تحميل رواية «حب بالاكراه» PDF
بقلم ميفو السلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بدأت قصتنا مع عائلة سعيدة، أب وأم وطفلة جميلة. كان الأب اسمه ماجد، والأم سهيلة، والابنة سمر. كانوا يعشقون بعضهم البعض. كان ماجد يعشق سهيلة ويحب ابنته الصغيرة. كانت سهيلة تحمل طفلة أخرى، وكانوا ينتظرون هذه اللحظة السعيدة بفارغ الصبر. كانوا يعيشون في فيلا رائعة ويتمتعون بكل أنواع الرفاهية. مرت الأيام والشهور، وأصبحت شهور الحمل ثقيلة على سهيلة. كان ماجد ملتصقاً بها بحب شديد، فكانت كل حياته. جاء يوم ولادة الطفلة التي كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر. كان ماجد يبث حبه وعشقه إلى سهيلة، لأنها كانت تتألم بشد...
رواية حب بالاكراه الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ميفو السلطان
كنا قد وصلنا إلى شعور حنين بالقلق، ودفعها قلبها لتدخل لتراه جالسًا متهالكًا على الكنبة، ويسند رأسه للخلف، والشحوب يظهر عليه وعلامات التجهم والألم تصرخ من وجهه.
لتتقدم وتضع يدها عليه وتهتف:
… أنت كويس؟
ليشدد على غلق عينيه وهو يحس بيدها عليه، ليفتح عينيه بقهر وينظر إلى يدها الموضوعة عليه، ليحس بأن قلبه وقع من مكانه، وليفزع ويقفز من رعبه وعيناه فتحت عن آخرها وقلبه سيقف من مكانه، ليمسك يدها ويصرخ بها ويهتف:
… إيه ده… إيه اللي في إيدك ده؟
رجف قلبها بخوف منه وحاولت شد يديها.
فضغط عليها وصرخ بها ورفعها أمام عينيها وصرخ مهتاجًا:
… إيه ده؟
فكان هناك في إصبعها دبله من الألماظ تنير إصبعها.
أحست بالألم وقالت:
… من فضلك إيدي…
فزق يدها ومسكها من دراعها وقال:
… إيه ده يا حنين انطقي… أوعى يكون اللي في بالي؟
هنا أحست بأنها حنت أكثر من اللازم فتجلدت.
… فيه إيه يا مستر يامن؟ حضرتك بتصرخ كده ليه وبتسأل بالطريقة العنيفة دي ليه؟ ماتسأل بهدوء وأنا هجاوبك عادي…
فصرخ بها:
… حنين أنا عفاريت الكون بتتنطط قدامي، يا تقولي إيه ده يا تستحملي جناني اللي حايشه يطلع بالعافية تقديراً للي بنمر بيه…
تنهدت بهدوء تحسد عليه.
وقالت:
… أولاً ما أعتقدش إننا بنمر بحاجة عادي، يعني واحد زبالة وراح لحاله والحمد لله ربنا رجعلي حقي، فمش موضوع كبير أوي يعني. ثانياً دي دبلتي أنا وعمر لبسناها امبارح وماحبناش نعمل هيصة، كانت حاجة عالضيق للمقربين بس، وسمر أختي كانت موجودة، هيا ما قالتلكش…
أحس يامن بأن قلبه سيخرج من مكانه.
… عمر عمر دا مين ده إن شاء الله؟ ودبلة إيه اللي تحطيها في صباعك دا؟ استحالة يحصل وعلي جثتي…
… حنين حبيبتي… إحنا لازم نتكلم. حنين أنا عارف إني غلطت يوم ما صدقت الوساخة دي، بس إنت شفتي الفيديو وحسام كان صاحبي وأخويا، وبخ سمه جوايا. حنين أنا عارف إني دبحتك، بس والله اندبحت معاكي…
كانت هيا تنظر إليه بقهر وتربع يديها حول جسدها للأمان.
فقالت بهدوء:
… مستر يامن حضرتك مكبر الموضوع ودبح ليه وبتاع إيه؟ هو حضرتك كنت وعدتني بحاجة، والا طلبت مني حاجة رسمي؟ مفيش حاجة تستاهل، وربنا أكرمك وأكرمني، وكل واحد يعيش حياته مع شريك حياته…
نظر إليها كان يريد أن يقتلها من حرقة أعصابه.
فصرخ بها:
… شريك إيه يا حبيبتي اللي أكرمك بيه؟ مفيش شريك ليكي غيري… ووعد… آه وعدت وأخلفت وكنت عيل وزبالة. وعدت يا حنين… وعدت بيني وبين نفسي إنك تبقي ليا وهتبقي ليا…
واردف قائلاً:
… حنين إنت معششة جوايا من يوم ما شفتك وعيني وقعت عليكي، وإنت انغرزتي جوايا ومع الوقت عشقتك. وأنا استحالة أسيبك أبداً، حتى لو عليا موتي. حنين أنا آسف آسف يا عمري إني وجعتك، عارف إن مفيش كلام يديكي حقك…
ونزلت دمعة من عينه وقال:
… حنين أنا متبح. اندبحت يوم ما شفت الفيديو… واندبحت يوم ما سبتك… واندبحت يوم ما عرفت الحقيقة. وإن حسام صاحب عمري يعمل فيا كده… واتقتلت دلوقتي لما لقيت دبله حد تاني في إيدك. حنين إنت مش ممكن تحبي حد تاني غيري، ودا متأكد منه. حنين إنت قلبي وروحي اللي بتمناه من الدنيا. ولو عايزاني أركع هركع عشان تسامحيني، يامن هيحط كرامته ويتذل ليكي، لأن عارف إن كرامتك مجروحة. مفيش يوم نمت فيه وما حلمتش بيكي، مفيش دقيقة عدت عليا إلا وإنت جوايا. يمين بالله مانسيتك دقيقة. آه كنت زبالة وربنا اداني من أعمالي وأذيتك ودبحتك وخنت ثقتك. بس يا قلبي اديني حتى أي عذر، إنت قلبك مليان خير وحب، اديني أمل إنك تسامحيني. أنا بتقطع من جوايا ومش قادر أعيش، الصدمة ورا الصدمة خلتني أبرك ورأسي تنقطم. حنين بصيلي وقوليلي إنك ليا وهتفضلي ليا، لأن لو ده ماحصلش أنا ممكن أتجنن ومش هسيبك.
اقترب منها وأخذها في أحضانه.
… مش هسيبك، إنت بتاعتي أنا. إنت ملكي، وحنين بتاعة يامن روحه وقلبه ودنيته.
