تحميل رواية «حب رحيم» PDF
بقلم سمر عمر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
“صدفة..” ” عارف أنت أجمل إنسان شوفته في حياتي..” قالت هذه الجملة سرًا.. وهي مستندة بوجنتها على قبضة يدها، وباليد الأخرى تقلب فنجان المشروب الساخن.. ومقلتيها البندقية تنظر إلى ذلك الرجل الجالس أمام طاولة تقع على الجانب الآخر منها. مرتديًا بدلة سوداء أنيقة أسفلها قميص ناصع البياض، تاركًا أزراره الأولى مفتوحة لتظهر بعض علامات عضلات صدره البارزة. كان يقلب في الهاتف النقال، وباليد الأخرى حاملًا فنجان القهوة السادة. أخذت تتأمله وهو لم يراها، بل لم ينظر حوله قط.. فهو يجلس بشموخ، حتى طريقة مسكته لفنجان...
رواية حب رحيم الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سمر عمر
انتبه إلى شرودها الزائد عن حده اليوم. كما أنه انتبه إلى نظراتها الكثيرة الموجة إلى ريان. انتقل ببصره بينهم للحظات ثم تناول أول رشفة من فنجان القهوة وتساءل بصوت منخفض:
"تحبي تبدأي شغل امتى؟"
لم تنتبه إلى سؤاله بفضل ذلك الشرود السارق لعقلها بالكامل. فرفع حاجبيه في تعجب وتساءل بصوت واضح:
"ايه اللي شاغل راسك لدرجة دي؟"
نظرت إليه بعدم استيعاب لكن سرعان ما استعادت وعيها قائلة:
"ها لاء ولا حاجة."
رفع أحد حاجبيه يتأملها بعدم تصديق وهو يتناول رشفة أخرى. ثم بلل شفتيه بلسانه وقال بجدية:
"على العموم هعرف كل حاجة لكن لما أرجع من الشغل."
أومأت بخفة ثم ابتسمت. فابتسمت عيناه قبل ثغره بابتسامة خاصة بها. ثم نهض عن المقعد وقبلها على رأسها ليودع ابنائه بقبلة مثلها ثم غادر المنزل.
بعد لحظات انتهى ريان من الفطار وترك الغرفة وخرج ليصعد إلى الطابق العلوي. تنهدت ندى بصوت مسموع ثم تركت آسيا مع اختها وخرجت متجه إلى الدرج وصعدت إلى الطابق العلوي. ثم وقفت أمام غرفة رنا ودقت الباب ودخلت بعد أن آذنت بالدخول.
أغلقت الباب بظهرها بينما نهضت الأخيرة عن الفراش لتقف في مواجهتها متسائلة:
"خير يا ندى؟!.. اول مرة تشرفيني في أوضتي."
تقدمت خطوتين وتساءلت دون مقدمات:
"قولتي حاجة لريان عليه؟"
"حاجة زي ايه؟!"
تفهم جيداً ما ترمي إليه ندى لكنها تصنعت عدم الفهم. زفرت الأخيرة بنفاذ صبر لكنها تمالكت وبكل وضوح أخبرتها بما قاله ريان وأنهت حديثها قائلة بتأفف:
"ريان مستحيل يقول كده من نفسه.. ده غير ان أشرقت جت تختبرني هوافق تنام معانا ولا لاء.. عشان حضرتك قولتلها اني مستحيل أوافق عشان هي مش بنتي."
جلست على حافة الفراش واضعه قدم فوق الأخرى وتناولت المجلة تقلب الصفحات ببرود قائلة:
"أنا بقول الحقيقة.. الحقيقة هي أن مرات الأب عمرها ما تحب ولاده."
"مش كل الناس زي بعضها.. وريان واشرقت بحبهم فعلا من كل قلبي."
رفعت عينيها إليها وتحدثت بذات البرود:
"صدقيني يا ندى آسيا لما تكبر مش هطيقي وجودهم في حياتك."
"خلي الايام تثبت لك.. لكن من فضلك بلاش تسمعيهم الكلام ده بالأخص ريان."
قالت كلماتها بهدوء على عكس الغضب القاطن داخلها وتود أن تخرجه على هيئة انفجار يرعب تلك الحيه. والتي تحدثت بابتسامة باردة ممزوجة بالسخرية:
"أنا بقول الحقيقة مدام ندى.. وهفضل اقول الحقيقة.."
ثم أردفت بلؤم:
"انتِ متجوزة راجل كان متجوز وعنده أولاد.. عارفه انا لو مكانك مستحيل كنت أوافق."
"أنتِ قولتي بنفسك.. كان.. كان متجوز يعني في الماضي.."
ثم ابتسمت وتابعت بثقة عالية:
"اما حالياً هو جوزي انا وبموت فيه وبيحبني جدًا.. وعشان انا بعشقه وبموت فيه بعشق أولاده واي حاجة من ريحته.. لكن الماضي خلاص رحيم قفل عليه كويس أوي ورمى في الزبالة.."
ضحكت ضحكة خفيفة استفزتها حقاً وتابعت ببرود مماثل لبرودها:
"وطبعاً زي ما حضرتك عارفه اللي بيترمي في الزبالة مستحيل يرجع تاني.. عن اذنك."
تركتها وخرجت مغلقة الباب خلفها. جزت الأخيرة على اسنانها بشدة وقذفت بالمجلة إلى الحائط بكل ما فيها من غضب. ثم تناولت الهاتف واتصلت على جيجي لتتحدث معها وأعطت لها بعض التعليمات الجديدة.
***
فيلا رحيم..
صف السائق سيارته أمام الباب الرئيسي وترجل وهم أن يفتح باب السيارة الخلفي لكن سبقه رحيم وترجل. فاغلق الباب وانتظر داخل السيارة في حين دلف هو إلي الداخل ليرى والدته تجلس على الاريكة. جلس إلى جوارها لتنظر إليه بلهفة مريبة قائلة:
"رحيم؟!.. أذيك يا حبيبي."
"الحمد لله يا امي."
أدار رأسه ناحيتها ليرى التوتر واضح على علامات وجهها فعلم أن ثمة شيء حدث تخفيه عنه. فتساءل في شك:
"فيه حاجة حصلت؟"
"ابدا يا حبيبي.. قولي الاولاد عاملين ايه وندى."
"بخير الحمد لله.. ندى تعبت شوية فجيت عشان اخد سيدة وفيه تقعد معاها يومين ده بعد اذنك طبعاً."
مسحت على كتفه قائلة بهدوء:
"الف سلامة عليها.. مفيش مشكلة يا حبيبي انا معايا سيرينا."
هم أن يتحدث لكنه استمع إلى بكاء أحدهم يأتي من المطبخ. فأدار رأسه ناحيته في حين وضعت والدته يدها على فاها ويبدو من نظراتها بأنها خائفة من شيء ما. تساءل ومازال يتطلع اتجاه المطبخ عاقدًا بين حاجبيه:
"مين دي اللي بتعيط؟!"
أجابت بتلعثم بعد أن ابتلعت لعابها:
"مين؟.. آآ أه دي سيرينا مش عارفه مالها."
خرجت من المطبخ والسيدة وفيه خلفها. فنهض رحيم عن الاريكة فتوقف الاثنان عن السير فور رؤيتهم له. اندهشت وفيه من وجوده كما أنها شعرت بالخوف والقلق أيضًا. فيما نهضت والدته تربت على كتفه قائلة بنبرة خوف:
"روح انت شغلك يا حبيبي وانا هبعت وفيه مع السواق."
نظر إلى الخلف بجانب عيناه رافعاً أحد حاجبيه ثم عاد بالنظر إلى سيرينا وتساءل باللغة الأجنبية:
"لِمَ البكاء سيرينا؟!"
تقدمت خطوتين واجابت بنبرة بكاء حاده:
"لقد تهجم علي علاء بيه.. وسوف أغادر هذا للمنزل الأن."
حملق بها في دهشة ثم التفت إلى والدته يتطلع إليها بحده وعيناه تنطق بالجحيم. فقالت كي تهدئة:
"صدقني ماكنش في وعيه ده كان سكران."
"هو لسه بيشرب خمرا؟"
تساءل بصوت عال للغاية لينتفض بدن والدته. ثم تركها والتفت إلى سيرينا كي يقدم لها اعتذار بدلاً من شقيقه المتهور هذا. ثم تركهم وصعد إلى الطابق العلوي متجهًا إلى غرفة شقيقه بخطوات واسعه كالبركان. وعند وصوله فتح الباب بعنف ليصطدم في الحائط فانتفض بدن الأخير ونهض عن الفراش في لهفة.
وقف رحيم أمامه يتطلع إليه بحده وعيناه تقذف شرارات من الجحيم وهو يقول بنبرة فحيح:
"أنت مش ناوي تتغير أبدا.. هتفضل قذر وحقير لحد امتى."
تنهد بهدوء وتحدث محاولا توضيح موقفه:
"أنت فاهم غلط.. انا كنت.."
"سكران.. ودي مصيبة تانيه."
قطع حبل كلماته بتلك الكلمات التي قذف بها بحده مفرطة. فجلس على حافة الفراش وتحدث بنفاذ صبر:
"رحيم انا اتعودت على كده وبحب حياتي ومستحيل اتغير."
"تمام الكلام ده بره بيتي.. اتفضل سافر تاني عيش حياتك في أميركا.."
ثم أردف بحسم:
"لكن انا بقى مش هتعب نفسي في شغل وحضرتك تصرف على الجاهز.. قبل ما تمشي هديلك حقك كله في كل حاجة."
"وانا موافق ومستعد."
استمعت والدته كلماتهم وهي تتقدم صوب الغرفة ودخلت قائلة:
"موافق على ايه؟!.. انتوا عايزين تنفصلوا عن بعض."
لينظر رحيم إليها مقطب جبينه وتحدث بنبرة تحمل القليل من السخرية:
"احنا كنا مشتركين في ايه عشان ننفصل يا امي؟!.. انا اللي متحمل مسؤولية كل حاجة طول عمري والأستاذ بيصرف على الجاهز."
"بدل ما تقول الكلام ده أوقف جمبه وساعده يتغير."
قالت كلماتها بعتاب واضح ليتحدث الأخير بنفاذ صبر:
"حاولت وساعدته كذا مرة وحضرتك شاهده.. وانا قولت اللي عندي خلاص."
التفت وهم أن يغادر لكنه رأى زجاجات الكحل أعلى البار الصغير المجاور لباب الغرفة. تقدم صوب ذلك البار ووقف يتطلع إلى الزجاجات باشمئزاز ممزوج بالحدة المفرطة حتى جز أسنانه بشدة حتى تحرك صدغاه. وبدون تردد دفع تلك الزجاجات بعنف لتسقط على الأرض وتنكسر ليتفرغ الكحل ويملئ الأرض. تطلع إلى الزجاجات في دهشة بينما وضعت والدته يديها على فاها. ثم التفت إليهم وهو يمسح على شعره من الإمام إلى الخلف وتحدث بصوت رجولي عنيف يحمل بحة تشبه الفحيح:
"القرف ده مايدخلش بيتي تاني وألا هيبقى ليا تصرف تاني مش هيعجب حد."
خرج بخطوات واسعه فور انتهاء كلماته. مسح علاء على وجهه وقال بحسم:
"انا هاخد حقي في الميراث واسافر عشان اخد راحتي."
وقفت والدته أمامه تطلع إليه بحزن وندم على دلعها الزائد له منذ كان طفلاً وتحدثت بصوت مبحوح:
"ماتخلنيش أندم على دلعي ليك أكتر من كده.. أخوك عنده حق."
تحدث دون تردد:
"أعتبري نفسك خلفتي رانا ورحيم بس.. وسبوني في حالي بقى."
"أنت بتعمل في نفسك كده ليه؟!"
تساءلت بدفعه عالية ليجيب عليها بصوت عال:
"أنتِ السبب في كل اللي انا فيه.. سبيني في حالي بقى وارحميني."
لامعت عينيها بالدموع وقالت بنبرة ندم وبكاء واضحة:
"ربنا يهديك يا بني."
التفتت متجه إلى الباب وقذفته بنظرة تحمل العتاب والندم معاً ثم خرجت. أخذ هو يأخذ زفيرًا قويًا ويزفره بعنف ثم تناول الهاتف واتصل على أحدهم ليطلب منه أن يجلب له عدد من زجاجات الخمر. ثم ألقى بالهاتف على الفراش وجلس على حافته يتطلع إلى الأمام بوجه محتقن.
***
الشركة..
احتل المقعد الخاص به الذي يقع أمام المكتب يتطلع إلى الأمام بعينين اصطبغن بحمرة الغضب الشديد وأخذ يسأل الله أن يهدي شقيقه. فهو حقًا يشعر بالحزن والشفقة عليه. لكن لم يكن الأمر بيده فذلك الفساد الذي يعيش داخله بفضل والدته التي علمته أن كل شيء متاح له. لكنه أصبح رجلا الآن يمتلك عقل مثل باقي البشر فليميز بين الأفعال الصحيحة والخاطئة.
عصر جبينه ثم حرك راسه في كلا الاتجاهين كي يقذف تلك الأفكار من رأسه. وتناول الهاتف ليتصل على ندى والتي أجابت عليه فورًا. أخذ يسأل عن حالتها الصحية ويطمئن عليها ليطمئن قلبه عليها ثم تساءلت في شك:
"مالك؟!.. فيه حاجة حصلت؟"
"مشكلة بيني وبين علاء."
شعرت بالحزن من أجل حبيبها ثم تحدثت بهدوء:
"ادعيله ربنا يهديه.. أنت عملت اللي عليك."
تنهد بحزن قائلاً:
"بدعيله يا ندى.."
ثم أردف:
"المهم سيدة وفيه وصلت؟"
"أه وهي مع الأولاد والممرضة هنا عشان الممرضة."
دُق الباب ودخلت مديرة المكتب فنظر إليها وهو يقول:
"ماشي يا روحي خدي بالك من نفسك.. هكلمك تاني."
ثم أنهى معها المكالمة فقالت الأخيرة:
"جيجي هانم عايزه تدخل لحضرتك وكمان فيه واحد اسمه تميم قال إنه واخد معاد."
أومأ برأسه وأذن بدخول جيجي اولا ثم تميم. خرجت لتدخل جيجي مغلقه الباب خلفها ووقفت أمام المكتب وهمت أن تتحدث لكنه قال بحنق:
"فيه شغل بيني وبينك؟"
فكرت للحظات وقالت في تعجب:
"لاء مش فاهمة."
رفع سوداويته الحادة إليها وتحدث بعنف:
"يعني شغلك كله مع المسؤولة عن اختيار الألوان مش معايا.. جايه عايزه ايه؟"
"وايه يعني لو جيت اتكلمت معاك."
"جيجي أنتِ هنا للشغل وبس مش للكلام في الفاضي.. ولو ده حصل منك تاني اعتبري نفسك بره الشركة."
قذف كلماته بحده مفرطة وحسم جعلها تندهش في ذهول. ثم أومأت بتفهم وخرجت على الفور. بينما هو تناول سيجارة وضعها بين شفتيها ليشعل إياها وزفر دخانها بالهواء.
دخل تميم بعد أن قرع الباب وجلس على المقعد المجاور للمكتب قائلاً:
"خير؟!"
ابتسم بخفه وقال بعد أن نفث دخان سيجارته بالهواء:
"مفيش بينا خير يا تميم."
نظر إليه بابتسامة باردة وقال بهدوء:
"حلو.. قولي بقى ناوي تكتبلي شيك بالمبلغ ولا كاش؟"
تطلع إليه من أعلى لأسفل بثبات متسائلاً:
"جايب الثقة دي منين؟!"
نظر إلى الأمام يتنهد بصوت مسموع ولم يجد رد لذلك السؤال. بينما سحب الأخير آخر ما تبقى من السيجارة من دخان ثم زفره بالهواء وأطفاها بالمطفأة قائلاً:
"تميم انت عارف كويس اوي ان والدك باع لعمك نصييه في الفيلا والمصنع.."
ثم شبك يديه في بعضها البعض متابعا بهدوء مرعب:
"لو انت محتاج فلوس كنت اطلبها باحترام واكيد انا وندى هنساعدك وكمان كنت اشغلك هنا في الشركة.. لكن اللي عملته ده قلة احترام وقلة ذوق كمان."
"ولا يهمني كل اللي قولته ده.. انا مستحيل اتنازل عن السبعة مليون جنيه ومعايا أوراق تثبت أن بابا له في الفيلا والمصنع."
استند بظهره إلى المقعد يتأمله بهدوء مريب قائلاً:
"خلاص طلع أوراقك اللي تثبت ووريني هتعمل ايه."
نهض عن المقعد ونظر إليه بتحدي وتحدث بنبرة تهديد:
"خلي بالك انا اقدر اعمل حاجات كتير جدا.. اوعى تفتكر اني ضعيف أو لوحدي."
"خلي بالك انت كمان اني للأسف الشديد ما بتهددش."
تنهد بصوت مسموع ثم اتجه إلى الباب وخرج مغلقاً إياه خلفه. ابتسم الأخير يحرك راسه في كلا الاتجاهين يشفق على ذلك المسكين.
***
فيلا رحيم..
وضعت طعام الغداء أعلى المنضدة بمساعدة أشرقت ثم جلست على المقعد المجاور لمقعد آسيا كي تطعمها. دخلت ندى بعد أن وصلت الممرضة إلى الخارج وطلبت من سيدة وفيه أن تنهض لتطعم آسيا هي فقالت معارضة:
"لاء يا حبيبتي خليكي."
جلست على المقعد المجاور لها وألقت نظرة سريعة إلى ريان ثم عادت بالنظر إليها قائلة:
"اسفه تعبتك معايا النهاردة."
"ابدا مفيش تعب انا نفسي أفضل معاكم على طول.. بس أنتِ عارفه نجلاء هانم مقدرش اسيبها."
أومأت بتفهم قائلة:
"فاهمة.. انا الحمد لله بقيت احسن.. ماتتعبيش نفسك وتيجي بكرة."
أومأت بالإيجاب بينما انتهى ريان من الطعام وترك المقعد متجهًا إلى الخارج. لحقت ندى به بخطوات واسعه وأوقفته عن السير بإمساك مرفقه متسائلة:
"ريان انت لحقت تاكل؟!"
سحب ذراعه من قبضتها والتفت لينظر إليها بهدوء قائلا:
"اه الحمد لله."
جلست على ركبتيها لتكون في مستوى ومسحت على جانب شعره الكثيف متسائلة:
"أيه رايك نروح نقعد عند نانا يومين؟.. مش انت بتحب تروح هناك؟"
حرك مقلتيه بشكل دائري يفكر لكن طال صمته فهمست بحماس:
"واليومين دول مفيش مدرسة."
ثبت عيناه عليها وبعد لحظات ابتسم ابتسامة بسيطة غير واضحة وقال بجدية:
"موافق.. هنروح امتى."
"من بكره بإذن الله بس الاول بابي يجي وناخد رأيها."
استمعت رانا إلى حديثهم وهي تهبط الدرج. ثم تقدمت نحوهم وهي تقول بحده:
"يعني ايه ياخد اجازة يومين من المدرسة؟!"
ثم وقفت إلى جواره ومسكت بكف يده في حين نهضت الأخيرة عن الأرض تطلع إليها بتذمر واضح وقالت بنفاذ صبر:
"يعني هياخد اجازة يومين.. شيء مفهوم مش محتاج سؤال."
"ندى أنتِ ليه مصممة تبوظي الأولاد.. عايزه ريان يبقى فاشل وأقل واحد في وسط زميله.."
ثم انحنت بجذعها لتنظر إليه وتابعت بحنق:
"مش قولتلك يا ريان أن ندى مش عايزه مصلحتك."
اندفعت بحده عالية:
"من فضلك بلاش الكلام ده.. انا عارفه انا بعمل ايه كويس وبعرف اتعامل معاهم."
"أنتِ عايزه الاولاد تفشل وبنتك هي اللي تبقى ناجحة وممتازة."
قالت كلماتها بصوت عال لتندهش الأخيرة من كلماتها قائلة:
"آسيا بنتي لسه ماكملتش تلت سنين.. ازاي اصلا تقارني بينهم وهي اختهم."
"لأني متأكدة لو بنتك في سنهم مستحيل تسمحي انها تاخد اجازة يوم واحد."
"لاء طبعًا كلهم عندي واحد."
بينما انتقل ريان ببصره بينهم ثم ترك يد عمته وركض إلى الدرج ليصعد إلى الطابق العلوي. فقالت رانا بعد أن عقدت ذراعيها أمام صدرها تطلع إليها من أعلى لأسفل قائلة:
"عايزه تروحي عند جدتك اتفضلي خدي بنتك وروحي من غير ولاد اخويا."
أومأت بالنفي عدة مرات وقالت من بين أسنانها:
"مستحيل اقعد في البيت ده ثانية واحده وهمشي ومعايا ولادي كلهم."
في نفس الوقت خرجت كلا من أشرقت ووفية التي تساءل في تعجب:
"صوتكم عالي ليه؟!"
تركتهم ندى وصعدت إلى الطابق العلوي من ثم دلفت إلى غرفتها. وقامت بوضع بعض من الثياب داخل حقيبتها كما أنها ذهبت إلى غرفة ريان لتأخذ ما سيحتاج إليه من ثياب لتضعه داخل حقيبتها وأيضا أخذت ثياب إلى أشرقت وآسيا. وبعد تبديل ثيابها وضعت الحقيبة داخل السيارة. ثم فتحت الباب الخلفي إلى الأطفال واغلقت الباب بعد أن استقلوا السيارة. واجلست طفلتها على المقعد المخصص للأطفال.
"طمينني عليكِ يا ندى."
قالت وفية كلماتها بحزن فردت الأخيرة بهدوء:
"حاضر وحضرتك طمينني لما تروحي."
ثم قبلتها على وجنتها وجلست أمام المقود وتحركت إلى وجهتها. نظر ريان إلى الخارج بواسطة النافذة وعندما استمع إلى مداعبة شقيقته إلى اختهم آسيا نظر إليهما للحظات. ثم ترك المقعد الخلفي وجلس على المقعد المجاور إلى ندى. رمقته بنظرة سريعة لتنتبه إلى الطريق قائلة بهدوء:
"ما تصدقش كلام عمتك يا ريان.. صدقني حبكم في قلبي واحد."
"طيب ليه بتقول كده؟.. وليه بتكرهك؟"
مدت يدها إلى كفه الصغير لتمسك به وقالت بحزن غير واضح:
"بلاش نتكلم في الموضوع ده.. كل اللي عايزاك تفهمه اني بحبك جدا."
***
بعد مدة من الزمن..
دق جرس الباب فنهضت عن الاريكة متجه إليه وقامت بفتحه لترى رحيم. تطلع إليها بنظرات حادة فأطرقت عينيها لكونها لا تستطيع تحمل نظراته هذه ثم تنحت جانباً. دلف إلى الداخل وسلم على الجدة في حين قالت ندى بهدوء:
"هحضر لك الغدا."
نظر إليها بوجه محتقن غاضب قائلاً:
"مش جعان.. عايز اتكلم معاك."
نظرت إلى جدتها واستأذنت منها ثم اتجهت إلى غرفتها. لحق بها بعد أن استأذن الأخير ودخل مغلقاً الباب خلفه. تساءلت بهدوء:
"فيه حاجة؟"
وقف في مواجهتها وتحدث بحده:
"ممكن اعرف ليه القرار المفاجئ ده."
أومأت بتفهم وقالت بصوت منخفض:
"مش مفاجئ.. انت عارف كل فترة بنغير جو هنا."
"اه لكن ولا مرة اخدتي القرار ده من نفسك كان لازم تكلميني وتخدي رأي."
أطرقت رأسها تتنهد بهدوء في حين تقدم هو نحوها بخطوتين وتساءل في شك:
"ايه اللي حصل اجبرك تخدي القرار بالسرعة دي؟"
"مفيش حاجة حصلت يا رحيم."
أجابت بتلقائية ليندفع بحده مفرطة:
"لاء حصل.. وانا مش همشي من هنا غير لما اعرف كل حاجة."
زمت شفتيها عاقده بين حاجبيها ثم تقدمت نحوه ووقف تربت على صدره برفق قائلة:
"اهدى بس مفيش داعي للعصبية.. الأول احضر لك غدا وبعدين نتكلم."
قبض على مرفقيها عنوة فوضحت علامات الألم على ملامح وجهها متأوه بينما هو تحدث من بين أسنانه:
"ما تحوليش تتهربي يا ندى وقولي ايه اللي حصل."
لامعت عينيها من الدموع قائلة بنبرة مرتعشة:
"هقولك بس سبني."
فاق على نفسه ليترك مرفقيها فورًا فأخذت تمسح عليهما وجلست على حافة الفراش وقالت بعد أن مسحت دموعها التي هبطت على وجنتيها:
"أوعدني تاخد الأمور بهدوء وبساطة."
تحرك من مكانه ليقف امامها قائلًا بنبرة خشنة:
"اتكلمي يا ندى."
"أختك بتحاول تكره الأولاد فيا وبتقنعهم اني مش بحبهم وبحب آسيا اكتر.. كان لازم أخدهم وابعد."
أومأ بتفهم قائلا من بين أسنانه:
"تمام يبقى هي اللي تسيب البيت وتمشي مش أنتِ."
نهضت عن الفراش فجأة تطلع إليه بنظرات ترجي قائلة:
"لاء مهما يحصل ما ينفعش تطردها من البيت.."
ثم تابعت محاولة إقناعه:
"اسمع خليك معانا هنا اليومين دول ونرجع سوى.. انا متأكدة في اليومين دول الأولاد هيتأكدوا ان كلامها كله غلط."
"ندى مش هسمح لأي حد مهما ان كان مين يخرب علاقتك بالأولاد."
ابتسمت ثم احاطت خصره بذراعيها مستنده برأسها على صدره قائلة:
"وأنا كمان مستحيل اسمح لأي حد يفرق بينا."
رواية حب رحيم الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سمر عمر
استيقظت على آذان الفجر. فتحت عينيها تدريجيًا ثم أدارت رأسها ناحية ذلك النائم إلى جوارها، ثم ابتسمت. بعدها رفعت يدها صوب رأسه وأخذت تمسح على خصل شعره برفق. تأملته ببندقية تلمع من السعادة كلما رأته، وحدثت نفسها: "أتمنى تعلم مدى سعادتي عندما تكون إلى جواري".
استمعت إلى صوت جدتها من الخارج تناديها. فطبعت قبلة حانية على جبينه ثم تركت الفراش متجهًا إلى الباب وخرجت مغلقة إياه خلفها. التفتت جدتها إليها بمجرد أن سمعت صوت الباب ثم ابتسمت قائلة:
- صباح الفل.
- صباح الخير.
- اتوضي وتعالي صلي معايا.
أومأت بالإيجاب وقامت بالوضوء واتجهت إلى المرحاض. بينما دلفت الأخيرة إلى غرفة المعيشة وجلست على المقعد الخاص بها في انتظار ندى. والتي جاءت بعد دقائق وهي تخبئ شعرها أسفل حجاب الجلباب. ثم فردت السجادة إلى جوار سجادة جدتها ووقفت تصلي فرض الفجر معها.
عقب انتهائها رفعت يديها إلى الله وأخذت تدعي كثيرًا وكثيرًا لدقائق ليست قليلة. ثم طبعت قبلة على يد جدتها قبل أن تستند برأسها على ركبتها. فقامت الأخيرة بدورها ومسحت على رأسها.
- نانا هو أنا غلط لما اتجوزت راجل كان متجوز وعنده أولاد؟
سألت ذلك السؤال دون تردد لتشعر بعدها بدموع ساخنة تهبط على وجنتيها. في حين تنهدت جدتها بهدوء وأجابت:
- لا يا حبيبتي. مش أول ولا آخر واحده تتجوز واحد كان متجوز.
رفعت يدها صوب وجنتها لتمسح دموعها وقالت بحزن:
- صح، وأنا مش ندمانة على حبي لرحيم. بالعكس، حبي كل يوم له بيزيد.
- أنتِ كده صح. حبك لجوزك لازم يقويكِ، وإياكِ تسمحي لأي حد يفرق بينكم.
استمع إلى حديثهم وهو يتقدم نحو تلك الغرفة بحثًا عن ندى. لكنه توقف عن السير عاقدًا بين حاجبيه ثم تنهد بصوت مسموع وعاد إلى الغرفة. جلس على حافة الفراش يقلب سؤال ندى في رأسه ليشعر بالغضب أكثر من شقيقته لكونها هي من أوصلت ندى لتلك المرحلة. فاق من شروده على صوتها من الخارج وهي تتمنى ليلة سعيدة لجدتها. ومدد على الفراش على الفور متصنعًا النوم. وبعد لحظات دخلت وأغلقت الباب بهدوء. ثم وضعت الجلباب الخاص بالصلاة على مقدمة الفراش وجلست إلى جواره واضعة رأسها على الوسادة.
بعد لحظات ليست قليلة نظرت إليه تتأمله وهمست بصوت منخفض:
- بحبك.
اخترقت حروف تلك الكلمة أذنيه بهدوء لتسكن قلبه وتهدأ من روحه التي كانت تتسارع منذ لحظات. ورد عليها بصوت منخفض:
- بحبك.
- انت صاحي؟!
فتح عيناه ورفع سوداويته إليها بابتسامتها ليخطف روحها بها كعادته وقال بتأكيد:
- طبعًا، عشان قومتي من جمبي.
ابتسمت فوضع كفه على وجنتها ليشعر بملامسها الناعم وقال بجدية:
- ندى، أنا بحمد ربنا على وجودك في حياتي ونفسي أعمل تمثال للقدر الجميل ده.
- تمثال للقدر؟
تساءلت في تعجب ليومئ بتأكيد. ثم جذبها إليه واحتضنها عنوة كما أنه قبلها على رأسها عدة قبلات حانية وقال مبتسمًا:
- تمثال للقدر وتمثال للصدفة اللي جمعتنا وتمثال لحبنا علشان الناس كلها تتعلم مننا معنى العشق.
سعت ابتسامتها كما أن تضاعفت سعادة قلبها. فقد استطاع أن يبدل مزاجها الحزين إلى السعادة في لحظة. حروف كلماته المميزة والتي تخرج من بين شفتيه من أجلها وبنبرة حب خاصة بها فقط. فقط لقطرة الندى التي غرق بها. تجعل منها سعادة على هيئة فتاة جميلة رائعة.
***
في تمام الساعة الثامنة إلا دقائق. وقفت أمام المنزل ماسكة بيد أشرقت في انتظار حافلة المدرسة. والتي وصلت بعد لحظات لتقف أمامهم. فاتجهت إلى الباب الثاني وودعتها بقبلة على جبينها قبل أن تستقل الحافلة. ثم عادت إلى مكانها. أخذت تنظر إلى الحافلة حتى غابت عن عينيها. ثم التفتت لترى رحيم يخرج من بوابة العمارة. لتبتسم تلقائيًا وكأنه مصدر سعادتها وابتسامة ثغرها.
وقفت أمامه تضبط له رابطة عنقه فابتسم قائلًا:
- زوجتي حبيبة قلبي تضبط لي رابطة عنقي. يا له من يوم أكثر من رائع.
سعت ابتسامتها الخاصة به، تطلع إليه بعينين لامعتين من السعادة قائلة:
- يوم رائع علشان بظبط لك.
- تعرفي باقي لبسي مات قهرًا وحسد الجرافته لأنك لمستيه.
تنهدت بعمق قائلة بشغف كبير:
- بعشق كلامك ده. علمني وقولي بتجيب الكلمات دي منين.
أمسك بذقنها رافعًا حاجبيه بمرح قائلًا:
- ما ينفعش عشان الكلام ده خاص بقطرة الندى وبس.
