عن أي مرة تتحدث ..؟! هل تقصد حياة ..؟!”
سأله والده بحذر ليبتسم نضال مرددا بشرود :-
” نعم حياة .. الوحيدة التي شعرت إنني وجدت بها ضالتي .. لولا القدر ولولا وجود حائل بيننا ربما وجودها في حياتي كان سيساعدني كثيرا .. هي الوحيدة التي شعرت إنها ستعوضني عن كل ما مررت به … هي الوحيدة التي رجوت منها أن تطهرني من كافة ذنوبي لكنها غادرتني هي الأخرى .. غادرتني بسرعة كبيرة … غادرتني قبل أن أستطيع الوصول إليها أو أجد الوقت للمحاولة حتى ..!!”
هم والده بالتحدث لكن دخول الخادمة وهي تخبره عن قدوم صلاح اوقفه فأشار لها ان تسمح له بالدخول …
دلف صلاح مبتسما بثقة متعمدة متقدما نحو اشرف الذي نهض لإستقباله معرفا عن نفسه :-
” صلاح الخولي …
رد اشرف وهو يبادله التحية :-
” اهلا يا صلاح .. ”
هنف صلاح بثقة :-
” سعدت برؤيتك يا أشرف بك …”
” انا الأسعد ..”
قالها أشرف وهو يتأمل ثقته بنفسه وطريقته بالتعريف عن نفسه بإعجاب مبدئي عندما أشار الى نضال :-
“نضال مختار .. ابني الكبير والوحيد ..”
التفت صلاح نحو نضال الذي نهض يحييه فحياه بدوره قبل ان يجلس قبالا له عندما سأله اشرف عما يحب أن يتناول فأخبره إنه يفضل القهوة المعتدلة الحلاوة …
بعد مدة من تبادل الأحاديث العادية تسائل أشرف :-
” إذا أين تعمل الآن يا صلاح ..؟!”
رد صلاح بجدية :-
” انا أعمل حاليا في شركات العائلة التي يديرها ابن عمي .. عمار الخولي .. بالتأكيد تعرفه ..”
ارد اشرف بجدية :-
” نعم بالطبع اعرفه .. ”
قال صلاح :-
” انت بالطبع تعرف يا بك سبب مجيئي .. انا اريد الزواج من نانسي .. انا وهي نحب بعضنا ونرغب أن نتزوج .. ”
” نعم ، أخبرتني نانسي بذلك ..”
قالها أشرف بجدية ليهتف صلاح مبتسما :-
” نعم أعلم مثلما أعلم رفض والدتها الغير مبرر لي ولهذا نانسي طلبت مني التحدث معك ..”
” والدتها تفكر من منطق أم تخشى على ابنتها …”
قالها أشرف بدلوماسية تحت انظار نضال المتابعة للحوار بصمت فهتف صلاح متسائلا :-
” هل تسمح لي بالتحدث اولا يا بك ثم بعدها يمكنك الحكم علي ..؟!”
” بالطبع يا بني ..”
قالها أشرف مبتسما وهو يتبادل النظرات مع نضال ليبتسم صلاح بدوره ويهتف :-
” انظر يا عمي .. سأكون صريحا في كل شيء أقوله .. انا شاب من عائلة ثرية .. خريج جامعي وفي السادسة والعشرين من عمري .. حياتي السابقة كانت عبارة عن سفر وسهرات وبعض النزوات .. نعم انا لن أخفي شيء عنك .. تصرفاتي لم تكن صحيحة لكن مثلي مثل أي شاب تصرفت بطيش لا أخجل من الإعتراف به .. انا اعرف نانسي منذ زمن لكن علاقتنا كان طفيفة .. يعني مجرد سلام وحديث عابر كونها كانت ابنة صديقة زوجة عمي واضافة الى ذلك هي زميلة لبعضا من أصدقائي في المدرسة والذين درسوا معها في نفس الجامعة .. مختصر الكلام منذ فترة حدثت مواقف بيني وبينها فبدأت مشاعري تتحرك نحوها ولإنني أعرف جيدا إن نانسي مختلفة وليست من النوع التي تحبذ العلاقات دون إرتباط رسمي قررت أن أفكر جيدا وأدرس مشاعري ومدى إمكانية دخولي في علاقة ناجحة .. يعني درست الموضوع من جميع الجوانب .. من جهة أردت التأكد من صدق مشاعري ومن جهة كان علي التأكد من قدرتي على بدء حياة جديدة ومختلفة كرجل مقبل على الارتباط …”
” تفكير رائع وعقلاني جدا ..”
قالها أشرف يتأمله بإعجاب ليضيف صلاح بنفس الثقة واللباقة :-
” قراري ليس وليد فترة قصيرة .. لقد اخذت شهورا طويلة قبل أن اتأكد من مشاعري وما أريده وقبل أن أصارح نانسي حتى .. انا بالفعل أحب نانسي وأريدها زوجة لي وسأكون الزوج المناسب لها .. أتفهم مخاوف والدتها لكن من غير العدل أن تحاسبوني على الماضي والذي يمر بها الكثير من الشباب .. المهم هو القادم .. المهم هو ما سأفعله مستقبلا .. الماضي انتهى وانا قررت التغير لأجل دخولة مرحلة جديدة في حياتي مع الإنسانة التي أحبها .. انا حتى بدأت العمل بالفعل … ”
قاطعه أشرف :-
” ما تقوله منطقي جدا .. أعجبتني صراحتك معي يا صلاح .. انا شخصيا اشجع التغيير واتفهم التغيرات التي يمر بها الجميع .. مثلما قلت الجميع يعيش فترات مختلفة من الطيش .. المهم النهاية .. وانت واضح جدا كم تريد نانسي وواضح مدى تمسكك بها ..”
هتف صلاح يسأله :-
” يعني أفهم من حديثك إنك موافق ..؟!”
رد أشرف :-
” نعم يا صلاح انا موافق .. طالما انت تريدها وهي تريدك وطالما ستتغير حقا لأجلها فأنا سأمنحك الفرصة بل سأمنح كليكما الفرصة ..”
هتف صلاح مصطنعا السعادة :-
” انا سعيد حقا .. متى أجلب عائلتي اذا ..؟!”
رد اشرف :-
” امنحني يومين فقط وسأخبر نانسي بالموعد المناسب .. فقط سأحاول التحدث مع والدتها اولا علي أقنعها بأمر زيجتكما ..”
نهض صلاح من مكانه مرددا :-
” حسنا اشرف بك .. سأنتظر موعدا منك اذا …”
” ان شاءالله ..”
قالها اشرف وهو ينهض مودعه ليغادر صلاح فينظر اشرف الى نضال يخبره :-
” يبدو جيدا حقا ..”
مط نضال شفتيه مرددا :-
” حديثه جيد ومقنع لكن لا يمكن الحكم عليه من بضعة كلمات منمقة …”
ابتسم اشرف بشرود مفكرا في صلاح وضرورة البحث خلفه وايضا ضرورة التحدث مع زوجة اخيه الراحل وإقناعها بالموافقة ..!!
…………………………………………………………..
كانت تسير داخل جناح الفندق ذهابا وايابا والتوتر يملأ كيانها بينما اختها تتابع بصمت حتى هتفت بضجر :-
” هل يمكن أن تجلسي قليلا .. ؟! لا أفهم ما سبب كل هذا القلق ..”
ردت نانسي :-
” صلاح في منزل عمي الآن .. وربما يدمر كل شيء ..”
” لماذا تعتقدين هذا ..؟! هل صلاح طفل صغير ليتصرف بطريقة تضايق عمي ..؟!”
هتفت بها هايدي بدهسة لتتجه نانسي وتجلس جانبها مرددة :-
” الأمر لا يقتصر على هذا يا هايدي .. هل نسيت أمر كذبتنا ..؟! قلنا إنه يعمل مع أخيه في شركتهما وأخوه اساسا طبيب ولا يوجد لديهما شركة ..”
ردت هايدي بلا مبالاة :-
” سيتصرف ويجد مبررا او نحن نجد مبررا لذلك .. لا أرى مشكلة كبيرة لهذا الحد ..،”
” انا مرعوبة يا هايدي وتعبت حقا من كل ما يحدث ..”
قالتها نانسي وهي تضع رأسها بين كفيها بإنهاك لتهتف هايدي بجدية :-
” يكفي يا نانسي .. حقا يكفي … انت تدمرين نفسك .. ”
أضافت بقوة :-
” حتى لو لم تحدث تلك الزيجة .. لن ينتهي العالم .. ”
نظرت نانسي اليها تتسائل بعدم فهم :-
” مالذي تقولينه يا هايدي ..؟!”
نهضت هايدي من مكانها تقول بقوة رغم ترددها :-
” اقول الحقيقة .. لن ينتهي العالم بسبب خطأ ارتكبته دون قصد .. نعم خطأ كبير لكنه لن يكون نهاية العالم .. اذا لم تتزوجي صلاح فيمكننا معالجة الأمر بأكثر من طريقة ..”
نهضت نانسي من مكانها تسألها بحدة :-
” كيف ..؟! كيف ستعالجينه ..؟!”
ردت هايدي بجرأة :-
” هناك اكثر من طريقة .. عملية بسيطة تعيد عذريتك .. طريقة سهلة جدا ولا تحتاج لكل هذا التضخيم ولا التوسل بصلاح بك ليتزوجك ..”
” انت جننتِ حتما ..”
قالتها نانسي بعينين متسعتين غير مصدقتين لترد هايدي :-
” على العكس تماما .. انا أفكر بعقلانية .. لو كنت مكانك لفعلت ذلك دون تردد بدلا من الجري وراء شاب وترجيه ليتزوجني .. اساسا لا أعلم كيف يمكنك الوثوق بشخص مثله ..؟! شخص مستهتر .. وفوق ذلك استغل عدم وعيك وسرق عذريتك ..”
” يكفي يا هايدي …”
قالتها نانسي وهي تشعر بالغثيان لترد هايدي مشددة على حديثها :-
” كلا لا يكفي .. مالذي يجعلك تقللين من نفسك وكرامتك لهذه الدرجة بل والتوسل بشاب غير أهل للثقة ابدا ..؟! ”
صاحت نانسي بتعب :-
” لإنه لا حل اخر امامي .. لإنني أخطأت معه .. لإنني خسرت شرفي يا هايدي .. من الواضح إنك لم تدركي بعد مدى صعوبة ذلك ..”
نظرت هايدي اليه بتردد لتضيف نانسي بقوة :-
” دعيني أخبرك الأقوى اذا .. ولإنني أحمل طفله ايضا ..”
سيطرت الصدمة على ملامح هايدي لتضيف نانسي بألم :-
” هل أدركت الآن حجم المصيبة التي وقعت بها ..؟! هل ما زلت ترينني أبالغ يا هايدي ..؟! هل لديك حل ايضا لتلك المشكلة ..؟!”
” انت تمزحين ..”
قالتها هايدي بعدم تصديق لتهتف نانسي بدموع حارقة :-
” لقد علمت بذلك البارحة .. انا حامل يا هايدي .. حامل من صلاح .. آثار تلك الليلة ونتائجها تزداد لا تنقص ..”
” يا إلهي ..”
قالتها هايدي بإنفعال قبل ان تجلس على الكنبة مرددة بنبرة مرتجفة :-
” ما هذه المصيبة التي حلت فوق رؤوسنا ..؟!”
قالت نانسي باكية :-
” الوضع يزداد سوءا وانا لا يمكنني التحمل أكثر .. انا مجبرة على اكمال هذه الزيجة .. مجبرة لست مخيرة يا هايدي ..”
نظرت هايدي اليها بصمت مريب للحظات قبل ان تردد بثبات مخيف :-
” سوف تجهضينه ..”
ارتجف جسد نانسي بالكامل مما سمعته فنهضت من مكانها تردد بعدم استيعاب :-
” ماذا تقولين يا هايدي ..؟!”
نهضت هايدي من مكانها تردد بنفس الثبات :-
” سوق تجهضين هذا الطفل يا نانسي …”
اكملت عندما لاحظت التردد بعيني اختها :-
” انت لن تنجبي هذا الطفل .. بالتأكيد لا تنوي أن تنجبي طفلا من رجل سيتزوجك فقط لكي يعيد لك شرفك الضائع … رجل لا يمكن أن يتحمل مسؤولية طفل لإنه لا يتحمل مسؤولية نفسه من الأساس .. انت لن تنجبي طفلا من رجل مثل صلاح ..”
اكملت بقوة وهي تلاحظ جمود ملامح شقيقتها :-
” ستتخلصين من هذا الطفل .. لأجلكِ ولأجل الطفل نفسه .. هذا سيكون أرحم من ولادته لأبوين تزوجا مجبرين … أرحم من أن يكون والده شخص كصلاح .. ارحميه وارحمي نفسك يا نانسي فأنت لا يمكنك تحمل مسؤولية كهذه خاصة في الوقت الحالي ..!!”
…………………………………………………………….
دلف الجميع الى القصر اولهم راغب تتبعه همسة وخلفهما زهرة يتبعهم فيصل وتوليب واخيرا مهند …
التفت راغب نحو مهند مرددا :-
” هل أعجبك ما حدث ..؟! الفتاة كادت أن تموت بسببك …”
قالت همسة بتوسل :-
” يكفي يا راغب .. هذا ليس الوقت المناسب ..”
التفت نحوها صائحا :-
” اصمتي انت .. انت لا تعرفين شيئا .. اخي المحترم جعلني رجلا كلمته ليست صادقة أمام عمار الخولي …”
هتف مهند بإستفزاز :-
” هذا ما يهمك اذا .. ليست جيلان من تهمك ووضعها .. ما يهمك هو إنني لم أوفِ بعهدك امام عمار وأحافظ على اخته ..”
” انظر الي ، كلمة اخرى وسأقتلك في مكانك …”
قالها راغب بغضب مخيف ليرد مهند ضاحكا بخفة :-
” يمكنك ان تفعلها .. مثلما يمكنك ان تفعل اي شيء كي تحقق ما تريد وتنال ما تريد وتجعل الجميع يتصرف كما تريد .. ”
” انتبه على كلامك جيدا يا مهند .. ”
قالها راغب بتحذير ليتسائل مهند بتحدي :-
” وإذا لم أنتبه ، ماذا ستفعل ..؟!”
” سأفعل هذا ..”
قالها راغب وهو يتقدم نحوه منقضا عليهما فتصرخ زهرة بقوة وهمسة بهلع بينما يحاول فيصل إبعاد راغب عن مهند ومعه توليب …
تقدمت زهرة تجذب راغب من ذراعه وهي تهتف به :-
” يكفي .. توقفا .. ارجوكما يكفي ….”
جذبت راغب بعيدا عن مهند تصرخ به بلا وعي والدموع تتساقط من عينيها :-
” يكفي حقا يكفي .. ألا تشعران بي أنتما .. تتقاتلان أمامي … تفعلان كل هذا وانا ووالدك ما زلنا أحياء لم نمت بعد ..”
هتف راغب بأنفاس لاهثة :-
” ابنك يحتاج الى تربيته من جديد يا امي …”
رد مهند بقوة :-
” انا احتاج الى تربية وانت تحتاج الى عقلية جديدة تماما …”
” قلت اخرس ..”
قالها راغب وهو يهم بالإنقضاض عليه لتصرخ زهرة وهي تقف بجسدها امامه :-
” هل جننت ..؟! ستضرب أخيك …”
” وأحطم رأسه أيضا إذا تجاوز حدوده معي ..”
قالها راغب بتجبر ليهتف مهند بقوة وهو يدفع فيصل الذي كان يقف امامه بعيدا متقدما نحو اخيه مرددا :-
” لا انت ولا عشرة منك يمكنهم فعل ذلك .. اذا كنت ل
انت راغب الهاشمي فأنا مهند الهاشمي … لن أسمح لأي مخلوق على وجه الأرض أن يحطم رأسي أو يؤذيني او يتحكم بي .. ”
هم راغب بالرد لكنه توقف على صوت والده يهتف بقوة :-
” ماذا يحدث هنا ..”
” عابد …”
قالتها زهرة بتوسل ليستدير الجميع نحوه فيتسائل عابد مجددا وهو يتقدم نحوهم ويقف امامهم مباشرة :-
” ماذا يحدث هنا بالضبط ..؟!”
كان الجمود يكسو ملامح كلا من راغب ومهند بينما التوتر يسيطر على ملامح البقية فصاح متسائلا بصرامة شديدة :-
” لماذا لا تجيبون ..؟! ماذا يحدث هنا ..؟!”
هتفت توليب بتردد :-
” جيلان تعبت قليلا وتم نقلها للمشفى …”
تسائل عابد بخوف شديد :-
” ماذا ..؟! متى حدث ذلك ..؟! وكيف وضعها الآن ..؟!”
تقدمت زهرة نحوه تقبض على كفه تردد محاولة تهدئته :-
” لا تقلق يا عابد .. هي بخير .. أصبحت بخير الحمد لله ..”
” ماذا حدث معها ..؟! لماذا تعبت ..؟!”
سأل زوجته بقلق قبل أن يمنح نظراته المتسائلة للبقية فقالت زهرة متلعثمة :-
” يبدو إنها تسممت و ..”
قاطعها راغب بقوة :-
” لا تكذبي من فضلك …”
نظرت له زهرة بتوسل ألا يتحدث لكنه أخبر والده :-
” جيلان انتحرت يا أبي … قطعت شرايينها … ”
تجمدت ملامح عابد بعدم استيعاب بينما نظرت همسة الى راغب بتأنيب لم يهتم به حيث بقيت ملامحه ثابته لا تتحرك …
” الفتاة بخير يا عابد .. والله بخير ..”
قالتها زهرة محاولة طمأنته بينمت توقفت انظار عابد على مهند الذي كان يطالعه بثبات فتقدم نحو ابنه بخطوات ثابتة قبل ان يقف امامه ويسأله بجمود :-
” ماذا فعلت بها ..؟!”
رد مهند ببرود :-
” فعلت ما كانت تستحقه أي واحدة بدلا عنها ..”
ما إن أنهى كلماته حتى هبطت كف والده على وجنته حيث صفعه بقوة جعلت فيصل يجري نحوه ويقف في وجه والده الذي ردد بأصابع مرتجف بينما وضعت زهرة كفها فوق فاهها بعدى تصديق :-
” ليتني لم أنجبك .. ليتني تبرئت منك ولم أسعَ يوما لإعادتك الى العائلة … ”
وضع مهند كفه فوق وجنته وملامحه يسيطر عليها الجمود بينما همست زهرة بصوت باكي مرتجف :-
” لماذا يا عابد …؟! لم يكن عليك فعل هذا ..؟!”
مسح عابد على وجهه وتحرك مبتعدا عن الجميع عندما سمع مهند يتحدث بقوة وصلابة :-
” هل ارتحت الآن ..؟! هل فرغت غضبك جيدا ..؟! ”
أضاف وهو يشير الى راغب :-
” وانت ..؟! هل شعرت بالإنتصار أخيرا …؟! حققت غرضك …”
اكمل بقوة :-
” إن كنتم تظنون إنني نادم على أي شيء فعلته اليوم او مسبقا فأنتم مخطئون .. وإذا كنت أنت يا أبي العزيز نادم على إنجابك لي فأنا ألعن نفسي كل يوم لإنني ولدت هنا في هذا القصر … انت تعلم جيدا إنني توقفت عن حبك منذ سنوات .. تعلم جيدا إنني أكرهك … وأكره كل شيء يتعلق بك وبعائلتك المبجلة .. مثلما تعلم إن عودتي الى القصر ليس حبا فيك او فيه بل لأجل مصلحتي .. مصلحتي انا يا عابد بك الهاشمي …”
التفت عابد نحوه يتأمله بعدم تصديق ليهتف مهند بجبروت :-
” انا اكرهك ولن أغفر لك يوما كل ما مررت به وعايشته بسببك … ”
” مهند بني ..”
قالتها زهرة بتوسل ليكمل مهند غير آبها بأي شيء :-
” وهذا الذي تراه كل شيء .. بكريك ووريثك الأول .. كبير العائلة من بعده .. هذا الذي تصفه بأروع الصفات ليس سوى شخص انتهازي استغل ابنة اخيك اليتيمة كي يحصل على الشركة التي تركها عمي .. كي لا يخسر أمام عمار الخولي .. فراغب الهاشمي لا يقبل ان يخسر امام أي احد ولا يتنازل عما يريده مهما يحدث ويفعل اي شيء لينال ما يريد حتى لو كان على حساب مراهقة صغيرة يتيمة لا حول لها ولا قوة ..؟!”
” ماذا تقول انت ..؟!”
صاح راغب بغضب ليرد مهند بثبات :-
” انا اقول الحقيقة .. حقيقتك يا اخي الكبير .. هل كذبت بشيء ما ..؟! ألم تستغل جيلان ..؟! ألم تزوجها لي رغم معرفتك بطباعي الحادة ومشاكلي التي لا تنهتهي بل وزواجي العرفي من تقى ..؟! رغم كل هذا قررت تزويجها لي ليس حبا فيها بل لأجل الشركة التي حلمت بضمها لشركات العائلة منذ زمن ولأجل أن تجبرني على العودة الى قصرك المبجل من جهة اخرى … ”
أكمل وهو ينظر اليهم جميعا :-
” لم يفكر بعمر الفتاة الصغيرة ولا بكونها يتيمة .. فكر فقط بمصلحته وبتلك الشركة .. طمعه الذي لا ينتهي ورغبته بالتحكم بي كما يتحكم بكم جميعا جعلته يزوجها لي … ”
” أيها النذل الحقير …”
قالها راغب بعصبية مدمرة ليرد مهند :-
” لماذا لم تزوجها الى فيصل ..؟! على الأقل هو اقرب لها عمرا وشخصيته تختلف عني ..؟! لماذا إخترتني انا تحديدا ..؟! لو كان لديك ذرة اهتمام بإبنة عمك ووضعها ما كنت لتفعل بهذا وتربطها برجل مثلي …!!”
اكمل وهو يشير الى والده :-
” ما رأيك يا عابد بك ..؟! ألا تتفق معي فيما اقوله ..؟؟ أم ستتغاضى عن حق ابنة اخيك وتتجاهل حديثي فقط لأجل تبرئة ابنك المفضل …؟!”
اضاف بقوة وعيناه تحاصران راغب :-
” لكن ليكن بعلمك مخططاتك فشلت يا أخي العزيز .. عمار الخولي علم بأمر زواجي العرفي وهو يريد استعادة ملكية الشركة كي لا يفضح الأمر .. يعني ستخسر تلك الشركة مجددا بل وتتوسل بعمار الخولي كي لا يفضح عائلتك المبجلة … ”
اكمل وهو يضحك ملأ فمه :-
” وسوف تتوسلني انا ايضا قريبا لعدة اسباب .. ”
قبل ان ينهي كلماته كان راغب ينقض عليه مجددا قبل ان تصرخ زهرةبإسم زوجته فيلتفت بسرعة ليجد همسة تصرخ متألمه وهي تضع يدها فوق بطنها …
تقدم نحوها بهلع يحيطها بذراعيها يحاول أن يفهم ما يحدث عندما صرخ فيصل بإسم والده الذي وضع يده على قلبه وعلا صوت صراخ اخته فيركض فيصل نحوه يتلقاه بين ذراعيه بعدما سقط جسده ارضا …
………….:……………………………………………
كان يجلس جانبها يتأملها وهي ممددة فوق سرير المشفى نائمة بلا حول ولا قوة ..
لم طوال الليل ينم لحظة حيث يجلس جانبها دون أن يتركها ولو ثانية واحدة يتأملها فقط …
يتأمل برائتها ، صغر سنها والعذاب المرسوم على ملامحها ..!!
هو من تسبب بكل هذا …
هو من دمرها …
تأمل معصمها المربوط جيدا فشعر بألم يشبه سكين حادة غرست في قلبه ..
سمع صوت الباب يفتح فإلتفت ليجد راجي يتقدم نحوه ..
تأفف داخله بضيق وهو لا يريد أي شخص من هذه العائلة أن يقترب من اخته ..
تقدم راجي نحوه ملقيا التحية قبل ان يفحص جيلان فيبتسم اخيرا قائلا :-
” سوف تستيقط بعد قليل بإذن الله ..”
لم يجبه عمار فأضاف راجي :-
” يمكنك أن تستريح قليلا .. انت بجانبها منذ البارحة ..”
قاطعه عمار بقوة :-
” انا لن اترك اختي وحدها لحظة واحدة ..”
” لم اطلب منك تركها لكنك ستتعب بالتأكيد .. كما إن جيلان ستحتاج الى وجود إمرأة جانبها معك .. يمكن لوالدتي او زوجة اخي أن …”
قاطعه عمار بحدة :-
” لا أريد أي أحد منكم أن يقترب من أختي .. لقد طردت الجميع بنفسي البارحة .. ماذا أفعل أكثر لتقتنعوا إنني لا أريد أيا منكم حتى أنت أيها الطبيب ..”
تقدم راجي نحوه مرددا بصوت محذر قوي :-
” انتبه على حديثك يا عمار … عندما تتحدث عن عائلتي فعليك التحدث بإحترام .. هل فهمت ..؟!”
رد عمار بقوة :-
” فلتذهب انت وعائلتك الى الجحيم ..”
قال راجي بثبات :-
” لولا إننا في مكان كهذا لا يسمح بأي تصرف غير مسؤول لكنت تصرفت بشكل مختلف معك لكن لا بأس سأحاسبك على حديثك هذا فيما بعد ..”
ابتعد متحركا خارج المكان عندما سمع عمار يهتف به:-
” اتمنى ألا نرى وجهك مجددا يا حضرة الطبيب .. هناك طبيب غيرك سيعتني بأختي حتى تتعافى تماما ..”
التفت راجي نحوه مرددا ببرود :-
” أختك ستتعافى بحالة واحدة وهي إبتعادك عنها ..”
اندفع خارجا لتشتعل عينا عمار بغضب وتوعد عندما سمع صوت آنين خافت فسارع يركض نحو جيلان التي بدأت ترمش بعينيها فجلس جانبها يردد :-
” جيلان حبيبتي .. استيقظي …”
سمعها تهمس بصوت خافت متألم :-
” ماما .. أريد أمي …”
تجمدت ملامحه تماما بل تجمد جسده بالكامل وهو يسمعها تنادي عليها …
ديانا … والدته وعشقه الاول ولعنته الأبدية ..!!
سمع صوت الباب يفتح و صوت الطبيب يدلف الى الداخل خلفه الممرضة ليطلب منه الخروج كي يفحصها ويساعدها على الإستيقاظ …
خرج بنفس الملامح الجامدة ووقف مستندا على الحائط وعادت الذكريات المبعثرة تحاوطه من جديد …
ذكريات لا مفر منها مهما حدث ..
أغمض عينيه بقوة وهو يعتصر قبضتي كفيه بقوة اكبر …
شعر بالطبيب يخرج فأفاق من افكاره متقدما نحوه محاولا السيطرة على مشاعره المضطربة فوجد الطبيب يبتسم قائلا :-
” لقد استيقظت اخيرا .. الحمد لله صحيا هي بخير لكنها تحتاج الى علاج نفسي سريع … ”
رد عمار بخفوت :-
” هناك طبيبة نفسية تتابع معها منذ مدة …”
” في الحقيقة هي تحتاج الى اخصائية جيدة جدا وتعرف كيف تتعامل معها …”
قالها الطبيب بعملية ليهتف عمار بجدية :-
” سأبحث عن افضل أخصائي في العالم وأجلبه لها ….”
ربت الطبيب على كتفه وغادر ليتجه الى الداخل فيجدها ممددة على السرير لكن الفرق إن عينيها مفتوحتان هذه المرة ..
تقدم نحوها يهتف بلهفة :-
” جيلان حبيبتي .. كيف حالك ..؟!”
تأملته الممرضة بشفقة وقالت :-
” لا تتحدث .. يبدو إنها ما زالت تعاني من آثار الصدمة ..”
ثم خرجت بعدما أخبرته أن يناديها اذا احتاج شيئا ما ليهمس بعد خروجها :-
” صغيرتي ، لماذا لا تتحدثين ..؟! انا هنا بجانبك .. لن اتركك ابدا بعد الآن ..”
لم يرَ أي استجابة منها فهمس متوسلا :-
” بالله عليك تحدثي .. قولي أي شيء يا حبيبتي .. أي شيء يا جيلان ..”
اكمل وهو يلمس على كفها بتوسل :-
” كلمة واحدة فقط يا جيلان .. بالله عليك …”
وجدها تحرك شفتيها ببطأ فدب الأمل في قلبه عندما همست اخيرا بنبرة متقطعة شديدة الخفوت :
” اريد امي … ”
تجمدت كفه فوق كفها عندما شعر بطعنة أكبر داخل قلبه فأخفض وجهه ولأول يشعر بدمعة حارة تهبط فوق وجنته ..!!
دمعة واحدة يتيمة لا غير لكنها تحمل ألف معنى …!!
……………………………………………………
وقفت امام مكتب سكرتيرته تخبرها :-
” أخبري فراس بك إن غالية الخولي في الخارج ..”
ابتسمت السكرتيرة وهي تتأملها بإعجاب وقد عرفتها على الفور فهي خطيبة مديرها ..
سارعت تخبر مديرها الذي سبقها عندما خرج مع تلك الشقراء التي زارته منذ اكثر من ساعة ..
تجمدت ملامح فراس عندما رأى غالية أمامه فتأملته غالية هو وأوليفيا التي تقف بجانبه فتقدمت نحويهما تردد ببرود :-
” مرحبا ..”
أضافت وهي تحيي أوليفيا مرددة :-
” مرحبا اوليفيا .. لم أرك منذ مدة ..؟! أليس غريبا أن أراكِ بعد كل هذه الأيام مع خطيبي ..”
ردت اوليفيا بحرج وارتباك :-
” اهلا غالية .. اعتذر لقد إنشغلت الفترة السابقة في عملي .. كيف حالك انت ..؟!”
ابتسمت غالية ببرود وقالت :-
” بأفضل حال كما ترين …”
ثم التفتت نحو فراس الذي قال بسرعة :-
” لقد جائت اوليفيا لأجل التقديم على وظيفة عندي ..”
” حقا ..؟! ”
رددتها بإبتسامة باردة ثم تسائلت وهي تحرك عينيها بينهما :-
” وهل ستعمل معك أم ينقصها بعض الخبرة ..؟!”
رد فراس بجدية :-
” ستبدأ في العمل منذ الغد ان شاءالله .. باركي لها …”
هتفت غالية بإقتضاب :-
” مبارك يا اوليفيا ..”
ثم اشارت الى فراس :-
” هل سنبقى واقفين هنا ..؟! ألن ندخل الى المكتب ..؟!”
” بالطبع تفضلي …”
قالها فراس بسرعة قبل ان يشير الى اوليفيا بعينيه والتي رمقته بإنزعاج قبل ان تغادر بينما تبع هو غالية حيث اغلق الباب خلفيهما فإلتفتت نحوه تسأله بثبات :-
” أليس من المفترض أن يكون لدي علم بما يحدث بينك وبين صديقتي ..؟!”
رد فراس بنبرة عادية :-
” ما يحدث هو مجرد عمل .. انت نفسك مدحتها امامي وعلى أساس ذلك انا قررت توظفيها ..”
هتفت بقوة تقطر من ملامحها :-
” ولماذا لم تخبرني إنكا تلتقيان بشأن العمل …؟! ”
أضافت بتهكم :-
” كم هو لطيف أن آتي لزيارتك في عملك فأتفاجئ بصديقتي عندك بل وبدأت العمل معك ايضا ..”
رد بحزم :-
” لم تبدأ بعد .. ستبدأ غدا ..”
” وكأنه يوجد فرق ..”
قالتها متهكمة ليردد بضيق :-
” ماذا يحدث يا غالية …؟! لماذا تتحدثين هكذا …؟!”
هتفت بنفس الضيق :-
” انت ماذا يحدث معك بالضبط ..؟! نتواصل بإستمرار بل ونلتقي ايضا ولم تفكر أو تخبرني إن صديقتي تتحدث معك وستعمل ايضا في شركتك …”
” ما المشكلة في ذلك ..؟! الفتاة تقدمت للعمل عندي وانا وافقت ..!!”
ردت بإقتضاب :-
” المشكلة لا تكمن في عملها عندك بل تكمن في عدم إخباري بهذا …”
“يكفي .. انت تبالغين حقا ..”
قالها بضيق لتتقدم نحوه تردد بقوة وتحذير :-
” تعلم جيدا إنني لا أبالغ .. قلتها سابقا وسأقولها مجددا يا فراس .. لا تعبث معي ولا تستخف بذكائي مهما حدث لإنك ستكون الخاسر الوحيد في النهاية ..
تحركت متجهة نحو باب المكتب عندما سمعته يتسائل ببرود :
” الى اين ..؟!”
تجاهلته وهي تخرج من المكانك وتغلق الباب خلفها بقوة وعصبية واضحة ..
………….:…………………………………………..
كان يقف أمام قبرها يتأمله بصمت …
لطالما حرص على زيارتها والتحدث معها ..
لكن هذه المرة كلما يريد التحدث يقف عاجزا امام قبرها …
لسانه يعجز عن التحدث …
” ماما …”
همس بها اخيرا بخفوت … خفوت مليء بالخجل …
كررها بضعف لا يظهر سوى هنا امام قبر المرأة الوحيدة التي شهدت ضعفه وانهيار جبروته ؛-
” امي … سامحيني … لم أصن أمانتك .. لقد فشلت في حماية أختي … دمرتها يا أمي … لم أنفذ وصيتك … أضعت أمانتك يا أمي … ”
أكمل وهو يحارب دموعه :-
” أخبريني ماذا افعل ..؟! كيف يمكنني إنقاذها ..؟؟ كيف يمكنني إحياء روحها الميتة مجددا ..؟! جيلان تريدك يا أمي وانا ايضا أريدك لكنني لا أستطيع التفوه بذلك حتى مع نفسي …”
أضاف وهو يمسح وجهه بقوة :-
” دائما كنت أحتاجك .. أشتاق إليك بقوة .. وأحتاجك جانبي … لكن اليوم وفي هذه اللحظة تحديدا إحتياجي لك فاق كافة المرات السابقة … ”
انحنى على قدميه امام قبرها يضيف :-
” إنها المرة الاولى التي أشعر بها بشيء كهذا .. شعور العجز .. العجز عن انقاذ اختي .. أختي يا امي .. الذكرى الوحيدة المتبقية منك لي .. أخبريني ماذا أفعل … ؟! ساعديني يا أمي ..؟!”
صدرت منه شهقة لا ارادية فإختنق حلقه ببكاء عارم خنقه داخل صدره وهو يجلس جانب قبر والدته يهتف بعينين محتقنتين تماما :-
” ليتك هنا .. ليتك لم ترحلِ … ليتك بقيت معنا .. ليتك تركتِ كل شيء وأخذتني انا وجيلان وعشنا سويا بعيدا عن الجميع …”
تأمل لا إراديا قبر والده الذي يقع جانب قبر والدته فهمس مرغما :-
” هل تتذكرين ذلك اليوم يا أمي ..؟! لم يرتح لي بال حتى دفنته جانبك … لم أكن أسمح أن يدفن جسده بعيدا عنك … تحديت كل شيء ونفذت ما أردته .. جمعت بينكما وأنتما ميتان بعدما فشلتما أن تجتمعا وأنتما أحياء …”
ارتخى بجسده جانب قبر والدته يضيف هامسا :-
” ورغم هذا كله لم أغفر له .. حاولت فعل ذلك لأجله لكنني لم أستطع .. لم أستطع أن أغفر له يا امي … ”
اكمل يبتسم بمرارة :-
” بالتأكيد هو الآن سعيد وهو جانبك بينما أنا أعاني مرارة فقدانك منذ سنوات .. هو مات واستقر جانبك وارتاح وتركني تائها بدونك .. ”
ارتخت ملامح وجهه اكثر عندما سمعت صوت هاتفه يرن فأخرجه مرغما ليجدها تتصل به …
اجابها ليأتيه صوتها القلق :-
” عمار ، هل انت بخير ..؟! اين انت ..؟! لماذا لا تجيب ..؟! لقد علمت بما أصاب جيلان ..؟! اين انت يا عمار ..؟!”
اجابها بعد لحظات صمت :-
” انا مع ديانا يا شيرين …”
انهى المكالمة واغلق الهاتف ثم ارتخى بجسده اكثر حتى نام جانب قبرها بالفعل ..
كان يجلس بجانب والده يفحصه بعناية بينما والدته تجلس بجانب زوجها على الجانب الآخر …
مهند وتوليب وفيصل يقفون أمام السرير بينما أخيهم الأكبر مع زوجته في جناحهما بعدما تعرضت لآلام في بطنها يبدو إن سببها كان الضغط النفسي الذي تعرضت له بسبب الشجار الذي حدث أمامها بين زوجها وأخيه ..
هتف راجي بجدية بعدما إنتهى من فحص والده :-
” الحمد لله .. وضعك مستقر حاليا يا أبي .. لكن ارجوك لا تنفعل بهذه الطريقة مجددا …”
هتفت والدته وهي ترمق مهند بعينيها :-
” كيف تطلب منه ذلك ودائما هناك من يجعله ينفعل بإستمرار ..؟!”
انسحب مهند من المكان بملامح جامدة بينما اتجهت توليب نحو أبيها تحتضنه باكية :-
” خفت عليك كثيرا …”
ربت عابد على ظهرها وهو يحتضنها مرددا :-
” لا تبكي يا صغيرتي .. ها أنا بخير أمامك …”
سألت زهرة ولدها :-
” ألن تعطيه دواءا يا بني ..؟!”
رد راجي بسرعة وهو يحمل سماعته :-
” لا داعي لذلك .. هو بخير تماما الآن …”
أكمل وهو يشير الى فيصل :-
” سأعطيه فقط دواء خفيف لحالات كهذه .. هات الماء يا فيصل ..”
اومأ فيصل برأسه وهو يتجه ويسحب قنينة المياه الزجاجية عندما انحنى راجي نحوه والده وهو يخرح دواء من جيبه مرددا بعدما انشغلت توليب في الحديث مع والدتها :-
” هذا دواء للصداع .. تناوله .. لن يؤثر بشيء .. لكن أحسنت حقا يا أبي .. لم أكن أعلم إنك ممثل من الطراز الرفيع لهذه الدرجة ..”
رمقه عابد بنظرات محذرة فيكتم راجي ضحكاته بصعوبة قبل ان يأخذ قدح الماء من فيصل ويعطيه لوالده ..
بعدما انتهى عابد من تناول الحبة ثم الماء قال راجي :-
” حسنا ، سأذهب واطئمن على همسة .. ”
أضاف يشير الى اخيه واخته :-
” وأنتما اتركا أبي يرتاح في جناحه ..”
قبلت توليب والدها من وجنتيه بينما سأله فيصل اذا ما كان يحتاج شيئا قبل أن ينسحبا من المكان ..
هم راجي بالإنسحاب عندما سمع والده يخبره :-
” تحدث مع أخيك يا راجي .. انت اهدأ بكثير من راغب وتجيد احتواءه أكثر منه ..”
هز راجي رأسه يخبره وهو يبتسم له مطمئنا :-
” سأفعل ذلك بالطبع .. لا تقلق …”
انسحب بعدها من المكان ليأخذ نفسا عميقا ثم يتجه الى جناح أخيه الاكبر ليطرق على باب الجناح فيجد راغب يفتح له الباب بملامح متشنجة ليهتف راجي وهو يدلف الى الداخل بعدما إستأذنه :-
” كيف حال همسة الآن ..؟!”
رد راغب بضيق خفي :-
” بخير .. لكنها ترفض الذهاب الى طبيبتها او الإتصال بها حتى ..”
قال راجي وهو يبتسم مطمئنا :-
” طالما لم يحدث أي نزيف او عارض آخر سوى تلك الآلام التي من الواضح لم تكن سوى تقلصات عصبية إعتيادية فلا داعي للقلق ..”
تنهدت همسة بتعب وقالت :-
” وانا قلت هذا ايضا ..”
” ما رأيك أن أقيس ضغطك يا همسة للإطمئنان مجددا ..؟!”
سألها راجي بإهتمام لتهز همسة رأسها موافقة فيشير راجي الى أخيه :-
” أخبر احدى الخادمات أن تجهز الحليب وبعض الأطعمة الخفيفة لها ..!”
هز راغب رأسه متفهما وخرج من الجناح ليخبر احدى الخادمات بذلك بينما هتفت همسة بجدية :-
” أخبره يا راجي إنني بخير ولا أحتاج لرؤية طبيبة نسائية … ”
ابتسم راجي وهو يفتح جهاز الضغط مرددا :-
” عليك أن تتحملي مسؤولية تلك التمثيلية التي قمتِ بها يا عزيزتي ..”
نظرت له همسة بدهشة ليلوي راجي فمه بإبتسامة خبيثة مرددا :-
” أنا أذكى من أن تمر علي كذبة كهذه ..”
زفرت انفاسها بتعب بينما بدأ راجي يقيس ضغطها وهو يلتزم الصمت حتى انتهى من ذلك ليحرر ذراعها وهو يردد :-
” رائع .. ضغطك مثالي في الوقت الحالي ..”
همست همسة بخفوت :-
” كانا يتقاتلان يا راجي .. لم يكن أمامي حل سوى هذا ..”
ابتسم راجي قائلا :-
” جيد ما فعلتيه .. لم يكن هناك طريقة لإيقافهما غير هذه ..”
توقف عن حديثه وهو يرى راغب يدخل تتبعه الخادمة لينهض من مكانه يخبره :-
” كل شيء بخير .. اطمئن ولا تقلق أبدا …”
اشار راغب الى الخادمة ان تتقدم وتضع صينية الطعام امام همسة بينما أشار راجي له أن يتحدثان خارجا ..
خرج الإثنان من الجناح لينظر راجي الى اخيه مرددا بجدية :-
” اتمنى ألا يتكرر ما حدث يا راغب .. لا انت ولا نحن مستغنين عن والدنا وبالطبع لا تنسى زوجتك الحامل ايضا واي تصرف من هذه التصرفات قد يؤثر على صحتها هي وجنينها ..”
” لقد استفزني يا راجي .. ألا تعرف أخيك ..؟!”
قالها راغب بجدية ليرد راجي :-
” أعرفه مثلما اعرفك .. لكن انت بالذات تعرف مهند وشخصيته ومدى عصبيته وكيف يتحول الى شخص اخر عندما يغضب .. كان عليك ان تحتوي الموقف بدلا من العراك معه ..”
” لقد استفزني يا راجي .. استفزني …”
قالها راغب بنرفزة ليتنهد راجي قائلا :-
” حسنا يا راغب .. اتركه حاليا .. لا تتحدث معه نهائيا .. ”
أضاف بجدية :-
” اتركني انا اتحدث معه هذه المرة .. ربما أصل معه الى حل ما …”
ضحك راغب مرددا بسخرية :-
” لن تصل لأي شيء معه ..!! ”
” سأحاول يا راغب .. وانت من فضلك لا تتعامل معه حتى يهدأ كلاكما …”
قالها راجي بتوسل ليهز راغب رأسه موافقا على مضض فيربت راجي على كتفه مرددا :-
” اذهب عند زوجتك وابق معها ..”
سأله راغب بجدية :-
” والدي بخير ، أليس كذلك ..؟!”
رد راجي بتأكيد :-
” لا تقلق .. إنه بخير .. حاليا تركته يرتاح في جناحه ومعه والدتي ..”
” حسنا ، سأراه غدا ..”
قالها راغب بجدية قبل ان يتجه مجددا الى جناحه حيث زوجته تاركا راجي يتابع آثره حتى اغلق باب الجناح ليزفر أنفاسه بتعب وهو يتجه الى جناجه ليحصل على قسط من الراحة بعد يومين طويلين وشاقين ..!!
……………………………………………….
كانت ليلى تقف في صالة الجلوس امام النافذة المطلة على الحديقة شاردة في أفكارها بعدما غادرت عائلة خالها المنزل منذ اكثر من ثلاث ساعات ودخل والدها الى غرفته ليرتاح بعد رحيلهم ..
احذت تتأمل الظلام الخافت متذكرة قدوم زاهر الذي صدمها وتصرفه معها ..
هل يعقل أن يوجد إنسان يمكنه أن يحب أحدا لهذه الدرجة …؟!
هل يعقل أن يوجد إنسان يضحي لأجل حبيبته التي لا تبادله مشاعره هكذا …؟!
تنهدت بتعب وهي تتذكر كلمات زوجة خالها التي انفردت بها قبل ذهابها مع خالها وزاهر عندما هتفت بقوة :-
” ابتعدي عن ابني يا ليلى ..”
شعرت بالضيق من لهجتها فردت ليلى بقوة مماثلة :-
” مالذي تقولينه يا زوجة خالي ..؟ انا لا اسمح لك أن تتحدثي معي بهذه الطريقة ..”
ردت زوجة خالها بقوة :-
” انت تفهمين ما أعنيه يا ليلى .. زاهر ابني الوحيد وانا لا أريد أن أراه تعيسا ..”
سألت ليلى بعدم استيعاب :-
” وهل أنا سأكون سببا في تعاسته ..؟!”
ردت زوجة خالها بجدية :-
” نعم … مع إنني أعلم جيدا إن الأمر خارج عن إرادتك ..”
تنهدت ثم اكملت :-
” انت تعرفينني جيدا يا ليلى .. انا صريحة للغاية ولا أعرف المجاملة مثلما تعرفين جيدا إنه لا توجدي لدي مشكلة خاصة معك .. على العكس تماما انا احبك انت واختك كثيرا كما أحب فاتن …”
أضافت بجدية :-
” ابني يحبك منذ سنوات وانت لم تشعري به وانا تفهمت هذا لإن الحب ليس بالإجبار .. لكن اسمحي لي .. زاهر ابني الوحيد وانا لن أسمح لك بجرحه .. تقاربكما يزعجني لإنني اعرف جيدا إنك لا تشعرين بشيء نحوه وانا لست مستعدة لأن يتسبب قربه منك بأي أذى له في مشاعره التي لطالما كانت موجهة نحوك ..”
” تأكدي إنني لا أريد هذا مثلك تماما …”
قالتها ليلى بعد صمت امتد للحظات لتهتف زوجة خالها بجدية :-
” إذا إبتعدي عنه من فضلك … اعتبريه رجاء خاص مني .. ابتعدي عن زاهر يا ليلى …”
انهت كلماته وتركتها وغادرت …
كلماتها ظلت تدور داخل عقلها فسيطر عليه شعور يجمع بين الضيق وتأنيب الضمير …
أفاقت من شرودها على صوت والدتها تتقدم نحوها وهي تسألها :-
” حبيبتي .. هل انت بخير ..”
التفتت ليلى نحوها تصطنع الإبتسامة مرددة :-
” انا بخير .. فقط مرهقة قليلا …”
جذبتها والدتها من كفها تقول :-
” تعالي واجلسي جانبي .. اريد التحدث معك بأمر مهم ..”
سألتها ليلى بإهتمام وهي تربت على كفها :-
” ماذا هناك يا ماما …؟! أقلقتني..”
ردت فاتن بهدوء :-
” بشأن شركات والدك التي إنتقلت ملكيتها لك ولأختك … اريد أن تعيدي كل شيء كما كان .. من فضلك يا ليلى ..”
قاطعتها ليلى بجدية :-
” لا تقلقي .. سأفعل ذلك بالطبع .. سأتحدث مع والدي غدا ثم مع المحامي ..”
توقفت عن حديثها وهي ترى والدها يتقدم ومعه مريم التي قالت :-
” لقد أصر على النهوض من فراشه والجلوس معنا …”
هتفت ليلى وهي تنهض من مكانها تتقدم نحوه مؤنبه :-
” لماذا يا أبي .. ؟! عليك ان ترتاح في فراشك ..”
رد احمد بجدية :-
” سأرتاح اكثر بينكن …”
جلس على الكرسي القريب منه بينما تبادلت مريم النظرات مع ليلى التي ابتسمت وهي تسأله متجاهلة نظرات اختها :-
” ماذا تتناول اذا ..؟! أي نوع عصير تفضل ..؟!”
رد احمد بجدية :-
” لا أريد شيئا الآن .. اجلسي وارتاحي …”
ابتسمت ليلى وجلست مقابله بينما جلست مريم بجانب والدتها عندما سألها والدها :-
” متى ستبدأ دراستك يا مريم …؟!”
ردت مريم بجدية :-
” الأسبوع القادم ان شاءالله ..”
” بالتوفيق ..”
قالها مبتسما قبل ان يلتفت نحو ليلى ويسألها هي الأخرى :-
” وانت يا ليلى .. ما أخبار العمل معك …؟!”
ردت بسرعة :-
” بخير …”
أضافت بجدية :-
” ولكنني اريد أن أعيد ملكية كل شيء لك يا أبي … كنا نتحدث انا وماما بشأن هذا ..”
قاطعها بجدية :-
” اتركينا من هذا الآن يا ليلى .. هناك ما أريد قوله …”
” تفضل يا أبي …”
قالتها ليلى بجدية ليهتف بملامح ظهر عليها التشنج ونبرة خرجت صادقة :-
” انا أعتذر منكن كثيرا .. أعتذر على ما فعلته .. أعتذر عما تسببت به لكن … لقد أخطأت بحقكن كثيرا .. أعلم إن إعتذاري ليس كافيا ولن يغير شيئا مما حدث لكنني إحتجت لقوله كثيرا …”
حل الصمت المطبق تماما والجمود كسا ملامح فاتن تماما بينما اضطربت ملامح مريم وتجمعت الدموع داخل عيني ليلى التي سيطرت على نفسها وهي تقول :-
” لا تعتذر يا أبي … لقد حدث ما حدث .. ارجوك دعنا ننسى الماضي … من فضلك …”
تنهد وهو يقول :-
” اتمنى أن أنساه حقا يا ابنتي … أود ذلك كثيرا .. لكن ما حدث معي والذي كنت أنا سببه يؤلمني حقا ويجعلني أشعر كم كنت شخصا أنانيا بتصرفاتي …”
تحدثت فاتن أخيرا بلهجة حازمة :-
” انت مجبر ان تنسى يا احمد مثلما مجبر أن تنهض بنفسك مجددا .. لأجل ابنتيك .. ولأجل ابنك الذي ما زال طفلا صغيرا يحتاجك جانبه ..انت تدرك إن في رقبتك يوجد طفل لم يتجاوز السابعة من عمره يحتاج لأبيه وطفل آخر سيولد بعد أشهر لهذا انت مجبر على التماسك لأجل ولديك وابنتيك بالطبع واللتين مهما كبرتا ستظلان تحتاجان لوجود أبيهما جانبهما …”
انهت كلامها ونهضت من مكانها بصمت خارجة من غرفة الجلوس تاركة الثلاثة يتطلعون إلى آثرها بحزن من كلماتها التي أثرت بهم رغم صدقها وصحتها ..!
…………………………………………………………..
هبطت من سيارتها تتأمل المقبرة بخوف .. لا تعلم كيف جازفت وأتت الى هنا لكنها فعلتها .. بعدما قاله تركها معقلة بين خوفها الشديد عليه من جهة ورغبتها في رؤيته وبين قلقها من تصرفها هذا وما سيترتب عليه لكنها حسمت قرارها في نهاية الأمر وقررت أن تجارف وتأتي ..
ارتجف قلبها وهي تدلف الى المقبرة تبحث عن قبر والدته التي سبق لها زيارته معه مسبقا ….
اخذت تبحث في الظلام وهي تتذكر مكان القبر عندما وجدته اخيرا فتجمدت مكانها وهي تراه جالسا بجانب القبر ورأسه منحني عليه ومغمض العين ويبدو غارقا في النوم ..
كتمت شهقة باكية كادت أن تخرج منها فسارت بعينين تملؤهما العبرات نحوه ..
وقفت امامه تتأمله وهو نائم بعمق فتساقطت العبرات فوق وجنتيها بغزارة فوضعت كفها فوق فمها تكتم شهقاتها ..
ظلت على هذه الحال لفترة حتى استطاعت ان تسيطر على بكائها فأخذت تمسح دموعها قبل ان تنحني نحوه تهزه من كتفه وهي تحاول ايقاظه :-
” عمار .. استيقظ .. لقد أتيت يا عمار …”
وجدته يرمش بعينيه حتى فتحهما ليندهش من وجودها فينهض من مكانه وهو يجذبها من كفها مرددا بعدم استيعاب :-
” ماذا تفعلين هنا يا شيرين ..؟!”
ردت بسرعة :-
” أتيت لأجلك … لم أستطع تركك هنا لوحدك …”
” لم يكن عليك فعل ذلك .. ما كان عليك أن تأتي هنا يا شيرين …”
قالها مؤنبا ليتفاجئ بها تقترب منه وتحتضن وجهه بين كفيها تردد بحنو شديد :-
” كيف تطلب مني عدم المجيء بعدما علمت بوجودك هنا وبعدما سمعت نبرتك تلك يا عمار ..؟! لم أستطع أن أمنع نفسي المجيء اساسا …”
اغمض عينيه يأخذ نفسه عدة مرات قبل ان يفتحهما مرددا بضعف احتل كامل كيانه :-
” جيلان ليست بخير يا شيرين .. سأفقدها هي الأخرى …”
قالت بسرعة :-
” لا تقل هذا … انت لن تفقدها ابدا .. جيلان ستصبح بخير …”
” عندما ترينها ستغيري كلامك هذا …”
قالها بملامح بائسة لترد بجدية :-
” سأراها بالطبع وستصبح بخير …”
هتفت بملامح محتقنة :-
” إنها تتألم .. تذبل تدريجيا … تموت بشكل بطيء .. ”
اضاف بصوت مبحوح مختنق :-
” لن أسامح نفسي ابدا اذا حدث بها شيء … لن أغفر لنفسي ذلك ..”
قالت شيرين بسرعة وألم مكتوم :-
” لن يحدث بها شيء .. ستتحسن أحوالها وتصبح بخير …”
هتف بعينين دامعتين :-
” انت لم ترها يا شيرين .. عندما ترينها ستفهمين ما أعنيه .. انا أفقدها يا شيرين .. انا على وشك خسارتها ..”
أضاف والدموع تتساقط من عينيه لأول مرة امام شخص :-
” انا لا يمكتني تحمل خسارتها يا شيرين .. جيلان بالذات لا يمكنني تحمل فقدانها ..، لا أريد ذلك يا شيرين …”
جذبته شيرين نحوها تعانقه بعفوية ليغمض عينيه والدموع تغطي وجنتيه فتهتف بدموع حارقة :-
” والله لن تفقدها .. ستصبح بخير .. لن تخسرها يا عمار .. لن تخسرها بإذن الله … كن واثقا بذلك …”
ظلت تحتضنه بقوة تحاول منحه القليل من السكينة والسلام داخل أحضانها عندما ابتعد عنها بعد لحظات يردد وهو ينظر نحو قبر والدته :-
” كلما أنظر إلى قبرها أتسائل داخلي ماذا لو كانت ما زالت حية ولم تمت …؟!”
أضاف وهو ينظر الى شيرين :-
” لقد ماتت وتركت خلفها شخصين محطمين يحتاجان لوجودها في كل لحظة ..”
” يكفي يا عمار … هذا الكلام لم يعد يفيدك بشيء .. ادعِ لها بالرحمة وحاول ان تقف بجانب اختك وتساعدها …”
اكملت بجدية :-
” جيلان تحتاجك الآن أكثر من اي وقت لذا عليك أن تكون قويا .. جيلان تحتاج قوتك وثباتك وتحتاج حبك وإهتمامك بنفس الوقت .. إمنحها كل هذا وهي سوف تستعيد عافيتها و سلامها النفسي بإذن الله ..”
” هل تظنين ذلك حقا ..؟!”
سألها بخفوت لترد بسرعة :-
” بالطبع .. انا واثقة من هذا …”
اكملت وهي تقبض على كفه :-
” والآن دعنا نغادر المقبرة ونذهب إليها .. هي بحاجتنا الآن ..”
اومأ برأسه بصمت لتضيف :-
” لنقرأ الفاتحة على روح والدتك اولا ثم نغادر ..”
وقفا بجانب بعضيهما يقرئان سورة الفاتحة على قبر ديانا قبل ان يتحركان بعدها مغادرين المكان عندما ألقى عمار نظرة اخيرة على قبر والدته ليأخذ نفسا عميقا قبل ان يدير وجهه متجها خارج المكان ..!!
………………………………………………..
في صباح اليوم التالي ..
اوقفت سيارتها قرب مركز الشرطة الذي يعمل به … هبطت من سيارتها تعدل هندامها حيث كانت ترتدي بنطالا من القماش الأسود فوقه قميص رمادي اللون تغطيه سترة سوداء اللون ايضا قماشها يماثل قماش بنطالها .. شعرها الطويل مرفوع من الجانبين ينسدل فوق ظهرها من الخلف …
ترتدي حذاءا ذو كعب عالي كعادتها وتضع مكياجا متناسقا يبرز جمالها …
سارت بخطواتها الأنيقة الى داخل المكان عندما سألت عن مكانه فأخبرها احد الضباط عن مكان مكتبه …
تقدمت حيث المكان الذي أخبرها عنه الضابط لتجد الباب مفتوح فتقدمت بحذر حيث دلفت خطوتين داخل المكان عندما وجدته بالفعل يلقي بعض الأوامر على احد الضباط عندما انتبه لوجودها فتجمدت ملامحه للحظات يردد بعدم استيعاب :-
” غالية ..”
ابتسمت مرددة بحرج :-
” مرحبا فادي …”
أشار فادي الى الضابط بسرعة والذي أخذ يتأملها متمعنا :-
” اخرج انت الان …”
خرج الضابط ليتقدم فادي نحوها يتسائل بضيق :-
” ماذا تفعلين هنا ..؟!”
نظرت له بعدم فهم قبل ان يكسو الجمود ملامحها وهي تجيب :-
” جئت لأسألك عن شيء ما .. شيء أحتاج لضابط شرطة مثلك كي يجيبني عليه ..”
هتف من بين أسنانه :-
” كان يمكنك أن تأتي الى المنزل وتتحدثي معي او تتصلي ونلتقي في مكان ما ..”
سألت بضيق :-
” انا لا أفهم أين المشكلة في مجيئي ..؟!”
رد بقوة :-
” مجيئك هو المشكلة .. فتاة مثلك ماذا تفعل هنا في مركز الشرطة ..؟!”
سألته بحدة:-
” ماذا تقصد بفتاة مثلي ..؟!”
رد متأففا :-
” افهمي مقصدي قبل أن تغضبي .. الفتيات عادة لا يدخلن الى هنا الا لسبب قوي … ”
” ما هذا المبرر ..؟! هل مكتوب على بوابة المكان ممنوع دخول النساء ..؟!”
قالتها بإستخفاف ليتسائل بتهكم متعمد :-
” لم أكن أعلم إنك معتادة على زيارة مراكز الشرطة .. اعذريني لجهلي ..”