ظلت مستكينة بين ذراعيه والحب ينهش قلبها، وأن له بعض الحق، ولكن وجعها كان زائدا، فما ذنبها في ذلك؟ هيا لم تفعل لهم شيئًا، هم من أذوها، هم من دبحوها. كانت مستكينة تبكي من كلماته وتتمنى أن تمكث عمرها بين ذراعيه، ولكن كرامتها أبت كل ذلك.
فأبعدته.
وهتفت:
… خلصت كل كلامك؟
فنظر إليها والوجع يظهر على محياه.
فهتفت:
… بص يا يامن، اللي إنت عملته دا مشكلتك، وإني أرجع وأسامح عمرها ما هتحصل، لأني ببساطة قلبي مات، وثقتي فيك ماتت. أنا بقيت حد تاني، مارجعتش البنت المتغلفة بالخيش تاني. أنا مارجعتش حاجة أصلاً. جوايا مفيش. عايشة زي مش عايشة، إنت سحبت كل الحلو اللي جوايا، لا عدت أنفعك ولا أنفع لغيرك.
فصرخ بها:
… أمال دبله عمر بتعمل في إيدك إيه؟
فهتفت بهدوء:
… عمر زيي بالظبط، شخص عملي من غير مشاعر، جوازنا هيقوم عالمنفعة المتبادلة، تكوين أسرة، إنما حب وكلام فارغ من ده مفيش. وأنا مرتاحة للعلاقة دي ووافقت، وقلتله إني مابحبوش. هو وافق وسعيد، وقال علاقتنا هتقوم عالاحترام المتبادل، وده هيولد ألفة بينا. شخصين عمليين، ودا بفضلك برضه، مانت موتت كل اللي جوايا ليك ولغيرك. إنت عملت زي ماجد، بس أنا في كلتا الحالتين ماعملتش حاجة ليكو عشان تؤذوني بالشكل ده. إنت عيشتني حلم وهمي جميل ودنيا خيالية، حاجة كده زي الروايات، وهيا كذب في كذب. إنت متوقع مني إيه يا يامن؟ أسامحك… أسامحك لما ده بيدق… وأشارت على قلبها. بس للأسف إنت غرست ودست وطحت فيا كأني جثة، تقطع فيها مابدالك. ماسألتش نفسك أسامحك إزاي بعد ما دبحتني، بعد ما جبتلي فستان ولبستني وعيشتني الحلم؟ بعد ما شفت دبلتي بتتحط في إيد حد تاني، إنت متخيل الوجع كان إزاي؟ طب متخيل قضيت ليلتي إزاي بعد ما شفتك وإنت بتركع قدام واحدة تانية؟ إنت كان إيه الجبروت بتاعك ده؟ تقتلني وتنزع روحي وتيجي تقلي سامحيني؟ لا وتحاسبني إني أعمل زيك وأختار اللي هعيش معاه.
اقتربت منه بشدة ورفعت إصبعها.
… بص يا يامن… وأشارت لدبلتها. دي كان عمرها ما هتدخل صباعي، بس بفضلك دخلت وهتفضل، وهكمل للآخر المشوار. ممكن تسميه أي حاجة، ممكن تشوفه عِند أو انتقام، بس حقيقي أنا شيفاه to move on. لازم يا يامن كل واحد يشوف حياته بطريقته، وبكده خلص الكلام. ويا ريت لحد ما السنة تخلص نكملها باحترام، إنت رئيسي وأخو زوج أختي، فيا ريت يبقى وسيلة متحضرة لنكمل الباقي من السنة.
واستدارت واتجهت ناحية الباب لتفتحه لتتفاجأ بيامن يغلق الباب ويشدها ويحصرها به ويقول:
… تصدقي يا قلبي… كل كلامك ده دخل من الودن دي وخرج من التانية. والدبلة دي يا تشيليها بالذوق يا هشيلها بالعافية. الدبلة دي بروحي وروحك، وإنت بنفسك مابتحبهوش، يبقي تتقلع وتترمي. وإذا كنتي فاكرة إني هسيبك تبقي بتحلمي. إنت بتاعتي. واه غلطت واستحق أي حاجة تعمليها غير إني اسمح إنك تضيعي مني. كل الكلام الأبل اللي إنت قولتي ما يمشيش معايا. أنا غلطت وغلطت جامد، بس كان غصب عني، وإنت من جواك حاسة إن عندي بعض العذر. أنا عارف إنك موجوعة وعارف إن اللي عملته فظيع، بس مش هنفضل نحاسب بعض ونموت في بعض على حاجة كانت غصب عننا. إنت ما ينفعش تكوني لحد تاني، وأنا استحالة أكون إلا ليكي.
كانت تشعر بالوهن الشديد وضعف، وكان قلبها يؤلمها بشدة، كانت ما بين مصدقة على كلامه وما بين وجعها وخسرانها لنفسها ولكرامتها، وأنها أقسمت أنها لن تدخل أحدًا لقلبها، وأنها من الأساس لا تنوي أن تتم زواجها بعمر، كانت تفعل ذلك لكي تحرق قلبه وتبعده.
وقالت له:
… يا ريت تصدق إن خلاص ما عادش فيه حنين. أنا بقيت واحدة تانية بفضلك وبسببك، فيا ريت ما ترجعش تدور على حاجة مش موجودة أصلاً. أنا وعمر هنكمل مع بعض لأننا شكل بعض، حياة عملية ما فيهاش أي مشاعر. مش عارفة كان هيبقى في أصلاً ثقة بعد ده كله ده والا لا. كفاية لحد كده، كفاية قوي اللي إنت عملته، ويا ريت تنسى حاجة اسمها حنين.
واستدارت.
فاحتضنها بسرعة من الخلف ووضع رأسه في شعرها وقلبه سيخرج من مكانه وقال:
… اليوم اللي هاسيبك فيه يبقى آخر يوم في عمري. ومن هنا لحد ما ترجعي لي تعرفي إني هاعمل أي حاجة تتخيليها أو ماتتخيليهاش. هارجعك لي بأي طريقة يا حنين، لأني عارف في الآخر إنك هتبقي ليا. واعرفي إن عمرك ما هتبقي للي اسمه عمر ده، ولا هتسمي له ست. إنت بتاعتي أنا، إنت ملك يامن الصايغ.
في أبْعدته بسرعة وخرجت وهي في حال غير الحال وتنهج بشدة على ما يفعله بها وما ينوي أن يفعله.
تعلم جيدًا أنه لن يتركها، وأنها ليست حمل مطاردة حبه لها، فهي من الأساس لم تفقد ذلك الحب، وأنه يتغلغل بداخلها، ولكنها فقدت الثقة به، وفقدت الأمل أن تكون معه مرة أخرى.