ثم قبلها على جبينها بحنان وعاد بالنظر إليها ماسكًا بكفيها قائلًا:
- انتظريني بعد ساعة يا قطرة الندى. اليوم ده يوم ترفيهي ليا أنا وأنتِ.
- حاضر هستني.
غمز بمشاكسة ثم اتجه إلى السيارة. فالتفتت إليه وانتظرت حتى استقل السيارة وغادر. ثم عادت إلى الداخل واستقلت المصعد إلى الطابق المنشود. دخلت المنزل مغلقة الباب خلفها متجه إلى غرفة المعيشة ووقفت أمام الباب لترى ريان يساعد أخته الصغيرة في ترتيب المكعبات. ظلت واقفة تتابعهم لدقائق قليلة حتى استمعت إلى نداء جدتها من الخارج. فالتفتت متجه إليها وجلست على الأريكة المجاورة إلى المقعد قائلة بهدوء:
- مبسوطة بعلاقة ريان مع آسيا.
- هو فاهم وعارف إنها اخته.
ثم أردفت بجدية:
- ندى، لازم تعرفي إن حالة ريان دي السبب فيها أمه. وأنتِ بقى دورك تعالجي ده.
أومأت موافقة بينما نهضت جدتها عن المقعد متجه نحو غرفة المعيشة. عند دخولها جلست على المقعد وتناولت كتاب الله من أعلى المنضدة وقرأت حيث توقفت.
بعد لحظات وقفت ندى عند الباب تنادي ريان. رفع رأسه إليها أولًا ثم أجاب بهدوء:
- نعم!
- عايزاك من فضلك.
ترك أخته ونهض عن الأرض متجه إليها ووقف أمامها. فمسكت بيده واتجه معًا إلى الغرفة. ثم دلفا إلى الداخل وأغلقت الباب طالبة منه أن يجلس على الفراش لينفذ طلبها. في حين فتحت هي النافذة متسائلة:
- أنت عارف أنا جبتك هنا ليه؟
ثم التفتت إليه ووقفت عاقدة ذراعيها بينما هو صمت للحظات ثم أجاب بجدية:
- علشان نبعد عن عمتو رنا شوية.
رفعت حاجبيها في تعجب وابتسمت قائلة:
- بتعجبني نباهتك يا ريان.
ثم أردفت بجدية:
- وعلشان أنا بتكلم مع ولد ممتاز وبيفهم. عايزه اقولك إن عمتو رنا عايزاك تكرهني علشان ترجع تعيش مع ماما. أنا مش همانع بالعكس هفرح وفي نفس الوقت هزعل علشان مش هقدر اعيش من غيركم.
- ندى، حتى لو ده تفكيرها ونجحت في إني اكرهك مستحيل اسيب بابا وأعيش مع ماما.
قال كلماته بحسم واضح حيث تابع بتذمر طفولي:
- أنا فاكر حاجات وحشة كتير ماما عملتها في جدو وبابا. جدو في يوم طلب منها تديله العلاج رفضت وقالتله زهقتني روح اقعد في مستشفى بدل ما أنت مخلي ريحة البيت علاج.
- اللي بتقوله ده بجد؟!
تساءلت في دهشة ممزوجة بالصدمة ليقول بحده:
- أه بجد وفاكر كل كلمة قالتها وكل تصرف عملته كأنه امبارح. وأنا كنت بخاف منها وبزعل علشان بحب جدو زي بابا.
تقدمت نحوه وجلست إلى جواره تضمه إليها وهمت أن تتحدث لكنه تابع حديثه الحاد:
- مش عايز اعيش معاها لأنها ببساطة لو أنا تعبت هتكره ريحة الأدوية وهتسبني في مستشفى.
زمت شفتيها وقالت بحزن واضح:
- بعيد الشر عليك. ريان ممكن تصدقني أنا وبس؟
ثم ابتعدت عنه لتنظر إليه عاقدة بين حاجبيها متسائلة:
- متأكد من حبي ليك ولا لاء؟
- متأكد.
- طيب طالما متأكد قولي يا ماما لأن الكلمة دي هتفرحني مش هتزعلني. وتاني حاجة بقى عايزه أعرف إيه مشكلتك مع المدرسة.
أدار رأسه إلى الأمام يتطلع إلى الفراغ بعمق كأنه يتذكر شيئًا ثم قال بهدوء:
- أوعدك أقولك في وقت تاني.
تنهدت بصوت مسموع ثم مسحت على شعره بلطف قائلة:
- براحتك يا حبيبي وأنا في انتظار صراحتك.
أدار رأسه ناحيتها يتأملها بهدوء ثم ابتسم ورفع نفسه قليلًا كي يطبع قبلة طويلة لطيفة على وجنتها. ليتسع ثغرها بابتسامة تلقائية وبادلته بقبلة على وجنته ثم تركته يذهب إلى أخته كي يكمل ما بدأه معها من لعب.
***
بعد مدة من الزمن. استعدت لذلك اليوم الترفيهي. ارتدت سروال جينز ومعطف بني بذات اللون، حذاء رياضي وحقيبة ذات ذراع طويل متوسطة الحجم. كما أنها ارتدت طوقًا على رأسها بلون المعطف تاركة شعرها الأسود منسدلًا على ظهرها.
وصل إليها اتصال من رحيم فابتسمت وفصلت المكالمة دون أن تجيب عليه. ثم خرجت على الفور وودعت كلًا من ريان وطفلتها بقبلة على وجنتيهما وأخرى على رأس جدتها وقالت:
- نانا، أشرقت هتوصل الساعة اتنين. أنا أكدت على فرح تستناها، أكدي عليها كمان مرة.
- حاضر يا حبيبتي، متقلقيش.
قبلتها ثانية على وجنتها ثم ركضت إلى الباب بمرح وخرجت مغلقة إياه خلفها. ثم استقلت المصعد الكهربائي إلى الطابق السفلي وخرجت راكضة إلى الخارج واستقلت السيارة وهي تلهث. نظر إليها مقطب الجبين وتساءل مداعبًا:
- مين كان بيجري وراكي؟
طبعت قبلة على أناملها ثم وضعتها على لحيته قائلة:
- أنت طبعًا.
أمسك بيدها وطبع عدة قبلات على راحتها ثم تحرك بالسيارة إلى وجهته.
عند وصوله صف السيارة جانبًا ثم ترجل الاثنان. فنظرت هي حولها بابتسامة واسعة قائلة بمرح:
- الأهرامات.
أخذ قبعتين من المقعد الخلفي. ارتدى واحدة ووضع الأخرى على رأسها. فأخرجت نظارة الشمس من حقيبتها لترتديها قائلة:
- عامل حسابك في كاب كمان.
قال بمشاكسة وهو يرتدي نظارته الشمسية:
- أنا بس خايف على الشمس لتغير من جمالك وتختفي.
ضحكت ضحكة خفيفة وتأبطت في ذراعه قائلة:
- بتخطف روحي بحروف كلماتك.
ابتسمت عيناه قبل شفتيه ثم دخلا واستأجر حصانًا خاصًا بهم. ساعدها على الصعود على ظهره ثم جلس أمامها. فأحاطت خصره بذراعيها عنوة مستندة بجانب رأسها على ظهره. أخذها إلى مكان بعيد عن البشر ثم أوقف الحصان. فرفعت رأسها عن ظهره متسائلة:
- وقفت ليه؟
- نتمشى شوية.
قال كلماته وهو ينزل عن الحصان وساعدها على النزول ثم أمسك بحزام الحصان وتساءل دون مقدمات:
- إيه اللي بيحصل بينك أنتِ ورنا؟
رفعت حاجبيها في تعجب وردت بسؤال:
- جايبني هنا علشان تسألني السؤال ده؟
- ندى، عايز أعرف كل حاجة. خليكِ صريحة معايا.
أومأت على إنها ستكون صريحة معه وبدأت تقص عليه كل شيء حدث من رنا منذ يومها الأول داخل المنزل. بعد أن انتهت تساءل بنبرة عتاب:
- وليه تخبي عليا؟
مسكت بكفه الكبير مقارنة بكفها الصغير وقالت مبتسمة بنبرة هادئة كعادتها:
- كفاية عليك مشاكلك في الشغل. مشاكل البيت دي سيبها عليا أنا.
ثم أردفت بمشاكسة:
- قطرة الندى خاصتك قدها وزيادة.
اتسعت ابتسامته بابتسامة خاصة بها. بعدها أزاح القبعة عن رأسها ليطبع قبلة حانية على جبينها. ثم وضعها على رأسها ثانية ونظر إليها وتحدث معها بوضوح:
- على فكرة مستحيل كنت أوافق جيجي تشتغل في الشركة. لكن سمعت رنا بتتفق معاها إنها تعمل المستحيل علشان أوافق على تعيينها. رفضت في الأول علشان متأكد إنها هتلح عليا. وبعدها وافقت. لحد ما اثبت لها بس إن لعبتها مع رنا لعبة فاشلة زيهم. هاطردها.
أومأت بتفهم ثم تنهدت وهي تقول في دهشة:
- غريبة علاقتهم ببعض. أنت قولتلي إن جيجي دي كانت بتكره رنا وعملت مشاكل كتير معاها.
- جيجي دي حية مش سهلة. هي بس أكيد كلمتها وعيطت شوية علشان تصعب على رنا وتتعاون معاها.
ابتسمت رافعة حاجبيها بمرح. كما إنها اقتربت منه أكثر حتى أصبحت المسافة بينهم معدومة وبيدها الأخرى تشبثت في معطفه الرياضي قائلة:
- دول بيحلموا. ومهما يخططوا مستحيل يقدروا يفرقوا بيناتنا.
تساءل بمكر:
- يعني مش ندمانة علشان اتجوزتي واحد كان متجوز وعنده أولاد؟
- أنت سمعتني؟!
تساءلت في لهفة تحدق به فابتسم قائلًا:
- طبعًا سمعتك.
- أسفه.
ترك يدها ليحيط كتفها بذراعه يضم رأسها إلى صدره قائلًا:
- لاء يا روحي ما تعتذريش.
بعد دقائق قليلة توقفا عن السير والتقط معًا الكثير من الصور. كما إنه التقط لها بعض الصور بمفردها راقت له كثيرًا. ثم مسك بكفها وأدارها حول نفسها عدة مرات ثم جذبها إليه يحيط خصرها بذراعهِ قائلًا:
- بحبك يا حب رحيم.
- بعشقك يا عشق الندى.
***
صباح اليوم التالي. قامت بترتيب الغرفة ثم جلست على حافة الفراش ترسل بعض الرسائل إلى صديقتها. والتي طلبت منها أن تأتي في المساء إلى منزل جدتها كي تراها وتجلس معها. دق أحدهم الباب فآذنت بالدخول. ليفتح ريان الباب ودخل مغلقًا إياه خلفه. ثم تقدم نحوها وجلس إلى جوارها متسائلًا:
- فاضية نتكلم شوية؟
قالت وهي ترسل إلى صديقتها رسالة لإنهاء المحادثة:
- ولو مش فاضية أفضى لك سيد ريان.
ثم وضعت الهاتف أعلى المنضدة الصغيرة المجاورة إلى الفراش ونظرت إليه باهتمام قائلة:
- عايز تقول إيه؟
- قررت أقولك على اللي بيضايقني في المدرسة.
- بجد؟ طيب قول يلا.
- في المدرسة زمايلي بيضايقوني علشان مش بتكلم معاهم. ووقت البريك بقعد لوحدي ويطلبوا مني اقعد معاهم أرفض. فيفضلوا يقولوا علي إني متوحد وفاشل. والكلام ده بيضايقني.
أومأت بتفهم ثم احتضنت وجنتيها براحتي يديها وهمت أن تتحدث إلا إنه قال بنبرة ترجي:
- ممكن أقدم في مدرسة تانيه؟ ممكن لما أقابل زمايل تانيه غير دول أقدر أصاحبهم.
رفعت حاجبيها تتأمله للحظات ثم تحدثت بهدوء علها تقنعه:
- كده أنت بتستسلم. أنا عايزاك قوي وتواجه مشاكلك مهما كانت صعوبتها. وأنا متأكدة إنك قوي جدًا.
ثم أردفت بحماس:
- عايز بقى تقابل زمايل جديدة؟ الموضوع ده سيبه عليا أنا.
أومأ بالموافقة فاحتضنته بحنان وقبلته على رأسه. بعد لحظات تركها وخرج كي يشاهد الرسوم المتحركة داخل التلفاز.
بينما هي استعدت للذهاب إلى الشركة. ارتدت سروالًا ورديًا وسترة بيضاء. ثم مشطت شعرها وتركته منسدلًا على ظهرها. وارتدت نظارة شمسية وحقيبة على معصم يدها بلون السروال. خرجت من الغرفة وودعت ريان بقبلة على رأسه. ثم وقفت أمام جدتها وقالت بعد أن انحنت بجذعها لتطبع قبلة على ظهر يدها:
- بإذن الله هاجي قبل معاد وصول أشرقت وآسيا. نامت فوق عند خالو.
- تمام يا حبيبتي. خدي بالك من نفسك.
أومأت موافقة ثم ألقت نظرة على ريان المنتبه لفيلم الرسوم المتحركة. ثم اتجهت إلى الباب وخرجت مغلقة إياه خلفها بهدوء. بعدها استقلت المصعد الكهربائي إلى الطابق السفلي من ثم خرجت من العمارة واستقلت سيارتها لتغادر إلى وجهتها بكل حماس.
***
عند وصولها صفت السيارة جانبًا ثم ترجلت متجه إلى الداخل. عند دخولها وقفت تنظر حولها ثم تقدمت نحو موظفة الاستقبال ووقفت تسأل عن رحيم لترشدها بمكانه. فتحركت متجه إلى قسم التصاميم التي تم تنفيذها.
مضت داخل ردهة ممتلئة بالأزياء في كلا الاتجاهين لتخطف أنظارها. حتى وصلت إلى مكان واسع ورأت حبيب قلبها يقف بين اثنين من الشباب يتحدث معهما. وجدت نفسها تبتسم ووقفت تتأمله عن بعد. كم هو رجل يعتز بنفسه يقف بين الجميع بكل شموخ واعتزاز بالنفس. وتشعر بالسعادة التي تخطف روحها من بدنها لكونها زوجته.
رفع رأسه يشير إلى شيئًا ما لتلفت نظره فابتسمت عيناه إليها طالبًا منهما أن يتابعون عملهم لينفذوا رغبته. ثم تقدم نحوها فتحركت هي الأخيرة متجه إليه. حتى وقفوا أمام بعضهم البعض رافعة نظارتها على شعرها وقالت بهدوء:
- جيت أشوف آخر شغل الشركة قبل ما اشتغل.
- شيء يسعدني جدًا سيدتي العظيمة.
لمعت عينيها من السعادة التي تشعر بها عندما تكون معه. ثم تنهدت بعمق وتساءلت وعيناها مثبتة على سوداويته التي تتفحصها بالتدقيق الملل:
- طيب فين التصاميم الجديدة؟
تحدث بنبرة غزل خاصة بها ولها:
- أنتِ كل الجديد. أنتِ أجمل شيء في حياتي.
خطف الإثنان أنظار الجميع وبدأ الهمس الجانبي عليهما. لكنهما لم يشعران بهم وكأن آلة زمن أخذتهما لتضعهما داخل مكان خاص بهم بل ويليق بعشق قلبيهما لبعضهما البعض. انتبهت هي من الجميع بعد لحظات وقالت بصوت منخفض:
- بطل الكلام ده، احنا مش لوحدنا.
- ولا يهمني. أنا ممكن احضنك وأبوسك دلوقت.
اتسعت عينيها في دهشة هامسة:
- رحيم!
ابتسم ثم مسك بكفها واتجه إلى طاولة دائرية تقع جانبًا. عند وصولهم إليها سحب لها مقعدًا فجلست عليه وجلس هو على المقعد المجاور لها. ثم حمل الدفتر الخاص بالتصاميم وضعها أمامها قائلًا:
- التصاميم الجديدة سيدة قلبي.
نظرت إليه مبتسمة ثم بدأت تقلب الصفحات. أخذ يتأمل ملامحها لتهدأ عيناه كما هدأ قلبه وتمعن بالنظر إليها وكأنه لم ولن يرى مثل هذا الجمال.
دخلت جيجي المكان مبتسمة لكن سرعان ما اختفت ابتسامتها عندما رأت ندى. كما إن نظراتها تحولت إلى نظرات حقد وحنق واضح. استمعت إلى نداء أحدهم لها لتدير رأسها ناحيتها فطلبت منها أن تأتي وتنهي عملها هنا. زفرت بسأم ثم تقدمت نحوها ووقت كي تتحدث معها عن العمل.
أما رحيم فوضع ذراعه على المقعد التي تحتله ندى يمسح على لحيته بيده الأخرى وسوداويته تتابع الجميع. ثم ترك لحيته ليمسك بيدها الممسكة بدفتر التصاميم. أدارت رأسها ناحيته في لهفة ساحبة يدها من أسفل يده هامسة:
- رحيم، احنا مش في بيتنا.
قال بجدية مصطنعة وهو يتفرس ملامح وجهها بتمعن شديد:
- تحبي أمشيهم من هنا؟
ألقت نظرة على الجميع لتعود بالنظر إليه بعد أن ابتسم ثغرها وهمست:
- لاء. وخليني اركز بقى.
ثم تطلعت إلى التصاميم من جديد تحت أنظار عيناه المبتسمة والعاشقة إلى تفاصيلها الرقيقة مثلها. بعد لحظات وضع خصلة خلف آذنها فرمقته بنظرة سريعة.
هم أن يتحدث لكن أحدهم نادى عليه. فترك المقعد متجه إليه ووقف أمامه وتبادل معه الحديث. أغلقت دفتر التصاميم عقب انتهائها وضعته جانبًا ثم رفعت عينيها إلى زوجها العزيز بابتسامة فخر بسيطة مزينة ثغرها. أنهى الشاب حديثه معه وعاد إلى عمله. فهم الأخير أن يعود إلى مكانه لكن وقفت جيجي أمامه وأشارت إلى شيء ما داخل دفتر تحمله يدها الأخرى. اختفت ابتسامة الأخيرة ولم تستطع أن تتحكم في غيرتها بل الغيرة هي من تحكمت بها.
تركت المقعد متجه نحوهم لتقف بينهم في لحظة. تفاجأت جيجي بها وقالت ببرود:
- ممكن تاخدي جنب علشان أعرف اتكلم معاه.
- تتكلمي معاه في إيه؟! اللي أنا أعرفه إن شغلك مع عارضات الأزياء وبس. وبلاش تحلمي بأكتر من كده.
- أنتِ فاهمة غلط يا حلوة. في بعض الأحيان لازم أخد رأي رحيم في بعض الأمور.
- مستر رحيم بدل ما اشيل الكرسي واكسره على دماغك...
اتسع بؤبؤ عينيها في حين تحدث رحيم محاولًا تهدئتها:
- ندى اسمعيني.
قاطعته بحده لكن بصوت منخفض:
- لحظة من فضلك.
لتتابع موجهة حديثها إلى تلك التي تقف أمامها:
- شغلك مع العارضات وبس. وحالًا تمشي تشوفي شغلك بدل ما أعلي صوتي وهيبقى شكلك وحش أوي. ده غير إني ممكن أتصرف تصرف مش هيعجبك خالص.
تطلعت إليها من أعلى لأسفل بوجه محتقن ثم ذهبت بخطوات سريعة لتترك المكان بأكمله متوعدة لتلك الفتاة بأبشع الأيام كلما تقابلت معها. بينما هي أخذت شهيقًا قويًا وزفرته بهدوء. ثم التفتت إليه بابتسامة واسعة وكأن شيئًا لم يكن. رفع حاجبيه قائلًا:
- مش مصدق إن اللي كانت بتكلم من شوية هي المبتسمة دلوقت.
- طبعًا وهعمل أكتر من كده للي يفكر يقرب من حاجة تخصني.
أمسك بكفها وقال مبتسمًا:
- بعشقك وبعشق غيرتك المجنونة.
اتسعت ابتسامتها حتى لمعت عينيها بلمعة الحب هامسة بنبرة حب:
- بعشقك وبحبك.
رواية حب رحيم الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سمر عمر
قام بتشغيل أغنية هادئة تحمل الكثير من كلمات الحب.
ثم تقدم نحوها ووقف أمامها.
وضعت يديها على كتفيه بينما هو أحاط خصرها وتمايل معها بهدوء على حروف الحب التي تخترق آذانهم.
طبع قبلة طويلة على جبينها ثم احتضنها دافنًا أنفه بين خصل شعرها كي يستنشق عطرها الأنثوي عن قرب.
جعلت من ذراعيها طوق حول عنقه وابتعدت عنه قليلًا لتنظر إليه قائلة بصوت منخفض:
- المكان ده فيه ذكريات جميلة بينا بحبها.
- زي إيه؟
طرح عليها ذلك السؤال مع العلم انه يعلم جيدًا بماذا تقصد، لكنه يود أن يعلم منها.
استندت بجبينها على شفتيه وتنهدت بعمق ثم تحدثت بعد أن رفعت عينيها إليه:
- أجمل أيام حياتي ومشاعري الجميلة عشتها معاك هنا.
ثم أطبقت شفتيها على وجنته بقبلة هادئة.
ثم احتضنته فبادلها بالعناق عنوة جاذبًا إياها إليه بشدة كأنه سيخترق عظامها وقال مبتسمًا:
- أنا مالقتش أجمل من اسمك علشان يبقى اسم الشركة.
أغمضت عينيها تتنهد بعمق وهمست مبتسمة:
- بحبك وهفضل طول عمري أحبك وأحبك.. وبعشق ابتسامة عيونك.
قبلها على جانب رأسها بلطف ثم ابتعد عنها يمسح على ذراعيها وهمس بنبرة هادئة:
- ابتسامتي وابتسامة عيوني بفضل وجودك يا روحي.
- ربنا يخليك ليا.
- يا رب يا حبيبي.
نظرت إلى ساعة يدها التي تدق الواحدة والنصف مساءً ثم رفعت عينيها إليه قائلة:
- همشي أنا بقى علشان استنى أشرف.
تمسك بكفيها وقال بهدوء بعد أن طبع قبلة حانية على وجنتها:
- هستناكي أنتِ والأولاد بليل في البيت.
أومأت بالإيجاب ثم ودعته بعناق قوي طال للحظات طويلة.
ثم تركته وخرجت من غرفة المكتب بل من الشركة بأكملها.
من ثم استقلت السيارة وغادرت إلى وجهتها.
***
عند وصولها صفت السيارة جانبًا.
ثم ترجلت ووقفت مكانها في انتظار الحافلة المدرسية التي ستصل بعد دقائق.
لكن بعد لحظات وقفت سيارة أمامها.
فخرجت شهقة خفيفة من بين شفتيها واضعه كفها أعلى صدرها.
ابتسم بخفة وقال ببرود:
- قلبك ضعيف يا بنت عمي.
- أنت عايز إيه؟
تساءلت بنفاذ صبر فأجاب بلؤم:
- أنتِ عارفه أنا عايز إيه.. وبلاش لف ودوران.
ثم أردف:
- ها هتديني المبلغ أمتى.
- مالكش حاجة عندي واللي عندك أعمله.
تميم بنبرة متوعدة:
- اللي عندي هيزعلك قوي يا ندى.. على العموم براحتك.
ثم شغل السيارة وتحرك بأقصى سرعته فنظرت إلى السيارة وهي تلهث بصوت مسموع.
حتى اختفت السيارة عن عينيها لتزفر بنفاذ صبر.
بعد دقائق قليلة وصلت الحافلة لتقف أمام المنزل.
أسرعت إلى الباب ووقفت أمامه تستقبل أشرقت بالعناق وقبلتها على جانب رأسها.
بينما قالت المشرفة:
- المديرة بتسأل ريان هيرجع المدرسة أمتى؟
- بكره بإذن الله.. بس ممكن تيجوا على الفيلا.
- أوكي مدام ندى.. عن اذنك.
أومأت بخفه ثم مسكت بيد أشرقت واتجها إلى الداخل وتساءلت الصغيرة بحزن:
- أحنا هنمشي بكرا؟
قالت وهي تفتح باب المصعد الكهربائي:
- أه يا حبيبتي.. اكيد اوضتك وحشتك.
ثم ضغطت على رقم الطابق المنشود ليتحرك إلى الأعلى فيما تحدثت الأخيرة بتأفف:
- لاء أنا بحب اقعد هنا مع نانا.. بتفضل تحكي لي قصص جميلة ونقرأ القرآن مع بعض.
نظرت إليها مبتسمة قائلة:
- هعرف من نانا إيه القصص دي واحكيها لك ونقرأ القرآن سوى.
مطت شفتيها بتذمر طفولي وعندما توقف المصعد فتحت الباب وخرج الإثنتان.
قالت الصغيرة بنبرة ترجي:
- ممكن نانا تيجي معانا الفيلا بليز.
أخرجت مفتاح الشقة من حقيبة يدها وقالت بهدوء:
- أشرقت بعدين نتكلم في الموضوع ده.. واوعدك نيجي هنا كل فترة.
ثم وضعت المفتاح داخل الباب لتفتح إياه وتركتها تدخل أولا ثم دخلت مغلقة الباب خلفها.
رأت آسيا تلتفت حول نفسها فقالت في حنق شديد:
- آسيا أنتِ يا بنت بطلي تلفي حوالين نفسك.
نظرت إليها ثم ركضت إليها مناديه:
- ماميا.
احتضنت ساقيها فحملتها عن الأرض تضمها إليها بحنان.
ووجدت نفسها تطلع إلى الفراغ في شرود بفضل ابن عمها الذي يطاردها.
حتى لم تستمع إلى نداء جدتها التي تقترب منها من الخلف وضربتها على كتفها بخفة متسائلة:
- سرحانه في ايه؟
اتجهت إلى الاريكة ما أن أنهت حديثها لتجلس عليها.
في حين فاقت الأخيرة من شرودها متجه إلى المقعد المجاور للأريكة لتجلس عليه وهي تزفر قائلة:
- تميم مش عايز يسبني في حالي.. لسه عايز حقه في البيت والمصنع.
نزلت آسيا عن قدميها لتجلس على الأرض كي تلعب بالمكعبات.
مسحت ندى على شعر طفلتها تستمع إلى حديث جدتها:
- اعملي فيه محضر لو تعرضلك تاني.
- فعلا آخر ما أزهق منه هقدم فيه بلاغ.
ثم تنهدت بصوت مسموع ونهضت عن المقعد قائلة:
- هحضر الغدا.
نظرت إليها حتى دلفت إلى الداخل ثم نظرت إلى الأمام متمتمه:
- حسبي الله ونعم الوكيل.
ركضت أشرقت إليها وجلست إلى جوارها قائلة:
- نانا ممكن تيجي تقعدي معانا في الفيلا.
- مش هينفع يا حبيبتي علشان مقدرش اسيب بيتي.
خرجت من الغرفة بعد أن ابدلت ثيابها واتجهت إلى المطبخ.
من ثم دخلت وبدأت في تحضير الغداء وبعد لحظات وقف ريان عند الباب وتساءل:
- أحنا هنمشي ليه؟
قالت بهدوء وهي تكمل عملها:
- أنا اتفقت مع بابي نروح الفيلا بليل.
- بسيطة.. ممكن نكلم بابي ونستأذن منه نقعد يومين كمان.
نظرت إليه بوجه محتقن لكن سرعان ما أبدلت ملامحها إلى الهدوء.
بعد ذلك تقدمت نحوه وجلست على ركبتيها لتكون في مستواه ومسحت على جانب شعره قائلة محاولة إقناعه:
- حبيبي احنا مش هنفضل طول عمرنا هنا.. لازم تفهم إن احنا بنيجي هنا يومين نغير جو.
وبستنهد بعمق قائلًا:
- أنا فاهم على فكرة.. وهسمع كلامك ونمشي النهاردة.
ابتسمت ثم قبلته على وجنته وقالت بمرح:
- طيب يلا يا استاذ نادي أخواتك ونانا علشان نتغدى.
ركض إلى الخارج كي يناديهم فنهضت الأخيرة وبدأت في وضع الأطباق أعلى المنضدة بمرح.
***
مساء اليوم.
دق جرس الباب فركضت أشرقت إليه وفتحت إياه.
لترى امرأة للمرة الأولى.
انحنت الأخيرة بجذعها لتمسك بذقنها الصغير وقالت مبتسمة:
- أنتِ أشرقت.
- أه.. أنتِ مين؟
همت أن تُجيب عليها لكن جاءت ندى متسائلة:
- مين يا أشرقت؟
لتنظر إليها رافعه كتفيها على إنها لا تعلم.
فقامت بفتح الباب إلى آخره لترى صديقتها المقربة التي لم تراها منذ سنوات.
اتسعت ابتسامتها واحتضنتها بشدة قائلة بمرح:
- جميلة وحشتيني.
قامت بدورها وبادلتها بالعناق بل وبالاشتياق أيضًا.
ابتعدت عنها وأدخلتها لتغلق الباب قائلة:
- كده يبقى بقالك شهرين هنا ولا تعبريني.
أحاطت كتفها بذراعها واتجها إلى غرفة المعيشة قائلة:
- أنتِ عارفة بقى مشاغل الرسالة.
- ربنا يعينك يا دكتورة.
بعد دخولهم اتجهت مباشرة إلى نانا وقبلتها على رأسها فقالت الأخيرة مبتسمة:
- يا حبيبتي حمد الله على سلامتك.
- الله يسلمك يا طنط.
ثم نظرت إلى أشرقت وقبلتها على وجنتها وقالت:
- ندى دايمًا تحكيلي عنك.
ابتسمت إليها بينما أعطت جميله إليها حقيبة هدايا قائلة:
- جبتلك الهدية دي اتمنى تعجبك.
أخذتها متمتمه بالشكر ثم جلست على الأرض وأخرجت ما في داخلها لترى عروسة رائعة راقت لها كثيرًا.
في حين تعرفت جميلة على ابنة صديقتها وحملتها لتحتضنها وقالت بمكر:
- شبه مستر رحيم خالص.. الحب جبار عندك.
قالت آخر كلماتها وهي تلكزها بمرح لتضربها على كتفها ثم أشارت إلى ذلك الجالس على الاريكة يتابع التلفاز في صمت ولم ينتبه لأحد منهم وقالت بجدية:
- ده نسخة رحيم التانية في كل شيء.. مستر ريان.
نظرت إليه ثم تركت آسيا وأعطت لها لعبة تشبه عروسة أختها.
ثم تقدمت نحوه ووقفت أمامه لتصبح حاجز بين عيناه والتلفاز.
تنهد بهدوء وبثقل رفع عيناه إليها دون أن يتفوه بكلمة فقالت مبتسمة:
- من كلام ندى عليك قولت ماينفعش معاك لعبة.
ثم وضعت علبة هداية متوسطة الحجم إلى جواره متابعة:
- جبتلك اسطوانات لأفلام أنت بتحبها.
أطرق عيناه وتحدث بنبرة ثابته:
- شكرًا.
التفتت إلى ندى تحدق بها في تعجب هامسة:
- لاء فظيع.
أومأت عدة مرات مبتسمة ثم مسكت بيدها وجلسوا معًا في الخارج.
وقالت ندى باهتمام:
- احكيلي عن شغلك والرسالة.
- كل يوم بتخانق مع بابا علشان رافض إني انزل الشغل.. ويقولي في بنت تدخل قسم المدمنين ده.
- معلش هو خايف عليكِ.
قالت كلماتها لتهون عليها لتومئ بتفهم.
ثم تبادل الإثنتان الحديث لدقائق ليقطع حبل حديثهم صوت جرس الباب.
