تحميل رواية «حب رحيم» PDF
بقلم سمر عمر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
“صدفة..” ” عارف أنت أجمل إنسان شوفته في حياتي..” قالت هذه الجملة سرًا.. وهي مستندة بوجنتها على قبضة يدها، وباليد الأخرى تقلب فنجان المشروب الساخن.. ومقلتيها البندقية تنظر إلى ذلك الرجل الجالس أمام طاولة تقع على الجانب الآخر منها. مرتديًا بدلة سوداء أنيقة أسفلها قميص ناصع البياض، تاركًا أزراره الأولى مفتوحة لتظهر بعض علامات عضلات صدره البارزة. كان يقلب في الهاتف النقال، وباليد الأخرى حاملًا فنجان القهوة السادة. أخذت تتأمله وهو لم يراها، بل لم ينظر حوله قط.. فهو يجلس بشموخ، حتى طريقة مسكته لفنجان...
رواية حب رحيم الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سمر عمر
استيقظت وبدأت في تحضير كل شيء يخص الأطفال كعادتها يوميًا ثم أوصلتهم إلى حافلة المدرسة بعد أن وعدت ريان بأنها ستأتي في الموعد المحدد.
ثم عادت إلى الداخل مغلقة الباب بظهرها ودلفت المطبخ ترتب كل شيء وهي تدعو الله أن ييسر أمور رحيم اليوم في العمل كي يستطيع أن يحضر حفلة تسليم الجوائز.
عقب انتهائها صعدت إلى الطابق العلوي من ثم دلفت إلى الغرفة وجلست على حافة الفراش إلى جواره وبدأت تمسح على شعره برفق ولم تعلم بأنه استيقظ.
"هتخليني أنام تاني."
رفعت حاجبيها عندما تفاجأت بأنه مستيقظًا.
"صباح الحب مستر رحيم."
"صباح الندى حب رحيم."
ثم استقل على ظهره فاستندت بمعصمي يديها على صدره وهمست بترجي:
"حاول تحضر مع ريان النهاردة."
"هحاول يا روحي."
ثم أردف بجدية وهو يتغزل بملامح وجهها بعينيه:
"لكن ايه الجمال ده؟.. كل يوم بتزيدي جمال يا شمسي."
أطرقت عينيها بعيدًا عن عيناه لتستطيع أن تتحدث بكلمات منبعثة من بين أوردة قلبها:
"حبك هو السبب في جمالي.. حبك ليا بيحليني وبيحلي أيامي."
ثم استندت برأسها على صدره وتنهدت بعمق متابعة:
"بحبك يا عشقي."
"بموت فيكِ."
مسك بكفها وضع راحته على شفتيه ليطبع عليه عدة قبلات حانية.
وقاطعت تلك اللحظة الهادئة آسيا عندما استيقظت وتركت فراشها واقتربت منهم.
ابتعدت ندى عنه بينما هو احتضن صغيرته وقبلها على رأسها عنوة وقال بنبرة تعلوها السعادة والحب:
"ربنا ما يحرمني من الصباح الجميل ده."
"ناقصة بس ريان وأشرقت."
نظر إليها مبتسمًا وقال مؤكدًا على حديثها:
"طبعًا."
"ربنا يخليك لينا يا حبيبي."
"يا رب يا روحي."
***
في تمام الساعة العاشرة صباحًا.
استعدت للذهاب إلى المدرسة وألبست آسيا ثوب أنيق مثلها ثم أخذتها وخرجت من المنزل.
ووضعتها على المقعد المخصص للأطفال ثم جلست أمام المقود وغادرت إلى وجهتها.
بعد نصف ساعه إلا دقائق وصلت إلى المدرسة وصفت السيارة جانبًا.
ثم ترجلت وفتحت الباب الخلفي لتحمل آسيا بين ذراعيها ثم أغلقت السيارة ودلفت إلى الداخل.
وعند دخولها تقابلت مع فتيات يستقبلون أولياء الأمور بترحاب ويعطون لهم وردة حمراء.
أخذت ندى واحده وأخرى لطفلتها ثم اتجهت إلى حديقة المدرسة لترى المكان مجهز للاحتفال بشكل مميز ورائع.
وقفت تبحث بعينيها عن الأطفال حتى رأت ريان على أحد المقاعد بمفرده.
فابتسمت وتقدمت نحوه وجلست على المقعد المجاور له.
نظر إليها بطرف عيناه ليدير راسه إليها بمجرد أن عرف بأنها ندى واتسعت ابتسامته ثم نهض واقفًا أمامها ليحتضنها قائلًا:
"مامي."
"حبيبي مبروك يا روحي."
ابتعد عنها قليلًا لينظر إلى اخته وقبلها على جانب رأسها بينما تساءلت ندى:
"فين أشرقت؟."
"أكيد قاعده مع أصحابها."
أومأت برأسها ثم نظرت اتجاه باب الدخول على أمل أن يأتي رحيم كي تكتمل سعادة ريان.
بعد دقائق قليلة جلست المديرة على المقعد الذي بين اثنان من المعلمين ورحبت بجميع أولياء الأمور.
في حين تقدمت أشرقت نحو شقيقها كي تسأل عن ندى لكنها تفاجأت بوجودها وجلست على المقعد المجاور لها.
تحدثت المديرة عن تلك المسابقة والتي كانت عبارة عن اختبار ذكاء الأطفال وأشرفت على تلك الحفلة تقديرًا لهم وايضًا كي تحفزهم.
وأضافت في نهاية حديثها:
"شكرًا طبعًا لكل أب وأم شجعوا أولادهم على المشاركة في الاختبار ده.. وشكراً لكم لثاني مرة على إشرافكم على أولادكم واهتمامكم بنجاحهم.. وأخيرًا شكرًا لوجودكم معنا."
ثم نظرت إلى ورقة بها أسماء طلاب المراكز الأولى وطلبت من المعلمة التي على يمينها النداء على أسمائهم لتسلم الجائزة.
أخذت الورقة تفحص الأسماء أولا في نفس الوقت جاء رحيم ووقف عند باب الخروج ينظر حوله بحثًا عن أحبابه لكنه انتبه إلى تلك التي تنادي اسم ابنه بنبرة فخر:
"المركز الأول من نصيب الطالب ريان رحيم عبد الرحمن النادي."
صفق الجميع له لكن ليس أكثر من صفقة أشرقت النارية له بينما احتضنته ندى وقبلته على وجنته ثم تركته يذهب إليهم تحت انظارها الفخورة به.
صفق رحيم مبتسمًا وهو يتبع ابنه الذي وقف يصافح المعلمين ثم استلم درع دائري فخم من الذهب وسلسلة الطالب المجتهد مع شهادة تقدير.
همت المديرة أن تضع السلسلة حول عنقه لكن مسك رحيم بها قائلًا:
"بعد اذن حضرتك ممكن أنا ألبسة السلسلة بنفسي."
رفع ريان رأسه إليه وشهق في دهشة عندما تفاجأ بوجود والده معه في حين تساءلت المديرة:
"حضرتك استاذ رحيم."
أومأ برأسه فتركت له السلسلة فوقف في مواجهته ابنه ونظر إليه مبتسمًا وقال بنبرة فخر:
"مبروك يا حبيبي عقبال بطولة السباحة."
ترك ما في يده أعلى المنضدة ليحتضن والده بشدة فجلس على ركبتيه ليكون في مستواه وبادله بالعناق القوي.
صفقت ندى لهما بحرارة تاركة دموع السعادة الممزوجة بالتأثر أن تهبط على وجنتيها.
عقد بين حاجبيه وهو يشدد في احتضان ابنه الغالي ثم ابتعد عنه ووضع السلسة حول عنقه وقبله على جبينه.
صفق الجميع لهما بعد أن صفقت المديرة فنهض عن الأرض وصافحها بعد أن مدت يدها إليه وقالت بإعجاب شديد:
"فخورة جدًا بعلاقة حضرتك بابنك.. ربنا يبارك لك فيه وتشوفه ناجح دايمًا."
"يا رب بإذن الله."
خطف أنظار الجميع حقًا ومسك بكف ابنه واتجه إلى حيث تجلس ندى تحت انظار الجميع.
جلس على المقعد الذي كان يحتله ريان وأوقفه بين قدميه.
مسحت ندى دموعها تطلع إلى زوجها الحبيب بفخر قائلة:
"فرحت من كل قلبي انك جيت."
"ربنا يخليكي لينا يا روحي."
اتسعت ابتسامتها متمتمه:
"يا رب."
أعلنت المعلمة على أسماء المتفوقين بالمركز الثاني والثالث واستلم كلا منهم سلسلة وشهادة تقدير.
أما عن المركز الرابع حتى المركز العاشر فكلًا منهم استلم شهادة تقدير فقط.
بعد نصف ساعة تقريبًا انتهى الحفل وخرج الجميع.
وأوصل هو ندى إلى سيارتها ومازال ريان ممسكًا بيد والده وأخذ يشكره كثيرًا على مجيئه.
فاحتضنه رافعًا إياه عن الأرض وقال بجدية:
"أنا اللي بشكرك يا روحي على مجهودك."
ثم قبله على رأسه وانزله برفق وفتح الباب الخلفي من السيارة إلى أطفاله وصعد كلًا منهما إليها وأجلست أشرقت اختها الصغيرة على قدميها.
تساءلت ندى باهتمام:
"هتروح الشركة؟."
"أه يا حبيبي وأنتِ روحي ارتاحي علشان الجرح اللي في دماغك ده."
قال كلماته في قلق واضح فابتسمت كي تطمئنه قائلة:
"أنا بخير الحمد لله.. وكمان قولتلك هخرج مع أشرقت اشتري شوية لبس يليق بالحجاب."
"مشتاق اشوفك بيه."
"خليني افاجئك."
أومأ برأسه وفاجئها بقبلة حانية على جبينها استمرت للحظات لتشعر بالخجل لكونهم في مكان عام.
ثم ابتعد عنها وفتح لها الباب الأمامي فاستقلت السيارة ليغلق الباب قائلًا:
"طمينني أول ما توصلي."
"من عنيا."
ثم ارسلت له قبلة عبر الهواء وتحركت بالسيارة.
ظل واقفًا ينظر إلى سيارتها حتى غابت عن عيناه ثم استقل سيارته وهو يشعر بالسعادة لكونه استطاع أن يحضر تلك المناسبة السعيدة ويرى سعادتهم داخل أعينهم.
تنهد بعمق ثم طلب من السائق أن يعود إلى الشركة.
***
" بعد مدة من الزمن.. "
انتظرت صديقتها المقربة حتى جاءت أخيرًا وقابلتها ندى بالعناق القوي.
ثم أخذتها إلى حديقة المنزل حيث يجلس ريان على الاريكة وقالت مبتسمة:
"ريان طنط جميلة وصلت."
رفع عيناه إليها وأومأ برأسه فقط فتابعت:
"هي هتقعد معاكم لحد ما أجي."
"اوكي."
همست مازحة:
"أيه التقل ده."
لكزتها بخفة ثم نادت إلى أشرقت قائلة:
"أشرقت هاتي آسيا وتعالي."
مسكت بيد اختها واتجها إليها ثم رحبت أشرقت بجميلة كثيرًا.
بعد ذلك ودعتهم ندى وأخذت أشرقت وخرجت من المنزل من ثم استقلا السيارة وغادرت إلى وجهتها.
انتبهت جميلة جيدًا من آسيا التي تلعب حولها وبعد دقائق من الصمت نظرت إلى ريان وتساءلت بود:
"عامل ايه في الدراسة."
أجاب دون أن ينظر إليها:
"الحمد لله."
أومأت بخفية ثم انتبهت إلى آسيا ثانية وبعد لحظات استأذن ريان ودلف إلى الداخل من ثم صعد إلى غرفته.
استمعت إلى صوت جرس المنزل فنظرت حولها ثم نهضت متجه نحو آسيا وحملتها بين ذراعيها فتذمرت الصغيرة تشير إلى العابها فأخذت تلفت نظرها بالغناء وهي تتجه إلى الباب.
فتحت إياه لتتفاجئي بعلاء امامها ووجدت نفسها تحملق به كما أنها شعرت بالتوتر الشديد.
رفع نظارته على شعره يحدق بها في دهشة ثم ابتسم قائلًا:
"ايه الصدفة الجميلة دي؟!"
انتقلت زهراء بعينيها بينهم فيما أطرقت جميلة رأسها حتى تخبئ وجهها الذي يتوهج بفضل خجلها.
مدت آسيا يديها الصغيرتين إلى عمها تنادي فأخذها من بين يديها وقبلها على جانب رأسها.
ثم بدأ يعرفهما على بعضهما:
"زهره بنت أختي.. ودي دكتورة جميلة صاحبة ندى."
مدت يدها إليها فصافحتها جميلة وقالت مبتسمة:
"اهلًا يا زهرة."
"اهلًا بحضرتك."
تركت يدها وتنحت جانبًا فترك زهراء تدخل أولًا ثم دخل ساحبًا الحقيبة خلفه ثم أغلق الباب متسائلًا:
"فين ندى؟."
"ندى راحت مشوار مع أشرقت وطلبت مني اقعد مع ريان وآسيا."
اتجه الجميع إلى حديقة المنزل وهو يقول متعجبًا:
"غريبة انها ماسبتهمش عند جدتها."
"أه أصل نانا عند خال ندى."
أومأ بتفهم وعند خروجهم جلس على الاريكة وزهراء إلى جواره وجلست جميلة على المقعد.
شردت زهره في حياتها البائسة بدون من يعشقة قلبها حتى لمعت عينيها بالدموع وفضلت أن تجلس بمفردها.
وبالفعل استأذنت ونهضت عن الأريكة كي تتجول داخل الحديقة.
" مفيش عندك شغل النهاردة؟!"
تساءل باهتمام لتجيب بتلقائية:
"أه عندي اجازة."
"ده من حُسن حظي."
وضعت شعرها خلف آذنها وخبأت خجلها خلف حديثها مع آسيا:
"آسيا ممكن ماتروحيش بعيد."
نظرت إليها ثم جلست على الأرض تلعب بالمكعبات.
بينما هو يتأملها بإعجاب شديد حتى خيل له بأنه يرى قمر ليله وعينيها النجوم التي تُنير عتمة أيامه.
شعرت بنيران الخجل تأكل وجنتيها عندما رأته ينظر إليها بهذه الطريقة مما لاحظ ذلك الخجل الذي راق له كثيرًا وقال بجدية:
"شكلك زي القمر.. اسمك جميلة وفعلًا جميلة."
"بعد اذنك بلاش الكلام ده."
"ليه؟.. أنا بقول الحقيقة."
مسحت يديها في بعضها البعض من كثرة ما تشعر به من خجل وتساءلت بنبرة متوترة:
"أنت جيت ليه؟!"
"علشان حظي حلو.."
وجدت نفسها تحرك رأسها في كلا الاتجاهين وعندما رأت عيناه ابتسامتها ابتسم رغمًا عنه وكأن الحياة ابتسمت له.
ثم أجاب على سؤالها بجدية:
"كنت بوصل زهره علشان حابه تقعد هنا يومين."
"ووصلتها ممكن بقى تشوف كنت هتروح فين."
رفع حاجبيه بمرح قائلًا:
"أنا قاعد هنا مش ماشي."
زمت شفتيها ثم اِبتسمت في ذات الوقت وصلت لها رسالة عبر تطبيق " واتس اب.."
أخرجت إياه من حقيبة يدها وفحصت الرسالة التي أرسلتها ندى تحمل صورة لها مرتدية ثياب يليق بالمحجبات كي تأخذ رأيها به.
تأملت الثياب ثم ارسلت لها رأيها بأنه رائع ثم ارسلت رسالة أخرى.
" علاء قاعد معايا ممكن تيجي بسرعة بقى."
اِبتسمت ندى وأرسلت لها:
"كويس يا روحي اهو يسليكي.."
ثم ارسلت لها وجه يضحك لترد عليها بوجه يلوي ثغرة وأرسلت:
"ندى بطلي غلاسه وتعالي بسرعة بقى."
"حاضر ساعة بإذن الله وهكون عندك."
ثم اطفأت شاشة الهاتف وتطلعت إلى الثياب في المرآة التي أمامها متسائلة:
"ايه رأيك يا روحي؟."
"حلو أوي يا مامي."
قبلتها على وجنتها ثم ابدلته وخرجا من البروفة وقامت بشراء بعض الثياب الأخرى.
من ثم ذهبت إلى محل معروف بالحجاب وقامت بشراء ما يناسب جميع الملابس.
عقب انتهائها أخذت أشرقت إلى محل للأطفال وقامت بشراء فستان يناسبها وملابس أخرى.
***
" بعد مدة من الزمن.. "
بعد أن أنهى اتصالاته عاد إليها وجلس على الأريكة ونظر إليها متسائلًا باهتمام:
"دكتورة أنتِ ارتبطي قبل كده؟."
رمقته بنظرة سريعة واجابت بجدية:
"طبعًا ومازلت مرتبطة."
وضحت علامات التعجب والحزن معًا على ملامح وجهه قائلاً:
"من امتى؟."
"من أول ما جبت مجموع الطب في الثانوية العامة.. أستاذ علاء أنا مرتبطة بشغلي لأني بحبه جدًا.."
تنهد بهدوء وقد استقام ظهره يتطلع إلى الأمام في صمت.
نظرت هي إليه وقالت في شك:
"أنت علاقتك بالبنات في أمريكا كانت ازاي؟!"
أدار رأسه إليها وتحدث بجدية:
"ولا حاجة.. لأن في بنت هناك كنت اتعلقت بيها لدرجة اني اخدت قرار جوازنا بسرعة لكن للأسف طلعت خاينه."
"بالنسبة لهم مش خيانة طالما أنت مش جوزها.. على العموم الأجانب عيشتهم كلها كده."
"من يومها بقى وأنا ماليش علاقة بيهم خالص.. كنت عايش هناك لنفسي وبس وحياتي كلها خروجات وسهر لحد الصبح."
أومأت بتفهم فيما هو تأمل عينيها ليشعر بالهدوء داخل قلبه كما أنه شعر بالراحة معها وأكمل حديثه بحماس:
"أمي جت لي هناك واصرت ارجع مصر وفعلًا رجعت.. غيرت من نفسي وابتديت من جديد لكن فجأة حسيت بملل ولما كنت اتقدمت خطوة قدام لقيت نفسي رجعت ورا تاني."
ثم ابتسم وتابع بنبرة حب صادقة:
"لحد ما قابلتك.. حسيت إن عقلي مش في راسي وقلبي اخدتيه معاكِ."
أشاحت بوجهها بعيدًا وخجلت من حديثه ثم وجدت نفسها تنهض عن المقعد قائلة:
"أنا همشي وحضرتك خلي بالك من الأولاد."
علاء بود:
"أقعدي واوعدك مش هقول كلام يوترك."
استدارت نصف استدارة لتواليه ظهرها قائلة بنبرة توتر حاولت إخفائها لكنها فشلت:
"كلام ايه ده اللي وترني؟!.. لاء خالص ولا هز مني شعره."
وجد نفسه يقهقه فتوترت أكثر والتقطت حقيبة يدها متجه إلى الداخل لكنه أسرع بالوقوف امامها لتصطدم رأسها في صدره وتراجعت خطوة للخلف.
وهمت أن توبخه لكنه سبقها بالحديث:
"جميلة ماتكبريش الموضوع كده.. وعلى العموم خليكِ انا اللي همشي.."
ثم أردف بجدية:
"قبل ما امشي عايزك تعرفي إن قلبي بينبض بالسعادة لأني شوفتك."
ما إن أنهى حديثة ألقى نظرة على آسيا ثم التفت متجهًا إلى الخارج.
فرفعت رأسها تنظر إليه بلهفة حتى وصل إلى الباب وفتح إياه ليرى ندى تترجل من السيارة.
انتبه من ذلك الشاش الأبيض وهم أن يسأل عن ما حدث معها لكنها قالت:
"على فين أنا عملت حسابك معانا في الأكل."
"لاء مرة تانية بقى.. هي راسك مالها؟."
تحسست رأسها قائلة:
"أه دي كانت خبطة بسيطة والحمد لله جت سليمة."
"الحمد لله.. أنا جيت اوصل زهره ده بعد اذنك هتقعد معاكم يومين."
ترجلت أشرقت وركضت إلى عمها لتحتضنه فيما قالت ندى بحنق:
"بعد اذني؟!.. ده بيت خالها يا علاء يعني بيتها."
قال بعد أن بادل ابنة شقيقه بالعناق وقبلها على رأسها:
"تسلمي يا ندى كلك ذوق."
"عمو خليك معانا النهاردة."
"هجيلك تاني يا روحي."
ثم ودعها بقبلة على وجنتها واستأذن ليغادر.
فيما تناولت ندى حقائب الثياب من السيارة ثم دلفت إلى الداخل تنادي جميلة.
بينما أغلقت أشرقت الباب وركضت إلى اختها الصغيرة كي تلعب معها.
دخلت جميلة وهي توبخ صديقتها التي تأخرت ويبدو عليها التوتر الشديد:
"مستحيل اقعد هنا تاني وأنتِ مش موجودة."
"ليه بس يا روحي حصل ايه."
وقفت أمامها وضربتها على كتفها بخفة قائلة بحنق:
"علاء قعد معايا وكنت محرجة جدًا."
ضحكت ضحكة خفيفة متجه نحو الأريكة لتضع الحقائب عليها وقالت مداعبة:
"ده شكله مهتم بيك يا جميل.. جالي من فترة وسأل عليكِ وكان مهتم يعرف عنك كل حاجة."
رفعت حاجبيها تطلع إليها بحده واضحة قائلة:
"يعني انتِ بقى اللى رتبتي للمقابلة دي."
ندى بجدية:
"أبدًا يا جميلة.. ده لقاء القلوب يا حبي.. لقاء بغير مِيعَاد أجمل لقاءات الحب."
تعجبت من حديث صديقتها لكن في ذات الوقت شردت بها.
لتجد عقلها منشغل بذلك الشاب الذي جعلها تتوتر وتخجل من كلماته البسيطة.
***
" بالشركة.. "
أنهى اجتماع اليوم مع رؤساء المحلات المعروفة لبيع أحدث التصاميم الجديدة وأيضًا الإعلاميين.
وبعد خروجهم استند بظهره إلى المقعد واغمض عيناه بإرهاق وأيضًا أخذ يفك أزرار القميص العلوية.
ثم مسح على شعرة عدة مرات وبعد لحظات دق الباب ودخل عمرو بعد أن أذن له بالدخول.
جلس على المقعد المجاور له يتأمل وجهه الذي يبدو عليه الإرهاق وتساءل باهتمام:
"مالك يا رحيم؟."
"إرهاق بس من الشغل."
أومأ بتفهم قائلًا:
"معلش يا حبيبي هو بس علشان أجلت الاجتماعات كلها في وقت واحد."
فتح عيناه ينظر إليه وهو يعصر جبينه بأنامله قائلًا بصوت مبحوح:
"الحمد لله.. يوم وهيعدي زي أي يوم."
"بإذن الله.. المهم فيه حاجة غريبة حصلت ولازم تعرف.."
أومأ على أنه يستمع إليه باهتمام فنظر إلى ورقة التصميم التي بين يديه ثم وضعها أمامه قائلًا:
"دي تصميم تم تنفيذه عليه أمضه أستاذة ندى."
تساءل وهو يتطلع إلى التصميم:
"ايه المشكلة؟."
"المشكلة أن التصميم ده طلع بتاع مصمم معروف وتم تنفيذه من أربع شهور.. طبعًا لولا المصممة أميرة جت صارحتني بالموضوع ده كانت حصلت مشكلة كبيرة والصحافة كانت طبعا هتكتب عن الشركة كلام مش كويس."
رحيم مؤكدًا على حديثه بحده:
"ندى مستحيل تسرق تصميم.. أكيد فيه حاجة غلط."
"طبعًا فيه حاجة غلط.. علشان كده جيت أقولك والحمد لله إن فيه حد اخد باله من الغلطة دي قبل عرض الأزياء."
رحيم بحسم:
"المصممة أميرة تجي حالًا."
ثم ترك المقعد متجهًا إلى مكتبه ينظر إلى أمضه ندى في حيرة ثم جلس على المقعد الخاص به.
فيما نهض عمرو هو أيضًا وغادر غرفة المكتب وعاد بعد دقائق قليلة ومعه أميرة.
وقفت أمام المكتب تنظر إلى الأرض برهبة قائلة:
"حضرتك طلبتني."
"أنا عايزك تقوليلي على كل حاجة تعرفيها عن زميلتك اللي اسمها سلمى."
تساءلت في توتر:
"من ناحية ايه؟."
"أنتِ عارفه."
رمقة عمرو الواقف على يسارها بنظرة سريعة وطال صمتها ليتحدث رحيم بنفاذ صبر:
"اتكلمي وألا لقيتي نفسك برة الشركة دي."
"يا فندم صدقني ماليش ذنب فيه أي حاجة.. وسلمى فعلًا بقالها فترة مش طبيعية.. ودايمًا كانت تتعمد توقف قريبة من مكتب مدام ندى.. وأكتر الأوقات كانت تقفل الباب."
أومأ بتفهم وأشار لها أن تذهب إلى عملها فاستأذنت وخرجت على الفور.
فقال رحيم وهو ينهض عن المكتب:
"اللي تسرق تصميم من السهل جدًا تسرق امضه."
صف سيارته أمام المنزل عنوة لتصدر صوت صرير مزعج أثر احتكاك عجلاتها بالرصيف.
ثم ترجل متجهًا إلى الباب ووقف يدق جرس الباب بعنف.
حتى فتحت الوالدة الباب ووقفت تحملق به في دهشة متسائلة:
"رحيم؟.. فيه أيه؟!"
رد عليها بسؤال لكن بنبرة عنيفة:
"بنتك فين؟."
تعجبت من أسلوبه:
"بنتي؟."
وقفت جيجي خلفها تنظر إليه بهدوء بينما هو دخل عندما رآها متجهًا إليها وعيناه تقذفها بنيران من الجحيم.
وقف في مواجهتها وقال في حيرة لكن بنبرة عنيفة:
"أنتِ ازاي حقودة وقلبك أسود كده!.. أنتِ إبليس نفسه."
"أنت ازاي تسمح لنفسك تقول لبنتي الكلام ده."
قالت والدتها كلماتها بحنق وهي تقترب منهم ووقفت إلى جوار ابنتها.
لم يعطي لحديثها اهتمام وتحدث بحده:
"واحده غيرك كانت تصلي وتدعي لندى على اللي بتعملة مع ولادها.. لكن أنتِ شيطانه اتفقتِ مع المصممة سلمى تسرق تصميمها لاء وكمان حطيتي امضتها على تصميم لمصمم معروف."
"أنا مستحيل اعمل حاجة زي كده."
قالت كلماتها بهدوء كي تخبئ خلفه توترها وخوفها من تهوره.
لكنه اندفع بصرامة:
"كمان كدابه.. هي اعترفت عليكِ وعرفت كل حاجة.."
نظرت والدتها إليها في دهشة بينما هو رفع سبابته في وجهها متابعًا بنبرة متوعدة:
"لو فكرتي تأذي ندى تاني صدقيني مش هرحمك."
استفزها بكلماته لتندفع بأعلى طبقات صوتها:
"أنت ازاي بتدافع عنها.. دي واحده خطافة رجالة."
لم يتمالك أعصابه تلك المرة وصفعها عنوة على وجنتها ليجعل من رأسها تستدير إلى الجانب الآخر كما أنها أخرجت صرخة عالية من بين شفتيها.
فيما شهقت والدتها وضمتها إلى صدرها توبخ رحيم على ما فعله بابنتها.
تطلع إليهما باشمئزاز واضح ثم التفت متحهًا إلى الخارج وخرج مغلقًا الباب خلفه عنوة.
ابتعدت عن والدتها تمسح دموعها وهي تقول من بين أسنانها:
"أنا هخليك تندم يا رحيم."
"الكلام اللي رحيم قاله ده صح."
نظرت إليها وبكل بجاحه قالت:
"أه صح يا ماما.. وأنا هعرف ازاي انتقم من اللي عاملة فيها ملاك دي."
همت أن تمضي لكن أسرعت والدتها بإمساك مرفقها وقالت بحده:
"جيجي أنتِ تطلعي البنت دي من دماغك وتركزي في شغلك وبس.. يا بنتي شغلك هو حياتك."
هبطت دموعها على وجنتيها ثانية وهي تقول بنبرة عتاب:
"طول عمرك بتحببني في شغلي حتى لما جالي عقد عمل بره شجعتيني أسافر.. قولتلك وجوزي وولادي رديتو عليه قولتي هما مش نافعينك في حاجة لكن شغلك هو حياتك وكل شيء بالنسبة لك."
"بعد السنين دي جايبة الغلط عليا .. أنتِ اللي كنتِ حابه شغلك ومستعدة تخسري أي حاجة علشانه.. حتى خلعتي حجابك وبقيتي تلبسي على الموضة.. أنا السبب في ده برضو ؟."