أما هو فسند على الباب وأغمض عينيه وتنهد بشدة، ليفتح عينيه بتصميم ويتوعد لها أنه سيعيدها إليه بأي طريقة كانت، حتى لو خطفها وحبسها لتكون له، وأنها لن تكون أبدًا لذلك الحقير، لن تكون قريبة منه أو تمثل له شيئًا.
انتهى العمل وتركت حنين الشركة وذهبت إلى بيتها.
وهنا قام يامن بتأجير أحد الأشخاص ليرصد حركاتها ويخبره أين تذهب ومع من تكون.
في ذلك اليوم كان من المفترض أن تقابل عمر في أحد الأماكن، فهو كان لحوحًا بشدة في مقابلتها، فهي امرأة فاتنة تشع بهجة وتسر النظر. أي شخص يجلس معها يعجب بها.
في المساء ارتدت ملابسها وكانت فاتنة وذهبت لمقابلته، لتشعر بثقل في قلبها، فهي لا تحبه ولا تريده، ولكنها تفعل ذلك ترأفًا بكرامتها، وأنها يجب أن تجعل يامن يشعر بالحسرة ألف مرة على ما فعلوا بها، وأنها أبدًا لن تدخله حياتها.
علم يامن أنها ستقابل عمر، فأحس بالنار في داخله، ثم قام على الفور وذهب إلى حيث يتقابلان، ليدخل ليجدهم يجلسون معًا وعمر يشعر بالسعادة الطاغية، أما هي فكانت تجلس بلامبالاة.
وظلت جالسة إلى أن أتى يامن وجلس خلف عمر مقابلًا لها.
وما أن رفعت عينيها حتى وجدته ينظر بسخرية، فخفضت رأسها بارتباك ولم تعد تعلم ماذا تفعل، وكان عمر يتكلم وهي لا تسمع منه شيئًا.
لترفع رأسها مرة أخرى لتجده ينظر إليها بهيام شديد وحب ويشير إلى قلبه ويشير إليها، ليصيبها اشتعال النار في داخلها، ولكنها حاولت أن تبدو طبيعية.
ولكنه لم يتركها طوال السهرة.
ثم فجأة أحست بالفزع لتجده يتقدم إليهم ثم يجلس بينهم من دون استئذان، وعلى وجهه ابتسامة سمجة.
لتنظر إليه بغضب شديد وعمر ينظر إليه بدهشة.
ليهتف عمر:
… يامن، إنت بتعمل إيه هنا؟
فنَظر إليه ونظر إليها وهتف قائلاً:
… كل واحد بيقعد جنب اللي بيحبه، وأنا ما أقدرش أسيب قلبي قاعد لوحده وأمشي من هنا.
كانت تشعر أنها تجلس فوق النار من كلماته، وأنه سيفتعل مصيبة.
كان يبدو عليه الهدوء الشديد.
وعندئذٍ أردف عمر وقال:
… طب يا سيدي ربنا يسهل لك يا عم وتقف جنب اللي بتحبه دايماً.
هنا ضحك يامن وقال:
… بس في مشكلة، أنا لما بحب حد ما بحبش اللي بحبه حد يقرب منه.
نظر إليه عمر وهو لا يفقه شيئًا وقلب حنين قد أصبح في قدميها.
ليهتف عمر مستعجبًا:
… أنا مش فاهم حاجة، ممكن تفهمني؟
هنا نظر إلى حنين وقال لها:
… ما تحاولي تفهمي الأستاذ يا آنسة حنين، بدل ما أفهمه بطريقتي وتبقى الدنيا صعبة عليه.
نظرت حنين إلى إيه بغضب وقالت:
… فيه إيه يا مستر يامن؟ حضرتك بتتكلم بطريقة غريبة، يا ريت حضرتك تقول عايز تقول إيه بتفضل عشان نكمل قعدتنا.
فنَظر إليها يامن ورفع حاجبيه.
… بقي عايزة تكملي في هدوء؟ والله دي حاجة حلوة خالص. طب شوفي بقى يا حلوة الهدوء اللي جاي. ونظر لعمر. شوف يا عمر… الأمورة اللي قدامك دي ما بتحبكش ولا عمرها تحبك ومش هتتجوزك عشان هي مش بتحبك.
لينظر إليه عمر بدهشة كبيرة وتنظر هيا إليه مصعوقة.
ليهتف عمر:
… وإنت دخلك إيه بتحبني ولا ما بتحبنيش؟ وعارف منين إن كانت هتتجوزني ولا مش هتتجوزني؟ إنت بتدخل في حاجة مالكش فيها ليه؟
فنَظر إليه وجلس على كرسيه واقترب منهم وربع يديه وقال:
… والله يا عمر أنا بنصحك إنك تاخد بعضك من سكات وتقوم وتبعد عنها بدل ما توجع قلبك على الفاضي رايح جاي ومصاريف وشيء وشويات وفاكر إن الهانم هتحبك أو هتتجوزك، وده إيه استحالة يحصل. أنا بنصحك أو بحذرك، اختار حاجة تعجبك وتريحك. أنا عارف إن إنت إنسان عملي، فجاي بقول لك اللي أنا عرفته. وهيا إن حنين ما بتحبكش وحنين مش هتتجوز حد ما بتحبهوش. هي أصلاً مش بتثق في حد، فهتتجوزك إزاي؟
فهتف عمر غاضبًا:
… وإنت عرفت الحاجات دي منين؟ ونظر إلى حنين. فيه إيه يا حنين بالظبط؟ إيه اللي هو بيقوله ده وعارف الحاجات دي منين وهو ماله وانت ساكتة ليه؟
كانت حنين الجمّت لسانها ولا لم تعد قادرة على أن تتكلم، فماذا ستقول؟ فهي فعلاً لا تحبه ولا تنوي الزواج به، ولكنها لا تستطيع القول ولا تستطيع أن تفرح قلبه فيحصل على مبتغاه.
فهنا قالت:
… حقيقي يا مستر يامن حضرتك زودتها عن اللزوم، مش من حق حضرتك تتكلم بالطريقة دي، ويا ريت بقى كفاية لحد كده وتفضل وتسيبنا نكمل سهرتنا.
فضحك يامن وقال:
… عايزة تقعدي معاه في هدوء وأسيبكم وأمشي؟ والله دي حاجة جميلة جداً، بس أظن إنت عارفة إني مش هسيبكم.
فهنا قامت حنين وقالت:
… يبقى إحنا اللي هنمشي وخليك قاعد فيها. يلا يا عمر.