استأذنت منها ونهضت متجه إليه لتفتح إياه.
تفاجأت بالكثير من رجال الشرطة وشعرت بالقلق المفاجئ.
- حضرتك ندى الشاذلي؟
أجابت في توجس:
- أه انا.. خير؟
- متقدم في حضرتك بلاغ انكِ بتجاري في أعضاء أطفال الملجأ وبتبعتي البنات للأماكن المشبوهاه.
اهتز بدنها كما أنها اتسعت عينيها في صدمة كبيرة وتحدثت في ذهول:
- لاء طبعًا ماحصلش.
- قولي الكلام ده في القسم.. اتفضلي معايا.
هم أن يمسك بذراعها لكنها تراجعت للخلف وتحدثت بعنف:
- ما تقربش مني.. ومستحيل أجي معاكم.
- لو سمحتِ تعالي معانا بالذوق وإلا استعملت العنف.
وقفت جميلة إلى جوارها واندفعت في وجهه بحده:
- العنف ده على نفسك يا أستاذ.. ممكن أشوف آذن النيابة.
أخرج الورقة من جيب معطفه ومد يده بها فأخذتها كي تفحصها.
لتنظر ندى إلى صديقتها في صدمة ممزوجة بالذهول كأنها داخل كابوس.
لم تفيق إلا على عناق الأطفال لها من قدميها.
فنظرت إليهم ثم وضعت كفيها على كلًا من رأس ريان وأشرقت.
- فيه إيه يا بنات؟
تساءلت جدتها وهي تقترب نحوهم بينما انتهت جميلة من القراءة وقالت بهدوء:
- طيب ممكن الأول نكلم جوزها علشان يحضر معاها.
أخذ الورقة من يدها بعنف قائلًا:
- تيجي معايا الأول بعدين تكلمني.
نظرت إلى ندى بحزن تخبرها بتلك النظرة بأنها ليس بيدها شيء لتفعله.
في حين اتصلت جدتها على ابنها الذي يسكن في الطابق العلوي وطلبت منه أن يأتي على الفور.
أمرها الضابط أن تأتي معه ثانية لكنها أطرقت رأسها دون أن تتحرك لكن بعد لحظات رفعت رأسها إليه وهمت أن تتحدث لكن خرج خالها من المصعد الكهربائي.
زفرت بهدوء تحمد ربها على مجيئه.
وقف أمام الضابط وتساءل عن سبب وجوده ليخبره بكل شيء.
فمسك بكف ابنة شقيقته وتحدث بهدوء:
- تحت أمرك.. لكن هتيجي القسم بعربيتي وممكن اتنين من العساكر يركبوا معانا.
- للأسف ماينفعش.
- يا بني احنا مش هنهرب منك.
تنهد بسأم وأمر اثنان من العساكر أن يبقوا معهم ثم استقل البقية المصعد الكهربائي.
همت أن تذهب مع خالها لكن تمسك الإثنان بها وقالت أشرقت بحزن:
- ندى ماتمشيش.
طبعت قبلة على رأسها وأخرى على رأس ريان وتحدثت بنبرة بكاء:
- هجيلكم تاني بإذن الله.
أخذتهم جميلة بعيدًا عنها فنظرت ندى إليها بعينين لامعتين من الدموع لتطمئن الأخيرة قلب صديقتها بنظراتها.
ثم غادرت مع خالها وانتظروا حتى صعد المصعد ثم دخلوا وأغلق العسكري الباب.
أغلقت جميلة الباب وطمأنت الأطفال لكن ريان تركها وركض إلى الداخل.
وعندما بكت آسيا ذهبت أختها إليها كي تجعلها تكف عن البكاء بطريقتها المرحة معها.
في حين جلست جميلة إلى جوار الجدة لتهون عليها.
فأعطت لها هاتفها الصغير وطلبت منها أن تتصل برحيم لتخبره بما حدث.
بالفعل حاولت الاتصال به لكن الهاتف مغلق.
- أنا هروح البيت يا طنط أقوله.
- عارفه العنوان؟
- اه طبعًا.. ماتقلقيش.
ثم تركتها وركضت إلى الباب وخرجت مغلقة إياه خلفها.
مسحت الأخيرة دموعها التي هبطت على وجنتيها ثم تناولت كتاب الله وبدأت تقرأ القرآن ودموعها تهبط على وجنتيها من جديد.
***
عند وصولها صف السيارة أمام الباب الرئيسي.
ثم ترجلت راكضة إلى الباب ووقفت تدق الجرس.
انتظرت للحظات ودقت ثانية حتى فتح علاء الباب ويبدو عليه انه ثمل.
تحدثت هي على الفور:
- مستر رحيم موجود؟
تأملها من أعلى لأسفل بإعجاب ثم تحدث بثقل بفضل الكحول:
- أه طبعا.. اتفضلي.
تنحى جانبًا فدخلت تنظر حولها بينما هو أغلق الباب والتفت إليها يتطلع إليها بنظرات خبيثة.
طال انتظارها لتلتفت إليه وقالت بحنق:
- لو سمحت فين مستر رحيم؟
- رحيم محظوظ علشان فيه بنت حلوه زيك بتسأل عليه.
رفعت حاجبيها في تعجب شديد بينما هو تابع بوقاحة:
- أعتبريني رحيم.
ثم مسك بمرفقها لكن على الفور نفضت ذراعها من يده واتجهت إلى الباب.
لكنه أسرع بالوقوف أمامها ومسك بذراعيها عنوة لتظهر علامات الألم على ملامح وجهها وصرخت في وجهه بحده:
- أنت إنسان وقح.
- وقح مع الحلوين اللي زيك.. الحقيقة أنتِ جيتي في الوقت الصح.
حاولت تحرير يديها من قبضته لكنه كان أقوى منها.
فقامت بضرب أنفه برأسها بكل ما فيها من قوة ليترك ذراعيها رغمًا عنه يتأوه بشدة واضعًا يده على أنفه.
ثم نظر إليها بحده فجزت هي أسنانها بشدة حتى تحرك صدغاها ووجدت نفسها تصفعه على وجنته ثم تركته وهرولت إلى الباب لتخرج مغلقة إياه خلفها.
وضع يده على وجنته يحدق في الفراغ التي كانت تحتله منذ لحظات.
وكأنها قذفت في وجهه لوح ثلج أزاح تأثير الكحول عن عقلة.
ثم اتجه إلى المرحاض ودخل كي يضع رأسه أسفل الماء البارد ليفيق على نفسه.
ثم رفع رأسه إلى المرآة لينظر إلى انعكاسه البشع.
أشاح بوجهه بعيدًا ثم خرج في نفس اللحظة دخلت والدته برفقة السيدة وفيه التي أغلقت الباب.
قذفته والدته بنظرة غضب ثم اتجهت إلى الدرج.
نظر إليها حتى صعدت إلى الطابق العلوي ثم تنهد بحزن لأنه يعلم بأنها غاضبه منه وغير راضيه عليه.
- اعملك حاجة قبل ما أرتب المطبخ؟
نظر إليها للحظات وتحدث بلطف للمرة الأولى:
- أه من فضلك عايز قهوة.
ثم اتجه إلى الأريكة كي يريح بدنه عليها.
بينما هي رفعت حاجبيها في تعجب لكونه للمرة الأولى منذ فترة يتحدث بذلك اللطف والهدوء.
ثم دلفت إلى المطبخ ووضعت حقائب الطلبات أعلى المنضدة وبدأت تحضر القهوة.
***
بالقسم.
أخذ الضابط يستجوبها وهي تنكر كل التهم الموجه إليها.
مسحت دموعها بالمنديل والمحقق يقول بنفاذ صبر:
- أستاذة ندى مفيش داعي للإنكار.
شهقت بخفه وقالت بنبرة بكاء:
- صدقني أنا بقولك الحقيقة.
ضغط على زر ليدخل العسكري يعطي له التحية فأمره أن يحضر الشاهد.
نفذ رغبته وخرج ليعود ومعه امرأة ثم تركها وخرج فتساءل المحقق:
- هي دي أستاذة ندى؟
تطلعت إليها من أعلى لأسفل ثم أجابت بخبث:
- أه هي.. بتبعتلي البنات اللي فوق الخمستاشر سنه وبتاخد عليهم نسبة.
- كدابه أنا عمري ما شوفتك.
قالت ندى كلماتها بدفعه تحملق في تلك الخبيثة بصدمة واضحة.
أمرها المحقق أن تكف عن الكلام وطلب من الشاهدة أن تكمل حديثها فقالت بذات الخبث:
- طبعًا لازم تنكر.
- ادخلي في الموضوع.
- تحت امرك يا باشا.. جت مرة سألتني على دكتور يشتري أعضاء وأنا عارفه واحد عرفتهم على بعض وتعاونت معاه.
لتنظر ندى إلى خالها الجالس على المقعد المقابل لها في صدمة شديدة.
في حين نظر المحقق إليها متسائلًا:
- أيه أقوالك أستاذة ندى؟
نظرت إليه بوجه محتقن واندفعت بحده:
- عمري ما شوفتها دي واحده كدابه.. حضرتك أسأل مشرفين الملجأ وأنت تعرف إني مظلومة.
ضغط على زر ليأتي العسكري وأمره بأخذهم إلى الحبس فاندفع خالها في حده:
- تحبسها بتهمة إيه؟!.. كل ده كلام فاضي ومفيش دليل على كلام البنت دي.
- لحد ما نتأكد يا استاذ.
هم العسكري أن يمسك بمرفقها لكن أبعدت ذراعها عنها تنادي خالها بنبرة خوف.
فعل ما بوسعه ليتراجع عن قراره لكنه رفض وأمر بأخذها.
فنهضت عن المقعد وذهبت معه لكن دون ان يمسك بمرفقها.
عند وصولهم فتح عسكري آخر باب الحبس ودخلت الفتاة أولا ثم ندى.
والتي فضلت أن تقف خلف الباب بعد أن أغلقه العسكري.
جلست الفتاة تطلع إليها بلؤم وابتسامة باردة.
لكن لم تعطي لها اهتمام واحتضنت نفسها بذراعيها مغمضة العينين لتهبط دموعها على وجنتيها.
وأخذت تدعي ربها كثيرًا وكثيرًا ثم همست بضيق:
- رحيم تعالى بقى.
نهضت الفتاة متجه إليها ووقفت امامها لتقول ببرود:
- ما تعترفي على نفسك يا حلوه وتريحي دماغك.
تنهدت بنفاذ صبر ونظرت إلى الاتجاه الآخر دون أن تتفوه بكلمة.
فضربتها على كتفها وقالت قاصده أن تتشاجر معها:
- انا مابحبش اللي ينفضلي يا حلوه.
- أبعدي عني وسبيني في حالي.
قذفت كلماتها بحده ونفاذ صبر لينظروا إليهم من في الحبس بينما قالت الأخيرة بنبرة متوعدة:
- اتكلمي معايا بالذوق علشان ماقطعش شعرك الحلو ده.. هسيبك دلوقت وارجعلك بعد شوية تكوني فوقتي من الصدمة.
ثم عادت إلى مكانها تحت أنظار ندى الحاده ثم رفعت رأسها للأعلى تتنهد بعمق.
***
بالخارج أوقف سيارته بقوة حتى أصدرت صريرًا قويًا أثر احتكاك العجلات بالرصيف.
ثم ترجل راكضًا إلى الداخل وعند دخوله بدأ يمضي في الأروقة ينظر يمينًا ويسارًا حتى رأى خالها.
أسرع إليه ووقف أمامه يتساءل عن ندى ليخبره بما حدث.
وكأنه قذفه داخل بركان من النيران واقتحم غرفة المحقق دون إذن ليدخل العسكري خلفه يعتذر من المحقق الذي انتفض عن المقعد وتساءل بعنف:
- أنت مين وازاي تدخل من غير إذن؟
- أنا اللي هقومك من على الكرسي اللي أنت فرحان بيه ده.. أنا عملك الأسود في الدنيا.
قال كلماته بصوت عال ممزوج بالحدة العالية التي تكاد أن تهز حائط الغرفة.
مسك الخال بذراعه وحاول تهدئته لكنه فشل.
فتحدث المحقق بهدوء بعد أن أمر العسكري بالخروج لينفذ رغبته:
- ممكن تعرفني بحضرتك بهدوء.
قال بصوت خشن:
- أنا رحيم عبد الرحمن النادي.. وحضرتك حبست مراتي بدون اي سبب.
- اتفضل اقعد علشان نتكلم بهدوء.
- مش هقعد ولا هتكلم بهدوء غير لما تخرج واشوفها.
قال كلماته بحده وحسم.
فتنهد الأخير وضغط على زر الجرس ليدخل العسكري فأمره بإحضار ندى لينفذ أمره وخرج مغلقًا الباب خلفه.
عزم المحقق على رحيم بالجلوس ثانية لكنه قذفه بنظرة نارية وظل واقفًا.
بعد دقائق قليلة عاد العسكري ومعه ندى.
بمجرد أن رأت رحيم عادت روحها إلى بدنها وركضت إليه لتختبئ من الجميع داخل عناقه قائلة:
- رحيم.. الحمد لله أنك جيت.
طبق ذراعيه عليها يحتضنها بشدة ثم نظر إلى المحقق بنظرات منبعثه من الجحيم وتساءل بعنف:
- دخلت الحبس بتهمة إيه؟
- حضرتك أنا قولتلك على كل حاجة.
- مش مبرر.. المفروض أن فيه محامي الأول يحضر التحقيق ده غير إن حضرتك تروح الملجأ بنفسك وتشوف الكلام ده صح او غلط.
جلس على المقعد وتحدث بثقة:
- الشاهدة موجودة واعترفت عليها.. وأستاذة ندى هتشرفنا لحد بكرة الصبح.
- لاء هتخرج بكفالة.
تطلع إليه بحنق شديد في حين يبادله الأخير بنظرة شك واضحة.
وبعد دقائق دفع الكفالة المطلوبة وتم الإفراج عنها لحين معاد التحقيق بعد التحقق من أقوال الشاهدة.
***
عند وصوله صف السيارة أمام باب المنزل الرئيسي.
ثم نظر إليها ومسح على جانب رأسها.
أدارت رأسها إليه تطلع إلى عيناه لتشعر بالأمان ثم فتحت الباب وترجلت.
ترجل هو الأخير وفتح باب المنزل ثم فتح الباب الخلفي من السيارة ليحمل طفلته.
بينما ترجل كلًا من أشرقت وريان ودخلوا المنزل برفقة ندى.
لحق رحيم بهم مغلقًا الباب خلفه ثم صعد الدرج من ثم دلف إلى الغرفة.
وضع طفلته داخل فراشها برفق.
بعدها نظر إلى أولاده وقال بصوت منخفض:
- يلا يا حبايبي روحوا ناموا.
ودع كلًا منهما ندى بقبلة على وجنتها كما أنهم ودعا والدهما بمثلها ثم خرجا.
جلس إلى جوار زوجته وقبلها على جانب رأسها بحنان ثم ضمها إلى صدره يمسح على ذراعها قائلًا:
- قومي غيري هدومك يلا يا حبيبي.
أومأت بالإيجاب ثم نهضت عن الفراش متجهه إلى غرفة الثياب ودلفت إلى الداخل.
لتخرج بعد لحظات ودلفت إلى المرحاض لتضع بدنها أسفل الماء البارد.
أما رحيم فدخل الغرفة كي يبدل ثيابه.
من ثم خرج منها بل ترك الجناح بالكامل متوجهًا إلى غرفة شقيقته بخطوات واسعة.
ووقف يدق الباب بعنف ودخل بعد أن آذنت بالدخول.
- من بكرا تلمي شنطة هدومك وتمشي.
قال كلماته بحسم عاقدًا بين حاجبيه في حده بالغة.
تركت الفراش ووقفت أمامه تحملق به في تعجب قائلة:
- عملت ايه علشان تطردني؟
- أنتِ عارفه لكن هقولك.. البوليس جه هنا سأل على ندى وأنتِ عرفتيهم بمكانها.
صمتت للحظات ثم تحدثت نافية ذلك:
- لاء طبعًا ماحصلش.
ابتسم وقال ساخرًا:
- البوليس شغال في السحر وعرف بمكان ندى لوحده.
ثم اندفع فجأة بعنف:
- انطقي وقولي الحقيقة.
ابتلعت لعابها وتحدثت بهدوء على عكس التوتر الماكث داخلها:
- اه هو فعلًا جه وسأل على مكانها فقولتله.
- مش كان المفروض تقولي لاء ماعرفش مكانها وبعدين تكلميني تقولي لي علشان نفهم الموضوع.
- أه أنت صح.
قبض على مرفقها عنوة جعلها تتأوه وتحدث من بين أسنانه:
- أنتِ ما صدقتي تخلصي منها.. وكفاية لحد كده وبكرا الصبح تنفذي اللي قولتلك عليه.
ثم تركها بعنف لتتراجع خطوة للخلف والتفت متجهًا إلى الخارج لكنه توقف عند الباب والتفت إليها برأسه قائلًا بتمني:
- أو يا ريت تعملي فينا جِميل وتسافري لجوزك.
تابع السير ما أن أنهى حديثه وأطمئن على أولاده أولًا ثم عاد إلى الغرفة.
رآها تمدد على الفراش فأغلق الباب بخفه وتقدم صوب الفراش ليمدد إلى جوارها جاذبًا إياها إلى صدره.
أغمضت عينيها تتنهد بهدوء وقالت بصوت منخفض:
- مش مصدقة اني في البيت.
شد بأنامله على ذراعها وقال بعد أن قبلها على رأسها بحنان:
- أنتِ في حضني يا روحي.. ماتخافيش من اي شيء وأنا معاكِ.
مسكت بيده الأخرى قائلة:
- ربنا يخليك ليا يا روحي.
- يا رب ويخليكِ ليا يا حبيبتي.
يرفع يده يمسح على شعرها برفق حتى ذهبت إلى النوم بعد دقائق.
ترك يدها ليرفع ذراعه تجاه زر الإضاءة المجاور إلى الفراش ليغلق المصباح الكبير.
وبعد لحظات وصلت له رسالة على الهاتف.
نظر إليه ثم أخذه من أعلى المنضدة الصغيرة وفحص كلماتها بسوداويته " اللي حصل ده قرصة ودن وأحمد ربنا إنها خرجت سليمة..".
رفع عيناه عن الهاتف يحدق في الفراغ بحده بالغة.
لينظر إلى شاشة الهاتف من جديد وكتب رسالة تحمل " قرصة الودن الخاصة بيا صعبة جدًا اتمنى تقدر تتحملها يا تميم..".
ثم ارسلها ووضع الهاتف كما كان.
وضع رأسه على الوسادة ومازال محتفظًا باحتضان قطرة الندى خاصته بشدة.
وأطبق شفتيه على جبينها للحظات ثم اغمض عيناه مستسلمًا إلى النوم.
رواية حب رحيم الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سمر عمر
ترى كل شيء جميل. تحتضن الورود وهي تجلس داخل بستان ممتلئ بزهور الربيع. عيناها ترى القليل من البط داخل بركة صغيرة. فلاحت ابتسامة على وجهها وقد لمعت عينيها بدموع السعادة، لكونها داخل مكان رائع هادئ خالي من الهموم.
فتحت عينيها ببطء لترى نفسها بين أحضان زوجها الحبيب، فزينت ثغرها بابتسامة رقيقة مثلها، وقد علمت لِمَ هي رأت ذلك الحلم الجميل، لإنها بين أحضان من تشعر معه بالأمان والهدوء والسكينة. تنهدت بعمق بعدها رفعت رأسها قليلًا وأطبقت شفتيها على وجنته للحظات ثم عادت برأسها إلى صدره.
بعد دقائق قليلة وجدت نفسها تستسلم إلى النوم ثانية. وفي تمام الساعة الثامنة إلا ربع استيقظ على صوت دقة الجرس. وضع رأسها على الوسادة برفق وقبلها على جبينها ثم ترك الفراش بل والغرفة أيضًا متجهًا إلى الدرج. من ثم هبط إلى الطابق السفلي متجهًا إلى الباب وعند وصوله فتح إياه ليرى رجل من رجال الأمن.
"صباح الخير يا فندم.. باص المدرسة في انتظار الأولاد."
أومأ بتفهم وقال بصوت مبحوح:
"هما مش رايحين المدرسة النهاردة."
حرك رأسه موافقًا وغادر بعد أن استأذن. أغلق الباب وأخذ يمسح على شعره من الأمام إلى الخلف عدة مرات ثم عاد إلى غرفته. وبعد ربع ساعة تقريبًا خرج من المرحاض بعد أن أخذ حمامًا دافئًا ووضع سجادة الصلاة في المكان الصحيح ووقف يصلي فرض الصبح.
عقب انتهائه نهض عن السجادة واتجه إلى الباب ثم خرج مغلقًا إياه خلفه بهدوء. واتجه إلى غرفة شقيقته ووقف يدق الباب بقبضته المضمومة. آذنت بالدخول فقام بفتحه ووقف يتطلع إليها بحده قائلًا:
"مش قولتلك الصبح تمشي!"
نهضت عن الفراش لتقف في مواجهته وتحدثت في تعجب:
"كنت فكرة إنك قولت كده في لحظة غضب مش أكتر."
"وأنا بقولك بهدوء اتفضلي سيبي البيت."
قال كلماته بهدوء مصطنع لتحدق الأخيرة به وأخذت تفكر في حيلة كي يتراجع عن قراره الحاسم هذا. ولم تجد سوى الاعتذار وبالفعل اعتذرت لكنه لم يقبل. فوجدت نفسها تثور:
"مش معقول يا رحيم تطرد أختك علشان مراتك."
"مراتي عملت كل الخير معاكِ واتحملت كلامك. كفاية لحد كده."
همت أن تتحدث لكنه سبقها بنبرة حادة:
"ولا كلمة زيادة. اللي عندي قولته نص ساعه وتكوني مشيت."
ثم التفت متجهًا إلى الخارج. زفرت بنفاذ صبر وأغلقت الباب بعد خروجه مباشرةً. ثم بدأت في تحضير الأمتعة.
***
بعد مدة من الزمن. قام بتحضير الأفطار بمساعدة أطفاله ووضع الأطباق أعلى المنضدة التي تقع في منتصف المطبخ.
"افطروا وأنا هصحي ندى."
جلس الإثنان أمام الطاولة وأجلست أختها الصغيرة إلى جوارها. خرج من المطبخ ليرى شقيقته تتقدم نحو الباب ساحبة الحقيبة خلفها. لكنها وقفت أمامه تطلع إليه بنظرة عتاب واضحة وقالت بحزن:
"أنا ماشية يا أستاذ رحيم."
وضع يديه في جيبي سرواله متقدمًا نحوها بخطوتين قائلاً:
"أنتِ اللي وصلتني لكده يا رنا."
ثم أردف:
"اتمنى تيجي تقعدي معانا تاني لكن بشرط تعاملي ندى زي ما بتعاملك. والأهم تحبي أولادي كلهم طبعًا فاهمة قصدي."
رفعت حاجبيها في مكر وقالت بحنق:
"مستحيل احترم واحده خطفت راجل من ولاده."
ابتسم يحرك راسه في كلا الاتجاهين هامسًا:
"مسكينة."
تركته وأكملت السير إلى الباب وخرجت مغلقةً إياه خلفها. تابع هو الأخير السير إلى الدرج.
أما ندى فقد انتشرت حبات العرق الباردة على جبهتها وعبس وجهها تتأوه بخفه بفضل كابوس يراودها. وضعت كفها على مكان رحيم لتشعر بخلائه. ثم فتحت عينيها بلهفة ورفعت جذعها عن الفراش تصرخ وتناديه.
فتح الباب وركض إليها ليجلس أمامها ممسكًا بكفيها قائلًا:
"إيه يا حبيبي.. مالك؟"
نظرت إليه في توجس ثم احتضنته عنوة متشبثةً في سترته من الخلف بكلتا يديها. مسح على شعرها برفق شديد وقال بهدوء:
"أنا معاكِ."
ظل يمسح على شعرها لدقائق حتى هدأت من روعها وابتعدت عنه قليلًا وهي تقول بصوت مبحوح:
"شوفت حلم حلو ولما نمت تاني شوفت حلم بشع."
"استعيذي بالله يا روحي."
قال كلماته وهو يمسح على وجنتها فأغمضت عينيها متمتمه:
"أعوذ بالله.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم."
قبل قبلةً طويلة على جبينها وقال بعد أن ابتعد عنها قليلًا:
"قومي صلي يلا عشان نفطر مع بعض."
ابتسمت تومئ موافقة ثم تركته ونهضت متجه نحو المرحاض ودخلت مغلقة الباب خلفها. صدح صوت الهاتف داخل جيب سرواله فأخرجه ونهض متجهًا إلى الشرفة. ثم أجاب على المتصل بعد خروجه وبعد حديث طال بينهم قال بحسم:
"أنا لازم اجي معاكم الملجأ."
"مفيش مشكلة سيد رحيم.. هكلم حضرتك قبل المعاد بساعة."
انتهت من صلاة الصبح ثم نهضت عن السجادة وتطلعت إليه من خلف زجاج الشرفة. ثم خلعت جلباب الصلاة وضعته كما كان ووقفت أمام المرآة تمشط شعرها. في حين دخل الأخير يتطلع إلى شاشة الهاتف ثم وضعه داخل جيب سرواله متقدمًا نحوها.
وقف خلفها ليحتضنها يطوق خصرها بذراعيه وأطبق شفتيه على عنقها. تركت الفرشاة لتضع كفيها على يديه وهمست بنبرة شغف:
"شكرًا لوجودك جمبي."
قبلها بالقرب من آذنها برقه وهمس بجدية:
"أنا موجود علشان ندى وبس."
"حبك ليا بيقويني."
ثم التفتت إليه جاعله من ذراعيها طوق حول عنقه. رفع حاجبيه قليلًا واستند بجبينه على جبينها وقال بصوت منخفض:
"أنا روحي فيكِ."
ثم مسك بكفها وأطبق شفتيه على ظهره. بعدها تذكر شيئًا والتفت متجهًا إلى المنضدة الصغيرة المجاورة إلى الفراش ووقف يفتح أول درج ليأخذ علبة قطيفة زرقاء صغيرة. ثم عاد إليها ليقف أمامها وفتح إياها بعد أن ابتسمت عيناه عندما نظر إليها قائلًا:
"كل عام وأنتِ حب رحيم."
نظرت إلى الخاتم بإعجاب شديد لكونه خاتم يحمل لؤلؤ زرقاء براقة. ثم رفعت عينيها إليه وتساءلت مبتسمة:
"بمناسبة إيه؟!"
أخذ الخاتم ووضعه في أصبع يدها قائلًا:
"كل يوم بيعدي وأنا معاكِ عيد.. يا رب دايمًا معايا وفي حضني."
قبلها على ظهر يدها برقة ثم نظر إليها مبتسمًا. احتضنته عنوة وقبلته على عنقه بنعومة شديدة فخطفت روحه من بدنه. ليجد نفسه يحيط خصرها بذراعه وقال بهدوء مغمض العينين:
"انتفض قلبي مرفرًف بأجنحة العشق معلنًا عن مدى عشقه لتلك القبلة الناعمة."
ابتعدت عنه قليلًا متشبثة في عنقه بذراعيها وهمست بنبرة مرحه ممزوجة بالسعادة:
"بعشقك وبعشق كلماتك اللي عمري ما سمعتها غير منك."
"وحب رحيم يليق بكِ عزيزتي."
***
بعد الانتهاء من الأفطار نظفت المطبخ بمساعدة أشرقت. وتعجبت من عدم وجود رنا في الأسفل لكونها لم تعلم بعد بمغادرتها للمنزل. عقب انتهائهم استأذنت أشرقت لأخذ اختها تشاركها باللعب في الخارج.
"اوكي حبيبتي لكن خدي بالك منها."
أومأت بتأكيد ثم ركضت إلى الخارج لأخذ اختها وخرجا إلى حديقة المنزل. فيما تقدمت الأخيرة نحو ريان الجالس على الاريكة يراجع دروسه. ثم جلست إلى جواره كي تراجع معه باهتمام. بعد دقائق رأت رحيم يخرج من غرفة المكتب فاستأذنت من ريان لدقائق وتركت الاريكة متجه إليه ووقفت أمامه متسائلة:
"هي رنا فين؟"
رد عليها بسؤال عاقدًا بين حاجبيه:
"بتسألي ليه؟"
"علشان مش شيفاها في البيت."
"برغم اللي بتعمله معاكِ بتسألي عليها؟!"
لاحت ابتسامة بسيطة على ثغرها وتحدثت بلطف:
"السؤال مالوش علاقة بالمعاملة.. أنا بس بسأل لتكون تعبانة."
رفع يديه وضعهما على ذراعيها يشدد عليهما وقال بحنق:
"رنا طلبت منها تسيب البيت مانعًا للمشاكل."
"ليه كده يا رحيم؟"
تساءلت في دهشة محدقة به فتنهد بهدوء قائلًا:
"علشان قالت للبوليس على مكانك بدون تفكير."
صدمت من كلماته كما أن عينيها لمعت من الدموع قائلة بضيق:
"رنا؟.. طيب ليه تعمل كده.. على الأقل كانت كلمتك أو كلمتني الأول.."
رفعت عينيها إليه وتابعت بنبرة بكاء:
"صدقني أنا ماعملتش معاها حاجة وحشة.. بالعكس بعاملها بكل احترام برغم اللي بتعمله معايا."
احتضن وجنتيها براحتي يديها يمسح أسفل عيناها بإبهامية قائلًا بصوت منخفض:
"عارف يا روحي.. أنتِ أحن بنت وأفضل زوجة وأطيب أم."
ثم أطبق شفتيه على جبينها وقطع تلك اللحظة صوت جرس الباب. ابتعد عنها واتجه نحوه وفتح إياه ليجد شقيقه. تنهد بهدوء يتطلع إليه في صمت. رفع الأخير نظارته على شعره قائلًا:
"مش هتقولي اتفضل؟!"
تنحى جانبًا يشير إلى الداخل دون أن يتفوه بكلمة. فدخل وهو يقول مازحًا:
"على فكرة مش جاي علشانك.. أنا جاي اشوف الأولاد وندى."
أغلق الباب بينما تقدمت ندى نحوه ووقف أمامه تصافحه مرحبة به. وبعد تبادل السلام بينهم جلس إلى جوار ريان واضعًا حقائب الهدايا أعلى المنضدة المقابلة له. احتضنه ريان بشدة قائلًا:
"وحشتني يا عمو."
"أنت كمان يا روحي وحشتني.."
ثم نظر إلى ندى متسائلًا:
"فين آسيا وأشرقت؟"
"في الجنينة حالًا اندهيهم."
ثم اتجهت إلى الخارج تنادي كلًا من أشرقت وآسيا. ظل رحيم ينظر إليها حتى خرجت ثم استند بكفيه على حافة ظهر المقعد متسائلًا:
"جاي ليه يا علاء خير؟"
لينظر إليه وقد رفع حاجبيه بمرح قائلًا:
"قولت لك مش جاي علشانك.. أنا جاي علشان ولاد أخويا الغالي وندى."
تنهد يحرك رأسه في كلا الاتجاهين وجلس على المقعد. في حين دخلت أشرقت راكضة إلى عمها وقذفت نفسها في أحضانه ليطبق ذراعيه عليها معبرًا لها عن مدى اشتياقه لها لتبادله بذات الاشتياق. ثم ابتعد عنها ليحتضن آسيا عنوة وطبع عدة قبلات على جانب رأسها. ثم أعطى كلا منهم الهديه الخاصة بها.
"هعملك قهوة مع رحيم."