ردت بقوة :-
” لست معتادة على ذلك .. لكن إذا ما إحتاجت لزيارة مركز الشرطة فسأفعل ذلك دون تردد ..”
اكملت وهي تشمخ برأسها :-
” على العموم انا المخطئة لإني أتيت إليك .. بإمكاني الذهاب لأي ضابط آخر وسوف يخبرني بما أريد معرفته ..”
همت بالمغادرة ليوقفها :-
” انتظري ..”
اكمل بجدية :-
” تفضلي هيا …”
قالت بحنق :-
” بعد كل ما قلته وتطلب مني الجلوس والتحدث معك ..”
رد بجدية :-
” كلامي كان لأجلك ليس إلا وهذا كان واضحا …”
زفرت أنفاسها بضيق بينما قال فادي :-
” هيا تفضلي .. ”
سارت على مضض نحو الكرسي المقابل لمكتبه وجلست عليه ليتجه نحو مكتبه هو الآخر وجلس عليه يتسائل :-
” إذا ما سبب مجيئك يا غالية …؟!”
ردت بجدية :-
” أتيت لسؤالك عن موضوع يخص أخي …”
اكملت :-
” اخي نديم .. تلك القضية وسجنه لسنوات ..”
قال متذكرا :-
” نعم تذكرت … كانت قضية بيع ممنوعات حسب ما أتذكر ، أليس كذلك ..؟!”
اومأت برأسها موافقة وهي تقول :-
” نعم وعلى أساسها سجن لخمسة اعوام تقريبا … وبالطبع تم سحب رخصة مزاولة المهنة …”
سألها :-
” هو سافر خارجا ، اليس كذلك ..؟!”
ردت وهي تهز رأسها :-
” نعم الى امريكا ..”
” عظيم … أظن إن هناك يمكنه ممارسة مهنته بعدما يحصل على موافقة النقابة …”
قاطعته بسرعة :-
” مجيئي الى هنا ليس لأجل الإستفسار عن هذا .. انا أتيت لسؤالك عن شيء آخر ..”
” شيء ماذا ..؟! تفضلي ..”
تنهدت ثم قالت :-
” تلك القضية .. اخي بريئا منها .. أعلم إنك من الصعب أن تصدق ذلك خاصة كونك ضابط و ..”
قاطعها بجدية :-
” على العكس تماما … انظري انا لا اعرف تفاصيل القضية في الحقيقة .. لكن بناء على معرفتي بمركز عائلتك ومستواكم المادي والإجتماعي ومستوى أخيك العلمي فلا أظن إنه بحاجة للقيام بشيء كهذا خاصة إنه كان حديث التخرج .. يعني عندما انظر الى الأمور من الخارج دون تعمق أرى إن الأمر فيه خطأ ما لكن بالطبع انا لا أدرك التفاصيل كاملة لذا لا يمكنني الجزم بشيء ..”
” ولكنه بريء … هو بالفعل لم يفعل ذلك ..”
قالتها بجدية ليهتف فادي بدوره :-
” ولكن جميع الأدلة كانت ضده وإلا ما كان ليصدر حكم كهذا في حقه ..؟!”
ردت بأسف :-
” هذا صحيح … رغم إننا حاولنا كثيرا البحث عن أي دليل يثبت براءته لكن كل شيء كان مرتب بطريقة لا يمكن التشكيك بها …”
” ما تقولينه يدل على إن هناك من تعمد الإيقاع بأخيك …”
قالها بإهتمام لتهز رأسها وهي تقول :-
” انا متأكدة من هذا .. ”
سألها مجددا :-
” هل تعرفينه ..؟!”
صمتت ولم تردد ليزفر أنفاسه وهو يتسائل :-
” هل تملكين دليلا ولو بسيطا ضده ..”
قالت بسرعة :-
” بالطبع لا …”
اضافت تتسائل :-
” ولكن اريد أن أعلم .. برأيك هل يمكن أن نجد دليلا يبرئ أخي …؟!”
رد بعملية :-
” لا يوجد شيء مستحيل ولكنه سيكون صعبا والأهم من أين سنجد دليلا فشلتم في الحصول عليه قبل سنوات ..”
همست :-
” لا أخد يعلم ما ستفعله الأيام القادمة .. ربما يحدث شيء ما يقلب الأمر تماما … حياة نديم تدمرت تماما .. الامر لا يتعلق فقط بسنواته التي ضاعت هدرا في السجن ولا بخسارته لمهنته فقط بل يتعلق بسمعته التي انتهت تماما …”
نظر إليها بتمعن ثم قال :-
” اذا كان هناك دليلا يمكنه المطالبة بفتح القضية مجددا .. ”
أضاف مكملا :-
” وإذا كنت تعملين من وراء هذا يمكننا أن نبحث خلفه عسى ولعل نجد شيئا ما يخصه يبرئ أخيك ويثبت تورطه بقضيته …!!”
” شيء مثل ماذا …؟؟”
سألته بحيرة ليرد :
” عندما يكون هناك شخص محدد تبحثين خلفه سيكون الأمر أسهل .. سوف تبحثين خلفه وتدورين حوله … ”
” بكل الأحوال يجب أن يكون هناك دليل ..؟!”
هتفت بها بخيبة ليرد بجدية :-
” بالطبع ودليل قوي ايضا او اعتراف الشخص نفسه بما فعله وهذا من سابع المستحيلات …”
” اعتراف مرة واحدة .. هذا بالذات لن يحدث سوى في الأحلام ..”
هتفت بها ساخرة قبل أن تتسائل مجددا بتردد:-
” لدي سؤال آخر .. في حالة حدوث معجزة واثبات براءة اخي من تلك التهمة .. الشخص الذي تسبب في ذلك .. ماذا سيكون عقابه ..؟!
أجاب بجدية :
” اذا ثبت تورطه في تلفيق التهمة لأخيك فسينال ضعف المدة التي قضاها أخيك داخل السجن .. هذا غالبا ما سيحدث ..”
” عشرة اعوام يعني ..”
هتفت بها بشرود ليهز رأسه مؤكدا فتنظر اليه بصمت وعقلها شارد تماما فيما سمعته ..!!
…………………………………………………………..
دلف الى مكتبه وسكرتيرته تتبعه حيث تخبره بما حدث خلال اليومين ليصرفها بعدما طلب منها فنجانا من القهوة السادة وهو يشعر بالإرهاق الشديد …
اغمض عينيه عائدا برأسه الى الخلف عندما سمع صوت الباب يفتح ففتح عينيه وهو ما زال على نفس وضعيته ليراها تتقدم نحوه وهي تهتف :-
” صباح الخير ..”
اضافت وهي تجلس على الكرسي المقابل له :-
” لم تأت الى الشركة منذ يومين …”
رد متسائلا :-
” هل حدث شيء مهم في غيابي يا غالية ..؟!”
ردت بجدية :-
” كلا ، انا اتسائل لإنه ليس من عادتك التغيب عن العمل ..”
رد بجدية :
” كان لدي أسباب تمنعني عن المجيء ..”
دلفت السكرتيرة تحمل القهوة له حيث وضعتها اماما قبل ان تسأل غالية اذا ما تريد تناول شيئا ما فهزت غالية رأسها نفيا عندما غادرت السكرتيرة فوجدت غالية عمار يتناول قهوته بسرعة ثم يتبعها بدواء للصداع حيث أخذ منه حبتين دفعة واحدة ..
سألته :-
” هل انت بخير ..؟!”
” نعم ، لماذا تسألين ..؟!”
سألها محاولا عدم اظهار مدى تعبه بل وآلمه لترد :-
” تبدو مرهقا .. ”
هتف بخفوت :-
” ربما لأنني لم أنم منذ يومين ..”
” لماذا ..؟! ماذا حدث ..؟!”
سألته بإهتمام ليرد :-
” اختي كانت في المشفى .. وانا كنت جوارها …”
هزت رأسها بتفهم قبل ان تسأله بتردد :-
” وهل أصبحت افضل الآن ..؟!”
رد بجدية :-
” نعم ..”
قالت بصدق :-
” الحمد لله على سلامتها ..”
شكرها بإختصار لتتأمله بملامحه الذابلة المنهكة فتهتف بعد صمت قصير :-
” إنها المرة الأولى التي أراك بها على هذا النحو …”
عقد حاجبيه يتسائل :-
” كيف يعني ..؟! ماذا تعنين ..؟!”
قالت موضحة :-
” لم أعهدك هكذا .. متعبا وحزينا .. الحزن يملأ عينيك والإنهاك يسيطر ملامحك …”
هتف بجمود :-
” ربما لإن أختي تمكث في المشفى يا غالية .. أليس من الطبيعي أن يحدث بي ذلك …؟!”
” بالطبع .. نحن نتحدث عن اختك ..”
قالها بجدية قبل ان تضيف :-
” كان الله بعونك .. شعور صعب للغاية أن يصيب أي مكروه شخص غالي عليك فكيف إذا كان هذا الشخص أختك ..؟!”
اكملت وهي تبتسم بألم :-
” يمكنك أن تسألني أنا .. انا اكثر من يعلم بمقدار صعوبة هذا الشعور …”
تأملها بجمود قبل ان يردد :-
” أتمنى ألا نفتح مواضيع لا داعي لها …”
” سأسألك سؤالا واحدا فقط …”
قالتها بملامح تشنجت كليا لتضيف وهي تحارب دموع عينيها :-
” عندما رميته في السجن .. عندما تركته يعاني لسنوات هناك وحده … ألم تتألم ولو قليلا …؟! ألم تشعر ولو بالقليل من الوجع على أخيك .. إبن أبيك … ”
اكملت وهي تأخذ نفسها تحاول منع دموعها من التساقط :-
” ألم تشعر ولو بجزء ضئيل مما تشعر به الآن ..؟!”
ضرب على مكتبه بقوة مرددا :-
” أخبرتك ألا تفتحي مواضيع لا داعي لها ..”
انتفضت من مكانها تردد :-
” اتركنا منه .. ماذا عني …؟! انظر الى حالتك.. انت تتألم وتعاني لإن أختك مريضة في المشفى .. ماذا لو كنت مكانها …؟! هل كنت ستتألم لأجلي …؟! هل كنت ستخاف علي ..؟! هل كنت ستترك عملك وتبقى جانبي …؟!”
تأملها بجمود للحظات قبل ان يجيب :-
” كلا ، لم أكن لأفعل ذلك ولم أكن لأشعر هكذا لإنك لست هي ..”
“‘ولكنني أختك ايضا ..”
سألته بدموع تساقطت على وجنتيها رغما عنها ليرد بقسوة :-
” اعلم .. اختي من ابي .. نحمل اسما واحدا ودماءا واحدا ولكن رغم هذا لا أشعر بأي مشاعر أخوك نحوك ..”
تنهد بقوة ثم قال :-
” في الحقيقة حاولت .. مع نديم لم أحاول لكن معك انت حاولت .. حاولت أن أشعر نحوك كأخت خاصة عندما كنت تظهرين مدى حبي وسعادتك بوجودي لكنني لم أستطع .. كلما حاولت لأجل ذلك تذكرت ابنة من انتِ فيقتحم الكره والحقد قلبي وعقلي فلا يترك مجالا لأي مشاعر أخوة تنشأ داخلي نحوك …”
ابتسمت بألم فنظر اليها بصمت دون رد لتمسح وجنتها بأناملها قبل ان تهتف بجدية :-
” لقد مررت بالكثير … اعلم ذلك جيدا … لكن انت ايضا عليك ان تعلم … عليك أن تعلم يا عمار إن الحقد يدمر صاحبه والإنتقام هو خط نهايتك الذي رسمته بنفسك دون أن تدري …”
………………………………………………………….
كانت تحاول الإتصال به دون فائدة …
هاتفه يرن لكنه لا يجيبها ..
ضربت الهاتف على الكنبة وهي تسبه وتلعنه بكل ما تملكه من غضب ..
حاولت الإتصال به مجددا لكنه لم يجبها .. يتجاهلها بشكل حارق للإعصاب ..
نهضت من مكانها على الفور وقررت الذهاب الى شقته علها تجده هناك ..
كلا لن تتركه وشأنه بعدما ورطها .. ليس بعدما فعلته ..!!
غيرت ملابسها وسارعت تخرج من شقتها وتركب سيارتها متجهة حيث شقته التي سبق وذهبت إليها ..
هناك وقفت امام باب الشقة تضغط على الجرس عدة مرات دون أن يرد حتى فتح بنفسه الباب لها ويبدو إنه إستيقظ من النوم بسببها ..
هتفت بغضب :-
” ونائم ايضا .. تتجاهل اتصالاتي طوال الثلاثة أيام السابقة لأجدك نائما في شقتك بعمق تاركا إياي أحترق مع نفسي ..”
” ماذا حدث ومالذي أتى بك هنا ..؟!”
سألها بغضب مخيف لترد بقوة :-
” هذا السؤال لا يمكنك أن تسأله لإنك تعرف جيدا ما بيننا …”
دفعته بقوة ودلفت الى الداخل تردد :-
” تعرف جيدا ما حدث … انت تتجاهل اتصالاتي رغم إن هناك اتفاق بيننا .. مالذي يفترض بي أن أفعله ..؟! بالطبع سآتي الى هنا دون تردد ..”
اغلق باب الشقة وتقدم نحوها مرددا بعصبية مخيفة :-
” ألا تفهمين انت ..؟! كونني لا أجيب على مكالماتك فهذا يعني إنني مشغول ولا أريد التحدث معك ..”
” نعم ، واضح جدا مدى إنشغالك …”
قالتها وهي تتأمله بتهكم قبل ان تضيف :-
” اسمعني جيدا .. هناك اتفاق بيننا .. لقد فعلت كل شيء أردته .. لا يمكنك أن تتخلى عني بعدما حدث .. لن أسمح لك بهذا من الأساس …”
صاح بحنق :-
” ألا تفهمين انت ..؟! أنا بوضع لا يسمح لي بالتحدث مع اي شخص .. أختي في المشفى منذ ثلاثة ايام وانت تريدين مني التواصل معك .. ”
سألته بتهكم :-
” حقا ..؟! وما بها ست الحسن والدلال …؟!”
هنف بتحذير :-
” انتبهي على طريقتك وانت تتحدثين عن اختي يا تقى ..”
” فلتذهب اختك الى الجحيم .. ما يهم هو وضعي انا وما سيحل بي ..”
اندفع نحوها يقبض على شعرها يصب جم غضبه عليها :-
” من تلك التي تذهب نحو الجحيم ..؟! كرري ما قلته هيا كي أقطع رأسك .. انت وعائلتك وعائلة الهاشمي جميعت تذهبون الى الجحيم بإذن الله … ”
دفعته وهي تصرخ ألما :-
” ماذا جرى لك ..؟! هل جننت ..؟!”
رد بملامح شرسة :-
” عندما يتعلق الأمر بأختي فأتحول الى مجنون لن يتوانى لحظة واحدة في قتلك وقطع عنقك .. واختي تلك التي تتحدثين عنها بهذه الطريقة هي سبب مساعدتي لك من الأساس .. لأجلها افعل كل هذا ..”
” حقا ..؟! جيد إذا … ليكن بعلمك كل شيء ملغي بيننا ومن الآن فصاعدا سأتصرف لوحدي .. سأذهب وأخبر مهند بكل شيء وسأدمر الجميع وأولهم اختك ..”
قالتها بعصبية لتجده يقبض على ذراعها ويسحبها خلفه :-
” اخرجي من هنا … هيا اخرجي ..”
” تطردني ايها الحقير .. سترى ماذا سأفعل ..؟!”
قالتها بغضب ليدفعها خارج الشقة وهو يهتف :-
” إفعلي ما تشائين .. أختي أعرف جيدا كيف أحميها منك اما عائلة الهاشمي فتصرفي معهم كما تحبين .. فلتذهبي انت وهم الى الجحيم وخاصة حبيب قلبك مهند .. أساسا كلاكما حثالة وتناسبان بعضكما.. ”
اغلق الباب في وجهها لتشتعل غضبا وهي تضرب الأرض بقدميهت قبل ان تندفع خارج العمارة بتوعد ..
بعد اكثر من نصف ساعة وقفت امام الباب الداخلية لقصر الهاشمي بعدما رنت جرس الباب ووجهها مليء بالتوعد ..
فتحت الخادمة لها الباب فدفعتها وهي تسألها :-
” اين مهند …؟!”
ردت الخادمة بخوف :-
” في جناحه …”
اندفعت الى الطابق العلوي حيث جناحه الذي تعرف مكانه جيدا حيث سبق وأتت الى القصر هنا عدة مرات أثناء فترة صداقتها بتوليب ..!!
اندفعت داخل جناحه لينتفض مهند من مكانه غير مصدقا قدومها الى جناحه بهذه الجرأة ليصيح بها :-
” هل جننت ..؟! ماذا تفعلين هنا ..؟!”
تقدمت نحوه تصيح بدورها :-
” اين انت يا بك ..؟! لم أرك منذ عدة ايام .. هل تظن إنه بإمكانك أن تزورني متى ما أردت وتتركني كالحيوانة عندما تمل مني …؟!”
” انت جننت تماما .. اخرجي من هنا فورا قبل أن يراك احد ..”
قالها بغضب شديد لتصيح بتحدي :-
” لن اخرج .. لماذا سأخرج أساسا وما المشكلة إذا رآني أحدهم ..؟! ألست زوجتك …؟! ”
” ماذا جرى لك يا تقى ..؟! هل انت بكامل وعيك ..؟! هل شربتِ شيئا ما قبل أن تأتي الى هنا ..؟؟”
ردت بقوة :-
” انا بكامل وعيي يا مهند .. ومن الآن فصاعدا لن أصمت ولن أتنازل عن حقي فيك .. انا زوجتك وانت عليك ان تحترم ذلك ..”
قال بصوت غاضب محذر :-
” لا تثيري غضبي وجنوني يا تقى …”
ضحكت بسخرية تردد :-
” بل سأثيره اكثر .. ما سأقوله حاليا سيكون قنبلة حقيقية .. مبارك لك حبيبي .. انا حامل …”
تجمدت ملامحه للحظات قبل ان يهتف غير مصدقا :-
” مالذي تقولينه انت ..؟! ”
ردت بحدية :-
” قلت إنني حامل .. انا حامل يا مهند … أحمل طفلك … ”
” كيف يعني حامل ..؟! ألم نتفق على ..”
قاطعته ببرود:-
” على ألا ننجب ..؟! أليس كذلك ..؟! نعم اتفقنا على هذا وأنا تراجعت عن هذا الإتفاق وحاليا انا حامل منك .. ماذا ستفعل .. ؟!”
كانت تسأله بإستخفاف ليقبض على عنقها يخنقها وهو يردد :-
” أيتها الحقيرة .. انت بالتأكيد تكذبين .. لا يمكن ان تكوني حامل ….”
حاولت ان تدفعه بينما هو يستمر في خنقها مرددا :-
” انت لا يمكنك ان تفعل ذلك .. لا يمكنك ان تدمري حياتي بهذه الكذبة .. انت كاذبة لعينه ..”
لحظات وشعر بشيء ما يرتطم برأسه ليسقط ارضا وهو يصرخ بألم بينما وقفت هي تتأمل تلك الفازة التي ضربت بها رأسه بعدما فشلت في إبعاده عنها ..
وضع مهند يده فوق رأسه الذي اندفعت الدماء منه بينمت جذبت تقى حقيبتها وفتحتها تخرج منها تقارير حملها وترميها في وجهه مرددة :-
” هذه التقارير امامك .. تثبت إنني حامل ولا أكذب ..”
ما إن أنهت كلماتها حتى اندفع راغب الى الداخل يتبعه فيصل لينظر لهما مهند بصدمة بينما التفتت تقى نحويهما تردد مبتسمة :-
” اهلا اهلا براغب بك .. جيد إنك أتيت .. انت تحديدا أنتظر مباركتك على هذا الخبر السعيد ..”
اتجهت تجذب التقارير وترفعها أمامه مرددة بملامح مليئة بالتحدي :-
” بارك لي ولمهند يا راغب بك .. انا حامل .. أخيك مهند سوف يصبح أب قريبا …!!”
……………………………………………………………
فتحت الباب لأختها وهي ترتدي ملابسها لتسألها شقيقتها :-
” هل انت جاهزة ..؟!”
هزت نانسي رأسها قبل ان تقول بخفوت :-
” أشعر إن ما نفعله خطأ يا هايدي …”
قالت هايدي بسرعة :-
” على العكس تماما … ما نفعله صحيح جدا .. ”
أضافت بجدية :-
” إذا كنت مستعدة لتحمل مسؤولية طفل صغير بوضعك هذا فيمكنك الإحتفاظ به لكن عليك أن تضعي في عقلك إن مسؤوليته سوف تقع على عاتقك انت فأبيه شخص مستهتر لا يمكنه أن يتحمل مسؤوليته …”
نظرت نانسي إليها بقلق فهمست هايدي وهي تتقدم نحوها وتقبض على كفها :-
” صدقيني هذا أفضل لك وللطفل المسكين … ما ذنب هذا الطفل ليولد في اجواء كهذه هذا غير الطريقة الذي حملتي من خلالها به …”
هزت نانسي رأسها دون رد فأكملت هايدي :-
” لتجهضيه اليوم وتنهي الأمر … ”
” اذا حجزت موعدا أليس كذلك ..؟!”
سألتها نانسي بتردد لتهتف هايدي بجدية :-
” نعم … موعدنا بعد ساعة بالضبط .. إنها طبيبة جيدة جيدا … لا تقلقي أبدا .. كل شيء سيتم بسرعة …”
هزت رأسها بصمت قبل ان تخرج من الجناح تتبع أختها …
دلفت بعد حوالي نصف ساعة الى داخل العيادة لتطلب منها هايدي الجلوس قبل ان تتحدث مع السكرتيرة ..
جلست على الكرسي تتأمل المكان حولها بجسد مرتجف وقلب ينبض بعنف ..
حاولت أن تقنع نفسها إن ما تفعله هو الأفضل لها ولذلك الطفل الذي تحمله داخلها ..
تقدمت هايدي نحوها تخبرها :-
” هيا تعالي .. الطبيبة تنتظرنا في الداخل ..”
نهضت نانسي من مكانها بمشاعر متوترة وما إن دخلت الى غرفة الطبيبة حتى شعرت بالبرودة تكسو جسدها ..
ابتسمت الطبيبة وهي ترحب بهما :-
” تفضلا .. اهلا وسهلا ..”
ردت هايدي تحيتها وهي تتقدم نانسي عندما جلستا مقابل الطبيبة لتهتف الطبيبة وتشير الى نانسي :-
” إذا أنت هي الحامل ، أليس كذلك ..؟!”
هزت نانسي رأسها بملامح مرتعبة فهتفت الطبيبة تطمأنها :-
” لا تقلقي .. الأمر بسيط جدا ولا يستدعي هذا الخوف ..”
أضافت بجدية وهي تنهض من مكانها :-
” دعيني أولا اقوم بفحصك وأخذ أشعة السونار لك مجددا كي أطمئن إنه لا توجد مشاكل لديك ثم نقوم ببعض التحاليل ايضا وبعدها ننتقل الى الغرفة الأخرى للقيام بالعملية …”
سارت نانسي نحوها بحركة آلية لتخبرها الطبيبة :-
” نامي هنا …”
وقفت هايدي جانبها تضغط على يدها بدعم بينما بدأت الطبيبة عملها حيث أخذت تنظر الى صورة الجنين بتمعن بينما أغمضت نانسي عينيها وأشاحت بوجهها ترفض النظر الى تلك الصورة ..
تحدثت الطبيبة أخيرا تتسائل :-
” كل شيء جيد لكن أخبريني هل تودين إجهاض كليهما أم ترغبين بالإحتفاظ بأحدهما ..؟!”
فتحت نانسي عينيها والتفت نحوها بعدم فهم بينما سألت هايدي بدهشة :-
” ماذا تعنين يا دكتورة …؟!”
” ألا تعلمان ..؟! ”
هتفت بدهشة قبل أن تشير الى نانسي :-
” انت حامل بتوأم … وفي منتصف الشهر الثاني …”
وذلك الخبر وقع كالصاعقة فوق رأس نانسي بل وأختها أيضا ..
………………………………………………………..
تقدمت نحو غرفته ووقفت أمام الباب تنظر إليها بتردد …
لقد فكرت طوال اليوم السابق .. عقلها لم يتوقف عن التفكير لحظة واحدة ..
بعدما حدث بينهما كان عليها الإنعزال تماما والتفكير جيدا بكل ما حدث ودراسة علاقتهما من جديد ..
وهذا ما فعلته .. إنعزلت داخل غرفتها لوحدها .. حتى هاتفها أغلقته ولم تفعل شيئا سوى التفكير .. التفكير في علاقتهما .. بما حدث بينهما .. بما جمعهما طوال الأشهر الفائتة وما ينتظرهما .. بوعودها له وتمسكه بها ..
كان عليها أن تفكر بكل هذا مرارا .. بكل موقف جمعهما .. بكل كلمة قالها لها … بكل شيء …
وبعد تفكير طويل حسمت أمرها وقررت أن تتخذ قرارا نهائيا تنهي به كل هذا التشتت الذي يسيطر عليها ..
قرارا صريحا وواضحا تنفذه دون تردد …
اخذت نفسا عميقا قبل ان تطرق على باب الغرفة لتشعر بنبضات قلبها ترتفع وهي تسمع صوت خطواته قبل ان يفتح لها باب الغرفة وهو ينظر لها بعدم تصديق …
” حياة ….”
قالها غير مصدقا لتبتسم بتوتر وهي تسأله :-
” هل يمكنني الدخول …؟!”
رد بجدية :-
” بالطبع تعلمين جوابي يا حياة … ”
دلفت الى الداخل على استيحاء لينظر اليها وهي تستدير نحوه تفرك كفيها ببعضيهما ..
” ماذا هناك يا حياة ..؟!”
سألها بإهتمام وهو يرى حالتها تلك لتهتف بجدية :-
” يجب أن نتحدث يا نديم .. ”
” أسمعك ..”
قالها بنفس الجدية لتجلس على الكنبة وهي تشير له :-
” هل يمكنك الجلوس …؟!”
” بالطبع ..!!”
قالها وهو يسير نحوها ويجلس جانبها لتهمس :-
” انظر سأتحدث بصراحة .. منذ يوم زفافنا وأعلم إنني تغيرت .. تصرفت ببعض الأنانية والكثير من تصرفاتي كانت غبية وربما سخيفة …”
نظر لها بصمت لتضيف بخجل :-
” نديم اعلم إنني لم أنفذ أيا من وعودي لك … أعلم إنني خذلتك عدة مرات .. أعتذر حقا .. لكن صدقني الأمر كان خارجا عن إرادتي .. والله كنت مجبرة على ذلك ..”
أضافت وهي ترفع عينيها نحوه :-
” نديم أنا أحببتك بصدق … وكنت صريحة معك .. حتى وعودي لك كانت نابعة من أعماقي … كنت صادقة معك ولكن ما حدث غصبا عني … ”
اخذت نفسا ثم اضافت :-
” تصرفت بأنانية .. نعم أعترف بذلك .. أردت حماية نفسي ومشاعري وقلبي … لكن صدقني فكرت بك ايضا .. أردت أن تفهم وتستوعب حقيقة مشاعرك وما تريد ..”
هم بالتحدث لكنه أوقفته بترجي :-
” ارجوك لا تقاطعني .. دعني اتحدث… دعني أقول ما يعتمل داخلي …”
تنهد وقال :-
” بالطبع يا حياة .. ”
ابتسمت بخجل واكملت :
” انا لم أكن أنوي على هذا ولكن ما حدث يوم زفاف وما علمته عن ليلى وتضحيتها لأجلك والكثير من الأشياء جعلتني أشعر إنني تسرعت وإنني سمحت لقبي أن يسيرني ولمشاعري أن تتحكم بي وهذا كان خطأ …”
” أتفهم ذلك جيدا .. تلك الحقيقة وإكتشافنا لها كان شيئا صعبا … صعبا جدا … ”
اومأت برأسها موافقة واكملت :-
” وما ترتب على ذلك إنني تصرفت بطريقة آلمتك كثيرا ولكن صدقني آلمتني انا ايضا ..”
نظر لها بصمت لتضيف :-
” انا اسفة على كل شيء … اسفة حقا .. بدلا من أن أكون جانبا وأدعمك أصبحت سببا في ضيقك وحزنك …”
” حياة انا تعبت .. تعبت كثيرا .. انت كنت الأمل الوحيد المتبقي لي .. ظننت إننا عندما نأتي هنا سنبدأ من جديد ولكن حدث عكس ما توقعته .. انظري حياة انا لم أعد أريد إجبارك على اي شيء .. انا ايضا لا يرضيني ان تتألمي .. كوني مرتاحة حياة .. كوني مرتاحة فهذا اهم شيء وأيا كان قرارك فأنا معك ..”
قاطعته بجدية :-
” انا بالفعل اتخذت قراري .. اتخذته بعد تفكير طويل وعميق .. اتخذته بعقلي هذه المرة لا بقلبي ..”
” سأمنح علاقتنا فرصة أخيرة يا نديم … ”
ظهر عدم التصديق على ملامحه عندما اضافت :-
” سنبدأ من جديد .. وسأكون جانبك هذه المرة كما وعدتك مسبقا … انا وانت نحتاج الى فرصة أخيرة … كلانا يحتاج ذلك .. لذا لقد أتخذت قراري .. سأبقى معك وجانبك .. كزوجة وصديقة وأي شيء انت تريده …”
” هل انت واثقة من قرارك يا حياة ..؟!”
سألها بعدم تصديق لما يسمعه لتبتسم بخفوت وهي تومأ برأسها مجيبة :-
” نعم واثقة يا نديم … ”
عاد يسألها :-
” هل ستعودين حياة القديمة المليئة بالحب والحياة والأمل كما عهدتك ..؟!”
أدمعت عيناها وهي تهز رأسها :-
” نعم يا نديم .. سأعود حياة القديمة كما عهدتها دوما …”
ابتسم وهو يردد بصدق :-
” اشتقت لك حقا يا حياة ..”
ادمعت عيناها وهي ترد بنفس الصدق :-
” وانا ايضا ..”
وفي لحظة كان يجذبها بعناق جعله ممتلئ بالأمان والسلام الذي إفتقده طويلا …
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سارة علي
كانت الصدمة تسيطر عليهما وقد لاحظت الطبيبة فتنهدت قائلة :-
” حسنا يبدو إن الأمر كان صادما للغاية بالنسبة لكما ..”
أكملت مشيرة الى نانسي بجدية :-
” ما زال أمامك بضعة أيام يمكنك التفكير مجددا خلالها وحسم قرارك ولكن انتبهي بضعة أيام لا غير وإلا بعدها سيكون الإجهاض ممنوعا لتجاوز عمر الجنين المدة المسموحة لإجهاضه ..”
نظرت هايدي الى ملامح أختها الشاحبة تماما وسألتها بحذر :-
” ماذا قلت يا نانسي …؟!”
نظرت نانسي إليها بعينين تحملان نظرات مبهمة فارغة لا توحي بشيء قبل أن تنفض الغطاء الخفيف عنها وتهندم ملابسها ثم تغادر المكان بسرعة لتهتف هايدي معتذرة :-
” انا أعتذر حقا يا دكتورة .. هي ما زالت في طور الصدمة .. يجب أن أتبعها حالا ..”
ثم حملت حقيبتها وخرجت مسرعة تتبع اختها حيث تركض وراءها وهي تنادي عليها بينما نانسي تسير الى الامام والدموع اللاذعة أخذت طريقها فوق وجنتيها ..
ركضت هايدي تحاول إيقافها حيث وصلت إليها ووقفت أمامها بعدما قبضت على ذراعيها توقفها وهي تزجرها :-
” توقفي يا نانسي .. ماذا تفعلين بالضبط ..؟!”
تأملت دموعها الصامتة فهتفت بقهر :-
” لا تبكي من فضلك .. اهدئي ارجوك …”
همست نانسي بصوت مبحوح :-
” لا أبكي ..!! ألا ترين ما يحدث معي يا هايدي ..؟! كل شيء يسير ضدي … ”
” حسنا اهدئي ودعينا نفكر بعقلانية ..”
قالتها هايدي محاولة التخفيف عنها لكن نانسي صاحت باكية :-
” أي عقلانية تلك التي تتحدثين عنها يا هايدي ..؟! كل يوم يزداد الوضع سوءا.. الحفرة التي وقعت بها تزداد عمقا كل يوم حتى إنها بلعتني تماما .. ”
جلست على الكرسي جانبها ووضعت وجهها بين كفيها تبكي بحرقة …
تأملتها هايدي بألم فتراكمت الدموع داخل عينيها هي الأخرى لتجلس كالقرفصاء أمامها وهي تهتف بصدق :-
” انا معك وبجانبك .. سأساندك دائما وأدعمك في أي قرار تتخذينه .. انت لست وحدك يا نانسي.. انا بجانبك حبيبتي … ”
أضافت والدموع أغشت عينيها :-
” ارجوكي لا تفعلي هذا .. لا تنهاري .. صدقيني سنحل كل شيء وبالشكل الذي يرضيك …”
رفعت نانسي وجهها المحمر الملطخ بالدموع التي ما زالت تتساقط من مقلتيها وهي تردد بوجع :-
” تعبت يا هايدي .. تعبت كثيرا .. كرهت حياتي وكل شيء … ليتني أموت بدلا من هذا العذاب ..”
انتفضت نانسي من مكانها تردد بسرعة :-
” بعيد الشر .. لا تقولي هذا .. لا يوجد شيء يستحق أن تتمني الموت بسببه .. ”
همست نانسي بصوت باكي :-
” ألا ترين ما يحدث ..؟! أنا لا أعرف حتى ماذا أفعل .. لا أستطيع إتخاذ قرار حتى …”
انحنت هايدي نحوها مجددا تحيط وجهها الباكي بكفيها تهتف بها :-
” سنفكر سويا وسنتخذ القرار المناسب لك والذي يجعلك ترتاحين من داخلك .. وسأقولها مجددا … أيا كان قرارك فأنا معك … ”
نهضت نانسي من مكانها تحتضن أختها فتعانقها هايدي بقوة شديدة والدموع أخذت طريقها على وجنتيها هي الأخرى ..
همست هايدي وهي تشدد من عناقها :-
” انا جانبك دائما .. لا تخافي ابدا ولا تقلقي …”
شددت نانسي هي الأخرى من عناقها ولأول مرة تشعو بهذا الكم من المحبة الذي تحمله لها أختها الصغرى ..
بعد لحظات ابتعدت نانسي من بين أحضانها تهتف بصوت محتقن :-
” هايدي انا لا أعرف ماذا يجب أن أفعل بعد الآن لكن ..”
توقفت عن حديثها لتهتف هايدي تشجعها :-
” ولكن ماذا ..؟! قولي ما تريدين ولا تترددي ..”
همست نانسي بصوت ضعيف مبحوح بسبب البكاء :-
” أشعر داخلي إنني لا أريد الإجهاض ..!!”
………………………………………………………….
كانت الصدمة تسيطر على ثلاثتهم … راغب وراجي اللذين يقفان بجانب بعضيهما بملامح جامدة بعدما سمعا ما قالته تقى ومهند كذلك صدمته لا تقل عنهما مما فعلته وجرئتها اللامتناهية …
اما تقى فكانت تقف أمام راغب تتطلع إليه بتحدي تنتظر منه حديثا بينما هو ما زال يلتزم الصمت التام وعيناه تتأملانها بصمت غريب لكنه مهيب …
نظر راجي الى أخيه الصامت وهم بالتحدث لكن راغب سبقه قائلا بصوت شديد الهدوء :-
” انت حامل إذا …؟!”
ردت تقى بقوة :-
” نعم .. حامل من أخيك … ”
أضافت وهي ترفع التحاليل مجددا :-
” وهذا التقارير ..”
قاطعها ببرود :-
” هذه التقارير ليست مهمة .. ”
” ماذا تقصد ..؟!”
سألته بحدة ليرد ببساطة :-
” أنت أذكى بكثير من أن تكذبي كذبة كهذه وتدعي الحمل …!”
ابتسمت تقى بثقة تردد :-
” بالطبع .. انا حامل .. شيء كهذا لا يمكن الكذب فيه أساسا ..”
” نعم ، اعلم ذلك ..”
نهض مهند من مكانها متجاهلا ألم رأسه والدماء التي تهطل من منطقة خلف رأسه قائلا بغضب:-
” انت لا يحق لكِ أن تحملي مني دون علمي .. انت تعرفين إنني لا أريد طفلا …”
ردت عليه ببرود :
” والله هذا ما حدث .. وها أنا أقولها أمام الجميع .. انا زوجتك وأحمل طفلك .. وفعلتها عمدا .. ولا أخاف من قول هذا ..”
هم مهند بالتقدم نحوها بملامح متحفزة لكن راغب أوقفه بصوت حازم :
” توقف يا مهند .. ما تفعله ليس حلا ..”
أضاف وهو يتأمل تقى بجمود :-
” الهانم حامل .. سيصبح لديك طفلا منها .. هذا أمر واقع لا مفر منه ..”
” لا أريده .. انا لا أريد أطفالا من الأساس ..”
قالها مهند بغضب جامح ليرد راجي بغضب مماثل :-
” الحمل حدث وانتهى .. كلامك هذا لم يعد مناسبا بعد الآن ..!”
سأل مهند بحدة :-
” ماذا يعني هذا ..؟!”
رد راغب بجدية :-
” يعني كما قال راجي .. ما حدث قد حدث .. تقى تحمل طفلك وانت ونحن مجبورون على الإعتراف بذلك الطفل ..!!”
نظر له مهند بعدم تصديق بينما ابتسمت تقى بإنتصار ليشير راغب إليها :-
” وعلى أساس هذا سنفعل ما هو صحيح يا تقى ..”
نظرت له تقى بإهتمام تنتظر ما سيقرره ليهتف راغب بجدية :-
” كونك حامل بحفيد عائلة الهاشمي فعليك أن تتزوجي مهند بأسرع وقت بشكل رسمي ..”
أكمل يردد بإستهزاء متعمد :-
” فورقة زواجكما العرفي غير معترف بها وبالتالي ابنكما يعتبر ابن غير شرعي …”
ردت تقى بصلافة :-
” سيصبح شرعيا عندما نتزوج في المحكمة رسميا .. ”
ابتسم راغب بهدوء قائلا :-
” بالطبع يا تقى ..”
اكمل وهو يشير الى مهند هذه المرة :-
” أظن إن هذا الحل الوحيد والمنطقي .. أليس كذلك يا مهند ..؟!”
نظر مهند الى تقى بملامح جامدة بينما عقله يتوعد لها بالكثير ليهتف راغب :-
” الصمت أبلغ رد .. إذا سيتم عقد قرانكما قريبا …”
أضاف وهو يشير الى تقى :-
” وانت سوف تنتقلين الى القصر فورا .. ”
” حقا ..؟!”
هتفت بها بعدم تصديق ليرد راغب مبتسما ببرود:-
” راغب الهاشمي لا يمزح يا تقى .. عليك أن تدركي هذا منذ الآن طالما إنك ستعيشين هنا … ”
اومأت برأسها وعادت تبتسم بنفس الإنتصار بينما تبادل راغب النظرات مع مهند الذي بدا مصعوقا مما يحدث فهتف راغب بتهكم خفي مشيرا لأخيه الواقف جانبه :-
” اذهب وإفحص أخيك وداوي جرح رأسه الذي تسببت عشيقته به …”
نظر الى تقى مصححا بضحكة رائقة :-
” عفوا .. سأقول خطيبة بدلا من عشيقة كونك ستصبحين زوجته خلال أيام ..”
انهى كلماته وإختفت إبتسامته تحل محلها البرود وهو ينسحب خارج المكان تاركا راجي يتابع آثره بصمت قبل ان يتجه نحو أخيه وهو يمنحه نظرات مؤنبة …
………………………………………………….
ابتعدت من بين أحضانه وهي تبتسم بسعادة ليهتف بصدق :-
” إبتسامتك هذه تحديدا إشتقت لها ..”
” ماذا تقصد بإبتسامتك هذه ..؟!”
سألته وهي تبتسم مجددا ليرد بجدية :-
” تلك الإبتسامة الحقيقية النابعة من أعماق روحك .. عندما تبتسمين بسعادة فتظهر غمازتيك وتلمع عينيك بقوة ويشع وجهك نورا فتجبرين الشخص المقابل على الإبتسام بدوره ..”
” هذا كله يحدث عندما أبتسم ..”
رددتها وهي تضحك بعدم تصديق ليهتف بجدية :-
” عندما تبتسمين بصدق وسعادة حقيقية ..”
أضاف وهو ينهض من مكانه ويمد يده لها قائلا :-
” تعالي …”
وضعت كفها في كفه وهي تنهض معه ليسير معها حيث غرفتها فيدلف الى الغرفة ويجذبها لتقف أمام المرآة مرددا :-
” انظري الى المرأة …”
أضاف بعدما وجدها تنظر الى المرأة وهو يقف بجانبها يعانقها من الخلف :-
” والآن إبتسمي .. لا تبتسمي لإنني أريد ذلك بل لكونك سعيدة بوجودك معي ..”
التفتت نحوه تنظر إليه بعينين لامعتين ليهتف بجدية :-
” ابتسمي …”
ردت ضاحكة بخفة :-
” حسنا توقف .. لقد فهمت عليك .. ”
جذبها نحوه أكثر فبات جسدها يقابل جسده ليميل نحوها ويطبع قبلة دافئة على وجنتها ثم يبتعد عنها لتهتف بجدية :-
” هل تعلم ..؟! أشعر إن حياتي معك تشبه البحر .. كأمواجه تماما .. موجة هادئة تتبعها أخرى ثائرة وهكذا …”
” هل تعلمين إذا إنني إشتقت لجلوسنا سويا أمام البحر …؟!”
قالهت بصدق لتهتف بسرعة :-
” هنا ايضا يوجد بحر .. ما رأيك أن نخرج الى البحر … ؟! نسير جانبه ونتحدث كتلك الأيام … ”
وضع يده فوق جبينها لتهتف بعدم استيعاب :-
” ماذا تفعل ..؟!”
رد بجدية :-
” اتأكد من درجة حرارتك .. لست معتاد على هذه التصرفات منك …”
هتفت بضيق مصطنع :-
” لا تكن غليظا …”
أضافت بإبتسامة هادئة :-
” أخبرتك إنني تغيرت … لماذا لا تصدق هذا ..؟!”
ابتسم بدوره مرددا :-
” لا تلومنني .. ما فعلته حتى الآن ليس بقليل .. ”
اضاف وهو يرى الحزن يظهر في عينيها :-
” لا تنزعجي من كلامي .. انا فقط كنت اريد حدوث هذا من اول يوم .. لكن لا بأس ..”
ابتسمت مرددة بخفة :-
” ألا يقولون أن تأتي متأخرا خيرا من ألا تأتي …”
أخذ نفس طويلا ثم قال بصدق :-
” المهم إنك أتيتِ وستبقين معي ..”
سألته بسعادة :-
” ألهذه الدرجة تريدني معك ..؟!”
رد بصدق ظهر في عينيه ونبرة صوته :-
” نعم يا حياة .. هل تعلمين لماذا ..؟؟ لإن بدونك لا تكتمل الحياة يا حياة .. ”
وهنا ابتسمت مجددا ليقول بسرعة وهو يدير وجهها نحو المرآة :-
” انظري بسرعة …”
تأملت ملامحها فسألت بتعجب :-
” نظرت ولم أجد شيئا غريبا ..”
هتف بجدية :-
” بل هناك .. ألا ترين لمعة عينيك … ؟! غمازتيك ..؟! ألا تلاحظين إنفراج ملامح بشكل يجعل السعادة تنتشر في المكان ..”
التفتت نحوه تردد ضاحكة :-
” نديم .. انت تحلل ضحكتي …”
” لإنها أول شيء جذبني نحوك …”
سألت بدهشة :-
” كيف يعني …؟!”
رد مبتسما :-
” في بداية لقائاتنا .. في احدى المرات ابتسمتِ بنفس الطريقة .. إبتسامتك منحتني شعورا بالدفئ إفتقدته لسنوات .. كان شعورا غريبا علي للغاية كوني لم أشعر به لمدة طويلة .. تلك الإبتسامة كانت بداية تأثيرك علي .. وما زالت كذلك …”
ابتسمت بحب قبل أن تسارع وتعانقه وهي تتنهد بصمت فيشدد هو من عناقها بدوره مغمضا عينيه بسلام لا يحصل عليه سوى بجوارها ..!!
……………………………………………………………….
بعد مغادرة والدتهما قالت ليلى بجدية :-
” ماما معها حق .. انت يجب أن تنسى ما حدث كما يجب أن نفعل نحن ايضا …”
هتف أحمد بجدية :
” أعلم ذلك يا ليلى … هذا ما سأفعله أساسا .. والدتك دائما كان معها الحق …”
نظرت ليلى الى مريم بينما اكمل والدها بشرود :-
” كل ما يهمني منذ الآن فصاعدا هو أن أحافظ على عائلتي بوجود والدتك …”
توترت ملامح ليلى التي قالت بتردد :-
” بابا .. انت تعلم أن ماما لم تغير قرارها لكنها أجلته فقط ..”
رد أحمد بجدية :-
” نعم أعلم … ولكنني سأفعل المستحيل كي أجعلها تغيره ونعود كما كنا سويا .. عائلة واحدة من جديد ..”
أضاف وهو يشير إليهما بتأمل :-
” وأنتما ستساعداني في ذلك .. أليس كذلك ..؟!”
نظرتا الفتاتان الى بعضيهما قبل أن تعاودان النظر نحوه فترد ليلى أولا بعدما ابتسمت بخفة :-
” بالطبع بابا … نحن سنقف معك وسوف نساعدك …”
قالت مريم هي الأخرى :-
” وانا كذلك يا بابا ..”
” حفظكما الله لي ..”
قالها أحمد مبتسما بأمل قبل أن يضيف بتردد :-
” هناك شيء آخر أود قوله ..؟!”
” تحدث يا بابا .. نحن نسمعك …”
قالتها ليلى بجدية ليهتف أحمد بحذر :-
” أخوكما عبد الرحمن ..”
ظهر الضيق على ملامح مريم بينما سيطر الجمود على ملامح ليلى التي سألت مرغمة :-
” ما به ..؟!”
قال أحمد بخفوت:-
” عبد الرحمن لا ذنب له بأخطائي ولا ذنب له بتصرفات والدته .. هو يبقى أخوكما .. يحمل دمائي وإسمي مثلكما تماما .. أتمنى أن تحبانه حقا وتتجاهلان حقيقة إنكم لستم من نفس الأم .. في النهاية أنتم جميعا أولادي … جميعكم أخوة وانا أريد أن أراكم متحابين ..”
أضاف وهو يتنهد بتعب :-
” كما إنني أريد الرحيل وانا مطمئن على عبد الرحمن وطفلي القادم اذا أراد الله له المجيء ..أريدكما أن تعداني بذلك .. ستحبانهما وترعيانهما دائما كما تحبان وترعيان بعضيكما كي أموت وانا مطئمن عليكم جميعا ..”
قالت ليلى بسرعة :-
” بابا لا تقل هذا من فضلك .. أدامك الله لنا ..”
هتفت مريم تتبعها :-
” لا تفعل ذلك يا بابا .. نحن لا يمكننا تحمل خسارتك …”
ابتسم أحمد بهدوء قبل أن يشير الى ليلى :-
” انت الكبيرة يا ليلى … كبيرتهم من بعدي .. أريدك أن تعديني بذلك .. عديني أن تجمعي أخوانك دائما وأن تعتني بهم .. مريم وعبد الرحمن والطفل القادم وأن تبذلي جهدك للحفاظ على رباط الأخوة بينكم …”
قالت ليلى بعينين ترقرقت الدموع بهما :-
” لا تفعل يا بابا .. انت موجود وستفعل كل هذا بإذن الله ..”
” عديني فقط. …”
قالها بترجي لتردد بسرعة :-
” أعدك يا بابا ..”
نظر أحمد الى مريم وقال لها بترجي :-
” اتمنى أن تفكري في كلامي جيدا وتحبين أخيك فهو لا يستحق الكره ولا ذنب له بأي شيء …”
هزت مريم رأسها بصمت دون أن تنظر إليه ليهتف أحمد أخيرا :-
” أشعر بالقلق الشديد لأجله خاصة إنني لا أعرف عنه شيئا منذ أيام طويلة ..”
نظرت ليلى الى مريم بوجه شاحب وهي تتذكر أمر أخيها ووجوده في الطابق العلوي وإخفاء ذلك الأمر وما فعلته سهام عن والدها خوفا من تراجع صحته ..
…………………………………………………………
كانت تسير بجانبه أمام البحر ليلا … كلاهما صامت تماما …
تأملته حياة عندما جلسا على احدى المصطبات وهو يتأمل البحر أمامه بصمت لتبتسم وهي تسأله :-
” بم تفكر ..؟!”
رد بجدية :-
” أفكر في السنوات الماضية والحالية والقادمة وما ينتظرني ..”
” توقف عن التفكير في الماضي …”
قالتها بترجي ليلتفت نحوها قائلا بجدية رغم إبتسامته الهادئة :-
” الماضي جزء من الحاضر ومن المستقبل ايضا .. الماضي جزء لا يتجزأ من حياتنا .. لولاه ما كنا نعيش حاضرنا الآن …”
هتفت بجدية :-
” تحدث .. قل مالذي تفكر به ..؟! حدثني عما يدور في عقلك .. عما يضايقك ويؤلمك …”
تنهد وقال :-
” الأمر ليس سهلا كما تظنين … ”
قاطعته بجدية :-
” حاول على الأقل .. المرء يحتاج دائما أن يتحدث عما يدور داخله ويؤلمه ويؤثر به .. البوح بدواخلك سوف يساعدك كثيرا يا نديم .. ”
” أعلم ذلك ولكن البوح ليس سهلا أبدا … إضافة إلى إنه داخلي الكثير من الأمور المعقدة والمتشابكة لدرجة تجعلني لا أعرف ما سأقوله وكيف سوف أبدأ حديثي من الأساس …”
عادت تنظر الى البحر وهي تردد :-
” ماضيك كان عاصفا …”
ردد مؤيدا :-
” نعم .. عاصفا جدا ومظلما جدا …”
نظرت له تسأله بحذر :-
” ما أكثر شيء يؤلمك في ماضيك ..؟!”
نظر إليها ورد بعد لحظات حيث شردت ملامحه :-
” الكثير يا حياة … السنوات التي قضيتها في السجن وحيدا … شعور الظلم والقهر … لحظة الحكم علي بالسجن لسنوات بسبب جريمة لم أفعلها ولا أعلم عنها شيئا .. وجعي وآلمي وعذابي منذ تلك اللحظة وحتى اليوم .. الكثير يا حياة .. الكثير مما أعجز عن التفوه به أساسا ..”
” وليلى …؟!”
سألته بخفوت ليبتسم بوجع مرددا :-
” ليلى هذه تحديدا في كفة لوحدها …”
ردد بخفوت وبدا وكأنه قد نسي وجودها :-
” نصف أوجاعي كانت بسببها .. وما زالت كذلك لكن هذه المرة وجعي عليها … ”
ردد ضاحكا بمرارة :-
” سابقا كنت أتألم بسببها والآن أيضا أتألم بسببها ولكن لسبب مختلف تماما …”
” انت تلوم نفسك ، أليس كذلك …؟!”
سألته بعينين متألمتين ليلتفت نحوها وقد أدرك ما تفوه به فقال بسرعة :-
” حياة انا ..”
قاطعته بسرعة :-
” لا تتوقف يا نديم .. أنا أريد سماعك .. أكمل من فضلك .. هل تلوم نفسك بسببها ..؟!”
رد وهو يعاود النظر أمامه حيث البحر :-
” كل يوم .. دون توقف …”
أضاف وهو يطلق تنهيدة حارة :-
” ألوم نفسي لإنني لم أسمعها .. وألوم نفسي أكثر لإنني صدقت خيانتها … ”
اكمل وهو يستدير نحوها مجددا قائلا بصدق خالص :-
” لكن اقسم لك إنني حينها كنت تائها … وحيدا ضائعا مدمرا .. كنت في السجن وعندما علمت من غالية بخبر زواجها من عمار وسبب زيجتها لم أستطيع التفكير بشيء سوى إن الشيء الوحيد الذي كنت أعيش لأجله ذهب بلا عودة .. ليلى كانت الأمل الوحيد المتبقي لي لهذا صدمتي كانت قوية خاصة بعد وعودها الدائمة لي ببقائها جانبي .. لم أتخيل إنها تخلت عني وتزوجت عمار لأجل الأموال وعائلتها .. الصدمة كانت شديدة لدرجة جعلتني لا أرى شيئا سوى خيانتها .. سيطر علي شعور المرارة والخذلان حتى تمكن مني كليا وعندما خرجت فعلت المستحيل كي لا أراها ورفضت أن أسمعها خوفا من ضعفي أمامها .. خفت أن أضعف مجددا … صدقيني هذا ما حدث … خوفي من ضعف مشاعري أمامها جعلني أحاول إبعادها عني بكافة الطرق .. ”
” هل خطبتني لأجل ذلك ليضا ..؟!”
سألته بحذر ليقول بسرعة :-
” كلا يا حياة .. اقسم لك… انت وضعك مختلفا تماما .. عندما دخلت حياتي تغيرت بعض الأشياء .. غمرني شعورا جديدا بدخولك حياتي .. شعورا أردت التمسك به لذلك خطبتك بل وتزوجتك .. صحيح انا رأيت فيك الدواء ولكنني رأيت فيكِ الأمل أيضا والمستقبل … انظري انا لا أفهم حتى الآن طبيعة مشاعري نحوك لكن كل ما أدركه إنني بوجودك يغمرني الهدوء والسلام والسكينة وأيضا انت تمنحيني سعادة ودفء وطمأنينة .. هذه الأشياء إفتقدتها لسنوات وعادت بدخولك حياتي ..”
ابتسمت دون رد ليسأل بقلق :-
” هل ضايقك حديثي ..؟!”
ردت بسرعة :-
” ابدا .. انا أريدك دائما صريحا معي يا نديم .. صدقني مهما ضايقتني صراحتك فلن تجرحني على الأقل .. ما يجرحني هو كذبك علي وإدعائك ما لا تشعر به …هذا حقا سيجرحني بقوة ..!!”
…………………………………………………………..
في صباح اليوم التالي ..
دلف الى المشفى وهو يحمل باقة من الورد والشوكولاتة التي تفضلها .. سار حيث غرفتها في الطابق الثالث ليدلف إليها فيجدها نائمة بعمق…
تقدم نحوها ووقف يتأملها لثواني قبل أن ينحني نحوها يطبع قبلة دافئة فوق جبينها ..
وضع باقة الزهور على الطاولة جانبها وكذلك علبة الشوكولاتة ثم اتجه نحو الكرسي المجاور لها وجلس عليه …
بعد حوالي ربع ساعة سمع صوت باب غرفتها يفتح يتبعه دخول زهرة وتوليب عندما نهض عمار من مكانه ينظر لهما بضيق فألقت زهرة السلام وهي ترميه بضيق قبل أن تتقدم نحو جيلان تردد وهي تمرر أناملها داخل خصلات شعرها الناعمة :-
” صغيرتي .. ستصبحين بخير ان شاءالله …”
همست توليب وهي تتأملها :-
” وجهها يبدو أفضل من البارحة ..”
توقفت عن حديثها وهي تنتبه الى الطبيب الذي دخل تتتبعه الممرضة ليلقي التحية عليهم مبتسما قبل أن يتجه نحو جيلان ويوقظها كي يفحصها …
فتحت جيلان عينيها لتجده يتأملها مبتسما وهو يقول :-
” صباح الخير يا صغيرة .. هيا إستيقظي .. لقد نمت طويلا …”
رمشت جيلان بعينيها دون رد ليبتسم وهو يشير الى الممرضة :-
” تعالي وساعديني يا نور لنعدل وضعية مريضتنا .. بالتأكيد ملت من نومها طوال الوقت …”
إستسلمت جيلان للممرضة التي ساعدتها في رفع جسدها ليبدأ الطبيب بفحصها بينما زهرة تتأملها بحزن وكذلك توليب وعمار يقف قبالها ينظر اليها بصمت بينما جيلان مستسلمة تماما للطبيب الذي يفحصها بمساعدة الممرضة ..
انتهى الطبيب من فحصها مرددا :-
” كل شيء سليم .. الحمد لله على سلامتك يا جيلان …”
سألته زهرة بجدية :-
” متى يمكنها الخروج من المشفى ..؟!”
رد الطبيب بجدية :-
” مساء اليوم إذا أردتم ..”
” حقا ..؟!”
قالتها توليب بفرحة بينما أشار عمار الى الطبيب قائلا :-
” هل يمكننا التحدث خارجا ..؟!”
” بالطبع …”
قالها الطبيب بترحيب وهو يخرج من المكان يتبعه عمار والممرضة التي ذهبت لإكمل عملها بينما تقدمت زهرة نحو جيلان تحتضنها وهي تهتف بحنان فائض :-
” الحمد لله على سلامتك يا صغيرتي .. كدت أن أموت من قلقي عليكِ..،”
نظرت لها جيلان بصمت لتهتف زهرة وهي تحتضن وجهها :-
” انت بخير حبيبتي .. أليس كذلك ..؟!”
هزت جيلان رأسها بصمت بينما تقدمت توليب نحوها تبتسم وهي تسألها عن حالها :-
” كيف أصبحت الآن يا جيلان ..؟!”
ردت جيلان بصوت ضعيف ووجه خالي من التعابير :-
” بخير … ”
ابتسمت توليب وهي تجلس جانب بينما تعاود زهرة إحتضانها بحنو وجيلان جامدة تماما بين ذراعيها..
اما في الخارج وقف عمار يتحدث مع الطبيب الذي أخبره بضرورة عرضها على طبيب نفسي بأسرع وقت فهي بحاجة للعلاج النفسي وتحديدا العلاج السلوكي كما طمأنه على وضعها من الناحية الجسدية …
غادر الطبيب بعدها ليتنهد عمار بتعب عندما انتبه الى شيرين التي تقدمت نحوه وهي تحمل كيسا كبيرا ليهتف :-
” أتيت باكرا ..”
احتضنته بخفة وابتعدت عنه قائلة :-
” كيف حالها ..؟! هل إستيقظت أم بعد ..؟!”
رد بجدية :-
” إستيقظت .. زوجة عمها وابنته عندها ..”
هزت رأسهت بتفهم وسألته مجددا :-
” وكيف هو وضعها …؟!”
رد بجدية :-
” الطبيب يقول إن وضعها من الناحية الجسدية مستقر ولكن نفسيتها سيئة .. تحتاج الى علاج نفسي ..”
