تحميل رواية «حبيسة قلبه المظلم» PDF
بقلم سارة علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد عدة أعوام ..” تبقى يومين وتخرج من هنا …” قالها صديقه وهو ينظر إلى ملامحه التي سيطر عليها التجهم بشدة ..” ماذا حدث ..؟! ملأ الضيق ملامحك فجأة ..؟!” نظر إليه نديم وأجاب :-” تبقى يومين يا مجد.. يومان وأخرج من هنا وأنا أعلم جيدا ما ينتظرني في الخارج ..” أردف وعيناه تنظران الى الأفق البعيد :-” هل تعلم ..؟! أحيانا أتمنى ألا أخرج من هنا … ادعو الله أن يأخذ أمانته قبل الخروج .. لم أخشَ يوما من شيء إلا إنني الآن أخشى وبشدة من المواجهة .. ” تغضن جبينه برفض :-” أخشى من مواجهة المجتمع ، الأهل والأصحاب ....
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الأول 1 - بقلم سارة علي
بعد عدة أعوام ..”
تبقى يومين وتخرج من هنا …”
قالها صديقه وهو ينظر إلى ملامحه التي سيطر عليها التجهم بشدة ..”
ماذا حدث ..؟! ملأ الضيق ملامحك فجأة ..؟!”
نظر إليه نديم وأجاب :-”
تبقى يومين يا مجد.. يومان وأخرج من هنا وأنا أعلم جيدا ما ينتظرني في الخارج ..”
أردف وعيناه تنظران الى الأفق البعيد :-”
هل تعلم ..؟! أحيانا أتمنى ألا أخرج من هنا … ادعو الله أن يأخذ أمانته قبل الخروج .. لم أخشَ يوما من شيء إلا إنني الآن أخشى وبشدة من المواجهة .. ”
تغضن جبينه برفض :-”
أخشى من مواجهة المجتمع ، الأهل والأصحاب .. أعلم إنه ينتظرني الأسوء في الخارج ولكن ليست هنا المشكلة .. بل المشكلة تكمن في عدم قدرتي على المواجهة … ”
منحه مجد نظرة متعاطفة وهو يهتف به :-”
لا تحمل نفسك فوق طاقتها يا نديم .. أعلم إن ما مررت به حتى الآن أصعب ما يكون ولكن ..”
صمت قليلا ينتقي كلماته بعناية قبل أن يكمل :-”
تذكر إنك بريء ولا ذنب لك فيما حدث ..”
رسم نديم إبتسامة باهتة وهو يردد بمرارة :-”
وهل من حولي يعلم او حتى سيصدق هذا ..؟!”
” الله يعلم يا نديم .. وهذا وحده يكفي …”
قالها مجد بثقة ليتأمله نديم بصمت وفي داخله أفكار متداخلة ومشاعر مختلطة يسيطر عليها اليأس والعذاب .
كانت تتأمل والدها وهو يتناول دواءه بقلق ..
لقد تفاقم المرض عليه وحالته تزداد سوءا يوما بعد يوم ولا يوجد بيدها شيئا تفعله له ..
أخذت علبة الدواء منه وهي تدعو له بالشفاء ثم عادت ووضعت صينية الطعام أمامه تخبره بحنو :-”
تناول طعامك يا أبي ..”
أخذ الأب ملعقة صغيرة من طبق الحساء الساخن وتناوله ثم سألها بإهتمام :-”
متى ستذهبين الى السيدة صباح يا حياة ..؟!”
أجابت وهي تجلس قباله :-”
سأذهب صباح الغد يا أبي .. ”
ثم أكملت تطمأنه :-”
لا تقلق أبدا .. لقد تحدثت معها وتفهمت سبب غيابك بل إنها أخبرتني أيضا أن أذهب وأستلم منها راتبك الشهري كاملا …”
تنهد فاضل وهو يهمس بضعف :-”
كم هي سيدة أصيلة .. رغم غيابي طوال الأسبوع الماضي إلا إنها لم تخصم من راتبي بقدر ما غبت كالعادة …”
” بارك الله فيها ورزقها المزيد يا أبي ..”
آمن على دعائها وهو يكمل :-”
وفرج عن إبنها وحيدها بأقرب وقت ..”
آمنت على دعائه وهي تنهض مكانها ثم تخبره :-”
يجب أن أذهب الآن يا أبي .. سيبدأ موعد عملي في الصيدلية .. انتبه على نفسك وإذا إحتجت أي شيء إتصل بي فورا .. ”
ثم طبعت قبلة على وجنته وخرجت متجهة الى عملها وشعور القلق على والدها لم يتركها لحظة واحدة فأخذت تعد الدقائق حتى ينتهي عملها وتعود إليه .
جلس مجد بجانب نديم يسأله :-”
لماذا لا تتناول طعامك ..؟!”
أجاب نديم وهو يتطلع أمامه :-”
لا شهية لدي لتناول أي شيء …”
شرد في أفكاره من جديد .. يفكر بها كعادته في كل يوم يقضيه هنا .. كم يشتاق إليها وكم يلعن نفسه لهذا الشوق الذي يعصف بكيانه ..
أطلق تنهيدة حارة خرجت من أعماق صدره ليسمع مجد يقول وهو يربت على كتفه :-”
هون على نفسك يا أخي .. كل شيء سيكون بخير بإذن الله …”
” اللهم آمين …”
قالها وهو يمسح على وجهه بإرهاق بينما قال مجد بصوت كئيب :-”
سأشتاق إليك حقا يا نديم .. الأيام القادمة ستكون سيئة للغاية بدونك ..”
حدثه نديم بصديق :-”
هل تظن إنني سأتركك حقا دون زيارة ..؟! سأزورك بإستمرار ..”
ثم نظر الإثنان الى ذلك السجين الجديد والذي يجلس منفردا بصمت منذ أن جاء الى هنا فيتسائل نديم بصوت خافت :-”
لم يتواصل مع أحد حتى الآن ، أليس كذلك ..؟!”
اومأ مجد وهو يهتف :-”
لدي فضول شديد للتعرف عليه وعن سبب دخوله هنا ..”
ابتسم نديم بخفة وقال :-”
ستتعرف عليه لا تقلق وتعرف عنه كل شيء .. ألا تتذكر عند دخولي هنا لأول مرة ..؟! كنت منعزلا مثله تماما رافضا التواصل مع أحد .. لكنني تجاوزت صدمتي في النهاية .. هذا حال جميع من يدخل هنا .. ”
أحاطه مجد من كتفيه مرددا بإبتسامة :-”
كانت صحبتك رائعة يا نديم .. ”
رد نديم موافقا :-”
وصحبتك يا مجد .. كنت خير رفيق لي في أيامي المظلمة ..”
أردف بجدية :-”
وسوف تستمر صحبتنا بإذن الله بعد خروجي وخروجك أنتَ بعدي … ”
” بإذن الله …”
قالها مجد بملامح عاد يكسوها الضيق رغما عنه لتوديعه صديقه بعد يومين وعودته وحيدا بدونه .
في صباح اليوم التالي ..
في كلية الصيدلة ..
جلست حياة بجانب صديقتها مي التي هتفت بها :-”
تأخرتِ اليوم يا حياة وفاتتك المحاضرة الأولى … ليس من عادتك التأخير وتفويت محاضرة …”
ردت حياة وهي تبتسم بحزن :-”
انتظرت والدي حتى إستيقظ من نومه وتناول دوائه وإفطاره .. لم أشأ أن أوقظه مبكرا فهو بحاجة للراحة والنوم طويلا …”
سألتها مي بإهتمام :-”
وكيف أصبح الآن ..؟! هل تحسن وضعه ..؟!”
تنهدت حياة وهي تجيب :-”
كلا يا مي ، ما زال وضعه كما هو وانا قلقة للغاية بشأنه ..”
نظرت إليها بشفقة من ذلك الحزن والخوف الذي يسيطران عليها منذ مرض والدها ..
تعرف كم تحب صديقتها والدها وكم إنها تخشى فقدانه فهي لا يوجد لديها غيره في الحياة ..”
لا بأس حبيبتي .. سيصبح وضعه أفضل بإذن الله ..”
” يارب ..”
قالتها حياة بتمني ثم انتبهت الى الإستاذ الذي دلف ملقيا تحية الصباح عليهم ..
ردت تحيته بخفوت وهي تفتح دفترها وتمسك قلمها كي تدون معه الملاحظات المهمة في الموضوع ..
إنتهت المحاضرة بعد ساعتين فنهضت حياة من مكانها ومعها مي التي همست لها :-”
لقد سألني عنكِ الدكتور ثامر قبل يومين بسبب تغيبك .. كان يبدو قلقا عليكِ يا حياة .. تحدثي معه .. ”
رمقتها حياة بنظراتها صمتا بينما وقعت أنظار ثامر عليها الذي نادى عليها فشعرت بالإرتباك يغزوها وهي تسير نحوه تحت أنظار مي الفرحة لما يحدث …
وقفت حياة أمامه فسألها بقلق ظهر بوضوح في نبرة صوته :-”
حياة .. هل أنتِ بخير ..؟! لقد تغيبت يومين كاملين وهذا ليس من عادتك ..”
بالرغم من سعادتها بإهتمامه وقلقه الواضح إلا إن خجلها منه سيطر عليها بشدة فردت بصوت خافت مرتبك :-”
انا بخير دكتور ثامر … والدي كان مريضا ويحتاجني بجواره ولم أستطع تركه لوحده أبدا ..”
” وكيف أصبح وضعه الآن ..؟! ان شاءالله تحسن وأصبح أفضل …”
نظرت إليه وردت :-”
ما زال وضعه كما هو لكن أتأمل بإذن الله أن يتحسن في الأيام القادمة …”
” إن شاءالله .. لا أرغب بالتدخل ولكن ممَ يعاني والدك يا حياة ..؟!”
سألها بجدية ليظهر الحزن في نبرتها وهي تجيب :-”
يعاني من الربو المزمن ومشاكل تنفسية عديدة .. رئتاه متعبتان للغاية ..”
نظر إليها بشفقة سرعان ما تحولت إلى إبتسامة يخبرها متفائلا :-”
سيتحسن في أقرب وقت إن شاءالله ..”
أكمل بعدها بإهتمام صريح :-”
إذا إحتجت لأي شيء لا تترددي لحظة واحدة في التواصل معي .. أتحدث بشكل جدي وأتمنى أن تأخذي حديثي على نحو جدي يا حياة ..”
منحته حياة إبتسامة خجولة وهي تومأ برأسها وترد بصوت خافت :-”
إن شاءالله .. اسمح لي بالمغادرة فمحاضرتي ستبدأ بعد قليل ..”
” تفضلي يا حياة..”
قالها وهو يمنحها إبتسامة خاصة ثم إتبعها بنظراته وهي ترحل نحو صديقتها التي إستقبلتها بسعادة :-”
ماذا حدث ..؟! ماذا قال لكِ ..؟!”
” إصمتي الآن يا مي .. لقد شعرت بالإحراج الشديد منه …”
ثم أكملت تخبرها بما قال لتهتف مي وهي تسير بجانبها تلف ذراعها حول ذراع حياة :-”
إنه مغرم بك .. الأمر لا يحتاج الى تفكير ..”
صمتت حياة ولم ترد لتكمل مي بتساؤل فضولي :-”
لماذا لا تقولين شيئا ..؟! أخبريني .. ألا تشعرين بذلك ..؟! وماذا عنكِ ..؟! ألا تشعرين بالإعجاب نحوه ..؟!”
ردت حياة بعفوية :-”
بالطبع أشعر ..”
إبتسمت مي وهي تردد برجاء :-”
جعله الله من نصيبك يا حياة …”
وعندما وجدتها صامتة نهرتها :-”
قولي آمين ..”
” آمين ..”
قالتها حياة ضاحكة ثم أكملت بعجلة :-”
دعينا نذهب الى المحاضرة الآن .. لدي مشوار مهم بعد الإنتهاء منه ..”
سارت الفتاتان مسرعتان نحو قاعة المحاضرات إستعدادا للمحاضرة التي ستبدأ بعد قليل .
بعد إنتهاء المحاضرة ودعت حياة صديقتها ثم إستقلت احدى الحافلات متجهة الى المنطقة التي يقع بها منزل عائلة الخولي …
هبطت حياة من الحافلة في منطقة قريبة من منطقتهم فأخذت تسير مشيا على الأقدام نحو منطقتهم حتى شعرت بالتعب شديد من طول الطريق فإضطرت أن تستأجر سيارة توصلها إلى منزلهم ..
توقفت سيارة الأجرة أمام الفيلا لتهبط منها حياة بعدما أعطت السائق أجرته ..
تأملت حياة الفيلا للحظات ثم خطت الى الداخل حيث سألها الحارس عن هويتها فأخبرته إنها إبنة فاضل الذي يشاركه عمله ..
رحب الحارس بها بشدة وهو يسألها عن أحوال والدها ويتمنى له الشفاء العاجل ..
قادها الى الداخل حيث فتحت لها الخادمة الباب والتي رحبت بها بدورها عندما أدركت هويتها …
سارت حياة مع الخادمة نحو صالة الجلوس لتجلس على الكنبة بينما تخبرها الخادمة إنها ستنادي صباح حالا حيث الأخيرة بدورها تنتظرها ..
تأملت حياة الصالة الأنيقة بإعجاب شديد .. كانت المرة الأولى التي تزور فيها فيلا عائلة الخولي … كانت الفيلا تليق بثرائهم المعروف في الأوساط الراقية …
سارت ببصرها نحو المكان عندما وقعت عيناها على مجموعة من الصور الموضوعة على طاولة عالية موجوده في ركن الغرفة ومن بين الصور العائلية تركزت عيناها على صورته بملامحه شديدة الوسامة والجاذبية ..
نهضت من مكانها وسارت نحو الصورة بعدم إنتباه لما تفعله عندما مسكت الصورة تنظر إليه عن قرب ..
تأملت ملامحه بتركيز شديد للحظات انتهت بنبضة غريبة بعثرت روحها ولم تدرك إن ملامحه تلك حُفِرت في قلبها قبل عقلها …
كادت أن تعيد الصورة الى مكانها حينما صدح صوتا أنثويا حادا يصيح بها :-”
ماذا تفعلين هنا ..؟!”
ودون إرادة منها إنزلقت الصورة من بين يديها وسقطت أرضا ليتحطم الزجاج المحيط بها إلى أجزاء بينما ركضت السيدة نحو الصورة تحملها بكفها غير آبهة بذلك الزجاج المبعثر عليها والذي قد يجرح كفها ..”
أنا آسفة .. أعتذر بشدة ..”
قالتها حياة بفزع مما حدث وهي تلعن فضولها الذي جعلها تتصرف هكذا ..
بينما نظرت ليلى إليها بحدة سيطرت على ملامحها الحسناء و حياة تنظر إليها بخجل لتخبرها بفظاظة:-”
ماذا كنتِ تفعلين بالصورة ومن أنتِ أساسا ..؟!”
إبتلعت حياة ريقها بصعوبة وهي ترد بحرج وعينين ترقرقت الدموع فيهما :-”
أنا آسفة … والله لم أقصد ما ..”
قاطعتها بنزق :-”
حسنا يكفي .. لا أريد سماع المزيد …”
ثم نظرت الى الصورة بلهفة غير آلهة بجرح يدها الذي إنتبهت له حياة فهتفت بسرعة :-”
يدكِ ُجرحت يا هانم .. إنها تنزف ..”
نظرت ليلى إلى يدها بلا إهتمام بينما صدح صوت صباح تهتف بعدما دخلت إليهم :-”
ماذا يحدث هنا ..؟!”
ثم ألقت نظرة عابرة على ليلى قبل أن تلتفت نحو حياة ترحب بها :-”
أنت حياة إذا .. أهلا بكِ إبنتي ..”
رسمت حياة إبتسامة مرتعشة على شفتيها وردت بينما ليلى تنظر إلى الصورة بتركيز :-”
أهلا يا هانم .. أعتذر على إزعاجك ولكن ..”
قاطعتها صباح بإبتسامة صادقة :-”
أي إزعاج يا ابنتي ..؟! لا يوجد إزعاج .. تفضلي وإجلسي ..”
ثم نظرت الى الزجاج المنثور على أرضية الغرفة بإستغراب ..
إلتفتت نحو ليلى تنوي نهرها لتسبقها حياة وهي تقول :”
أعتذر لما حدث … لقد سقطت الصورة مني سهوا .. ”
كانت حياة تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها في تلك اللحظة بينما إبتسمت صباح بخفة وهي تخبرها :-”
لا عليكِ يا إبنتي .. لم يحدث شيئا يستحق الإعتذار ..”
ثم نادت على الخادمة كي تلملم الزجاج وإلتفتت نحو ليلى تقول :-”
هاتي الصورة من فضلك ..”
إعترضت ليلى :-”
إتركيها معي ..”
نظرت لها صباح بحدة قابلتها ليلى بنظرات مترجية لتشيح صباح بوجهها وهي تشير إلى حياة :-”
تفضلي يا ابنتي .. إجلسي وأخبريني كيف أصبح والدك ..”
سارت حياة أمامها نحو الكنبة بينما خرجت ليلى مسرعة ومعها صورته .
دخلت ليلى غرفتها وهي تحمل صورته معها …
فتحت باب الخزانة وأخرجت صندوقا ذهبيا يخصها ثم فتحته لتنظر إلى تلك الأشياء الموجوده بها الخاصة جدا إليها بألم لا ينتهي..
نظرت الى الصورة لتمسح عليها بكفها بشوق جارف قبل أن تضعها داخل الصورة وهي تكتم دموعها بقوة …
وضعت الصندوق داخل الخزانة من جديد ثم اتجهت نحو الحمام تغسل كفها النازف …
جففت كفيها واتجهت نحو السرير تتمدد بجسدها عليه تغمض عينيها وتتخيله من جديد …
كيف مرت السنوات بدونه ..؟! سنوات مريرة لم ينتهِ بها يوما دون وصلة من البكاء عليه .. لم تشعر ولو لحظة بسعادة فأي سعادة تلك تشعرها في غيابه ..؟!
سيخرج ، سيخرج غدا وهو لا يعلم إنها أكثر من يتلهف لرؤيته .. سيخرج وربما في خروجه ستبدأ وصلة عذاب جديدة ومختلفة ..
سالت دموعها بغزارة وعادت الى المرة الوحيدة التي زارته فيها هناك في السجن بعد شهرين من محاكمته …
كانت تجلس في المكان تنتظره بعينين مشتاقتين ولوعة تزداد كل يوم في غيابه ..
دلف أخيرا إليها بوجه شديد الذبول وعينين شديدتين الإحمرار … ملامحه منهكة وقد فقد الكثير من وزنه …
انتفضت من مكانها تسير نحوه تحتضنه بشدة بينما هو يقف في مكانه يداه منخفضتان نحو الأسفل رغم نبضات قلبه التي وصلت ذروتها بإقترابها منه ..
إبتعدت عنه ودموعها تسيل على خديها بغزارة بينما لسانها يهتف :-”
إشتقت إليك يا نديم ..إشتقت إليك يا حبيبي ..”
ثم عادت تضمه نحوها وهي تشدد من إحتضانه تستنشق رائحته بشوق شديد …
بعد مدة إبتعدت عنه تسأله بعينين مترجيتين :-”
لماذا لا تتحدث يا حبيبي …؟! تحدث.. قل اي شيء ..”
وعندما لم تجد سوى الصمت بكت وهي تناجيه :-”
أجبني يا نديم.. قل شيئا أرجوك … أتحمل أي شيء إلا صمتك هذا ..”
نطق أخيرا ببرود :-”
لماذا جئتِ ..؟!”
اتسعت عيناها الباكيتان وهي تردد بعدم تصديق :-”
ألا تريد مني زيارتك يا نديم ..؟! ألا ترغب برؤيتي ..؟!”
قاطعها بقسوة :-”
كلا لا أريد ولا أرغب بأي شيء …”
عادت تبكي وهي تتوسله :-”
لا تفعل هذا أرجوك.. أعرف كم معاناتك ولكنني بجانبك وسأبقى معك …”
” اخرجي من هنا حالا يا ليلى ولا تعودي …”
قالها بإباء وعينين جامدتين رغم ذلك الوجع الذي ينحر روحه بسبب دموعها وبسبب ما يخبرها به مجبرا ..
هزت رأسها نفيا تعانده بشده :-”
لن أفعل .. سأزورك بإستمرار حتى تخرج من هنا ..”
ثم أكملت وهي تحيط وجهه بكفيها :-”
أنا أحبك يا نديم ولا يمكنني الإبتعاد عنك ..”
قبض على كفيها يبعدهما عنه بعنف ثم يقبض على ذراعيها يخبرها بصوت عصبي عالي قليلا :-”
ألا تفهمين ما أقوله ..؟! اخرجي من هنا ولا تأتي أبدا … انا لا أريدك .. لا أرغب برؤيتك .. اخرجي واتركيني لعذابي يا ليلى ..”
كان يهزها بعنف ولا وعي بينما دموعها تغرق وجنتيها لتندفع بجسدها نحو أحضانه تخبره بنحيب :-”
لا أستطيع .. لا أستطيع يا نديم ..”
ثم إبتعدت عنه بعدما توقفت عن نحيبها تصيح به وهي تنظر الى وجهه :-”
لا أستطيع .. لا أستطيع.. كم مرة سأقولها .. ؟! ألا تفهم …؟! ”
عادت تبكي بصوت مرتفع لينظر الى الجانب بمشاعر ثائرة حاول تهدئتها لكنه فشل ..
عاد ينظرها إليها يخبرها بضعف :-”
لقد إنتهيت يا ليلى .. نديم إنتهي .. تدمر … فقد كل شيء ولم يبقَ له سوى أشباحه التي تحيط به من كل جانب ..”
أردف وهو يراها تتوقف عن البكاء أخيرا وتنظر إليه بعدم تصديق :-”
إنتهى كل شيء يا ليلى … ”
هزت رأسها نفيا والدموع الحارة تهطل من جديد ليكمل :-”
لم يعد لدي مستقبل يا ليلى .. مستقبلي تدمر وحياتي بأكملها تدمرت كليا … كل شيء جميل اختفى وحل محله الظلام والعذاب ..”
كانت تستمع إليه وهي تهز رأسها نفيا عدة مرات بقوة بينما أغمض هو عينيه بألم قبل أن يفتحهما من جديد ويهتف أخيرا :-”
انسيني يا ليلى .. فأنا لا أنفعك ..”
سمعا صوت الحارس يخبرهما بإنتهاء الزيارة لينظر إليها بوهن فتخبره بعدما مسحت وجهها بكفيها :-”
أنا لا أقوى على الحياة بدونك يا نديم ..؟! أنت كل شي بالنسبة لي .. حياتي بدونك فارغة لا شيء بها .. سأنتظرك يا نديم .. سأنتظرك حتى آخر العمر يا حبيبي …”
ثم منحته إبتسامة عاشقة لطالما خصته بها ورحلت …
رحلت تحمل قلبه معها كالعادة …
أفاقت من ذكرياتها تبكي بعنف استمر طويلا حتى تعبت من البكاء فإعتدلت في جلستها تنظر الى كفها الذي غرق بالدماء من جديد …
نهضت تسير نحو الحمام بتثاقل تغسل كفها قبل أن تقرر الهبوط الى الأسفل كي تربط جرحها جيدا فيتوقف نزيفه .
دلت غالية الى المطبخ لتتفاجئ بليلى هناك وهي تربط يدها جيدا بعدما وضعت لاصقة الجروح على مكان الإصابة …
اقتربت منها تسألها بقلق :-”
ما بها يدكِ يا ليلى ..؟! مالذي أصابها ..؟!”
ابتسمت ليلى بضعف وهي تجيب :-”
لقد جرحت .. جرحا خفيفا لا تقلقي …”
أكملت برسمية :-”
أشكرك على إهتمامك …”
نظرت إليها غالية بحزن على حالهما وما وصلا إليهما بعد صداقتهما بل إخوتهما التي بدأت منذ الطفولة …
ألم تكن هي السبب في هذا ..؟! ألم تبدأ هي أولًا في هذا الأسلوب ..؟! لمَ يحزنها هذا الآن بعدما إتبعت الإسلوب الرسمي والجاف معها أولا .؟!
رفعت ليلى بصرها نحوها بعينين مقهورتين لتشيح غالية بوجهها بعيدا عنها …
ما زالت تحمل جرحا داخلها مما فعلته .. ما زالت غير قادرة على تقبل تخليها عنه … كيف لها أن تنسى كل هذا ..؟! كانت تعاني مثلها .. تعاني من فقدان أخ تحتاجه أكثر من أي شيء .. تعاني من فقدان صديقة تشتاق إليها بشدة … في تلك الأعوام السابقة خسرت غالية الكثير ولم تعد قادرة على المزيد من الخسارة ..
ترقرقت الدموع داخل عينيها فأخذت تمسح عينيها بخفة لتنتبه ليلى عليها فتسألها بقلق وإضطراب :-”
غالية ..!! هل أنتِ بخير ..؟!”
هزت غالية رأسها دون رد ثم إستدارت نحوها بعدما سيطرت على دموعها :-”
لا يوجد شيء … ”
ثم نظرت الى كفها :-”
هل عالجتِ الجرح جيدا ..؟! ألا تحتاجين الى زيارة طبيب …؟!”
ردت ليلى وقد تسرب الأمل إليها من عودة المياه الى مجاريها بينهما :-”
أنا بخير يا غالية لا تقلقي ..”
ثم قبضت على كف غالية فجأة تخبرها برقة :-”
أشكرك على إهتمامك حقا ..”
وقبل أن ترد غالية كان صوت والدتها يصدح عاليا :-”
غالية ..!! ماذا تفعلين في المطبخ …؟!”
إستدارت غالية نحوها تخبرها بتردد :-”
كنت أرغب بتناول الماء فقط .. ”
ثم إتجهت نحو الثلاجة تفتحها وتخرج منها الماء …
نظرت صباح نحو ليلى بقسوة وإنخفضت أنظارها لا أراديا نحو كفها لتشيح وجهها بعيدا عنها بضيق …
امتلأت عينا ليلى بالدموع من قسوة صباح ومدى كرهها لها لتخرج مسرعة من المطبخ بينما اتجهت صباح نحو غالية تسألها بغضب :-”
ماذا كنتِ تفعلين هنا ..؟! هل كنتِ تتحدثين معها ..؟!”
وضعت غالية القدح جانبا ثم أخبرت والدتها :-”
كنت أطمئن عليها فقط .. يدها مجروحة يا أمي ..”
قاطعتها صباح بنزق :-”
وما شأنك بها ..؟! لا تتحدثي معها ابدا يا غالية ..”
” ما هذا الكلام يا أمي ..؟! أقول لكِ إن يدها مصابة … ”
أردفت وهي تنهد بصوت مسموع :”
يكفي يا أمي حقا .. يكفي ما تفعلينه .. لقد تعبت من كل هذا .. لا تنسي إن ليلى صديقتي المقربة وكانت بمثابة أختي .. ليس من السهل تخطي ما كان يجمعنا …”
” وليس من السهل نسيان ما فعلته بأخيكِ يا غالية .. أم إنكِ نسيت بالفعل ..؟!”
قالتها صباح بقوة وهي تذكرها بالماضي لتهز غالية رأسها نفيا وهي ترد :-”
لم أنسَ أبدا يا أمي و لن أنسى .. لكن أشعر إننا بالغنا في قسوتنا عليها ..”
تأملت والدتها وأكملت :-”
لم أعهدكِ يوما قاسية الى هذا الحد يا أمي …”
هتفت صباح بألم ظهر على وجهها وفي نبرة صوتها :-”
هل تظنين إن هذا سهلا علي يا غالية ..؟! ليس من السهل أبدا أن أتصرف هكذا مع ليلى .. ليلى التي كانت بمثابة ابنتي .. ليلى التي تربت على يدي وكبرت أمام عيني .. لكنه ابني .. وحيدي .. ابني الذي لا أستطيع تحمل أن يصيبه أي مكروه أو ألم مهما كان بسيطا وما فعلته هي لم يكن بسيطا أبدا ..”
هتفت غالية بصوت مبحوح ودموع حبيسة :-”
إشتقت إليه كثيرا يا أمي ..”
ترقرقت الدموع داخل عيني والدتها أيضا لتقول :-”
سيخرج غدا يا غالية .. سيخرج أخيرا .. أنا فرحة للغاية يا ابنتي لكنني خائفة .. خائفة مما سأجده عليه ومما سيجده هو ..”
احتضنتها غالية بقوة وهي تنظر نحو الأمام بعينين مدمعتين وداخلها ترجو الله أن يخفف على أخيها ويسدد خطاه .
خرج أخيرا …
خرج من سجنه الذي دام لسنوات …
خرج من سجنه الى سجنٍ آخر … سجن الحياة التي تغيرت كثيرا بعدما حدث ..
الحياة التي بات يراها مظلمة تشبه ظلام روحه الأبدي …
خرج وفي داخله رهبة غريبة كأنه يرى النور لأول مرة …
كم فكر في هذه اللحظة وكم تخيلها ولكنه لم يتمنها يوما ..!!
كيف يتمناها وهو يدرك إن الخارج يحمل له الكثير ..؟!
الكثير مما لا يرغب به ..؟! مالذي ينتظره الآن ..؟!
نظرات شفقة أم كره وشماتة ..؟! نظرات تخفف عنه أم تثقل كاهله أكثر ..؟!
ينتظره مستقبل ضائع ومجهول وظلام من نوع آخر …
أغمض عيناه للحظة إستنشق فيها الهواء مقررا ترك كل هذا جانبا والتمتع بشعور الحرية للحظة واحدة فقط وسيعود بعدها الى أفكاره المعتمة من جديد ..!!
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثاني 2 - بقلم سارة علي
احتضنته والدته بلهفة ودموعها انسكبت على وجنتيها بغزارة.
أخذت تتلمس ظهره تطمئن على حاله ولسانها يهتف ببكاء:
- الحمد لله على سلامتك يا حبيبي.. أخيرا يا نديم..
ابتعدت عنه قليلا تحتضن وجهه بين كفيها تخبره بدموعها اللاذعة:
- كنت أدعو الله كل يوم أن يطيل في عمري حتى أراك سالما يا حبيبي.. خفت أن أغادر الحياة قبل ذلك..
قاطعها بلهفة وهو يقبل كفها:
- لا تقولي هذا يا أمي من فضلك.. حفظك الله لي وحماك من كل مكروه..
ثم أخذ يمسح دموعها فوق وجهها بأنامله وهو يردد بألم:
- لا تبكي يا أمي.. لا تبكي من فضلك.. ها أنا أمامك بخير..
تحدثت غالية التي كانت تتابع ما يحدث بدموع مليئة بالوجع على هذا المنظر المؤلم رغم سعادتها بخروجه:
- يكفي يا أمي أرجوكِ.. أنت تؤلمينه ببكائك هذا..
ثم تقدمت من نديم تحتضنه بعدما قالت:
- وأنا أيضا أريد أن أحتضنه يا أمي..
شد نديم من احتضانها بشوق شديد لتبتعد قليلا عنه وترفع وجهها وعينيها الدامعتين في وجهه تخبره بدموع الفرح:
- لا أصدق عيني يا نديم.. اشتقت إليك.. اشتقت إليك يا أخي..
ضمها نديم من جديد وهو يهتف بخفوت:
- وأنا اشتقت إليك أكثر يا غالية..
سار بعدها نديم معهما حيث ركب بجانب غالية التي جاءت بسيارتها لاستقباله وجلست والدتها في الخلف وهي تمسح دموعها لتسمع نديم يعاتبها:
- لماذا أتيتما لاستقبالي..؟! ألم أخبركما ألا تصلان إلى هنا وإنني سآتي بنفسي..؟! ألا يكفي زياراتك المتكررة يا غالية مع أمي هنا إلي..؟!
أكمل بعدها وهو يلتفت نحو والدته:
- وأين وسام..؟! ألم يخبرني إنه سيأتي لاستقبالي..؟!
كان مندهشا من غياب صديقه الذي لم ينقطع طوال هذه السنوات عن زيارته لتجيبه والدته موضحة سبب غيابه:
- والدته مرضت قليلا ودخلت المشفى مساء البارحة فاتصل بنا يعتذر عن قدومه..
قالت غالية بجدية:
- كنا سنأتي بكل الأحوال يا نديم.. بوجود وسام أو غيابه..
أطلق نديم تنهيدة مسموعة ثم استدار نحو النافذة ينظر إلى الشوارع بملامح هادئة وهو يحاول أن يخفي ما يشعره في وضعه هذا لأجل كلا من والدته وأخته.
***
دلت غالية إلى الفيلا بسيارتها لتتغضن ملامح نديم بألم من ذكريات الماضي التي عصفت به تلقائيا.
توقفت غالية في الكراج وأشارت له ولوالدتها:
- هيا دعونا نهبط..
ترجل نديم من السيارة وعيناه تنظران إلى المكان تتطلعان حوله بملامح مبهمة لا تدل على شيء.
كان يشعر ببرودة غريبة تجتاح كل إنش من جسده ما إن دلف إلى الفيلا وكأنه دلف إلى منطقة إعدامه.
سار معهما بخطوات رتيبة وهو يتمنى مع كل خطوة ألا يصل إلى الداخل.
فتحت الباب الداخلية ليخفق قلبه بضربات عنيفة عندما شعر بنسيم الهواء الخارجي يتغلغل داخله ورائحة منزله التي يعرفها جيدا اخترقت كيانه تعيد إليه ذكريات يتمنى لو يمحوها من باله إلى الأبد.
هنا ولد وعاش طفولته ومراهقته وشبابه حتى أصبح شابا يافعا ورجلا معتدا بنفسه يضرب به المثل بالاحترام والرقي.
هنا قضى أيام حياته بحلوها ومرها. وهنا عاش أهم لحظات عشقه مع حب طفولته بين جدران هذا المكان.
أغمض عينيه يبعد ذكريات كثيرة تسربت إلى داخله.
ذكريات تعود إلى فترة الطفولة وأخرى للحظات مهمة عاشها هنا.
تذكر لا إراديا يوم خطبته. ذلك اليوم الذي سبق يوم القبض عليه وحبسه. أجمل يوم في حياته وأسوء يوم في حياته وفي كلا اليومين عاش ما لا يظن أنه سيعيش مثله يوما خيرا ولا شرا.
أخذ نفسا عميقا وهو يفتح عينيه الزرقاوين بتأهب يحاول أن يسيطر على انفعالاته أمام والدته وأخته.
شعر بيد تلمس كتفه فيجدها غالية تنظر إليه وهي تبتسم بهدوء رغم المرارة التي شعت في عينيها واختفت بعد لحظات قصيرة.
- ألن تذهب إلى غرفتك وترتاح قليلا..؟
سألته بتردد بينما تبعتها والدتها تخبره:
- هل ترتاح قليلا يا نديم أم تتناول طعام الغداء معنا أولا..؟
- أرغب بالنوم..
خرجت منه باردة كبرودة قلبه في هذه اللحظة. قلبه الذي فقد شعوره بعدما زارته تلك الذكريات من جديد. بعدما عاد إلى المكان الذي تركه منذ أعوام بسبب ذنب لم يرتكبه يوما.
ودون أن يقول كلمة أخرى أو ينتظر ردا من أحد سار إلى غرفته في الطابق العلوي بينما نظرت غالية إلى والدتها تسألها بقلق:
- ماذا سيفعل عندما يعلم بوجود ليلى هنا..؟
هزت والدتها رأسها نفيا وهي تجيب بتوتر:
- لا أعلم.. أكثر ما يقلقني ردة فعله عندما يراها..
نظرت غالية إليها بملامح تدل على عدم راحتها لما ينتظر أخيها بعد عودته.
***
دلفت إلى غرفته وأغلق الباب خلفه بقوة ليتأمل تفاصيل الغرفة التي ما زالت كما هي رغم مرور السنوات.
بعد دقائق من التأمل الصامت والأفكار المرهقة سار بخطوات بطيئة نحو تلك الطاولة التي توجد عليها عدة صور له ومنها صورة تخرجه من كلية الصيدلة.
حمل الصورة ينظر إلى تلك الابتسامة الهادئة الخفيفة والثقة التي تطل من عينيه.
كيف لا يبتسم وهو كان يشعر وقتها بأن الدنيا بأكملها كانت ملكه فهو نديم حسين الخولي أكثر الطلبة شهرة وتفوقا والأول على دفعته لخمسة أعوام متتالية.
يومها شاركه الجميع فرحته وأقامت والدته احتفالا لا ينسى. احتفالا حضره جميع الأقرباء والمعارف والأصدقاء يباركون له ويتمنون له المزيد من التقدم.
لقد ذهب كل هذا وبات ذكرى مؤلمة لا يطيق تذكرها.
لم يعد نديم المميز المتفوق الذي لديه مستقبلا رائعا يليق به وباسم عائلته.
لقد أصبح مجرما آثما مدنسا بذنب لا يغتفر.
توقفت أفكاره عند هنا لينظر إلى الصورة للمرة الأخيرة قبل أن يحملها ويرميها في سلة المهملات ببرود مخيف وهو يعرف إن نجاحه وتفوقه ذلك تم رميه هنا في نفس المكان منذ أعوام.
***
كانت تجلس في غرفتها على سريرها تضم قدميها إلى صدرها والدموع تغرق وجنتيها كالعادة.
لقد عاد نديم بعد سنوات. عاد إلى منزله من جديد.
عاد وهي عاجزة عن رؤيته رغم كل ما تحمله شوق ووله لرؤيته. شوق أرهق قلبها الذي يرفض أن ينساه أو يتناساه قليلا حتى.
ماذا ستفعل الآن وكيف ستتصرف..؟!
ترغب برؤيته واحتضانه بقوة مدمرة حتى تشبع روحها منه رغم إنها تعرف إنها لن تشبع منه مهما حدث ومهما بقيت معه بين أحضانه.
لو كان الأمر بيدها لانطلقت إليه راكضة ترمي روحها وقلبها وعمرها بأكمله بين ذراعيه وتخبره كم اشتاقت له وكم عذبها توقها إليه.
لكنها لا تستطيع وهذا أسوء ما في الأمر.
لقد فقدت نديم إلى الأبد وهي تعلم هذا. فقدته منذ أن فعلت ما فعلته. خسرته وخسرت قلبها الذي كان وما زال معه وليته يعلم بذلك.
سمعت صوت طرقات على باب غرفتها لتهمس بصوت ضعيف:
- ادخل..
فتحت الباب ودلفت أختها مريم التي خرجت من جامعتها تسارع القدوم إليها بعدما علمت إن نديم سيخرج اليوم من السجن من والدتها التي كانت تموت قلقا على ابنتها ووضعها بعد خروجه وبالرغم من رفض والدتها القدوم بسبب إحراجها من الموجودين إلا إنها أصرت أن تذهب إليها بنفسها وتساندها في هذه اللحظات العصيبة.
أغلقت مريم الباب وتقدمت نحو أختها بوضعيتها تلك ونظراتها الباكية فلم تفعل شيئا سوى احتضانها وهي على نفس وضعيتها لتنفجر ليلى بالبكاء.
شدت مريم من احتضانها وقد بدأت تبكي هي الأخرى ألما على حال أختها الكبيرة.
أخذت بعدها تربت على ظهرها وهي تهادنها كطفلة صغيرة:
- اهدئي يا ليلى.. لا تفعلي بنفسك هذا.. ستموتين من الحزن..
هتفت ليلى من بين بكائها:
- ليتني أموت.. ليتني أموت وأرتاح من هذا العذاب..
ابتعدت مريم عنها تشهق مستنكرة:
- إياكِ أن تقولي هذا.. بعيد الشر عنكِ.. لا تفعلي هذا بنفسكِ أرجوكِ..
أكملت وهي تقبض على كفها بقوة تحاول دعمها قليلا:
- كوني قوية يا ليلى.. أعلم مدى حبك له لكن يجب أن تصبحي أقوى.. كوني قوية يا عزيزتي..
- أنا قوية في كل شيء عدا حبه.. أنا ضعيفة جدا أمامه.. ضعيفة جدا يا مريم..
خرجت جملتها الأخيرة بصوت مبحوح ونبرة منكسرة لتردف ببكاء عنيف:
- أنا ضعيفة أمامه.. لا أستطيع الثبات والتظاهر بالقوة.. لا أستطيع يا مريم..
- تستطيعين.. تستطيعين يا ليلى..
قالتها مريم بتصميم وهي تحيط وجهها بين كفيها لتضيف بعدها بعزيمة:
- أنتِ ليلى سليمان.. ليلى الجميلة القوية.. ليلى أختي التي أستمد منها قوتي وثباتي.. لا تضعفي هكذا يا ليلى.. أعلم إنك تعشقينه ولا خلاف على هذا لكن لا تقتلي نفسك بالبطيء بسبب حبه.. تجاوزيه يا ليلى.. تجاوزيه من فضلك..
ضغطت ليلى على كفيها المحيطتين بوجهها تقول بوجع لا ينتهي:
- كيف سأنساه يا مريم..؟! ليتني أستطيع أن أفعل.. ليتني يا مريم..
دمعت عينا مريم من جديد وهي ترى ضعف أختها الذي لم يظهر عليها إلا بعدما حدث.
كان من المؤلم أن ترى أختها الكبرى بكل هذا الضعف والانهيار وكانت تتمنى في تلك اللحظة أن تقتل المتسبب بكل هذا.
نظرت أمامها بحقد شديد وهي تتمنى لو تحطم رأسه وتأخذ روحه لما تسبب به لأختها من عذاب.
عادت تنظر إلى ليلى بحزن ثم جذبتها نحوها تحتضنها وهي تخبرها بعزم:
- ستنسين يا ليلى.. ستنسين وتعودين كما كنت بل وأفضل.. تعودين ليلى الجميلة المشعة وأنا سأقف بجانبك حتى تعودي كما كنتِ..
***
تأملت مريم أختها وهي تجلس أمام المرآة تضع القليل من المكياج على وجهها بملامح منهكة.
كانت تشعر بالإرهاق الشديد فهي ذهبت منذ الصباح الباكر إلى الجامعة ثم جاءت إلى هنا وقضت وقتا تحاول فيه تهدئة ليلى علها تستفيق من نوبة بكائها وحزنها الذي لا ينتهي.