تركتها وركضت إلى الدرج من ثم صعدت إلى الطابق العلوي ودلفت إلى غرفتها.
جلست على حافة الفراش وتناولت الهاتف الخاص بها كي تتصل على رنا.
انتظرت للحظات حتى أجابت عليها وأخذت تشتكي عن ما بدر من شقيقها.
لكنها غير مهتمة الآن فكل ما يشغل بالها الآن هي ابنتها الوحيدة التي خيبت أملها بها.
عندما طال صمتها تساءلت في حيرة:
"أنتِ معايا ولا لاء؟."
رنا بعدم اهتمام:
"معاكِ."
"طيب قولي لي أعمل ايه؟."
تنهدت بصوت مسموع واضعه يدها على جانب رأسها قائلة بنبرة حزن:
"اتصرفي انتِ علشان دي غلطتك من الأول.. أنا حاليٌا مشغولة مع بنتي."
جحظت عينيها قليلًا ووجدت نفسها تندفع بحده:
"أنتِ عشمتيني يا رنا.. ازاي تستسلمي.."
ثم أردفت بلؤَم:
"طيب على فكرة بقى ندى دي أبوها هو السبب في موت عمو عبد الرحمن."
"نعم أنتِ بتقولي ايه؟."
تساءلت في دهشة فلاحت ابتسامة خبيثة على ثغرها قائلة:
"أصل أنا نسيت أقولك إني قابلت ابن عمها واتكلمت معاه وقالي على كل حاجة."
جحظت عيني رنا في دهشة كبيرة قائلة:
"مستحيل."
رواية حب رحيم الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم سمر عمر
وقفت أمام المرآة لتقم بسحب اللاصقة التي أعلى جبينها برفق شديد، ومع ذلك تأوهت بخفة. بعد أن سحبتها، اقتربت أكثر من المرآة كي ترىٰ الجرح عن قرب، لتجد آثر خفيف ستمحيه الأيام. ثم تنهدت بعمق تتطلع إلى العطور الخاصة بها تختار واحدًا من بينهم.
تفاجأت برحيم يحتضنها من الخلف، فرفعت رأسها تتطلع إليه في المرآة بابتسامة الصباح الرقيقة الخاصة بها. بينما هو طبع عدة قبلات على رأسها من الخلف، بعد ذلك نظر إليها في المرآة وهمس مبتسمًا:
"صباح جمال الندى."
"صباح الجمال."
أطبق شفتيه على وجنتها للحظات، فأغمضت عينيها مستمتعة برقته الشديدة معها. ثم فتحت عينيها مجددًا عندما ابتعد عنها قائلًا:
"عندي ليكِ مفاجأة في الشركة."
"أنت عارف الفضول بيقتلني، لكن مضطرة أنتظر المفاجأة."
قالت كلماتها بمرح، فقبلها ثانية عنوة على وجنتها، بعد ذلك ضمها إليه أكثر مغمضًا عيناه قائلًا بنبرة صادقة للغاية:
"أنتِ عشقي وشمسي وأغلى ما لدي."
"أنت حبيبي وقمري وشمسي.. ربنا يخليك لقلبي."
ذابت أوردة قلبه من عذوبة كلماتها التي هتفت بها بنعومة نجحت بها أن تخطف قلبه من بين ضلوعه. احتضنته هي بمجرد أن أنهت حديثها مستندة بوجنتها على صدره. ارتكز بذقنه على رأسها يحتضنها عنوة.
قطع تلك اللحظة صوت جرس الباب. فتنهد بنفاذ صبر، وقبل أن يغادر الغرفة قبلها على ثغرها. ثم اتجه إلى الدرج وهبط إلى الطابق السفلي، متجهًا إلى الباب بخطوات واسعة. وعند وصوله فتح إياه، ليرىٰ الطارق شقيقته رنا، ليشعر من نظراتها الغاضبة أن ثمة شيء حدث.
تنحى جانبًا ورحب بها، فدخلت تطلع حولها ثم التفتت إليه. بينما هو أغلق الباب ووقف في مواجهتها متسائلًا:
"جايه ليه خير؟"
"الحقيقة هو مش خير خالص.. هو سؤال وجاوبني عليه بصراحة."
أومأ على أنه يستمع إليها، فتساءلت دون مقدمات:
"ازاي سمحت لنفسك تتجوز البنت اللي أبوها قتل بابا؟!"
"أنتِ مين قالك الكلام الفارغ ده؟"
"رحيم ده كلام مش فارغ دي حقيقة وأنت عارف كده كويس."
وقفت ندى عند الدرج تستمع إلى حديثهم ويبدو عليها الحزن الشديد. كما أنها أخبرت نفسها بأن أعمال والدها اللعينة ستظل تطاردها حتى بعد وفاته. بل وجاء ابن عمها ليكمل مسيرة عمه في الشر. في حين وضع رحيم يديه في جيبي سرواله وتحدث بحسم:
"ده شيء يخصني أنا لوحدي."
"على فكرة هو مش أبوك لوحدك علشان تقول كده.. أنا مستحيل اتقبل وضع زي ده."
صمتت للحظات في انتظار أن يبادلها بالحديث، لكنه اكتفى بأن ينظر إليها بحده وجمود، فتابعت في حيرة:
"أنت كنت بتحب بابا جدًا اكتر واحد فينا بيحبه ومتعلق بيه، فأزاي تغلط غلطة زي دي."
"عارفه لو والد جيجي اللي اتسبب في موت بابا كنتِ عديتها."
ثم أردف بنبرة عالية حادة:
"لكن أنتِ علشان بتكرهي ندى جايه تعملي الشويتين دول.. العيب من عندك أنتِ يا رنا، نضفي قلبك بقى."
حملقت به ويبدو من نظراتها إنها مؤيدة حديثه، لكنها لم تُبين له ذلك واندفعت بحنق:
"لاء طبعًا أنت ازاي تفكر في كده !.. بابا عندي أهم من اي حد."
رفع حاجبيه في تعجب من أمرها وابتسم ساخرًا، ثم تحدث معاتبًا لها:
"وكنتِ فين لما كان محتاجك جانبه؟.. ده أنتِ حتى ماكنتيش بتتصلي تسألي عليه وهو تعبان.. بابا دخل العناية مرتين وأنتِ وعلاء كنتوا نايمين في العسل.. دلوقتي جايه تدوري على حقه.. اتكسفي من نفسك يا رنا."
أطرقت عينيها في خجل من حديث شقيقها الأصغر، بينما هو تابع بحده:
"واللي أنتِ بدافعي عنها كانت دايما تقول البيت بقى شبه المستشفى وريحته علاج.. كانت عايزاني امشي بابا من البيت ودايما تشكّي من وجودة هو وماما."
هبطت ندى الدرج متجه نحوهم ووقفت إلى جوار زوجها وهي تقول بود:
"أهلا يا أستاذة رنا نورتي."
رفعت عينيها إليها تطلع إليها بعدم قبول، ثم أشاحت بوجهها بعيدًا قائلة بلؤم:
"في فرق بين واحده رفضت تساعد حماها وهو تعبان وواحده أبوها اتسبب في موت حماها."
لمعت عيني ندى ليس من كلماتها، بل عندما تذكرت ما فعله والدها بوالد حبيب قلبها ووالدتها، وتحدثت بنبرة بكاء:
"أوعي تفتكري أن اللي حصل ده نسيته، بالعكس أنا كل ما بشوف صورة عمو عبد الرحمن بدعي له وأكلمه وأقوله أنا اسفه.. اللي حصل ده واجع قلبي وكان نفسي أشوفه ويبقى وسطينا، لكن ده عمرة."
توقفت عن الحديث عندما هبطت دموعها على وجنتيها، لكن سرعان ما محت دموعها بأناملها، ثم تابعت بجدية:
"وحابة أقولك حاجة كمان، أنا فعلا بحب ريان وأشرقت مش زي ما أنتِ فهمتيهم."
"مفيش مرات أب تحب ولاده."
كاد أن يثور رحيم في وجهها، لكن سبقته ندى بحديثها الصادق والذي يحمل نبرة حادة:
"مش كل الناس زي بعض.. ومش بعتبرهم ولاد جوزي، لاء دول ولادي والأم هي اللي بتربي.. أنا اتحرمت من أمي بدري جدًا ومن يومها قولت لازم أعوض أي طفل اتحرم من أمه واشتغلت في ملجأ."
ثم أردفت بحزن وأسف:
"لكن.. بابا الله يسامحه أجبرني أسيب شغلي، نفذت كلامه وبعدها اشتغلت بيبي سيتر وعشقت ريان وأشرقت من عشقي في أبوهم، وبكرا الايام تثبتلك اني صادقة في كلامي."
نظرت إلى رحيم، ثم استأذنت منهم وتحركت خطوتين وتوقفت عندما تذكرت شيئًا وقالت بنبرة ضيق:
"نسيت أقولك أن بابا هو اللي قتل ماما وقدام عيني."
جحظت عينيها والتفتت برأسها إليها تطلع إليها في ذهول، بينما تابعت الأخيرة السير وصعدت إلى الطابق العلوي بواسطة الدرج. ولم تفيق رنا سوى على كلمات شقيقها:
"عايزه تقولي حاجة تانيه قبل ما تمشي."
"انا قولت اللي عندي.. لكن عايزه اقعد مع زهره."
"سيبي زهره اليومين دول لحد ما نحل المشكلة اللي هي فيها."
"هي لسه بتفكر فيه؟"
"هي بتحبه ومش بسهولة تخرجه من راسها."
أومأت بتفهم، ثم استأذنت منه واتجهت إلى الباب من ثم خرجت مغلقة إياه خلفها. تنهد الأخير بعمق، بعدها أخذته قدماه إلى غرفة مكتبه ودلف إلى الداخل وأضاء المصباح الكبير. ثم وقف أمام صورة والده التي خلف المقعد وأخذ يتأمل ملامحه بعمق حتى لم يتحرك له رمش. تدريجيًا شعر بالضيق يتسلل إلى قلبه حتى شعر بالاختناق، ولمعت سوداويته بدموع الاشتياق إلى يُذبح القلب.
ترك العنان لدموعه تهبط على وجنتيه لتحتضنها لحيته. وكأن رنا جاءت كي تفتح ذلك الجرح من جديد. لم يتعافى قلبه من ذلك الجرح، لكنه يحاول أن ينسى حتى جاءت شقيقته اليوم. ابتلع لعابه واضعًا كفه على صدره وقال بصوت مبحوح:
"وحشتني بجد.. وحشني حضنك وحنانك.. ظهري اتكسر من بعدك يا غالي."
اقترب من الصورة أكثر وحملها عن الحائط كي يطبق شفتيه على جبينه مغمض العينين كي تهبط دموعه الساخنة على وجنتيه بغزارة. ثم ابتعد عنه ومسح بكفه على وجهه ثم احتضن الصورة عنوة.
***
لم يراها منذ آخر مرة، فاختنق قلبه من الاشتياق وقرر أن يذهب إليها. صف سيارته أمام المشفى ثم ترجل رافعًا نظراته الشمسية على شعره. ثم دلف إلى الداخل ووقف عند موظفة الاستقبال يسأل عن دكتورة جميلة.
"هي حاليًا بتابع حالة المرضى في الدور الثاني.. حضرتك عايزها في ايه."
"أنا كنت طلبت منها تعالجني من الإدمان وطلبت منى اجي النهاردة."
أومأت بتفهم وسمحت له بالذهاب إليها. فاتجه إلى الدرج وصعد إلى الطابق الثاني بواسطته وبدأ يمضي داخل الأروقة بحثًا عنها. وبعد دقائق رآها تخرج من أحد الغرف وسارت بالطريق المعاكس له. ابتسم قلبه قبل ثغره بمجرد أن وقعت عيناه عليها وهم أن يناديها، لكنه وجد دكتور زميلها وقف أمامها يتحدث معها، لكنه لم يستطيع سماع حديثهم.
"دكتورة جميلة لحد دلوقت وموصلنيش أي رد."
"الحقيقة حضرتك فجئتني ومحتاجه وقت أفكر."
"تفكري فيه ايه؟!.. أحنا الاتنين مناسبين لبعض جدًا لأن معروف ان الدكتور بيتحوز دكتورة."
"مش شرط يا دكتور.. ممكن دكتور يقابل واحده معاها شهادة بسيطة ويحبها ويتجوزوا والدكتورة برضه."
"عندك حق وكلامك دايما صح يا دكتورة علشان كده طلبتك للجواز.. المهم خدي راحتك خالص وفكري على مهلك."
ثم مسك بيدها ورفعها إلى حيث شفتيه وطبع قبلة حانية عليها. فسحبت يدها فورًا وقالت في توتر ممزوج بالتذمر:
"ماينفعش كده يا دكتور."
"أنا بعبر عن إعجابي بيكِ."
اما عن الذي يراقبهم فقد عصر قبضته القوية من كثرة ضيقته وللمرة الأولى يشعر بالغيرة القاتلة. حتى خُيل له بأنه يقبض على عنق ذلك الأحمق ويكسر راسه. فيما استأذن الطبيب وذهب كي يتابع عمله، فتنهدت بعمق ثم أكملت السير إلى المصعد الكهربائي فلحق علاء بها بخطوات واسعة.
وقفت هي أمام المصعد وفتحت الباب ثم دخلت وهمت أن تضغط على رقم الطابق المنشود، لكنها تفاجأت بوقوف علاء أمامها ووجدت نفسها تحملق به، لكن سرعان ما تمالكت وسيطرت على توترها وخجلها. دخل ليقف إلى جوارها في صمت، لكن صدره يعلو ويهبط بفضل التقاط انفاسه الحارقة عنوة.
رمقته بنظرة سريعة، ثم ضغطت على رقم الطابق الخامس ووقفت في صمت منتظرة حديثه. بعد لحظات قليلة تساءل بنبرة خشنة:
"ازاي سمحتي له يبوس أيدك؟!"
"أنت بتراقبني ولا ايه."
ثم عقدت ذراعيها وتابعت قاصدة استفزازه:
"على العموم هو في حُكم خطيبي."
ضغط على زر الوقوف قبل أن يصل إلى الطابق المنشود وفاجئها بالوقوف أمامها قابضًا على ذراعيها عنوة وجعلها تلتصق بالمصعد قائلا في تذمر:
"مستحيل أنتِ بتكدبي."
حاولت التحرر من بين يديه، وعندما فشلت اندفعت بحده:
"سبني وابعد عني."
"مش هسيبك غير لما تقولي الحقيقة."
"يهمك فيه ايه؟!"
تساءلت بنفاذ صبر، فهدأ من نفسه يحدق بها بعينيه وقال بهدوء دون تردد:
"يهمني جدًا.. أنتِ مش عارفه اني بحبك؟!"
أطرقت عينيها وابتلعت لعابها بصوت مسموع وقلبها يقرع كالطبول داخل صدرها. بينما هو تابع بنبرة صادقة:
"بشتاق لعيونك.. بشتاق أسمع صوتك.. مشتاق لوجودك في حياتي.. لاني بحبك."
ثم ترك يديها بهدوء وتابع بضيق واضح في نبرة صوته:
"لكن تقريبًا كده كنت بضحك على نفسي لما حبيتك.. أنتِ دكتورة ولازم تتجوزي دكتور زيك.. اوعدك مش هضايقك تاني واتمنى ليكِ حياة سعيدة."
التفت وضغط على زر الصعود، بينما هي رفعت رأسها إليه ويبدو عليها الحزن الشديد. كما أنها تُحرك شفتيها فقط تود أن تبرر له موقفها، لكن يبدو أن الكلمات توقفت في حلقها. كما أن المصعد توقف، فخرج علاء متجهًا إلى الدرج كي يهبط إلى الطابق السفلي من خلاله. تاركًا إياها مصدومة لا تستطيع التفكير في أي شيء حتى في العمل.
***
" الشركة.. "
انتهى الاجتماع بعد أن مضى عقد التعاقد مع شركة أزياء عالمية وصافح كلا من صاحب الشركة والمساعد الخاص به. ثم اصطحابهم عمرو إلى الخارج. فين حين حمل رحيم العقد واتجه صوب المكتب وجلس على المقعد الخاص به.
اما ندى فذهبت إلى المشغل الذي يقع في الطابق السفلي. واليوم مميزة لكونها ترتدي الحجاب الوردي الذي يليق بالتنورة الوردية منقوشة ببعض الورود البيضاء الصغيرة وفوقها سترة بيضاء. تفقدت التصاميم الخاصة بها بابتسامة مزينة ثغرها، كما أنها رأت اللون الموحد للتصاميم أفضل بكثير.
بعد دقائق تركت المكان واستقلت المصعد إلى الطابق المنشود من ثم اتجهت إلى غرفة المكتب. بعدها دلفت إلى الداخل وهي تصبح على البنات، فبادلوها بذات الصباح وتعجب الاثنتان من هيئتها الجديدة ونظرا إلى بعضهما في دهشة. ثم نظرت أميرة إليها وقالت مبتسمة:
"مبروك الحجاب يا أستاذة ندى."
"الله يبارك فيكِ."
قالت كلماتها بابتسامة واسعة، في حين هنأتها زميلتها الثانية على تلك الخطوة الرائعة. انتظرت أميرة حتى انتهى الاثنتان من تبادل الحديث وقالت بهدوء:
"حضرتك طيبة يا أستاذة ندى.. حتى اللعبة اللي سلمى لعبتها انكشفت قبل ما تورط حضرتك."
"لعبة ايه؟!"
تساءلت بعدم فهم، لتتعجب الأخيرة وترمي زميلتها بنظرة سريعة، ثم تساءلت:
"هو مستر رحيم مش قالك أن سلمى زورت امضتك؟"
رفعت حاجبيها في دهشة تومئ بالنفي، فاعتذرت أميرة بخجل واضح:
"أسفه ماكنتش أعرف.. يمكن ماكنش عايز يقلقك."
أومأت بتفهم تطلع إلى الأمام في حزن، وبعد لحظات تركت مقعدها متجه إلى الخارج. عقب خروجها سارت بخطوات واسعة متجه إلى غرفة مكتب رحيم. عند وصولها وقفت تسأل مديرة مكتبه:
"رحيم معاه حد؟"
"لاء يا فندم اتفضلي."
تركتها ودلفت إلى الداخل مغلقة الباب خلفها، فنظر إليها ثم ابتسم قائلًا:
"كنت لسه هكلمك علشان تيجي."
وقفت أمام المكتب ويبدو عليها التذمر لأنه خبأ عليها حدث مثل هذا، وتساءلت:
"ليه؟"
ترك المقعد متجهًا إليها، فاتبعته بعينيها حتى وقف أمامها، لتستدير هي نصف استدارة كي تواجه، وهو يقول بهدوء:
"مش قولتلك النهاردة إني عملتلك مفاجأة."
"أه.. إيه هي المفاجأة بقى."
مسك بيدها ورفعها إلى حيث شفتيه ليطبع عليها قبلة حانية، ثم نظر إليها يتفحص ملامحها بتمعن قائلًا:
"مبروك يا روحي على الحجاب.. أنتِ أجمل من أجمل أميرة."
ابتسمت إليه حتى لمعت عينيها بلمعة الحب، وكأنها لم تأتي كي توبخه لأنه لم يخبرها بما علمت به للتو. قبّلها هو على جبينها، ثم عاد إلى مكتبه ووقف يفتح الدرج الأول وأخرج تابلو خشب منقوش عليه تاريخ ارتدائها الحجاب وتلك الجملة التي هتف بها للتو " ندى يا عشقي أنتِ أجمل من أجمل أميرة..".
وأخذ أيضًا علبة زرقاء قطيفة وعاد إليها ليقف أمامها ومد يده بالتابلو. فأخذته من بين يديه تفحص كلماته بعينيها لتتسع ابتسامتها، وتركته أعلى سطح المكتب كي تحتضن ذلك الرجل الذي يخطف قلبها دائمًا بأفعاله المعبرة عن مدى عشق قلبه لها وايضًا بكلمات العشق العذبة.
بادلها بذات العناق بل وأكثر، ثم قبلها على وجنتها فقالت وهي تتنهد بعمق:
"وجودك في حياتي أجمل هدية.. ربنا يخليك لقلبي."
"يا رب يا روحي ويخليكِ ليا."
ثم ابتعد عنها وفتح العلبة الزرقاء وأخذ منها ذلك الخاتم الثمين ووضعه داخل أصبع يدها، ثم طبع قبلة حانية عليها وعاد بالنظر إليها قائلًا:
"أيدك زينت الخاتم."
رفعت نفسها قليلًا وقبلته على وجنته بنعومة شديدة، فرفع حاجبيه وقال مبتسمًا:
"قلبي داب."
ضحكت ضحكة خفيفة، ثم نظرت إليه واختفت ابتسامتها تدريجيًا قائلة:
"ليه تخبي عليا موضوع تزوير امضتي؟"
مسح على ذراعيها وقال بجدية:
"ندى الوقت اللي بنقعد مع بعض فيه مش عايز أي حوار يضايقنا."
"لكن كان لازم تقولي وتفهمني التزوير ده حصل ليه."
جعلها تجلس على المقعد المجاور إلى المكتب وجلس هو على الطاولة الصغيرة التي أمامها وقص عليها كل شيء حتى مقابلته مع جيجي وتوبيخها عن ما فعلته. عقب انتهائه تنهدت تحرك رأسها في كلا الاتجاهين بأسف وقالت بحزن:
"ربنا يهديها ويسهل لها."
***
" مساء اليوم.. "
استقل رحيم سيارته برفقة صديقه عمرو وغادر السائق إلى وجهته. طال الصمت بينهم للحظات طويلة حتى تساءل عمرو باهتمام:
"ناوي تعمل ايه مع والده يا رحيم؟"
"هحكيله على اللي حصل يمكن يعقل ابنه."
"بصراحة يا رحيم أنا شايف أن زهره المفروض هي اللي تنهي العلاقة دي."
أومأ بالنفي وتنهد وهو يقول بتأفف:
"مش بالسهولة دي للأسف.. هي باين عليها بتحبه."
أومأ بتفهم وحالفهم الصمت حتى وصل السائق إلى وجهته وصف السيارة أمام المبنى المنشود. ترجلا من السيارة وقبل أن يدخل رحيم تأكد من رقم العقار. تقابل مع البواب فصافحه قائلًا:
"أنا جاي اقابل أستاذ نبيل اللي في الدور الرابع."
"اتفضلوا."
فتح لهم باب المصعد ودلفا إلى الداخل وضغط البواب على زر الصعود. بعد لحظات وقف المصعد وخرج الثلاثة متجهون إلى الشقة ووقف البواب يدق جرس الباب. فتح الوالد بعد لحظات فقال البواب:
"الأساتذة عايزين حضرتك."
انتقل ببصره بينهم في تساءل، فقال رحيم بثبات:
"أنا رحيم النادي وعايز حضرتك في موضوع شخصي."
تنحى جانبًا مرحبًا بهما، فدلفا إلى الداخل وأخذهم إلى غرفة الصالون بعد شكر البواب وأغلق الباب. جلس كلا من رحيم وعمرو على الأريكة وجلس هو على المقعد المجاور لها متسائلًا:
"تشربوا شاي ولا قهوة."
"مفيش داعي لأني مش هاخد من وقتك كتير."
نظر إليه باهتمام واضح، فتابع بجمود:
"باختصار كده ابن حضرتك اللي مسافر كندا ارتبط ببنت أختي طالبة عنده وقالها انه هيطلق مراته علشانها."
اندهش من حديثه يومئ بالنفي بعدم تصديق قائلًا:
"مش ممكن ابني يعمل كده.. مراته تبقى بنت عمه ومستحيل يغدر بيها."
أخرج هاتفه من جيب سرواله من ثم فتح ملف الصور وفتح صورة تجمع بينه وبين زهره وأدار الهاتف إليه قائلًا:
"اتفضل شوف الصورة أنا اخدتها من زهره علشان عارف انك مش هتصدق كلامي."
تطلع إلى الصورة بتمعن شديد حتى وضحت عليه علامات الحزن والذهول معًا، ثم أطرق رأسه بأسف. عن ما فعله ابنه بابنة شقيقه كما أنه شعر بالغضب الشديد أيضًا. أطفأ شاشة الهاتف وتنهد قائلًا:
"أتمنى حضرتك تعقله وخليه مع مراته وولاده أفضل.. عن اذنك."
ثم نظر إلى صديقه ونهض قائلًا:
"يلا يا عمرو."
نهض صديقه عن الأريكة في حين نهض نبيل وصافح رحيم، فربت رحيم على ظهر يده ثم استأذن ثانية وغادر برفقة صديقه.
خرجا من العمارة واستقلا السيارة طالبا من السائق أن يعود إلى الشركة. بعد لحظات من الصمت قال عمرو بحزن:
"أبوه صعب عليه شكله راجل طيب."
"طبعًا ربنا يهدي ابنه."
أدار رأسه إلى الاتجاه الآخر ليتطلع إلى الخارج بواسطة النافذة. وشعر بالضيق فقد تذكر والده والتي ذكراه تؤلمه كثيرًا. بهدوء وضع كفه على صدره وتنهد بعمق لكنه شعر بألم يذبح صدره.
أما عند الشركة ترجل شخص مجهول من سيارة واقفة على بُعد أمتار من الشركة. اتجه إلى أحد أفراد الأمن ووقف يسأل عن عمرو ليجيب:
"هو خرج لكن زمانه على وصول.. حضرتك مين؟"
توتر في البداية لكنه لم يُبين ذلك وقال بهدوء:
"انا هجيله تاني.. عن اذنك."
عاد إلى سيارته سريعًا. وبعد ساعة إلا ربع تقريبًا وصل السائق وصف السيارة أمام الشركة. مسك عمرو بمقبض الباب ونظر إلى صديقه قائلًا:
"أنا هدخل اطمن على التصاميم وبعدين اروح."
"طيب أنا جاي معاك."
ترجل الاثنان ودلفا إلى الداخل من ثم دخلا المشغل وأطمئن رحيم على كل شيء بنفسه للمرة الأولى. مما تعجب عمرو وابتسم متسائلًا:
"اشمعنا النهاردة بتشوف التصاميم بنفسك."
"يعني حبيت أشوفك وانت بتشتغل.. حقيقي أنت بتتعب معايا يا عمرو."
"مش متعود منك على الرسمية دي.. احنا اكتر من أصدقاء يا رحيم."
"ربنا يديم صداقتنا يا عمرو."
"يا رب بإذن الله."
بعد نصف ساعة انتهى عمرو من عمله وعند خروجهما أغلق باب المشغل بالقفل الحديدي. وبعد خروجهما من الشركة أغلق أحد أفراد الأمن باب الشركة الرئيسي جيدًا. أما عن الجالسين داخل السيارة قال الذي سبق وسأل عن عمرو:
"انزل اسأل الأمن إذا كان اللي معاه ده عمرو ولا لاء."
"لاء خليك علشان ممكن يتعرفوا عليك.. أكيد هو.. شغل انت بس العربية."
قام بتشغيل السيارة مستعدًا للمغادرة وصوب الأخير المسدس الناري على عمرو الواقف إلى جوار صديقه يتحدث معه في بعض الأمور قبل أن يستقل كلا منهم سيارته. أطلق الرصاص في اتجاه قلبه مباشرةً، لكن في ذات اللحظة استمع إلى نداء فرد الأمن كي يعطيه مفتاح الشركة، فالتفت إليه لتستقر الرصاصة أسفل كتفه بقليل. جحظت عيناه وشعر بألم لم ولن يشعر به من قبل وحاول أن يتحدث لكن شعر وكأن الألم ابتلع كلماته.
بينما وقف رحيم أمامه فارتمى عمرو في أحضانه وعيني رحيم التي يبدو عليها الصدمة تتبعت السيارة التي غادرت على وجه السرعة. فيما ركض أفراد الأمن إليها وأطلق الرصاص لكن السائق استمر في السيارة وقام أحدهم بحفظ رقمها. ثم عادوا إلى رحيم وساعدوه في وضع عمرو على المقعد الخلفي من السيارة وجلس رحيم إلى جواره يحتضنه عنوة واضعًا كفه على مكان الجرح وغادر السائق على وجه السرعة إلى أقرب مشفى.
كل شيء حدث أمام عيناه في لحظة. حتى لم يستوعب عقله ما حدث وقلبه ينبض برهبة وخوف من أن يفقد صديقه المقرب في لحظة. هبطت دموعه الساخنة على وجنتيه يحدق في الفراغ في ذهول. وكلما تلاعبت الأفكار داخل رأسه بأنه من المحتمل أن يفقد صديقه يشعر وكأنه فقد عقله وحتمًا سيجن.
رواية حب رحيم الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سمر عمر
بعد دقائق دلفت إلى الداخل وقبل أن تصطحب البنات إلى غرفتهم تمنت ليلة سعيدة إلى زهراء.
أيضًا اطمأنت على ريان لتجده يغط في نوم عميق.