كان عمر ينادي النادل لكي يحاسب، ولكن قام يامن وقال لها:
… أنا ماشي، كفاية عليك كده النهارده، بس بكرة أوعدك إني هقل العيار حبتين. وهمس في أذنها: هتوحشيني يا قطة.
وتركهم وخرج.
وهنا جلست حنين مرتبكة والغضب والاحمرار على وجهها.
وبدأ عمر في الكلام وبدأ يتشاجر معها، كيف له أن يتكلم معهم بهذه الطريقة، وكيف يتدخل بينهم في هذا الشكل ويسألها، وهي تحاول أن تهدئه وأعصابها على شفا الانهيار، فلم تعد قادرة أن تصمت أكثر من ذلك.
فقالت له:
… أظن يا عمر، إحنا قلنا إن علاقتنا علاقة عقلانية، وفعلاً ما فيش حب. وإذا كنت إنت هتبتدي تتحكم فيا وتتكلم معي بالطريقة دي وتحاسبني على حاجة أنا ما ليش ذنب فيها، يبقى نفضها أحسن وكل واحد يروح لحاله.
هنا سكت عمر وظل يكظم غيظه بشدة.
فقال:
… خلاص يا حنين الموضوع انتهى، بس يا ريت تفهمي الأستاذ إنه ما يدخلش في حاجة مش بتاعته، وإنه ينهي جلستهم.
وأوصلها إلى المنزل لتدخل وهي تشعر بالنار في داخلها، لتسمع تليفون يرن، لتجده من كان يعذب فؤادها، ولكنها قررت أن لا ترد عليه.
وظل هو يرن حتى غضبت بشدة، ومن غضبها فتحت الفون، صرخت في وجهه:
… إنت عايز إيه؟ إنت بتعمل كده ليه؟ لتكون فاكر إنك بكده هتبوظي جوازتي؟ طب يكون في معلومك بقى أنا هتجوز عمر بكيفي وغصب عنك.
سمعته ضحكة عالية، لتسمعه في التليفون وهو يقول:
… الأحلام حلوة برضه، بس يا حبيبتي خطر عليكي يا ماما تحلمي أحلام تتعبك. ما حدش بيحلم بحلم هو مش عايزه، فبلاش تضحكي على نفسك إنك هتتجوزي عمر. إنت عمرك ما هتتجوزي عمر، لآني عارف إنك ما بتحبهوش، ولا يمكن تدي نفسك لواحد ما بتحبهوش.
لتصرخ فيه:
… وأنت مالك إنت مالك؟ إنت إيه دخلك بتتحشر لي يا أخي؟ كفاية بقى ابعد عني، منك لله على اللي عملته فيا، إنت عايز تعمل فيا إيه أكتر من كده؟ أنا قلبي بيوجعني، حرام عليك، حرام عليك، كفاية كفاية ظلم.
قفلت السكة في وجهه وظلت تبكي بشدة، وهي تعلم جيدًا أنه على حق، وأنها لن تتزوج عمر، ولكنها تفعل ذلك لتكيد يامن، وهذا مما يشعرها بالذنب تجاه عمر، ولكنها كانت اتفقت مع عمر من الأول أنهم إذا لم يشعروا شيء سيتركون بعضهم فورًا، وكان عمر وافق بالفكرة، فهو لا يفكر بها كحبيبة، ولكنه يفكر بها كأنثى تصلح لأن تكون زوجته، فهو شخص غريب الأطوار إلى حد ما.
بعد أن قفلت السماعة في وجهه أغمض عينيه بألم، لأن حبيبته موجوعة، وظل يبعث إليها رسائل حب شديدة ورسائل اعتذار، وكلما وصلت رسالة يبعث أخرى محملة بكم هائل من المشاعر، كانوا يفيضون من داخله، كل الحب الذي يختزنه لها والذي كبدته كل ذلك الوقت، وكان يضع هيامه وعشقه في كل رسالة ورسالة.
لتقرأها لتحس بوجع شديد، لأنها أمام حب غير عادي، تستطيع أن تصمد أمامه، ولكن كرامتها وثقتها به تمنعها من المثول إلى حبه.
ولكنه لم يكل ولا يمل عن إرسال فيض مشاعره التي ألهمت فؤادها وأصابتها في مقتل، وأرجعت حبه وأنعشته في قلبها، وأصبح حبه ينهش قلبها، لكنها لا تعلم ماذا تفعل، لقد جرحها وطعنها في قلبها، لا تعرف كيف تمرر ذلك من قلبها وتنسى له ذلك، كانت تتمنى أن تعود لأيامها معه، ولكن من فات ومر لا يعود مرة أخرى.
رواية حب بالاكراه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ميفو السلطان
كنا قد تركنا يامن وهو يبث حنين حبه طول الليل وهيا لا ترد.
كانت تقرأ الرسالة ودموعها تنزل على خديها من كتر حبها له، ولكنها أبداً لن تستسلم له بسهولة.
فهو السبب في كل ذلك، وذلك الحقير هو الذي افتعل هذه الفعلة الشنعاء.
في الصباح اتصلت بها أختها، وكانت قد ثقل الحمل عليها وتعبت بشكل شديد.
واستدعتها أختها لتذهب حنين على الفور لفيلا يامن لتجد أختها في حالة يرثى لها.
على الفور اتجهت إليها بسرعة وأخذتها في أحضانها وظلت تهدهدها، وهيا متعلقة بها كأمها.
فأخذتها في أحضانها لتبكي وتهمس لها: "أنا خايفة يا حنين، بيقولوا وضع الجنين صعب والحالة خطرة."
فأخذتها في أحضانها وضمتها بشدة، فسمر تعتبر حنين ليست أختها بل أمها، فهي دائمة العناية بها.
كانت تتشبث بها: "أنا هموت يا حنين، خلي بالك من بنتي، أوعي يا حنين تسيبي بنتي."
فهتفت حنين: "بس يا سمر، إياكي أسمعك تقولي كده، أنتِ اللي هتربي بنتك، أنتِ اللي هتجوزيها وتشوفيها عروسة."
ظلت تجلس بجانبها وتهدهدها حتى هدأت، وقالت: "ما تسبينيش، أوعي تمشي وتسيبيني."
فهتفت حنين: "إزاي بس."
فهنا تدخلت أم يامن وقالت: "يا حبيبتي دي أختك، وكلها أسبوع وتولد وتقوم بالسلامة، ويامن معاكِ في الشركة، وعشان أختك اقعدي جنبها. أنا ما أقصدش حاجة، أنا هحطها في عيني، لكن محتاجاكِ يا حبيبتي."
دمعت عين حنين من تلك السيدة الرائعة ووافقت على مضض.
