تحميل رواية «حبك نار» PDF
بقلم أسماء الكاشف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ابيه انت بتديني الدوا ده ليه انا مش تعبانه - معلش ده علشان صحتك اتفضلي المايه ياحبيبتى طيب بلعتها بهدوء وسكت ودخلت اوضى انام معرفش ليه اليومين دول بنام كثير بصحي بالعافية الصبح علشان المدرسة ودايما وشى بيبقى احمر من كثر النوم في المدرسة الثانوية قاعده جنب زميلتي وحاطه رأسي على المكتب قدامي بكسل = وشك ماله كده يابنتى باهته ليه بقالك كذا يوم شيفاكي متغيرة * انا مافيش حاجة ياغادة يمكن بيتهيألك بس ضحكت بسخرية = بيتهيألى ايه يامروه ما بتشوفيش نفسك فى المرايه طيب بصي كده قالتها وطلعت مرايه صغيرة من شن...
رواية حبك نار الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم أسماء الكاشف
وقفت مروة قدام بيت غادة، ورفعت راسها لفوق على الدور الثاني، على أوضة غادة، لقت البلكونة مقفولة.
نزلت عينيها على الباب وضربت الجرس.
ثواني وكان الباب مفتوح، واستقبلتها والدة غادة بفرحة كبيرة وهي بتقول بترحيب:
"مروة يا أهلاً وسهلاً حبيبتي، اتفضلي يا بنتي."
"شكراً يا طنط"، قلت بكسوف ودخلت لجوه.
شورتلي على أوضة الصالون وهي بتقول:
"اقعدي يا بنتي، عيزاكي في موضوع مهم قبل ما تطلعي لغادة."
حسيت بتوترها وقلقها، اللي عرفت سببه مجرد ما قعدت. بدأت تسألني عن أحوال غادة، ولو في حاجة مضيقاها في المدرسة أو الدروس. عرفت السبب هو معاذ، بس رسمت الهدوء وقولتلها بهدوء وببراءة:
"مفيش حاجة جديدة أو حد مضايقها، هتلاقيها بس قلقانة علشان الامتحانات قربت، انتي عارفة غادة بتتوتر بسرعة وهي عايزة تجيب مجموع كبير."
هزت رأسها بعدم اقتناع وقالت بتأكيد وهي بتضيق عينيها بشك:
"متأكدة يا مروة؟ محدش مضايقها؟ لا مدرس ولا حتى طالب؟"
نفيت براسي بسرعة وقولت بسرعة أنفي الشك اللي بيدور في دماغها:
"لأ طبعاً محدش ضايقها، كل المدرسين بيعملوا اللي عليهم، بيشرحوا بضمير ويهتموا بينا زيادة، خصوصاً غادة علشانها شاطرة. وكمان ملناش أي علاقة بزمايلنا، كل واحد لحاله. متقلقيش يا طنط، زي ما قولتلك، توتر امتحانات وبس."
اتنهدت بضيق وقالت:
"ما توخذينيش يا بنتي، أخذتك في دوكة. ومقدمتلكيش حاجة تشربي؟"
اتململت في القعدة وقولت بضيق:
"تسلمي يا طنط، مش عايزة أشرب حاجة. بس لو سمحتي استعجلي غادة علشان مفيش وقت كتير على الدرس، يا دوب نلحق نوصل."
قامت بهدوء وقالت بلطف:
"عطلتك يا بنتي، اطلعي ناديها من أوضتها. هي من الصبح مطلعتش منها، حتى ما راحتش المدرسة النهارده."
فرديت بسرعة وصدق:
"آه مجتش وقلقت عليها، علشان كده جيت البيت أشوفها وأتأكد إنها جاية الدرس."
فدعت لينا بقلب أم صادق ومحب:
"ربنا يخليكم لبعض."
قالت آخر جملة بهمس، فآمنت ليها وهي شاورتلي إني أطلع.
"اطلعي حبيبتي، انتي عارفة أوضتها."
هزيت راسي بالموافقة وطلعت ليها تحت نظرات مامتها اللي مش مرتاحة وحاسة إني بخبي عليها أنا كمان. وقفت قدام أوضتها، خبطت ومسمعتش صوتها. ففتحت ودخلت. كانت على السرير مدياني ضهرها. قالت بغضب:
"لو سمحتي يا جودي، سبيني لوحدي شوية."
قفلت الباب بصوت عالي وقولت بغضب هادي:
"بس أنا مروة."
لفت وشها ليه وقالت باستغراب وهي مضيقة حاجبها بدهشة:
"مروة؟ انتي إيه اللي جابك؟" قالتها باستفسار.
قربت خطوة واحدة جوه أوضتها وعينيها على عينيها بتركيز. فتوترت وهي بتسمعني بقول بضيق وحدة:
"أيوه مروة.. ممكن أعرف ليه مجتيش المدرسة النهارده؟"
كانت هترد بس قطعتها وكملت بنفس الحدة:
"ممكن أعرف إنتي إيه اللي عملاه في نفسك ده؟"
اتعدلت في قعدتها على السرير ورفعت جسمها شوية وقالت بتوتر وهي بتحرك عينيها في كل اتجاه بعيد عن عيني اللي هتفضحها:
"وأنا عملت إيه يعني يا مروة؟ واحدة تعبت شوية وحبت ترتاح، بس كلكم حاطينها في وضع اتهام."
قربت منها بهدوء وأنا شايفة نظرة الوجع في عينيها، بس بتكابر. وقفت قدامها بهدوء ومسكت كفها بين إيديه الاثنين وقولت بإقرار الحقيقة:
"إنتي مش في وضع اتهام يا غادة." سكت واتنفست بصوت عالي وكملت بهدوء ومركزة في عينيها اللي بصت عليه بفقدان أمل وشغف:
"إنتي قوية يا غادة، متخليش حبك لشخص ميستاهلش أصلاً الحب ده يأثر عليكي وعلى مستقبلك."
نفت براسها وقالت بكذب:
"إنتي فاهمة غلط، أنا معاذ شيلآه من دماغي أصلاً ومبفكرش فيه."
فابتسمت بلطف وقولت:
"ياريت يكون كلامك صدق، ياريت تنسيه. بس الحقيقة غير كده، عينك بتقول إنك لسه بتفكري فيه وقلبك ده لسه بيدق ليه." قالتها وحطت كفها على صدر غادة مكان قلبها وكملت بهمس:
"مش عيب إن نحب أو نفضل متعلقين بيهم، العيب إن نخسر نفسنا ومستقبلنا عشان الحب ده." ابتسمت بسخرية وقالت بمرح متألم:
"حتى أنا بحب شخص لا يبالي، جبلة يا بنتي."
ضحكت غادة برقة. فكملت بمرح:
"ضحكت، يبقى قلبها مال." سكتت وكملت بجدية:
"يلا قومي يا حلوة، كفاية كسل، اتاخرنا." قلتها وشديت إيدها لتقوم، فقامت بكسل وهي بتقول:
"مليش نفس أروح النهارده."
"هشش يا ماما، إحنا قولنا إيه؟ المستقبل ثم المستقبل. يلا بسرعة." قلتها وزقيتها لقدام وهي استسلمت ليا وفتحت الدولاب بحيرة تختار إيه. فساعدتها وأنا بطلع بنطلون جينز وقميص طويل لونه زهري. سحبتهم من الدولاب وحطتهم في إيدها وبقول باستعجال:
"يلا يا بنتي ادخلي غيري، مستنياكي هنا." قلتها وقعدت على الكرسي. هزت رأسها بفخر. ابتسمت ليها وقالت بلطف:
"تعرفي أنا بحبك أد إيه؟"
ابتسمت بغرور مصطنع:
"عارفة يا حبي، أنا أصلاً أتحب."
"مغرورة أوي يا بت." قالتها ودخلت الحمام. وأنا اتحركت بهدوء قدام البلكونة بتاعتها، فتحت الستارة واتفرجت على الشارع وسرحت شوية. رجعت بالذاكرة سنين طويلة افتكرت أني نسيتها.
"أوف يا جدو، مش عايزة دول معايا." قالتها طفلة بعمر العشر سنين بعيون زتونية واسعة وهي بتشاور على حراس كتير حواليها. فقرب جدها منها وقال بلطف وهو منحني بجسمه ليها:
"اومال عايزة مين يخرج معاكي؟"
بعيون واسعة ونبرة طفولية مشتاقة قالت:
"ماما، أنا عايزة ماما يا جدو. هي فين؟ بقالي كتير مشوفتهاش."
وشه كشر وقام بجسمه وقال بغضب تخلله حزن كبير مخبيه ببراعة:
"اجهزي يا حبيبتي، الحراس دول علشان ياخدوا بالهم منك."
بصت عليه بغيظ وصرخت وهي قربت منه:
"ماليش دعوة، أنا عايزة ماما. هي راحت فين وبابا فين؟ ليه سابني لوحدي؟"
كان هيفقد أعصابه عليها، هو مش شخص يتحمل ويتنازل، فما بالك وهو شايل الهم كله. بس أنقذ الموقف خالد اللي قرب منها ومسك إيدها وقال بلطف:
"خلاص يا مروة، متعيطيش. البنت الشاطرة بتسمع الكلام وتروح المدرسة، مش انتي بتحبيني؟"
هزت راسها بطفولية فابتسم ليها وقال بحب:
"يبقى خلاص، نخرج مع بعض. إيه رأيك بقى؟"
هزت راسها بفرحة لوجوده معاها وحضنته وهي بتقول:
"خلاص ماشي، هاجي معاك علشان انت حبيبي."
ابتسم وملس بإيده على شعرها ونعكشه وخرجوا سوا وعربيات الحراسة وراهم. وجدها وشه بان عليه الحزن. متعرفش وقتها إن دي بداية خسارتها لأهلها.
بااااك.
رجعت من ذكرياتها على صوت فتح باب الحمام. ابتسمت بلطف وهي شايفة غادة لابسة وجاهزة. صفرت بمرح وقالت بمشاكسة:
"إيه يا عم الحلاوة دي؟"
ضحكت عليها وقالت بمرح:
"بطلي يا بكاشة. نيجي جنبك حاجة يا أم عيون خضرا؟"
وقفت برقة وقولت بتصحيح:
"زتونية مش خضرا."
"يعني فرقت. أهي كلها لون أخضر يا زتونة هانم."
قالتها وهي بتشيل الشنطة. أنكجنا بعض وخرجنا ووشنا مبتسم. وطنط شافتنا كده وفرحت وارتسمت ابتسامة على وشها وهي بتدعي لينا بكل خير.
رواية حبك نار الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم أسماء الكاشف
هنفضل كده كتير يا جاسر؟
قالتها ميرا بضيق وهي بتشاور بعينيها على الأساور الفضية الغليظة اللي بتزين إيدها، كسجين صغير مذنب بحق ذلك السجان اللي مبيهتمش وهو بيرفع كتفه بلا مبالاة وبيكمل سواقته.
فبصت عليه بضيق وبعدين حركت عينيها بتوسل طفل جعان عايز كيك بالشوكولاتة.
"ما تحاوليش يا ميرا، مش هغير رأيي."
نفخت بغيظ وسحبت إيدها المقيدة فيه، فالعربية اتحركت بشكل عشوائي. فسحبها تاني علشان يعرف يتحكم في العربية وقال بغضب:
"بلاش شغل العيال ده، هتخلينا نعمل حادثة."
فبلعت ريقها بتوتر وهي عارفة إنها غلطانة وقالت بهمس وهي بتبعد عينيها:
"آسفة، بس أنا تعبت، إيدي وجعتني."
اتنهد وبص قدامه وقال بحب:
"استحملي يا حبيبتي شوية وهنوصل، أوك."
لمح الفضول في عينيها، فشاور بإيده بمعني ولا كلمة.
"ومش هقول رايحين فين، أوك، علشان زن البنات مش هيجيب معايا."
برقت عينيها بغيظ ومثلت الغضب وقالت:
"يعني أنا زنانه، تقصد إن أنا زنانه وقرفاك؟"
شد إيده بغيظ فصرخت بغضب، وهو قال ببرود:
"بردو، مهما عملتي مش هنطق."
ولف وشه بهدوء تحت نظراتها المتغاظة وفضولها بينهش قلبها ذي وحش بيحفر بمخالبه صخر صلب، بس ماتنكرش فرحتها لقربه منها. وغمضت عينيها تشم ريحته، مش عارفة إزاي كانت هتهرب بعيد عنه وهي بتتمنى القرب.
لاحظ هدوئها فابتسم بحب. الحب ذي العدوى، بتنتقل بين العشاق. عدوى إحنا عايزينها أوي.
وفي وقت قليل كان واقف بعربيته السودا الأنيقة قدام فندق ضخم.
"يللا يا حبيبتي وصلنا."
قالها بحب وهو بيحملق في وشها بعشق. بصت حواليها ورفعت راسها تشوف اسم الفندق اللي متغطي، فقالت بعدم فهم وهي رافعة حاجبها:
"وصلنا فين يا جاسر؟ إيه المكان ده، فندق؟"
قالتها بحاجب ضيق، وبعدين فتحت عينيها.
وبغضب اشتعل في جسمها كله وهي بتفكر إنه شخص سئ، قالت:
"انت جايبني فندق ليه يا أستاذ؟ أنا مش هتحرك من هنا ويلا فكني وروحني البيت حالا. انت فاكرني إيه؟ لاء يا بابا فوق، انت ما تعرفش أنا مين هو علشان عايشة بره، فاكرني رخيصة؟ لاء فوق."
اشتعل وشه بغيظ منها وعينيه احمرت بغضب من تفكيرها فيه، فحط إيده الحرة على شفايفها بغضب، وبايده المقيدة في إيدها شدها ليه أكتر لدرجة إنها اصطدمت في صدره. وشهقة عالية خرجت منها مع صوت تنفسها العالي والمتوتر. بص على عينيها بنفس الغضب اللي خوّفها وقال بعصبية لشعوره بالخذلان منها وقلة ثقتها فيه:
"أهدي بقي، أهدي، انتي إزاي بتفكري فيه كده؟"
بلعت ريقها بتوتر وحاولت تتحرر من قربه، فحطت إيدها الحرة على صدره علشان تبعد، بس تعلقه فيها كان أقوى.
فقالت بهمس:
"ابعد عني يا جاسر."
وهو كمل بضيق متناسي كلامها متجاهلاً:
"أنا عمري ما أذيكي، افهمي كده يا ميرا، علشان أنا بحبك وعمري ما فكرت فيكي إنك واحدة رخيصة ذي ما بتقولي. انتي غالية أوي يا ميرا، انتي أغلى حد عندي."
قرب وشه من وشها وحط قمة راسه على راسها وهمس بخفوت:
"أنا شايفك غالية أوي، انتي نجمة هدتني لطريقي اللي كنت ضالة. أنا بحبك، خليكي واثقة فيه، متوجعيش قلبي بعدم ثقتك دي، أرجوكي."
بعد عنها مسافة قليلة علشان يشوف وشها، وهي هزت راسها بموافقته. وشعور بالكسوف من نفسها بيضاعف، فابتسم بلطف وقال بحب وهو بيمسك إيدها الحرة:
"أنا عاملك مفاجأة حلوة أوي، متأكد إنها هتعجبك. هننزل دلوقتي لجوه وهتشوفي بنفسك المفاجأة، تمام يا حبيبتي."
هزت ميرا راسها ذي المسحورة، فابتسم وفتح الباب اللي جنبه. نزل الأول وهي نزلت بعده، وايدهم متعلقة في بعض في قيد، قيد قلوبهم قبل إيدهم. مسكت إيده بإيده الحرة قبل ما يتحركوا وقالت بهمس ورقة:
"هندخل كده؟"
قالتها وعينيها بتشاور على الأساور ووشها محمر.
فهز راسه بهدوء وقال:
"ما تفكريش في أي حاجة وانتي معايا، أوك."
اتنفست بصوت عالي، وبعدين بصت عليه بحب وحركت راسها بموافقته. فابتسم بعشق ورفع إيده الحرة لفوق وصفق بصوابعه ليقع الغطا اللي على اسم الفندق، فيظهر الاسم باللون الذهبي المطرز بورود أنيقة.
فوسعت عينيها بصدمة وهي بتقرا اسم الفندق اللي مكتوب باسمها.
"نجمة ميرا."
رجعت بنظراتها المندهشة ليه وبصت على الاسم تاني مش مصدقة، وقالت بتوهان:
"ده ده اسمي."
حركت وشها بانفعالات مختلفة، كلها مصدومة. كل ما تيجي تبتسم تختفي بتوتر ومش مصدقة عشقه ليها. وهي بترفع صابعها نحو الاسم، فهمست بعشق وهي بتبص عليه بعيون كلها عشق وبتطلع قلوب:
"مش مصدقة، انت كاتب الفندق باسمي، ده اسمي أنا؟ قصدي الفندق هو اسمي أنا."
سكتت وحطت إيدها الحرة على شفايفها، فضحك على ملامحها المدهوشة وقال بحب:
"مالقتش أنسب من الاسم ده علشان ألمع نجمة عالية أوي، تستاهل إنها تفضل فوق. والهديّة دي كنت سايبها لبعد الخطوبة علشان أوريكي قد إيه أنا بحبك، بس لما لقيت هروبك حبيت أطمنك وأعرفك مكانتك في قلبي. الفندق ده باسمك مش علشان واخد اسمك فوق، لاء، هو أنا عملته هدية ليكي انتي وبس. هو بتاعك وتحت تصرفك ومن النهارده انتي صاحبته والمسؤولة عنه، وأنا هفضل في ضهرك لو احتجتي أي مساعدة."
قربت منه بهيمان:
"هو أنا قولتلك قبل كده إن بحبك؟"
قالتها بكسوف ووش أحمر وبعدت عينها بعيد عنه، فاتسعت عينه بصدمة من اعترافها. ومن غير مقدمات شالها ولف بيها، وهي صرخت بخضة وخوف لتقع، بس جواها ثقة فيه وهتفضل متمسكة بيه لآخر نفس.
******
اتمشينا مع بعض لغاية ما وصلنا للسنتر. ضحكت بخفوت وشماتة وأنا شايفة كلب صغير واقف قدام زميلتنا، أو مش أوي، البنت اللي دايماً بترخم علينا، سارة، واقفة مرعوبة من الكلب، ولازقة في الحيطة وهو بيقرب ويهوهو عليها.
مسكت إيد غادة وبعدنا وهي بتنادي علينا بخوف:
"الحقوني يا بنات، هشوه بعيد عني بليز."
رفعت حاجبي وقولت:
"ليه يا صرصورة؟ هو انتي بتخافي ولا إيه؟ ده حتة كلب نونو صغير ما بيعضش ذي ناس."
ضيقت حاجبها ونسيت خوفها وقالت بغل:
"تقصد إيه؟"
وبعدين صرخت لما الكلب قرب وعمل صوت خوفها:
"بليز بليز، هشوه."
رفعت عيني لفوق بملل وقولت وأنا ببص على إيدي ببرود:
"أوك، ههشوه وأبعده عنك، بس بشرط، هتعملي كل اللي نقولك عليه وهتبعدي عن دماغنا، آمين يا سارة."
قولتها بسرسجة بقلد الأفلام، فهزت راسها بسرعة:
"ماشي ماشي، يلا بسرعة."
نزلت بجسمي ومسكت طوبة ذقلتها على الكلب اللي جري بعيد، وهي اتنفست براحة. بصيت عليها وضحكت بسخرية ومشيت جنب غادة ودخلنا السنتر، وعلي وشنا ابتسامة هادية. قولت لغادة:
"شوفتي شكلها كان مسخرة."
ضحكت هي كمان وقالت بمرح:
"أوي."
وقفنا مكاننا لما لقيت فارس واقف قدامي بنظرات غامضة وقاتمة. فربعت إيدي بضيق وقولت ببرود:
"في حاجة؟"
هز راسه بضيق ولف وشه ومشي، بس شكله متغير وغضب جواه عايز يطلع، بس سيطر عليه واختفى من قدامنا. ماهتمتش، وبسمع غادة بتقول باستغراب:
"هو ماله ده كمان؟"
رفعت كتفي لفوق بعدم فهم وعدم اهتمام وقولت وأنا بكمل لجوه:
"ماعرفش، وما يهمنيش أعرف، سيبك منه يا بنتي."