أومأ موافقًا فاتجهت إلى المطبخ ودخلت كي تصنع القهوة. أخذ هو يمزح مع أبناء شقيقه حتى تعالت ضحكاتهم وبعد دقائق عادت ندى وقامت بوضع صينية القهوة أعلى المنضدة. حمل رحيم فنجان القهوة خاصته قائلًا:
"خليك انت قاعد معاهم بقى طالما جاي علشانهم."
ثم اتجه صوب غرفة المكتب فجلست ندى على المقعد الذي كان يحتله رحيم. فيما نظر الأخير إلى شقيقه مبتسمًا وبعد دخوله بدقائق قليلة حمل فنجان القهوة خاصته ولحق به. ثم دخل بعد أن آذن بالدخول وجلس على المقعد المجاور للمكتب واضعًا الفنجان أعلى المنضدة الصغيرة المجاورة له. ابتسم الأخير وقال بثقة:
"قول أنت جاي ليه؟"
لينظر إليه مبتسمًا قائلًا:
"بطل تحرجني يا رحيم.. والأهم بلاش المعاملة الناشفة دي أنا أخوك الكبير."
قال بعد أن أشعل سيجارة ونفث دخانها بالهواء:
"حاضر لكن اتكلم بوضوح."
"أولًا أنا عايز أتحمل مسؤولية المصنع تاني."
"خلاص يا علاء الفرصة ضيعتها من ايدك."
ثم سحب دخان السيجارة إلى صدره وزفره بالهواء. أخذ السيجارة من بين أصبعي يديه وأطفأها تحت أنظار رحيم المندهشة والأخير يقول:
"عايز فرصه جديدة وأوعدك اثبت لك اني قدها."
ألقى نظرة سريعة على السيجارة التي أطفأها شقيقه للتو ليعود بالنظر إليه في تعجب قائلًا:
"موافق لكن هتبقى تحت إشرافي.."
ثم أردف بجدية:
"أنا اتمنى تبقى مسؤول عن المصنع من النهاردة قبل بكرا."
أومأ بتفهم ثم تحدث بجدية:
"ثانيًا بقى فيه بنت جت إمبارح الفيلا تسأل عليك."
"اسمها ايه؟!"
"لاء ماعرفش اسمها.. هي بس جت تسأل عليك وطبعًا أنت مش في البيت فمشي."
قال بعدم اهتمام:
"على العموم اكيد هعرف مين هي."
"وأنا كمان عايز أعرف مين دي."
نظر إليه للحظات من التعجب ثم ابتسم بخفة قائلًا:
"ليه؟!"
تناول فنجان القهوة ليأخذ رشفه صغيرة ثم تنحنح بخفة وقال بهدوء:
"عادي يعني.. حابب اتعرف عليها."
رفع حاجبيه قليلًا وتحدث بمكر:
"أه.. لما اعرف مين هبقى أقولك."
صدح صوت الهاتف الخاص به فنظر إلى شاشته التي تضيء باسم المحامي. أجاب عليه فورًا ليخبره الأخير بالمعاد المنتظر فقال على الفور:
"بإذن الله هكون في انتظارك."
ثم أنهى معه المكالمة ونهض عن المقعد قائلًا:
"علاء معلش مضطر امشي دلوقت."
"مفيش مشكلة أنا كمان همشي دلوقت.. هشوفك بكرة في المصنع."
نهض عن المقعد ما أن أنهى كلماته وخرجا من غرفة المكتب. صعد إلى غرفته فيما ودع الأخير أبناء شقيقه وندى ثم خرج واستقل سيارته متجهًا إلى البوابة ببطء. عند وصوله توقف حتى دخلت أحدهم بسيارتها فنظر إليها ليتفاجأ بها وظل يتطلع إليها بلهفة حتى دخلت.
ترجل من سيارته ووقف ينظر إلى السيارة حتى توقفت وخرجت منها. لاحت ابتسامة بسيطة على وجهه وأخذ يفكر يلحق بها أم يغادر لكنه رأى ندى تحتضنها بعد أن فتحت لها الباب ثم دلفا إلى الداخل. أخذ قراره وهو أنه استقل السيارة وغادر إلى وجهته دون تردد.
***
بالداخل. جلسا على الاريكة وأخذت تسأل باهتمام شديد عن ما حدث معها بالقسم لتخبرها بكل شيء. وبعد دقائق هبط رحيم الدرج وهو يرتدي معطفه. ثم وقف ينادي ندى دون أن ينظر اتجاههم. نهضت على الفور متجه نحوه ووقفت أمامه متسائلة:
"رايح فين؟"
"الملجأ عشان احضر التحقيق."
"طمني أول ما يخلص التحقيق."
أومأ موافقًا فنظرت إلى صديقتها قائلة:
"جميلة صحبتي."
نظر إليها رافعًا أحد حاجبيه قائلًا بثبات:
"أهلا وسهلاً."
نهضت عن الاريكة وقالت مبتسمة:
"أهلا بيك.. على فكرة جيت لحضرتك امبارح الفيلا علشان أقولك على اللي حصل.. لكن للأسف روحت البيت التاني."
قطب جبينه مبتسمًا يحرك رأسه في كلا الاتجاهين فقد علم بأنها هي الفتاة الذي يهتم شقيقه لأمرها. ثم تنهد بهدوء قائلًا:
"أه ما هو علاء كان هنا وقالي وسأل عليكِ."
اختفت ابتسامتها وتحولت إلى الغضب عندما تذكرت ما حدث. في حين مسح الأخير على ذراع زوجته برفق واستأذن منها ثم غادر. عادت هي إلى صديقتها وجلست وهي تجلسها معها فتساءلت:
"هو علاء ده يبقى أخوه؟"
أومأت برأسها فتنهدت بعمق وقالت بحنق:
"شكله كان سكران وأنا بكره الرجالة دي."
"ربنا يهديه.. هو الحقيقة بيشرب كتير جدًا ويوم كويس وعشرة لاء."
***
تقابل مع المحامي وحضر التحقيق بالكامل مع المسؤولة عن الدار لتنفي جميع التهم الموجهة إلى ندى. فطلب المحقق الفتاة من الحبس متوعدًا لها بعقوبة قاسية. في حين خرج رحيم برفقة المحامي ووقف يتحدث معه للحظات ثم استقل كلًا منهم سيارته.
تحدث في الهاتف مع أحدهم طالبًا منه أن ينفذ شيئًا ما. ثم أنهى المكالمة وتحرك بالسيارة إلى وجهته. وعند وصوله صف السيارة جانبًا وترجل متجهًا إلى الداخل من ثم استقل المصعد الكهربائي إلى الطابق المنشود ودلف إلى غرفة المكتب يتابع العمل.
صدح صوت الهاتف فرفع السماعة ليستمع إلى حديث مديرة مكتبه:
"مستر رحيم جيجي هانم سألت على حضرتك كتير وعايزه حضرتك."
تنهد بسأم وانتظر للحظات ووافق على أنها تدخل. ثم وضع السماعة كما كانت وبعد دقائق قليلة دخلت بعد أن قرعت الباب. ووقفت أمام المكتب وتساءلت بفضول:
"اتأخرت ليه النهاردة على الشغل؟"
"شيء يخصني.. ادخلي في الموضوع."
جلست على المقعد المجاور للمكتب وقالت بنبرة عتاب:
"كنت منتظرة منك اعتذار على اللي عملته مراتك."
تنحنح بخفه وقال بثبات:
"جيجي أنا مش فاضي للكلام الفاضي ده.. هتتكلمي عن الشغل هسمعك غير كده مش فاضي."
"أنا أم أولادك.. يعني إهانتي ترضيك؟"
قالت كلماته بحنق شديد ليثور الأخير بنفاذ صبر ضاربًا بكفه على سطح المكتب:
"ولا كلمة زيادة وألا طردتك من الشغل.. حالًا على شغلك."
جزت على اسنانها ثم نهضت متجه نحو الباب وخرجت مغلقة إياه خلفها. فيما تابع الأخير عمله بفحص بعض الأوراق الخاصة بالتصاميم الجديدة. وبعد وقت ليس بقليل صدح صوت الهاتف ليجيب على المتصل فورًا يستمع إلى حديثه دون أن يبادله وقبل انتهاء المكالمة شكره بإمتنان على تنفيذ طلبه.
بعدها لملم أغراضه الشخصية وخرج من الغرفة بل من الشركة بأكملها واستقل سيارته وغادر إلى وجهته. عند وصوله صف السيارة جانبًا ثم ترجل ودلف إلى المبنى من ثم إلى غرفة الضابط. نهض عن المقعد فصافحه رحيم وهو يعرفه على نفسه. رحب الأخير به كثيرًا وأشار إلى المقعد عازمًا عليه بالجلوس.
جلس على المقعد واضعًا ساق فوق الأخرى وقال بعد أن جلس الضابط مكانه:
"أنا اتسرق مني مليون جنيه من غرفة مكتبي في الشركة."
"تمام يا فندم.. شاكك في حد؟"
فكر للحظات ثم أجاب مبتسمًا:
"طبعًا.. تميم الشاذلي.."
ثم أردف:
"الحقيقة هو يبقى ابن عم زوجتي.. كان عندي وبس سبته ربع ساعة اتابع شغل لقيته كلمني وقالي أنه مضطر يمشي.. رجعت المكتب مالقتش شنطة الفلوس.. رنيت عليه كتير مردش عليه."
"تمام يا فندم بإذن الله نعمل اللازم وشنطة حضرتك ترجعلك وهو ياخد جزاءه."
***
منزل رحيم. خرجت إلى الشرفة تحتضن نفسها ناظرة إلى القمر بتمعن شديد حتى تألمت عينيها. أغلقتهما ثم فتحتهما ونظرت إلى الهاتف كي تتصل على رحيم ثانية لكن مازال هاتفه مغلق. تنهدت بحزن لكونها تشعر بالقلق الشديد عليه.
بعد دقائق دخل الغرفة وأضاء المصباح الكبير يبحث عنها حتى رآها في الخارج بواسطة زجاج الشرفة. فتقدمت إليها بخطوات بطيئة وفاجئها باحتضانها من الخلف لتفلت شهقة خفيفة من بين شفتيها وقالت في تذمر:
"قلقتني عليك.. كنت فين وتلفونك مقفول ليه؟"
"أنا بخير يا روحي.. تلفوني بس فصل شحن."
تنهدت بصوت مسموع مستديرة إليه قائلة بتأفف:
"فيه شاحن في العربية على فكرة."
أطبق شفتيه على جبينها ثم نظر إليها مبتسمًا قائلًا:
"حطيته في شاحن العربية لكن نسيت افتحه."
"كنت فين؟"
مسح على جانبي رأسها قائلًا بصوت منخفض:
"كنت بجيب لك حقك."
حملقت به في دهشة متسائلة:
"من مين؟ وعملت إيه؟"
"تميم دلوقت في السجن متهم بسرقة مليون جنية مني.. حطيت له شنطة الفلوس في عربيته."
وضعت يدها على فاها تحملق به في صدمة كبيرة وقالت بصوت مبحوح:
"ماكنش في داعي تعمل كده."
تحدث من بين أسنانه بحنق:
"يستحق اللي عملته وزيادة.. هو السبب إنك تدخلي السجن.."
ثم هدأ قليلًا محتضنًا وجنتيها براحتي يديه قائلًا بصدق:
"أنتِ اللي يفكر يؤذيكِ أقطع حبل أفكاره.. وأوعي تخافي من اي حاجة طول ما انا معاكِ."
"ربنا يخليك ليا."
"ويخليكِ ليا يا روحي."
لاحت ابتسامة بسيطة على وجهها ثم أحاطت خصره بذراعيها مستنده برأسها على صدره. بادلها بالعناق بكلتا يديه يضمها إليه عنوة كأنه سيخترق عظامها.
رواية حب رحيم الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سمر عمر
بعد مدة من الزمن عادت إلى القصر برفقة آسيا.. تركتها تدخل إلى الخيمة الصغيرة الخاصة بها كي تلعب بالعرائس وذهبت هي لتبديل ثيابها من ثم ذهبت إلى المطبخ كي تقوم بتحضير طعام اليوم.
***
بالمدرسة..
جلس وحيدًا كعادته لم يتحدث إلى أحد أو يلتفت إليهم.. وذلك الهدوء يجعل البعض يغضب منه بل ويضايقونه ايضًا.. ركل أحدهم الكورة إليه لتستقر عند قدمه.. شعر بها لكنه لم ينظر إليها فور وصولها إليه بل تأخر للحظات ثم أطرق عيناه إليها ليرفع عيناه ثانية إلى الفراغ..
جاء زميله وانحنى كي يحمل الكورة بين يديه.. ثم وقف يتطلع إليه قائلًا:
- المفروض تبعتلي الكورة..
رمقه بنظرة سريعة وقد رفع حاجبه اليسار ثم تنهد بهدوء دون أن يبادله بالحديث.. غضب منه كثيرًا ليجد نفسه يركله في قدمه عنوة.. زفر الأخير بصوت مسموع ونظر إليه بوجه محتقن قائلًا من بين أسنانه:
- روح كمل لعب يا أنت.
أخذ بتلابيبه وكاد أن يتحدث لكن دفعه ريان عنوة ليفقد توازنه ويسقط على ظهره.. ركض الجميع إليه وساعده أحدهم في النهوض.. بينما نهض ريان يضبط ثيابه وعيناه تطلع إليه بحده.. بادله الأخير بذات الحده وهو ينظف ثيابه وهم أن يتقدم نحوه لكن أحدهم وقف بينهم يصيح به:
- ممكن تكملوا لعب ومفيش حد منكم له دعوة بيه.. أنا ملاحظ إنكم دايما بتجروا شكله.
- الكورة جت لحد عنده ورفض يبعتها وكمان وقعني على الأرض.
- تستاهل اكتر من كده.
جز أسنانه ثم انحنى ليأخذ الكورة من جديد وعاد إلى اللعب.. فيما نظر ريان إلى ذلك الذي دافع عنه للتو التفت هو إليه مبتسمًا.. تنهد بصوت مسموع ثم تركه وذهب دون أن يتفوه بكلمة.. فلم يتعجب لكونه يعتاد على ذلك الهدوء بل والثقل أيضًا منه..
جلس على أحد المقاعد القريبة من شقيقته التي تجلس إلى جوار بعض الزملاء.. لكنها عندما رأته ذهبت إليه بخطوات واسعة وجلست إلى جواره متسائلة:
- مالك؟..
لم يجيب عليها لتجد نفسها تعلم سبب مضايقته فقالت:
- ضايقوك تاني أكيد.
- اتمنى ندى توافق تنقلني من المدرسة الغبية دي.
نهضت لتقف أمامه وتحدثت بجدية:
- لاء أنا مع ندى.. ريان لازم تواجه الصعب.
زفر للأعلى بسأم لتطاير بعض خصل شعره الأمامية ثم تركها واتجه إلى المبنى.. بعد دقائق صدح صوت جرس انتهاء الاستراحة في أركان المدرسة.. ليعود جميع الطلاب إلى الفصول.. جلس على المقعد الخاص به يتطلع إلى الأمام بينما يتحدث البعض عليه وهو يعلم ويستمع لكنه لم يهتم..
دخلت المعلمة وبعد تبادل السلام بينهم أعلنت عن مسابقة الخاصة بمادة الرياضة.. عبارة عن امتحان لخمسة دقائق لمن يستطع أن يُجيب على الأسئلة أسرع.. ثم طلبت عشرة مشاركين فقط ليرفع ريان يداه على الفور مع أثنين آخرين لكنها قامت باختيار من رفع يديه أولًا وقامت بتسجيل أسمائهم.
***
بالقصر..
بعد استقبال الأطفال بنصف ساعة جلسوا حول مائدة الطعام لتناول الغداء.. ابتلعت طعامها ونظرت إلى ريان قائلة:
- حضر نفسك بكرا علشان هعرفك على مدرب السباحة.
- ندى أرجوكِ بلاش التدريب ده.
- أنت ليه مش حابب تتعرف على ناس جديدة.
تحدث بحنق شديد:
- لأن الناس كلها أغبية ومش قادرين يفهموا أن الصداقة مش عافيه.
رفعت حاجبيها في تعجب في حين تدخلت أشرقت في الحوار:
- لأنك متوحد.
أدارت رأسها إليها تحملق بها كما حملق ريان بها في حده بالغة واندفع:
- أنتِ كمان غبية ومش فاهمة.. وأنا مابحبش اتكلم مع الأغبياء.
- أهو أنت اللي غبي وعلشان غبي الكل في المدرسة بيكرهك.
هم أن يندفع بها لكن ندى سبقته بحدتها العالية وقد غضبت منهما كثيرًا:
- انتوا الإتنين احترموا بعض.. يلا اعتذروا لبعض حالًا.
- مستحيل اعتذر لأنها هي اللي غلطت الأول.
قال كلماته بحسم واضح ثم ترك مقعدة وركض إلى الخارج دون أن يعطي اهتمام لنداء ندى له.. توقفت عن النداء ونظرت إليها بنظرة عتاب قائلة:
- ينفع اللي قولتيه ده؟
رفعت عينيها إليها بحزن عاقدة بين حاجبيها قائلة بصوت منخفض:
- أسفه.
- أسفه دي تقوليها لريان..
مدت يدها صوب وجنتها الصغيرة ومسحت عليها برفق متابعة بهدوء:
- على فكرة ريان مش متوحد.. هو بس من النوع اللي مش اجتماعي مش بيحب يصاحب.
- بس ده غلط.
اومأت موافقة على حديثها ثم تنهدت قائلة:
- صح.. لكن بإذن الله هيتغير.
أومأت مبتسمة ثم تركت المعقده راكضة إلى الخارج كي تعتذر عن ما بدر منها دون أن تقصد.
بعد وقت ليس بقليل صعدت إلى غرفة ريان وقرعت الباب ثم فتحت إياه.. رأته يجلس على الفراش يتطلع إلى شيء ما بالهاتف لكن عندما رآها اطفأ شاشته فورًا.. انتبهت له جيدًا ثم دخلت وجلست على حافة الفراش متسائلة:
- كنت بتعمل إيه؟
- كنت بشوف حاجة.
ميلت برأسها قليلَا وقالت بمرح:
- ضروري أعرف.
تطلع إليها للحظات ثم فتح شاشة الهاتف وأدار إياه إليها.. رأت صورة رحيم لتختفي ابتسامتها تدريجيًا وقالت بهدوء:
- بابي وحشك؟
- أه.. هو كان صديقي ومدربي وكل حاجة بالنسبة لي.
قال كلماته بنبرة ضيق بفضل الحزن المسيطر على قلبه.. شعرت الأخيرة بالحزن وقالت بصوت مبحوح:
- هو فعلًا صديقك و..
قاطعها بنبرة بكاء تشعره بالضيق:
- لاء.. مش زي الأول.. انا اتمنى بابي يرجع يصاحبني تاني.. الشغل اخد كل وقته حتى مش بيتغدى معانا.
مدت يدها صوب شعره لتمسح عليه برفق ثم اقتربت منه أكثر كي تحتضنه.. بادلها بالعناق مستندًا برأسه على كتفها وقال مبتسمًا:
- شكرًا لوجودك.
- شكرا لوجودكم انتوا.
ثم قبلته على جانب رأسه.. ابتعد عنها قليلًا وأخبرها بالمسابقة بكل حماس فتحمست هي الأخرى قائلة:
- حلو قوي.. وطبعًا انا علمتك تحسب بسرعة ازاي.
- أه طبعًا.
***
مساء اليوم..
قامت بتحضير مائدة الطعام من أجل زوجها.. وعند وصوله أخذ يناديها فخرجت على الفور كي تقابله بابتسامتها الرقيقة الخاصة به.. ثم احتضنته قائلة:
- حمد الله على سلامتك.
وطبعت قبلة رقيقة على وجنته وابتعدت لتنظر إليه وهو يقول مبتسمًا:
- الله يسلمك يا روحي.
ثم أردف:
- هاكل وأروح اشوف والدتي.. عايزاني علشان تصالح بيني أنا ورنا.
- تمام كويس.. على العموم الأكل جاهز وريان هياكل معاك عشان مأكلش كويس.
أومأ برأسه ثم قبلها على جبينها بعدها اتجه إلى المرحاض ودخل كي يغسل وجهه ويداه.. ثم رفع رأسه ينظر إلى انعكاسه في المرآة.. ليجد نفسه يتذكر رسالة ريان الذي تركها له من قبل..
ثم خرج وخلع معطفه وضعه على يد المقعد من ثم اتجه إلى غرفة الطعام.. عند دخوله رأى ابنه في انتظاره فجلس على المقعد المقابل له وتناول الإثنان طعامهم في صمت.. لكنهم يتبادلون ببعض النظرات السريعة..
بعد لحظات بدأ الأب بالحديث وتساءل باهتمام:
- عامل إيه في المدرسة؟
رفع رأسه إليه وأجاب بعد لحظات:
- الحمد لله.
جاءت ندى وجلست إلى جوار ريان فيما قال رحيم بهدوء:
- اتمنى تحب المدرسة.
نظر إلى الطعام دون أن يتحدث فانتقلت الأخيرة بعينيها بينهم ثم تحدثت بحماس:
- ريان بكرا هيتعرف على مدرب السباحة الجديد وبإذن ياخد بطولات.
- شيء ممتاز.
رفع عيناه إلى والده بنظرة عتاب ثم ترك الملعقة وترك المقعد متجهًا إلى الخارج.. اختفت ابتسامة ندى فجأة ثم نظرت إلى رحيم بحزن وقالت بصوت منخفض:
- المفروض تحمسه.. مش تكتفي بجملة شيء ممتاز!
تناول القليل من المياه ثم نظر إليها بجمود قائلًا:
- انا اللي عايز افهم سباحة إيه وهو بيدرس.. اكيد مش هيقدر يوفق بين الإتنين.
تنهدت بصوت مسموع يدل على مدى غضبها من كلماته وتحدثت بحنق:
- ريان لو مش هيقدر يوفق أنا عندي يأجل دراسة السنه دي ويشارك في السباحة.
- لدرجة دي؟
- اه طبعا.. أنا عارفه ريان ببفكر في إيه وعايز إيه.. وبلاش تعاملة المعاملة الناشفة دي.. مش كفاية إنه بيشتكي منك.
رفع حاجبيه في دهشة ولم يلفت نظرة سوى جملة واحده ليقول بذات الدهشة:
- بيشتكي مني؟!.. عملت فيه إيه عشان يشتكي مني؟.. أنا اساسًا مابشفوش.
- ما هو بيشتكي منك علشان أنت اساسًا مش بتشوفوا.
تفاجأ من حديثها ليحملق بها بينما هي تركت المعقد واتجهت إلى خارج الغرفة من ثم خرجت إلى حديقة القصر كي تلقي نظرة على كلًا من أشرقت وآسيا.
- أشرقت هاتي آسيا وتعالي.
نظرت إليها أولًا ثم مسكت بيد اختها الصغيرة واتجهت إلى ندى ووقفت امامها.. حملت طفلتها وباليد الأخرى مسحت على شعر أشرقت قائلة:
- روحي شوفي بابي بعدين اطلعي خلصي واجب المدرسة.
أومأت موافقة وركضت إلى الداخل لتتقابل مع والدها واحتضنته فانحنى بجذعة كي يقبلها على رأسها.. ثم رفع جذعه ثانية لينظر إلى ندى في حين قالت ابنته:
- وحشتني يا بابي.
- أنتِ كمان يا روحي.
تقدمت ندى إليه وأعطت له آسيا كي يحتضنها عنوة وبعد أن ودع أفضل وأجمل ثلاثة فتيات في حياته غادر المنزل.
- هو بابي رايح فين؟!
- رايح يشوف نانا.
ثم مسكت بيدها واتجها إلى الدرج متابعة:
- وقت المذاكرة يا أستاذة.
لتزفر الأخيرة بسأم قائلة:
- وقت الملل.
***
منزل رحيم الثان..
صف السيارة أمام الباب الرئيسي ثم ترجل متجهًا إلى الباب ليفتح إياه وقبل أن يدخل دق الجرس.. خرجت السيدة وفية من المطبخ متجهه إلى الباب لكنها توقفت عندما رأت رحيم قد دخل.. ابتسمت مرحبة به:
- نورت بيتك.
- منور بوجودك.. أمي فين؟
- بره في الجنينة.
أومأ مستأذنًا منها واتجه إلى حديقة المنزل.. ثم خرج وجلس إلى جوارها على الاريكة يتساءل باهتمام:
- أخبارك واخبار صحتك ايه يا أمي؟
ابتسمت بمجرد أن رأت وجهه لكونه مصدر سعادتها دائمًا واجابت بهدوء:
- بخير الحمد لله طالما انت بخير.
لاحت ابتسامة على وجهه وقال بهدوء:
- عرفت ان علاء بدأ يهتم بالمصنع تاني.
- أه لكن عمك مختار رافض يسلمه أي شغل وبيقول انه مش واثق فيه.
طمئنها بحديثة:
- هو بس خايف على الشغل علشان قبل كده علاء أهمله.. شوفي ولا تشغلي بالك أنا هتصرف.
ابتسمت تومئ برأسها لكن بعد لحظات اختفت ابتسامتها وقالت بحزن:
- طيب أنت ورنا.. مش ناوين تتصالحوا.
- أنا مش مخاصم رنا.. بالعكس بيتي مفتوح لها في اي وقت لكن تحترم مراتي.
نظرت إلى الأمام في تذمر واضح قائلة:
- ما هو للأسف مش بيتك يا رحيم ده بيت ندى.
رفع حاجبيه قليلًا وقال بجدية لكن بصوت مبحوح:
- ندى تبقى مراتي وأنا وهي واحد.
- مش لدرجة إنك تيجي على اختك علشانها.
نفذ صبره حقًا ليجد نفسه يتحدث بصرامة عنيفة:
- أمي رنا هي اللي غلطت في ندى وضايقتها بكلامها.. واتمنى نقفل الحوار ده أفضل.
حملقت به في تعجب فيما استمعت رنا إلى حديث شقيقها العنيف وهي تخرج إلى الحديقة.. ثم جلست على المقعد المجاور إلى الاريكة واضعة ساق فوق الأخرى.. بينما نظر هو إليها بعينين لامعتين بشرارات من الجحيم انتقلت والدتهم بعينيها بينهم للحظات ثم تحدثت بحنق:
- ممكن على الأقل تصالحوا بعض.
نظر إليها رافعًا أحد حاجبيه قائلًا:
- هي اللي تيجي معايا تعتذر لندى.
اتسعت عينيها وقد أنزلت قدمها عن الأخرى وهي تقول بنبرة كبرياء:
- أنا؟!.. أنا اجي اعتذر لواحدة بيبي سيتر.
- رنا اتكلمي كويس واعرفي أنتِ بتتكلمي عن مين.
قال كلماته بنبرة متوعدة لكنها لم تعطي له اهتمام وتغلب الكبرياء عليها أكثر لتقول بتعالي:
- بتكلم عن واحده بيبي سيتر خطفت راجل من عياله وأنا مستحيل احترم واحده خطافة رجالة.
جز أسنانه حتى استمع إلى صريرها ونهض عن الاريكة قائلًا بنبرة عنيفة وعيناه تحرقها بجحيمها:
- لولا إنك أختي كنت دفنتك.. لكن لو نطقتي اسمها تاني هقطع لسانك.
ابتلعت لعابها بعد أن أشاحت بوجهها بعيدًا.. بينما وقف علاء عند الباب ينتقل ببصره بين كلًا من رحيم ورنا.. فقد استمع إلى وقاحة كلمات شقيقته وغير راض عن ما هتفت به.
اتجه الأخير إلى الباب ولم يهتم لنداء والدته له وأكمل السير.. فنظرت إلى ابنتها وأخذت توبخها كثيرًا على وقاحتها.. بينما لحق علاء بأخيه وقبض على مرفقه ووقف أمامه كي يمنعه من السير وقال:
- استنى ماتمشيش وأنت في الحالة دي.. وكمان عايز اتكلم معاك.
تحدث من بين أسنانه:
- مش عارف رنا اختك مش في كندا ليه مع عيالها وجوزها.
مسح على ذراعه قائلًا بهدوء:
- اهدى بس.. رنا عقلها صغير وبتقول كلام عبيط.
ثم أخذه إلى غرفة المكتب كي يتحدث معه عن العمل.. كما أنه طلب منه أن يصلح بينه وبين العم مختار كي يرضى عنه ويسمح له بالعمل داخل المصنع من جديد.
- أنت ناوي تشتغل بجد؟
رد بتأكيد:
- طبعًا.. أنا حنيت للشغل بجد.
أخرج علبة سجائره من جيب معطفه الداخلي وعزم عليه بواحده لكنه رفض.. فوضعها بين شفتيه وبعد أن اشعلها نفث دخانها بالهواء وتساءل في شك:
- ايه سبب التغير المفاجئ ده يا علاء؟
حك وجنته بخفة وقال بجدية:
- تقدر تقول ضربة صحت الإنسان الكويس اللي جوايا.
ضحك ضحكة خفيفة ثم نهض عن الاريكة وربت على كتف شقيقه قائلًا:
- روح بكرا المصنع وقبلها هتكلم مع انكل مختار.
أومأ بالموافقة فاتجه الأخير إلى الباب لكنه توقف عن السير عندما تذكر شيئًا والتفت إليه قائلًا:
- أه كنت هنسى.
التفت إليه يتطلع إليه باهتمام وهو متابع:
- البنت اللي سألت عليها تبقى صاحبة ندى واسمها جميلة.. دكتور جميلة.
أومأ بخفة فابتسم الأخير إلى شقيقه ثم التفت متجهًا إلى الخارج.. فيما تطلع هو إلى الأمام وأخذ يردد:
- دكتور جميلة.. جميلة.
***
منتصف الليل..
انتهى من بعض الأعمال وخرج من غرفة المكتب يفرد ذراعيه.. ثم رفع عيناه إلى الدرج بعدها اتجه إليه وصعد درجاته بدرجتين.. وهم أن يتجه إلى غرفته لكن أخذته قدماه إلى غرفة ريان.. وقف يفتح الباب ببطء ونظر إلى الفراش ليراه نائمًا فلاحت ابتسامة جانبية على ثغرة بعد أن فكر في شيء ما.. ثم أغلق الباب وذهب إلى غرفته.
أغلقت الكتاب وضعته أعلى المنضدة المجاورة إلى الفراش في ذات الوقت دخل رحيم مغلقًا الباب خلفه.. أتبعته بعينيها حتى جلس إلى جوارها وقالت بهدوء:
- ممكن اعرف بقى ايه اللي حصل بينك وبين أختك.
استند بظهره إلى ظهر الفراش ونظر إليها رافعًا حاجبيه قائلًا:
- ابقى أناني لو قولت لك.
- تقصد ايه؟!
تساءلت في تعجب فجذبها إليه وبعدها جذب الغطاء إليهما وقال بعد أن طبع قبلة رقيقة على جبينها:
- رنا ضايقتك كتير وأنتِ قولتي أن من الأفضل انا ماعرفش علشان ما ازعلش.. أنا كمان مش هقولك علشان زعلك.
- هي قالت حاجة تزعل؟
- حبيبي مش عايزك تشغلي راسك.
ثم أردف مداعبًا:
- المهم انا عايز تصاميم حلوه مش اي كلام.. مفهوم؟
رفعت رأسها عن صدره لتنظر إليه بوجه محتقن وقالت بحزن طفولي:
- من أمتى وأنا شغلي اي كلام مستر رحيم.
ابتسمت عيناه ماسكًا ذقنها ليمسح بإبهامه على شفتيها السفلية وقال بصوت منخفض لكن بنبرة غزل:
- بعشق الغضبان.