لم تستطع تركها والذهاب وهي بهذا الوضع فظلت جانبها تشد من أزرها وتدعمها حتى تستعيد وعيها وتستطيع المواجهة.
وضعت ليلى الفرشاة على الطاولة ونهضت من مكانها تتأمل ملامحها الواهنة بجمود قبل أن تلتفت نحو أختها التي رسمت ابتسامة مصطنعة على شفتيها وهي تسألها:
- هل نخرج الآن..؟
تحاملت ليلى على نفسها وقد قررت أن تمنح نفسها القوة الكافية لمواجهته بل مواجهة الجميع.
كانت تعلم إن هذه المواجهة ستحدث حتما لذا لا داعي لتأجيلها.
سارت نحو الباب بتثاقل تتبعها مريم وهي تدعو الله أن تمر الليلة على خير.
هبطتا نحو الطابق السفلي حيث اتجهتا نحو غرفة الجلوس الخالية من الجميع.
جلست ليلى على إحدى الكنبات بثبات تجاهد للحصول عليه وجلست مريم جانبها تنظر أمامها بصمت.
لحظات قليلة وسمعا صوت أحدهم يدلف وهو يقول:
- مساء الخير..
ثم اقترب من ليلى وقبلها من وجنتها وهو يسألها بخفة:
- كيف حالك حبيبتي..؟
واتجه ببصره نحو مريم يسألها بصوته البارد:
- كيف حالك يا مريم..؟
رمته مريم بنظرات كارهة وأجابت بصوت محتقر:
- كنت بأفضل حال حتى أتيت..
منحها نظرات فارغة رغم تجهم ملامحه الواضح ليعاود النظر إلى زوجته ويسألها عن قصد:
- ما الأخبار يا ليلى..؟! هل خرج نديم اليوم بالفعل..؟
رفعت نظراتها الصامتة نحوه تمنحه ابتسامة غريبة لا معنى لها وهي ترد:
- نعم.. عاد نديم يا عمار..
لم يظهر أي شيء على ملامحه التي حافظت على غموضها المعتاد في هذه اللحظة ليقول بصوت ثابت:
- جيد.. سأنتظر هنا كي أراه عندما يأتي..
وما إن أنهى جملته حتى وجد غالية تدلف إلى الداخل وهي ترميهم بنظرات حذرة.
نظرت نحو مريم تحييها بهدوء لتكتفي مريم بهزة من رأسها دون حديث.
نظرت إلى عمار بنفس النظرات النافرة والتي لا تشبه نظراتها القديمة المحبة ليقابلها عمار بنفس نظراته اللامبالية وهو يسأل:
- أين نديم إذا..؟! هل هو في غرفته..؟
سألته غالية بحدة:
- ما الذي تريده من نديم..؟
هتف بها بتحذير:
- لا ترفعي صوتك في وجهي يا غالية..
ثم أردف وهو يلوي فمه:
- ربما أسأل عليه لإنه خرج لتوه من السجن..
- اتركه وشأنه.. هو لا يرغب بسؤالك..
قالتها بنبرة معادية ثم أكملت وهي تشمل الجميع بنظراتها:
- ومن الأفضل له ولكم ألا يراكم اليوم فلا يوجد داعي لإثارة غضبه وضيقه في أول يوم له بعد خروجه من الحبس..
كانت كلماتها تطعن قلب ليلى بقسوة. منذ متى وكان وجودها سببا لغضبه وضيقه..؟!
منذ أن تركتيه يا ليلى وتزوجتِ بأخيه..!!
أجابت نفسها بملامح يملؤها العذاب بينما صدح صوته الذي تحفظه عن ظهر قلب في المكان ليقفز قلبها من بين أضلعها بقوة.
- السلام عليكم..
نظر عمار إليه فورا بينما التفتت ليلى بلا وعي منها نحوه تتأمل وجهه الذي اشتاقت له بقوة مخيفة.
تلاقت عيناه مع عينيها بنظرة مطولة تحمل الكثير، الألم والحب والكره والعتاب والشوق منه والضعف والعشق والرجاء واللهفة منها.
مشاعر كثيرة امتدت بينهما ونظراتهما لبعضيهما تحمل ما يعجز العقل عن تفسيره.
أشاح نديم ببصره بعيدا عنها لتشعر بألم شديد يكاد يقسم قلبها إلى نصفين.
نظر إلى عمار بثبات غريب بينما رد الأخير تحيته بهدوء ثم اقترب منه يحتضنه وهو يقول:
- الحمد لله على سلامتك يا أخي..
ابتعد عنه وهو يبتسم ملأ فمه ليجد نديم ينظر إليه بوجه معتم قبل أن يفاجئه بلكمة قوية طرحته أرضا.
شهقت غالية وانتفضت مريم من مكانها بفزع بينما ظلت ليلى ثابتة مكانها ولم تظهر عليها ردة فعل وهي تنظر إلى نديم الذي كان ينظر إلى أخيه بنظرات مخيفة تراها في عينيه لأول مرة ثم عاد ونظر إليها بقوة وكأنه يخبرها إن هذا جزءا قليلا مما سيحدث.
نهض عمار يمسح الدماء من فوق فمه وقد ملأ الغضب والحقد قلبه أكثر على أخيه بينما منحه نديم نظرات هازئة وهو يهتف به:
- هذه هدية الزواج يا أخي الكبير.. صحيح جاءت متأخرة لكن أن تأتي متأخرة خيرا من ألا تأتي..
- شكرا يا أخي الصغير..
قالها عمار مقلدا نبرته المتهكمة ليشمل نديم ليلى الساهمة بنظراته من جديد ثم ينظر إلى عمار للمرة الأخيرة قبل أن يتجه خارج المكان مقررا الابتعاد عن هذا الوسط المقرف بالنسبة له.
ولكن قبل أن يخرج توقف في مكانه وهو يسمع عمار يهتف عن قصد:
- لا تقلق ستراني باستمرار بعد الآن، فأنا وليلى نسكن هنا منذ زواجنا..
استدار نديم نحوه بنظرات تكاد تقتله حيا بينما منحته غالية نظرة غير مصدقة لمدى حقارة تصرفاته.
نقلت مريم بصرها بينهما بقلق من حدوث شجار جديد لكنها فوجئت بنديم يمنح أخيه نظرة قاتمة قبل أن يندفع خارجا من المكان.
***
دلت إلى غرفتها يتبعها هو بملامح جامدة مظلمة.
أغلق الباب خلفه ثم خلع سترته ورماها أرضا.
جلست ليلى على حافة السرير تضم قدميها لبعضيهما وهي تجاهد لكبح دموعها.
التفت نحوها يتأملها للحظات قبل أن يخرج صوته غاضبا:
- تتألمين أليس كذلك..؟! يؤلمك ما يحدث.. يعذبك بعدك عنه..
لم تجبه ليتقدم نحوها وهو يجذبها من ذراعيها يوقفها أمامه ينظر إليها بعينين مشتعلتين.
قبض على فكها بقسوة كادت تحطمه بينما يصيح بها بغضب مخيف:
- تحدثي.. لماذا لا تجيبين..؟! هل أكل القط لسانك يا زوجتي..
دفعته بقوة وهي تصيح منفعلة:
- نعم يؤلمني.. يؤلمني ويعذبني كثيرا..
أردفت بمرارة:
- هل تدرك معنى أن أراه أمامي ولا أستطيع لمسه ولا حتى التحدث معه..؟! هل تدرك مدى قسوة هذا..؟! كلا لا تدرك لإنك لم تجرب هذا..
تقدم نحوها بخطوات بطيئة لتسير هي إلى الخلف بخوف حتى ارتطمت بالحائط خلفها لتسمعه يهتف متسائلا:
- ما الذي يجعلك تحبينه إلى هذه الدرجة..؟! لماذا تحبينه هكذا..؟! كنتِ وما زلتِ تحبينه رغم ما حدث..
أكمل وهو يقرب وجهه من وجهها:
- حتى بعدما أصبح سجينا سابقا بماضي مدنس ومستقبل مظلم..
- بسببك.. أصبح هكذا بسببك..
صاحت بها بصوت جهوري وخلاياها تحفزت كليا بهذه اللحظة ليبتسم وهو يردد بملامح شيطانية:
- نعم بسببي.. بسببي أنا.. هل لديك اعتراض..؟! هل بوسعك فعل شيء..؟
- أكرهك.. أكرهك..
قالتها وهي ترغب بتمزيق وجهه ليعود برأسه إلى الخلف مرددا:
- وأنا أحبكِ يا زوجتي العزيزة..
دفعته بكل ما تملكه من قوة وركضت نحو الحمام هربا منه بينما نظر هو أمامه بملامح جامدة ونظرات يملؤها الحقد والتوعد.
***
جلست أمام والدها بعدما انتهت من المذاكرة تتأمله وهو يسعل بقلق.
سألته وهي تربت بكفها على صدره:
- هل ما زال صدرك يؤلمك..؟! هل أخذه إلى المشفى..؟! أخبرني يا أبي ولا تكذب علي..
أخذ يسعل بقوة وهو يردد بصوت متقطع من بين سعاله:
- لا تقلقي يا حياة.. أنا بخير..
ثم حمل كوب الماء بضعف لتأخذه منه وتجعله يتناوله ببطء.
أخذ نفسا عميقا بعدما تناول الماء لتعاود سؤاله:
- هل أصبحت أفضل الآن..؟! أخبرني يا أبي..
- أفضل يا ابنتي.. أفضل..
قالها وهو يبتسم بوهن لتبتسم بتصنع تحاول إخفاء ذعرها عليه ثم تنهض من مكانه وهي تخبره:
- سأعد لك شيئا تتناوله كي تأخذ دوائك بعدها..
اتجهت نحو المطبخ وبدأت في إعداد الطعام عندما سمعت صوت ارتطام شديد في أرضية الغرفة لتركض مسرعة فتجد والدها ممددا على الأرضية فاقدا للوعي فتعلو صرخاتها وبكائها وهي تحاول إيقاظه.
***
خرج أخيرا.. خرج من سجنه الذي دام لأعوام.
أعوام انتظرته خلالها منذ أن علمت بهجره من قبل خطيبته.
خطيبته التي تزوجت أخيه من بعده.
كم كرهتها في تلك اللحظة وكم تمنت لو تستطيع فعل أي شيء له يعوضه عما حدث معه.
أطلقت تنهيدة صامتة وهي تنظر من زجاج سيارتها الأمامي إلى الفيلا التي يسكن بها تتأمل خروجه صدفة رغم إدراكها لصعوبة حدوث ذلك في أول يوم بعد خروجه من السجن.
شعرت بالتعب يخيم عليها فهي تقف هنا منذ مدة على أمل رؤيته.
قررت أن تعود إلى منزلها أخيرا على وعد بالقدوم باكرا صباح الغد وانتظاره في نفس المكان فهو بالتأكيد سيخرج صباحا ولن يبقى في المنزل.
شغلت سيارتها وكادت أن تدير مقودها لكنها توقفت وهي تلمحه يخرج من الفيلا بغضب مغلقا سحاب سترته الجلدية بعنف.
رأته وهو يستأجر سيارة مارة من أمام الفيلا لتدير مقود سيارتها بسعادة وهي تمني نفسها برؤيته أخيرا.
سارت خلف سيارة الأجرة التي توقفت بعد مدة أمام البحر لتجده يهبط ويسير نحو مياه البحر الهائجة في هذه الليلة الباردة من ديسمبر.
ركنت سيارتها جانبا ثم هبطت منها واتجهت نحوه حيث يقف أمام البحر يستنشق هواءه بقوة.
- هل اشتقت إلى البحر لهذه الدرجة التي كي تزوره في أول يوم لك بعد خروجك من الحبس..؟
التفت لها مصدوما ونبرتها العذبة ذكرته بإحداهن ليتأكد إن ذاكرته في محلها وها هو يراها أمامه من جديد.
- نانسي..
قالها مصدوما غير مستوعبا وجودها أمامه في هذا المكان. كيف جاءت وكيف عرفت مكانه ولماذا جاءت من الأساس..؟
تأمل عينيها اللامعتين بنظرة عاشقة لم يخطئها. نظرة لطالما خصته بها.
ما زالت كما هي بنفس جرأتها ولا مبالاتها.
جرأتها التي جعلتها تعترف له بكل ثبات عن مشاعرها نحوها حتى وهي تعلم بحبه لأخرى.
مشاعرها التي رفضها بهدوء وهو يؤكد لها إنه لم ولن يحب سواها. ليلى فقط لا غير.
منحته ابتسامة خالصة وهي تمد كفها نحوه تهتف بصوتها العذب:
- كيف حالك يا نديم..؟
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثالث 3 - بقلم سارة علي
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الرابع 4 - بقلم سارة علي
في صباح اليوم التالي…
عاد إلى منزله منهكًا، يشعر بأثقال الدنيا كلها محمولة فوق جسده. دلف إلى الداخل بعدما فتحت له الخادمة الباب، ترحب به بينما هو لا ينظر إليها حتى. سار بخطواته نحو غرفته في الطابق العلوي، تتبعه الخادمة حيث سارعت لإخبار والدته عن عودة ابنها بعد غياب ليلتين كاملتين.
دلف إلى غرفته وأغلق الباب خلفه، ثم سارع في خلع سترته ورميها أرضًا. اتجه نحو الحمام الملحق بالغرفة، حيث وقف أمام المرآة من جديد يتأمل ذاته. يرى في نفسه شخصًا آخر، لا يشبه الشخص الذي كان عليه إطلاقًا.
أغمض عينيه مستندًا على حافة المغسلة، لتزوره ذكرى ما حدث البارحة بسرعة. فيفتح عينيه بنفس السرعة وهو يشعر بشيء ما ثقيل يجثم على صدره. عيناه الزرقاوان احمرتا بقوة، وذكرى ليلة البارحة تقتحم فكره تدريجيًا منذ استسلامه المخزي ونومه مع تلك العاهرة.
لأي مستوى منحط هبط هو، وأي مستنقع قذر أغرق نفسه فيه؟ كان الذنب يقيد روحه بقسوة، يفاقمه حقيقة أنه استسلم لرغبته فيها بكامل وعيه وإرادته. ماذا كان ينتظر مما فعله؟ الشعور بالراحة؟ الشعور بالسعادة؟
لا يعلم لمَ فعل هذا وكيف انحدرت تصرفاته على هذا النحو، لكنه يعلم إن خطيئته كبيرة، وإن الأخلاقيات التي تربى عليها ذهبت سدى. لقد كان أضعف من أن يقاوم شيطانه ويسيطر على انفعالاته ورغباته.
فتح صنبور المياه وبدأ يغسل وجهه عدة مرات بقوة، حتى أغلق الصنبور وحمل المنشفة يجففه، عندما سمع صوت والدته وهي تقتحم الغرفة بلهفة. أعاد المنشفة إلى مكانها وخرج إليها بملامح ذابلة.
لتقترب منه بسرعة وتسأله بلهفة وعيناها تتفحصانه بقلق:
"هل أنت بخير يا نديم؟ أين ذهبت يا بني؟ كدت أموت من خوفي عليك."
كان ينظر إليها بضعف شديد وملامح تملؤها الهزيمة، فهتفت بسرعة وقد شعرت بمدى ما يعتمل داخله من عذاب:
"ماذا حدث يا بني؟ ما بالك تبدو هكذا؟ أخبرني يا نديم، بمَ تشعر يا بني وماذا يحدث معك؟ أنا أمك وأكثر من يفهمك."
"أريد الموت."
شهقت بعنف، ثم جذبته نحو أحضانها تهتف بترجّي:
"بعيد الشرك عنك، لا تقل هذا يا بني، لا تفعل بي هذا يا نديم، أرجوك يا بني."
ابتعد عنها وجلس على السرير بوهن مرددًا:
"لم يعد لدي رغبة بأي شيء يا أمي، لقد فقدت كل شيء، تدمرت حياتي وانتهى مستقبلي."
أردف بصوت ضائع:
"كل شيء من حولي يخنقني، لا أستطيع التعامل مع كل شيء، ليتني بقيت في سجني، كان سيكون أفضل من وضعي وما أشعر به الآن."
"لماذا تشعر هكذا يا بني؟ أعلم إن خسارتك كبيرة ولكن عليك تجاوزها، نحن جميعنا حولك ومعك."
"كيف سأتجاوزها وأنا أعلم جيدا إنني لن أستطيع العمل في مجال دراستي الذي أحببته كثيرًا إلى الأبد؟ وماذا عن نظرات الناس التي ستتوجه نحوي بكل تأكيد؟ كيف سأتجاوز نظراتهم الموجهة نحوي والمليئة بالإزدراء؟ وكيف سأتجاوز حقيقة إنني سجنت بقضية مخجلة لن يتقبلها الناس؟"
جلست بجانبه تربت على كفه وهي تقول محاولة التهوين عليه:
"لست أول من يسجن ظلماً يا نديم ولن تكون الأخير. هل جميع من حدث معهم ما حدث معك سيفعلون مثلك؟ سيفكرون بالاختفاء أو يتمنون الموت؟ لا يا نديم، أنت رجل تجاوزت الثلاثين من عمرك، رجل يستطيع الاعتماد على نفسه وتجاوز عقباته. الحياة ما زالت طويلة وأنت عليك أن تحارب نفسك قبل أي شيء كي تتجاوز مشاعرك هذه وماضيك الذي لم يكن لك ذنب فيه."
نظر إليها بعينين موجوعتين، لتكمل بتعقل:
"أعلم إن طريقك ليس سهلًا على الإطلاق وإنه ينتظرك الكثير من الصعاب، لكن أعلم أيضًا إنك قوي وستهزم كل ما يقابلك من عقبات."
وعندما لم تجد ردًا هتفت بجدية:
"اجلس قليلًا مع نفسك يا نديم وفكر جديًا في الطريقة التي ستهزم خلالها ضعفك هذا. حاول أن تفكر فيما ستفعله لإحياء ذاتك من جديد يا بني. فكر في عمل مستقل، فكر بما ينتظرك وكيف ستنظم حياتك من جديد. اسمع كلامي يا بني، أعطِ لنفسك فرصة كي تتجاوز كل ما مررت به."
وبعد لحظات من الصمت، هز رأسه بصمت لتبتسم والدته بحنو وهو يربت على كتفه بدعم.
***
كان ممددًا على سريره بعينين مفتوحتين تتطلعان إلى السقف بشرود تام. عقله مليء بالأفكار التي لا تنتهي ومشاعره مبعثرة هنا وهناك. لا يدري ماذا يفعل وكلمات والدته تتردد داخل أذنه. هل ينهض بنفسه من جديد وهل يوجد أمل لذلك؟ هل يستطيع الحياة من جديد في وسط مجتمعه الراقي وهل سيستطيع تجاهلهم تمامًا؟
الأمر شاق للغاية عليه، وهو الذي اعتاد أن يجذب أنظار الجميع دوماً بالاهتمام والإعجاب. كيف يتعامل مع وضعه الجديد وكيف يتقبله؟
عاد يفكر بليلى ووجودها مع عمار في نفس المكان بمشاعر ثائرة. وجوده في الفيلا معهم يصعب الأمر عليه ويزيد من همومه أضعافًا. كيف يتقبل وجودها مع أخيه أمام عينيه؟ هذا الأمر بالذات لا يستطيع التعامل معه، إنه لمن المستحيل تقبله والاعتياد عليه.
عند هذه النقطة ومع ذلك الشعور الحارق الذي اقتحمه، أخذ قراره بالرحيل. سيغادر الفيلا ويذهب إلى مكان آخر يبقى فيه. لن يبقى معهم في مكان واحد مهما حدث، لن يتحمل قلبه ولا وضعه المتأزم شيئًا كهذا.
نهض من مكانه مقررًا جمع بعضًا من ملابسه وأغراضه مبدئيًا كي يغادر حالًا. هو غير مستعد لرؤيتها أو رؤيتهما سويًا أبدًا، ولن يتحمل ذلك الشعور الذي شعر به عندما رآهما لأول مرة قبل يومين.
أخذ يرمي بعضًا من ملابسه بعشوائية في الحقيبة. كان يلملم ما يحتاجه بسرعة حينما سمع طرقات خفيفة على الباب. ترك ما بيده واتجه نحو الباب وفتحها لينصدم بها أمامه تنظر إليه بملامح يملؤها الشوق. شوق لا يخطئه أحد.
شعر بالضعف يجتاحه لا إراديًا وشوقه يعصف به يأمره باحتضانها وتفريغ شوقه ذلك. سيطر على مشاعره وملامحه التي رقت قليلًا بقوة، بينما همست هي بصوتها الرقيق:
"كيف حالك يا نديم؟"
سألها باقتضاب يحاول السيطرة على مشاعره الثائرة المشتاقة لها والغاضبة منها في نفس الوقت:
"لماذا جئتِ؟"
ضغطت على شفتيها للحظات وعيناها لمعتا بقوة لترد بعد لحظات بصعوبة:
"جئت لأقول الحمد لله على سلامتك و..."
"هل زوجك يعلم بمجيئك إلي؟"
خرج سؤاله باردًا رغم هدوئه المصطنع، لتشعر بصفعة قوية تعيدها إلى وعيها وإدراكها حقيقة إنه تغير نحوها، وهذا ما كانت تتوقعه، لكن أن يحدث أمر واقع شيء آخر. ترقرقت الدموع داخل عينيها وهي تجيب بصوت مبحوح:
"كلا، لا يعلم."
ثم أكملت وهي تسيطر على دموعها تحصرها داخل عينيها بقوة:
"لا أظن إنه توجد مشكلة في رؤية ابنة خالتي والاطمئنان عليه بعد خروجه من السجن الذي بقى به لعدة أعوام."
كان يقسو على نفسه بشدة كي يظهر بهذا البرود والثبات. في داخله شعوران متناقضان، أحدهما يتمنى أن يحتضنها ويقبلها ويطفئ شوقه نحوها، وشعور آخر يتمنى أن يعاتبها، يصرخ بها ويفعل أي شيء ليجعلها تشعر بكل ما عاناه بسببها.
"أتمنى ألا ينزعج زوجك حقًا من وجودك هنا، فلا أظن إن هناك رجل عاقل يسمح لزوجته بزيارة خطيبها السابق حتى لو كان ابن خالتها يا مدام ليلى."
نظرت إليه بعينين دامعتين معاتبتين تتمنى لو بإمكانها الصياح عليه بألا يتعامل معها هكذا، ألا يعاملها كغريبة بعدما كانت أقرب الناس إليه. تطلع إليها بضيق من تلك النظرات التي ترمقها بها، بينما أخذت هي نفسها مقررة الرحيل، فوجودها هنا كان خطأ، خاصة وهي تقف أمامه لا تجد ردًا مناسبًا على حديثه ولا تستطيع أن تقول أي شيء يناسب هذه اللحظة.
هتفت أخيرًا بصوت خافت متردد:
"أنا جئت فقط لهذا السبب وسأرحل الآن."
ثم تحركت بخطوات آلية بعيدًا عن المكان، تتابعها عيناه بملامح فارغة حتى اختفت من أمامه.
***
أكمل إعداد حقيبته وأغلقها بإحكام، فسمع صوت طرقات على بابه من جديد يتبعها دخول غالية عليه وهي تهتف بسعادة:
"وأخيرًا عدت يا نديم."
ابتسم لا إراديًا عندما اندفعت نحوه تضمه، فيضمها بدوره. ابتعدت عنه بعد لحظات تهتف بسعادة:
"كيف تتركنا ليومين وأنا لم أشبع منك ومن وجودك بعد؟"
أكملت بجدية:
"والدتي كانت ستموت من القلق عليك يا نديم، لا تفعل هذا بها مرة أخرى أرجوك."
أضافت برجاء:
"نحن لا نقوى على الحياة بدونك يا أخي."
ابتسم بخفة ثم قال بشعور نابع من أعماق قلبه:
"اشتقت إليك كثيرًا يا غالية."
"وأنا أكثر يا نديم."
قالها بفرحة وهي ترمي نفسها داخل أحضانه تحيط جسده بذراعيه بعفوية تامة. طبع قبلة على قمة رأسها، بينما انتبهت وهي داخل أحضانه إلى تلك الحقيبة، فابتعدت فورًا متجهة نحوها تشير إليها وتسأله:
"ما هذه الحقيبة يا نديم؟"
صمت للحظات ثم أجاب بثبات:
"سأترك الفيلا يا غالية."
صاحت بلا وعي:
"ماذا تقول أنت؟ ستترك الفيلا يا نديم؟ ستترك منزلك وتتركنا نحن أيضًا؟"
لم يجب عليها، فأضافت بصوت متشنج:
"لماذا تفعل هذا بنا يا نديم؟ لماذا تؤلمنا بهذا الشكل؟"
"افهميني يا غالية أرجوك، أنتِ بالذات يجب أن تفهميني، أنا لا أستطيع البقاء معها في مكان واحد، لا أستطيع تقبل هذا، الأمر أصعب مما تتصورين بكثير."
كانت تعلم إن هذا سيحدث وإن أخيها لن يتقبل أبدًا وجوده مع عمار وليلى في مكان واحد، لكنها حقًا لا تريده أن يرحل. طوال السنين السابقة كانت تنتظره مع والدتها وتعدان الأيام سويًا وهما تنتظران عودته إليهما سالمًا.
"ولكن نحتاجك يا نديم."
تكلم محاولًا تهوين الأمر عليها:
"وأنا سأكون دائمًا معكما يا غالية، ستجداني وقتما تحتاجاني عندكما، أنا فقط لا أستطيع، افهميني من فضلك ولا تضاعفي من همومي أكثر."
شعرت غالية بالضيق من نفسها، فهي لم تفكر بوضعه هو ومشاعره، بينما أرادت بأنانية أن يبقى بجانبها. تعلم إن معه كل الحق، فهو من الصعب عليه أن يتقبل كل هذا. كما إنها في داخلها تعلم إنه بحاجة إلى الابتعاد قليلًا، الانفراد بنفسه وتنظيم أفكاره، لعله يستعيد القليل من نفسه الضائعة.
"أعتذر يا نديم، لم أكن أقصد الضغط عليك، أنا فقط..."
قاطعها بجدية:
"لا تعتذري يا غالية، أتفهمك جيدًا."
أكمل بعدما أطلق تنهيدة متعبة:
"اعذريني أنتِ أيضًا يا غالية، اعذريني لإنني أتصرف على هذا النحو."
ابتسمت مرددة بصدق:
"أرجوك لا تفعل، أنت أخي وأبي وصديقي يا نديم، أنت آخر شخص يمكن أن أتضايق منه."
ابتسم رغم ألمه، ليسمعها تردف:
"لكن ماذا عن والدتي؟ ستحزن بالتأكيد."
نظرت إلى تعبه الذي يظهر على ملامحه بوضوح، فأكملت بسرعة:
"سأتحدث أنا معها وأقنعها، لا تقلق من هذه الناحية."
أومأ برأسه متفهمًا، ثم منحها ابتسامة محبة وهو يخبرها:
"أشكركِ يا غالية."
أسترسل وهو يتجه نحو حقيبته:
"أنا سآخذ حمامًا سريعًا ثم أذهب لتوديع والدتي وآخذ منها مفتاح شقتها."
"ستذهب إلى شقة والدتي إذا."
هز رأسه وهو يقول:
"نعم، سأبقى هناك."
"جيد، وأنا سأذهب لأخبر والدتي بقرارك وأقنعها بضرورة ذهابك إلى هناك."
خرجت غالية بعدها خارج الغرفة متجهة إلى والدتها، بينما اتجه نديم نحو الحمام ليأخذ حمامًا سريعًا ثم يغير ملابسه ويودع بعدها والدته ويرحل.
***
فتح عينيه سامعًا صوتها وهي توقظه برفق:
"استيقظ يا عمار، ستتأخر على موعدك."
اعتدل في جلسته بسرعة بعدما استعاد وعيه كاملًا ليجدها تقف أمامه بقميص نومها القصير تهتف به:
"الحمام جاهز وينتظرك."
نهض من فوق سريره فيظهر جذعه العالي عاريًا وبنطاله البيتي. سار بخطوات متكاسلة نحو الحمام، بينما أخذت هي تعدل الفراش. وقفت بعدها أمام المرآة تتأمل قميص نومها المثير والأنيق في نفس الوقت، وملامح وجهها الجميلة، والتي زاد من جمالها تزيينها بمستحضرات التجميل بعناية.
التقطت روبها القصير فوق قميص نومها وأغلقته بخفة، ثم خرجت من الغرفة كي تعد له إفطاره المكون من قهوته الخالية من التحلية وقطعتين من التوست السادة. خرج بعد مدة وهو يعدل من هندامه لتخبره وهي تبتسم له:
"قهوتك جاهزة."
سار نحوها حيث جلس أمامها حاملاً قهوته المرة يرتشف القليل منها، ثم يقضم من قطعة التوست بعدها.
"هل ستعود مساءً هنا؟"
سألتها بإهتمام ليرد عليها باقتضاب:
"لا أعلم."
تبرمت وهي تهتف به:
"أصبحت لا تأتي هنا إلا قليلًا، هل ستأخذك زوجتك مني؟"
التوى فمه بتهكم مرددًا ببرود:
"تتحدثين وكأنني أطيق البقاء معها ثانية واحدة."
"لماذا تزوجتها إذا طالما إنك لا تطيقها إلى هذا الحد؟"
سألتها وهي تنظر إليه، بينما ارتشف هو المزيد من قهوته ورد بعدها:
"ألم أخبرك مسبقًا يا بوسي؟ زواجي لغرض محدد لا غير."
أكمل وهو ينظر إلى كوب قهوته بشرود:
"ليلى كانت هدفي منذ زمن، منذ أن أدركت حقيقة مشاعره نحوها، كانت هي الفريسة التي بإصطيادها سأحقق الجزء الكبير والأهم مما أتمناه."
"هل تخبرني إنك كنت تخطط لهذا منذ أعوام؟"
سألته بتعجب وإهتمام شديد، فهذه المرة الأولى التي تحصل منها على معلومات بشأن زيجته وأسبابها، رغم إنها تعلم بالسبب الأساسي لهذه الزيجة وهو الإنتقام من أخيه، لكنها لا تعلم بالتفاصيل مما جعلها تشك أحيانًا بحبه لزوجته وإنكاره لذلك ليس سوى رغبة في الحفاظ على كبريائه، إلا إن ما تسمعه الآن وتراه من جدية على ملامح وجهه يؤكد صدق ما يقوله.
"منذ أعوام طويلة يا بوسي، منذ أن كبرت قليلًا واستوعبت كل شيء."
عاد ينظر إليها وهو يهتف ساخرًا:
"هل لديك سؤال آخر يا بوسي؟"
هزت رأسها وهي تسأله:
"ألا تنوي تطليقها؟"
قست ملامحه وهو يجيب بهدوء مخيف:
"مستحيل، ليلى لن تتحرر مني إلا في حالة واحدة وهي موتها."
شعرت بالرهبة للحظة من تلك القسوة التي كست ملامحه التي أصبحت جامدة كالرخام وعينيه اللتين أصبحتا قاتمتين سوداوين متخليتين عن لونيها الأخضر الجذاب.
سيطرت على شعورها هذا وهي تهم بسؤاله ليقاطعها ببرود:
"يكفي إلى هنا، لا مزاج لدي بسماع المزيد."
ثم حمل هاتفه من فوق الطاولة وخرج من الشقة تاركًا إياها تتابعه بملامح منزعجة.
***
خرجت نانسي من غرفتها وهي تعدل من هندامها الأنيق قبل أن تهبط درجات السلم متجهة خارج منزلها.
"إلى أين؟"
صدح صوت أختها متسائلًا فاستدارت نحوها تجيب بإيجاز:
"سأخرج مع أصدقائي."
تقدمت أختها نحوها تهتف بنبرة جدية:
"أنت تخرجين يوميًا منذ الصباح الباكر ولا تعودين حتى المساء!!"
أضافت تسألها بارتياب:
"أين تقضين كل هذا الوقت يا نانسي؟"
احتدت ملامح نانسي وهي تصيح بها:
"ماذا تقصدين يا هايدي؟ انتبهي على حديثك من فضلك، أخبرتك إنني أذهب مع صديقاتي، لماذا لا تفهمين؟"
ردت هايدي بغضب:
"وأنتِ لا ترفعي صوتك علي، أنا خائفة عليكِ، لماذا لا تفهميني أنتِ أيضًا؟"
جاءت والدتهما على صوت صياح ابنتيها تسألهما بقلق:
"ماذا حدث؟ لماذا تتشاجران؟"
نظرت نانسي إلى والدتها تخبرها بعصبية:
"ابنتك تحقق معي يا ماما، إنها تتحدث معي بنبرة غريبة وكأنها تشكك بي."
"أنا خائفة عليكِ لا أكثر، لماذا لا تفهميني؟"
أردفت تخبر والدتها:
"إنها لا تتواجد في المنزل سوى وقت النوم، أين تذهب كل هذه المدة ومع من؟"
وقبل أن تصيح نانسي بها من جديد كانت والدتها تهتف مؤيدة أختها:
"أختك معها حق يا هايدي، أصبحتِ لا تتواجدين في المنزل إلا نادرًا، أين تذهبين؟"
أكملت وهي تقترب من ابنتها بملامحها التي تجهمت:
"أين تذهبين يا نانسي؟ أخبريني وإلا منعتك من الخروج."
صدح صوت نانسي حادًا عاليًا:
"تمنعيني؟ هل تمزحين يا ماما؟ هل أنا طفلة صغيرة حتى تمنعيني من الخروج؟"
"كلا لستِ صغيرة ولكنكِ تتصرفين كذلك، من حقي أن أعرف أماكن خروجك."
قاطعتها نانسي بتأفف:
"أخبرتكِ إنني أخرج مع أصدقائي، لماذا لا تصدقوني؟"
سألتها والدتها بنبرة ذات مغزى:
"حقًا؟ ألا يوجد شيء آخر تخرجين لأجله؟"
أكملت وهي تلاحظ توتر ملامح ابنتها:
"بالتأكيد علمتِ بأمر خروجه!!"
"عمن تتحدثين؟"
سألتها نانسي بإرتباك، بينما تكلمت هايدي بعدم تصديق:
"من تقصدين يا ماما؟ نديم الخولي، أليس كذلك؟"
أردفت وهي تنظر إلى أختها:
"ألم ننتهِ من نديم هذا؟ ألم تنسيه بعد؟"
صرخت نانسي وقد فقدت سيطرتها على أعصابها:
"كلا لم أنسه ولن أفعل، أنا أحبه، لماذا لا تفهمان؟"
جذبتها والدتها من ذراعها تخبرها بشدة:
"إياكِ أن تنطقيها مرة أخرى، هل فهمت؟ ألم أخبرك مسبقًا وأحذرك من العودة إلى هذا الموضوع؟"
حررت ذراعها من قبضة والدتها تصيح بنزق:
"نعم حذرتني ولم أفعل، ماذا ستفعلين؟ كيف ستجبريني على التخلي عنه؟"
"أنا لا أفهم حقًا، ما الذي يعجبك بخريج السجون هذا؟"
نظرت نانسي إليها وقالت بنبرة مستفزة متعددة:
"يعجبني كله، هل ارتحتِ؟"
"لقد فقدت ابنتك عقلها تمامًا يا ماما."
قالتها هايدي بعصبية، بينما رددت نانسي بلا مبالاة:
"أنا حرة في حياتي وحرة فيمن أحب وأريد، هل فهمتما؟"
اندفعت خارج المنزل بعدم اهتمام، تاركة الاثنتين تنظران إلى بعضهما بقلق، لتنفجر هايدي:
"ابنتك ستفضحنا، إنها تلتصق كالعلكة به وهو بالتأكيد لن يرفضها هذه المرة كما فعل مسبقًا، كيف يرفضها من الأساس وهي أصبحت الوحيدة من ترضى به بعدما حدث معه؟"
أكملت وهي تلوي فمها بتهكم:
"بالطبع سيقبل، من سترضى بخريج سجون مثله؟ لن يجد فرصة كهذه أبدًا."
رمقتها والدتها بنظرات مستاءة، ثم تحركت بإنزعاج بعيدًا عنها وعقلها مشوش بابنتها وجنونها بذلك الرجل.
***
خرج من الفيلا بعدما ودع والدته وأخته يجر حقيبته خلفه، يلقي نظرة أخيرة على منزله قبل أن يتفاجأ بها تخرج من الفيلا خلفه.
تأملها وهي تسير نحوه ثم تقف أمامه تسأله بضعف:
"ستترك الفيلا حقًا؟"
نظر إلى الحقيبة للحظة ثم عاد ينظر إليها وهو يهتف ساخرًا:
"ماذا ترين؟"
"لماذا يا نديم؟ لماذا تترك منزلك؟"
سألته بصوت شجن، ليأخذ نفسًا عميقًا ثم يزفره ببطء ويقول بعدها:
"مغادرتي الفيلا يجب أن تحصل لا محالة، وجودي هنا معكما في مكان واحد أمر غير مقبول بالنسبة لي."
قاطعته بجدية:
"أنا لم أكن أرغب في السكن هنا لكن عمار من أصر."
التوى فمه بابتسامة جانبية وهو يردد:
"أعلم ذلك، تصرف متوقع منه."
"إذا كانت المشكلة تكمن بي فأعدك إنني لن أخرج من غرفتي أبدًا طوال اليوم، فقط ابقَ هنا يا نديم، ارجوك."
كانت ترجوه بصوتها الرقيق والذي ما زال يترك أثرًا به رغم كل شيء. سألها بصوت باهت:
"لماذا تطلبين مني البقاء يا ليلى؟ ما غرضك من كل هذا؟"
ردت بعينين ولهتين وصوت حنون:
"ألم تفهم بعد يا نديم؟ ألم تفهم إنني لا أريد أن أكون سببًا في إيذائك بأي شكلٍ؟ لا أريد أن تخرج من منزلك الذي ولدت وكبرت فيه بسببي."
"ألم تفعلي يا ليلى؟ ألم تكوني سببًا في إيذائي؟"
خرجت نبرته حارة معاتبة تحمل الكثير من مشاعر الوجع الذي تسببت هي به دونًا عن الجميع. ترقرقت الدموع الحارة داخل عينيها عندما مدت كفها تلتقط كفه تخبره بعينيها الباكيتين ونبرتها الصادقة:
"لم أرغب بأن أكون سببًا في ذلك أبدًا، أنت تعلم يا نديم، تعلم ما أنت بالنسبة لي، وما أشعره نحوك."
قبض على كفها الممسك بكفه ضاغطًا عليها بقوة هاتفا بقسوة تشبه قسوة قبضته:
"ربما لم تستوعبِ بعد مع من أنتِ تتحدثين يا مدام ليلى، أنتِ تتحدثين مع أخ زوجك، أخ زوجك يا مدام، كيف تفعلين هذا وكيف تتجاوزين حدودك إلى هذا الحد؟"
أكمل وهو يردد بتهكم مرير:
"كيف تخبريني عن شعورك نحوي؟ هل تظنين إن الذي يقف أمامك الآن هو نديم؟ خطيبك وحبيبك؟ أفيقي يا ليلى، أنا لم أعد نديم الذي كنتِ تعرفينه، وأنتِ لم تعودي ليلى حب عمري ورفيقة الدرب، أنا لم أعد خطيبك وحب عمرك!! أنا أخ زوجك، فقط لا غير."
كان يتحدث وهو يقبض على كتفيها يهزها بعنف وكلماته تقتلها بلا رحمة حتى وجدها تهبط على ركبتيها تصرخ بانهيار:
"يكفي، يكفي أرجوك، لا أستطيع التحمل بعد، لم يعد لدي القدرة على تحمل المزيد."
ابتعد عنها قليلًا يناظر انهيارها بقلب منهك، بينما رفعت هي وجهها نحوه أخيرًا تصيح به بوجع:
"ارحل، ارحل يا نديم، ارحل أرجوك."
***
حل المساء وهو يسير على البحر يتأمل أمواجه الهادئة هذا اليوم بملامح شاردة هادئة. كان قد قضى اليوم بكامله نائمًا في الشقة بعدما وصل إليها، ليستيقظ بعد العصر وهو يشعر بالجوع فخرج ليتناول شيئًا من أحد المطاعم، ثم قرر الذهاب إلى البحر والمشي هناك قليلًا.
توقف بعد لحظات بجانب إحدى المسطبات ينظر أمامه وعقله تراوده الكثير من الأفكار. لا يستطيع أن يقول إنه شعر بالراحة بعد خروجه من الفيلا، لكنه على الأقل لا يشعر بنفس الضيق والاختناق.
تنهد بصمت وهو يفكر فيما سيفعل بعد الآن وماذا سيعمل؟ نعم، عليه أن يعمل في أقرب وقت، فهو بالتأكيد لن يظل يطلب الأموال من والدته. لم يفعلها وهو في سن أصغر وبالتأكيد لن يفعلها بعد الآن.
فجأة صدح صوت صراخ فتاة، فالتفت نحو الخلف ليجدها تصرخ في شابين يحاولان التحرش بها. سارع في الذهاب نحوها مبعدًا الشابين عنها، واللذان هربا فورًا ما إن هم بضرب أحدهما.
هبطت الفتاة نحو الأسفل تجذب حقيبتها الملقاة إلى الأرض، ثم رفعت جسدها نحو الأعلى ونظرت إلى الشاب الذي أنقذها لتتسع عيناها بعدم تصديق. لقد كان هو، بشحمه ولحمه، من سيطر على أفكارها طوال الأيام السابقة وزارها في حلمها أيضًا.
سألها نديم غير منتبه لنظراتها غير المصدقة وجودها أمامه:
"هل أنتِ بخير يا آنسة؟"
بينما هتفت هي بلا وعي:
"نديم!!"
سيطرت الدهشة على ملامحه من معرفتها اسمه وهو لا يتذكر إنه رآها من قبل، بينما أدركت هي ما تفوهت به لتعض على شفتها السفلى بقوة.
"عفوًا، هل تعرفيني؟"
سألها بإستغراب ليجدها تتحرك بسرعة وهي تردد:
"كلا، لا أعرفك."
نظر إليها غير مستوعبًا ما تفعله، فمنذ لحظة ذكرت اسمه ويبدو إنها تعرفه جيدًا، وفجأة تحركت مقررة الرحيل وهي تنكر معرفته. وجدها تقدمت خطوات قليلة ثم توقفت في مكانها وهي توليه ظهرها. رفع حاجبه محاولًا فهم تصرفاتها الغريبة تلك، ليجدها تلتفت نحوه وهي تهتف بإستيحاء وتلعثم:
"أنا أعتذر.. يعني أنا أعرفك ولكن..."