أخذت الأم حنين لحجرة مجاورة ليامن بفرندا مشتركة، وكانت تقصد ذلك.
فكانت منذ أن علمت بخطوبته لسالي قد تشاجرت معه من أجل حنين.
وعندما فسخ الخطبة كانت أحست أن هناك أمل لابنها ليرتبط بتلك الفتاة.
فهي ترى جوهر حنين الحقيقي وتعلم جيداً أنها مناسبة لابنها، وتعلم أن ابنها يكن لها مشاعر جياشة بعد أن حكى لها ما فعله ذلك الحقير الذي كانت تعتبره فرد من العائلة.
صممت تلك السيدة أن تقرب بين حنين ويامن في تلك الفترة، وكان يامن لا يعرف.
ولكنه لو علم كان ليذهب ليقبل يد أمه الحبيبة.
لم تذهب حنين إلى العمل وبعثت رسالة ليامن تخبره أن أختها مريضة، ليعلم أنها عنده في بيته.
ليترك الشركة فوراً ليذهب إلى حبيبته.
ما أن نامت سمر نزلت حنين مع والدة يامن إلى الأسفل وجلست معها حتى دخل يامن وهو صامت.
وظل ينظر إليها لا يشيح نظره عنها.
كانت الأم تنظر إليهم بخبث وترى نظرات الحب الشديد من ابنها ونظرات حنين التائهة، لتحس بوجعها وآلامها.
هنا هتفت: "إنت جيت يا حبيبي، أول مرة تيجي بدري كده، خير."
فنظر إلى حنين وقال: "كل خير يا أمي. هو بس الواحد قلبه بيوجعه شوية فجاء عشان يرتاح ويريحني."
هنا احمرت حنين، فقالت الأم: "حمد الله على السلامة، سمر فوق تعبانة ومازن مابيسيبهاش، ربنا يباركله. وحنين هتشرفنا هنا لحد ما تولد، دماغها ناشفة غلبتني على ما وافقت."
فرد يامن سعيداً: "عارف دماغ حنين مش تايهة عنها." وتنهد بشدة.
فهتفت الأم: "تعالى اقعد معاها على بال ما أقوم أحضر لك حاجة تشربها أو تاكلها." وتركتهم وذهبت مسرعة.
ظل هو واقفاً يسند نفسه على الباب وينظر إليها بحب وابتسامة تنير وجهه، وهيا تجلس مرتبكة لا تنظر إليه.
ليتقدم منها بهدوء ويجلس بجوارها، وظل يتفحصها بهيام، ثم أردف قائلاً: "منورة بيتك يا روح وقلب يامن."
قطبت حنين جبينها ونظرت إليه وقالت بدهشة: "بيتي."
فرد مسرعاً: "آه طبعاً، بما سوف يكون يعني، ما إحنا هنتجوز هنا، وإلا أنتِ عايزة تعيشي لوحدك. بس كده يا حنون، أمي تزعل كده."
فـنظرت إليه مصعوقة وقالت: "أنت عقلك خف؟ جواز إيه وبيت مين؟ أنت بتغني وترد على روحك."
فهتف وقال: "لا أنا بحلم وبحقق حلمي، وهيا فترة وهتبقي ليا، مسألة وقت يعني يا قلبي."
فهتفت غاضبة: "عشم إبليس، وابقى اخبط راسك في الحيط، أنتِ ناسيه دي." ورفعت إصبعها تشير لدبلتها.
فضحك: "آه حتة البتاعة اللي وجعانا دَماغنا دي، ماتشغليش بالك، هتتشال هتتشال."
نظرت إليه غاضبة وهمت أن ترد، فصدح تليفونها، فإذا بعمر على الهاتف، فارتبكت.
فضحك يامن وقال: "ما تردي، وإلا مش طايقاه، أصله بصراحة ملزق وعيل سدغ."
فنظرت إليه غاضبة وقامت واتجهت للخارج لتكلم عمر، ليتبعها يامن.
وكان عمر يتحدث وهيا في قمة الارتباك، فيامن يدور حولها.
كان بين الحين والآخر يمسك خصلة من شعرها ليشمها، لتضربه وتبعده.
كان يدور حولها ويقترب من أذنها الأخرى ويهمس فيها بكلمات حب.
وأخيراً لامس ذراعها بطرف إصبعه وسحبه بهدوء من أسفله لأعلى ذراعها، لتنتفض حتى صرخت به: "بس بقه."
فضحك بصوت عالٍ.
وهنا رد عمر: "فيه إيه يا حنين؟ بتصرخي ليه؟ أنا عملت لك حاجة."
فردت بصعوبة: "لا مااااااااا هوووواااا، أصل لا.. .. لا يا عمر أنا بس كنت بكلم حد تاني، معلش ماتزعلش."
وهنا شد يامن التليفون منها، لتجحظ عينيها برعب وبدهشة، لتسمعه يقول: "إزيك يا عمر؟ معلش أصلها كانت بتزعقلي فجت فيك. معلش بقه، ماقدرتش أستحمل، لفي حواليها، أصلي بيركبها عفريت لما أكون قريب منها. لو تشوفها وشها زي الفراولة إزاي وضحك."
(عيل كياد 😂😂😂)
فصرخ عمر: "فيه إيه يا يامن؟ وبتأخد التليفون أنت مالك؟ وإيه الكلام ده؟"
فرد يامن ببرود وقد اقتربت منه حنين لتأخذ الهاتف، فلم يعطها الفرصة وأكمل: "لا ماهو لما تبقي في بيتي وقدام عيني ماينفعش أسيبها كده، لازم كل شوية نتشاقى. دي حنين يا عمر." وضحك مرة أخرى.
فصرخ عمر: "أنت اتجننت؟ بيت إيه وبتتكلم كده ليه؟"
فلم يرد عليه وأعطى السماعة لحنين وهتف: "بيزعق ويلك كتير، خنقني."
هنا كانت حنين على آخرها، وكان عمر في الجهة الأخرى يصرخ بها: "أنت في بيته ليه؟ وعندك بتعملي إيه؟ ويلف حوليكي مالك وماله؟"
فصرخت به: "بص بقلك إيه، أنا مش طايقة روحي، أنتوا متأجرين عليا، سيبني يا عمر، هنتكلم بعدين."
وقفت الخط، واقتربت منه غاضبة وهتفت: "أنت واحد بارد وماعندكش دم، أنت إيه اللي عملته ده؟"
لم يرد عليها، فـاقتربت منه وخبطته: "ما ترد بكلم نفسي."
فشدها من ذراعها وقربها منه، وحاولت التملص، لم تستطع.