سكت شوية وبعدين كملت بهدوء:
"صحيح، بفكر نراجع مع بعض الفيزياء، آخر درس واقف معايا، إيه رأيك نخلي عاصم يشرحه لينا؟"
"أوك، ياريت، أنا بردو الدرس ده واقف معايا."
قعدت مكاني ومسكت الفون، وغادة فضلت واقفة بتدور جوه شنطتها، فقولت بهدوء:
"ما تقعدي يا بنتي، روشتيني."
زمت شفايفها لغاية ما طلعت كتابها، حطته على المكتب قدامها وقعدت وهي بتقول بضيق:
"مالك يا ست مروة؟ قافشة عليه بطلع الكتاب."
"مافيش، اقعدي بس."
قعدت غادة بضيق ومسكت الفون هي كمان. لفت انتباهها تركيز مروة على الفون، فبصت وشافت صورة معاذ قدامها مع عاصم في فوني. وشها قلب واضايقت وبعدت بجسمها عني ورجعت ضهرها لورا.
فاتنهدت بضيق وقولتلها:
"معلش، ماقصدش أضايقك يا غادة، بليز ما تزعليش."
"انتِ ما ضيقتنيش، أنا بس زعلانة، حاسة إني مكنتش مهمة بالنسبة ليه، ده حتى ما صدق أقوله يبعد عني واختفي."
ضحكت بسخرية وقالت بوجع:
"افتكرت إنه هيتمسك فيه أكتر، بس هو اتخلي عني. افتكرت هيحارب علشان بس، طلعت رخيصة أوي عنده، وما صدق إني بعد."
دمعت بوجع وبصت عليه بقلب موجوع:
"من يومها ما اتصلش بيه ولا مرة، ولا حتى استناني قدام البيت وحاول يصالحني."
اتسعت عيني بصدمة، هي ما تعرفش باللي حصل معاه. فقربت منها بحب ولطف ومسكت كتفها وعيني جوه عينيها، قولت بتفسير:
"اسمعيني يا غادة، أنا عارفة إنك مش عايزاه ورافضة تكوني ليه، بس هو بيحبك، صدقيني، ومتخلاش عنك بإرادته. هو حصل معاه ظرف خلاه يسافر بسرعة."
فقضبت غادة حاجة بعدم فهم وبعدين حطت إيدها على شفايفها وقالت بقلق وخوف:
"هو حصله حاجة يا مروة؟ طمنيني، متوجعيش قلبي."
"أهدي، أهدي، هو كويس. أخوه عامل مشكلة ونزل يحلها، مقدرش يسيبه لوحده هناك."
شافت ملامح خيبة الأمل على وش غادة، فكملت بهدوء وسرعة:
"أخوه اتقبض عليه بتهمة مخدرات، وهو راح علشان يطلعه من السجن."
شهقت بخضة وسكتت وقالت بزعل:
"ربنا يفك كربه."
"آمين."
سكتنا شوية لغاية ما سمعت صوت رسالة على الواتس، فتحت الفون لقيت نفس الرقم. فتحت الرسالة اللي عبارة عن صورة، مكنتش واضحة في الأول، بس بعد وقت قليل الصورة وضحت وقلبها اتكسر.
سكتت غادة وهي شايفة ملامحي اللي اتوترت شوية، فقضبت حاجبها وقالت بفضول وقلق:
"مالك يا بنتي؟ وشك قلب كده ليه؟ فيه إيه؟ وإيه الرسالة اللي وصلتلك دي؟ فيها إيه؟"
حطيت إيدي على وشي وبمسح بتوتر، ورجعت بصيت عليها بعيون تايهة، ومحسيتش بالدموع اللي اخذت طريقها للنور وخلت خدّي منحدر تجري عليه.
رواية حبك نار الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم أسماء الكاشف
سكتنا شويه لغاية ما سمعت صوت رسالة على الواتس. فتحت الفون لقيت نفس الرقم، فتحت الرسالة اللي عبارة عن صورة. مكنتش واضحة في الأول، بس بعد وقت قليل الصورة وضحت وقلبها اتكسر.
سكتت غادة وهي شايفة ملامحي اللي اتوترت شوية، فقضبت حاجبها وقالت بفضول وقلق:
_ مالك يا بنتي؟ وشك قلب كده ليه؟ في إيه؟ وإيه الرسالة اللي وصلتك دي؟ فيها إيه؟
حطيت إيدي على وشي وبمسح بتوتر، ورجعت بصيت عليها بعيون تايهة. محسيتش بالدموع اللي أخدت طريقها للنور وخلت خدي منحدر تجري عليه. وقلب غادة بيقرع بخوف زي الطبول وهي بتقول بخوف:
_ فيكي إيه يا مروة؟ انتي بتعيطي؟
مسحت دموعي بقوة وبصيت بعيد وقولت:
* مافيش حاجة.. دي حاجة دخلت عيني.
صوتي كان مهزوز وأيدي بتضغط على التليفون جامد كأني بطلع وجعي فيه. بس غادة قلقها زاد وشدتني من كتفي علشان التفت ليها وقالت بقلق واضح:
_ إيه الرسالة اللي جاتلك؟ فيها إيه خلاكي تنهاري بالشكل ده؟ احكيلي يا مروة بليز.
اتنهدت جامد ودموعي اللي مسحتهم خانوني تاني ونزلوا قدامها علشان أتعرى بمشاعري قدامها للمرة اللي متتعدش. والمرة دي سحبتني لحضنها وكأن اتخلقنا علشان نهون على بعض. عيطت في حضنها والكل بدأ يبص علينا باستغراب، ما عدا عيون واقفة بعيد بتبص على وجعي بانتصار وجواها فرحة إن خسرت حبي وعنده أمل اتولد بقهرى. هديت في حضن غادة اللي فضلت تمشي إيدها على ضهري وكلامها بيشجعني إني أهدي شوية وهي بتقول:
_ اهدي حبيبتي، كل حاجة هتتحل.
بعدت عنها بعد فترة وعيوني مدمعة وقولت بوجع:
* اللي أنا فيه ملهوش حل، قلبي وجعني للمرة المليون، كسرني بدل المرة ألف. وكل ما أسامح مرة يعمل نفس الذنب اللي ما يتغفرش.
قولت كده وحطيت إيدي مكان قلبي الموجوع. فقضبت غادة حاجبها بعدم فهم وقالت بقلق من الكلام اللي هتسمعه:
_ عمل إيه؟
ابتسمت بسخرية ومديت إيدي ليها بالتليفون. اللي أخدته بتوتر وهي بتبص على ملامحي الذبلانة وقلبها عرفها بالحقيقة من قبل ما تفتح الصورة. وبعدين نقلت عينيها على الصورة اللي قدامها، فشهقت بخضة وعينيها برقت بعدم تصديق وقالت بضيق:
_ إيه اللي أنا شيفاه ده؟
مديت إيدي أخدت التليفون منها وقومت وأنا بسحب شنطتي. فمسكت إيدي بسرعة وقالت بقلق:
_ انتي رايحة فين دلوقتي؟
بصيت عليها وعلى إيدها ورديت بقوة وغضب كامن جوايا:
* رايحة أواجه. المرة دي أنا مش هعديها كده زي كل مرة. أنا هواجهه والمسرحية اللي أنا فيها دي لازم تنتهي. مش هقدر أكمل حياتي مع شخص بيخوني حتى لو كنت بعشقه.
قالت آخر جملة بوجع ونبرة منخفضة اعترفت للمرة الألف إنها بتعشقه. وكان قلبها هو الضحية الوحيدة، داس عليه كتير، فجيه الوقت اللي تدوس هي على قلبها. ضغطت قبضة غادة واتحركت خطوتين. ظهر قدامي المدرس اللي استغرب خروجي، فقالت غادة بسرعة وهي بتلحقني:
_ معلش يا مستر، أصلها تعبت فجأة، هوصلها على البيت.
قال بتفهم وهو بيهز راسه بهدوء:
= أوك، ابقي طمنيني عليكم.
هزت راسها بموافقة وخرجت ورايا تلحقني. كنت ماشية بسرعة كبيرة وبخبط في أي شخص، أنا أصلاً ماشية زي الـ... صورتهم وبس هي اللي قدام عيني. اشتعلت بحقد جوايا وافتكرت أول مشهد ليه معاها، كان مستغفلني وبيديني منوم علشان يقابلها ويبوسها في بيتي وفي أوضته وأنا ولا حاجة بالنسبة ليه. وقفت مرة واحدة في نص الشارع وشاورت للتاكسي وغادة بتجري ناحيتي في الاتجاه الثاني. وقف التاكسي، بصيت على غادة وابتسمت بوجع، المرة دي لازم أكون لوحدي، فركبت من غير ما أستناها. قفلت الباب والعربية اتحركت بيه بسرعة كبيرة. وفي وقت قليل كنت واقفة قدام شقتنا. فضلت في التاكسي، شوفته طالع من الباب، مديت إيدي أفتح الباب بس اتسمرت مكاني لما شوفتها ظهرت قدامي، نفس البنت، نفس النظرات، مدياني ضهرها، بس شوفت التوتر اللي هو فيه. غمضت عيني وعرفت إني ضعيفة إني أواجهه وأواجهها دلوقتي، مقدرتش أنزل وأسمع غزله وعشقه ليها.
= مش هتنزلي؟ ده العنوان.
جملة صغيرة قالها صاحب التاكسي رجعني للواقع من تاني. بعدت عيني عنهم وبصيت قدامي بثبات عكس العواصف اللي جوايا وقولت بهدوء:
* وصلني عند #
وبصيت قدامي والتاكسي اتحرك للمكان. عشر دقايق وكنت وصلت. دفعت فلوس للتاكسي ونزلت بهدوء. بصيت حواليه بتوتر وخوف بسيط، يمكن علشان أول مرة آجي هنا لوحدي. بس اتشجعت ودخلت المكان بهدوء. وقفت قدام قبر أمي بهدوء ومديت إيدي ملست عليه بهدوء. بصيت على القبر اللي جنبه، قبر بابا. خسرت الاثنين في سن صغير وخسرت حنانهم ونصايحهم. كان نفسي أرجع من المدرسة وألاقي مامتي مستنياني وأحكي ليها يومي كله عن أصحابي وعن زمايلي اللي بيضايقوني وأسمع نصايحها ليا أو تحكيلي قصة قبل النوم. ومديت إيدي ملست على قبر بابا، كان نفسي أكبر تحت جناحه وأحس بوجوده معايا. نزلت دموعي بوجع وقعدت على الأرض جنبهم وقولت بوجع:
* وحشتوني أوي. ليه سبتوني لوحدي بدري كده؟ أنا محتاجة ليكم أوي.
عيطت بصوت عالي وقولت وأنا بمسك تراب قبر ماما:
* بنتك موجوعة أوي. قلبها مكسور من أقرب حد ليها.
وبصيت على قبر بابا كأني بشتكيله غدر القريب اللي هو جوزي.
* ابن أخوك هو اللي جرحني أوي يا بابا.
غمضت عيني ودموعي لسه بتنزل وكأن عمرها ما هتجف زي السيول وقولت بهمس:
* خانني بدل المرة عشرة، بس أنا اللي غبية ووحيدة كمان. مواجهتش وهربت. أنا تعبانة أوي مش عارفة أتصرف. ياريتكم كنتم معايا تأخدولي حقي منه.
فتحت عيني ومسحت دموعي بطرف القميص وقولت بهمس وقوة جديدة عليه:
* أنا آسفة أوي، شيلتكم الهم بدل ما أدعي ليكم. أنا هكون كويسة، متقلقوش عليا. هكون دكتورة كبيرة وهتفتخروا بيه. ده مستقبلي زي ما كنتم عايزين. أشوفكم قريب.
سكتت لما حسيت بصوت عربية وقفت قدام المقابر. غمضت عيني وأنا بشم ريحته بتقرب مني. مسحت عيوني بسرعة مش عايزة أبين ضعيفة خصوصاً قدامه ومش حمل مواجهة. حسيته وقف بخطواته قريب مني، ففتحت عيني ونظرة قاتمة مشتعلة هي اللي سيطرت عليه. قمت من مكاني ونفضت هدومي. رميته بنظرة واحدة قاسية وكنت همشي. وقفني كلامه:
= أنا آسف.
ابتسمت بسخرية وقربت خطوة منه وركزت زيتونيتي في سواد عينيه اللي زي قلبه. قديماً على الأقل وقولت بتهكم ونبرة مجروحة رسمت التهكم فيها لتخفي الوجع:
* آسف..
آسف علي إيه؟ آسف علي أهلي اللي بسببك خسرتهم؟ ولا آسف على حياتي اللي خسرتها بسببك؟
ضحكت بتهكم وكملت:
لو الأسف بيحل كل حاجة، فأنا كمان آسفة. أيوه آسفة إني مش هسامحك، وآسفة لأن علاقتنا انتهت من زمان. خلي الأسف يمسح ماضيك يا...
قطعت جملتي. مش قادرة أعترف بلساني زي قلبي. بصلة الدم بينا كأني حابة أحول الدم لمياه، بس إنسي. إنسي وجعي اللي كل شوية بيتفتح برؤية جدي. التفت عشان أمشي، بس إيده منعتني. مسك إيدي لأول مرة في حياته. يمكن لو مسكها من زمان علاقتنا مكنتش هتوصل للدرجة دي. بصيت على إيده ورفعت عيني ليه بتساؤل هو فهمه ورد عليه بكلامه الجاد:
= أنا عارف إني غلطت زمان لما اتخليت عنك وسيبت إيدك، بس ادينا فرصة. اديني فرصة أعوضك وأكون قريب منك. مش عايز أكتر من كده، فرصة واحدة.
سكت وبصيت عليه بوجع. ومحستش بدموعي اللي نزلت. أنا مقهورة بسببه ومنه. بسبب جدي اتجوزت عاصم وحبيت الشخص الغلط. الشخص اللي جرحني كتير.
= العمر بيعدي يا بنتي ومش عايز نطول الفراق. كفاية وجع قلب لكده.
بصيت عليه بقهر وافتكرت عاصم وخيانته. أنا زي الغريق مش عارف ينقذ نفسه غير لما يغرق اللي حواليه، لأنه ببساطة ما بيعرفش يعوم. حسيت بإيده بتمسح دموعي بحنان مفتقداه، وسحبني لحضنه بقوة. غمضت عيني للحظات أستمتع بحنان. يمكن أحس براحة ومرسى لتوهاني. لكن حسيت كأني في شوك كبير. الحب اللي محتاجاه مغلف بشوك. خلاني أنفر من أي حد يحبني، فبعدت عنه بغضب وزقيت إيده اللي حواليه بغضب من نفسي لأني ببساطة لسه مسامحتش. لسه الحقد والوجع مالي قلبي. رميته بنظرة ضايعة وحنق من نفسي، وأديته ضهري وجريت بعيد عنه قبل ما أضعف للحب اللي بيقدمه لي. وهو بص على هروبي بوجع. غمض عينه وكور إيده. عارف إن الطريق ليه مش سهل، مليان شوك وجبال لازم يتخطاهم ليُوصلني، لأنه ببساطة هو اللي بنى كل الشوك ده، وهو الوحيد القادر على التخلص منه.
***
عند عاصم.
زق جودي بغضب وعصبية. فرجعت خطوة لورا بعد ما كانت شبه ملتصقة فيه، وقال بغيظ:
= انتي إيه؟ ما بتفهميش؟ ماعندكيش ذرة كرامة؟ كل مرة أصدك فيها وترجعي تاني. انتي فاكرة كده هضعف يعني؟
قرب منها خطوة بغل وقال وهو بيدوس على أسنانه:
= أنا بحب مراتي ومستحيل أقبل بواحدة زيك رامية كرامتها بالشكل ده. وأي راجل زيك مش هيقبل بتصرفاتك دي. نصيحة مني ليكي ابعدي عني وخلي علاقتنا في الشغل وبس، ده لمصلحتك. لو عملتي أي تصرف تاني معجبنيش صدقيني، حتى الشغل ما هينفعك وهفض الشراكة بينا، وإنتي عارفة إني أقدر أعملها.
قربت خطوة منه وقالت برقة وتوسل:
_ انت ليه مش قادر تصدق إني بحبك؟
= وأنا بحب مراتي وبس. نقطة واخر السطر.
قالها بالصريح من غير أي نقاش. فكشرت وشها وهو كمل بقسوة:
= تقدري حضرتك تسبقيني على الشركة.
نفضت عباية الضعف واتلبستها كرامتها وغرورها. فيكفي رفضه لها بالصريح، فاعتدلت بوقفتها ورمته بنظرة قوية رغم انكسارها.
* أوك. زي ما تحب يا أستاذ عاصم. أشوفك في الشركة.
قالتها ولبست نظارتها الشمسية ومشيت بخطوات مرسومة تناسب قوامها الطويل. وهو اتنهد بضيق. جيه يمشي بس شاف تاكسي بيقف قدام البيت. حط إيده في جيب بنطلونه مستني يعرف مين اللي جاي ليهم دلوقتي. ضيق حاجبة وهو بيشوف غادة نازلة منه لوحدها. عند الخاطرة دي حس بالخوف على مروة. فاتحرك خطوتين نحوها وقلبه بيقرع زي الطبول وتنفسه اتوقف للحظات لغاية ما وقفت قدامه بوش مكشر وغاضب وقالت بغضب غير مبرر ليه في نبرة صوتها رغم إنه سؤال عادي:
_ هي مروة هنا؟
= مش كانت معاكي في الدرس؟
قالها بهدوء بس من جواه متوتر. واتوتر أكثر لما شاف نظرات الخوف على وشها وهي بتقول لنفسها:
_ هي هتكون راحت فين بس.
قالتها ولفت عشان تمشي وكأن قلقه على مروة ما يهمش أو إنه هو شفاف في نظرها. فاتكلم بعصبية:
= انتي رايحة فين بعد ما رميتي قنبلتك وماشيه وسيباني على قلقي كده؟
لفت ليه ونظراتها زي اللي هتحرقه مكانه وقالت بسخرية:
_ انت تقلق عليها يا أبية؟ ده يصح برضه.
كشر من طريقتها في الكلام بس رد بتهكم:
= متقلقش أنت. آخر حد يقلق. كفاية عليك السنيورة اللي كنت بتكلمها من شوية.
قرب منها خطوة وقال وهو بيضيق حاجبة:
= تقصدي إيه؟
واعتدلت بجسمها وثارت عليه كما لو أنها هي المعنية وليس مروة صاحبتها. وبهمجية قالت:
_ قصدي حضرتك فاهمة. زي ما أنا شفتكم دلوقتي، هي كمان شافت.
قربت خطوة منه وبقوا في مواجهة بعض. نظراتها الغاضبة القاسية ونظراته المصدومة التائهة. وبتهديد قالت:
_ مروة دلوقتي زي الجريح.
قالتها بأسي واتحول لهجوم:
_ ولو جرا ليها حاجة صدقني أنا هنتقم منك ومش هسيبك تتهني مع السنيورة بتاعتك. كنت عارفة إن كل الرجالة غدارين.
وأشارت بإصبعها عليه بغيظ:
_ وانت أولهم. ومروة هي الضحية.
لفت عشان تمشي وهو مصدوم. بس فاق على حاجة واحدة بس إن مروة مختفية. ويمكن تكون هربت من حضنه. مسك إيد غادة بقسوة ولفها ليه بقوة وهمس بحنق وقلق:
= ممكن تهدي وتفهمني من الأول فين مروة؟
ابتسمت بتهكم وقالت بقسوة وعيون حانقة:
_ جيه رسالة لمروة ليك انت والسنيورة في وضع...