صمتت تحاول صياغة حديثها، بينما سألها هو بفضول:
"من أنتِ ومن أين تعرفيني؟"
قضمت شفتها السفلى قليلًا قبل أن تسيطر على توترها الذي تسبب به صدمة رؤيته أمامها بصدفة لا تحدث سوى في الأفلام. أجابت أخيرًا بهدوء وهي ترسم الثبات على ملامحها:
"أنا حياة، حياة ابنة فاضل حارس الفيلا يا بك."
***
دلف إلى الداخل ليجدها تجلس على السرير وهي تبدأ في كفكفة دموعها. نظر إليها مرددًا بضيق:
"كالعادة لا تفعلين شيئًا سوى البكاء، أقسم لكِ إنني مللت بل قرفت منكِ أيضًا."
اندفعت تنهض من فوق مكانها تصرخ بإنفعال:
"أنت قرفت إذا، قرفت يا عمار باشا أليس كذلك؟ وماذا عني أنا؟ هل أخبرك بشعوري نحوك ونحو حياتي معك؟ أنا مللت ونفرت وكرهت وقرفت واشمأزيت منك ومن وجودي معك."
قبض على شعرها بقسوة يهتف بحدة مخيفة:
"تتجاوزين حدودكِ كثيرًا يا فتاة، أصبحت بحاجة إلى التأديب."
حرر شعرها وقبض على وجنتيها بأنامله يكمل وعيناه تحومان حول وجهها بتوعد:
"هل ترغبين بتأديبك على طريقتي الخاصة؟ هل تودين ذلك؟"
دفعته وهي تصيح متسائلة بإنهمار:
"لماذا تفعل بي هذا؟ ما الذي تريده مني؟ لماذا لا تتركني؟ ألم تحقق انتقامك بعد؟ ألم يكفيك ما فعلته بي حتى الآن؟"
أكملت منتحبة:
"لفقت له تهمة لم يفعلها وسجنته لأعوام، أنهيت مستقبله ووصمته بذنبٍ لم يرتكبه سيوصم بعاره حتى الأبد، سرقتني منه وتزوجتني إجبارًا وعذبتني معك لسنوات، ما الذي تريده بعد؟ أخبرني."
اشتعلت نظراته بحقد دفين، بينما لسانه يخبرها بلهجة مخيفة:
"أريد الكثير، الكثير يا ليلى."
"طلقني، طلقني، لا أريد البقاء معك."
قالتها بعدما حملت المزهرية الموضوعة على المنضدة ورمتها أرضًا، ليرد مستهزئًا بها:
"لن أطلقك يا ليلى، تريدين الطلاق كي تعودين إليه، أليس كذلك؟"
نظرت إليه بعينين متوسلتين بصمت، يقابلها هو بنظراته الباردة ويفكر داخله إن تلك الغبية لم ولن تفهم إنها انتقامه الأكبر الذي لن يتخلى عنه مهما حدث.
عندما لم تجد سوى الجمود منه، قالت ببكاء:
"لماذا تفعل بي هذا؟ أنا لم أفعل بك شيئًا، لم أؤذك يومًا، ما ذنبي لتفعل بي كل هذا؟"
"ذنبك هو.. هو ذنبك يا ليلى."
قالها بإعصاب هائجة، ثم أكمل بإبتسامة شامتة:
"ألم تتزوجي بي لأجله؟ ألم تضحي بنفسك لأجل حمايته؟ تحملي نتيجة تضحيتك يا عزيزتي."
مسحت دموعها بأناملها، ثم تحدثت بصوتها المبحوح:
"وماذا إن رفعت قضية طلاق؟"
قاطعها بقوة:
"سأطلقك حينها لكنني لن أتردد لحظة واحدة في قتله بعدها."
ذبلت عيناها وقد سمعت ما كانت تنتظره منه، تهديداته التي لا تنتهي والتي تعلم جيدًا إنه يستطيع تنفيذها بسهولة، فهو فقد قلبه منذ زمن ولا أمل فيه.
أخفضت وجهها بيأس ليبتسم وهو يعلم إنها تستسلم من جديد. تقدم نحوها يقبض على ذقنها يرفع وجهها نحوه، فتنظر إليه بملامح منهكة، لتسمعه يهمس وهو يميل نحوها:
"اشتقت إليك يا زوجتي العزيزة."
ابتعدت عنه وهي تنكمش على نفسها:
"لا أريد، إياك أن تقترب مني."
انقض عليها قابضًا على رسغيها بكل قوته، بينما عيناه لمعتا ببريق مخيف أنبأها بما ينتظرها.
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الخامس 5 - بقلم سارة علي
اندفعت نحو الحمام تغلق بابه خلفها بقوة تسقط على أرضيته تبكي بعنف وهي تحيط جسدها بذراعيها.
في كل مرة يحدث نفس الشيء، وفي كل مرة تنقذ نفسها منه بإعجوبة.
أحيانا تشعر إنه يتقصد ذلك، يرهبها منه ويجعلها تقاوم وتصرخ وتبكي حتى يستنفذ قوتها بالكامل، ثم يحررها فجأة دون أن يتمم علاقته بها.
إنه شيطان بحق، شيطان مريض لا يمتلك أي مشاعر أو ضمير، وهي وقعت في قبضته القاسية ووحدها من تنال من قسوته تلك ما لا يحتمل.
استندت على الأرضية بكفيها وهي تحاول النهوض من مكانها بوهن.
نهضت أخيرا لتجد صورتها تنعكس في المرآة أمامها بفستانها الممزق من الأعلى وشعرها المشعث ووجهها الباكي بإحمراره الشديد.
سارت بخطوات متخاذلة نحو المكان المخصص للاستحمام فبدأت تخلع ملابسها من فوقها ثم تلقي بجسدها أسفل الدوش البارد بعينين مغمضتين ووجه تجمدت ملامحه كليا.
أغلقت صنبور المياه ثم جذبت المنشفة حيث جففت جسدها وخرجت بعدما لفت المنشفة العريضة فوق جسدها.
خرجت من الحمام وإتجهت نحو طاولة التزيين حيث جلست أمامها وهي تفكر إن سيناريو كل يوم يتكرر.
لقد إعتادت على هذا الوضع بشكل يجعلها تشعر إنها مخلوق فارغ لا أهمية له في هذه الحياة.
لا تعرف مالذي فعلته لتعاني كل هذه المعاناة ومالذي ينتظرها من معاناة وألم أكبر.
هي لم تفعل أي شيء سوى إنها أحبت، أحبت بصدق وحاربت في سبيل حماية حبيبها.
حمايته من شر أخيه الذي لم يكتفِ بتدمير مستقبله وسجنه بل هددها بقتله وهي تعرف جيدا إنه يفعلها، فهو فقد ضميره وإحساسه بالكامل.
نهضت من مكانها واتجهت نحو السرير تلقي بجسدها عليه تنظر نحو السقف بشرود وأفكار متزاحمة كالعادة.
"أنتِ ابنة العم فاضل؟"
أومأت برأسها وهي ترد بخجل: "نعم أنا."
أومأ برأسه متفهما بينما سمعها تهتف بهدوء: "أشكرك على إنقاذي من هؤلاء الشابين، أنا ممتنة لك حقا."
أجاب بنفس الهدوء: "لا داعي للشكر يا انسة حياة، ما قمت به كان سيقوم به أي شخص مكاني."
أردف بجدية: "لكن من الأفضل ألا تمشي في مناطق فارغة كهذه في وقت متأخر."
"معك حق، هذه المرة الأولى التي أضطر بها لذلك، تأخر عملي قليلا فإضطريت الى العودة متأخرا."
كانت تتحدث رغم عدم استيعابها بعض لحقيقة وجوده.
لقد سيطر على أفكارها منذ أن رأته لأيام وشغل بالها كليا.
لا تذكر إن هناك شاب جذب إنتباهها على هذا النحو لكنه شيء آخر.
لقد استحوذ على عقلها وأفكارها تماما حتى إنه زارها في حلمها.
ذلك الحلم الذي ما زالت تتذكره بكل تفاصيله.
وجدته يسألها: "هل منزلك قريب من هنا؟"
أجابت سؤاله: "نعم المسافة قريبة من هنا."
أكمل متسائلا من جديد: "وكيف حال العم فاضل؟ لم أره منذ عودتي إلى الفيلا."
ردت بإبتسامة هادئة أظهرت غمازتيها الجذابتين: "إنه بخير الحمد لله، كان متعبا قليلا الفترة السابقة ولم يستطع ممارسة عمله."
قال بإهتمام: "ممَ يعاني بالضبط؟ مشاكل تنفسيه أليست كذلك؟"
أجابت بحزن ظهر على ملامح وجهها وفي عينيها لا إراديا: "رئتاه متعبتان للغاية، يعاني من صعوبة في التنفس وسعال مستمر بشكل دائم."
شعر بالقلق عليه فهتف بها: "شافاه الله وعافاه."
أضاف بعدها: "إذا إحتجتِ أي شيء لا تترددي لحظة واحدة في التواصل معي، وإذا تحتاجين إلى المال لنقله إلى..."
قاطعته بسرعة: "أشكرك كثيرا، الحمد لله أستطيع رعاية والدي جيدا كما أنني أجلب له جميع ما يحتاجه دون تقصير بأي شيء."
تنهد ثم قال: "العم فاضل غالي علي جدا وهو يهمني كثيرا ومن واجبي مساعدته إذا احتاج لشيء ما، لا تأخذي الأمر بحساسية من فضلك."
"أنا لا أفعل ذلك، أنا فقط أخبرك بإنه لا يحتاج شيئا."
قالتها بجدية ليخبرها: "أتمنى ذلك حقا، وأتمنى أيضا ألا تنسي ما قلته ولا تترددي في التواصل معي إذا ما احتجتي لشيء."
هزت رأسها دون رد ثم استعدت للإنصراف وهي تقول: "عن إذنك يا بك."
"إلى أين؟ لن تذهبي وحدك، سأوصلك أنا."
قالها بجدية وهو يقف جانبها لتعارضه: "لا داعي لذلك حقا، أستطيع الذهاب لوحدي."
قال بتصميم وهو يفكر إنه من غير المعقول أن يتركها تذهب إلى المنزل وحدها بعدما كان هناك شابان يحاولان التحرش بها منذ قليل: "لا يجوز ذلك، سأسير بجانبك حتى تصلي إلى منزلك."
أكمل عندما وجدها تهم بالإعتراض من جديد: "لن أقبل بأي اعتراض يا آنسة حياة، تفضلي أمامي هيا."
ضغطت على شفتيها كي لا ترد عليه لتجده يشير لها بالسير فتضطر إلى السير بجانبه اتجاه المنزل.
وصلا إلى المنزل بعد حوالي ربع ساعة.
فنظرت حياة إليه وهي تهتف: "هذا منزلي، أشكرك كثيرا على إيصالي."
أردفت بجدية: "تفضل إذا أردت."
هم بالرفض فلا رغبة لديه للحديث أو مجاملة أحد ولولا إن رجولته منعته من تركها لوحدها في الطريق ما كان ليأتي معها.
شعر بالحرج من أن يرفض دعوتها ومن أن يصل إلى هنا دون أن يرى العم فاضل، فالرجل يعرفه منذ سنوات طويلة، يحبه ويحترمه كثيرا.
كما إنه مريض للغاية لذا من الواجب أن يطمأن عليه ومن غير المعقول أن يصل إلى منزله ولا يراه ويطمئن على أحواله.
"هل العم فاضل مازال مستيقظا؟"
سألها لترد بسرعة: "نعم بالطبع، أبي لا ينام حتى عودتي من عملي."
"إذا سأدخل وأراه."
قالها بهدوء لتبتسم بخفة وهي تفتح الباب بالمفتاح لتدلف أولا ثم تخبره: "تفضل."
دلف إلى المنزل البسيط ليجدها تسير نحو إحدى الغرف حيث يوجد والدها هناك يجلس على أحد الكراسي ويقرأ القرآن.
"مساء الخير أبي."
قالتها وهي تلج إلى صالة الجلوس يتبعها نديم بحرج فيجد فاضل يتلو القرآن أمامه.
لحظات وأغلق فاضل كتاب القرآن الكريم ثم رفع وجهه متهيأ لاستقبال ابنته فيتفاجئ بنديم أمامه.
"نديم بك."
قالها فاضل بعدم تصديق قبل أن ينهض من مكانه ليرحب به فيتقدم نديم نحوه بسرعة وهو يقول: "اجلس مكانك يا عم، لا تتعب نفسك بالوقوف."
إحتضنه فاضل للحظة ثم ابتعد عنه يهتف بسعادة: "كيف تطلب مني ذلك وأنت في منزلي يا بك؟ الحمد لله على سلامتك يا بني."
ربت نديم على كتفه وهو يرسم ابتسامة مصطنعة على شفتيه بينما استوعب فاضل وجوده في منزله فنقل بصره بينه وبين ابنته بدهشة لتهتف حياة بسرعة: "نديم بك ساعدني في طريق عودتي حيث أنقذني من شابين يحاول سرقتي."
هتف فاضل بخوف شديد عليها: "وماذا حدث؟ هل آذوكِ يا حياة؟"
قاطعته حياة بسرعة تطمئنه: "إطمئن يا أبي، لقد رأني السيد نديم في الوقت المناسب وأنقذني منهما."
"أشكرك يا بني، أشكرك كثيرا."
قالها فاضل بملامح شديدة الامتنان ليبتسم نديم بخفة وهو يرد: "لا تشكرني يا عم، لم أقم سوى بواجبي."
"لولاك الله وحده يعلم ما كان سيصيب ابنتي."
كان يتحدث بذعر ليرد نديم بجدية: "لا سامح الله يا عمي، الحمد لله إنها بخير الآن."
"الحمد لله ألف مرة."
قالها فاضل مؤمنا إلى دعائه ثم أردف: "لم أدعُك للجلوس حتى الآن، تفضل اجلس يا بني."
قال نديم بجدية معتذرا عن البقاء: "اعذرني يا عم ولكنني مضطر للمغادرة فقد تأخرت كثيرا، أنا رغبت فقط برؤيتك والإطمئنان عليك."
"أنا بخير يا بني، أشكرك حقا على اهتمامك، حفظك الله ورعاك."
ربت نديم على كتفه من جديد ثم استأذن وغادر بعدما ودعه تتبعه حياة التي أوصلته إلى الباب لتهتف قبل أن يخرج: "أشكرك من جديد يا بك."
"عفوا يا آنسة."
قالها بتهذيب ثم ودعها ورحل تاركا إياها تتابعه بنظراته حتى اختفى تماما.
في صباح اليوم التالي.
خرج من غرفته متجها إلى الطابق السفلي.
هبط إلى الطابق السفلي ومنه إلى الباب ليخرج من داخل الفيلا عندما فوجئ بها تدلف إلى الفيلا فيرفع حاجبه وهو يلاحظ إحتداد ملامحها ما إن رأته أمامها في هذا الصباح الباكر.
كان آخر شيء تفضل رؤيته في يوم كهذا هو عمار.
لا ينقصها سوى أن تفتتح صباحها به.
سمعته يهتف بنبرة مستهزءة بعدما أخفض حاجبه: "أرى إن الآنسة مريم أصبحت تتردد بشكل مستمر عندنا هنا."
"أتردد هنا لأجل أختي، هل لديك مانع؟"
سألته بإقتضاب ليلتوي فمه بابتسامة خبيثة وهو يردد على مسامعها: "بالطبع لا، أهلا بك يا مريم هانم هنا في أي وقت، اعتبري الفيلا منزلك الثاني."
"شكرا، لدي منزلي والحمد لله."
قالتها ببرود ثم أضافت: "المهم أن تعتبرها أنت كذلك."
عقد حاجبيه يناظرها بصمت بينما تكمل هي بصوت ذا مغزى: "فأنت لم تكن معتاد على السكن هنا لسنين طويلة، ولا أظن إنك ستفعل خاصة بعد عودة نديم."
إسترسلت بخبث مقصود: "الأمر صعبا للغاية، ليس من السهل السكن في منزل واحد مع من كان خطيب زوجتك السابق وحبيب عمرها، كان الله في عونك فأنت تبذل طاقة كبيرة للتحمل بالتأكيد."
تأملها بملامح فارغة للحظات قبل أن تتفاجئ به يدفعها بقوة نحو الحائط محاوطا جسدها النحيل بجسده.
احتدت ملامحها وهي تصرخ به: "ما هذا الذي تفعله؟ إبتعد فورا."
قاطعها بإستفزاز: "لن أبتعد يا مريم، يعجبني هذا الوضع كثيرا فلمَ سأبتعد؟"
"كم إنك سافل ومنحط."
صاحت به وهي تحاول دفعه لتتجهم ملامحه وهو يهتف بقوة: "لسانك طويل يا مريمتي، نحتاج إلى تقصيره قليلا."
"لا تقل مريمتي، ولساني طويل مع من يستحق من أمثالك."
أخذ يتأمل ملامحها الجذابة بصمت امتد لثواني قبل أن تسمعه يهمس: "ملامحك فاتنة يا مريم."
أردف وهو يلاحظ ذهول ملامحها: "جميلة بل فاتنة، قوية وشرسة، جذابة ومختلفة."
أضاف وهو يلاحظ جمود ملامحها بعدم تصديق لما تسمعه: "لا أفهم كيف أنتِ وليلى أختان؟ أنتما تختلفان عن بعضيكما في كل شيء، في الشكل والشخص."
أكمل وهو يقرب أنفه من أنفها: "لكنك بالطبع تتفوقين عليها بالإثنين."
ضربته على صدره وهي تدفعه: "إبتعد أيها السافل الحقير."
أكملت وهي تجده يبتعد عنها أخيرا: "أنا أخت زوجتك يا نذل."
كانت تتحدث بملامح شاحبة لتجد إبتسامته تتسع تدريجيا حتى دوت ضحكاته عاليا.
تجهمت ملامحها كليا مما يحدث وهمت بالصراخ فيه أن يتوقف لكنه سبقها وهو يردد: "لا تقلقي يا مريمتي، بالطبع لا أعني ما قلته، كنت أجامل فقط لا غير، صحيح إنك جميلة للغاية ولكن."
صمت قليلا ثم أردف وهو ينظر إلى عينيها بقوة: "ولكنني لا أطيقك وأنت تعرفين هذا جيدا."
أكمل بإستخفاف: "يكفيني أختك يا مريم، لا ينقصني سوى انتِ."
"إذا كنت لا تطيقني مرة فأنا لا أطيقك مرات."
كان سيرد عليها لكنه قاطعه إتصالًا يخبره بسرعة: "عمار تعال ارجوك، جيلان تحتاجك، لقد توفي السيد حميد صباح اليوم."
دلف عمار إلى المنزل أخيرا ليجدها تستقبله فيسأل بإقتضاب: "أين هي؟"
ردت بجدية رغم حزنها الشديد: "في غرفتها، تبكي منذ الفجر، كان الله في عونها."
سألها بنفس اللهجة: "أين غرفتها؟"
"تفضل سأوصلك إليها."
سار خلفها حيث ارتقى درجات السلم متجها ورائها ليقف أمام باب غرفتها للحظات ثم يفتحها بعدما طرق بخفة عليها.
"جيلان."
ناداها بهدوء لتستدير نحوه تنظر إليه بعينيها الباكيتين للحظات قبل أن تركض نحوه ترمي بجسدها بين أحضانه وهي تردد بصوت باكي: "عمار، وأخيرا جئت، انتظرتك كثيرا."
إبتعدت عنه قليلا تنظر إلى ملامحه الجامدة وتردد بحزن شديد: "أبي تركني يا عمار، تركني إلى الابد، لم يتبقَ لي سواك يا عمار، لا يوجد لدي غيرك بعد الآن يا أخي."
تأمل ملامحها الباكية للحظات قبل أن يهتف بهدوء: "ستأتين معي."
"إلى أين؟"
سألته بعدم استيعاب فتجده يرد بنفس الهدوء: "سأخذك إلى شقتي حيث ستبقين هناك بعد الآن."
رفضت بسرعة: "لكنني لا أريد ترك منزلي هنا، لا أريد ترك منزل والدي يا عمار."
قاطعها بضيق ظهر على ملامح صوته ووجهه بوضوح: "هل ستبقين هنا لوحدك كي يتحكم بكِ أبناء عمومك كما يريدون؟"
أردف بجدية: "وجودك هنا سيجعلهم حولك طوال الوقت."
توقف عن حديثه وهو يسمع صوت خديجة مربيتها تخبره: "أبناء عمومتها في طريقهم إلينا، لقد اتصلوا بي منذ قليل وأخبروني بذلك."
إلتفت نحوها يسألها: "متى ستتم مراسيم الدفن؟"
أجابت خديجة: "انتهوا منها قبل قليل يا بك."
صاحت جيلان بصدمة: "قاموا بدفنه دون أن أحضر معهم المراسيم."
ردت خديجة بسرعة تحاول تهدئتها: "أنتِ كنتِ في حالة سيئة للغاية يا جيلان."
أشارت بعدها إلى عمار: "لقد أغمي عليها فورا ما إن علمت بالخبر وعندما استيقظت بعد مدة كانت منهارة بشكل تام ولم تتوقف عن البكاء لحظة واحدة."
هطلت دموع جيلان وهي تردد ببكاء: "لكنه أبي، كيف لا أحضر مراسيم دفنه؟"
إستدار عمار لها قائلا: "لقد حدث ما حدث يا جيلان، لملمي أغراضك وتعالي معي."
"ألن أحضر عزاء والدي أيضا؟"
هتفت بها بعدم تصديق ليضغط عمار على نفسه بقوة محاولا عدم إظهار غضبه منها ومن إلحاحها الزائد وهو يرد بصوت عادي: "لا تعاندي يا جيلان، من الأفضل ألا تتواجهي مع عائلة والدك فكلانا يدرك مدى حساسية الوضع بينكما."
"لا أريد ترك منزل والدي يا عمار، لا تجبرني على ذلك."
قالتها بنبرة باكية لتجده يصيح بها بصرامة: "نفذي ما قلته بسرعة ولا تعانديني وإلا تركتك لوحدك في مواجهتهم."
إنتفضت بخوف من نبرته فنظرت إليه بألم قبل أن تركض مسرعة نحو الحمام الملحق بغرفتها وتغلق الباب خلفها بعنف.
نظر عمار إلى خديجة يأمرها: "نفذي ما قلته حالا وأنا سأنتظركما في الأسفل."
هبط عمار إلى الطابق السفلي ليجد أبناء عمومها قد وصلوا بالفعل.
نظر الجميع إليه بصمت رغم عدم رغبتهم في وجوده بينما وقف هو في منتصف المكان يهتف بصوت بارد لا حياة فيه: "السلام عليكم، البقية في حياتكم."
رد أحدهم وهو كبير ابناء عمومته: "حياتك الباقية."
سأل أحدهم بلهفة: "أين جيلان؟"
رمقه عمار بنظرات احتدت قليلا وهو يجيب: "في غرفتها تتجهز للرحيل."
سأله عمها الأكبر: "أين ستذهب؟"
أجاب بهدوء: "ستذهب معي إلى منزلي."
هتف ابن عمها الأكبر من جديد: "إذا قررت ونفذت نيابة عنا يا عمار."
رفع عمار حاجبه مرددا بنفس الهدوء: "ألستُ أخيها الوحيد وأولى بها من الجميع يا راغب؟"
نهض راغب من مكانه يهتف بنفس الهدوء: "معك حق يا عمار، أنت أولى بها ولكن نحن أيضا أبناء عمومتها ومسؤولون عنها."
قاطعه عمار: "وأنا لم أنكر ذلك."
"لا داعي لخروج الفتاة من منزلها، هذا منزل والدها ومن الأفضل أن تبقى فيه معززة مكرمة."
كان هذا حديث عمها الصغير فتحدث عمار ببروده المعتاد ردا عليه: "جيلان ستبقى معززة مكرمة بكل الأحوال وبالطبع لن أتركها هنا لوحدها."
أضاف وهو يسير بأنظاره عليهم جميعا: "مكان جيلان معي، أنا أخوها، حتى تبلغ سنها القانوني على الأقل وعندما تكبر وتصل إلى مرحلة عمرية مناسبة ستقرر بنفسها حينها ماذا تريد."
"هل ستأخذها الآن؟ ألن تحضر عزاء والدها؟"
سأله ابن عمها الذي كان يسأل عنها منذ قليل بلهفة ليجيب عمار بإقتضاب: "الفتاة منهارة وبقائها هنا سيفاقم وضعها سوءا."
أكمل بجدية: "سآخذها في منزلي تستريح قليلا ثم آتي بها غدا كي تحضر اليوم الثاني من العزاء."
ألقى نظرة أخيرة عابرة ثم رحل تاركا إياهم يتابعونه بكره وعدم رضا لما يسمعونه لكنهم سيتركون هذه الأمور لوقتها المناسب فلا يجب افتعال المشاكل في هذا الوقت المحرج.
جلست حياة بجانب مي التي تحدثت قائلة: "تأخرتِ اليوم أيضا يا حياة وفاتتك محاضرة مهمة للغاية."
أضافت بعدها: "أعلم إن الأمر خارج عن إرادتك ولكنني لا أرغب بأن يفوتك شيء مهم ربما يؤثر على درجاتك النهائية."
هتفت حياة بحزن: "ماذا أفعل يا مي؟ الأمر خارج عن إرادتي، لا أستطيع ترك والدي والخروج قبل إيقاظه والإطمئنان عليه."
تطلعت مي إليها بشفقة وقالت: "حسنا لا تحزني نفسك، أنا آسفة، لم يكن علي التحدث هكذا."
قاطعتها حياة برفق: "لم يزعجني حديثك يا مي فأنتِ تقولين هذا لأجل مصلحتي."
أردفت وهي تتطلع أمامها بشرود: "سأبذل قصارى جهدي كي لا أتأثر بما يفوتني."
"سأساعدك أنا لا تقلقي."
قالتها مي بجدية لتبتسم لها حياة بإمتنان ثم تخبرها وهي تنظر إلى الأستاذ الذي دخل إلى القاعة: "لقد وصل دكتور ثامر، فلننتبه إليه جيدا."
ألقى ثامر التحية ثم بدأ في إلقاء محاضرته وحياة تدون ما يقوله بإنتباه شديد.
إنتهت المحاضرة فلملمت حياة أغراضها وهمت بالخروج عندما سمعت صوت ثامر ينادي عليها.
تقدمت نحوه بتردد فوجدته يسألها: "هل يمكنني الحديث معك قليلا يا حياة؟"
أجابت حياة بهدوء: "تفضل يا دكتور."
قال ثامر وهو يبتسم بهدوء: "الموضوع لا يمكن الحديث به ونحن واقفان هنا، هل يمكننا التحدث في المقهى القريب من الجامعة؟"
رفضت بإحراج ظهر على وجهها: "أعتذر يا دكتور ولكنني لا أستطيع الجلوس معك لوحدنا فهذا سيجلب الأنظار إلي."
اومأ برأسه متفهما ثم قال بجدية: "ووقوفنا هنا سيجلب الأنظار أيضا، إذا هل تأتين إلى مكتبي ونتحدث هناك؟"
خرج سؤاله الأخير متأنيا لكنه قوبل بعدم القبول: "بإمكانك أن تقول ما لديك يا دكتور ونحن واقفان هنا."
ابتسم مرددا: "لم أكن أتصور إنكِ عنيدة لهذه الدرجة يا حياة."
أردف بجدية وهو يلاحظ إحمرار وجنتيها لا إراديا: "حسنا سأتحدث هنا."
أخذ نفسا عميقا وقال: "أنا أرغب بالتقدم لخطبتك يا حياة."
نظرت إليه بذهول لحظي رغم إدراكها منذ مدة إنه هناك شيئا خاصا يحمله نحوها لكنها لم تتخيل أن يخطبها بهذه السرعة.
إبتسم بهدوء على نظراتها المندهشة فأكمل: "أنتِ فتاة جميلة ومحترمة وأنا أشعر بالإعجاب الشديد نحوكِ وأتمنى حقا أن تكوني من نصيبي."
شعرت بلسانها يعجز عن النطق بأي شيء بينما عقلها يحاول التركيز في الرد المناسب الذي ستقوله رغم كونه يخبرها بضرورة القبول فثامر رجل مثالي لا يرفض.
وقفت نانسي بسيارتها أمام الفيلا من جديد تنتظر خروجه على أحر من الجمر فهي ما زالت تظن إنه يسكن في الفيلا.
ظلت تنتظره لأكثر من ساعتين عندما وجدته يهبط من سيارة أجرة متجها إلى داخل الفيلا.
فهبطت من سيارتها تناديه بلهفة.
إلتفت نديم نحوها متغضن الجبين فتقدمت بملابسها شديدة الأناقة وهي ترسم ابتسامة خلابة على شفتيها المطليتين باللون الأحمر القاني.
جذبته نحوها تعانقه بشكل أحرجه هو كرجل ولم يحرجها كأنثى.
أبعدها عنه مرددا بغضب مكتوم: "مالذي تفعلينه يا نانسي؟"
هزت كتفيها ترد بلا مبالاة: "إشتقت إليك يا نديم."
زفر أنفاسه وهو يحاول السيطرة على غضبه منها ثم قال بجدية: "لا يجوز تصرفات كهذه يا نانسي، تعقلي قليلا من فضلك."
"هل تضايقت مني يا نديم؟"
سألته بحزن ظهر في مقلتيها الجذابتين ليتأفف داخله ثم يجيب بلباقة: "أتحدث هكذا لأجلك يا نانسي، لأجل منظرك."
سألته بفرحة ظهرت في مقلتيها بدلا من ذلك الحزن الذي سكنهما منذ لحظات: "حقا يا نديم؟ هل تهتم بي وبمنظري حقا؟"
رفع بصره نحو الأعلى بنفاذ صبر ثم أخفضه من جديد يسألها: "ماذا تريدين يا نانسي؟"
أجابت بجدية: "ألم تفهم بعد ما أريده يا نديم؟ نديم انا أحبك، كم مرة علي قول هذا؟"
"نانسي افهميني من فضلك، لقد أخبرتك مسبقا وسأخبرك مجددا، أنا لا أحبك، لم ولن أفعل."
أضاف بتروي وهو يلاحظ الدموع التي أغرقت عينيها: "أنتِ فتاة جميلة ورائعة، ألف شاب يتمنى الارتباط بمثلك."
"وأنت لست واحد منهم، أليس كذلك؟"
سألته بحنق ليجيب بتعقل: "فكري في الأمر يا نانسي، لستُ آخر رجل في العالم ولن تقف حياتك عندي، تجاوزي مشاعرك اذا ما كانت حقيقية."
"إنها حقيقية يا نديم، هل تشك حقا في ذلك؟"
سألته بصوت غاضب منفعل ليرد محاولا السيطرة على غضبها: "اهدئي يا نانسي ولا تفعلي هذا."
حاولت السيطرة على أنفاسها الهائجة وهي تسأل: "أخبرني بصراحة، ما سبب رفضك لمشاعري؟ ليلى أليس كذلك؟"
شعر بالإختناق منها ومن إصرارها على ما تفعله فهتف بنفاذ صبر: "نعم ليلى، هل ارتحتِ الآن."
إعتصرت كفها بقوة وقالت وهي تضغط على نفسها كي لا تنفعل في وجهه أو تقوم بتصرف غير محسوب: "لماذا تفعل ذلك؟ ألم تكتفِ بما فعلته بك؟ لقد تركتك وتخلت عنك."
قاطعها صائحا بلا وعي: "يكفي."
"ماذا يحدث هنا؟"
توقفت أنفاسه للحظة وهو يسمع صوتها وهي التي جاءت بعدما رأتهما بالصدفة البحتة وهي تخرج من الفيلا.
"أنتِ."
قالتها نانسي بغضب مخيف بينما تقدمت ليلى نحوها بغضب مشابه وهي تصيح بها: "مالذي تفعلينه هنا؟"
أشارت ليلى إلى نديم تسأله بضيق شديد: "مالذي تفعله هذه الفتاة هنا يا نديم؟"
وقبل أن يرد نديم كانت نانسي تصرخ عليها: "وما علاقتك أنتِ؟ هل تظنين نفسكِ ما زلتِ خطيبته..؟"
وقبل أن تجيب ليلى كانت نانسي تخبره بثقة: "أنا هنا معه بصفتي حبيبته وزوجته المستقبلية."
"ماذا؟"
صاحت ليلى بعدم تصديق بينما بهتت ملامح نديم بدهشة.
"أنتِ كاذبة، نديم لن يفعلها ويرتبط بواحدة مثلك."
قالتها ليلى بإنفعال لتستدير نحو نديم تصيح به بتوسل: "تحدث يا نديم، قل شيئا."
"ماذا تقصدين بواحدة مثلي؟"
سألتها نانسي وهي تحاول التقدم نحوها بينما وقف نديم بينهما محاولا السيطرة على الوضع مشيرا إلى نانسي: "يكفي يا نانسي، يكفي حقا."
قاطعته نانسي بعصبية: "دعها تخبرني أولا ماذا تقصد بواحدة مثلي؟"
"أقصد واحدة مختلة مثلك."
هتفت بها ليلى وقد أعماها غضبها وغيرتها لتجد نانسي تحمل صخرة صغيرة كانت جانبها وترمي بها على وجهها وهي تصرخ بلا وعي: "أنا مختلة أيتها الحقيرة."
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل السادس 6 - بقلم سارة علي
صرخ نديم برعب شديد ما إن شاهد الدماء تنفجر من جبينها. بينما شعرت ليلى بألم شديد، وأظلمت عينها اليسرى بسبب تساقط الدماء فوقها، حيث حجبت الرؤية عنها تمامًا.
لحظات قليلة وسقطت مغمى عليها، ليسارع نديم ويتلقاها بين أحضانه بخوف شديد.
هرعت نانسي نحو سيارتها وشغلتها بسرعة وهربت، بينما تقدم أحد حراس الفيلا من نديم أثرًا لصراخه. فوجد هذا المنظر الصادم، ليتقدم نحو نديم يسأله بقلق:
"ماذا حدث يا بك؟!"
صاح نديم به:
"اتصل بالإسعاف حالا…"
أومأ الحارس برأسه ووجهه مليء بالذعر عليها، ليجد نديم يحمل ليلى بين ذراعيه ويتجه إلى داخل الفيلا.
أشار نديم إلى الحارس الآخر وقد بدأ يستعيد وعيه ويسيطر على نفسه:
"اتبعني ودعهم يفتحون الباب…"
سبقه الحارس وهو يضغط على الجرس عدة مرات، لتفتح الخادمة الباب فتشهق بجزع من المنظر الذي تراه أمامها. اندفع نديم إلى الداخل متقدمًا نحو صالة الجلوس، حيث وضعها على الكنبة ممددًا إياها فوقها بتأني. ثم طلب من الخادمة أن تجلب له عطراً وبعض المناديل والبن.
سمع صوت والدته تهتف وهي تتقدم نحوهم:
"ماذا حدث يا نديم؟ ما بها ليلى؟!"
أجاب نديم دون أن ينظر إليها، حيث عيناه ما زالتا مرتكزتين على ليلى:
"حادث بسيط يا أمي…"
"اتصلت بالإسعاف يا بك.." قالها الحارس متقدمًا منهم.
لترد صباح بدهشة وقلق:
"هل حالتها تحتاج إلى المشفى يا نديم؟!"
أشار نديم إلى الحارس بجدية:
"لا داعي للإسعاف. لقد تحدثت بعجلة من شدة خوفي. فقط اتصل بالطبيب وأخبره إن جرحها عميق ويحتاج إلى خياطة.."
أومأ الحارس برأسه ثم انسحب خارجًا، بينما أخذ نديم يربت على وجه ليلى يحاول إفاقتها. جاءت الخادمة بالعطر وبقية الأشياء، فأخذ نديم المناديل الورقية منها بسرعة وأخذ يمسح بها الدماء قبل أن يضع الكثير من البن فوق مكان الجرح. أخذ بعدها العطر وبدأ يقربه منها عدة مرات علها تفيق.
أخذت ليلى ترمش بعينيها عدة مرات حتى بدأت تفتحهما تدريجيًا بضعف. فتحت عينيها أخيرًا فتجده أمامها ينظر إليها بخوف شديد واهتمام صادق.
"نديم..!" همستها بصوت ضعيف متوله.
ليأخذ نديم نفسه أخيرًا ثم يهتف براحة سكنت أعماقه:
"الحمد لله إنكِ بخير.."
ثم هم بالنهوض بعدما انتبه لوضعيته معها وقلقه الذي ظهر بوضوح صريح عليها، لكنها قبضت على كفه الذي كان يقرب العطر منها منذ لحظات وهي ترجوه رغم ألمها وضعفها:
"لا تذهب يا نديم… ارجوك…"
إرتفعت نبضات قلبه بعنف مخيف، وملمس كفها الناعم ونبرتها المترجية تضاعفان من شوقه وألمه. كم يتمنى البقاء معها في ظرف كهذا، لكنه يدرك مقدار خطأ هذا.
"سيأتي الطبيب بعد قليل يا ليلى.. إنه جرح بسيط لا تقلقي…" قالها برفق محاولًا تهدئتها والسيطرة على وضعها.
لكنها أضافت رغم شعور الألم الذي ظهر بوضوح على ملامحها الناعمة:
"لا تفعل يا نديم.. أنا أحتاجك…"
"انهض يا نديم… اتركها فربما يأتي زوجها بعد قليل…" قالتها والدته تحاول تنبيهه على ما يفعله.
بينما كلمة زوجها جرحت كيان ابنها بأكمله وجعلته يستيقظ من فورة مشاعره الهائجة. فدفع كفها وإنتفض واقفا مندفعا خارج الغرفة كمن تلاحقه شياطين العالم بالكامل.
"أعتذر يا دكتور ولكنني لا أفكر بالإرتباط حاليا…" قالتها أخيرا بعدما شعرت بعدم قدرتها على الموافقة. لم تفهم سبب ذلك، ولكن هناك شعور قوي داخلها يجعلها ترى إن الموافقة ستجلب لها الحزن والعذاب.
لطالما كانت معجبة بثامر ولطالما وجدته شابًا مثاليًا مختلفًا وذو أخلاق عالية، ولكن في الفترة الأخيرة هناك شيء ما تغير. لم تعد كالسابق وما عاد إعجابها مثل الأول. لقد بدأ إعجابها يخف كليًا، بينما عقلها لا يفكر سوى بشخص واحد، رأت صورته فقط وطُبِعت في ذاكرتها ملامحه وبات يسيطر على أفكارها كليًا.
"لماذا يا حياة…؟!" سألها بنبرة باهتة.
فردت بإحراج شديد:
"أعتذر يا دكتور ولكن لا يوجد سبب محدد لذلك… انا فقط لا أفكر بهذا الأمر حاليا…"
أومأ برأسه متفهمًا ولم يرغب بالضغط عليها رغم رغبته الشديدة لسماع موافقتها، لكنها أحبطت جميع آماله برفضها. ابتسمت حياة بخجل ثم إستأذنت منه وتحركت من مكانها وهي تفكر إنها مجنونة كي ترفض شخصًا مثل الدكتور ثامر، لكنها حقًا لم تستطع. فكيف تقبل عرضه وهناك آخر شغل بالها من صورة فقط لا غير؟!
آخر جمعها به لقاء واحد بالصدفة البحتة. لقاء جعلها تشعر إن هناك شيء خفي من وراءه، فربما القدر يخبئ لها الكثير معه حقًا، خاصة بعد ذلك الحلم الذي رآته وما زال يسيطر على تفكيرها.
كانت تسير بلا وجهة محددة عندما وجدت مي تقطع طريقها وهي تسألها بسرعة:
"ماذا قال الدكتور ثامر؟ تحدثي هيا…"
"طلب يدي يا مي…" قالتها حياة بنفس السرعة.
فتصرخ مي بسعادة، فتوقفها حياة وهي تؤنبها:
"ماذا تفعلين يا مي…؟! ستفضحيننا.."
ردت مي بلا مبالاة:
"ليس مهما… المهم أخبريني ماذا حدث ومتى الخطبة..؟!"
"آية خطبة يا مي.. لقد رفضت طلبه…"
اتسعت عينا مي بدهشة فسألتها بعدم تصديق:
"ماذا…؟! رفضتِ طلبه..؟! هل تمزحين يا حياة…؟!"
هزت حياة رأسها نفيا لتسألها مي بعدم استيعاب:
"لماذا..؟!"
ضمت حياة شفتيها بقوة للحظات ثم فتحت فمها بعدها وتحدثت تخبر صديقتها سبب رفضها الحقيقي.
دلف نديم إلى شقته بتعب. تقدم إلى الداخل بعدما أغلق الباب خلفه ورمى بجسده فوق الكنبة التي تتوسط صالة الجلوس. أغمض عينيه قليلا ثم فتحها وهو يتذكر ما حدث منذ قليل وكيف قاوم نفسه ورغبته الشديدة في البقاء بجانبها ودعمها ومحاولة تخفيف ألمها.
ما زال يحبها وتلك الحقيقة تقتله بقوة. لمَ لم ينسها ولمَ لم يكرهها؟! لمَ عليه أن يظل معلقًا بهواها بينما هي خانته وتخلت عنه وطعنته بالصميم؟! كم يتمنى لو يتحرر من قيد حبها، لو يخرج من ظلمات عشقها.
إعتدل في جلسته محاولًا السيطرة على مشاعره الهائجة بعدما حدث ورغبته القوية في الكثير من الأشياء التي لا يستطيع فعلها. سمع صوت جرس الباب يرن فنهض من مكانه متجها نحو الباب. فتحه فوجد غالية أمامه تبتسم له بهدوء وهي تقول:
"من الجيد إنني وجدتكَ هنا…"
ثم تقدمت نحوه تحتضنه وهي تقول:
"إشتقتُ إليك يا نديم…"
إحتضنها نديم بدوره وهو يشعر بالحاجة الشديدة لوجود أي أحد بجواره. إبتعدا عن بعضيهما بعد لحظات، فتقدمت وهي تحمل أكياسًا معها بعدما وضعتها جانبا ثم حطتها على الطاولة الموضوعة في صالة الجلوس وهي تقول بحماس:
"لقد جلبت الطعام لكلينا…"
أغلق الباب وتقدم منها ليجدها تقبض على كفه وتجره خلفها. حيث جلست معه على الكنبه وقالت:
"ما أخبارك اذا..؟!"