مددت إلى جوار أشرقت وضمتها إليها بحنان بعد أن وضعت طفلتها داخل فراشها الصغير وهي نائمة بين ذراعيها.
***
عند وصوله صف سيارته أمام المشفى ثم ترجل ودلف إلى الداخل.
وقف عند موظف الاستقبال يسأل عن عمرو ليرشده بمكانه فصعد إلى الطابق المنشود بواسطة الدرج.
وأخذ يمضي داخل ردهة طويلة ودخل يسار ليجد شقيقه يقف أمام غرفة العمليات.
وقف أمامه يلهث بصوت مسموع وتساءل في دهشة:
- هو لسه في العمليات؟
أومأ بالإيجاب دون أن يتحدث، فيكفي ما يشعر به من ألم كأن الرصاصة اخترقت بدنه هو.
ربت الأخير على كتفه ولفت نظره كفه اليسار الملطخ بالدماء فقال بحزن:
- روح اغسل إيدك.
رفع كفه ليرى الدماء ورفض طلب شقيقه لكنه أصر.
فاستسلم لطلبه وذهب حيث يوجد المرحاض ودخل ليقف أمام الحوض وغسل يديه من الدماء جيدًا.
فشرد في ذلك الماء الممزوج بالدماء ويهبط للأسفل.
فترك العنان إلى دموعه الساخنة تهبط على وجنتيه عل الألم يخف عن صدره قليلًا.
عاد إلى مكانه وجلس على أحد المقاعد وحالفهم الصمت لربع ساعة تقريبًا.
وخرج الطبيب يجفف حبات العرق عن جبهته بمنديل.
نهض الاثنان عن مقاعدهم وتساءل رحيم بلهفة واضحة:
- حالته إيه يا دكتور؟ أرجوك طمني.
- الحمد لله قدرنا نخرج الرصاصة لكن طبعًا هي عملت كسر في كتفه وكمان يومين نعمله عملية لتركيب المسامير.
ثم أردف بنبرة تفاؤل:
- حاليًا هيتم نقله في العناية المركزة وبإذن الله هيبقى كويس. حاليًا مفيش داعي لوجودكم.
ثم استأذن منهم وغادر وبعد لحظات خرج الممرضين وهم يسحبون الفراش متجهان به إلى العناية المركزة.
نظر رحيم إليه بلهفة ومضى إلى جوار الفراش واتبعه علاء.
دخلوا بالفراش داخل المصعد الكهربائي وضغطت أحدهم على زر الصعود بعد أن استأذنت منهما وأغلقت الباب.
- رحيم يلا إحنا نروح.
أغمض عيناه بإرهاق واضح قائلًا:
- لأ مش هروح، أنا هفضل هنا.
أحاط كتفه بذراعه وقال محاولًا إقناعه:
- يا حبيبي مفيش داعي لوجودك، لازم تروح عشان ترتاح وتقدر تجيله تاني يوم.
- تفتكر هقدر أرتاح؟ أنا مش عارف بيحصل فينا كده ليه؟!
قال آخر كلماته وهو يجز على أسنانه فقال علاء بتذمر:
- أوعى تقول كده، ده قدر ومكتوب له.
تذكر شيئًا فتساءل في حيرة:
- صحيح، إيه حكاية الرصاصة دي؟
- واحد مؤذي ضربه بالرصاص، لكن هعرف هو مين.
قذف آخر كلماته بنبرة نارية متوعدة.
فمسك شقيقه بيده وخرجا من المشفى وفتح له باب سيارته الأمامي فقال بهدوء:
- روح أنت، أنا معايا السواق.
- لأ أنا هروحك بنفسي وهقول للسواق يمشي هو.
جلس على المقعد الأمامي مستندًا بظهره إليه عاصرًا جبينه بأنامله.
فيما أغلق الأخير الباب وطلب السائق أن يغادر هو ثم جلس أمام المقود.
وعيناه على شقيقه وهو يشغل السيارة من ثم نظر إلى الأمام وغادر إلى وجهته.
***
" القصر.. "
كانت غارقة بالنوم وهي تحتضن أشرقت.
لكن بعد لحظات استيقظت على صوت إغلاق الباب.
وكأن عقلها مستيقظًا في انتظار صوت إغلاق الباب كي يطمئن القلب على نبضاته.
عبس وجهها ثم رفعت الغطاء عنها وتركت الفراش ترتدي حذائها المنزلي وخرجت مغلقة الباب خلفها بهدوء.
رأته يتجه صوب غرفة المكتب وهي تهبط الدرج فنادت بلهفة:
- رحيم..
توقف عن السير رافعًا رأسه إليها بحزن ممزوج بالإرهاق.
ركضت إليه ورمت نفسها في أحضانه تعانق خصره بذراعيها عنوة قائلة:
- الحمد لله على سلامتك يا حبيبي.
رفع ذراعيه وأطبقهما على بدنها مستندًا بذقنه على رأسها وتنهد بألم قائلاً:
- الله يسلمك يا ندى.
تنهدت بعمق ثم رفعت رأسها لتنظر إليه وتساءلت بحزن:
- عمرو عامل إيه؟
- في العناية.
زمت شفتيها بتأثر واضح بعدها تركت خصره لترفع كفيها لتحتضن بهم وجنتيه عاقدة بين حاجبيها بتأثر وهي تقول بهدوء علها تخفف عنه:
- بإذن الله ربنا هيطمنك عليه بكرة وهتكون حاجة بسيطة.
ثم قبلته بنعومة شديدة على وجنته.
بعدها وقفت إلى جواره تأبطت ذراعه وأكملت:
- يلا يا حبيبي تعالى معايا عشان ترتاح.
ربت على ظهر يدها قائلاً:
- هقعد شوية في المكتب، اطلعي أنتِ ارتاحي.
- لأ مش هسيبك، هفضل معاك.
رحيم بسأم واضح:
- ندى أنا عايز أفضل لوحدي شوية، من فضلك.
تركت ذراعه ووقفت أمامه وقالت بنبرة ترجي:
- طيب أحضرلك حاجة بسيطة تاكلها.. علشاني.
أومأ مضطرًا فابتسمت بهدوء واتجهت إلى المطبخ.
اتجه هو إلى غرفة المكتب ودلف إلى الداخل مغلقًا الباب خلفه.
ثم وقف للحظات ووجد نفسه ينظر إلى صورة والده فأخذته قدماه إليها ووقف أمامها مباشرةً.
بدون أن يتحدث نطقت نظراته بألم الاشتياق بعدها سأل الله بكل ما فيه من ألم وضيق أن يصبر قلبه على فراق حبيب قلبه ويشفي صديقه الوحيد.
بعد أن انتهت من تحضير العشاء الخفيف ذهبت إلى الغرفة ووقفت عند الباب ودقت عليه بالصينية.
اتجه إلى الباب وهو يمسح على وجنتيه وفتح إياه فدخلت ليغلق الباب.
في حين وضعت ندى الصينية أعلى المنضدة الصغيرة وجلست على الأريكة وجلس إلى جوارها.
وضعت له مربى أعلى خبز التوست وبدأت تطعمه بيدها لكنه يمضغ الطعام ببطء شديد.
فطلبت منه أن يسرع قليلًا فابتلع الطعام بصعوبة ورفض أن يتناول غيرها.
وضعت كفها الصغير على كتفه فاستند بظهره إلى الأريكة وقال بضيق:
- قلبي وجعني يا ندى.
- سلامة قلبك.
قالت كلمتها بحزن ومسحت بكفها على وجنته برفق حيث تابع:
- عمرو ده توأمي، هو عقلي اللي بفكر بيه، المعنى الحقيقي للصديق. عمرو مستحيل يتعوض.
هبطت دموع وجع قلبه على صديقه بل توأمه فتأثرت به لتجد نفسها تبكي هي أيضًا.
تركت الخبز ومسحت دموعه ثم احتضنت ذراعه واستندت برأسها على كتفه لدقائق حتى غلبها النعاس.
بينما هو بدأ يقلب بالصور التي جمعت بينه وبين صديقه.
وطول الليل لم يغمض له جفن.
***
" في الصباح الباكر.. "
استيقظت لتجد نفسها على الأريكة والغطاء فوقها.
فرفعت إياه عنها ورفعت بدنها تنظر حولها لترى رحيم يقف أمام النافذة يدخن سيجارة.
أزاحت خصل شعرها بعيدًا عن عينيها متسائلة:
- رحيم أنت مانمتش؟
أدار رأسه إليها وهو يزفر دخان سيجارته بالهواء قائلًا:
- لأ، صباح الخير.
ثم التفت ووقف يطفئ السيجارة داخل المطفأة متابعًا:
- أنا طلعت غيرت هدومي عشان أروح المستشفى.
- أنت كده هتتعب.
نهضت واقفة بينما هو اتجه نحوها ووقف أمامها ووضع كفيه على ذراعيها قائلاً:
- أنا بخير يا روحي.
قبلها على جبينها للحظات ثم ودعها بقبلة على ثغرها وغادر.
وصلته إلى الباب ثم نظرت إلى ساعة يدها التي تدق السابعة والربع صباحًا.
فصعدت إلى غرفتها من ثم دلفت إلى المرحاض توضأت وصلت فرض الصبح.
عقب انتهائها أسرعت إلى الأطفال لتوقظهم إلى المدرسة.
- أنا عندي تدريب النهاردة.
قال ريان كلماته في تعجب فتنهدت بحزن وقالت بهدوء:
- حبيبي بابي مش هيقدر يدربك النهاردة.
شعر بالحزن المفاجئ وجلس على حافة الفراش قائلاً:
- هو رجع في كلامه ولا إيه؟
- لأ طبعاً يا حبيبي.
حرك رأسه في كلا الاتجاهين وقال بتأفف:
- لأ هو أكيد هيرجع يهتم بشغله تاني أكتر، حتى امبارح ماشوفتوش.
جلست إلى جواره وضمته إليها بحنان قائلة:
- امبارح انكل عمرو عمل حادث وبابي فضل قاعد معاه وهو أخد إجازة من الشغل عشان يفضل معاه لحد ما يخف.
- انكل عمرو صاحب بابي؟
أومأت بالإيجاب وقالت بعد أن قبلته على وجنته:
- يلا جهز بقى على ما أحضر الفطار.
" بعد مدة من الزمن.. "
جلست على الأريكة تتابع طفلتها التي تلعب حولها ومن حين لآخر تطمئن على رحيم وحالة عمرو.
خرجت زهراء إلى الحديقة وجلست إلى جوار ندى فنظرت إليها وتساءلت إذا كانت تناولت فطارها أما لا.
لتومئ على أنها فطرت ثم أشغلت نفسها بالعبث بأحد عرائس آسيا.
حالفهم الصمت لدقائق قليلة لتكسر زهراء حاجز ذلك الصمت بحديثها الذي فكرت به كثيرًا:
- هما ليه رافضين جوازي من دكتوري؟ ما هو حضرتك متجوزة خالو وهو كان متجوز وعنده أولاد.
نظرت إليها للحظات ثم تحدثت بهدوء:
- فيه اختلاف يا زهره. لما دخلت حياة رحيم هو كان منفصل أصلًا عن مراته، يعني ما حبنيش بعدين طلق مراته علشاني.
- نفسي حد يفهمني، هو لو بيحب مراته ماكنش حبني ولا فكر فيا. وبعدين هو خلاص هيطلقها.
ثم أردفت بحزن بعد أن اعتدلت في جلستها:
- وأنا شوفت حضرتك قد إيه بتحبي ريان وأشرقت وبتعمليهم زي آسيا وأحسن. أنا اتعلمت منك وأكيد هعامل ولاده زيك.
أطرقت عينيها للحظات تفكر في حديثها بعمق كما أنها تنهدت بصوت مسموع ورفعت عينيها إلى زهراء ثانية وقالت بهدوء:
- مفيش مشكلة خالص لو اتجوزتي واحد كان متجوز طالما إنسان كويس ومناسب وده بيحصل كتير جدًا. لكن ماينفعش نتسبب في خراب البيوت.
- خراب بيوت؟
أومأت تأكيدًا على حديثها ونظرت إلى آسيا كي تطمئن عليها لتعود بالنظر إلى زهره قائلة:
- زهره حطي نفسك مكان مراته. أنتِ متجوزة وعندك أطفال وفجأة لقيتي جوزك عايز يتجوز عليكِ. هتقبلي؟
حركت مقلتيها هنا وهناك بتفكير عميق وأجابت بتلقائية:
- أكيد لأ.
- تمام يا روحي. لكن هو بقى بيحب التانية ومصمم يتجوزها وطبعًا هيطلقك عشانها. ردة فعلك هتبقى إيه؟
حركت رأسها في كلا الاتجاهين في حيرة بالغة وقالت بنبرة بكاء:
- مش عارفه.. مش عارفه.
- طبعًا مش عارفه ولا هتعرفي لأنك مش في مكان مراته المسكينة والضحية. للأسف أنتِ اللي عايزة تخطفي جوزها منها وفي داهية حصرة قلب مراته.
هبطت دموعها على وجنتيها فكلمات ندى كانت بمثابة أسهم سامة اخترقت صدرها.
تأثرت الأخيرة بها بالأخص أنها تعلم جيدًا بأنها تحبه ومن الصعب أن تنسى.
لكن طالما تأثرت بكلماتها يبدو أنها فكرت بتلك الخطوة جيدًا لتتابع حديثها:
- الأطفال بقى المشكلة الكبيرة يا حرام ذنبهم إيه يشفوا أبوهم طلق أمهم عشان واحدة تانية. وكمان الولاد هتتعب جدًا بينهم طبعًا أسبوع مثلًا عند أبوهم وأسبوع عند أمهم. وممكن أمهم تتجوز وتعيش حياتها وبكده الأطفال اتظلموا بينهم.
مسحت دموعها بيدها تومئ بفهم وقالت بضيق:
- لما حبيته ما فكرتش في كل ده.
رفعت كفها وضعته على وجنتها برفق قائلة:
- أوعي تتسببي في تفكك أسرة.
- حاضر أوعدك.
ابتسمت بود واحتضنتها تربت على ظهرها بخفة وقالت بتفهم:
- زهره أنا عارفه يعني إيه حب وفكرة إنك تخرجي من قلبك صعبة جدًا. لكن متأكدة إنك هتبقي قوية وهتعدي المرحلة دي.
شعرت بالراحة معها وكأنها لم تشعر بتلك الراحة من قبل وبعد أن تنهدت بهدوء قالت:
- شكرًا ليكي بجد.
***
" المستشفى.. "
جلس يتحدث مع الطبيب عن حالة صديقه ليطمئن قلبه عليه قليلًا حتى يراه بخير أمام عيناه.
وبعد حديث طال بينهم أخذه الطبيب إلى حيث غرفة العناية وطلب منه أن يطمئن عليه ويخرج.
ارتدى كل شيء خاص بالغرفة ودلف إلى الداخل ووقف أمام الفراش ينظر إليه بلهفة قلق واضحة حتى لمعت عيناه من الدموع.
نظر عمرو إليه بوهن ويود أن يتحدث مع صديقه لكنه لم يستطع.
ابتسم رحيم إليه على عكس النيران التي تأكل قلبه وربت على كتفه برفق.
ثم تحدث بهدوء وكأنه يقرأ أفكار توأمه:
- أنا مش بخير خالص يلا اتشجع وقوم بالسلامة. والدك ووالدتك في عيني لحد ما تقوم بالسلامة.
أومأ برأسه فقط فقبلة على جبينه وقال مبتسمًا:
- مش عايز أسيبك لكن مضطر. ربنا يقومك بالسلامة.
قبل جبينه ثانية ثم غادر الغرفة وهو يخلع القفازات الطبية ووضعها داخل سلة القمامة وأيضًا القبعة والجوارب الطبية.
في حين وقفت والدة عمرو التي يبدو عليها الحزن الشديد والتعب من أجل ابنها الوحيد.
ثم تساءلت بنبرة قلق:
- عمرو عامل إيه يا بني؟
التفت إليها يمسح على شعره وألقى نظرة على الوالد التائه ثم نظر إليها مبتسمًا وقال ليطمئنها:
- بخير الحمد لله. ربنا يقومه بالسلامة. حضرتك مادخلتيش تشوفيه؟
- دخلت بس كان نايم والدكتور خرجني على طول.
مسح على ذراعيها برفق وقبلها على رأسها بحنان بعدها تحدث بهدوء:
- بإذن الله ربنا هيشفيه. لو عوزتي أي حاجة أنا موجود.
- ربنا يبارك فيك يا بني.
استأذن منها وغادر المستشفى واستقل سيارته.
ثم أخرج ورقة من جيب معطفه الداخلي داخلها رقم سيارة المجرمين.
فقد قام أحد أفراد الأمن بتسجيل الأرقام فورًا وأعطاها إلى رحيم.
ثم اتصل على ضابط معرفة والذي أجاب عليه فورًا يرحب باتصاله.
وبعد تبادل السلام قال رحيم:
- محتاج منك خدمة.
- بس كده أنت تؤمرني.
- الأمر لله وحده تسلم يا باشا. فيه رقم عربية عايزك تكشف عنه وتعرف مين صاحب العربية دي وساكن فين.
الضابط بترحاب:
- تحت أمرك ولو عايزني بنفسي أجيبلك صاحب العربية مفيش مشكلة.
- تسلم يا حبيبي.
ثم أعطى له رقم السيارة وأخذه فأخبره بأنه في خلال ساعات وسيخبره بكل شيء.
شكره بامتنان شديد ثم أنهى معه المكالمة واستند بظهره إلى المقعد عاقدًا ذراعيه أمام صدره.
أخذ يغلق عيناه ويفتحهما ثانية فارتدى نظارته الشمسية واستسلم إلى النوم لكونه لم ينم الليلة الماضية.
***
" القصر.. "
بعد الانتهاء من وجبة الغداء ساعدتها زهره في حمل الأطباق عن السفرة واتجهت إلى المطبخ.
لكن دق جرس الباب فاتجهت إليه وفتحت لترى والدتها أمامها.
نظرت إليها من أعلى لأسفل عدة مرات ثم دخلت مغلقة الباب خلفها.
- مامي ازيك.
نظرت حولها ثم وقفت أمامها عاقدة ذراعيها وقالت بتذمر شديد:
- أنتِ. جايه تقعدي هنا يومين ولا تشتغلي خدامة؟!
ثم نظرت إلى الطبقين التي تحملهما بين يديها.
بينما هي حدقت بها في دهشة متسائلة:
- إيه اللي حضرتك بتقوليه ده؟
دخل ريان ووقف يتابع ذلك الحوار حتى جاءت أشرقت ووقفت إلى جواره وهي ممسكة بيد أختها.
في حين اندفعت رنا بصوت عال:
- بتشيلي الأطباق وكمان تفتحي الباب واكيد الهانم قاعدة حاطه رجل على رجل.
خرجت ندى من المطبخ على الصوت العالي وتصنعت بأنها لم تستمع إلى حديثها وقالت وهي تقترب منها:
- أهلاً أستاذة رنا نورتي.
ثم وقفت إلى جوار زهراء التي يبدو عليها الحزن الشديد وتساءلت بنفاذ صبر:
- مامي أنتِ جايه عايزة إيه؟
- أنتِ تسكتي خالص، حسابي مع اللي مشغلاكي أصلها باين عليها ماتعرفش أنتِ بنت مين.
تنهدت بنفاذ صبر وتمالكت أعصابها وقالت بهدوء على عكس البركان الذي على وشك الانفجار:
- مفيش داعي لكل ده هي بس بتحول الأطباق من السفرة للمطبخ.
نظرت إليها من أعلى لأسفل بكبرياء واضح قائلة ببرود:
- أنتِ مش ليكي إيدين ولا إيه. أنا بنتي تقعد معززة مكرمة.
ثم أخذت الأطباق من بين يديها بعنف لتشهق زهره بخفة لكن جحظت عينيها في دهشة عندما ألقت بالأطباق على الأرض لتنكسر وتتحول إلى قطع زجاجات صغيرة.
جحظت أيضًا عيني ندى تطلع إلى الأطباق في صدمة مثل صدمة الأطفال ونظر ريان إلى عمته بحنق واضح قابضًا قبضته الصغيرة.
في حين اندفعت رنا من بين أسنانها:
- بنتي ماتخدمش واحدة زيك خطافة رجالة.
همت أن تتحدث معها وتلقنها درسًا قاسيًا لكن سبقتها زهراء وهتفت بصراخ:
- أنا اللي خطافة رجالة مش هي.. أنا علقت واحد بيا وهو متجوز وعنده أولاد وكمان اشترطت عليه يطلق مراته لو عايز يتجوزني ووافق.. بطلي بقى تعيبي في الناس وأنتِ كل عيوبك.
صفعتها على وجنتها عنوة قائلة:
- اخرسي يا قليلة الأدب. أنا هربيكي من أول وجديد.
ثم قبضت على مرفقها متابعة:
- أنتِ هتيجي معايا حالًا.
صرخت بنبرة بكاء هستيري:
- مش جايه معاكِ وأنا هموت نفسي عشان أرتاح منك.
نظرت ندى إلى الأولاد وقالت بأمر:
- على فوق.
أخذت أشرقت أختها واتجهت إلى الدرج بينما ريان تمعن بالنظر إلى كلا من عمته وزهراء مصدوم من ذلك الشجار القوي.
طلبت ندى منه أن يصعد إلى غرفته لكنه لم يستجب لها في حين صعدت أشرقت هي واختها واختبأ الاثنتان داخل الغرفة وهي تفكر في ذلك الشجار وتشعر بالخوف.
أما بالأسفل كادت ندى أن تقترب من ريان لكن زهرة نفضت يد والدتها وركضت إلى المطبخ وهي تصرخ:
- والله لأموت نفسي عشان ترتاحي مني.
ركضت ندى إليها كي تلحق بها.
لكن زهره أسرعت بأخذ سكينة حامية وطعنت نفسها عنوة جانب بطنها.
صرخت ندى تناديها ولحقت بها قبل أن تسقط على الأرض.
في حين دخلت رنا وصرخت هي الأخيرة وركضت إلى ابنتها وسحبت السكين برفق ثم كتمت الدماء بيديها وقلبها يعتصر ألمًا على ابنتها الوحيدة وتبكي بهستيريا.
وقف ريان أمام باب المطبخ يحدق بالسكين الملطخة بالدماء وأيضًا دماء ابنة عمته التي تدحرج على الأرض.
سندتها رنا وأخذتها إلى الخارج في حين ركضت ندى إلى الطابق العلوي وارتدت إسدال وعادت إلى رنا لتكون معها.
وقادت هي السيارة في طريقها إلى المشفى التي تعمل بها صديقتها.
***
شعر ريان بالخوف الشديد وجلس على الأريكة وباله مشغول فقط بما حدث للتو.
وما رأى صعب على أي طفل أن يستوعبه أو يتحمل بشاعة ما رأته عيناه.
أخذ يفكر في كلمة زهراء " الانتحار.. " ليعلم أن ذلك الانتحار هو قتل النفس.
كما أنه فكر بأنها انتحرت حتى تريح والدتها منها.
أخذ يفكر في ذلك وأكثر حتى جز أسنانه وارتعش بدنه.
بعد نصف ساعة تقريبًا وصل علاء إلى القصر بعد أن اتصلت ندى به وطلبت منه أن يذهب إلى الأولاد فورًا.
رأى ريان على ذلك الوضع فجلس إلى جواره واحتضنه متسائلاً:
- قاعد ليه كده يا حبيبي؟
- بفكر في الانتحار.
قال كلماته وهو مازال الذهول مسيطرًا على عقله فنظر علاء إليه في دهشة متسائلاً:
- أنت ليه بتقول كده؟
- زهره قالت كده وبعدين دخلت المطبخ قتلت نفسها عشان تريح مامتها منها. أنا كمان عايز أريح مامي وكل الناس اللي مش بتحبني.
- ريان اوعى تقول الكلام ده تاني عشان حرام.
ثم مسح على شعره واحتضنه أكثر كي يشعره بالاطمئنان قائلًا:
- حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا رنا.
ثم مسك بيد ريان وأخذه إلى حيث غرفته وقال قاصدًا أن يلهيه:
- يلا يا بطل تعالى نلعب جيم سوى.
- أوكي يا عمو.
رواية حب رحيم الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سمر عمر
فتحت أشرقت بعد لحظات، فاحتضنتها ندى بشدة قائلة:
يا حبيبتي وحشتيني.
ثم حملتها عن الأرض محافظة على احتضانها، مغلقة الباب بظهرها.
في حين تساءلت أشرقت:
كنتِ فين؟!
أنزلتها برفق ومسحت على جانب شعرها وقالت مبتسمة:
في مشوار مع عمتو رنا وزهره.. فين آسيا وريان؟
مع عمو علاء في الجنينة.
مسكت بكفها الصغير متجهين إلى الحديقة، لكنهما توقفا عندما رأت ندى علاء يخرج. ووقفت تسأل عن حالة زهره بلهفة قلق واضحة. فأخذت آسيا من بين يديه تقبلها على وجنتها، وطلبت من أشرقت أن تخرج إلى الحديقة. استمعت إليها وركضت إلى الخارج.
انتظرت حتى خرجت وقالت بهدوء:
الحمد لله بخير والجرح طلع سطحي.
طيب أنا هروح اطمن عليها بنفسي.
ثم أردفت بصوت منخفض:
أه يا ريت تقعدي مع ريان وتطلعي من دماغه كلمة انتحار.
أومأت بتفهم وردت بحزن:
أنا هتصرف.
قبلت آسيا على جانب رأسها، بعدها استأذن وغادر. كانت تحتضن والدتها بذراعيها الصغيرة معبرة لها عن مدى اشتياقها لها، فبادلتها بالعناق وقبلتها على وجنتها وقالت بنبرة اشتياق واضحة:
وحشتيني يا روحي.
ثم خرجت إلى الحديقة وجلست إلى جوار ريان على الأريكة. نزلت آسيا عن قدميها ووقفت أمام الطاولة تشخبط بالألوان على الورق. نادتها أشرقت لتأتي وتجلس معها داخل الخيمة، فاتجهت إليها تحت أنظار ندى. وعندما دخلت الخيمة مع أختها، نظرت إلى ريان الشارد وقالت وهي تسحب الحجاب عن شعرها:
مش عايز تقولي حاجة؟
أدار رأسه إليها يتأملها للحظات، ثم أومأ بالنفي. فمسحت على جانب شعره وقالت بهدوء:
وعدتني ماتخبيش عليّ حاجة تاني.
نظر إلى الأمام يتنهد بصوت مسموع وقال بوضوح:
بصراحة بفكر في اللي عملته زهره.. موتت نفسها يعني انتحرت.
شهقت شهقة مصطنعة لينظر إليها بلهفة وفي دهشة. بينما هي قالت متصنعة الدهشة:
انتحار؟!.. انت عارف يعني إيه انتحار؟!
أه يعني الإنسان يموت نفسه.. زي ما زهره عملت.
مازالت تظهر له الدهشة والذهول معًا قائلة:
والإنسان لما يموت نفسه بيروح فين؟.. على النار فورًا.
استدارت نصف استدارة معتدلة في جلستها وتساءلت بصوت منخفض للغاية:
أنت فاكر القصص الدينية اللي نانا كانت بتقولك عليها؟
أومأ بالإيجاب. فتساءلت:
قالتلك إيه على الكُفار؟
قالت إن هما ناس بيغضبوا ربنا ويعصوا أوامره.
أهو بقى اللي بيقتل نفسه ده كافر وبيِعصي أمر الله علشان مش مؤمن باللي ربنا كتبه عليه.
استجاب لكلمات ندى البسيطة وأخذ يفكر بعمق، حتى تساءل في توجس:
يعني اللي بيقتل نفسه مش هيشوف الجنة.
خالص، لأنه كافر والكافر مستحيل يدخل الجنة.. الإنسان المؤمن اللي مهما الظروف تيجي عليه بيحمد ربنا.
احتضنت وجنتيه براحتي يديها وتابعت مبتسمة:
زهره الحمد لله بخير وقريب جدًا هتيجي تعيش معانا تاني.
ابتسم وقد تنهد بعمق، فاحتضنته عنوة وقبلته على جانب رأسه قائلة:
يلا اطلع غير هدومك علشان هنروح عند نانا.
هنقعد يومين؟
تساءل بمرح، فابتعدت عنه قليلاً ومسحت على أرنبة أنفه بمرح قائلة:
النهاردة بس لحد ما أروح أشوف انكل عمرو.. وأوعدك في الإجازة هنقعد يومين عند نانا.
أومأ بالإيجاب ونهض عن الأريكة يركض إلى الداخل. فيما نادت هي على كلًا من أشرقت وآسيا وطلبت منها أن تصعد إلى غرفتها لتبديل ثيابها، لتنفذ طلبها. حملت هي آسيا وصعدت إلى غرفتها كي تبدل ثياب طفلتها وهي تتصل على رحيم. انتهت المكالمة ولم يجب، فأعادت الاتصال مرة أخرى.