سكتت وهزت راسها بضيق وكملت بغضب:
_ مروة خرجت من الدرس عشان تواجهك وتواجه خيانتك اللي شافتها قبل كده بعينها. أيوه مروة شافتك قبل كده وسكتت، بس المرة دي غير. قررت تواجهك وتنتقم لكرامتها اللي أهدرتها. وأنا جريت وراها عشان أوقفها بس ملحقتهاش وفونها مغلق. افتكرت هتتيجي على هنا تخرب الدنيا وتهدها.
سكتت وسحبت إيدها بضيق:
_ أو يمكن جت وشافت الخيانة لثاني مرة ومستحملتش. انت دمرتها.
ضربته بقبضتها الصغيرة وقالت بعصبية:
_ انت عملت فيها إيه؟
رجع خطوة لورا مصعوق من اللي سمعه. وهي ابتسمت بتهكم ومرارة ومشيت وسابته بعد ما شافت آخر شخص تتوقعه واقف ورا عاصم وسمع كل حاجة وعينيه كلها غضب وظلام. طلعت الفون وبتجرب ترن المرة الألف ومافيش رد يبرد خوفها الكبير. وعند عاصم رجع خطوة لورا مصعوق من اللي سمعه. متوقعش إن مروة تتجرح بسببه كده. وصلها لمرحلة خطيرة. عيونه دمعت بقهر. لف بجسمه ناحية باب شقته وهو بينوي يرجع الشقة يجيب تليفونه اللي ناسيه في أوضة مكتبه. ولقي أبوه واقف بوش محمر من الغضب ومربع إيده بقوة ونظراته حانقة وقاتلة ليه. وهتف بغضب:
^ اللي سمعته ده صحيح؟
غمض عاصم عينيه بضيق. مكنش مستعد لأي مواجهة دلوقتي.
***
_ إيه رأيك في الأكل؟
قالها جاسر بلطف.
* خطير أوي. بس لو أعرف آكل براحتي بدل التكتيفة دي.
قالتها وبترفع إيدها. فابتسم بمشاكسة وقال بمرح:
_ ودي تيجي تاكلي بنفسك وإيدي موجودة يا حبي؟
قالها وبيرفع إيده. فضربت كفة بخفة وقالت:
* جاسر.
قالتها بخجل.
_ عيونه وقلبه. وشها احمر وضغطت على شفايفها بكسوف.
_ أحبك وأنت مكسوف يا طماطم.
* احم. بطل بقى.
قالتها ومسكت المحرمة ومسحت إيدها وشفايفها برقة وغيرت الموضوع وهي بتلف عينها في المكان.
* المكان حلو أوي. إمتى لحقت عملته؟
ابتسم بلطف على تغيرها للموضوع عشان تداري كسوفها منه.
_ أنا أول ما شوفتك وقولت إن لازم أعمل حاجة تجمعنا، حاجة تكون لينا إحنا وبس. واستقريت على الفندق. رسمته وصممته على ذوقك. أنا بقالي سنين براقب كل حاجة بتحبيها أو تكرهيها. حتى الأكل في مطعم الفندق كل الأصناف اللي انتي بتعشقيها. عايز الكل يحب اللي انتي بتحبيه وبس.
قالها ورفع إيدها برقة وباسها بعشق. عشقه ليها ذوب أي خوف أو مشاعر سلبية. فابتسمت بعشق ليه خالص. احساس جميل تلاقي حد يعشقك أكثر من نفسه ويهتم بتفاصيلك الصغيرة قبل الكبيرة. فقالت ميرا بخجل:
* مش عارفة أقول إيه بصراحة. أنا عند اللحظات الرومانسية دي لساني بيقف.
_ مش عايز غير قلبك يكون ليا أنا وبس.
مدت إيدها لشعرها ترتبه بخجل وعينيها متعلقة برماديته الساحرة. مد إيده نحو خصلة وحيدة وحركها برقة وحطها خلف ودانها وقال بعشق:
_ إيه رأيك تتفرجي على باقية الفندق؟
هزت راسها بكسوف وقالت:
* أوك. بس أظن كده كفاية بقى يا جاسر. أنا مش ههرب منك يعني.
حك راسه ورفع حاجبة وقال:
_ احم. هو صراحة يعني أنا بصراحة المفتاح ضاع.
* إيه؟
صرخت بصدمة غير مصدقة. وهو ابتسم بتوتر لما شاف نظرات الصدمة عليها وجواه بيضحك. هو أصلاً عايز يفضل مربوط فيها العمر كله مش يوم واحد بس.
رواية حبك نار الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم أسماء الكاشف
= طلعني بسرعة من هنا يا معاذ انا بريئ والله بريئ معملتش حاجة
قالها محمد ليضع معاذ ايده علي كتفه وقال بهدوء وثقة
_ عارف انك بريئ انت اخويه وعارف اخلاقك كويس ..
متقلقش، هطلعك منها في أسرع وقت. المحامي بيقوم باللي عليه وأنا كمان مش ساكت، بنبش وراهم لغاية ما أوصل للي عمل فيك كده.
سكت وبص قدامه وقال بعد فترة بجدية:
_ بس محتاج مساعدتك، عايز أعرف كل حاجة حصلت في اليوم ده. أي موقف ولو صغير هيساعدنا في القضية.
هز محمد راسه وبدأ يحكي:
= أنا كنت عند صاحبي تامر، قضينا اليوم مع بعض في فلته وبعدها روحنا النادي. قابلنا هناك حسام وعمر. بس ساعة وتامر جاله اتصال من أهله ومشي. شربنا شوية وحسيت بدوخة. صحيت تاني يوم لقيت نفسي لوحدي في العربية والبوليس حواليه. فتشوا العربية ولقوا مخدرات جواها، بس والله مش أنا اللي حاططها ولا أعرف عنها أي حاجة.
_ طيب وصحابك فين من ده كله؟
= حسام وعمر قضوا اليوم في النادي مع بنات وقالوا إني بعد ما شربت سبتهم ومشيت. ماردتش عليهم، بس مش فاكر أي حاجة من ده كله.
ضيق معاذ حاجبه بتفكير وهو حاطط مشتبهين كتير، بس على الأقل حط إيده على أول الخيط. ضرب إيده بخفة على رجله وقام بهدوء تحت نظرات التوسل من أخوه وقال:
_ خلاص، خروجك من هنا مجرد وقت. متقلقش يا محمد، بس حابب أقولك وجودك هنا تستاهله. دي قرصة ودن عشان الصياعة اللي وصلت لها وبس. عشان خاطر أمي جيت هنا وهساعدك، بس مجرد ما تخرج من هنا هعرفك إن الله حق يا محمد.
قالها ومشي بخطوات واثقة غاضبة، ومحمد نزل عينه بخزي، عارف إنه بعد كتير عن ربنا واللي هو فيه عشان يكفر عن ذنوبه الكتيرة.
***
نايم على السرير الواسع وبيتقلب بهدوء. أشعة الشمس بدأت تتسحب بين أركان الأوضة تضيف بهجة ورونق للأوضة. بدأ يتململ من النور وضيق حاجبه واتقلب الناحية الثانية. بس المرة دي صوت التليفون قلق نومه، فنفخ بغيظ ومد إيده يقفله بسرعة ورجع يكمل نوم. بعد ساعة رن تليفونه تاني، فنفخ بغيظ ونطر الغطا من عليه. مسك الفون وشاف اللي بيتصل، اللي كان صاحبه حاتم. ورد وهو بيتأفأف وبيقلب عينه بملل وضيق:
_ في إيه من الصبح يا ابني؟
= في إن جنابك مجتش لدلوقتي المكتب، أقدر أعرف ليه؟
شد الغطا عليه من تاني وريح ضهره لورا وقال:
_ لأ، ما أنا مش جاي النهارده. اعتبرني لسه في إجازة.
فرد حاتم بتهكم وهو مستغرب:
= وده من امتى يعني، استاذ خالد ياخد إجازة؟
_ وفيها إيه؟
قالها ببرود.
= فيها كتير، دي من سابع المستحيلات. ده أنت يا ابني المدير وبتيجي دايما أول واحد قبل الأمن حتى.
رفع عينه بملل وقال:
_ محدش بيفضل على حاله، الكل بيتغير. حتى أنا جت عليا.
ضحك الأخير وقال:
= في دي صعب أصدق. على العموم، يسعدني تغييرك ده. يله أسيبك في إجازتك الصغيرة يا برنس. جود لايك.
قالها وقفل الخط. فاتنهد خالد جامد، مد إيده يمسك علبة السجاير، أخد واحدة أشعلها وزق الغطا من عليه وقام بخطوات هادية ناحية البلكونة. فتح البلكونة ودخل خطوتين وظهر قدامه منظر جذاب: حمام السباحة والحديقة اللي وراه. سند بإيده على السور وأخذ نفس من السيجارة طويل أوي وبعدين طلعه مكون سحابة رمادية حواليه وغاص بعينيه جواها. وأخذ نفس تاني مع تأوه منزعج. بس قطع اللحظات دي صوت بنت رقيق بتكلمه باللغة الإنجليزية المتقنة.
* لما كل ذلك الدخان؟ هل هذا طعام الإفطار لك يا سيد؟
بص ناحية الصوت، فلقاها بنت جميلة بشعر بني قصير وناعم وبشرتها بيضاء نقية كالاطفال، تنظر إليه بعيونها الزرقاء الصافية وشفتيها الكرزية. تثرثر مرة أخرى دون توقف:
* ارحم ذاتك يا سيد، أنت تستهلك صحتك لا شيء يستحق على الإطلاق. ثق بي.
رمقها بضيق وهتف ببرود بلغة إنجليزية:
_ ماذا تريدين؟
* لا شيء.
قالتها بلامبالاة ونظرت أمامها بهدوء تشرب كوب العصير بتلذذ من البلكونة خاصتها. بص قدامه بهدوء وهو بيستغرب تطفلها. عادة في هذه البلاد الأجنبية لا أحد يتدخل بشؤون الآخرين، ما عدا تلك الغريبة اللي ظهرت من شرفة بجوار شرفته. وهو اللي قرر يهرب شوية من الناس حواليه ويجي يقضي يومين لوحده في فندق من غير صديق. تيجي بنت بص عليها، بتقيم قصيرة لا تصل حتى لمنتصف صدره. يمكن هي مش قصيرة أوي، هو اللي طويل بزيادة، طوله اتعدى الـ 185 سم وهي طولها ما يتعداش الـ 155 سم. تيجي هي وتطفل عليه وفتحت معاه حوار وبينت ليه قد إيه هو مستهتر بصحته ونفسه. اتنفس بغضب وبص قدامه وهي بتشرب عصيرها ببرود وبتبص قدامها بعيون فرحانة. هي حلوة وبتحب كل حاجة حلوة. قطع استجمامها صوت تليفونها. ابتسمت بتلقائية وهي بتفتح الخط، وما أخذتش بالها من فضوله واللي زاد أكثر لما سمعها بتتكلم مصري بمهارة:
* أوه ماما الحلوة، وحشتيني أوي يا ست الكل.
ورجليها أخذتها لجوه أوضتها، سايبة خالد واقف مذهول وبيقول لنفسه:
_ دي مصرية كمان، مع إن شكلها ما يديش كده خالص.
طفي السيجارة وقال:
_ لقيت حاجة أتسلى بيها يا جارتي الحلوة.
ابتسم كمراهق صغير ودخل أوضته هو كمان.
***
خرجت من المقابر واتمشت من غير ما تبص وراها. فضلت تمشي لغاية ما وصلت رجليها حديقة للأطفال. دخلتها وقعدت على كرسي خشبي وبصت على الأطفال اللي بيلعبوا حواليها بفرحة كبيرة. كل عيل مع مامته أو أبوه وهي وحيدة. حسيت بنغزة في قلبها اتجاهلتها عشان تقدر تعيش. وبصت عليهم بهدوء، بس جواها أعاصير وبحر هايج غرق قلبها قبل الكل. فضلت قاعدة لغاية ما الشمس اختفت تدريجي والدنيا بدأت تضلم وكل الأسر انسحبت بهدوء وفضلت لوحدها في المكان. كورت إيدها بغضب وسندت ضهرها لورا. ولأول مرة في حياتها مش عايزة ترجع البيت، مش عايزة تكون في مكان هو فيه. بس تروح فين وهي لوحدها؟ بلعت ريقها بتوتر لما لفت بعينيها وشافت الحديقة فضيت. فأخذت نفس عميق زي قرارها اللي أخذته أخيرًا. خرجت الفون من الشنطة وفتحته. لقت اتصالات كثيرة من غادة وعمها وعاصم. أول ما شافت اسمه ضيقت عينيها بضيق وقامت وهي وأخذة القرار. رفعت عينها للسما ومسحت دمعة خاينة وهي قررت مش هتعيط تاني عشانه أو عشان أي حد. وأخذت طريقها لبره. وقفت تاكسي واتحرك بيها ناحية مستقبل جديد وقرار قرارها لوحدها.
دخل أوضته بسرعة ودخل الحمام. نزل تحت المياه الباردة وغمض عينيه يستمتع بقطرات المايه اللي بتنزل على جسمه تهدي أعصابه المشدودة. بقاله فترة طويلة متوتر وعلى أعصابه. افتكر البنت الغريبة اللي اقتحمت حياته فجأة وتصرفاتها الغريبة اللي شدته وسحرته. ما يعرفش ده بسبب عينيها الزرقا الصافية اللي سحرته للوهلة الأولى ولا رموشها الطويلة اللي بتدل على جمال صاحبتها ولا برودها ولا مبالاتها. هز راسه بضيق من تفكيره فيه كأنه مراهق بيتغزل فيها. مد إيده يقفل المايه اللي بتنزل على جسمه ولف جسمه بالمنشفة وخرج بره الحمام بصدره العاري. اتوجه للدولاب والمايه بتنزل من شعره الأسود الطويل. وقف يطلع هدوم بيتي مريحة ومد إيده يسحب ترنج بيتي، بس غير رأيه وسحب قميص كحلي وبنطلون جينز أسود. وخلال دقايق كان واقف قدام المراية بلبسه الكاجول مش الرسمي اللي دايما بيلبسه عشان الشغل. وفي إيده مشط أنيق بيسرح شعره لورا وثبته بجل قليل ما بيستخدمه. بس هو لأول مرة حب يظهر أنيق. وهو مركز على أي حركة من الأوضة اللي جنبه. مسك البرفيوم الجديد ورش منه وعدل لياقة قميصه وابتسم بما شاف شكله الجذاب. كأنه مراهق. هز راسه ينفي، كده هو بس حابب يتعرف عليها لأنها مصرية. أقنع نفسه بكده وهو بياخذ خطوات ثابتة للبلكونة ووقف فيها شوية عشان يقدر يسمع أي تفصيلة ليها. حس بيها بتقرب من البلكونة بتاعتها، فلف وشه الناحية الثانية. بس لسه رامي ودنه ناحيتها. سمع قفل باب البلكونة، فعرف إنها هتخرج من الأوضة. فخرج من البلكونة بسرعة ووقف جنب باب أوضته وحاطط ودنه على الباب. سمع بابها بيتفتح فابتسم بهدوء واستنى دقيقة تبعد فيها. ففتح هو كمان باب أوضته وخرج. كانت سبقاه بخطوتين في الممر الطويل وهي حاسة بيه ماشي وراها. بس اتجاهلت وجوده وهي بتمشي بثقة وفي إيدها التليفون. وهو ماشي وراها بهدوء وببطء لغاية ما وصلت الأسانسير. ضغطت زر الأسانسير ومستنياه ينزل للدور اللي هي فيه، الدور الخامس. حس بيه واقف جنبها وحاطط إيده في جيب بنطلونه. بصت من طرف عينها من غير ما ياخذ باله منها وحست بفرق الطول. وقال بنبرة هادية بلغة إنجليزية:
_ صباح الخير.
* صباح النور. قالتها باقتضاب وهي قررت إنها تتجاهله. أسلوبه معاها مكنش لطيف. وصل الأسانسير واتفتح الباب فشاور ليها تدخل الأول. دخلت بثبات وهي رافعة راسها بثبات وكبرياء بيليق بيها. وهو دخل وراها. التفت يضغط على زر المصعد للدور الأول وهو بيقول:
_ نازلة الدور الأول.
هزت راسها وقالت:
_ نعم.
ضغط الزر واتعدل بجسمه فظهر طوله الفارع وهي حست نفسها ضئيلة جنبه. بس ما بينتش أي اهتمام وحست إن الأسانسير صغير أوي عليهم. فبلعت ريقها بتوتر ورجعت خطوة لورا ولعبت في التليفون تشغل نفسها بيه في اللحظات القليلة دي. وهو فهم تجاهلها وده شده ليها أكثر. عايز يعرف عنها أكثر ومحسش بنفسه إنه قد إيه مركز عليها. وهي أخذت بالها لما رفعت عينيها شوية عن الفون ولقت نظراته متسلطة عليها. فحست بارتباك. هي متعودة على نظرات الإعجاب، هي حلوة وهي عارفة كده. بس أول مرة حد يلفت انتباهها ويسحرها بالشكل ده ويوترها. وهو ارتبك وبعد نظره بسرعة وانقذ الموقف هو وصول الأسانسير لوجهتهم هم الاثنين سوا. جيه يتكلم كانت هي أسرع وهي بتخرج من الأسانسير بسرعة وكأن وحش كبير بيلاحقها. اتنفس بغضب واتحرك هو كمان لبره وهو بيدور عليها بعينيه زي المسحور. بس وقف بخطواته وهو بيشوفها في حضن واحد أشقر ووسيم وكمان بيبوسها. بص عليهم بغيظ وعينيه احمرت. كور إيده بغضب. ما يعرفش ليه مضايق كده، بس حاسس بنار جواه بتزيد. يمكن أكثر من اللي حس بيه لما خسر مروة. همس لنفسه بضيق:
_ يمكن حبيبها؟ أنا مالي أصلاً؟ ليه مركز معاها؟
حك قفاه بضيق وبعد من المكان كله وراح لمطعم الفندق يفطر ويبدأ يومه من أوله بنشاط. بس حاسس إن مزاجه اتعكر. جاي يستمتع يومين وينسي همومه، بس حس إنه دخل دوامة جديدة وإحساس غريب بينهش قلبه تجاه بنت ما يربطش بينهم حاجة غير إنه مهتم يتعرف عنها أكثر. كده أقنع نفسه وهو بيقعد في المطعم جنب الشباك ومستني وجبة فطوره اللذيذة توصل.
***
وعندها جوه الأسانسير كانت بعتت رسالة ومستنية الرد اللي جاها إنه مستنيها قدام الأسانسير تحت. وأول ما وصل الأسانسير لتحت طلعت بسرعة لما حست إنه عايز يفتح معاها موضوع وهي مستعجلة. رجليها أخذتها لعنده وابتسمت بحب ودخلت في حضنه باشتياق كبير وهي بتقول:
* وحشتني أوي يا عمر.
لف إيده حواليها وقال بحب أخوي وهو بيبوس خدها:
_ وانتي أكتر يا عيوني.
بعدت عنه بكسوف من الناس حواليها وقالت وهي بتشد إيده عشان يتحركوا:
* أنت النهارده ليه؟ وبس كفاية بقالي شهرين مشوفتكش فيهم ولا مرة يا سي عمر.
مشي معاها وإيدها في إيده وقال بمشاكسة وهو بيغمز ليها بمرح:
_ على أساس ست رحيق القلوب فاضية لينا ومش بتلف من مكان لمكان وسايبة وراها في كل مكان عاشق ولهان وأنا اللي أتصرف فيهم. فانزاتك طلعوا روحي يا روحي.
ضحكت بخفة وهم داخلين المطعم يفطروا مع بعض. وما شافتش خالد اللي متابعهم بغيظ شديد وقلب غاضب لما شاف ضحكتها وإيدهم المتلاصقة كعشاق. وغيره جواه من ذلك الوسيم الأشقر بعيون زرقاء. وما حطش في دماغه إنه يمكن يكون أخوها. واتجاهل الشكل القريب منهم. وقالت بغرور مصطنع:
* أنا أعمل إيه في جمالي ده؟
ابتسم وقال بهدوء وبالإنجليزية:
_ تباً لتواضعك يا برنسيس رحيق.