رد بفتور:
"عادي… كل شيء يجري بشكل عادي لا حياة فيه.."
نظرت إليه بحزن ثم قالت:
"لا بأس يا نديم… كل شيء في بدايته صعب لكن حتما ستتخطى كل هذا وتخرج من ضيقك…"
منحها إبتسامة باهتة لم تصل إلى عينيه، بينما أخذت هي تفتح الأكياس وتخرج الأطعمة منها وتخبره أن يتناول الطعام معها. بدئت يتناولان طعامهما سويا عندما هتف نديم فجأة متسائلا:
"أخبريني يا غالية… كيف تم زواج عمار من ليلى…؟! يعني هل حدث الموضوع فجأة…"
إبتلعت غالية لقمتها بشكل كاد أن يجعلها تختنق وإلتفتت نحوه تسأله بتوتر:
"لماذا تسأل..؟!"
رد وهو يضع طعامه جانبا:
"يهمني أن أعرف… هل حقا ما قلتيه…؟! هل تزوجته لأجل إنقاذ والدها من الإفلاس..؟!"
أومأت غالية برأسها وهي تجيب بصدق:
"نعم… لقد أوشك زوج خالتك على إعلان إفلاسه عندما عرض عمار عليه الزواج من ليلى مقابل مشاركته في نصف أسهم شركته…"
"وهي بالطبع لم تتردد لحظة واحدة في الموافقة…" قالها نديم بتهكم مرير.
لتهتف غالية بهدوء رغم ألمها الشديد عليه:
"لا أعلم ما حدث وقتها وكيف وافقت لإنني لم أستطع التدخل… عمار كان صارما معي وهذا سبب عدم تقبلي له منذ ذلك الحين… لكنني أعلم إن ليلى مجبرة على كل هذا… هي لم ترغب بالزواج منه ولن تفعل يومًا…"
ردد بصوت هازئ:
"لم يعد يفيد هذا الحديث يا غالية…"
تنهدت غالية وقالت بصوت جاد:
"اسمعني يا نديم… رغم إنني قاطعت ليلى بعد زواجها من عمار وإستمريت في إسلوبي الجاف معها حتى الآن ورغم كل شيء لكنها لم تكن سوى ضحية.. لا تلقي اللوم بالكامل عليها يا نديم.. ليلى تعشقك يا نديم… رغم كل شيء هي تعشقك وما زالت تتمنى قربك.. أنا صديقتها المقربة منذ الطفولة وأدرك هذا… لكن…"
صمتت قليلا تتأمل ملامحه التي تجمدت كليا فأكملت بصراحة:
"لكنها لم تعد لك… هي الآن زوجة أخيك وعليك تقبل هذا… ليلى ليست لك يا نديم ولن تكون… حتى لو جاء يوم وتركها عمار فهي لم تعد تناسبك بتاتا.. أنت تفهم علي بالطبع..؟!"
هز رأسه دون رد، بينما قبضت غالية على كفه تتوسله:
"إنساها يا نديم… إنسى ليلى وإبدأ من جديد… أنت تستحق بداية جديدة… ولا تعلم ربما ستجد ما يعوضك عنها وعن كل ما فقدته…"
تشكلت إبتسامة متهكمة على شفتيه وهو يردد:
"هل تمزحين يا غالية..؟! بداية جديدة وتعويض جيد وماذا بعد…؟! هل سمعت يوما عن أحدٍ إزدهرت حياته بعد خروجه من السجن..؟! أنتِ تدركين جيدا ما حلَّ بي يا غالية فلا داعي للكذب وإختلاق مستقبل أفضل لي.."
نظرت إليه بصمت، بينما حمل هو طعامه من جديد وقال محاولا تغيير الموضوع:
"تناولي طعامك هيا…"
مساءا.. دلفت صباح إلى غرفة ليلى بعدما طرقت الباب وسمحت لها ليلى بالدخول. إعتدلت ليلى في جلستها ما إن رأت خالتها تتقدم نحوها، بينما قالت صباح بسرعة:
"ابقي كما انتِ يا ليلى… جئت لغرض الإطمئنان عليكِ فقط…"
إستندت ليلى بظهرها على السرير وهي ترد:
"انا بخير الحمد لله.. لا تقلقي يا خالتي…"
جلست صباح على طرف السرير وهي تقول:
"الحمد لله على سلامتك يا ابنتي…"
شعرت ليلى بسعادة شديدة من إهتمام صباح بها. سعادة أُضيفت إلى سعادتها عندما إستيقظت وتذكرت لهفة نديم عليها وهو يتلقاها بين أحضانه وعندما علمت كيف سارع لمداواتها ومدى خوفه وهلعه عليها من الخادمة.
تلك المشاعر القليلة التي عاشها نديم بسببها أحيت قلبها من جديد. هي لم يكن لديها أي شك في كونها ما زالت تسكن روحه وقلبه وإنه ما زال يهيم بها كالسابق، لكنها كانت تخشى من جفاءه الصريح وقسوته وكتمانه لكل هذه المشاعر. اليوم وما حدث معها أجبره على إظهار مشاعره التي كتمها منذ خروجه. تلك المشاعر التي إشتاقت لها بشدة. اليوم ظهر حبه وخوفه عليها وكم تمنت لو بقي بجانبها حتى تداوت كليا، لكن ما باليد حيلة.
نظرت ليلى إلى خالتها وقالت بإبتسامة سعيدة:
"أشكرك يا خالتي حقا…"
أردفت وهي تتقدم بجسدها قليلا نحوها تقبض على كفها وتهتف بها:
"لو تدركين مدى سعادتي بقدومك إلي ورغبتك بالإطمئنان علي…"
ربتت صباح بكفها الآخر على يدها وقالت بجدية:
"مهما حدث ستظلين إبنة اختي يا ليلى ومعزتك غالية عندي…"
نظرت إليها ليلى بإمتنان وقالت بلهفة ظهرت صريحة على ملامحها:
"أريد أن اشكر نديم أيضا فهو أنقذني أولا…"
قاطعتها صباح بهدوء:
"لا داعي للشكر يا ليلى… هو لم يفعل سوى واجبه…"
صمتت لوهلة ثم أضافت بجدية:
"المهم ألا تجعلي ما حدث يؤثر عليكِ او يولد آملا كاذبا داخلك…"
بهتت ملامح ليلى للحظات فسألتها:
"ماذا تقصدين يا خالتي…؟!"
ردت صباح بنفس الجدية:
"أقصد إن ما حدث كان طبيعيا… نديم تعامل معكِ مثلما كان سيتعامل مع أي شخص مكانك…"
إسترسلت هذه المرة بقسوة:
"لا تجعلي ما حدث يجعلك تظنين إنه من الممكن أن يعيد المياه الى مجاريها… أنتِ متزوجة يا ليلى… ونديم أخ زوجك… وهذه العلاقة الوحيدة بينكما ولا وجود لغيرها…"
أضافت بنفس القسوة:
"انسي نديم يا ليلى… انسيه تماما… أقول هذا لأول مرة وبصراحة شديدة…لا أريد منكِ أي محاولة للتقرب منه مهما حدث… إبني يحاول أن ينسى الماضي بكل ما فيه ويبدأ من جديد فلا تتسببي في تخريب محاولاته تلك من فضلك…"
"أنتِ تقسين عليَّ كثيرا يا خالتي…" قالتها ليلى بدموع حارقة تشكلت داخل مقلتيها.
فأشاحت صباح وجهها بعيدا عنها وقالت ببرود:
"أنا أحاول حماية ابني والحفاظ عليه…"
"تحمينه مني..؟! مني انا يا خالتي..؟!" سألتها ليلى بعدم تصديق.
لتنظر صباح نحوها مرددة بقوة:
"نعم منكِ.. حبكِ يؤلمه، يؤذيه ويدمره… أنا لا أريد لإبني أن يتدمر أكثر بسببك…"
أردفت غير مبالية بدموعها التي تساقطت على وجنتيها:
"اتركيه يا ليلى… أنتِ إخترتِ حياتك وتزوجتِ من عمار.. دعيه هو أيضا يعيش حياته ويجد من يعوضه عما عاشه…"
"أنتِ تعرفين إنني كنت مجبرة عل عمار يا خالتي…" قالتها ليلى بصوت باكي.
لترد صباح بهدوء:
"حتى لو… سواء كنتِ مجبرة أو لا… لقد تحطم قلب ابني وفقد روحه كليا يا ليلى…"
"وماذا عني..؟! ألم يتحطم قلبي وأفقد روحي يا خالتي..؟!"
"أنتِ من إخترتِ ذلك وعليكِ تحمل خياركِ يا ليلى…" قالتها صباح بجدية وهي تنظر إليها بقوة شديدة.
نهضت من مكانها أخيرا تهتف بهدوء:
"لقد قلت ما عندي واتمنى أن تسمعي كلامي وتنفذيه يا ليلى…"
رحلت بعدها تاركة ليلى تبكي كالعادة ولا تجد من يواسيها.
بعد مرور إسبوعين.. وقفت حياة في المطبخ تعد طعام الإفطار لوالدها الذي أصر على الذهاب لعمله منذ يومين بعد تحسن صحته. بالرغم من رفضها الشديد في بادئ الأمر ومحاولاتها لمنعه عن ذلك، لكنه أصر وبقوة وفي النهاية إضطرت للقبول خاصة عندما شعرت بنفسيته تستاء بسبب بقاءه في المنزل وحيدا أغلب الوقت.
حملت صحن البيض ووضعته في الصينية ثم اتجهت نحو الطباخ وحملت إبريق الشاي بعدما أطفأت النار تحته. صبت لهما الشاي وحملت الصينية بعدها تتجه الى الخارج لتجد والدها على أتم الإستعداد للذهاب كعادته في اليومين السابقين.
ابتسمت وهي تتقدم نحوه وتضع الصينية على الطاولة أمامه وتقول:
"تفضل الفطور يا أبي.."
"سلمت يداكِ يا حياة.." قالها فاضل وهو يتناول كوب الشاي خاصته ويرتشف منه القليل.
جلست حياة بجانبه وبدأت تتناول طعامها. وعندما إنتهيا من تناول إفطارهما ودعها والدها ورحل فورا، بينما حملت هي الصينية ونظفت الصحون جيدا قبل أن تخرج بدورها من المنزل متجهة الى الجامعة.
كانت تسير بخطوات سريعة قليلا نحو موقف الحافلات. صعدت إحدى الحافلات التي سوف توصلها الى منطقة قريبة من جامعتها حيث تكمل بقية الطريق سيرا على الأقدام.
بعد مدة من الزمن ليست بقصيرة وصلت حياة الى الجامعة، فإتجهت بسرعة إلى قاعة المحاضرات كي لا تتأخر عن المحاضرة الاولى. كانت تسير بسرعة شديدة عندما إصطدمت بأحدهم، فرفعت وجهها لتجده ثامر. شعرت بالإحراج، فأخذت تعتذر بشدة، حينما إبتسم لها بهدوء وهو يقول:
"حسنا يكفي لا داعي لكل هذا الإعتذار.."
ردت بخجل:
"حسنا…"
همت بالتحرك لكنه أوقفها يسألها بإهتمام:
"كيف حال والدك الآن..؟!"
أجابت وهي تخفض بصرها قليلا:
"بخير الحمد لله… أصبح أفضل بكثير حتى إنه عاد يمارس عمله…"
هم بالحديث محاولا إطالة الحوار معها عندما رن هاتفها فحملته وأجابت عليه لتصيح فجأة عندما أخبرها شاب إن والدها أغمي عليه وتم نقله إلى المشفى.
"ماذا حدث يا حياة..؟!" سألها ثامر بفزع.
لتجيب بصوت مرتجف باكي:
"أبي في المشفى…"
ثم ركضت مسرعة خارج الجامعة، يلحق بها ثامر الذي أوقفها يخبرها إنه سيوصلها إلى المشفى بنفسه، فوافقت بسرعة على عرضه وركبت السيارة معه حيث إتجها سويا إلى المشفى التي أخذت عنوانها من المتصل.
كان نديم يقف خارج الغرفة التي إستقر بها فاضل بعد تحسن حالته. يجري إتصالا مع والدته يخبرها بتحسن وضعه ويطمأنها عليه. كان قد ذهب مبكرا إلى والدته حيث طلبت رؤيته. وما إن وصل إلى الفيلا حتى وجد فاضل منهك القوى وعلى ملامحه يسيطر التعب. لحظات قليلة كان يسأله عن حاله وأغمي عليه ليقله مع أحد حراس الفيلا إلى المشفى.
"لا تقلقي يا أمي.. سأبقى معه حتى تأتي ابنته وأطمئن من الطبيب عليه مرة أخرى…" قالها نديم بصوت جاد.
عندما انتبه إلى حياة التي تتقدم راكضة نحوه وخلفها ثامر، فهتف بسرعة:
"حسنا سأغلق الآن…"
أغلق الهاتف بعدها، بينما توقفت حياة أمامه لاهثة تسأله بإنفاس مقطوعة:
"ماذا حدث لأبي..؟! كيف هو وضعه..؟!"
أجابها نديم محاولا تهدئتها:
"اهدئي يا آنسة… والدك بخير وهو بوضع أفضل الآن…"
"أين هو..؟! أريد أن أراه…" قالتها بتوسل وعينين باكيتين.
ليقول نديم بسرعة وهو يشير إلى الباب جانبه:
"هو في الداخل.. ادخلي إليه وإطمئني…"
دلفت مسرعة إلى الداخل، بينما نظر نديم إلى ثامر مستغربا قليلا لكنه رحب به:
"اهلا تفضل.."
عرف ثامر عن نفسه:
"انا ثامر حمدان… أستاذ حياة في الجامعة…"
هز نديم رأسه بتفهم وقال بهدوء:
"اهلا وسهلا بك…"
سأله ثامر بفضول لم يستطع منعه:
"هل أنت قريبها..؟!"
أجاب نديم بنفس الهدوء:
"لست قريبها ولكن بيني وبين عمي فاضل معرفة قديمة…"
اومأ ثامر برأسه متفهما ثم قال:
"ماذا قال الطبيب..؟! هل وضعه خطير لا سامح الله..؟!"
أجاب نديم بجدية:
"يحتاج إلى فحوصات دقيقة كي نعرف مدى خطورة وضعه… سيقوم الطبيب بجميع الفحوصات اليوم…"
"ستكون الفحوصات سليمة ان شاءالله…" آمن نديم على دعائه.
ثم عاد ينظر أمامه منتظرا خروج حياة كي يخبرها بضرورة الفحوصات.
خرجت حياة بعد لحظات وهي تهتف بصوت باكي:
"ماذا قال الطبيب..؟! إنه فاقد الوعي تماما…"
هتف نديم محاولا بث الطمأنينة داخلها:
"هو ليس فاقدا للوعي يا انسة… إنه فقط نائم بسبب الأدوية التي أخذها…"
أضاف بجدية:
"الطبيب يقول إنه يحتاج إلى فحوصات دقيقة للإطمئنان عليه…"
أكمل بنفس الجدية:
"أخبرته أن يقوم بجميع الفحوصات المطلوبة اليوم كي نطمئن عليه بأسرع وقت…"
نظرت حياة إليه للحظات وهي تفكر إن والدها تم نقله في مشفى خاص، وبالطبع الفحوصات ستكلف الكثير وهذا شيء يفوق قدرتها. أرادت أن تطلب منه أن يتركها تتصرف بشأن الفحوصات حتى تدبر المبلغ اللازم على الأقل، لكنها شعرت بالإحراج من وجود ثامر. إضطرت حياة إلى الصمت حتى يذهب ثامر وتتحدث معه.
نظرت حياة إلى ثامر وهي ترسم إبتسامة شاحبة على ثغرها وقالت بإمتنان:
"أشكرك حقا يا دكتور على توصيلك لي…"
رد ثامر وهو يبتسم بصدق:
"لا تقولي هذا يا حياة… لم أقم سوى بواجبي…"
أردف بعدها:
"شافى الله والدك وعافاه من كل مرض…"
آمنت على دعائه وأكملت:
"شكرا حقا يا دكتور…"
شعر ثامر بإنه لا داعي من وجوده بعد الآن فقال بتردد:
"إذا إحتجتِ لأي شيء فلا تترددي بالتواصل معي… أعرف الكثير من الدكاترة بحكم مجال عملي يستطيعون مساعدتك في علاج والدك…"
شكرته حياة ممتنة فتحدث أخيرا:
"حسنا سأذهب الآن… سأتواصل معك مساءا واطمئن عليه…"
رحل بعدها تاركا حياة مع نديم، حيث نظرت إليه وقالت:
"أشكرك حقا يا بك على ما فعلته مع والدي حتى الآن… أنا سأتولى بقية الأمور…"
شعر بشيء ما من وراء حديثها فسألها بتعجب:
"ماذا تقصدين بحديثك هذا يا آنسة..؟! أخبرتك إن طبيب العائلة سيتولي كل شيء ويتصرف بالشكل المطلوب بشأن حالته…"
ردت بجدية سيطرت على محياها الرقيق:
"لا داعي لذلك… أنا سأتصرف بشأن وضعه وأقوم بالفحوصات المطلوبة له…"
سألها بعدم فهم:
"ما الفرق إذا…؟! لماذا لا تريدين أن يجري طبيبنا الفحوصات له لا أفهم..؟!"
وضعت حرجها جانبا وهي تخبره:
"لإن المستشفى هنا غالية وتكاليف الفحوصات عالية جدا وأنا لا أملك التكاليف حاليا…"
هز رأسه مرددا بعدم تصديق:
"أنتِ تمزحين بالطبع… آية تكاليف بالله عليكِ..؟! هل طلب أحدهم منكِ التكاليف..؟! أنا سأتصرف بكل شيء…"
قاطعته بضيق شديد:
"عفوا.. انا ابنته وأولى منك بذلك… أشكرك على ما قلته وتنوي فعله لكن إترك لي هذا الأمر من فضلك…"
تكلم وقد بدأ يفقد صبره الطويل:
"اسمعيني يا آنسة الموضوع لا يحتاج المماطلة أبدا… والدك في وضع مزري ويحتاج إلى رعاية جيدة وفحوصات سريعة وهذا لن يتوفر في مستشفى حكومي إعتيادي أبدا…"
ردت بتأكيد:
"لن أضعه في مشفى حكومي.. سأضعه في مشفى خاص ولكن بعدما أجمع تكاليف المشفى…"
"وهل سننتظر حتى تجمعي حضرتكِ تكاليف المشفى ونترك والدكِ يعاني من تبعات مرضه..؟!" قالها بغضب مكتوم.
فصمتت ولم تستطع الرد وهي تشعر بالألم على والدها لتسمعه يكمل بقوة:
"اتركي والدك هنا من فضلك فالجميع سيهتم به ويقوم برعايته بالشكل المطلوب…"
نظرت إليه بعدم رضا وقالت:
"لا أستطيع.. انا لن أقبل أن يتعالج والدي بالإحسان…"
أضافت بعدها بصوت رصين:
"أنا سأتـدبر أمر تكاليف المشفى بنفسي…"
قاطعها بشدة:
"افعلي ما تشائين ولكن المهم حاليا أن يجري العم فاضل فحوصاته اليوم كي نطمئن عليه…"
وأمام شدته وإصراره لم تستطع سوى القبول مرغمة.
أغلقت صباح الهاتف مع نديم بعدما أنهت مكالمتها معه فوجدت ليلى تقف عند الباب تنظر إليها بصمت غريب.
"ماذا يحدث يا ليلى..؟! لماذا تنظرين إلي هكذا..؟!" سألتها صباح بتعجب.
فتقدمت ليلى نحوها وجلست بجانبها وقالت بهدوء:
"أريد التحدث معك خالتي…" ثم أضافت بضعف:
"أحتاج إليكِ بشدة…"
شعرت صباح بالقلق عليها فسألتها:
"ماذا يحدث يا ليلى..؟! تحدثي…"
نظرت ليلى إليها بملامح شاحبة وردت:
"أنا متعبة للغاية يا خالتي.. متعبة ولا أجد من يريحني قليلا من تعبي…"
شعرت صباح بالشفقة نحوها وتأنيب الضمير أيضا، فهي قست عليها كثيرا رغم كونها تعرف مدى حبها لإبنها. تحدثت صباح محاولة دعمها:
"ما بكِ يا ليلى…؟! ممَ متعبة يا ابنتي..؟!"
"أشتاق لنديم يا خالتي.. أشتاق إليه كثيرا وأحتاجه كثيرا…" كانت تتحدث بصوت مبحوح وعينين حمراوين.
هتفت صباح بجدية:
"لا تفعلي يا ليلى… لا تفعلي يا ابنتي… ألم أطلب منك نسيانه…؟! تجاوزه…؟! ألم نتفق على هذا..؟!"
هزت رأسها نفيا بعنف وهي تردد بصعوبة:
"حاولت.. أقسم لكِ إنني حاولت مرة وإثنان وثلاثة لكنني لم أستطع…. نديم هو روحي يا خالتي والمرء لا يستطيع العيش دون روحه…"
"كلا يا ليلى… تستطعين ذلك… أنتِ فقط من تصرين على عدم التجاوز… اسمعيني يا ليلى… اسمعيني من فضلك… النسيان والتجاوز هو الحل الأفضل لكم جميعا… أنتِ إمرأة متزوجة ولديكِ زوجكِ…"
قاطعتها ليلى بصوت باكي:
"أنا مجبرة على ذلك وأنتِ تعلمين هذا جيدا…"
أومأت صباح برأسها وهي تضغط على كفها تخبرها:
"أعلم إنكِ مجبرة ولكنكِ إخترتِ هذا… إخترتِ أن تنقذي عائلتك من الإفلاس مقابل الزواج من عمار…"
نظرت ليلى إليها بألم وهي تتمنى لو تخبرها الحقيقة. سمعت صباح تكمل:
"كان الخيار أمامك يا ليلى… إنقاذ عائلتك والتخلي عن نديم او انتظاره وترك عائلتكِ لمصير الإفلاس… وأنتِ إخترتِ وعليكِ أن تتحملي نتيجة اختيارك…"
إبتسمت ليلى بألم وهي تقول:
"كلا يا خالتي… أنا لم يكن لدي حرية الإختيار كما تظنين… أنا كان أمامي خيار واحد لا غير…"
أردفت بشرود لحظي:
"ليت الأمر كان يتعلق بإفلاس عائلتي حقا.. لكن الأمر أصعب من هذا بكثير.. سأخبرك يا خالتي… سأخبرك فأنا لم يعد بمقدوري التحمل…"
سألتها صباح بتوجس:
"ماذا تقصدين يا ليلى..؟!"
نظرت ليلى إليها بملامح متوجعة وقالت برغبة شديدة بمشاركة أوجاعها وألامها مع أحدهم:
"لقد هددني عمار يا خالتي… هددني بحياة نديم…"
إنتفضت صباح من مكانها تصيح بعدم تصديق:
"ماذا تقولين انتِ..؟!"
هزت ليلى رأسها وهي تنهض من مكانها بدورها مؤكدة ما تقوله لتكمل:
"عمار هو من تسبب بسجن نديم… نعم يا خالتي.. هو من لفق له تلك التهمة وهو من هددني بقتله داخل السجن اذا رفضت الزواج منه ولم يكتفِ بهذا فهو ما زال يهددني بقتله اذا ما طلبت الطلاق…"
حل الصمت المطبق بينهما وصباح سيطر الوجوم على ملامحها للحظات بدت لها طويلة حتى تحدثت أخيرا بهدوء مريب:
"كنت أعلم… ربما لم أسمعها صريحة لكنني كنت أعلم إنه المتسبب بكل هذا…"
هتفت ليلى بعدم تصديق:
"كنت تعلمين حقا يا خالتي…؟! أنا لا أصدق…"
"بلى صدقي يا ليلى… لست غبية كي لا أدرك إن عمار هو من تسبب بحبس ولدي… نديم لا أعداء لديه سواه…"
أطلقت تنهيدة طويلة وقالت:
"لطالما كان عمار يكرهه ويحقد عليه ولطالما خفت من كرهه هذا… لطالما كنت أعلم داخلي إنه يضمر له شرا مخيفا ولكن ماذا بوسعي أن أفعل…؟! عندما حدث ما حدث أدركت إنه وراء ذلك وحاولت سرا أن أجد أي شيء يثبت هذا لكنه كالشيطان يعرف جيدا كي يبعد نفسه عن الصورة تماما… هل تظنين إنني لم أحاول مرارا كشف حقارته ونذالته ولكنني أفشل في كل مرة..؟!"
"عمار..!! إنه شيطان حقير لا يمتلك إحساس ولا ضمير…" قالتها ليلى بحقد نابع من أعماقها.
بينما وجدت صباح ترجوها:
"المهم لا تخبري أحدا بهذا.. لا أريد لأي أحد أن يعلم الحقيقة…"
"لقد كتمت هذا السر داخلي فأنا لا أضمن ردة فعل نديم تجاهه عندما يعلم إنه وراء حبسه خاصة إنه لا يوجد لدي دليل ملموس على ذلك ولكن أنا حقا لم أعد أستطيع الإستمرار مع عمار… أشعر بإنني سأموت كبتا إذا بقيت معه أكثر…"
"اسمعيني يا ليلى… أنا لا أستطيع أن أجبرك على البقاء مع عمار مهما حدث ولكن كما أخبرتك مسبقا إبتعدي عن إبني ولا تحشريه فيما بينك وبين عمار…"
"لا أرغب بذلك طبعا ولكن…" توقفت عن حديثها للحظة ثم أكملت:
"ولكن الى متى سأبقى هكذا..؟! نديم يكرهني وأنا…"
قاطعتها صباح بقوة:
"نديم لا يجب أن يعرف أي شيء يا ليلى… أي شيء.. هل فهمتِ..؟!"
أومأت ليلى برأسها دون رد وهي تشعر بالإختناق الشديد وألم قوي يكبل قلبها وروحها المملوئين بالحسرة.
دلف عمار إلى شقته التي وضع أخته بها منذ إسبوعين. إستقبلته مربيتها بترحيب وهي تخبره إنها نائمة في غرفتها، فطلب منها إيقاظها لرؤيتها. تقدم إلى صالة الجلوس وجلس عليها متأملا الشقة الفارهة التي إختارها خصيصا لتبقى جيلان بها، عندما وجد جيلان تتقدم نحوه بعدما ألقت التحية بإقتضاب.
نهض من مكانه يهم بإستقبالها وهو يهتف:
"لم أكن أعلم إنكِ تستيقظين بسرعة هكذا…"
ردت وهي تجلس على الكرسي المقابل له:
"إستيقظت منذ مدة وبقيت في سريري…"
"كيف حالك..؟!" سألها بجدية.
لتلوي فمها بإبتسامة متهكمة وهي ترد:
"رائع…"
نظر إليها وسأل من جديد:
"هل تحتاجين شيئا ما..؟!"
صاحت وقد بلغ ضيقها منه ذروته:
"كلا لا أحتاج… وإذا جئتَ لأجل هذين السؤالين المعتادين فلا تتعب نفسك لإنني لا أحتاج شيئا منك وبإمكانك أصلا أن تسأل هذين السؤالين عن طريق الهاتف.. سيكون أسهل لك حقا…"
صدح صوته بصرامة:
"لا ترفعي صوتك اولا.. ثانيا لا تتحدثي بهذا الإسلوب مرة أخرى معي وإلا…"
قاطعته وهي تنهض من مكانها بعصبية:
"وإلا ماذا..؟! ماذا ستفعل مثلا..؟!"
أردفت بنبرة حزينة:
"أنا لا أفهم لماذا جلبتني عندك طالما إنك لا تنوي البقاء معي… ؟! أنا لا أراك سوى مرة كل اسبوع… تزورني لدقائق معدودة وترحل… طالما إنك مشغول الى هذه الدرجة لماذا طلبت تولي مسؤوليتي..؟!"
رد مستنكرا:
"انا لا أفهم سبب كل هذا الحديث…هل تحملي مسؤوليتك يكمن في البقاء بجانبك طوال اليوم ورعايتك.. هل قصرت معكِ في شيء منذ مجيئي..؟! هل طلبتِ مني شيء ولم أجلبه لكِ..؟!"
ردت بقوة:
"هل تظن إن رعايتي تقتصر على تنفيذ طلباتي فقط… سأكررها من جديد.. طالما إنك مشغول لدرجة كبيرة ولا وقت لديك لي، لماذا لم تتركني في منزل والدي..؟! "
قاطعها بتهكم:
"أترككِ هناك كي يتحكم أعمامك وأبنائهم بكِ… هل كنتِ سترتاحين حينها..؟! "
تكونت الدموع داخل عينيها وهي تشعر بمدى وحدتها وقلة حيلتها. هي لم تكن تريد منه الكثير… كانت تريد منه اهتمام… حب أخوي صادق… كانت تريد أن يعوضها فقدانها لوالديها وهي ما زالت في هذه السن الصغيرة… لكنها فوجئت بلا مبالاة صريحة منه، فهو تركها في هذه الشقة الراقية ولم يقم بزيارتها سوى مرتين، حيث يسألها عن أحوالها وإحتياجاتها ويتركها. سائقه يجلب لها طلباتها وهو لا يفعل شيئا صغيرا حتى يثبت اهتمامه. هي تجلس وحيدة بين جدران الشقة مع مربيتها تحارب فراغها ومللها بالكثير من الأشياء لكنها تفشل، فلا يوجد شيء قادر أن يلهيها عن كل هذا.
نظرت إليه بتخاذل فوجدته يزفر أنفاسه وهو يهتف بضيق:
"اسمعي لا مزاج لدي لسماع المزيد…أنا لست كوالدك الذي كان يدللك ويراعيكِ في كل شيء… انا عمار يا جيلان ولست فارغا لصرف وقتي في زياراتك التي لا داعي لها من الأساس… لقد وضعتك في مكان رائع وأتابعك يوميا وأتأكد دائما من عدم إحتياجك لأي شيء… ماذا تريدين أكثر..؟!"
ألقى كلماته الأخيرة بقسوة ورحل غير مهتم بدموعها التي سقطت أمامه. قاد سيارته متجها الى أحد المطاعم حيث سيقابل شريكه في العمل هناك. وصل الى المطعم ودلف الى الداخل متجها نحو الطاولة التي حجزها لهما مسبقا. أثناء سيره رأها تجلس مع ابن عمها ذلك الغليظ الذي لا يحبه وهو يمسك كفها ويربت عليها برفق. شعر بالغصب يتكون لا إراديا داخله، فحاول السيطرة على أعصابه وهو يتقدم نحوهما ملقيا التحية عليهما ببرود.
"اهلا عمار…" قالها أكرم بهدوء وهو يتوقف مكانه لتحيته، بينما تأملته مريم بنظرات باردة دون رد.
"كيف حالك يا مريم..؟!" سألها عمار وهو يتمعن النظر إلى ملامحها.
فردت بلا مبالاة وهي ترتشف من عصيرها:
"بخير…"
إلتفت عمار نحو أكرم يسأله:
"ماذا تفعلان هنا..؟! يعني من الغريب أن أراكم سويا…"
أجاب أكرم بهدوء:
"جئنا لتناول الغداء هنا بعدما إنتهينا من بعض الأعمال…"
اومأ عمار برأسه متفهما ثم إنسحب بعدها متعذرا بقدوم شريكه.
خرجت حياة من عند الطبيب بعدما أخبرها بالتفاصيل التي تخص حالة والدها الصحية. كانت تشعر بالألم والإنهاك الشديد، فحالة والدها متردية كليا وربما فقدانه سيكون قريبا. جلست على احد الكراسي بوهن وهي تحاول أن تستوعب ما قاله الطبيب. لا يوجد شيءٍ ثابت… رئتاه ضعيفتان ومشاكله التنفسية صعبة.. جسده خائر القوى ومن الصعب أن يتحمل وضعه هذا طويلا.
سقطت دموعها على وجنتيها وهي تفكر إن ما سمعته حطم روحها كليا. والدها الحبيب والشخص الوحيد المتبقي لديها سيتركها ويرحل. كيف ستعيش بدونه وكيف سوف تستطيع تجاوز رحيله..؟!
سيطرت على دموعها بصعوبة وهي تقرر النهوض من مكانها والذهاب الى والدها للإطمئنان عليه، فلا يجب أن تتركه وحيدا. ذهبت الى الغرفة التي يقطن بها واطمأنت عليه، حيث وجدته نائما بسلام رغم التعب الذي يظهر على خطوط وجهه المرهقة بوضوح. قبلته من جبينه تدعو لها بالشفاء وخرجت من الغرفة تتجه الى الإستعلامات تحاول الإستفسار عن المبلغ الذي دفعه نديم لأجل فحوصات والدها ورعايته. إستطاعت أن تعرف أسعار الفحوصات وتكلفة الليلة الواحدة في المشفى، فوجدته مبلغا ضخما لكنها أصرت على تسديده. إتجهت بسرعة الى المنزل وقررت أن تبيع بعض القطع الذهبية الخفيفة التي كانت تمتلكها وهي تتمنى داخلها أن تكفي المبلغ المطلوب.
في صباح اليوم التالي.. إستيقظ نديم من نومه بصعوبة على صوت رنين هاتفه. نظر الى ذلك الرقم الغريب الذي يرن عليه وأجابه، فيأتيه صوت رقيق يقول:
"صباح الخير نديم بك.."
أجاب متسائلا:
"صباح النور… من معي..؟!"
جاءه الجواب سريعا:
"أنا حياة… حياة ابنة فاضل…"
قاطعها بسرعة:
"اهلا حياة… كيف حال العم فاضل..؟! "
ردت بجدية:
"بخير الحمد لله… إستيقظ مبكرا وهو بحالة جيدة… أنا فقط أريد رؤيتك يا بك…"
"حسنا.. سآتي إلى المشفى ظهرا حتى أطمئن على العم فاضل.."
قاطعته بجدية:
"لا داعي لأن تتعب نفسك.. أنا أريدك في أمر بسيط… أنتَ موجود في الفيلا، أليس كذلك..؟!"
أجاب بهدوء:
"كلا ولكن سأذهب إليها الآن لرؤية والدتي… تعالي هناك إذًا أردت…"
"سآتي إذا…" قالتها حياة بهدوء ثم ودعته وأغلقت الهاتف.
لينظر نديم إلى الهاتف بإستغراب من إصرارها على رؤيته. نهض وقرر أخذ حماما سريعا كي يتناول إفطاره بعدها ويذهب إلى والدته. وبالفعل انتهى من حمامه وإفطاره ثم غير ملابسه وسارع في الذهاب إلى هناك، حيث لم يستطع رؤية والدته البارحة بسبب إنشغاله بوضع فاضل.
إستقبلته والدته بسعادة شديدة وهي تحتضنه بشوق. جلس معها في صالة الجلوس حيث أخذت تسأله عن أحواله وتحاول الإطمئنان على وضعه. بعد مدة جاءت الخادمة وأخبرتهم بقدوم حياة، فطلب منها نديم أن تجلبها إلى صالة الجلوس. غادرت الخادمة فسمع والدته تسأل:
"ماذا تريد إبنة فاضل منك يا نديم..؟!"
أجاب:
"لا أعلم يا أمي.. تقول إنه تريدني بموضوع هام وطلبت رؤيتي فأخبرتها إني سأكون هنا…"
دلفت حياة على إستيحاء وألقت التحية عليهم، فنهضت صباح من مكانها وهي تستقبلها بإبتسامتها الهادئة:
"اهلا ابنتي.. تفضلي اجلسي…"
ابتسمت حياة بخجل وردت:
"أشكرك يا هانم.. لا داعي للجلوس فأنا مستعجلة.. لقد جئت لأجل نديم بك…"
ثم نظرت الى نديم وقالت بعدما أخرجت الأموال من حقيبتها ومدتها نحوه:
"تفضل يا بك.. هذه تكاليف المشفى…"
لم يأخذ نديم الأموال منها، وإنما ظل ينظر إليها ببرود قبل أن يقول:
"ألم ننهِ هذا الأمر منذ البارحة..؟!"
أجابت بهدوء:
"كلا لم ننهِ… أنت دفعت أموالا لعلاج وفحوصات والدي وها أنا أرد لك ما دفعته…"
تدخلت صباح في الحوار تقول:
"يا ابنتي لا داعي لأن تفعلي هذا… فاضل غالي علينا جميعا وهو قريب منا للغاية…"
قاطعها نديم:
"لحظة يا أمي.. لقد إنتهينا من هذا الموضوع منذ البارحة وأخبرتك إنني المسؤول عن كل هذا…"
"ولكنني لم ولن أوافق… انا لن أقبل أن تتكفل بمصاريف علاج والدي مهما حدث… انا ابنته ومسؤولة عنه…" قالتها حياة بعناد.
لتهتف صباح بتعقل:
"يا ابنتي ونديم أيضا بمثابة ابنه…"
"كلا هذا ليس صحيح… ارجوكِ افهميني انتِ يا هانم.. انا لا أقبل بهذا…"
صاح بها نديم بنفاذ صبر:
"انا لا أفهم سبب عنادك هذا… لمَ تصرين على ذلك..؟! أنتِ تحتاجين تلك الأموال…"
توقف عن صياحه وهو يلاحظ تلك الدموع التي تراكمت داخل مقلتيها، فهي لم تتوقع أن يصرخ بها هكذا، بينما نهرته والدته بصوت منخفض. رميت حياة الأموال على الطاولة وإندفعت خارجة من المكان تتابعها أنظار نديم الذي لم يصدق كيف إنفعل عليها هكذا، حتى سمع والدته تخبره أن يذهب خلفها ويصحح هذا الموقف السخيف الذي وضعه بها.
كان يجلس في مكتبه يتناول مشروبه الكحولي بصمت وشرود تام. ينظر إلى صورتها الموضوعة على الطاولة أمامه، حيث تسير عيناه من جديد على تفاصيلها التي لا يجد من تفوقها فتنة وجمالا. لا يعلم لمَ هي بالذات، لكنه يدرك إنها إحتلت مكانا داخله من الصعب أن تصل إليه سواها. هي وحدها من تفردت بهذا وتميزت عن الجميع به. هو عمار الخولي، الرجل القاسي المتسلط الذي لا يمتلك قلبا ولا ضميرا. هو هكذا في نظر الجميع وهو بالفعل لا يمتلك ضميرا. قاسيا متسلطا وهذا واقعه الذي يفتخر به. لكنه يمتلك قلبا… قلبا أدرك وجوده عندما سقطت عيناه عليها. هي وحدها دونا عن الجميع. هي مريم… صاحبة الدقة الأولى ومالكة قلبه الذي لم يظن إنه يمتلكه يومًا. قلبه الذي أدرك وجوده داخله بسببها. وهو عمار الخولي الذي قتل عشقه في مهده لأجل غايته المنشودة. إنتقامه الذي سعى إليه طويلا وفضله على عشق يدرك جيدا إنه يكبله بقسوة. عشق لا يظن إنه سيختفي يومًا. عشق كُتِبَ لواحدة فقط من فازت به. هي وحدها مريم ولا ينبض قلب عمار لأي واحدة سواها.
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل السابع 7 - بقلم سارة علي
كانت تسير بخطوات شبه راكضة وهي تجاهد للسيطرة على دموعها المتجمعة داخل عينيها. لا تصدق كيف صرخ عليها بهذا الشكل المهين. لم تتوقع منه تصرفا كهذا. لمَ صرخ عليها بهذا الشكل؟ ما الخطأ في تصرفها؟ هل من الخطأ أن تحافظ على كرامة والدها وترفض أي صدقة من أحد؟
توقفت في مكانها فجأة وهي تسمع صوته خلفها ينادي عليها. لم تتحرك إنشًا واحدًا ولم تلتفت حتى عندما شعرت به يصل إليها. كان يقف خلفها وصوت أنفاسه الهادئة تسمعه بوضوح. اعتصرت قبضتي يديها وهي تقاوم دموعها كي لا تهطل وتمنحها مزيدًا من الذل أمامه.
"آنسة حياة..."
قالها بصوته الهادئ المختلف كليًا عن ذلك الصوت الذي صرخ بها منذ قليل.
أخذت نفسًا عميقًا وهي تحاول التأكد من سيطرتها على دموعها لتستدير نحوه بملامح متصلبة فقدت القليل من نعومتها وبرائتها المحببة.
تحدث نديم ما إن التفتت إليه بصوت لين قليلاً:
"أعتذر عما بدر مني قبل قليل يا آنسة..."
شعرت بالراحة تسكنها قليلاً عندما سمعت اعتذاره الصادق والذي لم يقتصر على نبرة صوته بل ظهر في عينيه الزرقاوين بوضوح.
ردت حياة بتسامح لطالما اتصفت به:
"اعتذارك مقبول يا بك..."
ثم أضافت تسبقه في الحديث:
"ولكنني لن أتنازل عما أريده.. ستأخذ أموالك كاملة."
هتف بإستياء صريح:
"أنتِ عنيدة للغاية..."
نظرت إليه وردت:
"لستُ عنيدة ولكنني لا أحب أن يكون لأحدهم فضل على والدي وأنا موجودة."
"متى سوف تستوعبين إنني أحب والدك وأحترمه كثيرًا وإنني قمت بهذا كونه شخص غالي وعزيز علي..."
هتفت بنبرة ممتنة وابتسامة خافتة ترتسم على ثغرها:
"سعيدة بكلامك هذا ومشاعرك الصادقة ناحية والدي ولكنني سأخبرك مجددًا، أنا ابنته والمسؤولة الوحيدة عنه..."
هم بالرد عندما قاطعه صوت والدته وهي تقترب منهما تشير إليهما:
"ماذا حدث..؟ هل انتهت المشكلة..؟"
ثم قالت لنديم:
"هل قمت بإصلاح الموقف يا نديم..؟"
ردت حياة نيابة عنها وهي ما زالت تحتفظ بإبتسامتها اللطيفة:
"لقد انتهت المشكلة بأرضها يا هانم.. أشكرك حقًا على اهتمامك كما أنني أعتذر منكِ لخروجي من المنزل بهذه الطريقة..."