استيقظ على صوت رنة الهاتف العالية. نظر حوله عاقدًا بين حاجبيه وتناول الهاتف ليجيب بنبرة نعاس:
إيه يا حبيبي عاملة إيه؟
تركت الهاتف على الفراش بعد أن فتحت مكبر الصوت وقالت بحزن وهي تبدل سترة طفلتها بأخرى:
حبيبي انت كنت نايم.
أه يا روحي نمت شوية في العربية.. المهم طمنيني عليكم.
بخير الحمد لله يا حبيبي.. هبعت الولاد عند نانا لحد ما أجيلك علشان أشوف عمرو.
رفع نظارته الشمسية على مقدمة رأسه متسائلاً:
هي زهره مش في البيت؟
شعرت بالحزن وأخذت تفكر بماذا تخبره، بينما وضعت آسيا كفها الصغير على الهاتف تنادي والدها بصوتها الطفولي. ابتسم رغمًا عنه عندما استمع إلى نبرة صوتها الذي اشتاق إليها كثيرًا وتمنى لو كانت أمامه الآن ليضمها إلى صدره:
يا روح بابا وحشتيني.
أخذت تتحدث معه بكلمات طفولية، بعضها مفهوم والبعض الآخر لا. لكنه يبادلها بالحديث كأنه يفهمها. فابتسمت ندى على ذلك الحوار الرائع وجلست تمشط شعرها الصغير فرصة لانشغالها. عقب انتهائها، أخذت الهاتف وضعته على أذنها بعد أن كتمت الصوت. نهضت لتقف بجوار والدتها وتبكي من أجل الهاتف، لكنها ابتعدت عنها برأسها قليلاً قائلة:
ساعة بإذن الله وهكون عندك.
في انتظارك يا روحي.. ما قولتيش زهره فين؟
أه زهره.. حصل خلاف بسيط بينها وبين والدتها، لما أشوفك هقولك.
وبعد حديث آخر طال لدقائق قليلة، أنهت المكالمة وقامت بتبديل ثيابها البيتي بفستان مستردة طويل مزين بحزام بسيط أسفل صدرها من خيط الخيش البني، وخبأت شعرها بحجاب أبيض جعلها أميرة. ثم تناولت حقيبة تليق بثيابها وحذاء أبيض رياضي. ثم حملت طفلتها وهبطت إلى الطابق السفلي. تركتها مع أختها حتى لملمت زجاج الأطباق التي قد كسرتها رنا. بعد انتهائها، مشطت شعر أشرقت ورفعته على شكل كعكة في منتصف رأسها، ثم أخذتهم وغادرت المنزل.
***
عند وصولها، صفت السيارة جانبًا وترجلت تنظر حولها لتجد سيارة رحيم. اتجهت نحوها ووقفت تنظر إلى الداخل بواسطة النافذة لترى داخلها. ففتحت الباب وجلست على المقعد وهي تقول بلهفة اشتياق واضحة:
وحشتني جدًا.. وحشتني.. وحشتني.
نظر إليها مبتسمًا واحتضنها بشدة وقال بعد أن قبلها على كتفها:
وحشتي قلبي وعيوني يا روحي.
ثم ابتعد عنها ليمسح بكفه على وجنتها، فمسكت بكفه وقالت بنبرة بكاء:
البيت وحش من غيرك.. ربنا يخليك ليا.
يا رب ويخليكِ ليا يا روحي.
صدح صوت الهاتف الخاص به، فأخذه من شاحن السيارة وأجاب على الضابط صديقه. أخبره بعنوان صاحب السيارة، كما أنه أعطى له الكثير من المعلومات. شكره بامتنان شديد ثم أنهى معه المكالمة. نظر إلى حبيبته الذي اشتاق إليها كثيرًا ومسك بكفها، رفعه إلى حيث شفتيه ليطبع عدة قبلات حانية عليه، ثم طلب منها أن تنزل.
ترجلا من السيارة ومسك بكفها، ثم دلفا إلى الداخل. وصعد الاثنان إلى الطابق المنشود بواسطة المصعد الكهربائي. عند خروجهما، اتجها إلى الغرفة التي بها عمرو. عند قربه منها، توقف عن السير عندما رأى الضابط يتحدث مع والديه. توقفت ندى أيضًا ناظرة إليه وتساءلت:
وقفت ليه؟
فاق على سؤالها ونظر إليها يومئ على أن لا يوجد شيء. ثم أكمل السير برفقتها ووقف ينظر إلى المحقق. نظرت الوالدة إلى رحيم وأشارت إليه قائلة:
ده صديقه ويعرف عنه حاجات أكتر مننا.
نظر المحقق إليه وصافحه مرحبًا به، ثم استأذنه رحيم ليتحدث معه جانبًا. وافق ووقف معه جانبًا، في حين احتضنت ندى والدة عمرو وقالت بود:
حمد الله على سلامة عمرو يا طنط.
قالت وهي تربت على كتفها:
الله يسلمك يا بنتي.. أنتِ مرات رحيم؟
ابتعدت عنها قليلاً تومئ بالإيجاب، ثم نظرت إلى والده قائلة بهدوء:
بإذن الله يقوم بالسلامة يا عمو.
يا رب.
جلست والدته وهي تجلسها معها على المقعد المجاور لها. أما رحيم فتحدث مع المحقق للحظات، فتساءل الأخير:
طيب يا أستاذ رحيم، ماتعرفش أستاذ عمرو عنده أعداء ولا لاء؟
لاء عمرو الناس كلها بتحبه.. اللي ضرب عمرو ممكن كان يقصدني أنا وهو فداني، أو ممكن قاصد عمرو علشان يقهرني.. يعني أنا المقصود في الحالتين.
أومأ بتفهم وتساءل بجدية:
طيب بتشك في مين؟
فكر للحظات يحك ذقنه بأنامله، ثم رفع سوداويته إليه وقال بجمود:
أنا مش بشك، أنا متأكد.. واحد مسجون لكن أكيد له ناس بره.. اسمه تميم الشاذلي وللأسف يبقى ابن عم مراتي.
تمام، إحنا هنستجوبه ونعرف منه بعت مين علشان يعمل كده.
وأنا هتابع مع حضرتك التحقيق.
صافحه المحقق واستأذن ليغادر. انتظر هو للحظات ثم نادى ندى، فنظرت إليه ثم نهضت متجه إليه ووقفت أمامه، فتساءل باهتمام:
إيه اللي حصل مع رنا وزهره؟
تطلعت إليه بحزن واضح وقصت عليه ما حدث بالتفصيل، ليشعر بالقلق على ابنة شقيقته. وقبل أن يسأل عنها، أجابت ندى على ذلك السؤال قبل أن ينطق به:
لكن هي الحمد لله بخير وأستاذة رنا وعلاء معاها.
جز أضراسه بحنق شديد، قائلًا بنبرة عتاب:
ليه رنا توصلها للمرحلة دي.
خير الحمد لله.
خرج الطبيب ووقف يتحدث مع والديه يطمئنهم على حالة ابنهما الوحيد. بمجرد أن رآه، مسك بيد زوجته الحبيبة واتجه إليه ووقف يسأل عن حالة صديقه، ليجيب مبتسمًا:
اطمن، هو بخير، وإلا ما كنتش نقلته من العناية.
ابتسم رحيم وأخذ يشكره بامتنان شديد، فربت الطبيب على كتفه واستأذن ليغادر. دخل الجميع إلى الغرفة لتطمئن قلوبهم عليه أكثر. وقف إلى جوار الفراش ينظر إليه بابتسامة قائلًا:
حمد الله على سلامتك يا حبيبي.
قبل أن يرد، قالت ندى مبتسمة:
ألف سلامة عليك أستاذ عمرو.
عمرو بوهن:
الله يسلمك.. والله يسلمك يا رحيم.
انحنى بجذعه قليلاً وقال بجدية:
قوم يا بطل، أنا محتاجك.
ابتسم إليه ثم أدار رأسه إلى الاتجاه الآخر حيث يقفان والداه وقال بصوت منخفض:
أنا بخير الحمد لله.
استأذن رحيم واعدًا له بزيارة أخرى، والآن سيتركه مع والديه. مسك بكف زوجته وخرجا من الغرفة، بل وأيضًا من المشفى، ووقفا عند سيارة ندى.
يلا يا حبيبي روحي أنتِ علشان الأولاد، ولما توصلي طمنيني.
وضعت كفها على صدره بلطف وقالت بحزن:
تعالى معايا.. لازم تنام وترتاح شوية.
رفع كفه ووضعه على كفيها وقال مبتسمًا:
أنا بخير طالما قلبي بينبض بِحبك.
اتسعت ابتسامتها ووجدت نفسها تحتضنه، فبادلها بالعناق وقبلها على جانب رأسها. بعد لحظات، ابتعدت عنه قليلاً وتساءلت باهتمام:
طيب قولي هتروح فين؟
هشوف زهره وبعدين هاخد علاء وهنروح مشوار على السريع كده وأجيلك.
وأنا هستناك.. بحبك.
قالت آخر كلمة بمشاكسة، فقبلها على جبينها بقبلة حانية، ليعود بالنظر إليها ثانية وقال بِحب:
بعشقك يا قلب رحيم.
ودعته بقبلة عبر الهواء، ثم استقلت سيارتها وغادرت إلى وجهتها. انتظر حتى اختفت السيارة عن عيناه. ثم استقل سيارته وغادر إلى وجهته هو أيضًا.
***
" القصر.. "
صفت السيارة أمام البوابة الرئيسية وترجلت. في ذات الوقت، صدح صوت الهاتف داخل حقيبة يدها فأخرجته وهي تفتح الباب الخلفي. ثم نظرت إلى شاشته التي تضيء باسم السيدة وفيه. أجابت فورًا وهي تشعر بالقلق.
السلام عليكم.
ردت بنبرة حزن واضحة:
وعليكم السلام يا بنتي.. نجلاء هانم رجليها ألتوت وهي بتجري لما عرفت خبر زهره وهي تعبانة ومش قادرة تمشي.
شعرت بالحزن الشديد عليها وفكرت للحظات وهي تنظر إلى كلا من ريان وأشرقت المنتظرين فتح باب المنزل، ثم قالت بحزن شديد:
الف سلامة عليها.. أنا هبعتلك السواق يجيبها تقعد معايا يومين وهيكون في دكتور في انتظارها.
طيب يا بنتي يسلم قلبك الطيب.
ابتسمت رغم ما تشعر به من الحزن، وأنهت المكالمة. وقد سأمت حقًا مما يدور حولهم من قلق ومشاكل، وبعد ذلك التفكير رفعت مقلتيها إلى الأعلى متمتمه:
الحمد لله على كل حال.. الحمد لله.
ثم حررت طفلتها من المقعد المخصص للأطفال وحملتها. من ثم نادت على أحد الحرس ليأتي على الفور. أعطت له مفتاح السيارة وطلبت منه أن يذهب ويجلب نجلاء هانم إلى هنا، لينفذ طلبها على الفور. ثم فتحت الباب ودلفوا إلى الداخل وركضت أشرقت إلى الدرج قائلة:
هطلع أكتب واجبي.
اوكي يا روحي لو عاوزتي حاجة ناديني.
ثم نظرت إلى ريان متسائلة:
مش عندك واجب؟
عندي وهخلصه.. بس كنت عايزة أسألك بابي هيدربني امتى؟
مسحت على شعره ثم أحاطت كتفه واتجهت إلى الدرج برفقته قائلة:
يومين بإذن الله.. ادعي وانت بتصلي أن عمو عمرو يخف.
حاضر.
صعدا إلى الطابق العلوي وتركته يدخل غرفته، ودلفت هي إلى غرفتها. وضعت طفلتها النائمة على الفراش برفق، ثم جلست على حافته واتصلت على رحيم الذي أجاب على الفور. اطمئن الإثنان على بعضهما البعض وأنهت معه المكالمة دون أن تخبره بما حدث مع والدته كي لا يقلق أكثر.
بعد انتهاء المكالمة اتصلت على صديقتها جميلة، وأجابت بعد لحظات. بعد تبادل السلام بينهم، طلبت منها طبيبًا من أجل والدة زوجها. استجابت إلى طلبها فقالت ندى بحزن:
تقلت عليكي يا جميلة.
أبداً يا روحي، إحنا أخوات.. نص ساعة بإذن الله ودكتورة صحبتي هتكون عندك.
شكرتها بامتنان شديد ثم أنهت معها المكالمة. ثم نزعت الحذاء من قدميها لتريح بدنها على الفراش.
***
" بعد مدة من الزمن.."
صدح صوت الجرس في جميع أنحاء المنزل. لتترك الفراش وارتدت حذائها المنزلي، من ثم ركضت إلى الخارج وهبطت الدرج متجه إلى الباب. عند وصولها إليه، فتحت إياه لتجد السيدة وفيه تساعد سيدة نجلاء على السير. أسرعت بإمساك يدها الأخرى وساعدتها على الدخول حتى وصلوا بها إلى أقرب أريكة وأراحت بدنها عليه تتأوه بشدة.
نظرت إلى قدمها اليمين المصابة، لتراها ورمة بشدة كما أنها اصطبغت باللون الأحمر. مسحت عليها برفق شديد وهمت أن تتحدث، لكن دق جرس الباب من جديد. ولأنه مفتوحًا، وقفت الطبيبة تنظر إليهما. فرحبت ندى بها:
أهلاً وسهلاً يا دكتور، اتفضلي.
تقدمت نحوها وصافحت كلًا من السيدة وفيه وندى، ثم جلست على المنضدة المقابلة للأريكة وقامت بفحص القدم. بعد ربع ساعة تقريبًا، وضعت ضمادات حوله كما أنها كتبت له على مسكن لوقت الحاجة ودهان. أخذت ندى الورقة ومضت برفقتها إلى الخارج وهي تشكرها بامتنان، وقبل أن تغادر أعطت لها المال المطلوب. ثم عادت إلى نجلاء وجلست على ركبتيها على الأرض متسائلة:
عاملة إيه دلوقت؟
الحمد لله.
الحمد لله.. الدكتورة طمنتني وقالت إنها حاجة بسيطة بإذن الله.
ثم نهضت عن الأرض ونظرت إلى سيدة وفيه قائلة:
هروح أجيب العلاج وأجي.. خدي بالك من الأولاد وآسيا نايمة في أوضتي.
حاضر يا حبيبتي.
***
بعد أن اطمئن على حالة ابنة شقيقته، خرج من المشفى برفقة شقيقه واستقلا السيارة ليغادر إلى وجهته. ذهب معه ولم يفهم شيئًا، فتساءل:
فهمني رايح فين؟
لما نوصل هتفهم.
لازم أفهم دلوقت.. قولي فيه إيه؟
رمقه بنظرة سريعة وتنهد بنفاذ صبر على إصراره وقال بجدية:
رايح للي ضرب عمرو بالنار.. مش هرتاح غير لما أجيب حقه بإيدي.
حملق به في دهشة وأخذ يوبخه:
انت رايح للمجرم بنفسك.. اللي بتعمله ده جنان يا رحيم والأحسن تبلغ البوليس.
ما هو البوليس زمانه عرف مكانه وأنا لازم أوصل قبلهم.
ضرب كف على كف، والأفضل أن يصمت، فحديثه لن يغير شيء من تفكير شقيقه.
بعد ساعة إلا ربع تقريبًا، وصل إلى المكان المنشود. صفت سيارته أمام الشارع وترجل، فترجل علاء أيضًا ينظر حوله ليجد نفسه داخل حارة من الحارات القديمة والبسيطة. تحرك رحيم مشيرًا إلى شقيقه أن يأتي معه، فسار بجواره. أخذ ينظر في كلا الاتجاهين يبحث عن ورشة لتصليح السيارات، حتى رآها أخيرًا ويجلس اثنان من الرجال أمامها.
وقفا أمامهم وتساءل رحيم عن الذي يبحث عنه، فأخبره أحدهم بأنه في الداخل. دلفا إلى الداخل وأخذ رحيم يناديه، فخرج من غرفة مجاورة يجفف يديه بالمنشفة. لكنه وقف يحدق في رحيم في ذهول واضح، حتى ترك المنشفة تسقط من بين يديه. تمالك أعصابه وتساءل بثبات:
خير يا باشا، عربيتك محتاجة إيه؟
ابتسم بخفة وقال ساخرًا:
الحقيقة أنت اللي محتاج تصليح مش عربيتي.. اقفل الباب يا علاء.
نفذ أمر أخيه وبالفعل أغلق باب الورشة. فتقدم رحيم إليه وأخذ بتلابيبه عنوة وهو يسأل من بين أسنانه:
كنت تقصدني أنا ولا عمرو؟
حاول التحرر من قبضته وهو يقول بحنق:
مش فاهم بتتكلم عن إيه.
فاجأه بضربه قوية على أنفه بواسطة رأسه، فتأوه بلهفة. فيما تركه رحيم وسدد له عدة ضربات قوية بطريقة عشوائية وهو يكرر سؤاله ثانية بغل واضح. سقط على ركبتيه بعد أن امتلأ وجهه بالدماء، فقال علاء بحده:
رحيم كفاية، هيموت في إيدك.
لم يصغِ إلى شقيقه وقبض على عنق ذلك المجرم يكرر له سؤاله، فأجاب بصوت منخفض للغاية:
عمرو.
إيه علاقتك بتميم الشاذلي؟
ثم ترك عنقه فسعل عدة مرات، ثم جلس على الأرض وأخذ يقص عليه كل شيء كي يفلت من شره:
تميم صاحبي كان بيسرق العربيات ويجي لي أفكه ونبيعه قطع غيار ونختفي فترة لحد ما المحضر يتقفل.. في يوم سرق أبوه وسافر بره، بعدها بفترة بعت لي وسافرت علشان أساعده في العربيات اللي بيسرقها.. ولما حسينا إن العين هتيجي علينا، أنا فلّت ورجعت مصر وهو حصلني بعدها بفترة.
السعال قطع حبل كلماته وطلب تناول الماء، فقبض على مرفقه لينهضه بعنف طالباً منه أن يكمل حديثه. فتابع بصوت مبحوح:
هو قالي ورث عشرة مليون هياخدهم من بنت عمه، لكن انت وقفت قدامه ودخلته السجن.. روحت أشوفه وقالي على كل حاجة وطلب مني ننتقم منك علشان ضيعت مننا عشرة مليون جنيه.. قالي اقتل صاحبك عمرو وبعده أخوك وبعدين ولادك.
انتوا عاملين عليه عصابة.
ثم بدأ يسدد له عدة ضربات قوية بغل واضح وهو يلعنه ويلقبه بأفظع الألفاظ. ركض علاء إليه وحاول إبعاد شقيقه، لكنه لم يتوقف عن ضربه وأخذ يركله بقدمه بكل ما فيه من قوة. اندفع علاء بحده:
كفاية، هيموت في إيدك.
نجح في أن يبعده عنه قبل أن يأخذ روحه بين يديه. فأرجع رحيم خصلات شعره الكثيفة عن عيناه وهو يتطلع إلى ذلك الندل بعينين سكانهما الجحيم ومازال يلعنه. جذب شقيقه كي يخرجه من ذلك المكان قبل أن يتهور ويقتله. فكلمات ذلك المجرم الأخيرة جعلته يجن حقًا ولم يحسب تصرفاته.
خرجا من ذلك المكان وأغلق علاء باب الورشة خلفه ثم لحق بأخيه. بعد ذلك استقلوا السيارة وانتظر رحيم داخلها لدقائق يراقب الورشة، يخشى أن يستطيع الهرب قبل أن تأتي الشرطة. لكنه ضربه ضرباً جعله يشعر بالعجز حتى لم يستطيع أن يستغيث بأحد.
جاءت الشرطة أخيرًا واقتحمت الورشة ليراه المحقق في حالة يرثى لها. أمر بإحضاره، فقبض اثنان من العساكر على مرفقي يديه وخرجوا به من ثم أدخلوا إلى سيارة الشرطة. تنهد رحيم بعمق ثم شغل السيارة وغادر إلى وجهته.
***
" مساء ذات اليوم.."
دقت الساعة الثانية عشر صباحًا ومازالت مستيقظة في انتظار حبيب نبضات قلبها. التي لم تغفُ إلا وهي بين أضلاعه التي تحتويها. نظرت إلى ساعة يدها ثم تنهدت بحزن وألم واضح من الاشتياق. ثم نظرت إلى طفلتها النائمة داخل فراشها، بعدها نهضت عن حافة الفراش ووقفت أمام باب الشرفة الزجاجي.
بعد دقائق استمعت إلى صوت الباب ينفتح. فالتفتت بلهفة لتجد نفسها تبتسم بمجرد أن رأته، بينما هو أغلق الباب وتقدم نحوها فاتحًا ذراعيه، فارتمت داخل أحضانه تعانقه بشدة. فعانقها هو بشق الأنفس وقبلها عنوة على رأسها.
وحشتني يا رحيم.. قلبي وجعني من كتر الاشتياق.
قالت كلماتها بلهفة اشتياق واضحة، فارتكز بذقنه على رأسها قائلًا بروح الاشتياق:
يا روحي.. يا روحي وحشتي قلبي وحضني.. ربنا يخليكِ ليا يا حبيبي.
يا رب ويخليك ليا يا روحي.
ثم رفعت رأسها إليه وتركت خصره لترفع يديها واحتضنت وجنتيه هامسة:
أنا روحي فيك.. عارفة إنهم يومين صعبين جدًا لكن كله هيعدي بإذن الله.
مسك بمعصمي يديها وطبع قبلة حانية للغاية على كلًا من راحتي يديها، فشعرت باختطاف روحها من بدنها بتلك القبلة. ثم ابتسمت ابتسامة رقيقة خاصة به، فرفع عيناه إليها وابتسم هو الأخير قائلًا:
أنتِ عملي الجميل في الدنيا ووجودك بيصبرني على الأيام الصعبة.
رفعت نفسها قليلاً على أطراف أصابعها لتطبق شفتيها على وجنته بنعومة، فأغمض عيناه مبتسمًا. ثم نظر إليها عندما ابتعدت عنه قليلاً هامسة:
يلا خد شاور وهستناك.
قبلها على وجنتها ثم تركها ودلف إلى الغرفة المجاورة ليأخذ ما سيحتاج إليه من ثياب، من ثم خرج ودلف إلى المرحاض. مددت هي على الفراش مستندة بظهرها إليه متمتمه:
الحمد لله.. الحمد لله.
خرج من المرحاض بعد أن انتهى من الاستحمام ووقف أمام المرآة يمشط شعره. ثم اتجه إلى الفراش ومدد إلى جوارها واستند برأسه على صدرها حيث يجد الراحة والأمان. احتوته بقلبها وروحها قبل ذراعيها تتنهد بهدوء بفضل وجود زوجها الحبيب داخل أحضانها. وجد نفسه يبتسم وقال بنبرة نعاس:
من فرحة قلبي إني بين أحضانك ناسي إنه ينبض.
ابتسمت هامسة برقة:
نبضات قلبك بتنبض بقلبي.
ابتسمت عيناه التي تجعله أكثر جمالاً وجاذبية، ثم أغمضهما مستسلمًا إلى النوم بكل أريحية. بينما هي أغمضت عينيها بعد أن شعرت بهدوء قلبها ودقاته التي تدق من كثرة السعادة والحب الذي يغمرها.
رواية حب رحيم الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم سمر عمر
بالداخل ساعدت السيدة نجلاء على النهوض وأخذتها إلى المرحاض وساعدتها في الوضوء.
ثم فردت لها السجادة في الحديقة كما طلبت ووضعت مقعد أمامها، وساعدتها على الجلوس وبدأت صلاتها.
جلست هي على الأريكة وبعد لحظات خرجت آسيا ساحبة صندوق صغير من اللعب، قامت بإفراغه وجلست تلعب بمرح تحت أعين والدتها.
عقب انتهائها من الصلاة رفعت يديها تسأل الله أن يشفي زهره، كما إنها دعت لندى كثيرًا وابنائها أيضًا.
بعد دقائق من الدعاء المستمر نادت ندى، فنهضت على الفور متجهه نحوها قائلة:
- نعم.
- قوميني يا بنتي.
ساعدتها على النهوض وأخذتها إلى حيث الأريكة كي تمدد عليها، ووضعت وسادة خلف ظهرها.
بعد ذلك قامت بسحب رباط الضغط برفق لتضع لها الدهان وبدأت تحرك يدها بشكل دائري.
نظرت إليها مبتسمة وقالت بخجل واضح:
- ربنا يجازيكِ خير يا بنتي، حقيقي خجلانة منك.
- بلاش تقولي كده، حضرتك زي مامتي، كفاية دعوات حضرتك ليا ولولادي.
نظرت إليها بنظرة فخر واضحة.
في حين انتهت الأخيرة ووضعت رباط ضغط جديد حول قدمها المصابة.
بعد ذلك بدأت تتحدث معها كثيرًا وأخبرتها عن والدتها وكم هي كانت أم لطيفة ورائعة.
***
المشفى.
- مش عارفه اشكرك ازاي أنتِ وندي.
قالت رنا كلمتها بامتنان شديد فابتسمت جميلة بود قائلة:
- ده واجبي، وبعدين ندى غالية عندي جدًا وكل اللي يخصها.
ثم نظرت إلى زهره متابعة:
- حمد الله على سلامتك يا زهره.
- الله يسلمك.
دق الباب فآذنت رنا بالدخول ليدخل علاء حاملًا باقة ورد حمراء.
حملقت جميلة به لكن سرعان ما أشاحت بوجهها بعيدًا لكونها شعرت بالتوتر الشديد وقلبها يقرع كالطبول.
بينما هو اتجه إلى ابنة شقيقته ووقف إلى جوار الفراش، قبلها على جبينها بحنان ثم تحدث مبتسمًا:
- الف سلامة يا قلب خالو.
ابتسمت قائلة:
- الله يسلمك.
سلمها باقة الورد فوضعتها إلى جوارها متمتمة له بالشكر.
رفع جذعه ينظر إلى جميلة بنظرة اشتياق واضحة وتساءل بحزن:
- عاملة ايه يا دكتورة؟
ابتلعت لعابها بصوت مسموع وقالت بنبرة توتر:
- الحمد لله، عن اذنكم.
اتجهت إلى الباب تحت أنظار الجميع.
عندما خرجت وضعت كفها أعلى صدرها تلتقط أنفاسها بهدوء شديد.
أما بالداخل لاحظت رنا توترها حتى لاحظت شرود شقيقها ناظرًا إلى الباب الذي خرجت منه جميلة للتو.
تساءلت في شك:
- فيه بينكم حاجة؟
فاق من شروده والتفت برأسه إليها قائلًا:
- نعم، قولتي ايه؟
ابتسمت وجلست على الأريكة وهي تكرر سؤالها فمسح على شعره من الخلف قائلًا:
- أبدًا، ليه السؤال الغريب ده؟
- هو مش سؤال غريب، اصل هي توترت جدًا أول ما جيت.
ألقى نظرة على زهره التي تتابع حديثهم باهتمام واضح، ثم نظر إلى شقيقته قائلًا من بين أسنانه:
- بعدين نتكلم في الموضوع ده.
نهضت عن الأريكة متجه نحوه وامسكت بكفه ثم عادت إليها ثانية برفقته وجعلته يجلس إلى جوارها وهي تقول بإصرار:
- نوه نتكلم دلوقت.
مسح على لحيته يرميها بنظرات مليئة بالتذمر وقال مضطرًا:
- الحقيقة أنا معجب بيها وبحبها لكن خلاص بحاول أخرجها من دماغي، لأن في دكتور زميلها أتقدم لها واكيد هتوافق.
- أنت اعترفت لها بِحبك؟
- أه طبعًا ولا لقيت منها أي رد، يعني بترفض بهدوء.
ربتت على يده وقالت بحزن من أجل أن تواسيه:
- ده نصيب يا حبيبي ولا تزعل نفسك.
- الحمد لله على كل حال، المهم أنا همشي دلوقت علشان عندي شغل.
أومأت بالإيجاب فنهض عن الأريكة وقبلها على رأسها وودع زهره بقبلة مثلها وخرج مغلقًا الباب خلفه.
لم يتجه إلى الدرج مباشرةً بل أخذ يمضي داخل الأروقة على أمل أن يراها.
ظل على هذا الوقت لثلاثة دقائق تقريبًا حتى يأس واتجه إلى المصعد الكهربائي.
لكن وهو في طريقه رآها تخرج من أحد الغرف ووقفت تتحدث مع الممرضة.
توقف كالصنم يتأملها بتمعن شديد حتى لم يرمش له رمش خوفًا من أن تمضي ثانية دون أن يراها.
شعر بالألم داخل قلبه يمزقه بشدة، فحقًا يعشق تلك الفتاة أشد عشقًا.
تنهد بألم عاقدًا بين حاجبيه وبكل هدوء التف ليواليها ظهره وتابع السير لكن ببطء شديد.