- أنت اللي طلعت الغضبان اللي جوايا.
قالت كلماتها بتعالي رافعه رأسها للأعلى قليلًا ليرفع حاجبيه مبتسمًا ثم بدأ يدغدغها بمرح لتضحك وتلتوي محاولة إيقافه لكنها فشلت وهو يتحدث من بين ضحكاته الخفيفة:
- يا عم الغضبان أنت يا قمر.. يا نجمة في السماء خاصة بي تُنير عتمة طريقي.
ثم توقف فضربته على كتفه بخفة ثم قبلته على وجنته عنوة ليحتضنها بكلتا يديه.. ثم فرد ظهره على الفراش جاذبًا إياها إليه كي تستند برأسها على صدره حيث تجد الهدوء النفسي كما أن قلبها يدق بهدوء من أجل ذلك الملك الذي يحتويها بذراعيه.
***
النادي..
- أجمل حاجة حصلت في التدريب إني مش هروح المدرسة كتير.
قال كلماته بجدية فابتسمت تحرك رأسها في كلا الاتجاهين ثم صفت السيارة جانبًا.. بعدها نظرت إليه ومدت كفها إليه وقالت بجدية:
- لكن اتفقنا نبقى شاطرين ونحب المدرسة.. وعد.
ادار رأسه ناحيتها ليهبط بعينيه إلى كفها بعد لحظات.. ثم تنهد بعمق ووضع يده في يدها قائلًا:
- وعد.
أطبقت أصابعها على يده ورفعت إياها إلى شفتيه لتطبع قبلة على ظهرها.. ثم ترجلت طالبة منه النزول لينفذ رغبتها وأغلقت هي السيارة.. مسكت بيده ودلفا إلى الداخل وسألت أحدهم عن المدرب ليرشدها.. فاتجهت إليه ووقفت أمامه وقالت مبتسمة:
- صباح الخير يا كابتن.
رفع عيناه عن شاشة الهاتف وقال مبتسمًا:
- صباح النور.
- أنا ندى مامت ريان.
تذكر قائلًا:
- اه ريان التلميذ الجديد.. طيب تعالي معايا.
التفت متجه إلى غرفة حمام سباحة مغلق للتدريب داخله في فصل الشتاء.. لحق الإثنان به من ثم دخلوا إلى ذلك البهو الواسع وهو يقول:
- هنا المكان وقت التدريب بيكون دافي وطبعًا الأطفال مش بتخرج ألا لما بنقفل الدفايات.. اتفضلي خدي جولة في الغرف وفي المكان علشان تطمني.
- أنا واثقة في التدريب هنا وألا ماكنتش جبته.
ثم نظرت إلى ريان وقالت بحماس:
- يلا عرف نفسك للمدرب.
هم أن يتحدث ألا إنه قال مسرعًا:
- لاء مش أنا اللي هدرب ريان.. المدرب بتاعه جاي حالًا .. عن اذنكم.
ثم اتجه إلى الباب فالتفتت برأسها تطلع إليه في تعجب فيما تساءل ريان بصوت منخفض:
- مش هو ده اللي قالك عليه؟
نظرت إليه في تعجب ورفعت كتفيها قائلة:
- اه.. لكن مش عارفه مش هو ازاي.
ثم زفرت بهدوء تطلع حولها.. بينما دخل المدرب متجه نحوهم ووقف أمامهم فنظرت ندى إليه لتشعر بالدهشة والذهول مثل ريان الذي رفع رأسه ليتطلع إليه.. حركت رأسها تود أن تتحدث لكنها في حالة من الدهشة القوية.. فابتسمت عيناه ومد يده إليها قائلًا بصوته المميز:
- انا مدرب ريان.
- أنت؟.. هو أنت ازاي؟
رفع حاجبيه بمرح ثم نظر إلى ابنه بابتسامة ومد يده إليه قائلًا:
- معاك كابتن رحيم.. أنت مين؟
انتقل ببصره بين كلًا من والده وندى ثم ابتسم وصافحه قائلًا:
- انا ريان رحيم عبد الرحمن النادي.
اتسعت ابتسامته لكونه يرى سعادة ابنه التي احتلت عيناه فجأة.. بينما فاقت الأخيرة من دهشتها واتسعت ابتسامتها قائلة:
- حقيقي مجنون ومفيش حد يقدر يعرف أنت بتفكر في إيه.
***
يتبع
رواية حب رحيم الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سمر عمر
خرج من ساحة التدريب برفقتها.
توقفا عن السير والتفتت لتقف أمامه متسائلة:
- هتقدر توفق بين شغلك والتدريب؟
- أنا أقدر على أي حاجة طول ما أنتِ جمبي.
اتسعت ابتسامتها فابتسم الأخير وانحنى برأسه كي يطبق شفتيه على وجنتها.
لتحرك مقلتيها هنا وهناك في خجل واضح هامسة:
- رحيم، إحنا في النادي.
ابتعد عنها قليلاً ينظر حوله قاطب جبينه ثم نظر إليها بعينين مبتسمتين قائلاً:
- قulتها من قبل كده وهقولها تاني، أنا بحبك والناس دي كلها ماتهمنيش. أنا فخور بيكِ قدام الناس.
ثم مسك بكفها ورفعه إلى حيث شفتيه كي يطبع قبلة رقيقة عليه.
فابتسمت هامسة بنعومة:
- بحبك.
- بموت فيكِ يا قلب رحيم.
ثم أردف بجدية:
- ندى، أيام التدريب يومين في الأسبوع. في اليومين دول هتستلمي الشغل مكاني.
- فكرة ممتازة وأنا موافقة.
مسح على ذراعها بلطف وقال:
- تمام يا حبيبي. دلوقت هدخل لريان وأنتِ طمنيني عليكِ أول ما توصلي.
أومأت موافقة وشددت في إمساك يده ثم ودعته بابتسامة رقيقة وغادرت.
انتظر حتى غابت عن عيناه ثم التفت عائدًا إلى ريان الذي يجلس في انتظاره.
عند وصوله جلس على المقعد المجاور له وتساءل مبتسمًا:
- تتغدى إيه يا بطل بابي؟
- ممكن تطلب أنت.
طبع قبلة على وجنته ثم أشار إلى النادل ليأتي وطلب الطعام المفضل لديهما.
ثم نظر إليه وقال بعد أن أخرج تهنيدة قوية من صدره:
- النهاردة يا بطلي إجازة من التدريب وهنقضي اليوم مع بعض.
اتسعت ابتسامته المرحة ويبدو عليه السعادة وقال بحماس:
- أنا موافق.
تأمل عيناه الصغيرة التي تلمع من السعادة لكونه برفقة والده.
وأخذ عهدًا بأنه سيفعل ما بوسعه من أجل أن يرى سعادته.
***
المنزل.
وقفت أمام البوابة تضغط على بوق السيارة.
فقام فرد من أفراد الأمن بفتح البوابة لتدخل بالسيارة.
لكنها توقفت عندما رأت علاء يجلس معهم.
فتحت باب السيارة وترجلت وهي ترفع النظارة إلى شعرها وقالت مبتسمة:
- علاء قاعد هنا ليه؟
نهض عن المقعد قائلًا:
- مستنيكم.. وطبعًا رحيم مش جاي دلوقتي.
- آه فعلًا.. طيب تعالى جوا.
- لا أنا هستنى هنا لحد ما يجي وأدخل معاه.. فين آسيا؟
أشارت إلى السيارة على أنها داخلها.
فقام بفتح الباب الخلفي من ناحيته وحملها عن المقعد الخاص بالأطفال واحتضنها معبرًا لها عن مدى اشتياقه لها.
ابتسمت الأخيرة وقالت:
- أسيبكم مع بعض بقى.
ثم استقلت السيارة وأكملت القيادة إلى الداخل.
عند وصولها ترجلت من ثم دخلت المنزل وبعد نصف ساعة بدأت في تحضير وجبة غداء اليوم.
***
بعد مدة من الزمن.
دخل رحيم برفقة شقيقه وأبناءه ينادي ندى.
نهضت عن المقعد الذي يقع أمام حمام السباحة ودلفت إلى الداخل وهي تنهي المكالمة مع صديقتها المقربة وقالت مبتسمة:
- حمد الله على السلامة.
- الله يسلمك.
رد رحيم عليها ثم طبع قبلة على جانب رأس طفلته بعدها أعطاها إلى ندى قائلًا:
- كانت بتعيط.
ضمته إليها وقبلتها على وجنتها.
في حين تابع الأخير حديثه موجهًا إلى شقيقه:
- هغير هدومي وأجيلك.
أومأ بالإيجاب فاتجه إلى الدرج.
بينما وقف ريان إلى جوار ندى رافعًا رأسه إليها هامسًا:
- شكرًا يا ندى.
استمعت إلى كلماته لتنظر إليه في تعجب متسائلة:
- على إيه؟!
- عشان خليتي بابي يدربني.
رفعت حاجبيها قليلاً وهمت أن تتحدث لكن سبقها علاء.
لتنظر إليه باهتمام وهو يقول:
- ندى من فضلك عايز أسألك على حاجة مهمة.. هستناكِ في الجنينة.
أومأت بالإيجاب فاتجه إلى الخارج.
لتعود هي بالنظر إلى ريان وقالت بجدية:
- ريان أنا ما طلبتش من بابي يدربك على السباحة، هو أخذ القرار ده من نفسه.
لاحت ابتسامة على وجهه اشتاقت ندى إليها كثيرًا.
لتجد نفسها تبتسم وقالت بنبرة شغف واضحة:
- تسلم لي الابتسامة الجميلة دي.. يلا اطلع خد شاور وتعالى.
ركض إلى الدرج بحماس فالتفتت لتنظر إليه حتى صعد إلى الطابق العلوي.
ثم نظرت إلى ابنتها وقبلتها على وجنتها بعدها اتجهت إلى الخارج.
وعند خروجها جلست على المقعد المجاور إلى الأريكة تطلع إلى علاء باهتمام.
فيما نزلت آسيا عن قدميها لتقف أمام المنضدة تصفق عليها.
نظر علاء إليها وتحدث بوضوح:
- صحبتك اللي اسمها جميلة.
- آه مالها؟!
تساءلت بعدم فهم ليجد نفسه في حيرة ولم يجد إجابة على سؤالها.
لكنه فكر على وجه السرعة ليرد عليها بسؤال:
- هي دكتورة في إيه؟
- علاء أنت جاي مخصوص علشان تعرف جميلة دكتورة في إيه؟!
تساءلت في دهشة واضحة.
فتنهد بهدوء واستجمع شجاعته ليتحدث بعدها بوضوح:
- لأ، أنا بس عايز أعرفها مش أكتر.. وتبقى خدمتيني لو ادتيني رقمها.
أومأت بتفهم وقالت بجدية:
- هو أنا مش هينفع أديك رقمها.. لكن ممكن تطلبه منها بنفسك.
- إزاي؟
تساءل في لهفة فابتسمت قائلة:
- هقولك على مكان شغلها.
لاحت ابتسامة على ثغره متمتمًا بالشكر.
بينما خرج رحيم وجلس إلى جوار شقيقه يتحدث معه عن العمل.
نهضت ندى عن المقعد متجهة إلى الداخل وهي توصي زوجها أن ينتبه إلى آسيا.
عند دخولها تقدمت إلى الباب بخطوات سريعة وفتحت إياه لتخرج ووقفت في انتظار عودة أشرقت.
وصلت الحافلة بعد دقائق قليلة وهبطت منها ثم دلفت إلى الداخل وركضت إلى ندى بمرح.
استقبلتها الأخيرة بالعناق المرح قائلة:
- حمد الله على سلامتك يا شمسي.
ابتعدت عنها تزيح إحدى خصلات شعرها عن عينيها قائلة:
- الله يسلمك.
دلفا إلى الداخل وهي متابعة:
- الميس سألتني على ريان وقولتلها إنه في النادي لتدريب السباحة.
وقفت أمامها ومسحت على أنفها الصغير قائلة:
- برافو يا روحي.. وأنا بنفسي بكرة هروح وأتكلم معاها. المهم دلوقتي تطلعي الجنينة تسلمي على عمو بعدين تاخدي شاور وتغيري.
أومأت موافقة ثم تركتها وركضت إلى الخارج تحت أنظار ندى التي تنهدت بصوت مسموع.
ثم غيرت مسار نظراتها إلى الطابق العلوي عندما استمعت إلى صوت إغلاق باب أحد الغرف.
أتبعت خطوات ريان حتى هبط الدرج فتقدمت نحوه ووقفت أمامه عاقدة ذراعيها قائلة:
- ريان أتمنى تكون مبسوط.
- أكيد مبسوط طول ما أنتِ وبابا معايا.
انحنت بجذعها قليلاً كي تقبله على وجنته.
ثم نظرت إليه وتحدثت بعنف مصطنع:
- من بكرة فيه تدريبات قاسية جدًا على مادة الرياضة علشان الامتحان.
- أوكي أوعدك أرفع راسك.
قال كلماته بابتسامة واسعة وحماس واضح من نبرة صوته.
أومأت هي رأسها وتركته يخرج إلى حديقة المنزل.
ثم أخذت شهيقًا قويًا وزفرته بهدوء بعدها اتجهت صوب المطبخ.
***
مساء ذات اليوم.
نفثت القليل من العطر على عنقها ثم وضعته كما كان والتفتت متجه إلى الفراش تمسح يديها في بعضها البعض.
مددت عليه وأضعت الوسادة خلف ظهرها فيما دخل رحيم مغلقًا الباب خلفه.
أدارت رأسها ناحيته مبتسمة وتساءلت:
- الأولاد ناموا؟
أجاب وهو يجلس إلى جوارها:
- آه ناموا لكن لسه ريان.. هيذاكر شوية وينام.
ثم نظر إليها بنظرة حب قاطب جبينه.
فاتسعت ابتسامتها وقالت بعد أن أطرقت عينيها:
- بتبص لي كده ليه؟
- عمري ما شبعت من ملامحك.. عيوني بتعشق تفاصيلك.
قال كلماته بنبرة حب صادقة خاصة بها وهو يمسح بظهر يده على وجنتها.
اقتربت منه أكثر لتحتضنه فاستقل هو على ظهره جاذبًا إياها إلى صدره يحتضنها عنوة كما أنه طبع عدة قبلات على رأسها.
- بحبك أوي.. ربنا يخليك ليا.
- يا رب يا روحي.
تنهدت بعمق وطال الصمت بينهم للحظات حتى هي تذكرت شيئًا.
فرفعت رأسها عن صدره وفتحت أخر درج من المنضدة المجاورة إلى الفراش لتأخذ الدفتر الخاص بالتصاميم.
ثم عادت إليه وبدأت تفتح صفحات الدفتر قائلة:
- شوف مستر رحيم التصاميم الجديدة.
اتكى بمرفقه اليسار إلى الوسادة وأخذ يتطلع إلى التصاميم باهتمام.
حتى انتهت وطلبت رأيه فرفع سوداويته إليها قائلًا بجدية وثقة:
- مش محتاجة رأي يا ندى.
لتنظر إليه بابتسامة خجولة خاصة به وتحدثت برقة:
- لأ رأيك أهم رأي في حياتي.. أنا مش محتاجة رأي حد غيرك.
- وأنا مش شايف حاجة أجمل من عيونك علشان أقول رأي فيها.
- يا سلام؟!.. يعني التصاميم مش حلوة؟
قالت كلماتها بحزن مصطنع.
فضحك ضحكة خفيفة وقال بجدية بعد أن طبع قبلة على وجنتها:
- قمر ومفيش أجمل من كده.. ومش مجاملة على فكرة.
تنهدت بعمق واعتدلت في جلستها عاقدة قدميها وقالت:
- كان فيه بقى اقتراح كده.. يعني إيه رأيك نخلي التصاميم كلها لون واحد.
أومأ بخفية.
حيث تابعت:
- لون جديد ومميز ونشترط أن التصاميم تبقى سنبل.. يعني حاجة هادية وبسيطة مش أوفر علشان تليق باللون.
- حلو نناقش الفكرة دي بإذن الله.. وعليكِ بقى يا روحي اختيار اللون.
- شكراً على ثقتك الغالية.
قالت كلماتها بنبرة جادة مصطنعة.
فضحك ضحكة خفيفة وفاجئها بقبلة عميقة على وجنتها استمرت إلى للحظات.
ثم ابتعد عنها يتطلع إليها بعينين مبتسمتين هامسًا:
- بعشقك وبعشق تفاصيلك.
وضعت الدفتر أعلى المنضدة لتعود إلى مكانها التي ترتاح به وهو حضنه.
مد يده إلى جوار الفراش حيث يجد الزر الخاص بإعطاء المصباح الكبير وضغط عليه لتظلم الغرفة.
ثم أحاطها بذراعيه عنوة وتنهد بهدوء.
دائمًا ما يعشق الليل ويتمنى أن ينتهي الصباح بأسرع وقت من أجل ذلك العناق الليلي الرائع.
الذي يجعله ينسى مشاق العمل.
***
بالشركة.
تم مناقشة فكرة ندى مع الجميع وجعلها تشرح وتوضح لهم فكرة التصاميم كي تليق بلون هادئ.
وكلا منهم يبدع بالتصاميم الخاصة بهم.
عقب انتهائها نظرت إلى حبيب قلبها بل والرجل الخاص بها مبتسمة.
لتجده يتطلع إليها بنظرة فخر ممزوجة بالعشق لتلك العيون البنية.
ثم نظر إلى الجميع وقدم لهم الشكر المقدم على التصاميم.
بعدها أذن لهما بالذهاب إلى العمل.
غادر الجميع الغرفة عدا ندى التي فضلت أن تبقى معه لدقائق.
اقترب منها أكثر برأسه وتحدث بجدية:
- فخور بيكِ وفخور بوجودك في حياتي.. لكن ده ما يمنعش إني كنت عايز آخد عيونهم في إيدي.
- أنا بقى بعشق غيرتك.
- غيرتي غبية يعني بركان.. ولما بغير مبعرفش أنا بعمل إيه.
- برضو بعشقها وبعشقك.
قبلته على وجنته عقب انتهائها من حديثها مباشرة.
ثم نهضت عن المقعد فنهض هو الأخير وقبلها على جبينها.
ثم وضع يده على خصرها واتجه صوب الباب وتحدث:
- عدي عليا قبل ما تروحي.
أومأت موافقة وقبلته ثانية على وجنته.
ثم فتحت الباب وخرجت مغلقة إياه خلفها.
مسح على لحيته ثم جلس على المقعد الخاص به وقام بفتح شاشة الحاسوب.
بعدها فتح مجلد الملفات ليفتح ملف "جيجي.." وبدون تفكير قام بحذفه نهائيًا.
دق الباب ودخلت ندى مغلقة الباب بظهرها.
فنظر إليها وهو يغلق شاشة الحاسوب.
بينما هي تحدثت بهدوء:
- افتكرت بس حاجة.. كنت عايزة أسألك عن موضوع كده.
- عارف الموضوع ده يا ندى.
أومأ بتفهم وهو يردد تلك الكلمات.
ثم تابع بحسم:
- هيخرج النهاردة يا ندى.. ومش عايز كلام في الموضوع ده تاني.
- حاضر.. أسفة.
تحدث بهدوء:
- ولا يهمك يا روحي.
أرسلت له قبلة عبر الهواء بمرح ثم خرجت مغلقةً الباب خلفها.
انتظر هو للحظات ثم رفع سماعة الهاتف وطلب من مديرة المكتب أن تخبر جيجي بأنه في انتظارها.
ثم وضع السماعة كما كانت وقام بإشعال سيجارة.
جاءت بعد دقائق قليلة ونظرت إليه مبتسمةً.
فنظر إليها بجمود شديد.
- طلبتني.
- جيجي مالكيش مكان في الشركة من النهاردة.
لتتبدل ابتسامتها إلى الدهشة قائلة:
- على طول كده بدون مقدمات.
قال بعد أن نفث دخان سيجارته بالهواء:
- أنا بحب أدخل في الموضوع على طول.
- طب ليه.
- علشان أنا وافقت تشتغلي هنا علشان بس تعرفي إن قد إيه بحب مراتي ومستحيل أسيبها وأرجعلك.
سحب الدخان إلى صدره وزفره بالهواء ثم تابع بجدية:
- وخلاص بعد ما تأكدتِ مالكيش مكان هنا.
- لأ مش همشي علشان دي شركة ولادي.
قالت كلماتها بحده بالغة.
ليرد عليها بعنف حاد:
- لأ دي شركة ندى.. اسمها شركة الندى.
حدقت به في صدمة كبيرة وقالت بصوت منخفض من فرط التأثر:
- رحيم أنت ماكنتش كده.. خلاص مابقتش بتفكر في ولادك.
أطفأ السيجارة بعصبية وقال بنفاذ صبر:
- أنا مش فاضي أفهمك حاجة.. يلا استلمي مستحقاتك من المحاسب وأمشي.
- ماشي يا رحيم أنت اللي ابتديت.
قالت كلماتها بنبرة متوعدة.
فقال ساخرًا:
- في انتظار رد فعلك.
- أنا لو مكانك ماكنتش قولت كده لأن ردة فعلي قاسية جدًا.
ابتسم بخفة.
فجزت هي على أسنانها ثم اتجهت إلى الباب بخطوات واسعة وخرجت مغلقة إياه خلفها بعنف.
ابتسم ساخرًا على تصرفها ثم فتح شاشة الحاسوب ثانية ليتابع بعض الأعمال.
***
انتهت ندى من رسم التصميم لتنظر إليه مبتسمة فقد أنجزت به حقًا.
ثم تناولت الهاتف من فوق سطح المكتب واتصلت على جدتها كي تطمئن على طفلتها.
أجابت بعد لحظات وتحدثت معها لدقائق ثم وضعت الهاتف على أذن آسيا طالبة منها أن تتحدث مع والدتها.
فنادت بصوتها الطفولي:
- مامي.
عقدت بين حاجبيها قليلاً وقالت بنبرة اشتياق:
- قلبي وحشتيني جدًا.. هجيب لك معايا حاجات كتير أوي حلوة.
تحدثت معها للحظات من المرح ثم أنهت المكالمة مع جدتها بعد أن أخبرتها بمعاد رحيلها.
وضعت الهاتف جانبًا وهمت أن تضع أغراضها داخل حقيبتها.
لكن رأت شخصًا ما وقف أمام المكتب.
فرفعت عينيها إليها لترى جيجي.
فقالت الأخيرة من بين أسنانها:
- ممكن نتكلم بره.
تركت الغرفة وخرجت عقب انتهائها من حديثها.
حركت رأسها في كلا الاتجاهين ثم نهضت عن المقعد متجهة إلى الخارج.
وعند خروجها وقفت أمامها عاقدة ذراعيها أمام صدرها تطلع إليها في صمت.
- أوعي تفتكري بعد ما رحيم طردني من الشغل يبقى أنتِ ربحتي.
- طردك؟!
- اعملي نفسك مش عارفه بقى.. صدقيني هيجي اليوم اللي أرجع فيه لجوزي وولادي.
ابتسم بخفة وتساءلت:
- ليه دلوقتي هتموتي عليه وعايزة ترجعيله؟!
- لأنه أبو ولادي.. افهمي بقى أنتِ بالنسبة لريان وأشرقت مرات أبوهم.
رفعت كتفيها دون أن تعطي اهتمامًا إلى حديثها وتحدثت بثقة:
- رحيم مستحيل يفكر يرجعلك لأنه بيحبني وولادك بيعشقوني.. فبلاش بقى حركات الندالة دي عشان ماتصغريش في نظر أولادك أكتر من كده.
استفزتها بكلماتها لكنها لم توضح لها ذلك وقالت محاولة استفزازها:
- على العموم مش فارق معايا رحيم لأني أنا اللي سبته.. عادي واحد زهقت منه فرميته علشان يتجوز واحدة زيك مالهاش لازمة.. أصل اللمامة بتتلم على اللمامة اللي زيها.
استفزتها بكلماتها الوقحة مثلها.
لكنها لم تخبئ غضبها وقامت بصفعها على وجنتها عنوة لتصدر صوتًا عاليًا.
بينما صرخت الأخيرة بصوت واضح واضعة يدها على وجنتها.
في حين انتبه البعض منهما اندفعت ندى بصوت عال دون أن تكترث للجميع:
- أنا ممكن أقل منك أكتر من كده لأنك إنسانة وقحة وتستحقي أكتر من كده.
كانت تطلع إليها بعينين لامعتين من شرارات الجحيم.
ورفعت كفها تكاد أن ترد لها الصفعة.
لكن منعتها بالقبض على معصمها لكونها كانت منتظرة ردة فعلها تلك.
- إيدك لو اترفعت عليا تاني هقطعها لك.
ثم تركت يدها بعنف وطلبت الأمن ليأخذها إلى الخارج.
لكنها غادرت من نفسها وهي ترميها بنظرات متوعدة بصرامة.
تنهدت الأخيرة بهدوء قابضة قبضتها بشدة.
فهي تتحمل أي شيء إلا إهانة زوجها روح قلبها.
فهي أصبحت شرسة لهذا الحد من أجله فقط.
ثم عادت إلى غرفة المكتب كي تلملم أغراضها بعدها ذهبت إلى غرفة رحيم.
زفرت بهدوء واستعادت نفسها قبل أن تدخل.
ووقفت تنظر إليه بابتسامة رقيقة مثلها.
فبادلها بنظرة حب وقال بنبرة صادقة:
- هتوحشيني.
استندت بمرفقيها إلى المكتب لتقترب منه برأسها أكثر قائلة:
- أنت كمان هتوحشني.
اقترب منها برأسه وأطبق شفتيه على أنفها بقبلة حانية للغاية خطفت روحها من بدنها.
ثم أطبق شفتيه على شفتيها للحظات بعدها همس مغمض عيناه:
- بحبك.
- بموت فيك كتير.
فتح عيناه لينظر إليها.
فنظرت إلى عيناه.
ثم ودعته بقبلة ناعمة على وجنته وغادرت بعد أن أوصاها على نفسها كثيرًا.
***
بالمستشفى.
انتهت من ذلك العمل الشاق حقًا.
ودخلت إلى غرفة تبديل الملابس كي تبدل ثياب العمل بالثياب الخاصة بها وهي تزفر بهدوء.
دخلت زميلة لها تحمل باقة ورد كل وردة تحمل لون مختلف.
- دكتورة الورد ده علشانك.
نظرت إليها بغرابة وهي تضبط معطفها وتساءلت:
- متأكدة؟
- أه طبعًا.
تساءلت وهي تأخذ باقة الورد:
- مين اللي باعته؟
رفعت كتفيها على أنها لا تعلم.
فبحثت عن كارت يخبرها بذلك الشخص المجهول حتى وجدته.
رفعته أمام عينيها لتفحص كلماته بالهمس:
- لم أعلم أي لون من الورد تفضلين لهذا جلبت لكِ جميع الألوان.. أسف.
عقدت بين حاجبيها في تعجب شديد رافعة عينيها عن الكارت.
بينما وقفت الفتاة إلى جوارها وقامت بفحص كلمات الكارت ثم قالت بمرح:
- ده شكله واحد مهتم بيكِ يا جميلة.
أدارت رأسها ناحيتها ثم رفعت حاجبيها في حيرة.
ثم استأذنت منها وغادرت الغرفة بل المستشفى أيضًا واتجهت إلى سيارتها.
ووقفت تفتح الباب الأمامي وجلست أمام المقود.
همت أن تغلق الباب لكن تفاجأت بيد أحد يمسك به.
فرفعت عينيها إليه لتراه يرفع النظارة على مقدمة شعره.
فتأملت ملامحه للحظات حتى تذكرته أخيرًا.
لتنظر إلى الأمام في صمت.
- مش ناوية تقوليلي بتحبي لون إيه في الورد؟!
حاولت إغلاق الباب دون أن تكترث إلى حديثه.
لكنه أقوى منها وشدد على الباب.
فزفرت بسأم ومدت يدها بباقة الورد قائلة بحسم:
- أسفة مابقبلش ورد من حد ماعرفوش.
- اسمي علاء عبد الرحمن النادي.. كده أنتِ عرفتيني.
- أنت بتهزر؟
ألقى نظرة سريعة على عجلة السيارة الأمامية المتفرغة ليعود بالنظر إليها وقال بجدية:
- أه بهزر وفرغت لك عجلة العربية.
حدقت به في دهشة ثم وضعت أغراضها على المقعد المجاور لها وتحدثت بعنف وهي تنزل من السيارة كي ترى العجلة:
- إيه الهزار البايخ ده.. ليه عملت كده؟
- علشان أوصلك وأتكلم معاكِ.
- أنت بتحلم.. مستحيل أسمحلك توصلني.
تحدث بنبرة صادقة:
- بجد عايز أتكلم معاكِ.. هاخد من وقتك بس ساعة.
وجدت نفسها تبتسم ثم أغلقت باب السيارة ونظرت إليه بنظرة تحدي قائلة:
- مش فاضية.. وشكرًا على هزارك البايخ.
- العفو.. فيه من الهزار ده كل يوم.
حدقت به للحظات ثم فتحت باب السيارة ثانية لتأخذ حقيبة يدها تاركة باقة الورد مكانها.
وأغلقت السيارة ثم وقفت في انتظار سيارة أجرة.
قطب جبينه مبتسمًا وبعد دقائق قليلة كسر حاجز الصمت بسؤال:
- مش هتاخدي الورد؟
تنهدت بصوت مسموع ولم تجيب عليه.
فقال بود:
- خلاص مستعد أغير لك العجلة.
أدارت رأسها ناحيته تطلع إليه في حنق شديد قائلة:
- المشكلة إني مش معايا استبن.. ومن فضلك سبني في حالي بقى.
- إزاي تمشي من غير استبن؟!
زفرت بسأم ثم عادت بالنظر إلى الاتجاه الآخر لتجد سيارة أجرة تقترب.
أشارت إلى السائق بلهفة فتوقف أمامها لتخبره بعنوان منزلها أولًا ثم جلست على المقعد الخلفي.
تحرك بالسيارة لتلتقط أنفاسها بهدوء.
ووجدت نفسها تلتف لتنظر إليه بواسطة الزجاج الخلفي.
أما هو فارتدى نظارته واتجه صوب سيارته واستقلها ليغادر إلى وجهته.
نظرت إلى الأمام شاردة ثم طلبت من السائق أن يعود بها إلى المشفى.
وبالفعل غير مساره وعند وصوله صف السيارة جانبًا.
طلبت منه أن ينتظرها ثم ترجلت تطلع حولها كي تتأكد من عدم وجوده.
بعدها ركضت إلى السيارة وأخذت باقة الورد لتعود إلى السيارة طالبة منه أن يغادر.
تحرك بالسيارة بينما هي نظرت إلى الورد مبتسمة.
رواية حب رحيم الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سمر عمر
استمعت إلى صوت دقات على الباب فانتفض بدنها ناظرة إلى الباب متسائلة:
- مين؟
- افتحي يا ندى.
وضعت المنشفة كما كانت ووقفت خلف الباب متسائلة:
- هو مفيش غير الحمام ده؟
رفع حاجبه اليمين وتنهد قائلاً:
- أه مفيش غيره.
زفرت بصوت مسموع واتجهت إلى المرآة ووقفت تتأمل عيناها التي مازالت حمراء بفضل البكاء. ثم عادت إلى الباب وقامت بفتحه محافظة على إبعاد عيناها عنه. همت أن تمضي لكنه وقف أمامها مانعاً إياها من الذهاب فقالت بصوت مبحوح:
- عايزة أطمن على الأولاد.
- الأولاد بخير.
ثم أردف بمداعبة غير واضحة:
- اطمني عليه علشان أنا اللي مش بخير.