قالت شيرين بسرعة :-
” بالطبع تحتاج الى ذلك .. جيلان تحتاج لعلاج نفسي وفورا … ”
” سأبحث عن طبيبة أخرى غير طبيبتها السابقة …”
أضاف بقوة :-
” سأجلب لها أفضل طبيب نفسي في البلاد بل في العالم بأكمله ..”
قالت شيرين بجدية :-
” ما رأيك أن أتحدث مع منى زوجة أخي بشأنها ..؟! هي طبيبة نفسية وربما تساعدها ..”
” زوجة أخيك ..؟!”
قالها بقليل من الدهشة لتردد :-
” إذا لم يكن لديك مانع بالطبع …”
قال فورا :-
” وماذا عن أخيك ..؟! انت تعلمين ..”
قاطعته بسرعة :
” منى طبيبة نفسية يا عمار وهي تؤدي عملها … وليد لن يتدخل بشيء كهذا …”
اضافت بجدية :-
” انظر لا أقول هذا كونها زوجة أخي .. لكنها بالفعل تجيد عملها وقد ساعدت الكثير وعالجت عدة حالات مستعصية كما إنها شخصية لطيفة وحنونة وأظن جيلان ستتفق معها خاصة إن منى لديها طرقها الخاصة بالتعامل مع المرضى وجذبهم نحوها …”
صمت يفكر بكلامها قبل ان يقول :-
” حسنا .. تحدثي معها إذا ..”
ابتسمت ترد :-
” سأفعل ذلك وسأطلب منها أن تبدأ على الفور … جربها وإن لم تستفد منها يمكنك البحث عن بديل لها ..”
” اتمنى أن تستفيد منها حقا يا شيرين ..”
قالها عمار بتعب قبل ان يضيف :-
” تعالي نخرج الى الحديقة حتى تخرجان زوجة عمها وابنتها من عندها …”
هزت شيرين رأسها بتفهم وسارت جانبه حيث خرجا الى الحديقة يسيران جانب بعضيهما عندما سألها عمار بإهتمام :-
” ماذا يوجد داخل هذا الكيس ..؟!”
ردت شيرين مبتسمة :-
” بضعة أشياء اتمنى أن تعجب جيلان ..”
ابتسم دون رد عندما جلسا على احدى المصطبات يتبادلان الأحاديث ….
…………………………………………………………
كانت ليلى ومريم تجلسان بجانب بعضيهما تتناولان طعام الفطور وأمامهما تجلس والدتهما بينما يترأس والدهما الطاولة ..
رن هاتف مريم فرفعته تقول بسرعة :-
” هذه غادة .. تنتظرني في الخارج .. يجب أن أغادر ..”
نهضت من مكانها وهي تحمل حقيبتها لتسألها والدتها :-
” ستذهبين لشراء الملابس ..؟!”
ردت مريم بجدية:-
” نعم ، أحتاج ملابس جديدة فالدوام سيبدأ الإسبوع القادم ..”
أنهت كلامها وودعتهما وغادرت المكان عندما وضعت فاتن شوكتها جانبها وهمست قائلة لزوجها :-
” هناك ما يجب أن نتحدث عنه يا أحمد ..”
إلتفت نحوها أحمد يتطلع إليها بقلق ظنا منه إنها ستفتح موضوع الطلاق بينما توقفت ليلى عن تناول طعامها تتابع والدها بخوف عليه ..
قالت فاتن بجدية :-
” لقد حدث شيء ما أثناء فترة مكوثك في المشفى…”
سألها أحمد بقلق واضح :-
” ماذا حدث يا فاتن …؟!”
ردت فاتن وهي تنظر الى ليلى :-
” جاءت سهام الى هنا وتركت ابنها عندنا …. ”
تجمدت ملامحه لعدة لحظات قبل أن يهتف بدم استيعاب :-
” ماذا تقولين ..؟!”
تحدثت ليلى هذه المرة :-
” نعم يا بابا .. لقد أتت بعد دخولك المشفى وتركت الصبي عندها بعدما قالت إنها لا تريده وإنها ستتركه لك وحتى أخيه القادم ستتركه عندك بعدما تنجبه …!!”
هتف بنفور :-
” الحقيرة عديمة الضمير …”
” بابا لا تزعج نفسك .. يعني هي تفعل هذا بسبب غضبها منك كونك طلقتها …”
التفت نحوها مرددا من بين أسنانه :-
” بل تحاول لوي ذراعي بتصرفها هذا … تريد مني أن أسجل أشياءا بإسمها هي وعبد الرحمن والطفل القادم ..”
” لا بإسمها ولا بإسم غيرها .. كل شيء سيعود بإسمك يا أحمد وهذا سيجعلها تتراجع عن قرارها … ”
رد وهو يلتفت نحوها :-
” ولهذا انا سأفعل العكس .. ”
” ماذا تعني ..؟!”
سألته فاتن بتجهم ليرد احمد بقوة وهو يتطلع الى ليلى هذه المرة :-
” يعني كل شيءسيبقى كما هو .. كل أملاكي وأسهم الشركة ستبقى بإسم ليلى ومريم … ”
صاحت فاتن برفض :-
” ما هذا الكلام ..؟!”
رد احمد بجدية :-
” انا أدرك جيدا ما تفكر به سهام ..، تظن إن بطريقتها هذه ستلوي ذراعي وتجبرني على فعل اي شيء لإصلاح ما حدث …”
” لا تنسى إنها أم إبنك … وهناك طفل آخر ستنجبه بعد أشهر .. يعني هي والدة طفليك وانت مجبر على إصلاح موقفك معها لأجل طفليك على الأقل …”
رد احمد بتعنت :-
” هذا الشيء لا يتم فعله مع إمرأة كسهام .. أي أم تلك التي تترك ابنها عندكم بهذه الطريقة ..؟! أم مثلها مستعدة للتخلي عن أطفالها في سبيل تحقيق مصالحها …”
قالت فاتن بجدية :-
” ربما تفعل ذلك لأجل إستعادة حق طفليها .. ربما هي مجبرة على التخلي عنهما لفترة لأجل ذلك ….”
” كفى يا فاتن .. كفي عن النظر الى الجميع بعين واحدة .. سهام كل ما يهمها مصلحتها … ”
” لا تظلمها يا احمد … في النهاية هي أم وبالتأكيد تريد حماية حق أطفالها …”
قالت بجدية ليردد بتحدي :-
” وإن أثبت لك العكس ..؟! ماذا سنفعل حينها ..؟!”
نظرت له بصمت ليرد بقوة :-
” انتظري يا فاتن وستدركين إن كلامي عنها صحيح .. سأثبت لك ذلك قريبا وحينها سأبعدها عن حياتي تماما وعن حياة أبنائي أيضا ..”
نظرت له فاتن بعدم تصديق بينما نهض هو من مكانه يهتف :-
” سأذهب لأرى عبد الرحمن .. أساسا اشتقت له كثيرا .. من الجيد إنها فعلت ذلك وتركته عندنا …”
تأملته فاتن وهو يغادر لتسأل ليلى :-
” إلام يخطط أبيك يا ليلى ..؟!”
ردت ليلى بعدم معرفة :-
” علمي علمك…”
ضمت فاتن قبضتيها أسفل ذقنها بقلق بينما زفرت ليلى أنفاسها وأخذت تفكر فيما قاله والدها …
…………………………………………………………
خرجت زهرة مع توليب من الغرفة لتجدان عابد أمامها فهتفت زهرة تتسائل :-
” ماذا تفعل هنا منذ الصباح يا عابد …؟!”
رد عابد بجدية :-
” أتيت لأرى إبنة أخي وأتحدث معها يا زهرة ..”
” ولكنك ما زلت متعبا يا بابا …”
قالتها توليب بقلق ليرد عابد بجدية :-
” انا بخير يا ابنتي .. لا تقلقي …”
” السائق من جلبك ..؟؟”
سألته زهرة ليهز رأسها فعادت تسأله :-
” هل أنت بخير ..؟! لم يكن عليك مغادرة فراشك باكرا بعدما حدث البارحة ..”
رد عابد بقوة :-
” انا بخير للغاية يا زهرة .. يمكنكما المغادرة وأنا سأتحدث مع جيلان ثم أغادر …”
هتفت زهرة بسرعة :-
” سأنتظرك هنا ..”
رد عابد بسرعة :-
” غادري يا زهرة مع ابنتك .. انا سأتحدث جيلان ثم أعود الى المنزل مع السائق الذي ينتظري في الأسفل …”
هزت زهرة رأسها بتفهم ثم رحلت مع ابنتها ليدلف عابد الى الغرفة فيجد جيلان جالسة على سريرها تنظر أمامها بصمت ..
تقدم نحوها قائلا :-
” صباح الخير يا ابنتي ..”
التفتت جيلان نحوه فتقدم أكثر حتى جلس جانبها يجذب يدها قائلا بحنو :-
” هل أصبحت أفضل الآن ..؟! أتيت للإطمئنان عليك ..”
” الحمد لله ..”
ردت بخفوت ليتنهد عابد ثم يقول :-
” أريد التحدث معك يا جيلان ..”
نظرت له بصمت ليكمل بجدية :-
” ابنتي .. انت ابنة اخي الغالي رحمة الله عليه .. انت كل كل تبقى لي منه … انت أمانته .. عليك أن تدركي ذلك جيدا ..”
أضاف بترجي :-
” سامحيني ابنتي .. أعلم إنني لم أكن على قدر المسؤولية معك .. لم أصن أمانة ابراهيم رحمة الله عليه … انا أخطأت عندما منحت المسؤولية لأبنائي لكن من الآن فصاعدا كل شيء سيتغير … أعدك بهذا يا صغيرتي ..”
تراكمت الدموع داخل عينيها ليضيف وهو يقبض على كفها اكثر :-
” صغيرتي … أعلم كم تألمت منذ وفاة والدك .. لن أسامح نفسي أبدا لإنني كنت سببا في آلمك هذا لكن أعدك كل شيء سيتغير .. لن أسمح لأي أحد أن يؤذيك بعد الآن … وسأقتص حقكِ من ابني يا جيلان .. ثقي بذلك ..”
تساقطت الدموع من عينيها بغزارة فنهض من مكانه يجذبها نحوه بعناق أبوي مرددا :-
” انا بمثابة والدك يا جيلان .. أعلم إن لا أحد يمكنه أن يأخذ مكان والدك لكنني سأحاول قدر المستطاع أن أمنحك كل ما تحتاجينه وأعوضك عما فقدتيه بعد رحيل والدك وسأكون دائما بجانبك ..”
بدأت تبكي بين أحضانه فقال ودموعه تكونت داخل مقلتيه :-
” سامحيني يا ابنتي .. والله سأعاقبهم جميعا … أعدك بذلك … ”
أبعدها بعد لحظات عنه محيطا وجهها الباكي بين كفيه مرددا بجدية :-
” اسمعيني يا صغيرتي … من الآن فصاعدا لا أريدك أن تبكي … لا أريد رؤية دموعك … أريدك أن تعتني بنفسك وألا تسمحي لأي شخص كان أن يؤذيك .. ابنتي هذا الحياة لا تناسب الضعفاء … هذه الحياة تحتاج شجعان أقوياء لذا عليك أن تكوني قوية وأن تتحملي وتقاومي دائما … ”
أكمل وهو يمسح دموعها:-
” لا يوجد أي شخص يستحق دموعك تلك .. مهما حدث .. ابنتي كوني قوية لأجل والديك .. كي يرتاحا في قبرهما … وكي يفتخران بك دائما عندما تكونين قويا دائما وتقاومين كافة الظروف الصعبة المحيطة بك وتتغلبين عليها …”
” أريد الذهاب عندهما ..”
قالتها باكية ليهتف بسرعة يوقفها :-
” هش اصمتي .. إياك أن تقوليها .. ابنتي انت ما تبقى لنا من رائحة والدك وانت من تحملين اسمه .. بدلا مو قول هذا إعتني بنفسك ودعي والديك يفرحان عندما يشعران بسعادتك وراحتك .. هما يشعران بك الآن ويتألمان بسببك ولأجلك ..”
” عمي .. انا لا أستطيع العيش دونهما .. أنا أحتاجهما …”
قالتها باكية ليردد عابد :-
” نعم تحتاجينهما وستظلين كذلك … ولكن عليك ان تكوني قوية وتتغلبين على حاجتك لهما … عليك أن تعتني بنفسك وتثبتي وجودك في هذه الحياة .. بنيتي أنت تستحقين الراحة والسعادة … كما إنني هنا معك دائما … ”
أكمل وهو يبتسم بصدق :-
” عمك بجانبك دوما يا جيلان .. عمك الذي يحبك كأبنته .. يحبك مقدار حبه لأخيه الراحل وأكثر .. عمك الذي يفعل أي شيء لحمايتك ورعايتك وتوفير السعادة لك .. ”
أكمل وهو يقبض على كتفيها بشدة :-
” ثقي بي يا صغيرتي … تجاوزي كل ما حدث وابدئي من جديد وهذه المرة انا من سيدعمك ويكون معك في كل خطوة تخطيها ..”
” لن أستطيع ..”
قالتها وهي تضع وجهها بين كفيها تبكي بضعف ليهتف بإصرار :-
” سوف تستطيعين .. ثقي بنفسك يا جيلان .. انظري الي … لا أحد يستطيع أن يساعدك أكثر من مساعدتكِ أنتِ لنفسكِ … انت من تساعدين نفسك بنفسك وتنهضين بها. …”
أضاف بعدما رفعت وجهها نحوه :-
” قاومي يا صغيرتي .. تحدي الجميع والظروف وكل شيء .. واجهي كل شيء دون خوف .. دافعي عن حقك في الحياة والسعادة …”
اكمل بجدية :-
” تلك الحادثة انتهت بأرضها وانت لا ذنب لك فيها ولذا لا يحق لأي أحد أن يحاكمك عليها .. تذكري دائما إنه لا ذنب لك في ذلك ولذا عليك أن تتخطي تلك الحادثة …”
” انت كنت تعلم ..”
قالتها بدموع حارقة ليهتف بصلابة :-
” نعم اعلم وأقولها في وجهك .. انت لا ذنب لك فيما حدث …. لا تحاسي نفسك ولا تسمحي لأي أحد أن يحاسبك على تلك الحادثة .. كوني قوية يا ابنتي … تجاوزي الماضي بكل آلامه وسأكررها مجددا انا معك في كل خطوة.. ضعي يدك في يدي وأعدك إنني لن أسمح لأي شخص أن يتدخل في حياتك وقراراتك .. واولهم أخيك عمار وابني راغب وحتى مهند … تريدين الطلاق سأطلقك منه وسأحاسبهم جميعا على ما فعلوه حتى الآن ..”
نظرت اليه بصمت فقال متسائلا :-
” ماذا قلت يا ابنتي …؟!”
حل الصمت للحظات قبل أن ترتمي داخل أحضانه ودموعها عادت تتساقط فوق وجنتيها مجددا …
………………………………………………….
في قصر الهاشمي …
فتحت الخادمة الباب لتجد تقى أمامها وهي تضع خلفها عدة حقائب ضخمة …
تأملتها الخادمة بتعجب لتهتف تقى :-
” هل راغب بك هنا ..؟! أخبريه إنني أتيت …”
همت الخادمة بالرد عندما سمعت صوت همسة تتقدم نحوها وهي تسأل:-
” من جاء يا علا …”
توقفت مكانها تتأمل تقى بدهشة وهي تردد :-
” تقى ..؟!”
هتفت تقى تبتسم لها ببرود :-
” كيف حالك يا همسة … ؟! أين راغب ..؟! أخبريه إنني أتيت …”
” ماذا تريدين من راغب …؟!”
سألتها همسة بعدم استيعاب وهي تتأمل الحقائب خلفها لترد تقى بدهشة مصطنعة :-
” ألم يخبركم راغب بك ..؟! انا سأعيش هنا معكم من اليوم كوني زوجة مهند …”
” انت بالتأكيد جننتِ …”
قالتها همسة بعدم استيعاب لتصيح تقى بحنق :-
” احترمي نفسك ولا تتجاوزي حدودك ..”
قاطعها صوت راغب الحاد وهو يقترب نحو زوجته :-
” تحدثي مع زوجتي بطريقة جيدة يا تقى .. همسة هي زوجتي … زوجة راغب الهاشمي .. الحديث معها لا يكون بهذه الطريقة ابدا .. كوني حذرة للغاية وانت تتحدثين مع زوجتي …”
ارتبكت ملامح تقى وهي ترد :-
” انا لم أقصد ..”
لكن همسة سألت راغب :-
” ماذا تفعل هذه هنا يا راغب ..؟! ماذا يعني ستعيش معنا وكيف توافق على ذلك ..؟!”
منحها راغب نظرة قاتمة قبل ان ينظر الى تقى وهو يردد :-
“‘تقى بالفعل ستعيش معنا منذ الآن وستتزوج مهند رسميا خلال أيام ..”
أشار الى الخادمة التي تقف تتابع ما يحدث بذهول :-
” خذي تقى هانم الى الجناح الذي أعدته سميحة لها البارحة … ”
أشار الى تقى :-
” اتبعي الخادمة وحقائبك سيجلبها الحارس لك في جناحك ..”
ابتسمت تقى وسارت خلف الخادمة مرفوعة الرأس عندما دخلت زهرة تتبعها توليب التي همست تتسائل :-
” ماذا تفعل تقى في القصر يا راغب ..؟!”
حل الصمت المطبق للحظات قبل ان تنظر همسة الى راغب عندما صاحت زهرة :-
” لماذا لا تجيب ..؟! ماذا تفعل تلك الساقطة هنا …؟!”
رد راغب بجدية :-
” تقى ستتزوج مهند رسميا وتعيش هنا ..”
” ماذا ..؟!”
صرخت زهرة بعدم تصديق قبل تصيح مجددا :-
” هل جننت ..؟! هل جننتم جميعا ..؟! تلك الحثالة تعيش هنا في القصر وتتزوج من ابني …”
” ماما اهدئي …”
قالتها توليب بترجي وهي تقبض على كفها لتبعدها زهرة بعيدا وهي تهتف بقوة :-
” إلا هذه يا راغب .. لن أسمح لواحدة مثل تقى أن تسكن القصر .. سأطردها حالا شئت أم أبيت …”
همت بالتحرك مندفعة خلفها لكن راغب أوقفها مرددا :-
” تقى حامل يا أمي .. حامل من مهند …”
تجمدت زهرة مكانها بينما شهقت توليب بعدم تصديق …
استدارت زهرة نحوه تردد :-
” حسبي الله ونعم الوكيل .. ما هذا البلاء ..؟! لعنة الله عليك يا تقى .. ليلعنك الله انت وابني معك …”
……………………………………………………
دلف الى مكتبه يغلق الباب خلفه بعنف والغضب يعتريه بعدما رفض الطبيب أن يقابل جيلان بناء على طلبها …
تقدم نحو المكتب يضع كفيه فوق سطحه والغصب يملأ عينيه ..
فتح مقدمة أزرار قميصه يأخذ أنفاسه قبل أن يجلس فوق كرسي مكتبه وهو يضرب سطحه بقوة …
شعور الإختناق سيطر عليه تماما والرغبة في تحطيم أي شيء يراه أمامه سيطرت عليه …
حاول أن يهدأ نفسه مفكرا إنها مرحلة وستنتهي وسيعود كل شيء كما كان وإن هناك اجتماعات تنتظره يجب أن ينهيها ..
حاول أن يزيح كل تلك الأفكار عن رأسه وهو يتجهز لحضور الإجتماعات ..
اجتماع مع وفد الشركة الأجنبيه واجتماع مع مدراء شركته ايضا لأجل الصفقة ولقاء مع شريكه ..
مر اليوم طويلا حتى قاربت الشمس على الغروب عندما أخبرته السكرتيرة بوجود مريم سليمان في الخارج ..
سمح لها بالدخول ليجدها تدخل نحوه وتتقدم بخطوات واثقة وملامح شامخة كالعادة ..
تأملها مليا قبل أن يهتف وهو يشير الى الكرسي المجاور لمكتبه :-
” تفضلي …”
قالت بجدية :-
” شكرا .. لا أريد الجلوس … لقد أتيت لغرض محدد فقط …”
” تفضلي… مالذي تريدنه ..؟!”
سألها بإهتمام ليظهر التردد والضيق على ملامحها للحظات قبل أن تهتف محاولة إخفاء ضيقها :-
” انا هنا لأعتذر منك … وأشكرك ايضا …”
” علام ..؟!”
سألها بتهكم خفي لترد والضيق يرتسم على ملامحها :-
” أعتذر منك بسبب شكوكي نحوك وإتهامي لك إنك السبب في خطفي … وأشكرك على إنقاذك لي من تلك العصابة .. انا اسفة يا عمار .. لقد أخطأت في ظنوني ناحيتك …. ”
منحها إبتسامة باردة :-
” جيد .. الإعتراف بالخطأ أمر جيد .. تصرف شجاع منك …”
أضاف يسألها ببرود :-
” هل تودين قول شيء آخر ..؟!”
هزت رأسها نفيا ليهتف بجدية :-
” بإمكانك المغادرة اذا …”
تطلعت اليه بعدم تصديق مما فعله وهي التي كانت تتوقع منه تصرفا مختلفا لكن أن يتعامل مع آسفها بهذا البرود واللا مبالاة كان أمرا غير متوقعا بالنسبة لها ..
اندفعت خارج المكان وهي تكتم غضبها بإعجوبة ..
خرجت من الشركة واندفعت داخل سيارتها عندما رمت حقيبتها جانبا بعنف بعدما أخرجت هاتفها منها …
اتصلت به وهي تخبره بغضب مكتوم :-
” ذهبت إليه .. تحدثت معه كما اتفقنا ..”
” جيد وماذا حدث ..؟!”
سألها بإهتمام لترد بحنق :
” لم يحدث شيء … ”
” ماذا يعني هذا ..؟!”
سألها بتعجب لترد بغضب :-
” تجاهلني .. ذهبت وإعتذرت له كالحمقاء وهو لم يقل شيئا بل طلب مني المغادرة .. لقد أهنت نفسي وتنازلت عن كبريائي دون مقابل ..”
سمعته يضحك بخفة لتهتف بغضب :-
” وتضحك ايضا يا هذا ..”
رد بجدية :-
” يا له من ماكر لعين … في الحقيقة توقعت أن يفعل ذلك لكنني لم أخبرك ..”
” انت تكذب .. لو كنت تتوقع ذلك منه حقا فلمَ أرسلتني له ..؟!”
سألته بتهكم ليتسائل بدوره :-
” أساسا لماذا تصرفنا هكذا يا مريم ..؟! لماذا اتفقنا على أن تعتذري منه …؟! أخبريني هيا ..”
” انت من قررت ذلك وانا كالغبية نفذت ..”
قالتها من بين أسنانها ليرد بثقة :-
” عزيزتي مريم .. متى ستتعلمين إن كل خطوة نخطوها في مشوارنا هذا لغرض معين وهذه الخطوة بالذات مهمة جدا فمن خلالها سنرمي الطعم الذي سيلتقطه عمار فيما بعد ويبتلعه بما فيه من سموم ستقتله لا محالة …”
” أود كثيرا أن أصدق لكن ..”
قاطعها بثقة شديدة :-
” ستصدقين عندما ترين نهاية عمار الخولي أمام عينيك وعلى يدينا يا مريم …”
…………………………………………………….
مساءا ..
وقفت غالية أمام المرآة تتأمل طلتها المبهرة والتي تليق بهذه الليلة ..
فستان اسود شديد الروعة يظهر تقاسيم جسدها الأنثوي …
شعرها المصفف بعناية ومكياجها المميز والذي يبرز ملامحها طاغية الجمال …
كل شيء بها كان مثيرا ورائعا وجذابا بشكل قاتل ..
حملت عطرها ذو الرائحة الأنثوية القوية وأخذت ترش منه فوق رقبتها وملابسها حتى ملأت رائحة العطر غرفتها ..
حملت حقيبتها وألقت نظرة على المرآة تبتسم وهي ترسل لنفسها قبلة على الهواء …
غادرت غرفتها وهبطت نحو الطابق السفلي لتجدها والدتها التي تأملت مظهرها شديد الإناقة بإهتمام وهي تسأل :-
” إلى أين تذهبين هذا المساء ..؟!”
ردت مبتسمة :-
” الى حفلة مهمة وخاصة جدا ..”
” حفلة ماذا ..؟!”
سألها والدتها وهي تبتسم لتطبع غالية قبلة فوق وجنتها وهي تردد :-
” سأخبرك حينما أعود …”
غادرت الفيلا بعدما ودعت والدتها حيث جلست في مقعد السيارة الخلفي والتي يقودها السائق …
وصلت بعد مدة الى الفندق حيث تقدمت نحو صاحب المطعم والذي أوصلها الى الطاولة التي حجزتها والتي اهتم بها وزينها بشكل ملفت ….
شكرته وهي تجلس على الطاولة تلتقط بعض الصور اللافتة لها عندما وجدت فادي ولوجين يتقدمان فنهضت تستقبلهما حيث قبلت لوجين بينما اخذ فادي يتأملها بهدوء مهيب كعادته …
ابتعدت عن لوجين وحيت فادي الذي إبتسم لها بهدوء وهو يبادلها التحية …!
جلس الثلاثة سويا ثم جاء بعض اصدقاء فراس المقربين وابناء عمه من ضمنهم مي بعدما طلبت غالية من لوجين دعوتهم ..
رن هاتف غالية فعلمت إن فراس وصل فنهضت من مكانها تهندم ملابسها وهي تهتف :-
” فراس سيصل الى هنا بعد لحظات ..”
ثم بدأت بإشعال شموع قالب الكيك الضخم بينما فادي يتأملها سعادتها وإنطلاقها بصمت …
تقدم فراس لينصدم من وجود أخيه وأخته وأقربائه وأصدقائه مع غالية حيث سارع الجميع للوقوف والترحيب به مصفقين له بسعادة يهنئونه على عيد ميلاده ..
ابتسم فراس غير مصدقا وهو يتلقى التهاني عندما وصل الى غالية قائلا بعدم تصديق :-
” انتِ صاحبة هذه الفكرة …”
ردت مبتسمة :-
” كل عام وانت بألف خير يا خطيبي وزوجي المستقبل ..”
ابتسم بفرحة عندما همست غالية :-
” هيا إطفئ الشموع بعدنا تتمنى أمنية ..”
ابتسم وهو يجذبها جانبه :-
” قفي جانبي ..”
ثم أخذ يطفئ الشموع قبل أن يبارك الجميع له مجددا ويقدمون له هداياه حيث كانت أخرهم غالية التي قدمت له هديتها ليفتحها فيجد عطرا ثمينا ذو ماركة عالمية مشهورة ومعه ساعة ثمينة جدا فإبتسم يشكرها وهو يقبل يدها برقة قبل أن تطلب غالية من لوجين التقاط صورة لها معه وبعدها مع البقية ..
بعد مدة من الزمن جلس الجميع يتناولون الطعام عندما
رن هاتف فراس فحمله ونهض من مكانه معتذرا ليعود بعد مدة ويجلس جانب غالية مبتسما وهو يقول لها :-
” أشكرك حقا على هذه المفاجئة الرائعة … ”
ابتسمت دون رد ليهتف احد اصدقائه :-
” يا لك من محظوظ يا فراس .. خطيبتك أعدت كل هذا لك ..”
” إذا لم تفعل ذلك لأجلي فلمن ستفعل ..؟!”
قالها بتباهي وهو ينظر الى غالية التي قالت وهي تنظر نحو عينيه بإبتسامة سعيدة :-
” فراس يستحق هذا واكثر …”
” انت بالفعل محظوظ يا فراس …”
قالها صديقه الأخر قبل ان يمازحهما فراس لتستمر الأحاديث حتى انتهت الليلة ليهتف فراس بغالية :-
” هل متأكدة إنك لا تريدين مني توصيلك ..؟!”
ردت وهي تبتسم بخفة :-
” السائق ينتظرني في الخارج …”
” جيد لنذهب الى الكراج سويا ..”
سارا سويا حيث ركبت هي سيارتها وودعته ليركب سيارته ويجري اتصالا عندما جاءه صوته الأنثوي :-
” ماذا حدث .. ؟! ألن نحتفل بعيدميلادك سويا ..”
رد وهو يبتسم ملأ فمه :-
” انا قادم يا حلوتي .. أساسا الإحتفال لا يحلو سوى معك ..”
ضحكت برقة ليغلق الهاتف ويقود سيارته متوجها نحو شقتها عندما فتحت له الباب وهي ترتدي فستانا قصيرا جدا وعاري الأكتاف فتقدم نحوها يقبلها لكنها أبعدته وهي تردد:-
” لنحتفل بعيدميلادك أولا أم إنك إكتفيت بإحتفالك مع خطيبتك ..؟!”
رد وهو يحتضنها من خصرها :-
” صدقيني طوال السهرة وانا أفكر وأنتظر انتهاء السهرة للمجيء عندك …”
سحبته من كفه وهي تقول :-
” تعال اذا لنحتفل سويا ..”
وجدها أعدت له مفاجئة بسيطة حيث كعكة عيد الميلاد وهدية خاصة عندما أطفأ الشموع مجددا وجذبها يقبلها بشوق لتبتعد عنه وتريه هديته التي اخذها وشكرها عليها ….
جلسا سويا على الكنبة فبدأ يقترب منها وسمحت هي له بذلك عكس المرات سابقا …
بعد مدة من الزمن نهضت من جانبه وهي ترتدي روبها تغطي به جسدها العاري وهي تهتف به :-
” سأخذ حماما سريعا …”
اما هو فنهض من فوق سريره يجذب سيجارة من علبة سجائره يدخنها بشراهة حتى رن جرس الباب بعد مدة …
سمع أوليفيا تهتف من الداخل :-
” افتح الباب .. انه من المطعم المجاور .. لقد طلبت الطعام ..”
قال وهو يرتدي ملابسه :-
” لا داعي لذلك .. أساسا سأغادر الآن …”
أغلق أزرار قميصه ثم حمل سترته بعدما وضع في جيبها مفتاح سيارته وهاتفه …
اتجه خارج غرفة النوم حيث فتح الباب ليتصنم مكانه عندما رأى غالية أمامه تبتسم بهدوء …
دفعته ودلفت الى الخلف عندما التفت نحوها يتأملها وهي تدور في عينيها داخل الشقة لتتسائل :-
” أين فرحة …”
” فرحة …!!”
رددها فراس بعدم استيعاب عندما خرجت أوليفيا وهي ترتدي ملابس كاملة محتشمة لترحب بغالية :-
” عزيزتي … اهلا بك .. من الجيد إنك لم تتأخرِ …”
ابتسمت لها غالية قبل أن تلقي نظرة على ملامح فراس المصدومة ثم تنظر الى الطاولة وما عليها لتهتف بتهكم :-
” احتفالان في يوم واحد .. يا لك من محظوظ ….”
أضافت وهي تردد :-
” وهدايا ثمينة … ”
اكملت وهي ترفع الهدية التي جلبتها أوليفيا له :-
” لكنها جميعها ليست اصليه .. في الحقيقة اشتريت الأنواع غير الاصلية والرديئة ايضا …”
اكملت ضاحكة :-
” فمثلك لا يستحق سوى كل ما هو مستعمل ورديء مثله …”
” ماذا يحدث هنا ..؟!”
سألها بغضب متفاقم لتتقدم اوليفيا نحوها وتمنحها فلاش كاميرا صغير لتربت غالية على كتفها وهي تودعها لتغادر تحت انظار فراس الذي صاح ؛
” إلى أين تذهبين يا أوليفيا ..؟!”
سمع غالية تقول بصوت حاد :-
” أخبرتك إنها فرحة وليست أوليفيا ، ألا تفهم …؟!”
استدار نحوها بملامح حادة قابلتها بأخرى صلبة قوية وهي تردد :-
” والآن … اجلس يا فراس خليل ودعنا نتفاهم ….”
تأمل فلاش الكاميرا الذي تحمله في كفها لتحتقن ملامحه بقوة وقد أدرك أخيرا إنه وقع في فخها .. فح غالية الخولي ..!!
” ماذا يحدث هنا بالضبط ..؟!”
نطقها أخيرا بملامح مشدودة ونبرة ملغمة لترد ببرود بعدما جلست على الكنبة جانبها :-
” اجلس اولا ودعنا نتحدث …”
رد بصياح وقد فقد أعصابه :-
” أريد أن أفهم ماذا يحدث …؟! من تلك الفتاة ..؟! ”
ضحكت بخفة وهي تردد بتهكم :-
” انت من تسأل أيضا .. بعدما رأيتك في هذا الوضع المشين .. ما زلت تتسائل بكل وقاحة ..”
تقدم نحوها وانحنى أمامها مرددا بنبرة متوعدة :-
” أنتِ تتجاوزين حدودك معي يا غالية وهذا سيؤذيكِ كثيرا ..”
صفقت بيدها وهي تهتف :-
” برافو .. إظهر لي حقيقتك كاملة .. إخلع قناع الرقي والإحترام ولا تخفي صفاتك القذرة بكل ما فيها ..”
أضافت وعينيها تلمعان بتحدي :-
” انظر إلي جيدا .. ما حدث قبل قليل تم تصويره كاملا .. وهو موجود عندي … ليس في هذا الفلاش فقط بل على حاسوبي الشخصي في منزلي … يعني الفيديو تم حفظه عندي ولا يستطيع أي شخص أن يأخذه مني دون موافقتي …”
ابتعد عنها وعيناه تقدحان نارا لتبتسم بإنتصار وهي تأمره :-
” اجلس هيا .. اجلس ودعنا نتحدث …”
جلس على الكنبة المقابلة لها بملامح تقطر غضبا وقال :-
” قولي ما تريدنه …”
ابتسمت بهدوء وهي تهتف :-
” ذلك الفيديو .. صحيح لم أره لإن أخلاقي لا تسمح لي برؤية أشياء كهذه لكنني أعلم جيدا ما يحويه ..”
ردد متهكما :-
” كم أخلاقك رفيعة يا غالية ..؟! أخلاقك لا تسمح لك برؤية محتوى الفيديو لكنها تسمح لك بإرسال صديقتك لإغوائي لأمارس علاقة معها بل وتطلبي منها تصويري أيضا ونحن نفعل ذلك ..”
قاطعته وهي ما زالت تبتسم بهدوء :
” ليست صديقتي …”
نظر إليها بتجهم لتضيف :-
” هي مجرد فتاة من ماضيك العاصف .. ماضيك الذي يحوي نساءا لا تعد ولا تحصى ..”
” ماذا تقولين انتِ ..؟! انا رأيتها لأول مرة معك …”
قالها بحنق لتهتف موضحة :-
” أعلم .. تلك الفتاة ..”
اخذت نفسا عميقا ثم قالت :-
” تلك الفتاة اسمها فرحة .. فتاة جميلة بل رائعة الجمال وذات علاقات متعددة … ”
” هكذا إذا .. وانت طلبتي منها إغوائي ..”
ردت بثقة :-
” كان إتفاقا بيننا .. هي أرادت ذلك وسعت له بقوة وانا كنت مجرد وسيط ..”
أكملت وهي تشاهد دهشة ملامحه :-
” ألم أخبرك إنها إحدى ضحايا ماضيك العاصف ..؟!!”
” وأنا أخبرتك إنني لا أعرفها …”
قالها بغضب مخيف لتهتف ببرود :-
” لا تعرفها هي لكنكِ تعرف أقرب الناس لها .. ”
نظر إليها بحيرة لتضيف بلا مبالاة :-
” ليس مهما .. المهم هو الفيديو ..”
سأل من بين أسنانه :-
” ماذا تريدين ..؟! أخبريني … مالذي تريدنه مقابل الفيديو ..؟؟”
صمتت للحظات قبل أن تقول بهدوء :-
” الفيديو مقابل شيء واحد فقط … ستفعل ذلك الشيء والمقابل إن هذا الفيديو لن يرى النور أبدا .. لن تفعل فسوف أقوم بنشره في كافة المواقع لتصبح فضيحتك علنية وتكون حديث مجتمعنا المخملي للأبد وتخسر كل شيء ..”
قاطعها وهو ينتفض من مكانه بحدة :-
” أخبريني ماذا تريدين ولا تماطلي …”
إسترخت في جلستها وهي تردد :-
” أمر سهل جدا .. تنازل رسمي عن حضانة طفلك لوالدته … ”
” ماذا …؟! انت تمزحين ..؟!”
صاح بعدم تصديق لتنهض من مكانها وهي تقول :-
” انا لا أمزح .. كلامي واضح ولا نقاش فيه ..”
أكملت بقوة :-
” التنازل عن حضانة الطفل مقابل عدم ظهور الفيديو للعلن …”
أنهت حديثها :-
” سأمنحك فرصة للتفكير .. تصبح على خير ..”
اتجهت مغادرة المكان تاركة إياه مصعوقا من صدمة ما حدث معه وما تبعه من طلب لم يستوعبه أبدا ..!!
……………………………………………………….
كان يتأملها وهي تتناول طعامها بسكون بمساعدة الممرضة .. يبتسم لها كلما تنظر إليه بحنو بالغ ثم يعاود التفكير في قراراته القادمة …
انتهت الممرضة من إطعامها ثم أعطتها دوائها فسألها عابد بجدية :-
” يمكننا الخروج الليلة .. أليس كذلك ..؟!”
ردت الممرضة بجدية :-
” بالطبع يا بك .. لقد تأخرنا في ذلك .. نعتذر لك كان من المفترض أن يكتب لها الطبيب أمر الخروج مبكرا لكنه غادر لظرف طارئ عصر اليوم ولم يأت حتى الآن ..”
هتفت جيلان بجدية :-
” لا بأس .. يمكننا الإنتظار الى الغد ..”
قاطعتها الممرضة بسرعة :-
” كلا ، لقد إتصل بي الدكتور وقال إنه في طريقه الى المشفى…”
ابتسم لها عابد شاكرا قبل أن تغادر لتخبر جيلان عمها :-
” يمكنني الإنتظار حتى صباح الغد .. غادر انت يا عمي ..”
ابتسم مازحا :-
” هل أعجبتك المشفى أم تريدين التخلص مني ..؟!”
احمرت وجنتاها ليضيف متسائلا بجدية :-
” إذا ستعودين الى القصر ، أليس كذلك ..؟!”
قاطعه صوت هادئ لكنه بارد للغاية :-
” بل ستعود لمنزل أخيها يا عابد بك …”
التفت عابد نحو عمار الذي جاء منذ لحظات وسمع آخر ما قاله ليبتسم له عابد مرددا :-
” اهلا يا عمار .. ”
” اهلا عابد بك ..”
قالها عمار برسمية شديدة قبل أن يشير الى جيلان :-
” غريب يا جيلان .. لقد أخبرني الطبيب بعدم رغبتك في رؤيتي …”
هزت رأسها دون أن تنظر نحوه ودون رد ليضيف بضيق أخفاه بإبتسامة هادئة :-
” ولكن عابد بك يرافقك منذ الصباح ..”
استدارت نحوه تتأمله بجمود ليرد عابد بسرعة :-
” وما المشكلة في ذلك ..؟! ألستُ عمها ..؟؟”
رد عمار ببرود :-
” وأنا أخوها … وولي أمرها …”
قال عابد وهو ما زال محتفظا بهدوءه :-
” بالطبع أنت أخوها وولي أمرها وكل شيء تريده لكنني أيضا عمها ومسؤول عنها بشكل جدي …”
” إذا هل تسمح لي يا عمها بالتحدث معها على الإنفراد ..؟!”
سأله عمار بتهكم متعمد ليبتسم عابد بنفس الهدوء وهو يجيب بسلاسة :-
” بالطبع .. ”
أكمل وهو ينظر الى ملامح جيلان الجامدة :-
” انا سأنتظر في الخارج حتى تنتهي من حديثك معها .. خذ راحتك يا عمار …”
انهى كلماته وغادر الغرفة ليتابعه عمار وهو يغادر المكان كليا فيستدير نحو أخته يتأمل وجهها الصامت وعينيها اللتين تنظران نحوه بجمود فسألها وهو يتجه ويجلس قبالها على سريرها :-
” كيف أصبحتِ الآن ..؟!”
ردت بهدوء غريب :-
” بخير ..”
سألها مجددا وهو يقبض على كفها :-
” لماذا رفضت رؤيتي ..؟!”
أجابت وهي تسحب كفها من كفه :-
” لم أرغب برؤية أي أحد من الأساس ..”
تأمل كفها الذي إبتعد من بين كفه وقال :
” ولكن عمك عندك منذ الصباح ولم تمانعي وجوده ..”
ردت بعد صمت امتد للحظات :-
” ربما لإنني كنت أحتاج وجوده …”
سألها بتأنيب :-
” وماذا عني ..؟! ألا تحتاجين وجودي..؟!”
ردت وهي تنظر له بألم :-
” دائما كنت أحتاج وجودك .. منذ وفاة والدتي وأنا أحتاج وجودك ولكنك لم تكن موجود أبدا .. لا بعد وفاة ماما ولا حتى بعد وفاة بابا .. دائما كنت بعيدا …”
قاطعها بصدق :-
” ولكنني سأكون موجودا دائما من الآن فصاعدا ..”
ردت بخفوت :-
” ليس مهما بعد الآن ..”
قال بجدية :-
” ماذا يعني هذا ..؟! جيلان حبيبتي انظري الي ..”
أكمل وعيناه تتعلقان بعينيها :-
” الليلة ستخرجين من هنا .. ستغادرين معي الى شقتي … ستبقين تحت رعايتي دائما ولن أتركك لحظة واحدة بعد الآن ..”
أضاف وهو يبتسم :-
” وهناك خبر سعيد ايضا .. انا وشيرين سنتزوج .. عندما نتزوج سننتقل نحن الثلاثة للإقامة في فيلا رائعة بها حديقة واسعة وحمام سباحة ضخم وكل المرفهات .. ”
أردف بحماس :-
” وسنقيم لك غرفة خاصة للرسم تمارسين بها هوايتك .. هذه كانت فكرة شيرين إذا أردت الصراحة ..”
” شيرين فتاة طيبة ..”
قالتها بهدوء ليبتسم فتضيف :-
” مبارك لكما .. اتمنى أن تسعدها حقا …”
رد بثقة :-
” بالطبع .. سأسعد كليكما بعد الآن …”
” انا لا أريد من يسعدني بعد الآن …”
قالتها بنبرة غريبة قبل أن تضيف :-
” أنا أريد إسعاد نفسي بنفسي …”
كلماتها جعلته يشعر بعدم الراحة لكنه ابتسم مجددا وهو يربت على كتفها :-
” لا مشكلة صغيرتي .. المهم أن تكوني سعيدة …”
ردت بنفس النبرة :-
” سأكون سعيدة عندما يبتعد جميع من آلمني وتسبب بآذيتي عني ….”
قال بثقة :-
” هذا سيحدث بالطبع .. لن أسمح لأي شخص أن يقترب منك بعد الآن وذلك المدعو مهند سيطلقك حالا … ”
ردت بخفوت وكأنها لم تسمعه :-
” لا أريد أي شخص آذاني مهما كان …”
هم بالتحدث لكن صوت طرقات على باب غرفتها يتبعه دخول الطبيب مبتسما ومعه عابد ليبادر الطبيب بالقول :-
” كيف حالك يا جيلان .. طمأنيني عنك ..”
ردت بخفوت :-
” انا بخير …”
هتف الطبيب وهو ما زال مبتسما :-
” جيد عزيزتي .. لقد منحتك أمر الخروج من المشفى فأنت بصحة جيدة ولا داعي لبقائك هنا اكثر ..”
أضاف وهو يشير الى عمار :-
” لكن لا تنسى أمر العلاج النفسي الذي تحدثنا عنه ..”
رد عمار بجدية :-
” لقد وجدت طبيبة بالفعل وستباشر عملها خلال يومين ..”
” جيد ، إذا سأطلب من الممرضة تجهيز جيلان للمغادرة …”
ودع الطبيب جيلان ثم غادر ليهتف عمار بعابد :-
” يمكنك أنت أيضا المغادرة يا بك .. ”
رد عابد بجدية:-
” سأغادر مع جيلان الى القصر ..”
” جيلان ستغادر المشفى وتستقر معي في شقتي ..”
قالها عمار بتحدي ليهتف عابد بهدوء :-
” اذا كانت تريد ذلك فلن أمانع بالطبع .. ما يهمني هو راحتها .. في شقتك او في القصر عندي او أي مكان تريده جيلان .. المهم أن تكون مرتاحة ولكن عليها أن تعلم إن قصر العائلة مفتوح لها دائما وأبدا والجميع هناك تحت آمرها …”
أكمل وهو يشير الى جيلان :-
” القرار لك عزيزتي .. إختاري المكان الذي تريدنه ونحن معك ….”
نظرت جيلان الى عمار الذي قال بثقة :-
” أخبرتك يا عابد بك إنها ستغادر معي …”
ما إن أنهى كلماته حتى سمع جيلان تهتف بجدية صعقته :-
” انا سأذهب معك يا عمي ..”
…………………………………………………………..
اغلقت زهرة الهاتف ثم قالت وهي تنظر الى ابنائها وهمسة الذين يجلسون جميعا في صالة الجلوس :-
” سيأتي مع جيلان بعد قليل .. ”
تأهبت ملامح الجميع بإستثناء راغب الذي أشار لمهند بحزم :-
” أخبر تقى ألا تخرج من جناحها الليلة مهما حدث …”
رد مهند بضيق :-
” أخبرها أنت بذلك .. ألست أنت من سمح لها بالإقامة هنا ..؟!”
صاحت زهرة بحدة :-
” يكفي أنتما الإثنان .. والدكم سيأتي بعد قليل ومعه جيلان وهو لا يعلم بوجود تقى من الأساس .. ”
أضافت بقلق :-
” لا أعرف كيف سأخبره بوجودها بل وسبب وجودها والأهم ما موقف تلك المسكينة التي معه …”
زفر مهند أنفاسه مرددا :-
” والله هذه مسؤولية من سمح لها بالإقامة …”
رد راغب بغضب مكتوم :-
” أنت لم تستوعب بعد .. الهانم تحمل طفلك … ماذا يمكنني أن أفعل ..؟!”
رد مهند وهو يلتفت نحوه بعصبية :-
” كان عليك أن تتركني انا أتصرف معها .. ”
قاطعه راغب بتهكم :-
” كي تتسبب لنا بفضيحة أكبر من هذه ، أليس كذلك ..؟!”
صاحت زهرة مجددا بصوت اعلى:-
” يكفي حقا .. بدلا من التفكير في كيفية التصرف وإخبار والدكما تتشاجران كالأطفال ..”
قال راجي بجدية :-
” سنخبره يا ماما .. لا حل آخر أمامنا … ”
أضاف وهو يشير الى مهند :-
” مهند انت ستذهب الى جناحك وتبقى فيه .. لا يجب أن تراك جيلان الآن وكذلك بالنسبة لتقى فلا يجب أن يراها والدي الآن ..”
نهض مهند من مكانه مرددا بلا مبالاة :-
” بالنسبة لي هذا افضل شيء ..”
اندفع خارجا من المكان ليهتف راغب :-
” بالطبع أفضل شيء .. اساسا أفضل شيء يفعله هو الهروب …الهروب لا غير ..”
” دعك منه الآن .. ألا ترى إن ما فعلته غريب يا راغب …؟!”
سأله فيصل بجدية ليرد راغب بقوة :-
” ماذا كنت ستفعل لو كنت مكاني ..؟! الفتاة أتت بكل وقاحة وأخبرتني إنها حامل دون ذرة خجل .. هل كنت تريد مني أن أطردها …؟! أو أهددها ..؟! بإمكاني فعل ذلك لكن تصور ما يمكن أن تقوم به فتاة مثل هذا لو تصرفت معها بهذه الطريقة .. كانت ستفضحنا في كل مكان دون تردد ..”
أضاف يخبرهم :
” انتم لم تفهموا بعد إن تلك الفتاة لا يهمها شيء حتى سمعتها .. فتاة تفعل أي شيء بلا مبالاة .. ”
” جيد جدا .. تقول هذا وتجلبها هنا لتعيش معنا .. مع أختك وزوجتك … ”
قالتها زهرة بسخرية ليرد راغب بجدية :-
” يجب أن تبقى أمامنا …”
قال راجي وهو ينهص من مكانه :-
” أبي وصل .. سمعت صوت سيارته تدلف الى القصر ..”
نهض الجميع متأهبين عندما تقدمت زهرة في البداية يتبعها الجميع متجهين نحو باب القصر لإستقبال عابد وجيلان ..
فتحت زهرة الباب وهي تصطنع الإبتسامة رغم خوفها وتوترها فترحب بهما :-
” اهلا وسهلا ..”
ثم سارعت تحتضن جيلان وهي تقول :
” الحمد لله على سلامتك حبيبتي ..”
شكرتها جيلان بخفوت ليسارع الجميع لتحيتها والترحيب بها بينما انتبه راغب الى عمار الذي كان يتبعهم بملامح جامدة لا تخلو من النفور ليرحب به على مضض وتبعته زهرة ترحب به عندما سأل عابد بجدية :-
” اين مهند ..؟؟”
توترت ملامح الجميع ليجيب راغب :
” في جناحه …”
نادى عابد على الخادمة بأعلى صوت لتأتي فيخبرها :-
” أخبري مهند بك إننا ننتظره في مكتبي …”
ثم جذب جيلان ناحيته مشيرا الى راغب :
” سندخل انا وانت ومعنا عمار وجيلان الى المكتب ..”
أكمل مشيرا للبقية :-
” يمكنكم الذهاب الى صالة الجلوس فهناك أمور يجب إنهائها …”
تبادلت زهرة النظرات القلقة مع همسة قبل أن تجذبها توليب وتدفعها أمامها يتبعها البقية ليطلب عابد من عمار السير أمامه نحوه مكتبه ثم راغب ليسير خلفهما وهو يقبض على كف جيلان حيث تسير جانبه …
دخل عابد الى المكتب ليشير الى عمار وراغب في الجلوس على الكرسيين المجاوريين لمكتبه بينما جلس هو على كرسي المكتب الرئيسي وأشار لجيلان أن تجلس على الكنبة الجانبية …
لحظات قليلة ودلف مهند بملامح جامدة ليتفاجئ بوجود عمار وجيلان ..
نظر الى جيلان لا إراديا لتخفض وجهها أرضا فيشيح وجهه معاودا النظر نحو والده الذي قال أخيرا :-
” إذا اجتمعنا نحن الخمسة … وحان وقت التحدث ..”
تأمل وجه راغب وعمار وكذلك مهند ثم أخيرا جيلان ليمنحها إبتسامة مشجعة ثم يقول :-
” إذا هناك قرارات تخص جيلان .. قرارات إتخذتها ويجب أن يعلمها جميعكم .. طبعا هذا القرارات لن يتم تنفيذها إلا بعد أخذ موافقة جيلان .. موافقتها هي ما تهمني أما موافقتكم من عدمها فلن تؤثر في قراري ..”
كز عمار على أسنانه بصمت بينما أكمل عابد :-
” مبدئيا جيلان ستبقى في القصر بناء على طلبها .. أساسا هي لها في القصر مثل الجميع فهذا القصر هو قصر أجدادها ووالدها وقصر كل شخص ينتمي لهذه العائلة ..”
ظهر الملل على ملامح عمار بينما أضاف عابد بنفس الهدوء :-
” بخصوص جيلان هناك أشياء يتم مناقشتها بل وحسمها في هذه الجلسة وبوجود أخيها والذي يعتبر المسؤول الأول عنها ..”
منحه عمار نظرات متهكمة تجاهلها عابد وهو ينهض من مكانه ويقول بعدما استند بكفيه على سطح مكتبه :-
” لكن من هذه اللحظة .. جيلان ستكون صاحبة القرار الأول والأخير في حياتها وأنا وعمار فواجبنا هو رعايتها والإهتمام بها وتقديم كامل الدعم والمساندة لها دون إجبارها على أي شيء أو تسيير حياتها بشكل لا تريده …”
أكمل موضحا اكثر :
” يعني جيلان هي سيدة قرارها وانا وعمار فقط المسؤولان عنها حتى تبلغ سن الرشد على ألا تتقاطع مسؤوليتنا بقراراتها طالما لا تفعل شيئا يسيء لها أو يؤذيها …”
” يعني انت تقول لا داعي لوجودنا انا وراغب …”
قالها مهند بسخرية ليرد عابد ببرود :-
” ليس تماما … وجودك ضروري حاليا كون ما زال هناك رابط يجمعكما ووجود راغب كذلك كونه سبب حدوث ذلك الرابط ..”
أضاف بقوة :-
” لذا أول شيء سنفعله هو إنهاء هذا الرابط تماما .. وبعدها ستكون انت وأخيك خارج هذه الدائرة ولن يكون لأي منكما دخلا بأي شيء يخص جيلان …”
” ماذا تقصد يا أبي ..؟!”
سأله راغب بتجهم ليجيب عابد وهو ينظر الى مهند :-
” مهند سيطلق جيلان .. هذه الزيجة ستنتهي .. وجيلان ستصبح حرة من قيد أخيك …”
تقابلت نظرات مهند مع والده فيهتف راغب بجدية :-
” اسمح لي يا أبي ولكن هذه الزيجة لصالح جيلان قبل الجميع ..”
قاطعه عابد بحدة :-
” انت لن تعرف مصلحة ابنة أخي أكثر مني ..”
أكمل وهو ينظر الى عمار :-
” أعلم سبب هذه الزيجة والدافع ورائها .. لا تظنان إن شيء كهذا قد يغيب عن علمي .. انا أعلم كل شيء منذ أول يوم ولكنني قررت الصمت وترك الأمور لكما وليتني لم أفعل .. ”
أكمل وهو يشير الى جيلان بيده :-
” تعالي جانبي يا جيلان …”
نهضت جيلان من مكانها وتقدمت نحوه بتوتر فسألها وهو ينظر لها بدعم :-
” أخبريني يا ابنتي … هل تريدين الطلاق من مهند أم الإستمرار معه ..؟!”
تأهبت ملامح جيلان للحظات بينما أخذ ينظر لها مهند بملامح باردة اما راغب فقد كسا الضيق ملامحه وعمار كان ينتظر بفارغ الصبر سماع موافقة أخته ..
ردت جيلان بعد لحظات بصوت خافت لكنه مسموع :-
” نعم أريد .. ”
قال عابد بحزم :-
” ارفعي صوتك وقولي قرارك وماذا تريدين ..؟!”
نظرت الى عيني أخيها المشجعتين ثم الى وجه مهند الذي يتأملها ببرود وصمت فردت بقوة تظهر لأول مرة على ملامحها وصوتها وقد تقابلت عينيها الخضراوين مع زرقة عينيه :-
” أريد الطلاق يا عمي …”
ربت عابد على كتفها بينما ابتسم عمار بفخر قبل النظر الى راغب الذي ظهر عدم الرضا بوضوح على ملامحه ليبتسم له بإنتصار واضح عندما قال عابد مشيرا الى مهند :-
” طلقها …”
نظر مهند الى راغب بشكل لا إرادي قبل أن يعاود النظر إلى أبيه قائلا :-
” انت تعلم جيدا إن زواجي منها لم يكن بكامل إرادتي .. وبالتالي فتطليقي لها سيكون أفضل شيء قدمته لي …”
منحه عمار نظرات متوعدة بينما قال مهند وهو ينظر الى جيلان بملامحها الهادئة كليا :-
“انت طالق يا جيلان …”
تنهدت جيلان براحة وقد شعرت بالحرية أخيرا بينما هتف مهند براغب :-
” انت بالطبع من سيدفع جميع حقوقها من مؤخر طلاق ونفقة ..”
رمقه راغب بنظرات حادة فأشار عابد لمهند :-
” يمكنك المغادرة يا مهند .. فعملك معنا انتهى ..”
ابتسم مهند بسخرية قبل ان يتجه خارج المكان ليشير عابد الى راغب :-
” مؤخر صداق جيلان ستدفعه انت من حسابك الشخصي وكذلك نفقتها .. سيتم إيداع هذه الأموال في حسابها الشخصي …”
اكمل بعدها :-
” والآن هناك قرار آخر …”
صمت للحظات ثم قال بنبرة آمرة:-
” شركة عمك سوف تسجلها بإسم جيلان يا راغب .. ”
هتف راغب معترضا :-
” ولكن هذه الشركة إشتريتها بعدما دفعت حقها كاملا ..”
أشار عابد الى عمار :-
” إذا أرادت أختك إستعادة الشركة فهل ستوافق على ذلك وتعيد المبلغ لراغب ..؟!”
رد عمار وهو يتأمل راغب بإستهزاء :-
” سأمنحه الضعف إذا أراد ..”
احتقنت ملامح راغب بغضب فهذه الشركة مهمة جدا بالنسبة له بينما نظر عابد الى جيلان يسألها :-
” القرار لك يا ابنتي .. هل تريدين إستعادة شركة والدك أم تتركيها كما هي بإسم راغب بعدما قام راغب بشرائها رسميا ..؟! إذا أردت إستعادتها فسوف يتنازل راغب عن الشركة لك مجددا وسيأخذ ما دفعه من أموال مقابلا لذلك …”
ظهر التوتر على ملامح جيلان فنظر لها راغب بتأمل أن ترفض اما عمار فكان ينتظر سماع رغبتها في إستعادة الشركة بلهفة لتنطق أخيرا :-
” احسنت يا صغيرتي .. انت أحق شخص بأملاك والدك ..”
أضاف بصوت آمر :-
” عمار وراغب انظرا إلي .. انت يا عمار ستجهز الأموال وانت يا راغب ستجهز اوراق التنازل .. أريد تنفيذ هذا الأمر خلال أيام كي تعود الشركة لجيلان كما كانت ..”
أكمل وهو ينظر الى جيلان :-
” كونك ما زلت قاصر فيجب أن تختاري الشخص الذي يدير أملاكك حتى تكبري وتبلغي السن القانوني الذي يسمح لك بإدارة أموالك وأملاكك كافة .. والدك إختار أخوك لذلك وهو بالطبع أفضل شخص لإدارة أموالك وحمايتها لكن مع هذا يجب أن أسألك طالما ما زالت الشركة بإسم راغب .. هل تريدين أن يبقى أخيك الوصي على أملاكك وأموالك حتى تبلغي السن القانوني ..؟!”
تلاقت عينا جيلان بعيني أخيها التي ابتسم لها مشجعا لتنظر الى عمها مجددا فتهتف بصوت هادئ لكنه جاد :-
” كلا يا عمي .. لا أريذ عمار وصيا علي .. أريدك أنت الوصي على أملاكي ..”
حلت الصدمة على ملامح عمار الذي لم يستوعب ما قالته أخته ولم تكن صدمة عابد أقل فآخر ما توقعه أن تعترض جيلان وترفض وصاية عمار عليها ..