أنهت حديثها مع الممرضة ومضت في طريقها لترى ذلك الشخص أمامها فعلمت بإنه هو علاء.
مضت هي الأخرى بخطوات بطيئة وحركت شفتيها باسمه فقط لا تستطيع أن تنطق به.
تود أن تتحدث معه وتخبره بالكثير من المشاعر المختلطة لكنها تشعر بالخجل الشديد منه.
قبل أن يدخل إلى اليسار فكر أن ينظر إليها للمرة الأخيرة وبالفعل التف برأسه فقط ليتفاجأ بها خلفه.
شهقت بلهفة وتوقفت عن السير تنظر إلى الأرض في رهبة من الخجل.
التف بكلته ومد يده إليها فنظرت إليها للحظات ثم صافحته وسرعان ما سحبت يدها من يده قائلة:
- أطمن حالة زهره مستقرة وممكن تخرج النهاردة إذا حبت.
- شكرًا لاهتمامك يا دكتورة.
- العفو.
انتظرت أن يتحدث ثانية لكنه لم يفعل ومضت لحظات على صمتهم فقالت هي بنبرة توتر حاولت جاهدة أن تخفيها لكنها فشلت:
- أنت.. أنت كنت طلبت مني اعالجك.
لاحت ابتسامة ماكرة على ثغره قائلًا:
- اه لكن قولتي أن الخمر مش إدمان.
- هو فعلًا مش إدمان وممكن تمنع نفسك بدون طبيب، لكن طبعًا في حالة لو فشلت لازم تتابع مع طبيب.
عقب انتهائها رفعت مقلتيها للحظة ثم وضعت شعرها خلف آذنها.
قال بهدوء:
- وأنا قدرت اعالج نفسي لكن بمساعدتك.
- مش فاهمة ازاي بمساعدتي؟
تساءلت بعدم فهم فقطب جبينه ناظرًا إليها بنظرة حب صادقة هامسًا:
- لما حبيتك.
اصطبغت وجنتيها بحمرة الخجل واستمعت إلى دقات قلبها في آذنيها وقالت كي تهرب منه قبل أن تسقط بين يديه:
- ممكن نكمل كلامنا بعدين علشان عندي شغل.
- جميلة أنا في انتظار سماع ردك، لو رافضة حبي مستحيل اضايقك تاني.
شعرت بالحيرة والتوتر معًا قائلة:
- ممكن تبقى تكلمني.
- طبعًا ضروري نتكلم.
***
المشفى.
جلس على المقعد المجاور إلى الفراش ينظر إلى صديقه مبتسمًا وقال:
- حمد الله على سلامتك يا بطل.
- الله يسلمك.
- ربنا يخليك يا بني ويبارك لنا فيك، وشكرًا على اللي عملته مع عمرو.
قالت والدته كلماتها بابتسامة واسعة فالتفت إليها برأسه قائلًا:
- شكر ايه بس عمرو أخويا وسندي.
- ربنا يخليكم لبعض.
الاثنان في آنٍ واحد:
- يا رب.
ثم أردف عمرو بنبرة قلق:
- بس ليه مش عارف احرك دراعي.
انتبه رحيم إلى كلماته ومسح على كتفه برفق قائلًا:
- ممكن تأثير من العملية بس، خير بإذن الله.
ثم عاد بالنظر إلى الوالدة وتساءل باهتمام:
- امال عمو فين؟
- راح يشوف شغله بعد ما اطمن على عمرو وقال هيجي بليل.
أومأ بتفهم ثم نهض عن المقعد واستأذن لدقائق فقط وغادر.
وقف عند موظفة استقبال ذلك الطابق وتساءل عن الطبيب المسؤول عن حالة صديقه لترشده بمكانه.
شكرها ثم اتجه إلى حيث يوجد الطبيب وعند وصوله دق الباب.
دخل بعد أن آذن بالدخول مغلقًا الباب خلفه وجلس على المقعد المجاور إلى المكتب بعد أن صافح الطبيب.
تبادل السلام بينهم ثم تساءل رحيم في قلق:
- ليه عمرو مش قادر يحرك دراعه؟
- طبيعي مستر رحيم، دي رصاصة، بعيد الشر الرصاصة دي ممكن تعمل شلل في الجسم يعني حاجة مش سهلة خالص.
انتابه الشعور بالقلق الشديد على حالة صديقه وتساءل في حزن:
- يعني بعد فترة هيقدر يتحكم في دراعه تاني؟
قال كي يطمئنه:
- بإذن الله مع التمارين هيبقى أحسن.
أومأ بتفهم ثم نهض عن المقعد قائلًا:
- شكرًا يا دكتور وشكرًا على مجهودك.
- ده واجبي، ربنا يتم شفائه على خير.
تنهد بنبرة مؤلمة قائلًا:
- يا رب.
ثم استأذن وغادر عائدًا إلى صديقه وجلس إلى جواره يتحدث معه في الكثير من الأمور المختلفة.
***
القصر.
وقفت أمام بوابة المنزل الرئيسية في انتظار الأولاد بشغف كبير.
وابتسمت عندما رأت الحافلة متمتة بشكر الله على وصولهم سالمين.
دخلا من البوابة وركض الاثنان إليها قابلتهم بالعناق والقبلات قائلة:
- حمد الله على سلامتكم.
الاثنان في آنٍ واحد:
- الله يسلمك.
أخذتهم إلى الداخل وأمرتهم بأن يقوموا بدورهم اليومي بمجرد أن يأتون إلى المنزل.
فصعد كلًا منهم إلى غرفته لتبديل ثيابهم.
ركضت هي إلى المطبخ وساعدت السيدة وفيه والمساعدة الأجنبية في تحضير الغداء.
عقب انتهائهم جلس الجميع حول مائدة الطعام لتناول وجبة الغداء.
كانت تطعم طفلتها الصغيرة الجالسة على المقعد المخصص للأطفال والسيدة نجلاء تنظر إليها من حين لآخر.
وبعد صمت طال لدقائق قالت السيدة نجلاء بهدوء وبدون مقدمات:
- ندى أنا بعتذر لك بالنيابة عن عن بنتي رنا.
اندهشت من كلماتها حقًا متسائلة:
- ليه بتقولي كده؟
أجابت بحزن واضح:
- لاني كنت عارفه باللي بتعمله معاكِ وفضلت ساكته، كان المفروض امنعها.
- حضرتك مالكيش أي ذنب، وأنا مسامحة أستاذة رنا علشان خاطرك وخاطر رحيم وكمان هي عمة ولادي.
ابتسمت واحتارت حقًا بها قائلة:
- أنا محتارة فيكِ، حقيقي بنت أصول.
ابتسمت برغم ما تشعر به من حزن وقالت بجدية وهي مازالت تطعم طفلتها:
- على فكرة عارفه إن كان بابا غشيم، لكن الحمد لله أنا ما ورثتش منه حاجة، شخصيتي زي شخصية ماما كانت فعلًا أم عظيمة ومسامحة، الله يرحمها.
شعرت بأنها تود أن تبكي لكنها تمالكت ومسحت أسفل عينيها بظهر يدها.
شعرت الأخيرة بحزنها على والدتها وقالت كي تهون عليها:
- الله يرحمها حبيبتي مفيش حد بيموت ناقص عُمر، اعتبرني زي والدتك.
ابتسمت وقالت بتأكيد:
- حضرتك فعلًا أمي.
ابتسمت إليها بود ثم أكملوا طعامهم في صمت.
عقب انتهائهم رتبت كل شيء وساعدت كلًا من السيدة وفيه والمساعدة في ترتيب المطبخ.
***
بعد مدة من الزمن.
دق جرس الباب فركضت أشرقت إليه وفتحت إياه لترى دكتورة جميلة.
انحنت بجذعها وقبلتها على وجنتها قائلة:
- اهلًا أشرقت هانم مامي فين؟
- اهلًا، بره في الجنينة.
أغلقت الصغيرة الباب وركضت إلى الحديقة تنادي:
- مامي كلمي عمتو جميلة.
نهضت ندى تنظر إلى الباب لتجد أشرقت خرجت وتليها جميلة.
احتضنت صديقتها وبعد تبادل السلام بينهم صافحت السيدة نجلاء قائلة:
- الف سلامة عليكِ يا طنط.
- الله يسلمك يا حبيبتي.
عزمت ندى عليها بالجلوس فجلست على المقعد المجاور إلى الأريكة وجلست ندى على المقعد المقابل لها قائلة:
- إيه المفاجأة الحلوة دي؟
- قولتل اجيلك فجأة كده قبل معاد شغلي الحقيقي.
عقدت بين حاجبيها بتأثر قائلة:
- يا روحي أسفه بجد عذبتك معايا.
- أبدًا والله، دي زهره زي العسل ربنا يبارك فيها وبحب اروح المستشفى بدري عشانها.
- هي عاملة ايه يا بنتي؟
تساءلت جدتها في توجس لتجيب مبتسمة:
- الحمد لله يا طنط بخير وكانت عايزه تخرج النهاردة، لكن قولتلها اتحملي بكره اغيرلك على الجرح واخرجي.
- ربنا يجاريكِ خير يا بنتي ندى قالتلي على اللي بتعمليه مع زهره وكمان بتروحي الشغل قبل معاده.
- ده شغلي، ولو مريض احتجني حتى لو لسه يدوب وصله البيت برجعله تاني.
ثم نظرت إلى ندى متابعة:
- أنا جيت اتكلم معاكِ.
أومأت بالإيجاب فقالت السيدة نجلاء:
- خدي صحبتك وادخلوا جوه يا ندى.
- حاضر بعد اذنك.
- اتفضلوا يا حبيبتي.
نهضت جميلة واستأذنت منها ثم دخلت برفقة ندى التي قالت موجهة حديثها إلى أشرقت:
- حبيبي ابقي بصي على اختك كل شوية لو صحيت قوليلي.
- حاضر.
أخذتها إلى غرفة المعيشة وجلست وهي تقول مبتسمة:
- فين ريان؟ بحب اشوفه وأشاكسه جدًا.
جلست إلى جوارها وهي تقول مبتسمة:
- فوق بيخلص واجباته.
أومأت بتفهم ثم اختفت ابتسامتها وقالت بهدوء:
- طبعًا متعودين نقول لبعض على كل حاجة، لكن المرة دي قولت بلاش اقولك غير في الوقت المناسب وده الوقت المناسب.
- خير يا بنتي قلقتيني.
- خير خالص.
صمتت للحظات ثم بدأت تقص عليها كل شيء منذ أول لقاء بها بعلاء حتى آخر لقاء بينهم اليوم.
لم تتفاجأ ندى كثيرًا لأنه سبق وطلب منها رقمها وسأل عنها أيضًا.
عقب انتهائها أكملت في حيرة شديدة:
- مش عارفه اخد قرار في الموضوع ده خالص ومحتارة جدًا.
- قولولي أنتِ معجبة بيه؟
حدقت بها في حيرة من أمرها وأومأت بالنفي قائلة بذات الحيرة:
- مش عارفه يا ندى، الحقيقة مش هو نفس الشخص اللي قابلته أول مره.
ندى بجدية:
- جميلة أنتِ أختي واكيد هتمنالك الخير، علاء فعلًا اتغير خالص وبقى إنسان تاني، عارفه لو لسه زي ما هو كنت هقولك لاء ابعدي عنه.
تنهدت بصوت مسموع قائلة:
- أنا لاحظت كده، لكن اللي عمله معايا في أول مقابلة مش عارفه أخرجه من راسي.
ندى بتأكيد شديد:
- لو علاء كان في وعيه مستحيل كان يعمل كده، هي بس الخمرة كانت واكله عاقلة ربنا يكره فيها أكتر.
أطرقت رأسها تفكر في حديث صديقتها في حيرة أكبر ثم تحدثت:
- لكن أنا لازم اتأكد انه بعد عن الخمرة.
- خلاص في فترة الخطوبة اعرفي عنه كل حاجة.
قالت كلماتها ببساطة لتنظر إليها مبتسمة وقالت ساخرة:
- خطوبة؟!.. علشان بابا يقولي خطوبة ايه يا اللي عديتي التلاتين سنة.
- يا روحي أنتِ لسه صغيرة، حاولي بس تقنعي.
- مش هقدر يا ندى هو مش عايز فترة خطوبة، حتى لما الدكتور زميلي اتقدم لي قولت له اعرفه فيه فترة الخطوبة، قالي انتِ فكرة نفسك عندك عشرين سنه.
ثم أردفت بحزن:
- ده أنا أقنعته اني ادخل طب بالعافية.
قالت لتهون عليها:
- أي أب بيتمنى يطمن على بنته، معذور يا جميلة.
أومأت بتفهم ثم تحدثت بجدية:
- مش موضوعنا، المهم أنا هوافق عليه لكن لو اكتشفت انه لسه بيشرب هقتله.
قالت ندى من بين ضحكاتها:
- مجنونة وتعمليها.
***
مساء ذات اليوم.
صف السائق السيارة أمام البوابة الرئيسية.
ترجل رحيم في اللحظة التي ترجل بها السائق وأعطى له مفتاح ثم ذهب هو ليقف أمام بوابة المنزل برفقة أصدقائه.
دلف رحيم إلى الداخل ليرى والدته ممددة على الأريكة تقرأ القرآن.
اتجه إليها ووقف أمامها يقبلها على رأسها، فأنهت القراءة ونظرت إليه قائلة:
- حمد الله على سلامتك يا حبيبي، اخبار عمرو ايه؟
جلس إلى جوار قدميها قائلًا:
- أحسن الحمد لله، قاعده لوحدك ليه؟
- ندى كانت قاعده معايا بعدين طلعت تطمن على الأولاد قبل النوم.
أومأ برأسه فابتسمت وتابعت بجدية:
- ربنا يبارك لك فيها، جدعة وطيبة بنت أصيلة.
ابتسم إليها وهم أن يتحدث لكنها تابعت بحزن واضح:
- مش زي اللي أنا اختارتها لك، كانت بتولع لما باجي اقعد معاكم يومين.
قبلها على ظهر يدها ثم نظر إليها وقال مبتسمًا:
- خير يا أمي، الحمد لله وجود ندى في حياتي نساني كل الماضي.
- ربنا يخليكم لبعض يا بني.
- يا رب ويخليكِ لينا.
هبطت ندى الدرج وابتسمت بمجرد أن رأت رحيم واتجهت إليه قائلة بحب:
- رحيم حمد الله على سلامتك.
رفع رأسه إليها مبتسمًا ومسك بكفها قائلًا:
- الله يسلمك يا حبيبي.
- أحضر لك الاكل بقى.
- لا أنا الحمد لله أكلت مع عمرو.
أومأت برأسها وتساءلت باهتمام:
- هو عامل ايه؟
- أحسن الحمد لله.
بعد دقائق من تبادل الحديث بين الثلاثة.
ساعد رحيم والدته على الذهاب إلى غرفتها برفقة ندى واطمئن الاثنان عليها ثم غادروا إلى حيث الجناح الخاص بهم.
احتضنته من الخلف عنوة عاقدة بين حاجبيها وهي تقول بنبرة اشتياق تشق صدرها إلى نصفين:
- وحشتني بجنون يا رحيم.
مسك بكفها ورفعه إلى حيث شفتيه وطبع عدة قبلات حانية على أنامله وتنهد بعمق قائلًا:
- وحشتيني يا روحي، قلبي وجعني النهاردة من الاشتياق.
- سلامة قلبك يا روحي.
التفت إليها وقبلها على جبينها ثم أطبق شفتيه على أنفها يقبلها برفق شديد.
بعد ذلك احتضنها عنوة مرتكزًا بذقنه على رأسها قائلًا:
- أنتِ الحضن اللي برتاح فيه.
- ربنا يخليك ليا يا روحي.
- يا رب.
ثم تركها ودلف إلى المرحاض كي يضع بدنه أسفل الماء.
في حين مددت ندى على الفراش جاذبة الغطاء إليها وبعد ربع ساعة تقريبًا خرج من المرحاض ووقف يمشط شعره ثم نفث القليل من عطره المفضل.
عقب انتهائه اتجه إلى حيث تجلس زوجته العزيزة روح قلبه.
ومدد إلى جوارها ووضع رأسه على صدرها حيث يجد السكينة والهدوء.
ضمه إليها ومسحت بكفها على شعره.
بعد لحظات من الصمت قال بهدوء:
- روحت اشوف زهره قبل ما اجي وبإذن الله هتخرج بكرة، عايزه تيجي تقعد هنا.
- ايه المشكلة؟
رحيم بحنق:
- المشكلة رنا، مش عايزاها تجي تقعد هنا تاني.
زمت شفتيها في حزن وقالت محاولة إقناعه:
- عادي يا حبيبي هي هتقعد علشان بنتها.
- خلاص خلينا نقفل الحوار ده.
قال كلماته بسأم فابتسمت ومررت أناملها بين خصل شعره قائلة:
- حاضر يا حبيبي.
ثم قبلته على رأسه واستندت بوجنتها على رأسه قائلة بنعومة:
- أحلامك سعيدة.
- أحلامي كلها ندى، أحلامك سعيدة يا روحي.
***
بعد أن انتهت من فحص المريض خرجت من الغرفة وجلست على أحد المقاعد.
ثم أخرجت الهاتف من جيب معطفها الأبيض لتنظر إلى شاشته.
ويبدو أنها في انتظار شيء ما لكونها تنظر إلى الهاتف في كل فنينه وأخرى.
زفرت بنفاذ صبر وأخذت تتساءل في حيرة لما هو لم يتصل بها حتى الآن.
أما هو فأراح بدنه على الفراش وهي عالقة برأسه.
أخذ يتلملم إلى اليمين تارة وإلى اليسار تارة أخرى يحاول جاهدًا أن يخلد إلى النوم لكنه لا يستطيع.
بفضل تفكيره بالجميلة التي خطفت قلبه برقتها وهدوئها.
فكر ثانية أن يتصل بها لكنه تراجع عن قراره.
لأنه يعلم جيدًا إنها الآن منشغلة بعملها ولا يود أن يزعجها.
لم يعلم إنها أيضًا تفكر به وتنتظر مكالمته بفارغ الصبر حتى وهي تعمل.
شعرت بالكثير من المشاعر المختلطة بين حزن واشتياق للحديث معه.
كما إنها تشعر بحالة حب تعجب قلبها من تلك الحالة.
لدرجة أن عقلها أوحى لها أن تهاتف صديقتها وتطلب منها رقمه كي تتصل هي.
لكن سرعان ما أخرجت تلك الفكرة من رأسها.
عَين هو المنبه على الساعة العاشرة صباحًا ووضع الهاتف على المنضدة الصغيرة.
ثم وضع رأسه على الوسادة قاصدًا النوم لكنه فشل واستسلم للتفكير في جميلة قلبه من جديد.
رواية حب رحيم الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم سمر عمر
وقفت أمام بوابة المنزل وانتظرت حتى اختفت الحافلة عن عينيها ثم دخلت مغلقة الباب خلفها.
من ثم اتجهت إلى الدرج وهي تسحب الحجاب عن شعرها.
كادت أن تصعد الدرجات لكنها ألقت نظرة على الحديقة ثم اتجهت نحوها وخرجت تستنشق الهواء بعمق.
ثم قطفت وردة حمراء من بستان الورود وعادت إلى الداخل.
صعدت إلى الطابق العلوي في طريقها إلى الجناح الخاص بهما.
عند وصولها دلفت إلى غرفتها وبكل هدوء جلست على حافة الفراش تتأمل زوجها الحبيب بتمعن شديد.
كم هي تعشق تفاصيل ملامح وجهه.
اتسعت ابتسامتها واقتربت منه كي تطبق شفتيها على جبينه بنعومة.
ثم ابتعدت قليلاً وبدأت تشاكسه بتحريك خصل شعرها على ملامح وجهه.
بعد لحظات حرك رأسه في كلا الاتجاهين عاقدًا حاجبيه.
ثم فتح عيناه قليلاً كي يرى ذلك الوجه الرائع فعشق الصباح كثيراً وهمس بنبرة نعاس:
- صباح الندى.
- صباح الحب.
ثم نظرت إلى الوردة وبدأت تمررها على وجنته.
فمسك بمعصم يدها الممسكة بالوردة وطبع قبلة حانية على معصمها وتحدث بجدية:
- أنتِ أجمل وردة في حياتي.
ثم أخذ الوردة ووضعها خلف آذنها.
رمقت الوردة بنظرة سريعة ثم نظرت إليه وقالت بجدية:
- عندي ليك خبر حلو.
- قولي يا روحي.
- مستر علاء وقع في الحب.
قطب جبينه في تعجب قائلاً:
- علاء؟!.. بيحب مين؟
- جميلة صحبتي.. هي جت وقالتلي على كل حاجة.
- لكن هو أكبر منها بكتير.. مش هي عمرها قد عمرك؟
ضحكت ضحكة خفيفة تومئ بالنفي قائلة:
- هي علشان صحبتي تبقى من عمري.. لاء يا روحي جميلة أكبر مني بحوالي سبع سنين.
تعجب حقًا من حديثها حيث تابعت:
- احنا كنا جيران قبل ما ننقل على الفيلا والوحيدة في المنطقة اللي كانت بتروح نفس مدرستي وكنا بنروح سوى.
- كمان كانت بتذاكر لي وبقينا أصحاب واخوات.
أومأ بالفهم وتساءل باهتمام:
- طيب هي ايه شعورها من ناحيته؟
ندى بمرح وهي تحرك رأسها في كلا الاتجاهين:
- تقريباً كده واقعه في الحب هي كمان بس مكابرة.
- علاء فعلًا حاله اتغير خالص.. ربنا يهديه.
- يا رب يا حبيبي.
ثم قبلته على وجنته عنوة.
بعد ذلك وضعت رأسها على صدره قائلة:
- حاول تيجي بدري تتغدى معايا بجد وحشتني جدًا.
اطبق ذراعيه على بدنها بشدة وتنهد بعمق قائلاً:
- حاضر يا روحي.
***
دخلت إلى غرفة تبديل الثياب كي تبدل ثياب المشفى بأخرى.
ثم حملت حقيبة يدها وبمجرد خروجها من الغرفة صدح صوت الهاتف داخل الحقيبة.
توقفت عن السير تحملق في الفراغ واستمعت إلى دقات قلبها تقرع كالطبول يخبرها بأن المتصل هو الرجل التي تنتظر اتصاله.
فتحت سحابة الحقيبة وأخرجت الهاتف لتنظر إلى شاشته.
لكنها هدأت بمجرد أن رأت اسم ندى وأجابت عليها بهدوء:
- ندى صباح الخير.
- صباح الفل.. عاملة ايه؟
تابعت السير وهي تقول بحزن:
- بخير الحمد لله.. عاملة ايه أنتِ والأولاد؟!
- بخير الحمد لله.. المهم قوليلي علاء كلمك.
زمت شفتيها بأسف وتنهدت بضيق قائلة:
- لاء.. مش عارفه ليه.
اتسعت ابتسامة الأخيرة وقالت بمكر:
- وزعلانه ليه؟
- ندى بطلي بواخه.
ضحكت ضحكة خفيفة في حين أتاها اتصال لتنظر إلى الهاتف بلهفة لترى اسم علاء.
ابتلعت لعابها في رهبة وقالت باضطراب:
- ندى هو بيتصل دلوقت.
- طيب يلا هقفل وردي عليه.
جميلة بحنق على عكس اللهفة التي تشعر بها:
- لاء طبعاً مش هرد على طول كده.. كفاية انه خلاني انتظر.
- أه اتقلي بقى لحد ما يطير منك.. جميلة ردي عليه وأبقى بلغيني اتفقتوا على ايه.. مع السلامة.
- اوكي مع السلامة.
أنهت المكالمة ووقفت تنظر إلى الهاتف في انتظار مكالمة أخرى منه.
بالفعل بعد لحظات صدح صوت الهاتف معلنًا عن اتصال علاء.
تنهدت بعمق واستجمعت شجاعتها ثم أجابت بهدوء مصطنع:
- الو صباح الخير.
تحدث بنبرة حانية:
- صباح الجمال.. انا قدام المستشفى.
وضعت كفها أعلى صدرها الذي يدق برهبة وتساءلت بعدم تركيز:
- بتعمل ايه؟!
- مستنيكي طبعًا.
- مش اتفقنا نتكلم في التلفون.
- أه الحقيقة قولت بلاش اعطلك عن شغلك واجيلك الصبح.
طلبت منه أن ينتظرها ثم أنهت المكالمة.
بعد ذلك وقفت تنظم أنفاسها وتهدأ من نفسها ثم تابعت السير وهبطت إلى الطابق السفلي بواسطة المصعد الكهربائي.
وقف المصعد فخرجت متجه إلى الخارج بخطوات بطيئة حتى خرجت ووقفت تنظر حولها بحثًا عنه.
بمجرد أن رأت سيارته اتجهت نحوها واستقلتها.
نظر إليها ثم ابتسم وهم أن يتحدث لكنها سبقته بحنق:
- لو سمحت قول عايز ايه بسرعة علشان حقيقي عايزه انام.
- طيب اصبري عليه.. وبعدين احنا هنتكلم في العربية؟!
أومأت بتأكيد قائلة:
- أه طبعًا.
تنهد بصوت مسموع وتحدث بجدية ووضوح:
- طبعًا عارفه اني معجب بيكِ.. وعايز اعرف رايك فيا.
أدارت رأسها إلى الاتجاه الآخر في خجل متسائلة:
- من ناحية ايه؟!
- شخصيتي.
- مقدرش احكم عليك لأني لسه ماعرفكش كويس.
أومأ بتفهم وتحدث بجدية:
- يعني مبدئياً موافقة نتخطب وتعرفيني برحتك في فترة الخطوبة.
لتنظر إليه بلهفة قائلة:
- خطوبة لاء.. بابا مش هيوافق هو عايز جواز على طول.
- ليه يعني ايه الفكرة؟
نظرت إلى الأمام في حزن واضح وقالت بصوت مبحوح:
- أصل هو يعني.. بيقولي أنتِ مش صغيرة على الخطوبة.
ثم أردفت:
- المهم مش موضوعنا.. احنا ممكن بس الفترة دي نتكلم ونعرف بعض اكتر.
قال مبتسما:
- أنا موافق.. تحبي اوصلك؟
- لاء شكرًا معايا عربيتي.. باي باي.
ثم نظرت إليه مبتسمه لترى عيناه تطلع إليها بحب واضح فأشاحت بوجهها بعيدًا في خجل وترجلت من السيارة متجه إلى سيارتها.
راقبها بواسطة المرآة الأمامية حتى استقلت سيارتها وغادرت فغادر هو الأخير إلى وجهته.
***
دق جرس الباب فنهضت ندى عن الاريكة متجه إليه وهي تضبط حجاب الاسدال على شعرها.
عند صولها فتحت إياه لتتفاجأ بـ رنا وزهراء وقالت بابتسامة واسعة:
- حمد الله على سلامتك يا زهره.
ثم احتضنتها فقالت بصوت منخفض:
- الله يسلمك.
في حين نظرت جدتها إليها وقالت بلهفة:
- زهره حبيبتي.
ابتعدت ندى عنها وقالت موجه حديثها إلى رنا:
- حمد الله على سلامتها ربنا يخليها لك.
- الله يسلمك يا ندى تسلمي.
فيما اتجهت زهراء إلى جدتها وجلست إلى جوارها لتحتضنها فشددت الأخيرة في احتضنها وقبلتها على جانب رأسها بحنان وهي تقول بحزن:
- الف سلامة عليكِ يا حبيبتي.. كده توجعي قلبي عليكِ.
تأثرت من حديث جدتها لتهبط دموعها على وجنتيها قائلة:
- أسفه يا نينا.
وقفت رنا إلى جوارها ومسحت على شعر ابنتها قائلة بنبرة رضا:
- الحمد لله جت سليمة.. يلا يا حبيبتي علشان تطلعي ترتاحي.
استأذنت من جدتها ونهضت لتمسك بيد والدتها وصعدت إلى الطابق العلوي برفقتها.
فيما نهضت ندى عن الاريكة وابتسمت بفرحة قائلة:
- الحمد لله انها بخير وحضرتك شوفتيها بنفسك.
- الحمد لله يا بنتي.. الحمد لله.
بالطابق العلوي ساعدتها على تبديل ثيابها ببجامة تشعرها بالراحة والاسترخاء.
ثم مددت على الفراش برفق واضعة كفها على مكان الجرح.
جلست رنا على حافة الفراش تطلع إليها بعتاب واضح لكنها لا تود أن تتحدث معها فيكفي ما حدث.
لكن زهراء هي من تحدثت أولا:
- ندمانة على اللي عملته في نفسي يا ماما.. أنا كفرت.
شهقت عندما استمعت إلى كلماتها الأخيرة وبدأ تفك حجابها قائلة:
- يا حبيبتي الحمد لله.. وربنا غفور رحيم.
- ونعم بالله.