أغمضت عينيها وفضلت الصمت. لكنه انتظر حديثها لكنها لم تفعل فتساءل بهدوء:
- أنتِ شايفه إنك مش غلطانة؟
- لأ أنا صح ومش غلطانة. ممكن بقى تعديني.
تنحى جانباً فخرجت بخطوات واسعة. ثم دلفت إلى غرفة الطعام كي تلملم الأطباق بعنف وقامت بوضعها على صينية كبيرة ثم حملتها وخرجت متجهة نحو المطبخ. لكنها توقفت عن السير عندما رأت رحيم يتجه إلى باب المنزل وخرج مغلقاً الباب خلفه. هبطت دموعها على وجنتيها ببطء شديد وهي تحدق في الباب.
عندما شعرت بألم عند معصمي يديها بفضل حملها للصينية الأطباق لفترة طويلة. فاقت من شرودها وتابعت السير إلى المطبخ. وبعد دخولها وضعتها أعلى المنضدة التي تقع في المنتصف لتتألم معصميها متأوهة. ثم سحبت مقعداً لتجلس عليه تاركة العنان لدموعها الساخنة تملأ وجنتيها.
استمعت إلى نداء ريان بعد دقائق لتمسح دموعها على وجه السرعة وهي تنهض متجهة إلى الخارج. ووقفت قائلة بصوت مبحوح:
- ريان أنا هنا.
التفت إليها وتقدم نحوها ووقف أمامها وكاد أن يتحدث لكنه انتبه إلى أثر بكائها فتساءل باهتمام:
- بتعيطي ليه؟
رفعت عينيها عنه تمسح على وجنتيها قائلة:
- مش بعيط خالص. المهم كنت عايزني في إيه؟
- مش هقولك غير لما تقولي الحقيقة.
تنهدت واضعة شعرها خلف أذنيها بعدها عقدت ذراعيها فتساءل في شك:
- بابي زعلك؟
نظرت إليه وابتسمت حتى تحسسه أن كل شيء بخير وقالت:
- مستحيل أزعل من بابي. يعني خلاف بسيط كده وبإذن الله كله هيبقى تمام.
رماها بنظرة يخبرها بها بأنه غير مصدق حديثها ثم تحدث بهدوء:
- كنت عايزك تراجعي معايا عشان الامتحان.
- آه طيب اوكي يلا.
***
"الشركة.."
جلس على المقعد الخاص به واستند بجبينه على قبضتي يديه. دائماً ما يشعر بالحزن عندما يقسو عليها ويلعن نفسه لأنه إذا غضب لا يستطع التحكم في غضبه.
رفع رأسه يزفر بسأم وتناول الهاتف كي يتصل عليها من أجل أن يعتذر. لكن دق الباب ودخل صديقه عمرو فاضطر أن يترك الهاتف ونظر إليه باهتمام. مد الأخير يده ببعض التصاميم التي انتهت طالباً منه أن يطلع عليها. أخذها من يده وأخذ يقلب الأوراق دون اهتمام حتى لم ينتبه من التصميمين المتشابهين.
وضع أوراق التصاميم جانباً وقال وهو يحك جبينه:
- حلوين يا عمرو.
- ما أخذتش بالك من حاجة؟
- لأ. هو فيه حاجة غلط؟
تناول الأوراق وبدأ يفحص عن التصميمين المتشابهين حتى أخرجهم من المجموعة. ومد يده إليه بالورقتين قائلاً:
- التصميمين دول متشابهين.
أخذ الورقتين وبدأ ينتقل ببصره بين كلا منهم بتتمعن شديد. ثم رفع رأسه إليه في تعجب قائلاً:
- أول مرة أشوف حاجة زي كده.
جلس على المقعد وقال بعدم استيعاب:
- المشكلة إن التصاميم مكتوب عليها تاريخ الانتهاء وأستاذة ندى مصممة واحد منهم وتاريخ انتهائها من التصميم بعد الثاني.
تطلع إلى التصاميم ثانية وعلم أن حديث عمرو صحيح. لكنه صدم حقاً فمن المستحيل أن تكون ندى سرقت ذلك التصميم. طال الصمت بينهم حتى تحدث عمرو:
- هتعمل إيه؟
نظر إليه للحظات ثم أومأ برأسه قائلاً:
- سيب التصميمين دول معايا.
لملم بقية أوراق التصاميم لكن يتبعه بعينيه ثم تحدث بهدوء:
- رحيم حاجات من دي بتحصل كتير. وياما شوفنا تصاميم مشابهة.
- فاهم يا عمرو.
أومأ بخفة ثم اتجه إلى الباب وخرج مغلقاً إياه خلفه. فيما فحص الأخير التصميمين ثانية ليراهما متشابهين لدرجة كبيرة وحتى في التفاصيل البسيطة. احتار في البداية لكن أخبر نفسه أن من السهل كتابة أي تاريخ قديم على أي شيء.
***
"مساء ذات اليوم.."
وصل إلى عنوان منزلها من المشفى التي تعمل بها. جلس داخل سيارته لوقت طويل في انتظار خروجها حتى رأى أحدهم جاء بسيارتها بعد ملء العجلات من جديد. أخذ حارس العقار مفتاح السيارة وأعطاه المال ليغادر ودلف هو إلى الداخل. ترجل من السيارة على وجه السرعة يتطلع حوله متقدماً صوب السيارة. ثم جلس نصف جلسة وقام بإفراغ العجلة بشيء حديدي قام بشرائه كي يفرغ عجلات سيارتها.
انتهى بعد دقائق قليلة ليعود إلى سيارته سريعاً وظل داخلها لساعات أطول مما مضت. شعر بالسأم حقاً ونظر إلى ساعة يده التي تدق التاسعة والنصف مساءً. رآها تخرج من العقار أخيراً فلاحت ابتسامة على وجهه وانتظر اكتشافها لتلك العجلة المفرغة.
استقلت السيارة وجاءت تتحرك اندفعت للأمام قليلاً كما أن حركاتها بطيئة. ترجلت ثانية ونظرت إلى العجلة الأمامية لتراها مفرغة فاتسعت عيناها في دهشة كبيرة.
- مش قولت لك الهزار ده فيه منه كتير.
التفتت إليه بلهفة وحملقت به في صدمة كبيرة لكن سرعان ما فاقت من صدمتها وتحدثت في تذمر شديد:
- أنت مجنون. أكيد مجنون. ليه بتعمل كده؟
- علشان أوصلك بنفسي.
- أنا مستحيل أسمح لك توصلني.
قالت كلماتها من بين أسنانها من شدة غيظها فرد ببساطة:
- اعتبرني تاكسي.
- أنت إنسان مستفز. والمفروض تدخل مستشفى المجانين.
ثم تابعت بنبرة متوعدة:
- وعلى فكرة لو عملت الحركة البايخة دي تاني أنا هعملك محضر.
- ليه كل ده؟ أنا بس حابب أتعرف عليكِ.
- لأ. مش فاضية أتعرف على حد.
همت أن تتحرك لكنه أوقفها بحديثه:
- لحظة بس. أنتِ ليه ورديتك بتبدأ بليل؟
- أنت مالك. يخصك في إيه؟
- يخصني جامد قوي. وأسف على الحركة البايخة اللي عملتها.
اتجه صوب سيارته فور انتهائه من حديثه وظلت هي واقفة تطلع إليه حتى استقل السيارة وغادر. تنهدت بعمق وألقت نظرة على عجلة السيارة ثم وقفت في انتظار سيارة أجرة. وبعد دقائق جاءت سيارة فاستقلتها لتغادر بها إلى المشفى.
***
"القصر.."
دلف إلى الداخل مغلقاً الباب خلفه ونظر حوله قبل أن يتجه إلى الدرج. صعد درجاته بهدوء ووجد ابنته تخرج من غرفتها وركضت إليه تناديه:
- بابي.
وقف أمامها وانحنى بجذعه كي يقبلها على رأسها ثم تساءل:
- خارجة من أوضتك ليه؟
حركت مقلتيها في كلا الاتجاهين ثم أجابت:
- علشان أشوفك.
ابتسم ومسح على وجنتها الصغيرة مقارنة بحجم يده حيث تابعت:
- آسيا نامت معايا ومامي نامت.
تعجب لكونها للمرة الأولى تنام قبل أن يأتي. ثم تنهد بهدوء ومسح على رأس ابنته قائلاً:
- طيب يلا ادخلي أوضتك ونامي. تصبحي على خير يا روحي.
- وأنت بخير.
التفتت متجهة إلى غرفتها فور انتهائها من حديثها. وظل هو مكانه حتى دخلت غرفتها ثم اتجه صوب غرفته. دخل مغلقاً الباب خلفه بهدوء كي لا يزعجها. وقام بوضع حقيبة التصاميم أعلى المنضدة بعد ذلك اتجه من صوب الفراش وجلس على حافته يتأملها عن قرب. وبعد لحظات رفع كفه صوب وجنتها يمسح عليها بإبهامه برفق شديد.
يشعر بالحزن لكونها نامت وهي تشعر بالحزن منه كما أنه يبدو أن عليه الندم الشديد. فكر أن يوقظها لكنه تراجع في ذلك لكن لم يستطع أن ينام قبل أن يصالحها ويعتذر عما بدر منه. اكتفى بقبلة حانية على جانب رأسها ثم نهض متجهاً إلى خزانة الثياب كي يبدل ثيابه. ثم عاد إليها ومدد إلى جوارها جاذباً إياها إلى صدره. فتحت عينيها للحظة وأغمضتها ثانية وتساءلت بنعاس:
- جيت إمتى؟
تنهد بعمق كأنه كان افتقد روحه وبمجرد أن استمع إلى نبرة صوتها أعادت روحه إلى بدنه. حتى لم يجب عليها بل يود أن تتحدث ثانية. وبالفعل أعادت سؤالها فأجاب:
- من ربع ساعة.
رفع كفها إلى حيث شفتيه وطبع عدة قبلات على راحته ثم وضعه على صدره وقال بحزن:
- أنا آسف.
فتحت عينيها التي يبدو عليها النعاس الشديد وتحدثت بنبرة ثقيلة:
- علشان جيت متأخر!
- لأ علشان زعلتك.
قال كلماته مبتسماً فرفعت عينيها إليه وتحدثت بجدية:
- أنت عملت علشاني حاجات كتير جداً تخلييني أسامحك على أي حاجة. ومتأكدة مهما تعمل أنت بتحبني وهتفضل تحبني.
- طبعاً مستحيل أبطل أحبك.
احتضنها بكلتا يديه فابتسمت وبادلته بذات العناق مغمضة العينين كي تكمل نومها بهدوء. بينما هو تنهد بهدوء والآن انتهت الفوضى التي كانت داخل قلبه.
***
استيقظت في الصباح وتحسست بكفها إلى جوارها لتشعر بخلاء رحيم. ففتحت عينيها ببطء لترفع جذعها عن الفراش ثم تناولت الهاتف من أعلى المنضدة المجاورة لتنظر إلى ساعتها التي تدق السابعة صباحاً. بعد ذلك أعادت الهاتف إلى مكانه ونهضت متجهة صوب المرحاض لكنها توقفت عند الباب عندما استمعت إلى صوت المياه تتساقط لتعلم بأنه في الداخل.
وضعت يدها على شعرها من الخلف مداعبة ثم جلست على المقعد المجاور لباب الشرفة. وبعد لحظات لفت نظرها الحقيبة وفضولها أجبرها أن ترى الشيء الذي بداخلها. لكن عندما أخرجت التصاميم وتأملت الاثنان بتتمعن اتسع بؤبؤ عينيها في دهشة لكونها ترى تصميمها مكرراً. وبذات الدهشة رفعت عينيها عن الأوراق تحملق في الفراغ.
خرج بعد دقائق رآها على ذلك الوضع كما أنه لفت نظره التصاميم بين يديها. فتنهد بصوت مسموع وجلس على المقعد المجاور لها وهم أن يتحدث لكنها سبقته:
- رحيم إزاي التصميم ده يشبه تصميمي؟
- يمكن تشابه أفكار.
- أفكار إيه دي اللي تطلع التصميم بالظبط شبه الثاني. ده زي المنسوخ.
قالت كلماتها في حنق شديد فتحدث بجدية:
- أنا عايزك تهدي خالص. وبهدوء كده تتكلمي مع زميلتك دي.
نظرت إليه في تعجب فتابع:
- ندى ماينفعش نتهمها بالسرقة.
- لكن ده تصميمي أنا وفكرتي وتعبت فيه.
احتضن وجنتيها براحتي يديه وقال كي تهدأ:
- عارف يا روحي. ممكن تهدي وأوعدك أجيب لك حقك منها لكن بالهدوء.
أومأت بخفة فضمها إلى صدره ومسح على شعرها برفق وتحدث بعد لحظات:
- اسمعي كلامي وكلميها بهدوء.
- حاضر.
***
"بالشركة.."
تحديداً داخل غرفة مكتب المصممات. بعد دقائق من الصمت نظرت الفتاة التي تدعى "سلمى" إلى زميلتها وقالت بمرح مصطنع:
- ما تنزلي تجيبي لنا اتنين نسكافيه من الكافيتريا علشان نركز.
نظرت إليها للحظات وقالت:
- ما تقومي أنتِ.
- بطلي بواخة. المرة الجاية أنا اللي هقوم.
نهضت عن المقعد تتنهد بسأم قائلة:
- حاضر.
ثم غادرت الغرفة فنظرت الأخيرة إلى باب الغرفة للحظات. ثم نهضت عن المقعد متجهة إليه وأغلقت إياه وعلى وجه السرعة أخذت ورقة من الشفاف ووقفت أمام مكتب ندى لتضع الورقة على إمضائها وقامت بشفها بطريقة محترفة كما أنها قامت بشفها عدة مرات وتنظر إلى مقبض الباب كل فنية وأخرى. حتى رأته يستدير رفعت جذعها على الفور تحدق في الباب لتجد زميلتها أميرة دخلت.
- قافلة الباب ليه؟
ابتلعت لعابها وأجابت بهدوء على عكس التوتر الذي بداخلها:
- دي.. دي ناهد قفلته وهي خارجة وأنا كنت نازلة الكافيتريا.
أومأت بخفة وهي تجلس على المقعد الخاص بها في حين دخلت ناهد حاملة كوبين من المشروب الساخن. أخذت سلمى الكوب الخاص بها واتجهت إلى الباب قائلة:
- هنزل أشربه تحت.
لتلتفت الأخيرة برأسها ناظرة إليها في تعجب ثم عادت إلى مقعدها متمتمة:
- غريبة قوي سلمى دي.
وصلت كلماتها إلى مسامع أميرة لتساءل بفضول:
- غريبة ليه؟
- أصل هي طلبت تشرب النسكافيه هنا. فجأة كده قررت تشربه في الكافيتريا.
بعد أن استقلت المصعد الكهربائي تنهدت بهدوء وقامت بوضع الورقة داخل جيب معطفها. وعند وقوف المصعد خرجت في طريقها إلى الكافيتريا. بينما تقف ندى أمام البار تطلب فنجان قهوة مضت من جوارها وجلست أمام طاولة فانتبهت ندى إليها وأخذت تفكر كيف تواجهها.
وضع العامل فنجان القهوة أمامها فأخذته متمتمة بالشكر. ثم أخذتها قدماها إلى حيث تجلس سلمى وجلست على المقعد المقابل لها. فنظرت إليها لتتفاجأ بها لكن لم توضح ذلك.
- صباح الخير.
صبحت عليها بود واضح فردت بهدوء:
- صباح النور.
ثم تناولت القليل من المشروب الساخن متصنعة الهدوء. في حين نظرت الأخيرة إلى الاتجاه الآخر مترددة في المواجهة لكن من المفترض أن تواجه للدفاع عن حقها. أدارت رأسها ناحيتها ثانية وقالت بهدوء:
- كنت عايزة أتأكد من حاجة.
ثم فتحت الهاتف وقامت بفتح صورة التصميم الخاص بها وأدارت شاشة الهاتف إليها متسائلة:
- ده تصميمك؟
نظرت إلى الصورة لتشعر بالرهبة لكنها تماسكت وأجابت بثبات:
- آه تصميمي.
لاحت شبه ابتسامة على ثغرها وقالت في شك:
- معقول مش عارفة تصميمك.
- قصدك إيه؟
- أقصد أني اللي شفتيه ده تصميمي.
تصنعت الدهشة عندما جحظت عيناها وقالت بتأكيد:
- ده تصميمي أنا متأكدة.
- أنا شفت تصميمك بالصدفة في البيت وطلع شبه تصميمي. نسخة منه.
- آه هو علشان حضرتك بقى مرات صاحب الشركة تسرقي التصاميم عيني عينك كده. فاكرة إن مش هقدر آخد حقي مثلاً.
حملقت بها في دهشة حيث تابعت في حنق واضح:
- أنا مستحيل أسيب حقي وهقول للكل إني ده تصميمي أنا والتاريخ يثبت. عن إذنك.
حملت الكوب ونهضت لتغادر تحت أنظار ندى المندهشة. بينما دخلت سلمى المصعد الكهربائي تزفر في توتر شديد ثم ابتسمت بخبث.
***
ذهبت إلى رحيم وقصت عليه ما حدث بينها وبين تلك السارقة. ليشعر بالغضب الشديد لكنه تمالك أعصابه وقال:
- أنا هجبلك حقك منها أطمني. لكن مش النهاردة.
ثم أردف بجدية:
- إحنا عندنا شغل أهم من البنت دي وما تستاهلش نحطها في دماغنا.
- حاسة إن وراها حد. البنت دي بتشتغل هنا من فترة كبيرة عمري ما سمعت إنها سرقت تصميم.
فكر في حديثها بتتمعن ثم تحدث بجمود:
- هنعرف كل حاجة بإذن الله. المهم دلوقتي تروحي المكتب وتصممي ولا تشغلي راسك.
أومأت بخفة ثم نهضت عن المقعد متجهة إلى الباب لكنها توقفت عن السير عندما نداها والتفتت إليه. فنهض عن مقعده متجه نحوها ووقف أمامها فابتسمت عيناه ثم احتضن وجنتيها براحتي يديه قائلاً:
- وحياتك عندي هاخد لك حقك.
لاحت ابتسامة على ثغرها ثم احتضنته بكلتا يديها ليبادلها بذات العناق بل وأكثر. ثم قبلها على رأسها فرفعت عينيها العاشقة إليه هامسة:
- بحبك.
- بعشق عيونك.
ودعته بقبلة على لحيتها ثم غادرت الغرفة فتنهد بهدوء وعاد إلى مقعده. بينما اتجهت الأخيرة إلى غرفة المكتب وعند وصولها جلست على المقعد الخاص بها دون أن تنظر إلى سلمى حتى لا تعطي لها اهتمام أكثر من اللازم.
توقفت أميرة عن الرسم لتنظر إلى ندى بود قائلة:
- أستاذة ندى خلصتي أول تصميم.
- آه خلصته.
- ممكن أشوفه. أصل وأنتِ بتصمميه كان عجبني جداً.
قالت وهي تقلب في صور الهاتف:
- هو اتسلم لكن معايا صورته.
ثم مدت يدها بالهاتف لتأخذه أميرة وتنظر إلى التصميم. في حين نظرت سلمى إلى ندى بنظرة نارية ممزوجة بالحقد حتى رمقتها الأخيرة بنظرة سريعة. وانتظرت رد فعل منها على أنها تخبر أميرة بأن ذلك التصميم خاص بها لكنها لم تفعل.
***
"بعد مدة من الزمن.."
دقت الساعة الثانية مساءً لتخرج من المطبخ متجهة إلى باب الفيلا وخرجت لتنتظر كلاً من ريان وأشرقت. وعندما دخلا من البوابة لاحت ابتسامة على ثغرها فركضت أشرقت إليها لتحتضنها من خصرها. بادلتها بالعناق وقبلتها على رأسها. بينما وقف ريان أمامهم قائلاً:
- رفعت راسك النهاردة في الامتحان.
- عملت إيه طمني!
تساءلت في لهفة فأجاب بثقة:
- قولت لك رفعت راسك.
- يا حياتي.
ثم قبلته على وجنته واصطحبتهما إلى الداخل. تساءلت أشرقت عن أختها فقالت:
- نايمة في أوضتك.
تركتها وركضت إلى الدرج تحت أنظار ندى السعيدة في حين قال ريان:
- ندى ممكن تكلمي المديرة تأجل إعلان النتيجة لبعد بكرة. عشان بكرة عندي تدريب.
- آه يا حبيبي مفيش مشكلة. يلا اطلع غير هدومك علشان ناكل.
ثم أردفت بحماس:
- بابي زمانه جاي علشان يتغدى معانا.
اتسعت ابتسامته سعيداً لوجود والده ثم ركضت إلى الدرج وصعد إلى غرفته. كل هذا حدث دون أن تعلم أن هناك عيون تراقبهم من الحديقة. وعندما تأكد من عدم وجود الأطفال ظهر نفسه بالوقوف أمام باب الخروج. جاءت هي عائدة إلى المطبخ لفت نظرها لتتوقف عن السير واستدارت نصف استدارة لتطلع إليه في دهشة ثم تساءلت:
- دخلت هنا إزاي؟
تقدم نحوها بخطوات بطيئة وقال وهو يجز على أسنانه:
- نطيت من سور الفيلا. أنا أقدر أدخل إيه مكان.
ثم وقف أمامها فحركت مقلتيها هنا وهناك في رهبة وهمت أن تتحدث إلا أنه فاجئها بالقبض على عنقها عنوة وجعل ظهرها يصطدم في الحائط. اتسعت عيناها وحاولت سحب يده عن عنقها لكنها فشلت بينما هو يتحدث بنبرة خشنة:
- اليومين اللي قضيتهم في السجن علموني أبقى مجرم حقيقي ومستحيل أسيب حقي. طبعاً عارفة إن عمك مات بحسرته عليا لأني طالع إنسان قذر وجشع زي أبوكي. وأنا مفيش سبب يمنعني إني أقتلك وجوزك السبب. لكن معذور مايعرفش هو آذى مين.
اصطبغ وجهها باللون الأحمر وبدأت تسعل بشدة. فيما وصل رحيم في الوقت المناسب ليرى ذلك الندل الذي بمجرد أن رآه ترك عنقها لتسقط إلى الأرض تسعل بشدة وركض إلى الخارج. ركض خلفه بأقصى سرعة وهو يلعنه لكنه وقف أمام الباب وعاد إلى ندى أولاً تاركاً إياه يهرب لكونه يعلم جيداً بأنه سيصل إليه.
مسح على شعرها برفق ثم حملها على ذراعيه وصعد إلى الطابق العلوي ومن ثم دلف إلى غرفته. ووضعها على الفراش برفق فأغمضت عينيها واضعة يدها على عنقها. مسح على وجنتها برفق وتساءل في قلق واضح:
- ندى أنتِ كويسة؟ تحبي نروح المستشفى.
ردت بصوت منخفض ومنبوح:
- بخير الحمد لله.
ثم سعلت بعد ذلك فرفعت جذعها عن الفراش. فنهض متجه صوب الثلاجة الصغيرة التي تقع في ركن الغرفة وأخذ منها زجاجة مياه وساعدها في تناول بعض الماء. ثم نظرت إليه وقالت في توجس:
- مش قولت لك بلاش تأذي. ده مجرم وما عندوش حاجة يخاف عليها.
- أنا هخليه يفكر مليون مرة قبل ما ينطق اسمك.
- رحيم علشان خاطري بلاش.
ليقول بحسم واضح:
- مش عايزك تشغلي راسك بالموضوع ده.
ثم أردف بنبرة عتاب:
- وقُلت لك كذا مرة ضروري يبقى فيه حرس في الحديقة.
- أنت عارف مش باخد راحتي طول ما هما واقفين فيها.
احتضن وجنتيها براحتي يديه وطبع قبلة حانية على جبينها ليضمها إلى صدره بعد ذلك. وكلما تذكر ذلك الموقف الذي تعرضت له للتو يشعر وكأنه سيجن. ليجد نفسه يحتضنها أكثر حتى خيل له بأنه سيخترقها.
***
انتظرتها داخل السيارة حتى جاءت وجلست إلى جوارها. فنظرت إليها متسائلة بلهفة:
- عملتي إيه؟
- أنا كان فاضلي شوية وأقولها على كل حاجة.
- لأ يا سلمى امسكي نفسك شوية. المهم جبتي إمضتها.
فتحت سحابة الحقيبة لتأخذ الورقة التي شفت عليها إمضائها وأعطت إليها لتقوم بفحصها وبعد ذلك لاحت ابتسامة شيطانية على ملامح وجهها فيما قالت الأخيرة بخوف واضح:
- مدام جيجي أنا خايفة من مستر رحيم. مش معقول يصدق في مراته إنها حرامية.
- أنتِ من بكرة تقولي لزميلك في الشركة إن التصميم ده بتاعك وندى سرقته واتمسكي على قد ما تقدري. المهم الكل يعرف إنه تصميمك.
- حاضر وربنا يستر. المهم هتعملي إيه بالإمضة؟
لتنظر إليها بنظرة شيطانية واضحة وقالت بخبث:
- علشان هنسخها على تصميم لواحدة معروف وهديهولك تحطيه في وسط التصاميم. وبكده ندى فعلاً هتطلع حرامية.
أعجبت بتفكيرها كثيراً قائلة:
- ما شاء الله على دماغك.
رواية حب رحيم الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سمر عمر
أعطت للمريض حقنة داخل المحلول المُعلق في يده، ثم ربتت على كتفه تطمئنه على حالته المستقرة.
خرجت واضعة يديها في جيبي معطفها الأبيض، متجهة إلى المصعد الكهربائي.
عند وصولها، وقفت وضغطت على زر الصعود، في حين جاءت الممرضة تناديها فأدارت رأسها ناحيتها.
- دكتورة، في مريض طالب يشوفك.
- في غرفة رقم كام؟
- لأ، هو لسه جاي النهارده وطالب حضرتك بالاسم. هو حاليًا في غرفة الفحص. عن إذنك.
قالت آخر كلماتها وذهبت لمتابعة عملها، بينما تنهدت الأخيرة تسأل نفسها عن ذلك المريض، ثم استقلت المصعد إلى الطابق السفلي.
من ثم خرجت متجه إلى غرفة الفحص، وعند وصولها دخلت لتتفاجئ بوجود علاء.
تنحنحت بخفية وأخفت دهشتها، ناظرة إليه بجمود متسائلة:
- أنت المريض؟
ابتسم قائلًا:
- أه، أنا المريض.
وقفت أمام طاولة صغيرة موالية له ظهرها، متصنعة بأنها ترتب بعض الأدوية، متسائلة:
- عندك إيه؟
ثم نظرت خلفها بعينيها متابعة:
- مش يمكن عندك حاجة مش تخصصي؟
نهض عن المقعد قائلًا بثقة:
- لأ، تخصصك يا دكتورة.
التفتت كي تواجهه، ناظرة إليه بجدية، لكنها تساءلت بنبرة ساخرة:
- ليه، هو أنت مدمن؟
تأمل عينيها التي بالنسبة له مميزة للغاية، وتقدم خطوة واحدة كي يقترب منها أكثر، وقال بجدية:
- أه، مدمن. مدمن عيونك.
اهتز بدنها كما أنها حركت مقلتيها إلى اليسار واليمين في توتر، لكن سرعان ما سيطرت على نفسها وأخفت توترها خلف حدتها في حديثها:
- أنت باين عليك فاضي وجاي تهزر، وأنا عندي شغل.
اتجهت إلى الباب، لكنه أوقفها بالقبض على مرفقها قائلًا:
- خلاص، هتكلم بوضوح.
سحبت مرفقها من قبضته وعقدت ذراعيها تزفر بسأم، فتابع:
- أنا مدمن خمرا وعايز أتعالج منها.
- الخمر مش إدمان لدرجة إنك تتعالج منها. امنع نفسك عنها بنفسك.
- إدمان يا دكتورة، إذا كانت السجاير إدمان.
استدارت نصف استدارة كي تواجه، متسائلة:
- أنت عايز إيه؟
- بصراحة، عايز أشوفك كل دقيقة، أقضي معاكِ كل وقتي، تفضلي قدامي دايمًا. نظراتك بتديني طاقة إيجابية غير طبيعية.
لوت ثغرها وتحدثت بعدم اقتناع:
- كل ده علشان شوفتني مرة واحدة؟
- لأ، شوفتك كذا مرة.
قال كلماته بصدق واضح، فأطرقت عينيها وقالت بهدوء:
- أنا مرتبطة بشغلي.
- مش هعطلك عن شغلك. على فكرة، لو عايزاني أقابل والدك النهاردة، أنا موافق.
- لو سمحت بلاش الكلام ده. وبعدين، احنا في المستشفى وكده ماينفعش.
قالت كلماتها في توتر شديد، كما أنها تفرك يديها. أطرق عيناه إلى يديها، لتظهر ابتسامة على وجهه قائلًا:
- خلاص، حددي أقابلك فين. أو ممكن تحددي معاد مع ندى أقابلك عندها في البيت. ولحد ما تقرري، أوعدك مش هضايقك تاني أبدًا. أشوفك على خير.
تأملها بتمعن شديد كما لم يراها من قبل، وتمنى لو تطلب منه ألا يغادر ويبقى معها اليوم. لكن مضت لحظات ولم تتفوه بكلمة، فتركها وغادر. لتجد نفسها تأخذ شهيقًا قويًا وزفرته بهدوء، واضعة كفها أعلى صدرها.
***
الشركة.
تصنعت سلمى بأنها منشغلة بالتصميم، لكنها تراقب زملائها بعينيها الشيطانية في انتظار لحظة خروجهم من الغرفة. لكن مضت نصف ساعة تقريبًا، وخرجت أميرة وأتبعتها ناهد بعد لحظات. لتقم الأخيرة بإخراج التصميم الذي يحمل إمضاء ندى المزيف من حقيبة يدها. ثم نهضت متجه نحو الطاولة الصغيرة التي تقع إلى جوار الباب والتي يضعون عليها التصاميم النهائية. وقامت بوضع ذلك التصميم بينهم وعادت مكانها سريعًا.
أما ندى، فأخذت مكان رحيم اليوم وأنهت كل شيء، حتى أجلت موعد اجتماع اليوم إلى المساء. مسحت على جانب رأسها ولفت نظرها التصميم الخاص بها المسروق. فحملت الورقة تتأمله عن قرب، حتى زاغت عيناها وأخذت عهدًا على نفسها بأنها لن تترك حقها.
بعد دقائق، دخل رحيم مغلقًا الباب خلفه. فابتسمت بمجرد أن رأته ونهضت عن المقعد متجه نحوه قائلة:
- حمد الله على سلامتك.
وقف أمامها وقال بعد أن قبلها على جبينها:
- الله يسلمك يا روحي.
ثم قبلها ثانية على جبينها بقبلة حانية، ثم تساءل بهدوء:
- أخبار الشغل إيه يا روحي؟
- كله تمام، وأجلت الاجتماع للمعاد اللي حددته.
ثم تساءلت باهتمام وحماس:
- المهم، أنت طمني عملت إيه مع ريان النهاردة؟
- الأهم إنه مبسوط بوجودي معاه، والحمد لله ماشي كويس في السباحة.
قبلها على وجنتها بقبلة طويلة، فابتسمت قائلة:
- ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
احتضنها عنوة قائلًا:
- يا رب، ويخليكِ ليا يا حبيبي.
قطع تلك اللحظة دقات الباب، فابتعد عنها والتفت يأذن بالدخول. ففتح عمرو الباب ونظر إليه متسائلًا:
- أقول لسلمى تيجي دلوقت؟
- أه، حالًا.