وصلوا لطربيزتهم فشد الكرسي ليها بجنتلة وقال بانجليزية متقنة:
_ تفضلي أنستي الجميلة.
ابتسمت بخفة بس اتلاشت تدريجيا لما شافت نظرات الغضب من خالد اللي موجهها عليها.
* شكراً يا عزيزي.
قالتها بلطف بعد ما استعادت تركيزها ورمت خالد نظرة لا مبالاه وقعدت برقة. فقعد عمر في الكرسي اللي مواجه ليها وضهره لخالد وهي قاعدة في وش خالد اللي بعد عينه عنها وركز في كوباية القهوة الساخنة قبل الفطار. بعدت عينيها عنه بصعوبة وركزت مع أخوها وبدأوا ياكلوا بشهية. وهو هناك خلص قهوته وقام من غير ما ياكل أي حاجة. وضيق حاجبه عليها ونفخ بغيظ وقام والشياطين بتلف حوالين راسه والأفكار بتجننه ومضايق من نفسه أكثر. العشق ضعف وهو قرر إنه يرمي قلبه بعيد.
***
* هنعمل إيه دلوقتي؟ هنخلص من دي إزاي؟ بس أنا مش مصدقة، إنت إزاي تعمل كده فيه؟
قالتها ميرا بغضب وهي بتلف حوالين نفسها. وهو بيلف معاها. وقف بضيق وقال بغيظ:
_ ما خلاص بقى. هتفضلي تقطميني كده كتير؟ اللي حصل حصل.
بصت عليه بغيظ وقعدت بضيق على الكرسي وقالت بعصبية:
* إنت بارد كده إزاي؟ مش عارفة ثلاجة ماشية على الأرض.
بص عليها بحدة ورفع حاجبه لفوق. فبلعت ريقها بخوف وتوتر. فبعدت وشها الناحية الثانية. فاتنهد بضيق وقال بهدوء:
_ خلاص ما تزعليش، أنا هتصرف.
* هتتصرف إيه يعني؟ ما أنت بقالك ساعة بتقول هتصرف هتصرف وما فيش حاجة حصلت. أوف.
مسك كوباية عصير ليمون ومد إيده ليها وقال بهدوء وملامح لا مبالية:
_ خلاص اشربي العصير ده الأول، وبعدين هاخدك ونروح نشيلها عند أي حداد في طريقنا.
شهقت بضيق وخضة:
* إيه؟ أنا لسه هستنى كل ده؟
مد إيده ناحيتها أكثر فاعترضت بإيدها كوباية العصير وقالت بضيق وهي بتفرك وملامح خجولة على وشها:
* مش عايزة أشرب، شكراً.
وكملت بهمس سمعه:
* أصلاً مش مستحملة أكتر من كده. أوف. قالتها مع فركها. فصديق حاجبه عليها وبعدين ابتسم بمكر وقال بخبث:
_ ليه بس يا حبيبتي؟ ده عشان تروقي أعصابك شوية بدل ما انتي متوترة كده ومش على بعضك.
* مش عايزة، أنا رايقة ويلا بقى خلينا نخلص.
_ أبداً مش قبل ما تشربي. قالها بإصرار وهو بيراقبها بخبث.
* وأنا قولت مش عايزة. قالتها بضيق وزقت إيده بعيد عنها. ربع إيده وقال:
_ لأ برضو مش ق...
* إيدي يا بني آدم أنت. قالتها وضربت كتفه.
_ آسف. قالها بخوف عليها وعدل إيده ولمس إيدها اللي مربوطة فيه بإيده الحرة. وهو ندمان. وهي سحبت إيدها بضيق وقالت بكسوف:
* بتبص على إيه؟
_ ما فيش. بطمن عليها بس.
قالها بهدوء وقال بلطف:
_ متقلقيش، اللي يهمني هو راحتك وسلامتك بس يا حب. وغمز ليها بشقاوة. فابتسمت بكسوف ووشها احمر. فضحك بصوت عالي عليها وهو بيقول:
_ خلاص خلاص، بقيتي طماطمايه.
سكت وقال بمكر:
_ مقولتيش برضو مش عايزة تشربي العصير ليه؟
* يوه مش هنخلص بقى.
قالتها بتذمر طفلة صغيرة خلته ضحك عليها وقال:
_ لو عايزة الحمام ادخلي عادي وأنا هغمض عيني خالص.
فتحت عينيها بصدمة وضربته برجليها على رجله وبايدها الحرة بتضربه على صدره وهي بتلهث وقالت بغضب:
* يا قليل الأدب يا مش متربي.
ضحك وهو بيبعد عن مرمى إيدها وقال:
_ خلاص خلاص يا مجنونة بهزر معاكي والله.
فضلت تضربه فمسك إيدها الاثنين بإيده الحرة وثبتها بغيظ وقال بضيق:
_ ما خلاص بقى.
فضلت تحرك جسمها بس هو مثبتها كويس. فهديت شوية وبعدين
كشرت وشها وبعدت عينيها من عليه بضيق. فساب إيدها وقال بهدوء:
_ يا حب انتي ميهونش عليا زعلك. هفكك أهو. قالها وهو بيمد إيده لجيب بنطلونه خرج المفتاح. تحت نظراتها ليه المزعوجة ولوت شفايفها. وفتح القفل واتحررت أخيراً. ففركت إيدها بضيق وقال بغيظ منه:
* يعني كنت بتضحك عليا؟
_ عشان أبقى معاكي وقريب منك أكتر وقت.
قالها بصراحة وشدها ليه. فاصطدمت في صدره. فغمضت عينيها تستمتع بقربه وتوترها وصل لآخره. وهو رماها بنظراته العاشقة وقال بعشق وهو بيبص على شفايفها:
_ بحبك وبعشقك يا نجمتي الوحيدة.
قرب منها بتيه زي المسحور وعينيه على شفايفها. فتحت عينيها ووشها قلب بصدمة. فزقته بعيد عنها بتوتر وجريت على بره وهي بتقول بصوت مخنوق:
* هستناك في العربية توصلني.
وقف مكانه مصدوم من تصرفاته وخاف يكون خوفها منه. فاتنهد بضيق ورفع شعره لفوق بإيده. نفخ بغيظ على مكان هروبها. عدل جسمه واتحرك لبره يلحق أميرته. بس حافظ على ثبات ملامحه وخطواته.
رواية حبك نار الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم أسماء الكاشف
وقف بالعربية قدام فيلتها.
طول الطريق التزم الاثنين الصمت، هي مكسوفة منه ومن ضعفها قدامه للحظات، وغضبانه منه ومن نفسها في نفس الوقت علشان كان عايز يبوسها وهي كانت هتضعف ونسيت للحظات إنه لسه غريب عنها، مبقاش حتى خطيبها.
وهو حاسس إنه مخنوق لأنه ضايقها وخايف يخسر ثقتها فيه اللي تعب عشان يوصل لقلبها.
وقف بالعربية وهي مدت إيدها عشان تفتح باب العربية، بس وقّفها صوته الحنين والهادي.
_ ميرا.
رجعت بصت عليه. فمد إيده يمسك إيدها بين إيديه الاثنين. فسحبت إيدها بسرعة وبصت عليه بحدة. فاتنهد بضيق وغمض عينيه عشان يكسب الصبر وفتحها تاني بهدوء وشاور بإيده بمعني أوك، وكلمها برقة ولطف عشان يكسبها من تاني.
_ أنا مقصدش اللي حصل يا ميرا، صدقيني. انتي غالية عليا أوي ومستحيل آتيكي يا حب.
سكت شوية وقال بندم.
_ اعتبريها لحظة ضعف ووعد مش هتتكرر تاني.
رفعت عينيها ليه فشاف جواها ارتباكها وتوترها من قربه، فعرف إنه لسه قلبها ملكه. وقالت بتوسل الحب والقرب.
* لو قد وعدك أنا هنسى اللي حصل.. اوعدني يا جاسر هتحافظ على قلبي.
قالتها وهي بتبص برجاء. فابتسم بلطف وقال بعشق وهو بيهز راسه.
_ أكبر وعد ليكي يا قلبي.. انتي جوه قلبي وهتفضلي فيه طول العمر وهكون أسعد واحد في الدنيا لما اسمك يتحط ويتكتب جنب اسمي.
ابتسمت ليه بطمأنينة. فاتعمق جوه عينيها وقال بعشق.
_ يله انزلي بقى بدل ما أتهور بعيونك اللي زي العسل دول وتيجي تلوميني وأنتي العشق كله.
مدت إيدها ناحية الباب فسبقها وهي بتنزل بكلامه اللي مش هيتراجع عنه أبدا.
* بلّغ جدك إن الخطوبة آخر الأسبوع ومن غير اعتراض.
قالها لما لمح اعتراضها. فسكتت وهزت راسها يمين وشمال. وبعدين ابتسمت بخجل وجرت على جوه. وهو اتنفس بعمق وابتسامة عاشقة ارتسمت على شفايفه.
**********
دخلت الفيلا وعلى وشها ابتسامة لطيفة. اليوم اللي كانت بتفكر تهرب فيه وتبعد عن الكل، قدر جاسر يخليه أحلى يوم ليها. حبت اهتمامه بيها وعشقه ليها الواضح في تصرفاته، كلماته، وحتى نظراته ليها. فتحت الباب الداخلي فلقت الأنوار مطفية. فاتنهدت براحة وزفرت الهوا بهدوء عشان مش عايزة تواجه جدها اللي عنده حق في توبيخها لهروبها، ومعندهاش طاقة تبرر أو حتى تنسحب من حرب الكلام معاه. واتسحبت بهدوء على طراطيف صوابعها. بس بمجرد ما اتحركت خطوتين بس النور اتفتح مرة واحدة وظهر جدها اللي قاعد على كرسي الصالون وحاطط رجل على رجل وبيبص عليها بغضب. وقفت مكانها ورفعت عينها لفوق بضيق ولَوت شفايفها بغيظ وهي بتسمعه بيتكلم بتهكم غاضب منها.
_ كمان بتتسحبي زي الحرامية؟ مش كفاية إنك كنتي بتهربي وجاسر كثر خيره اللي جابك.
اتنفست بصوت عالي وقالت بنبرة حاولت تخليها هادية عشان يومها يعدي على خير من غير ما تخسر جدها المرة دي كمان.
* جدي لو سمحت كفاية، أنا تعبانة منكم. نؤجل النقاش ده لبكرة.
قالتها واتحركت لقدام. فوقفها صوته الغاضب.
_ هو ده اللي انتي فالحة فيه يا أستاذة؟ تهربي وبس من أي مواجهة؟
وقفت بخطواتها وغمضت عينيها بضيق لغاية ما أشعل فتيل قلبها ليخرج المرة دي يصيب أي شخص.
_ انتي دايماً كده من يومك بتهربي وتسبيني أنا اللي ألم وراكي مصايبك اللي ما بتخلص.
لهنا اشتعلت ميرا ولفت ليه تواجه وتصيب سهام كلماتها قلبه اللي نسي إن قلبها شايل منه ووجودها هنا اللحظات دي عشان خدعة سخيفة منه وتمثيلية المرض عليها وكأنها تهتم لحياته بالأساس. وقفت قدام وشه بثبات.
* مصايب أنا برضه يا جدو صح؟ مصايب أنا اللي خلتني أخسر أهلي بدري أوي. مصايب أنا اللي جابتني على ملا وشي من إيطاليا بخدعة سخيفة منك. أووه جدي العظيم شايل مني جامد في الآخر بقيت أنا البنت المدللة وحضرتك الملاك الحارس ليا. أنا آسفة لكوني حفيتدك بالبشاعة دي، بس عموما هي ملحوقة.
سكتت وقربت منه خطوة ولمحت توتر ملامحه الباينة. وقالت بهدوء عكس الإعصار اللي فات.
* خطوبتي على جاسر آخر الأسبوع وهسرّع الجواز عشان ترتاح مني بسرعة يا جدي.
_ بتتكلمي جد يعني؟ جاسر لسه عايزك؟
قالها بسرعة وتهور وما شافش نظرة الوجع في عينيها. فهزت رأسها وقالت بغيظ.
* هو متمسك بيا. وثاني حاجة أنا أه كنت بفكر أهرب بس في آخر لحظة أنا اللي اتراجعت. مش عشانك لأ أبداً، عشان جاسر اللي بيحبني بجد. وأنا مش عايزة أكرر غلطتك وأخسر الناس اللي بتحبني.
قالتها بمغزى فهمه. فنزل عينه لتحت بندم. وهي ابتسمت بسخرية وهزت راسها ومشيت طلعت على السلالم بكبرياء لغاية ما وصلت أوضتها. قبل ما تفتحها شافت الدادة بتاعتها جاية ناحيتها. فقالت وهي بتضيق حاجبها بدهشة وقالت بسؤال واستغراب.
* انتي لسه صاحية ليه؟
قربت منها وقالت بهدوء.
_ قلقِت لما سمعت صوتك تحت مع جدك فقولت أجي أطمن عليكي يا بنتي.
ابتسمت بلطف ومدت إيدها ومسكت إيد الدادة بلطف وقالت بحب.
* أنا بخير، شكراً لوجودك في حياتي.
_ انتي بنتي يا ميرا وربنا عالم بمعزتك عندي.
سحبتها لحضنها. فغمضت ميرا تستمتع بالحضن والدفا اللي وحشها من زمان. حتى جدتها مبتديهاش الحنان والحب اللي عايزاه. بعدين بعدت عنها وقالت بهدوء.
_ هدومك في الأوضة. السواق بتاع جاسر جابهم هنا وأنا رتبتهم في الدولاب. يله يا حبيبتي ارتاحي شوية.
بصت لسها بحب.
* شكراً، ربنا ما يحرمني منك.
ابتسمت ليها وبعدين مشيت. فرجعت نظرات الوجع في عيون ميرا.
فتحت باب أوضتها ودخلت بنفس الكبرياء اللي مجرد ما قفلت الباب قلعت لبس الكبرياء واتعرّت بمشاعرها الحقيقية وسمحت لدموعها تنزل. الاشتياق لأهلها ولحنان جدها اللي دايماً بتحس إنه مصلحته أولاً. رغم إنه خسر عيلته بس هو زي ما هو نفس الأنانية ونفس الجحود.
*************
قاعد على كرسي المكتب منكسر راسه لتحت. هو حاطط راسه بين إيديه الاثنين بضعف كبير وندم وحاسس بالعجز وإنه متكتف مش عارف يوصل ليها. دور عليها كتير حتى إنه راح لجدها اللي قاله إنه شافها منهارة ولامه على اللي حصل لحفيدته وإنه هيقف معاها مهما كان قرارها وهيقف في وشه. وافتكر إزاي اتخانق معاه. الفكرة إنها تبعد عنه مستحيلة. وافتكر اللحظة اللي واجه فيها أبوه اللي طلب تفسير لتصرفاته وإزاي قدر يخون ثقته وثقة مروة. وهو اعترف بشوية تفاصيل وخَبّى عنه أي حاجة بخصوص مرضه. غمض عينيه وافتكر بعد ما مشيت غادة بعد ما رمته بقنبلتها في وشه.
فلاش باااك.
رجع عاصم خطوة لورا مصدوم من اللي سمعه. وهي ابتسمت بتهكم ومرارة ومشيت وسابته بعد ما شافت آخر شخص تتوقعه واقف ورا عاصم وسمع كل حاجة وعينيه كلها غضب وظلام. طلعت الفون وبتجرب ترن المرة الألف ومافيش رد يبرد خوفها الكبير. وعند عاصم رجع خطوة لورا مصدوم من اللي سمعه. متوقعش إن مروة تتجرح بسببه كده. وصلها لمرحلة خطيرة. عيونه دمعت بقهر. لف بجسمه ناحية باب شقته وهو بينوي يرجع الشقة يجيب تليفونه اللي ناسيه في أوضة مكتبه. ولقى أبوه واقف بوش محمر من الغضب ومربع إيده بقوة ونظراته حانقة وقاتلة ليه. وهتف بغضب.
^ اللي سمعته ده صحيح؟
غمض عاصم عينيه بضيق. مكنش مستعد لأي مواجهة دلوقتي.
فنزل أبوه إيديه بصدمة واتأكد من اللي سمعه بصمت ابنه الوحيد. فقال بغضب.
^ يبقى كلامها صح؟ انت خونت ثقتنا كلنا قبل ما تخون مروة.
_ يا بابا اسمعني، الموضوع مش زي ما فهمت.
قرب منه بغضب وقال بعصبية مفرطة.
^ أفهم إيه وزفت إيه؟ بقى هي دي الأمانة اللي سابها لك عمك الله يرحمه؟ هي دي الأمانة اللي وصيتك أنا عليها؟ تجرحها بالشكل ده؟ هي كلمة واحدة عايز أسمعها منك. هي فعلاً البنت دي جتك الشقة وكانت معاك في أوضك؟
غمض عاصم عينيه بضيق وفتحها وقال بهدوء نسبي يفسر.
_ يا بابا الحكاية.
^ كلمة واحدة يا عاصم، لـ آه أو لـ لأ.
قالها بصوت ثابت وإصرار.
_ آه.
قالها بإقرار. وقبل ما يكمل شاف أبوه اللي رجع خطوة لورا مصدوم. لآخر لحظة مستني ابنه ينكر. فقال بصوت مرتعش.
^ أنا مش مصدق اللي بيحصل. انت ازاي يوصل بيك الحال إنك تزني؟
اتسعت عينيه بدهشة وقال بعصبية كبيرة.
_ إيه اللي بتقوله ده؟ طبعاً مستحيل أعمل كده. أيوه كانت في الشقة وأوضي بس محصلش حاجة بينا. هي اسمها جودي شريكتي في الشغل جت الشقة بحجة إن في ورق عايزة تمضيه عشان مستعجلة وهتسافر تاني يوم. سيبتها في أوضة الصالون وطلعت أوضي أجيب الورق عشان مهم كنت عاينه في الأوضة. بس هي نيتها مكنتش كويسة وأنا بطلع الورق اتصدمت بيها في الأوضة وبتقرب مني. وقبل ما أتكلم لقيتها مقربة مني وبتبوسني. على ما فوقت زقيتها وهزأتها وطردتها من البيت. ومكنتش أعرف أبداً إن مروة شافت حاجة. أنا طردتها صدقني. كل حاجة حصلت فجأة. بس مقدرش اليومين دول تفك الشراكة بينا. مستني الوقت المناسب وهفض كل حاجة بينا.
شاف وراقب ملامح أبوه اللي عايز يصدقه. فحس بالذنب أكتر لأن الثقة بينهم اتهزت. فضغط على إيده بغضب وبعدين مسك إيد باباه وقال بهدوء.
_ أنا ابنك وانت عارف تربيتي كويس.
باااك.
فاق على صوت رسالة وصلت له. أخد إيده من على وشه بضيق وبعدين افتكر مروة. يمكن أي حاجة تخصها. فمسك التليفون بلهفة وصوابع متوترة. لما شاف اسمها منوّر قدامه. الرسالة منها. فتحها بسرعة وعينيه جرت على كلمات الرسالة بلهفة اتحولت لصدمة وهو بيقرأ محتواها.
* أنا مصدومة منك أوي. الخيانة أصعب إحساس ندوقه. طلقني.
صرخ بغضب وقال بعصبية.
_ مستحيل، مستحيل أخسرك.
ومسك التليفون ورن على رقمها اللي المرة دي جمع اتصال. وبعد لحظات مرت عليه كأنها سنين.
_ مروة حبيبتي، انتي فين؟ طمنيني عنك. أنا دورت عليكي كتير. انتي فين؟ ارجعي وكل حاجة هتتحل صدقيني.
قالها بلهفة غريق لقي طوق نجاة. ولسه كبريائه موجود جرحها أكتر. فجاله صوتها.
الخالي من الحياة. صوت هو قتل صاحبته وخلاها مكسورة وجريحة. سهل الصيد والصياد فعلاً لعب لعبته وهي كانت فريسة سهلة وقعت وانتهت من زمان. والغلط كان عند عاصم وهو اللي هيتحمل لوحده نتيجة أنانيته.