استغرب نديم اعتذارها عن خروجها السريع رغم كونه المتسبب بهذا، مثلما استغرب رفضها القاطع للتكفل بعلاج والدها. كيف لها أن ترفض ذلك وهي تعلم حق العلم مدى خطورة وضع والدها؟ تساءل بداخله عن كم الأشخاص الذين ما زالوا يعتزون بكرامتهم ويقدسونها إلى هذا الحد؟ كم من الناس يفعلون ذلك؟
سمع والدتها تهتف وهي تتأمل الفتاة بإعجاب:
"ما شاء الله عليك يا ابنتي.. لقد أحسن فاضل تربيتك حقًا..."
سيطر الخجل على ملامح حياة وهي ترد بخفوت:
"أشكرك يا هانم..."
وجدت حياة صباح تخبرها:
"تعالي معي هيا فأنا لم أقم بضيافتك..."
رفضت حياة بسرعة:
"كلا يا هانم.. أشكرك حقًا ولكن لا داعي لذلك..."
هتفت صباح مستنكرة:
"كيف هذا؟ إنها المرة الثانية التي تأتين بها إلى هنا وترفضين الجلوس قليلاً.. سأشعر بالضيق حقًا إذا رفضتي دعوتي..."
نطقت حياة بتردد:
"لا أرغب أن تشعري بالضيق حقًا ولكن..."
لكن صباح قاطعتها بلهجة حاسمة:
"هيا تعالي معي إلى الداخل..."
اضطرت حياة إلى العودة إلى الفيلا مع صباح التي أشارت إلى نديم أن يتبعهما.
جلست حياة في صالة الجلوس بجانب صباح بينما جلس نديم على المقعد المقابل لهما، حيث قالت صباح:
"ماذا تحبين أن تتناولي..؟ مشروبًا باردًا أم حارًا..؟"
ردت حياة بخجل:
"شكرًا يا هانم.. لا داعي لهذا..."
لكن صباح أصرت عليها فطلبت مشروبًا باردًا، حيث أمرت صباح الخادمة أن تجلب لهم العصير البارد.
كان نديم يتأملهما بصمت، حيث أخذت والدته تسأل حياة عن أحوال والدها وكيف أصبح وضعه وبم أخبرها الطبيب بشأن حالته الصحية.
"أنت ما زلتِ في الجامعة يا حياة.. ألستِ كذلك..؟"
أومأت حياة برأسها ثم أجابتها بعدما وضعت كأس العصير على الطاولة:
"نعم.. أنا في المرحلة ما قبل الأخيرة..."
"وما هو تخصصك الدراسي..؟"
"الصيدلة..."
قالتها حياة بعفوية لتبتسم صباح بحزن بينما تغضن وجه نديم بضيق للحظات. ضيق سرعان ما أخفاه بمهارة وهو يستمع إلى والدته التي قالت بإختصار:
"تخصص جيد حقًا..."
"نعم هو كذلك..."
توقفت حياة عن حديثها عندما وجدت ليلى تدلف إلى الداخل، فعادت إلى ذاكرتها تلك المرة التي التقيا بها حينما سقطت صورة نديم من بين يديها وإلتقطتها ليلى على الفور.
"مساء الخير..."
قالتها ليلى بهدوء وهي ترمق حياة بنظراتها المستغربة، لتجيب كلا من صباح وحياة عليها، بينما شعر نديم برغبة شديدة بالمغادرة.
"حسنًا يجب أن أغادر الآن..."
قالتها حياة وهي تحمل حقيبتها وتنهض من مكانها عندما هتفت صباح بسرعة:
"ما زال الوقت مبكرًا..."
منحته حياة ابتسامتها المعتادة وهي ترد بصدق:
"يجب أن أذهب لرؤية والدي والإطمئنان عليه.. سعدت برؤيتك حقًا يا هانم..."
"أنا الأسعد حبيبتي..."
قالتها صباح وهي تلتقط كفها ترد تحيتها.
نهض نديم بسرعة مستغلًا الفرصة حيث قال:
"دعيني أقلّكِ إلى المشفى فهي على طريق شقتي..."
تكلمت حياة بسرعة:
"أشكرك يا بك ولكن لا داعي أن تتعب نفسك..."
قاطعها نديم بتصميم:
"لا يوجد تعب يا آنسة.. تفضلي معي..."
أومأت حياة رأسها على مضض ثم ودعت صباح التي كانت تنظر إلى ابنها التي أدركت بسهولة إنه يتحجج للخروج من الفيلا كي لا يبقى مع ليلى في مكان واحد.
خرج كلا من حياة ونديم بينما بقيت صباح مع ليلى، حيث هتفت الأخيرة تتسائل:
"ما الذي تفعله تلك الفتاة هنا يا خالتي..؟"
ردت صباح وهي تجلس على الكنبة:
"جاءت لشيء محدد ولكنني أصررت على أن تبقى قليلاً وتتناول شيئًا..."
هزت ليلى رأسها ونظراتها غير المرتياحة تحاصر خالتها التي أشاحت وجهها بعيدًا عنها تنظر إلى الحديقة الخارجية من النافذة الواسعة.
***
في الطريق...
كانت حياة تجلس متشنجة بجانب نديم الذي يقود سيارته بصمت تام. لم تشعر في تلك اللحظة بالسعادة لقربه منها رغم كونه يحتل تفكيرها منذ أيام، بل كانت تشعر بالرهبة فقط. الرهبة من وجودها معه في سيارة مغلقة تقابل صمته المهيب بصمت مماثل. أفكارها بدأت تتزاحم داخل عقلها الذي يحاول إزاحة كل هذا جانباً والتركيز على الطريق كما يفعل هو.
أما نديم فعقله كان يفكر بليلى وهروبه من مواجهتها مجددًا. كان يسأل نفسه عما سيفعله وكيف سيتجاوز الماضي ويتقبل وجودها في منزله كزوجة لأخيه؟ هل سيبقى طوال عمره خارج منزله وهل سيبقى هارباً من ملاقاتها؟
لم يكن هذا الحل وهو بعقله الحكيم يدرك هذا مثلما يدرك إن وضعه حتى الآن غير مناسب، فهو ما زال ثابتاً في مكانه منذ خروجه من السجن يلتزم البقاء في شقته ولا يخرج منها إلا للضرورة. حتى سيارته التي أخذها من الفيلا لم يستخدمها إلا قليلاً، فهو لا يخرج من شقته إلا قليلاً جدًا. ليس هذا الصحيح وليس من المنطقي أن يبقى هكذا. حتى لو لم يستطع تجاوز ما حدث فعليه التعايش معه. هو مجبر على الاستمرارية وبالتالي فهو مجبر على النهوض بنفسه.
توقف عند إشارة المرور وهو يشعر بأن أفكاره المزدحمة تضغط على أعصابه بقوة، فقرر إزاحتها جانبًا كي يرتاح عقله قليلاً من كل هذه الضغوطات.
تذكر حياة التي تجلس بجانبه فرمقها بنظراته ليجدها تنظر إلى النافذة بصمت بينما يديها متشابكتين داخل حضنها. عاد بأنظاره نحو الأمام وهو يفكر إنه اتخذ أمر إيصالها إلى المشفى حجة كي يرحل دون أن يجعل ليلى تشعر إنه غادر بسببها. لا يعلم لماذا فعل هذا لكن هناك رغبة شديدة بداخله تجعله لا يرغب أن تشعر إنها بتلك الأهمية عنده.
سمع صوت رنين هاتف حياة التي أخرجت هاتفها من حقيبتها وأجابت:
"أهلاً مي..."
ثم أضافت:
"حقًا..؟ أنا في طريقي لزيارة والدي.. لا أعلم ولكن لمَ لم يخبرنا مسبقًا بشأن هذا الاختبار..؟!"
التفت نحوها لا إراديًا ملاحظًا ذلك الضيق الذي ارتسم على ملامحها الهادئة، حيث خرج صوتها منزعجًا قليلاً:
"حسنًا سآتي حالاً.. مع السلامة..."
أغلقت الهاتف ثم نظرت إليه وقالت:
"هل يمكنك الوقوف جانباً فأنا لن أستطيع الذهاب إلى المشفى الآن..؟"
"سآخذك أنا إلى الجامعة..."
قالها بإيجاز ليجدها تقول بتردد:
"لا أريد أن أتعبك حقًا..."
زفر أنفاسه وهو يردد:
"أنتِ في الجامعة الأساسية أليس كذلك..؟"
أومأت برأسها فوجدته يقول:
"ليست بعيدة عن هنا.. سنصل بعد دقائق..."
ثم حرك مقود سيارته بعدما ظهرت الإشارة الخضراء وتحرك نحو الجامعة.
***
بعد مدة من الزمن...
كان قد أوصل نديم حياة إلى جامعتها واتجه بعدها إلى شقته عندما رن هاتفه وهو في طريقه إلى هناك. شعر بالقلق عندما وجد المتصل به هو الطبيب المسؤول عن علاج فاضل، فأجابه بسرعة:
"أهلاً رافد.. ماذا حدث..؟ هل العم فاضل بخير..؟"
جاءه جواب الطبيب:
"أهلاً بك يا نديم.. اهدأ من فضلك.. حاليًا هو بخير ولكن..."
صمت قليلاً وأضاف:
"حالته متأزمة يا نديم ولا أظن إنه سيعيش طويلاً..."
هتف نديم بنبرة حزينة:
"ألا يوجد حل..؟ جراحة مثلا..."
رد رافد بجدية:
"للأسف لقد تحدثت مع ابنته مسبقًا وأخبرتها بصعوبة ذلك.. على العموم أنا اتصلت بك لأخبرك بإمكانية خروجه من المشفى بشرط وجود من يرعاه في المنزل مع حاجته لجهاز تنفس يساعده في استنشاق الأكسجين..."
"إذا كان الأفضل له بقاءه في المشفى فدعه يبقى وأنا كما أخبرتك مسبقًا مسؤول عن كافة المصاريف..."
قالها نديم بصوت جدي ليأتيه صوت رافد يقول بقليل من الاستغراب:
"يبدو إن هذا الرجل مهم عندك كثيرًا..."
رد نديم:
"أعرفه منذ طفولتي.. لقد كبرت وأنا أراه يعمل عندنا بكل جد وأمانة.. من أقل واجباتي أنا وعائلتي عليه أن نرعاه في أيامه الأخيرة كما إن تكلفة العلاج لا تساوي شيئًا يستحق التردد في دفعه..."
"لو تعلم كم يسعدني تصرفك هذا يا نديم.. أنت حقًا مثال للرجل الشهم الأصيل..."
"أشكرك يا رافد..."
قالها نديم بهدوء رغم المشاعر المتضاربة التي تشكلت بداخله.. مشاعر تجمع ما بين الحزن والغضب والضياع والرغبة في العودة إلى الماضي حيث كل شيء كان مثاليًا بحق.
"صحيح.. لقد أوصاني العم فاضل بإيصال شكره وامتنانه إليك وأخبرني أيضًا إنه يود رؤيتك وشكرك بنفسه..."
"حقًا..؟ سآتي إليه إذا كي أراه وأطمئن عليه..."
"جيد.. أنتظرك كي تمر علي ونتحدث قليلاً أيضًا فأنا لم أستطع رؤيتك جيدًا المرة السابقة..."
ودع نديم صديقه ثم أغلق هاتفه ووضعه في جيبه واستمر في قيادة سيارته متجها هذه المرة إلى المشفى.
***
دلفت خديجة إلى غرفة جيلان وهي تحمل صينية الفطور معها. وجدت الغرفة مظلمة كالعادة وجيلان تحتضن وسادتها وتغط في نومها الذي لا ينتهي. وضعت الصينية على الطاولة ثم اتجهت نحو الستائر وفتحتها لتتفاجأ بـ جيلان مستيقظة، حيث تأففت بصوت مسموع وهي تردد:
"أغلقي الستائر يا خديجة.. الضوء مزعج حقًا..."
"منذ متى وأنتِ مستيقظة يا جيلان..؟"
سألتها خديجة وهي تجلس بجانبها على السرير لتزفر جيلان نفسها ثم تغمض عينيها وتجيب:
"منذ عدة ساعات لا أذكر عددها..."
نظرت خديجة إليها بشفقة ولم تعرف ماذا تفعل مع هذه الفتاة ومعاناتها من وحدتها التي لا تنتهي. هتفت بصوت قصدت أن تجعله مرحًا قليلاً:
"هيا انهضي.. لقد أعددت لكِ طعام الإفطار الذي تحبينه.. البان كيك مع النوتيلا..."
"لا أريد..."
قالتها جيلان بنبرة مقتضبة لتطالعها خديجة وهي تردد بحزن:
"لماذا يا جيلان..؟ أنتِ لم تتناولي شيئًا منذ ظهر البارحة.. حتى الغداء بالكاد تناولتِ لقيمات قليلة..."
هتفت جيلان بإستياء:
"لا شهية لدي..."
عادت خديجة وجلست جانبها وأخذت تربت على شعرها الناعم بكفها وهي تقول بجدية:
"لا يجوز أن تفعلي هذا بنفسكِ يا ابنتي.. أنتِ ما زلتِ صغيرة ويجب أن تهتمي بنفسكِ جيدًا وصحتك مهمة للغاية..."
سيطر الألم على ملامح جيلان وترقرقت الدموع داخل عينيها الخضراوين، فأشاحت وجهها نحو الجانب الآخر تغمض عينيها بقوة وترد بنبرة جافة:
"اتركيني وشأني.. أريد البقاء لوحدي..."
"يا ابنتي..."
قالتها خديجة بتمهل لتتفاجئ بها تعتدل في جلستها وتصرخ بها بعينين باكيتين:
"ألا تفهمي ما أقوله..؟! اتركيني وشأني.. اتركيني هيا..."
نهضت خديجة من مكانها ومنحتها نظرة حزينة ثم خرجت لتضم جيلان ركبتيها إلى صدرها وتبدأ في البكاء طويلاً.
***
كان عمار يجلس في مكتبه يتابع أعماله بتركيز شديد كالمعتاد عندما دلفت سكرتيرته إليه تخبره عن قدوم أحد شركائه. طلب منها عمار أن يدخل ضيفه فورًا عندما دلف بعد لحظات فراس متقدمًا ناحية عمار الذي نهض لإستقباله، حيث هتف عمار بابتسامة رسمية:
"أهلاً فراس بك.. أنرتَ شركتنا بقدومك..."
رد فراس بهدوء وبنفس الرسمية:
"أهلاً بك.. أشكرك..."
"تفضل اجلس..."
قالها عمار وهو يشير إلى الكرسي الجانبي للمكتب، فجلس فراس بهيمنته المعتادة يرمق عمار الذي جلس بدوره على كرسيه من جديد بنظراته الهادئة ويقول:
"لقد جئت بنفسي للتحدث معك بشأن الصفقة التي ستجمع بيننا يا عمار بك..."
أضاف وهو يضع قدمًا فوق الأخرى:
"أنتَ بالتأكيد تدرك أهمية هذه الصفقة لكلينا وكيف سترفع من أسهمنا في السوق..."
رد عمار بإيجابية:
"بالطبع.. الصفقة ستشكل قفزة جيدة لنا..."
أردف عمار بجدية:
"بالنسبة لي أنا سعيد حقًا للتعاون الذي سيجمعنا مع شركتك..."
ابتسم فراس وهو يرد بدبلوماسية:
"إذا دعنا نتحدث في الأمور الأساسية.. كان من المفترض أن يكون هناك اجتماع بحضور مدراء شركاتنا ولكنني فضلت أن نتحدث أولاً على انفراد حيث لدي بعض الأمور التي أرغب بمناقشتها معك قبل التوقيع على عقود الشراكة..."
"بالطبع يا فراس بك.. أنا معك وجاهز لسماع ما لديك..."
بدأ فراس يتحدث مع عمار الذي كان يصغي له باهتمام ويناقشه في جميع النقاط التي يتحدث عنها. مرت حوالي ساعة عندما انتهى اجتماع فراس وعمار بنجاح، فاتفق فراس على موعد معين لتوقيع العقود والبدء في تنفيذ المشروع الذي سيجمعهما.
نهض عمار من مكانه مودعًا فراس الذي خرج من مكتبه وهو يغلق أزرار سترته عندما اتجه نحو المصعد وضغط على أحد أزراره منتظرًا صعوده. شعر بأحد تن تقف جانبه فالتفت تجاهها بعدما جذبه عطرها الناعم ليجد أمامه امرأة أقل ما يقال عنها جميلة. كانت طويلة بجسد منحوت على يد فنان يشبه الساعة الرملية ترتدي فوقه بنطالًا من الجينز الضيق والذي يلتصق بجسدها كجلد ثانٍ مبرزًا قدها المثير فوقه بلوزة بيضاء قصيرة بالكاد تصل إلى خصرها. شعرها الطويل بلونه العسلي ينسدل إلى الخلف ويصل حتى نهاية ظهرها وبشرتها البيضاء مع ملامحها الآخاذه والتي زاد من روعتها المكياج الخفيف الذي تضعه فوقها.
كل شيء بها كان يشع جمالًا وأنوثة وهو بطبعه رجل لا يعرف التغاضي عن الجمال مهما حدث. تأمل جانب وجهها بعينين مليئتين بالإعجاب الذي سرعان ما تحول إلى نيران مشتعلة وهو يسير بنظراته على قدها الآسر. لم تنتبه هي له حيث كانت تضع كل تركيزها على هاتفها حيث يبدو إنها تتحدث مع أحدهم عن طريق الرسائل النصية.
"إنها المرة الأولى التي أرى بها الفتنة تتجسد على هيئة إنسان..."
قالها بصوته الرخيم الهادئ وعيناه لا تتركان تفصيلة واحدة منها. وأخيرًا رفعت وجهها نحوه فظهرت عينيها الخضراوين الذي كان متلهفًا لمعرفة لونيهما، فأضافا على جمالها المزيد منه.
"عفوًا..؟!"
هتفت بها غالية بعدم استيعاب لما سمعته ليمنحها ابتسامة جذابة وهو يضيف وعيناه تسيران على وجهها ببطء لذيذ:
"إنه لمن الصعب حقًا أن يقف المرء أمام كل هذا الجمال والأنوثة الطاغية صامدًا..."
"أنت جريء ووقح..."
"هل أصبح تعبير الشخص عن رأيه بصراحة ممنوعًا..؟ أنا فقط أخبرك برأيي..."
"لم أطلب منك رأيك..."
قالتها بإقتضاب وهي تهم بالانصراف لتجده يمسك ذراعها بجرأة ثم ينحني نحوها يهمس وعيناه تنظران إلى شفتيها تحديدًا برغبة صريحة:
"سامحيني.. أنتِ لديكِ جمال يستحق أن يتغزل به الشعراء في قصائدهم وما أنا إلا رجل يعجز عن التماسك أمام كل هذا الحسن والفتنة..."
دفعته بعنف وهي ترفع إصبعها في وجهه تهدده:
"أنت كيف تجرؤ على فعل هذا..؟ من تظن نفسك كي تلمسني بهذا الشكل..؟!"
"اهدئي يا آنسة.. لا داعي لكل هذا الغضب والعصبية رغم إن غضبك يجعلكِ أكثر جمالًا..."
قالها ببرود قاتل ليجدها تخبره بتحذير:
"الزم حدودك يا هذا..."
ثم أضافت بقوة:
"أنت لا تعرف مع من تتحدث..."
"أحب أن أعرف حقًا مع من أنا أتحدث..."
قالها وهو يقترب منها بتروٍ لتقول بتحدي:
"انظري إلي يا سيد..."
قاطعها ببساطة:
"فراس.. اسمي فراس خليل..."
قاطعته بضيق:
"لا يهمني أن أعرف ولا أرغب بذلك..."
شملها بنظراته وهو يردد بضحكة رائقة:
"شخصيتك القوية تضاعف من جمالك الرباني يا آنسة..."
"يبدو إنني أتحدث مع حائط لا يشعر..."
قالتها بغيظ وهي تقرر التحرك بعيدًا عندما أوقفه غير مبالٍ بنظرات الموظفين التي توجهت نحوهم منذ أن بدأ الحوار بينهما:
"إلى أين يا سندريلا..؟ لن تذهبي قبل أن أعرف من أنتِ وما هو اسمك..."
همت بالرد عندما تقدم أحد الحرس يسألها بحمية واضحة:
"غالية هانم.. هل أنتِ بخير..؟"
ردت غالية بسرعة تصرفه بهدوء:
"نعم بخير.. عد إلى عملك فلا يوجد شيء مهم..."
تحرك الحارس عائدًا إلى مكانه بينما همس هو:
"اسمكِ غالية إذا.. يليق بكِ كثيرًا مع إنني أفضل لكِ اسمًا يليق بجمالك أكثر..."
نظرت له بملامح نافرة وقالت:
"يبدو إنك لا تنوي التوقف عن حماقاتك لذا أنا مضطرة للنزول عن طريق السلالم..."
ثم اتجهت إلى الجانب الآخر حيث يوجد السلم بينما نظرات فراس تتبعها وابتسامة واسعة ترتسم على شفتيه وهو يردد بنبرة غامضة:
"غالية إذا.. جميلة يا غالية.. جميلة وقوية وهذا أكثر ما أفضل في نسائي..."
***
"حالك لا يعجبني يا ليلى.. إلى متى سوف تستمرين في تحمل زوجك الغليظ..؟"
قالتها مريم بملامح مكفهرة وصوت كاره لترتسم ابتسامة يائسة على شفتي ليلى وهي تخبرها:
"ربما حتى الموت..."
نظرت إليها مريم بدهشة ورددت بإنفعال:
"ماذا تقولين أنتِ..؟ كلانا يعرف إن زواجك من هذا الرجل خطأ.. خطأ يجب إصلاحه يا ليلى.. إلى متى ستبقين بهذه السلبية..؟ أخبريني.. كل هذا لأجل الحفاظ على ثروة والدي وشركاته.. فلتذهب الثروة والشركات إلى الجحيم..."
"يكفي يا مريم.. لا تضغطي علي أكثر..."
قالتها ليلى بصوت متألم وهي تشيح بوجهها نحو الجانب الآخر لتسمع أختها تقول بغضب واضح:
"بل سأضغط.. أنتِ تدمرين نفسك يا ليلى وتخسرين أجمل أيام حياتك بوجودك مع هذا الحقير.. يا ليلى أنا أريد أن أراكِ وأنتِ سعيدة ومرتاحة.. أنا لا أحب رؤيتك بهذا الوضع..."
أضافت تحاول تشجيعها على التحرر من قيده:
"تذكري يا ليلى كيف كنتِ.. كم كنتِ قوية وشجاعة.. كنتِ ترفضين الخضوع لأي كان.. أين ذهبت ليلى القوية..؟ أين ذهبت قوتك وشجاعتك..؟"
صاحت ليلى وهي تنتفض من مكانها بهياج ولا وعي:
"لقد انتهى.. انتهى كل هذا يا مريم.. ليلى القديمة ماتت ولم يتبقَ منها سوى بقايا لا تستطيع القيام بأبسط الأشياء..."
أضافت وهي تلهث باكية:
"ليلى ماتت يا مريم.. ماتت منذ سنوات.. هل عرفتِ الآن أين ذهبت ليلى تلك..؟ هل عرفتِ يا مريم..؟"
نهضت مريم من مكانها تحاول السيطرة على مشاعرها التي تأثرت بشدة بسبب هذا الموقف، فاقتربت من أختها تهتف بقوة:
"لا تقولي هذا.. ربما ليلى القديمة اختفت قليلاً لكنها ما زالت موجودة داخلك.. أنتِ وحدكِ من تستطيعين استعادتها.. تطلقي يا ليلى.. تطلقي من عمار وابدئي من جديد..."
صرخت ليلى ببكاء:
"لا أستطيع.. لا أستطيع..."
سألتها مريم بإنفعال:
"لماذا..؟ لماذا..؟"
ثم أضافت بلهجة ثائرة:
"لماذا ترفضين الطلاق..؟ لماذا تفعلين بنفسك خطأ..؟ لأجل والدي..؟ تضحين بنفسك لأجل والدي الذي لم يفكر بكِ وهو يبيعك لذلك الحقير..."
"أنت لا تفهمين أي شيء.. لا تدركين الحقيقة..."
قالتها ليلى بنبرتها الباكية لتسألها مريم بعدم فهم:
"عما تتحدثين بالضبط..؟ ما الذي لا أدركه يا ليلى..؟"
وعندما لم تجد سوى الدموع ردت صرخت بها:
"تحدثي.. لماذا لا تتحدثين..؟"
نطقت ليلى أخيرًا بصعوبة:
"لم أتزوجه لأجل والدي كما تظنين.. تزوجته لأنه هددني..."
"هددك..؟ بماذا..؟"
أجابت ليلى بصوت مبحوح منقطع:
"بقتل نديم.. أخبرني إنه سيقتله في السجن إذا رفضت الزواج منه..."
اتسعت عينا مريم للحظات بعدم تصديق لما سمعته. لقد ضحت ليلى بنفسها وتزوجت من ذلك المجرم كي تنقذ نديم. تحملت كل هذا العذاب لأجل نديم. شردت ملامحها للحظات وهي تحاول أن تستوعب ما فعلته أختها وكيف دمرت نفسها بنفسها. احتدت ملامحها فجأة وسارعت لحمل حقيبتها والركض خارج المكان غير آبهة بصيحات أختها المتتالية خلفها.
***
جلس نديم أمام فاضل الذي رحب به بسعادة شديدة.
"أشكرك حقًا يا بني.. لقد أخبرتني حياة بما فعلته لأجلي..."
رد نديم وهو يبتسم بهدوء:
"لا داعي للشكر يا عم فاضل.. أنا لم أقم سوى بواجبي..."
ثم أضاف بجدية:
"أرى إن وضعك أحسن كثيرًا الحمد لله..."
ابتسم فاضل بحزن ظهر على وجهه المجعد وهو يقول:
"نعم تحسن ولكنني أعلم إنه تحسن لن يدوم طويلاً..."
قال نديم بسرعة:
"لا تقل هذا يا عم.. ستصبح بأفضل حال إن شاء الله..."
هتف فاضل وهو ما زال محتفظًا بابتسامته الضعيفة:
"أعلم إن نهايتي اقتربت يا بني.. لا تظن إنني حزين لذلك.. هذا قدري وأنا راضٍ به.. مهما عاش الإنسان ومهما طال عمره سيرحل يومًا ما.. أنا فقط ما يؤلمني هي حياة.. أخشى من تركها وحيدة في هذه الدنيا لا أحد معها وهي فتاة صغيرة تعيش في عالم مليء بالوحوش..."
قال نديم بجدية:
"لا تقلق يا عم.. الله معها ويحميها وأنا ستجدني دائمًا معها متى ما احتاجتني..."
أضاف وهو يمنحه ابتسامة داعمة:
"ولكن أنا واثق إنك ستصبح بخير وتبقى معها بإذن الله..."
تحدث فاضل بجدية:
"أنت تعلم إننا لا أقرباء لدينا.. نحن الاثنان فقط لا غير.. لذا سأكون ممتنًا إذا وضعتها في حمايتك بعد رحيلي.. أنا لا أريد منك شيئًا يا بني سوى الوقوف معها إذا ما تعرضت لمشكلة أو احتاجت شيئًا..."
أضاف بعدها:
"عدني يا بني أن تحميها إذا ما حدث لي شيء حتى يأتي نصيبها وتصبح مسؤولة من رجل يفعل ذلك..."
ابتسم نديم وهتف بصدق:
"أعدك بذلك يا عم.. اطمئن..."
بعد مرور مدة حيث جلسا يتحدثان سويا حوالي ربع ساعة دلفت حياة إلى الداخل بعدما طرقت الباب وهي تردد بمرح:
"أنا وصلت يا أبي..."
فوجئت بوجود نديم فابتسمت بخجل وهي تحييه:
"مرحبًا يا بك..."
رد نديم بهدوء:
"أهلاً يا آنسة..."
ثم نهض من مكانه بسرعة يقول:
"أنا يجب أن أذهب الآن.. سعدت برؤيتك حقًا يا عمي..."
ابتسم فاضل وهو يردد:
"أنا الأسعد يا بني..."
سارت حياة معه كي توصله إلى الخارج عندما أغلقت الباب خلفهما وقالت بجدية:
"لقد تحدثت مع الطبيب وأخبرني بإمكانية إخراج أبي من المشفى.. أظن إنني سأخرجه من هنا أفضل..."
قاطعها نديم بجدية:
"ولكنه سيحتاج إلى وجود من يرعاه..."
أومأت برأسها ترد عليه:
"نعم، سأتولى أنا رعايته..."
سألها نديم:
"كيف ستفعلين ذلك وأنتِ طالبة جامعية..؟"
ردت حياة ببساطة:
"أنا سأتصرف..."
قال نديم بتأني كي لا يثير غضبها:
"اسمحى له أن أجلب له من يتولى رعايته..."
لكنها رفضت بسرعة قاطعة:
"كلا، أنا سأهتم بذلك..."
زفر أنفاسه بضيق وقال محاولًا إخفاء ضيقه:
"يا آنسة الموضوع لا يحتاج إلى كل هذا الإصرار على الرفض.. فكري في مصلحة والدك..."
عاندت بقوة:
"لا أحد سيعلم مصلحة والدي مثلي..."
هتف وقد بلغ صبره ذروته:
"أنتِ حقًا مستفزة بشكل لا يطاق..."
احتقنت ملامحها بقوة وقد ألمتها كلماته بشكل غريب بينما رفع هو بصره نحو الأعلى يتأفف من نفسه، فهو لم يكن يومًا هكذا عديم الصبر جلف الأسلوب.
"أنا آسف..."
قالها بجدية وهو يخفض بصره نحوها من جديد، فترفع هي عينيها الحزينتين نحوه وتقول:
"كثرة الاعتذار تبدد قيمته..."
أضافت وهي تلاحظ تغضن جبينه:
"من الأفضل أن تنتبه على ما يخرج من فمك بدلًا من الاعتذار بعدما تجرح المقابل بكلامك..."
لا يعلم لماذا شعر بكلماتها تحرك شيئًا بداخله.. شيئًا غريبًا جعله يشعر بتأنيب ضمير شديد وبالغضب من نفسه. كادت أن تتحرك عندما أوقفها يخبرها بتردد:
"انتظري يا حياة.. أعلم إنني تجاوزت حدودي وإنه معك الحق في كل ما قلتيه..."
قاطعته بعصبية:
"نعم معي الحق.. أنت لا يحق لك أن تتحدث معي بهذه الطريقة ولا يحق لك أن تجبرني على ما لا أطيق.. لماذا لا تستوعب إنني لا أرغب بأن يتحمل أحد مسؤولية تخصني أنا ومن واجبي تحملها..؟ لماذا لا تتقبل حقيقة إنني لا أقبل أن يتعالج والدي بالصدقة والإحسان..؟ هل كونني غير مقتدرة ماديًا يجعلني مضطرة إلى أخذ المال منك والاعتماد عليك..؟!"
هتف أخيرًا بعدما توقفت عن حديثها المنفعل بأنفاس لاهثة:
"أنا حقًا لم أقصد هذا..."
زفر أنفاسه ببطء ثم قال بجدية:
"حسنًا ربما المرة الأولى التي أقولها لأحد لكنني..."
صمت لوهلة ليقول بعد لحظات بصوت عاجز:
"أنا لا أعرف لماذا تصرفت معكِ على هذا النحو لمرتين يا حياة، لكنني لم أكن يومًا هكذا.. لا أعلم متى أصبحت عديم الصبر وأتحدث بهذه الطريقة المزعجة..؟ أظن إن وجودي في الحبس لأعوام ترك آثاره علي..."
قال جملته الأخيرة بصعوبة وخفوت، فشعرت بالشفقة والألم لأجله، لكنها أخفت ذلك بمهارة وهي ترد بهدوء:
"لا عليك يا بك.. أنا أيضًا أعتذر.. لقد بالغت قليلاً في ردة فعلي مع إن الأمر لا يستحق..."
هز رأسه نفيًا مرددًا برفض:
"بلى إنه يستحق..."
"هل تسمح لي بقول شيء لك..؟"
سألته بجدية ليومئ برأسه دون رد وشعور إنها ستقول شيئًا مهما سيترك أثرًا فيه سيطر عليه، فوجدها تهتف بصوتها العذب:
"أعلم إن تجربتك لم تكن هينة بل كانت صعبة للغاية وتركت أثرًا قويًا بداخلك.. أعلم أيضًا إن تجاوزها ليس هينا.. أصعب شيء أن تتجاوز مصيبة ألمت بك دون أن ترتكب ذنبًا ولو بسيطًا تستحق عليه ذلك..."
تمعن النظر إليها مستغربًا ثقتها في كونه لا ذنب له فيما أصابه، بيننا استرسلت هي في حديثها:
"لكنني أؤمن إننا خلقنا في هذه الحياة ونحن مجبورون على المرور في العديد من الاختبارات.. اختبارات صعبة وطويلة.. ونحن أمام ذلك لدينا خيارين فقط لا غير.. إما أن نسمح لشعور العجز أن يسيطر علينا فنعيش عمرنا بأكمله نندب حظنا على ما وقع بنا.. نرفض تجاوزه ونبكي على أطلاله حتى تنتهي حياتنا ونحن عاجزون محطمون فيكون عجزنا وضعفنا من قتلنا.. أو هناك خيار آخر، وهو أن ننجح في تجاوز تلك الاختبارات ونتخذها وسيلة لتحقيق ذاتنا ومن خلالها نصنع بداية جديدة.. بداية تكون أفضل وأنجح من سابقتها..."
هتفت أخيرًا تنهي حديثها:
"تذكر فقط إنك لست أول شخص يمر بمصاب كهذا ولن تكون الأخير.. لكن هناك من تجاوز مصابه بل واتخذه حافزًا لتحقيق الأفضل وهناك من بقي مقيدًا به يبكي على أطلاله فلم يعد يمتلك لا ماضي يتذكره ولا مستقبل يسعد به.. كن قويًا يا بك وحاول بكل ما تملكه من عزيمة أن تتجاوز ما حدث..."
أنهت كلماتها وهي ترسم ابتسامة مليئة بالأمل والتفاؤل اللذين يفتقدهما بشدة. حدق بها للحظة وقد آسرته ابتسامته البريئة تلك وعينيها اللتين كانتا تبتسمان هما أيضًا.. ولأول مرة ترتسم على شفتيه ابتسامة صادقة خرجت من أعماقه، وهو الذي لم يبتسم هكذا منذ دخوله الحبس، لكن كلماتها بما تركته من أثر بداخله مع ابتسامتها الرائعة شعر بهما يضيئان روحه المظلمة لسنوات. ابتسامته تلك جعلتها تكاد تطير من السعادة لكنها أخفت ذلك بصعوبة وهي تمنحه ابتسامة خجولة. كان الصمت سائراً بينهما وهما يتبادلان الابتسامة ما بين بسمته الصادقة المعبرة وبين بسمتها الخجولة. همت بالحديث تخبره إنها ستدخل إلى والدها لكنها سمعت صوت إحداهن تنادي عليها فتجهمت ملامحها بالكامل بشكل فاجأ نديم ليجدها تستدير نحو المرأة التي بدت في الأربعينات من عمرها والتي كانت تنظر إلى حياة بشوق فتهتف حياة بصوت حاد:
"ماذا تفعلين هنا..؟"
سيطر الحزن على ملامح المرأة وهي تقول بصوت مترجٍ:
"ابنتي أنا..."
قاطعتها حياة بقسوة:
"اذهبي من هنا..."
هتفت المرأة بقوة:
"كلا لن أذهب.. علمت بما جرى لوالدك اليوم ومن أبسط حقوقكِ علي أن أقف بجانبك في وضع كهذا كونني والدتك..."
نظر نديم إلى المرأة بإستغراب متعجبًا من كون والدة حياة ما زالت حية وهو الذي ظنها ميتة أو هذا ما كان يعرفه من فاضل. تأمل المرأة بملابسها الأنيقة وملامحها الجذابة والتي لا تبدو تناسب امرأة لديها فتاة جامعية، وهي تهتف مردفة بإصرار:
"وأنتِ لا يجب أن تمنعيني عن ذلك..."
هتفت حياة بصوت منفعل:
"ارحلي من هنا.. أنا لا أرغب بوجودك.. ألا تفهمين..؟"
"لماذا تفعلين هذا يا حياة..؟ لماذا تؤلميني إلى هذا الحد..؟"
قالتها المرأة بتوسل فترقرت العبرات داخل عيني حياة وهي تردد بقلة حيلة:
"لا تذهبي.. سأذهب أنا..."
ثم سارت مندفعة خارج المكان ودموعها تتساقط على وجنتيها. رفعت المرأة ملامحها الحزينة نحو نديم تناظره بإستغراب قبل أن تسأله بتردد:
"هل يمكنني سؤالك عمن تكون فهذه المرة الأولى التي أراك فيها مع ابنتي..؟"
أضافت بصوت حزين:
"صحيح أنا لا أعرف جميع من تعرفهم ابنتي لكن..."
قاطعها نديم بجدية:
"أنا على معرفة بالعم فاضل.. هو يعمل لدينا وجئت للإطمئنان عليه..."
أومأت برأسها ثم قالت بصوت ضعيف:
"أين ذهبت حياة..؟ أريد الذهاب لرؤيتها والإطمئنان عليها لكنني أخشى من ردة فعلها..."
هتف نديم بجدية:
"سأذهب وأراها..."
ثم تحرك بسرعة دون أن يسمع ردها وهو يخرج هاتفه ويرن عليها. لحظات وأجابت عليه تسأل بصوت باكي:
"هل رحلت تلك المرأة..؟"
"أين أنتِ..؟"
سألها بسرعة لتجيب وهي تسيطر على بكائها:
"أنا في الحديقة المقابلة للمشفى..."
أغلق الهاتف في وجهها واتجه خارج المشفى نحو تلك الحديقة عندما وجدها تجلس على المسطبات بوجه منخفض نحو الأرض. سار نحوها وهو لا يعلم لماذا تبعها من الأساس لكن شعوره بالقلق عليها أجبره على ذلك.
"حياة..."
قالها بصوته الرخيم لترفع وجهها الذي بدا أحمر بسبب البكاء نحوه، فتجده يهتف به بجدية:
"هل أنتِ بخير..؟"
أخذت تسأله هي الأخرى:
"هل ذهبت تلك المرأة..؟"
رد بجدية:
"لا أعلم.. لقد تركتها في نفس المكان..."
"سأنتظر قليلاً هنا حتى أتأكد إنها رحلت ثم أعود لوالدي..."
قالتها وهي تبتسم بألم ليرفع حاجبه متسائلًا بفضول فشل في السيطرة عليه:
"هل تزعجك رؤيتها إلى هذه الدرجة..؟"
أومأت برأسها وهي تنظر إليه بعينين متألمتين فردد بدهشة:
"لكنها والدتك..."
قالت بإقتضاب:
"بالاسم فقط..."
أخذ نفسه ثم وجد نفسه يتقدم نحوها جالسًا بجانبه يسألها برفق:
"كيف يعني بالاسم فقط..؟"
رفعت وجهها نحو السماء تتأمل الطيور التي تتحرك في الأفق، بينما تخبره:
"لقد تركتني منذ طفولتي.. كنت في الرابعة من عمري عندما تطلقت من والدي ورحلت وتزوجت من آخر غني جعلها تعيش في المستوى الذي تتمناه.. تزوجت وأنجبت ثم عادت بعد أكثر من ستة أعوام تطالب بي وبأحقية أخذي وتربيتي..."
سألها بإهتمام:
"هل رفض والدكِ أن تذهبي معها..؟"
ردت بجدية:
"كلا، أنا من رفضت ذلك..."
سألها مصدومًا:
"أنتِ من رفضتِ..؟"
تهكمت ملامحها وهي تقول:
"نعم، هل تصدق ذلك..؟! لقد فعلت المستحيل حتى تأخذني معها.. حاولت إغرائي بالملابس والألعاب والحياة المرفهة.. حاولت وحاولت ولكنني أصررت على الرفض.. رفضتها رغم جميع محاولاتها..."
أردفت وهي تبتسم بحزن ودموع جارفة تهطل على وجنتيها:
"لم أستطع ترك والدي.. مهما بلغت حاجته وفقره لكنني لم أستطع فعل ذلك.. هو كان كل شيء لي وهو من تحمل الكثير لأجلي فكيف أتركه..؟! كما إنني لم أستطع الوثوق بها فربما تتركني مجددًا لأي سبب كان..."
نظر إليها بصمت غريب للحظات فاستدارت بوجهها الباكي تطالع نظراته بإستغراب عندما أشاح بوجهه نحو الجانب الآخر مجددًا يردد بصدق:
"لا أصدق إن هناك فتاة مثلك تفكر بهذه الطريقة وتتصرف على هذا النحو يا حياة..."
"هل أعتبر هذا مدحًا أم ذمًا لتفكيري وتصرفاتي..؟"
سألته بترقب ليلتفت نحوها مبتسمًا بهدوء مرددًا بجدية:
"مدح بالطبع.. فتاة مثلك لا تستحق سوى المديح يا حياة..."
أضاف وعيناه تتأملان تلك الابتسامة التي أضاءت وجهها الباكي بفعل كلماته:
"أنتِ جميلة حقًا يا حياة وأجمل ما فيكِ أخلاقك وصفاتك المميزة..."
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثامن 8 - بقلم سارة علي
أوقفت سيارتها أمام مقر شركته وهبطت منها تتجه بملامح مشدودة إلى داخل الشركة.
كانت تسير بخطوات سريعة مندفعة وكأنها لا ترى أحدًا أمامها.
سوى بكل خبثه ودنائته، ضغطت على زر المصعد ووقفت جانبه تنتظر نزوله.
عندما فُتِحت الباب ودلفت إلى الداخل وضغطت على الزر المخصص للطابق الأخير.
كانت متجهمة الملامح تعقد ذراعيها أمام صدرها وعقلها يفكر بالعديد من الأشياء التي يمكنها أن تفعلها.
لكن هناك شيء واحد مصرة عليه وستنفذه حالًا.
اندفعت خارج المصعد ما إن فُتِحت بابه واتجهت بخطوات متسارعة حيث مكتبه.
بعدما سألت إحدى الموظفات المارة بجانبها عن مكان مكتبه.