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سارة علي
في صباح اليوم التالي، كانت تجلس على طاولة الإفطار ترتشف قهوتها بصمت تام. لم تنم طوال الليل وعقلها يفكر في ردة فعل زوجها عندما يعلم بما حدث البارحة في غيابه ووجود تلك الفتاة في القصر.
عقلها كان لا يكف عن التفكير طوال الليل بعدما غادرت المكان حيث جناحها لتنفرد به تمامًا. فيأتي زوجها ويخبرها بما حدث وطلاق جيلان ومهند. الذي كان المفترض أن يسعدها، فالفتاة حقًا بريئة ولا تستحق هذه الزيجة. لكن ما حدث قبلها لم يسمح لها بالتفكير بأي شيء سوى بردة فعل زوجها بعدما يعلم ما حدث. ألا يكفي إن تلك الفتاة ستصبح زوجة ابنها بل وستنجب حفيدا لهم؟
لا تعلم كيف يمكنها أن تتقبل هذا، بل كيف سيتقبل زوجها هذا؟
أفاقت من أفكارها على صوت توليب وهي تلقي تحية الصباح قبل أن تجلس في مكانها، يتبعها فيصل الذي تساءل:
” أين البقية؟ ألم يستيقظوا بعد؟”
” والدك تركته نائمًا فقد عاد متأخرًا جدًا البارحة. راغب وهمسة لم يستيقظا بعد. راجي غادر فجر اليوم فلديه مناوبة. ومهند لا أعلم عنه شيئًا.”
هتفت توليب بصوت مرهق:
” أساسًا أنا أشعر بالتعب حقًا. لم أنم سوى ساعات قليلة ولولا إنه لدي موعد هام ما كنت لأستيقظ أبدًا.”
” جميعنا لم ننم حتى الفجر.”
قالها فيصل بجدية، لتسأله توليب:
” ولماذا استيقظت إذا؟”
” لدي موعد مع أصدقائي.”
منحته توليب نظرة ذات مغزى، تجاهلها وهو يشير إلى الخادمة أن تصب له القهوة.
تقدم بعد لحظات راغب ملقيًا تحية الصباح ليجلس في مكانه على الطرف الأيسر جانب كرسي أبيه، مقابلًا لكرسي والدته. لتسأله والدته باهتمام:
” همسة لم تستيقظ بعد، أليس كذلك؟”
رد راغب بجدية:
” تركتها نائمة. تعلمين البارحة لم ننم حتى وقت متأخر.”
رمقته بنظراتها وهي تتساءل بخفوت:
” ماذا ستفعل الآن؟”
تبادل راغب النظرات معها ورد بعدما أطلق تنهيدة طويلة:
” سأتحدث مع والدي بعد الفطور.”
” أنا لا أريد تلك الفتاة هنا يا راغب.”
قالها زهرة بصرامة، ليرد راغب بجدية:
” تحمليها يا أمي. جميعنا مجبورون على ذلك.”
سأل فيصل بتردد:
” هل هي حقًا حامل من مهند؟ يعني ألا يمكن أن تكون كاذبة؟”
رد راغب ببرود:
” شيء كهذا لا يمكن الكذب فيه يا فيصل. هي ليست غبية أبدًا لتكذب بشيء كهذا.”
هتفت زهرة بملامح عصبية:
” يعني ماذا؟ ستتزوج أخيك وتنجب طفلاً منه أيضًا؟ يا إلهي لا أصدق. والله سأصاب بالجنون. لا يمكنني تحمل هذا.”
” ماما اهدئي.”
قالتها توليب محاولة تهدئتها، لتهتف زهرة بانفعال:
” كيف سأهدأ وتلك الفتاة ستصبح فردًا من عائلتنا بل وتنجب حفيدًا لنا؟ فتاة كهذه كيف يمكن أن تنتمي لنا؟”
قال فيصل بسرعة:
” لقد جاء أبي. لا تتحدثي الآن من فضلك.”
صمتت زهرة على مضض وهي تسحب فنجانها وترتشف منه مجددًا. بينما دلفت عابد ملقيًا تحية الصباح، متأملًا ملامح زوجته المتشنجة. جلس باسترخاء على مقعده وأشار للخادمة أن تصب له القهوة، قبل أن يصرفها ويبدأ في ارتشاف قهوته.
لحظات قليلة وأشار إلى راغب يتساءل:
” أين مهند يا راغب؟”
رد راغب وهو ينظر إلى والدته:
” لا أعلم. في جناحه بالتأكيد.”
هتف عابد ببرود قبل أن يرتشف من قهوته مجددًا:
” مع تلك الفتاة، أليس كذلك؟”
تطلع كلا من توليب وفيصل بدهشة، بينما سيطر الجمود على ملامح راغب. أما زهرة فتأملته بعدم استيعاب، ليبتسم مرددًا بتهكم:
” أزيلوا تلك الدهشة عن وجوهكم. ألم تتعلموا بعد ألا يوجد شيء يمكن إخفاؤه عني؟”
” جيد إنك تعلم. لقد وفرت علي الكثير.”
قالها راغب بجدية، لتهتف زهرة بتجهم:
” بما إنك تعلم يا عابد، فدعني أتحدث بصراحة إذا. تلك الفتاة لا مكان لها هنا. أنا لا يمكنني تقبل فتاة مثلها في القصر.”
رد عابد بجدية:
” تلك الفتاة تحمل حفيدك.”
” أساسًا هذا يثير جنوني أكثر.”
قالتها زهرة بغضب، ليقول عابد بهدوء مريب:
” كل شيء سيتم حله، لا تقلقي.”
سألته زهرة بعدم اقتناع:
” كيف يعني؟ ماذا ستفعل بتلك الفتاة والطفل الذي تحمله؟”
رد عابد بغموض:
” سأفعل ما يتطلبه المنطق. أنت فقط اطمئني. طوال حياتي لم أسمح لأحد أن يسيء لسمعة العائلة ولن أسمح بذلك مهما حدث. في النهاية لن تأتي فتاة كهذه لا تساوي شيئًا وتدمر ما بنيته لسنوات.”
ضغطت زهرة على شفتيها بقوة، بينما أشار عابد لهم وهو ينهض من مكانه:
” لا تتدخلوا في هذا الأمر. تلك الفتاة ستبقى حاليًا هنا. لا تتسببوا في مشاكل معها نحن في غنى عنها. اتركوا الأمر لي وتصرفوا بشكل طبيعي.”
أكمل وهو يشير إلى راغب:
” سأنتظرك في مكتبي لنغادر سويا إلى الشركة. هناك أمور كثيرة يجب أن نتحدث بها.”
نهض راغب من مكانه قائلًا بسرعة:
” انتهيت من فطوري أساسًا. لنغادر الآن.”
تحرك عابد خارج المكان يتبعه راغب، ترافقهما نظرات زهرة غير الراضية أبدًا عما يحدث.
***
تقدمت نحو طاولة الإفطار لتجد والدها يترأس الطاولة وبجواره أختها، بينما والدتها ليست موجودة.
قالتها مبتسمة وهي تسحب كرسيًا لها على الجانب الآخر بجانب والدها، ليرد كلاهما تحيتها عندما تساءلت:
” ألم تستيقظ ماما بعد؟”
رد أحمد بجدية:
” أظن إنها تتعمد عدم الاستيقاظ.”
سألت مريم باستغراب:
” لماذا؟ هل حدث شيء ما؟”
رد والدها بخفوت:
” اختلاف في الآراء ليس إلا.”
نظرت مريم نحو أختها بتساؤل، فأوضحت ليلى باختصار:
” الأمر يخص سهام وما فعلته. يعني بابا لديه وجهة نظر وماما لديها وجهة نظر مختلفة تمامًا.”
سألت مريم والدها:
” وما هي وجهة نظرك يا بابا؟”
رد أحمد بجدية:
” أنا طلقت سهام وهي أصبحت خارج حياتي. وبما إنها تخلت عن طفلها، فسيقى ابني معي ولن أقبل أن تساومني على استعادة الطفل مقابل أي شيء كان.”
” هذا أفضل قرار يمكن اتخاذه تجاه واحدة مثلها.”
قالتها مريم بتأكيد، لترد ليلى بهدوء:
” في خضم كل هذا، لا تنسوا إن هناك طفلًا يحتاج والدته وطفلًا آخر سيأتي بعد عدة أشهر. الأمر لا يتوقف عند سهام فقط، بل هناك طفلين في الوسط يجب التفكير بهما جيدًا قبل أي خطوة نتخذها.”
ردت مريم ببرود:
” على أساس إنها تهتم حقًا لأمر طفليها. لو كانت تهتم ما كانت لتترك طفلها مهما حدث.”
قالت ليلى بجدية:
” لا أحد يعلم كيف تفكر، ولكن من الخطأ أن نستعجل في اتخاذ قرارات قد تضر أشخاصًا لا ذنب لهم فيما يحدث.”
تجهمت ملامح مريم، بينما قال أحمد بهدوء:
” لا تقلقي من هذه الناحية يا ليلى. لن أفعل ذلك أبدًا. من الآن فصاعدًا، لن أقوم بأي تصرف يؤذيكِ أنتِ أو أخوانك. الجميع سيكون بخير، وتأكدي إن قراري في وضع سهام وعبد الرحمن والطفل القادم سيكون لصالح الجميع.”
ابتسمت له بصمت عندما رن هاتفها باسمه، فنظرت إلى الشاشة قبل أن تنهض من مكانها قائلة:
” يجب أن أغادر الآن.”
هتف والدها يتساءل:
” ألن تتناولي فطورك أولًا؟”
” سأتناوله في الخارج وأذهب بعدها إلى الشركة.”
تحركت نحو الخارج بعدما ودعتهما، لتجده في انتظارها. لتتقدم نحوه مبتسمة بهدوء، لتلقي التحية عليه، فيسألها:
” هل أنتِ جاهزة للمغادرة؟”
هزت رأسها وهي تجيب:
” نعم جاهزة.”
هتف وهو يشير نحو سيارته:
” لقد غيرت رأيي. سأتبعك بسيارتي لإن علي الذهاب إلى الشركة بعدها.”
” سأوصلك إلى الشركة إذا.”
قاطعته مبتسمة، فيسألها:
” وماذا بعدما أنهي عملي؟ لأذهب بسيارتي أفضل.”
قال مستسلمًا:
” حسنًا كما تريدين.”
قالت وهي تخرج هاتفها من حقيبتها:
” سأرسل لك موقع المطعم، وأعتذر حقًا لإنني جلبتك إلى هنا بدلًا من ذهابك إلى المطعم مباشرة، لكنني قررت فجأة وقبل قليل الذهاب إلى الشركة.”
” لا عليك يا ليلى.”
قالها مبتسمًا، لتبادله ابتسامته وهي ترسل له الموقع، قبل أن تتجه نحو سيارتها، بينما يركب هو سيارته وينتظر تحرك سيارتها كي يتحرك بسيارته هو الآخر.
بعد حوالي نصف ساعة، جلست ليلى على الكرسي المقابل له. ليتقدم النادل نحوهما ويضع أمامهما قائمة الطعام.
قالت ليلى بسرعة:
” هنا يعدون فطور تركي رائع. يمكننا تجربته.”
رد بنفس الابتسامة:
” لنجربه إذا.”
أشارت ليلى إلى النادل، فتقدم نحوها لتطلب منه أن يعد مائدة الفطور التركي التي اعتادت على تناولها هنا.
غادر النادل، لتنظر نحو زاهر مجددًا وتقول:
” أشكرك جدًا لإنك لبيت دعوتي على الفطور.”
ابتسم مرددًا بجدية:
” وأنا بدوري أشكرك على الدعوة.”
أكمل يتساءل:
” ولكن بالتأكيد هناك شيء ما خلف هذه الدعوة.”
ظهر التردد على ملامحها، فسألها مجددًا:
” ماذا هناك يا ليلى؟ هل هناك مشكلة ما؟ أخبريني.”
ردت ليلى بسرعة:
” أبدًا، ليست هناك أي مشكلة. أريد التحدث معك قليلًا، ولكن دعنا ننتهي من تناول الطعام أولًا.”
” حسنًا.. كما تحبين.”
قالها بجدية، لتبتسم له بامتنان، ليأتي النادل بعد لحظات ويبدأ في إعداد المائدة.
انتهى النادل من تجهيز المائدة، ليهتف زاهر بإعجاب:
” المائدة منظرها رائع والطعام يبدو شهيًا للغاية.”
قالت ليلى مؤكدة حديثه:
” نعم جدًا. تناوله هيا وأعطني رأيك.”
بدأ كلاهما يتناول الطعام، حيث بعض أنواع الأكلات التركية الخاصة بوجبة الفطور. فوجد زاهر الطعام لذيذًا حقًا.
تأمل زاهر ليلى وهي تضع قطعة صغيرة من الخبز في ذلك الطبق الذي يحوي على ما يبدو شيئًا أصفر لا يعلم طبيعته، لكنه يبدو شهيًا. خاصة عندما حملت ليلى القطعة بشوكتها بعدما ذابت كليًا في الكتلة الصفراء، لترفعها بتأني، فترتفع معها الآكلة الذائبة التي لا يعرف مكوناتها بعد. فتسارع ليلى لقطع لقمتها وتناولها بتلذذ.
مضغت ليلى لقمتها، ثم قالت وهي تشير له:
” تذوقها. إنها لذيذة للغاية.”
أكملت وهي تكرر نفس الفعل مجددًا، لكن وضعت اللقمة في طبقه هذه المرة:
” تناولها وأعطني رأيك.”
ابتسم وهو يتناولها بالفعل، ليشعر بطعم الجبن قليلًا مع الزبد، ولكنه لم يشعر بنفس اللذة التي كانت تبدو عليها. فظهر ذلك على وجهه، لتسأله بإحباط:
” ألم تعجبك؟”
رد بسرعة وهو يمسح فمه بالمنديل:
” ليس تمامًا. طعمها عادي. يعني لا بأس بها.”
” هل هي أكلة مشهورة؟”
” مشهورة جدًا، وخاصة في منطقة الشمال التركي. اسمها موهلاما.”
ضحكت وهي تردد:
” نعم، اسم غريب قليلًا، ولديها اسم آخر كويماك.”
ابتسم مرددًا وهو يرفع بيالة الشاي:
” اسمها غريب حقًا.”
أضاف بعدما ارتشاف القليل من الشاي:
” ولكن يبدو إنك تحبينها كثيرًا.”
” كثيرًا. إنها أكلتي المفضلة. في الحقيقة، أنا أحب الطعام التركي عمومًا.”
” ربما لإن أصولك تركية.”
ضحكت قائلة بجدية:
” من قال هذا؟”
” سمعت أبي يقول هذا ذات مرة. عمي أحمد لديه أصول تركية.”
” أظن هذا الكلام غير صحيح. البعض يقول إن أصول عائلتنا تعود إلى تركيا، وإن أجدادنا كانوا أتراك وأمور كهذه، لكن لا يوجد شيء مؤكد.”
” عندما أنظر إلى عائلتكم، يزداد شكوكي بشأن هذا.”
ضحكت تتساءل بخفة:
” وما بهم عائلتي؟”
” يعني الشقار المنتشر في عائلتكم. ليس في عائلتك فقط، بل أغلب أفراد عائلة أبيك. حتى الغير شقر يمتلكون بياضًا ناصعًا.”
أومأت برأسها موافقة:
” نعم. البشرة البيضاء والشعر الأشقر والعيون الملونة صفة مكتسبة في جميع أفراد عائلة سليمان.”
هتف بنبرة ذات مغزى:
” والعيون العسلية أيضًا.”
ابتسمت تتساءل بخفة:
” وما بها العيون العسلية؟”
” جذابة جدًا جدًا، وحلوة جدًا جدًا كالعسل تمامًا.”
توردت وجنتاها، فكحت بخفة وهي تحمل بيالة الشاي خاصتها ترتشف منها. فقرر أن يغير الموضوع ليتحدث في أمور مختلفة، فتبادلت الأحاديث معه، حيث تحدثا في الكثير من الأمور وغرقا في الضحك عدة مرات، حتى تناست ليلى سبب دعوته على الفطور وما أرادت قوله.
***
جلست هايدي بجانب أختها تتأمل شرودها المستمر، فتهتف بجدية:
” حسنًا يا نانسي. لقد جاء الطعام. هيا لنتناوله.”
التفتت نانسي نحوها بعدما أفاقت من شرودها وقالت:
” هايدي اتصلي بعمي. أريد أن يخبرني بقراره.”
قالت هايدي بجدية:
” انتظري قليلًا. هو سيخبرنا بنفسه، وعمي بالطبع سيوافق لإنه لا يمكن أن يقف ضد رغبتك.”
أضافت بجدية:
” ولكن المهم أنت. عليك أن تتخذي قرارًا سريعًا بشأن الطفلين.”
نظرت نانسي لها للحظات، ثم سألتها:
” لو كنتِ مكاني، ماذا ستفعلين؟”
نهضت هايدي من مكانها وأجابت بعدما عقدت ذراعيها أمام صدرها:
” كنت سأجهض بالطبع. لكن هذا لا يعني أن تفعلي مثلي. أنتِ تختلفين عني يا نانسي. شخصيتك تختلف عن شخصيتي. نعم، أنا كنت أشجعك على الإجهاض، لكن عندما فكرت، وجدت إنه من الأفضل أن تحددي قرارك بنفسك، ولهذا توقفت عن محاولة إقناعك بالتخلص من الحمل. أنا فقط لا أريدك أن تتخذي قرارًا تندمين عليه. عليك أن تتذكري دائمًا إن هناك مسؤولية طفلين ستتعلق بكِ إذا لم تجهضي. عليك أن تتأكدي من مقدرتك على تحمل مسؤوليتهما حتى لو رفض والدهما تحمل المسؤولية معك. إذا وجدتِ نفسكِ قادرة على هذا، فاحتفظي بهما، ولكن في المقابل إذا كنتِ لستِ متأكدة من ذلك، فلا تنجبي طفلين وتتسببين في تعاستهما طوال حياتهما بسبب عدم قدرتك على رعايتهما جيدًا وتحمل مسؤوليتهما كاملة.”
همست بتردد:
” ربما علي أن أسأل صلاح؟!”
قالت هايدي بجدية:
” برأيي هذا سيكون أفضل. يجب أن يكون لديه علم بهذا.”
نهضت نانسي من مكانها تهتف بقلق:
” وماذا لو رفض؟”
قالت هايدي بسرعة:
” غالبًا سيرفض وسيطلب منك إجهاضهما.”
تساءلت نانسي بفزع:
” وهل سيجبرني على الإجهاض؟”
ردت هايدي بجدية:
” توقعي منه أي شيء.”
ظهر التوتر على ملامح نانسي، فتساءلت هايدي وهي تقترب منها وتقبض على كفيها:
” هل تريدين الطفلين يا نانسي؟ هل تريدين الاحتفاظ بهما؟”
ابتلعت نانسي ريقها وهتفت بتحشرج:
” لا أعلم.. ولكن فكرة قتلهما وهما داخل رحمي تفزعني.”
أكملت بعينين محتقنتين:
” الأمر ليس سهلًا، بل هو أصعب ما يكون.”
أضافت بصوت مبحوح:
” أشعر إنني لن أسامح نفسي أبدًا إذا قتلتهما. وفي نفس الوقت أخاف أن أندم فيما بعد على إنجابهما. سأموت يا هايدي. تعبت حقًا. تعبت من وضعي هذا وعجزي عن اتخاذ قرار.”
احتضنتها هايدي تردد برفق:
” حسنًا يا نانسي. تمهلي قليلًا. ما زال أمامك بضعة أيام.”
أردفت وهي تنظر إلى عينيها بقوة:
” يمكنك الاحتفاظ بهما إذا تأكدتِ من رغبتكِ بذلك.”
سألها نانسي بتردد:
” وماذا عن صلاح؟”
أجابت هايدي بسرعة:
” ليس مهمًا قراره. أنتِ تتوقعين أن يرفض الطفلين. لا نريد منه شيئًا سوى اسمه فقط.”
أضافت بتهمل:
” ولكن عليكِ أن تكوني مستعدة لمستقبلك مع طفلين دون وجود أب يهتم بهما. يعني ستكونين أنتِ الأب والأم حينها.”
تساءلت نانسي بألم:
” ألا يمكن أن يقبل بوجودهما؟ يعني يكون أبًا لهما. في النهاية هما من صلبه. ابنيه. يعني من غير المعقول أن يرفضهما. أليس كذلك يا هايدي؟”
هزت هايدي رأسها دون رد، لتأخذ نانسي نفسًا ثم تهتف بها:
” اتصلي بعمي يا هايدي من فضلك.”
” حسنًا. سأتصل به لأعرف قراره، ثم تتناولين الطعام بعدها.”
هزت نانسي رأسها وهي تقول بترجي:
” فقط اتصلي به.”
***
حمل أشرف هاتفه فوجد هايدي تتصل به، ليجيبها مرحبًا بها قبل أن يقول:
” كنت سأتصل بك اليوم يا هايدي.”
هتفت هايدي بسرعة:
” حقًا يا عمي؟”
رد أشرف بجدية:
” نعم، كنت سأخبرك إنني وافقت على طلب صلاح بالزواج من أختك، وسأبلغه هو أيضًا موافقتي اليوم.”
هتفت هايدي بفرحة بالغة:
” حقًا؟ شكرًا كثيرًا يا عمي.”
رد أشرف مبتسمًا:
” على ماذا يا ابنتي؟ أنا لا يمكنني الوقوف أمام رغبة أي واحدة منكما طالما رغبتكما تلك لا شيء سيء فيها.”
قالت هايدي بسرعة:
” وماذا عن ماما؟”
رد أشرف بجدية:
” سأذهب لرؤيتها الآن وأتحدث معها وأحاول إقناعها.”
تساءلت هايدي مجددًا بقلق:
” وماذا لو أصرت على قرارها بالرفض؟”
تنهد أشرف وقال:
” حينها سنضطر إلى إتمام الخطبة دونها.”
قالتها هايدي بخفوت، ليطمئنها أشرف:
” لا تقلقي. كل شيء سيكون بخير.”
ودعها بعدها وأغلق الهاتف معها، ليخرج من غرفته ومن الفيلا بأكملها، متجها إلى منزل أخيه الذي لم يدخله منذ مدة طويلة.
كان يشعر بالضيق وهو مضطر لرؤية زوجة أخيه الراحل، والتي لم يتفق معها يومًا، لكنه مضطر لذلك!
وقف أمام باب الفيلا بعد مدة، لتفتح له الخادمة الباب، فيبتسم لها وهو يخبرها:
” أخبري تهاني هانم إن أشرف مختار يريد مقابلتها.”
سارت به الخادمة نحو صالة الضيوف، ثم استأذنته لتنادي تهاني، بعدما سألته عما يفضل تناوله. جلس في مكانه يتأمل الفيلا التي لم تتغير كثيرًا منذ وفاة أخيه، والذي بعد وفاته تغيرت الكثير من الأشياء.
زفر أنفاسه ببطء مفكرًا إن كل شيء بسبب تهاني، التي لطالما حاولت تدمير علاقته بأخيه، ولكن أخيه رحمة الله عليه كان يقف لها دائمًا بالمرصاد. وعندما توفي أخيه، سارعت لقطع العلاقات بينه وبين أبناء أخيه، وقد نجحت في ذلك عندما أصبح تواصله مع ابنتي أخيه شبه معدوم، ولا يلتقيهما إلا نادرًا. بينما بقي كرم، ابن أخيه الوحيد، الذي يتواصل معه رغم سفره منذ سنوات للدراسة في الخارج.
ولكن الآن بدأ يتغير كل شيء، وها هما ابنتي أخيه لجئتا إليه، وسيدركان إنه مهما مهما حدث، سيظل عمهما الذي يسعى دائمًا لحمايتهما ورعايتهما، فهما ابنتي أخيه الراحل، أخيه الوحيد!
أفاق من أفكاره على صوت تهاني تلقي التحية باقتضاب، فتأمل ملامحها الحادة كعادتها، وهو ينهض من مكانه يرد تحيتها.
جلست قباله بملامح جامدة، فهتف بجدية:
” جئت للتحدث معك يا زوجة أخي بشأن موضوع خطبة نانسي.”
قالت تهاني بتجهم خفيف:
” وما علاقتك أنت بالأمر؟”
” كيف يعني ما علاقتي أنا؟ أنا عمها، أم نسيت هذا؟”
ضحكت مرددة بسخرية:
” إذا عندما تعسرت عليها الأمور كليًا، لجأت إليك.”
أضافت بعدها بصوت هامس لكنه مسموع:
” سأريها ماذا سأفعل بها. تظن إنها تتحداني بهذه الطريقة.”
قال أشرف بصوت قوي لا يخلو من الحدة:
” ماذا ستفعلين بها يا تهاني؟ هل ستضربينها؟ أم تحبسينها وتمنعينها من رؤيتي؟ الفتاة لم تفعل شيئًا خاطئًا. لقد أتت إلى عمها. عمها أخو والدها الراحل.”
قالت بسخرية:
” كف عن هذه الخطابات المملة بالله عليك.”
” كفي أنتِ عن تصرفاتك تلك يا تهاني. نانسي وهايدي كبرتا وبدأتا تستوعبان كل شيء بوضوح. هما لم تعدان تلك الفتاتين اللتين تتحكمين بهما وتملئين عقلهما وقلبهما كلامًا كاذبًا وحقدًا نحوي.”
” مالذي تقوله أنت؟ وثانيًا أنت كيف تتحدث معي هكذا؟ انظر إلي، أنا والدتهما و…”
قاطعه بحزم:
” أعلم إنك والدتهما، لكن ليس دائمًا الأمهات هن الصح. أحيانًا يكن الأمهات لعنة في حياة أبنائهن.”
انتفضت من مكانها تصيح:
” هل تقصد أنتِ لعنة في حياة ابنتي؟ هل جننت؟”
نهض بدوره من مكانه وقال بقوة وهيمنة:
” أنا أقول هذا بناءً على تصرفاتك التي لا داعي لذكرها مجددًا. اسمعي يا تهاني. رغم كل أفعالك، ما زلت أضع حدودًا للتعامل معك لأجل خاطر أخي الراحل وخاطر أبناء أخي، لهذا تعقلي واجلسي ودعنا نتحدث.”
” عم سنتحدث؟ أنا لست موافقة على هذه الخطبة. هذا قراري وانتهى.”
” لماذا؟ لماذا ترفضين هذه الخطبة؟ هل لديك سبب مقنع؟”
” أنا حرة. أنا أرفض هذا الشاب. ابنتي لن تتزوجه. لا أحد يمكنه إجباري على شيء لا أريده.”
” ولكن ابنتك تريده يا تهاني.”
قالها بجدية، لترد بلا مبالاة:
” فلتذهب إلى الجحيم. قراري هو الذي سينفذ.”
ضحك مرددًا باستخفاف:
” يبدو إنك لم تفهمي بعد. نانسي جاءت وتركت القرار لي، وأنا عندما رأيت رغبتها في ذلك الشاب وافقت، وهي بدورها تتمنى موافقتك، لكنها لن تتراجع عن الزيجة إذا لم تحصل عليها. هذا كلامها هي وليس كلامي.”
” أنت تفعل هذا عن قصد، تحرضها ضدي.”
قالتها بعينين مشتعلتين، ليرد بثبات:
” افهمي يا امرأة. ابنتك هي من جاءت بنفسها إلي وطلبت مني مقابلة الشاب.”
” وأنت لم تصدق ووافقت فورًا تكسبها وتجعلها في صفك ضدي.”
قالتها بغضب، ليرد بقوة:
” هذه التصرفات تصدر من أمثالك يا تهاني. ممن يحاولون أذية من حولهم دون مبرر. أنا لا يمكنني استغلال ابنة أخي فقط لإغاضتك وإزعاجك كما تدعين.”
تساءلت بعصبية:
” لماذا إذا وافقت؟ لماذا وافقت عليه؟”
” لإن ابنتك تريده ومقتنعة به تمامًا.”
صاحت بصوت أكثر علوًا:
” إنه شاب مستهتر لا مستقبل لديه. لو كانت ابنتك مكان ابنتي، هل كنت ستوافق عليه؟”
” كنت سأتحدث معها كما فعلت مع نانسي، وأتحدث معه أيضًا، وإذا وجدتها مصرة على قرارها وهو بدوره يحبها ويريدها وينوي التغير لأجلها، سأمنحهما الفرصة وأوافق.”
” كلام أهوج. انظر إلي يا أشرف. أنا لن أوافق على هذه الزيجة أبدًا.”
قالتها بتحدي، ليرد أشرف بجدية:
” ولكنني وافقت وأخبرت صلاح بذلك، وسيأتي هو وعائلته غدًا للتقدم رسميًا لخطبة الفتاة. أتمنى أن تأتي يا تهاني.”
صاحت بنبرة مجنونة:
” ستزوج ابنتي دون موافقتي يا أشرف؟”
” أتيت بنفسي وحاولت إقناعك، لكنكِ ترفضين بتعنت دون سبب واضح، ولهذا اعذريني، أنا مضطر لإتمام الخطبة دونك.”
” لا يمكنك فعل هذا. ولا تنسَ إن لديها أخ أيضًا يجب أن يمنح موافقته.”
رد أشرف وهو يبتسم بهدوء:
” رغم إن القرار يخص نانسي لوحدها، لكنني تحدثت مع كرم وأخبرته، وهو بارك هذه الخطبة، بل وأخبرني إنه سيتواجد في الزفاف أيضًا.”
اتجه نحو الباب بعدها، قبل أن يتوقف مكانه ثم يستدير نحوها مرددًا بجدية:
” فكري جيدًا فيما قلته، وحاولي أن تتواجدي غدًا لأجل ابنتك يا تهاني.”
تركها ورحل، وهي تكاد تنفجر من الغضب، وقد جاءت موافقة ابنها كالصاعقة فوق رأسها، وهو الذي كان الأمل الوحيد المتبقي لها.
***
فتحت باب الشقة لتجده أمامها يتأملها بملامح تنطق بمدى غضبه، فشعرت بالقلق يكسوها وهي تهتف بتوتر ظهر رغما عنها:
” فراس؟ ماذا هناك؟”
رد ببرود مخيف:
” قولي مرحبا أولًا، تفضل يمكنك الدخول. أم ستتركيني واقفًا هنا عند الباب يا أم ولدي؟”
” أنا لوحدي و…”
لكنه دفعها بلا مبالاة وهو يردد:
” لا تخافي. لن آكلك لإنك وحدك.”
استدار نحوها يخبرها بقوة:
” أغلقي الباب وتعالي. علينا أن نتحدث.”
هزت رأسها وهي تدفع الباب، تاركة فتحة لا تكاد ترى منه، قبل أن تتقدم نحوه، فيجذبها من ذراعها ويجلسها على الكرسي خلفها، ثم يجلس هو على الكنبة قبالها يسألها بحدة:
” أخبريني بكل شيء. متى وكيف خططتم لكل هذا؟”
سألت بخوف:
” عم تتحدث يا فراس؟”
تقدم نحوها أكثر حتى قبض على ذراعها بعنف، فشُهقت بفزع، ليتحدث من بين أسنانه:
” أنا لست غبيًا يا هذه. أخبريني ما حدث بينكما بالضبط. علام اتفقت مع غالية؟”
أكمل وعيناه تقدحان شررًا:
” أنا أعلم إنك اتفقتِ معها من الباطن، وربما أنتِ من حرضتها على ذلك، فهي لم تكن لتفعل ذلك لوحدها. أنتِ السبب الخفي لكل ما حدث. ولكن ليكن بعلمك، لا أنتِ ولا هي تستطيعان إجباري على ما لا أريده.”
انتفضت من مكانها مبتعدة عنه، تردد بغضب مكتوم:
” أنا لا أفهم عم تتحدث ولست مسؤولة عما يحدث بينك وبين خطيبتك. حسنًا؟”
نهض بدوره مرددًا:
” بل تفهمين جيدًا ومسؤولة أيضًا. تظنين إنك ستلوين ذراعي بهذه الطريقة. لكنكِ مخطئة. لا أنتِ ولا هي ولا عشرة منكما يمكنهما الوقوف في وجهي وإجباري على ما لا أريده.”
سمعا كلاهما صوت طرقات على باب الشقة، فاندفعت عهد مسرعة وفتحت الباب، لتجد فادي أمامها يتساءل باستغراب:
” لماذا الباب غير مغلق بالكامل؟”
أضاف وهو يدلف إلى الداخل:
” جئت لرؤية تميم ورؤيتك.”
ثم توقف مكانه متفاجئًا بوجود فراس، فهتف مندهشًا:
” أنت هنا يا فراس.”
رد فراس بوجوم:
” نعم، وسأغادر حالًا.”
تحرك نحو الباب ليوقفه فادي متسائلًا باستغراب:
” ماذا حدث؟ لماذا تذهب بهذه السرعة؟”
رد وهو يثبت عينيه فوق عهد الواقفة بجانب الباب:
” لم آت لأجلس أساسًا. أردت أن أخبر عهد بما عندي وأغادر.”
نطقت عهد أخيرًا:
” أخبرتك إنني لا أعلم عم تتحدث.”
رد فراس بقوة:
” كاذبة. أنتِ كاذبة يا عهد، وأنا سأكون أكبر غبي إن صدقتك.”
التفت فادي نحو عهد يتساءل بضيق:
” هل يمكنني أن أعلم ما يحدث هنا بالضبط؟”
قالت عهد وهي تتقدم نحوهما:
” أنا مثلك تمامًا لا أعلم أي شيء. يبدو إن هناك مشكلة بينه وبين خطيبته، ويتهم في إنني السبب عنها.”
” فراس، أنت بالتأكيد مخطئ. عهد بالتأكيد لن تتسبب بمشكلة بينك وبين خطيبتك.”
قالها فادي بجدية، ليرد فراس بغلظة:
” لم تعد خطيبتي. نحن انفصلنا.”
هتف بها فادي بدهشة، ليضيف فراس متهكمًا:
” ابنة الخولي تركتني. فسخت الخطبة بعدما حققت ما تريد بمساعدة تلك التي تقف جانبك وتدعي بكل براءة إن لا دخل لها فيما حدث.”
” ولكنني بالفعل…”
قاطعه فراس بصرامة:
” اصمتي تمامًا. أنا أعرف كيف أتصرف معكِ ومعها. أعرف جيدًا.”
أنهى كلماته بتهديد واضح واندفع خارج المكان، ليهتف فادي مسرعًا وهو يلحقه:
” سأتبعه وأفهم ما يحدث معه.”
ثم ركض خارج الشقة وهو ينادي على أخيه، الذي توقف مكانه في غضب، ليتقدم فادي نحوه ويقف أمامه متسائلًا:
” ماذا يحدث يا فراس؟ مالذي فعلته خطيبتك؟ ولماذا تتهم عهد بالتواطؤ معها؟”
” لإن هذه هي الحقيقة.”
قالها فراس بغضب، ليهتف فادي:
” أخبرني ما حدث. دعني أفهم. قبل ليلة كنتما سويًا تحتفلان بعيد ميلادك. ماذا حدث لتفسخ غالية الخطبة و…”
قاطعه بصوت عصبي:
” ما حدث إنني أصبحت لعبة بين يدي هاتين المخادعتين. بين خطيبتي ومن كانت زوجتي وأم ابني.”
” كيف يعني؟”
أغمض فراس عينيه بنفاذ صبر، ثم فتحها وقال:
” دعني الآن يا فادي من فضلك.”
لكن فادي أوقفه مرددًا بحزم:
” لن تتحرك خطوة واحدة دون أن تخبرني بما حدث. أنا متأكد إن هناك مصيبة ما حدثت معك، ولن أتركك دون أن أعرف ما هي.”
” ما بالك يا فادي؟ لا تنسَ إني أخوك الكبير. أنت لا يمكنك أن تجبرني على ما لا أريد.”
رد فادي بهيمنة:
” بل يمكنني، مثلما يمكنني الذهاب حالًا إلى خطيبتك المصونة ومعرفة منها كل شيء.”
تجهمت ملامح فراس بعدم رضا، ليقول فادي بحزم:
” والآن تعال معي إلى شركتك، حيث سنتحدث في مكتبك عما حدث.”
***
انتفض فادي من مكانه ما إن أنهى فراس حديثه، صارخًا بغضب بدا كالجحيم:
” أيها اللعين! كيف تفعل شيئًا كهذا؟ هل أنت غبي؟”
نهض فراس بدوره صائحًا بتحذير:
” الزم حدودك ولا تتجاوزها معي يا فادي، ولا تنسَ إنني أخوك الكبير.”
قال فادي بعينين مشتعلتين غضبًا:
” أخي الكبير المحترم، الذي لا يتوقف عن علاقاته المشبوهة حتى وقع في يد فتاة صورت له فيديو فاضح.”
نطق فراس من بين أسنانه:
” فادي، يكفي.”
ردد فادي بإصرار:
” أليست هذه الحقيقة؟ هل قلت شيئًا خطأ؟ بسبب نزواتك الحقيرة حدث كل هذا، وها أنت بل نحن جميعًا مهددون بفضيحة كبيرة مثل هذه.”
” انظر إلي. أنا لم أخبرك بما حدث لتبدأ في تأنيبي.”
قاطعه فادي بحدة:
” بل أنت من يجب أن ينظر إلي، بل ويسمعني جيدًا. ألن تتوقف عن نزواتك وعبثك الذي لا ينتهي وعلاقاتك القذرة؟ ألا ترى ماذا فعلت بك نزواتك؟ بسبب ما تفعله خسرت الكثير وما زلت تخسر.”
هتف فراس بصوت متصلب:
” لكن فادي لم يسمعه وهو يسترسل بنفس النبرة: خسرت زوجتك التي كانت تحبك بحق. خسرت احترامك أمام جميع من يدرك حقيقتك. حتى ابنك خسرته.”
ضرب فراس على المكتب بقوة يصرخ بصوت مرعب:
” قلت يكفي.”
تقدم فادي نحوه يجذبه من ياقة قميصه مرددًا بصوت قوي:
” أنت من يكفي. أنت من يكفي يا فراس. في السابق كنت تدمر نفسك. لطالما حذرتك وأنت لم تسمع. لكن الآن الموضوع لم يعد يخصك وحدك، بل يخصنا جميعًا. سمعتنا جميعًا سوف تتدمر بسببك. بسبب نزوة من نزواتك الحقيرة.”
قال فراس بملامح مشدودة غضبًا:
” نعم، بسبب نزوة من نزواتي الحقيرة. في النهاية، أنا القذر الوحيد بينكم، وأنت القديس هنا.”
قاطعه فادي بنفور:
” أنا لست قديسًا ولن أكون. لكنني على الأقل لا أرمي نفسي كل يوم بين أحضان عاهرة لا أعرف اسمها حتى.”
” نعم، أساسًا قلتها منذ قليل. أنا القذر الوحيد بينكم.”
قالها فراس بتهكم، ليرد فادي ببرود:
” قذارتك تخصك وحدك. لكن أنا ولوجين ووالدتي لن نسمح لك أن تؤذينا بسبب أفعالك تلك.”
أكمل وعيناه تنطقان قوة:
” اتصل بغالية تلك وتحدث معها.”
قالها فراس ببرود، ليتساءل فادي بغضب مكتوم:
” ماذا يعني لا تريد؟ الفتاة معها فيديو يخصك، فيديو فاضح.”
” سأتصرف معها بنفسي.”
قالها فراس ببرود أغاظ فادي، الذي ردد هازئًا:
” حقًا؟ وماذا ستفعل؟ كيف ستأخذ الفيديو منها؟ هل سوف تهددها؟ أم ترسل عصابة وتخطفها؟”
رد فراس بنفس البرود:
” كل شيء ممكن.”
قال فادي بتحذير:
” لا تجن. هيا اتصل بها وحاول أن تتفاوض معها.”
نظر له فراس برفض، لكن فادي أشار له بقوة:
” ماذا تنتظر؟ لا يوجد حل آخر أمامك. أي تصرف آخر سيؤدي بك إلى الجحيم. حاول أن تتفاوض معها، وإذا اضطررت، تنازل عن تميم.”
هتف فراس بعدم تصديق:
” هل تطلب مني التنازل عن ابني؟”
رد فادي بسخرية:
” على أساس إنك تركت لنا حلاً غير هذا.”
زفر فراس أنفاسه بضيق، قبل أن يخرج هاتفه ويتصل بها، ليطلب منه فادي أن يجعله يسمع المكالمة كي يسجلها في هاتفه، الذي أخرجه وبدأ يسجل بالفعل، عندما جاء صوتها يردد:
” أهلًا فراس بك. توقعت أن تتصل بهذه السرعة.”
أشار له فادي أن يتحدث، ليقول فراس:
” يجب أن نتحدث يا غالية.”
ردت غالية ببساطة:
” عم سنتحدث بالضبط؟ الأمر لا يحتاج إلى حديث. الفيديو عندي. إذا تنازلت عن حضانة الطفل لعهد، فلن أنشره. وإذا لم تفعل، فسيتم نشره في كافة المواقع.”
قاطعها فراس يتساءل بغضب مكتوم:
” هذا ابتزاز يا غالية؟”
صدحت ضحكتها الناعمة وهي تردد:
” ابتزاز من النوع الجيد. أنا لا أطلب منك مقابلًا ماديًا يا فراس.”
تساءل فراس بأعصاب بدأت تفلت:
” وما علاقتك أنت بكل هذا؟ ما علاقتك بعهد وابني؟”
ردت غالية بجدية:
” هذا ما عندي. إذا تنازلت عن حضانة الطفل، فلن يتم نشر الفيديو أبدًا.”
” لحظة، هل تعنين إنك لن تعيدين لي الفيديو إذا ما تم نشره؟”
تساءل بوجوم، لترد بخفة:
” الفيديو سيبقى معي حتى بعدما تتنازل، لإنني لا أضمن كيف سيكون انتقامك مني بعدها. طالما الفيديو معي، فأنا في أمان ولا يمكن أن تلمس شعري واحدة مني.”
هم بشتمها قائلًا:
” قاطعته بتحذير: إياك أن تتجاوز حدودك يا فراس. انتظر قرارك في أسرع وقت. مع السلامة.”
أغلقت الهاتف في وجهه، ليغلق فادي هاتفه بدوره بعدما حفظ التسجيل، فيتبادل النظرات مع أخيه، وكلا منهما له أفكاره.
***
هبطت من غرفتها أخيرًا وهي ترتدي ملابس شديدة الأناقة استعدادًا للخروج مع مجموعة من صديقاتها للترفيه.
وجدت والدتها تتناول قهوتها في صالة الجلوس وهي تتابع أحد البرامج، لتلقي التحية بإبتسامة صادقة وهي تتقدم نحوها وتقبلها من وجنتها، لتبتسم صباح بدورها وهي تتأملها مرددة:
” أهلًا حبيبتي. ما كل هذا الجمال؟”
ضحكت غالية مرددة بثقة:
” أنا دائمًا جميلة حتى لو ارتديت شوال بطاطا كما يقولون.”
” أنتِ جميلة وجذابة وفاتنة وكل شيء.”
قالتها صباح وهي تربت على كفها، لتهتف غالية بجدية رغم إنها ما زالت تحتفظ بإبتسامتها:
” لقد فسخت خطبتي.”
اختفت ابتسامة صباح كليًا وهي تردد بعدم استيعاب:
” ماذا؟”
ابتسمت غالية بخفة وهي تردد:
” فسخت الخطبة.”
” لماذا؟”
سألتها صباح وقد أفاقت من دهشتها أخيرًا، لترد غالية بنفس الجدية:
” لم نتفق.”
رددت صباح:
” هكذا فقط؟”
قالت غالية موضحة:
” هذا سبب أكثر من كافٍ بالنسبة لي.”
قالت صباح بحيرة رغم فرحتها بخبر انفصالها عن ذلك الشاب:
” حسنًا ولكن أنا لا أفهم. لماذا وافقت على الخطبة من الأساس ثم فسختها بهذه السرعة؟”
” يا ماما، الخطبة هي فترة تعارف لأي اثنين، وأنا بالفعل تعرفت على فراس وفهمت إنه لا يناسبني وأنهيت الأمر بهدوء.”
سألتها صباح بشك:
” هل أنتِ متأكدة إنه لا يوجد سبب آخر يا غالية؟”
قالت غالية وهي تبتسم بهدوء:
” صدقيني، هذا هو السبب الوحيد يا ماما.”
هزت صباح رأسها بتفهم، ثم ربتت على كتفها تقول بدعم:
” لا تحزني حبيبتي. خطبة وانتهت. لا بأس.”
ضحكت غالية وهي تردد:
” أنا لست حزينة من الأساس. على العكس تمامًا، أنا سعيدة. سعيدة للغاية.”
” سعيدة. للغاية؟”
كررتها صباح بعدم استيعاب، لتهتف غالية بجدية:
” نعم، سعيدة ومرتاحة وأشعر بكافة المشاعر الإيجابية.”
” غريب أمرك يا غالية. يعني عادة الفتيات ينزعجن ويحزن قليلاً في هذه الحالات.”
ضحكت غالية وقالت:
” هؤلاء الفتيات الأخريات، أما أنا فلا أحزن على شيء كهذا لإنني من ربحت عندما تخلصت من زيجة كانت ستفشل في جميع الأحوال.”
أضافت بعدها وهي تنظر إلى ساعتها:
” حسنًا، سأتأخر على موعدي. دعيني أذهب. أراكِ مساءً.”
سألتها والدتها:
” إلى أين ستذهبين؟”
ردت غالية بجدية:
” سأذهب مع مجموعة من صديقاتي إلى مطعم جديد يقولون إنه رائع، لذا سنذهب لتجربته. هيا، أراكِ مساءً.”
قالتها بعدما قبلتها من وجنتها، تاركة والدتها تتابعها وهي تغادر بحماس غير مستوعبة ما يحدث حتى الآن.
اتجهت غالية نحو الكراج وشغلت سيارتها لتركبها وتتحرك خارج الفيلا، عندما وجدتـه يقف خارج الفيلا بجانب سيارته. وما إن رآها حتى اعتدل في جلسته وأخذ ينظر لها بقوة.
تجهمت ملامحها وأوقفت سيارتها وسارعت تهبط منها وهي تتجه نحوه، تتساءل بضيق:
” ماذا تفعل هنا؟”
رد يتساءل بقوة:
” ألم أحذرك مسبقًا ألا تقتربي من عائلتي؟”
عقدت ذراعيها أمام صدرها تتساءل باستفزاز مقصود:
” حقًا؟ وماذا فعلت ومتى أساسًا اقتربت من عائلتك؟”
تقدم نحوها خطوتين يردد من بين أسنانه:
” غالية، أنتِ تدركين جيدًا ما أعنيه. كيف تجرأت على فعل هذا؟”
هتفت بتهكم:
” من الواضح إن أخيك أخبرك بما حدث.”
” نعم، أخبرني بتصرفك الدنيء والذي لا يليق بفتاة محترمة.”
قاطعته بحدة:
” إياك أن تتجاوز حدودك. أنا محترمة غصبًا عنك وعن أخيك.”
أضافت ببرود وهي تعاود عقد ذراعيها أمام صدرها:
” وثانيًا، إذا كان هناك من يستحق محاسبته فهو أخيك المحترم. ماذا كنت تتوقع مني بعدما اتضح لي إنه يخونني بعد فترة قصيرة من خطبتنا؟”
تأملها بملامح جامدة للحظات، قبل أن يتساءل بنبرة ذات مغزى:
” أخبريني يا غالية. تصرف كالذي قمت به أنت. هل يليق بفتاة محترمة حقًا؟”
ردت بجدية:
” تصرفي كان لدوافع محددة وأهمها كشف حقيقة أخيك.”
” وما علاقة هذا إذا بموضوع حضانة تميم؟”
سألها متهكمًا، لترد ببرود:
” والله فكرت في أكثر شيء يكسر أخيك، فوجدت إن هذا أكثر شيء سوف يؤذيه بل ويلقنه درسًا قويًا أيضًا كي لا يتلاعب من خلاله ببنات الناس. إضافة إلى ذلك، سأقوم بعمل خيري حيث سأعيد طفلًا مسكينًا إلى أحضان والدته التي حُرم منها لسنوات.”
” نشكرك على خدماتك العظيمة يا غالية.”
قالها بسخرية، قبل أن يهتف بقوة:
” ولكن لا تتدخلي في أمورنا العائلية، فنحن نعرف كيف نحل مشاكلنا بيننا.”
رددت باستهزاء:
” نعم، وأكبر دليل تصرفات أخيك وعلاقاته المشبوهة، وفوق هذا استغلاله ابنه الوحيد كورقة ضغط على طليقته.”
ردد فادي بتصلب:
” لا تتدخلي فيما لا يعنيك. والآن هاتي الفيديو فورًا. هيا.”
ضحكت مرردة بخفة:
” يا لك من مضحك. هكذا بكل بساطة.”
رد ببرود:
” نعم، هكذا يا غالية وبكل بساطة.”
” وإذا قلت لا؟”
سألته بنعومة مستفزة.
” أنت تعبثين مع الشخص الخطأ.”
قالها بملامح مهيبة، وقد شعرت في تلك اللحظة إنه تحول إلى نسخة من أخيه، ولا تعرف لماذا شعرت بذلك رغم اختلاف ملامحهما، لكن ربما نزعة الشر التي ارتسمت على ملامحه في تلك اللحظة كانت تشبه شر أخيه.
” أنا لا أعبث. أساسًا العبث ليس من صفاتي. أنا فقط أخطط وأنفذ وأنال.”
اقترب منها خطوتين أخريين حتى بات قريبًا للغاية منها، وقال بصوت متسلط قوي:
” أنتِ تدركين جيدًا إنني يمكنني حبسك بتهمة الابتزاز؟”
ردت والبرود يسيطر على ملامحها:
” جيد، ولكن حينها عليك أن تحبس أخيك المحترم بتهمة الزنا.”
رد عليها مستهزئًا:
” حقًا؟ هل تظنين إن القانون سيحاسب أخي لكونه أقام علاقة غير شرعية مع بائعة هوى بكامل إرادتها؟”
ردت بصوت قوي حازم:
” لن أمنحك الفيديو مهما حاولت.”
هتف وقد بدت عيناه في تلك اللحظة تتحديانها أن ترفض:
” هاتي الفيديو وإلا قسما بربي سأريك وجهًا آخر لم تعهديه. أنا لا أسمح لأي شخص أن يقترب من عائلتي، وأنتِ بتصرفك تجاوزت كل الخطوط الحمراء، لذا تراجعي فورًا عن تصرفك الدنيء وإلا…”
وصمته كان وراءه الكثير من الحكايا.
نطقت أخيرًا وهي ما زالت ثابتة في مكانها:
” ليتنازل أخيك أولًا عن حضانة الطفل، وسنتحدث بعدها بشأن الفيديو.”
أضافت:
” وأنت لا يمكنك أن تهددني. لا أنت ولا عشرة أمثالك يمكنهم أن يهزوا شعرة واحدة مني، ولا تنسَ يا حضرة الضابط إن الفيديو الذي معي سيدمر سمعة عائلتك بالكامل. يعني رقبتك أنت وأخيك وكل عائلتك بيدي، لذا تمهل قليلًا ولا تتحدث بطريقة تندم عليها فيما بعد.”
منحته نظرة مليئة بالقوة والغرور، وهي تنسحب بخطواتها متجهة نحو سيارتها لتركبها، فتنظر إليه من مرآة السيارة تمنحه ابتسامة باردة، قابلها بملامح جامدة تمامًا، قبل أن تشغل سيارتها وتحركها بأقصى سرعة.
***
جلس في صالة الجلوس يتناول الشاي مع زوجته وحنين ونضال، عندما هتفت حنين تتساءل بفضول:
” برأيك لن تأتي حقًا يا بابا؟”
رد أشرف بتجهم:
” لا أظن.”
همست حنين:
” إنها امرأة صعبة حقًا.”
قال أشرف بجدية:
” أنا فعلت ما يتوجب علي فعله. هي حرة فيما ستفعله.”
قالت أحلام بجدية:
” ولكن يجب أن تتواجد في يوم كهذا بجانب ابنتها.”
قال أشرف:
” أساسًا إذا تحدثنا بناءً على الأصول، فالخطبة يجب أن تتم في منزل والد الفتاة وبحضور والدتها وأنا وكبار العائلة، لكن ماذا نفعل؟ هذا ما أرادته تهاني هانم.”
سألت أحلام بجدية:
” هل أخبرت كبار عائلتك؟”
أومأ برأسه وهو يجيب:
” تحدثت مع عمي وأبناء عمومي. سيأتون جميعًا.”
تساءلت حنين بجدية:
” بابا، هل ذلك الشاب سيء إلى هذا الحد لترفضه زوجة عمي لهذه الدرجة؟”
تنهد أشرف وقال:
” هو ليس سيئًا، لكنه يبدو غير مناسبًا للزواج كونه لا يعمل وما زال لا يتحمل مسؤولية وأشياء من هذا القبيل. لكنني تحدثت معه وأخبرني إنه بدأ يتغير لأجل نانسي وإنه يحبها حقًا، والأهم من ذلك إن نانسي تحبه أيضًا.”
” ولكن ماذا لو لم يفِ بوعده واستمر بنمط حياته هذا؟”
سألته حنين باهتمام، ليرد أشرف:
” حنين ابنتي. هذا شيء في علم الغيب. صلاح لا يبدو سيئًا وكلامه معي يدل على ذلك، وأنا أساسًا وافقت بناءً على رغبة ابنة عمك.”
هتف نضال بجدية:
” برأيي إن الأمر سار بسرعة قليلًا. يعني نانسي ما زالت صغيرة وهو أيضًا. ليستقر في حياته وعمله لفترة ويثبت تغييره على الأقل كي نطمئن على الفتاة معه.”
التفت أشرف نحو ابنه يقول:
” افهم يا نضال. الفتاة تريده. هذا ما جعلني أوافق. أن تتزوج أمامي وبموافقتي أفضل من أن تتصرف لوحدها.”
قالت حنين بعدم تصديق:
” بالطبع لن تفعل نانسي ذلك. يعني مستحيل أن تتزوج دون موافقتك أنت ووالدتها.”
قال أشرف بعقلانية:
” لا يوجد ضمان يا ابنتي. نحن في زمن كل شيء متوقع فيه. نانسي فتاة أحبت شابًا وتريده بشدة، وهي بالغة راشدة. يعني يمكنها أن تتزوجه دون الرجوع إلينا، ولا أحد يستطيع منعها أو محاسبتها مهما حدث، لإنها شرعًا وقانونًا لم تفعل شيئًا خطأ. لذا الأفضل أن تتزوج بموافقتي وتبقى أمام عيني وتحت رعايتي وفي حمايتي، بدلًا من أن تتصرف بطريقة تسيء لنا ولها مستقبلًا.”
سألته أحلام:
” هل سيتزوجان فورًا أم هناك فترة خطبة؟”
رد أشرف بجدية:
” لا أعلم. غدًا سنتحدث في هذه الأمور.”
” لا تستعجلوا يا أشرف. برأيي أن تكون هناك فترة خطبة في البداية.”
قالتها أحلام بجدية، وهي تضيف بتنهيدة:
” على الأقل تتعرف عليه جيدًا وتتأكد من حسن أخلاقه ونيته.”
” ما بالكم تتحدثون جميعًا بنفس الطريقة؟ حتى أنتِ يا أحلام تفكرين بنفس طريقة تهاني؟”
قالها أشرف بعدم تصديق، لترد أحلام بجدية:
” والله لو كنت مكانها ما كنت لأزوج ابنتي لشاب ليس مضمونًا يا أشرف. شاب لست واثقة من قدرته على تحمل المسؤولية.”
قاطعه أشرف مرددًا وهو مصدوم من تفكير زوجته:
” ما هذا الكلام؟ على أساس إن كل شاب يعمل ومسؤول عن نفسه يصلح للزواج. أخبريني كم شاب ينتمي لعائلة محترمة ومتعلمًا ويعمل بجدية ويبدو قمة في الأخلاق والاحترام لم يفلح في زواجه وتسبب بتعاسة زوجته؟ نحن لا يمكن أن نحكم على نجاح زيجة من عدمها بناءً على ما نراه خارجيًا.”
” ولكن الحذر واجب.”
قالتها أحلام بإصرار، ليسألها نضال ببرود:
” غريب أمرك يا زوجة أبي. تتحدثين عن الحذر في اختيار الزوج بكل هذا الإصرار الغريب، ومع هذا سمحت لابنك أن يتزوج من سجين سابق. ربما كان عليك أن تطبقي نصائحك أولًا على ابنتك.”
” نضال.”
صاح به أشرف بحزم، بينما أوقفته أحلام وهي تقول:
” ومن أخبرك إني موافقة على هذه الزيجة يا نضال؟ هل تظن إنني سعيدة بزواج ابنتي منه؟”
هتف أشرف بضيق:
” ما هذا الكلام يا أحلام؟”
قالت أحلام بقوة:
” أنا لم أوافق أبدًا على هذه الزيجة، وأنت تعلم يا أشرف، لكن حياة كانت مصرة، لذا كنت مجبرة على الموافقة، خاصة بسبب طبيعة علاقتنا، وأنا لم أرغب أن أخسرها بعدما سامحتني أخيرًا.”
” ولماذا لا توافقين يا أحلام؟ ما به الشاب لترفضيه بهذا التعنت؟”
رد نضال نيابة عنها:
” خريج سجون يا أبي.”
نظر أشرف نحوه قائلًا عن قصد:
” المهم إن حياة تحبه وتريده ومقتنعة به تمامًا.”
” نعم. ابنتي معمية بحبه للأسف.”
قالتها أحلام بحنق وهي تضيف:
” عاطفتها حكمت بها للأسف.”
رد أشرف بقوة:
” لو كنتِ تعرفين ابنتك جيدًا، ما كنتِ لتقولي هذا. حياة ليست من هذا النوع. رغم معرفتي القصيرة بها، لكنني أدركت كم هي فتاة ذكية وواعية وتتصرف بتعقل وحكمة.”
قال نضال ببرود:
” برأيي إن زوجة أبي معها حق. يعني مهما كانت حياة واعية وذكية، لكن في هذا الأمر تحديدًا عواطفها من حكمت بها، لإنها لو كانت اتخذت قرارها بعد تحكيم عقلها، ما كانت لتربط مصيرها بمصير رجل سُجن مسبقًا بتهمة مشينة كهذه. حتى لو لم تفكر بنفسها، كان عليها أن تفكر بمصير أطفالها منه، والذين ستلتصق بهم تهمة والدهم إلى الأبد.”
منحه أشرف نظرات نارية، ليهتف نضال بتحدي:
” لماذا تنظر إلي هكذا يا أبي؟ هل قلت شيئًا خاطئًا؟”
قال أشرف وهو بالكاد يتحكم بغضبه:
” اتركوا الفتاة وشأنها. دعوها تعيش مع زوجها بسلام. عندما تشتكي لكم، تحدثوا حينها.”