* ملكش دعوة بيه. ومالكش حق تسألني عن مكاني. أنا بكرهك أوي يا عاصم. انت كسرتني بدل المرة ألف. دوست على قلبي كتير أوي.
سكتت وصوت عياطها وصله. حاول يهديها بس هي كملت.
* أنا بكره نفسي عشان حبيتك أكتر من نفسي بمقدار حبي ليك. بمقدار كرهي لنفسي. وعشان كده مش هقدر أكمل.
مش هقدر أنسى وجع قلبي وأكمل عادي وكأن ما حصلش حاجة خالص.
صدقيني يا مروة، ما فيش حاجة حصلت من اللي في دماغك. الموضوع كله سوء فهم، اديني فرصة أشرحلك.
كفاية كذب بقي، كفاية. أنا تعبت منك ومن الكذب. أنا شوفتكم مع بعض. افهم بقي. شوفتك وانت سكتت.
مش قادرة أكمل، بس استجمعت قوتها وقالت:
شوفتك وانت بتخوني معانا في أوضتك. كنت بتستغفلني، بتديني منوم عشان أنام ويفضي الجو ليك.
صرخت فيه بغضب:
ما اهتمتش بيه ولا اهتميت باللي كان ممكن يحصل ليه. أنا بكرهك ومش عايزة أكلمك تاني ولا أسمع صوتك. كل حاجة انتهت يا عاصم، اللي بينا عقد ولازم ينقطع.
وسعت عينه بخضة وعرف إنه خسرها، خسر حبها اللي كان بيراهن الكل عليه، وإن عشقها ليه أكبر من أي مشكلة. دقات قلبه كانت عالية وهو بيسمع آخر كلماتها اللي نحرت عنقه قبل قلبه، وهي بتهتف بقسوة عليهم هما الاتنين:
إحنا لازم نطلق. آسفة، كل شيء انتهى. لو في ذرة حب ليا في قلبك، طلقني. خليك عالي في نظري على الأقل المرة دي. خليك أخويا الكبير على الأقل لآخر مرة.
انتي بتقولي إيه يا مروة؟ انتي لازم تسمعيني، أنا بحبك صدقيني.
قالها باعتراف للمرة الأولى في حياته ليها هي وبس. لما بنخسر اللي قدامنا بنرمي بالمنطق. ابتسمت بمرارة. الكلمة دي كانت مستنياها من زمان. لو قالها في ظروف تانية كانت هتكون أسعد واحدة في الدنيا، كانت هتطير من الفرحة. بس لما جت جت في وقت غلط، جت بعد ما خسرت نفسها وعرفت قيمتها عنده. هو قالها في وقت خوف وتوتر، حابب يجذبها ناحيته زي السمكة لما بيرمي ليها الطعم. لأن ببساطة هي بالنسبة ليه حاجة من ممتلكاته، واثق في وجودها بين إيديه. بس المرة دي انسلت من بين صوابعه زي الماية. وهي بتقفل الخط في وشه. إنذار أخير ليه بأنه خسرها، والوصول لقلبها أصبح بحر عميق، وهيبقى غواص عشانها.
رواية حبك نار الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم أسماء الكاشف
دخل اوضته بضيق ورمي جسمه على الكرسي بإهمال.
حتى هروبه تعب. افتكر إنه هيريح أعصابه ويرتاح لما ياخد ريست عن الناس شوية ويجي هنا الفندق، بس لسه مارتحش.
وظهرت البنت دي شغلت تفكيره شوية.
فك أول زرار من قميصه بضيق عشان يتنفس براحة.
قام واتجه للبلكونة، يمكن يحس براحة شوية.
سند على السور وخرج السيجار اللي بقى أنيسه الفترات الأخيرة.
حطها بين شفايفه ومسك الولاعة، وقبل ما توصل ليها افتكر كلامها.
فبص على بلكونتها، مكان وقوفها أول مرة.
نفض كلامها بضيق وولعها بعند، وبدأ ينفخ بعصبية والدخان حواليه.
أخذت سحب رمادية تلتف حوالين راسه زي سحابة أفكاره المتشتتة.
أخذ نفس تاني ورفع راسه يطلع الدخان.
ظهرت عروق رقبته وبرزت وحرك راسه شوية وضيق حاجبه بضيق.
وهو شايف نفس البنت مع الشاب اللي كان بيحضنها واقفين في الحديقة قدام حمام السباحة.
وهي منزلة رجلها في الماية وهو قاعد جنبها على كرسي صغير.
شكلها مستمتعة أوي بصحبة الوسيم ده اللي فكر فيه بضيق.
أخذ رشفة من السيجار وبعدين رجع بنظره عليها.
ومن غير ما يحس ابتسم مع ابتسامتها وحركاتها.
كانت بتحرك رجليها بطفولية واستمتاع وشعرها نازل على عينيها يخفي بحر عيونها عن عيونه.
حركت شعرها عن عينها ورجعته لورا.
رفعت نظرها لفوق فشافته واقف في البلكونة.
مقدرتش تحدد ملامحه بس استنتجت إنه هو من وقفته ومكان أوضته اللي جنب أوضتها.
فهمست بخفوت:
_ جاري الوسيم.
كشر لما شافها انتبهت ليه وبعد عينيه بعيد عنها.
سمع صوت تليفونه فطلع التليفون من جيبه.
كان حاتم.
ضحك بسخرية من صاحبه اللي هيفضل يرن عليه كل شوية بحجج كثيرة عشان بس يطمن عليه ويرضي فضوله.
فتح الخط وقال بسخرية:
_ عايز إيه تاني؟ مش لسه قافل معايا من ساعة. محسسني إنك أمي.
سمع ضحكة الثاني وقال بمرح:
= وماله، إنت تطول أم حلوة زيي يا ولدي العزيز.
هز راسه بيأس من صاحبه وقال بضيق وهو بيبعد عينه عنها ولف ضهره ليها:
_ عايز إيه يا ظريف.
فجاله صوت حاتم الجاد:
= بتصل بيك عشان أبلغك إن الموديل الجديد نزلت إيطاليا من يومين وأخذنا معاها موعد النهارده الساعة 1 الضهر عشان نمضي العقد.
قال بعملية وهو بيدخل لجوه:
_ حلو أوي. إنت خلص الإجراءات معاها النهارده وأنا بكرة هقابلها في الاجتماع ونشوف نظام الشغل هيكون معاها إزاي.
سكت وهو بيرتب شعره قدام المراية بإيده وبعدين اتكلم بجدية:
_ هي نزلت فين؟ إنتوا ظبطوا مكان إقامتها؟
= أيوه متقلقش. اهتمينا بكله وحجزنا ليها في فندق أسبوع. تخلص الشغل وهتسافر على طول. إنت عارف قد إيه هي مشغولة. فضت نفسها أسبوع بالعافية مخصوص عشان خاطري.
رفع حاجبه وقال بمكر وهو بيتحرك ناحية الدولاب يفتحه:
_ يا واثق انت يا واصل.
ضحك حاتم بشغف وقال بتوضيح:
= طبعاً واصل يا أستاذ. إنت متعرفش معاك جوهرة. عموماً يا سيدي، هي أخت صاحبي. وعشان الصحوبية دي اتوسط لنا عندها وهي وافقت. يمكن تقول أخذتها فرصة عشان تنزل تشوف أخوها شوية. أصلها مبتقعدش في بلد شهرين على بعضهم.
مسك القميص الكحلي اللي بيفضل يلبسه ورفعه قدام عينه وهو بيسمع كلام حاتم.
وعند آخر كلامه رفع حاجبه.
هو عارف إن الطلب عليها كتير. كفاية اسمها يتحط على غلاف أي شركة وتلاقي الستات كلها بتهجم على المنتج، ولا الرجالة بتحضر أي مكان هي فيه فبتضطر تتنكر أغلب الأوقات.
قال بفضول:
_ شوقتني أتعرف عليها على كده. شكلها جميل.
ليأتيه صوت حاتم المرح:
= دي مزة يا عم. هو إنت مشوفتهاش؟ متقولش إنك متعرفش شكلها.
رمي القميص على السرير واتحرك لبره وقال بجدية:
_ هعرفها منين بس؟ أنا راجل عملي مبهتمش أجري ورا الستات.
سمع استنكار حاتم اللي قال بصوت عالي:
= ستات إيه يا عم إنت. دي أشهر موديل عالمية. صورها في أغلب المجلات العالمية والمحلية. عموماً بكرة هتشوفها، ومين عالم يمكن توقعك على بوزك وتعشقها. بس هي اللي ترضى بيك.
ضحك بسخرية وقال:
_ ظريف أوي. امشي يا حاتم شوف شغلك يا بتاع الموديل. قال أحبها قال.
قال كده بسخرية وقفل الخط.
وفي لحظة عينيه جت عليها. شافها واقفة مدياه ضهرها وبتحضن نفس الشاب.
فضرب ايده بغضب في السور.
شافها بترجع بخطواتها لجوه الفندق وسابت الشاب لوحده اللي خرج لبره الفندق.
فعرف إنها رايحة على أوضتها.
فغمض عينه وبعدين فتحها ودخل أوضته بضيق وعينيه جمرة مشتعلة.
***
بالليل في أوضة غادة.
قاعدة بقلق على صاحبتها اللي مختفية من كام ساعة.
ورنت عليها كتير بس ما ردتش عليها وده قلقها أكتر.
المرة دي مسكت الفون وبعتت رسالة ليها بتقول بقلق واضح:
_ ردي عليا يا مروة طمنيني عنك بليز.
بعد ما كتبتها استنت دقيقتين ورنت عليها.
استنت ترد عليها زي اللي قاعدة على جمر.
بس داب الجمر لما سمعت صوت غادة اللي جالها من التليفون هادي:
* الو غادة.
_ مروة إنتي فين؟ قلقتيني. روحتي فين؟
قالتها غادة بلهفة وسرعة، فسمعت مروة بترد عليها بهدوء:
* أنا كويسة متقلقيش عليا. أنا اتصلت بيكي بس عشان أطمنك.
حطت إيدها على قلبها وقالت بقلق:
_ طيب إنتي فين؟ عرفيني. ووعد مش هقول لحد على مكانك.
* مش هقدر أقولك أنا فين. كل اللي أقدر أقوله إني في مكان كويس وبعيد عن المشاكل.
قامت بارتباك وقالت بنفس نبرة القلق بتحاول تجاريها وتخليها تسمع كلامها:
_ طيب عرفيني على الأقل أو تعالي عندي ومش هنعرف حد خالص.
فردت مروة بحدة:
* لا عندك لا. لو جيت عندك هيعرفوا. أنا عايزة أبعد يومين عن عاصم وعن الكل. عايزة أفكر كويس وأرتب أموري وأفكاري. وأول ما هحس إني قادرة أواجه هرجع.
فـ تنهدت بضيق وقالت:
_ يعني ده هيريحك.
* أيوه.
كانت نبرة صوت مروة مرتاحة لأن صاحبتها بدأت تتفهم موقفها.
وابتسمت لما سمعت غادة بتقول بجدية:
_ يبقي خلاص طالما ده هيريحك أنا معاكي فيه. بس بشرط كل يوم تطمنيني. كل يوم إيه؟ كل ساعة ترني عليا أو تردي على اتصالاتي ومتسبنيش لقلقي، أوك.
فهزت مروة راسها وكأن غادة شيفاها وقالت براحة:
* وعد طبعاً. يالا أكلمك بعدين سلام.
قفلت الخط مع غادة وبصت على الشخص اللي واقف قدامها.
بصت عليه بامتنان وقالت:
* أنا مش عارفة أشكرك إزاي. صدقني من غيرك مكنتش عارفة أعمل إيه يا فارس.
ابتسم بمكر وهو حاسس إنه فاز في أعظم حروبه وهي أعظم انتصاراته وهي كده فعلاً عنده.
رواية حبك نار الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم أسماء الكاشف
قفلت الخط مع غادة وبصت على الشخص اللي واقف قدامها. بصت عليه بامتنان وقالت:
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي. صدقني، من غيرك مكنتش عارفة أعمل إيه يا فارس."
ابتسم بمكر، وهو حاسس إنه فاز في أعظم حروبه، وهي أعظم انتصاراته. رسم البراءة على وشه وقال بهدوء وهو بيقف مكانه وبيعدل قميصه:
"كفاية عليا أشوفك مرتاحة. يالا، أنا ماشي. أشوفك بعدين."
قامت توصله للباب وسندت عليه وقالت برقة:
"ميرسي أوي بجد."
وقف قدام الباب بره وعينيه عليها بعشق، وقال بجدية:
"الحاجة في الثلاجة أكل وكده، ومتنسيش إن فيه هدوم في الدولاب تبع أختي، تقدري تستخدمي اللي عايزاه منهم. هي جسمها قريب من جسمك، هينفعوكِ."
هزت رأسها، فكمل وهو بيبعد بخطواته وبيشاور لها:
"يالا، أشوفك وقت تاني. اطلعي إنتي ارتاحي، يومك كان صعب. سلام."
هزت رأسها بطاعة وقالت بهدوء:
"مع السلامة يا فارس."
قالتها وتابعت خطواته اللي بتبعد عنها. شافت ضهره وركزت فيه، قد إيه فارس شخص رائع، وقف معاها في أصعب وقت. الوقت اللي كانت فيه ضايعة، وأنقذها قبل كده يوم خطف الباص بتاعهم. هو شهم. غمضت عينيها وقفلت الباب ولفت لجوه. اتحركت بهدوء وخطوات بطيئة لحد الكرسي، قعدت عليه بضعف وضمت رجليها لصدرها وغمضت عينيها وهي بتهز جسمها. بتفكر في عاصم ومصيرها معاه، ودموعها نزلت بقهر. هي بتحبه، والبعد عنه عذاب، والقرب هلاك لقلبها الضعيف. والاختيار صعب، بس هي كان قرار أمر مش خيار في إيدها.
***
قفلت غادة الخط مع مروة وعدلت جسمها واتنهدت بتعب. هي وافقت مروة على هروبها من عاصم، لأنها أكتر حد عارف يعني إيه تحس إنك تخسر الثقة في شخص بتحبه. بس الكرامة أغلى من الحب. بس ده ما يمنعش وجع قلبها دلوقتي لبعد معاذ وتفكيرها فيه على طول، أو إنها تفتح الفون تتفرج على صوره زي ما بتعمل دلوقتي. فتحت الأكونت بتاعه وبتقلب في صوره. اتنهدت بصوت مسموع. هي مشتاقة ليه، مشتاقة لقربه. وحشها لدرجة الهلاك. حاسة إنها تايهة من غيره، وقلبها متوجع علشان سافر وسابها. كان نفسها يحارب عشانها، يحاربها هي عشان توافق بقربه، يجبرها تكون معاه. غمضت عينيها عشان تمنع الدمعة اللي بتحارب عشان تنزل وتشوف النور، بس مقدرتش تمنعها وهي بتاخد طريقها على خدودها، تبين قد إيه هي ضعيفة. مش مستحملة قرار هي أخدته، وكان قرار صح، لأن معاذ شخصية قوية وعصبية، حست إنه متملك، فخافت تضيع أكتر وتنسى نفسها. فقررت تفك القيد وتتحرر، بس الخيط ما اتفكتش، وطرفه لسه معاه. حتى وهو بعيد عنها بيتحكم فيها وفي أفكارها وفي قلبها. مسحت دموعها وهي بتسمع صوت رنة تليفونها. رنة ماسنجر. مسكت الفون وهي بترجف بطفولية، فتوسعت عينيها بصدمة والتليفون وقع من إيدها بخضة وهي شايفة اسمه وصورته قدامها، كأنه خرج من أفكارها للواقع. في رنة تليفون. حطت إيدها على شفايفها وقلبها بيدق جامد. قلبها الخاين فرحان لاتصاله وإنه منساش حبها ولسه بيرن عليها، ويمكن عايز وجودها جنبه ويحاول يراضيها. وجزء منها خايف ومتوتر. سابت الفون يرن وهي ماسكة إيدها تمنعها من فتح الخط والرد عليه بلهفة. فضل يرن لحد ما فصل على آخر رنة. كانت مشتتة، أول مرة. بس مع رنة للمرة الثانية، كانت استجمعت شجاعتها ونفسها من تاني. مسكت الفون وبكل غيظ منه قفلت الخط في وشه، فجت الرنة التالتة. ومع إصراره، حست بالنشوة وقفلت تاني عليه، واستنت يرن، بس ما رنش. فاتنهدت بحزن ويأس منه وحطت الفون جنبها. بس في اللحظة الثانية وصلها صوت رسالة. مسكته بسرعة وشافت الإشعار. الرسالة منه. فتحتها ولقته كاتب بنبرة غاضبة وعصبية مفرطة:
"افتحي عليه، وماتكنسليش تاني عشان ما أجيش أكسر دماغك، فاهمة؟ وبلاش تستفزيني يا غادة بحركات العيال دي."
شهقت بخضة وخافت من تهديده ليها، بس في جزء جواها فرحان بإصراره. اتهزت لما رن للمرة الرابعة والتليفون كان هيقع منها، بس هديت وقضبت حاجبها بضيق وتكشيرة، كأنه شايفها وبيعاقبها بوشها النكدي. وهي بتفتح الخط، فسمعت صوته الجهوري والغاضب منها. خلاها تخاف من نبرة صوته:
"ممكن أعرف الهانم مبتردش عليا ليه؟"
"أرد ليه؟ مفيش حاجة بينا عشان نتكلم."
قالتها ببرود، بس من جواها قلقانة من ردة فعله وإيدها بتترعش.
"اتعدلي وإنتي بتكلميني يا غادة."
سكت وهو بيهدي من نفسه عشان يكسبها، وقال بهدوء:
"وحشتيني أوي الفترة اللي فاتت. على عيني إني ما جيتش أشوفك."
ضيقت حاجبها بحيرة من ردة فعله وتقلباته، وبيكلمها دلوقتي على إن مفيش أي حاجة حصلت بينهم، ولا كأنها أنهت أي صلة تجمعهم. فقالت بهدوء:
"إنت عايز إيه دلوقتي؟ مش فاهمة."
"عايز قلبك وقربك مني."
قالها بحب. فاتنهدت بضيق:
"آسفة أوي، قلبي مش ليك، وعمري ما هكون بقربك."
"إنتي ليه غصب عنك؟"
قالها بعصبية. فابتسمت بسخرية وقالت بعتاب:
"ده السبب اللي خلاني أسيبك وأخاف منك."
"تخافي مني؟"
قالها بصدمة. فدمعت عينيها وقالت باعتراف:
"أيوه بخاف منك ومن حبك. ليه؟ إنت مش مدرك إنك قد إيه عصبي في حبك ومتملك. إنت عايز تتحكم فيا في كل حاجة، وأنا مش النوع ده. النوع اللي يستحمل عشان الحب. صدقني، مش هستحمل أبداً."
سكت، وهو سكت. عارف إنه متملك وأوي كمان، بس مش هيسمح ليها تبعد عنه. وسمعت صوته الجهوري الغاضب:
"أنا مش اللي يسيب حد بيحبها أبداً. إنتي ليه يا غادة متملك بقيت ولا عفريت أزرق فوق دماغك؟ إنتي ليه وبس؟ والكلام الأ هبل اللي في دماغك شيليه، لأنه ببساطة مش هسيبك."
بلعت ريقها بخوف وزادت دقات قلبها من كلامه. رفعت عينيها لفوق ودموعها نزلت، وبتسمعه بيكمل:
"فاهمة ولا لأ؟"
صرخت بحدة وهي بتمسح دموعها بعنف:
"لأ مش فاهمة يا معاذ، وأنا قولت قبل كده الكلام بينا انتهى. إنت وأنا مبقيناش لبعض، ولا بقي فيه إحنا أصلاً. ولا عمري هسمح إن حاجة تجمعنا. والأحسن إنك تبعد عني وتنساني. وهنبدأ بالماسنجر ده، احذفني من عندك وأنا هعملك بلوك. وانتهى كده."
"اعملي كده أو فكري حتى، لتلاقيني من بكرة فوق دماغك وهقلب الدنيا على راسك."