ثم أردفت بحزن:
- خالو رحيم راح لوالد الدكتور وهو كلمني وزعل علشان عمله مشاكل في البيت.. ده غير أن خلتو ندى اتكلمت معايا بعدها عرفت اني غلطت غلط كبير جدًا وكنت هدخل نفسي في مشاكل انا مش قدها.
- يعني خلاص خرجتي الدكتور من دماغك؟
- أومأت بالإيجاب وتحدثت بحزن:
- حاجة صعبة جدا الفراق ده لكن اعتبرته عقاب ليا.
- معلش يا حبيبتي ده درس ولازم تتعلمي منه.
قالت بنبرة بكاء صادقه:
- الحمد لله.. وأنا خلاص قررت اكمل تعليمي هنا في مصر.
صحت عليها علامات التأثر واقتربت منها أكثر كي تحتضنها بشدة وقالت بهدوء:
- مش هغصبك ابدا على حاجة يا روحي اعملي اللي يريحك.
***
ظهرت شمس يوم جديد في السماء.
اخترقت إشاعة الشمس الغرفة بواسطة ثقوب باب الشرفة وبعد لحظات عقدت بين حاجبيها قليلاً وفتحت عينيها تدريجياً ورأت شيئًا من قماش الخيمة معلق في فوق الفراش.
تعجبت وهي تتأمل في ذلك الشيء العجيب.
كما أنها رأت رباط معلق بذلك الشيء.
نظرت إلى جوارها لم ترى رحيم فقامت برفع جذعها قليلاً ومسكت طرف الخيط لتقم بسحبه.
لينفتح ذلك الشيء وسقط فوقها الكثير من الورود الزرقاء.
شهقت بلهفة واضعة يديها على وجهها.
ثم أزاحت يديها ببطء تنظر إلى كلا الاتجاهين ثم ابتسمت من جمال الورود وأخذت وردة تحسس عليها.
بعد ذلك انتبهت إلى ظرف أبيض وسط الورود.
أخذته على الفور وفتحته كي تفحص كلماته بعينيها اللامعتين من السعادة.
" كلما نظرت إليكِ يتوقف قلبي عن النبض.. فعيونك تكفي لأحيائي بدون قلب.. انتِ داخل عيوني واحتويكِ برموشي.. أنتِ الحياة والروح انتِ كل شيء بالنسبة لي.. دائمًا أسجد شكر لله على وجودك في حياتي.. أحبك وسأظل أحبك لأخر عمري.."
هبطت دموع السعادة على وجنتيها تحتضن ذلك الجواب المزخرف بالقلوب الزرقاء البراقة.
ثم نظرت إليه ثانية بعدها التقطت الهاتف من أعلى المنضدة المجاورة واتصلت على ذلك العاشق المجنون.
بل وخطف روحها من بدنها بحروف كلماته الخاصة بها.
أنهى المكالمة دون أن يجيب عليها فنظرت إلى الشاشة في تعجب.
لكن بعد لحظات تفاجأت به يفتح باب الغرفة حاملاً آسيا ويتطلع إليها بعينين مبتسمتين قبل شفتيه.
- عملت كل ده امتى؟!
تساءلت في شغف فتقدم نحوها وجلس إلى جوارها قائلا:
- بعد الفجر.. لكن بهدوء وبدون ما تحسي بيا.
انشغلت آسيا في الورود وامسكت واحده قائلة بنبرة طفولية:
- حلوه.
قبلها والدها على رأسها ثم نظر إلى قطرة الندى خاصته والتي تطلع إليه بشغف حتى لامعت عينيها بدموع السعادة هامسة بحب:
- بعشقك.. ربنا يخليك ليا.
- بموت فيكِ.
ثم مسك بكفها وقبلها على راحتها برقة بالغة.
احتضنته هي عنوة وطبعت عدة قبلات رقيقة على وجنته.
مسح على شعرها برفق بعد لحظات ابتعدت عنه وتساءلت باهتمام:
- هتروح الشغل النهاردة؟
- اه يا روحي وهستناكِ تيجي علشان تقعدي مكاني وأروح لريان.
- ريان هيفرح جدًا.
ثم تذكرت الأطفال ونهضت عن الفراش قائلة:
- لازم أصحيهم علشان المدرسة.
ارتدت حذائها المنزلي وركضت إلى الخارج تحت أنظار رحيم الفخورة بها.
ثم بدأ يلعب مع أبنته الصغيرة.
***
بدأ يلقي بالكورة داخل السلة لوقت ليس قصير.
حتى رأته المعلمة الخاصة بالألعاب الرياضية من خلف الشبكة التي حول الملعب وهي تنظم فريق لاعبي السلة.
تابعته باهتمام ثم تركتهم ودلفت إلى الملعب متجه إليه قائلة:
- برافو يا ريان.
كاد أن يضع الكورة داخل السلة لكنه التفت إليها يتطلع إليها بثبات قائلاً:
- شكرًا.
ثم ترك الكرة واتجه إلى باب الخروج فالتفتت إليه قائلة:
- مش كنت تشارك في لعبة السلة.
توقف عن السير واستدار برأسه فقط قائلاً:
- بحب السباحة أكتر.
أومأ بتفهم فتابع هو السير وخرج متجهًا إلى الساحة الكبيرة.
ووقف ينظر حوله حتى وقعت عيناه على زميل له في الفصل وذلك الزميل دائمًا ما يقف في صفه ويدافع عنه.
أخذته قدماه إليه وجلس إلى جواره فنظر إليه بلهفة ثم ابتسم فقال ريان دون مقدمات:
- شكرًا عشان دافعت عني.
- العفو.. انا عارف العيال دي غلسه.. وكمان هما شكلهم مش بيحبوك.
أومأ بالإيجاب ووجد نفسه يتحدث معه على غير عادته:
- أه يمكن عشان مش بحب اتكلم معاهم أو اللعب معاهم.
- أو عشان أشطر منهم.
ابتسم إليه وقال بهدوء:
- أنا أسمي ريان وانت اسمك ايه؟
- مش عارف اسمي واحنا في فصل واحد؟!.. طيب اسمي يوسف.
رن الجرس معلنًا عن انتهاء الراحة.
فاتجه الجميع إلى المبنى كما ذهب ريان برفقة رفيقه الجديد.
لفت انتباه أشرقت فتوقفت أمام باب فصلها تتابع ذلك الموقف حتى جاءت رفيقتها تناديها لتدخل معها إلى الداخل.
جلس جميع الأطفال في أماكنهم ودخلت مُعلمة الرياضة وبدأت تشرح لهم درس اليوم.
في منتصف الدرس دق الباب فآذنت بالدخول لتدخل مديرة المدرسة تلقى عليهم التحية فبادلوها بذات التحية.
ثم نظرت إلى ريان بابتسامة قائلة:
- ريان والدك في انتظارك.
استقام ظهره في دهشة فآذنت الأخيرة بدخول رحيم.
فدخل يبحث بعينيه عن ابنه العزيز وبمجرد أن رأته عيناه ابتسم فبادله بابتسامته ونهض عن المقعد.
فقالت المديرة:
- هو جاي يخدك علشان تدريب السباحة.
رفع أحد حاجبيه بمكر متسائلاً:
- هتيجي معايا ولا..
قطع ريان كلمات والده بابتسامة مرحة:
- ولا ايه لاء طبعًا هاجي معاك.
ضحك ضحكة خفيفة كما ابتسمت المديرة ثم خرجت فلحق رحيم بها تاركاً ريان يضع أغراضه داخل الحقيبة.
وقف معها بالخارج يسألها عن مستواه الدراسي لتخبره بكل شيء جيد.
كما إنها شكرته كثيراً على ذلك الاهتمام الكبير به وأرسلت له شكر آخر لندى المهتمة به.
خرج ومسك بكف والده نظر إليه ليعود بالنظر إلى المديرة ثانية وقبل أن يغادر ذهب إلى فصل ابنته الجميلة كي يطمئن عليها.
ثم غادر برفقة ابنه وعند خروجهم من بوابة المدرسة استقلا السيارة وقام بوضع حزام الأمان عليه ثم تحرك إلى وجهته.
تساءل ريان:
- عمو عمرو بقى كويس؟
- الحمد لله يا حبيبي.. وهنبدأ تدريب من جديد.
ابتسم ريان إليه ثم نظر إلى الأمام بحماس.
فيما قام رحيم بتشغيل الأغنية المفضلة لدى ريان ورمقه بنظرة سريعة ثم انتبه إلى الطريق.
***
كانت تجلس على المقعد الخاص برحيم تتابع بعض الأعمال نيابة عنه.
كما إنها قامت بتسجيل التصاميم داخل مستند على الحاسوب.
بعد نصف ساعة تقريباً دق الباب فسمحت بالدخول لتدخل السكرتيرة حاملة حقيبة من الطعام وضعتها أمامها قائلة:
- في واحد دليفري سبلك الاكل ده وقال مستر رحيم بعته.
نظرت إليها في تعجب قائلة:
- أوكي شكرًا.
ثم أردفت:
- ممكن تجبيلي المستند اللي متسجل فيه تصاميم الشهرين اللي فاتوا.
- حاضر.. عن اذنك.
خرجت مغلقة الباب خلفها.
فـنظرت ندى إلى حقيبة الطعام وأخرجت ما في داخلها لتراه سندوتش من نوع " الكريب..".
ابتسمت تحرك رأسها في كلا الاتجاهين وهمست في تعجب:
- رحيم هيبعتلي أكل ليه؟
ثم تناولت الهاتف واتصلت عليه وتركت الهاتف بعد أن فتحت مكبر الصوت في انتظار إجابته.
في ذات الوقت أخذت تتذوق ذلك الكريب.
انتهت المكالمة دون أن يجيب عليها فعلمت بانه من المحتمل أن يكون لازال في التدريب.
تناولت قطعة أخرى صغيرة ثم وضعته جانباً.
بدت علامات الألم توضح على ملامح وجهها تدريجياً عندما شعرت بألم داخل معادتها.
وضعت يدها على بطنها تتأوه بخفة وفجأة شعرت بالغثيان.
نهضت عن المقعد راكضة إلى المرحاض الملحق بالغرفة.
ودخلت لتقف أمام الحوض تستفرغ ما في جفونها وهي تسعل بشدة حتى اصطبغ وجهها باللون الأحمر الداكن المختلط بالأزرق.
دخلت السكرتيرة عندما قرعت الباب كثيرا ولم تستقبل أي رد.
بمجرد أن دخلت استمعت إلى تأوهات ندى العالية فسقط الملف من بين يديها وركضت إلى المرحاض لتراها على تلك الحالة.
صدمت من هيئتها ثم مسكت بيدها وأحاطت خصرها باليد الأخرى تساءل بلهفة:
- مالك حاسة بأية؟!
نظرت إليها تخبرها بتلك النظرات أن تأخذها إلى أقرب مستشفى قبل أن تنفث أنفاسها الأخيرة.
شعرت بالرهبة من منظرها وأخذتها إلى الخارج وهي تستنجد بمن يتقابل معها.
وقف الجميع في صدمة في حين ركضت أميرة إليها وأسندتها واستقلا المصعد الكهربائي وذهب معهما اثنان من الشباب الذين يعملون بالشركة.
عند خروجهم وضعوها داخل السيارة كي يأخذوها إلى أقرب مشفى.
وكان أحد الشباب يقود بسرعة هائلة كي يصل أسرع.
وبالفعل وصل في خلال دقائق وترجل يركض إلى الداخل ينادي الممرضات.
فأخذت واحده فراش وركضت إلى الخارج وتم نقلها على ذلك الفراش.
من ثم أخذوها إلى غرفة العمليات.
رواية حب رحيم الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم سمر عمر
انتابه حالة من الذهول والصدمة، كما هلع قلبه بنبضاته التي تؤلمه. وفجأة شعر بأنه توقف عن النبض، بالفعل يشعر بخلائه. سحب الهاتف عن أذنه يحدق في الفراغ بعينين زائغتين بدموع الصدمة. بعدها أطرق عينيه حيث يجد الطعام أعلى سطح المكتب، ومسك رافعاً إياه كي يتطلع إليه عن قرب. ثم تركه يسقط من بين قبضة يده متوعدًا للذي أرسله بأيام من جحيم، بل سيكون جزءًا من الجحيم.
أسرع إلى الباب وخرج من الغرفة، بل من الشركة بالكامل. من ثم استقل سيارته وغادر إلى المشفى بأقصى سرعة، كان يتخطى السيارات كالمجنون دون أن يكترث بما سيصيبه إذا أخطأ في القيادة.
عند وصوله صف السيارة صف ثاني، وترجل راكضًا إلى الداخل. لكن أوقفه الركين طالبًا منه أن يصف السيارة في المكان الصحيح. ترك له المفتاح كي يفعل ما يشاء وتابع الركض. وقف عند الاستقبال يسأل عنها ليرشده بمكان الغرفة، فصعد إلى الطابق المنشود بواسطة الدرج.
ركض في الأروقة حتى وصل إلى الغرفة ووقف يلهث بصوت مسموع جاعلًا من صدره يعلو ويهبط. نظر الشباب إليه وتقدمت التي تدعى أميرة نحوه ووقفت قائلة بحزن:
"لسه خارجة من العمليات والحمد لله جت سليمة."
كانت عيناه على الغرفة، بل عقله في مكان آخر حتى لم ينتبه إلى حديثها. وأخذته قدماه إلى الغرفة ودخل بهدوء ليجد الطبيب يثبت الحقنة داخل إحدى أوردة ظهر يدها. وقف هو عند مقدمة الفراش يتطلع إليها بألم واضح على كل خلجة من خلجات وجهه، وكأن قلبه هو المريض بالفعل. بعد أن انتهى الطبيب التفت ليراه فتساءل:
"حضرتك مين؟"
حرك سوداويته التي تعلوها الألم إليه وتحدث بصوت مبحوح أطلقت الحنجرة صراحه بصعوبة:
"أنا جوزها."
تقدم الطبيب إليه ووقف إلى جواره ليتحدث معه بهدوء:
"اتكتب لها عمر جديد."
نظر إليها ثانية وقد هبطت دموعه الساخنة على وجنتيه رغمًا عنه وهو يستمع إلى حديث الطبيب:
"هي أفرغت الأكل وده السبب في إنقاذها. والحمد لله أحمد ربنا."
تمتم:
"الحمد لله.. الحمد لله."
"عملتلها غسيل معدة وبإذن تقوم بألف سلامة."
"الله يسلمك.. شكرًا."
ربت على كتفه وخرج واتبعته الممرضة مغلقة الباب خلفها. سحب مقعدًا وضعه إلى جوار الفراش وجلس عليه وهو يمسح الدموع عن وجنتيه. ثم نظر إليها ومسك كفها برفق وانحنى برأسه كي يطبق شفتيه عليه بقبلة حانية استمرت للحظات. ثم رفع رأسه لينظر إليها بحزن احتل عينيه.
دق الباب ودخلت كلًا من أميرة وسكرتيرته للاطمئنان عليها. وقفا إلى جوار الفراش من الجانب الآخر ينظرون إليها بحزن ثم تحدثت سكرتيرته:
"ألف سلامة عليها مستر رحيم بإذن الله تقوم بالسلامة."
رحيم بنبرة ضيق:
"الله يسلمك.. ممكن أعرف إيه اللي حصل؟"
"التسمم أكيد جالها من الأكل اللي حضرتك بعته."
عقد بين حاجبيه وهم أن يتحدث، لكن تحدثت أميرة بحنق:
"حضرتك لازم تقدم بلاغ في صاحب المطعم."
"أول ما قولتي إن ندى جالها تسمم عرفت إنه من الكريب.. لكن أنا ما بعتش أكل لندى."
نظروا إلى بعض في صدمة لتعود السكرتيرة بالنظر إليه في دهشة قائلة:
"إزاي ده؟ في واحد جه وقالي الطلب ده من أستاذ رحيم للأستاذة ندى."
أومأ برأسه بتفهم وقال بحسم:
"اتفضلوا أنتم."
نظروا إلى ندى في حزن واضح ثم غادرا الغرفة. استند بمرفقيه إلى الفراش محتضنًا كفها بين راحتي يديه وتحدث بضيق مع كل حرف يخرج من بين شفتيه يقطع صدره إلى أشلاء:
"أكيد كنتِ بتتصلي علشان تسألي بعتلك أكل ليه؟.. آسف يا اللي قلبي حتى منك."
قبلها على كفها عدة مرات ثم تركه برفق واستند بظهره إلى المقعد. مضى الوقت ببطء شديد في انتظار استيقاظها، لكنها ما زالت نائمة كأنها داخل غيبوبة. صدح صوت الهاتف داخل جيب سرواله فأخرجه ليرى شاشته تضيء باسم والدته. أجاب عليها بنبرة أهلكها الحزن:
"خير يا أمي؟"
"خير يا حبيبي بإذن الله.. برن على ندى مش بترد وآسيا بتعيط عايزاها وولادك مش راضين يتغدوا غير لما تيجي.. هي هتغيب في الشغل؟"
مسح على وجهه يتنهد تهنيدة حارقة وقال بهدوء على عكس ما يشعر به:
"حاولي تقنعيهم يتغدوا علشان ندى مش جايه دلوقتي."
شعرت بأن ثمة شيء يُخفيه عنها لكونها تعلم ابنها جيدًا وتقرأ حزنه من صوته وتساءلت في توجس:
"فيه حاجة يا رحيم؟.. صوتك ماله؟"
"أبدًا مفيش حاجة."
"طيب فين ندى هي معاك؟!"
تساءلت في شك لينظر هو إلى ندى بحزن وهم أن يتحدث، لكنه تفاجأ بدخول الطبيب يلقي السلام عليه وخلفه اثنان من الممرضين فقال على الفور:
"هكلمك تاني يا أمي.. سلام دلوقتي."
أنهى معها المكالمة سريعًا لتتأكد من شعورها القاسي. أما رحيم فنهض عن المقعد يتطلع إلى الطبيب بلهفة وهو يتفقد حالة زوجته. بعدها أمرها بأخذها إلى العناية المركزة. تساءل بنبرة قلق واضحة:
"ليه يا دكتور؟"
"متقلقش العناية أفضل لها بكتير.. أنا قولت لو ما فقتش في خلال ساعتين ننقلها في غرفة العناية."
بدأ قلبه يخفق بشدة ناظرًا إليها ويسأل الله سرًا أن يشفيها عاجلًا. قاما بسحب الفراش الخاص بها إلى حيث غرفة العناية وهو يمضي بجوار الفراش ماسكًا بكفها بشدة. لكنه ترك كفها رغمًا عنه عندما أدخلوها إلى الغرفة. هبطت دماء قلبه كدموع على وجنتيه وكأنهم نزعوا قلبه من بين أضلعه. وبعد نصف ساعة من وقوفه جلس على المقعد بإرهاق.
"بعد مدة من الزمن.."
جاء الطبيب إليه وحاول إقناعه أن يغادر فلا داع لوجوده هنا، لكنه لم يستمع إليه. تركه على حريته وغادر، فأخذ الأخير يحرك قدمه اليمنى في قلق وتوتر. صدح صوت الهاتف فأخرجه من جيب سرواله وفتح المكالمة ووضع الهاتف على أذنه ليستمع إلى كلمات والدته بنبرة صوتها المتوترة.
"رحيم انتوا فين يا بني طمني؟"
تنهد بصوت منخفض ورد بنبرة مهلكة:
"ندى جالها تسمم وهي في المستشفى."
فلتت شهقة من بين شفتيها فقد فزع قلبها وتساءلت بحزن:
"وهي عاملة إيه؟"
"في العناية يا أمي.. ادعي لها.. من غيرها هموت."
لم يستطع متابعة الحديث بفضل دموعه المؤلمة، فتركها تهبط على وجنتيه بغزارة حتى لا تشعره بالاختناق وتابع بنبرة مؤلمة:
"هي أساس كل شيء في حياتي.. أماني وحمايتي وضهري وسندي.. ندى بالنسبة لي الحياة."
استند بجبينه على يده الأخرى يبكي بقهر:
"يا ريتني أنا مكانها."
تأثرت من حديثه وقد تركت العنان لدموعها تحتل وجنتيها بغزارة وقالت بنبرة ضيق:
"خلي ثقتك في الله كبيرة.. خليك قوي وصلي وادعيلها يا بني."
"وأجيب منين القوة ومصدر قوتي مش موجود."
"لا حول ولا قوة إلا بالله."
ثم أردفت:
"الولاد رافضين الأكل ومستنين ندى مش عارفة أقولهم إيه."
رفع رأسه عن يده يمسح دموعه قائلاً:
"اتكلمي معاهم بهدوء وقولي لهم أي حجة."
"حاضر يا بني.. طمني عليها كل شوية أنا مش هنام."
***
"القصر.."
هبطت رنا الدرج وهي تستمع إلى آخر كلمات والدتها. فتقدمت نحوها وهي تسأل باهتمام:
"مين يطمنك على مين؟"
ثم جلست على المقعد المجاور للأريكة فيما هي أجابت بحزن:
"ندى جالها تسمم وفي العناية المركزة."
"إيه؟!.. تسمم من أي؟!"
تساءلت في دهشة فأدارت وجهها إليها تقول في حيرة:
"مش عارفة.. يمكن أكلت حاجة مش نضيفة."
ثم أردفت:
"المهم اطلعي لولاد أخوكي قولي لهم أي حجة خليهم يتغدوا وشوفي آسيا صحيت ولا لسه نايمة."
أومأت بالإيجاب ونهضت متجهة إلى الدرج من ثم صعدت إلى الطابق العلوي. حاولت إقناع أشرقت بتناول الغداء لكنها رفضت بشدة ودثرت نفسها بالفراش. سأمت رنا من المحاولات التي فشلت وتركتها وذهبت إلى ريان.
فتحت الباب ووقفت عند العتبة تنظر إليه فأدار رأسه ناحيتها بخفية فقالت مبتسمة:
"حبيبي ندى كلمتني وقالتلي قولي لريان يتغدى أنا هتأخر في الشغل."
"أوكي هستناها لما ترجع."
رنا بحنق:
"قولتلك هتتأخر.. اسمع الكلام يا ريان."
"مش هاكل غصب عني."
ثم وضع رأسه على الوسادة فزفرت بسأم ثم ابتسمت مضطرة وهمست وهي تتقدم نحوه:
"كنت نسيت التعامل مع الأطفال."
جلست إلى جواره ومسحت على ذراعه برفق فأبعد ذراعه عنها فقالت بهدوء:
"ريان هي قلة الأكل يعني هتجبلك ندى."
"أنتِ عارفة أنا باكل إيه؟!"
"يعني إيه بتاكل إيه؟"
تساءلت في تعجب فتحدث بحده طفولية:
"مامي بقى تعرف ومش هاكل غير لما تيجي."
نفذ صبرها حقًا واندفعت بحنق شديد:
"إيه أمور الدلع دي.. حالا تقوم تاكل أنت فاهم ولا لأ."
نهض عن الفراش يرتدي حذاءه المنزلي فابتسمت بانتصار لكونها ظنت أنه استمع إلى حديثها. لكنه خيب ظنها واتجه إلى الخارج وهو يتحدث بصوت عال:
"لأ مش فاهم ومش هاكل دلوقتي."
حملقت في الفراغ بوجه محتقن من ذلك المتعجرف الصغير ثم لحقت به. فيما استمعت نجلاء إلى صوت ريان فنظرت إليه وهو يهبط الدرج مسرعًا ثم خرج إلى الحديقة. هبطت الأخيرة الدرج فتساءلت والدتها في دهشة:
"إيه اللي حصل؟"
"الواد ده ماشفش يوم تربية.. ودي آخرة دلع رحيم فيه."
استمع إلى حديثها وهو يقف في الخارج ودخل ينظر إليها بتحدي قائلاً:
"أنا متربي على فكرة."
نظرت إليه في تعجب لترى رحيم به وكأن شقيقها الذي يقف أمامها وليس ابنه. تذكرته عندما كان بعمره.. ذات نظرات الغضب وقبضة يده الصغيرة وذات عقدة الحاجب. أشاحت بوجهها بعيدًا وتحدثت بتهكم:
"أنا عمتك وغصب عنك لازم تحترمني."
جز أسنانه يصدر صوتًا يدل على مدى غضبه ثم ركض إلى جدته وجلس إلى جوارها قائلاً:
"عايز أكلم بابي."
مدت يدها صوب شعره لكنه تراجع برأسه وكرر حديثه ثانية. فتناولت الهاتف واتصلت برحيم. مد يده الصغيرة قائلاً:
"عايز أكلمه."
"أهدى يا حبيبي لما يرد بس."
أجاب رحيم بعد لحظات فقالت بهدوء:
"رحيم ممكن تيجي علشان الولاد."
رحيم بنبرة شك:
"حصل حاجة؟!"
"لأ بس ريان زعلان وبيسأل عليك وعلى ندى."
"ممكن أكلمه!"
أعطت له الهاتف فوضعه على أذنه وتحدث بنبرة ترجي:
"أرجوك يا بابي تعالى أنت وندى."
"حاضر يا حبيبي هجيلك."
"هستناك بره لحد ما ترجع."
ثم أعطى الهاتف إلى جدته وركض إلى الباب. أخذت تناديه لكنه لم يهتم فتساءل رحيم في توجس:
"فيه حاجة حصلت ضايقت ريان؟"
نظرت إليه وهو يفتح الباب ويخرج بعدها أخذت ترمي رنا بنظرة أن تلحق بابن شقيقها وهي تقول:
"أبدا هو بس عايزكم."
أخبرها بأنه سيأتي وأنهى المكالمة في حين جلست رنا على المقعد المجاور للأريكة فقالت والدتها بحنق:
"اطلعي شوفي ريان يا بنتي."
"لأ خليه لحد ما يحس بغلطه ويجي يعتذر."
"هتعملي عقلك بعقل طفل.. يا بنتي اطلعي أنا رجلي بتوجعني ومش هقدر أمشي."
زفرت بقوة ونهضت متجهة إلى الخارج ووقفت عند الباب لتراه يجلس على الدرج في انتظار والده. عادت إلى المقعد ثانية وقالت بسأم:
"قاعد بره وأنا مش هلح عليه علشان أستاذ ريان يدخل."
"لا حول ولا قوة إلا بالله."
"بعد مدة من الزمن.."
وصل إلى المنزل وصف السيارة أمام البوابة. فنهض ريان على الفور فيما ترجل رحيم على الفور وحمل ابنه يحتضنه في قلق متسائلاً:
"أنت قاعد هنا ليه؟"
"مستنيكم."
أخذ يتطلع إلى السيارة وتساءل في حزن:
"مامي فين؟!"
دلف إلى الداخل مغلقاً الباب خلفه وهو يقول بهدوء مصطنع:
"هتقعد عند نانا اليومين دول علشان تعبانة شوية."
"نروح لها."
"لأ يا حبيبي مش هينفع."
ثم قبله على وجنته وجلس على المقعد المجاور إلى الأريكة واضعًا إياه بين قدميه ينظر إلى والدته بحده قائلاً:
"ليه سايبين ريان يقعد بره؟!"
"ناديته كتير يا بني ومفيش فايدة.. ريان ممكن تاكل بقى."
أومأ بالنفي فمسح على شعره بلطف قائلاً:
"أنا هاكل معاك.. يلا نادي على أشرقت."
"لكن يا بابي.."
قطع حبل كلماته بابتسامة مزيفة:
"ندى هتزعل جدا لو مأكلتش.. وهي نسيت تليفونها معايا يعني مش هنعرف نكلمها."
عقد بين حاجبيه في تذمر ثم ركض إلى الدرج من ثم صعد إلى الطابق العلوي. تساءلت نجلاء بصوت منخفض:
"طمني ندى عاملة إيه؟!"
"لسه في العناية."
رفعت يديها تدعو الله من أعماق قلبها أن يشفيها ويعفو عنها. تألم قلبه كثيرًا لكونه تركها وعاد إلى المنزل ويشعر بالخوف الشديد من أن يستيقظ على فاجعة فراقها. أغمض عينيه عنوة محاولًا إخراج أفكار الشيطان تلك من رأسه.
عاد ريان إليه ومعه أشرقت فاحتضنهم بشدة وتساءل بهدوء:
"آسيا فين؟"
أجابت أشرقت:
"نايمة يا بابي."
مسك بأيديهم ونهض متجهًا إلى المطبخ من ثم دلفا إلى الداخل. بعد ذلك بدأ في تحضير الطعام ووضعه أعلى المنضدة وبعد لحظات جاءت السيدة وفيه وقالت:
"خليك يا بني أنا هحضر الأكل."
نظر إليها دون وعي فهو معهم جسد فقط ثم جلس على المقعد. فبدأت في تسخين الطعام من جديد وقالت بحزن:
"حاولت أقنع الأولاد يتغدوا رفضوا ومردتش أضغط عليهم."
أومأ برأسه فقط فبدأت هي بوضع أطباق الطعام أعلى الطاولة ثم تركتهم وغادرت. تناول الاثنان طعامهم بينما هو يتطلع إلى الفراغ في صمت. ولم يتناول حتى الماء.