وهنا قال: "أنا قُلتلك يا تخلعيه بالذوق، يا هتصرف. وأنت دماغك حجر، يبقي خلاص أنا هعرف أخلعهولك بنفسي. يا قمر أنت، يا حتة من قلب يامن، بس والنعمة قمر ووحشني يا روح الروح."
نظرت إليه وحاولت فك ذراعيه، وظلت تقول بغيظ: "أنت... أنت..."
فضحك وقرب وجهه وقال: "حبيبك أنا عارف، من غير ما تقولي مش محتاج أسمعها، حاسس بقلبك وهو بيصرخ من جوا."
وهنا دخلت والدته لتراهما بهذا التقارب، لتحمحم ليبتعد بهدوء وتشتعل حنين من الخجل.
ليقول: "جيتي في وقتك يا ماما، حنين محتاجة حاجة باردة، أصلها حاسة بسخونية." ونظر إلى حنين وغمز إليها.
فاشتعلت وارتبكت ولم تعد قادرة أن تنطق، فكان هذا كثيراً على أعصابها.
هنا طلبت من الأم أن تصعد لتستريح.
فصعدت معها وأحضرت لها بيجاما من أختها، كانت بيجامة حريرية رائعة.
فدخلت حنين وشكرت تلك المرأة الرائعة، وفضلت الجلوس بمفردها عن حرق الأعصاب معه.
ظلت تهدي نفسها وأراحت جسدها لفترة، وهيا تفكر به، فهو لا يخرج من رأسها، فهي تحبه وتحبه بشدة، ولكن كرامتها تؤلمها رغم حنينها إليه.
ظلت تريح نفسها بعض الوقت، ثم ارتدت ملابسها وعادت لأختها لتراها تجلس شاحبة متدمرة ونفسيتها في الحضيض.
فاقتربت منها.
فهتف: "حبيبتي هتبقي كويسة وبنتك هتشوفيها عروسة، بطلي بقه، دانتِ بت نكد."
وظلت تمازحها حتى أتى موعد العشاء، لتجلس بجوارها لتأكل، ومازن لا يتركها، وحنين سعيدة به لأنه يحبها فعلاً واطمأنت عليها.
ثم تركتها لترتاح ونزلت، ودعتها والدة يامن لمائدة العشاء.
ليجلس يامن في المنتصف وأمه على جانب وهيا على الجانب الآخر، وكانت أمه تثرثر وهو يضع الطعام في طبقها، وهيا صامتة لا تتكلم، فقد أنهكت اليوم أكثر من اللازم.
فظلت صامتة تريح قلبها، ولكنه بين الحين والآخر يداعب يدها بأصابعه، وهيا تشتعل وتتنفس غضباً وتلجم نفسها حتى لا تنقض عليه تقتله.
هنا قالت الأم فجأة: "معلش اعذريني يا حنين، ليا دوا هطلع أخده، دا بيتك يا حبيبتي."
(شوفو الوليه بتسلك لابنها 😅😅😅)
فقامت الأم ورحلت.
وهنا كانت هيا تحاول أن تأكل ولكنها لم تستطع، فقررت أن تترك المائدة.
فمسك يدها وهتف: "اقعدي من سكات، بدل ما أُقعدك بطريقتي وتبقي فضيحة ويقول بيتحرش بالضيفة. وأنا هموت وأعملها، وأنتِ عارفة كويس إنّي مابتكسفش."
(دا هيّاه وإحنا والمجرة كلها عارفين يا كبد أمك 😂😂😂)
"وممكن أعمل أي حاجة، مايهمنيش. فاقعدي يا قلبي، كملي عشاكي بدل ما وشك القمر ده مصفر كده."
فهتفت غاضبة: "ولما هو مصفر بتبصّله ليه؟"
فـاقترب منها: "عشان بعشقه، محفور هنا أهو." وخبط على قلبه.
"أعمل إيه يا ناس، حبيبي متربع بس تقلان، بس أنا صابر. هصبر والصبر يشتكي مني. هبقي يامن أيوب."
فابتسمت دون إرادتها.
فـصاح: "يا حلاوتك يا قمر، يا أبو قلب أبيض، والله أبيض وعارف، بس دَماغه مخشب." وهز رأسه وتنهد.
فخفضت رأسها وظلت تأكل في صمت، لتنهي طعامها.
لياخذ قطعة من الحلوى ويطعمها إياها، وهيا مغيبة.
فيلمس شفتيها لترتد بسرعة، ليبتسم ويأخذ باقي القطعة ويضعها في فمه وهو حالم يبتسم.
(ماتتلم بقه، إحنا قاعدين 😅😅)
فأحست أن هذا فوق طاقتها، فهبت واقفة.
فامسك يدها بحب وقال: "والله بحبك، واتربيت صح. والله عشقي ليكي هيجنني."
فافلتت يديها وصعدت لحجرتها وقلبها سيقف.
وظلت فترة تنهج بشدة من فعلته وملامسة شفتيها، لتسترد وعيها.
إن ما يحدث ضرب من الجنون.
ما كم هذه المشاعر المهلكة التي أصبحت كالمشاعل بداخلها.
وضعت يدها على قلبها.
وتسألت: "يا رب أنا تعبانه وماعدتش قادرة. هو صعب أوي وأنا ماعدتش قادرة أصدّه."
دخلت الحمام وبللت وجهها ورقبتها وخرجت ووضعت عطراً، لعلها تفيق وتشعر بالبرود.
لتأتي لها الخادمة بمشروب ساخن يشعرها بالراحة، وخرجت للشرفة وظلت واقفة سارحة في حبيب قلبها وحياتها المقبلة.
(وطبعاً عمر كيس جوافة مالناش دعوة بيه 😁😁😁😁)
ظلت تفكر بأنها تسلك مساراً خطأ، وأن خطبتها لعمر خطأ فادح، وأنها يجب أن تنهيها فوراً، ولكن بعد أن تقوم أختها بالسلامة.
ظلت واقفة سارحة بهيام في من ألهب فؤادها وماذا ستفعل معه.
فهي تعلم أنه لن يتركها إلا وهي معه وفي أحضانه، وتعلم أنه أقوى منها ويعلم جيداً ماذا يفعل.
تنهدت وأرادت حتى أن تطيل فترة عذابه وتشفي غيظها وغليلها منه، لأنها أدركت أنها في النهاية ستكون له لا محالة، فهي لن تصمد أمامه.
كان قد دخل حجرته وغير ملابسه، وأثناء تجوله في الحجرة تصنم مكانه، ليرى معشوقته تقف حالمة، ينسدل شعرها بنعومة ويتخلله نسمات الهواء، وتمسك كوباً في يدها وتبدو كملاك نزل ينير الأرض.