أومأ برأسه وخرج مغلقًا الباب خلفه. فيها اتجه الأخير إلى المقعد الخاص به وجلس عليه، فتساءلت بعدم فهم:
- عايز سلمى فيه إيه؟
- اقعدي يا حبيبي وهتعرفي كل حاجة.
جلست على المقعد المجاور إلى المكتب، وبعد دقائق قليلة دق الباب. أذن بالدخول ليدخل عمرو ومعه سلمى التي يبدو عليها الخوف والتوتر الشديد. وقفت تطلع إلى الأرض، وعندما أغلق عمرو الباب اهتز بدنها. ثم رفعت عينيها إلى ندى، لكن سرعان ما أشاحت بوجهها بعيدًا عندما رأتها تنظر إليها.
وقف عمرو أمامها وقال بوضوح:
- أستاذة سلمى، أنا مش هلف وادور معاكِ، وأنتِ كمان ولا تلفي ولا تدوري معايا.
- مش فاهمة حضرتك تقصد إيه.
- ابتدى اللف والدوران.
كان رحيم يتابع ذلك الحوار في صمت شديد، بينما تناول عمرو ورقة التصميم ورفعها أمام عينيها متسائلًا:
- ده تصميمك؟
نظرت إلى التصميم في توتر شديد وأخذت تفرك في أصابع يديها، ثم أجابت بصوت منخفض:
- أه، بتاعي.
زفرت ندى بسأم، كانت منتظرة رد غير ذلك، لكن تلك الفتاة عنيدة. قبض رحيم قبضته وأخذ يضرب بها على المكتب بهدوء شديد، ناظرًا إليها بنظرة متوعدة. تنهد عمرو بهدوء وقال بتأكيد:
- أستاذة سلمى، آخر فرصة. ده تصميمك؟
- قولت لحضرتك أه، تصميمي.
تنهد بصوت مسموع، وقد رفع أحد حاجبيه قائلًا:
- لكن ده يشبه تصميم أستاذة ندى.
تحدثت بثقة على عكس التوتر التي تشعر به:
- أه، أستاذة ندى واجهتني. لكن صدقني ده تصميمي والتاريخ يثبت كده، وأنا أكيد مش هسكت على حقي.
- حق إيه اللي بتتكلمي عليه؟ أنا متأكد إن ده تصميم ندى وأنتِ سرقتيه.
قال رحيم كلماته بنظرة عنيفة جعلت من بدنها ينتفض. تحملق به بهلع، في حين نظرت ندى إليه بحزن. ودت أن تطلب منه أن يهدأ، لكنها لم تحاول. تابع بذات العنف:
- اعترفي وقولي الحقيقة عشان صبري نفذ.
- يا مستر، ممكن يكون تشابه مش أكتر.
قالت كلماتها بنبرة مهزوزة. فنهض عن المقعد يتطلع إليها بسوداويته الحادتين، والتي حتمًا ستقسمها إلى نصفين، وصاح بنبرة متوعدة:
- ثانية كمان وردة فعلي مش هتعجبك.
هبطت دموعها على وجنتيها من كثرة الخوف، وقالت بصوت مبحوح:
- هو أنا علشان ماليش ضهر تيجوا عليا؟ طبعًا ما هي مراتك تسرق براحتها وتتحكم فينا براحتها.
- شغل المسكنة ده مش عليا أنا.
ثم نظر إلى صديقه متابعًا بحده:
- عمرو، سلمها في القسم وهي هتنطق غصب عنها هناك.
اتسعت عينيها في هلع، فيما قبض على مرفقها وقال بنفاذ صبر:
- يلا، أمشي قدامي.
- لا، قسم إيه حرام عليكم.
- خلاص، انطقي وخلصينا.
قال عمرو كلماته بنفاذ صبر، فابتلعت لعابها بصوت مسموع واعترفت بكل شيء. ليحلق بها في دهشة، لكن ليس أكثر من دهشة ندى التي نهضت عن مقعدها. فيما تمالك رحيم أعصابه واكتفى بطردها من الشركة، بل وقال بحنق:
- عمرو، احظر منها جميع شركات التصميم وعرفهم إنها بتسرق تصاميم.
- طبعًا، كل ده هيحصل. وهيتكتب عنها تقرير.
جزت على شفتيها في حزن، كما أنها شعرت بالندم الشديد، ثم خرجت برفقة عمرو.
- دي اللي عملت معايا مشكلة علشان ضربتها بالقلم.
قذفت كلماتها من بين شفتيها بحده بالغة، ثم أكملت بعنف:
- دي تستاهل مليون قلم على وشها.
- ندى، مستحيل أسيب الموضوع ده يعدي بسهولة.
- أنا مش فاهمة عملت فيها إيه علشان تعمل معايا كده. دي المفروض تشكرني على اللي بعمله مع ولادها.
تقدم نحوها وقد لاحت ابتسامة على وجهه، ثم وقف أمامها واضعًا كفيه على ذراعيها قائلًا بهدوء:
- مش عارفه عملتي فيها إيه؟
رفعت عينيها إليه بعدم فهم، فقطب جبينه وقال بمشاكسة:
- خطفتي قلبي. وده شيء يقتل قلبها كل ما تشوفك معايا.
- طالما بتحبك أوي كده، ليه سابتك من البداية؟
- هي كانت فكرة إنها هموت في بعدها وأتراجع ترجع لي.
ترك ذراعيها وأحاط وجنتيها براحتي يديه وتابع بنبرة حب وهو يتعمق بالنظر داخل عينيها:
- لكن أنتِ غيرتي كل حياتي وبقيتي النفس اللي بتنفسه في كل لحظة.
قبلها على جبينها فأغمضت عينيها، وقبل أن يبتعد عنها احتضنته عنوة وقالت مبتسمة:
- وهي فكرة إنها ممكن تخدك مني؟ ده أنا اقتلها.
ضحك ضحكة خفيفة خطفت قلبها من بين ضلوعها، حتى طلبت منه أن يعيد ضحكته ثانية. فأخذ يدغدغها لتضحك هي، ثم احتضنتها ثانية وقبلها على جانب رأسها قائلًا:
- أنا اللي بعشق ضحكتك.
جعلت من ذراعيها طوق حول عنقه، ناظرة إليه بابتسامة رقيقة، وقالت:
- همشي أنا بقى، ولما أوصل هكلمك.
- أوكي يا حبيبي. ابقي روحي خدي ريان من عند أمي.
أومأت برأسها، ثم أطبقت شفتيها على وجنته بنعومة، وبعدها تركته وغادرت. مسح هو على شعره من الخلف متوعدًا لتلك الجيجي بمقابلة من الجحيم.
***
استغلت وجود ريان في المنزل وأخذت تتحدث معه عن والدته وكم هي تحبه. كان يستمع إليها في صمت دون أن يعقب على حديثها، حتى انتهت ليدير رأسه ناحيتها متسائلًا:
- خلصتي كلامك؟
أومأت برأسها ناظرة إليه في تعجب، فقال بحسم:
- مستحيل أعيش معاها تاني.
في حين دق جرس الباب، فاتجهت السيدة وفية إليه وفتحته لترى ندى تبتسم إليها. رحبت بها كثيرًا واحتضنتها، بينما نظر الاثنان إلى الباب وركض ريان إليها ليحتضنها. بادلته بالعناق عندما أعطت آسيا إلى السيدة وفية، ثم نظرت إلى رنا وهمت أن تسلم عليها بالحديث، لكنها اتجهت إلى الدرج وصعدت إلى الطابق العلوي.
اختفت ابتسامتها، تحرك رأسها في كلا الاتجاهين، ثم تساءلت:
- طنط فين؟
- بتصلي بره في الجنينة.
أخذت طفلتها من بين يديها واتجهت إلى حديقة المنزل. وعند خروجها رأتها تنهي صلاتها، فجلست إلى جوارها قائلة:
- أزيك يا طنط؟
- ندى يا حبيبتي، عاملة إيه؟
ثم احتضنتها، فابتسمت الأخيرة قائلة:
- بخير الحمد لله.
ثم ابتعدت عنها وأعطت لها آسيا، فأخذت تقبلها على رأسها وتحتضنها معبرة لها عن مدى اشتياقها لها. ثم نهض الاثنتان معًا.
- خليكم معانا بقى النهاردة.
- معلش يا طنط، مرة تانية إن شاء الله.
تحدثت بحزن:
- مستخسرة فيا كلمة ماما ولا إيه؟
ندى على وجه السرعة:
- أبدًا والله، ده ليا الشرف.
- خلاص، قولي ماما. وأنا اللي ليا الشرف يا حبيبتي.
قبلتها ندى على وجنتها بمرح، ثم حملت آسيا عنها وودعتها لتأخذ ريان وتغادر. جلست على الأريكة تدعو لها ولابنها رحيم، وأيضًا لابنها علاء بالهداية. بينما وقفت السيدة وفية أمامها وقالت بهدوء:
- بعد إذنك يعني، أنا شايفة إن مدام رنا لسه زعلانه من ندى.
- هي ماسلمتش عليها؟
تساءلت في حنق، لتقول سيدة وفية بحزن:
- أبدًا، ولما ندى جت هي طلعت فوق.
- رنا اللي غلطانة فيها، ولو عاملة زعلانة تشرب من البحر.
***
تحركت بالسيارة إلى وجهتها وتساءلت عن التمرين باهتمام، فقال بحماس:
- بابي أجمل كابتن ومدرب في الكون كله.
ابتسمت ندى وشعرت بالسعادة لكونه سعيد بوجود أبيه معه، حيث تابع ريان:
- بإذن الله أرفع راسكم وأخد بطولة العالم في السباحة.
- يا حياتي. يا رب يا روحي.
كان تميم يراقبها بسيارته، وانتظر اللحظة المناسبة بعدم وجود الكثير من السيارات والمارة. وسار إلى جوارها ثم أسرع بالقيادة وأوقف السيارة أمامها. شهقت بهلع وضغطت على المكابح بكل ما فيها من قوة حتى وقفت السيارة، لكن بعد أن سحبتهم السيارة إلى الأمام قليلًا.
أزاحت شعرها عن عينيها ونظرت إلى الخلف كي تطمئن على طفلتها، ثم مسحت على شعر ريان. بعدها نظرت إلى الأمام لتندهش من وجود تميم يقترب نحو السيارة، فشعرت بالخوف على كلًا من ريان وآسيا، وأسرعت بترك السيارة كي تواجه قائلة في حده:
- أنت مش هتبطل تلاحقني بقى؟
- لأ. عايزاني أبطل؟ سلميني عشرة مليون جنيه.
- أنت أكيد اتجننت. والحقيقة بقى إن خسارة فيك مليون جنيه حتى.
همت أن تفتح الباب، لكن وضع كفه عليه وقال بنبرة محذرة:
- ندى، غصب عنك هتديني المبلغ.
ثم أشار للذين يقفون عند سيارته متابعًا:
- الحقيقة أنا كنت ناوي أخطف بنتك، لكن غيرت رأي لما شوفت الولد ده معاكِ.
أمر الاثنان بإحضار ريان، فاتسعت عينيها وصرخت في وجهه:
- لا يا تميم، خرج الولاد بره الموضوع، واوعدك أجيبلك الفلوس.
- مش مصدقك.
فتح أحدهم باب السيارة ومسك بذراع ريان، لكنه نفضه من يده. في حين جاءت تركض ندى إليه، قبض تميم على ذراعيها، فأخذت تترجى:
- تميم، بلاش ريان ولا حد من الأولاد، واوعدك وحياتهم عندي هجيبلك الفلوس.
أومأ بالنفي، وقد لاحت ابتسامة باردة على ثغره. فيما حاول الاثنان خطف ريان وهو يركلهم بقدميه وينادي ندى، حتى استطاع أحدهم أخيرًا بوضع منديل مغطي بمادة جعلته يغط في سبات عميق. ثم حمله على ذراعيه وركض الاثنان إلى السيارة. فأخذت تصرخ بأعلى طبقات صوتها تنادي ريان وتستنجد بأحد السيارات التي تسير. تركها تميم وركض إلى السيارة، فركضت خلفه لكنها لم تستطع اللحاق به. فوضعت رأسها بين يديها تبكي بشهقات متقاطعة، لتجد الأرض تدور بها في لحظة، ثم سقطت مغشيًا عليها.
رواية حب رحيم الفصل الأربعون 40 - بقلم سمر عمر
المشهد 40 " السند.."
نظرا الشابان إليه ثم تركا مقاعدهما وتحدث الذي أجاب على اتصاله :
-أحنا لقيناها واقعة على الطريق وطفلة بتعيط فنقلنها على هنا.. وكمان صاحبي جاب عربيتها هنا
ثم مد يده بأغراضها فأخذها من يده قائلًا بإمتنان :
-شكرًا يا شباب
-العفو.. عن اذنك
أومأ برأسه فغادر الإثنان فيما انتظر رحيم للحظات ثم دق الباب ودخل بعد سمحت الممرضة بالدخول.. نهضت عن المقعد المجاور إلى الفراش بينما مدت آسيا يديها الصغيرتين إليه تنادي بصوتها الطفولي الحزين :
-بابي.. بابي
ترك ما في يده على الاريكة ليحمل طفلته يضمها إليه وقبلها على جانب رأسها ناظرًا إلى ندى النائمة قاطب جبينه في قلق واضح على كل خلجة من خلجات وجهه وتساءل عن حالتها لتجيب عليه :
-أحسن الحمد لله والجرح سطحي.. هو بس نتيجة اصطدامها في الأرض
تنهد بحزن يحتضن ابنته أكثر بينما هي تبادله بذات العناق ثم جلس على المقعد المجاور إلى الفراش.. خرجت الممرضة مغلقة الباب خلفها في حين مسك بكفها ورفعه إلى حيث شفتيه وطبع قبلة رقيقة عليه وتحدث بهدوء :
-سلامتك يا روحي
بعد لحظات انزعجت آسيا وبدأت تبكي فلفت انتبها بالهاتف الخاص لتكف عن البكاء وانشغلت بفيديو يحمل أغاني الأطفال.. وانتبه هو إلي ندى فقلبه يشعر بالقلق الشديد عليها وأخذ يسأل نفسه في حيرة كبيرة ماذا حدث ليحدث لها ذلك الإغماء..
بعد دقائق ليست قليلة اتصل على أمن المنزل كي يطمئن على ابنته أشرقت وطلب منهم أن يظل أحدهم برفقتها حتى يعود إلى المنزل.. ثم أعطى الهاتف ثانية إلى طفلته والتي ظلت تشاهد الرسوم المتحركة حتى غلبها النعاس.. قام بإغلاق شاشة الهاتف ونهض عن المقعد حاملًا إياها بين ذراعيه ووضعها على الأريكة برفق ثم خلع معطفه ووضعه عليها..
في ذات الوقت فتحت ندى عينيها ببطء شديد وشفتيها تتحرك باسم " ريان.." وقف رحيم إلى جوار الفراش وعندما رآها فتحت عينيها مسح على مقدمة شعرها وتساءل بلهفة :
-ندى حبيبتي أنتِ كويسة؟
نظرت إليه بوهن وفجأة بدأت بالبكاء الهستيري دون أن تشعر بنفسها قائلة :
-ريان.. عايزه ريان أطمن عليه
شعر بالصدمة وقال في توجس :
-ريان عند أمي يا ندى
رفعت كفها وضعته على وجهها وتعالت شهقاتها فحاول أن يهدئها لكن فشل في ذلك.. حتى رفعت ظهرها عن الفراش ومسكت بيده قائلة :
-رحيم أنا خايفة على ريان.. عايزه اشوفه حالًا
تأوهت بمجرد أن انتهت من حديثها واضعه يدها الأخرى على رأسها ومع ذلك كانت تبكي بهستيريا.. فقام بالضغط على زر مجاور إلى الفراش عدة مرات.. لتأتي الممرضة على وجه السرعة متسائلة :
-أيه اللي حصل؟
ثم وقفت إلى جوار الفراش وحاولت تهدئتها لكن بلا جدوى.. فطلبت منه أن يحاول معها حتى تعود ثم ركضت إلى الخارج في حين استيقظت آسيا بفزع على بكاء وصراخ والدتها وبدأت تبكي.. التفت برأسه إليها ثم ضم ندى إليه عاقدًا بين حاجبيه.. دخلت الممرضة راكضة إليها وأعطت لها حقنة مهدئة فأغمضت عينيها تدريجيًا بينما هو وضع رأسها على الوسادة برفق شديد ليركض إلى طفلته وحملها بين ذراعيه كي يهدئها..
انتظر حتى عادت إلى النوم ثانية ووضعها مكانها برفق.. ثم اتصل على والدته ووضع الهاتف على آذنه.. على الجانب الآخر تناولت والدته الهاتف وأجابت عليه وبعد تبادل السلام تساءل في هدوء على عكس القلق الذي أحتل قلبه :
-أمي هي ندى جت خدت ريان
-أه يا حبيبي.. بتسأل ليه؟
قبض قبضته عنوة كما جز على أسنانه وأخذ الغرفة ذهابًا وإيابًا قائلًا :
-بسأل بس علشان ندى مش بترد عليا
-يمكن مشغولة في حاجة يا حبيبي.. رحيم ممكن تبقى تجي النهاردة شوية
-حاضر يا أمي بإذن الله
ثم أنهى معها المكالمة ونظر إلى ندى في حيرة.. لكن سرعان ما تذكر تميم ليتأكد من إحساسه ثم نظر إلى الهاتف وبحث عن رقم ذلك اللعين واتصل عليه ليستمع إلى رسالة صوتيه تخبره بأن الرقم غير متاح.. فجز أسنانه عنوة كما أطبق قبضته القوية على الهاتف وهم أن يقذف به بالحائط لكنه هدأ من نفسه
***
" بعد مدة من الزمن.. "
وضعها على الفراش برفق فتأوهت بخفة وهبطت دموعها الساخنة على وجنتيها.. وقفت الممرضة إلى جوارها تحسست الشاش الموضع حول رأسها قائلة :
-الألم ده أثر الجرح بس ماتقلقيش
رفعت عينيها إلى رحيم بحزن فأشاح بوجهه بعيد ثم خرج إلى الشرفة.. بينما جلست الممرضة على حافة الفراش تهون عليها الألم.. وبعد نصف ساعة تقريبًا أعطت لها المسكن من ثم استأذنت منها لتغادر.. اصطحابها رحيم إلى الخارج وطلب من السائق الخاص به أن يوصلها إلى المشفى وأعطى لها حقها من المال قبل أن تغادر ثم عاد إلى ندى..
وقف أمام الفراش وتساءل دون أن ينظر إليها :
-عاملة ايه دلوقت؟
تحدثت بصوت مبحوح :
-الحمد لله..
أومأ برأسه واتجه إلى الباب فنادت بلهفة :
-رحيم
توقف عن السير وقال بحنق :
-نعم
-اللي حصل مش بأيدي.. حاولت أنقذه لكن ماقدرتش..
مسح على وجهه يتنهد بصوت مسموع بينما هي انتظرت أن يبادلها بالحديث لكنه فضل الصمت.. فأطرقت عينيها تبكي قائلة بصوت منخفض :
-أرجوك بلاش صمتك المرعب ده
تحدث اخيرًا لكن بنبرة حادة :
-اتكلم أقول إيه يا ندى.. هو أنا مش هخلص من شر عيلتك دي مرة ابوكي ودلوقت ابن عمك
رفعت عينيها إليه تحملق به في صدمة ثم تركت الفراش متجه نحوه ووقفت في مواجهته قائلة بنبرة خجل ممزوجة بالحزن :
-عندك حق.. كل القلق اللي احنا فيه ده بسببي..
نظر إليها عاقدًا حاجبيه ورفع كفيه كاد أن يضعهما على ذراعيها لكنها تراجعت خطوة للخلف وقالت بضيق :
-أنا مستعدة اروحله بنفسي وأقوله سيب ريان وخليني مكانه.. ما هو ابن عمي وريان مالوش ذنب
-ندى أنا ماكنش قصدي اضايقك بكلامي..
قطعت حبل كلماته بدفعة :
-لاء تقصد.. أنا السبب فيه كل الشر اللي بيحصلك
احتضن رأسها براحتي يديه قائلًا بجدية :
-لا ابدًا يا ندى.. أنا مش عارف بقول إيه.. أنا حاسس إن روحي مش فيا
خرجت شهقة من بين شفتيها واضعه يدها على مقدمة رأسها متأوه.. فحملها على ذراعيه ووضعها على الفراش برفق فقالت بنبرة مرهقة أطلقت الحنجرة صراحها بصعوبة :
-ريان ده ابني يا رحيم وحاسة إني مش هبقى بخير طول ما قلبي ملهوف عليه
جلس على حافة الفراش يمسح على جانب شعرها وقال بجدية :
-عارف ومتأكد من حبك لريان وأشرقت
رمته بنظرة عتاب واضحة صابت قلبه لتقتله ثم جذبت الغطاء إليها ونامت على جنبها اليمين كي تواليه ظهرها.. أطرق عيناه للحظات ثم رفع رأسه إليها وهم أن يتحدث لكن رن جرس الباب..
نهض عن الفراش متجه إلى باب الغرفة وخرج مغلقًا إياه خلفه من ثم هبط الدرج متجهًا إلى الباب الرئيسي.. في حين خرجت أشرقت من غرفتها ووقفت عند مقدمة الدرج تنظر إلى والدها الذي فتح الباب.. تفاجأ بوجود جيجي التي نظرت إليه برهبة تحاول إخفائها..
-نعم جايه ليه؟!
-طيب قولي اتفضلي
تنحى جانبًا فدخلت لتراها أشرقت وعلى الفور ركضت إلى باب غرفتها ووقفت أمامه كي تختبئ منها.. بينما نظرت الأخيرة حولها ثم التفتت إليه وقالت بهدوء :
-عايزة أشوف ريان وأشرقت
رفع حاجبيه قليلًا وتساءل في تعجب :
-ليه النهاردة؟!
-ولادي يا رحيم ومن حقي أشوفهم في اي وقت
-وكنتِ فين وهما عندهم تلت سنين؟
أشاحت بوجهها بعيدًا عن نظراته الحادة وقالت بحزن مصطنع :
-أرجوك ماتفكرنيش بالأيام دي لإني حقيقي ندمت على كل لحظة عشتها بعيد عنهم..
ثم رفعت عينيها الخبيثة إليه متابعة :
-وكمان ندمت علشان بعدت عنك.. بس ماخطرش على بالي إنك تطلقني.. ليه تطـ..
نفذ صبره حقًا من خبثها الذي يعلمه جيدًا وقطع حبل كلماتها بنبرة حادة عنيفة :
-الكلام ده مايدخلش راسي.. أنا مش عيل صغير علشان تضحكي عليه بكلمتين
تحدثت بحنق :
-رحيم أنا بقول الحقيقة وصادقة فيه كل كلمة قولتها..
تنهد بنفاذ صبر يمسح على شعره من الإمام إلى الخلف فقالت بلؤم :
-طيب خليني أشوف بس ريان وأشرقت وهمشي فورًا
-بكرة بإذن الله تعالي شوفيهم
-وليه مش النهاردة؟..
استدار نصف استدارة عاقدًا ذراعيه أمام صدره دون أن يجيب عليها فتصنعت القلق قائلة :
-الولاد فيهم حاجة؟.. هما كويسين أنا عايزه اشوفهم
أدار رأسه إليها يتطلع إليها بعينين حادتين بشدة.. فيما صدح صوت هاتفها بين يديها فهبط بسوداويته إلى شاشة الهاتف لكن سرعان ما أخفت الشاشة عنه وقالت في توتر واضح :
-هاجي بكرة اشوف الاولاد يا رحيم.. عن اذنك
اتجهت إلى الباب بخطوات واسعة واغلقته خلفها ثم أجابت على المتصل بحده :
-بترن عايز ايه يا متخلف
-ما بلاش الألفاظ دي وخافي على ابنك.. أنا ماعنديش حاجة أخاف عليها وممكن اقتله عادي
قالت وهي تفتح باب السيارة بعنف :
-على فكرة مش ده اللي اتفقنا عليه أنا قولتلك أخطف آسيا
استمعت إلى صوت فتح الباب فالتفتت برأسها بلهفة تحدق في رحيم برهبة واضحة.. بينما هو تقدم نحوها وخطف الهاتف من يدها ليضعه على آذنه واستمع إلى آخر كلمات هتف بها ذلك اللعين وانتظر حتى انتهى ليتحدث بنبرة خشنة :
-أنا مستعد ادفعلك المبلغ حالًا
اندهش في البداية ثم تنهد بهدوء وقال ببرود :
-لاء خلي المقابلة دي بكرة أحسن
-النهاردة وبلاش تستفزني علشان عندي استعداد ادفنك حي.. ابعتلي العنوان على رقمي
ثم أنهي المكالمة دون أن ينتظر الرد.. ونظر إلى تلك الحية واعتصر مرفقها بقبضة يده فتأوهت بصوت عال.. بينما هو جذب إياها خلفه وعندما دخل دفعها عنوة لتسقط على الأرض أمامه.. وضعت أشرقت يدها على فاها واقتربت من السور لتشاهد ماذا يحدث..
أغلق الباب بقدمة ووقف أمامها يتأمل عيناها التي تطلع إليه بخوف شديد ثم تحدث بعنف :
-أنتِ أم أنتِ؟!.. أنتِ إنسانه مريضة وحقيرة.. ازاي تتفقي معاه يخطف ريان.. عرفتيه منين انطقي
نهضت عن الأرض وقالت بنبرة مرتعشة أثر خوفها من تهوره :
-كـ كنت براقب البيت وشوفته هنا كذا مرة.. راقبته لحد ما جت الفرصة إني اتكلم معاه وعرفت منه كل حاجة.. وصدقني أنا قولت له يخطف بنت ندى مش ريان لكن هو غير الخطة.. ولما عملت معاه مشكلة قالي إن خطف ريان هيساعدك في المحكمة وهتقدري تاخدي الولاد بسهولة
لم يتمالك أعصابه وصفعها على وجنتها بقوة لتخرج صرخة من بين شفتيه وهبطت دموعها على وجنتيها بغزارة.. قبض على مرفقها واتجه صوب غرفة المكتب ساحبًا إياها خلفه قائلاً بغضب شديد :
-أنتوا عصابة.. حقير اتلم على حقيرة
دفعها إلى الداخل عنوة لتسقط على الأرض ثم أغلق الباب بالمفتاح.. فيما ركضت أشرقت إلى غرفتها وجلست على حافة الفراش تبكي بحرقة
***
" مساء ذات اليوم.. "
وقف داخل الشرفة يتطلع إلى السماء يسأل الله أن يكون ابنه الغالي بخير وفي أمان.. وكل فنينه وأخرى ينظر إلى الهاتف في انتظار رسالة تحمل العنوان كي يذهب إلى ابنه لكن كلما تأخر الوقت كلما توعد لذلك اللعين بأيام من جحيم.. كما أنه أبلغ الشرطة وهم في انتظار ايضًا مكالمة رحيم ليخبرهم بالعنوان..
برغم ما تشعر به من ألم حول رأسها تركت الفراش وخرجت إلى الشرفة ثم احتضنته من الخلف.. وضع كفه على كفها فأغمضت عينيها تاركة العنان لدموعها الساخنة تتدفق على وجنتيها قائلة :
-بإذن الله هيرجع لحضنك بخير
-لحضني وحضنك
فلتت شهقة من بين شفتيها وهي تقول بصوت منخفض :
-أنا اسفه
التفت إليها واضعًا كفيه على ذراعيها قائلًا :
-اسفك غالي عندي يا ندى..
ثم قبلها على جبينها وضمها إلى صدره متابعًا :
-عايزك ترتاحي علشان الوجع اللي في دماغك يخف
-مستحيل اعرف ارتاح غير لما اطمن على ريان
ارتكز بذقنه على رأسها يضمها إليه أكثر.. وبعد دقائق قليلة وصلت له رسالة إلى الهاتف ليفحصها على وجه السرعة فعلم بأنها أتيه من تميم تحمل العنوان مع إنذار إذا أبلغ الشرطة سوف يقتله.. اطفأ شاشة الهاتف واصطحب ندى إلى الداخل قائلًا :
-ارتاحي وهبعتلك أشرقت وآسيا يقعدوا معاكِ
-خد بالك من نفسك وأول ما ريان يبقى معاك طمني عليه
قبلها على جانب رأسها بحنان ثم خرج ينادي أشرقت التي خرجت من غرفتها على صوت نداءه.. ووقفت قائلة :
-نعم يا بابي
-حبيبي خدي آسيا واقعدوا مع مامي
-حاضر
تحدثت بحزن واضح ثم عادت إلى غرفتها واصطحبت آسيا إلى غرفة والدها.. في حين حمل رحيم حقيبة الأموال التي قد جهزها وخرج ثم استقل السيارة وتحدث مع الضابط ليخبره بالمكان.. وبعدها غادر إلى وجهته على وجه السرعة
***
عند وصوله صف السيارة جانبًا.. ثم مسك بيد الحقيبة وترجل رافعًا رأسه إلى المبنى ودلف إلى الداخل لكنه تقابل مع بواب العمارة وتركه يستقل المصعد بعد أن أخبره بأنه جاء من أجل تميم الشاذلي.. وقف المصعد عند الطابق المنشود فخرج متجهًا إلى باب الشقة ودق جرس الباب..
انتظر للحظات وفتح تميم ونظر إلى الخارج ثم سمح له بالدخول قائلًا :
-برافو جيت لوحدك
دخل ينظر حوله ثم التفت إليه ومد يده بالحقيبة قائلًا :
-أتفضل العشرة مليون.. ممكن ريان بقى
أخذ الحقيبة بلهفة وقال وهو يفتحها :
-مش نطمن الأول ونعد المبلغ
-عدهم على أقل من مهلك.. ابني فين بقى
زاغت عيناه عندما رأى الأموال ثم أغلق الحقيبة ثانية وتحدث ببرود :
-مش هنا هو في مكان تاني.. على فكرة مدام جيجي طلبت مني أخطف آسيا وكمان اقتلها بمقابل عشرين مليون جنية..
اندهش من حديثة وأخذ يسأل نفسه في حيرة لماذا تلك المرأة بشعة لتلك الدرجة؟.. في حين تابع الأخير حديثه :
-لكن أنا قولت مهما كان ندى بنت عمي ومقدرش أقتل بنتها.. فأنا بقى خطفت ابن التعبانة التانيه وهحرق قلبها عليه
أخذ بتلابيبه عنوة واندفع بنبرة خشنة :
-لو لمست منه شعرة هولع فيك.. فين أبني
قال آخر كلمتين بنبرة عالية تكاد تهز الحائط من قوتها.. حاول إبعاد يديه عنه لكنه فشل وهو يقول بذات البرود :
-صدقني ابنك مش هيرجع معاك أنا خلاص اخدت قرار قتله
لقد نفذ صبره حقًا فضربه بجبينه على أنفه عنوة عدة مرات ليترك الحقيبة تسقط من يده وهم أن يضع كفيه أعلى أنفه لكن سدد الأخير له عدة ضربات قوية بجوار عيناه.. ثم تركه بدفعه وركله في معدته بعنف ليسقط الأخير على ظهره.. ولم يكتفي بذلك بل اخذ يركله بطريقة عشوائية بغل واضح.. ثم مسح على شعره الذي هبط على عيناه للخلف وهو يلهث بصوت مسموع وأخذ ينظر حوله ينادي ريان بصوت عال..
رفع تميم رأسه قليلًا ينظر إليه بحده وقد مسح الدماء الملطخة وجهه بظهر يده.. ثم ركله في قدمه فنظر إليه بحده بالغة في حين نهض الأخير وتبادل الضرب بينهم بقبضتي يديه.. حتى سدد رحيم آخر ضربه أتيه منه وبقبضة يده القوية ضربه في صدره عدة مرات وتركه يسقط على الأرض ثانية..