عقب انتهائهم أخذوهم إلى الطابق العلوي واطمئن على آسيا وقبلها على جانب رأسها برفق. ودثرت أشرقت نفسها في الفراش فقبلها على رأسها هي الأخرى ثم ذهب إلى غرفة ريان. جلس على حافة الفراش يمسح على شعره برفق وبعد لحظات من الصمت تحدث ريان معه وقص عليه ما حدث بينه وبين عمته.
تنهد بصوت مسموع وتحدث بهدوء:
"ريان هي عمتك يا حبيبي ولازم تحترمها."
"بس هي بتتكلم معايا بقسوة.. وبتجبرني على حاجة مش عايزها."
"حصل خير يا حبيبي.. نام دلوقتي وبكرة نتكلم."
أومأ بالإيجاب فقبله على رأسه برفق وأخذ يمسح على شعره حتى ذهب الصغير إلى النوم. نهض عن الفراش برفق وخرج مغلقاً الباب خلفه بهدوء. كانت رنا تخرج من غرفتها وبمجرد أن رأت شقيقها تقدمت نحوه متسائلة:
"رحيم ندى عاملة إيه؟"
التفت إليها وقال بحنق:
"الحمد لله.. مش تتعاملي مع ريان بهدوء يا رنا."
"أه هو بقى اشتكى لك.. والله هو لو كان اتكلم معايا باحترام كنت اتعاملت معاه بهدوء."
"شوفي أنا فيا اللي مكفيني علشان كده مش هتناقش معاكِ.. لكن مالكيش دعوة بولادي يا رنا."
ثم تركها واتجه إلى الجناح الخاص به فزفرت بسأم وتابعت السير إلى الدرج. وقف هو أمام الباب وشعر بالاختناق المفاجئ ثم دلف إلى الداخل وأضاء المصباح الكبير وأغلق الباب بظهره. نظر حوله بعينين لامعتين بدموع الألم وبدماء قلبه الذي يشعر بنزيفه. ثم اتجه إلى الأريكة وجلس عليها. فلم يستطع أن يمدد على الفراش ورفيقة قلبه ليست بجانبه. شعر بأنه سيجن حقًا وترك العنان لدموعه تمليء وجنتيه.
"يا رب أنا ماليش غيرها.. يا رب اجعل يومي قبل يومها."
نهض عن الأريكة ودلف إلى المرحاض كي يتوضأ وخرج ليصلي وعقب انتهائه ظل مكانه يدعو الله من أعماق روحه قبل قلبه ويلح بالدعاء كثيرًا.
***
"صباح اليوم التالي.."
لم ينم طوال الليل وعند الساعة التاسعة والنصف صباحًا بدل ثيابه وخرج من الغرفة. ودخل غرفة ابنتيه لم يجد أيا منهم وأيضًا ريان. هبط إلى الطابق السفلي واستمع إلى صوتهم يأتي من غرفة الطعام. فاتجه إليها ووقف عند الباب ليجد الجميع حول مائدة الطعام عدا شقيقته. رآته والدته فقالت بحزن:
"تعالى أفطر يا بني أنت على فطارك من امبارح."
نظروا إليه وبمجرد أن رأته آسيا رفعت ذراعيها إليه تناديه بنبرة بكاء. هم أن يتقدم نحوها لكنه استمع إلى ضحكات رنا العالية وهي تدخل الغرفة من الباب المفتوح على الحديقة ثم أنهت المكالمة مع صديقتها. تحدث بصوت عنيف:
"تصدقي إنك ماعندكيش دم."
رفعت رأسها إليه بلهفة متسائلة:
"أنا؟"
"فيه غيرك؟"
رنا بامتعاض:
"ليه بقى إن شاء الله."
ردت نجلاء بحده بدلاً من ابنها:
"مافيش داعي للضحك والكلام الفاضي ده.. وأنتِ فاهمة أقصد إيه مش عايزين نوضح."
شعرت بالغضب الشديد لكونهم يوبخونها بحدة بمجرد أن ضحكت مع صديقتها فقط ووجدت نفسها تقول دون وعي:
"والله لما تبقى تموت ابقوا امنعونا من الضحك."
حدقت والدتها بها في ذهول في حين نظر الجميع إليها بعدم فهم. لكن تلك الكلمة كانت ليست هينة على رحيم بل كانت بمثابة مجموعة من الأسهم السامة اخترقت قلبه دفعة واحدة أوقفته عن النبض. جز أسنانه عنوة حتى كاد أن يكسرهما ووجد نفسه يحمل مقعدًا وقذف به على الأرض ودفع بعض زجاجات المياه في الحائط كي تنكسر إلى قطع زجاجات صغيرة. فصرخت كلا من زهراء وأشرقت وبدأت آسيا تبكي بهستيريا وهو يقول بعنف:
"اطلعي بره البيت ده حالا."
خرجت إلى الحديقة على الفور فقد حقًا شعرت بالخوف من نظرات شقيقها. أخذ يلتقط أنفاسه بصوت مسموع جاعله من صدره يعلو ويهبط بشدة. في حين نظر ريان إلى والده في شك وتساءل بضيق:
"تقصد مين لما تبقى تموت؟"
لم ينظر إليه وخرج دون أن يتفوه بكلمة فيما أسرعت زهره إلى آسيا وحملتها من ثم خرجت بها إلى الحديقة كي تحاول إسكاتها.
"هي مامي تعبانة؟"
تساءلت أشرقت في حزن واضح فردت جدتها بنبرة خنيقة بفضل الدموع التي تحاول السيطرة عليها:
"لأ يا حبيبتي."
"امال تقصد مين بالموت؟"
تساءل ريان بحنق فاستندت بجبينها على قبضتي يديها لم تستطيع أن تجيب إليه. لينظروا إلى بعض في دهشة وقد علم ريان أن ندى مريضة ولا أحد يريد إخباره.
***
"المشفى.."
ذهب إلى الطبيب كي يطمئن عليها وأخبره بأن حالتها مستقرة وتم نقلها إلى غرفة خاصة. بعد أن أنهى حديثه معه استأذن وذهب إلى تلك الغرفة ودخل كي يطمئن عليها بنفسه. جلس على المقعد المجاور إلى الفراش وضع كفها بين راحتي يديه يتطلع إليها بعينين لامعتين من الدموع. ثم أطبق شفتيه على ظهر يدها مغمض عينيه لتهبط دموعه الساخنة على كفها.
"دموعك غالية قوي."
قالت كلماتها بوهن عندما شعرت بدموعه على كف يدها. رفع رأسه إليها بلهفة ونهض عن المقعد وبيده يمسح على شعرها برفق قائلاً:
"ندى يا روحي."
فتحت عينيها لتنظر إليه بوهن ليشعر بنبضات قلبه من جديد فقد نبض قلبه بمجرد أن رأت سوداويته وجهة قهوته. وابتسم بالفعل فقد عادت روحه إلى بدنه من جديد بل انكتب له عمر جديد معها. قبله على جبينها بحنان شديد ثم نظر إليها بلهفة وتحدث بجدية:
"كنت ميت من غيرك يا روحي.. ندى أنتِ فعلاً أغلى من روحي.. ربنا يخليكِ ليا."
"بعيد الشر عليك.. ربنا يخليك ليا."
أخذ يتحدث معها باشتياق كأنه لم يتحدث معها منذ قرن. كما أنه يتأملها بتمعن شديد فحقًا مشتاقة العيون إلى ملامحها الهادئة التي تهدأ من نبضات قلبه.
دق الباب فآذن بالدخول لتدخل أميرة حاملة باقة ورد وقالت مبتسمة:
"حمد الله على سلامتك أستاذة ندى."
ثم وضعت الورد على المنضدة المجاورة إلى الفراش في حين قالت ندى بهدوء:
"الله يسلمك يا أميرة."
مدت يدها بالحقيبة قائلة:
"شنطتك وفيها كل حاجتك."
أخذتها وهي تشكرها بامتنان ثم فتحت السحابة وأخرجت الهاتف وتفقدت جميع المكالمات وقالت مبتسمة:
"جميلة رنت عليّ النهاردة أكتر من عشرين مرة."
قبل أن تكمل حديثها صدح هاتف رحيم فأخرجه من جيب سرواله ليرى شاشته تضيء باسم شقيقه. أجاب عليه وبعد تبادل السلام بينهم تساءل:
"ندى فين يا رحيم؟!.. جميلة كلمتني وبتسأل عليها."
نظر إلى زوجته الحبيبة وقال مبتسمًا:
"دكتورة جميلة بقت بتوصل لندى عن طريقك."
نظرت ندى إليه بلهفة في تعجب في حين نهض رحيم عن مقعده قائلاً:
"تعالي اقعدي يا أستاذة."
"لأ اتفضل يا مستر أنا هقعد على الكنبة."
في حين قال علاء بثقة:
"طبعاً.. هو أخوك شوية ولا إيه."
ضحك ضحكة خفيفة وأشار إلى المقعد عازمًا عليها بالجلوس بإصرار وجلس هو على الأريكة قائلاً:
"ربنا يوفقكم."
جلست أميرة على المقعد وقالت بهدوء موجه حديثها إلى ندى:
"مش تاخدي بالك من الأكل قبل ما تاكلي."
نظرت إليها للحظات من التعجب وقد تذكرت ذلك الطعام قائلة:
"الحمد لله جت سليمة."
ثم نظرت إلى رحيم الذي يخبر شقيقه بعنوان المشفى ثم أنهى معه المكالمة ونظر إليها قائلاً:
"دكتورة جميلة كلمت علاء علشان تطمن عليكِ."
أومأت بتفهم ثم تساءلت في تعجب:
"رحيم أنت ليه بعتلي أكل؟!"
"أنا مبعتش أكل يا ندى.. الحمد لله يا حبيبي عدت على خير."
حملقت به في دهشة متمتمة:
"يعني كان فيه حد قاصد يقتلني.. طيب ليه؟"
نهض عن الأريكة متجه نحوها ووقف يمسح على شعرها برفق وقال بعد أن قبلها على رأسها بحنان:
"بعدين نتكلم.. عايزك ماتفكريش في أي حاجة.. نص ساعة وهجيلك تاني."
قبلها ثانية على رأسها وأوصى أميرة عليها ثم خرج متجهًا إلى غرفة الطبيب. لكنه تقابل معه في الردهة ووقف في مواجهته متسائلاً:
"قدمت بلاغ يا دكتور؟"
"آه طبعًا والمحقق على وصول."
"تمام بإذن الله نص ساعة وراجع."
عند وصوله صف السيارة أمام البوابة الرئيسية وترجل مغلقا الباب خلفه واستند بظهره عليه يشعل سيجاره. زفر دخانها بالهواء واتجه إلى الباب ووقف يدق جرس الباب. فتحت الخادمة بعد لحظات فدخل قائلاً:
"جيجي موجودة؟!"
قالت وهي تغلق الباب:
"آه اتفضل."
"هستنى هنا."
اتجهت هي إلى الدرج وصعدت إلى الطابق العلوي كي تخبرها بوجوده. وقف هو يدخن سيجارته للحظات حتى جاءت وهبطت الدرج ثم تقدمت نحوه لتقف في مواجهته بثبات ومدت يدها إليه قائلة:
"أهلاً يا رحيم."
سحب السيجارة من بين شفتيه ينفث دخانها بالهواء وعيناه تطلع إليها بهدوء مرعب. ثم قبض على معصم يدها وبدأ يطفئ السيجارة في راحة يدها. جحظت عيناه وأخذت تحاول سحب يدها من قبضته وهي تتأوه بشدة قائلة:
"رحيم حرام عليك انت بتحرقني."
ما زال يتطلع إليها بذات الثبات والهدوء المرعب ثم سحب السيجارة وترك معصمها قائلاً:
"نار جهنم أقوى أضعاف أضعاف يمكن تتعظي."
نظرت إليه عاقدة بين حاجبيها وهي تشعر بألم الحرق البسيط هذا الذي لم تتحمله فقال بهدوء مرعب:
"أنتِ خليتيني أعيش يوم من الجحيم.. غفرت لك كتير قوي لكن ندى خط أحمر.. اللي يفكر بس يؤذيها أدفنه بالحيا.. لكن للأسف أنتِ أم أولادي وهسيب القانون هو اللي ياخد حقها منك."
ابتلعت لعابها في توتر وتصنعت بأنها لم تفهم شيئًا قائلة:
"مش فاهمة أنت تقصد إيه."
فاجأها بصفعة قوية على وجنتها جعلت من رأسها تستدير إلى الجانب الآخر وقد فلتت صرخة من بين شفتيها ونظرت إليه في ذهول. قبض على ذراعيها عنوة حتى غرز أنامله بهما وتحدث بفحيح:
"مفيش غيرك اللي حاول يقتل ندى بالسم."
جيجي برهبة واضحة:
"لأ طبعًا ما حصلش."
"كذابة.. أنتِ مفيش غيرك."
هبطت دموعها على وجنتيها بغزارة واندفعت قائلة:
"أيوه أنا.. واحدة خطفت مني بيتي وولادي وجوزي.. كنت أفضل أتفرج وما أحاولش أعمل حاجة."
"وأنتِ فكرة إني ممكن كنت أرجع لك تاني.. أنتِ واحدة شيطانة وعمري ما ندمت على حاجة قد ما ندمت على كل ثانية عشتها معاك."
تركها بعنف ففقدت توازنها لتسقط على الأرض تبكي بندم يحرق قلبها حيث تابع بحده:
"اللي بيحصل فيكِ حلال.. أنتِ اللي بعتيني أنا وولادك علشان شغلك.. ولا شغلت بالك بيهم ولا حتى سألتي.. طيب كنتِ فكري فيهم شوية اسألي مش يمكن حد فيهم حصله حاجة.. أنانية وقلبك جامد.. ربنا يصبر الأطفال اللي أمهم زيك."
رفعت عينيها إليه تطلع إليه بنظرات مؤلمة. رماها هو بنظرة اشمئزاز والتفت متجهًا إلى الباب وخرج مغلقا إياه خلفه بعنف. احتضنت قدميها إلى صدرها وتعالى صوت شهقات بكائها.
رواية حب رحيم الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم سمر عمر
جلست على المقعد داخل الشرفة تنظر إلى الطبيعة بتمعن شديد وشفتيها لم تتوقف عن "الحمد لله".
لتأتي جميلة بعد دقائق قليلة حاملة صينية الطعام. وضعتها أعلى المنضدة فنظرت إليها مبتسمة لتقول الأخيرة بمرح:
- على فكرة أنا اللي عاملة الأكل.
همست ندى بمزاح:
- طبعًا لازم حماتك المستقبلية تدوق أكلك.
ضربتها جميلة على كتفها وجلست على المقعد المقابل لها قائلة:
- ندى بطلي الكلام ده.
أدارت نفسها بالمقعد كي تواجهها وتساءلت باهتمام:
- عملتي إيه مع علاء؟
جميلة بنبرة خجل:
- هو حبني.
- المهم انتِ يا جميلة.
- الحقيقة حسيت إني ميالة ليه.. لكن لازم أتأكد إنه فعلاً خلاص اتغير.
حركت رأسها في كلا الاتجاهين وقالت ساخرة:
- على ما تتأكدي تكون سنانك وقعت.
- تصدقي إنك بايخة.. بطلي كلام بقى وكلي.
ابتسمت وبدأت تتناول الطعام بإعجاب شديد مستمتعة بطعمه اللذيذ.
صدح صوت هاتف جميلة فأخرجته من جيب سروالها لترى شاشته تضيء باسم والدها. نهضت عن المقعد ووقفت أمام السور تتحدث معه وعلمت ندى من حديثها بأن أحدهم تقدم لخطبتها ووالدها مُصر أن توافق.
أنهت المكالمة بعد دقائق وهي تزفر ثم نظرت إليها بحنق قائلة:
- بابا وافق بدون ما ياخد رأي.. بيقولي كفاية رفض.
- زهق منك يا جميلة.
قالت كلماتها بمزاح فجلست على المقعد تتحدث بحدة:
- أنا غلطانة إني بقولك.
- خلاص ما تزعليش.. قولي لعلاء يروح يتقدم واكيد والدك هيخيرك بين الاتنين وافقي بقى على علاء.
- بقولك وافق يا ندى.. أنا لازم أروح وأتكلم معاه.
نهضت عن المقعد فور انتهائها لحديثها متجهة إليها وقبلتها على وجنتها وقالت:
- هجيلك تاني يا روحي.. باي.
اتجهت إلى الخارج فقالت الأخيرة:
- باي.. ابقي طمنيني عملتي إيه.
أكملت تناول الطعام لدقائق حتى استمعت إلى رنين هاتفها. نهضت عن المقعد ودخلت لترى رحيم قد دخل ومسك بهاتفها ينظر إلى شاشته التي تضيء باسم "المحامي رضوان". وقفت إلى جواره فمد يده بالهاتف متسائلاً:
- مين المحامي رضوان ده؟
أخذت الهاتف وهي تقول في دهشة:
- ياه انكل رضوان ده كان محامي بابا الله يرحمه.
أجابته عليه وجلست على حافة الفراش فجلس إلى جوارها. بعد تبادل السلام بينهم قال:
- رجعت من السفر إمبارح بليل وقولت أكلمك علشان لو عاوزة مني أي حاجة أنا تحت أمرك.
- شكرًا جدًا يا انكل.
كادت أن تنهي معه المكالمة لكنها تذكرت شيئًا قائلة:
- كنت عايزة أسأل حضرتك عن حاجة.. عقد البيع اللي تم بين بابا وعمو معاك.
- آه الموضوع ده يطول شرحه.. أنا هانتظرك في مكتبي في أي وقت.
أومأت بخفة وقد شعرت بأن ثمة شيء مريب في ذلك الحدث ثم أنهت معه المكالمة.
تساءل رحيم:
- بتفتحي الموضوع ده تاني ليه؟
أدارت رأسها إليه وقالت في شك:
- حاسة إن فيه حاجة.. ده قالي الموضوع يطول شرحه.
ثم أردفت:
- لازم أروح بكرة أتكلم معاه طبعًا هتيجي معايا.
- بلاش بكرة يا ندى ريحي بس شوية.
- لأ علشان خاطري عايزة أعرف إيه الحكاية.
وضع كفه على رأسها من الخلف وقبلها على جبينها وقال بهدوء:
- حاضر يا روحي.. بإذن الله نروح بكرة.
ابتسمت إليه ثم استندت برأسها على صدره فأخذ يمسح على شعرها برفق وتنهد بعمق قائلة:
- ربنا يخليكِ ليا وما يحرمني من حضنك يا حبيبي.
- يا رب يا روحي.
***
بعد أن تحدثت مع والدها وعلمت من الذي تقدم لخطبتها تركته ودلفت إلى الغرفة مغلقة الباب خلفها. مسحت على وجهها ثم أخرجت الهاتف من حقيبة يدها واتجهت إلى النافذة وهي تقذف بالحقيبة على الفراش. اتصلت على ذلك المتهور ووضعت الهاتف على أذنها.
على الجانب الآخر صدح صوت الهاتف ونظر إلى شاشته التي تضيء باسم "طبيبة قلبي". ابتسم وخرج إلى حديقة المنزل وأجاب بهدوء قائلاً:
- إيه اللي حصل طمنيني.
- تصدق إنك بارد.. هو ده اللي اتفقنا عليه؟
هيأ لنفسه ردة الفعل تلك وقال بجدية:
- ده الأمر الواقع ولازم تقبلي بيه.. شوفي بقى علشان أنتِ بجد تعبتي قلبي معاكِ لو بتحبيني هتوافقي.
حكت جبينها وهي تشعر بالتوتر وقالت بحنق:
- لكن أنا طلبت منك تستنى شوية.. صح ولا لأ؟
- صح.. أنتِ عايزة تعرفي اتغيرت فعلاً ولا لأ.. أنتِ بنفسك عارفة بخلص شغل بعد عشرة لو مش مصدقة تعالي المصنع واسألي.
- هو الشغل بس؟
- أنا بعت الكحول واشتريتك بثمنه.
قال كلماته مداعبًا فشهقت ثم تحدثت من بين أسنانها:
- أنا بثمن الكحول.. طيب طالما أنا بقى بثمنه يبقى مش هتشوف وشي تاني.
- أنتِ أفضل كحول في حياتي.. سكران بعيونك.
ابتسمت رغماً عنها واستمعت إلى دقات قلبها تدق في صدرها برهبة ثم تحدثت بهدوء مُغلف بالدلال:
- أوكي على العموم سيبني أفكر وأرد عليك.
- نعم؟! تفكري.. تفكري إيه يا اللي داخلة على الأربعين سنة.
قال كلماته بمزاح فجزت أسنانها بحدة واندفعت:
- تصدق إنك دبش.. وأنا بقى مش موافقة.
- قفشتي ليه بهزر يا جميلتي.. خدي راحتك يا روحي وفكري لكن ما تغبيش عليا.
تنهدت بصوت مسموع قائلة:
- أوكي سيبني أنام بقى شوية قبل معاد شغلي.
- جميلة.
ردت بتلقائية:
- نعم.
- بحبك.
ابتلعت لعابها بصوت مسموع ولاحت ابتسامة على ثغرها. صوت أنفاسها المضطربة وصلت إلى مسامع أذنيه ليبتسم وهمس بهدوء:
- لما تصحي كلميني.. تصبحي على خير.
تحدثت بنبرة خجل:
- وانت من أهل الخير.
***
"صباح اليوم التالي.."
ذهبت برفقة زوجها إلى المحامي. عند وصوله صف سيارته أمام العقار ثم ترجل متوجهًا إلى الباب الثاني وفتح لها الباب. ترجلت هي الأخرى ومسكت بكفه ثم دلفا إلى الداخل. من ثم استقلا إلى المصعد الكهربائي إلى الطابق المنشود. عند خروجهم توقفت عن السير ونظرت إليه في شك قائلة:
- رحيم أنا خايفة يكون بابا نصب على عمو في البيع.
- هتفرق في إيه يا ندى.. الله يرحمه.
- يعني أقصد إن تميم كان فعلاً عايز حق والده وأنا ظلمته.
رفع حاجبيه قليلاً في تعجب وقال بحنق:
- ندى ده مجرم وهو اللي ظلم نفسه.. على العموم هنعرف كل حاجة.
دلفا إلى الداخل وعندما علمت السكرتيرة بهويتهم آذنت لهما بالدخول فهو في انتظارهم. فتح الباب بعد أن دق عليه ثم دخلوا فنهض "رضوان" عن المقعد يرحب بهم قائلاً:
- أهلًا أهلًا بمستر رحيم ومدام ندى.
صافحها بابتسامة وهو يقول:
- أهلًا بحضرتك يا متر.
- حمد الله على سلامتك يا انكل.
- الله يسلمك يا بنتي.
ثم جلس على المقعد عازمًا عليهم بالجلوس فجلسا على المقعدين المجاورين إلى المكتب وتحدثت ندى بلهفة:
- حضرتك ممكن تفهمني اللي حصل.
تنهد بصوت مسموع وتحدث بأسف:
- الحقيقة يا بنتي لما عمك طلب من والدك يشتري منه حقه في الفيلا والمصنع زور عقد البيع علشان ياخدهم بدون ما يدفع ولا مليم.
نظرت إلى رحيم بحزن واضح وتساءلت نفسها لِمَ كان والدها بتلك البشاعة. حيث تابع المحامي فانتبهت إليه:
- عمك حاول يثبت إنه مزور مقدرش وتعب.. أنا طبعًا أقنعت رؤوف بالعافية وفعلاً دفع له أربعة مليون بس ما لحقش يفرح بيهم وجه ابنه الملعون تميم وأخدهم منه.
- يعني عمو كان لسه له فلوس عند بابا؟
أومأ بتأكيد قائلاً:
- لسه أربعة مليون كمان.
نظرت إلى رحيم بحزن وتحدثت بأسف:
- لا حول ولا قوة إلا بالله.. يعني تميم كان راجع عايز حقه.
- تميم لو كان طلب منك حاجة يبقى بينصب عليكِ.. لأن أبوه فهمه إن ده حقه كله في الفيلا والمصنع.
نظر رحيم إلى زوجته الحبيبة ويعلم جيدًا أنها تأنب نفسها الآن وتود أن ترد لتميم بقية حقه. عاد بالنظر إلى المحامي وقال من أجل أن يريح بال حبيبته:
- مستعد أدفع له بقيت المبلغ لأن ده حقه.
ابتسمت إليه بهدوء في حين تحدث المحامي:
- لكن مستر رحيم لازم عقد بيع حقيقي ونفصل الفيلا والمصنع من جديد.. لأن دلوقتي غير من تسع سنين فاتوا.
- فاهم كل حاجة يا متر.. حضرتك جهز كل حاجة وأنا هتكلم مع المسؤول عن قضية تميم ويشوف إيه المطلوب ونعمله.
ابتسم إليه وتنهد بهدوء قائلاً:
- تمام وبكده الحق يرجع لصاحبه.
ثم فتح خزنته وأخرج منها ملف وبدأ يبحث عن العقد المزور حتى وجده. ومد يده به إلى ندى فأخذته كي تفحصه ثم وضعته داخل حقيبة يدها. استأذن رحيم منه ثم مسك بكف زوجته واتجها إلى الخارج. عند خروجهم من العقار استقلا السيارة وغادر إلى وجهته.
نظرت إلى الخارج بواسطة النافذة وقد لمعت عينيها من الدموع تاركة إياها تهبط على وجنتيها. كان ينظر إلى الطريق تارة وإليها تارة أخرى حتى شعر بها. فصف السيارة جانبًا لتشعر بوقوف السيارة وقامت بمسح دموعها على الفور. مسك بذقنها وأدار رأسها إليه قائلاً:
- مش عايزاني أشوف دموعك؟.. امال مين يمسح دموع حبيبي غيري.
أطرقت عينيها تاركة العنان لدموعها تهبط على وجنتيها بغزارة وقالت بنبرة ضيق:
- زعلانة على بابا واللي كان بيعمله.. أهو مات وما أخدش أي حاجة من اللي كان خايف عليها.. ولا فلوس ولا فيلا ولا مصنع.. حقيقي البني آدم ده غريب عايش في الدنيا وناسي آخرته.. ربنا يسامحنا على أخطائنا يا رب.
مسح على رأسها برفق واقترب منها وقبلها على جبينها بحنان بعدها مسح دموعها وقال مبتسماً:
- عارفة أكتر حاجة بتمنى إن ربنا يغفر لنا أخطائنا وندخل الجنة وتبقي زوجتي في الجنة.. بتمنى وجودك في الدنيا وفي الآخرة يا أجمل ندى في حياتي.. بحبك وقلبي بيعشق نبضاتك وعيوني بتعشق تفاصيلك.
ابتسمت إليه وتحدثت بنعومة:
- أنت حياتي وروحي ربنا يخليك ليا ونشيب سوا.
قطب جبينه وقال مداعبًا:
- ونضحك بدون أسنان.
ضحكت ضحكة خفيفة قائلة:
- آه ونضحك بدون أسنان.
قبلها على وجنتها وأحاط كتفها كي يضمها إلى صدره وعاد إلى القيادة.
***
"القصر.."
أخذ حمام السباحة ذهاباً وإياباً وكلا من نانا ونجلاء يتابعوه بابتسامة واسعة. وأشرقت تصفق له هي وأختها الصغيرة. بعد دقائق خرج من المياه واستدار حول نفسه كي تتطاير بعض قطرات المياه على أخوته.
- من زمان ماشوفتش ريان مبسوط كده.
قالت نجلاء كلماتها بنبرة فرح. فنظرت نانا إليها وقالت مبتسمة:
- ربنا يخليهم ويبارك فيهم.
- يا رب.
خرج رحيم برفقة زوجته ليرى أبناءه يركضون خلف بعض بمرح. ترك كفها واتجه نحوهم فجلست الأخيرة على المقعد المجاور إلى الأريكة وتساءلت نانا باهتمام:
- عملتي إيه يا ندى؟
نظرت إليها وبدأت تقص عليهما كل شيء. في حين فاجئ رحيم ابنه بحمله على ذراعيه واستدار به فركضت أشرقت إلى المواسير الصغيرة المختصة بروي العشب وقامت بفتحها. لتخرج منها المياه وتستدير بشكل دائري وقامت بتشغيل الجميع. فنظر رحيم إليها قائلاً:
- يا مجنونة.
ضحكت ضحكة عالية ومسحت على شعرها المبلل. ثم مسكت بيدي أختها وبدأت تقفز معها. أنزل هو ريان برفق وبدأ يستدير حول والده بمرح. نظرت ندى إليه واتسعت ابتسامتها وبعد لحظات رأت زوجها الحبيب يتقدم إليها وهو يمسح على شعره المبلل. ثم وقف أمامها ومسك بكفيها كي ينهضها عن المقعد وأخذها إلى الأولاد لتحظى بالقليل من المرح معهم.
"بعد مدة من الزمن.."