وصلت إلى حيث دلتها الموظفة لتجد سكرتيرته تجلس في مكتبها تمارس عملها.
عندما انتفضت من مكانها تصيح عليها وهي تجري خلفها تخبرها أن تتوقف.
لكنها لم تهتم وهي تندفع إلى داخل المكتب بكل قوتها.
فانتفض عمار من مكانه غير مستوعبًا ما يحدث.
فها هي مريم تقف أمامه منتصبة الجسد بملامح شامخة يملؤها الحقد والتوعد.
وعيناها المتطرفتان تخبرانه بكم الرغبة داخلها في الانقضاض عليه وافتراسه.
نطقت أخيرًا بصوت حازم متحفز:
"أريد الحديث معك."
أشار عمار بعينيه للسكرتيرة يخبرها أن تنصرف.
فأومأت برأسها متفهمة وتحركت خارج المكتب وأغلقت الباب جيدًا.
ليهتف عمار بصوت خرج جادًا قويًا:
"تفضلي."
تقدمت نحوه بخطوات ثابتة ووقفت أمامه لا فاصل بينهما سوى مكتبه.
تخبره بعينين تتطلعان إليه بكل تبجح وثقة ممكنة:
"هي كلمة واحدة فقط سأقولها، طلق ليلى واتركها تعيش حياتها بحرية."
ملامحه كساها الجمود للحظات فقط، عيناه تتفرسان النظر في ملامحها التي لا يعشق سواها.
وبالرغم من جموده المهيب كانت تقابله بثبات مثير للإعجاب.
ونظراتها تخبره بكل صراحة أنها لن تتراجع عما تريده ولو كلفها الأمر الكثير.
"هل هي من طلبت ذلك؟"
سألها بهدوء ونبرة خرجت عادية لا تحمل شيئًا معينًا.
وعاد يتساءل قبل أن يمنحها فرصة الرد:
"هل أوكلتكِ للتحدث معي بشأن هذا نيابة عنها؟"
قالت بجدية:
"هي لا تستطيع قول ذلك، لا تستطيع طلب الطلاق لسبب أنت تعرفه حق المعرفة."
صمت لوهلة يفكر في حقيقة أنها باتت تعلم كل شيء.
بالطبع ليلى هي من أخبرتها.
وبدوره لم يكن مستغربًا، فكان يتوقع أن يأتي اليوم وتعلم مريم من أختها حقيقة الأمر.
حقيقة تهديده لها كي تتزوجه.
لكنه راوغ كالعادة وهو يستفسر من جديد مدعيًا الحيرة:
"وما هو السبب الذي يمنعها عن ذلك؟"
ضمت شفتيها للحظة ثم عادت ترسم على ثغرها ابتسامة متهكمة وهي تردد بملامح تتقد شرًا:
"تراوغ كالعادة. حسنًا، لأتحدث أنا إذًا بصراحتي المعتادة وأخبرك بما تدعي عدم معرفته رغم أنك تعرفه جيدًا."
أضافت بصوت هادئ لكن قوي وملامحها كساها الكره الشديد بسبب ما تعرضت له أخته من ابتزاز على يديه:
"أنت هددت ليلى يا عمار، هددتها بحياة نديم مما جعلها مجبرة على الزواج بك. تزوجتك وعاشت تعيسة لسنوات معك فقط كي تنقذ نديم من براثن إجرامك."
أردفت بنبرة مليئة بالبغض حيث لم تستطع منع نفسها من قول هذا:
"كم أنك رجلٌ نذل وحقير كي تستغل مشاعرها وحبها الشديد لأخيك."
وهنا لم يستطع عمار التحكم في غضبه، فضرب بكفيه على سطح المكتب بقوة جعلتها تجفل لا إراديًا.
ليندفع بعدها نحوها بسرعة مخيفة قابضًا على ذراعها يهدر بها وهو يهزها بعنف:
"إياك يا مريم، إياكِ أن تتجاوزي حدودكِ وتنعتيني بصفات كهذه مهما حدث."
ومريم بالطبع ازداد غضبها منه أضعافًا، فجرت ذراعها من قبضته الشديدة بعنف وأخذت تصيح به بصوت منفعل ساخط:
"بل سأفعل، سأفعل لأنك تستحق. الذي يستغل فتاة لا حول لها ولا قوة في انتقامه يستحق هذا وأكثر."
وجدت ملامحه تشتد بطريقة مخيفة وعيناه تبدوان على وشك الفتك بها بينما جسده يميل نحوها بنية الانقضاض الحتمي عليها.
في تلك اللحظة بدأ الذعر يتسرب إليها وقد استوعبت أخيرًا حقيقة وجودها أمام شيطان حقير لا يرحم.
فظهر الارتباك جليًا على ملامحها وهي تتراجع إلى الخلف بخطوات بدت لا إرادية ولا وعي منها.
لكنه انقض عليها بالفعل محيطًا جسدها بذراعيه جاذبًا إياها نحوه مقربًا وجهه من وجهها المرتعب مرددًا بحدة ونبرة مخيفة:
"من أنتِ كي تتحدثي هكذا؟ من أين أتتك الجرأة كي تتحدثي معي بهذه الطريقة؟"
حاولت السيطرة على خوفها من هذا القرب المقيت فأجابت بصوت خرج ثابتًا وعينين واثقتين:
"أنا مريم، مريم سليمان، لا أخشى أحدًا ولا يهمني أحدًا. أفعل ما يحلو وأعبر عن داخلي دون خوف أو تردد. أنا مريم يا عمار، مريم التي لن تترك أختها الوحيدة فريسة لك، لن تسمح لك باستغلالها أكثر. مريم التي ستحرر ليلى منك ومن قيدك يا عمار."
وبالرغم من شدة غضبه وضيقه من طريقة حديثها معه وما تلفظت به، إلا أن إعجابه بقوتها وشراستها كان يزداد أضعافًا.
وعشقه الثابت لها بدأ يشتد بشكل مخيف.
هي لا تدرك ما تفعله وما يشعر به الآن وفي هذه اللحظة حيث يحاصرها بذراعيه ووجهها الجميل قريب للغاية من وجهه.
تأملت مريم نظراته الجامدة المسلطة على وجهها بقوة وعناد فطري، فسمعته يقول وتلك النظرة الجامدة في عينيه تحولت إلى أخرى شغوفة أجفلتها:
"لو تعلمين مدى إعجابي بكِ وبقوتك هذه يا مريم، أنتِ..."
صمت قليلاً وهو يفترسها بنفس النظرة الشغوفة الخالصة ليزداد رعبها من تلك النظرات التي تمنحها أفكارًا مرعبة لا تتمنى تصديقها.
بينما يسترسل بصوت انتقل شغف النظرات له على ما يبدو:
"أنتِ قوية وجذابة بشكل يعجز الكلام عن وصفه وتعجز القلوب عن تغاضيه."
وفي لمح البصر وما إن قال ما في جعبته وانتهى منه، اختفت النظرات الشغوفة وحل محلها الجمود من جديد ليسأل بصوت جليدي:
"والآن، هل انتهيت أم هناك المزيد؟"
حاولت مريم أن تستعيد ثباتها وتسيطر على ذلك الاضطراب الذي سيطر على كل شبر من جسدها بعدما حدث.
فهتفت بصوت خرج مرتجفًا بشكل لا إرادي عنها:
"طلق ليلى."
رد عليها بحزم قاطع:
"لن أفعل."
قاطعته بقوة وتصميم:
"بل ستفعل."
سألها بملامح هازئة:
"وكيف ستجبريني على ذلك؟"
صاحت بنفاذ صبر منه ومن أسلوبه المليء بالاستفزاز:
"طلقها يا نديم، طلقها من فضلك."
هز رأسه نفيًا دون رد وهناك ابتسامة مغيظة مرتسمة على شفتيه.
"من تظن نفسك كي تتحكم في مصيرها هكذا؟"
سألته بأعصاب مشدودة على وشك الانفجار الحتمي لتجده يجيب وهو يطالعها بنظرات مستلذة بتلك الفتنة التي تسيطر على ملامحها الغاضبة:
"هي من اختارت ذلك، فلا تلوميني أنا يا مريم."
لم تشعر بنفسها إلا وهي تقبض بكفها على المزهرية الموضوعة على المكتب جانبها تضغط عليها بقوة وداخلها تتمنى أن تحطم بها رأسه.
نظر إلى كفها التي تعتصر المزهرية وقال بتهكم بارد:
"خففي من عصبيتك يا مريم كي لا تصابي بالجلطة لا سامح الله."
وفي لمح البصر كانت ترمي المزهرية على الأرض فتتحطم إلى أشلاء بينما تصرخ هي به:
"اخرس، لا أرغب بسماع صوتك البغيض، أنت..."
أضافت بصوت مرتجف من فرط عصبيتها:
"ستطلق ليلى يا عمار، ستطلقها، هل فهمت؟"
قالت كلماتها الأخيرة وهي تشير بإصبعها ناحيته لتسمعه يسأل ببرود مستفز:
"وإذا لم أفعل؟"
تقدمت نحوه أكثر حتى بات التلامس بينهما وشيكًا فتحدثت بصوت هادئ قوي وعينيها المشتعلتان تحاصران عينيه الراغبتين:
"سأفضحك، سأخبر نديم بكل شيء."
رده كان باردًا لا مباليًا:
"أخبريه، لكن عليك استشارة ليلى أولاً فلا أظن أنها ستوافقك على هذا."
"سأخبره يا عمار، سأخبره بكل شيء وكيف أجبرت ليلى على زواجها منك وحينها سيأخذ هو حقها منك كاملًا."
نطقت جملتها الأخيرة بملامح شامتة فوجدته يهتف بسخرية:
"أخبريه يا مريم، لكن ضعي في رأسك إن تصرفك هذا سيزيد الطين بله. حينها ستدمرين ليلى أكثر وتتسببين في موت نديم لأني سأنفذ تهديدي وقتها."
هتفت ببرود يماثل بروده:
"لا يهمني نديم ولا تهمني أنت وما ستفعله. ما يهمني هو أختي، أختي فقط. أما أنت وأخاك فلتذهبا أنتما الاثنان إلى الجحيم."
أنهت كلماتها ومنحته نظرة متوعدة أخيرة ثم انطلقت خارج المكان بسرعة وهي تتوعد في داخلها لذلك الحقير.
كانت ليلى تسير داخل غرفتها ذهابًا وإيابًا والقلق يسيطر عليها.
لا تعرف أين ذهبت مريم وماذا فعلت.
هي تعرف مدى عصبية أختها وتهورها وتخشى كثيرًا من تصرفاتها غير المحسوبة.
عادت تتصل بها من جديد على أمل أن ترد هذه المرة، فهي لم تجب على جميع اتصالاتها السابقة.
ومن حسن حظها أنها أجابتها بصوت مبحوح من شدة انفعالها السابق في حديثها مع عمار:
"نعم ليلى."
سألتها ليلى محاولة السيطرة على أنفاسها المضطربة القلقة:
"أين ذهبتِ يا مريم ولماذا تتجاهلين اتصالاتي؟"
أجابت مريم بفتور:
"ليس مهمًا."
ثم أضافت بنبرة حازمة قوية تحسم هذا الموضوع:
"اسمعيني يا ليلى، سترفعين دعوة طلاق على هذا النذل. هل فهمتِ؟"
صاحت ليلى وقد ضايقتها طريقة مريم:
"لا تتحدثي معي بهذا الأسلوب يا مريم."
وأردفت معترضة على حديثها بشدة وشعور أن الجميع بات يتحكم بها وبتصرفاتها يخنقها كليًا:
"لن أفعل ذلك وأنتِ لا يحق لكِ أن تأمريني بهذه الطريقة."
هتفت مريم بصوت ذاهل وإصرار ليلى على عدم الطلاق بل التعامل معها وكأنها تجبرها على ما لا ترغب يضاعف غضبها من سلبية أختها:
"تتضايقين مني ومما قلته بينما أنا أقول ذلك لأجل مصلحتك. أنا لا أصدق ما أسمعه."
استرسلت بصوت عصبي وقد بلغ غضبها من أختها ذروته:
"لماذا تفعلين بنفسك هذا؟ لأجل من؟ لأجل نديم؟ تضحين بحياتك ومستقبلك كله لأجله؟ أنا لا أفهم حقًا كيف تفكرين. أفيقي يا ليلى، يكفي غباءً وسلبية."
"غباءً؟"
قالتها ليلى بألم ظهر جليًا في صوتها بينما شعرت مريم بخطئها الذي تسبب به انفعالها الشديد.
فهمت بالاعتذار لكن ليلى سبقتها وهي تقول بصوت حازم محاولة السيطرة على نفسها كي لا تصيح عليها بقسوة:
"لاحظي أنكِ تتحدثين مع أختكِ الكبرى يا مريم."
هتفت مريم بضيق من نفسها أولاً قبل ليلى:
"أنا أعتذر يا ليلى ولكنكِ لا تعرفين مصلحتكِ وتدمرين نفسك وحياتك بلا مبالاة."
قالت ليلى بإيجاز محاولة إنهاء المكالمة وفي داخلها تعلم أن مريم تتطرق إلى الشيء الذي لطالما خشيت منه:
"أرجو منكِ ألا تتدخلي في هذا الأمر يا مريم. هذه حياتي الخاصة وأنا حرة في كيفية إدارتها."
ثم أضافت، منهية المكالمة بالفعل دون أن تعطي الفرصة لمريم بالرد:
"سأغلق الهاتف الآن. مع السلامة."
أغلقت الهاتف في وجهها ثم أخذت تعتصره لا إراديًا داخل قبضة يدها.
وكلام مريم أوجعها كليًا وحقيقة أنها دمرت حياتها بنفسها تؤلمها وتجعلها تشعر بكم الوجع والأذى الذي تسببت به لذاتها.
لكنها تدرك جيدًا في نفس الوقت أنها فعلت هذا لأجل نديم.
حبها الأوحد.
هي ليست نادمة أبدًا، فهي لن تتحمل أن يؤذي عمار حبيبها بأي شكل من الأشكال.
لذا دائمًا وأبدًا كانت ستوافق على طلبه في سبيل إنقاذ نديم من براثن ذلك الحقير.
رمت هاتفها على السرير ثم تحركت خارج الغرفة مقررة أن تخرج إلى الحديقة لعل الجو في الخارج يساعدها في تهدئة أعصابها المثارة.
هبطت درجات السلم نحو الطابق السفلي عندما وجدت غالية تدلف إلى المنزل بملامح مكفهرة.
حيث ألقت التحية باقتضاب عليها ثم همت بالتحرك نحو السلم كي تصعد إلى غرفتها.
لكن ليلى أوقفتها تسألها باهتمام:
"ماذا حدث يا غالية؟ تبدين لستِ بخير. هل هناك مشكلة ما؟"
زفرت غالية أنفاسها ورددت باستياء ظهر على ملامح وجهها الحسنة وفي نبرة صوتها الناعمة:
"رجل تافه وسخيف، يتحدث بوقاحة لم أرَ لها مثيل."
سألتها ليلى باستغراب من تلك الكلمات التي لم تسمعها يومًا تصدر على لسان غالية:
"عمن تتحدثين؟ أي رجل وماذا فعل؟"
تبرمت ملامح وجهها لا إراديًا وهي تتذكر كلامه الوقح وقلة حياءه فأخبرتها بما قاله.
ضحكت ليلى لا إراديًا وقالت من بين ضحكاتها:
"إنه قليل الأدب حقًا."
ثم أضافت وهي تغمز لها:
"لكن لا تلوميه فجمالك آسر حقًا يا ابنة خالتي."
ردت غالية بامتعاض حقيقي:
"وقح وعديم الحياء، أقسم بالله إنني لن أتردد لحظة واحدة في ضربه إذا عاود تصرفاته هذه."
سألتها ليلى بتعجب:
"وأين سترينه من جديد يا غالية؟"
أجابت غالية بجدية:
"سألت عنه وعلمت إنه شريك عمار الجديد. بالتأكيد سيتردد دائمًا في الشركة وربما يجمعني عمل معه أيضًا."
"سألتِ عنه أيضًا؟ لا تقولي إنه شغل اهتمامك يا غالية."
صاحت غالية لا إراديًا مستنكرة ما تقوله ليلى فهي بالطبع لم ولن تهتم بمن مثله:
"بالطبع لا، أنا لست مهتمة أبدًا ولكن فضولي دفعني لمعرفة من هذا الرجل الذي يمتلك كل هذه الجرأة والوقاحة في التعامل."
هتفت ليلى بسرعة:
"حسنًا معك حق، ولكن أخبريني هل هو وسيم؟"
قالتها ليلى وهي ترمقها بنظرات عابثة مرحة لتضم غالية شفتيها بضيق من تفكير ليلى التي يبدو أنها صدقت بالفعل اهتمامها بذلك الوقح.
ردت غالية أخيرًا باقتضاب وهي تتذكر ملامحه الرجولية التي لا تخلو من الجاذبية:
"ليس كثيرًا، ملامحه عادية عمومًا لكنه جذاب."
ابتسمت ليلى وشعور أن ذلك الرجل سيكون له دور في حياة غالية سيطر عليها.
وقبل أن تتحدث كان عمار يقتحم المكان بملامح جامدة حيث اتجه نحوها وأمرها:
"اتبعيني إلى غرفتنا."
ثم اتجه بخطواته نحو السلم لتتلاقى نظرات غالية المستغربة بنظراتها الباردة فتخبرها أنها ستتبعه وتتحرك بالفعل خلفه وهي تعرف حق المعرفة ما يريده.
دلفت ليلى إلى غرفتها لتجد عمار يجلس على الكنبة بملامح متحفزة وكان قد خلع سترته ورماها جانبه بإهمال.
توقفت أمامه بملامح ثابتة تسأله:
"نعم؟ ماذا تريد؟"
"أخبرتكِ مريم بكل شيء إذا."
كان صوته هادئًا ساكنًا لا يوحي بشيء.
وردت هي بنفس الهدوء والثبات:
"ليس بالضبط، لم أخبرها عن كونك المتسبب في حبسه. لم أتطرق إلى هذا الموضوع."
سألها بملامح هازئة:
"لماذا؟ كان عليكِ أن تخبريها بكل شيء."
ردت بقوة:
"سأفعل المرة القادمة."
انتفض من مكانه متقدمًا نحوها بملامح متحفزة ونظرات نارية ليقف في وجهها قائلاً بصوت قوي حازم:
"موضوع الطلاق انسيه تمامًا فأنا لن أطلقك في جميع الأحوال. في السابق منحتك الحرية المطلقة في تحديد مصيرك وأنتِ اخترتِ البقاء لأجل حماية حبيبك نديم باشا. أما الآن فالوضع تغير. من الآن فصاعدًا القرار لي وحدي وقراري هو بقاؤك زوجتي ملكي حتى أقرر يومًا ما العكس."
أكمل ونظراته الثائرة تحاصرانها بقوة:
"وهناك شيء آخر يجب أن تعلميه، زواجنا سيصبح حقيقيًا قريبًا جدًا، استعدي لذلك من الآن."
أنهى كلماته الحازمة وانسحب خارجًا من المكان بأكمله تاركًا إياها تنظر أمامها بملامح جامدة لا يتحرك بها شيئًا سوى مقلتيها العسليتين اللتين تهتزان تلقائيًا وتحملان داخلهما الكثير من الألم.
دلفت حياة إلى منزلها بملامح مرهقة حيث خلعت حذائها على الفور وحملته متجهة إلى غرفتها.
وضعت الحذاء في مكانه بعدما أغلقت الباب خلفها واتجهت نحو الخزانة حيث أخرجت لها بيجامة وشرعت في خلع ملابسها وارتدائها.
جلست بعدها على السرير وهي تحمل هاتفها وتفتحه لتجد اتصالات من مي صديقتها ومن رقم غريب عرفته جيدًا.
تأففت بضيق ثم قررت الاتصال على مي التي سألتها عن أحوالها وأحوال والدها.
فردت حياة باختصار عليها تخبرها إن والدها أصبح أفضل من السابق وسيخرج غدًا من المشفى.
أنهت اتصالها مع مي وتمددت بجسدها فوق سريرها تنظر إلى السقف بعينيها وعقلها يفكر لا إراديًا بوالدها ووضعه الصحي.
هي تعلم أن وضع والدها خطير وأن تحسنه هذا هو مجرد تحسن وقتي.
تشعر بالألم والضعف كلما تذكرت أن فقدان والدها بات وشيكًا فوضعه الصحي سيء حقًا وجسده الضعيف لن يتحمل مرضه أكثر.
تتمنى لو بمقدورها فعل شيء لكن لا شيء يمكن فعله فهذا عمره الذي كتبه الله له وفي النهاية مهما حدث فالموت حق وسيأتي يوم وتخسره.
طفرت الدموع داخل عينيها وهي تشعر بأنها غير مستعدة أبدًا لخسارته وحقيقة أنها ستغدو وحيدة من بعده توجعها بشدة.
عادت تفكر بأمر خروجه غدًا وضرورة شراء جهاز التنفس له وجلب أحد يعتني به.
ماذا ستفعل ومن أين ستجلب الأموال الكافية لهذا؟
اعتدلت في جلستها تحاول التفكير بحل فهي لا تريد لوالدها أن يتعذب في آخر أيامه لذا عليها أن توفر كافة سبل الراحة له.
أفاقت من أفكارها على صوت رنين هاتفها فوجدت نفس الرقم يتصل به.
نظرت إلى الرقم بملامح ساخطة بينما المتصل ما زال يلح عليها كي تجيب.
زفرت أنفاسها بضيق ثم ضغطت على زر الإجابة ليأتيها صوت والدتها المتلهف:
"حياة! وأخيرًا أجبتِ، قلقت عليكِ كثيرًا."
قاطعتها حياة بصوت بارد لا حياة فيه:
"ماذا تريدين؟"
هتفت والدتها بحزن من جمودها الدائم معها:
"لماذا تفعلين هذا يا حياة؟ لماذا يا ابنتي؟"
سألتها حياة بصوت منزعج:
"ماذا فعلت أنا لا أفهم؟"
أجابت والدته بألم شديد من أسلوبها القاسي معها:
"أنتِ تؤذينني بطريقتك هذه يا حياة، أنا والدتكِ يا حبيبتي، لماذا تتعاملين معي هكذا؟ نعم أخطأت في حقكِ وحق والدكِ لكنني أريد إصلاح خطئي، لماذا ترفضين ذلك؟ لماذا لا تسمحين لي بهذا؟"
صاحت حياة بصوت منفعل وقد هطلت الدموع من عينيها لا إراديًا وذكرى تخليها عن والدها وعنها أيضًا تجرحها بقسوة:
"لأنكِ لا تستحقين، لأنكِ تخليتِ عنا، بعتنا لأجل المال والحياة الرغيدة، هل تريدين أسبابًا أخرى؟ في الحقيقة هذه الأسباب لوحدها كافية تمامًا."
هتفت والدتها بصوت معترض باكي:
"كلا يا حياة، أنا لم أتخلَ عنكِ، على العكس تمامًا، ربما تخليت عن والدكِ بالفعل لكن عنكِ لا، أنتِ ابنتي يا حياة، ابنتي البكر وأول فرحتي، كيف أتخلى عنكِ؟"
"لكنكِ فعلتِ."
قالتها حياة بصوت باكي لتسمع والدتها تتوسلها:
"سامحيني يا حياة، أعطيني فرصة واحدة أرجوكِ."
أضافت والدتها بترجي:
"أتوسل إليكِ يا ابنتي سامحيني، أنا لا أريد شيئًا سوى الاقتراب منكِ وتعويضك."
سألتها حياة بسخرية مريرة:
"تعويضي؟ عن أي شيء ستعوضيني بالضبط؟"
أضافت وهي تمسح دموعها:
"لا يوجد شيء يستطيع تعويضي عما عشته طوال حياتي بلا أم."
"امنحيني فرصة واحدة."
قالتها والدتها برجاء باكي لترد حياة بقوة وتحذير متجاهلة توسلاتها:
"إياكِ أن تأتي إلى المشفى مرة أخرى، صحة والدي سيئة للغاية ولا أريدها أن تتدهور أكثر بوجودك."
قالت والدتها بسرعة وهي تتذكر حديث الطبيب عن صحة فاضل:
"أعلم، لقد تحدثت مع الطبيب وأخبرني بكل شيء."
أكملت تعرض عليها المساعدة بتردد من ردة فعلها:
"حبيبتي والدك يحتاج إلى جهاز باهظ الثمن وعناية تحتاج إلى أموال كثيرة، أنا فقط فكرت إنه بإمكاني مساعدتكِ."
قاطعتها حياة بإباء:
"لا أحتاج مساعدتكِ."
هتفت والدتها تصر عليها:
"يا ابنتي لا تعاندي، أنتِ لا تمتلكين ما يكفي لدفع كل هذه المصاريف."
صممت حياة على رفضها:
"سأتدبر أمري بنفسي، أشكركِ على اهتمامك."
تنهدت والدتها بصوت مسموع ثم قالت أخيرًا بعدما يأست من محاولاتها:
"كما تشائين، لكن تذكري دائمًا أنني موجودة دائمًا ولا تترددي لحظة واحدة في طلب المساعدة إذا احتجتِ يومًا لذلك فأنا والدتك يا حياة."
أغلقت حياة الهاتف بعدما أنهت اتصالها مع والدتها وهي تشعر بتعبها يزداد ورغبتها في النوم تلح عليها فقررت تأجيل مذاكرتها والنوم قليلاً قبل أن يأتي موعد ذهابها إلى عملها مساءً.
في صباح اليوم التالي.
فتح نديم عينيه على صوت رنين منبه هاتفه.
اعتدل في جلسته وهو يحمل هاتفه ويغلق المنبه.
زفر أنفاسه بتعب وهو ينهض من مكانه يستعد لأخذ حمامه سريعًا قبل الذهاب لزيارة مجد صديقه.
حيث استعد لزيارته منذ يومين بعدما علم بموعد الزيارة مقررًا عدم تفويتها فهو وعده أن يزوره دائمًا ولا ينقطع عنه مهما حدث.
خرج بعد مدة من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة ليبدأ بارتداء ملابسه استعدادًا للخروج.
خرج بعد مدة من الشقة وركب سيارته متجهاً إلى نفس المكان الذي غادره منذ مدة قصيرة.
بعد مدة كان يجلس أمام مجد الذي فرح بشدة لمجيئه حيث قال بفرحة سيطرت عليه:
"كنت أعلم إنك ستزورني بعد خروجك يا نديم ولكن لم أتوقع أن تأتي زيارتك بهذه السرعة."
هتف نديم بصدق:
"اشتقت لك كثيرًا يا صاحبي."
"وأنا أيضًا يا نديم، أخبرني كيف وضعك الآن وماذا فعلتَ بعد خروجك؟"
أطلق نديم تنهيدة طويلة وعقله بدأ يراجع ما قام به منذ خروجه فلم يجد سوى اللا شيء.
نطق وقد سيطر على ملامحه الضيق الواضح:
"لا شيء، لم أفعل أي شيء يا مجد، تركت منزلي فقط وأصبحت أعيش لوحدي في شقة قريبة من المنزل، هذا فقط لا غير."
سأله مجد بجدية وعتاب صريح:
"وهل تنوي البقاء هكذا يا نديم؟ لا تفعل أي شيء."
رمقه نديم بنظرات تخبره عن مدى شقائه ورد بصوت يحمل في طياته الكثير:
"لا أعلم يا مجد، أحيانًا أرغب بفعل شيء، أي شيء، فقط كي أشعر إنني بدأت أنهض بنفسي قليلاً ولكن..."
صمت قليلاً ثم قال:
"لكنني أشعر إنني عاجز عن القيام بأي شيء، حتى أبسط الأشياء عاجز عنها."
تحدث مجد بصوت قوي محفز:
"كلا يا نديم، أنت لست بعاجز، يكفي يا نديم حقًا، لقد حدث ما حدث وعليك تجاوزه، هذا الأمر لا خيار فيه فأنت مجبر على التعايش وتجاوز ما حدث، مجبر على النهوض بنفسك لأجلك أنت يا نديم. الحياة لن تقف على مصيبة حدثت أو مشكلة أطاحت بك، الحياة تستمر وأنت مجبر على الاستمرار بدورك."
أردف وهو يتأمل ملامحه التي شردت كليًا بعد سماع كلماته:
"أنت تضيع أيام وربما سنين من عمرك دون أن تعي ذلك، قاوم نفسك وضعفك الذي يجبرك على هذا، قاوم كل شيء وحارب كل ما يمنعك عن البدء من جديد."
نظر نديم إليه بهدوء دون أن يعقب على حديثه وقد تذكر فجأة حديث حياة وهي تخبره بسلاسة:
"أؤمن إننا خلقنا في هذه الحياة ونحن مجبورون على المرور في العديد من الاختبارات، اختبارات صعبة وطويلة، ونحن أمام ذلك لدينا خيارين فقط لا غير، إما أن نسمح لشعور العجز أن يسيطر علينا فنعيش عمرنا بأكمله نندب حظنا على ما وقع بنا، نرفض تجاوزه ونبكي على أطلاله حتى تنتهي حياتنا ونحن عاجزون محطمون فيكون عجزنا وضعفنا من قتلنا أو هناك خيار آخر، وهو أن ننجح في تجاوز تلك الاختبارات ونتخذها وسيلة لتحقيق ذاتنا ومن خلالها نصنع بداية جديدة، بداية تكون أفضل وأنجح من سابقتها."
"كن قويًا يا بك وحاول بكل ما تملكه من عزيمة أن تتجاوز ما حدث."
أفاق من شروده على صوت مجد يسأله:
"لماذا لا تقول شيئًا؟"
تأمله نديم قلقًا قبل أن يبتسم بهدوء وهو يقول:
"سأحاول يا مجد، أعدك بهذا."
والغريب أن هذه المرة شعر أن كلامه هذا خرج من أعماقه وعزيمة شديدة داخله تصر على تنفيذ وعده هذه المرة.
خرج نديم من السجن وشعور غريب من الراحة سيطر عليه بعد رؤيته لمجد وحديثه معه.
كان يعلم أن شعوره هذا مؤقت لكنه سعيد به.
وإلى جانب هذا الشعور وجد شعورًا آخر غريبًا يتنامى داخله.
كان يرغب برؤيتها والتحدث معها.
لا يعلم لماذا لكنه يرغب بذلك.
تلك الفتاة ورغم لقاءاته القصيرة والتي لا تتجاوز المرتين أو ثلاث معها إلا أنها جذبته إليها ربما بسبب بساطتها وتلقائيتها أو ربما بسبب حديثها معه والذي سكن قلبه لا إراديًا رغم بساطته وعفويته.
نظر إلى هاتفه للحظات ثم قرر التواصل معها وهو يتذكر أمر خروج والدها من المشفى.
فضغط على اسمها واتصل بها لتجيبه بعد لحظات بصوتها الرقيق:
"أهلاً يا بك."
قال بجدية يرد تحيتها:
"أهلاً حياة، هل أنتِ في المشفى الآن؟"
أجابته:
"نعم هناك، سأبقى بجانب والدي حتى يخرج مساء اليوم."
سألها باهتمام:
"وكيف حاله الآن؟"
ردت بهدوء:
"بخير الحمد لله."
بعدما سأل عن فاضل واطمأن عليه أخبرها إنه سيأتي لزيارته اليوم ثم ودعها بعد ذلك.
نظر إلى ساعته ليجدها تجاوزت الثانية عشر ظهراً فقرر الذهاب إلى المشفى عصراً.
عاد إلى شقته ليجد صديقه وسام هناك في انتظاره فرحب به وهو يسأله عن أحواله خاصة بعد تعب والدته وبقائها في المشفى لأكثر من أسبوع.
ثم دعاه إلى الداخل ليتناولا الغداء سوياً ويتحدثان أيضاً فهما لم يلتقيا ببعض سوى مرة واحدة بعد خروجه من السجن بسبب انشغال وسام بوالدته أثناء مرضها وبقائه معها أغلب الوقت.
في المشفى.
كانت حياة تجلس على أحد الكراسي الموضوعة في ممر المشفى بجانب غرفة والدها تقرأ بإحدى الروايات بتركيز شديد عندما فوجئت بثامر أمامها.
والذي أتى لزيارة والدها والاطمئنان عليه ومعه جاءت مي صديقتها.
نهضت من مكانها بسرعة وهي ترسم ابتسامة متوترة على ثغرها ترحب به أولاً:
"دكتور ثامر، أهلاً بك."
ثم نظرت إلى مي ورحبت بها هي الأخرى:
"أهلاً مي، كيف حالك؟"
احتضنتها مي على الفور ثم قالت تتساءل:
"كيف حالك يا حياة وكيف أصبح عمي فاضل؟ طمئنيني عليه."
أجابت حياة وهي ترسم ابتسامة خافتة على شفتيها:
"وضعه أفضل حاليًا، أتمنى أن يبقى هكذا."
قبضت مي على كفيها تضغط عليهما بدعم وهي تدعو بتمني:
"إن شاء الله حبيبتي، بإذن الله سيصبح أفضل بكثير."
هتفت حياة مشيرة إلى ثامر:
"أشكرك حقًا على مجيئك إلى المشفى أكثر من مرة وسؤالك المستمر عن صحة والدي، أنا ممتنة لاهتمامك هذا كثيرًا."
ابتسم ثامر بهدوء وقال بصوته الرخيم وملامحه التي تنطق بالمحبة:
"لا داعي للشكر يا حياة، أنا أقوم بواجبي ناحيتك."
ابتسمت حياة بخجل وهمت بالحديث عندما وجدت نديم يتقدم نحوها بملامحه الهادئة ليلقي التحية عليهم.
فيستدير ثامر نحوه يتأمله قليلاً مستغربًا وجوده الدائم مع حياة.
رد الجميع تحيته ومي تنظر إليه بفضول فتقول حياة معرفة عنه:
"إنه نديم بك يا مي، والدي يعمل عنده."
ثم أشارت إلى نديم:
"مي صديقتي وطبعًا دكتور ثامر تعرفت عليه."
"أهلاً بكِ يا آنسة، أهلاً بك يا دكتور."
قالها نديم يحييهما بهدوء ليرد الاثنان تحيته.
بينما سأل ثامر باهتمام:
"متى سيخرج والدك إذا؟"
أجابت حياة بجدية:
"مساء اليوم بإذن الله."
ثم هتفت وقد تذكرت إنهما ما زالا واقفين مكانهما:
"أنا آسفة تركتكما واقفين هكذا ولكن..."
قالت مي بسرعة:
"لا تتأسفي يا حياة، نحن جئنا فقط للاطمئنان على والدك وسنذهب، أليس كذلك يا دكتور؟"
ابتسم ثامر وهو يرد:
"نعم هو كذلك."
ثم أشار إلى حياة وهو ما زال محتفظًا بابتسامته:
"سآتي لزيارة والدكِ والاطمئنان عليه في منزله أيضًا يا حياة، لا تنسي إذا ما احتجتِ لأي شيء أخبريني، لا تترددي في ذلك أرجوك."
ردت حياة وهي تحاول إخفاء حرجها من اهتمامه الصريح والذي انتبه له نديم متعجبًا داخله من هذا الاهتمام:
"أكيد يا دكتور، أشكرك من جديد على اهتمامك."
ودعها الاثنان ورحلا لتلتفت حياة نحوه بابتسامة خجولة فتتفاجأ به يسألها:
"أليس من الغريب أن يهتم الأستاذ بتلميذته إلى هذا الحد؟"
ثم أضاف وقد شعر بخطأ ما قاله وتدخله الذي لا داعي له:
"حسنًا لا أقصد التدخل ولكن..."
صمت قليلاً ثم قال ما يدور في جعبته:
"يعني عليكِ فقط أن تنتبهي لربما تكون نيته غير سليمة تجاهك."
نظرت له حياة بدهشة من تفكيره فكيف يظن شيئًا كهذا.
قالت بسرعة تدافع عن ثامر:
"بالطبع لا يوجد شيء كهذا، دكتور ثامر محترم للغاية ولا يصدر منه شيئًا سيئًا مهما حدث."
تعجب من ثقتها هذه فقال مبررًا حديثه:
"حسنًا أتفهم ذلك، أنا فقط استغربت تصرفه ومجيئه عدة مرات لزيارة والدك وكأنه قريبك."
شعرت أنه معه الحق في استغرابه فمن غير الطبيعي أن يهتم الأستاذ بزيارة طالبته والاطمئنان عليها إلى هذا الحد.
قالت بنبرة هادئة جادة:
"معك حق ولكن بالطبع لو توجد لديه نية سيئة ما كان ليأتي هنا لزيارة والدي."
وفي تلك اللحظة شعر نديم هو الآخر بتسرعه فهو بالفعل لو كان سيئًا أو نيته اتجاهها ليست سليمة كما فكر ما كان ليأتي هنا ويلتقي بوالدها.
أومأ برأسه مرددًا بفتور:
"معكِ حق."
قالت حياة بجدية:
"أنا سأذهب وأتحدث مع الطبيب بشأن خروج والدي."
"حسنًا هل يمكنني الذهاب معكِ أم..."
قاطعته بسرعة وحرج:
"بالطبع بإمكانك، أنا أعتذر حقًا لو تحدثت المرات السابقة بشكل مزعج، أنا فقط..."
صمتت لا تعرف ماذا تقول فابتسم يخبرها بهدوء:
"أتفهمك يا حياة وفي الحقيقة لو كنت مكانك لرفضت بشدة أن يتولى أحد مسؤولية والدي نيابة عني، ولكن كما أخبرتكِ مسبقًا كل ما وددت القيام به لم يكن بدافع الشفقة أو الإحسان فوالدك يعمل لدينا ونحن بشكل أو آخر علينا رعايته مقابل ما قدمه لنا طوال تلك السنين من عمل جاد وإخلاص وتفاني."
تأملته وإعجابها به يزداد أضعافًا.
لا تصدق أن هناك شخصًا يحمل كل هذا الاحترام والرقي داخله.
كان معه حق والدها أن يحبه ويحترمه ويمدح به إلى هذا الحد.
ابتسمت بهدوء فتأملها لا إراديًا ولأول مرة يتمعن النظر في ملامحها حيث لديها عينان بنيتان تلمعان بشكل جذاب ومحبب ووجه مستدير يحيط به شعر قصير ذو لون بني.
ملامحها كانت طفولية حقًا ومليئة بالبراءة والعفوية ورغم طفولة ملامحها إلا أنها لا تخلو من الجاذبية.
هي تمتلك ملامح محببة للمرء وعينين شفافتين مع غمازتين رائعتين تزينان وجنتيها.
ولكن ما هو أكثر جاذبية وجمالاً بها هي ضحكتها.
لديها ضحكة رائعة تبرز تقاسيم وجهها المليئة باللطافة والحيوية.
كانت عندما تبتسم يبتسم كل جزء منها معها خاصة عينيها اللتين تبدوان وكأنهما تشاركان شفتيها بالابتسام.
أفاق من شروده عندما قالت:
"هل نذهب الآن يا بك؟"
"هيا بنا."
قالها بجدية وهو يزيح أفكاره جانبه فسار جانب بعضيهما متجهًا إلى غرفة الطبيب.
خرجت حياة من عند الطبيب بملامح محبطة لتسمع نديم يقول بجدية:
"لا تتضايقي، طالما الطبيب يرى إن بقاءه أفضل فليبق هنا إذا."
أومأت برأسها واستدارت نحوه تتذكر كلام الطبيب الذي أخبرها بإن الأفضل لوضع والدها بقاءه في المشفى كي يتلقى الرعاية الكافية والراحة المطلوبة وبالطبع لم تستطع الإصرار على خروجه فهي ترغب ببقاء والدها مرتاحًا مهما كلفها الأمر.
هتفت حياة تخبره بحزن:
"حتى لو كان يضايقني بقاؤه، المهم أن يكون هو مرتاحًا."
"بالضبط هذا هو المهم."
قالها مؤيدًا حديثه لتبتسم بضعف وتقول:
"حسنًا سأذهب إذا، سأحضر كتبي من المنزل حيث سأبقى الليلة معه."
قال نديم بجدية وهو يجد إن وجودها لا داعي له:
"بإمكانك المبيت في منزلك فهنا يوجد من يعتني به ويتفقده باستمرار."
لكنها كانت مصرة على البقاء مع والدها فلم يستطع نديم قول شيء.
أخبرها إنه سيُوصلها إلى منزلها ثم يعيدها إلى المشفى ورغم اعتراضها على هذا إلا أنها اضطرت على الموافقة.
اتجه بعدها الاثنان حيث دخلا إلى فاضل واطمئنا عليه قبل أن يخرجا بعدما أخبرت حياة والدها إنها ستعود إليه.
وبعد مرور مدة من الزمن أعاد نديم حياة إلى المشفى بعدما أخذت كتبها من منزلها ثم ودعته وتحرك هو بدوره عائدًا إلى شقته لينتبه أثناء قيادته على كتابها الذي نسته في سيارته.
عاد يقود سيارته وهو يشعر بالتعب يسيطر عليه كليًا فاليوم كان طويلًا ومرهقًا.
دلف إلى شقته بعد مدة وهو يحمل كتابها معه.
رمى الكتاب على سريره وبدأ في تغيير ملابسه عندما هوى بجسده على السرير بإرهاق لينتبه إلى الكتاب من جديد.
حمله وأخذ يقلب صفحاته بفضول عندما وجد نفسه يبدأ في قراءته لا إراديًا ليقضي ليلته يقرأ به وقد اختفى النوم والتعب عنه.
في صباح اليوم التالي.
كانت تدعي النوم بينما هو يستعد للذهاب إلى الشركة.
ما إن خرج من الغرفة حتى اعتدلت في جلستها ونهضت من مكانها بسرعة تجذب ملابسها وترتديها.
وقفت أمام المرآة تتأمل ملابسها الأنيقة ثم تسرح شعرها الأشقر وتجمعه بتسريحة بسيطة.
وضعت المكياج الخفيف على وجهها فزادها جاذبية وجمالاً.
ارتدت حذائها ذو الكعب العالي ووضعت عطرها المميز ثم سارعت للخروج وهي تحمل حقيبتها.
ستذهب إليه وتتحدث معه.
لن تصبر بعد الآن.
منذ تهديد عمار لها مساء البارحة وإخبارها بقرب تحويل زيجتهما إلى زيجة حقيقية وهي قررت مواجهته وستفعل ذلك.