قالها بعصبية وصوت جهوري خلاها تترعب.
"بليز، متخوفنيش منك."
"إنتي عايزة تجننيني؟"
"بليز يا معاذ، لو بتحبني سيبني في حالي. كفاية كده، بليز. كفاية اللي عمله صاحبك في صاحبتي، متعملش زيه."
قضب حاجبه وسألها:
"عاصم عمل إيه؟"
في إيه؟ احكيلي.
ابقي اسأله بنفسك.
قالتها باقتضاب، فلوي شفايفه.
وقال بغضب:
أوك يا غادة، متحكيش حاجة. إياك ترتاحي كده.
مش هرتاح غير لما تنساني وتبعد عني.
لأ، ده انتي فعلاً اتجننتي. اللي هنقوله نعيده ونزيده، انتي ليه؟ أوك برضاكي بقي، أو غصب عنك هتكوني ليا.
ارحمني بقي.
قالتها بعياط.
فسمعت صوت أنفاسه العالية واستغفاره، وقال بهدوء عكس الإعصار اللي جواه علشان يكسبها:
بتعيطي ليه دلوقتي؟
ماردتش عليه، وفضلت تعيط على قلبها اللي متعلق بيه، وعلى عقلها اللي عايز ينقذها من حب مؤذي. رفعت عينيها لفوق، وهو كور إيده بغضب. سمعت تكسير حاجات، فعرفت إنه بيفضي غضبه في أوضته، فشُهقت بخوف وعيطت أكتر.
وقالت بعد فترة، لما هديت وصوت التكسير سكت، فعرفت إنه هو كمان هدي وبيترقب كلامها:
معاذ.
ماردش عليها غير صوت أنفاسه العالية، فغمضت عينيها، وإيدها على قلبها. قالت بصوت خافت:
انت بتقول بتحبني، واللي بيحب بيضحي. بليز، متخوفنيش منك بتهديداتك دي. ليه؟ أنا مش عايزة وجع قلب. سيبني وشوف حياتك مع واحدة أحسن مني وفي سنك. أنا ورايا مستقبل عايزة أحققه.
قالتها وبلعت ريقها بتوتر، عارفة إنها زودت عليه وضغطت على زر حساس. هو فرق السن كبير، بس عمره ما كان سبب لبعدها. فهي لما حبت، لغت قوانين العقل كلها، واستخدمت تحكمات القلب اللي ودّاها لعشقه هو وبس.
في سني؟
قالها بصدمة، وكررها بضيق. وكمل بتهكم، وهو مكور إيده بغضب وبيكز على أسنانه:
وأنا اللي هوقف مستقبلك يا هانم.
أيوه، وياريت بقي تبعد. ويله من غير سلام.
قالتها بحده، وقفلت الخط في وشه. حطت إيدها على قلبها، واتنفست بخوف. وهو بص على التليفون بصدمة. كز على أسنانه، وقال بغيظ وعصبية:
بنت الـ... قفلت في وشي. طيب يا غادة، انتي اللي جبتيه لنفسك. بقي عايزة تسبيني وتقولي "سني".
ماله سني؟
قالها بسخرية، وهو بيقوم من على السرير. وقف قدام المراية بيتأمل ملامحه، وسيم بدرجة كبيرة. ضيق حاجبه على شعره، لونها فاتح. وسعت عينيه بصدمة، وهو بيقول:
يا نهار أسود، شعره بيضه.
شدها ناحية عينيه يتأملها، فشُهق بصدمة لما اتأكد إنها فعلاً بيضة. ذم شفايفه بضيق، من إمتى بيهتم بكده؟ بس ما حسش بإيده اللي ماسكة المقص وقصت الشعرة اللي غزت شعره بعصبية، وقال بنرفزة:
ادي الشعرة البيضا أهو. قال عجوز قال.
***
وقفت رحيق قدام الأسانسير مستنياه يقف. حست بشخص وقف جنبها. حطت النضارة الشمسية على عينها برقة. وقف الأسانسير الدور الأرضي، فركبت، وركب الشاب معاها وعينيه بتراقبها بفضول. مدت إيدها ضغطت رقم الدور الخامس، وهو وقف بهدوء. فقالت بخفوت بلغة أجنبية:
حضرتك هتضغط؟
كان مركز فيها أوي، وهز راسه بلا، وقال بلطف:
نفس الدور حضرتك.
سكتت، وهو كمان سكت. واتنحنح، والأسانسير بيطلع فوق، وقال باستفسار:
هو أنا شفت حضرتك قبل كده؟
نفت بهدوء، وهي بتلعب في شعرها البني القصير بارتباك:
لأ، أظن ذلك.
ربعت إيدها، بس هو فضل يراقب توترها وملامحها وهروبها عنه بعينيها، متأكد إنه شافها قبل كده، بس مش فاكر، وهي بتنكر.
وصل الأسانسير قدام الدور واتفتح، فخرجت بسرعة وخطوات سريعة. وهو لحقها، وقال بهدوء:
انتي متأكدة إن مشوفناش بعض قبل كده؟
اتنهدت بضيق، وقالت بعصبية، وهي وصلت قدام باب أوضتها:
لأ يا سيد. هل يمكنك تركي الآن؟ لدي عمل مهم.
أسف للإزعاج.
قالها باعتذار وخجل من أسلوبها. فاتنهدت بضيق ونفخت بندم، وهمست بندم، وهي تراقب عينيه الزيتونية:
أنا بعتذر على أسلوبي الوقح يا أستاذ.
ابتسم بلطف، وهتف بجدية:
اسمي سام. ولا يهمك أنستي. حصل خير يا آنسة.
لتكمل بوش محمر:
رحيق.
سكت، بيفكر في الاسم المؤلّف ليه، بس ما وصلش لحاجة. فمد إيده ليها بتحية، فمدت إيدها وغاص كفها الرقيق في كفه، وهو بيقول:
اتشرفت بمعرفتك.
وأنا كمان.
قالتها وسحبت إيدها من أسر إيديه. فقال بهدوء، وهو بيبتسم:
أراكِ لاحقاً رحيق، عن إذنك.
قالها ومشي. وهي فتحت باب أوضتها ودخلت بهدوء. ومحستش باللي واقف في أوضته وشاف من خرم الباب كل الموقف. شاف سلامهم وسمع كلامهم الأخير. كور إيده بغضب، وعينيه اتحولت لجمرة من نار، وكأن رحيق، زي ما سمع الاسم، جت حولته لكتلة من النار والغيرة جواه بتنهش قلبه. عايز يكسر إيدها وإيد ذلك الوسيم اللي كان معاها. دخل لجوه وهو متعصب، وبينهر نفسه على وقوفه كمراهق قدام أوضتها علشان يراقبها، كأنه مراهق صغير. همس بغيظ:
إن شاء الله تتحرق. إيه اللي ضايقني أنا؟ أوف.
خرج السيجارة ونيّسها عند الغضب، وطلع البلكونة ينفسها بغيظ. بعد شوية شافها لابسة لبس أنيق وطلعت البلكونة. وصله ريحة البرفان بتاعها الغالي والراقي. بص عليها بطرف عينه، كانت لابسة فستان بني واصل لتحت الركبة بقليل، ومطرز ببعض الألماس، أو تقليد ده اللي فكر فيه. ابتسمت لما شافته، بس هو اداها ضهره ودخل أوضته. فهمست بضيق:
وقح قليل الذوق بصحيح.
حطت الماية على ورودها الجميلة، سقتها، وخرجت لبره البلكونة، بل الأوضة والفندق كله.
رواية حبك نار الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم أسماء الكاشف
ثاني يوم الصبح
طلع من الأوضة بعد ما غير لبسه البيتي للبس خروج أنيق، قميص زيتي وبنطلون أسود، وشعره متصفف بطريقة جذابة كانت بتلفت نظر البنات ليه، وبتعجب غادة أوي عند تحرك أفكاره ليها. ضيق حاجبه وهو بيقرب بخطواته من أمه اللي ابتسمت براحة أول ما شافته. ابتسم ليها وقال بهدوء وهو بيبوس إيدها:
_ صباح النور يا ست الكل.
سحبت إيدها بسرعة وقالت بلطف:
* صباح الخير يا حبيبي، كويس إنك صحيت. اقعد على ما أجهز ليك الفطار.
قالتها وهي بتشاور ليه يقعد على الكرسي اللي جنبها، فقال بسرعة وهو بيعدل وقفته:
_ لأ، مفيش داعي يا ماما. أنا عندي مشوار مهم هخلصه وأرجع، وأنا مابفطرش بدري كده.
وكأي أم مصرية أصيلة، قالت بضيق وهي بترميم بنظرات تقيمية:
* عشان كده خاسس ووشك بهتان وعينك دبلانة.
مد إيده لوشه بخضة وقال بهمس وهو بيلمسه بطراطيف صوابعه:
_ وشي بهتان؟ هو باين عليه أوي إني كبرت في السن يا ماما؟
رفعت حاجبها مستغربة تصرفاته، من امتى بيهتم بالسن وهو أصلاً في عز شبابه، فقالت:
* سن إيه يا بني ده؟ إنت لسه في عز شبابك، بس لازم تهتم بأكلك شوية عشان وشك ينور كده زي البدر. شوفني أنا فوق الستين بس اللي يشوفني ما يدينيش عشرين. ده بيفتكروني أختك الصغيرة.
قالتها بدلال يناسب جمالها، خلاه يرفع حاجبه بدهشة وهو بيشوف أمه كأنها مراهقة، وبتكمل بدلال:
* ده حتى لسه بيجي لي عرسان.
ضحكت بخفوت وكسوف وحطت إيدها على شفايفها وقالت بخفوت:
* ده لسه واحد مكلمني، فاكرني لسه صغيرة. بس شكله ابن ناس ومتمسك بيه برضه.
وشها أحمر وهو وشه كمان أحمر، بس أحمر بغضب. كور إيده اللي برزت عروقها، قطم على شفايفه:
_ عرسان إيه يا ماما؟ بس بصي أنا ماشي، أحسن أموتلك العريس اللي خلي وشك أحمر زي الطماطم.
قالها بغيظ وخرج وهو بيبرطم. قال: عريس قال؟ ده اللي كان ناقص. ده أنا أروح بروحه بدل ما نشوف محمد باشا يطلع ليه كمان موضوع العريس. باشا، ماشي ماشي، شكلكم ادلعتوا بغيابي.
لحقته أمه وقالت:
* طيب إنت رايح فين بس دلوقتي؟ وإيه اللي عصبك كده؟ شكلك بتغير.
_ أنا بغير؟ قالها وهو بيلتفت ليها بوش حانق.
* أيوه طبعاً، باينة أوي يا ابني. أعمل إيه أنا إذا كنت جميلة والكل بيجري ورايا. قولتلك سر الجمال الفطار أهم وجبة. افطر كده وانت هتبقى قمر والبنات تجري وراك يا حلو انت.
قالتها كأنها بتكلم طفل وبتشده من خده. نفخ بغيظ. التمثيلية دي كلها عشان يفطر؟ هز راسه يمين وشمال بضيق وقال وهو بيشيل إيدها من على وشه:
_ سلام يا ماما.
وكز على شفايفه وخرج. وهي بصت عليه بضيق. من يوم ما جه وهي ملاحظة أكله الضعيف وسرحانه الدايم. هزت كتفها بضيق ورجعت مكانها تضيع الوقت اللي حاسة إنه طويل من غير ابنها محمد الدلوع، وبتحاول تنسى أي حاجة وحشة حصلت ليه، وبتطمن نفسها إن ابنها الكبير معاذ هيقدر ينقذ أخوه. هو دايماً الدرع القوي ليهم.
معاذ خرج بخطوات سريعة ناحية عربيته اللي مأجرها كام يوم، الفترة اللي ناوي يقعدها هنا في ألمانيا، وراكن عربيته الحقيقة اللي هجر ركوبها من سنين، زي ما ركن غضبه من أخوه ورجع يساعده من الورطة اللي فيها. غمض عينه بضيق وفتحها بسرعة وهو شايف عربية كحلي أنيقة واقفة قدام شقتهم. فتح بابها بهدوء وركب براحة. استقر جوه العربية واتحرك بهدوء وبسرعة بطيئة شوية لأنه ما يعرفش الطرق كويس. رن تليفونه، فطلعه من جيب البنطلون لقي اسم "سعد" مزين الشاشة. ففتح بسرعة وهو بيقول بلهفة وعينه على الطريق بتركيز:
_ أهلاً أستاذ سعد. طالما حضرتك بتكلمني بدري كده يبقى في خبر جديد، إن شاء الله يكون خير.
فجاله صوت سعد الرزين:
= صباح النور أستاذ معاذ. فعلاً أنا بكلمك عشان عندي خبر مهم هيهمك أوي بخصوص القضية.
قبض على المقود بتوتر وقال بقلق:
_ قولي بسرعة. آخر التطورات؟ قصدي يعني أنا فاضي لو حضرتك فاضي، منمكن نتقابل تعرفني التفاصيل المهمة.
= مافيش داعي نتقابل. الموضوع ينفع في التليفون. بص يا سيدي، راقبنا أصحاب محمد أخو حضرتك، بس صاحب محمد اللي اسمه تامر ده لفت انتباهنا شوية بتصرفاته، فزودنا المراقبة عليه لغاية ما اكتشفنا إنه بيقابل واحد ديلر بيشتري منه مخدرات.
ضيق حاجبه وقال وهو بيلف بالعربية يمين شوية ومركز قدامه:
_ بتقولي تامر ده؟ الولد صاحبه اللي قضى محمد اليوم ده عنده قبل الحفلة؟ أوك يا سعد. هو الولد ده لازم نعرف كل حاجة عنه. أنا شاكك فيه.
قال سعد بجدية:
= هو كل الخيوط دلوقتي حوالين الولد ده. هو مدمن ومش بعيد هو اللي لفق التهمة ليه. عشان كده اديت فريقي الأوامر بأنهم يزودوا المراقبة عليه، وإن شاء الله قريب أوي هنمسك عليه دليل.
اتنهد براحة بسيطة وقال بتأمين وتمني:
_ يارب نقدر نثبت ده بسرعة. أنا واثق في أخويا وعارف إن تامر ده هو اللي ملفقه. المهم بس فريقك يعمل مهمته من غير أي غلط، وأنا تحت أمرهم في أي مصاريف. اللي هتحتاجوه من أجهزة وغيرها أنا هوفر ثمنها. المهم أخويا يطلع في أسرع وقت. الجلسة قربت والقضية لبساه لدلوقتي.
جاله صوت سعد الحانق:
= ده شغلنا حضرتك، وخليك واثق محدش هيقصر في القضية لأن القضية دلوقتي بقت قضيتنا إحنا كمان.
تنحنح بحرج وقال بهدوء:
_ أنا واثق في حضرتك وفي فريقك. أنا بس قلقان على أخويا.
فطمنه وهو متفهم لقلقه:
= متقلقش. كل حاجة هتكون زي ما إحنا عايزين وأكتر كمان.
اتنفس بعمق وقال بامتنان:
_ إن شاء الله. ميرسي أوي لوقفتك ولمجهودك.
= ده واجبي وشغلي. ولو في جديد هكلمك. عن إذنك دلوقتي. سلام.
_ سلام.
قالها بهدوء وقفل الخط وحط التليفون قدامه على التابلوه. وكمل سواقة وهو بيفكر في كل حاجة، في أخوه وفي غادة اللي بتبعد عنه. رفع إيده يلمس شعره بضيق. هو كبير عليها زي ما قالت. هو في نهاية العشرينات وداخل الثلاثين بعد كام شهر يتعدوا على الصوابع، وهي طفلة مراهقة مكملتش 18 سنة. ومع كده سحرته ليها. فرق السن بينهم كبير، بس هو لسه في عز شبابه زي ما قالت أمه، وهو متأكد إنها بتحبه ومفكرتش في فرق السن، بس خوفها منه ومن قربه ليها خلاها تقول كده.
السندريلا الهربانة من أميرها، اللي أخدت قلبه وعايزة تهرب من غير عقاب. وهو مستحيل يسيبها من غير عقاب. وعقابه ليها إنها تكون ملكه وجوه حصنه، حبيسة حضنه وبس. يعلمها تحبه وتنسى نفسها معاه. وده وعد، ووعد الحر دين عليه. ده تفكيره، وعينيه جواها إصرار كبير.
*******
واقف قدام المراية بيتأمل هيئته الجذابة ببدلة عملية أنيقة بلون كحلي وتصفيفة شعر تلائم هيئته وتعطيه جاذبية أكثر. مسك البرفيوم بتاعه ورش على نفسه بعشوائية، ففاحت الريحة الساحرة أرجاء الغرفة كلها. مسك الفون ومفتاح العربية وخرج. قفل الباب بهدوء.
في نفس الوقت كانت بتخرج من أوضتها بهيئة ملائكية. رماها بطرف عينه ومشي من غير أي كلام. فقضبت حاجبها بضيق ومشيت هي كمان في الممر الطويل. سبقها وركب الأسانسير وضغط زر النزول من غير ما يستناها. آخر حاجة شافها وهي بتحاول تلحق الأسانسير بفستان زهري فاتح قصير لفوق الركبة، كانت زي أميرة من أميرات ديزني. وعينيه احتدت لما شاف اللي جاي وراها. وهي وقفت مصدومة وهي بتشوف الباب بيتقفل، وآخر حاجة شافتها نظراته ليها الجامدة ومتفحصة ليها.
في نفس الوقت، كورت إيدها بغضب وهمست بحدة:
* وقح وقليل الذوق. شخص بارد وغبي.
أخذت بالها على كمية الشتايم اللي رماها بيها، فزمت شفايفها بضيق. قدر يحول هدوءها وشخصيتها الجادة لشخصية عصبية وسليطة اللسان. هزت راسها بهدوء وربعت إيدها مستنية وصوله ليها عشان تنزل وتلحق موعدها.
وهو هناك جوه الأسانسير، مغمض عينه بضيق. حاسس بنار بتكويه، وخصوصاً وهو شايف الشاب الوسيم اللي وصلها الأوضة امبارح جاي وراهم. خلاه يندم إنه قفل ومستناش يركب معاه. لو شافه من بدري كان سحبها لجوه حضنه. ضرب الحيطة بغيظ. كان الباب اتفتح، خرج بعصبية وخطوات حانقة غاضبة واتجه لعربيته وهو بيحاول ينسى الجارة القاتلة بجمالها. ركب العربية واتحرك بسرعة كبيرة.
وعندها هي، وصل الأسانسير. ركبت. كان سام وصل وركب جنبها وهو بيقول بترحيب وهو بيعبث بأزرار النزول لتحت:
_ مرحبا يا رحيق.
* أهلاً سام.
قالتها وهي بتعدل وقفتها. الصمت عم المكان لغاية ما وصل لتحت. اتفتح وخرجت برقة. وخرج سام وراها، فكان أخوها واقف مستنيها ببدلة رصاصي أنيقة، هاتفا بهدوء:
_ ما لسه بدري يا حلوة.
قالها بالعربية. فسام من بعيد مش فاهم الكلام وضيق حاجبيه، بس ما اهتمش أكتر ومشي.
غمزت أخوها بمرح وهي بتتأبط ذراعه وهتفت برقة وهي بتجبره على المشي معاها:
* مش واخد وقتي على ما أبقى على سنجة عشرة. ده الجمال هو الكلام.
ضحك عليها وعلى مرحها وقال بحب:
_ إنتي أصلاً حلوة من غير حاجة. وصل لعربيته وقال وهو بيسيب إيدها ويفتح الباب ليها:
_ بس إيه الحلاوة دي؟ الفستان هياكل منك حتة يا حب.
ابتسمت بهيمان وهي تقبله من خده:
* ميرسي أوي يا عمر. إنت اللي قمر يا قمر.
قالتها وانسحبت عشان تدخل العربية. قفل الباب واتجه لباب السائق وركب جنبها واتحرك بالعربية بسرعة هادية.