وقفت أمام المرآة تمشط شعرها ثم نفثت القليل من العطر. ثم مدت على الفراش وارتدت نظارتها لتتابع قراءة الرواية. بعد لحظات دق باب الغرفة فرفعت جذعها عن الفراش تأذن بالدخول. دخلت رنا مغلقة الباب خلفها وتقدمت نحوها وهي تقول:
- حمد الله على سلامتك.. معلش جيت متأخر.
ثم جلست أمامها على حافة الفراش فقالت الأخيرة بود:
- ولا يهمك.. عارفة قد إيه مشغولة مع زهرة.. طمنيني هي عاملة إيه؟
- الحمد لله.. قطعت علاقتها بالدكتور الجامعي.. هي طبعاً هتاخد وقت عشان تنسى.
أومأت بالإيجاب وقالت بتأثر:
- طبعًا.. ربنا معاها وتعدي المحنة دي على خير.
- يا رب.
ثم تساءلت:
- تعرفي إن جيجي اتسجنت؟
ندى في دهشة:
- اتسجنت؟.. لأ من امتى.
همت أن تتحدث لكن استمع رحيم إلى آخر كلماتها وهو يخرج من المرحاض وقال بحده:
- أنا اللي بلغت عنها.
ثم وقف يمشط شعره المبلل أمام المرآة فيما نظرت ندى إليه في دهشة وقد علمت لِمَ هو أبلغ عنها الشرطة. التفتت الأخيرة إليه تطلع إليه في دهشة متسائلة:
- ليه عملت كده؟
نظر إليها بحدة وقد رفع أحد حاجبيه وهو يقول بعنف:
- علشان هي اللي سممت ندى.. عارفة لو كنتِ مشتركة معاها ما كنتش اترددت ثانية وسجنتك.
- مش معقول.. جيجي تفكر تقتل.
- اللي قلبه أسود يعمل أكتر من كده.. وبعد إذنك مش عايز كلام في الموضوع ده تاني.. اتفضلي بره.
- رحيم.
نادته ندى في دهشة كي ينتبه من حديثه فاندفع بحدة بالغة:
- رحيم إيه.. دي تاني يوم تعبك كانت بتضحك ولما عاتبتها قالت لما تبقى تموت امنعونا من الضحك.
أغمضت رنا عينيها عنوة تأنب نفسها على كلمات تقولها دون وعي منها فيما نظرت ندى إليها بحزن واكتفت بتحريك رأسها في كلا الاتجاهين بأسف.
- مستنية أخرجك بنفسي.
قالها بحنق لترمي ندى بنظرات عتاب بفضل معاملته القاسية مع شقيقته. فيما نهضت رنا متجهة إلى الباب وخرجت مغلقة إياه خلفها فقالت ندى بحزن:
- رحيم ماينفعش تعاملها كده.
جلس على حافة الفراش أمامها وتحدث بجدية:
- مستحيل أسامح حد أساء لك.. أنتِ تستحقي كل شيء جميل.. وعلشان أنتِ قلبك أبيض وطيبة أساءت لك علشان واحدة شيطانة.
رفع كفها إلى حيث شفتيه طبع عليها عدة قبلات حانية ثم نظر إليها بابتسامة خاصة بها فقط هامساً:
- بحبك يا عشق قلبي.
ابتسمت وتحدثت بنعومة:
- بموت فيك.
***
قامت بحجز التذاكر كي تعود إلى كندا لكن رفضت زهرة أن تعود معها. تحدثت بنبرة ضيق:
- مش عايزة تعيشي معايا.
وقفت إلى جوار باب الشرفة تطلع إلى الخارج وقالت بحزن:
- مش قصدي.. أنا حابة أعيش هنا.
نهضت عن الفراش متجه إليها ووقفت أمامها تطلع إليها بحزن قائلة:
- لكن أنا عايزة أعيش معاكِ.. علشان خاطري فكري لحد معاد السفر.
- ماما مش عايزة أخليكي تتعلقي بأمل ضعيف.. أنا خلاص أخدت قراري.
رمتها بنظرة عتاب وبكل هدوء تركتها وخرجت من ثم هبطت إلى الطابق السفلي متجه إلى غرفة والدتها ودخلت بعد أن قرعت الباب. نظرت إليها لترى دموعها تملئ وجنتيها فتساءلت في قلق:
- مالك يا بنتي إيه اللي حصل؟
جلست على حافة الفراش تمسح دموعها قائلة:
- زهرة قررت تقعد هنا ومش عايزة ترجع معايا.
ربتت على ذراعها وتحدثت بهدوء:
- معلش يا حبيبتي سبيها على راحتها وصدقيني هترجعلك تاني.
- خايفة يا ماما ترفض ترجعلي تاني.. أنا قسيت عليها.
شعرت بالحزن من أجل ابنتها وأخذت تهون عليها كما أنها وعدتها بأنها ستحاول مع زهرة أن تعود إليها في أقرب وقت ممكن. أومأت بالإيجاب مضطرة وهي تمسح على وجنتيها ثم تحدثت:
- رحيم قالك إن جيجي هي اللي بعتت الأكل المسمم لندى ودخلها السجن.
شهقت بفزع قائلة:
- جيجي؟!.. إيه القسوة والقلوب المريضة دي.
ثم أردفت بحنق شديد:
- دي اللي كنتِ بدافعي عنها وعايزاها ترجع لأخوكي.. مش عارفة كان عقلي فين يوم ما قلتله عليها.
- مامتها كلمتني وطلبت مني أترجى رحيم يتنازل عن المحضر.
- علشان تعمل مصايب من دي تاني.. اسمعي أنتِ ما لكِيش دعوة بالموضوع ده سيبها تتربى.. ولا حتى تفكري تروحي تشوفيها كفاية مشاكل.
قالت كلماتها بحدة وحسم شديد فيما ندمت الأخيرة على ما فعلته بندى ثم تنهدت بحزن قائلة:
- أنا خلاص مسافرة.
- اهتمي ببنتيك وولادك يا بنتي.
رواية حب رحيم الفصل الخمسون 50 - بقلم سمر عمر
هلا الربيع بنسماته الخافتة التي تهدأ الروح والبدن.
تتراقص العصافير فوق الأشجار التي تُغطي الحديقة بفروعها الخضراء الزهية وأُخرى بفروعها الوردية.
رائحة الفل والياسمين تملأ المكان كي يكتمل الربيع.
خرجت إلى الشرفة ووقفت أمام ورد الفل الأبيض.
استنشقت رائحته عن قرب ثم نظرت حولها بابتسامة واسعة ترحب بالربيع لكونها من عشاقه.
خرج الأخير واحتضنها من الخلف رافعاً أحد يديه التي تحمل وردة زرقاء.
ابتسمت وأخذت الوردة تستنشق عطرها.
ارتكز هو بذقنه على كتفها وقبلها على وجنتها برقة وهمس بالقرب من أذنها:
- رائحتك من رائحة حقول الفل.
اتسعت ابتسامتها والتفتت إليه هامسه بنعومة شديدة:
- بحبك.. بحبك قد العالم.
مسح على جانبي رأسها وقبلها على جبينها بعد ذلك نظر إليها بمرح قائلاً:
- أنتِ حب رحيم.
- وأنت عشق الندى.
خطفت روحه بتلك الجملة واحتضنها عنوة فبادلته بذات العناق وتساءلت مبتسمه:
- جاهز لعرض الأزياء؟
- طبعًا.. أنتِ جاهزة؟
ثم ابتعد عنها قليلا وهي تتحدث بثقة:
- طبعًا.
- عايز أخد رايك في حاجة.
أومأت بخفه وهي تستمع إليه باهتمام:
- الفيلا اللي شاهده على حبنا.. ايه رايك نعيش فيها.
- فيلا الأبيض والأسود.
ضحك ضحكة خفيفة ثم قبلها على وجنتها وقال بجدية:
- اه الأبيض والأسود.
- مفيش مشكلة لو قعدنا فيها فترة.. لكن البيت ده علشان خاطري بلاش نسيبه.. لأنه البيت اللي بدأنا فيه حياتنا مع بعض.
أومأ بتفهم واقتنع بكلماتها ثم ضمها إليه صدره وتنهد بعمق قائلاً:
- ربنا يديمك نعمة في حياتي.
- يا رب ويخليك ليا.
بعد مدة من الزمن..
تناول الجميع الغداء في حديقة المنزل.
وبعد لحظات نظرت زهراء إلى خالها متسائلة:
- ممكن اجي معاك الحفلة يا خالو؟
- أه يا حبيبتي مفيش مشكلة.
ابتسمت فقالت ندى كي تحمسها أكثر:
- والفستان اللي يعجبك بس شاوري عليه واعتبريه هدية مني.
- شكرًا جدًا.
- أنا كمان عايزه فستان.
قالت أشرقت كلماتها بتذمر فابتسمت ندى قائلة:
- مش اتفقنا أصمم لك فستان حلو.
ثم نظرت إلى رحيم وتساءلت:
- رحيم يعني ماقولتش رايك في فكرة تصميم لبس الأطفال.
لينظر إليها قاطبًا جبينه وقال بجدية:
- مش محتاجة رأي لأنك صح في كل حاجة.
- واخده رخصة في كل حاجة يا ندى.
تحدثت نجلاء بمداعبه فنظرت ندى إليها مبتسمه وهمت أن تتحدث لكن زهراء سبقتها بنبرة تمني:
- اتمنى اتجوز واحد زي خالو رحيم.
قال بجديه بعد أن نظر إليها:
- بإذن الله هيبقى أفضل مني كمان.
تدخلت ندى بالحوار قائلة بجدية:
- أنتِ زهره وفعلا زهره.. كمان طيبة ومؤدبة تستاهلي كل خير.
شعرت بالخجل من كلماتهم الموجه لها وقالت مبتسمه:
- كده هتغر.
- من حقك يا قلب خالو.
نظرت جدتها إليها بابتسامة واسعة وقالت بمرح:
- يا سيدي على الدلع.
نظرت إلى جدتها بعينين لامعتين من السعادة.
بعد ذلك صدح صوت الهاتف الخاص بها فنظرت إليه لترى اتصال من والدتها.
أخذته ونهضت لتقف جانبًا تتحدث إليها.
- ريان معاد تدريب السباحة بعد ساعة.. جاهز؟
- طبعاً يا مامي.. انا متحمس جدًا كمان بعض زمايلي هيحضروا معايا البطولة وصديقي بيشجعني.
ندى بحماس ونبرة تفاؤل:
- بإذن تكسب يا روحي.
ابتسم إليها وأكمل طعامه.
في حين نظر رحيم إلى زوجته الحبيبة واقترب منها قليلاً ليهمس:
- بقى عنده أصدقاء.. لاء وكمان يحب يروح النادي علشان يقابلهم ويلعب معاهم الألعاب الرياضية.
همست الأخيرة بنبرة كبرياء مصطنعة:
- كان عندك شك في تأثيري عليه ولا ايه.
تأمل ملامحها بنظرات جريئة انتبهت إليها جيدًا وهمس بنبرة غزل:
- أنتِ تأثيرك عامل شبه البنج.
ضربته على كتفه بخفه فابتسم ثم تابع كلا منهم طعامه في صمت.
***
مساء ذات اليوم..
استعدت للذهاب إلى الحفل.
ارتدت فستان أسود لامع منفوش قليلاً بحزام من عند الخصر بذات اللون.
وارتدت حجاب أحمر فاتح وحذاء بكعب بذات اللون.
ثم زُينت عنقها بقلادة تحمل قلب زوجها سبق وقام بشرائها من أجلها وأيضًا أسواره نبضاته حول معصم يدها.
ارتدى هو الأخير بدلته السوداء التي تجعله أكثر وسامة وأيضاً ينجذب له الجميع.
وقف يتطلع إليها بنظرة إعجاب وأخذ يصدر صفيرًا عالياً وقال بجدية:
- حبيبي عدى حدود الجمال.. حبيبي فوق جميع النساء وأجملهن.
التفتت إليه وبدأت تنفث له القليل من عطره المفضل قائلة:
- حبيبي رائع وجذاب خاص بي أنا.
ثم قبلته على وجنته بنعومة شديدة.
ثم وضعت زجاجة العطر وأخذت حقيبة يدها المميزة وتأبطت ذراعه قائلة بحماس:
- يلا على الحفلة.
قبله على جانب رأسها ثم خرجوا من الغرفة.
كانت زهراء بالأسفل في انتظارهم وايضًا تتميز بفستانها الوردي الطويل ورافعه شعرها على هيئة ذيل حصان.
تركت الأولاد مع كلا من السيدة وفيه والسيدة نجلاء وذهبوا إلى الحفل.
بعد نصف ساعة تقريباً وصل إلى العنوان المنشود.
صف السيارة أمام السجادة الحمراء وبدأت الأضواء تتسلط عليهما.
ترجل السائق وفتح الباب الخلفي ترجل رحيم ماسكًا بكف حبيبته يشعر بالفخر لكونها زوجته.
بدأ الجميع بالتصوير فانتظر ابنة شقيقته حتى وقفت إلى جواره فمسك بكفها هي الأخرى واتجه إلى الداخل والحرس يمنعون بعض الصحافيين من التقرب منهما.
كان عمرو في انتظاره واحتضنه فشدد رحيم في احتضانه.
ثم ابتعد عنه لينظر إليه وتساءل باهتمام:
- أخبار دراعك ايه؟
- أحسن الحمد لله مع التمارين.
ربت على ذراعه برفق ثم صافحته ندى.
بعد ذلك اتجه الجميع إلى الطاولة كي يجلسون عليها.
بعد دقائق بدأ عرض الأزياء مع موسيقى خاصة به.
خرجت فتاة تليها فتاة ليخطفن أنظار الجميع بالأزياء الرائعة اللون الموحد الهادئ.
عقب انتهاء العرض صفق الجميع بحرارة.
من ثم صعد عمرو إلى المنصة ووقف يتحدث عن الأزياء والشباب المكافحين ومؤسس شركة الشباب " رحيم..".
انتهى من حديثه الرسمي ودعا المستر للصعود على المنصة.
نهض عن المقعد متجهًا إليه والأضواء موجه إليه.
فيما صفقت ندى إليه بحرارة وهي تطلع إليه بنظرات مليئة بالحب والفخر.
وقف يشكر الجميع على الحضور وشكر خاص لصديقة سنده.
ثم قدم شكر لزوجته الحبيبة على ما قدمته من أفكار هائلة تسببت في ذلك النجاح الكبير.
بعد ذلك قام بدعوة الشباب المصممين إلى المنصة.
نهض الجميع من ضمنهم ندى ووقفوا إلى جواره وأحاط هو كتف زوجته بذراعه وابتسم لتلك الكاميرات التي تلتقط لهما الكثير من الصور من أجل المجلة.
بعد ذلك أمر عمرو بفتح البوفيه وبدأ الجميع بتناول العشاء.
وقفت ندى مع زهره جانبًا وتساءلت باهتمام:
- أيه الفستان اللي عجبك.
ابتسمت وتحدثت بخجل:
- مش عارفه بصراحة خجلانة منك.
- يا حبيبتي بلاش الرسمية دي.. أنتِ أختي.
- شرف كبير ليا إنك اعتبرتيني أختك.
ابتسمت إليها بود ثم مسكت بكفها وأخذتها إلى حيث غرفة الأزياء كي تختار أولًا.
وقف عمرو أمام صديقة ينظر إليه بابتسامة بسيطة قائلاً:
- شكرًا على وقفتك جنب أهلي.
- شكرًا؟!..
تناول القليل من المشروب ثم ربت على ذراعه السليم وقال بحنق:
- شكرًا دي تقولها لواحد غريب مش لـ أخوك.
- الأخ له شكر برضه.. حقيقي بحمد ربنا على وجودك.
ترك الكوب أعلى المنضدة واحتضنه مربتًا على ظهره قائلاً:
- ربنا يديمك نعمة في حياتي.
- يا رب..
ثم ابتعد عنه وتحدث مبتسماً:
- مش انا سمعت كلامك وخلاص خطبت.
رفع رأسه للأعلى قليلا قائلا في دهشة:
- ياه يا عمرو.. انت بتهزر؟
ضحك ضحكة خفيفة قائلاً:
- أه والله.. خطبت بنت عمي ووافقت باين عليها كانت بتحبني.
- ومازالت بتحبك أكيد.. ربنا يكملكم على خير.
غمز بمشاكسة قائلا:
- الخطوبة قبل سفر أسوان.
- مش محتاج عزومه يا عمرو انا اخو العريس.
أومأ تأكيدًا على حديثة ثم احتضنه بشدة.
في حين خرجت ندى برفقة زهراء تحمل جراب فستان آخر قامت باختياره من أجل حفلة كتب كتاب صديقتها المقربة.
وقفت إلى جوارهم وقالت مبتسمه:
- ربنا يخليكم لبعض.
ابتعد رحيم عن صديقه محتفظًا بإحاطة كتفه بذراعه وقال بنبرة فرحة واضحة:
- باركي لعمرو خطب أخيرا.
لتنظر إليه بلهفة واتسعت ابتسامتها قائلة:
- ألف مليون مبروك يا عمرو ربنا يتمم بخير.
- يا رب.
***
بعد ثلاثة أيام..
كانت إلى جانب صديقتها طوال اليوم.
فاليوم مميز لأنها سوف تتزوج.
ساعدتها على ارتداء الفستان الذي من تصميمها.
مميز بلون القمح يليق بلون بشرتها وبمساحيق التجميل الخفيفة.
يصل طوله إلى رسغيها ومُزين بنقوش من الورود الصغيرة المتناثرة ذات أكمام منفوشة من الشيفون.
جلست خلفها تضع لها القليل من المثبت على شعرها ثم قبلتها على وجنتها وقالت بفرحة:
- مبروك يا روحي ربنا يسعدكم.
- الله يبارك لي فيكِ يا أجمل وأجدع صديقة.
دق الباب فالتفتت ندى إليه تأذن بالدخول فدخلت والدة جميلة قائلة:
- يلا يا جميلتي علشان عريسك وصل والمآذون كمان.
أومأت بالإيجاب وبدأت تفرك في أصابع يديها فأمسكت ندى بها لتشعر ببرودة يدها لتضحك ضحكة خفيفة.
ضربتها جميلة على ظهر يدها وكادت أن توبخها لكنها رأت والدها يدخل.
نهضت عن المقعد تطلع إليه بابتسامة واسعة وقالت بنبرة توتر:
- عارفه اني عذبتك معايا.. لكن خلاص فاضل يومين وأسيب البيت.
مسح على ذراعيها برفق ثم قبلها على جبينها بحنان ونظر إليها بنظرة فخر قائلاً:
- أنتِ بنتي الفخور بيها دايما واليوم ده أسعد يوم في حياتي وهتوحشيني قوي.
ثم ضربها على جانب رأسها بخفه كما يفعل دائمًا فابتسمت بتأثر ثم احتضنته.
ضمت الأخيرة يديها إليها تطلع إليهم بتأثر واضح.
بعد ذلك مسك بكفها وخرج فأخذت ندى طبق بلاستيك ممتلئ بالورود وبدأت تقذف عليها.
تشبثت في يد والدها أكثر وهي تشعر بالخجل الشديد وبمجرد أن رأت علاء أطرقت رأسها.
أشار رحيم بمرح إلى شقيقه أن يذهب إليها ويعطيها باقة الورد.
ابتسم إليه واتجه إليها فصفق شقيقه إليه في حين وقف الأخير يصافح والدها وأعطى لها باقة الورد وهم أن يمسك بكفها لكن مسك والدها بيده هو واتجه به إلى غرفة الصالون.
لحق رحيم بهما فهو الشاهد على العقد فيما ركضت أشرقت إلى ندى وأخذت بعض البدلات كي تقذف بها على جميلة.
قبلتها جميلة على وجنتها ثم جلست على الاريكة بين والدتها ونجلاء.
تركت ندى طبق الورد مع أشرقت وأخذت تلعب به مع أختها الصغيرة.
ما هو إلا وقت ليس بقليل وأعلن المأذون الزواج.
نهض الجميع واستقبل علاء التهنئة من الجميع وعلى وجه السرعة خرج متجهًا إلى جميلة قلبه.
مسك بكفها وانهضها عن المقعد كي يحتضنها.
جحظت عينيها تطلع إلى كلا الاتجاهين ثم رفعت يديها وضعتهما على ظهره.
نهض الجميع يباركون لهما بحرارة.
همس هو بالقرب من آذنها:
- مبروك يا جميلة قلبي.. بحبك والله.
اتسعت ابتسامتها وشعرت بالخجل من حروف تلك الكلمة وقالت بهدوء:
- الله يبارك فيك.
ابتعد عنها وقبلها على جبينها بحنان ثم تركها لوالدتها تحتضنها واحتضن هو والدته وأخذت تبارك له بفرحة كبيرة.
رفع ريان رأسه إلى ندى متسائلاً:
- هما خلاص اتجوزوا.
نظرت إليه مبتسمه وقالت بعد أن قبلته على رأسه:
- اه يا حبيبي.. عقبالك لما تكبر يا قمري.
ثم قبلته على وجنته ورفعت جذعها وصافحت علاء ثم احتضنت صديقتها.
فيما احتضن علاء ابنة شقيقته قائلاً:
- عقبالك يا روحي.
- بإذن الله يا خالو.
قضوا اليوم في منزل العروسة ولم تخلوا الحفلة من ضحكاتهم وسعادتهم.
وبعد ذلك أخذ علاء جميلة وجلس الاثنان معًا في الشرفة.
وتحدث معها في الكثير من الأمور عن حياتهم ومستقبلهم.
بادلته بالحديث كما أنها عبرت عن مدى حبها وإعجابها به.
بعد أن استمع منها اعترافها الرائع الذي راق إليه كثيراً ووجد نفسه يحتضنها فشعرت بالخجل قائلة:
- احنا في البلكونة.
- عادي أنتِ مراتي وحبيبتي وقلبي.
ثم ابتعد عنها قليلاً ومسك بكفها رفعه إلى حيث شفتيه يقبلها برقه.
فاصطبغت وجنتيها بحمرة الخجل الممزوج بالحب وتنهدت قائلة:
- على فكرة انا فخورة بيك جدًا.. بحب الراجل المكافح اللي بيتغير.
- والأهم بقى اني اتغيرت علشانك قبل نفسي.. بحبك وبحمد ربنا علشان قابلتك.. ربنا يديمك في حياتي.
- يا رب ويديمك في حياتي.
قالت كلماتها بنبرة خجل فابتسم وأحاط كتفها ورفع كفها إلى حيث شفتيه يقبلها برقه.
بعد ذلك تنهد بعمق ويفكر في ذلك المستقبل الرائع الذي سيكون في انتظاره هو وزوجته جميلة قلبه.
***
هبطت الطائرة إلى مطار أسوان.
عقب خروجهم من المطار استنشقت رائحة أسوان ونظرت إلى زوجها الحبيب بابتسامة منبعثه من القلب.
أحاط كتفها بذراعه وقبلها على جانب رأسها برفق.
ثم استقل سيارة كانت في انتظارهم خاصة بالفندق الذي سبق وحجز به.
عند وصولهم صف السائق السيارة جانبًا فترجل الاثنان وامسك بكف حبيبته بل تشابكت أيديهم ودلفا إلى الداخل.
استلم مفتاح الجناح الخاص بهم ولحق بهم موظف يحمل الحقائب.
عند وصولهم فتح الباب لتدخل ندى وأعطى المال إلى الموظف وادخل الحقائب بنفسه.
خرجت إلى الشرفة بلهفة ووقفت تطلع إلى جمال أسوان بعينين متلهفة بشوق.
خرج واحتضنها من الخلف وقال بعد أن قبلها على وجنتها:
- بحبك.
- بموت فيك.
قبلته على وجنته بنعومة ثم عادت بالنظر إلى الطبيعة قائلة:
- سبحان الله.. شايف الجمال.
- سبحان الله.. مش شايف غير جمالك.
اتسعت ابتسامتها والتفتت إليه جاعلة من ذراعيها طوق حول عنقه هامسه:
- بحبك.
- بعشقك يا روحي.
ثم احتضنها عنوة فبادلته بذات العناق بل وأكثر واغمضت عينيها قائلة:
- كل عام وأنت الخير.. كل عام وأنت نبض قلبي.. ربنا يخليك ليا يا حبيبي ودايما مع بعض.. أجمل يوم هو يوم ميلادك يا روحي.
نظر إليها قاطبًا جبينه قائلاً:
- عيد ميلادي لسه بكره.
- يا حياتي كل يوم وانت جمبي عيد.
قبلها على ثغرها واحتضن وجنتيها براحتي يديه وقال مبتسمًا:
- ربنا يخليكِ لقلبي.
- يا رب.
ثم أردفت:
- بعد بكرة الولاد لازم يكونوا هنا مش هقدر ابعد عنهم اكتر من كده.
- حاضر يا روحي اتفقت مع عمرو يجيبهم.. المهم خلينا مع بعض اليومين دول بقى.
أومأت بالإيجاب بمرح فضمها إلى صدره لتُحيط هي خصره بذراعيها وتنهدت بعمق.
" بعد مدة من الزمن.."
أخذها في رحلة سياحية أشرف عليها بنفسه.
وكانت تضحك عندما يشرح لها ويعرفها على الأماكن السياحية.
بعد ذلك التقطا الكثير من الصور المرحة ولم تخلوا الصور من ابتسامتهم.
ومن حين لآخر يقبلها على جبينها ويدها ويعبر لها عن مدى عشق قلبه لها وكم تعشق عيناه عينيها.
وفي تمام الساعة الثانية عشرة مساءً في اليوم التالي.
جهزت له حلوة عيد ميلاده واحتفل الاثنان فقط بتلك المناسبة الرائعة.
وبعد أن اطفأ الشمعة صفقت وقبلته على وجنته عنوة ثم احتضنته.
بعد ذلك قامت بتشغيل أغنية حب هادئة وتمايلت معه على انغامها وهي تحتل عنقه بذراعيها.
نظرت سوداويته إليها بنظرات من العشق المنبعث من بين أوردة قلبه الذي ينبض بها ولها.
بادلته بذات نظرات العشق وأصبحت العيون تتحدث أكثر من الشفاه.
عقب انتهاء الأغنية قبلته على وجنته وتساءلت بصوت منخفض:
- جاهز للهدية؟!
- أنتِ أجمل هدية.
رفعت حاجبيها بمرح وقالت بابتسامة مرحة:
- عارفه طبعًا.. لكن لازم هدية.
ثم التفتت متجه إلى الخزانة ووقفت تفتحها لتأخذ حقيبتها وأخرجت منها علبة مستطيلة ملفوف عليها شريط أحمر.
عادت إليه ومدت يديها بها بابتسامة خاصة به.
أخذها وسحب الشريط وقام بفتحها.
تعجب من ذلك الشيء الذي داخلها بينما هي تطلع إليه باضطراب وأخذ صدرها يعلوا ويهبط.
مسك بذلك الشيء يتطلع إليه عن قرب ليجده اختبار حمل نتيجة إيجابية.
عندما فاق من دهشته نظر إليها بلهفة قائلاً:
- حامل؟
أومأت بالإيجاب عدة مرات بابتسامة جعلت من عينها تلمع من كثرة السعادة.
احتضنها عنوة وأخذ يقبلها على رأسها عدة مرات وقال بمرح:
- أب للمرة الرابعة.
ثم ابتعد عنها وقال بسعادة واضحة:
- الف مبروك يا روحي.. مبروك يا قلبي.
ثم احتضنها ثانية فبادلته بذات العناق بل وأكثر وقالت مبتسمة:
- الله يبارك لي فيك يا روحي.
ركع على ركبتيه وقبلها على بطنها ووضع كفه عليها برفق قائلاً:
- والدك سعيد بوجودك هنا حبيبي.. ربنا يخرجك للدنيا بسلام.
مسحت على شعره برفق فنهض وقبلها على جبينها بحنان وتحدث بحسم:
- مستحيل نرجع القاهرة بالطيارة.
- لو كان فيه خطر كنت طلبت نسافر بالعربية من الاول.. لكن أخدت آذن الدكتورة وقالت مفيش قلق.. وبعدين يا حبيبي ده هي ساعة.
- ماشي يا روحي.
رفع كفها إلى حيث شفتيه وطبع عليه قبلة حانية فقالت مبتسمة:
- بعشقك يا رحيم.. ربنا يخليك ليا حبيبي.
- بعشقك يا حب رحيم.. أنا بذوب فيكي يا ندى.
- وأنت عشق الندى.
راقت له كلماتها كثيرًا وضمها إلى صدره يحتويها بكلتا ذراعيه.
فأغمضت عينيها حيث تجد الاحساس بالهدوء والسكينة.
قبلها على رأسها برفق وقال بحب:
- يا بسمة روحي ونبضاتي.. أنتِ حب رحيم وقلب رحيم بل نبضات رحيم.
- وأنا اذوب في رحيم.. بعشقك يا عشق الندى.