بدأ يتقدم بهدوء، وحمد ربه أنها بجانبه، ليصل إليها، ثم يحاوطها من الخلف، وهيا في حالة توهان شديدة.
وما أن شعرت به حتى حاولت أن تبتعد، فهتف بين أذنيها: "أبوس إيدك دقيقة هدوء، ننسى فيها الدنيا. نريح وجع قلبنا شوية، وحياتك يا حنين."
كانت حنين همساته قد جعلتها تتسمر، وبعد أن مرت الدقيقة مرت دقائق ودقائق.
(البت سُرقت 😁😁😁😁)
وكل منهم صامت، مشاعره تعلو عالياً ولا يتحرك كل منهما.
كانا كلوحة رائعة مرسومة بعناية، لوحة من العشق والهيام.
هنا أدراها يامن بعد فترة، ومسك يدها وقبلها، وهيا في دنيا أخرى، وظل يقبل يديها ويهمس بحب.
وأثناء ذلك أخرج دبلة عمر من إصبعها بهدوء، فلم تحس بشيء، كانت تهيم به.
فهمس ويده تداعب شعرها: "نفسي الدنيا تقف عند كده ومش عايز حاجة من الدنيا تاني. حبيبتي بتاعتي، ملكي وجنبي، هعوز إيه."
ظلت ساهَمة حتى تدخل عقلها ليوقظها مما هي فيه، وابتعدت عنه فجأة.
فحاول أن يقترب، فرفعت يديها أمامه إشارة منها أن يبتعد، فاحترم مشاعرها واكتفى بذلك.
لتلاحظ هيا عدم وجود الدبلة 😳😳😳
(الدبلة راحت في الوبا يا هنادي 😅😅😅)
فشعرت بالغضب وقالت: "فين دبلتي؟ أنت خدتها."
فضحك يامن: "شوف يا أخي، بتتحولي في ثانية. أنت لسه فاكرة."
فـخبطته على يده وقالت: "هات دبلتي."
فضحك وقال: "عيوني، هننزل نشتريها بكرة."
(دانت عيل كياد اقسم بالله 😂😂)
فنظرت إليه.
"يامن..." بغضب.
فقاطعها مقترباً منها بهيام: "روحه وقلبه ودنيته كلها. اللي هموت عليها والله."
فبهتت وتراجعت: "لاااااا بقه، أنت فيه إيه؟ اتعدل وهات الدبلة."
فاقترب وقال: "بجدية، يمين بالله مانتِ واخداها يا حنين. ونتلم بقه عشان هرفع السماعة على عمر وأقله كل حاجة، وساعتها هيبقي شكلك إيه. يبقي تقعدي هادية كده وتعدي ليلتك كده، وإلا انت حرة."
فصرخت من الغيظ: "وأنت مالك يا أخي."
فاقترب منها: "دا مالي وحالي وكل ماليا، أسيبه يا ناس إزاي."
فصرخت: "هات الدبلة بقلك."
فصاح بها: "خلاص يبقي أنت اللي جبتيه لنفسك، غاوية وجع قلب." وأخذ هاتفه.
وظل يبحث عن عمر وهو يهتف باسمه متسائلاً، وما أن وجده قال: "آه آهوه، برخامة أمه. نكلمه بقه."
فشعرت بالذعر واقتربت منه ومسكت يده وقالت: "لا، ماتكلموش، خلاص أنا هكلمه."
فاقترب منها وسندها على السور وقال بهمس: "ليه يا قلبي؟"
(بتقوم مدهولة في ثانية 😂😂)
فهتفت بهمس: "قالت خلاص."
فاقترب من أذنها: "خلاص إيه؟"
فهتفت بغلب: "مش عارفة."
فقال: "أنا بقه عارف، هتسبيه يا عمري؟ ولا هتكوني لغيري، ماشي. هنشيل الدبلة ونقول لعمر يسيبيه، وإلا أقله أنا." وأشار إلى الفون.
فهتفت: "لا والنبي حرام، هقوله أنا."
هنا حملها وظل يدور بها وهو يهتف: "أخيراً يا ديني النبي. أخيراً يا حنين، أخيراً هتبقي ليا وبتاعتي."
هنا صرخت به: "نزلني، أنت اتجننت؟ إيه قلة الأدب دي؟ وإيه بتاعتك دي؟ مش معنى يا أستاذ إني بفكر هسيب عمر يبقى كده خلاص. روح روح. بلا بتاعتك بل هبل، روح احلم بعيد، أنا سيبالك الحتة أشبع بيها."
ودخلت جري وضحكته تصدح في المكان وقال: "آه يا واجعة قلب حبيبك. دانا هروح وهرجعلك وهلزقلك بغرا. ربنا يخليكي يا سمر، أنت السبب. آه يا قلبك يا يامن، دانت يا واد هتموت في إيدها مرة. الحب حلو يا جدعان، بس حبيبي يرضى وأنا أوريها الحب عن حق. والله ماهعتقك يا قلب يامن، بس تبقي ليا وهتبقي قريب أوي."
وظل يدندن وهو يدخل إلى غرفته ليتاكد أنه تمكن منها وأنها قريباً ستكون له.
رواية حب بالاكراه الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ميفو السلطان
مرت أيام على حنين ويامن، فكان يقضي معظم وقته معها، ليرهق قلبها بغزو حبه. كانت والدته سعيدة بذلك وتساعده. أما حنين، فقد تعب قلبها من المقاومة.
ما زاد هم حنين أنها بدأت تقلق على أختها وحالتها الصحية، فقد أصبحت متعبة. وما أثقل عليها أكثر هو حضور ماجد لرؤية ابنته، فبدت مكللة بالأحمال بشدة. وجود ماجد في حد ذاته يوجعها، فماجد لم يعد كما كان، أصبح هزيلاً وحيداً بعد أن رحلت عنه ابنتاه، الابنة المفضلة إليه وابنته الأخرى التي ذاقت على يده عذاب الدنيا.
رفض يامن القاطع أن يعطيها الدبلة، فأحست أنها على شفا الانهيار وأن أعصابها لم تعد تحتمل، خاصة أن عمر لا يعلم شيئاً ويضغط عليها من ناحية أخرى، وقد فاتحها بالزواج فحاولت التهرب.
في أحد الأيام، كانت تقف في الحديقة ليقترب منها ماجد ويقول بهدوء:
"إزيك يا حنين؟"
استدارت حنين لتنظر، لتجد والدها ينظر إليها بضعف شديد. نظرت إليه وقالت:
"خير يا ماجد بيه؟"
هتف وقال:
"بابا يا حنين."