من حسن حظها أن غالية أخبرتها إنه يسكن في شقة خالتها التي تعرف موقعها جيدًا.
وصلت إلى هناك بعد قليل فالشقة لا تبعد سوى قليلاً عن الفيلا.
هبطت من سيارتها وسارت بخطواتها إلى الداخل.
بعد مدة كانت تقف أمام باب الشقة تنظر إليها بتردد ورهبة لا إرادية.
أخذت نفسًا عميقًا وضغطت على جرس الباب وهي تخبر نفسها إنه نديم، حبيبها وآخر من يجب أن تخشاه.
كانت دقاتها تتعالى تدريجيًا حتى وصلت أوجها عندما فتح لها الباب أخيرًا ليتصنم مكانه للحظات محاولًا استيعاب حقيقة وجودها أمام شقته.
تلاقت النظرات من جديد ونبضات قلبي كلاهما اضطربت بقوة.
لحظات وقست نظراته المسلطة عليها.
قست بشكل جعلها تتمنى الاختفاء من أمامه فورًا.
ضغطت على شفتيها ثم قالت بصوت خافت متردد:
"ألن تطلب مني الدخول؟"
رغب في طردها حقًا فهو لا يريد رؤيتها ولا التعامل معها لكنه ضغط على أعصابه وهو يرد باقتضاب:
"ادخلي."
دلفت إلى الداخل بخطوات مترددة تتأمل الشقة لوهلة بنظرات زائغة وقد بدت المواجهة لها أصعب مما تخيلت بمراحل.
التفتت نحوه أخيرًا تتأمل وقوفه بجانب الباب الذي تركه مفتوحًا ونظراته الجامدة مسلطة عليها بقوة.
هتفت بجدية وهي تحاول الثبات أمام هذه النظرات:
"أريد التحدث معك يا نديم."
"أسمعكِ."
خرجت منه باردة كبرود ملامحه ونظراته نحوها.
شعرت بالضعف يجتاحها وألم قوي يضرب قلبها وروحها وهي ترى ما وصلا إليه من جفاء.
همست بضعف والكلمة خرجت لا إرادية منها:
"أحتاجك."
ثم امتلأت عينيها بالدموع وهي تهمس بضعف أكبر وملامح تخبره إنها على وشك الانهيار:
"أحتاجك كثيرًا."
دموعها كالعادة ألمته فمهما حدث هو لا يتحمل أن يراها بهذا الشكل المؤلم لكنه دعس على ألمه بقوة محافظًا على ثباته أمامها وجمود ملامحه وهو يسأل بنفس البرود:
"ماذا تريدين يا ليلى؟ لماذا أتيت من الأساس؟ وعن أي احتياج تتحدثين؟"
أجابت وهي تتقدم نحوه حتى توقفت في منتصف المسافة عاجزة عن إكمالها وقلبها يردد قبل لسانها:
"أحتاجك كثيرًا يا نديم، لقد أهلكني الشوق مثلما أهلكني عشقك الذي لا يتوقف عن التدفق في عروقي."
وها هو يشعر بالضعف يجتاحه من جديد ويقاوم ضعفه من جديد وهو ينهرها بصوت عالٍ قليلاً وملامح حادة:
"هل جننتِ يا ليلى؟ هل تعين ما تقولينه؟ تتحدثين عن عشقك لي وأنتِ زوجة رجل آخر."
قاطعته تصرخ بتعب وانهيار:
"لا تجلب سيرته، ليس زوجي، هو ليس زوجي ولن يكون."
أضافت باكية:
"أنا سأتطلق منه، لن أبقى على ذمته لحظة واحدة بعد الآن."
رد بسخط مما تقوله من كلام أهوج:
"افعلي ما تشائين، لم يعد يهمني أي شيء."
تقدمت نحوه تسأله بلهفة وعدم تصديق:
"وأنا؟ ألم أعد أهمك أيضًا؟"
ابتلع ريقه وهو يشعر بالوجع من قربها المحظور بالنسبة له فقال بصوت موجوع وهو يشعر بعدم قدرته على السيطرة على مشاعره المثارة أكثر:
"لطالما كنتِ تهمينني يا ليلى، بل كنتِ الأهم."
أومأت برأسها وهي تبتسم من بين دموعها ليضيف ما كان كافيًا لقتل ابتسامتها:
"لكنكِ لم تعودي كذلك منذ زواجك من آخر."
هتفت بسرعة وترجي:
"سأتطلق، سأتطلق منه يا نديم، لقد تزوجته مجبرة، لم أرغب به يومًا بل لم أرغب بسواك يومًا."
قال بملامح ظهر عليها الخذلان ونبرة خرجت مهزومة:
"صدقيني لم يعد يهم، لقد انتهى كل شيء ونحن بدورنا انتهينا يا ليلى."
صرخت وقد فقدت أعصابها تمامًا:
"ما الذي انتهى؟ أقول لك إنني سأتطلق وأنت تقول انتهينا."
أردفت وهي تتقدم نحوه تحتضن وجهه بين كفيها بتوق وتوسل:
"سأتطلق يا نديم، سأتطلق وأصبح حرة وحينها سيمكننا العودة سويًا."
استرسلت تسأله بعدما حرر وجهه من بين كفيها بقوة:
"لماذا لا تفهم ذلك؟ لماذا تصر على نهاية ما بيننا؟ ألم تعد تحبني؟"
خرج سؤالها الأخير مليئًا بالألم والضعف فأجاب وهو يشعر بكل شبر فيه يصرخ إرهاقًا من هذا العشق الذي عذبه بشدة:
"لأنكِ تخليتِ عني، لأنكِ تزوجتِ بغيري، لأنكِ تركتني يا ليلى، هل أدركتِ الآن لماذا نحن انتهينا؟"
صرخت بنبرة جهورية حتى شعرت بأن حبالها الصوتية ستتمزق:
"كنت مجبرة، أجبرني على الزواج به، لماذا لا تصدقني؟ لماذا؟"
أضافت وحنجرتها تؤلمها بسبب صراخها القوي:
"أنت لا تدرك كم عانيت وأنا معه، كم تألمت بسبب زواجي من غيرك، كم تعذبت وأنا أعيش مع رجل لا أطيقه بينما قلبي وروحي وكل شبر بي يحترق شوقًا إليك، أنا كنت أموت في بعدك يوميًا يا نديم."
رد بنبرة مريرة وملامحه سيطر عليها الوجع:
"وماذا عني؟ هل تدركين كم تألمت؟ هناك حيث أعيش بين أربعة قضبان مسجون بتهمة فظيعة لا شيء يصبرني على ما أنا فيه سوى أنتِ وحبك يا ليلى، ولكن حتى هذا ذهب سدى."
ضحك مرددًا بقهر:
"هل تدركين كم وجعي وأنا أسمع خبر زواجك من أقرب الناس لي؟ بينما أنت تتزوجين من أخي كنت أنا أتخبط بين جدران السجن عاجزًا عن فعل أي شيء. قلبي يحترق وروحي تتألم وعقلي لا يستوعب ما يحدث."
أخفضت وجهها أرضًا ودموعها الحارقة تنساب على وجنتيها بينما يتأملها هو بأنفاس لاهثة وقلب موجوع.
رفعت بصرها أخيرًا وقالت تتوسله:
"رغم كل ما حدث ما زال أمامنا فرصة يا نديم، أنا سأتطلق يا نديم وحينها بإمكاننا العودة سويًا."
هز رأسه مستنكرًا ما تقوله بشدة:
"يكفي يا ليلى، لا يجوز أن تتحدثي معها هكذا مثلما لا يجوز وجودك في شقتي، أنتِ امرأة متزوجة وزوجك هو أخي، استوعبي هذا من فضلك، يكفي حقًا فما تقولينه غير مقبول."
كتمت دموعها بصعوبة وهي تنظر إليه بملامح معذبة قبل أن تهمس بوجع:
"قل ما تشاء لكنني أدرك جيدًا إننا سنكون سويًا في النهاية."
ثم شمخت برأسها وقالت بثقة بينما تضع كفها على قلبه:
"مهما حدث سيأتي اليوم الذي نلتقي به من جديد وصدقني حينها فقط سيجد قلبك راحته المنشودة فلا راحة لقلبك بدون ليلى يا نديم."
منحته ناظرة عاشقة أخيرة ثم تحركت خارج الشقة تاركة إياه ينظر أمامه شارداً وكلماتها الأخيرة تتردد داخله (فلا راحة لقلبك بدون ليلى يا نديم).
كانت حياة تسير خارج الجامعة عندما فوجئت به أمامها على مسافة بعيدة قليلاً يقف بجانب سيارته حاملاً بين يديه كتابها الذي نسته في سيارته ليلة البارحة.
توترت لا إراديًا وظهر توترها في يديها اللتين احتضنتا كتبها على الفور وكأنها تستنجد بها لحمايتها منه.
كانت تحتاج إلى الحماية حقًا من تلك المشاعر الغريبة التي تسيطر عليها في قربه.
مشاعر لم تجد تفسيرًا صريحًا لها لكنها تشكل داخلها شعورًا مليئًا بالقلق وعدم الرضا.
سارت نحوه بخطوات مترددة ما إن وجدته انتبه إليها فمنحها ابتسامة خافتة وهو يحييها بإيماءة من رأسه.
تقدمت بخطواتها التي تسارعت قليلاً وهي ما زالت تحتضن كتبها بكفيها عندما وقفت أمامه تهتف بابتسامة خجولة:
"مساء الخير."
رد هو بنبرة عادية:
"مساء النور، كيف حالك؟"
أجابت بهدوء:
"بخير."
"تفضلي كتابك."
قالها وهو يمد يده التي تحمل الكتاب نحوها فالتقتطه على الفور وهي تقول برقة واستيحاء:
"شكرًا، لم يكن هناك داعٍ لأن تتعب نفسك وتأتي به إلى هنا."
قال بجدية:
"لا يوجد تعب أبدًا، كنت في طريقي إلى شقتي عندما قررت المرور على جامعتك كي أعطيكِ كتابك."
أضاف بعدها:
"كتاب لطيف."
سألته بدهشة:
"هل قرأته؟"
"هل تمانعين ذلك؟"
ردت بسرعة ونفي:
"بالطبع لا، أنا استغربت فقط."
هتف بجدية وهو يحك لحيته بخفة:
"في الحقيقة لست من هواة قراءة الروايات خاصة الرومانسية لكن اسم الكتاب وغلافه جذبني فوجدت نفسي أتصفحه ثم قضيت ليلتي وأنا أقرأه حتى انتهيت منه."
سألته بفضول وترقب:
"وما رأيك به؟ هل أعجبك؟"
رد بهدوء:
"جيد، يعني أسلوب الكاتب وفكرة الرواية جيدة."
هتفت بتلقائية وابتسامة واسعة:
"الرواية رائعة حقًا، تكاد تكون من أروع ما قرأت."
رفع حاجبه قائلًا وهو يتأمل ملامحها التي عكست مدى شغفها بتلك الرواية:
"أنتِ إذا من الحالمات اللواتي يقضين أغلب أوقاتهن في قراءة الروايات الرومانسية والتفاعل معها."
تبرمت ملامحها وهي تنفي ذلك:
"لست كذلك بالطبع، أنا لستُ حالمة أبدًا ولكن..."
صمتت للحظة تستوعب حقيقة أنها تبرر له شخصيتها وطريقة تفكيرها فهتفت باختصار وقد أزعجها ذلك:
"حسنًا ليس مهمًا."
هز رأسه بلا مبالاة مفتعلة ثم عاد يضيف متسائلاً:
"هل ستذهبين إلى المنزل؟"
أجابت بعفوية وقد كسا الضيق ملامحها:
"نعم، فلم يتبقَ سوى أسبوع على بداية الامتحانات النهائية ولدي مادة صعبة للغاية أحتاج إلى بذل جهد خرافي كي أستطيع فهمها."
"أية مادة؟"
سألها بفضول لا إرادي لتجيبه باسم المادة فيعود بذاكرته إلى الخلف حيث كان طالباً جامعياً متفوقاً خاصة في تلك المادة التي كانت المفضلة عنده.
ردد بتلقائية:
"مادة صعبة حقًا لكنها ممتعة، كنت أحبها كثيرًا."
ابتسمت وهي توافقه:
"لا أنكر إنها ممتعة لكنها تحتاج إلى نفس طويل وتركيز شديد."
أضافت بخفة:
"أظن إنك من القلائل الذين يحبونها فأغلب الطلاب لا يطيقونها وأنا منهم."
استرسل وقد أعاد له هذا الحوار ذكريات يحبها إجبارًا عنه:
"أنا على العكس تمامًا كانت متعتي عندما أدرسها، في الحقيقة كنت أستمتع في جميع مواد الكلية."
"هل كنت من الأوائل؟"
أومأ برأسه وهو يجيب باعتزاز:
"كنت الأول على دفعتي على مدار خمسة أعوام."
ابتسمت وهي تقول بحماس:
"وأنا أيضًا الأولى على دفعتي طوال العامين الفائتين، فقط في المرحلة الأولى كنت الثانية ولكنني ضاعفت من مجهودي بعدها."
ثم أردفت بخيبة:
"لكن يبدو إن هذه السنة لن أستطيع فعل ذلك."
هتف بتلقائية:
"إذا احتجتِ أي شيء بإمكاني مساعدتك."
ثم أكمل بتهكم ومرارة خفية:
"رغم كل السنوات الفائتة ورغم ما حدث ما زلت أتذكر أغلب المعلومات التي درستها وعملت بها."
شعرت بالضيق يسيطر عليها من جديد بسبب حزنه فقالت محاولة إنهاء الحوار الذي فتحته هي دون قصد:
"حسنًا يجب أن أذهب الآن، لقد تأخرت كثيرًا."
"بإمكاني إيصالك."
قالها بتلقائية فمنحته ابتسامة هادئة وهي ترفض معتذرة:
"لا داعي لذلك، أشكرك كثيرًا."
ثم سارت مبتعدة عنه يتابعها هو بنظراته ولا يعلم سبب ذلك الضيق الذي شعر به عندما قررت الرحيل وفي داخله رغبة شديدة تدفعه للاستمرار في التحدث معها دون توقف خاصة بعد مواجهته صباحًا مع ليلى والتي أثقلت كاهله كثيرًا.
ناداها بلا وعي لتستدير نحوه تنظر إليه باستغراب فتقدم نحوها وقال بجدية:
"ما رأيك أن تتناولي طعام الغداء معي ثم تغادري؟"
صمت قليلاً ثم قال:
"أريد أن أتحدث معك بشأن العم فاضل وبما إنني أشعر بالجوع فضلت أن نتحدث ونحن نتناول طعامنا في أحد المطاعم."
شعرت بالخجل من أن ترفض رغم رغبتها في ذلك فقربه منها بات يوترها كثيرًا.
إضطرت إلى الموافقة لتسير معه نحو سيارته حيث اتجه بها إلى أحد المطاعم القريبة.
بعد مدة كانت تجلس أمامه حيث أخذ النادل طلباتهما ورحل لتجده يسألها محاولاً فتح الأحاديث معها:
"أنتِ تعملين مساءً، أليس كذلك؟"
أجابت بجدية:
"نعم أعمل في صيدلية قريبة من منطقتنا."
"وهل تستطيعين التوفيق بين دراستك وعملك؟"
سألها باهتمام لتجيب وهي تتنهد بصمت:
"نعم الحمد لله، يعني في البداية وجدت صعوبة لإن دراستنا صعبة قليلاً ولكن مع مرور الوقت اعتدت على ذلك. صحيح يومي في العادة يكون متعبًا كثيرًا كما إنني لا أجد وقتًا لنفسي إطلاقًا ولكنني في نفس الوقت أتقدم في دراستي وأستفيد من عملي هذا كثيرًا."
ابتسم ثم سأل:
"هل دخلتِ كلية الصيدلة برغبتكِ؟"
أجابت بتلقائية:
"نعم مع إن مجموعي كان يؤهلني لدخول كلية الطب، لكنني فضلت الصيدلة لإنني أحبها ومستقبلها جيد ومضمون."
"نعم جيد للغاية!"
خرجت منه ساخرة قليلاً لتهتف بجدية:
"نعم جيد، بالنسبة لي طبعًا، بإمكاني أن أحقق تقدم ونجاحات كثيرة في مجال الصيدلة، يعني يمكنني أن أفتح صيدلية مستقبلًا كما يمكنني أيضًا العمل كمعيدة بعد التخرج."
كانت تتحدث بعفوية مطلقة دون أن تعي ما حدث معه في السابق.
"يعجبني تفاؤلك يا حياة."
قالها بصدق ظنه تهكمًا فعقدت حاجبيها تسأله بصوت منزعج نوعًا ما:
"هل تسخر مني؟"
رد بصدق:
"أبدًا، على العكس تمامًا أنتِ لديكِ تفاؤل في الحياة وما قادم فيها يثير الإعجاب."
هتفت بعفوية:
"أنا لست سوداوية ولا أحب أن أكون."
"هل تقصدين إني كذلك؟"
"ألست كذلك؟"
ثم انتبهت لتجاوز حدودها معه فتمتمت بسرعة معتذرة:
"أعتذر حقًا يا بك، لقد تحدثت بعفوية غير لائقة."
قاطعها بجدية:
"لا تعتذري يا حياة، أنا كذلك بالفعل."
وقبل أن تتحدث أردف بعد تنهيدة صامتة:
"لكنني لم أكن يومًا كذلك، الحياة من جعلتني هكذا يا حياة."
ابتلعت ريقها بصعوبة تحاول إخفاء شعور شفقتها نحوه فابتسمت بصعوبة وهي تخبره:
"لا تظن إن تفاؤلي هذا يعني إني شخصية خيالية، إطلاقًا لست كذلك، أنا شخصية واقعية وأعلم إن الحياة مليئة بالمشاكل والصعوبات."
أردفت بتعقل:
"لكن أخبر نفسي دوماً إنني سأتجاوزها عاجلاً أم آجلاً، لدي يقين بأن هناك رب سيقف معي وعزيمة ستدفعني لتجاوز كل الأزمات وعبورها بسلام."
كلماتها مسته لا إراديًا فتغضنت ملامحه وهو يفكر بكل كلمة تخرج منها.
هتفت متأسفة من جديد بسبب اندفاعها بالحديث معه:
"أعتذر فيبدو إنني..."
قاطعها:
"لا تعتذري يا حياة."
وأكمل وهو يتأملها:
"ولا تناديني بك أيضًا، أنا نديم، نديم فقط يا حياة."
تطلعت إليه بحرج قليلاً قبل أن تمنحه ابتسامة خجولة ضعيفة ليبادلها هو إبتسامتها بأخرى هادئة قبل أن يستمر في التحدث معها في مواضيع أخرى.
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل التاسع 9 - بقلم سارة علي
دلفت إلى منزلها بملامح تنطق بالسعادة. كم هي سعيدة بذلك التقارب البسيط الذي يحدث بينهما. وجوده معها وحديثه المنمق يرفع من نبضات قلبها بقوة غريبة. كل شيء به يجذبها بقوة مخيفة.
هوت بجسدها على الكنبة وهي تبتسم ملء فمها كمراهقة تفكر بفارس أحلامها الذي وجدته بعد زمن. توقفت عن الابتسام أخيرًا وهي تحاول أن تحلل ما يحدث. لماذا طلب منها الذهاب معه لتناول الطعام؟ لماذا تشعر بأنه يرغب بالتعرف عليها والتحدث معها؟ هل ما تشعر به ليس سوى وهم يصوره لها عقلها الذي يفكر به كثيرًا أم حقيقة؟ كم تتمنى لو تعلم بما يفكر به وكيف يراها من وجهة نظره؟
تذكرت عندما قال لها إنها جميلة حقًا وأجمل ما فيها أخلاقها وصفاتها. لو يعلم كم أسعدتها كلماته تلك وكم تركت أثرًا عميقًا داخلها.
أغمضت عينيها وهي تعود برأسها إلى الخلف تستند بظهرها على الكنبة فتظهر صورته أمامها. عيناه بلون البحر وملامحه شديدة الوسامة. ابتسامته الهادئة الوقورة وحديثه الأنيق مثله.
فتحت عينيها وهي تعاود الابتسام من جديد ثم نهضت من مكانها مقررة تغيير ملابسها والاستراحة قليلًا قبل أن تذهب إلى والدها وتبقى معه الليلة حيث ستبيت معه كالليلة السابقة.
***
عاد إلى شقته وشعور الراحة يغمره قليلًا. لقد كان يحتاج لتلك المقابلة وذلك الحديث كي يخفف من وطأة ما تركه لقاء ليلى من أثرٍ به. لا يعلم لمَ حياة بالذات من تترك هذا الشعور المريح داخله مثلما لا يعلم متى بات يرغب بلقائها والتحدث معها، لكنه يدرك أنها تمنحه شعورًا يحتاجه بقوة في هذه الفترة تحديدًا.
هم بالتوجه إلى غرفة نومه للراحة قليلًا عندما سمع صوت جرس الباب يرن فسارع بالذهاب إلى هناك وفتحه ليجد غالية أمامه تبتسم بسعادة قبل أن تدلف إلى الداخل وتحتضنه.
ابتعدت عنه بعد قليل وهي تهتف به:
"اشتقت إليك..."
"وأنا أكثر..."
قالها بصدق وهو يغلق باب الشقة خلفيهما ليسيرا سويا حيث جلسا على نفس الكنبة لتبادر غالية بسؤاله:
"كيف حالك؟ طمئني عليك..."
رد بعدما تنهد بصمت:
"أنا بخير الحمد لله. وأنتِ كيف حالك؟"
أجابت بسرعة:
"أنا بخير. المهم أخبرني، ماذا ستفعل بعد الآن؟ لا تنوي البقاء هكذا بالتأكيد..."
تطلع إليها بصمت للحظات ثم قال بجدية:
"سأفكر في عمل مناسب. علي أن أبدأ بالعمل قريبًا..."
تكلمت غالية وقد دب الحماس فيها ما إن علمت أنه سيفكر جدياً بذلك:
"هذا رائع. بالتأكيد ستجد عملًا مناسبًا."
أضافت بعدها وقد تذكرت أمرًا ما:
"ما رأيك أن تدير شركة والدي الثانية يا نديم؟ يعني أظن العمل هناك سيناسبك."
استرسلت تقول:
"وإذا كان على عمار فأنت لن تراه إلا نادرًا فلكل شركة أعمالها الخاصة."
أظلمت عينا نديم للحظات قبل أن يرد بهدوء مفتعل:
"كلا يا غالية. أنا سأبدأ بعملي الخاص."
"ولكن هذا حقك يا نديم. إنها شركات والدي رحمه الله وأنتَ لك فيها ما لعمار ولي أيضًا."
نهض من مكانه متجها نحو النافذة المطلة على الشوارع الخارجية يتأمل خارجها بملامح واجمة بينما يتحدث بنبرة خرجت باردة قليلًا:
"هكذا أفضل يا غالية. ميراثي من والدي سيبقى كما هو ونسبتي من أرباح الشركتين موجودة."
أردف موضحًا سبب رفضه:
"وجودي هناك لن يشعرني بالراحة أبدًا. دعيني أعمل بالشكل الذي يناسبني ويجعلني مرتاحًا فيه."
نهضت غالية من مكانها تتقدم نحوه حيث وقفت جانبه تربت على كتفه تدعمه:
"كما تشاء يا نديم. المهم أن تكون مرتاحًا وأي شيء آخر غير مهم."
التفت نحوها يبتسم برفق ثم يسألها باهتمام صادق:
"أخبريني أنتِ عنكِ. ما أخبارك وكيف هو عملك في الشركة؟"
ردت ببساطة وهي تهز كتفيها:
"كل شيء يسير على ما يرام."
أضافت وقد تذكرت أمرًا ما:
"صحيح هناك شيئًا نسيت أن أخبرك به."
سألها باستغراب:
"شيء ماذا؟"
أجابت:
"التقيت بنانسي ابنة الخالة ألفت، بالتأكيد تتذكرها؟"
تهكمت ملامحه وهو يردد:
"بالطبع."
عقدت غالية حاجبيها تسأله مستغربة ملامحه:
"ماذا حدث؟ هل هناك شيء ما لا أعرفه؟"
هتف قائلاً بجدية:
"سأخبرك أولًا ولكن أخبريني ماذا أرادت منكِ؟"
ردت غالية بجدية:
"كيف علمت إنها أرادت مني شيئًا؟ على العموم لقد سألتني عنك وطلبت مني معرفة عنوانك الجديد ولكنني راوغت ولم أعطها إياه."
قال بصوت فاتر مستاء:
"بالطبع لقاؤها معكِ كان مقصودًا كي تسألكِ عني. تلك الفتاة ليست طبيعية."
"هل التقيت بها يا نديم؟"
أومأ نديم برأسه وأجاب بجدية:
"نعم. لقد جاءت إلي وتحدثت معي مرتين."
سألته بفضول:
"وماذا قالت؟"
أجاب بسخرية:
"إنها ما زالت تحبني وتريد قربي."
"المسكينة..."
قالتها غالية بتعاطف صادق ثم أردفت بعد لحظات بتردد:
"إنها تحبك حقًا يا نديم."
قاطعها نديم بنبرة قاطعة:
"إنها مريضة يا غالية. مريضة بحب التملك."
قالت غالية بنبرة ذات مغزى:
"وربما تحبك حقًا."
نظر إليها يتساءل بحنق:
"إلامَ تريدين أن تصلي يا غالية؟"
صمتت غالية قليلًا ثم قالت أخيرًا بجدية:
"لماذا لا تمنحها فرصتها يا نديم؟ هي تحبك وتريدك حقًا وأنت..."
لم تكمل حديثها فأكمل هو نيابة عنها بتهكم:
"وأنا بالطبع لن أجد أفضل منها بل يجب أن أشكر ربي دائمًا لأنها رضيت بي."
قالت غالية معترضة:
"من قال هذا؟ لا تفسر كلامي بشكل خاطئ يا نديم. ما أقصده إنك تحتاج لوجود أحد معك يحبك لهذه الدرجة. تحتاج للخروج من دائرة الماضي."
تنفست بقوة ثم أضافت بجدية:
"تحتاج إلى من تنسيك ولو جزءًا من ماضيك."
"تقصدين ليلى، أليس كذلك؟"
سألها بثبات مصطنع لتومئ برأسها وهي تكمل بقوة:
"نعم أقصدها. أنا لا أريد أن تبقى مقيدًا بحبك لها. أريد أن تمنح نفسك الفرصة الكاملة لبدء حياة جديدة."
قاطعها باستياء:
"وهل بدأ حياة جديدة يقتصر على وجود حب جديد يعوضني عن الماضي؟"
هزت رأسها نفيًا وردت بهدوء:
"كلا ولكن سيساعدك في تخطيه. نانسي تحبك حقًا وأنا لا أطلب منك سوى إعطائها الفرصة الكاملة لإثبات حبها لك فربما تبادلها مشاعرها تلك وحينها سيتغير الكثير."
هتف بتململ:
"أخبرتك إنها لا تحبني يا غالية. هي فقط مهووسة بي لا أكثر. ثانيًا هل تظنين إن نانسي حقًا تناسبني وتناسب وضعي الحالي؟ لطالما عهدتك ذكية ومنطقية يا غالية. بنظرة واحدة إليها ستدركين مدى الخلل الموجود فيها."
أضاف يخبرها بما فعلته بليلى وكيف ضربتها على رأسها بالصخرة لتشهق غالية بعدم تصديق وهي تردد:
"يا إلهي... هل فعلت هذا حقًا؟"
ابتسم نديم بسخرية وهو يردد:
"نعم فعلت هذا يا غالية. إنها مجنونة حقًا."
أومأت برأسها تؤيده لتقول بعدها:
"ولكن ما كان على ليلى التدخل من الأساس؟ هي تكره نانسي منذ سنوات عندما كانت نانسي تلتصق بك دائمًا ويبدو إن كرهها هذا ما زال موجودًا."
لم يقل نديم شيئًا بينما قالت غالية بتردد:
"نديم سأقول شيئًا ولكن لا تتضايق مني من فضلك."
انتبه نديم إليها فسمعها تخبره:
"حاول ألا يجمعك لقاء مع ليلى مهما حدث. يعني هذا أفضل لكليكما."
هتف نديم بسخط:
"بالطبع لن أفعل. أنا أتجنب ذلك منذ خروجي من السجن وأكبر دليل هو تركي الفيلا وقراري بالعيش هنا."
تحدثت غالية بسرعة تحاول تهدئته كي لا يغضب:
"أعلم ذلك يا نديم ولكن أنا فقط أؤكد عليك."
تعكرت ملامحه كليًا دون أن يجيب بينما سمعها تضيف:
"لا تنزعج مني أرجوك ولكنني لا أرغب بحدوث بأي مشكلة لك."
هز رأسه على مضض وعقله عاد إلى مقابلة الصباح معها وحديث ليلى وفي داخله يشعر إن المشاكل قادمة لا محالة.
***
في صباح اليوم التالي، جلست على سريرها تعبث في هاتفها بملل عندما سمعت صوت طرقات على باب غرفتها فسمحت للطارق بالدخول.
دلفت والدتها إلى الداخل وهي تقول:
"صباح الخير."
ردت مريم بعدما رفعت وجهها من فوق الهاتف:
"صباح النور ماما."
سألتها والدتها باهتمام:
"منذ متى وأنتِ مستيقظة؟"
أجابت مريم:
"منذ أكثر من ساعتين."
"ولماذا بقيت في غرفتك؟ كان عليك أن تتناولي فطورك معنا."
ظهر الضيق على ملامح والدتها وهي تضيف متسائلة:
"ماذا يحدث معكِ بالضبط يا مريم؟ تبدين معكرة المزاج متضايقة طوال اليومين الفائتين. هل هناك شيء ما أنا لا أعرفه؟"
لم تجبها مريم بل سيطر الضيق على ملامحها من جديد فسألتها والدتها بعصبية:
"أخبريني عما يحدث بالضبط. لا تبقي صامتة هكذا."
هتفت مريم بصوت مختنق:
"لم يحدث شيء. أنا فقط أشعر بالضيق بسبب ليلى. وضعها يؤلمني كثيرًا."
سألتها والدتها بلهفة:
"ما بها ليلى؟ هل حدث شيء ما معها أنا لا أعرفه؟"
هزت مريم رأسها نفيًا وهي تجيب بسرعة تحاول طمأنتها:
"لم يحدث شيء جديد ولكنها تعيسة. أليس هذا كافيًا ليجعلني هكذا؟"
أدمعت عينا والدتها وهي تردد بصوت مختنق:
"أعلم ذلك ويؤلمني أكثر منك يا مريم ولكن ماذا بيدي أن أفعل؟ أخبرتها مرارًا أن تطلب الطلاق ولكنها ترفض لسبب لا أفهمه حتى الآن. أشك إنها ترفض الطلاق كي تبقى بالقرب من نديم."
عارضتها مريم:
"نديم ترك الفيلا منذ أول يوم يا ماما وهو الآن مقيم في شقة خالتي."
"ما الذي يجعلها متمسكة بالبقاء مع عمار إذا؟"
سألتها والدتها بحيرة أكبر لتنظر إليها مريم وهي تفكر جدياً في إخبارها بالحقيقة لكن دخول الخادمة تخبرها بقدوم أكرم منعها من ذلك.
نهضت مريم بسرعة تستعد للقائها عندما سمعت والدتها تخبرها بضيق:
"متى تنويان أن ترتبطا رسميًا يا مريم؟ علاقاتكما هكذا دون خطبة رسمية تضايقني كثيرًا."
هتفت مريم بجدية:
"أنتِ تعرفين إن أكرم يرغب بإعلان خطبتنا اليوم قبل الغد لكنني أرفض ذلك حتى أتخرج من جامعتي."
عقدت والدتها ذراعيها أمام صدرها تهتف بها:
"وما المشكلة إذا تمت خطبتكما هذه الفترة وتزوجتما فورا بعد التخرج؟"
أضافت بتمهل:
"هذا أفضل يا ابنتي. لا أرغب أن تتحدث الألسنة عنكما بشكل غير لائق."
قاطعتها مريم بجدية:
"من يجرؤ على ذلك؟ سأقص لسان من يتحدث عني بسوء. نحن في حكم المخطوبين يا ماما والجميع يعلم ذلك."
نظرت والدتها إليها بعدم اقتناع بينما اتجهت مريم نحو خزانتها تخرج شيئًا مناسبًا كي ترتديه.
***
خرجت حياة مع مي من قاعة الامتحانات حيث أخذتا تتحدثان سويا عن الأسئلة وأجوبتها عندما قالت مي بعد مدة:
"صحيح نسيت أن أسألك. ما قصة ذلك المدعو نديم؟"
سألتها حياة بجدية:
"عم تتحدثين بالضبط؟"
أجابت مي:
"يعني وجوده في المشفى لأكثر من مرة معكِ كما علمت منكِ وتناولكما الغداء سويا البارحة. ألا ترين إن ما يحدث غير طبيعي؟"
وقفت حياة أمامها تسألها بتعجب:
"ولمَ ترين إنه غير طبيعي؟"
أجابت مي بصراحة:
"في الحقيقة أنا أشعر إن هناك شيء ما داخلك ناحيته يا حياة وربما هو كذلك."
ردت حياة وقد ظهر الارتباك عليها بوضوح:
"كلا، يعني الأمر ليس كذلك."
قالت مي بقوة:
"ارتباكك هذا يؤكد لي صحة شعوري. ماذا يحدث يا حياة؟ هل أنتِ معجبة به؟"
هتفت حياة بجدية:
"وما المشكلة إذا كنت كذلك؟"
اتسعت عينا مي وهي تردد بعدم تصديق:
"هكذا إذا. ولهذا السبب رفضتِ طلب دكتور ثامر بالزواج منكِ إذا؟!"
التزمت حياة الصمت بينما قالت مي بضيق:
"حياة!! هل أنتِ واعية لما تفعلينه؟"
سألتها حياة بانزعاج:
"ماذا تقصدين يا مي؟"
أجابت مي بصراحة ووضوح:
"أنتِ ترفضين الدكتور ثامر لأجل ذلك المدعو نديم. كيف تفعلين شيئًا كهذا؟ كيف ترفضين عريسًا مثاليًا كالدكتور ثامر بكل بساطة؟"
"وما المشكلة في هذا يا مي؟ من الطبيعي أن أقبل طلبه أو أرفضه بناء على رأيي ورغبتي."
"المشكلة إن هناك منطق يقول إن تصرفك هذا خاطئ. مثلا ذلك النديم. هل نسيت وضعه وإنه خريج سجون؟ هل تظنين إنه زوج مناسب لكِ حقًا يا حياة؟"
قاطعتها حياة بحنق:
"يكفي يا مي. ما بالك تتحدثين وكأنه تقدم لخطبتي. ثانيًا أنا فقط معجبة به. هذا كل ما في الأمر."
أردفت تنهي الموضوع وشعور الاختناق سيطر عليها من حديث صديقتها:
"توقفي عن الحديث في هذا الموضوع الآن."
زفرت مي أنفاسها ثم قالت:
"حسنًا يا حياة. كما تشائين. أعلم إن حديثي ضايقك لكن تذكري إنني تحدثت هكذا لأجل مصلحتك."
هزت حياة رأسها دون رد لتطلب منها مي الذهاب معها لتناول الطعام فوافقت حياة على مضض واتجهت معها إلى أحد المطاعم القريبة تحاول إخفاء ضيقها من حديثها.
***
في المشفى...
كان فاضل يجلس على سريره بملامح متعبة والأفكار المتراكمة تتداخل في رأسه فتضاعف من تعبه. يعلم إن أيامه في الحياة باتت معدودة فحتى لو أخبره الجميع العكس هناك شعور قوي بداخله يخبره بذلك. هو ليس خائفًا من الموت فهذا مصير الجميع ولكن خوفه على ابنته التي سيتركها وحيدة يهاجمه بقوة. لا يعرف ماذا يفعل وكيف سيتركها لوحدها في هذه الحياة. يعلم إن حياة قوية لكن لن يغير حقيقة إنها فتاة بريئة لا أحد لها يحميها من مصاعب الحياة والوحوش الضالة المحيطة بها. ليت والدتها كانت معها فبالرغم من كرهه لتلك المرأة، لكنه يتمنى لو كانت موجودة معها تتولى مسؤوليتها بعد وفاته.
منذ فترة وهو يشعر بالأنانية لإنه تركها معه ورفض أن يعطيها لوالدتها لكنها هي من رفضت أيضًا وأرادت البقاء معه وهو لم يستطع تركها فهي كل شيء بالنسبة له وكما هي متعلقة به كان هو أكثر تعلقًا بها.
أغمض عينيه بوهن وهو يدعو ربه أن يفرج همه ويريح قلبه ناحية ابنته التي يتمنى تركها وهو مطمئن عليها. سمع صوت طرقات على الباب يتبعها دخول شاب وسيم الطلعة يشعر إنه رآه مسبقًا حيث تقدم الشاب نحوه مبتسمًا بهدوء وألقى التحية عليه قبل أن يبادر للتعريف عن نفسه:
"أنا ثامر أحمد أستاذ الآنسة حياة في الجامعة."
رحب به فاضل على الفور وطلب منه الجلوس ليخبره ثامر بعدما جلس جانبه:
"في الحقيقة أنا أريدك في موضوع مهم يا عمي واسمح لي أن أناديك بعمي."
رد فاضل بسرعة:
"بالطبع يا بني. يشرفني ذلك."
هتف ثامر بجدية:
"الشرف لي يا عمي. أنا جئت إليك لأجل الآنسة حياة."
"ما بها حياة يا بني؟"
سأله فاضل بقلق ليبتسم ثامر مطمئنًا ثم يقول:
"أنا أطلب يد الآنسة حياة منك يا عمي."
صمت فاضل لوهلة يحاول استيعاب ما سمعه وفكرة إن القدر ابتسم له أخيرًا بدت خيالية.
لحظات وابتسم وهو يرد محاولًا السيطرة على سعادته كي لا تظهر بهذا الوضوح أمام الشاب الذي يتقدم لخطبة وحيدته:
"أنت تريد خطبة حياة إذا."
أومأ ثامر برأسه وهو يقول بصدق:
"ويشرفني ذلك حقًا وأتمنى أن توافق أنت والآنسة حياة على طلبي."
احتفظ فاضل بابتسامته الهادئة بينما استرسل ثامر في حديثه:
"في الحقيقة منذ أن بدأت في تدريس الآنسة حياة وشعرت بالإعجاب الشديد نحوها وبدأت أتابعها باهتمام فوجدتها إنسانة ذات أخلاق عالية. مجتهدة ومحترمة للغاية ولن أجد أفضل منها كزوجة لي."
أكمل بعدها:
"بالمناسبة أنا في الثلاثين من عمري. خريج كلية الصيدلة. أعمل معيدًا في كلية حياة كما لدي صيدليتي الخاصة أيضًا. مقتدر ماديًا والحمد لله ومستعد لتنفيذ جميع طلباتكم. أنا فقط أريد الموافقة المبدئية حتى أجلب عائلتي معي للتقدم رسميًا."
قال فاضل بجدية:
"في الحقيقة يا بني الرأي الأول والأخير يا حياة لكن بالنسبة لي فأنا لن أجد عريسًا أفضل منك لإبنتي."
ابتسم ثامر بأمل بينما أضاف فاضل:
"سأتحدث مع حياة عندما تأتي بشأن طلبك."
أومأ ثامر برأسه متفهمًا ثم قال وهو ينهض من مكانه:
"إذا سأذهب الآن يا عمي وأنتظر منك جوابًا في القريب العاجل."
"إن شاء الله يا بني."
ودعه ثامر ورحل بينما تنهد ثامر براحة غير مصدق ما حدث فقد تقدم لخطبة ابنته شابًا محترمًا ذا مستوى جيد للغاية في الوقت الذي كان يحتاج لذلك بقوة كي يطمئن عليها قبل رحيله.
بعد مدة فتحت الباب ودخلت حياة تهتف بمرح:
"أبي الحبيب. كيف حالك؟ آسفة حقًا لأني تأخرت عليك لكنني اضطررت أن أتناول الطعام مع مي قبل مجيئي."
استقبلها والدها بملامح سعيدة وهو يردد:
"لا بأس يا صغيرتي. تأخري كما تشائين."
جلست حياة بجانبه تهتف وهي تتأمل ملامحه التي بدت أكثر راحة من البارحة بل إن هناك فرحة غريبة تسيطر عليها:
"أبي؟ تبدو سعيدًا للغاية أو هكذا يخيل لي."
رد فاضل بسرعة وفرحة:
"أنا سعيد حقًا يا حياة. لقد تقدم شاب لخطبتك."
تجمدت ملامحها للحظات وهي تستمع إلى ما قاله لتسأل أخيرًا بصوت متحشرج:
"عمن تتحدث يا أبي؟"
أجاب فاضل بنبرة فرحة:
"الدكتور ثامر يا ابنتي. أستاذك في الجامعة."
أضاف غير منتبه إلى الضيق الذي سيطر على ملامحها:
"إنه شاب ممتاز يا ابنتي. معيد في الجامعة ولديه صيدلية خاصة به أيضًا. أنا حقًا سعيد لأجلك. لا أصدق إنني سأطمئن عليك أخيرًا. الآن سأتركك وأنا مرتاح البال."
أوقفته عن حديثه الفرح تخبره بتردد:
"توقف يا أبي. لا أريد أن أهدم سعادتك ولكنني غير موافقة."
انصدم الأب مما قالته فسألها بصوت متعجب:
"لماذا يا ابنتي؟ إنه عريس ممتاز."
أجابت بتردد:
"أنا لا أريده. يعني أشعر إنه غير مناسب لي."
سألها والدها بقلق:
"هل تعرفين عنه شيئًا سيئًا؟ هل يوجد به عيب يا ابنتي؟"
ردت بسرعة:
"كلا يا أبي. الدكتور ثامر رجل محترم وذو سمعة طيبة."
"إذا لماذا ترفضينه يا حياة؟"
سألها والدها بملامح بدأت تفقد هدوئها تدريجيًا لتجيب بتوتر:
"لا أريد يا أبي. هكذا فقط."
هتف والدها بقوة:
"ولكنني موافق يا حياة."