قالت أحلام:
” وهل سأنتظر حتى تشتكي؟”
تساءل أشرف بملل:
” ما جرى يا أحلام؟ أليست الفتاة بخير؟”
ردت أحلام بجدية:
” ونعم، لكنني سأرتاح أكثر عندما أراها. سأسافر قريبًا لها.”
” حقًا؟”
هتفت بها حنين بدهشة، فهزت أحلام رأسها وقالت:
” نعم، وأنتِ ستأتين معي.”
ابتسمت حنين بحماس، بينما قال أشرف:
” جيد، اذهبي لها في إجازة منتصف العام.”
قاطعته أحلام:
” بل سأذهب بعد حوالي شهر.”
هتف أشرف بعدم تصديق:
” بهذه السرعة؟ الفتاة ما زالت عروسًا جديدة. يعني من غير اللائق أن تذهبي عندهما بهذه السرعة.”
” والله، المهم أن أطمئن على ابنتي، وما زال هناك أمامي شهر كامل.”
زفر أشرف أنفاسه بضيق، بينما قال نضال بجدية:
” صحيح يا أبي. هناك شيء هام أريد إخبارك به.”
” ماذا هناك؟”
سأله والده باهتمام، ليرد نضال بجدية:
” لقد اتخذت قراري. سوف أستقر هنا بشكل نهائي. لا عودة إلى كندا بعد الآن.”
” حقًا؟”
قالها أشرف بسعادة وهو يتساءل مجددًا:
” يعني ستبقى هنا معي بعد الآن؟”
ابتسم نضال مرددًا:
” نعم، سأبقى دائمًا. لم أكن أعلم إن هذا الخبر سيفرحك لهذا الحد.”
قال أشرف بصدق:
” لطالما تمنيت أن يحدث هذا، ولكنني لم أشأ أن أضغط عليك. الحمد لله، لقد تحقق ما أردته لسنوات، وسوف تستقر جانبي.”
ابتسم له نضال، بينما رن هاتف أشرف ليخرجه فيقول:
” هذا كرم يتصل بي.”
خفق قلب حنين بقوة ما إن نطق والدها اسم ابن عمها، وهو يجيب عليه، لتلتفت حنين نحو والدتها تسألها:
” هل كرم يعلم بأمر الخطبة؟”
ردت والدتها بجدية:
” نعم، ووافق أيضًا.”
سألتها بلهفة:
” هل سيأتي ويحضر الخطبة؟”
ردت والدتها وهي تهم بالنهوض:
” كلا، لكنه سيحضر الزفاف. لقد أكد هذا لوالدك.”
ابتسمت لا إراديًا وهي تشعر بالفرحة تملأ قلبها، فابن العم الغائب وحبيب طفولتها سيعود وتراه أخيرًا.
***
كانت تتحدث معه الهاتف تقول:
” ستبدأ منى الأسبوع القادم جلسات العلاج النفسي مع جيلان.”
جاءها صوت عمار مرهقًا قليلًا:
” جيد.”
” هل أنت بخير؟”
سألته بقلق، ليرد بنبرة بدت حزينة رغم سخريتها:
” كيف سأكون بخير بعدما حدث؟”
قالت محاولة التخفيف عنه:
” لا بأس يا عمار. لا تغضب منها. جيلان صغيرة وتصرفت على فطرتها.”
قال بصدق:
” أنا لست غاضبًا منها، أنا غاضب من نفسي. أنا خسرت جيلان يا شيرين. خسرت أختي الوحيدة.”
قاطعته بجدية:
” لن تخسرها يا عمار. جيلان الآن تعيش فترة مضطربة للغاية. صدقني عندما تبدأ جلسات العلاج، سوف تتحسن نفسيتها تدريجيًا، وحينها يمكنك التحدث معها وإخبارها كم إنك تحبها وتخاف عليها.”
أطلق تنهيدة مرهقة وقال:
” سأفعل أي شيء كي أكسب محبتها وثقتها مجددًا.”
” هي تحبك يا عمار. صدقني. هي فقط تتصرف نتيجة ما تعرضت له.”
” هل تظنين إنها ما زالت تحبني ولم تكرهني بعد؟”
ردت بتأكيد:
” بالطبع يا عمار. هي لا يمكنها أن تكرهك. صدقني.”
قال بصدق:
” ليتك كنتِ معي يا شيرين.”
ردت بنفس الصدق:
” أنا معك أصلًا يا عمار.”
قال عمار بخفوت:
” أقصد أن تكوني هنا بجانبي.”
أضاف بجدية:
” أنتِ تفهمين ما أعنيه.”
قالت بنبرة مترددة:
” أفهم يا عمار.”
تساءل باهتمام:
” إذا متى سيحدث هذا؟ متى سوف تفاتحين عائلتك بهذا الأمر؟”
ردت بجدية:
” في أقرب وقت يا عمار.”
قال بهدوء:
” أتمنى ذلك.”
ودعته بعدها، وأخذت تنظر أمامها بشرود، عندما نهضت من مكانها وخرجت من غرفتها، حيث هبطت إلى الطابق السفلي، لتجد أخيها وزوجته مع ابنيهما، فألقت التحية وهي تجلس معهما، لتتبادل النظر مع منى، التي شعرت بوجود شيء، فنطقت بتردد:
” وليد…”
نظر لها وليد باهتمام، لتهتف بجدية:
” أريد إخبارك بشيء مهم. قرار اتخذته.”
نظر لها وليد بهدوء، لتهتف بثبات:
” أنا سأتزوج عمار الخولي.”
انتفض وليد من مكانه يصيح بعصبية:
” ماذا تقولين أنت؟ هل جننت؟”
سارعت منى تنهض من مكانها وتجذب طفلها تتجه به إلى الطابق العلوي، بينما تقدمت والدتهما تتساءل بقلق:
” ماذا حدث؟ لماذا صوتك عالٍ يا وليد؟”
رد وليد بغلظة:
” اسألي ابنتك.”
نظرت والدتها نحوها وتساءلت:
” ماذا حدث يا شيرين؟”
نهضت شيرين من مكانها تقول بجدية:
” أخبرته إنني سأتزوج عمار الخولي.”
رأت الصدمة في عيني والدتها، فقالت:
” ما بالكما لا أفهم؟ أين الخطأ فيما قلته؟ أليس من حقي أن أتزوج الرجل الذي أريده؟”
قال وليد بقوة:
” بإمكانك أن تتزوجي الرجل الذي تريدينه بالطبع، لكن يجب أن يكون رجلاً محترمًا وجيدًا.”
نظرت له تردد:
” أنت لا تعرفه حتى تحكم عليه.”
قال وليد ساخرًا:
” يكفي ما سمعته عنه حتى الآن.”
” زوجي الأول كان يبدو مثاليًا ومحترمًا لدرجة إنك وافقت عليه دون تردد وشجعتني على المضي في زيجتي منه. ماذا حدث فيما بعد؟ تبين إن كل هذا الاحترام والمثالية ليست حقيقية ولا وجود لها من الأساس. كان غطاءً ليس إلا. ربما نفس الشيء مع عمار، ويكون عكس ما يظهر أمامنا.”
قال وليد بعدم تصديق:
” وهل سأجازف بك وأمنحك له، عسى ولعل يظهر إنه عكس ما نعرفه عنه؟”
” أنا مسؤولة عن قراري يا وليد.”
قالتها شيرين بقوة، ليرد وليد بتحدي:
” وهذا القرار مرفوض. وأي قرار سيؤذيك فهو مرفوض.”
نظرت إليه بصمت للحظات، قبل أن تهتف:
” يبدو إنك لم تفهم بعد. أنا لا آخذ رأيك. أنا أبلغك بقراري.”
اندفعت خارج المكان بعصبية، لتتوقف مكانها وهي تسمعه يهتف بصوت قوي غاضب:
” افعلي ما تشائين. أنا لا يمكنني منعك. لكن تأكدي إنني لست موافقًا على هذه الزيجة يا شيرين، وإذا تزوجتِ من ذلك الحقير، فسوف تنسين إن لديك أخًا اسمه وليد!”
اعتصرت قبضتي يديها بقوة، وغشت الدموع عينيها، فسارعت ترتقي درجات السلم بعصبية وبكاء.
***
كانت تجلس على سريرها تنظر إلى ملزمتها باهتمام، عندما دلفت نديم إلى غرفتها قائلًا:
” ألا تنوين الخروج الجلوس معي؟”
رفعت وجهها نحوه تبتسم وهي تقول:
” سأفعل. فقط ربع ساعة أنتهي من المحاضرة الأخيرة وآتي عندك.”
ابتسم مرددًا:
” جيد، أنتظرك.”
خرج بعدها لتعاود النظر إلى الصفحة المتبقية من المحاضرة، وهي تخبر نفسها:
” هيا يا حياة. ركزي جيدًا وسوف تحفظين بسرعة كعادتك.”
ثم صبت جم تركيزها على الصفحة لتنتهي منها أخيرًا، فأغلقت المحاضرة وهي تأخذ نفسها براحة، فتتأمل الساعة لتجد إنه مرت حوالي نصف ساعة بعد خروج نديم.
نهضت مسرعة وخرجت من غرفتها وهي تقول:
” آسفة لإنني تأخرت، ولكن المادة كانت صعبة.”
توقفت وهي ترى المائدة التي أعدها وما تحويه من أطعمة، بينما تقدم نديم نحوها وهو يحمل طبقًا من الفواكه ويقول:
” لا بأس. المهم إنكِ أتيت.”
ابتسمت وهي تتساءل:
” ما هذا يا نديم؟”
وضع طبق الفاكهة يسألها بدوره:
” ما رأيك؟ هل أعجبك ما أعددته؟”
قالت وهي تبتسم:
” يعني مائدة متكاملة. طعام عشاء وحلويات وفواكه وبوشار وشيبس والكثير.”
رد مبتسمًا:
” قلت لنغير الأجواء قليلًا.”
ابتسمت تردد بصدق:
” أنت رائع.”
ضحك وقال:
” ليس بقدر روعتك.”
ثم جذبها من كفها وقال:
” تعالي نتناول طعام العشاء أولًا، ثم بعدها نختار فيلمًا نشاهده سويًا.”
” هيا.”
جلست جانبه وبدآ يتناولان طعام العشاء سويًا وهما يتبادلان الأحاديث.
بعدما انتهيا من تناول الطعام، قال نديم وهو ينهض من مكانه ويمد يده نحوها:
” هيا تعالي لنختر فيلمًا نراه.”
وضعت كفها داخل كفه ونهضت، عندما رن هاتفها فوجدت ماذي تتصل بها، لتقول:
” دقيقة. سأرد عليها وأعود.”
هز رأسه بتفهم وهو يتجه ليقلب في الأفلام التي اشتراها، بينما أجابت حياة على الاتصال، ليأتيها صوت ماذي المتحمس:
” حياة، كيف حالك؟ اشتقت إليك كثيرًا.”
ردت حياة وهي تبتسم:
” وأنا أيضًا اشتقت لك. أنتِ كيف حالك؟”
ردت ماذي:
” أنا بخير. كنت خارج البلاد لبضعة أيام وعدت صباح اليوم.”
” حقًا؟
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سارة علي
توقفت مكانها تنظر له برهبة واضحة بينما تقدم هو بسرعة نحوها يتسائل بقلق :-
” هل انت بخير ..؟!”
أكمل وهو يتفحص كفها بعناية :-
” لم أقصد إفزاعك ..”
رفع عينيه ينظر الى وجهها الباهت يتسائل مجددا بنفس القلق :-
” حياة ..!! هل تسمعينني ..؟!”
نظرت له وقد أفاقت من تلك الرهبة التي تملكتها لتومأ برأسها وهي تجيب بهمس :-
” انا بخير .. لا تقلق ..”
قال بجدية :-
” عودي الى الغرفة وسوف أنظف الزجاج …”
قالت بسرعة :-
” كلا ، انا سأفعل ..”
أكملت وهي تنتبه لطريقتها المثيرة للريبة فتبتسم بلطف :-
” عد الى الغرفة وإنتظرني .. سأنظف الارضية وأعد القهوة لكلينا ..”
هتف بدهشة :-
” قهوة الآن ..؟! ”
برمت شفتيها تردد :-
” الوقت متأخر أليس كذلك ..؟!”
أكملت وهي تبتسم له بخفة :-
” سأعد مشروب الكاكاو بالحليب .. تحبه أليس كذلك …؟!”
رد مبتسما بصدق :-
” كل شيء من صنع يديك يكون رائعا وأحبه دون شك ..”
لمعت عيناها بقوة وهي تردد بإبتسامة أبرزت غمازتيها :-
” إذهب هيا وإنتظرني ..”
” سأفعل شيئا واحدا وأغادر …”
نظرت له بتساؤل لتتفاجئ به ينحني نحوها طابعا قبلة خفيفة فوق شفتيها يتبعها بأخرى فوق موضع غمازتها اليمنى ليردد وهو يغمز لها :-
” هذه تصبيرة فقط .. سأنتظرك .. لا تتأخري..”
إحتقنت ملامحها وهي تهز رأسها دون رد ليبتسم وهو يغادر المكان لتنظر الى آثره بشرود إستمر للحظات قبل أن تنخفض بجسدها نحو الأرض تلتقط حبة الدواء بأناملها تنظر إليها بحذر …
تشعر إنها تخونه بما تفعله وكم يؤذيها هذا الشعور ..
كانت قد إتخذت قرارها مسبقا عندما قررت أن تستمر في زيجتها منه ونفذت الأمر دون تردد حيث سارعت تشتري حبوب منع الحمل وتتناولها بإنتظام لكن لا تعرف لماذا فجأة بات يتملكها شعور غريب من تأنيب الضمير ..
بالطبع لإنها تصرفت دون إخباره .. دون أن تستشيره ..
لا تعلم لماذا لم تخبره وهي تشعر داخلها إنه لن يعارض كما إنها ترى من منظورها الشخصي وتفكيرها العقلاني إن تصرفها صحيح جدا …
هل يمكن أن ينزعج من تناولها تلك الحبوب ..؟!
هزت رأسها نفيا بسرعة وهي تردد داخلها :-
( بالطبع لا ، ما زال الأمر مبكرا جدا على الإنجاب .. هو بالتأكيد يدرك ذلك أيضا …)
نظرت الى الحبة بحيرة استمرت لثواني قبل أن تحسم أمرها وهي تتناول الحبة تتبعها بالماء …
أحذت نفسا عميقا ثم إتجهت تخرج الحليب ومسحوق الكاكاو من مكانه لتعد مشروب الكاكاو بالحليب الدافئ لكليهما …
بعد مدة قصيرة حملت الكوبين وتوجهت الى غرفتهما لتدلف إليها فتجده مستغرقا في نومه …
وضعت الكوبين على الطاولة بسرعة وتقدمت نحوه حيث جلست جانبه تتأمل ملامحه الهادئة عندما مدت كفها تلمس لحيته برقة وملامحها مليئة بالحب ..
الحب فقط لا غير كان يسيطر عليها في تلك اللحظة …
أبعدت أناملها عن لحيته وهي تبتسم بنفس الحب عندما عادت تلمسها مجددا لتشهق بفزع وهي تراه يسحبها من كفها لتسقط على صدره فتتسائل بجزع :-
” ألم تكن نائما ..؟!”
قال وهو يقرص مقدمة أنفها :-
” هل صدقت إنني نمت حقا ..؟! كيف أنام وأتركك هكذا يا حياة ..؟؟ لن تتخلصي مني بسهولة ..”
همست مشاغبة :-
” أنت تتقن التمثيل يا نديم .. ظننتك نائما حقا .. يا لك من ممثل شاطر …”
” انت لم تر شيئا بعد .. مواهبي متعددة ..”
قالها وهو يغمز لها بشقاوة تراها لأول مرة على ملامح وجهه لتضحك وهي تهتف :-
” أحب أن أرى جميع مواهبك …”
قلب جسدها يحاصره من الأعلى مرددا بعبث :-
” سترين جميع مواهبي .. أعدك بذلك …”
أكمل وهو يلتقط فمها بقبلة عميقة إستجابت لها على الفور تبعها بقبلات متفرقة فوق وجهها ثم عنقها أشعلت لهيب الرغبة فيه وفيها فذابت بين ذراعيه كالعادة تمنحه الحب والعاطفة بسخاء مبالغ …
تتفاعل معه بشوق لا يقل عن شوقه …
تندمج معه وكأنها خلقت له منذ الأزل …
وهو بدوره يكتمل بها .. يتناغم معها بشكل لم يستوعبه .. يرغبها بجنون .. يعشق تلك اللحظات التي يقضيها وهي بين ذراعيه أو هو بين ذراعيها .. لا يهم .. ما يهم إن معها وبين أحضانها ينسى كل شيء .. الماضي والحاضر وحتى المستقبل .. لا يفهم كيف تمنحه هذا الشعور المميز .. الهدوء والرغبة المشتعلة في آن واحد ..
معها يتوحد كليا وبها يجد ضالته …
هي إمرأة أجادت إختراق عتمته حتى بات لا يرضيه شيئا أكثر من وجودها بين ذراعيه وبات إمتلاكها أساس سعادته ..
همست بصوتها المبحوح وهو يضمها داخل أحضانه طابعا قبلة طويلة فوق جبينها :-
فيعاود طبع قبلة أخرى مغمضا عينيه مستمتعا بوجودها هكذا بين ذراعيه ..
………………………………………………………………
كانت ممددة بين ذراعيه تستند بوجهها فوق صدره العاري تنظر أمامها بشرود تام فيسألها وأنامله تسير فوق وجهها :-
” بم تفكرين ..؟!”
ردت بصدق :-
” لم أستوعب بعد ما يحدث وكيف أصبحنا هنا ووصلنا الى هذه المرحلة ..”
ابتسم مرددا بثقة :-
” كنت أعلم إننا سنصل الى هنا وقريبا وحدث ذلك بالفعل ..”
رفعت عيناها نحوه تتأمله عن قرب .. ملامحه الرجولية الوسيمة بجاذبيتها المدمرة .. عيناه الخضراوين وبشرته السمراء .. لحيته الخفيفة وملامحه التي تجمع بين الوسامة والحدة … كل شيء به جذاب بشكل مرهق …
وكل مرة تنظر إليه تتأكد إنها تعشقه بكل كيانها ..
تعشقه بكل ما تحمله الكلمة من معنى..
” ثقتك هذه تخيفني … ”
رددتها بعفوية ليبتسم وهو يرد بثقة :-
” ثقتي دائما كانت في محلها .. انا أعلم جيدا ما أريده وأسعى لنيله دون تردد … انتِ ما أريده يا شيرين ولإنني سعيت بقوة لنيلك لم يكن لدي شك إننا سنصل لهذه اللحظة …”
همست بخفوت :-
” بقدر ما يسعدني كلامك عن تمسكك بي ورغبتك هذه بقدر ما يخفيني ..”
” مم يخيفك كلامي …؟!”
سألها عاقدا حاحبيه بدهشة لترد بجدية :-
” رغم كل شيء .. دائما هناك داخلي خوف …خوف منك وعليك .. خوف يلاحقني دائما يا عمار .. ”
رفع جسده قليلا معتدلا في جلسته مرددا بتساؤل :-
” مالذي يخيفك بالضبط يا شيرين ..؟!”
إعتدلت هي الأخرى في جلستها فظهر قميص نومها الخفيف لترد :-
” أخاف منك يا عمار .. أخاف من تجبرك وتسلطك .. قوتك التي لا تتوقف عن إستخدامها .. خططك الدائمة .. أخاف من كل هذا وأخشى عليك في نفس الوقت .. أخاف عليك من شيطانك يا عمار .. شيطانك الذي يتحكم بك بكل قوته فتستجيب له ببساطة ..”
اقترب نحوها يحتضن وجهها بين كفيه مرددا :-
” لا تخافي علي يا شيرين .. انا قوي بما فيه الكفاية لحمايتك وحماية نفسي ..”
همست برقة :-
” أنا أحبك يا عمار .. أمنيتي الوحيدة أن أحيا معك بسلام ..”
رقت ملامحه وهو يجذبها داخل أحضانه :-
” وعدتك إنك ستحصلين على كل الحب والسعادة معي ..”
همست بتوسل :-
” لا تخذلني يا عمار .. انا وثقت بك .. سلمتك نفسي وقلبي وكل شيء .. حاربت الجميع لأجلك .. لا تخذلني من فضلك ..”
طبع قبلة قوية فوق شعرها مرددا :-
” أعدك يا شيرين …”
أكمل وهو يشعر بدموعها تبلل صدره :-
” فقط توقفي عن البكاء … لا أحب رؤية دموعك ..”
أبعدها عن صدره يمسح دموعها بلطف يردد :-
” لا أريد رؤية دموعك مهما حدث ..”
همست بصوت إجش :-
” اسفة ولكنني حاولت ألا أفعل .. لم أستطع منع دموعي من التساقط ..”
عاد يجذبها نحو صدره يردد بقوة :-
” إبكي يا شيرين .. أفرغي كافة دموعك لكن هنا .. فوق صدري …”
تساقطت دموعها الحارة مجددا فيشدد من إحتضانها بقوة وحماية تملكت منه ناحيتها ..
ظلا على هذه الوضعية حتى إبتعدت عنه تنظر الى وجهه تهتف بصدق :-
” انت تعلم إنني أحبك كثيرا ..”
هز رأسه يقول بدوره :-
” وأنا أحبك ..”
ابتسمت من بين دموعها تردد :-
” أريد أن أعيش معك ما تمنيته طويلا .. ما عجزت عن الحصول عليه مسبقا .. أريد أن أنسى الماضي وتنسى أنت أيضا ماضيك …”
قاطعها يتسائل وإصبعه يسير فوق وجنتها :-
” دوما ما تتحدثين عن ماضيك بطريقة غريبة .. أخبريني يا شيرين .. ماذا كان يحمل ماضيك …؟! ماذا فعل بك زوجك السابق …؟!!”
نظرت له برهبة ليرد :-
” أعلم إن هناك الكثير حدث في الماضي … أعلم ذلك .. لهذا يهمني أن أعرف .. إفتحي قلبك وتحدثي يا شيرين … ”
إبتعدت عنه كليا تمسح دموعها بأطراف أناملها وهي تقول :-
” هناك الكثير يا عمار ..”
” وانا مستعد لسماعه ..”
قالها بإهتمام لترفع عينيها الحمراوين تههف بعدم تصديق :-
” سوف تستمع لقصتي مع رجل غيرك ..؟!”
رد بقوة ظهرت في عينيه :-
” ذلك الرجل خرج من حياتك … انا الرجل الوحيد في حياتك بعد الآن ولا أحد سواي …”
ردت بجدية :-
” لقد خرج بالفعل ومنذ سنوات .. هل تعلم الشيء الوحيد الذي لم أندم عليه يوما إنني أخرجته من حياتي ..؟! كان أفضل قرار إتخذته في حياتي يا عمار ..”
” مالذي فعله ذلك الحقيرر..؟!”
سألها بملامح شديدة الغضب لتهمس بوجع :-
” الكثير يا عمار .. الكثير مما لا أريد تذكره حتى…”
أكملت والدموع تترقرق داخل عينيها مجددا :-
” لقد حطمني نفسيا .. دمرني يا عمار… ”
أكملت بضعف والدموع الحارقة عادت تتساقط فوق وجنتيها :-
” هناك شيء واحد يمكنني إخبارك عنه …”
نظر لها بإهتمام لتهمس باكية :-
” انا فقدت ابني بسببه .. فقدته مرتين ..”
همس مصدوما :-
” كيف يعني ..؟! هل سبق وأنجبتي منه ..؟!”
هزت رأسها نفيا وهي تردد :-
” حملت .. حملت مرتين .. وفي المرتين خسرت حملي .. بسببه .. ولداي ماتا داخل رحمي بسببه .. لم أستطع تخطي هذا الأمر حتى اليوم … كنت أرغب بهما بشدة رغم كرهي لوالدهما .. غريب أليس كذلك ..؟!”
نظر لها بإنصات لتكمل بحرقة :-
” كنت أريد أن أصبح أما … كنت أريد تجربة شعور الأمومة … في المرة الثانية بلغ حملي خمسة أشهر .. شعرت به يا عمار .. نما وكبر داخلي … قلت سأنجبه وأفرح به .. سأصبح أما أخيرا .. لكنه مات .. تركني وذهب عند أخيه ..”
إنخرطت في بكاء مؤلم فجذبها يعانقها بلهفة وهو لا يصدق ما يسمعه …
” اهدئي .. انا هنا معك .. لا تقلقي …”
ظل يكررها بإستمرار حتى توقفت أخيرا عن بكائها لتبتعد عنه وهي تمسح وجهها مرددة :-
” آسفة .. لقد أفسدت أول ليلة لنا سويا ..”
ابتسم مرددا :-
” ليس مهما .. فقط كوني بخير …”
قبضت على كفه تهمس بصدق :-
” سأكون بخير طالما أنت هنا بجانبي …”
ابتسم وهو يمرر أنامله داخل خصلات شعرها ليقول :-
” هل تعلمين شيئا ..؟!”
نظرت له بتساؤل ليضيف :-
” أرغب كثيرا أن أكون أبا .. أن أنجب طفلا .. طفلا منك انت يا شيرين .. انت دونا عن غيرك …”
همستها بعينين دامعتين ليكمل :-
” انت الوحيدة التي رأيت بها الأم التي أتمناها لأطفالي .. أريد أن ننجب الكثير من الأطفال .. أن نكون عائلة كبيرة …”
أكمل وهو يحيط وجهها بكفيه :-
” ألا تريدين أنت ايضا ذلك ..؟!”
ردت بعينين دامعتين :-
” أريد كثيرا ولكنني أخاف ..”
قال وهو يحرك أنامله فوق وجنتيها :-
” أخبرتك ألا تخافي وانت معي ..”
أضاف بجدية لا تخلو من اللهفة للحصول على طفل منها هي تحديدا :-
” لننجب طفلا يا شيرين … ”
ابتسمت مرغمة لينحني نحوها مقبلا شفتيها برغبة شديدة فتستجيب له وقد تمنت بدورها أن تحقق رغبته والتي تكون رغبتها هي أيضا ..
عاد يحتضنها بين ذراعيه بعد مدة مرددا بقوة :-
” أريد فتاة .. فتاة جميلة للغاية بعينين خضراوين وشعر بني طويل .. وأريد صبي .. صبي قوي وشجاع يحمل إسمي … ”
ضحكت رغما عنها تردد :-
” وماذا تريد بعد يا عمار بك ..؟!”
” أريد الكثير من الصبيان والبنات يا شيرين .. لن أكتفي بطفلين او ثلاثة … لن أكتفي سوى بعدد كبير من الأطفال … ”
همست تتسائل بفضول :-
” هل تريد أن يكون طفلنا الأول صبيا أم فتاة ..؟!”
رد بسرعة ودون تفكير :-
” فتاة .. وسأسميها ديانا …”
…………………………………………………………..
في صباح اليوم التالي ..
جلست أمامها تبتسم بهدوء لتبادلها جيلان إبتسامتها بقليل من التوتر …
هتفت منى بتساؤل وهي ما زالت محتفظة بإبتسامتها :-
” كيف حالك اليوم يا جيلان ..؟!”
ردت جيلان بخجل فطري :-
” بخير الحمد لله …”
قالت منى بجدية :-
” انت تعلمين إن اليوم هي أولى جلساتنا .. يعني الجلسة السابقة كانت مجرد تعارف .. جيلان ..”
نظرت لها جيلان بإنتباه لتقول منى :-
” اولا أريدك ألا تتعاملي معي كشخص يعالجك … انت أساسا لست مريضة .. انت فقط تعانين من مشاكل نفسية مثلك مثل الكثير .. مشاكل سنحلها سويا … لذا نحن شريكان في هذا الطريق .. سنتعاون حتى نهزم كافة مشاكلك … إتفقنا ..؟!”
ابتسمت جيلان وهي تهز رأسها بحذر لتضيف منى وهي تبتسم بدورها :-
” أنا أريد أن نسير خطوة خطوة على مهل .. لا أريدك أن تضغطي على نفسك أبدا .. سأسمعك بتروي .. إذا شعرت بعدم الرغبة في التحدث أخبريني فورا .. لا تجبري نفسك أبدا على شيء لا تريدنه .. ”
أضافت بقوة :-
” انت هنا لإنك تريدين التحرر من آلامك وتفريغ ما يدور داخل جبعتك .. انت هنا مخيرة ولست مجبرة لذا تعاملي على هذا الأساس وإعتبريني أختك الكبرى او صديقتك .. تعاملي معي على هذا الأساس ..”
اومأت جيلان برأسها لتسألها منى :-
” هل أنت جاهزة لنبدأ ..؟!”
هزت رأسها بحذر لتقول منى بجدية :-
” اليوم انت ستتحدثين .. انا لن أسأل ..”
همست جيلان بحيرة :-
” عم سأتحدث ..؟!”
ردت منى بهدوء :-
” عن أي شيء تريدنه .. قولي ما تريدنه .. مالذي يزعجك حاليا مثلا ..؟! ماذا يدور في بالك دائما ..؟! قولي أي شيء تجدين نفسك راغبة في قوله …”
قالت جيلان بتردد :-
” المشكلة إنني أرغب بقول الكثير لكنني لا أستطيع .. أشعر بنفسي عاجزة عن التحدث ..”
رددت منى بتفهم :-
” هذا أمر طبيعي .. أنت ستحتاجين وقتا كي تعتادي على الأمر وتستطيعين التحدث بأريحية .. كما أخبرتك قبل قليل .. سنأخذ وقتا كاملا ولن نستعجل أبدا .. ”
إبتسمت جيلان بإمتنان لتقول منى :-
” إذا لا تتحدثي انت .. سأسألك أنا … ما رأيك ..؟! سنتحدث قليلا دون التطرق لأي شيء مزعج ..”
هزت جيلان رأسها بطاعة لتسألها منى :-
” حدثيني عن الدراسة .. كونك في سنتك الأخيرة .. كيف تستعدين لبدء العام الدراسي الجديد …؟!”
أجابتها جيلان على سؤالها ببطأ وتردد بينما إستمرت منى في سؤالها عن مختلف الأشياء .. جميع أسألتها كانت عادية وبسيطة جدا … كانت تسألها بشكل عام وهي حريصة على عدم التطرق لأي اسألة مزعجة ..
كانت تريدها جلسة ودية وقد أدركت إنها ما زالت غير مستعدة للتحدث لذا قررت أن تمنحها مساحتها الكافية وتسعى للتقرب منها في نفس الوقت ..!
هكذا مرت الجلسة التي إستمرت لمدة ساعة كاملة تجاوبت خلالها جيلان مع منى تدريجيا حتى إنتهت الجلسة وجيلان تودع منى مبتسمة على وعد بزيارتها مجددا بعد ثلاثة أيام ..!
غادرت جيلان مركز العلاج وطلبت من السائق أن يأخذها الى منزل أخيها الجديد بعدما أصر عليها أن تزوره في منزل الزوجية ..
رغما عن كل شيء فرحت عندما علمت بخبر زواج أخيها من شيرين ..
شيرين التي لم ترها سوى مرات معدودة لكنها أحبتها كثيرا وقد شعرت بكم اللطف والحنو الذي تحمله بشكل فطري …
لم تستطع رفض الدعوة خاصة عندما تحدثت شيرين معها بنفسها ودعتها على الغداء لتضطر القبول وهي تخبر عمها برغبتها في زيارة أخيها فيوافق بسرعة ..
وصلت الى المكان أخيرا لتتأمل الفيلا بإعجاب لحظي عندما تقدمت نحو الحارس تخبره عن هويتها فيرحب بها ..
دلفت الى الداخل ليخرج عمار يستقبلها فتتجه نحو أحضانه بشكل عفوي بحت ليحتضنها وهو يبتسم بسعادة وقد أدرك إنه مهما حدث ستظل مكانته عندها كما هي وأكبر دليل جريها بشكل عفوي بحت نحو أحضانه ..
ربت على ظهرها مرددا بفرحة ظهرت في نبرة صوته :-
” سعدت كثيرا بقدومك يا جيلان ..”
ابتعدت أخيرا عنه تبتسم بخفوت لترحب بها شيرين :- ” جيلان حبيبتي ، كيف حالك ..؟!”
همست جيلان بخجل :-
” بخير الحمد لله … مبارك الزيجة .. فرحت كثيرا لكما …”
تقدمت شيرين نحوها تحتضنها بحنو لتستسلم جيلان لأحضانها بحركة أسعدت شيرين التي رددت :-
” أنرت البيت بقدومك يا جيلان ..”
دلفوا بعدها الى الداخل لتقول شيرين وهي تجذبها من كفها :-
” ما رأيك بالفيلا …؟! هل أعجبتك ..؟!”
ردت جيلان وهي تتأمل المكان بإعجاب :-
” نعم ، إنها رائعة ..”
سألتها شيرين :-
” هل ترين غرفتك الآن أم نتناول الطعام أولا ..؟!”
تسائلت جيلان بإستغراب :-
” غرفتي ..؟!!”
رد عمار مؤكدا :-
” نعم غرفتك يا جيلان .. هذا منزلك انت ايضا ..”
قالت شيرين بدورها:-
” لقد أعددنا لك غرفة خاصة بك يا جيلان .. فأنت صاحبة المنزل مثلنا تماما .. أريد أن تخبريني عن رأيك فيها ويمكننا تبديل الأثاث أو أي شيء لا يعجبك …”
هزت جيلان رأسها وهي تبتسم بتوتر ليهمس عمار لزوجته :-
” لنتناول الطعام أولا ..”
ابتسمت شيرين تقول بحماس :-
” دقائق ويكون الطعام جاهزا ..”
تسائلت جيلان بتردد :-
” هل يمكنني الذهاب معك ..؟؟ يعني مساعدتك ..”
قالت شيرين بسرعة :-
” بالطبع يمكنك .. تعالي معي هيا … ”
جذبتها من كفها تسير جانبها وهي تتحدث معها أمام أنظار عمار الفرحة بقدوم شقيقته …
بعد مدة قصيرة جلس الثلاثة على مائدة الطعام يتناولون طعامهم عندما همست جيلان تتسائل :-
” أنت من أعددت هذا الطعام …؟!”
ردت شيرين مبتسمة :-
” فقط المعكرونة بالبشاميل .. الباقي جاهز ..”
قالت جيلان بصدق:-
” إنها لذيذة جدا .. ”
” شيرين طباخة ماهرة ..”
قالها عمار وهو يقبض على كفها لترد ممازحة :-
” لا تبالغ يا عمار .. هي فقط بضعة أكلات تعلمتها لا غير ..”
أضافت بحماس :-
” لكنني سأتعلم جميع الأكلات فأنا أحب إعداد الطعام بنفسي …”
قالت جيلان بتذكر :-
” ماما كانت تكره الطبخ …”
تجهمت ملامح عمار فإنتبهت شيرين لذلك عندما أكملت جيلان :-
” كانت تطبخ في حالتين فقط … عندما أرغب بأكلة معينة منها فهي رغم كرهها للطبخ تجيد صنع الطعام بشكل رائع وعندما يأتي عمار عندنا .. كانت ترفض أن تأتي بأي شيء جاهز وتعد له الكثير من الأطعمة التي يحبها …”
إحتقنت ملامح عمار بقوة لتهمس شيرين برقة :-
” رحمها الله …”
همست جيلان لأخيها :
” أعتذر إذا ما …”
رد عمار بحزم :-
” لا تعتذري .. من الطبيعي ما تقولينه .. والدتنا ستبقى ذكراها حية بيننا للأبد …”
نظرت جيلان الى شيرين تردد بشكل أدهش عمار :-
” لا أعلم لماذا عندما أنظر الى شيرين أرى فيها والدتي …؟!”
أدمعت عينا شيرين بينما غزا الألم ملامح عمار مجددا لتكمل جيلان بخفوت :-
” كانت قوية وذكية وحنونة جدا لكنها غادرتنا مبكرا .. تركتني وانا صغيرة للغاية .. ”
مسحت شيرين دموعها فورا بينما هتف عمار بجدية :-
” سامحيها يا جيلان …”
رفعت جيلان عينيها نحوه تردد :-
” علام أسامحها ..؟! الموت ليس بيدنا ..”
رد وهو يأخذ نفسه :-
” سامحيها فقط … رغم كل شيء هي لم تحب أحدا كما أحبتنا .. ”
ابتسمت مرددة :-
” أعلم ذلك …. ”
أضافت بتذكر :-
” هل تعلم ..؟! كان أكثر ما يخيفها ألا نتصرف كأخوة …؟! مع إنها كانت تعلم مدى حبي لك وفرحتي بقدومك … ”
ابتسم مرددا رغم حزنه :-
” أفضل شيء فعلته إنها أنجبتك يا جيلان .. على الأقل بعدما رحلت تركت قطعة منها تواسيني … ”
منحته جيلان إبتسامة بادلها إياها رغم الوجع الذي سيطر عليه بينما ربتت شيرين على كفه بدعم وقد شعرت بكل ما يدور داخله ..
…………………………………………………….
أغلقت الملف وهي تتنهد بتثاقل ..
ما زال اليوم في بدايته ورغم ذلك تشعر بتعب غريب يصاحبه اكتئاب يبدو إنه لن ينتهي …
مزاجها المتقلب أصبح يرهقها جدا ..
تشعر إن حياتها مشتتة بشدة ولا مكان للإستقرار فيها …
تبحث عن مرسى آمن لكنها تعجز عن إيجاده ..
لا تفهم مالذي عليها أن تفعله وهي التي غرقت في قصة عشق كانت نهايتها مؤلمة وهاهي تعاني تبعات هذه القصة حتى وإن حسمت قرارها سابقا في نسيانه بل وتمسكت بقرارها وهاهي بالفعل تخطو خطواتها نحو النسيان بكل ثقة دون تراجع ..
لكن رغما عن كل هذا ما زال داخلها يحمل جروحا لا تتضب وآلام لا تنتهي ..
ماضيها يلاحقها وخوفها من الستقبل مجهول المعالم يخنقها …
تحاول أن تتفائل لكن بلا فائدة فكل شيء حولها يخبرها إن القادم سيكون صعب للغاية ..
من جهة مشاكلها التي تخصها ومن جهة مشاكل عائلتها ..
لا تعرف ماذا تفعل وفيمَ تفكر تحديدا ..؟!
وضعت الملف جانبا وتمددت فوق سريرها تنظر الى السقف بصمت تام …
عيناها تخبران عن مدى حيرتها وقلقها …
أغمضت عينيها وهي تحاول أن تبعد تلك الأفكار عن رأسها …
ألا تفكر بأي شيء …
أن تريح دماغها …
أن تبعد تلك الصور المتفرقة عن عقلها …
حتى العمل الذي لجأت إليه فشل في إخراجها من حالتها تلك …
إعتدلت في جلستها تسحب هاتفها تنظر إليه للحظات قبل أن تفتح احدى انواع الموسيقى الكلاسيكية الهادئة التي تفضلها …
وضعت الهاتف جانبا بعدما رفعت الصوت الى أعلى نقطة ثم عادت تتمدد فوق سريرها مغمضة عينيها وصوت الموسيقى يتغلل داخل روحها بتروي حتى إندمجت معها كليا …
لطالما كانت تلك طريقتها للهرب من مشاكلها المحيطة بها … طريقتها الناجحة دائما …
إرتسمت إبتسامة خافتة فوق ثغرها تعبر عن ذلك السكون الذي ملأ كيانها وتلك الموسيقى تمنحها شعورا لذيذا كما إعتادت أن تفعل بها …
مر الوقت حتى نهضت من فوق سريرها تسحب هاتفه وهي تأخذ نفسها وقد ملأ كيانها شعور الراحة والإستقرار ..
ربما بالفعل عليها اللجوء الى بعض الأشياء للتخلص من أفكارها تلك ..
ربما عليها أن تعود الى جلسات اليوغا مثلا ..
هكذا فكرت وهي تخرج من غرفتها وتهبط درجات السلم لتجد والدتها تنهي إتصالها مع أحدهم فسألتها وهي تجلس على الكرسي المقابل لها بملامح هادئة :-
” مع من كنت تتحدثين ..؟!”
” مع نهاد زوجة خالك .. دعوتهم على العشاء ..”
قالتها ليلى بقليل من التعجب لتهز فاتن رأسها وهي ترد :-
” نعم ، لم تأتِ الفرصة لي لدعوتهم بعد عودتهم الى البلاد كما كان يفترض بسبب مرض والدك لكن بما إن والدك أصبح بخير فقلت لأدعوهم اليوم …”
هزت ليلى رأسها بتفهم وفكرت لا إراديا بزاهر الذي سيأتي اليوم ولا تعلم لماذا سيطر الحماس عليها فجأة وهي التي لم تره منذ حوالي ثلاثة أيام لكنها سرعان ما نهرت نفسها وهي تبرم شفتيها بعدم رضا ..
” سأتصل بمريم كي تتواجد مبكرا …”
قالتها والدتها وهي تنهض من مكانها تحمل هاتفها معها عندما وجدت عبد الرحمن يهبط الى الأسفل ممسكا بيد مربيته التي قالت :-
” عبد الرحمن يريد اللعب قليلا .. سأخذه الى الحديقة الخلفية ..”
قالت فاتن بسرعة :-
” إنتبهي عليه جيدا ..”
هزت المربية رأسها بطاعة بينما ليلى ترمق الصغير بنظراتها عندما خرج مع مربيته عندما وجدت والدتها تخبرها بجدية :-
” حاولي أن تقتربي منه يا ليلى .. مريم عنيدة ولا تسمع كلامي ولكن انت تختلفين عنها وتدركين جيدا إنه أخيك …”
هزت ليلى رأسها دون رد عندما منحتها والدتها إبتسامة خاصة تخبرها من خلالها بمدى ثقتها بها …!!
عادت بظهرها الى الخلف تشعر بالقليل من الضيق بسبب الحيرة التي تتملكها اتجاه هذا الطفل الصغير الذي تدرك جيدا إن لا ذنب له فيما يحدث …
نهضت من مكانها بعد فترة متجهة الى غرفتها عندما إتجهت لا إراديا نحو خزانة ملابسها تبحث عن فستانا مناسبا ترتديه ..
لا تفهم مالذي يجعلها تهتم قليلا بدعوة الليلة ولا تفهم لماذا تسعى لأن ترتدي شيئا تنتقيه بعناية مع إنها دائما ما كانت أنيقة ولا ترتدي سوى كل ما هو جذاب وأنيق …
توقفت عما تفعله وهي ترى شقيقتها تقتحم غرفتها لتمنحها نظرة معاتبة فتهتف الأخيرة بعدم إكتراث :-
” نحن شقيقتان .. لا داعي لهذه الرسميات بيننا ..”
” حقا ..؟! هذه ليست رسميات .. هذه خصوصيات علينا إحترامها …”
قالتها ليلى بجدية لتتجاهل مريم حديثها وهي تتسائل بإبتسامة ذات مغزى :-
” عائلة خالك سيأتون الليلة إذا ..؟!”
رسمت ليلى اللا مبالاة وهي تجيب بإعتيادية :-
” نعم ، علمت بذلك ..”
هتفت مريم بخبث :-
” ستكون سهرة مميزة بالتأكيد …”
رمقتها ليلى بنظرات حازمة لتضيف مريم بعبث :-
” ماذا هناك ..؟! هل قلت شيئا خاطئا ..؟!”
” توقفي يا مريم .. انت تعلمين إنه لا يوجد شيء مما تفكرين به أبدا .. ”
ردت مريم بتهكم مقصود :-
” نعم والدليل إنك تقفين أمام خزانتك تنتقين ملابسا لأجل الليلة ..”
قالت ليلى ببرود :-
” دائما وأبدا كنت أهتم بمظهري وأناقتي .. لا تدعي الدهشة الآن ..”
هزت مريم رأسها وهي تكتم ضحكتها :-
” نعم نعم .. تهتمين بأناقتك لدرجة إنك تنتقين ملابسك منذ الصباح لأجل دعوة على العشاء ..”
منحتها ليلى نظرات مشتعلة نادرا ما تظهر منها جعلت مريم تردد بسرعة وهي تندفع خارجة غرفتها :-
” سأغادر قبل أن تقتليني …”
ثم غادرت بالفعل لتزم ليلى شفتيها وهي تنهر نفسها مجددا :-
” ماذا أفعل أنا بالضبط ..؟!”
لتتفاجئ بمريم تمد رأسها وهي تخبرها بشقاوة :-
” إرتدي الأسود يا ليلى فهو يجعلك فاتنة بشكل مرهق …”
صاحت ليلى بها بقوة لتضحك مريم بعفوية وهي تغادر بالفعل هذه المرة فتبتسم ليلى بخفة رغما عنها ..!
…………………………،……………………………..
كانت تجلس على أرضية المكان بملامح جامدة وجسدها يهتز بإنفعال شديد ..
أيام مرت وهي محبوسة هنا في هذا المنزل البعيد …
أيام مرت دون أن تفهم شيئا سوى إن هذه أوامر راغب الهاشمي الذي قرر أن يبعدها عن الوسط تماما في منزل صغير يقع في إحدى المناطق النائية بوجود إثنين من رجاله اللذين يجلبان لها الطعام ويسألانها إذا ما تريد شيئا متجاهلين صراخها المستمر وتحطيمها لمختلف الأشياء بلا مبالاة مغيضة …
تجمدت أطرافها كليا وهي تراه يقتحم المكان أخيرا بملامح قوية صلبة لتنتفض من مكانها تصرخ بغضب كالجحيم :-
” وأخيرا أتيت .. كيف تفعل بي هذا … كيف تحبسني هنا ..؟! ”
رد راغب بهدوء وهو يقترب نحوها :-
” نعم أتيت .. ”
أضاف وهو يرمقها بنظراته القوية المهيبة :-
” أتيت يا تقى .. أتيت لنتحدث …”
همست بملامح محتقنة :-
” إخرجني من هنا فورا .. انت لا يحق لك خطفي …”
تجاهل ما تقوله وهو يتحرك متجها نحو الكرسي يجلس عليه واضعا قدما فوق الأخرى مرددا ببرود :-
” أخبرتك أن تبتعدي عن عائلتي .. أخبرتك ذلك أكثر من مرة .. حذرتك عدة مرات … ورغم هذا إستمريت فيما تفعلينه ولن تتراجعي .. في المقابل أنا أيضا تحركت .. في النتيجة لم أكن لأسمح لك أن تنالي من عائلتي أي شيء .. انا نبهت وتنبيهاتي لم تجلب نتيجة .. اللين لم يجلب نتيجة معك فلجأت الى طرق أخرى تناسب أمثالك ..”
” الخطف ..؟! هذه هي الطريقة التي تناسبني ..؟!”
ضحك مرددا بخفة :-
” لو كان بيدي لفعلت أكثر من هذا .. صدقيني .. لكنك للأسف الشديد فتاة ولست أنا من يتعامل بهذه الطريقة مع الفتيات … لهذا رغم كل شيء إلتزمت بحدود لا يمكن تخطيها فنحن تربينا على ذلك …”
” مالذي تريده مني يا راغب ..؟!”
سألته بنفاذ صبر ليتسائل بدوره :-
” ما أخبار الطفل ..؟!”
بهتت ملامحها ليسألها ببرود :-
” هل ستخبريني من هو والده أم …”
قاطعته بغضب :-
” مهند هو والده ولن أسمح لك أن تشكك بهذا ..”
ضحك ملأ فمه ثم قال :-
” كيف ومتى ..؟!”
ردت بتهكم :-
” إسأله هو …”
هتف وقد إختفت ضحكاته تماما وحل محلها الجمود والنظرات المتسلطة :-
” لا داعي لأن أساله فالجواب عندي ..”
ظهر التوتر على ملامحها وهي تسأله :-
” ماذا تقصد …؟!”
أشار لها لتجلس أمامه فهزت رأسها نفيا ليصيح بصرامة :-
” إجلسي لنتحدث … لست مستعدا لتحمل سخافتك …”
إبتلعت ريقها بقلق وهي تتقدم وتجلس مقابله منكمشة قليلا على نفسها ليخرج ورقة من جيبه ويرميها أمامها فتسائلت بتوتر :-
” ما هذه ..؟!”
” إفتحيها وستعرفين …”
جذبت الورقة تقرأ ما داخلها بعينين مهتزتين لتنتفض من مكانها مرددة :
” هذا كذب .. الطفل ابن مهند .. هو ابنه ..”
نهض بدوره مرددا بتهكم بارد :-
” حقا ابنه ..؟!”
هزت رأسها وهي تردد بتأكيد :-
” نعم ، اقسم لك إنه إبن مهند ..”
أكملت وهي تصيح عليه :-
” انت من زورت هذا التقرير .. تريد إبعاد مهند عني كما حاولت مسبقا …”
رد بعدم تصديق مما تفعله :-
” انت تكذبين الكذبة وتصدقيها ..”
أكمل وهو يخرج ورقة أخرى من جيب سترته يفتحها أمام صائحا بقوة :-
” وهذه الورقة أيضا مزورة .. من لجأ لعملية التلقيح الصناعي ..؟! من إتفق مع ذلك الطبيب الحقير على حقنه بنطفه رجل مجهول الهوية ..؟! قولي هيا من ..؟!”
إنتفض جسدها بهلع عندما شعرت بكفه تقبض على ذراعها يصرخ بها :-
” إسمعي يا هذه .. انت تعرفين جيدا ما فعلته … لم يخلق بعد من يعبث معي .. الان معي كل الأدلة التي تثبت إن الطفل ليس من أخي ولا يعنيه … قسما بربي إن لم تختفي من حياته وحياتنا فسأنشر هذه الأوراق في كل مواقع التواصل الإجتماعي وأجعل فضيحتك لا نهاية لها .. يكفي فضائح والدك يا تقى .. لست بحاجة لفضيحة جديدة …”
دفعته وهي تصيح بجنون :-
” إفعل ما تريد ولكن لا تنسى إنني زوجة أخيك .. لا تهددني يا راغب فأنا ما زلت زوجته وهناك ورقة زواج عرفي بيننا …”
ضحك بقوة على بلاهتها لتتأمله بعدم إستيعاب عندما أخرج ورقة ثالثة وفتحها أمامها لتتجمد لا إراديا وهي تهمس بعدم تصديق :-
صرخت وهي تحاول القبض على ورقة :-
” من أين أتيت بها ..؟!”
رد ببساطة :-
” من صديقتك تلك .. لا أتذكر إسمها …”
همست بعدم تصديق :-
” نعم .. هي سوزي ..”
قالها متهكما لتهز رأسها بإنكار فكيف لسوزي أقرب صديقاتها أن تفعل بها هذا ..؟! كيف تمنحه تلك الورقة وهي التي قررت أن تختفظ بها عندها خوفا من أن يسرقها مهند أو أي شخص غيره …
” يا إلهي .. هذا لا يمكن ..”
رد راغب ببرود :-
” بل يمكن .. لأجل المال يفعل المرء أي شيء ..”
أكمل عن قصدد:-
” مثلما فعلت أنت كل هذا لأجل أموال مهند ..”
هتفت بصدق :-
” أنا أحببت مهند .. اقسم لك إنني أحببته … لم أفكر لا بأمواله ولا بأي شيء ..”
قاطعها بغضب :-
” تحبينه وتفعلين به هذا … تحملين بطفلا ليس منه و ..”
قاطعته بسرعة :-
” كنت سأجهضه ..”
أكملت بعينين محتقنتين :-
” انت من أجبرتني على هذا .. ومهند أيضا عندما إبتعد عني … لم يكن أمامي حل آخر سوى هذا ..”
نطق راغب بنفور :-
” انت تثيرين إشمئزازي …”
بكت بحرقة وهي تكمل :-
” انت حاربتني منذ اول يوم وحاربت مهند كي يتركني .. ”
قاطعها بقوة :-
” نعم فعلت ولست نادما .. نظرتي بك كانت صائبة يا تقى .. مهما حاولت لن تغيري نظرتي فيك ..”
أضاف بسخرية :-
” ودموع التماسيح هذه وفريها لنفسك فأنا لا أتأثر بها مهما حدث …”
” انت لا يمكنك أن تكذب حبي له ..”
قالتها مدافعة عن نفسها ليرد ببرود:-
” هذا ليس سبب وجودي هنا ..”
أكمل وعيناه ترمقانها بقوة :-
” انا هنا لأخبرك أن تبتعدي عن مهند تماما .. لا أريدك أن تظهري أمامه مجددا … وإذا لم تنفذِ أوامري ستكون العواقب وخيمة …”
أنهى كلماته وهم بالتحرك لتهتف به :-
” عمار الخولي يعرف كل شيء ومعه نسخة من عقد الزواج …”
إلتفت نحوها يردد بلا مبالاة :-
” لا تقلقي بشأنه .. أنا أجيد التصرف معه .. فكري بنفسك ..”
أكمل وعيناه تضيقان حولها :-
” يمكنك مغادرة المكان .. سأكررها مجددا .. لا أريد رؤيتك حولنا مجددا وإلا حينها سأفعل ما لا يمكنك تصوره ..”
” ماذا ستفعل مثلا ..؟!”
سألته بتحدي وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها ليرد :-
” غير الفضيحة …؟!!”
إدعى التفكير للحظات قبل أن يجيب :-
” لدي الكثير مما يمكن فعله … صدقيني يا تقى أنا لا أهدد هكذا لمجرد التهديد .. أنا أتحدث عن ثقة .. كما حصلت على كل الدلائل التي تثبت إن حملك كادب بل وجلبت الدليل الذي يثبت طريقة حملك يمكنني فعل ما هو أكثر بمراحل … ”
أكمل بتهديد صريح :-
” خافي على نفسك يا تقى ولا تنسي والدك في سجنه .. لا أحد يعلم .. ربما حكم المؤبد يصبح إعدام ..!!”
…………….:…………………………………..:………
كان مهند يجلس في مكتب أخيه الذي يطالعه بصمت مريب..
صمت شعر إن خلفه شيئا هاما …
راغب الذي عاد الى القصر بعدما أنهى حديثه مع تقى منبها على رجاله أن يراقبوها عند خروجها وألا تغفل عيونهم عنها لحظة واحدة ليتركها وهو مطمئن إنها ستبقى تحت أنظاره يحاوطها بإستمرار وهاهو يجلس أمام أخيه كي يخبره بما حدث والحقيقة الكاملة رغم صعوبتها ..
يعلم جيدا إن حقيقة تقى سوف تكسره ..
سوف تجعله يشعر بالذل أمامه وهذا أكثر ما يزعجه لكنه مجبر على إخباره بكل شيء كي يعلم أي وحل كان يغرق فيه ..؟!
مد يده بالأوراق التي تحمل إحداهما تحليل الدي أن أي والأخرى أوراق تخص عملية التلقيح الصناعي التي قامت بها لينظر إليها مهند للحظات قبل أن تتجهم ملامحه …
لحظات طويلة وملامحه يسيطر عليها التجهم حتى نطق أخيرا بهدوء مريب :-
” كيف إستطعت القيام بالتحاليل خاصتي ..؟!”
رد راغب ببساطة :-
” ذلك التحليل الذي طلبه منك راجي ..”
توقف عندما لاحظ إشتعال عينيه للحظات ثم سرعان ما خمد لهيبهما وهو يردد بإبتسامة باردة :-
” كنت أعلم أساسا .. لم أصدق كذبة الرجل المريض والذي يحتاج فصيلة دمي …”
هتف راغب بدوره وهو الذي يفهمه للغاية :-
” أعلم ذلك .. كنت أعلم إن الأمر مكشوف بالنسبة لك ورغم ذلك كنت واثقا من قبولك الذهاب والتبرع …”
نظر إليه مهند بجمود ليسأله راغب مجددا :-
” كنت تشك بذلك ..؟!”
هز مهند رأسه دون رد ليتسائل بصوت منخفض :-
” رغم إنتا تقاربنا في تلك الفترة لكنني كنت متأكدا إنه ليس مني … ”
أضاف وعيناه تشردان بعيدا :-
” لم أستطع التصديق إنها خانتني .. رغم كل شيء ظننتها أحبتني …”
زفر راغب أنفاسه وهو يردد :-
” هي خانتك بطريقة مختلفة يا مهند .. ”
هتف مهند بصوت مليء بالغضب :-
” حملت طفل غيري .. كيف تكون الخيانة إذا .. ؟!”
قال راغب بتردد :-
” انت لم تفهم بعد .. إنظر الى بقية الأوراق … تقى تعمدت أن تحمل طفلا وتنسبه إليك لذا لجأت للتلقيح الإصطناعي …”
إستدار مهند بوجهه نحوه ينظر له بعدم تصديق ليهز راغب رأسه مؤكدا ما قاله فيتمتم مهند بعدم إستيعاب :-
” يا إلهي .. لا يمكنني التصديق …”
” بل صدق .. تلك الفتاة مستعدة أن تفعل أي شيء لتربطك بها …”
إعتصر مهند الأوراق داخل قبضته بقوة عندما أضاف راغب بجدية :-
” المهم ، لقد إنتهينا منها .. لا أريدك أن تفكر بها مجددا ..”
قالها مهند بتهكم عندما أضاف يسأله بضحكة هازئة :-
” وكيف تخلصت منها ..؟!”
رد راغب ببرود :-
” تصرفت معها .. أؤكد لك إنها لن تقترب منك بعد الآن ..”
سأله مهند بقوة :-
” أين هي ..؟!”
رد راغب بهدوء :-
” ليس مهما يا مهند .. ”
نهض مهند من مكانه يصيح متسائلا :-
” أخبرني أين هي ..؟! أريد معرفة مكانها ..”
نهض راغب بدوره يسأله بهدوء متفهما غضبه :-
” لماذا تريد معرفة مكانها ..؟!”
رد مهند بنظرات متوعدة :-
” أريد رؤيتها والتحدث معها ..”
هتف راغب بحزم :-
” تلك الفتاة إنتهت من حياتك تماما .. إفهم هذا وإستوعبه …”
” أريد معرفة مكانها يا راغب .. هذا من حقي …”
أضاف وعيناه تلمعان بحقد مخيف :-
” لا تنسى إنها زوجتي …”
قال راغب بقوة وحزم :-
” كانت زوجتك .. الورقة معك … مزقها فورا ولينتهي كل شيء … هذا إذا إعتبرنا إن ما كان بينكما زواج بحق …”
رمقه مهند بطرف عينيه يردد :-
” لماذا ترفض إخباري بمكانها ..؟!”
رد راغب وهو يتنهد بعمق :-
” انا لم أعد أعرف مكانها .. لقد إحتجزتها لفترة في منزل بعيدا ثم تركتها بعدما أخبرتها بكل شيء وهددتها أيضا لذا أطلب منك يا مهند أن تنسى تقى بكل ما فيها وتبدأ من جديد ..”