بعد نصف ساعة وصل خالد الشركة. ركن العربية مكانها ورفع راسه يشوف الصرح الكبير الضخم اللي تعب كتير عشان يبنيه. لقطت عينه اسم الشركة المتكون من رمزين K.H. أول حرف لاسمه وأول حرف لشريكه المرح حاتم. اتنهد بعمق. قد إيه حس بالإنجاز لما بنى اسمه في السوق وشركته بقت من أشهر شركات الأزياء والموضة. ابتسم بعملية وهو بيلتفت بجسمه لجوه المبنى اللي الكل استقبله بترحاب شديد وهو بيمشي بخطوات واثقة ووش عملي قاسي بعض الشئ عند الشغل، وبيكتفي بابتسامة لكل اللي بيرحبوا عليه. وما غفلش عليه نظرة إعجاب الموظفات عنده. بس عمره ما اهتم بإعجاب البنات، أو حب منهم مروة وبس اللي كانت سالبة قلبه، مع إنها أصغر منه، بس كانت كل حاجة عنده. وصل قدام مكتبه فشاف حاتم اللي طلع يستقبله بمرحه المعتاد:
= أووه البرنس وصل يا جماعة..
ايه يا بوس كل ده تأخير وحشتنا يا عم.
قالها وهو بياخد وضع الأحضان.
فضحك بهدوء وحضنه برفق وهو بيقول:
_ مع إنك مزعج يا واد يا حاتم، بس برضو وحشتني ماعرفش إزاي.
وبعدين بعد، وقال حاتم بجدية مصطنعة وبيمثل الزعل:
= أنا مزعج طيب، أنا زعلان منك يا بيبي.
ضربه على قفاه وقال:
_ استرجل يا له شوية.
وفتح باب المكتب ودخل لجوه. لحقه حاتم وهو بيحط إيده على قفاه بضيق وقال بغضب:
= يا بني ميت مرة بقولك إيدك المرزبة دي ابعدها عني، هو أنا قدك يا عم.
اتجه خالد ناحية الشباك وفتحه وحط الستاير على جنب وهو بيراقب حديقة صغيرة مصممها بنفسه وقال بهدوء:
_ ماشي يا سيدي.
ضيق عينه وقال بضيق وهو شايف فوضى في الحديقة:
= أومال عم محمد فين؟
ضيق حاتم حاجبه بعدم تذكر. ولما شاف إشارة خالد ناحية الحديقة افتكر، فقال بهدوء واستغراب من اهتمام خالد الزايد:
_ الجنايني بتسأل ليه، في حاجة؟
= أيوه، أنا شايف الحديقة مهملة شوية، هو ما بيشوفش شغله ولا إيه.
قالها بغضب بسيط.
فسَمِع تنهيدة حاتم اللي قعد على الكرسي وقال:
= عم محمد بقاله يجي شهر تعبان أوي، وإحنا مفضيناش نشوف حد يقوم بشغله لغاية ما يسترد صحته شوية.
_ ماله؟ عنده إيه؟ ده كان كويس قبل ما أسافر.
قالها بقلق واضح وهو بيرجع مكانه قدام المكتب وقعد على كرسيه.
= أزمة قلبية، بس دلوقتي بقي أحسن.
فشاف الضيق على ملامح صاحبه اللي قال:
_ ده كان زي الفل. عموما شوف محتاج إيه وأي مصاريف يحتاجها وفرهاله واصرفله شهر زيادة، متخليهوش يحتاج حاجة. متنساش إحنا بلد واحدة والمصريين لبعضهم.
قالها وهو بيطلع الملف من الدرج.
فهز حاتم راسه بالموافقة وهو فخور بصاحبه وقال بهدوء:
= أوك، مع إن عملت كده وأكتر. أنا عارف قد إيه بتعزه.
بعدين قام وهو بيعدل بدلته وقال بعملية:
= أنت كمان قوم، ورانا موديل حلوة نشوفها. أوضة الاجتماع جاهزة، تعالي نشوف لو في حاجة ناقصة قبل ما توصل.
_ هي لسه مجتش لدلوقتي؟
قالها بوش مكشر وكمل بضيق وهو بيبص على الساعة في إيده بغرور:
= الساعة ١ يعني، شكلها مش قد مواعيدها والشغل ده ما يلزمنيش.
حك وشه بغيظ وقال بعصبية بس حاول يكون هادي:
_ لسه خمس دقايق يا أستاذ، على واحدة. وبلاش أسلوبك ده، خلي الليلة تعدي أوك يا خالد. متنساش دي مش أي موديل، دي عالمية. إحنا محتاجينها أكتر ما هي محتجانا.
نفخ خالد بغيظ وقال بهجوم غير مبرر:
= إيه يعني عالمية؟ أي واحدة غيرها تقدر تقوم باللي هتقوم بيه.
_ بس مش هتكون نفس النتائج، وأنت عارف كده كويس. أنا هسبقك، حصلني على هناك.
قالها وخرج.
ليتنهد خالد بضيق. هو عارف إنه زودها شوية، بس عند الشغل ما بيحبش غلط أو مجاملات. قفل الملف اللي قدامه وقام بهدوء. رتب البدلة وخرج من المكتب. وصل لأوضة الاجتماعات لقي حاتم واقف مع سكرتيرته بيمليها شوية أوامر وهي بتسجل في النوت معاها. اتنحنح ودخل قعد مكانه بهدوء وهو مشغول في الورق قدامه.
وفي لحظات كان الكل قاعد مكانه. سمع صوت خطوات كعب عالي جايه في ناحيتهم. وشوية والباب فتح فظهرت ببلورتها الزرقاء تطل عليهم، وبجانبها ذلك الوسيم اللي محدش ركز فيه في حضرة جمالها وسحرها الطاغي. رفع وشه من على الورق لما حس بالصمت في المكان، فقابله زرقتها اللي بتسحر، فقال بصدمة:
_ أنتي.
في نفس الوقت اللي شافته، امتعضت ملامحها بضيق يشوبها صدمة ونطقت هي كمان باللغة العربية:
* أنت. وهمست الوقح.
رواية حبك نار الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم أسماء الكاشف
رفع عينيه من على الأوراق لما حس بالصمت في المكان فقابلته زرقتها اللي بتسحر، فقال بصدمة باللغة الإنجليزية وهو بيقف مكانه:
_ انتي.
في نفس الوقت اللي شافته امتعضت ملامحها بضيق يشوبها صدمة، ونطقت هي كمان باللغة العربية:
* انت. وهمست بخفوت: الوقح.
وبعدين رسمت البرود على ملامحها وهي بتدخل، وهو قعد مكانه ورسم العملية بيحاول يتجاهل مشاعره، وقطع كل ده صوت حاتم المرحب والمندهش في نفس الوقت:
= هو انتوا تعرفوا بعض؟
* لأ، قالتها بمقاطعة. فرفع حاجبه بضيق وكور إيده بغيظ منها. وحاتم كان قام من مكانه واتجه ناحية عمر اللي ابتسم له وقال:
= أوه اتفضلوا.
ووصل لعمر اللي حضنوا بعض باشتياق، وهي دخلت بخطوات هادية وقعدت ببرود وحطت رجل على رجل، ولفّت وشها بعيد عنه وهي متغاظة لوجود المتعجرف ده قريب منها، فما بالك كمان في شغلها. وبعد نصف ساعة كان الكل مترصص على طاولة الاجتماعات، والمناقشة بينهم ماشية هادية. كان الحوار بيدور أكتر بين عمر وحاتم، وهي بتسمع بتركيز بس ساكتة لأنها عارفة إن عمر أخوها هيقوم باللي مطلوب وأكتر. وخالد اكتفى إنه كل فترة يدي تعليق بسيط. بالنسبة ليه بس كان بيعصب رحيق اللي حركت رجلها بعصبية، فاتحرك فستانها لفوق شوية وظهر ركبتها الناعمة والبيضا، وهي بتقول بعصبية:
* ما هو كده مش نافع خالص، حضرتك كل كلمة حضرتك بتعترض عليها.
ضرب إيده برفق على الطاولة وقال:
_ أنا بقول اللي المفروض يحصل واللي بيجي في صالحنا.
* تقصد تقول صالحك انت وشركتك، كل اللي بتعمله إنك بتعارضنا وبس، وأنا ده ما يمشيش معايا.
_ بتهدديني يعني؟
اتدخل حاتم وقال لفض الخناق:
= فيه إيه يا جماعة اهدوا شوية، ده سوء فهم.
قالها ورمق خالد بنظرة تحذير، اللي نفخ بغيظ، فقالت رحيق بضيق:
* مش شايف صاحبك اللي من ساعة ما قعدنا وهو متأفف وطالع فينا وبي اعترض كل حاجة؟ هو ناسي أنا مين؟ زي ما أنتم شركة وليكم اسمكم، أنا كمان ليا اسمي.
= لأ مش ناسي طبعًا يا آنسة رحيق، حضرتك معروفة طبعًا، بس ممكن حضرتك تهدي، واللي عايزاه هيتنفذ على طول.
^ خلاص يا رحيق اهدي.
قالها عمر وهو بيمسك إيدها بهدوء تحت نظرات الحنق من خالد.
* أوك عشان خاطرك يا موري، وعشان خاطر حضرتك. قالتها وهي بتشاور على حاتم.
فقال خالد ببرطمة وهمس وهو بيرفع عينيه لفوق بغيظ:
_ عشان خاطر حضرتك، ما هو ده اللي شاطرة فيه، من ده لده، قال موري قال. وضغط على شفايفه.
حاتم اللي قال بمهادنة:
= ده شرف ليا، واتأكدي إن كل اللي هيتم هيرضيكي ويرضي كل الأطراف.
استمر الاتفاق بينهم نصف ساعة كمان لحد ما انتهى الكلام بينهم، فقال حاتم في الآخر:
= أخيرًا رضينا كل الأطراف، فيه مشكلة أو اعتراض عندك يا آنسة رحيق قبل ما نمضي العقد؟
هزت براسها بالرضا وقالت بعملية وهي بتوجه نظرها لعمر:
* ما فيش مشكلة طالما جاي من ناحية عمر، وهو اللي راجع العقد وكله تمام، يبقى معنديش أي مشكلة.
جهز العقد وحطه قدامها وقال بهدوء:
= يبقى نشكر سي عمر صاحبي حبيبي اللي معرفش إن عنده أخت بالجمال والرقة دي. ابتسمت هي بخجل وحطت إيدها على شعرها بحركة تلقائية منها، وما شافتتش العيون اللي اشتعلت زي نار وبتنفس الدخان، وبتتطلع على حاتم بغل، ونسي إنه صاحبه، وكور إيده يمنع نفسه من ضربه والهجوم عليه من جواه. مشتعل لما سمع المغازلة، واتمنى يضربها كف لأنها فرحت وابتسمت لمغازلته ليها، بس من جواه ارتاح لما عرف إن عمر بيكون أخوها. غمض عينه بضيق من مشاعره التايهة وبسببها هي.
تنحنح عمر بحده مصطنعة وقال:
^ انت بتعاكس أختي ياض.
ضحك حاتم بمرح:
= أنا أقدر يا برنس.
رفعت حاجبها وهتفت باستغراب:
* إيه الألفاظ دي؟ متأكدين إنكم ناس كبيرة؟
ضحك الاثنان وهزو رأسهم بمرح، فحركت راسها بيأس يمين وشمال. وبعدين قال حاتم بجدية وهو بيمسك القلم:
= خلاص خلينا جد شوية، بما إن الأطراف كلها موافقة على العقد وبنوده، يبقى على بركة الله نمضي العقد.
قالها وبص على السكرتيرة اللي مسكت الورق، وبحركة عملية قامت وحطت الورق قدام رحيق، اللي بتبص على خالد بطرف عينيها. وبعدين مسكت الورق قلبت الورق ومضت. بعدها فابتسم حاتم اللي قال:
= مبروك.
* مبروك لينا كلنا.
قالتها بعملية وهي بتفتح الفون بتاعها بتشوف الوقت، فدخل الساعي بأكواب القهوة وحط القهوة قدام كل واحد منهم ومشي بهدوء. فاعتدلت هي بجلستها واترفع الفستان أكتر من غير ما تاخد بالها وهي بتسحب الكوب بتاعها بترتشف بوق منها باستمتاع. وهو بيغلي أكتر بس مالهوش الحق يتكلم، فمسك الكوب بتاعه وبدأ يشرب منه بضيق وبيبص عليها بتكشيرة وعينيه بتيجي كل شوية على رجليها الباينه، فانتبهت ليه. ابتسم بمكر وسلط عيونه على رجليها بوقاحة، خلي عينها تتسع بصدمة وخجل من وقاحته، وتلقائيًا مدت إيدها تتحسس رجليها، فشاهقت جواها وبترتها قبل ما تخرج لبره وتخلي الكل ينتبه ليها. مسكت طرف فستانها ونزلته لتحت شوية وبعدت نظرها من عليه تحت نظراته المستمتعة. بس جواه حاسس بالرضا. خلصت قهوتها وقامت بهدوء هي وعمر بيستعدوا يمشوا. وفي المقابل قام حاتم وخالد. سلم حاتم عليها بالإيد وسلم على عمر. وخالد وقف بطوله الفارغ وقرب منها بهدوء ذئب، واتراجعت خطوة لورا مستغربة المبادرة منه، وهو بيمد إيده ليها. رفعت عينيها لفوق تقابل عينيه، فهز راسه ليها وعينيه فيها حنان غريب عليها. رجعت بصت لإيده ومدت إيدها ليه لمست صوابعه بطراطيف إيدها وحست بقشعريرة. وهو شدت من ضغط إيده عليها مع بسمة غريبة خلتها مستغربة تصرفه وترفع حاجبها ليه، بس هو فضل سرحان في زرقتها ومحسش بنفسه غير لما لقى وشها الأحمر وهي بتسحب إيدها. ففلتها بإحراج وهي رجعت خطوة لورا. وهو سلم على عمر وقال بلطف لأول مرة من ساعة ما شافه:
_ نورتوا شركتنا، إن شاء الله هيعجبكم التعامل معانا، والآنسة رحيق هتكون مرتاحة معايا، قصدي معانا.
قالها بمغزى وعينيه بتلتهم تفاصيلها.
^ إن شاء الله، عن إذنكم. قالها عمر ومشي هو ورحيق اللي سرحانة لحد ما خرجت من الشركة، وقالت وهي بتركب:
* خالد ده غريب شوية.
ركب عمر في كرسي السواق وبدأ يحرك العربية وبيقول بهدوء:
^ هو خالد جد شوية في الشغل، عكس صاحبه حاتم، تلاقيه فرفوش شوية وسهل تتعاملي معاه. بس عمومًا هو ملوش علاقة بيكي ولا بالشغل، كل أمور الموديلات مع حاتم، هو ليه الشغل في الشركة والتصميم.
زفرت براحة وقالت بهدوء:
* كده أحسن برضو، مش عايزة أختلط معاه في حاجة خالص.
^ هو أنا ليه حاسس إنكم تعرفوا بعض قبل كده، وهجومه الغير مبرر ليكي مش على الفاضي، ده كان قافش معاكي ولا أول ما شافك حسيت إنه اتضايق، ونظراته ليكي مش نظرات عادية، كأنك قاتلاله قتيل.
قالها وبص عليها للحظة ورجع بص قدامه وكمل سواقة بتركيز. فاتنهدت بضيق وبصت عليه وبعدين بصت قدامها وهي بتقول بهدوء:
* أيوه، شوفنا بعض قبل كده، أنا أعرفه بس مكنتش أعرف إن اسمه خالد أو شغال هنا في الشركة، لا وكمان صاحبها، أنا معرفش عنه حاجة حتى اسمه.
^ طيب ليه أنكرتي إنك تعرفيه؟
بان على وشها الضيق وقالت بهجوم غريب عليها:
* عشان شخص مستفز أوي، ومش معنى إني شوفته يبقى خلاص أعرفه.
رفع حاجبه باستغراب وقال بهدوء:
^ أول مرة أشوفك تتكلمي عن حد كده.
* عشان هو فعلاً مستفز. قالتها بضيق ووش مكشر. فبص عليها وضحك على ملامحها ورجع بص قدامه على الطريق. سكتت شوية وبعدين شاركته الضحك وقالت بهمس:
* اضحك، اضحك على أحزاني.
^ وأحط كولونيه كمان.
* اسمه برفان يا موري. قالتها وغمزت ليه، فابتسم وقال بهدوء:
^ أوك رحيقو هانم.
ضربت كتفه برقة وحطت راسها على كتفه وهو بيسوق وقالت برقة:
* رحيقو، ياااه زمان على الدلع ده، إحنا ليه اتغيرنا أوي؟
بص على راسها اللي على كتفه وبعدين بص قدامه وقال بهدوء:
^ إحنا متغيرناش، الدنيا بس مشاغلها كثرت، كل واحد اتلهي في شغله ومستقبله.
ابتسمت وهي بتعدل راسها عليه وقالت بهدوء:
* عندك حق، أنا الشغل ضغط عليا وعلى حياتي، مبقتش أعرف الاستقرار، بسافر من بلد لبلد وبتنكر دايما قدام الناس.
^ الشهرة ليها ضريبتها بردو.
هزت راسها بنعم وردت بخفوت:
* أيوه، ضريبتها كبيرة. وهمست بخفوت:
* ضريبتها إني أنسى نفسي وأخسر ابني.
رواية حبك نار الفصل الستون 60 - بقلم أسماء الكاشف
قال حاتم بضيق وهو بيلحق خالد الذي دخل مكتبه وأعطاه ظهره:
_ ممكن أعرف إيه اللي عملته في الاجتماع جوه؟
رد خالد ببرود:
_ عملت إيه؟
_ قول ما عملتش إيه، ده انت كان ناقص تقولها: "ما فيش شغل عندي". نظراتك ليها طول الاجتماع كأنك مش طايقها، أو بينكم تـار.
تحرك خالد من مكانه وربع يديه وهو لا يزال معطياً ظهره:
_ ما فيش الكلام ده، أنت بتتهيألك.
تعصب حاتم الذي تحرك ووقف في وش خالد وقال بضيق:
_ عيل أهبل أنا حضرت.
نزل خالد يديه بضيق وقال بتأفف:
_ اوف، عايز إيه يا حاتم دلوقتي؟
قرب منه خطوة وقال:
_ عايزك ما تهدش اللي بنيته وتدمر العلاقة مع رحيق والشركة.
رجع خالد خطوة مصدومًا وقال بصدمة وهو يشير بيده على صدره:
_ أنا اللي هدمر؟
زم خالد شفتيه، لكن حاتم أكمل بقوة ليفيق صاحبه ويعرف ما الذي يغيره:
_ أيوه، لما تتعامل مع أشهر موديل، اللي تعبنا عشان توافق وتفضي نفسها وتقبل تشتغل معانا، بطريقة وحشة، أكيد مش هتبقى علينا، زي ما باين في معاملتك إنك مش باقي عليها.
قرب خالد الخطوة التي بعدها وقال دفاعاً:
_ مين قال كده؟ أنا باقي على الشغل والشركة دي زيك بالظبط، أنا عايز كل حاجة تبقى تمام وما يحصلش أي غلطة.
ضيق حاتم عينيه وقال بهدوء:
_ تمام، يبقى تهدي رحيق. هترفع شركتنا وهتقوم بشغلها على أكمل وجه، وياريت لو تبقى بعيد عنها.
قال حاتم بتوتر وهو يراقب خالد الذي انفعل وهو يقول بعصبية:
_ أنت بتقول إيه؟
_ اللي سمعته. الأفضل ما يكونش في أي تواصل بينكم، هي قبل ما تكون موديل، هي أخت صاحبي.
قال حاتم بنبرة قوية وأسلوب حاد، فقابل نظرات الحنق من خالد الذي انفعل وقال بعصبية:
_ مش حضرتك اللي هتقولي أعمل إيه أو لأ. أنا عارف حدودي كويس، وأتمنى منك ما تنساش الشغل وأصوله، عشان أخت صاحبك مش هسمح بأي غلط. وهدخل لو اضطريت لكده.
قال خالد وأخذ مفاتيحه من على مكتبه بغضب واتجه للخارج.