ثم اتجه إلى الردهة وفتح باب أول غرفة قابلته يبحث داخلها عن ريان لكنه لم يكن داخلها.. فخرج متجها إلى الغرفة الثانية ودخل ليجد ابنه نائمًا على الفراش.. فركض إليه ووقف يمسح على شعره يناديه بلهفة قلق :
-ريان حبيبي.. ريان
حمله على ذراعيه وأسرع إلى الباب وفتح إياه ليخرج متجهًا إلى المصعد.. وهم أن يفتح الباب لكنه تفاجأ بخروج الضابط ومعه العساكر فقال وهو يلهث :
-تميم جوه وأنا لازم اخد ابني على المستشفى
نظر الضابط إلى ريان ثم ربت على كتفه قائلًا :
-أتفضل أنت وماتقلقش هياخد جزاءه
ثم أمر العساكر بإحضار تميم وترك رحيم يدخل المصعد.. انتظر حتى هبط إلى الطابق السفلي ثم خرج راكضًا إلى الخارج وقام بوضع ابنه داخل السيارة ثم جلس أمام المقود وغادر إلى وجهته..
بعد دقائق ليست قليلة خرج الضابط من المصعد الكهربائي حاملا حقيبة الأموال وتم القبض على تميم
***
في تمام الساعة الحادية عشر مساءً.. عاد إلى المنزل برفقة ابنه الغالي بعد أن اطمئن قلبه عليه من الطبيب.. نظر رحيم إليه يتأمله للحظات ثم وضع كفه على شعره متسائلًا :
-أنت بخير يا حبيبي ؟
-أه بخير الحمد لله..
ثم نظر إليه مبتسمًا وتابع :
-أنا يعتبر ضحيت بنفسي علشان آسيا وندى.. على فكرة أنا راجل واقدر ادافع عن اخواتي ومامي
ضمه إليه عنوة فبادله بذات العناق بل وأكثر واستمع إلى حديث والده :
-ربنا يحميك يا حبيبي ويخليك ليا
-ويخليك ليا يا بابي.. أنت سندي
قبلة على جانب رأسه عدة مرات ثم ترجل من السيارة ينظر إلى شاشة الهاتف واتصل على والدته.. في حين ترجل ريان متجه نحوه ووقف إلى جواره يمسك بكفه الكبير مقارنة بكفة الصغير.. أجابت والدته بعد لحظات وبعد تبادل السلام قال وهو يفتح الباب بعد أن ترك يد ابنه :
-انشغلت النهاردة يا أمي وماكنش فيه وقت اجي
-ولا يهمك يا حبيبي تعالى بكره.. المهم انتوا بخير
مسك بكف ابنه ودلفا إلى الداخل مغلقًا الباب بقدمة قائلًا :
-الحمد لله بخير.. كنتي عايزاني فيه إيه؟!
-اه اصل زهراء أبوها سحب ورقها من الكلية في كندا ونزلها مصر تكمل تعليمها ومش عايزه تقول السبب.. أنا عارفه هي بتحبك قد إيه واكيد هتقولك
أومأ بتفهم وقال بهدوء :
-من الأحسن نسيبها النهاردة وبكرة بإذن الله هتكلم معاها
-بإذن الله يا حبيبي.. سلامي لندى والأولاد تصبح على خير
-وأنتِ من أهل الخير
ثم أنهى معها المكالمة ونظر إلى ريان مبتسمًا فبادله بابتسامة وقال دون مقدمات :
-بابا أنت سندي وضهري
جلس على ركبتيه ليكون في مستوى واضعًا كفه على وجنته قائلٌا بجدية :
-أنت اللي سندي.. ربنا يخليك ليا..
ثم قبله على وجنته بعدها وقف قائلًا :
-يلا أطلع طمن مامي عليك
أومأ بالإيجاب وركض إلى الدرج من ثم صعد درجاته مسرعًا.. تنهد هو بصوت مسموع وتحسس على وجنته بالقرب من شفتيه ليشعر بألم خفيف أثر ضربت تميم له بقبضة يده.. ثم خرج إلى حديقة المنزل..
دخل الغرفة بعد أن دق الباب فشهقت أشرقت بسعادة.. فيما نهضت ندى عن الفراش راكضة إليه وجلست على ركبتيها أمامه تحتضنه عنوة مغمضة العينين قائلة :
-الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله
ثم أخذت تقبله بطريقة عشوائية على وجهه وأخذت تمسح على شعره بلهفة متسائلة :
-أنت بخير
قال مبتسمًا :
-الحمد لله بخير.. ماتخافيش عليا
ابتسمت واحتضنته ثانية قائلة :
-يا حبيبي.. يا حبيبي ربنا يطمني عليك دايمًا
وقفت أشرقت إلى جواره تمسح على كتفه فابتعدت ندى عنه لتحتضنه أشرقت فاحتضنت الإثنان معًا.. بعد لحظات ابتعدت عنهما متسائلة :
-بابي فين
-تحت
-طيب خليكم هنا علشان لو آسيا صحيت
ثم نهضت عن الأرض متجه إلى الباب وخرجت مغلقة إياه خلفها.. بعد ذلك هبطت الدرج تنظر حولها بحثًا عنه ووقفت عند مقدمة الدرج تنادي ثم وقفت عند باب الحديقة تنظر حولها حتى رأته يجلس أسفل أحد الأشجار..
اخذتها قدميها إليه وجلست أمامه فرفع عيناه إليها وهم أن يتحدث لكنها سبقته بسؤالها :
-قاعد لوحدك بتفكر فيه إيه؟
وضع كفيه على وجنتها يمسح عليها بإبهامه وقال بجدية :
-بفكر.. ليه اخدت قرار الجواز من جيجي قبل ما افكر مليون مرة.. ليه اتسرعت ودخلتها حياتي؟!.. حقيقي بندم علشان اتجوزتها..
تأمل عيناها بتمعن شديد متابعًا :
-كان نفسي اقابلك أنتِ من الاول.. أنتِ غيرتي فيا حاجات كتير يا ندى..
مسك بكفها ورفعه إلى حيث شفتيه وطبع قبلة حانية على راحتها ثم وضع كفها على وجنته هامسًا :
-أسف يا روحي على كل كلمة قولتها ضايقتك
لاحت ابتسامة بسيطة على ثغرها وقالت بهدوء :
-ده نصيب وأنت اتجوزتها علشان ربنا يرزقك بأجمل هديتين.. ريان وأشرقت واللي بسببهم اتقابلنا وكانت أجمل صدفة في حياتي.. أنا بحبك ومستحيل ازعل منك
-ربنا يخليكِ ليا يا روحي
-يا رب ويخليك ليا.. ممكن بقى تبطل تفكير في الماضي ونفكر في اللي جاي وبس
ابتسمت عيناه قائلًا :
-طالما اللي جاي علشانك وبيكِ يبقى يستحق التفكير.. بحبك
اقتربت منه أكثر واحتضنته بشدة ليبادلها بذات العناق بل وأكثر.. فتنهدت بصوت مسموع وقالت بنبرة حب :
-بحبك.. بحبك جدًا
***يتبع
رواية حب رحيم الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سمر عمر
أوصلت الطفلين إلى الحافلة ثم دخلت لترى رحيم يهبط الدرج.
فتقدمت إليه بابتسامة واسعة قائلة:
- صباح الحب.
وقف أمامها ووضع كفه على وجنتها برفق قائلًا:
- صباح الندى يا روحي.
قبلته على وجنته ثم تأبطت ذراعه واتجها إلى غرفة الطعام متسائلة:
- آسيا لسه نايمة؟
- أه نايمة.
عند دخوله سحب لها مقعدًا فجلست ليجلس هو على المقعد المجاور لها وبدأ في تناول الإفطار.
بعد لحظات من الصمت نظرت إليه بحذر وقالت بتردد:
- رحيم ممكن طلب بسيط بس.
ابتلع الطعام وادار رأسه إليها يتطلع إليها بنظرة يخبرها بها بأنه يعلم ما يدور في رأسها قائلًا:
- طبعًا.
أدارت رأسها إلى الأمام بعيدًا عن نظراته وقالت في قلق من ردة فعله:
- هو طلب كده يعني.
حركت رأسها في كلا الاتجاهين وتراجعت عن ما كانت ستطلبه قائلة:
- خلاص مش مشكلة.
مسك بكفها ورفعه إلى حيث شفتيه ليطبق شفتيه أسفل راحت يدها بقليل.
ووضع كفها على لحيته بعد ذلك وقال بهدوء:
- ندى قولي كل اللي أنتِ عايزاه بدون قلق مني. وكمان عايزك تحكي لي على أي حاجة بتحصل معاكِ.
- أنا بخاف.
تأملها في تعجب.
- بتخافي من إيه؟
تأملت سوداويته في تردد حتى حركت شفتيها فقط دون أن تتكلم لكنها أجابت بعد لحظات:
- من عصبيتك. بخاف منك وأنت عصبي.
- اللعنة على عصبيتي.
ابتسمت بهدوء قائلة:
- لأ أنا بعشق عصبيتك لكن لما بيكون هدفها خوف وقلق عليا.
اقترب منها برأسه أكثر وطبع قبلة ناعمة على أنفها مستندًا بجبينه على جبينها وقال بهدوء:
- حبيبي من النهاردة ماتخفيش من عصبيتي وقولي كل اللي في نفسك. وأنا بمجرد ما بشوف عيونك العصبية بطير في الهوى.
ابتعدت عنه قليلًا تومئ بالإيجاب ثم تحدثت بمرح:
- تمام يبقى لازم أبهرك بنظراتي الأول.
ضحك ضحكة خفيفة ثم قبلها على ثغرها بعدها تساءل باهتمام:
- كنتِ عايزة إيه؟
- تخرج جيجي علشان بجد حرام كده.
نظر إلى الأمام في تذمر شديد وتمالك أعصابه وبعد تفكير طال للحظات نظر إليها بهدوء قائلًا:
- حاضر. مع إنها تستحق أكتر من كده.
ثم نهض عن المقعد متجها إلى الخارج من ثم وقف أمام باب الغرفة يفتحه بالمفتاح ودخل مغلقًا إياه خلفه.
رآها نائمة على الأريكة فتقدم نحوها وأخذه يربت على كتفها بعنف حتى استيقظت بفزع ناظرة إليه.
ثم تركت الأريكة ووقفت في مواجهته فقال وهو يتطلع إليها باشمئزاز:
- برغم اللي عملتيه ندى طلبت مني أخرجك. عرفت إنك خطتي لخطف آسيا وكمان حاولتِ تسرقي تصميمها ومع ذلك مسامحة. عرفتي الفرق بينك وبينها.
ثم أردف بنبرة متوعدة:
- اشكريها لأني كنت ناوي أسجنك لحد ما تسألي نفسك هي الشمس كان شكلها إيه.
- على فكرة كل ده كان من تخطيط أختك رنا. أنا ماكنتش ناوية أسيب شغلي وأرجع علشان الأولاد. هو أه أنا غيرانة من ندى ولحد دلوقتي علشان كده وافقت أعمل اللي رنا بتقولي عليه.
وضع يديه في جيبي سرواله قائلًا من بين أسنانه بحده:
- عارفة لو شوفتك تاني صدفة هكسر رقبتك. امشي من هنا.
- عايزة أشوف الولاد.
- الولاد مش طايقينك بعد ما عرفوا اللي أنتِ عملتيه.
حدقت به في دهشة وقالت بنبرة بكاء:
- بتقولهم ليه يا رحيم.
- أشرفت سمعتنا امبارح. يلا امشي من هنا.
زفرت في سأم ثم التقطت حقيبة يدها وخرجت من الغرفة بل من المنزل بالكامل.
جلس هو على الأريكة ناظرًا إلى الأمام في شرود يأنب نفسه على موافقته على الزواج من تلك العقربة.
وقفت ندى عند الباب تنظر إليه بحزن ثم تقدمت نحوه وجلست إلى جواره متشبثة في ذراعه قائلة بهدوء:
- الجاي خير بإذن الله.
نظر إليها ووضع بعض الخصل خلف أذنها قائلًا:
- أنتِ الخير.
- عارف أنا نفسي تاخد إجازة من الشغل ونروح أسوان.
- بس كده من عيوني يا روحي.
***
- يا بنتي انطقي بقى وقولي إيه اللي حصل.
قالت رنا كلماتها بسأم واضح فبدأت زهراء بالبكاء ثانية لتزفر والدتها بنفاذ صبر وهمت أن تتحدث لكن سبقتها ابنتها:
- اسألي بابي.
- كلمته ورفض يقولي وقالي اسألي بنتك. انتوا بتشقطوني لبعض.
- أنا مش عايزة أتكلم ارجوكِ سيبيني بقى.
دق الباب فآذنت رنا بالدخول ليفتح علاء الباب.
فنهضت عن الفراش وقالت بنفاذ صبر:
- اقعد معاها وحاول تعرف منها سبب رجوعها لآني خلاص جبت آخري.
ثم تركتهم وخرجت فدخل الأخير مغلقًا الباب خلفه واتجه إلى الفراش ليجلس على حافته.
ثم مسح دموعها بأنامله وتساءل بهدوء:
- إيه اللي حصل معاكِ؟
رفعت عينيها الباكية إليه لتترك العنان لدموعها تهبط على وجنتيها من جديد وقالت بصوت منخفض:
- مكسوفة أقول.
اقترب منها أكثر واحتضن وجنتيها براحتي يديه ليمسح دموعها بإبهاميه قائلاً بهدوء:
- لأ يا حبيبتي أنا صديقك وخالك. احكيلي يا زهرة.
تأملت عيناه لتشعر بالهدوء والسكينة وتحدثت معه بكل صراحة ووضوح:
- الحقيقة إني ارتبطت بدكتور بتاعي. ولما بابا عرف رفض العلاقة دي ولما أصريت على ارتباطي بيه سحب ورقي علشان يبعدني عنه.
- ليه هو كبير في السن؟
أجابت بلهفة:
- أبداً يا خالو هو أكبر مني بعشر سنين بس. وكمان مصري لكن مهاجر كندا.
- مش يمكن يا حبيبتي بابا خايف عليكي ليكون بيتسلى بيكي.
أومأت بالنفي عدة مرات وقالت بنبرة بكاء:
- أبداً ده قابل بابا وطلبني للجواز.
علاء في حيرة:
- طيب إيه سبب الرفض؟
أطرقت عيناها واضعة شعرها خلف آذنها وهي تقول بنبرة خجل:
- أصل هو. يعني هو.
دقات الباب قطعت حبل كلماتها ونظروا إليه وسمح علاء بالدخول.
ففتح رحيم الباب ودخل مغلقًا إياه خلفه فقالت مبتسمة:
- خالو رحيم وحشتني.
تقدم نحوها وجلس إلى جوارها يضمها إليه قائلًا:
- أنتِ وحشتيني أكتر.
ثم قبلها على رأسها ونظر إلى شقيقه متسائلًا:
- عامل إيه يا علاء؟
- أنا تمام الحمد لله ومتابع الشغل كويس أوي مع الحاج مختار.
- أه هو بيكلمني. ربنا يوفقك يا حبيبي.
ابتسم إليه ثم نظر إلى ابنة شقيقته في حين تساءل رحيم بهدوء:
- مالك يا زهرة هانم؟
قصت عليه ما حدث من جديد ليسألها علاء عن ذات السبب ثانية فأغمضت عينيها بهدوء واجابت بنبرة خجل:
- علشان هو. هو مـ متجوز.
نظر كلا من علاء ورحيم إلى بعضهما البعض في دهشة حيث هي تابعت مسرعة:
- بس هو وعدني هيطلق مراته علشاني.
- يعني هو ماكنش هيطلقها؟
تساءل علاء في شك لتجيب:
- لأ هو لما حبني قرر يطلقها علشاني ده كمان متنازل عن ولاده وهيسيبهم معاها.
زم علاء شفتيه بأسف ثم نهض عن الفراش قائلًا:
- لما أرجع نكلم كلامنا علشان لازم أروح الشغل دلوقت.
ثم رماها بنظرة عتاب ممزوجة بالأسف وغادر.
طال الصمت بينهما حتى كسرت زهرة حاجز الصمت بحديثها:
- ساكت ليه يا خالو؟
مسح على شعرها وابتسم بهدوء رغم ما يشعر به من حزن وقال بهدوء:
- زهرة أنتِ يرضيكي إنه يسيب مراته وعياله؟
- قصد حضرتك إيه؟
- قصدي إنك بنوتة جميلة وبإذن الله تقابلي الأحسن منه وتكوني أنتِ أول واحدة في حياته. بلاش تخربي بيته.
فلتت شهقة من بين شفتيها وقالت بضيق:
- هو لو كان بيحب مراته ماكنش حبني. صح؟
مسح على شعرها برفق ونظر إلى الأمام في حزن قائلًا:
- هاتي رقم تليفونه.
زهرة بتوجس:
- ليه يا خالو؟
- هتكلم معاه ماتقلقيش.
أدارت رأسها إلى الاتجاه المعاكس وأخذت الهاتف من أسفل الوسادة بينما هو أخرج هاتفه من جيب سرواله ودون الرقم عنده.
في حين دخلت رنا حاملة صينية الإفطار ورمت رحيم بنظرة سريعة قائلة بضجر:
- إزيك يا رحيم؟
علم من نبرة صوتها بأنها تسأل دون نقاء ففضل الصمت.
ثم قبل زهراء على جانب رأسها وقال:
- هنتكلم تاني يا حبيبتي.
أومأت برأسها فقالت رنا بتهنيدة:
- زهرة حبيبتي يلا علشان تفطري.
تركت الفراش متجهة إلى المرحاض ودخلت مغلقة الباب خلفها.
فنهض الأخير عن الفراش وهم أن يغادر لكن تساءلت شقيقته باهتمام:
- زهرة قالت لك على سبب رجوعها؟
وقف في مواجهتها يتطلع إليها بجمود قائلًا:
- هي هتقولك. علشان تبطلي تظلمي.
- قصدك إيه؟
ربت على ذراعها بخفة وقال مبتسمًا:
- هتعرفي لما بنتك تقولك.
غادر الغرفة بمجرد أن أنهى حديثه تاركًا إياها في حيرة من كلماته.
ثم جلست على حافة الفراش ووضعت الصينية جانبًا في انتظار خروج ابنتها.
التي خرجت بعد لحظات فوقفت على الفور ومنعتها من الجلوس على الفراش بإمساك مرفقها وتساءلت في توجس:
- إيه اللي حصل؟ احكي لي يا زهرة.
بدأت تفرك في أصابع يديها في توتر شديد ثم رفعت عينيها إليها وقصت عليها كل شيء.
حملقت بها في ذهول وانتظرت حتى انتهت من حديثها ثم اندفعت بنبرة عتاب:
- ترتبط بواحد متجوز يا زهرة؟ ليه تسمحي لنفسك تحبي واحد متجوز؟
لمعت عينيها بالدموع قائلة محاولة إقناعها:
- ما هو يا ماما هيطلق مراته علشاني.
صرخت في وجهها بغضب شديد:
- هي دي حاجة تفرح؟ أنتِ خربتي بيته وبسببك هيرمي مراته وولاده.
- هو لو كان بيحب مراته ماكنش حبني.
صفعتها على وجهها عنوة وهي تثور:
- اخرسي أنتِ كمان بتحللي المصيبة اللي عملتيها.
خبأت وجهها في كفيها تبكي بهستيريا بينما جاءت نجلاء على صراخ ابنتها تتساءل بلهفة قلق:
- فيه إيه يا رنا؟
- تعالي يا ماما شوفي المصيبة اللي بنتي عملتها.
- يا ساتر مصيبة إيه؟
مسحت دموعها واندفعت بحدة:
- دي مش مصيبة وأنا ما عملتش حاجة غلط.
صفعتها ثانية وهي تندفع بغيظ شديد:
- اخرسي يا قليلة الأدب.
وقفت نجلاء بينهم فتشبثت زهراء بها وتعالت شهقات بكائها.
قالت نجلاء في توجس واضح:
- بتضربيها ليه يا رنا فهميني يا بنتي.
- الهانم مرتبطة بواحد متجوز وعنده أولاد وخربت بيته. أبوكي كان عنده حق لما بعتك هنا.
ثم تركتهم وخرجت من الغرفة.
التفتت نجلاء إليها واحتضنت زهراء تربت على كتفها برفق قائلة:
- اهدي يا حبيبتي.
- أنا عايزة أمشي من هنا. هروح أقعد عند خالو رحيم.
- حاضر يا حبيبتي لما علاء يجي هخليه يوصلك.
***
" القصر.. "
خرجت إلى حديقة المنزل وهي تتحدث مع صديقتها المقربة عبر الهاتف:
- جميلة بطلي بواخة عارفة إن بكرة عندك إجازة.
ابتسمت الأخيرة وقالت وهي تمضي داخل أروقة المشفى:
- ندى يوم إجازتي ده بريح فيه أعصابي من اللي بشوفه وأنتِ عايزاني أجي أقعد بالأطفال؟
جلست على الأريكة تتابع طفلتها بعينيها وهي تلعب قائلة:
- يا حبيبتي أطفال إيه بس. ريان هادي خالص ومش هيتعبك وآسيا هادية جدًا.
- بتضحكي على نفسك صح؟ طيب ريان ومصدقة لكن آسيا دي بألف طفل.
ضحكت على مزحة صديقتها ثم تحدثت:
- جميلة هي نص ساعة بس وهاجي علشان نقعد مع بعض ونتكلم وحشاني.
تنهدت وحركت رأسها في كلا الاتجاهين قائلة مضطرة:
- أمري لله. حاضر هاجيلك بكرة.
أرسلت لها قبلة وبعد دقائق أنهت معها المكالمة وانتظرت حتى دقت الساعة الثانية مساءً.
ثم نهضت عن الأريكة تنادي آسيا وطلبت منها أن تأتي لاستقبال إخوتها.
فتركت العرائس وركضت إليها ثم مسكت بكفها واتجها إلى الداخل من ثم إلى الباب الرئيسي وقامت ندى بفتحه.
بعد دقائق قليلة دخل كلًا من ريان وأشرقت من بوابة المنزل.
ركض ريان إليها للمرة الأولى ووقف ينظر إليها بابتسامة واسعة قائلًا:
- رفعت راسك وأخدت المركز الأول في الاختبار.
- يا حبيبي ألف مبروك.
ثم قبلته على وجنتيه ثم مسحت على أنف أشرقت بمرح قائلة:
- الدور عليكي يا أستاذة.
- بإذن الله الاختبار الجاي.
اتسعت ابتسامتها وانتبهت إلى ريان الذي يحمل أخته ودخل بها وهو يمزح معها للمرة الأولى له.
كان دائمًا ينظر إليها عن بعد فقط ولأول مرة يقترب منها حتى لاحظت أشرقت ذلك التغير المفاجئ هامسة:
- إيه ده ريان بيلعب مع آسيا.
لتنظر ندى إليها مبتسمة ثم قبلتها على رأسها.
بعدها دلفا إلى الداخل وصعدت أشرقت إلى الطابق العلوي في حين توقف ريان عن المزح مع أخته الصغيرة ووقف أمام ندى قائلًا:
- استلام الجوائز بكرة. ممكن تقولي لبابي يحضر معايا.
- أنت مش عايزني أحضر معاك ولا إيه؟
تساءلت بحزن مصطنع فنفى حديثها بلهفة:
- لأ مش قصدي طبعًا.
ثم أردف:
- أصل أنتِ ممكن ترفضي علشان الرباط اللي حوالين راسك.
انحنت بجذعها وقالت بمرح:
- يا روحي مستحيل أضيع مناسبة زي دي. وبالنسبة للشاش ده عادي ولا يفرق معايا.
ابتسمت ووجد نفسه يجعل من ذراعيه طوق حول عنقها فبادلته بالعناق ثم قبلته على جانب رأسه بحنان وقالت:
- يلا اطلع غير هدومك وتعالى علشان نتغدى.
تركها وركض إلى الدرج ثم صعد إلى الطابق العلوي.
فيما هي أخرجت الهاتف من جيب سروالها واتصلت على رحيم كي تخبره بذلك الخبر السعيد لكنها تفاجأت بأن الرقم مشغول في مكالمة أخرى.
فرفعت حاجبيها قليلاً ثم أخذت طفلتها ودلفت إلى المطبخ وبدأت في تحضير الطعام.
أما رحيم فكان يتحدث مع صديقه عمرو وطلب منه أن يؤجل مواعيد العمل اليوم.
ثم أنهى المكالمة وصف السيارة أمام القسم ثم ترجل متوجهًا إلى الداخل.
بمجرد أن دخل سأل عن الضابط المسؤول عن قضية خطف ابنه ليرشده العسكري.
فاتجه إلى غرفة المكتب ووقف يستأذن من العسكري الواقف أمامها أن يدخل.
دخل هو أولاً يخبر الضابط ثم خرج وأذن له بالدخول.
نهض الضابط يرحب به وصافحه ثم عزم عليه بالجلوس.
فجلس على المقعد المجاور للمكتب وجلس الضابط مكانه متسائلًا:
- قهوتك إيه؟
- مفيش داعي أنا جاي بس أعرف إيه الجديد في التحقيق.
- كل شيء تمام وثبتنا كل اللي حصل في المحضر وخلاص اتعرض على النيابة.
ثم أردف في حيرة:
- لكن هو بيقول إن والدة الطفل شريكته وتم استدعائها وروحنا بيتها ماكنتش موجودة.
نظر إلى الأمام في ضجر وغضب بشدة عن ما فعلته أم أولاده دون أن تفكر في أولادها وشكلهم أمام المجتمع عندما يتم القبض عليها.
ومن أجل أطفاله نفى حديث تميم تمامًا وأضاف بجدية:
- مستحيل أم تتفق مع مجرم إنه يخطف ابنها ويقتله.
- لكن هو قال إنها اتفقت على بنتك الصغيرة اللي هي مش بنتها لكن هو غير الخطة.
- يمكن بيقول كده علشان يثبت التهمة عليها. أنا زي ما شرحت لحضرتك قبل كده. كل الحكاية أن تميم عايز فلوس وبس وسبق واتهم مراتي بتهمة بشعة ولما ماوصلش للي هو عايزه خطف ابني.
أومأ بتفهم قائلًا:
- تمام. بإذن الله لما يتحكم عليه والملف يتقفل العشرة مليون هيكونوا عندك.
أومأ بتفهم ثم نهض وصافحه قبل أن يستأذن ثم غادر المكتب بل وخرج من القسم وهو يلعن أم أولاده التي لم تفكر في أولادها بل تفكر كيف تنتقم من ندى فقط حتى لو على حساب نفسها وأولادها.
استقل سيارته وغادر إلى وجهته وفي غضون ساعة إلا ربع تقريبًا وصل إلى الشركة.
صف السيارة جانباً من ثم ترجل متجهاً إلى الداخل واستقل المصعد إلى الطابق المنشود.
وعندما وقف المصعد خرج متجهًا إلى غرفة المكتب في ذات اللحظة صدح صوت الهاتف داخل جيب معطفه فأخرجه ليعلم بهوية المتصل وأجاب عليها:
- ألو يا حبيبي.
ابتسمت قائلة:
- عندي ليك خبر حلو.
- أخبارك كلها حلوة يا روحي.
- حبيبي ربنا يخليك ليا. ريان أخد المركز الأول في الاختبار.
دخل الغرفة مغلقاً الباب خلفه وقال مبتسمًا:
- بجد شيء مدهش.
- أنا فرحت جدًا. وبكرة تسليم الجوائز وضروري أحضر معاه وأنت لو تحاول تيجي.
جلس على المقعد الخاص به وتساءل بعد لحظات من التفكير:
- وجودي هيفرق؟
- طبعًا يا حبيبي هو ده سؤال. أنت أهم وأثمن شيء في حياتنا كلنا ومفيش فرحة تكمل إلا بوجودك.
أومأ برأسه وتحدث بهدوء:
- مش عارف ظروفي لكن بإذن الله هحاول.
وبعد حديث طال بينهم أنهى معها المكالمة ثم عصر جبينه بأنامله واتصل على ذلك الشاب الذي أوقع زهراء في غرامة.
انتظر للحظات حتى أجاب عليه الطرف الثاني:
- السلام عليكم.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا دكتور.
تساءل في تعجب:
- أنت تعرفني؟
رحيم بضجر:
- طبعاً. وضروري أعرفك بنفسي. أنا رحيم عبد الرحمن النادي خال زهرة.
أومأ بتفهم وتساءل بعدم اهتمام:
- خير.
- مش خير يا دكتور يا محترم. إزاي تسمح لنفسك ترتبط بطالبة عندك وأنت متجوز وعندك أولاد.
- أنا وزهرة بنحب بعض وده مش عيب ولا حرام.
ضرب على المكتب بقبضة يده بخفية وتمالك أعصابه ليرد عليه بهدوء مصطنع:
- بقولك إيه اسمع كلامي وافهمه كويس. انسى زهرة خالص وركز مع مراتك وأولادك أفضل. زهرة لسه في بداية حياتها ومتأكد أن حبها ليك فترة وهتروح لحالها.
تساءل بتحدي:
- ولو الفترة دي مارحتش لحالها هتعمل إيه؟
استطاع أن يستفزه حقاً واندفع بحزم:
- وقتها هتندم على اليوم اللي فكرت تحبها فيه.
ثم أنهى المكالمة دون أن ينتظر حديثه واتصل على رقم زهرة وعندما أجابت عليه أخذ منها اسم ذلك الدكتور بالكامل ودونه داخل ورقة.
ثم أنهى المكالمة ورفع سماعة هاتف المكتب وطلب من مديرة مكتبه أن تطلب من عمرو المجيء إليه عاجلاً.
ثم وضع السماعة وبالفعل جاء عمرو على الفور متسائلاً:
- خير فيه إيه؟
مد يده بالورقة قائلًا:
- ابحث عن الاسم ده واعرف لي عنوانه بالتحديد.
أخذ الورقة يفحصها وهو يقول مازحاً:
- هتناسبه ولا إيه؟
- أنت بتقول فيها.
عمرو في صدمة:
- إيه ده هتناسبه بجد.
ضحك ضحكة خفيفة قائلًا:
- بطل غلبة يا عمرو وروح يلا كمل شغلك.
ابتسم ووضع الورقة داخل جيب معطفه ثم خرج كي يتابع عمله.
وعاد إلى قسم المشغل الذي يقع في الطابق السفلي ووقف يشرف على العمل بنفسه.
أما على الجانب الآخر كانت تقف أميرة تضبط التصاميم التي تم تنفيذها بمساعدة ناهد حتى لفت نظرها فستان معين.
رفعته عن الشماعة تتطلع إليه بتعمق شديد وبغرابة حتى انتبهت ناهد إليها متسائلة:
- بتشبهي عليه ولا إيه؟
انتبهت إلى سؤالها وقالت في حيرة:
- أه طبعاً ده تصميم لمصمم معروف اتنفذ من أربع شهور.
- إيه ده بتهزري.
ثم نظرت إلى الفستان فتركته أميرة في يدها وفتحت هاتفها وأخذت تبحث عن التصاميم الجديدة لذلك المصمم لتجد التصميم.
ثم أدارت الهاتف إليها قائلة:
- أهو.
أخذت تقارن بين التصميمين حتى تأكدت واندهش الاثنتان.
فأسرعت أميرة بقراءة الورقة التي بها أرقام التصاميم والمصممين لتعلم إنه تصميم ندى الشاذلي لتخرج شهقة من بين شفتيها كما أنها شعرت بالصدمة غير مصدقة أن ندى تسرق تصميم.