” وهل يفترض بي أن أفعل ..؟!”
سأله مهند وهو يضيف :-
” هل انا مضطر لتنفيذ كلامك ..؟!”
رد راغب ببديهية :-
” لو كان كلامي يتعارض مع مصلحتك فلا تنفذه …”
قال مهند متهكما :-
” دائما كلامك لصالحي ..”
رد راغب بثقة :-
” هذه الحقيقة ..”
قال مهند بتحدي :-
” سأجدها بنفسي .. لا داعي لخدماتك …”
غمغم راغب بعدم مبالاة :-
” انت حر .. ”
منحه مهند نظرات حادة وهو يندفع مغادرا المكتب ليهمس راغب بملل :-
” يبدو إن مهند هو الآخر يحتاج لمن يراقبه ..”
اما مهند فخرج مندفعا من المكتب ومنه خارج القصر بخطوات راكضة غير منتبها لتلك التي عادت من منزل أخيها أخيرا ليصطدم بها فتسقط أرضا وهي تصرخ بألم ..
زفر أنفاسه بقوة وهو ينظر إليها بعينيه الزرقاوين متمتما :-
” هذا ما ينقصني …”
ثم سألها من بين أسنانه وهو يراها تنهض من مكانها :-
” هل انت بخير ..؟!”
ردت وهي تنفض الغبار عن ملابسها :-
” نعم بخير …”
نظرت الى ركبتها التي جرحتها تلك الحجارة لتهمس بعفوية :-
” جرحت ركبتي …”
تأمل الدماء الخفيفة على ركبتها ليقول بجدية :-
” تعالي لأداويها …”
همست وهي تزم شفتيها :-
” وهل أنت طبيب لتداويني ..؟!”
” لماذا تتحدثين وكأن هناك رصاصة أصابتك ..؟!”
ثم أشار له تتقدمه :-
” سيري أمامي هيا …”
سارت أمامه على مضض عندما إتجه بها نحو المطبخ ليخبرها :-
” إجلسي هنا …”
جلست على الكرسي الذي أشار نحوه بينما طلب من إحدى الخادمات هناك أن تجلب له معقم الجروح وبعض القطن ولاصق الجروح ..
تأملته وهو يطلب منها أن تمد قدمها ويهم بفتح علبة المعقم لتقول بسرعة :-
” لا داعي للمعقم .. انه جرح خفيف …”
” نعقمه أفضل ..”
همست برجاء :-
” لكنه يحرقني …”
نظر لها مرددا بنفاذ صبر :-
” مدي ساقك يا جيلان …”
منحته نظرة متوسلة ليصيح بها بحدة أجفلتها :-
” قلت مدي ساقك ..”
مدت ساقها بسرعة وهي تضغط على شفتيها كي لا تبكي عندما وضع القليل من المعقم فوق القطن وبدأ يعقم مكان الجرح بعناية ..
وضع أخيرا اللاصق يغطي الجرح بالكامل ليقول :- ” بإمكانك النهوض الآن …”
نهضت من مكانها تتأمل مكان الجرح المغطى باللاصق لترفع عينيها نحوه وتردد بضيق :-
” انت وحش ..”
هتف بإمتعاض :-
” وانت طفلة مدللة ..”
تمتمت وهي تندفع خارح المكان :-
” وانت احمق …”
شهقت وهي تشعر به يجذبها من ذراعها مرددا :-
” تتجاوزين حدودك كثيرا يا جيلان .. لا تراعين حتى فرق السن بيننا ..”
همستها بخوفها ليهمس هازئا :-
” طالما إنك تخافين لهذه الدرجة ، لماذا تثيرين غضبي …؟!”
ترك ذراعها لترمقه بنظرات كارهة فيهمس ساخرا :-
همت بالرد عندما وجدا زهرة تهبط من درجات السلم وهي تردد بسعادة :-
” لقد عادت هالة يا مهند ..”
…………………………………………………
عانقت همسة أختها بسعادة شديدة وهي التي لم ترها منذ عدة أشهر عندما زارتها في الخارج لأسابيع قليلة مع طفليها …
أختها التي غادرت البلاد لأجل دراسة الطب وما زالت مستمرة في دراستها هناك …
لقد عادت فجأة في زيارة غريبة وهي التي لم تأتِ الى البلاد منذ مغادرتها لها في التاسعة عشر من عمرها فكانت ترفض القدوم بسبب ضغط الدراسة هناك مما يجعلها هي من تسافر لها سنويا وتبقى معها لأسابيع قليلة برفقة زوجها وخالتها في أغلب الأحيان …
إبتعدت هالة من بين أحضانها تردد بفرحة خالصة :-
” إشتقت لك كثيرا يا همسة …”
إحتضنت همسة وجهها وهي تردد بحب :-
” أنا أكثر يا هالة ..”
“دعيني أسلم على صهري ..”
قالتها بمرح وهي تستدير نحو راغب الذي إحتضنها بحنان أخوي أقرب للأبوة وهو يهمس لها مبتسما :-
” وأخيرا تذكرت العودة الى البلاد ..”
ابتسمت هالة وهي تبتعد عنه مرددة بحب :-
” إشتقت إليك حقا .. كيف حالك ..؟! ”
رد وهو يربت على وجنتها :-
” انا بخير يا هالة .. المهم أن تكوني انتِ بخير ..”
رددت بصدق :-
” انا بخير طالما أنتم جميعا بخير ..”
سألتها همسة بجدية :-
” لماذا لم تخبرينا إنك ستأتين اليوم ..؟!”
أجابتها هالة وهي تستدير نحوها :-
” أحببت أن أفاجئكم ..”
قال راغب بإهتمام :-
” كان يجب أن يستقبلك أحدهم في المطار على الأقل …”
قالت هالة وهي تغمز له :
” ولكن هناك بالفعل من إستقبلني …”
تسائلت همسة بإستغراب :-
صدح صوت فيصل وهو يدلف الى الداخل :-
” بالطبع أنا .. هل يوجد غيري ..”
همست له همسة معاتبة :-
” انت كنت تعلم ولم تخبرني ..”
” كنت أعلم منذ إسبوعين والوحيد الذي يعلم .. ”
ثم أشار الى هالة :-
” هي من أرادت هذا وانت تعرفين أختك .. لا يمكن المزاح معها ..”
اندفعت هالة نحو أحضان أختها تردد :-
” أردت أن أفاجئك ..”
طبعت همسة قبلة فوق وجنتها تردد :-
” كانت أحلى مفاجئة ..”
صدح صوت زهرة وهي تتقدم بلهفة نحوها :-
” هالة .. وأخيرا عدت ..”
اندفعت هالة نحو أحضان زهرة تردد :-
إحتضنتها زهرة بأمومة خالصة فهي بمثابة أمها الثانية التي تولت تربيتها منذ أن كانت في العاشرة من عمرها …
ظلت زهرة تشدد عليها وهي تهمس بسعادة غير مصدقة عودتها :-
” كم إشتقت إليك يا حبيبتي …”
ابتسمت هالة داخل أحضانها وهي تردد بفرحة لا تخلو من شقاوتها :-
” وأنا إشتقت إليك أكثر يا زوز ..”
قرصتها زهرة من وجنتها ثم قبلتها على وجنتيها عندما قالت هالة وهي ترى مهند يتقدم خلفة فتاة صغيرة بعض الشيء عرفتها من حديث أختها عنها :-
” دعيني أسلم على ابن خالتي …”
ثم إندفعت نحو مهند تحتضنه فبادلها عناقها قبل أن تبتعد عنه تسأله :-
” كيف حالك يا ابن خالتي العزيز ..؟!”
رد مهند وهو يرسم إبتسامة على شفتيه رغم ضيقه من مواجهته مع راغب وحقيقة تقى الصادمة :-
” بخير يا هالة .. الحمد لله على سلامتك ..”
شعرت هالة بوجود خطب ما فإبتسمت له وهي تربت على كتفه قبل أن تنظر إلى جيلان وهي تهتف بترحيب :-
” وانت جيلان بالطبع ..”
ابتسمت جيلان وهي تردد بخجل :-
” نعم ، اهلا بك والحمد لله على سلامتك ..”
قالت زهرة تعرف عن هالة :-
” هذه هالة يا جيلان .. إبنة أختي وشقيقة همسة ويمكنك أن تعتبريها إبنتي أيضا …”
” حدثتني همسة عنك كثيرا .. قالت إنك جميلة للغاية ولم تكذب ..”
احمرت وجنتي جيلان وهي تشكرها بخفة :-
اقترب فيصل نحو جيلان يحتضنها بعفوية مرددا :-
” جيلان فخر إنتاج عائلتنا عزيزتي هالة …”
ردت هالة تمازحه :-
” إنتاج عائلتكم بالذات يستحق التقدير يا فيصل ..”
سألت بعدها أختها بلهفة :-
” أين الصغيرين .. ؟! إشتقت لهما …”
قالت همسة بجدية :-
“في غرفتهما .. سأذهب وآتي بهما …”
قالت هالة بسرعة :-
” بل سأصعد لهما وأفاجئهما …”
” سآتي معك ..”
قالتها همسة وهي تسير جانبها عندما فتحت هالة غرفة الصغيرين وهي تصيح بمرح :-
” انا أتيت ..”
قفز الصغيران من مكانهما مرددين بفرحة :-
ثم هجما عليها يحتضانها ويقبلانها فتبادلها العناق والقبلات المتفرقة …
” إشتقت لكما كثيرا …”
قالتها وهي تحاوطهما بين ذراعيها ليرد سيف :-
” ونحن أكثر خالتي ..”
” هالة .. اسمي هالة .. توقفا عن قول خالتي ..”
برم نزار شفتيه مرددا بعدم رضا :-
” بابا وماما يخبرانا أن ننادي من يكبروننا سنا هكذا …”
هتفت هالة :-
” لا علاقة لي بما يقوله بابا وماما .. ستنادوني هالة .. هالة فقط …”
ثم عادت تحتضنهما بشوق وهي تشير لأختها التي تراقبها بسعادة :-
” إشتقت لهما كثيرا ..”
بعد قليل كانت قد وزعت هالة الهدايا على الجميع حتى جيلان عندما جاء دور الصغيرين فرددت بمرح :-
” أنتما لم أجلب لكما هدية …”
زم الإثنان شفتيهما بضيق لتهتف بمرح :-
” جلبت لكما حقيبة هدايا ..”
صاح الصغيران بصخب عندما حملت هالة حقيبة متوسطة الحجم ووضعتها أمامهما ليهبط الصغيران بجانب الحقيبة وهبطت هالة معهما تفتحها وهي تخبرهما :-
” أتيت من كل قطعة إثنتين .. كل واحد يأخذ واحدة له .. القطعتان متماثلتان تماما …”
نهضت من مكانها بعدما فتحت الحقيبة ليبدأ الصغيران بإخراج ما بها من ألعاب عندما عادت هي تجلس بجانب خالتها التي إحتضنتها فرددت :-
” إشتقت لك يا زوز ….”
” وانا أكثر يا حبيبة زوز …”
سألها راغب :-
” طمأنيني عنك وعن أخبارك هناك ..؟!”
ابتسمت هالة وهي تجيبه :-
” رغم إنك تتصل بي بشكل شبه يومي وتطمئن علي لكنني سأجيبك .. كل شيء يسير بأفضل ما يكون ..”
قال فيصل مازحا :-
” الكبير يجب أن يعرف كل شيء عن الجميع …”
قالتها هالة وهي ترفع رأسها بخيلاء ليصفق فيصل وهو يردد :-
” لقد عادت من تدافع عنك بشراسة يا راغب …”
” لا تتدخلي بيني وبين هالة يا فيصل ..”
قالها راغب وهو يضربه بخفة فوق ذراعه لتنهض هالة من مكانها وتتقدم نحو راغب تحتضنه من الخلف مرددة :-
” الكبير يظل كبير يا فيصل …”
ابتسم راغب وهو يربت على شعرها بحب عندما تسائلت وهي تعتدل في وقفتها :-
” أين عمي عابد .. ؟! اشتقت له كثيرا .. وراجي وتولاي …”
رد راغب بجدية :-
” عمك عابد خرج مع صديقه وحان موعد عودته على ما أظن وكذلك توليب خرجت مع صديقتها .. راجي لا موعد محدد لديه للعودة كما تعلمين …”
ابتسمت وهي تعاود تبادل الأحاديث معهما عندما جاءت توليب أخيرا لتصرخ بسعادة وعدم تصديق :-
نهضت هالة من مكانها تصرخ بنفس الحماس :-
ضرب فيصل كفا بكف وهو يردد :-
” هيلا وتولاي .. لا أعلم ما مشكلة إسميكما كي تستخدمان هذه الأسامي الغريبة ..”
همست توليب وهي ما زالت تعانقها :-
” لا تتدخل يا فيصل .. نحن نحب أن نستخدم أسماء تدليل ننادي بها بعضنا ..”
أكمل فيصل ساخرا :-
” إبتعدي عنها يا ابنتي .. من يراكما هكذا لا يصدق إنكما تعيشان في مكان واحد ولا تفترقان سوى وقت النوم ..”
قالت هالة ممازحة :-
” لم أرها منذ أكثر من شهر ..”
” نعم نعم معك حق .. مدة طويلة للغاية ..”
قالت زهرة مؤنبة فيصل :-
” ليديم الله عليهما هذه المحبة والأخوة .. انت لا تحشر أنفك بينهما …”
ضحكت توليب وهي تخرج له لسانها ليحمل مخدة الكنبة خلفها ويرميها نحوها عندما نهره راغب خلال نظرات عينيه ..
جاء عابد بعد مدة لتنهض هالة تستقبله بسعادة فيحتضنها بسرعة مرحبا بعودتها فرحا بقدومها …
” كيف حال دكتورتنا الصغيرة ..؟!”
سألها عابد وهو يربت على كتفها مبتسما لتهمس هالة :-
” ما زال الوقت مبكرا على لقب دكتورة ..”
رد عابد وهو يحتضنها من كتفيها :-
” ستنالينه بالطبع .. انت تستحقين هذا اللقب بل أكثر من يستحق ..”
شكرته هالة بسعادة وهو الذي دائما ما كان يعاملها كإبنته توليب تماما فعوضها عن عدم وجود أب في حياتها منذ الطفولة ..
بعد مدة صعدت هالة مع أختها نحو جناحها الذي كان جاهزا فزهرة كانت حريصة على العناية بجناحها وجناح توليب بإستمرار رغم سفرهما وإستقرارهما في الخارج ..
سألت همسة شقيقتها وهي تجلس جانبها :-
“‘كم من الوقت ستبقين هنا ..؟!”
ردت هالة بجدية :-
” اسبوع واحد لا غير ..”
قالتها همسة بحزن لتهمس هالة بخفوت :-
” لدي محاضرات مهمة لا يمكنني تفويتها ..”
قالت همسة بجدية :-
” إستغربت مجيئك كثيرا .. لم تفعليها منذ سفرك للخارج ..”
تنحنحت هالة تبتسم بخفة لترمقها همسة بنظراتها وهي تتسائل :-
” هل هناك سبب خفي وراء قدومك ..؟!”
اومأت هالة برأسها لتسألها همسة بإهتمام :
” ماذا هناك يا هالة ..؟!”
ابتسمت هالة بقليل من التوتر لتسألها همسة مجددا :-
” هل هناك شاب يتعلق به الأمر ..؟!”
اومأت برأسها وهي تردد :-
” نعم ، نفس الشاب الذي حدثته عنك …”
ابتسمت همسة وهي تردد :-
” إذا مالذي يجري بينكما حاليا ..؟!”
همست هالة بخفوت :-
” لقد إعترف لي بحبه ..”
قالتها همسة بفرحة وهي تضيف :-
” وماذا عنك …؟!”
قالت هالة بحماس ظهر في عينيها بقوة :-
” انا سعيدة جدا .. وسأعترف قرييا جدا له بمشاعري …”
” لم أكن أظن إنك تحبينه ..”
قالتها همسة بجدية لتقول هالة بدورها :-
” ولا أنا .. كان الأمر مجرد صداقة ثم تحول الى حب .. هكذا فجأة وبسرعة ..”
” اتمنى لك التوفيق معه …”
ابتسمت هالة لتكمل همسة بجدية :-
” هل أتى معك ..؟!”
هزت هالة رأسها وهي تقول :-
” ويجب أن أذهب معه اليوم الى حفل زفاف اخته ..”
” لهذا السبب أتيتِ ..؟!”
سألتها همسة بقليل من الدهشة لتهز هالة رأسها وهي تردد :-
” لقد توسلني أن أحضر حفل الزفاف ليعرفني على عائلته ..”
أكملت تسألها بتردد :-
” لا توجد مشكلة ، أليس كذلك ..؟!”
قالت همسة بسرعة :-
” كلا بالطبع لا توجد . يمكنك الذهاب … انا أثق بك…”
” إنه شاب محترم ورائع …”
قالتها هالة بصدق لتبتسم همسة وهي تردد بسعادة لأجل شقيقتها :-
” أثق بذلك لإنني أعلم مدى وعيك يا هالة … ”
ارتمت هالة بين أحضانه لتربت همسة فوق جسدها وهي تدعو لها داخلها أن يمنحها الله السعادة ..
…………..::…..،،……………………………….
وقفت أمام المرآة تتأمل طلتها بملامح حزينة عندما وقفت شقيقتها جانبها تربت على كتفها بدعم وهي تهمس لها :-
” إبتسمي يا نانسي .. لا تنسي إن هذه حفلة زفافك ”
أغمضت نانسي عينيها بقهر تردد :-
” لا أستطيع .. هناك غصة داخلي تتحكم بي … ”
أكملت وهي تقاوم دموعها :-
” ماما لن تأتي يا هايدي …”
ضغطت هايدي على كتفها تدعمها :-
” حتى لو لم تأتِ .. انا هنا بجانبك .. عمي ايضا … ”
إلتفتت نانسي نحوها تهمس بصعوبة :-
” لكنها أمي .. لا أحد يمكنه أن يأخذ مكانها ..”
رددت هايدي بأسى :-
” من فضلك لا تفعلي .. ارجوك يا نانسي ..”
أخذت نانسي نفسا عميقا قبل أن تسيطر على دموعها المتراكمة داخل عينيها عندما سمعتا صوت طرقات على الباب لتهتف هايدي بصوت مرتفع قليلا :-
فُتِح الباب وطل من خلفه شاب طويل القامة أشقر الشعر عندما صاحت نانسي بعدم تصديق :-
اتجه كرم نحوها يعانقها بسعادة لتهمس ببحة باكية:-
” ظننت إنك لن تأتي …”
همس كرم وهو يبتعد عنها محيطا وجهها بكفيه :-
” هل تعتقدين إنني سأتركك في يوم كهذا …”
همست نانسي من بين دموعها :-
” إشتقت لك كثيرا يا كرم …”
عاد يحتضنها بخفة وهو يردد :-
” انا أكثر يا نانسي ..”
إبتعد عنها ملتفتا نحو هايدي التي عانقته بسعادة وهي تهمس بينما تضربه بكفها على ظهره :-
” وأخيرا عدت أيها الشقي …”
ضحك وهو يبتعد عنها مرددا :-
” إشتقت لك انت الاخرى … وإشتقت كثيرا لشجارنا ..”
ضربته على كتفه مرددة :-
” واضح جدا كم إشتقت لي .. انت لا تتصل سوى قليلا ..”
رد معتذرا بصدق :-
” صدقيني مشاغل الجامعة والدراسة هناك تأخذ أغلب وقتي..”
استدار نحو نانسي يتأملها على مهل مرددا بعدم تصديق مذهولا من جمالها وجاذبيتها بذلك الفستان الأبيض :-
” يا إلهي يا نانسي .. تبدين أكثر من رائعة ..”
ابتسمت نانسي بخجل ليقبض على كفها مرددا وهو يجعلها تدور أمامه :-
” أجمل عروس رأيتها في حياتي …”
” انا سعيدة بوجودك معي يا كرم …”
قالتها نانسي وهي تعانقه مجددا ليبادلها عناقها قبل أن يسمع هايدي تسأله :-
” متى أتيت ولماذا لم تخبرنا مسبقا …؟! ”
رد بجدية وهو يقف جانب نانسي يحيطها بذراعه :-
” رغبت أن يكون مجيئي مفاجئة لكما … ”
” مفاجأة رائعة ..”
همست بها نانسي بحب ليقبلها من وجنتها فتسأله هايدي بإهتمام :-
” هل رأيت عمي ..؟!”
قال كرم بجدية :-
” كلا سأخرج الآن لرؤيته .. لقد أتيت مباشرة الى هنا لرؤيتكما اولا …”
قالت هايدي بسرعة :-
” ستجده في القاعة .. ”
هز رأسه وهو يشير لهما قائلا:-
” سأذهب هناك لتحيته هو والموجودين …”
أكمل بجدية :-
” أراكما بعد قليل …”
غادر المكان لتبتسم نانسي بسعادة فقالت هايدي بفرحة :-
” وأخيرا إبتسمتي…”
همست نانسي :-
” كنت أشعر بالإشتياق الشديد نحوه ..”
رددت هايدي :-
” وها قد عاد .. ما زال مشاغبا …”
ضحكت نانسي وهي تردد :-
” المهم ألا تتشاجران كالعادة …”
أكملت وهي تتنهد :-
” كلما يكبر كلما يزداد وسامة .. يشبه والدي بشدة ..”
تمتمت هايدي :-
” رحمة الله عليه ..”
أضافت وهي تنظر إليها :-
” اجلسي حتى يأتي عريسك وتخرجان سويا ..”
ابتسمت نانسي مرددة بتهكم :-
قالت هايدي بجدية :-
” نعم عريسك يا نانسي ..”
قالت نانسي بصعوبة :-
” انا خائفة جدا يا هايدي .. بل انا مرعوبة من ردة فعله عندما يعلم أمر حملي ..”
قالت هايدي بجدية :-
” لا يمكنه أن يفعل شيئا يا نانسي .. انت يحق لك أن تحتفظي بطفليك ..”
ردت نانسي بجدية :-
” وهو يحق له ألا يعترف بهما ..”
هتفت هاي بحدة :-
” هو مجبر على ذلك .. هما أبنائه … هذه حقيقة لا يمكن تغييرها ..”
” ليته يقبل بهما ويكون أبا حقيقيا لهما ..”
قالت هايدي بسرعة تؤازرها :-
” ربما يفعل .. لماذا تعتقدين السوء…”
همست نانسي بصوت معذب :-
” أتمنى ذلك .. أتمنى أن يخذلني حدسي هذه المرة ..”
………………………………………………………..
وقف شريف بجانب والدته التي ترحب بالضيوف يهمس لها :-
” حاولي ألا تظهري ضيقك لهذه الدرجة يا أمي …”
قالت نجاة بضيق شديد :-
” كيف أفعل ذلك يا شريف ..؟! انا لست مقتنعة بكل ما يحدث أساسا … ”
أضافت بحنق :-
” يكفي إن والدة العروس لم تحضر .. الناس تتسائل يا شريف ..”
رد شريف بجدية :-
” تجاهليهم من فضلك .. العيب عليها وليس علينا … هي من تركت إبنتها في أهم يوم في حياتها ..”
” لا أصدق إنني أحضر زفاف أخيك اليوم وأستقبل مباركة الضيوف لزيجته .. انت اكثر من يعلم إن صلاح لا يمكنه الإستقرار وتحمل المسؤولية ..”
قال شريف بجدية :-
” هو مجبر على ذلك بعد الآن .. لا حل آخر أمامه .. طالما إختار أن يتزوج الفتاة فهو مسؤول عن إختياره ومجبر على تحمل المسؤولية كاملة …”
تأففت نجاة بعدم رضا عندما وجدت صباح تتقدم وجانبها غالية حيث باركت لها صباح :-
” مبارك زواج صلاح يا نجاة .. عقبال شريف بإذن الله …”
ابتسمت نجاة محاولة إخفاء إنزعاجها وهي تردد :-
” أشكرك يا صباح … عقبال غالية حبيبتي وتفرحين بها كأخيها ..”
ابتسمت غالية وهي تتدخل في الحوار مباركة لزوجة عمها :-
” مبارك زواج صلاح يا زوجة عمي ..”
قبلتها نجاة من وجنتيها وهي تردد :-
” عقبالك انت حبيبتي ..”
ابتسمت غالية ثم اتجهت تحيي شريف بهدوء قبل أن تسير بجانب والدتها متقدمة نحو طاولة العائلة حيث تجلس زوجة عمها رحاب مع إبنتيها اروى ونرمين عندما حيت زوجة عمها ونرمين التي سعدت برؤيتها ورحبت بها ما عدا أروى التي ردت تحيتها بتحفظ تجاهلته تماما ..
جاء نادر إبن عمها يرحب بها وبوالدتها فردت تحيته عندما همست غالية لوالدتها :-
” نديم تواصل معي اليوم ..”
قالتها صباح بإهتمام وهي تضيف متسائلة :-
” ما أخباره …؟!”
ابتسمت غالية تطمأنها :-
” يبدو جيدا للغاية .. طلب مني أن أجعله يتحدث مع صلاح قبيل إنتهاء الزفاف كي يبارك له بل وطلب مني أن أشتري له هدية له ولعروسه بإسمه وإسم زوجته …”
” ليحميه الله هو وزوجته ويسعدهما ..”
آمنت غالية على دعائها عندما عادت تستقر في جلستها فتلتقي نظراتها بنظرات أروى التي أشاحت وجهها فورا فهزت رأسها بضيق وأخذت تتحدث مع نرمين التي تحدثت معها بلطف عكس شقيقتها …
اما شريف فكان واقفا يستقبل الضيوف مع والدته متغافلا عن نظرات اروى التي تحاصره بين الحين والآخر خشية أن تكشفه وهو ينظر لغالية …
تقدم عمار وشيرين تتأبط ذراعه حيث تقدم نحو زوجة عمه التي إستقبلته ترحب به وقد إبتسم هو مباركا لها …
عمه حسن وزوجته نجاة الأقرب لقلبه من عائلة والده خاصة نجاة التي لطالما حملت الود نحو والدته …
بارك لها ثم عرفها على شيرين قائلا :-
” أعرفك يا زوجة عمي .. شيرين زوجتي ..”
بالكاد سيطرت نجاة على دهشتها وهي تردد :-
” زوجتك ..؟! مبارك يا ولدي .. ”
أضافت وهي تحتضن شيرين التي باركت لها زيجة إبنها :-
” ماشاءالله .. ”
أكملت وهي تتأملها :-
” زوجتك رائعة الجمال يا عمار .. ماشاءالله عليها ..”
” شكرا يا هانم ..”
قالتها شيرين بخجل لتقول نجاة بسرعة :-
” ناديني بعمتي نجاة … انت واحدة من العائلة الآن .. لا داعي للألقاب الرسمية .. ”
قالتها شيرين وهي تبتسم بمحبة لتهمس نجاة وهي تربت على كتف عمار :-
” وفقك الله يا عمار في زيجتك ورزقك الأولاد الصالحين ..”
” ان شاءالله يا زوجة عمي ..”
قالها عمار بتمني عندما اتجه نحو شريف وهو يردد :-
” اخر ما توقعته أن أحضر حفل زفاف صلاح …”
ابتسم شريف يردد ممازحا :-
” في هذه العائلة أصبح كل شيء متوقع …”
أضاف بجدية :-
” مبارك انت لك زيجتك .. ”
بارك لشيرين ايضا لتشكره برقة ويشكره عمار مرددا :- ” أشكرك يا إبن العم وعقبالك .. حان دورك فنادر ما زال صغيرا على الزواج ..”
قال شريف بقليل من الوجوم :-
” شكرا ولكنني إكتفيت بنفسي ..”
قال عمار وهو يردد بمرح :-
” لا يجوز هذا … سنزوجك يعني سنزوجك يا دكتور …”
ابتسم شريف دون رد فأضاف عمار بصدق :-
” ستجد يوما من تناسبك لا تقلق …”
اتجهت أنظاره نحو أخته لا إراديا وهو يضيف :-
” ولا أحد يعلم .. ربما القدر يجمعك بمن يهواه قلبك يوما ما …”
” التغيير واضح عليك يا عمار .. لم أرك مرحا ومتفاعلا لهذه الدرجة منذ مدة .. تأثير المدام قوي عليك ..”
لمعت عينا عمار وهو ينظر الى شيرين التي إندمجت بالحديث مع نجاة ليبتسم دون رد فيربت شريف على كتفه مرددا :-
” اتمنى لك السعادة والإستقرار حقا يا عمار ..”
” وانا اتمنى لك المثل يا ابن العم ..”
ربت شريف على كتفه بأخوة بينما اتجه عمار مع شيرين التي تتأبط ذراعه وهو يتلقي التحية من الموجودين فيبادلهم إياها عندما وصل الى طاولة العائلة ملقيا التحية وهو يضيف :-
” كيف حالكم يا آل الخولي …؟!”
أضاف وهو يشير الى شيرين :-
” أعرفكم شيرين زوجتي ..”
تجهمت ملامح صباح بينما سيطرت الصدمة للحظة على غالية اما رحاب زوجة عمه نهضت تبارك له تتبعها إبنتيها حيث باركتا له ولشيرين ثم نادر عندما أشار عمار لغالية الصامتة :-
” ألن تباركي لي يا غالية …”
نهضت غالية من مكانها تبتسم مرددة برسمية :-
” مبارك الزيجة .. مبارك لك يا شيرين ..”
أكملت بنظرات ذات مغزى :-
” إختيار موفق يا عمار …”
ابتسمت شيرين بحرج بينما رد عمار تحيتها ثم أشار لصباح :-
” ألن تمنحينا مباركتك يا زوجة أبي ..؟!”
ردت صباح ببرود :-
” مبارك لكما ..”
ابتسم عمار وهو يرمقها بنظرات ذات مغزى عندما سحب الكرسي لشيرين كي تجلس عليه وجلس هو جانبها يتبادل أطراف الحديث مع نادر ونرمين وكذلك زوجة عمه رحاب …
نظرت غالية لا إراديا نحو شيرين التي تعرفها حق معرفها كونها كانت صديقة ليلى المقربة بينما كانت تشعر شيرين بالتوتر يغزوها تماما عندما أخذت تنظر بعيدا محاولة تجاهل الوضع الغير مريح لها إطلاقا ..
……………………………………………………
دلف كرم الى القاعة حيث تقدم نحو عمه الذي كان يقف بجانب بعض الضيوف يحييهم فإندهش عمه من قدومه قبل أن يحتضنه بسرعة …
إبتعد عنه بعد لحظات ليبارك له عمه زواج أخته عندما تقدمت زوجة عمه ترحب به …
اتجه بعدها نحو نضال الذي رحب به وهو الذي لم يره طوال سنوات حياته إلا قليلا…
وأخيرا تقدمت حنين والتي كانت تنتظر قدومه بلهفة ليبتسم وهو يتأملها بعدم تصديق مرددا :-
” حنين .. لا أصدق.. كبرتِ كثيرا يا فتاة ..”
ابتسمت بخجل وهي تحييه :-
” كيف حالك يا كرم..؟! الحمد لله على سلامتك ..”
ابتسم وهو يتأمل ملامحها التي نضجت وقد تحولت من طفلة صغيرة الى صبية ملفتة ليقول :-
” أشكرك يا حنين .. أصبحت جميلة جدا يا صغيرة …”
نبض قلبها بقوة وتمكنت منها السعادة وهي تسمع هذا الكلام من ابن عمها وحبيب طفولتها الذي أحبته منذ صغرها بصمت لتشكره مجددا بخفوت عندما إستدار نحو عمه مرددا بإمتنان :-
” أشكرك على ما فعلته مع نانسي يا عمي .. لقد أخبرتني هايدي بكل شيء ..”
ردد عمه وهو يربت على كتفه :-
” نانسي ابنتي يا كرم .. لا داعي للشكر .. انا سعيد بقدومك حقا .. كنت قلقا ألا تأتي …”
قال كرم بجدية :-
” هل يعقل أن أترك أختي في يوم كهذا ..؟!”
ربت عمه على كتفه مرددا بسعادة :-
” هذا ابن اخي الذي أفتخر به ..”
ابتسم كرم عندما أخذه عمه يعرفه على بعض الموجودين …
بعد مدة وجد حنين تتقدم منه وهي تقول :
” ستنهي دراستك قريبا ، أليس كذلك ..؟!”
ابتسم مرددا :-
” بإذن الله …”
سألته بلهفة :-
” وستعود الى البلاد بعدها ..”
” لا أعلم .. ربما أعود وربما لا …”
زمت شفتيها بعبوس عندما سألها هو :-
” وانت ما اخبار دراستك ..؟! ماذا تدرسين حاليا ..؟!”
ردت حنين بحيرة :-
” لا أعلم .. لم أختر تخصصا بعد ..”
” إختاري تخصصا تستطيعين النجاح به …”
قالت بجدية :-
” فكرت في العديد من التخصصات ولكنني لم أقتنع تماما بأيا منهم …”
ابتسم مرددا ببساطة :-
” إبحثي مجددا عن تخصصات أخرى …”
” سأبحث بالطبع ..”
قالتها وهي تسأله مجددا بلهفة :-
” هل تنصحني بتخصص معين ..؟!”
” على حسب رغبتك انت وما تحبينه .. الهندسة مثلا ..؟!”
إمتعضت ملامحها وهي تردد :-
” اكره الرياضيات ..”
ضحك بخفة وهو يضيف :-
” إذا اختاري تخصص ادبي كالتاريخ او ال…”
قاطعته بجدية :-
” أساسا أنا أفكر في الدراسة خارج البلاد .. في أمريكا مثلا ..”
رد مشجعا :-
” فكرة جيدة .. إذا تريدين ذلك حقا يمكنني مساعدتك .. ”
قالتها بفرحة واضحة ليبتسم مرددا :-
” بالطبع ، إدا لم أساعد إبنة عمي فمن أساعد ..؟!”
توقف عن حديثه وهو يرى نضال يتقدم نحويهما يسأل :-
” ماذا تفعلان ..؟! ماذا هناك يا حنين ..؟!”
إلتفتت حنين نحوه تثرثر بعفوية :-
” كرم سوف يساعدني في أمر دراستي في الخارج ..”
قالها نضال وهو يتأمل لمعة عينيها بقلق وقد فهم مشاعرها الشفافة على الفور ..
أخته غارقة في حب ابن عمه ..
ألقى نظرة عابرة على كرم عندما وجد هايدي تتقدم نحوهم وهي تهتف :-
أضافت تتأمل حنين بإعجاب :-
” تبدين رائعة يا حنين …”
شكرتها حنين بإبتسامة صادقة بينما هتفت بنضال :-
” كيف حالك نضال ..؟!”
رد بإبتسامة مقتضبة :-
” بخير الحمد لله ..”
تقدم أشرف نحوهم يشير الى هايدي :-
” هايدي إذهبي عند أختك وأخبريها أن تستعد فالزفاف سيبدأ ..”
” حسنا عمي ..”
قالتها هايدي وهي تتحرك بعيدا مبتسمة عندما أشار نضال لأخته بجدية :-
” هيا يا حنين .. نجلس على طاولتنا ..”
هزت رأسها وهي تسير جانبه تاركة كرم على مضض والذي أخذ يتحدث مع والدها بإندماج ..
…………………………………………………………..
دلف صلاح الى الغرفة التي تجلس بها نانسي ليتأملها للحظات بصمت قبل أن يبتسم بخفة وهو يردد :-
” تبدين جميلة …”
نظرت له بمزيج من الحزن والخوف ليتنهد وهو يضيف :-
” الليلة فقط .. بعدها سينتهي كل شيء .. أشهر قليلة ونننفصل ..”
أضاف بجدية :-
” وحينها أكون أوفيت بوعدي لك …”
هزت رأسها بملامح محتقنة ليقول مكملا :-
” الجميع ينتظرنا في الخارج …”
مد يده لها لتتأمل كفه الممدود للحظات قبل أن تمد يدها بتردد فيقبض عليها لتنهض من مكانها والخوف يتضاعف داخلها فتسمعه يردد بمزاح محاولا تخفيف الأجواء المشحونة :-
” من كان يصدق أن نقف انا وانت يوما هكذا في وضع كهذا ..؟! ”
لم تستجب لمزاحه فقال بجدية :-
” انت تبدين عروس بائسة للغاية .. من فضلك حاولي أن تدعي السعادة ولو قليلا .. ”
هزت رأسها بأنفاس مكتومة عندما دلفت هايدي إليهما تهتف بجدية :-
” هل أنتما جاهزان ..؟!”
رد صلاح بهدوء :-
” نعم جاهزان ، أليس كذلك يا نانسي ..؟!”
اومأت نانسي برأسها ليفتح لها ذراعه فتتأبطها وهي تأخذ نفسا عميقا قبل أن يسيران سويا متجهان الى القاعة حيث يوجد الجميع هناك ..
بعد مدة كان صلاح يراقصها على إحدى الأغاني الرومانسية الهادئة وقد لاحظ تشنجها الغير مفهوم بالنسبة له منذ بداية الليلة ..
سألها بإهتمام :-
” هل انت بخير يا نانسي ..؟! هل هناك شيء ما ..؟! انت متشنجة وغير طبيعية منذ بداية الحفل ..”
ردت بتوتر :-
” لا شيء .. فقط الموقف نفسه مرهب قليلا ..”
رفع حاجبه مرددا :-
” أي موقف بالله عليك .. لا تقلقي يا نانسي .. هذه تمثيلية سرعان ما ستنتهي .. ”
أكمل مشاكسا محاولا إخراجها من وضعيتها تلك :-
” وأعدك لن أضايقك طوال فترة زيجتنا المؤقته بل سأكون ضيفا خفيفا جدا ولن أتدخل في حياتك .. ”
همست بتردد :-
” هناك الكثير من الأشياء التي تقلقني ..”
جذبها نحوه أثناء الرقصة وهو يردد :-
” أشياء مثل ماذا …؟! لماذا تتحدثين بالألغاز ..؟!”
قالت بخفوت :-
” ليس مهما .. ”
أضافت وهي تنظر إليه بتردد :
” سنتحدث فيما بعد ..”
أكملت مبررة :-
” انا فقط أشعر بالإختناق من هذه الاجواء ..”
قال بجدية :-
” هذه الاجواء كانت ضرورية جدا .. لا بد من حفل زفاف تقليدي كي يبدو الأمربرمته طبيعيا ولا يجلب الشكوك .. ”
أضاف بتعقل :-
” يكفي إن كل شيء حدث بسرعة غريبة فاجئت الجميع ..”
هزت رأسها موافقة لتقول :-
” ربما أيضا غياب والدتي تسبب لي بهذا الضيق ..”
قال موافقا :-
” بالتأكيد هذا السبب ..”
أكمل يواسيها :-
” لا تقلقي .. سوف تتقبل هذه الزيجة عاجلا أم أجلا .. وحتى لو لم تتقبلها .. بكل الأحوال سننفصل بعد مدة وحينها يمكنك العودة نحو أحضانها معتذرة …”
أجفلت بقوة وهي تستمع الى نفس الكلام من فمه عدة مرات منذ بداية الحفل وكأنه يتعمد تذكيرها بذلك ..
يذكرها بحقيقة زيجتهما المؤقتة ..
” ماذا حدث ..؟!”
سألها وقد إنتبه الى إختلال توازنهاعندما شعرت بالدوار يسيطر عليها فقبض على كفها يسألها بعدما توقفا عن الرقص :-
” هل انت بخير ..؟!”
همست بصعوبة :-
” لنجلس من فضلك ..”
جذبها من كفها وهو يسير بها نحو المكان المخصص لهما لتجلس جانبه بملامح حزينة للغاية وقد فشلت في رسم قناع السعادة على وجهها ..
……………………………………………………….
كانت أجواء الحفل قد بدأت بالفعل عندما سأل عمار زوجته :-
” هل أعجبك الحفل ..؟!”
ابتسمت وهي تجيبه :-
قال بجدية :-
” يمكننا إعداد حفل أضخم منه بمراحل …”
قالت وهي تمسك كفه :-
” لا أميل الى الحفلات الضخمة .. أكتفي بحفل بسيط يضم من نحبهم …”
ابتسم لها بينما تأملتهما صباح بضيق قبل أن تشير الى ابنتها بحنق :-
” سأنهض وأتحدث مع صديقتي …”
ثم نهضت من مكانها تتجه الى الطاولة الأخرى حيث توجد احدى صديقتها ..
تأملت غالية عمار المندمج مع زوجته بشدة ثم عادت تنظر أمامه عندما وجدت شريف يتقدم نحوهم يحييهم مجددا فردت تحيته بخفوت وهي تشيح وجهها بعيدا فتلاحظ أنظار أروى التي تعلقت به منذ قدومه..
تبادل شريف بعض الأحاديث مع عمار عندما نهض عمار معه يتحدث على إنفراد بينما نظرت هي الى شيرين التي ابتسمت لها بخجل فلم تستطع ألا تبادلها إبتسامتها عندما تحدثت بهدوء :-
” مبارك مرة أخرى زيحتكما يا شيرين .. الحقيقة زيجتكما كانت مفاجئة ..”
ردت شيرين بنفس الهدوء :-
” نحن تزوجنا منذ يومين … ”
قاطعتها غالية :-
” وجاءت حفلة اليوم فرصة لإعلان الزيجة …”
اومأت شيرين برأسها عندما تسائلت غالية بجدية :-
” ألا تفكران في إقامة حفل زفاف ..؟!”
ردت شيرين تبتسم بحرج :-
” لا أحبذ ذلك ..”
صمتت قليلا فبادلتها غالية الصمت وأخذت ترتشف من العصير خاصتها عندما سمعت شيرين تسألها بتردد :-
” هل يمكنني سؤالك عن شيء معين ..؟!”
ردت غالية وهي تهز رأسها :-
” بالطبع ، تفضلي …”
همست شيرين بحرج واضح :-
” كيف حال ليلى ..؟! يعني ما هي أخبارها ..؟!”
ردت غالية بصدق :-
أضافت برجاء :-
” اتمنى أن تكون بخير ..”
قالت شيرين بدهشة :-
” كيف يعني لا تعلمين وانت ..”
قاطعتها غالية مبتسمة بحسرة :-
” ابنة خالتها وصديقتها .. غريب أليس كذلك ..؟!”
سيطر الألم على ملامحها وهي تكمل :-
” للأسف كنت هكذا لكنني لم أعد كذلك ولا أظن إنني سأعود ..”
” هل إنقطعت علاقتكما ..؟!”
سألتها شيرين بعدم تصديق قبل أن تضيف بخجل :-
” لا أقصد التدخل ولكن غريب فأنتما إبنتا خالة قبل أن تكونا صديقتين ..”
ردت غالية وهي تتنهد بعمق :-
” انا السبب ..”
نظرت لها شيرين بدهشة من صراحتها عندما أكملت غالية بنفس الصدق :-
” انا من خذلتها ولم أكن الصديقة التي تستحقها وبالتالي هذا ما كان يجب أن يحدث …”
” ولكن انا اعرفك يا غالية .. ربما ليس بقدر ليلى لكنني أعرفك .. انت لا تؤذين أحدا .. يعني رغم قوة شخصيتك وثقتك بنفسك لكنك طيبة القلب نقية السريرة …”
ابتسمت غالية وهي تردد بحزن :-
” ولكنني في النهاية بشر قد يخطئ وانا أخطأت في حقها ..”
” وها انت تعترفين بهذا .. بالتأكيد سينتهي هذا الخلاف يوما ما ..”
قالتها شيرين وهي تبتسم بتشجيع لتهمس غالية بخفوت :-
” أشك في ذلك مع إنني أتمناه حقا … ”
همست شيرين بدورها :-
” تمنيت رؤيتها بعد عودتي من السفر لكن بعدما حدث سيكون هذا صعبا للغاية…”
قالت غالية بجدية :-
” صعبا عليك أم عليها ..؟!”
ردت شيرين بحرج :-
” هي بالطبع لن تتقبلني بعد زواجي من عمار ..؟!”
ضحكت غالية مرغمة وهي تقول :-
” إذا انت لا تعرفين ليلى جيدا … اطمئني آخر سبب يجعلها تنزعج منك هو زواجك من عمار بل ربما تشكرك على ذلك …”
سيطر الذهول على ملامح شيرين للحظات عندما نهضت غالية من مكانها وانحنت نحوها تربت على كتفها وتدعمها :-
” قابليها إذا حقا كنت تريدين ذلك .. ليست ليلى من تكسر بخاطر أحد مهما حدث ..”
أضافت وهي تنظر لها بعمق :-
” لدي طلب أخير منك ..”
نظرت لها شيرين بإهتمام لتهتف غالية بصوت مبحوح :-
” عمار ، عمار يحتاج لشخص ينير ظلام قلبه .. يذيب جليده القاسي .. رغم كل شيء لدي أمل في ذلك .. ساعديه يا شيرين .. ساعديه أن يغلب شيطانه فأنت الأمل الوحيد المتبقي لي …”
” هل تظنين إنني أستطيع ..؟!”
سألتها شيرين بحيرة لتبتسم غالية وهي تردد :-
” أظن ذلك …”
سألتها شيرين بحيرة أكبر لتهمس غالية بصدق :-
” لإنه يبدو مختلفا جانبك .. لأول مرة أرى جانبا جديدا منه …”
صمتت قليلا ثم قالت :-
” يبدو سعيدا ، راضيا وممتنا … طوال سنوات لم أره هكذا … وجودك بجواره له تأثير واضح عليه .. إستغلي هذا التأثير من فضلك ..”
” هل تساعديني ..؟!”
سألتها شيرين بتردد لتتطلع إليها غالية بصمت إمتد للحظات عندما أجابت بحسم :-
” هو أخي .. مهما حدث يظل أخي .. حاولت أن أكرهه لكنني فشلت .. واجبي نحوه كأخت يجبرني على الموافقة .. لذا أنا معك يا شيرين .. متى ما إحتجتني ستجدينني جانبك …”
……:.::……………………………………………….
كانت حنين تتأمل كرم الذي يراقص هايدي بنظرات حالمة بينما نظرات أخيها كانت تحاوطها فيزفر أنفاسه بضيق وهو يعاود النظر نحو ابن عمه الذي يراقص أخته …
أشار الى حنين فجأة :-
” هل ترقصين يا حنين ..؟!”
سيطرت الدهشة على ملامح حنين وهي تردد :-
” ترقص مع معي ..؟!”
اومأ برأسه بهدوء لتبتسم وهي تنهض من مكانها تمد يدها نحوه فيستقبلها وينهض بدوره متجها بها نحو منتصف القاعة تحت أنظار والده الفرحة بإهتمامه المفاجئ بأخته لأول مرة …
اخذ نضال يراقصها محاولا إشغالها عن كرم عندما فوجئ بهايدي تتقدم نحوها وهي تطلب منه أن يراقصها بينما ترقص حنين مع كرم ..
تجمد في مكانه غير مصدقا جرئتها وهم بالرفض لكنه تراجع مفكرا في منظرهم جميعا أمام الضيوف ليقبض على كفها يراقصها بينما تضع حنين يدها في كف كرم الذي سألها مبتسما وهو يراقصها :-
” لماذا ترتجفين هكذا ..؟!”
ردت بصوت خافت :-
” انا لا أرتجف .. انت تتوهم ..”
ابتسم بخفة أبرزت وسامته المرهقة لقلبها الصغير فأخفضت عينيها وقد تمنت داخلها أن تفتح أي حديث معه لكن لسانها إنعقد تماما في حضرة وجوده ..
اما نضال فكان يحاصر كرم وحنين بنظراته تحت أنظار هايدي التي همست له بخفة :-
” كف عن مراقبتهما .. كرم لن يأكلها .. لا تقلق …”
نظر له بجمود لتضيف بخفة :-
” أعلم ما يحدث لذا فكرت في منحهما القليل من المساحة ..”
” لا تفكري مجددا ..”
انتهت الاغنية عندما انسحب من الرقصة تتبعه هي وكذلك كرم وحنين الذي إنتبه لدخولها الى قاعة الحفل فيسارع لإستقبالها ..
توقفت هايدي أثناء سيرها تنظر الى أخيها الذي يسير بإتجاه فتاة تبتسم له بعذوبة وفعلت حنين المثل حيث تجمدت مكانها وهي تراه يرحب بلهفة بتلك الفتاة …
سار كرم بجانب الفتاة متجها بها نحو نانسي حيث باركت لها ولصلاح قبل أن يتجه بها نحو طائلة العائلة حيث سحبت هايدي حنين نحو الطاولة وتجهمت ملامح نضال كليا وهو يرى الصدمة على ملامح اخته ..
تقدم كرم وهو ممسك بيد الفتاة يقدمها لهم قائلا :-
” هالة صديقتي .. تدرس في نفس جامعتي في الخارج ..”
رحب بها أشرف بينما تأملت هايدي الفتاة بملامحها الجميلة وجسدها الممشوق وفستانها الجذاب …
كانت جذابة للغاية وأخيها بدا مولعا بها بوضوح ..
أشار كرم نحوها :-
” هذه هايدي يا هالة .. شقيقتي الثانية … ”
ابتسمت هايدي ترحب بها بدبلوماسية :-
” اهلا هالة …”
ردت هالة تحيتها وهي تبتسم برقة عندما اشار الى نضال وحنين :-
” نضال ابن عمي وحنين ابنة عمي ايضا وبمثابة اختي الثالثة ..”
رحب نضال بها عندما نظرت هالة نحو حنين تهمس لها مبتسمة :-
” مرحبا حنين …”
ردت حنين بملامح محتقنة :-
” اهلا بك …”
جذب نضال حنين من كفها مرددا بسرعة :-
” تعالي لنرقص مجددا ..”
بينما جذب كرم هالة من كفها وسار معها يتحدث عندما سألته عن والدته ليجيب بعد تنهيدة طويلة :-
” لم تأت كما توقعت ..”
” والدتك عنيدة جدا ..”
قالتها ممازحة ليبتسم بخفة فتضيف بجدية :-
” أختك مسكينة .. بالطبع الأمر أزعجها ..”
” معك حق …”
قالها يوافقها عندما تأمل نظراتها التي تتحدث عنها فقبض على كفها بقوة يخبرها :-
” ماما حرة في قرارها ونحن كذلك حران تماما في قرارنا .. ”
أكمل وهو ينظر إلى عينيها الغير راضية :
” انا احبك يا هالة ولن أسمح لأي مخلوق أن يقف في وجه حبنا …”
بينما حنين كانت تتابع ما يحدث وقد شعرت بقلبها ينشطر الى نصفين في تلك اللحظة فالحبيب الذي إنتظرته لسنوات هائما بغيرها ..
……………………………………………………….
كان الإنزعاج يسيطر على وجهها عندما همست لها شقيقتها :-
” إبتسمي قليلا يا اروى .. جاملي على الأقل ..”
ردت اروى بضيق :-
” ماذا تريدين يا نرمين ..؟!”
قالت نرمين بجدية :-
” انت ماذا تريدين يا اروى ..؟! هل مقتنعة حقا بتصرفاتك هذه ..؟!”
استدارت اروى نحوها تهمس لها بحدة :-
” وما بها تصرفاتي آنسة نرمين ..”
قالت نرمين بهدوء :-
” انا وانت نفهم ما يحدث .. ما تفعلينه لن يغير شيء .. شريف لا يفكر بك ولا يراكِ سوى ابنك عمه .. إقتنعي بهذا وإخرجيه من عقلك ..”
زفرت أنفاسها تردد بحنق :-
” من قال إنني أفكر به أساسا ..؟!”
” هل تمزحين معي يا أروى ..؟! انا أختك وأعرفك جيدا .. أنا أفكر في مصلحتك .. إفهمي هذا …”
سيطر الوجوم على ملامح اروى عندما همست بضعف :-
” لا أفهم لماذا لا يرى سواها ..؟! لم هي من أرادها ولست انا ..؟! هي لم تحبه يوما وانا احبه طوال عمري ..”
قالت نرمين بجدية :-
” يكفي حقا يا اروى .. المشاعر ليست بيدنا .. انت لا يمكنك لومه او لومها ..”
” لولا وجودها كان سيختارني انا ربما ..”
هتفت نرمين بعدم تصديق :-
” هل تمزحين يا اروى ..؟! ما علاقة غالية بالأمر ..؟! لا تنسي إنه خطبهاورفضته ..”
هتفت اروى بحنق :-
” وهذا ما يثير غيضي .. رفضته وما زال يفكر بها .. بل الأسوء إنها إرتبطت بغيره وما زالت تخطف نظره بسرعة وتسرق إهتمامه دون أدنى مجهود …”
” اروى حبيبتي .. هذا ليس ذنب غالية ..”
قاطعتها اروى بغضب :-
” لماذا تدافعين عنها بهذه الطريقة .. انا أختك وليست هي ..”
قالت نرمين بتجهم :-
” انا لا ادافع عنها .. انا أخبرك الحقيقة كي لا تعيشي في أوهام لا نهاية لها ..”
أضافت بجدية :-
” غالية فسخت خطبتها يا اروى .. ”
” يعني ..؟!”
سألتها اروى بتجهم لتجيب نرمين بنفس الجدية :-
” يعني الطريق ما زال مفتوحا أمام شريف …”
أكملت بترجي :-
” إهتمي بنفسك يا أروى ولا تعلقي أمالك به …”
إحتقنت ملامح اروى بقوة ورغما عنها نظرت الى غالية التي تبتسم وهي تتبادل الأحاديث مع بعض البنات حولها فتشعر بالكره ينمو داخلها نحوها رغما عنها …
غالية من سرقت الرجل الوحيد الذي تمنته زوجا لها ولم تتمنَ غيره يوما ..
……………………………………………………….
تقدمت هايدي نحو نضال الذي إمتقع وجهه تماما عند رؤيتها لتفاجئ بالإعتذار :-
” انا اسفة ..”
تسائل بضيق :-
” علام تعتذرين ..؟!”
ردت بسرعة :-
” أقسم لك إنني لم أكن أعلم …”
سيطر الوجوم على ملامحه عندما أوضحت :-
” لم أكت أعلم بوجود تلك الفتاة ..”
أضافت بخفوت :-
” تفاجئت مثلكم تماما …”
” ليس مهما ..”
قالها بعدم إكتراث لتهتف بجدية :-
” حقا لم اقصد .. انا علمت بمشاعر حنين منذ مدة ولهذا فكرت في مساعدتها ..”
قاطعها نضال بحزم :-
” حنين ما زالت مراهقة .. مشاعرها ليست حقيقية …”
نظر لا إراديا نحوها ليجدها تقف شاردة بعيدا قليلا تتأمل الموجودين بملامح حزينة فقدت رونقها وسعادتها فيتألم قلبه لأجلها وهو الذي ظن إنه لا يهتم لأمرها …
همست هايدي مجددا :-
” اسفة نضال لكن والله تصرفت على سجيتي .. انت تصدقني ، أليس كذلك ..”
زفر أنفاسه وهو يردد :-
” حسنا هايدي .. لقد حدث ما حدث .. انا أصدقك لا تقلقي … فقط لا تتصرفي بهذه الطريقة مجددا من ذاتك …”
ابتسمت تهتف برقة :-
اما حنين فكانت تتأمل الموجودين بملامح شاردة عندما شعرت بأحدهم يقف جانبها يهمس لها :-
التفتت له تنظر إليه بإستغراب فيعرف عن نفسه :
” انا نادر .. ابن عم نديم زوج أختك والعريس ايضا … هل تذكرتني ..؟!”
هزت رأسها وهي تتذكره فإبتسم وهو يقول :-
” وانت حنين .. أتذكرك جيدا …”
ابتسمت بتصنع وهي تجيب :-
” تبدين جميلة ..”
قالها وهو يتأملها بإعجاب صريح لتجيب بعدم إنتباه :-
حاول أن يفتح الأحاديث معها فسألها :-
” انت في الجامعة ، أليس كذلك ..؟!”
ردت بخفوت :-
” سأدخل الجامعة قريبا ..”
” حقا ..؟؟ وماذا سوف تدرسين ..؟!”
ردت بنفس الخفوت :-
” هل انت بخير ..؟!”
سألها بإهتمام لتجيب بنبرة محتقنة :-
” انا بخير .. بخير جدا …”
همس متسائلا :-
” هل تشربين شيئا ما ..؟!”
نظرت له بصمت ليقول بجدية:
” تعالي لنشرب عصيرا …”
ثم سار معها نحو البوفيه عندما أعطاها كأسا من عصير البرتقال لترتشف منه القليل عندما سألها :-
” ماذا تفضلين أن تتناولي ..؟! هل تريدين قطعة من الكيك ..؟!”
هزت رأسها بصمت عندما منحها طبقا يحوي قطعة من كيك الشوكولاتة فبدأت تلتهمها بسرعة وكأنها تهرب من أفكارها خلال الطعام ..
تأملها نادر مبتسما وهو يعتقد إنها كانت جائعة وقد تأكدت ظنونه عندما وجدها تتناول المزيد من الحلوى ليهمس وهو يكتم ضحكته :-
” انتن الفتيات تعشقن الحلوى ..”
وفي تلك اللحظة إستوعبت ما تفعله فتجمدت تماما وهي تتذكر مرضها الذي يمنعها من تناول الحلويات نهائيا فظهر الفزع على ملامحها عندما سألها بقلق :-
” هل انت بخير ..؟! ”
تركت ما بيدها وتحركت مبتعدة عنه ليلحقها بسرعة عندما وجدها تفقد وعيها في منتصف الصالة فيصرخ بإسمها ويركض نحوها عندما إنتفض نضال الذي كان يتحدث مع هايدي وركض نحوها ليجد نادر يحملها ويتجه بها خارج القاعة عندما أشار له أحد الموظفين الى احدى الغرف الحانبية ..
تقدم نضال نحوه يسأله لاهثا :-
” ماذا حدث ..؟”
تبعته أحلام وهي تسقط جانبها تمسك بيدها وكذلك أشرف وبعدهما هايدي وبعض الموجودين عندما قال نادر :-
” كانت تتناول الحلوى وفجأة ..”
صرخت أحلام لا إراديا :-
” هي مريضة سكر .. ”
رددها نادر بعدم استيعاب بينما قال نضال بسرعة :-
” سأجلب طبيب حالا ..”
قالت هايدي بسرعة :-
” شريف أخو صلاح طبيب ..”
لكن نادر أوقفهما وهو يردد :-
” توقفا لحظة .. انا طبيب ..”
اكمل بجدية :-
” نحتاج الى الإنسولين فورا ..”
قالت أحلام بنبرة باكية :-
” معي .. انا دائما أضع الإنسولين في حقيبتي …”
ركضت هايدي بسرعة تجلب الحديقة بينما تقدمت نانسي وخلفها صلاح ومعهما كرم الذي سأل بقلق :- ” ما بها حنين ..؟!”
سأل صلاح ابن عمه :-
” ما بها حنين يا نادر ..؟!”