نظرت إليه بعدم تصديق وقالت:
"هل ستجبرني على الزواج منه وأنا لا أريده؟"
تحدث فاضل بجدية:
"اسمعيني يا حياة. افهميني مرة واحدة واستوعبي حديثي. أنتِ فتاة وحيدة تحتاجين إلى سند يا ابنتي وأنا رحيلي بات وشيكًا."
قاطعها بتوسل:
"لا تقل هذا أرجوك."
لكنه أصر على إكمال حديثه غير مبالٍ بتوسلها:
"هذا أمر واقع يا حياة لا مفر منه وأنتِ عليكِ تقبله. أنا لا أريد أن أترككِ وحيدة في هذه الحياة يا ابنتي. أريد الاطمئنان عليكِ قبل رحيلي فلا تحرميني من هذا يا حياة."
قبضت على يدها تخبره بترجٍ:
"يا أبي أنا بخير. الزواج ليس هو الحل المناسب للاطمئنان علي. من قال إن سأرتاح في زيجتي من الدكتور ثامر يا أبي؟ من قال إنني سأكون سعيدة؟"
"يا ابنتي زوجك سيكون سندًا لكِ مهما حدث. أنتِ صغيرة ووحيدة لن تستطيعي الاستمرار في هذه الحياة لوحدك."
أردف بصوت مبحوح:
"ربما لو كانت والدتك موجودة لكنت تركتكِ معها تحت مسؤوليتها."
ترقرقت الدموع داخل عينيها ليمسك كفها وهو يتوسلها:
"وافقي على الدكتور ثامر يا ابنتي. وافقي عليه ودعيني أرحل وأنا مطمئن عليكِ."
هطلت دموعها على وجنتيها بغزارة لترمي بجسدها بين أحضانه وهي تشهق باكية.
***
كان نديم يجلس أمام صديقه وسام الذي أخبره بجدية وهو يلاحظ تحسن أحواله عن تلك الأيام بعد خروجه مباشرة من السجن:
"تبدو أفضل من الأيام السابقة يا نديم."
أومأ نديم برأسه وهو يرد بجدية:
"نعم، أنا بالفعل أفضل قليلًا."
أضاف مسترسلًا في حديثه:
"أنا أحاول التأقلم مع ما مررت به يا وسام. أحاول التعايش مع حقيقة ما حدث معي وتقبله حتى لو لم أستطع تجاوزه."
هتف وسام برزانة:
"تقبل الأمر والتعايش معه هو بداية تجاوزه بل ونسيانه أيضًا."
تشدق فم نديم وهو يردد بنبرة يائسة:
"لا أظن إنني سأنسى يا وسام."
"لمَ لا؟ بإرادتك تستطيع فعل أي شيء."
قالها وسام بقوة وتأكيد لينظر نديم إلى النافذة جانبه وهو يهتف بصوت ضعيف:
"ماذا سأنسى بالضبط يا وسام؟ هل سأنسى التهمة التي التصقت بي وسنوات سجني ظلماً؟ هل سأنسى حب حياتي التي تخلت عني وتزوجت بأخي الوحيد؟ هل سأنسى حقيقة إنني أصبحت بلا شهادة جامعية وإن شهادتي سحبت مني بشكل نهائي وبسبب تهمة سيظل عارها ملتصقًا بي إلى الأبد؟"
صمت وسام ولم يعرف ماذا يقول بينما تشكلت ابتسامة مريرة على شفتي نديم الذي قال بجدية بعدها:
"لن أنسى كل هذا مهما حدث يا وسام لكنني مجبر على التعايش. لا حل آخر أمامي."
"هل ما زلت تفكر في ليلى يا نديم؟"
سأله وسام فجأة لتتجهم ملامح نديم وهو يجيب:
"ليس دائمًا."
هز وسام رأسه بينما أكمل نديم:
"لكنني أحاول منع نفسي من التفكير بها حتى في المرات القليلة التي أفعل. هي أصبحت متزوجة ومن أقرب الناس لي لذا لا يجوز أن أفكر بها على أية حال."
"أنا أتعاطف معها كثيرًا. هل تعلم ذلك؟"
قالها وسام بتردد لينظر له نديم بملامح جامدة صامتة للحظات قبل أن يقول أخيرًا:
"منذ أن علمت بأمر زواجها من عمار وأنا أحاول أن أجد مبررًا واحدًا. مبررًا يخفف من وطأة قسوة ما فعلته بي. لكنني في كل مرة لا أجد أي مبرر. ليتها طعنتني بسكين بارد بدلاً من ذلك."
"عمار ليس هينًا يا نديم. نحن لا نعلم ماذا فعل وأجبرها على ذلك."
هتف نديم بحقد دفين:
"مهما فعل فهذا لا يبرر تركها لي والزواج منه."
أكمل بصوت متألم:
"لقد دمرتني تمامًا بفعلتها هذه يا وسام وجعلتني أفقد الأمل في كل شيء."
هتف وسام بضيق:
"السبب هو عمار يا وسام. لعنه الله على ما فعله. هل يوجد أخ يفعل هكذا بأخيه؟"
أظلمت ملامح نديم كليًا ليهتف بغموض:
"عمار أخي الوحيد الذي لم يتردد لحظة واحدة في سرقة كل شيء مني لكن لا بأس ما زال الطريق طويل أمامي وسيجمعنا الكثير بالتأكيد."
"ماذا تقصد؟"
سأله وسام باستغراب ثم أضاف بقلق:
"اتركه يا نديم ولا تفكر به من الأساس. هو مجرد شخص نذل قرر أن يؤذيك بأحقر طريقة ممكنة. سرق خطيبتك منك فقط كي يحطمك تمامًا."
ارتسمت ابتسامة متهمكة على ملامح نديم وهو يرد:
"هل تظن إن الأمر يقتصر على هذا حقًا؟ ليته هكذا فقط بالفعل."
سأله وسام بترقب:
"ماذا تقصد يا نديم؟"
اسودت عيناه وهو يهتف بصوت قاتم:
"عمار هو من تسبب بسجني يا وسام. أخي الوحيد هو من كان خلف كل ما حدث معي."
***
كانت تجلس على سريرها كالعادة تضم قدميها إلى صدرها تنظر أمامها بشرود. فتح الباب ودلف عمار إلى الداخل لتعتدل في جلستها وهي تنظر إليه بخوف لا إرادي بينما تأملها هو مليًا قبل أن يقرر تنفيذ ما قاله اليوم. سيتمم زواجه منها الليلة كما أخبرها مسبقًا. لا مجال للتراجع عن هذا بعد الآن.
"من الجيد إنكِ هنا يا زوجتي الحبيبة."
نهضت ليلى من مكانها تتأمله بملامح قلقة فيبتسم لها بطريقة مخيفة وهو يردد هامسًا بجانب أذنها:
"الليلة ليلتنا يا ليلى."
رفعت وجهها المصدوم ناحيته بينما اتسعت ابتسامته تدريجيًا ليهتف بها مكملًا:
"ماذا؟ هل نبدأ الآن أم ترغبين بالاستعداد لهذه الليلة المنتظرة؟"
أضاف وهو يخلع سترته ويرميها على الكنبة ثم يستدير نحوها مرددًا:
"من يصدق إن ليلتنا الأولى كزوجين ستكون بعد أعوام من يوم الزفاف."
أضاف غامزًا باستفزاز:
"لكن لا بأس، سنعوض ما فاتنا يا حبيبتي. أعدك بهذا."
اعتصرت قبضتي يديها بقوة بينما سار هو نحوها بخطوات متمهلة قبل أن يقف أمامها مباشرة ثم ينحني صوبها فتتلاقى نظراتها الجامدة بنظراته المتحفزة.
انحنى نحو شفتيها مقربًا شفتيه منها ثم بدأ يقبلها ببطء وخفة وهي جامدة بين يديه تمامًا لا تبادر بأي ردة فعل.
لحظات قليلة وكانت ممددة بين ذراعيه بينما كفيه يعبثان ببيجامتها المحتشمة حيث بدأ يفك أزرار جزئها العلوي.
أغمضت ليلى عينيها وهي تشعر بالجزء العلوي من منامتها يطير بعيدًا عن جسدها بينما يديه تلمسان جذعها العلوي العاري.
لحظات قليلة وبينما هو غارق معها تمامًا حيث يطبع قبلاته على عنقها وجيدها كانت يدها تمتد أسفل مخدتها فتخرج تلك السكين التي وضعتها تحت وسادتها منذ أول يوم اجتمعت معه في غرفة واحدة استعدادًا لحدوث موقف كهذا.
سحبت السكين وما هي إلا لحظات حتى انطلقت صرخة متألمة في وسط المكان بينما الدماء انفجرت.
انتفض عمار من فوقها محاولًا استيعاب ما حدث. لقد طعنت نفسها تلك المجنونة. فضلت على الموت على أن يمتلكها. تلك الصرخة الضعيفة التي خرجت منها وشعوره بذلك السائل اللزج يسير فوق قميصه جعلاه يدرك ما أقدمت عليه.
نظر إليها من فوقها بملامحها التي انطفأت تدريجيًا وذراعيها اللتين سقطتا جانبها على السرير حيث فقدت وعيها كليًا.
مسح على وجهه بعنف ثم انحنى نحوها وقرر حملها بعدما سحب السكين من بين أحشائها بتأنٍ والخروج بها من هنا حيث يتجه بها بسرعة إلى المشفى.
حملها بالفعل واندفع خارج الغرفة هابطًا درجات السلم بسرعة قياسية غير مبالٍ بصرخات غالية التي رأته بهذه الوضعية فخرجت خلفه مسرعة. اتجه نحو كراج السيارات حيث وضعها في المقعد الخلفي بينما سارعت غالية وجلست جانبها. ركب هو في مقعده وبدأ يقود سيارته متجها إلى أقرب مشفى أما غالية فكانت تضرب بخفة على وجهها وهي تبكي تتوسلها المقاومة.
توقف أخيرًا أمام المشفى ليحملها بين ذراعيه ويتجه بها إلى الداخل وهو يصرخ في الموظفين أن يسارعوا لاستقبالها ومعالجتها.
بعد مدة دخلت ليلى إلى غرفتها العمليات بينما وقف عمار خارج الغرفة ينظر أمامه بصمت وذكرى مشابهة لهذا الحدث لاحت أمامه لا إراديًا فأعادته إلى ذلك الماضي الذي يكرهه أكثر من أي شيء.
جلست غالية على الكرسي جانبه بوهن تبكي صديقة عمرها التي تصارع الموت في الداخل. استند عمار بظهره على الحائط خلفه عاقدًا ذراعيه أمام صدره والجمود يسيطر على ملامحه كالعادة أما غالية فكانت تبكي دون توقف حتى رن بكائها لتجد والدتها تتصل بها.
أجابت على الهاتف وهي تردد من بين شهقاتها:
"ليلى يا ماما... ليلى."
"ما بها ليلى؟"
سألتها والدتها بفزع فهي لا علم لديها بما حدث حيث كانت تلتزم غرفتها منذ أكثر من ساعتين وعندما خرجت من غرفتها للتحدث مع غالية لم تجدها في المنزل فأتصلت بها بسرعة وقلق من عدم وجودها في وقت كهذا.
أجابتها غالية بنبرة متألمة:
"ليلى تموت يا ماما."
ثم عادت تبكي بضعف لتصيح والدتها بها بلهفة:
"أخبريني ما بها ليلى يا غالية؟ تحدثي."
حاولت غالية السيطرة على دموعها وهي تجيب بنبرتها المبحوحة بسبب البكاء:
"ليلى طُعنت بالسكين وهي الآن في غرفة العمليات."
ثم رفعت نظراتها المحمرة نحو عمار وهي تستوعب أخيرًا إنها لا تعلم كيف حدث كل هذا ومن المتسبب في طعن ليلى.
سمعت صوت والدتها تسألها عن عنوان المشفى لكنها لم تبالِ وهي تغلق الهاتف في وجهها وتنهض من مكانها تتجه نحو أخيها بملامح يملؤها التحفز والغضب حيث وقفت أمامه تطالع نظراته الجامدة بنظراتها الناقمة لتسأله بصوت بارد لا حياة فيه:
"كيف حدث هذا؟ كيف طُعنت؟"
أجاب بنفس النبرة الباردة:
"هي من طعنت نفسها."
سألته تصيح به بقسوة:
"لماذا؟ لماذا فعلت بنفسها هذا؟ لماذا طعنت نفسها؟"
وعندما لم تجد جوابًا منه حيث ظلت ملامحه تحتفظ بجمودها ونظراته ثابتة لم تهتز اندفعت تقبض على قميصه تصرخ به بوجع:
"أنت السبب. أنت من أوصلتها إلى تلك الحالة. أنت من دمرتها."
ثم ابتعدت عنه تشهق باكية بوجع شديد وهي تتذكر كل ما مرت به ليلى وما عانته وكيف نبذتها هي ووالدتها بكل قسوة ممكنة رغم إدراكهما لمدى معاناتها وعذابها مع عمار. ماذا ستفعل إن خسرتها حقًا؟ كيف ستسامح نفسها إذا فقدت ليلى؟ كيف ستغفر لنفسها تصرفاتها القاسية معها؟ ليلى كانت أختها وصديقتها وأقرب شخص لها. كانت رفيقتها في كافة مراحلها العمرية. كيف فعلت بها هذا وكيف تخلت عمن كانت الأقرب لها؟
انتبهت أخيرًا إلى صوت رنين هاتفها المستمر لتتجه بسرعة وتحمله تخبر والدتها بعنوان المشفى. أغلقت هاتفها تتجه بأنظارها نحو عمار الذي غادر المكان لتجلس من جديد على الكرسي وقد شعرت بأعصابها تنهار تدريجيًا فحاولت أن تسيطر على أعصابها في هذا الوقت الحرج.
***
خرجت حياة من غرفة والدها وهي تكفكف دموعها بأناملها. لقد تركته بعدما نام واطمأنت عليه فجلست على أحد الكراسي الموجودة على الممر بضعف سيطر على روحها وجسدها.
عادت بظهرها إلى الخلف ورفعت بصرها تنظر إلى السقف فوقها بشرود وعقلها يفكر بكل شيء يحدث معها. وضع والدها يؤلمها وحاجته للاطمئنان عليها تثقل من همومها وتضع حملاً صعبًا فوق كاهلها. لا تعلم لمَ يحدث هذا معها مثلما لا تعلم لمَ تقدم ثامر لخطبتها بعدما أخبرته بوضوح إنها لا تفكر بالزواج حاليًا. هي رفضته بشكل غير مباشر وهو كان مصراً على التقدم لخطبتها بل ونفذ ذلك دون إرادتها. هي تعلم إنه عريس رائع وزواجها منه فرصة لن تتكرر وربما لو جاء مبكرًا لكانت وافقت بسعادة لكن هناك شيء داخلها يمنعها من الموافقة. ربما تلك المشاعر البدائية داخلها نحو الآخر والذي شغل عقلها وروحها دون إرادة منها هو من يمنعها عن ذلك فكيف ترتبط بثامر وعقلها مشغول بنديم؟ ألا يعتبر هذا خداعًا؟ وماذا لو لم تستطع تجاوز تفكيرها بنديم ومشاعرها الغريبة نحوه؟ هل سترتبط برجل وهناك آخر يسيطر على مشاعرها وأفكارها؟
ترقرقت العبرات داخل عينيها من جديد وهي تدعو ربها من أعماقها أن يجد حلاً لكل ما تمر به فقد تعبت حقًا ولم تستطع تحمل المزيد. أخفضت بصرها نحو الأرضية تحاول أن توقف سيل دموعها الذي عاد ينزلق على وجنتيها من جديد.
كتمت شهقاتها بصعوبة وهي تنهض من مكانها وتتجه إلى الغرفة من جديد حيث ذهبت إلى الحمام الملحق في الغرفة وأخذت تغسل وجهها بالمياه الباردة عدة مرات قبل أن تجففه بالمنشفة ثم تخرج وتتجه نحو السرير الجانبي الصغير حيث جلست عليه وهي تحمل هاتفها عندما تذكرت أمر مصاريف المشفى في اليومين الأخيرين حيث لم تدفع شيئًا جديدًا.
قررت أن تذهب في صباح الغد إلى موظفة الحسابات وتعلم منها مقدار المصاريف وتحاول أن توفر المبلغ المطلوب بأي طريقة ممكنة. تمددت بجسدها على السرير تغمض عينيها مقررة اللجوء للنوم والهروب من أفكارها المتعبة التي لا تنتهي مهما حدث.
***
جلست صباح بجانب أختها المنهارة تواسيها وتحاول التخفيف عنها بينما كانت مريم تسير في وسط الممر ذهابًا وإيابًا وقلبها يكاد يتوقف من شدة الخوف على أختها. نظرت إلى والدتها التي تبكي بين أحضان أختها وغالية التي تشاركها البكاء بصمت. والدها الذي يجلس على مسافة منهما بملامح واهنة يظهر الرعب عليها بوضوح من فقدان ابنته. توقفت عن السير في منتصف المكان حيث رفعت عيناها الدامعتان نحو الأعلى تدعو الله أن يحفظ أختها ويجعلها تخرج إليهم سالمة.
عادت تخفض بصرها وهي تحاول السيطرة على دموعها وعدم البكاء فهي لطالما كرهت البكاء بحيث لم تكن تسمح لدموعها بالظهور مهما حدث.
انتفضت من مكانها تركض نحو الطبيب الذي خرج من غرفة العمليات يبتسم بخفة وهو يقول مطمئنًا بعدما التفت الجميع حوله يسألونه بلهفة عن وضعها:
"اطمئنوا لقد تمت العملية بنجاح. من حسن الحظ إن الطعنة لم تكن عميقة للدرجة اللي تجعلها تصيب أحد أعضائها الداخلية."
تنهدت مريم براحة بينما صرخت والدتها تهلهل بسعادة والدموع عادت تتساقط من عينيها بغزارة. اتجهت مريم نحوها تحتضنها بقوة تشدد عليها وهي تشكر ربها الذي أنقذ أختها من موت محقق.
جلس الأب على الكرسي خلفه بوهن مستندًا على فخذيه بكفيه غير مصدق إن ابنته نجت سالمة.
بعد مدة من الزمن تم نقل ليلى إلى غرفة العناية المشددة حيث ستبقى هناك لمدة أربعة وعشرين ساعة حتى تستقر حالتها ويتم نقلها إلى غرفة عادية.
طلبت مريم من الجميع الرحيل مقررة البقاء مع أختها لترفض والدتها ذلك لكن صباح أقنعتها بضرورة المغادرة مع زوجها فوضعهما لا يسمح بالبقاء في المشفى حيث يحتاجان إلى الراحة قليلًا قبل العودة صباحًا.
توجهت صباح نحو مريم بعدما أقنعت أختها بالرحيل حيث طلبت منها أن تظل بالمشفى كي لا تبقى لوحدها لكن مريم رفضت بتعنت تخبرها بأنها لا تحتاج أحدًا معها.
سارت غالية بجانب والدتها بعدما ودعت مريم حيث سمعت والدتها تخبرها بعدما ركبتا في السيارة التي يقودها السائق الخاص بهما:
"اسمعيني يا غالية. لا تخبري نديم بأي شيء. هل فهمتِ؟"
نظرت غالية إليها بعدم اقتناع بينما أصرت والدتها على ما تقوله حيث أضافت بجدية:
"لا يجب أن يعرف بما حدث يا غالية. يكفيه ما يمر به منذ خروجه. لا داعي لأن نضاعف همومه يا ابنتي."
صمتت غالية ولم ترد بينما أطلقت والدتها تنهيدة متعبة وهي تفكر بما فعلته ليلى وما هو قادم وسيحدث بعد هذا.
***
في صباح اليوم التالي.
جلست حياة أمام مي التي سألتها بقلق وهي تتأمل ملامحها المرهقة بوضوح:
"هل أنتِ بخير يا حياة؟ تبدين مرهقة للغاية وحزينة أيضًا."
أجابت حياة بنبرة ضعيفة:
"أنا متعبة للغاية يا مي ولا أعرف ماذا أفعل."
سألتها مي بتوجس:
"ماذا حدث يا حياة؟ هل عمي فاضل بخير؟"
أطلقت حياة تنهيدة طويلة تدل على مدى تعبها ثم أجابت بنبرة مرهقة:
"لقد تقدم الدكتور ثامر لخطبتي وأبي مصر على قبولي الزواج منه."
توترت ملامح مي قليلًا وهي تهتف بجدية:
"وأين المشكلة يا حياة؟ والدك يريد مصلحتك."
"لكنني غير مستعدة للزواج الآن يا مي وأنت تعلمين ذلك جيدًا."
قالتها حياة بجدية لتهتف مي بتعقل:
"فكري في الأمر جيدًا يا حياة وستجدين إن والدك معه كل الحق في إصراره على قبولك. الدكتور ثامر شاب محترم ولديه مستقبل لامع وهو يناسبك للغاية. صدقيني يا حياة أنا أتحدث هكذا لأني أريد مصلحتك مثلما يريد والدك مصلحتك وسعادتك هو الآخر."
صمتت حياة قليلًا تفكر في حديث صديقتها قبل أن تتكلم بتردد:
"أنا مدركة جيدًا إنه عريس مثالي ولا يمكن رفضه لكنني أشعر بعدم قدرتي على القبول. كيف سأرتبط به وهناك آخر يشغل أفكاري يا مي؟ كيف سأفعل به هذا؟"
قالت مي بجدية:
"يا حبيبتي أفكارك هذه ستختفي تدريجيًا ما إن تقتربي من الدكتور ثامر وتتعرفي عليه عن قرب. لستِ أول من تعجب بشاب ويشغل تفكيرها يا حياة لكن هذا لا يعني أن ترهني حياتك لأجله. امنحي نفسك الفرصة للتعرف على الدكتور ثامر جيدًا يا حياة فربما تحبينه بل أنا متأكدة إنك ستحبينه وستدركين أيضًا إن ما تشعرين به نحو ذلك الشاب هو مجرد إعجاب وقتي وانتهى."
لم تقتنع حياة بحديثها بل آثرت الصمت تمامًا لتتوقف مي عن الحديث وهي ترى النادل يضع كوبي القهوة أمامهما.
عادت بعدها تتحدث قائلة:
"ما رأيك بحديثي إذا؟"
تنهدت حياة ثم قالت أخيرًا:
"سأفكر بحديثك يا مي وأحاول أن أمنح نفسي والدكتور ثامر الفرصة للتقرب من بعضنا."
هتفت مي بسعادة وحماس:
"وأخيرًا يا حياة. لقد أهلكتني معكِ يا فتاة."
ابتسمت حياة بتصنع ثم قالت مغيرة الموضوع:
"المهم لقد ذهبت اليوم وتحدثت مع موظفة الحسابات وعلمت إن نديم دفع مصاريف المشفى كالعادة وأنا يجب أن أعيد له ما دفعه."
"وكم المبلغ الذي دفعه؟"
سألتها مي باهتمام لتخبرها حياة بالمبلغ وأضافت:
"لا أعرف كيف سأتدبر المبلغ حقًا لكن لا أريد أن يبقى له دين في رقبتي."
"ما رأيك أن أدفعه أنا؟"
قالتها مي بجدية لترفض حياة بسرعة:
"كلا يا مي. تعرفين جيدًا إنني لا أقبل بهذا."
ردت مي:
"ولماذا لا تقبلين يا حياة؟ أنتِ بمثابة أختي ولا توجد مشكلة في ذلك."
قالت حياة بإباء:
"حتى لو. لن أقبل يا مي."
صمتت مي قليلًا ثم قالت بعدها بجدية:
"حسنًا بإمكانك الاقتراض مني إذا؟ سأعطيك المبلغ وتسددينه على مهلك. وإياكِ أن ترفضي لإنكِ بكل الأحوال لا توجد لديكِ طريقة سوى هذه والأفضل أن تقترضي المبلغ مني وتدفعيه لنديم بدلًا من عدم دفعه له."
نظرت إليها حياة مفكرة إنها معها الحق في حديثها فمي صديقتها المقربة وبمثابة أخت حقيقية لها ولا مشكلة إن تأخرت قليلًا في تسديد الدين بينما نديم غريبًا عنها ولا تريد أن تتركه يدفع لوالدها مصاريف علاجه دون أن تردها بسرعة.
سألتها حياة بحرج:
"ألن يؤثر المبلغ على ميزانيتك؟"
ردت مي بسرعة:
"ماذا تقولين يا حياة؟ بالطبع كلا."
أضافت بنبرة جادة:
"بإمكاني أن أعطيكِ المبلغ الآن إذا أردت."
منحتها حياة نظرة ممتنة صادقة وهي تحمد ربها على وجود مي في حياتها فهي لطالما كانت نعم الأخت والصديقة بالنسبة لها.
***
أغلقت مريم الهاتف بعدما أنهت اتصالها مع والدتها التي أخبرتها إنها في الطريق إلى المشفى.
جلست على الكرسي بتعب وهي تقلب في هاتفها تقرأ بعضًا من الرسائل التي وصلتها مساء البارحة ولم تنتبه إليها حتى الآن.
رغم تعبها الجسدي الواضح كان شعور الراحة يسيطر عليها خاصة بعد زيارة الطبيب لأختها صباحًا وطمأنته على حالتها وإخبارها إنها ستخرج مساءًا إلى غرفة عادية.
رفعت وجهها لا إراديًا عندما شعرت بأحدهم يتقدم تجاهها لتجده يسير بخطواته نحوها. نهضت من مكانها بملامح احتلت تمامًا ليتوقف هو مكانه متأملاً نظراتها النارية التي على وشك أن تفتك به بل تحرقه حيًا.
ظل ثابتًا مكانه وهو يراها تتقدم نحوه بنفس الملامح المثارة حتى وقفت أمامه تسأله بصوت هادئ لكنه يحمل في طياته الكثير:
"ماذا تفعل هنا؟"
رد بهدوء وثبات:
"جئت للاطمئنان على زوجتي التي ترقد في الغرفة المقابلة لنا."
"جئت لتطمئن عليها أم لتتسبب بالمزيد من الأذى لها؟"
قالتها بملامح سيطر عليها الحقد من هذا الرجل الذي دمر حياة أختها تمامًا لتسمعه يجيب بنفس الثبات:
"أختك من تسببت بالأذى لنفسها. كم مرة علي أن أخبرك بهذا؟"
بروده المستفز جعلها تفقد أعصابها كليًا حيث انقضت عليه تدفعه بكل قوتها إلى الخلف تقبض بكفيه على ياقة قميصه تصيح به بصوت هادر مخيف:
"أنت من دمرتها يا عمار. أنت من تسببت بكل هذا الخراب والدمار في حياتها بل في حياة جميع من حولك. أختي كانت ستموت بسببك. بسببك أختي وصلت إلى أعلى مراحل اليأس لدرجة إنها حاولت قتل نفسها. ما الذي فعلته بها؟ ما الشيء الذي فعلته بها وجعلها تصل إلى هذه الدرجة من الضعف واليأس؟"
رد بنفس الهدوء والثبات دون أن يحاول إبعادها عنه:
"لم أفعل شيئًا سيئًا كما تظنين. هي فقط من لم تستطع تجاوز حقيقة خسارة حبيب عمرها للأبد."
لم تشعر بنفسها إلا وهي تنقض على رقبته تضغط عليها بكفيها محاولة خنقه وهي تصيح بحقد مخيف:
"سأقتلك يا عمار. سأقتلك وأخلص ليلى والجميع منك ومن شرك أيها النذل."
وفي لحظة خاطفة كان يقبض على كفيها بقسوة محرراً رقبته من قبضتها بسهولة ويلتف بجسدها النحيل عاكسا وضعيتهما حيث باتت هي محاصرة بين ذراعيهمن الأمام والحائط من الخلف.
حاولت أن تدفعه بكل قوتها لكنه كان يقبض على كفيها بقسوة لتجده يتأملها بنظرات غريبة أرسلت القشعريرة في جسدها. لم تكن نظرات متوعدة أو غاضبة بل كانت نظرات راغبة متعطشة تشبه نظرات أسد جائع يقف أمام فريسته التي ينوي التلذذ بها بعدما انتظرها طويلًا.
همس أخيرًا مقربًا وجهه من وجهها فشعرت بأنفاسه الحارة تلفح جانب وجهها:
"لو تعلمين كم سيكون موتي رائعًا على يديكِ يا مريم؟ ما أجمل أن تتوقف أنفاسي بين يديكِ ويكون وجهك الفاتن آخر ما تراه عيني وصوتك آخر ما تسمعه أذني وأنفاسك آخر ما أشعر به قربي."
"ابتعد."
همستها بضعف وعقلها يحاول ألا يدرك الحقيقة. هل وصلت به الدنائة إلى هذا الحد؟ يرغب بها هي... أخت زوجته... في كل مرة تكتشف شيئًا جديدًا عنه يضاعف من شعور البغض والنفور داخلها نحوه.
كانت تحاول أن تتحرر من قبضته خاصة وعيناه تطالعنها برغبة مخيفة ليهمس بصوت قاتم وملامح ضجت بجنون الرغبة:
"عاشرت نساء بعدد شعري رأسي ولكن لم تستطع ولا واحدة منهن أن تحجم من حجم جنوني ورغبتي الشديدة نحوك."
تجمدت أوصالها وسماعها اعترافه صريحًا وقع على روحها كالصاعقة. لطالما شعرت بذلك لكنها كانت تكذب شعورها في كل مرة.
حاولت دفعه بعيدًا عنها لكنه كان أقوى منها وهو يهتف بصوت خافت وعيناه تحاصران عينيها بكل قوة ممكنة:
"هل تتذكرين يا مريم أول مرة التقينا بها؟"
وهي بالطبع لن تتذكر شيئًا غير مهم هكذا أما هو فكان يتذكر ذلك اللقاء وكأنه حدث منذ دقائق. يتذكر ذلك اليوم الذي رآها به لأول مرة. شقراء صغيرة بملامح متمردة لا تتجاوز سنوات عمرها خمسة عشر عامًا كانت كافية لأسره بقيد لا يتمنى الفكاك منه يومًا ولن يفعل.
"بالطبع لن تتذكري لكنني أتذكره جيدا وكأنه حدث اليوم لا منذ سنوات عديدة."
لا تعلم لماذا شعرت بالمرارة تسيطر على نبرته وهو يتحدث لكنها لم تهتم حيث هتفت وهي تدفعه بوحشية:
"ابتعد. قلت لك ابتعد."
عادت نظراته تسير على ملامحها بتأنٍ تتفرس كل شبر بها فارتجف جسدها برعب حقيقي مما ينتظرها على يديه.
"منذ ذلك اليوم وأصبحتِ أجمل ما رأت عيني وأكثر ما يشغل عقلي وروحي وقلبي."
صاحت بتلعثم:
"ما الذي تهذي به يا عمار؟ اتركني حالًا قبل أن أصرخ بصوت عالٍ يجلب الجميع هنا."
عاد يتأملها بصمت ونبضات قلبه المجنونة وصلت أوجها ومشاعره نحوها لم يعد يستطيع كبحها فقد بلغت ذروتها وبات هو على وشك الانهيار صارخًا بعشقها.
تجمدت أوصالها عندما وجدته ينحني تدريجيًا نحو وجهها لتغمض عينيها بقوة وهي تحاول أن تفعل أي شيء يوقفه عن جنونه حتى شعرت بوجهه يسير على جانب عنقها الأبيض المرمري ثم يمر فوق شعرها الأشقر الطويل.
"ارجوك ابتعد."
همستها بتوسل باكي ليستنشق رائحتها الرائعة المخدرة بقوة قبل أن يبتعد عنها ملقيًا نظرة أخيرة مليئة بالعشق الجارف نحوها.
ابتعد عنها أخيرًا لتسقط على الكرسي جانبها بانهيار وما حدث قبل لحظة أفقدها كل سيطرتها على نفسها. أخذت نفسها عدة مرات تحاول تجاوز ما حدث عندما سمعت بعد لحظات صوت أحدهم يتقدم لترفع وجهها المذعور نحوه فتجده أكرم. وكأنه جاء في وقته حيث اندفعت تركض ناحيته بلا وعي ترمي نفسها بين أحضانه تستجدي منه الحماية من ذلك الوحش المرعب الذي يقف بالقرب منهما.
اعتصرها أكرم بين أحضانه مستغربًا حالة الضعف التي هي عليها بينما شددت هي من ضمه بجسد يرتجف بقوة وروح على وشك الانهيار. نظر عمار إليهما بعينين حمراوين ووجود مريم بين أحضان أكرم كان كافيًا لإحراق روحه الهائمة بها حد الهوس. اعتصر قبضة كفه بقوة كادت تمزقه وهو يفكر بإنها ركضت إليه. احتمت منه بين ذراعيه. استنجدت به. اشتعلت عيناه بنيران مخيفة تشي بالكثير القادم منه ليندفع خارجًا من المكان بأكمله بسرعة مخيفة.
***
جلست حياة بجانب والدها تتحدث معه في مختلف المواضيع عندما سألها فجأة:
"هل قررت يا حياة ما ستفعلينه بشأن موضوع الدكتور ثامر؟"
حدقت به قليلًا ثم قالت بجدية وقد اتخذت قرارها أخيرًا:
"نعم يا أبي. لقد اتخذت قراري. أنا موافقة على الارتباط به."
تهللت ملامح الأب الذي قال بفرحة:
"حقًا يا حياة. لو تدركين مدى سعادتي بقرارك."
ابتسمت حياة بضعف ثم قالت بجدية:
"لكنني أرغب بالتحدث معه في بعض الأمور قبل الارتباط به رسميًا."
أومأ فاضل برأسه متفهمًا ثم سمع صوت طرقات على باب الغرفة يتبعه دخول نديم الذي جاء بعدما اتصلت به حياة وطلبت أن تلتقي به في مكان مناسب كي تعطيه الأموال التي دفعها فأخبرها إنه سيأتي إلى المشفى.
ألقى التحية عليهما لترد حياة تحيته بهدوء وهي تتأمله من أسفل رموشها تحاول عدم التأثر بوجوده قربها.
جلس نديم بجانب فاضل يسأله عن أحواله بينما تحججت حياة بضرورة مكالمة صديقتها فخرجت من الغرفة بسرعة محاولة التخلص من شعور التوتر الذي سيطر عليها بوجوده.
"متى سأخرج من المشفى يا بني؟ بالتأكيد لن أبقى هنا إلى الأبد."
قالها فاضل بضيق من وجوده في المشفى الذي طال كثيرًا ليهتف نديم بجدية:
"بقاؤك هنا أفضل لك يا عم."
هتف فاضل بهدوء:
"صدقني لم يعد يفرق. لم يتبقَ بالعمر سوى القليل بكل الأحوال."
"لا تقل هذا يا عم. حفظ الله وشافاك."
ابتسم فاضل مرددًا:
"هذا حال الدنيا يا بني. جميعنا سنرحل. المهم هي حياة. في السابق كنت أخشى الرحيل لأجلها أما الآن وبما إني سأطمئن عليها قريبًا فلم يعد يهمني أي شيء. سأذهب وأنا مرتاح البال."
سأله نديم بتشكك:
"ماذا تقصد يا عم؟ ما بها الآنسة حياة؟"
رد فاضل بفرحة عفوية وهو يريد أن يشارك أي أحد بسعادته:
"لقد خطبها أستاذها في الجامعة البارحة وهي وافقت عليه أخيرًا."
لا يعرف لماذا شعر بضيق غريب داخله ما إن سمع الخبر. ضيق استهجنه فحاول إخفاءه وسيطر على ملامحه التي سيطر الوجوم عليها قليلًا لا إراديًا.
رسم ابتسامة مصطنعة على شفتيه وهو يردد بملامح عادية متغاضيًا عن شعور الضيق الذي سيطر عليه ما إن سمع الخبر:
"مبارك لك يا عم. سعدت كثيرًا لأجلها."
"أشكرك يا بني."
قالها فاضل بنفس السعادة ليهتف نديم بعد لحظات وهو ينهض من مكانه:
"اسمح لي بالذهاب يا عم فلدي أعمال يجب أن أنتهي منها."
ثم خرج بعدما ودعه ليجدها تقف بجانب الغرفة تعلق بهاتفها عندما رفعت وجهها نحوه ما إن شعرت بوجوده فهتفت بسرعة وهي تخرج الأموال من حقيبتها الموضوعة جانبها:
"تفضل. هذه الأموال التي دفعتها اليومين السابقين."
أخذ الأموال منها وهو ينظر إليها بملامح غريبة قليلًا فسألته بتردد:
"هل هناك مشكلة بك؟"
لم تكن تدرك إنه كان يتمعن النظر في وجهها محاولًا إيجاد أي تفسير لشعور الضيق الذي سيطر عليه تمامًا ما إن أخبره والدها بأمر خطبتها.
هتف أخيرًا يهز رأسه نفيًا:
"كلا لا يوجد شيئًا."
أضاف بنبرة هادئة محاولة إزاحة أفكاره تلك جانبًا:
"مبارك خطبتك يا حياة."
ردت بابتسامة مهزوزة:
"أشكرك يا بك. العقبى لك."
عقد حاجبيه يتساءل:
"ألن تنفقي على أن تناديني باسمي مجردًا؟"
أجابت بهدوء:
"أنت من طلبت هذا ولكنني لم أفعل."
سألها بدهشة:
"لماذا؟"
ردت بجدية:
"هكذا أفضل. يعني لا يوجد داعي لرفع الكلفة بيننا. مهما حدث أنت الرجل الذي يعمل والدي لديه."
"منذ متى وأنتِ تفكرين بهذه الطريقة؟"
تجهمت ملامحها وهي تجيب:
"ماذا تقصد؟ أليس ما أقوله صحيح؟"
أردفت بلهجة جادة:
"أنا لا أنادي أي رجل باسمه مجردًا مهما كان. ونحن لا توجد بيننا الصلة التي تسمح لي بمناداة اسمك مجردًا."
"لكنكِ لم تعترضي على ذلك عندما طلبت منكِ مناداتي باسمي مجردًا تلك المرة."
أومأت برأسها وردت بفتور:
"لم أنتبه حينها إلى عدم صحة ذلك."
هتف بصوت خرج عاديًا:
"على العموم أنا قلت هذا لإننا تحدثنا لأكثر من مرة سويا فظننت إننا أصبحنا بمثابة أصدقاء."
قاطعته بهدوء:
"لا توجد صداقة بين رجل وامرأة. طبعًا من وجهة نظري وبناءً على ما اعتدت عليه في مجتمعي الذي تربيت فيه."
فهم إلامَ ترمي فهز رأسه متفهمًا ثم قال:
"لكِ ما تريدين يا حياة. عفوًا آنسة حياة."
شعر بالألم يغزو قلبها وهي تفكر إنه من الآن فصاعدًا لن يجمعهما أي شيء حتى الأحاديث العابرة.
ابتلعت غصتها داخل حلقها وهي تسمعه يقول:
"عن إذنك. يجب أن أذهب الآن."
أوقفته بتردد:
"نديم بك. انتظر من فضلك."
نظر إليها مستغربًا طلبه لكنه لم يتحرك من مكانه فهتفت وهي تفرك يديها الاثنتين بتوتر:
"أعتذر إن كنت تحدثت بطريقة جافة قليلًا معك لكنني متوترة قليلًا بسبب أحداث اليوم التي يبدو إنها أثرت على مزاجي."
"لا عليكِ. لقد سبق وأن تحدثت معكِ بنفس الطريقة بل أسوأ منها."
أضاف بعدها:
"هل هناك مشكلة ما يا حياة؟ يعني لمَ أنتِ متوترة إلى هذه الدرجة؟ من المفترض أن تكوني سعيدة في يوم كهذا."
لا يعلم لماذا تحدث هكذا وقد نهر نفسه على ما قاله. هو يتدخل في شؤونها بشكل يستغربه هو شخصيًا لكن هناك شيء ما داخله أجبره على قول هذا وكأنه يريد معرفة الكثير منها. الكثير مما لا يعلمه.
رفعت عينيها نحوه فوجدت الدموع تشكلت داخلهما لتخفضها بسرعة وهي تجيب باضطراب محاولة السيطرة على دموعها:
"لا يوجد شيء. أنا بخير. فقط الضغوطات من حولي تؤثر علي قليلًا."
أزعجته تلك العبرات داخل عينيها ونبرة الضعف التي خرجت منها فقال بسرعة واهتمام:
"أية ضغوطات بالضبط؟ أخبريني بما يحدث معك وأنا سأساعدك."
رفعت وجهها الحزين نحوه وردت بضعف وهي تتمنى داخلها لو تخبره بما تشعر به حقًا وتعانيه:
"لا تقلق. مجرد ضغوطات ستنتهي قريبًا."
أكملت بعدما مسحت وجهها بكفيها:
"المهم أن أطمئن على والدي ويصبح بخير."
"هل أنتِ متأكدة إنها مجرد ضغوطات ستنتهي قريبًا؟"
سألها بجدية وهو يشعر إن هناك شيئًا ما تود إخباره به لكنها مترددة. نبرة صوتها ونظراتها المترددة جعلته يشعر بذلك.
حدقت به بصمت قليلًا ثم هتفت بجدية:
"كما أخبرتك. وضع والدي الصحي يضغط علي كثيرًا."
لم يشعر نفسه إلا وهو يضع كفه على ذراعها يربت عليها برفق يخبرها بصدق:
"فقط تذكري إنني موجود معكِ متى ما احتجتِ أي شيء."
رفعت نظراتها الدامعة نحوه من جديد تتمنى لو ترمي بين أحضانه تشكو مشاعرها نحوه والتي تتأكد كل يوم جديد يمر من مدى صحتها. في تلك اللحظة تأكدت إنها مغرمة به. غارقة به. عاشقة له وكم تمنت لو تخبره حقًا بما تشعر به نحوه.
همت بالتحدث لكن صوت رنين هاتفه أوقفها عن ذلك ليجد رقمًا غريبًا يتصل به. رد على الرقم فورا فأتاه صوت مريم يهدر به:
"أين أنت يا نديم بك؟ أختي كادت أن تموت لأجلك. ليلى حاولت الانتحار لأجلك يا بك وأنت لا تفعل شيئًا سوى الانعزال في شقتك والبكاء على أطلال الماضي. أنت سبب كل ما حدث لها وما عانت منه ويجب أن تفعل شيئًا لها بدلًا من تجاهلك لها بهذه الطريقة الحقيرة."