فقال حاتم بسرعة وضيق:
_ أنت رايح فين دلوقتي؟
لم يرد عليه خالد وكمل خروجه للخارج.
فتنهد حاتم بضيق وقعد على الكرسي بتعب. أول مرة خالد يكون عنيف بالشكل ده.
***
عدى يومين وعاصم لف على مروة في كل مكان ومش عارف هي فين. بيروح المدرسة يوميًا عشان يشوفها، بس من يومها وهي ما راحتش المدرسة ولا حتى الدروس. يعني بتقطع عليه أي طريق إنه يلاقيها. حتى جدها كان أمله الوحيد إنها تروح عنده، وده اللي جننه. هتكون راحت فين وهي وحيدة؟ مالهاش أصحاب كتير غير غادة، اللي راح عندها وسألها. وردت إنها ما تعرفش مكانها، ولامت عليه اختفاء وهروب صاحبتها، وأنها لو لقت مروة هتساعدها عشان تبعد عنه. في الأول مصدقش كلامها إنها متعرفش مكانها، وشك إنها مخبياها عندها في البيت. وفضل يراقبها وأجر ناس تساعده إنهم يلاقوها، بس ما فيش حد بيخرج أو يدخل عندها غريب. واتأكد إنها مش موجودة عندها أو ساعدتها ووفرت لها مكان. فغادة كل يوم بتروح المدرسة وترجع بيتها، وبعدين تروح الدروس وترجع على بيتها. ويومها عادي جدًا. ومع الوقت اتأكد إنها فعلاً متعرفش مكانها، وده جننه أكتر. خاف عليها وخاف يخسرها أو تتأذى بسببه. قعد على كرسي مكتبه في الشركة الصغيرة بتاعته اللي أهملها من يومين وهو بيفكر فيها. وإزاي يقدر يلاقيها. غمض عينيه بضيق وقلبه واجعها عليها. نفسه تديله فرصة واحدة يعرفها إنها أغلى شخص عنده، وإنه أناني ضمن وجودها معاه، فنسي حقوقها عليه. بعد الورق اللي قدامه بضيق وفتح عينيه وقال بخوف:
_ يارب احفظهالي والاقيها.
خرج الفون بتاعه بيمني نفسه إنها ترد عليه أو تبعت له رسالة تهدّي قلبه المحروق عليها. وقف قدام الرقم اللي رن عليه قبل كده. تنهد بصوت عالي وهو بيضغط عليه، وعارف اللي هيسمعه: "هذا الرقم غير متاح حاليًا". كان هييأس ويقفل الخط قبل ما يرن، بس وقف مكانه بفرحة وهو بيسمع صوت رنة. وأخيرًا رن بعد محاولة يومين ورا بعض. بيرن عليها بس انتهى الاتصال من غير ما ترد. فجرب تاني وتالت وكانت بتقفل الخط في وشه. فغمض عينيه بضيق ورمى جسمه على الكرسي بتعب. فتح عينيه وجواه إصرار كبير. كتب رسالة ليها:
"اديني فرصة واحدة أشرح لك اللي حصل. صدقيني أنا عمري ما خنتك.. بحبك انتي وبس، انتي اللي قدرتي تسيطر على قلبي. أنا بحبك. أقسم لك إن بحبك وعمري ما خنتك."
قال كل اللي نفسه فيه، قال اللي محتاج تسمعه منه، يمكن لما تشوف كلامه ورسالته تحن على قلبه المسكين. حط التليفون على المكتب قدامه ومسك الملف اللي قدامه بيحاول يخلص الصفقة الأخيرة اللي هتنقل الشركة لمكانة تانية، اللي هتخليه يخلص من وجود جودي في حياته ويرد لمروة اعتبارها. فضل أكتر من ساعة بيدرس الملف ومركز معاه. مد إيده مسك كوباية القهوة اللي قدامه اللي جابها الساعي ليه. شرب أول رشفة منها بتلذذ وهو بيبص في الملف بانتصار، بس اختلطت فرحته بملامح متوجعة على وشه. فحط إيده على صدره بتعب. ولحظات كان العرق مغرق وشه. فتح الدرج بسرعة وإيده بتترعش، طلع الحبوب منها وأخذ حباية وبلعها بشوية ميه. فضل دقايق ساند على المكتب ومغمض عينيه بوجع. بدأ جسمه يهدى والمسكن عمل مفعوله وتنفسه انتظم شوية. فرفع راسه عن المكتب ورجع بضهره لورا ساند على ضهر الكرسي، بس فضل مغمض عينيه وهو عارف إن حالته بقت أخطر من الأول. درجة تحمله للمرض قلت عن الأول. النوبة لما بتجيله بتاخد وقت أطول من الأول على ما تهدى، وكأن جسمه بيعاقبه على جرح مشاعرها وبيقوله: "كفاية عند، رجّع حبيبتك ورجع صحتك".
***
قاعدة على السرير ضامة رجليها لصدرها ومنكمشة على نفسها وصوت عياطها عالي والسرير متبهدل خالص حواليها. مناديل كتير مرمية في الأرض وعلى السرير. افتكرت لما تبعد هترتاح، بس اتعذبت أكتر بالبعد. راسها بين رجليها وشهقاتها بتعلي كل شوية. سمعت اتصاله بيها مرة واثنين وثلاثة، ومع كل اتصال بتعيط أكتر. بتحس إنها ضعيفة، أيوه ضعيفة لأنها فتحت التليفون بإرادتها وعندها أمل تستسلم لمشاعرها ناحيته وترمي كرامتها بعيد. بس لما سمعت الرنة اتلبستها الكرامة مرة تانية وافتكرت قد إيه قلبها وجعها بسبب الخيانة. فعينيها لمعت بدموعها ورفضت ترد عليه وتديه عذر مش موجود أصلاً. عشان كده مع الرنة التانية قفلت في وشه، كأنها بترد عليه إن النهاية جت وما فيش أعذار. ومع تالت رنة قفلت تاني، وكانت هتفصل التليفون، بس غيرت رأيها ورمت التليفون بعيد عنها. وبعدين سمعت صوت رسالة. فشنهقت بصوت عالي ورفعت وشها اللي كان متغرق بالدموع وبصت قدامها بتيه، لغاية ما قررت تشوف الرسالة وتفتحها. مسكت الفون ولمحت اسمه اللي زين شاشة تليفونها في شكل رسالة. وفي إيدها منديل بتمسح دموعها. فتحت الرسالة وقرتها وملامح وشها باردة. غمضت عينيها ورمت الفون وقالت بصوت عالي:
_ كذاب، كلكم كذابين. بكرهك يا عاصم، أنا بكرهك.
ورجعت عيطت من تاني.
***
يوم جديد مشرق، بداية لحياة أكتر إشراق. والعصافير بتغني على شباك أوضتها. قامت أميرتنا بزرقتها الصافية من نومها وبتدعك عينيها بكسل. رفعت الغطا من عليها واتحركت ببطء وخطوات صغيرة للحمام أوضتها. وقفت قدام صنبور الماية، فتحته وملت إيدها بالماية ورمته مرة واحدة على وشها. كررت كده أكتر من مرة ومسكت فرشة سنانها وبدأت تغسل أسنانها بهدوء. ولما خلصت بصت على نفسها في المراية. كانت ملامحها هادية على غير العادة. جواها ثبات نفسي، مشاعر خامدة عكستها عينيها. رغم إنها خسرت الحب ورغم تهديده ليها وتمسكه بيها وبحبها، بس حاسة بهدوء نفسي غريب عليها. ابتسمت بجانب فمها وهي بتتحسس وشها الناعم برقة. وهي بتتحرك لبره، وقفت قدام المراية في الأوضة ومسكت المشط، بدأت تسرح شعرها الناعم بهدوء. حركاتها روتينية هادية وكأنها في فيلم كرتون. سمعت صوت طوبة اتخبطت في الشباك. ضيقت حاجبها وسابت المشط على التسريحة ومشيت ناحية الشباك بارتباك. شدت الستارة مرة واحدة وبصت على الشارع. لفت بعينيها يمين وشمال وفي كل اتجاه، وملقتش حد. ضيقت حاجبها باستغراب. مدت شفتها لقدام بعدم فهم واهتمام ورفعت كتفها لفوق بلا مبالاة ورجعت الستارة مكانها ورجعت تكمل لبسها بنفس الروتين. مسكت الفون من على الكوميدينو تبص على الرسايل اللي وصلتها. لقت رسايل كثيرة من مروة ومن معاذ. فتحت رسالة مروة اللي بتطمنها عن نفسها ورسالة تانية بتوضح قد إيه هي تعبانة من غير عاصم وإنها محتاجة تشوفها وتحكي معاها. بعتت هي رسالة ليها تهدّيها وطلبت من مروة تبعت ليها العنوان أو تحدد مكان يتقابلو فيه بعد المدرسة. طلعت من الرسالة فظهر قدامها رسايل معاذ. اترددت تفتح وتشوف، وبالذات شافت أكتر من عشرين رسالة في ساعة واحدة. غمضت عينيها بتفكر تفتح أو لأ، بس أخدت قرارها وماتديش قيمة ليه ولرسايله، رغم فضولها الكبير تعرف اللي فيها. فتحت عينيها ونفخت بغيظ. طلعت من الرسايل وركزت شوية في التليفون بسرحان. بعدين بصت على الوقت فشاهقت بخضة وقفتلت الفون وحطته في الشنطة اللي شدتها ونزلت لتحت جري عشان تلحق الباص وهي متأكدة إنه فاتها من ربع ساعة على الأقل. لقت مامتها بتحط الأكل على السفرة وأختها جوري طالعة من أوضتها بلبس أنيق. ما اهتمتش أوي وهي بترمي السلام عليهم وخارجة لبره، بس وقفها صوت مامتها اللي قالت:
_ رايحة فين؟ مش هتاكلي الأول يا غادة؟
التفتت ليها وقالت بضيق:
_ ما فيش وقت خالص، أنا اتأخرت على الباص. هطلع يمكن يكون اتأخر والحقه.
_ طيب استني دقيقة أعملك سندوتش كليه في طريقك، ما ينفعش تخرجي من غير فطار.
_ لأ، متعمليش، ما فيش وقت خلاص.
كانت أمها سبقتها على المطبخ تجهز السندوتش وبتقول بتحذير:
_ قولت استني. أنتِ أصلاً اتأخرتي.
رفعت جوري إيدها وبتبص على الساعة الفضية اللي مزينة معصمها وقالت بهدوء بعد ما لمحت مامتها دخلت المطبخ:
_ ما أظنش هتلحقي، أنتِ متأخرة ربع ساعة.
نزلت غادة كتفها بيأس وهزت راسها وقالت بلوم:
_ راحت عليه نومه، وأنتم محدش فيكم صحاني.
_ قولنا نسيبك ترتاحي انهاردة. امبارح كان شكلك تعبان شوية.
قطع كلامهم دخول أمها وهي بتمد إيدها تسحب الشنطة من كتفها وبتحط جواه كيس مليان بالسندوتشات، وجوري بتظبط الجيبة بتاعتها وبتحط الشنطة على كتفها بتستعد للخروج. بس صوت تذمر غادة أزعجها وهي بتقول:
_ هو إيه ده كله؟ هو أنا عيلة؟ هو واحد بس؟
قفلت السوستة وقالت:
_ اسكتي أنتِ بلاش دلع. كله يتاكل، مش كفاية خسيتي وبقيتي زي السلعوة.
_ إيه سلعوة؟ هو إيه ده يا ماما؟
قالتها بضيق وتذمر زي العيال الصغيرة. ضربتها على كتفها برقة وقالت:
_ يالا يا حلوة، مش بتقولي متأخرة؟ برضه.
زمت شفتيها ولمعت عينيها وهي شايفه جوري بتلعب بمفتاح العربية وبتقول بمرح:
_ بما إن الحلوة متأخرة وفاتها الباص، تسمحي لي أوصلها انهاردة بعربيتي الجديدة اللي ما بخليش حد يلمسها أو يركبها.
غمزت ليها بخبث وهي بتكمل:
_ عشان تعرفي إنك غالية عليا قد إيه.
عنقتها غادة برقة وقالت بمرح وهي بتسحب جوري للخارج معاها ناحية العربية:
_ حبيبتي، أنتِ الحب كله يا جوري القلب.
خرجوا تحت مرح الاثنين وابتسامة مامتها اللي بتلحقهم وبتتمني يكونوا دايما كده يحبوا بعض ويخافوا على بعض. ورجعت تخلص شغل البيت ودخلت المطبخ وبتغني كأنها بنت العشرين. وعند غادة خرجوا الاثنين وقفلوا الباب وراهم برقة. فلتت جوري إيدها من إيد غادة وهي بتطلع نظارتها الشمسية. كانت غادة بتتأملها بحب، أختها الكبيرة أنيقة وجميلة وطموحة، بتتمنى تكون زيها لما تكبر. هي قدوتها اللي بشخصية مستقلة وقوية. عينيها اتحركت للناحية التانية من الشارع، فلمحته. أيوه، لمحت حبيبها. وقفت مكانها بصدمة ورجليها بتتهز مكانها. حست إن تنفسها وقف. غمضت عينيها وحطت إيدها عليها بتدعكها يمكن يختفي. هي مش هتقدر تواجه دلوقتي. شالت إيدها تحت نظرات أختها المستغربة. لما حست إن غادة وقفت، رجعت بنظرها ليها فشافتها واقفة زي الصنم مكانها. ضيقت حاجبها باستغراب لغاية ما شافت غادة بتشيل إيدها من على وشها اللي كان باهت، وبعدين رجعت ليه الحياة مرة ثانية وسمعت صوت تنفسها العالي المرتاح. فنادتها بهدوء وهي واقفة قدام باب عربيتها بعد ما فتحته:
_ غادة، مالك واقفة كده ليه؟
انتبهت لاختها اللي بتناديها، فبصت مكان اللي كان واقف فيه معاذ ولقيته اختفى، أو يمكن اشتياقها ليه خلاها تتوهم وجوده. ابتسمت لاختها وجريت تركب معاها. استقرت جنب أختها في العربية اللي بدأت تتحرك بهدوء وابتسمت ليها وهي بتقول:
_ أخبار الدراسة معاكي إيه؟ لو في حاجة واقفة معاكي عرفيني، أنا أساعدك وأشرحلك الصعب كله.
كانت بتسمعها بس عينيها بتدور عليه هو. تنهدت براحة ورجعت بعينيها وتركيزها كله مع أختها جوري وقالت برقة:
_ كله زي الفل.
_ طيب الحمد لله يا ستي.
سكتت وهي كمان سكتت، وكل واحدة شاغلها موضوع مختلف. وجوري مركزة في الطريق، بس تفكيرها في أختها اللي حالها متقلب. فقالت وهي بتتحرك شمال شوية بالعربية توسع طريق للعربية اللي وراها:
_ تعرفي يا غادة، لما كنت في سنك كنت قريبة من سوزان أوي. كانت بير أسراري بكل المعنى.. الكلام اللي بحرج أقوله لماما أو بابا، حتى كنت بجري ليها وأحكي كل حاجة. وهي عشان أكبر مني وعندها خبرة أكبر، كانت بتنصحني وتحطني على الطريق الصح.
كانت بتسمعها باهتمام ومضيقة حاجبها مستغربة كلام أختها، متعرفش إيه اللي عايزة توصله ليها. وسمعتها بتكمل بنفس الهدوء وهي بتديها نظرة وترجع تاني تبص قدامها بتركيز وهي بتقرب من مدرسة غادة:
_ فـ يعني، اللي عايزة أوصلهولك يا غادة إن مهما كنا شايفين نفسنا صح، بيجي علينا وقت ونحتاج خبرة شخص أكبر مننا مر بتجارب كثيرة خلته يفهم المشكلة ويحلها لينا. وإن سنك ده هو سن التعلم والتجارب، وأنا يا ستي أختك الكبيرة مريت بحاجات كتير وشوفت تجارب أصحابي وزمايلي، ومعنديش أغلى منك في حياتي، وأنا أكتر حد هيحافظ عليكي وعلى أسرارك.
ابتسمت وبصت على غادة وكملت بلطف:
_ فيكي تعتبريني سوزان في زمنك أنتِ.
مدت إيدها ومسكت إيد غادة اللي بصت ليها بدهشة وفضول:
_ لو وقفت حاجة في طريقك أو في موقف مريتي بيه ومحتاجة تتكلمي، هتلاقيني أنا موجودة في أي وقت، وسرك في بير.
قالتها وسابت إيد غادة وعملت إشارة بإيدها على شفايفها بمعنى قفل. ابتسمت غادة بسعادة ورجعت بصت جوري على الطريق من تاني تحت نظرات غادة اللي فرحانة. أول مرة تتكلم جوري معاها كده وتطلب إنها تقوي العلاقة بينهم. هم عادة علاقتهم هادية أوي. جوري بتهتم بشغلها ومستقبلها، طموحها كبير وهي قدوتها اللي بتتمنى لما تكبر تكون زيها بنفس القوة. وغادة البنت الشاطرة في المدرسة والدراسة، كل اللي يشغلها مستقبل بتبني فيه وبعدت شوية عن الناس وعن أهلها.
_ أنا بحبك أوي يا جوري.
لفت ليها وقالت بحب:
_ وأنا كمان بحبك. لازم تعرفي إنك أغلى حد في حياتي. توعديني لو حصل أي موقف معاكي مزعج تحكي لي أول حد؟
ابتسمت غادة بحب وهزت راسها موافقة وقالت:
_ بوعدك.
ابتسمت جوري بفرحة وانتصار ووقفت بالعربية قدام المدرسة وقالت:
_ أشوفك بعدين، خلي بالك من نفسك.
ضمت حواجبها باستغراب وبصت قدامها. لقت إنها وصلت لأول مرة ما تحسش بالطريق مع أختها، كل حاجة أسهل. هزت راسها وفتحت الباب. وكانت لسه هتنزل تحت نظرات أختها، بس غيرت رأيها وبصت لغادة ونطت في حضنها مرة واحدة بطريقة خوّضت جوري. أول مرة، بس ابتسمت ولفّت إيدها حواليها تشدها ليها أكتر وتعرفها إنها هتكون الأمان ليها، هي سد قوي هيحافظ عليها. فسمعت صوت غادة العالي والواضح ومليان نبرة كلها حب:
_ أنا بحبك أوي.
قالتها بحب وبعدت عنها ونزلت من العربية بسرعة وهي شايلة شنطتها على إيدها. وسابت جوري مستغربة، فهزت راسها يمين وشمال وابتسامة كبيرة على شفايفها. واتحركت بالعربية وهي بتدعي جواها إن يكون بينهم حب دايما وتكون قد ثقة أختها. الأخوات بينهم صلة كبيرة، أولها صلة الدم، لازم نحافظ على العلاقة معاهم. ولما يحتاجوا لينا نمسك إيدهم بكل قوتنا، ما نسيبهمش لقمة صايغة للذئاب البشرية اللي حوالينا وبيشغلوا ضعفهم ويلتفوا حواليهم زي الأفاعي وبعدين ينقضوا عليهم. وفي النهاية كلنا خسران. وقفت غادة تبص على أختها وهي بتمشي بابتسامة جميلة. لفت بضهرها بس شافته واقف قدامها. ابتسامتها انحسرت واختفت تدريجياً مع رجوعها خطوة واحدة لورا وهمست بصوت منخفض بس وصله بوضوح لأنه اتحرك نفس الخطوة اللي بعدها وهو حاطط إيده في جيب بنطلونه ببرود:
_ معاذ.
ابتسم بعشق وهو بيقول بتيه وجنون عاشق حد التخمة:
_ عيونه وقلبه.
بلعت ريقها بتوتر وجواها مشاعر مختلطة وهي شيفاه واقف قدامها بلحمه وشحمه وقدر يسرق نظراتها ليه. زرقتها اتلبست بالجرم المشهود مع بنيته الساحرة اللي بتشدها لسجنه. سجن الأمير للسندريلا ذات العيون الزرقاء، ونسوا إن المكان والزمان مش مناسبين.