رد نادر بسرعة :-
” نوبة سكر ..”
شهقت نانسي بفزع بينما حاول نادر طمأنتهما عندما تقدم شريف أخيرا يهبط نحوها يفحصها فهمس له نادر :-
” نوبة سكر . لقد تناولت الكثير من الحلوى ..”
جاءت هايدي بحقيبة أحلام عندما أخذتها أحلام فورا وأخرجت منها الإنسولين ليأخذها نادر بسرعة ويبدأ بالإجرائات المطلوبة بسرعة شديدة …
بعد مدة من الزمن بدأ وضعها يستقر عندما همس نادر بجدية :
” لا تقلقوا سوف تستيقظ تدريجيا …”
تقدمت أروى تسأل أخيها وإبن عمها :-
” هل تحتاجان لمساعدة ..؟!”
رد شريف يشرح لها الحالة بإختصار قبل أن يطمأنها :-
” شكرا يا اروى .. وضعها يستقر تدريجيا …”
اومأت برأسها متفهمة عندما قالت بعملية :-
” من الأفضل ألا نتجمع حولها لأجل التهوية …”
نهض شريف من مكانه يخبر الجميع :-
” اروى معها حق .. غادروا جميعا وانا ونادر سنبقى هنا …”
” انا لن اترك ابنتي ..”
قالتها أحلام وهي تبكي ليهتف نادر بجدية :-
” بالطبع يا هانم ستبقين معنا ..”
ثم أشار الى شريف :-
” غادر انت ايضا يا شريف .. انا سأبقى هنا وأراقب حالتها ..”
هز شريف رأسه بتفهم وهو يقول :-
” سأتي بعد قليل .. ”
ثم أشار الى البقية ليغادروا حيث همس أشرف لنانسي وصلاح :-
” عودا الى الحفل … ”
همست نانسي بنبرة باكية :-
” ستصبح بخير ان شاءالله ..”
ربت أشرف على كتفها وهو يردد :-
” ان شاءالله حبيبتي ..”
غادر الجميع وبقي نادر مع أشرف وأحلام يتابع وضعها عندما بدأت حنين ترمش بعينيها بعد مدة عندما هتفت أحلام بلهفة :-
” حنين حبيبتي …”
بدأ نادر يساعدها أن تستيقظ عندما دلف نضال يتسائل بقلق :-
” هل إستيقظت ..؟!”
أجابه أشرف بصوت منهك :-
” بدأت تستيقظ …”
مرت مدة من الزمن كانت قد إستيقظت حنين فيها بالفعل فطلب منها نادر أن تبقى ممددة على الأريكة حتى يستقر وضعها تماما وبقيت أحلام جانبها تبكي بصمت بينما نضال واشرف يقفان يستندان على الحائط يراقبنها ..
دلفت هايدي الى الداخل وتقدمت نحوها تهمس لها :-
” حمد لله على سلامتك يا حنين ..”
ردت حنين بضعف :
” شكرا يا هايدي …”
ابتسمت حنين بدعم عندما قررت الخروج مجددا لتجد كرم يتقدم نحوها يسألها عن وضع حنين فتجيبه بإقتضاب :-
” إستيقظت الحمد لله ..”
” سأدخل لأطمئن عليها ..”
قالها وهو يهم بالتحرك عندما أوقفته هايدي :-
” لا تدخل يا كرم …”
سألها مندهشا :-
ردت بجدية :-
” من فضلك لا تدخل .. لأجل الفتاة لا تدخل ….”
هز رأسه بعدم إستيعاب وهو يتحرك مبتعدا عن المكان تاركا هايدي تتابعه بحزن عندما قررت العودة الى القاعة لتقف بجانب أختها فوجدت غالية تتقدم نحوها وهي تسألها عن أحوال حنين قبل أن تستأذن لتدخل وتراها ومعها والدتها فتذكرت علاقتهما بحياة شقيقة حنين لتبتسم لهما وهي تسمح لهما بالدخول ..
…………………………………………………….
قبل نهاية الحفل ..
دلف شريف الى الغرفة يتسائل وهو يبتسم بهدوء :-
” كيف حال صغيرتنا الآن ..؟!”
أجابت حنين والتي كانت قد إعتدلت في جلستها وشحوب وجهها بدأ يختفي أخيرا :-
” أفضل الحمد لله ..”
” الحمد لله غلى سلامتك ..”
قالها شريف مبتسما عندما أجابه كلا من أشرف ونضال وكذلك أحلام التي كانت تحتضن كفها بحنو ..
هتف نادر بدوره والذي لم يتركها لحظة واحدة :-
” الحمد لله على سلامتك يا حنين ..”
شكرته بخفوت عندما قال أشرف بجدية :-
” انا أشكركما حقا على ما فعلتماه مع إبنتي .. شكرا كثيرا يا دكاترة ..”
ابتسم كلا من شريف ونادر بدماثة قبل أن يعطي شريف بعض النصائح لحنين ثم يستأذن للمغادرة ..
تبعه نادر ليشير نضال الى والده وزوجته :-
” برأيي حان الوقت أن تعودا الى الحفل .. الحفل سينتهي بعد قليل ويجب أن تكونا متواجدين ..”
” انا لا يمكنني ترك ابنتي ….”
قالتها احلام بسرعة لتهمس حنين :-
” انا بخير ماما .. لا تقلقي …”
قال نضال بجدية :-
” انا سأبقى هنا ولن أتركها لحظة واحدة .. يجب أن تتواجدا بجانب نانسي في نهاية الحفلة فأنتما مكان والديها ..”
” سننتظركما هنا حيث نغادر الفندق سويا بعد انتهاء الحفل …”
نظرت أحلام الى ابنتها بتردد عندما قالت حنين وهي تبتسم لها بضعف :-
” انا بخير .. لا تقلقي من فضلك .. ”
نهضت احلام من مكانها وغادرت المكان على مضض مع زوجها بعدما منحت نضال الكثير من التوصيات ..
دلفت هايدي بعد خروجهما تطمئن على حنين التي ابتسمت لها بنفس الشحوب وهي تطمأنها إنها أصبحت بخير …
أشار نضال الى هايدي :-
” لا تتأخري على أختك يا هايدي .. الحفل سينتهي بعد دقائق ..”
” معك حق ..”
رددتها هايدي بخفوت قبل أن تنظر إليه وهي تقول :-
“‘سآتي وأطمئن عليها بعد إنتهاء الحفل مجددا ..”
ثم خرجت من المكان واتجهت نحو اختها التي احتضنتها بقوة وهي تهمس لها :-
” ادعي أن تمر الليلة على خير يا هايدي ..”
ربتت هايدي على كتفها تحاول طمأنتها :-
” كل شيء سيكون بخير …”
اضافت بتنبيه :-
” إذا حدث شيء ما تحدثي معي فورا ..”
انتهى الحفل بالفعل وغادرت نانسي مع زوجها وكذلك غادر الضيوف عندما اتجهت هايدي مع عمها وزوجته الى غرفة حنين لينهض نضال يستقبلهما قبل أن تساعد كلا من هايدي وأحلام حنين بالنهوض …
سار الجميع الى الخارج وحمدت هايدي ربها إن كرم غادر الحفل عندما وجدا نادر في وجههما يهتف :-
” جئت لأطمئن على الآنسة حنين قبل المغادرة ..”
ردت أحلام :-
” هي بخير الحمد لله .. نشكرك حقا يا دكتور ..”
ابتسم نادر مرددا :-
” لم أقم سوى بواجبي ..”
قال أشرف بجدية :-
” وفقك الله يا بني …”
غادر الجميع الفندق عندما أشار أشرف لهايدي :-
” تعالي نامي عندنا الليلة يا هايدي .. أفضل من العودة الى المنزل اليوم ..”
ظهرت الحيرة على ملامحها عندما قالت أحلام بدورها :-
” هذا افضل يا هايدي .. والدتك بالتأكيد غاضبة جدا والأفضل ألا تتواجهي معها تجنبا للمشاكل ..”
قال نضال بتعب :-
” حسنا اركبي يا هايدي سيارتي وانتم كذلك .. ”
نظرت هايدي له بدهشة مما قاله لكنها سرعان ما أخفت دهشتها وهي تسير خلفه حيث ركبت سيارته وهي تبتسم بينها وبين نفسها في سعادة جديدة عليها ..
…………………………………………..
تقدمت ليلى نحو صالة الجلوس تستقبل عائلة خالها حيث رحبت بخالها ثم زوجة خالها التي حيتها بطريقة أقل تحفظا من السابق ثم أخيرا زاهر الذي إبتسم لها برزانة وهو يضغط على كفها لتمنحه إبتسامة رقيقة وهي تتجه نحو شقيقتها …
جلست بجانب شقيقتها التي همست لها :-
” لماذا لم ترتدي فستانا أسودا كما قلت ..؟!”
رمقتها ليلى بنظرات محذرة عندما تحدثت زوجة خالها تسألها :
” كيف حالك يا ليلى ..؟!”
ردت ليلى بهدوء :-
” الحمد لله بخير …”
ابتسمت لها نهاد بهدوء عندما تقدمت فاتن تخبرهم :-
” العشاء جاهز .. تفضلوا ..”
نهض احمد يشير الى جمال الذي سار بجانبه وجانبهما زاهر تتبعه نهاد بجانبها فاتن ثم ليلى ومريم خلفهما …
جلس الجميع على طاولة الطعام عندما بدأت الخادمة تصب لهم الطعام حتى إنتهت مما تفعله ليبدأ الجميع في تناول طعامهم ..
سألت فاتن زوجة أخيها :-
” كيف حال زينب يا نهاد ..؟! ”
ردت نهاد مبتسمة :-
” بخير للغاية .. لو ترين طفلتها يا فاتن .. رائعة …”
ابتسمت فاتن مرددة بحب :-
” أرسلت لي صورتها عدة مرات .. جميلة كوالدتها وجدتها ..”
ابتسمت نهاد وهي تهتف بنبرة ذات مغزى :-
” عقبال اليوم الذين ترين فيه احفادك من ليلى ومريم ..”
تجمدت ملامح ليلى ونظر زاهر نحو والدته بتأنيب بينما ردت فاتن برقة :-
” ان شاءالله ..”
انتهى طعام العشاء ما بين أحاديث مختلفة عندما تقدمت ليلى من زاهر الذي كان يقف في الحديقة يدخن سيجارته تسأله :-
” كيف حالك ..؟!”
ابتسم مرددا :-
” بخير وانت ..”
ردت مبتسمة :-
” الحمد لله بخير ..”
اضافت بجذية :-
” لم أكن أعلم إنك مدخن ..”
ابتسم قائلا وهو يطفأ سيجارته ويرميها في سلة المهملات القريبة منه :-
” حاولت تركها كثيرا ولم أسطتع ..”
قالتها بعفوية قبل أن تضيف بثرثرة :-
” أكرهها لإن جدي رحمه الله توفي بسببها ..”
أضافت بشرود :-
” التدخين قتله لذا أصبحت أكرهها بشدة ..”
” رحمة الله عليه .. معك حق .. التدخين مضر جدا ..”
سألته بجدية :-
” لماذا لا تتركه إذا ..؟؟”
رد ببديهية :-
” حاولت كثيرا .. ”
” انت تدمنها ..”
قالتها بجدية ليضحك بخفة وهو يهز رأسه لتهتف بعفوية :-
” لم أكن أعلم إنك تدخن من قبل …”
ابتسم مرددا :-
” لم تكوني تعلمي عني أشيائا كثيرة …”
هزت رأسها وقد ظهر الحرج على ملامحها ليضيف بجدية لا تخلو من الغموض :-
” ما زال الوقت أمامك لتعرفي عني الكثير …”
ابتسمت بنفس الحرج عندما تقدم نحوها أكثر يسألها :-
” هل تريدين أن تعرفي عني كل شيء يا ليلى ..؟!”
تعجبت من سؤاله ولم تعرف بماذا تجيب ليضيف متسائلا :-
” هل تريدين الإقتراب مني ..؟!”
توترت ملامحها وهي تهمس بخوف لا ارادي :-
ابتسم مرددا بخفوت :-
” لا تخافي يا ليلى .. انا لن افرض نفسي عليك ابدا .. لم أفعلها مسبقا ولن أفعلها الآن بالطبع .. انا صبور يا ليلى .. صبور جدا .. سأنتظر حتى تأتي اللحظة التي تقررين فيها السير نحوي … إقتحام حياتي والتغلغل فيها .. أعلم إنها قادمة .. أثق بذلك أكثر من أي شيء ..”
تحرك نحو الداخل بعدما أنهى كلماته لتتأمل آثره بعدم إستيعاب عندما تحركت أخيرا الى الداخل حيث تقدمت نحو صالة الجلوس وهي تنوي الإستئذان والذهاب الى غرفتها عندما سمعت زوجة خالها تقول وهي تنظر إليها بإبتسامة واسعة :-
” ها قد أتت العروس …”
تطلعت إليها بعدم إستيعاب عندما وجدت والدتها تقول بسعادة :-
” زاهر تقدم لخطبتك يا ليلى …”
اتسعت عيناها بعدم تصديق وهي لا تستوعب إنه فعلها … وضعها أمام الأمر الواقع وهو الذي كان يتغنى بصفات لا وجود لها .. لم يمهلها الوقت كما إدعى .. فجر قنبلته وتركها في وسط صراع ما بين الرفض وتحطيم هذه الجلسة الجميلة والترابط الأسري وبين قبولها بزيجة وهي في وضع لا يسمح لها مجرد التفكير بأي رجل …
رأت السعادة الواضحة في عين والدتها والأمل يشع من عيني والدها ومريم ترجوها أن توافق دون أن يفهموا إنهم يضغطون عليها بتصرفهم هذا . يجبرونها على الموافقة كي لا تطفئ الفرحة المشعة داخل أعينهم دون أن يدركوا ذلك …
نظرت أخيرا الى زاهر والخيبة ظهرت في عينيها .. خيبة إمرأة وثقت في رجل عاملها بعناية لم ترها مسبقا وهاهو يفعل كمن سبقه ويخذلها مثل من سبقه وإن إختلفت الطريقة ..
كانت تجلس بكآبة فوق سريرها وعقلها لا يكف عن التفكير بما حدث مساء البارحة والحديث الذي دار بينها وبين زاهر وكيف إنتهى بهذه الطريقة المزعجة ..
أفاقت من أفكارها على صوت طرقات على باب غرفتها فسمحت للطارق بالدخول ..
” صباح الخير ..”
قالتها مريم وهي تتقدم نحوها لترد ليلى بخفوت:-
” صباح النور ..”
اتجهت مريم نحوها وجلست جانبها عندما قالت بتردد :-
” كيف حالك اليوم ..؟!”
تنهدت ليلى وهي تجيب :-
سألت مريم :-
” ألن تخبريني عما يحدث معك يا ليلى ..؟!”
رمقتها ليلى بنظراتها وهي تردد :-
” ماذا يحدث معي مثلا يا مريم ..؟!”
غمغمت مريم بجدية :-
” البارحة لاحظت عليك شيئا غريبا .. جميعنا لاحظنا لكننا إلتزمنا الصمت ..”
” من تقصدين بجميعا ..؟!”
سألتها ليلى بريبة لترد مريم بخفوت :-
” ماما مثلا …”
همست ليلى بتعب :-
” انا بخير يا مريم .. لا تقلقي وأخبري ماما ألا تقلق ..”
قالت مريم بسرعة :-
” كلا لستِ بخير … ”
أضافت بجدية :-
” أنا أعرفك جيدا يا ليلى .. ماذا حدث البارحة ..؟!”
أكملت بتروي :-
” إنظري لقد فرحت بسبب أمر خطبتك في البداية ولكن سرعان ما لاحظت تبدل ملامحك بل مزاجك كليا .. انت لست راضية عما حدث ولكن لماذا وافقتِ يا ليلى ..؟!”
ردت ليلى تفضفض عما يدور داخلها :-
” لم يكن أمامي حل آخر يا مريم .. لم يكن بوسعي الرفض …”
” ماذا يعني هذا ..؟! لماذا لم يكن بوسعك الرفض ..؟!”
سألتها مريم بعدم تصديق لتلتفت ليلى نحوها تخبرها بهدوء :-
” الأمر كان محرجا جدا يا مريم .. من الصعب أن أرفض زاهر امام الجميع .. عائلته وعائلتي …”
” ولكن من السهل أن تقبلي بإرتباط وخطبة لا ترغبيها ..”
رددتها مريم بتجهم لتبتسم ليلى بمرارة وهي تتسائل :-
” ماذا حدث ..؟! ألم يكن زاهر ملائما لي وكنتِ تشجعيني على منحه فرصة ..؟!”
قاطعتها مريم :-
” نعم هذا كان رأيي به وما زال كما هو ولن يتغير .. ولكن هذا لا يعني أن توافقي عليه مجاملة ومنعا للإحراج …”
تمتمت ليلى بصوت مرهق :-
” لقد حدث ما حدث ..”
قالت مريم بحزم :-
” أخبري ماما وبابا عما حدث وإنك وافقت مجبرة ..”
قالت ليلى بسرعة :-
” كلا لن أفعل ..”
أضافت بهدوء :-
” زاهر سيفعل …”
” ماذا سيفعل ..؟!”
سألتها مريم بعدم فهم لتجيب ليلى بشرود وهي تتذكر كلماته :-
” هو سيتصرف ويوضح سوء الفهم الذي حدث ..”
سألت مريم بعدم إستيعاب :-
” هل زاهر يعلم إنك وافقتِ لهذا السبب وليس رغبةً بالإقتران به ..؟!”
اومأت ليلى برأسها وهي تجيب :-
” نعم ، لقد تحدثنا بعدما حدث …”
قالت مريم بضيق :-
” بالتأكيد أحزنه هذا كثيرا ..”
قالت ليلى بتجهم :-
” وتشاجرت معه ايضا .. ”
سألتها مريم بدهشة لتجيب ليلى :-
” بسبب ما حدث .. لإنه وضعني أمام الأمر الواقع وهو يعلم بظروفي وعدم رغبتي في الدخول بأي علاقة حاليا ..”
” ولكن زاهر لم يكن يعلم ..”
قالتها مريم بجدية وهي تضيف :-
” والدته من تحدثت بالأمر وهو كان مصدوما مثلك تماما حتى أنا لاحظت الدهشة تسيطر عليه ولكنني لم أهتم لإنني أعلم إنه يحبك ففهمت إن زوجة خالي تعمدت وضعكما أمام الأمر الواقع …”
” زوجة خالي هي من تحدثت ..؟!”
سألتها ليلى بصوت متحشرج لتجيب مريم بجدية :-
” نعم والجميع كان مدهوشا مما قالته رغم سعادتهم .. ”
سيطر الألم على ملامح ليلى عندما قالت مريم بتأنيب :-
” كيف تتهمين زاهر بشيء كهذا يا ليلى ..؟! نعم زاهر يحبك بل يعشقك ولكنه لا يمكن أن يفعل شيئا كهذا ..؟! زاهر آخر رجل قد يفرض نفسه على إمرأة مهما بلغ عشقه لها .. انا أعرفه جيدا ..”
توقفت عن حديثها وهي تسمع ليلى تغمغم :-
” لا أصدق ما فعلته …”
أكملت وهي تنظر الى مريم :-
” لقد تصرفت بحماقة شديدة …”
أضافت بحزن :-
” جرحته يا مريم …”
قالت مريم بضيق :-
” لماذا يا ليلى ..؟!”
قالت ليلى بصوت مبحوح :-
” كنت منفعله وتحدثت بلا وعي …”
” انا لا اصدق حقا .. انت في العادة تحكمين عقلك ولا تتسرعي في أي تصرف أو كلمة تصدر منك …”
قالت ليلى بخفوت :-
” ولكنني إنسانة وقد يغلبني الموقف أحيانا ويتحكم بي غضبي ..”
قالت مريم بجدية :-
” يجب أن تعتذري منه وتصالحيه …”
تمتمت ليلى بعدم إستيعاب :-
” أصالحه ..؟!”
هزت مريم رأسها بتأكيد لتقول ليلى :-
” سأتحدث معه وأعتذر منه … ”
سألتها مريم بضيق لترد ليلى بحزم :-
” نعم يا مريم فقط …”
سألتها مريم بوجوم :-
” لماذا تقسين عليه بهذه الطريقة ..؟! لماذا لا تحاولين منحه فرصة يا ليلى ..؟!”
ردت ليلى بعقلانية :-
” هكذا أفضل.. أنا لا أريد أن أؤذيه ..”
رددت مريم بدهشة :-
” أن تمنحينه فرصة يعني ستؤذيه ..”
قالت ليلى بحشرجة :-
” فرصة يعني أملا .. أملا لشيء غالبا لن يحدث …”
“ربما لإنك لا تريدنه أن يحدث ..”
قالتها مريم وهي تنظر نحوها بقوة لتهمس مريم بترجي :-
” إنسي الماضي يا ليلى .. إنسيه ارجوك وابدئي من جديد …”
أخذت ليلى نفسا عميقا ثم قالت :-
” حتى لو نسيت الماضي .. ماذا سأفعل بالحاضر يا مريم ..؟!”
أكملت وهي تنظر نحو شقيقتها :-
” ماذا سأفعل بما يحدث حولي أخبريني ..؟! انت تظنين إنني أرفض زاهر أو أرفض الدخول في علاقة مع أي شخص بسبب الماضي ونديم .. حسنا لن أنكر الماضي ما زال يتلبس روحي ومشاعري نحو نديم ما زالت موجودة وإن لم تعد كالسابق ولكن لا تظنين إنني أرفض الإرتباط او الدخول في علاقة بسبب هذا فقط … كلا يا مريم .. انا لست مستقرة في حياتي حتى الآن .. هناك مئة مشكلة تدور من حولي .. كل شيء حولي عبارة عن فوضى .. انا لا أصلح للدخول في أي علاقة الآن ولن أصلح لذلك حتى تنتهي جميع الفوضى المحيطة بي …”
أكملت تثرثر بعفوية :-
” يكفي عمار وموضوع الشيكات .. يكفي إنني أعيش في قلق مستمر من عدم قدرتي على تسديد تلك الشيكات خلال المدة المحددة … عمار لن يرحمني حينها .. أنا أعرفه جيدا …”
سيطر الجمود على ملامح مريم وهي تستمع لكلمات شقيقتها عندما نهضت من مكانها تنسحب خارح الغرفة بسرعة تاركة ليلى جالسة في مكانها بصمت حتى تنهدت بتعب ثم إتجهت تحمل هاتفها تنظر إليه بتردد قبل أن تحسم أمرها وتتصل به ..
جاءها صوته الهادئ القوي يرد عليها :-
” نعم يا ليلى ..”
تمتمت بتردد :-
” ظننتك لن تجيب على مكالمتي …”
سمعت صوت تنهيدته وهو يسألها :-
” ماذا تريدين يا ليلى ..؟!”
همست بخفوت :-
” أريد الإعتذار منك … أنا آسفة على كل ما قلته البارحة ..”
صمت للحظات قبل أن يجيب ببرود :-
” ليس مهما …”
همست مجدداا بإرتباك :-
لكنه قاطعها :-
” إعذريني يا ليلى .. يجب أن أنهي المكالمة الآن فأنا أنتظر مكالمة مهمة تخص العمل بعد دقائق ..”
قالت بنبرة متحشرجة :-
” حسنا مع السلامة ..”
أغلق الهاتف لتعتصر هاتفها داخل قبضة يدها وقد خيم الحزن عليها كليا وبروده الواضح معها آلمها بشدة …
…………………………………………………………
فتح عينيه أخيرا وهو يشعر بصداع شديد في رأسه بسبب تأثير مشروب البارحة …
تنهد بتعب وهو يعتدل في جلسته فيتأوه بوجع بسبب ألم جسده من نومته بتلك الطريقة ..
زفر أنفاسه بضيق وهو ينهض من مكانه ببذلته يعبث بخصلات شعره وهو يتثائب مجددا …
تأمل باب غرفتها المغلق ليتذكر لقطات مما حدث البارحة فيشعر بالضيق يملأ كيانه ..
غمغم ببعض الكلمات الغاضبة مع نفسه وهو ينظر الى الباب بتردد …
عليه أن يأخذ ملابسه من الداخل ..
أخذ نفسا عميقا ثم طرق على الباب بخفة ليتفاجئ بها تفتح الباب له فورا بملامح ناقمة ..
كانت ترتدي بيجامة محتشمة تمامامن الستان الناعم وشعرها الأشقر بخصلاته الطويلة مرفوع عاليا بكعكة بسيطة وملامحها بدت بائسة تماما رغم جمودها ..
” أريد ملابسي ..”
أزاحت جسدها جانبا تسمح له بالدخول ليدلف الى الداخل بخطوات بطيئة ويتجه نحو الخزانة فيبحث عن ملابسه التي أتى بها الى هنا فيجذب بنطالا وقميصا متجها بهما نحو الحمام عندما توقف في طريقه مرددا وهو ينظر إليها :-
” سآخذ حماما سريعا …”
إبتسمت بقليل من التهكم على طريقته المؤدبة معها فظهر الإنزعاج على ملامحه عندما سمعها تهمس بقوة :-
” أنتظرك خارجا لنتحدث …”
هز رأسه ببطأ وهو يتحرك نحو الحمام بينما وقفت هي مكانها تبث الدعم والقوة الى نفسها وهي التي ستخبره بكل شيء بعد خروجه …
اتجهت الى الخارج وجلست على الكنبة تعقد ذراعيها أمام صدرها وتهز قدمها بحركة تدل على توترها …
ظلت تنتظره لوقت طويل فسيطر عليها الملل عندما تمتمت بضيق :-
” ماذا يفعل كل هذا ..؟! ”
عادت بظهرها الى الخلف وهي تزفر أنفاسها بضيق لتمر حوالي عشر دقائق قبل أن يخرج من الحمام منتعشا وهو يجفف شعره الكثيف بالمنشفة …
تقدم نحوها مبتسما بخفة لتمنحه نظرات جامدة فيسألها بتردد :-
” هل تتناولين القهوة معي ..؟!”
ردت بجمود :-
” شكرا لا أريد .. أريد فقط التحدث معك …”
قال بجدية :-
” سأعد القهوة أولا ثم نتحدث …”
هزت رأسها على مضض عندما اتجه هو نحو ماكينة إعداد القهوة ليبدأ في إعدادها ..
تقدم نحوها بعد مدة وهو يحمل كوبا كبيرا من القهوة الثقيلة عندما جلس أمامها يتسائل :
” ألن تطلبي طعام الفطور لك ..؟!”
ردت بخفوت :-
” لا أريد .. لا شهية لدي …”
وضع كوبه على الطاولة أمامها وهتف بجدية :-
” ماذا يحدث يا نانسي .. ؟! منذ البارحة وانت غير طبيعية ..”
ردت بنبرة مقصودة :-
” من الجيد إنك تتذكر ما حدث البارحة ..”
تمتم معتذرا :-
” يؤسفني ما فعلته لكنني لم أكن بكامل وعي حينها ..”
منحته نظرات لائمة وهي تردد :-
” لم يكن عليك تناول المشروب يا صلاح .. على الأقل راعي وجودي ..”
هتف معتذرا :-
” آسف حقا يا نانسي .. تصرفت بطيش كعادتي …”
غمغمت بأسف :-
” الطيش هو سبب كل ما نحن به أساسا …”
رأت التجهم يسيطر على ملامحه عندما أضافت :-
” طيشنا نحن الإثنين .. لست وحدك المسؤول .. ”
” حسنا يا نانسي .. لقد تصرفنا بشكل خاطئ وها نحن نتحمل عواقب تصرفاتنا .. ما المطلوب أكثر ..؟! هل علينا أن نعاقب أنفسنا للأبد على لحظة طيش حدثت دون وعي منا ..؟!”
قالت بقوة :-
” كلا ، ليس علينا أن نعاقب أنفسنا للأبد ولكن يجب تحمل جميع عواقبها دون إستثناء ..”
قال بجمود :-
” وها أنا تحملت نتاج تصرفي وتزوجتك .. ماذا أفعل بعد ..؟!”
همست بنفس الجمود :-
” لا تحملني جميلا بسبب ما فعلته .. ”
قال بعصبية خفيفة :-
” انا لا أفعل .. على العكس تماما .. انا معترف بخطأي وسارعت لإصلاحه وبالفعل أصلحته ..”
” حقا ..؟!! هل تظن إنك أصلحته بالفعل ..؟!”
سألته بملامح متألمة لينهض من مكانه مرددا بضيق :-
” تزوجتك يا نانسي …تزوجتك وأعدت لكِ شرفكِ الذي ضاع بسببي وسببك .. ماذا يجب أن أفعل أكثر ..؟!”
نهضت من مكانها بدورها تردد بملامح محتقنة :-
” انا حياتي تدمرت تماما .. تدمرت تماما يا صلاح ..”
مسح على وجهه قبل أن يردد :-
” انا أتفهمك .. بالطبع ما حدث ليس هينا .. لا الزواج هينا ولا مقاطعة والدتك لكِ هينة ولكن صدقيني جميع هذا الأيام ستمر .. ستمر وكل شيء يعود كما كان والمياه بينك انت ووالدتك ستعود الى مجاريها …”
تمتمت بتعب :-
” ليت الأمر يتعلق بوالدتي فقط .. الأمر أكبر من هذا بكثير .. تجاوز هذا بمراحل ..”
” يا إلهي كم تعشقين المبالغة … ”
قالها بضجر لتصيح بتعب :-
” انا لا أبالغ .. انت تتحدث هكذا لإنك لا تعرف شيئا .. لا تعرف أي شيء …”
سألها بوجوم :-
” ومالذي لا أعرفه بالضبط يا نانسي …؟!”
إبتلعت ريقها بقوة قبل أن تجيب بصوت متحشرج :-
” انا حامل …”
ظهرت الصدمة على ملامح وجهه للحظات قبل أن تتفاجئ به يضحك بخفة …
ضحكاته إستمرت قليلا قبل أن يردد بإستهزاء :-
” ما هذا الهراء الذي تتفوهين به ..؟!”
ردت وهي تكتم دموعها :-
” هذا ليس هراء .. انا بالفعل حامل .. أحمل طفلك ..”
صرخ بغضب :-
” ماذا تقولين انت ..؟! هل جننت ..؟! ماذا تعنين بحامل ..؟! ”
صرخت بدورها منفعلة :-
” حامل يا صلاح .. ما الشيء الغير مفهوم في قولي .. ؟! انا حامل منك .. هل علي تكرارها مئة مرة كي تستوعبها ..”
قال بعينين جامدتين تماما :-
” هذا مستحيل .. من المستحيل أن يحدث شيء كهذا ..”
” لكنه حدث .. المستحيل حدث يا صلاح ..”
قالتها وهي تشعر بنفسها على وشك الإنهيار عندما تقدم نحوها يجذبها من ذراعيها يهزها وهو يردد :-
” انت تكذبين .. قولي ذلك .. إعترفي إن هذه مجرد كذبة ..”
تساقطت دموعها على وجنتيها وهي تهز رأسها نفيا ليدفعها بقوة وهو يسألها :-
” متى حدث هذا ..؟! متى ..؟!”
ردت باكية :-
” لقد علمت بأمر الحمل مؤخرا و …”
قاطعها بقسوة :-
“ليس ابني ..”
شهقت بعنف وتساقطت الدموع من عينيها أكثر لتهمس بصوت متحشرج :-
” كلا إنه ابنك .. انت تعلم ذلك جيدا ..”
صمتت لوهلة تحاول أن تسيطر على أنفاسها المتهدجة لتهمس مضيفة بصوت مختنق :-
” انت تعلم إنك الرجل الاول في حياتي .. لم يلمسني سواك ..”
حاول ان يصدق لكن هناك شك كبير داخل قلبه ..
يتذكر جيدا ما حدث ليلتها وحسب ما رآه فهو الأول بالفعل ..
لكن كيف ..؟! كيف تحمل منه نتيجة ليلة واحدة حدثت بالخطأ ودون وعي منهما ..؟!
” هل كانت هذه خطة منك ..؟!”
نظرت اليه بعدم استيعاب ليقبض على ذراعها مجددا يهدر بها بعنف مخيف :-
” هل كنت تخططين لتلك الليلة كي تجعلني أتزوج منك وتورطيني بطفل ليس من صلبي ..؟!”
ابتعد عنها قليلا وهو يقبض على خصلات شعره بأنامله :-
” ولم لا ..؟! انا لا استغرب شيئا منك … قد يكون هذا بأكمله مخطط .. مخطط وانا تورطت به .. ”
هطلت دموعها بغزارة أكبر حتى أغرقت وجهها كليا وهي تصرخ باكية بعدم تصديق :-
” والله ابنك .. من صلبك .. انت اول رجل في حياتي والوحيد ايضا ..”
” ليس ابني ولن اعترف به .. هل فهمت ..؟!”
قالها بنبرة حارقة لتتطر إليه بعدم تصديق وهي تهمس :-
” انا لم أعتقد يوما إنك بهذه الحقارة أبدا …!!”
” حقارة ..!! هل هذا جزاء ما فعلته لك .. ؟! نعم انا حقير وانت الملاك الطاهر .. رجل آخر غيري ما كان ليفعل ما فعلته ويتورط في زيجة لإنقاذ سمعة فتاة لم تحافظ على نفسها بل طوال عمرها وهي تتصرف بطيش وقلة تربية .. هل تتذكرين نديم الذي كنت تلاحقينه مثل ظله وتلتصقين به دون خجل ..؟! أم نسيتِ ماضيك المخجل نانسي هانم ..؟!”
تقدمت نحوه بسرعة شديدة وصفعته على وجهه ليتجمد مكانه للحظات غير مستوعبا ما فعلته فتهدر به :-
” نذل وحقير .. ستبقى هكذا طوال عمرك ..”
قبض على كفها بقوة يصيح بها بشكل مخيف لم تظن إنه سيظهر عليه يوما :-
” انت تجاوزت كافة حدودك يا نانسي .. من تظنين نفسكِ لتصفعين صلاح الخولي يا هانم ..؟! من انت لتفعلي ذلك ..؟!”
حاولت تحرير كفها من كفه ليهمس من بين أسنانه بغضب مضاعف :-
” قسما بربي لن أمرر صفعتك هذه مهما حدث أما عن طفلك اللعين فسارعي للتخلص منه لإنني لن أعترف به مهما حدث ..”
تحررت من قبضته بقوة تمسك كفها بألم قبل أن تقول بحرقة :-
” لقد فات الآوان يا صلاح .. لا يمكنني التخلص منه … تجاوزت الأشهر المسموحة لإجهاضه ..”
اتسعت عيناه وقد نسي كل شيء بإستثناء شيء واحد .. هي إستغلته وتريد تحميله مسؤولية طفل لم ولن يريده …
قال بملامح كارهة :-
” أيتها اللعينة … تعمدت فعل هذا .. إنتظرت مرور الأشهر الأولى لتوريطي …”
أضاف وعيناه تلمعان بشكل مخيف وجبروت ملامحه ونبرته أرعبتها :-
” ستجهضينه يا نانسي وإن لم تفعلي ذلك سأفعله أنا بنفسي ..”
هزت رأسها نفيا وهي تردد برعب :-
” لا يمكن .. لا يمكن ذلك .. ألا تفهم ..”
جذبها من ذراعها لتصرخ بفزع فيهمس بنظرات حادة :-
” أقسم بربي إن لم تسارعي للتخلص منه سأفعل هذا بنفسي فلم تخلق من بعد من تجبرني على شيء لا أريده …”
دفعها بكل قوته لتسقط أرضا وتحرك خارج المكان بعنف بينما بقيت هي متجمدة مكانها لا تصدق ما حدث ..
هل هذا هو نفسه صلاح ..؟! صلاح اللطيف العابث ..؟! من أين جاء بكل هذه القسوة والجبروت ..؟؟ العنف والإجرام ..؟؟ كلا هذا لم يكن صلاح الذي تعرفه جيدا .. هذا شخصا آخرا .. شخصا لا علاقة له بصلاح الذي تعرفه منذ مدة طويلة …
هزت رأسها نفيا بشكل متواصل وهي تخبر نفسها إنه ليس هو .. إنها تتهيأ أشياء لم تحدث .. إن كل ما حدث وما رأته كان من وحي خيالها فقط لا غير ..!!
………………………………………………………….
فتحت عهد باب شقتها لتجده أمامها يتأمله بهدوء مريب إستمر للحظات قبل أن يسألها :-
” هل يمكنني رؤية تميم …؟!”
هزت رأسها دون رد وهي تفسح له مجالا للدخول ليردد بتهكم مقصود :-
” يبدو إن والدتك هنا لهذا سمحتِ لي بالدخول ..”
ردت بحيادية :-
” نعم هي في الداخل …”
أضافت وهي تشير نحو الكنبة المقابلة لهما :-
” تفضل إجلس وأنا سأنادي تميم …”
ثم تحركت بسرعة دون إنتظار رده ليجلس مكانه يتأمل الشقة البسيطة بملامح متجهمة عندما جاء ابنه بعد لحظات فيمنحه إبتسامة خاصة وهو يفتح له أحضانه مرددا :-
” تميم حبيبي ..”
تقدم تميم نحوه وإندس داخل أحضانه ليربت فراس عليه بحب فتتأملهما عهد للحظات ثم تقول مقررة الإنسحاب تاركة الأب وإبنه لوحديهما :-
” سأترككما لوحدكما …”
هز فراس رأسه بتفهم دون أن ينظر نحوها عندما غادرت فينظر إلى إبنه يسأله بإهتمام :-
” كيف حالك يا حبيبي … ؟!”
رد تميم مبتسما بهدوء :-
” بخير بابا ..”
عاد فراس يسأله :-
” وما أخبار الدراسة ..؟!”
رد الصغير :-
” لقد بدأت منذ إسبوع … لم نأخذ سوى القليل من الدروس …”
قال فراس بجدية :-
” أريد علامات كاملة كعادتك ..”
ابتسم ابنه مرددا بثقة شديدة :-
” لا تقلق يا بابا .. سأكون الأول على دفعتي بالتأكيد …”
ابتسم فراس مرددا بفخر وهو ينظر الى إبنه شديد الذكاء والثقة بنفسه :-
” احسنت يا تميم .. انا فخور بك حقا .. انت رائع يا وحيدي …”
ابتسم تميم بسعادة فهو يحب أن يعززه من حوله بهذه الطريقة ليقول متفاخرا بنفسه :-
” لقد تفوقت على الجميع في تدريبات السباحة أيضا ..”
أضاف وهو ينطلق متحمسا نحو غرفة نومه :
” سأريك بعض الصور ..”
تأمل فراس حماسه ورغما عنه إعترف إن هناك شيء ما تغير داخل إبنه ناحيته نحو الأفضل ..
يبدو إن مكوثه مع والدته جعله يتصرف بهذه الطريقة …
عاد ينهر نفسه رافضا الإعتراف إنه مخطأ وإن تصرفاته السابقة جعلت ابنه بعيدا عنه رافضا التواصل معه كنوع من العقاب على حرمانه له من والدته ..
عاد تميم وهو يحمل جهازه اللوحي الضخم والذي إشتراه له والده قبل ثلاثة اعوام رغم عدم موافقة عهد التي كانت ترفص وبشدة تصرفات فراس مع ابنها وطريقته معه وهو الذي يشتري له الغالي والنفيس بشكل لا يرضيها ولا يشبه التربية التي تريده أن ينشأ عليها ..
أخذ تميم يريه الصور عندما توقف عند إحدى الصور تجمعه بفتاة من نفس عمره جميلة للغاية فقال بفخر :-
” وهذه مايا.. صديقتي …”
ابتسم الأب مرددا بخفة :-
” صديقتك إذا …”
هز رأسه موجبا وهو يضيف :-
” أنا صديقها الوحيد .. لا تلعب ولا تجلس ولا تتحدث مع أحد سواي..”
عقد فراس حاجبيه متسائلا بتعجب :-
رد تميم ببرود :-
” لإنني أمنعها من ذلك .. ”
قالها فراس مدهوشا ليرد تميم بقوة وسلاطة :-
” مايا تخصني ولا أسمح لأي شخص سواي أن يقترب منها …”
هز فراس رأسه بصمت ورغما عنه تذكر نفسه وهو صغير فإنتبه للمرة الأولى إنه إبنه يشبهه كثيرا بل يتفوق عليه من ناحية السلطة والهيمنة والتحكم فهو لم يكن مثله عندما كان صغيرا أما تميم فهو يمتلك كل هذه المواصفات وغيرها من ثقة بالنفس لا تخلو من الغرور والعنجهة رغم سنوات عمره التي لم تصل عشرة سنوات بعد ..
قال وهو يسيطر على أفكاره :-
” حسنا حبيبي .. هل يمكنك أن تنادي والدتك .. أريد التحدث معها ..”
قالها تميم وهو يندفع بسرعة نحو والدته عندما عاد وعهد خلفه لتهتف بخفوت :-
” أردت التحدث معي ..؟!”
اومأ فراس برأسه قبل أن يشير الى ولده :-
” إتركنا لوحدنا قليلا يا تميم ..؟!”
ظهر الرفض على ملامح تميم ليقول والده بجدية :-
” سنتحدث في أمور خاصة قليلا ..”
حمل تميم جهازه اللوحي وخرج من المكان مرغما عندما جلست عهد أمامه تسأله بجدية :-
” ماذا هناك يا فراس ..؟!”
وضع فراس قدما فوق الأخرى مرددا بهيمنة :-
” يجب أن نتحدث بشأن تميم يا عهد ..”
سألته بقلق :-
” ما به تميم ..؟!”
” نتحدث بشأن وضعه القادم ومستقبله ..”
قالت بسرعة :-
” تميم معي .. قانونيا هو معي ..”
” وانا لا أنوي أخذه منك … هو بالفعل أصبح معك بعرف القانون .. ”
سألته بحيرة ليقول مبتسما ببرود :-
“تميم ابني الوحيد واهم شخص في حياتي .. حبي له لا يقل عن حبك له حتى وإن إختلفنا في طريقة حبنا ..”
صمت قليلا ثم أكمل وهو يتأمل ملامحها المترقبة لبقية حديثه :-
” وصايته أصبحت لك وهذا أمر مفروغ منه ولكن انا والده ولي الحق في تقرير كل شيء يخصه ولن أتنازل عن هذا الحق ابدا ..”
” ماذا تقصد يا فراس ..؟!”
سألته بنفاذ صبر ليرد بقوة :-
” مبدئيا ابني لن يعيش هنا .. ابن فراس الطائي لا يعيش في شقة متواضعة كهذه ..”
تمتمت بضيق :-
” هذه شقتي ومكان إقامتي يا فراس وانت لا يمكنك تغيير هذا ..”
” كلا يمكنني .. طالما ولدي يعيش معك ..”
سألته بتعب :-
” مالذي تريده يا فراس ..؟!”
أجاب بجدية :-
” ابني سوف يعيش في منزل يليق به وبمركز والده وانت ستوافقين …؟!”
سألته بعدم إستيعاب :-
” ولم سأوافق ..؟!”
” لأجل مصلحته يا عهد .. لأجل مصلحة الطفل ستوافقين …”
رددت بعدم تصديق :-
” انت تعتقد إن مصلحته تعتمد على مدى الرفاهية التي سوف يعيش بها … ”
أضاف بذهول :-
” ألن تكف عن طريقة تفكيرك هذه ..؟! هل تظن حقا إن هذا ما يحتاجه طفل في عمره .. ؟! تميم يحتاج الى الحب والرعاية والإحتواء وليس إلى هذه المظاهر المادية الفارغة ..”
قاطعها بملل :-
” حسنا توفقي .. لقد مللت من إسطواناتك التي لا تنتهي .. مثالياتك الزائدة .. لا مانع أن نمحنه كل ما ذكرتيه مسبقا ومعها حياة مرفهة تليق به وبالعائلة التي ينتمي اليها .. لن أترك إبني يعيش في شقة عادية في حي بسيط كهذه وأنا بإمكاني أن أشتري له فيلا بل قصرا حتى ..”
نهض من مكانه مرددا بحسم غير آبها بالرفض الظاهر في عينيها :-
” أخذتِ حضانته ورضيت .. ولكن لا يمكنك أن تقرري حياة تميم لوحدك .. انا أبحث حاليا عن فيلا مناسبة تليق بي وبه .. سأجلب له الصور وربما أخذه ليختر بنفسه المكان الذي يرغب أن يعيش به … سأشتري له الفيلا التي يريدها وسينتقل للعيش بها وانت بالطبع معه ..”
أنهى كلماته وخرج دون سماع ردها وكأنه يخبرها من جديد إن ردها لا يهمه وإن قرار الحضانة لن يغير شيء …
هو سيظل المتحكم الأول والأخير في حياة إبنها وبالتالي في حياتها هي الأخرى فحياتها دائما وأبدا مرتبطة بحياة إبنها ..
………………………………………………………….
إندفعت الى داخل مكتبه بغضب لينتفض من مكانه مرددا بعدم تصديق :-
” ماذا تفعلين هنا …”
الحدة المرسومة على ملامحه جعلته يدرك إن هناك شيء ما يحدث فأشار للشرطي الذي كان يحاول منعها أن يغادر قبل أن يسألها بقوة :-
” ماذا يحدث يا غالية هانم وكيف تدخلين مكتبي بتلك الطريقة ..؟!”
تقدمت نحوه بخطواتها الراقية المتأنية رغم غضبها وجمود ملامحها ..
وضعت حقيبتها على الكرسي جانبها وتقدمت نحوه أكثر حتى وقفت وجها لوجه أمامه لا يفصلهما سوى المكتب خاصته فبدت تقاربه بالطول بفعل كعب حذائها العالي كثيرا ..
همست بصلابة :-
” لقد نفذت وعدي لك .. أعطيتك الفلاش بكل ما فيه .. وانت بالمقابل وعدتني بالحماية . ليس حمايتي فقط بل حماية تلك الفتاة …”
رد بجدية :-
” نعم .. وعدتك بالفعل وما زلت على وعدي ..”
صاحت بقوة :
” ولكنك لم تفِ بوعدك … ”
سألها بحزم :-
” ماذا تقصدين ..؟! تحدثي دون مراوغة …”
ردت بجمود :-
” منذ حوالي ساعة إتصلت صديقة فرحة بي … هي في المشفى ..”
سألها وهو يخشى أن يسمع جوابا يعرفه جيدا :-
” ماذا تفعل هناك .،؟!”
ردت بملامح ثابتة رغم القلق الذي ينهشها من الداخل :-
” هناك مجموعة من الرجال هاجموها وضربوها بطريقة لا يمكن تخيلها … هي حاليا في العناية المشددة ووضعها خطير جدا ..”
أكملت بصوت متحشرج :-
” ربما تموت ..”
ظهر عدم التصديق على ملامحه عندما همست بإتهام :-
” انت السبب .. لقد وعدتني بحمايتها ولكنك لم تفِ بوعدك … الفتاة ستموت بسببك .. ”
أكملت والدموع تكونت داخل عينيها :-
” انت السبب … ”
أضافت بإنهيار لا يناسب ثباتها المعتاد :-
” وأنا أيضا السبب .. لم يكن علي فعل هذا .. لكنها هي من أصرت بل هي من طلبت ذلك .. هي أرادت الإنتقام لشقيقتها وأقنعتني.. والله هي من فعلت ..”
تقدم نحوها قائلا بجدية وثبات :-
” اهدئي يا غالية … اهدئي من فضلك …”
أكمل بنفس الثبات لا يتزحزح مهما بلغت صعوبة الظروف :-
” دعينا نذهب الى المشفى يا غالية .. يجب أن نراها ونطمئن على وضعها ..”
رمقته بنظرات حادة متوعدة وهي تردد بقوة عادت تسيطر عليها :-
” قسما بربي إن توفيت الفتاة فلن تكفيني دماء أخيك ..”
قال بهدوء متفهما غضبها :-
” هيا يا غالية …”
سارت معه على مضض تخبره عن مكان المشفى عندما ذهب كلاهما سويا الى المشفى لكن كلا منهما في سيارته …
وصلا أخيرا الى هناك ومنه صعدا الى الطابق الذي توجد به فرحة والتي ما زالت في غرفة العناية المشددة ..
وجدوا صديقتها التي إستقبلتهما عندما أشارت لغالية :-
” أعطتني رقمك منذ يومين وطلبت مني إذا ما أصابها مكروه أن أخبرك بهذا .، أصرت على ذلك .. ”
أكملت باكية :-
” كان قلبها يشعر بما ينتظرها ..”
شعرت غالية بعدم قدرتها على التحمل فسارعت تجلس على الكرسي جانبها عندما سأل فادي الفتاة :-
” هل رأيت الحادث ..؟!”
هزت الفتاة رأسها وهي تجيب :-
” كلا .. لكن هناك شخصين شاهدا ما حدث .. قالا إن هناك سيارة عارضتها أثناء سيرها في احد الشوارع المحلية بعد منتصف الليل .. خرجوا من سيارتهم وهجموا عليها يضربونها بكل ما يملكون بقوة .. الشابان خافا أن يقتربا فكانوا خمس رجال لذا إنتظروا مغادرتهم حتى يبلغون الشرطة ويتصلون بالإسعاف ..”
أكملت باكية :-
” حالتها خطيرة جدا .. لن تنجو من هذه الحادثة إلا بمعجزة … ”
إنخطرت الفتاة في بكائها بينما خيم الصمت على فادي الذي لم يستوعب لأي مرحلة وصلت دناءه أخيه …
هز رأسه بقوة ينفض أفكاره عن رأسه وقل لمعت عيناه بتوعد شديد لأخيه .. لن يرحمه وهو الذي حذره من هذا مسبقا .. لقد تجاوز شقيقه جميع الخطوط الحمراء بفعلته هذه وهو لن يكون فادي الطائي إن تجاهل فعلته هذه ..
شعر بالضيق يملأه ورغما عنه يشعر إنه سببا بما حدث عندما لم يحمِ الفتاة كما وعد …
لعن نفسه فهو تماهل بالموضوع بل بالأحرى لم يعتقد أن يحمل أخيه داخله كل هذا الإجرام …
اتجهت ملامحه أخيرا نحو غالية ليجدها تجلس مكانها بوجه مخفض نحو الأسفل …
تقدم نحوها يهمس بتردد :-
” غالية ..”
رفعت وجهها نحوه فكانت ملامحها ثابتة تماما بل جامدة ولكن عيناها حمراوين بقوة ..
هي تحبس دموعها داخلها بوضوح ..
قال بجدية :-
” سأفعل كل شيء لأخذ حقها من فراس .. أعدك بهذا ..”
قلت ساخرة :-
” انت لم تفِ بوعدكِ لي بحماية الفتاة فهل تطلب مني تصديق إنك ستعاقب أخيك لأجلها ..؟!”
قال فادي بقوة :-
” سأفعل ذلك وأكثر .. صدقيني أنا لم أتصور أن يفعل فراس ذلك ..”
إنتفضت من مكانها تهمس بصوت حازم لكنه قوي :-
” تتصور ماذا ..؟! أخوك مجرم .. قاتل .. الفتاة تصارع الموت بسببه .. أخوك قتل الفتاة وانت تقف أمامي تتحدث عن عدم تصورك لتصرف كهذا منه ..”
أكملت وهي تلوم نفسها هذه المرة :-
” لم يكن علي تصديقك .. ما كان يجب أن أثق بك .. الفتاة تصارع الموت .. كنت أعلم إنه سينتقم .. كنت أدرك جيدا إنه لن يمرر فعلتنا مرور الكرام لكنني صدقتك .. وثقت بوعدك لي ومنحتك الفلاش بكل غباء …”
” اهدئي من فضلك ..”
قالها بجدية لتكمل بصوت متحشرج :-
” فرحة ستموت وبهذا نال هو إنتقامه منها وأنا أيضا دوري القادم … بالطبع لن يتركني والله وحده يعلم ماذا يجهز لي …”
قاطعها بحزم :-
” لا يمكنه أن يفعل شيئا ..”
قالت بشراسة :-
” إنظر إلي .. والله إذا فكر أن يلمس شعرة مني فسوف أدمره … انا لدي أخين وأولاد عم لن يسمحوا لمخلوق قذر كأخيك أن ينال مني .. قسما بربي سيقتلونه لا محالة إذا ما فكر أن يلمس شعرة واحدة مني …”
قال بثقة :-
” لن يفعل .. لن أسمح له بذلك ..”
ضحكت مرردة بتهكم :-
” حقا ..؟! ستقف بوجه شقيقك لأجلي .. يا لك من مضحي ..”
تجمدت نظراتها وهي تسمعه يهمس لها بهدوء لا يشبه تعامله السابق معها :-
” نعم سأقف في وجهه لأجلك و إذا إقتضى الأمر سأفديك بروحي أيضا …”
إهتزت حدقتيها رغما عنها فقالت بصوت متحشرج قليلا :-
” ما يهم الآن هو فرحة .. هي أهم شيء الآن ..”
أنهت كلماتها وتركته ليغمض عينيه بقوة معتصرا كفيه بقوة يجاهد للسيطرة على غضبه الذي إن فشل في السيطرة عليه سيبتلع كالإعصار جميع من يقف في طريقه دون رحمة …
………………………………………………….
كانت تجلس بجواره تشرب القهوة بينما هو يتابع احدى المباريات بإهتمام عندما سمعته يهمس لها بخفوت :-
” أريد قليلا من القهوة ..”
رددت وهي تزم شفتيها بمشاغبة :-
” انت لا يروق لك تناول القهوة إلا من كوبي .. ”
رد وهو يسحب كوبها بتلقائية ويرتشف القليل منه ثم يهمس بتلذذ :-
” لإن طعمها يكون أروع عندما يختلط بطعم أنفاسك وشفتيك ..”
رددت رغم إحتقان وجهها :-
” انت أصبحت وقحا جدا يا نديم …”
همس بلا مبالاة وهو يعاود الإرتشاف من الكوب :-
” عليكِ أن تعتادي على ذلك .. أخبرتك مسبقا بذلك .. ”
أكمل وهو يرمقها بنظرات حارة :-
” الوقاحة مع زوجتي لن تضر بشيء على العكس أبدا …”
جذبت الكوب منه ترتشف ما تبقى من القهوة وهي تردد بمزاح :-
” هات قهوتي قبل أن تتناولها كلها ..”
تمتم بسخرية :-
” لم أعهدك بخيلة يا زوجتي …”
مطت شفتيها وهي تضع الكوب الذي فرغ تماما :-
” عليك أن تعتاد على ذلك إذا ..”
تقدم نحوها أكثر يحيط كتفيها بذراعيه :-
” تقلديني إذا ..”
حركت كتفيها وهي تتسائل بدلال غير مقصود :-
” ألا يحق لي ..؟!”
رد وعيناه تشتعلان بقوة تتأملان ملامح وجهها الناعمة وشفتيها بشغف لا ينتهي :-
” بل يحق لكِ كل شيء يا زوجتي …”
خجلت كليا بعدما إنتبهت لنظراته التي تعرفها جيدا فهمست بصوت مبحوح :-
” المباراة يا نديم ..”
قال بنبرة قاطعة :-
” فلتذهب الى الجحيم ..”
رمقته من أسفل رموشها وهي تردد :-
” إنه فريقك المفضل …”
ضحك مرددا بعبث :-
” يمكنني إعادة المباراة فيما بعد .. المبارة قابلة للتأجيل لكن هناك أشياء غير قابلة للتأجيل …”
وقبل أن تتفوه بحرف واحد وضع أنامله فوق فمها يردد بخفوت :-
” لا تقولي شيئا .. ”
أضاف بعينين شديدتين الإشتعال بعدما أبعد أنامله من فوق فمها :-
” إتركي نفسك لي مرة واحدة دون حديث ..”
وأمام نظراته تلك ونبرته الواضحة لم تستطع سوى الإستسلام ..
بعد مدة من الزمن كان يحتضنها بقوة فوق سريرهما وهو يطبع القبلات فوق شعرها بخفوت بينما تبتسم هي بسعادة لا إرادية …
كل يوم يقتربان من بعضهما أكثر كلما تشعر بشغفها الشديد نحوها …
ظنت إن هذه الرغبة والشغف سوف ينتهيان بعدما ينالها لكن حدث العكس فهي تشعر برغبته نحوها تزداد مع مرور الوقت وتكرار ما يحدث بينهما ..
لكن ما حدث الليلة كان مختلفا .. هو نفسه كان مختلفا .. كان شغوفا بشكل مختلف … لمساته كانت تعبر عن شوقه الشديد لها رغم إنهما يعيشان حياة زوجية طبيعية لكنه تصرف وكأنه لم يقربها منذ فترة طويلة …
اسلوبه معها وكل شيء كان يروي روحها العاشقة له الهائمة به ..
كان يمتلكها بشغف ، رغبة وجنون جعلها تتجاوب معه كما لم تفعل من قبل حتى نست تماما خجلها الذي كان يطغي عليها رغما عنها في جميع المرات السابقة ..
هذه المرة إستسلمت له بكل كيانها ومنحته كل شيء دون خجل أو تواري ….
” هل تأكدتِ الآن إن هناك أشياء غير قابلة للتأجيل ..؟!”
إبتسمت بخفة دون رد ورغما عنها سبحت في أفكارها وهي تتذكر ما فعلته صباح اليوم عندما قررت التخلص من تلك الحبوب بقرار مفاجئ بالنسبة لها …
ورغم خوفها مما هو قادم لكنها شعرت بضميرها يرتاح وهي تتخلص من تلك الحبوب مقررة أن تتحدث معه أولا كي يتفقان على هذا الأمر وهي تثق به جيدا وتعلم إنه لن يرغمها على ما لا تريد …
أطلقت تنهيدة مسموعة ليسألها بإهتمام :-
” ماذا هناك ..؟!”
ردت بخفوت :-
” لا شيء .. ”
صمتت للحظة ثم أكملت :-
” كنت أفكر قليلا بالقادم .. ”
أضافت وهي تستدير بوجهها نحوه :-
” ما ينتظرنا في المستقبل …”
صمت بدوره عاقدا حاحبيه بتفكير مرددا :-
” ماذا ينتظرنا مستقبلا برأيك ..؟!”
هزت كتفيها وهي تردد بعدم معرفة :-
” لا أعلم ..”
شرد بأفكاره وهو يتخيل مستقبلهما سويا بينما هي تتأمل شرود ملامحه اللحظي ثم تلك الإبتسامة الخفيفة التي تشكلت فوق شفتيه فسألته بجدية :-
” لماذا تبتسم ..؟!”
ضحك بخفة وهو يجيب :-
” أتخيل مستقبلنا سويا .. أتسائل ما الشيء الذي ينتظر أي إثنين متزوجين حديثا في المستقبل ..”
أضاف وهو يمرر أنامله داخل خصلات شعرها البنية القصيرة :-
” بالطبع الأطفال .. يعني بعد الزواج والإستقرار يأتي دور الأطفال ..”
تجمدت ملامحها كليا وهي تردد بذهول لحظي :-
” الأطفال …”
اومأ برأسه وهو يردد :-
” نعم الأطفال … ”
أضاف يتسائل وهو يمرر أنامله فوق وجنتها هذه المرة :-
” هل قلت شيئا خاطئا ..”
سألته بهدوء رغم ثورة المشاعر المتناقضة التي تشكلت داخلها :-
” هل تريد أطفالا يا نديم …؟!”
ضحك مرغما وهو يهتف :-
” ما هذا السؤال الغريب يا حياة ..؟!”
منحته نظرة لائمة فعبس وهو يضيف :-
” لا أفهم ما يحدث بالضبط .. جمودك ونظراتك ولكنني بالطبع أريد …”
جذبت الغطاء فوق جسدها قبل أن تخبره بإرتباك غير ظاهر وهي تعتدل في جلستها :-
“نحن يجب أن نتحدث…”
رفع حاجبه يسأل :-
” عم سنتحدث والآن تحديدا ..؟!”
نهضت من فوق السرير وهي تلملم جسدها كاملا بالغطاء قبل أن تخبره وهي تبحث عن ملابسها :-
” يجب أن نتحدث يا نديم .. سأغير ملابسي وأتي …”
تابعها وهي تحمل ملابسها وتختفي داخل الحمام الملحق بغرفته والتي أصبحت غرفة نومهما منذ مدة ليتعجب تصرفاتها قبل أن يجذب ملابسه ويرتديها على عجلة منتظرا خروجها فتخرج بعض لحظات وهي مرتدية بيجامتها سريعا وشعرها ما زال منثورا حول وجهها قليلا فتأملها بإستمتاع لا إرادي وهو يتذكر ما حدث بينهما قبل قليل ليبتسم لها فتبادله إبتسامته بأخرى متوترة وهي تجلس جانبه تردد :-
” نديم ، سنتحدث بشأن موضوع الأطفال ..”
قالتها بسرعة ودون مقدمات ليتسائل بحيرة :-
” أنا لا أفهم لماذا إنقلب مزاجك فجأة عندما جلبت سيرة الأطفال ..؟!”
همست بخفوت :-
” ربما لإنني لم أكن أعلم برغبتك تلك …تفاجئت قليلا ..”
ردد بعدم إستيعاب :-
” مم تفاجئت بالضبط …؟! ”
قالت مبررة :-
” أقصد إنك لم تخبرني برغبتك تلك..”
رد بجدية :-
” لم أكن أعلم إن شيء كهذا يجب أن أخبرك عنه مسبقا ..”
أضاف بهدوء وجدية :-
” الطبيعي أن يرغب الرجل المتزوج بأطفال ..”
أكمل بتهكم :-
” في الحالة المعاكسة على الزوج أن يخبر زوجته ولكن طالما أريد فأين المشكلة ولم عليَّ أن أخبرك بشيء بديهي أساسا ..؟!”
أضاف وهو يتسائل بقوة :-
” أم إن رفض هذا الأمر يكمن عندك و …”
قاطعته بسرعة :-
” ليس تماما …”
” إنظري الى وجهك وستدركين إنه تماما جدا ..”
قالها وهو يرىقها بنظرات حارقة لتهمس بتردد :-
” انا بالفعل مترددة بهذا الأمر … يعني فكرت إنه ما زال مبكرا .. نحن تزوجنا منذ فترة قصيرة جدا فلمَ العجلة … هكذا فكرت .. ”
زفر أنفاسه مرددا بتأني متفهما سبب تفكيرها :-
” لا أنكر إن الحق معك .. ولكن عن نفسي انا أريد أطفالا .. لن أجبرك على الإنجاب إذا لم تكونِ مستعدة وراغبة تماما ولكن لن أخفي رغبتي هذه عنك ..”
تسائلت بعينين محتقنتين :-
” أليس غريبا أن ترغب بالإنجاب ونحن ما زلنا في بداية زواجنا ..؟!”
رد بثقة :-
” كلا ليس غريبا .. انا رجل تزوجت .. تزوجت لأجل الإستقرار وتكوين عائلة أيضا … بالطبع سأرغب بالأطفال وكثيرا كما أرغب بوجودك معي .. يعني هذا الشيء المنطقي والذي يحدث مع الجميع فلا أفهم حقا سبب دهشتكِ الغريبة يا حياة…”
أكمل وهو يتسائل بجدية :-
” أم إنك ما زلت تعتقدين إن رغبتي بالإقتران بك مؤقته وإنني سأتركك يوما ما لذا تفاجئت برغبتي بالحصول على طفل منك …؟!”
إبتلعت ريقها وهي تهز رأسها نفيا دون رد ليسألها بإصرار :-
” إمنحيني تفسيرا واضحا لما يحدث وسبب إعتقادك هذا يا حياة ..؟!”
أجابت بهدوء :-
” انا لم أعتقد .. انا فقط فكرت إن تأجيل الإنجاب أفضل لكلينا .. العجلة في هذا الأمر ليست من صالحنا .. ”
أكملت وهي ترمقه بنظرات عاجزة :-
” أنا آسفة .. كان يجب أن أخبرك بوضوح عما أفكر به ..”
تنهد بقوة قبل أن يبتسم لها وهو يربت على جانب وجهها :-
” لا عليك يا حياة .. انا أتفهم مخاوفك .. إذا كنت تريدين تأجيل الأمر فلا بأس .. لنؤجله حتى تكوني مستعدة له ..”
تأملته غير مصدقه تفهمه ومدى لطفه معها ..
لامت نفسها كثيرا لإنها لم تخبره بذلك مسبقا ولجأت الى تلك الحبوب دون علمه ..
عاد ضميرها يؤنبها مجددا كما كان يفعل بها منذ أول يوم إشترت به تلك الحبوب …
هي لم تكذب يوما ..
طوال حياتها وهي صريحة وواضحة ..
كيف كذبت عليه بشيء كهذا ..؟! شيء يخص كلاهما ..؟!
ترقرقت الدموع داخل عينيها فجذبها نحوه وهو يهمس بعذوبة :-
” لا تبكي يا حياة من فضلك .. ”
تساقطت دموعها فوق وجنتيها ليتسائل بعدم إستيعاب :-
” مالذي يبكيك هكذا لا أفهم ..؟!”
إبتعدت عنه تردد معتذرة :-
” أنا آسفة حقا …”
” يكفي حقا يا حياة .. توقفي عن الإعتذار .. انت لم تفعلي شيئا ..”
نظرت له بعينيها الحمراوين وقالت رغما عنها :-
” انا كنت أتناول تلك الحبوب …”
تجمدت ملامحه كليا وهو يتسائل وكأنه فقد الفهم :-
” أية حبوب …؟!”
أخفضت عينيها أرضا لتتسارع أنفاسه كليا ..
لحظات صمت ليست بقصيرة مرت بينهما وهما على هذه الحالة عندما تسائل بصوت محتقن تماما :-
” لماذا ..؟! ”
رفعت عينيها نحوه مجددا فصدمتها تلك النظرة في عينيه .. نظرة تمثل مزيج من الألم والضعف والخذلان ..
همست بتوسل :-
” نديم ..؟!”
همس بصوت قوي ما زال محتقنا بالكامل :-
” لماذا يا حياة ..؟! لماذا لم تخبريني ..؟! لماذا تصرفت دون علمي …”
أكمل والألم يظهر في نبرة صوته هذه المرة :-
” انا لم أكن لأعترض.. لم أكن لأفعل مطلقا ..”
” أقسم لك إنني لم أقصد ..”
صاح بقوة وغضب ظهر بقوة في نظراته ونبرة صوته :-
” دائما لا تقصدين .. دائما هكذا .. ”
انتفض من مكانها يصيح بعصبية :-
” لماذا تفعلين هذا يا حياة ..؟! لماذا تضعيني بهذا الموقف بإستمرار ..؟! لماذا تتصرفين في أمورنا سويا من تلقاء نفسك ..؟! ”
أكمل ببحة مليئة بالوجع:-
” لماذا تصرين على خذلاني دائما وبشكل مستمر ..؟!”
نهضت من مكانها تحاول التقدم منه وهي تهمس :-
” كلا يا نديم … انا لم أرد خذلانك والله .. ”
هز رأسه نفيا معترضا على حديثها :-
” ولكنك خذلتني بالفعل …”
أضاف :-
” في الوقت الذي أنا أسعى فيه لتكوين عائلة حقيقية معك انت …”
إبتلع غصته وهو يهمس بمرارة :-
” انت تتناولين تلك الحبوب … تريدين عدم الإنجاب مني والأسوء من ذلك إنك لم تمنحيني حق مشاركتك قرار مهم كهذا ..!!”
قالت بسرعة :-
” من قال إنني لا أريد الإنجاب منك ..؟! هذا ليس صحيحا ..”
صرخ وقد فقد أعصابه كليا :-
” لماذا تناولت تلك الحبوب إذا ..؟! لماذا يا حياة …؟! ما التفسير المنطقي لتناولك تلك الحبوب سوى عدم رغبتك بالإنجاب مني ..؟!”
ردت ودموعها تتساقط على وجنتيها مجددا :-
” أنا فكرت إنك لا تريد الآن أو الأمر لا يهمك .. إعتقدت ذلك ..”
شهقت وهي تجذه يجذبها من ذراعها بقوة يهتف بغضب مشتعل :-
” كالعادة .. تفكرين دوما نيابة عني .. تعتقدين أشياء لا وجود لها .. ”
أكمل وهو يضغط على ذراعها أكثر :-
” لماذا تتصرفين وكأنك تقرئين أفكاري ورغباتي ..؟! لماذا تمنحين لنفسك حق التقرير نيابة عني …؟!”
أضاف متهكما :-
” في كل مرة تظنين إنني أفكر بطريقة معينة وكأنك تعيشين داخل رأسي .. تنسجين أفكارا من وحي خيالك وتنسبينها إلي وتتصرفين بناء عليها .. كم مرة علي إخبارك بإن ما تفكرين به لا وجود له ..؟! كم مرة علي إخبارك ألا تقرري نيابة عني وتلحقيني بأفكار لا وجود لها سوى في مخيلتي …؟!”
دفعته بقوة وهي تصرخ به باكية :-
” يكفي … ”
أضاف وهي تنظر له بقوة وقد توقفت عن البكاء :-
” هل تريد أن تعلم لماذا تناولت تلك الحبوب ..؟! لماذا لا أريد الإنجاب حاليا ..؟!”
قالت بصعوبة وقد عادت الدموع تغشي عينيها :-
” لإنني خائفة .. خائفة من مستقبل مجهول الملامح .. خائفة من زيجتنا التي ربما لن تستمر .. خائفة وأنا أراك تسير متخبطا هنا وهناك وانت لا تعرف ما تريد .. خائفة وانا لا أدرك إلام تخطط بشأن أخيك وإسترداد حقك المسلوب .. ”
أكملت بصوت باكي :-
” خائفة أن أنجب طفلا يعيش بين أبوين منفصلين بعدما فشلا في الإستمرار سويا ..”
همس مصدوما :-
” انت تخفين كل هذا داخلك … تخافين من كل هذه الأشياء ..”
قاطعته بنفس البكاء المؤلم :-
” وأكثر .. أكثر من هذا بكثير ..”
سأل بملامح باهتة :-
” لماذا …؟! لماذا تفكرين بهذه الطريقة وتخافين من أشياء لن تحدث ..؟!”
سألته بإبتسامة مريرة :-
” هل أنت متأكد إنها لن تحدث …؟! ”
رد على الفور :-
” طبعا .. أخبرتك مرارا .. انت زوجتي ومستقبلي وركن أساسي في حياتي .. انت المرأة التي إخترتها ولا أنوي الإبتعاد عنها مهما حدث..انت مستقبلي الذي أرغب في عيشه ..”
قاطعته تسأله بعدما توقفت عن بكائها :-
” لماذا ..؟! ”
نظر لها بعدم فهم لتتسائل مجددا ووجهها أصبح شديد الإحمرار من شدة البكاء :-
” لماذا أنا أمثل كل هذا بالنسبة لك ..؟! لماذا أخبرني ..؟!”
همس متعجبا :-
” ما هذا السؤال يا حياة .. ؟! سؤالك غريب وغير منطقي كونك تعرفين جوابه ..”
قالت بإصرار :-
” أريد سماعه منك ..”
صمت للحظات مندهشا مما تفعله عندما قال بخفوت :-
” لإنك حياة .. لإنك من وجدت معها الراحة والهدوء والإستقرار الذي فقدتهم منذ زمن بل وجدت معك السعادة وشعرت جانبك بالأمان .. لإنك تمنحيني القوة والدعم والثبات .. لإنك تمنحيني كل شيء فقدته … تمنحيني الحياة بوجودك معي ..”
” هكذا فقط ..؟! أليس هناك شيئا عدا هذا ..؟! ”
سألته بجمود ليردد بقلق غزاه كليا :-
“شيء مثل ماذا ..؟! ماذا يحدث يا حياة ..؟!”
ردت بقوة وثبات رغم الألم الذي ينحر قلبها :-
” الحب .. انت ذكرت كل شيء عداه .. ماذا عنه ..؟! ألا وجود له هو الآخر ..؟!”
غمغم بحيرة بل ضياع إبتلعه كليا :-
” الحب ..؟!!!”
بدت له الكلمة غريبة وغير مفهومة .. لم يعرف ماذا يجب أن يقول ربما لإنه بالفعل لا يوجد ما يقوله …
إبتسمت بمرارة تهتف وهي تنظر إلى عينيه مباشرة :-
” هذا ما إنتظرته .. أتمنى أن تكون فهمت الآن سبب مخاوفي وتصرفي هذا ..”
تحركت قليلا عندما أخذت نفسا عميقا ثم إستدارت نحوه تهمس بهدوء وهي تجاهد للسيطرة على دموعها :-
” صحيح ، انا قررت التوقف عن تناول تلك الحبوب صباح البارحة حتى إنني تخلصت من الشريط ورميته في سلة المهملات .. ضميري لم يسمح لي بالإستمرار هكذا أكثر وضميري هو من دفعني لإخبارك أيضا .. مهما حدث أنا لم أعتد أن أخدع أحدا أو أكذب عليه ولهذا لمت نفسي كثيرا لإنني تناولت تلك الحبوب دون علمك وسأظل ألوم نفسي لإنني تصرفت بطريقة لا تشبهني أبدا …”
أنهت كلماتها وغادرت المكان تاركة إياه يتابعها بصمت وقلبه يملأه الخوف والضياع ..!!
………………………………………………………
في صباح اليوم التالي
تقدمت غالية نحو والدتها تلقي عليها تحية الصباح وهي تجاهد كي لا تظهر عبوسها أمامها ..
ابتسمت صباح وهي تقول بعدما ردت تحيتها :-
” تعالي وتناولي فطورك معي …”
ردت غالية وهي تجاهد لرسم إبتسامة خفيفة فوق شفتيها :-
” شكرا ماما .. يجب أن أغادر حالا .. لدي إجتماع هام مع مدراء المشروع الجديد ..”
نهضت صباح من مكانها وإحتضنت وجنتيها تردد بإهتمام :-
” إعتني بنفسك جيدا حبيبتي …”
إحتضنتها غالية بسرعة وقد شعرت بالقلق يخنقها بقوة …
إبتعدت عنها تمنحها إبتسامة هادئة وهي تغادر عندما وجدت رقم غريب يتصل عليها فنظرت له بتردد قبل أن تحسم أمرها وهي تجيب :-
” نعم ، من معي ..؟!”
جاءها صوته الرزين يقول :-
” انا فادي يا غالية …”
سألت بريبة :-
” ماذا هناك يا فادي ..؟!”
أجابها بجدية :-
” كنت عند فرحة في المشفى ..”
سألته برعب من أن يخبرها بوفاتها :-
” ماذا حدث ..؟! هل هي بخير ..؟!”
رد بخيبة :-
” ما زال وضعها كما هو .. ”
أكمل بجدية :-
” لكنني تحدثت مع الطبيب كي أنقلها الى مشفى خاص مناسب ..”
قالت بسرعة :-
” هناك مشفى جيد انا أعرفه .. يملك كل الإمكانيات اللازمة .. ابن عم يعمل بها وهو جراح معروف جدا …”
قال بسرعة :-
” جيد .. أخبري ابن عمك كي يجهز لها غرفة العناية لإستقبالها كما يجب أن نرسل له كافة التقارير والتفاصيل حتى يتم نقلها ..”
” سأتحدث معه حالا ..”
قالتها بجدية قبل تسأله :-
” ماذا فعلت مع أخيك ..؟!”
رد بضيق :-
” أبحث عنه منذ البارحة ..”
هدرت بغضب :-
” هرب …!!”
قال فادي بقوة :-
” سأجده .. لا تقلقي .. أين سيهرب مني يعني ..؟!”
ردت بوجوم :-
” اتمنى ذلك ..”
أنهت مكالمتها وسارعت تتصل بشريف وهي تتجه نحو سيارتها …
ركبتها بالفعل وهي تسمع صوت رنين هاتفها عندما شغلت السيارة وإنتهت المكالمة دون رد ..
تمتمت وهي تدير مقود السيارة :-
” سأتصل به بعد قليل …ربما لديه عمل مهم الآن ..”
ما إن تحركت خارج الفيلا حتى سمعت صوت هاتفها يرن فوجدت شريف يتصل لتهم بالرد عليه عندما وجدت سيارة تقتحم طريقها ليسقط الهاتف من يدها وقبل أن تغلق باب السيارة كان احد الرجال يفتح الباب ويسحبها بقوة رغم محاولتها مقاومته عندما دفعها داخل السيارة بعدما رش المخدر فوق وجهها ففقدت وعيها بين ذراعيه …
بعد مدة من الزمن كان يقف يتأملها وهي جالسة على الكرسي أمامه فاقدة لوعيها تماما وذراعيها مقيدتان من الخلف..
ابتسم وهو يشير الى رجاله :-
” غادروا خارجا وإتركوني معها …”
ثم تقدم نحوها وهو يحمل قنينة كبيرة من المياه …
بدأ يحرك كفه فوق وجنتها قبل أن يضرب جانب وجهها بخفة وهو يهمس :-
” هيا إستيقظ يا غالية .. من المفترض أن ينتهي مفعول المخدر بعد قليل …”
أكمل وعيناه تتأملان مظهرها وهي مخدرة تماما لا حول لها ولا قوة :-
” ما أجمل هذا المنظر …”
توقفت عيناه على عينيها المغمضتين ليفتح غطاء القنينة ثم يسارع بتفريغ المياه فوق وجهها دفعة واحدة فتشهق بفزع وهي تستيقظ أخيرا …
إتسعت عيناها بهلع وهي تستوعب المكان الذي هي فيه ومن يقف أمامها ..
تأمل ملامحها المدهوشة وصدرها الذي يعلو ويهبط بقوة …
ابتسم بقوة وهو يردد :-
” لا مهرب لكِ مني يا حلوتي …”
صاحت بكره :-
” ماذا تفعل أيها الحقير …؟! ألا يكفيك ما فعلته بالفتاة المسكينة …”
رد بنفس الإبتسامة :-
” كلا لم يكفيني .. لقد جاء دورك يا غاليتي ..”
بصقت على وجهه وهي تردد :-
” سافل وحقير ولا تملك ذرة من الرجولة …”
تقدم نحوها وصفعها بقوة على وجهها لتصرخ ألما عندما قبض على شعرها الطويل وهو يردد :-
” ألم تستوعبي بعد وضعك الحالي ..؟! ألا ترين ما حولك …؟! أنت الآن أسيرة عندي وأنا سأفعل بك ما أشاء …”
حاولت ألا تظهر الخوف المعتمل داخلها وهي تهدر بثبات :-
” لن تستطيع فعل أي شيء … انا لست كتلك الفتاة المسكينة .. انا لدي عائلة تمحيك من على وجه الأرض إذا ما فكرت بلمسي ..”
ضحك رغما عنه مرددا :-
” وهل يفترض بي أن أخاف الآن …؟!”
رددت بثقة جعلت الغيظ يشتعل منها داخله أكثر :-
” عائلتي يدعسونك تحت أقدامهم إذا ما لمستني …”
انحنى نحوها وقبض على فكها يردد بتوعد :-
” أكثر ما وددت فعله منذ أول يوم تعرفنا عليه هو كسر غرورك وإعتدادك بنفسك … إذلالك يا غالية …”
قالت بتحدي :-
” خسئت يا فراس .. لم يخلق بعد من يذل غالية الخولي ..”
ضغط على فكها أكثر وهو يردد :-
” بل هو واقف أمامك بشحمه ولحمه يا ابنة الخولي … ”
أكمل وعيناه تسيران فوق ملامحها الشامخة بتحدي :-
” لا بد لكل هذا أن ينتهي .. لقد أتى من يحطم غرورك ويدمر شموخك .. من يكسر أنفك المرفوع بعنجهة طوال الوقت …”
” لن يحدث هذا سوى في أحلامك ..”
قالتها بقوة ليضحك بقوة بعدما حرر فكها من قبضته قبل أن يقول وعيناه تلتهمان جسدها برغبة جعلت جسدها يتصلب بقوة :-
” سيحدث وحالا وأريني حينها كيف سوف تسيرين برأس مرفوع شامخ بين الجميع بل كيف ستنظرين في وجوه من حولك يا ابنة الخولي …”
همست بتحذير صلب:-
” إياك أن تفكر حتى ..”
ليبتسم بمكر وهو ينحني نحوها :-
” رغم كل شيء ستظلين وجبة لذيذة أتوق بشدة لتناولها ..”
وجدته يبدأ بفك الحبل الذي يربط يديها لتغمض عينيها بقوة وهي تحاول الثبات قدر المستطاع ..
الثبات لآخر لحظة …
حرر كفيها ووقف يتأملها بينما عيناها الجميلتان تنظران نحوه بتحدي ليقترب نحوها ويهم بلمس وجهها عندما انتفضت من مكانها تدفعه بقوة وهي تلكمه على صدره ..
تجاهل ألمه وهو يسير نحوها وهي التي إتجهت نحو الحائط خلفها تلتصق به تصرخ به :-
” إياك أن تقترب ..”
قال ببرود :-
” لا يمكنك الهرب مني يا غالية … انظري حولك .. الغرفة فارغة .. لا يوجد سواي انا وانت ..”
هزت رأسها نفيا ترفض الإنهزام عندما اندفعت بسرعة نحو الكرسي تحمله نحو الأعلى وهي تصرخ به :-
” إبتعد عني هيا …”
” ما تفعلينه لن يفيدك بشيء …”
قالها مبتسما بمكر عندما شعر بأحدهم يندفع الى الداخل لينصدم فادي أخيه وهو يهجم عليه مرددا :-
” اياك أن تلمسها … ”
إنقض فادي نحو أخيه يلكمه بينما وقفت غالية جانبا تتابع ما يحدث برعب …
تأملت الصراع الذي بدأ بين الأخوين عندما ركضت خارج المكان بسرعة تاركة كل شيء خلفها لكن صوت الرصاصة الذي إنطلق في الداخل جعلها تتجمد مكانها ..
………………………………………………..
كانت تجلس أمامه تتسائل :-
” انا لا أفهم لماذا تصر على إدخال ليلى في خطتنا لهذه الدرجة ..؟!”
رد بحزم :-
” انا حر فيما أفعله يا بوسي ..انا أخطط بالشكل الذي أراه مناسبا .. وانتم تنفذون دون مناقشة ..”
قالت بجدية :-
” لكنها لن توافق .. لقد حاولت معها ولن ينالني منها سوى مثاليات فراغة و …”
قاطعها بثقة :-
” ستوافق هذه المرة .. ”
اكمل وهو يشرد بعينيه :-
” ليلى ستكون معنا .. مجبرة لا مخيرة ..”
قالت بوسي بضيق :-
” انا لن أتحدث معها مجددا .. لن أفعل ذلك مرة ثانية ..”
هدر بها بصلابة :-
” يكفي حقا .. ألم تفهمي بعد …؟! انا لا أطلب منك .. أنا أامرك ..”
تأملته برهبة رغما عنه وهي تفكر إن هذا الرجل مرعب .. مرعب للغاية ولكنها مضطرة الى التعاون معه لأجل إنتقامها وهي تدرك جيدا إنه الوحيد الذي يستطيع الوقوف بوجه عمار الخولي والإنتصار عليه ..
سألته بتردد :-
” بمَ يمكن أن تفيدنا ليلى ..؟! ”
رد بهدوء:-
” ستفيدنا كثيرا .. ”
أكمل شارحا بشكل لا يخلو من الغموض :-
” البداية ستكون من عندها أساسا … ”
” انا لا أفهم حقا ..”
قالتها بضيق مكتوم ليقول مراوغا :-
” ليلى سيتم إستخدامها بشكل مختلف عنك انت ومريم .. يعني هي ستكون في منطقة بعيدة عنكن تماما والأهم إنها لن تدرك مهما حدث مع من تتعامل وبالطبع لا يجب أن تعلم بتعاون مريم معنا …”
” وماذا عن مريم ..؟! إذا علمت بإستغلالك شقيقتها ستفضح كل شيء ..”
رد بجدية :-
” لن تعلم يا بوسي .. الشقيقتان ستتعاونان كلتيهما معنا دون أن تدركا ذلك ومن جهة مريم فإطمئني .. قريبا جدا سأعرف كيف أغلق فمها كليا وأحركها طوع بناني دون أن تفتح فمها بحرف واحد …”
هزت رأسها بصمت قبل أن يقول وعيناه تلمعان بقوة :-
” والآن ستتصلين بليلى وتخبريها ما سأقوله لك بالحرف الواحد ثم تذهبين لمقابلتها وتخبريها أيضا بما سأقوله بالحرف الواحد ..”
…………………………………………………….
بعد مدة من الزمن ..
كانت بوسي تجلس على احدى الطاولات تنتظر قدوم ليلى بنفاد صبر ..
تقدمت ليلى نحوها وجلست أمامها تهتف بضيق صريح :-
” ماذا تريدين مني مجددا ..؟! ألم أخبرك ألا تتصلي بي بعد الآن ..”
قالت بوسي محاولا تهدئتها :-
” اهدئي يا ليلى .. انا أردت التحدث معك هذه المرة ليس لنفس السبب السابق .. أنا هنا لتحذيرك فقط … ”
سألتها ليلى بعدم فهم :-
” تحذيري من أي شيء ..؟!”
قالت بوسي وهي تصطنع التردد :-
” مريم في خطر يا ليلى .. يجب أن تنقذيها بأي شكل ..”
تجمدت ملامح ليلى وهي تردد بعدم إستيعاب :
” ماذا تقولين انت ..؟! ما بها مريم ..؟! هي بخير .. صباحا كانت معي ..”
قاطعتها بوسي :-
” مريم تجمعها علاقة بعمار …”
سيطر الجمود على ملامح ليلى للحظات قبل أن تصيح غير مصدقة :-
” ماذا تقولين انت .. هل جننت ..؟!”
” اهدئي من فضلك ودعيني أشرح لك ..”
قالتها بوسي مصطنعة الأسف لتنهض ليلى من مكانها وهي تهدر :-
” لن أسمع منك حرفا واحدا .. وإياك ثم إياك أن تتصلي بي مجددا ..”
قالت بوسي بتحدي :-
” هناك صور تجمعهما …”
توقفت ليلى مكانها للحظات قبل أن تستدير نحوها بملامح غير مصدقة لتخرج بوسي مجموعة من الصور من حقيبتها ..
تقدمت ليلى نحوها بخطوات ضعيفة حتى سحبت احدى الصور فترى عمار وهو يقبل شقيقتها داخل سيارته …
جذبت صورة أخرى فوجدت مريم بين أحضانه ..
صورة أخرى وهو يحاوطها بذراعيه …
شحبت ملامحها كليا وأخذت الدموع تتراكم داخل عينيها وهي لا تصدق ما تراه .. لا تستوعبه …
استندت بكفيها على الطاولة وقد تشنجت ملامحها كليا وعقلها يرفض التصديق ..
شقيقتها الصغيرة .. مريم … أختها والتي تعتبرها إبنة روحية لها .. بين أحضان زوجها السابق .. الرجل الذي دمر حياتها .. بين أحضان الشيطان .. عمار الخولي ..
شعرت بذراعها تتصلب بشكل مؤلم قبل أن تتشوش الرؤية من حولها فصرخت بسبب ألم ذراعها أرضا ليكون آخر ما تراه تجمهر الكثير حولها حتى غابت عن الوعي تماما ..
……………………………………………………….
توقفت أمام العمارة التي توجد بها شقته وهي تتذكر إتصالها به حيث طلبت منه المجيء لأمر طارئ …
منذ صباح اليوم وعقلها لا يكف عن التفكير ..
الألم ينهشها لأجل شقيقتها .. شقيقتها الذي ما زال عمار يتحكم بها بكل حقارة مستغلا تلك الشيكات ..
الشيكات التي لن يرضى بسواها مقابلا لها …
عقلها لم يكف عن التفكير وروحها تأن كلما تتذكر وجع أختها وحريتها المقيدة بسببه …
حريتها التي تقيدت لسنوات بسببه وما زالت كذلك ..
رغبتها في الإنتقام تسحقها دون رحمة ومشاعرها تنفعل بشكل يصعب السيطرة عليه …
أغمضت عينيها بتعب وهي تسأل نفسها للمرة الأخيرة ..
هل هي واثقة مما ستفعله ..؟!
هل ستمنحه ما يريده بالفعل ..؟!
فيجيب قلبها نيابة عن عقلها بإن شقيقتها تستحق أن تفيدها بروحها … شقيقتها التي لا تريد شيئا سوى أن تراها سعيدة ومرتاحة بعدما أنهكتها السنوات وسرقت بريق سعادتها ..
إذا كان الأمر يتعلق بسعادة شقيقتها التي لم تبخل عليها يوما بشيء فستفعل .. نعم ستفعل كل ما في وسعها لتحررها من ذلك الشيطان حتى لو كان مقابل ذلك دخولها هي في عرينه …
أخرجت هاتفها من حقيبتها وأخذت تتأمل رقمه ..
لم تعد تتواصل معه إلا نادرا وهو الذي أخذ موقفا منها بعد تصرفاتها الغير مفهومة ..
لا تلومه فلا يوجد مبرر لما فعلته …
ضغطت على زر الهاتف تنتظر أن يجيبها عندما سمعت صوته يرحب بها فهمست بضعف خفي :-
” أكرم ..”
” نعم يا مريم ..”
سألها بصوت ناعس ويبدو إنها أيقظته من نومته العميقة لتأخذ نفسا طويلا قبل أن تردد :-
” انا اسفة …”
صمت لوهلة ثم سألها :-
” علام تعتذرين ..؟!”
ردت بعينين دامعتين :-
” عن كل شيء … أعتذر عن كل شيء يا أكرم ..”
أكملت وهي تشعر بالكلمات التي تتفوه بها تحرق قلبها قبل قلبه :-
” انت كان معك حق … انا بالفعل تغيرت … تغيرت كثيرا .. ولأجل هذا أنا أنهي أي شيء يربط ببعضنا .. من هذه اللحظة انت حر يا أكرم ..”
” مريم ..”
قالها بعدم إستيعاب لتضيف بخفوت وشفاه مرتجفة :-
” انا أريد إنهاء كل شيء والإستقرار .. هذا أفضل لكلينا لكن رغما عن كل شيء ورغما عن جميع تصرفاتي كن متأكدا إنني أحببتك بحق ولم أكذب يوما بشأن مشاعري نحوك .. لكن كالعادة دائما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وهذا هو نصيبنا ..”
أغلقت الهاتف بسرعة دون أن تنتظر رده ثم سارعت تحظر رقمه من على هاتفه قبل أن تحمل حقيبتها وتخرج من السيارة متجهة الى شقته ..
فتح لها باب شقته يتأمل جمود ملامحها عندما سألها :-
” نعم يا مريم .. ما الأمر المهم الذي أردتني لأجله ..”
دفعته وهي تدلف الى الداخل قبل أن تشير إليه :-
” تعال … يجب أن نتحدث ..”
سار نحوها بالفعل ليجدها تقف أمامه تناظره بصمت قبل أن تخلع التيشرت الذي ترتديه فيتأمل النصف العلوي من جسدها والذي لا يستره سوى حمالات صدرها ..
” ماذا تفعلين يا مريم ..؟!”
سألها مستنكرا لتجيب وهي تقترب منه اكثر :-
” أفعل ما تريده منذ زمن .. أمنحك جسدي بكل حرية ورضا .. ”
” والمقابل ..؟!”
سألها متهكما لترد بقوة :-
” تتنازل عن تلك الشيكات بأكملها … وانا منذ هذه اللحظة سأكون لك كما تريد .. فقط مقابل أن تتنازل عن حقك في الشيكات …”
” أخبرتك إنك ستأتين يوما بنفسك تمنحيني جسدك بكل سخاء ”
قالها ببرود وعيناه تلمعان بشكل مخيف …
ابتسمت بجمود وهي تؤكد ما قاله :-
” وها قد أتيت .. حدث ما قلته .. ها أنا أمامك .. بين ذراعيك ..”
مد يده يلمس عنقها الأبيض الطويل بأناملها بينما تقف هي ثابتة دون حراك تقابل نظراته المبهمة بنظراتها الثابتة ..
هبط بأنامله أسفل عنقها يسير بأنامله فوق عظم الترقوة خاصتها ثم كتفها ليهمس مبتسما بهدوء وأنامله تتوقف فوق نهديها مباشرة :-
” عرض جميل ومغري …”
أكمل وهو يدفعها بخفة بعيدا :-
” لكنه مرفوض …”
تجمدت ملامحها بعدم استيعاب عندما ابتسم ضاحكا بخفة وهو يردد :-
” غريب أليس كذلك ..؟! أتذكر إنني أخبرتك إنني لم أعد مهتم بك بالفعل وإن هناك إمرأة ملأت حياتي بأكملها بل وكياني أيضا ..”
” أعتذر حقا يا مريوم ولكن عرضك مرفوض بكل آسف .. ”
” ماذا تفعل انت ..؟! ماذا تريد ..؟!”
سألته والحقد يشتعل داخل عينيها ليردد بهدوء :-
” ماذا حدث ..؟! هل صدمتك ..؟! انا اسف .. ولكن جسدك لا يستحق أن أتنازل عن مبلغ كهذا لأجله .. بل أنت كلك لا تستحقين …”
توقف عن حديثه وهو يلاحظ الصدمة التي سيطرت على وجهها ليلتفت الى الخلف فيرى شيرين أمامه تنظر إليهما بعدم تصديق وهي التي دخلت من الباب الذي نساه هو مفتوحا دون أن يدرى ..
” شيرين …!!”
همسها مصدوما والمشهد كان صادما بالنسبة لها .. صادما ومقرفا جدا ..
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الأربعون 40 - بقلم سارة علي
كان المشهد مثيرا للغثيان .. زوجها يقف وأمامه شقيقة صديقتها التي عهدتها دائما كأخت صغيرة لها، تقف أمامه بملابسها الداخلية العلوية في منظر مثير للنفور والإشمئزاز.
لقد جائت صدفة إلى الشقة عندما وجدت الباب مفتوح وصوتهما يتسرب إلى مسامعها. عرضها الصادم ورفضه الذي سمعته في أذنها، ورغم هذا لم تتقبل الصورة التي وجدته عليها وقلبها ينتفض داخل أضلعها يخبر بوجود شيء ما بينهما.
إنكمشت في مكانها عندما وجدته يتقدم نحوها وهو يهمس بإسمها بخفوت، بينما مريم سارعت تجذب قميصها وترتديه ثم تركتض خارج الشقة بأقصى سرعتها خجلاً من هذا الموقف الحقير التي وضعت نفسها به.
"شيرين.." قالها عمار وهو يحاول لمس ذراعها، فتنأى به بعيداً عنه، ليهمس بترجي:
"أقسم لكِ إنه لم يحدث شيء مما تفكرين به."
أضاف بجدية:
"هي من عرضت نفسها علي وأنا رفضت."
رمشت بعينيها وهي تردد مخفية دموع ترقرقت بهما:
"لماذا..؟! لماذا فعلت مريم شيئاً كهذا؟!"
رد بصدق:
"تظن إنها بهذه الطريقة ستنال تلك الشيكات التي وقعت شقيقتها عليها."
"أية شيكات؟!" سألته مرغمة رغم وجعها، ليجيب بتروي:
"شيكات قيمتها سبعة ملايين دولار تخص ليلى.. يعني يجب أن تسددها في أقرب وقت وإلا ستحدث مشكلة كبيرة، وتلك الصغيرة أتت وعرضت نفسها علي مقابل التنازل عن تلك الشيكات."
سألته بعدم استيعاب:
"وكيف تجرؤ وتفعل شيئاً كهذا..؟؟ كيف تعرض جسدها عليك بكل بساطة؟!"
أكملت ونظراتها تحاوطه كلياً:
"كيف تتجرأ مريم وتقدم على تصرف كهذا إن لم يكن هناك شيء ما دفعها لذلك.. شيئاً جعلها تتوقع قبولك."
سألها بجمود:
"ماذا تقصدين..؟!"
سألته هذه المرة بقوة وتصميم على معرفة الحقيقة:
"مالذي يوجد بينك وبين مريم يا عمار؟!"
هتف بضيق:
"لا يوجد شيء بيننا يا شيرين.. هي تصرفت بهذه الطريقة الهوجاء دون تفكير.. فتاة طائشة و.."
قاطعته:
"مريم لم تكن لتجرؤ وتفعل شيئاً كهذا إلا إذا.."
قاطعها ببرود:
"إلا إذا ماذا..؟!"
أكمل بجدية:
"أنا هددت شقيقتها.. وهي أرادت إنقاذها.. هكذا فقط."
صاحت بعدم تصديق:
"بهذه الطريقة..؟! تنقذ شقيقتها بهذه الطريقة."
رد بلا مبالاة:
"نعم بهذه الطريقة.. لا يوجد طريقة أخرى أمامها سوى هذه."
ضحكت غير مصدقة:
"بأن تعرض جسدها عليك.. هذه الطريقة المناسبة حقاً.. قل شيئاً غير هذا من فضلك يا عمار؟!"
تمتم بضيق:
"ماذا تريدين مني قوله يا شيرين؟!"
ردت وعي تعقد ذراعيها أمام صدرها بتحدي:
"ماذا يجري بينك وبين مريم يا عمار..؟! مريم ما كانت لتلجأ إلى تصرف كهذا إلا إذا ما كان هناك شيء حدث بينكما مسبقاً.. شيء دفعها للتجرؤ والإقدام على خطوة كهذه."
سألها مستهزئاً عن قصد:
"شيء مثل ماذا؟!"
تقدمت نحوه تهتف بثبات:
"إعجاب أو رغبة صريحة من طرفك."
صاح بإنزعاج:
"هذا هراء."
أكمل بحنق:
"أنا لا أفهم علام تحاسبيني بالضبط..؟! الفتاة أتت بنفسها هنا وعرضت نفسها علي وأنا رفضت.. لماذا ترمين الخطأ علي بينما هي من أتت وفعلت كل هذا..؟!"
صاحت بدموع:
"لأنني أعرفك وأعرفها جيداً.. لأنني متأكدة إنك فعلت شيئاً غير التهديد جعلها تقدم على ذلك… جعلها تعرض جسدها عليك."
أضافت بثقة:
"لا توجد امرأة تعرض نفسها على رجل إلا إذا ما شعرت برغبته نحوها مسبقاً ومريم بالتأكيد تعلم إنك ترغبها وبالتالي أرادت أن تنقذ شقيقتها بأي طريقة."
ضحك مردداً بعدم استيعاب:
"انت تبررين لها حقاً يا شيرين..؟! تبررين لها وتلقين اللوم علي…؟! هي من أخطأت وتصرفت بطريقة لا تمت للاحترام بصلة وأنت.."
قاطعته وهي تمسح وجهها بكفيها:
"أنا أعرف مريم جيداً.. لو لم تكن مضطرة ما كانت لتفعل هذا."
قال بجدية:
"في هذه النقطة أنا متفق معك.. هي بالفعل كانت مضطرة عندما هددت شقيقتها."
قاطعته بعدما أخذت نفساً عميقاً:
"أخبرني الحقيقة يا عمار.. ماذا يحدث بينك وبين مريم..؟! ماذا فعلت بها..؟؟ بأي طريقة عبثت معها..؟!"
ضرب كفاً بكف وهو يقول:
"أنا حتى الآن لا أستوعب ما تقولينه… أنت تحاسبينني أنا وتلقين جميع اللوم علي بينما هي من فعلت كل شيء وأقدمت على هذا التصرف المشين."
صاحت بألم:
"لأنني أعرفك.. أعرفك أكثر من نفسي حتى.. أعرفك يا عمار.."
تنهد وهو يقول مرغماً:
"والحل يا شيرين..؟! أنا لا علاقة لي بهذا الأمر وما حدث بتاتاً.."
رمقته بنظراتها وهي تردد بخذلان:
"لا يوجد حل يا عمار… أنت خذلتني وإنتهى الأمر."
تحركت خارج الشقة ودموعها تتساقط على وجنتيها بحرارة، بينما يجري هو خلفها ينادي عليها حتى جذبها من ذراعها وأوقفها أمامه مردداً بتوسل:
"إسمعيني من فضلك."
تأمل عينيها الباكيتين ليردد بترجي:
"لا تبكي من فضلك.. أنا لا أتحمل رؤية دموعك."
"اتركني يا عمار." قالتها وهي تدفعه بعيداً، لكنه تمسك بها يرغمها على النظر إليه عندما هم بالتحدث، لكن رنين هاتفه أوقفه.
فقال وهو يخرجه من جيبه:
"إنتظري لحظة."
تأمل إسم إبن عمه الذي يضي الشاشة، فتعجب من هذا الاتصال الغريب عندما أجابه، فيأتيه صوت شريف مردداً:
"أين أنت يا عمار..؟! هناك من خطف غالية.. يجب أن تأتي فوراً."
***
وقفت مكانها حائرة لا تعرف ما عليها أن تفعل.. هل تغادر المكان وتتجاهل صوت الرصاصة الذي صدح منذ ثوانٍ أم تعود وترى ما حدث..؟!
همت بالتحرك بعيداً عندما عادت تتوقف في مكانها، فتستدير قليلاً نحو الخلف تنظر إلى المكان بخوف تملك منها، قبل أن تندفع عائدة من حيث أتت وإنسانيتها لا تسمح لها أن تهرب وتتركه خلفها وربما قد أصابه أخوه برصاصة غادرة.
دلفت إلى الداخل لتشهق لا إرادياً عندما رأت فراس الممدد على الأرض والألم يسكن ملامح، بينما الدماء تخرج من ساقه. ليستدير فادي نحوها يصيح بها بعدم استيعاب:
"ماذا تفعلين هنا..؟! غادري فوراً."
همست بتلعثم وهي تحيد بصرها عن عيني فراس المشتعلتين:
"أتيت لأرى ما حدث.. اتصل بالإسعاف بسرعة."
هتف بصرامة:
"غادري فوراً يا غالية.. هيا بسرعة."
سألت بعدم استيعاب:
"ساقه تنزف و.."
قاطعها وهو يتقدم نحوها بملامح مخيفة:
"لماذا لا تستوعبين كلامي..؟! غادري فوراً."
رمقته بنظرات فزعة وهي تقفز هرباً من أمامه، وقد بدت ملامحه في تلك اللحظة مرعبة لدرجة لا يمكن تصورها.
إستدار نحو أخيه الذي تحدث أخيراً بنبرة متوجعة:
"هل ارتحت الآن..؟! تضرب أخيك بالرصاص لأجل تلك الفتاة."
رد فادي بقوة وثبات:
"ليس لأجلها.. بل بسبب أفعالك الدنيئة."
أكمل وعيناه ترمقانه بنفور:
"تحملت الكثير من تصرفاتك الحقيرة.. علاقاتك النسائية وقرفك الذي لا ينتهي.. تمهلت كثيراً وأنا أخبر نفسي إنك أخي الأكبر وعلي تفهمك وتقبلك رغم تصرفاتك التي لا أتقبلها، لكن أن يصل الأمر إلى قتل واغتصاب.. جرائم لا تغتفر.. لا وألف لا يا فراس.. عند هذه النقطة لن أتردد بالوقوف أمامك ومواجهتك بنفسي."
أكمل وهو يسير نحوه ثم يقف أمامه يرمقه بنظرات حادة:
"هذه المرة صوبت رصاصتي نحو ساقك.. المرة القادمة سأوجهها نحو قلبك."
همس فراس بعدم استيعاب وقد بدأ الدوار يسيطر عليه:
"تقتل أخيك يا فادي..؟!"
رد فادي بنفور صريح:
"إذا كنت تستحق سأفعل.. هذا أفضل من تركك ترتكب الجرائم بحق الآخرين بهذه الطريقة."
أكمل وهو يضربه على صدره فيتأوه فراس بوجع:
"الفتاة تموت في المشفى بسببك.. والأخرى كادت أن تخسر شرفها على يديك.. طوال هذه السنوات لم أدرك إن لدي أخ يحمل هذا القدر من الدناءة والإجرام."
"فادي.." قالها فراس بضعف خيم عليه، فأكمل فادي غير مبالٍ بحالته التي بدأت تتدهور وفكرة إن هناك فتاة تصارع الموت بسببه تحرقه دون رحمة:
"الفتاة تموت يا فراس.. تموت أيها النذل.. ماذا أفعل بك أخبرني..؟؟ ماذا أفعل يا فراس..؟!"
أكمل وهو يضع كفه فوق كتفه يضغط عليه بقوة:
"قسماً بربي إذا توفيت الفتاة فلن أتردد لحظة واحدة في جرك نحو حبل المشنقة."
أنهى كلماته وهو يدفعه بعيداً قبل أن يسحب هاتفه يجري بعض الاتصالات لأجل نقله نحو المشفى.
***
كانت تجلس على الكرسي أمام الطبيب، وجانبها تقف بوسي تستمع إلى كلام الطبيب الذي يردد مبتسماً بهدوء:
"مبدئياً لا داعي للقلق.. غالباً ما حدث تشنج عصبي حاد."
سألها بعدها باهتمام:
"هل كنت تعانين من مشكلة ما في الآونة الأخيرة أو تعرضتِ لضغوطات نفسية..؟!"
أجابت بوسي نيابة عنها:
"في الحقيقة نعم.. هي سمعت خبراً سيئاً تسبب لها بهذه النوبة."
قال الطبيب بعملية:
"هذا ما توقعته.. من الواضح إنها نوبة عصبية حادة."
صمت للحظة ثم قال متأملاً ملامح ليلى الجامدة تماماً وكأن الكلام لا يعنيها:
"ولكن لأجل الاطمئنان سوف نجري بعض الفحوصات لك كي نتأكد من سلامتك."
نظرت بوسي نحو ليلى الساهمة تماماً، فعادت تنظر نحو الطبيب وهي تردد مبتسمة بلباقة:
"بالطبع يا دكتور."
سحب الطبيب ورقة وكتب فيها بضعة فحوصات ثم أعطاها لبوسي التي أخذتها، ثم أشارت إلى ليلى التي نهضت وسارت أمامها خارج الغرفة تتبعها بوسي بعدما شكرت الطبيب.
كانت بوسي تسير بجانبها وهي تردد:
"عليك أن تقومي بهذه الفحوصات يا ليلى لنطمئن عليك."
أكملت وهي تبتسم بحذر:
"أعتذر لإنني تسببت لك بهذا."
توقفت كلتاهما، فأكملت وهي تنظر حولها:
"لنسأل عن مكان إجراء الفحوصات."
لكنها توقفت على كف ليلى وهي تقبض على ذراعها مرددة من بين أسنانها:
"لا أريد رؤية وجهك مرة أخرى.. هل فهمت..؟!"
هتفت بوسي وهي تحرر ذراعها من قبضتها:
"ماذا حدث..؟! حسناً ربما تسرعت بإخبارك بتلك الحقيقة.. لكنني فعلت هذا بدافع الحماية ليس إلا.. أردت إنقاذ أختك من براثن ذلك الذئب."
همست ليلى بتحدي:
"أختي لا يجمعها بذلك الحقير أي شيء."
قالت بوسي بجدية:
"بل يجمعها.. والصور أمامك تؤكد ذلك.. وعلى العموم يمكنك التأكد بنفسك.. ولكنني سأكررها مجدداً.. غرضي كان سليماً يا ليلى.. أردت التنبيه ليس إلا."
رددت ليلى ببرود:
"شكراً على خدماتك التي لا نحتاجها يا بوسي."
احتدمت ملامح بوسي وهي تردد بدورها:
"الخطأ مني لإنني فكرت بمصلحة أختك.. فلتحترقا إنتما الاثنان بجهنم الحمراء."
وضعت ورقة التحاليل في كفها وهي تردد:
"هذه التحاليل التي كتبها الطبيب لك."
ثم تحركت مبتعدة، لتنظر ليلى إلى الورقة قبل أن تعتصرها داخل يديها ثم تتجه نحو سلة المهملات وترميها داخلها.
***
غادرت الجامعة مبكراً وقد فقدت رغبتها كلياً في حضور المحاضرات.. طوال ليلة البارحة لم تنم لحظة واحدة، وحتى عندما ظنت إنها ستتناسى ما حدث عند ذهابها إلى الجامعة وتنشغل قليلاً لم يحدث ما توقعت، ووجدت نفسها لا تفكر سوى بتلك المواجهة التي حدثت بينهما.
دلفت إلى الداخل واتجهت بسرعة إلى المطبخ لتعد القهوة لنفسها، والتي تحتاجها الآن أكثر من أي وقت. تفاجئت به هناك يعد الطعام لنفسه عندما شعر بها وهي تدخل، فرفع وجهه نحوها للحظات ثم تجاهلها وهو يعاود الانغماس في تحضير طعامه.
تقدمت إلى الداخل بذقن مرفوع وبدأت تعد القهوة وهي تتجاهله تماماً، وهو بدوره يفعل المثل.
رن هاتفه والذي كان موضوعاً بالقرب منها، فصبت تركيزها على قهوتها التي ستغلي بعد قليل عندما رفض هو المكالمة، فعاد هاتفه يرن بعد لحظات ليطفأ النيران المشتعلة ويحمل هاتفه متجهاً إلى غرفته، لتسمع صوت إغلاق الباب فتتجهم ملامحها ويغزوها الشك لا إرادياً.
نهرت نفسها بقوة وهي تخبر نفسها ألا تهتم ولا تبالي ولا تفكر فيما يفعله. صبت قهوتها وسارعت تحمل الكوب وتتجه إلى غرفتها عندما توقفت مكانها أمام غرفته، فيصلها همسه الخافت والذي لم تفهم منه شيئاً، فتجهمت ملامحها أكثر وهي تندفع إلى داخل الغرفة وتغلق باب غرفتها بعنف.
جلست فوق سريرها بعدما وضعت كوبها على الطاولة جانبها، فتنظر إلى نفسها بالمرآة المقابلة لها وتتسائل عن السبب الذي يجعلها باقية هنا بعدما حدث البارحة.
مواجهة البارحة كانت الدليل القاطع الذي أكد لها الحقيقة التي رفضت تصديقها مراراً. الحقيقة التي كانت تتهرب منها منذ يوم زفافهما. وقوفه عاجزاً أمامها ملتزماً الصمت وهي تسأله عن موقع الحب بينهما أوضح لها الحقيقة كاملة!!
زفرت أنفاسها بتعب عندما نظرت إلى الهاتف بتردد، قبل أن تحسم أمرها وهي تتصل بجينا، فتسألها عن إمكانية الحصول على سكن مؤقت قريب من الجامعة هذه الفترة، فتجيبها جينا رغم استغرابها من سؤالها.
سألتها جينا بجدية:
"هل تريدين السكن لأجلك..؟!"
ردت حياة بهدوء:
"نعم."
أضافت:
"أريده غداً أو بعد الغد بالكثير."
قالت جينا بجدية:
"حسناً سأبحث لك وأطلب من مايكل أن يفعل."
أضافت جينا بصدق:
"يمكنكِ أن تبقي مؤقتاً معي في شقتي."
قالت حياة بسرعة:
"شكراً يا جينا ولكن هذا لا يمكن."
همست جينا:
"مايكل سيغادر الشقة.. أعلم إنك ترفضين المبيت بوجود رجل غريب."
"لا داعي لهذا حقاً… يكفي أن تجدي لي سكن."
قالت جينا:
"سأبحث لك ولكن يمكنك أن تأتي عندي.. انظري أنا لا أجامل أبداً.. مايكل يمكنه البقاء مع والدته.. لا تقلقي هو لن يتضايق أبداً."
أضافت بجدية:
"من الواضح إن هناك مشكلة مع زوجك.. يمكنك أن تأتي وتبقين معي الليلة مبدئياً… غالباً في هذه الحالات الابتعاد عن نطاق شريكك حتى تستقر أعصابك هو أفضل حل."
صمتت حياة عندما أقنعتها جينا أخيراً، لتسحب حقيبة صغيرة وتضع لها بيجامة وملابس خروج وبعض حاجياتها الأساسية.
تحركت خارج غرفتها وهمت بالخروج عندما سمعت صوته يسألها:
"إلى أين يا حياة..؟!"
إستدارت نحوه على مضض لتراه يتأملها والتساؤلات تسيطر على نظراته، ولكن خلف تلك التساؤلات كان هناك خوف وتوتر واضح.
ردت بحيادية:
"سأبيت الليلة مع جينا."
رفع حاجبه متسائلاً بتهكم يخفي من خلاله الخوف الذي تشكل داخله من تركها له:
"حقاً..؟! ألا يوجد لديك زوج تستأذينه قبل أن تقرري مغادرة المنزل والمبيت خارجه..؟!"
سيطر الوجوم على ملامحها وهي تدرك جيداً إنها أخطأت.. نعم هي أخطأت وعليها الاعتراف.
ردت بخفوت:
"معك حق.. كان يجب أن أستأذنك وها أنا سأفعل.. أنا أريد المبيت عند جينا صديقتي الليلة."
رد ببرود:
"لست موافقاً."
"نعم..؟! لماذا..؟!" سألته بعصبية خفيفة، ليرد بغضب واضح:
"ماذا تظنيني يا حياة كي أسمح لك بالمبيت في منزل رجل غريب..؟!"
قاطعته بجدية:
"مايكل لن يكون متواجداً.. أساساً كيف تفكر من الأساس إنتي سأبيت في منزل رجل غريب..؟!"
همس بسخرية:
"عادي فعلتها مسبقاً.. كنت تبيتين في منزل زوج والدتك بوجود ذلك السخيف."
قالت عن قصد:
"اسمه نضال وهو ليس غريباً عني."
هتف بتهكم:
"حقاً..؟! لا ينقص أن تقولي سوى إنه بمثابة أخيك الكبير."
وضعت الحقيبة أرضاً ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تردد بثقة:
"كلا هو ليس أخي ولن يكون.. لكنه ليس غريباً في نفس الوقت."
ردد نديم بضيق:
"حسناً إتركينا منه الآن."
أكمل بقوة:
"لن تذهبي إلى هناك.. لا مبيت لك خارج شقتنا."
نظرت اليه للحظات قبل أن تقول:
"أنا بدأت البحث عن سكن للانتقال إليه."
نظر لها بعدم تصديق عندما صاح بإنفعال:
"ما هذا الهراء..؟!"
ردت بجدية:
"هذا ليس هراءاً.. لا داعي لبقائي هنا بعد الآن."
تقدم نحوها يسأل:
"ماذا يعني هذا الآن..؟!"
ردت بصوت مبحوح:
"كل شيء أصبح واضحاً.. مهما حاولنا أن نستمر ونتعايش نفشل."
"أنت فقط من ترين هذا." قالها بجدية، لتهمس بألم:
"كلا يا نديم.. الحقيقة إنني وحدي من أرى الحقيقة.. الحقيقة التي ترفض الاعتراف بها."
"أي حقيقة..؟!" سألها بحنق، لترد بثبات:
"الحقيقة الواضحة يا نديم.. حقيقة إنك لم ولن تحبني.. وبالتالي أنا لا يمكنني الاستمرار معك بهذه الطريقة.. دون مشاعر حقيقية بيننا."
"مالذي جلب سيرة هذا الموضوع الآن..؟! من أين أتتك تلك الأفكار..؟!" سألها بغضب، لترد وهي تبتسم بمرارة:
"هذه الأفكار لم تتركني لحظة واحدة منذ أول يوم أدركت فيه الحقيقة كاملة.. منذ يوم زواجنا تحديداً.. عندما رأيتك تعانقها.. عندما أدركت تضحيتها وعندما شعرت بتشتت روحك وضياعك وقتها."
أكملت والدموع تترقرق داخل عينيها:
"صدقني ليس بيدي.. قد تراني أنانية.. لكنني لا أستطيع الاستمرار هكذا.. لا يمكنني يا نديم."
"حياة.." همس لها بنبرة متحشرجة.
لتضيف بدموع ترقرقت داخل عينيها:
"ارجوك يا نديم افهمني.. استوعب ما أعانيه.. أقسم لك إنني حاولت التغاضي.. تأملت أن يتغير شيء لكن وقوفك أمامي البارحة وأنت عاجز عن قول شيء ما جعلني.."
صمتت تبتلع غصتها وهي تكمل:
"جعلني أدرك مدى حماقتي."
مسح على وجهه بتعب لتهمس بتوسل:
"إذا كان لدي خاطر ولو قليل عندك اتركني يا نديم.. لا تتسبب لي بمزيد من العذاب."
رمقها بنظرات مترجية تجاهلتها، وهي تحمل حقيبتها وتستدير نحو الباب وتهم بالتحرك عندما سمعت يهتف فجأة:
"هل المشكلة بيننا تكمن في الحب…؟! هل مشكلتك تكمن هنا يا حياة..؟!"
إستدارت نحوه ترمقه بعدم استيعاب، ليهتف بحماقة:
"هل سترتاحين إذا أخبرتك إنني أحبك.. هل سترضيك هذه الكلمة.. ؟! هل ستجعلك تتراجعين عن قرارك هذا…؟!"
أكمل وهو يأخذ نفساً عميقاً:
"حسناً سأقولها يا حياة."
شعرت بأنفاسها تتوقف داخل صدرها وهي ترجوه بنظراتها ألا يفعل.. ألا يفقد آخر شيء يجمعها، بل أهم شيء جمعهما.. الصدق الذي رغم كل شيء ظل يزين علاقتهما.
"لا تفعل." نطقتها بتوسل.
ليقول بتحدي:
"سأفعل.. إذا كان هذا ما سيرضيك سأفعلها."
وفي نفس اللحظة كان كلاهما ينطق وعيناه تواجهان الآخر بتحدي وثبات:
"إذا كان هذا يرضيك سأقولها… أحبك."
"سأكرهك حقاً عندما تقولها مجبراً كاذباً يا نديم."