قطبت ونظرت إليه:
"لا بجد جديدة دي. إيه الجديد؟"
نظر إليها ماجد وقال:
"أنا عارف إني مهما عملت مش هتسامحيني. عارف إني أذيتك كتير، بس صدقيني قعدتي لوحدي وبعدي عنكم غيرتني وخلتني واحد تاني."
ربعت يديها وقالت:
"المطلوب؟"
اقترب منها ماجد وقال بحنان:
"أنا طالب بس تسامحيني. أنا عارف إني غلط واستاهل طول عمري عقابك وعقاب ربنا لأني فرقت بينكم. حنين، انتي طيبة وكل اللي طالبه السماح. يا بنتي، عمري في الدنيا قرب ينتهي وخايف من مقابلة ربنا بذنبك. سامحيني يا حنين."
نزلت دمعة من حنين وقالت:
"يااااه يا ماجد بيه، طالب إيه بعد سنين شبعتني فيهم كره؟ السنين، هو كل واحد يعمل فيا حاجة ويقول سامحيني أصلك طيب. طب أسامحك على إيه بالظبط؟ على قهر السنين، ولا إني عمري مانطقت بكلمة بابا؟ أسامحك على كرهك ليا وحبك لسمر؟ أسامحك على إنك خليتني مسخ لا عارفة أبقى راجل ولا ست؟ قلي أسامحك على إيه؟ على ضربك وإهانتك وشغلي خدامة ليكو وانت معاك فلوس متلتلة؟ على يوم ما قررت أدخل حاجة نفسي فيها قهرتني وقلتلي خسارة الفلوس فيكي؟ ولا قهرتي على جدتي اللي ماتت بسببك وخدت أمي وحب السنين وخلاني اتحولت لمسخ. أنا بقيت إنسانة مذعورة، خايفة أقرب من حد. عمري ما حسيت بالأمان إن حد يحبني وأبقى طبيعية، ويوم ما قربت من حد دبحني زيك بالظبط. لا وطالب السماح برضه، أصل أنا طيبة وهسامح. انتو فاكريني إيه؟ حرام عليكم، انتو عزيزين، هتجننوني! هاتلي حاجة واحدة حلوة أسامحك عليها وساعتها هسامحك."
أحست بقهر السنين والغل ملأ قلبها:
"أنا اه طيبة، بس مالكش رصيد عندي. يا ريت تبعد عني وتسيبني في حالي، يبقى ساعتها كتر خيرك وحوشت إذاك عني. اللي عملته فيا كفاية، ما عدش عندي المقدرة إني أكمل. حرام بجد حرام."
تركته تبكي وذهبت إلى حجرتها باكية. قابلها يامن في الطريق ولكنها لم تعره انتباه، كان قلبها قد تعب. دخلت حجرتها وظلت تدور وتدور:
"عايزني أسـامحه، أصلي طيبة وهبلة وهسمع الكلام. هما بيعملوا فيا كده ليه؟ يؤذوني وبعدين يطلبوا سماح؟ ما أقدرش عليه. يا رب أنا تعبت."
عند تلك اللحظة، سمعت طرقاً على زجاج الشرفة. لترفع رأسها لتجد يامن يقف. لتقل في نفسها:
"اه، شرفت انت كمان. تكمل... تعالي تعالي. اه مانا طيبة وهسامح. ماشي، أنا هوريكو حنين بقي شكلها إيه."
فاتجهت إلى الشرفة وكانت عيناها مليئة بالدموع. فخرجت له وهتفت:
"أفندم، عايز إيه؟"
فقطب من منظرها ورد فعلها العنيف، وكأن قد تركها من فترة وهي تستجيب له وقد لانت. فخفق قلبه بخوف وقال:
"مالك يا حنين؟ فيكي إيه وايه الدموع دي؟"
نظرت إليه بتحدي:
"دي دموع خيبتي. اه والله، أبويا عايزني أسامحه. شفتش مسخرة أكتر من كده. كل واحد يغرز سكينه في قلبي ويدور ويقولي سامحيني ليه؟ عشان أصل أنا طيبة؟ هبلة يعني بيضحك عليها بكلمتين؟"
توجس من طريقة كلامها:
"اهدي يا حنين، مفيش حاجة تستاهل. كل شيء هيبقي كويس."
فصرخت به وقالت:
"هو إيه اللي هيبقي كويس؟ وجعي وقهرتي السنين كلها، ولا قهرتي على حب راح بالرخيص؟ مفيش حاجة هتبقي كويسة. أنا بقيت مريضة، أنا تعبت، تعبت. إيه اللي هيبقي كويس؟ هاتلي حاجة في حياتي كويسة، وأنا خلاص خلصت هبل وطيبة وما عدش عندي حاجة أديها لحد."
فخفق قلبه وقال بهمس:
"يعني إيه؟"
اقتربت منه:
"يعني انت وماجد بيه بقيتو في كفة واحدة. حنين الطيبة اللي انتو طالبين منها السماح خلاص بخّت. راحت. وأنا خلاص اديت وعد لعمر إني هتجوزه بعد ولادة سمر، وماجد بيه يروح يكمل عيشته لوحده. أنا خلاص ما عدتش عايزة حاجة من حد، وكل اللي جوايا ليكو وجع، ونفسي تتوجعوا ألف مرة زي وجعي ده. ودلوقتي دبلتي تكون معايا فوراً، يا أما مش هيحصل."
كانت تتكلم كالمجنونة من كثرة الضغط النفسي عليها. فلم يجد حلاً من أن يسكتها إلا وقد اقترب منها وشدها إليه، وظل يحتضنها بقوة. حاولت أن تبعده بعنف إلا أنها فقدت السيطرة وأجهشت بالبكاء. ظلت تبكي لفترة طويلة، وبين الحين والآخر تحاول الخروج من حضنه وضربه بعنف، إلا أنه أحكم قبضته عليها إلى أن هدأت تماماً.
ثم حملها ووضعها على السرير، واختفى لدقيقة وأحضر حباية مهدئة وقال لها:
"اشربي دي هترتاحي."
كانت في حال غير الحال، كانت مدمرة. سنين وجع وغدر حلت عليها مرة واحدة، فأخذتها منه واستكانت واستسلمت للنوم. ظل يمسد على شعرها ويطلب من ربه أن يسامحه ويسامح أباها على ما أوصلاها لهذه الحالة. وظل يمسد على رأسها بحنان ويقبل يدها وهو يقول:
"أنا عارف إنك مريتي بحاجات صعبة، وعارف إن أبوكي عمل كتير وأنا جيت وكملت عليكي. بس نفسي نعدي المرحلة دي، ساعتها والله لهعيشك في قلبي. هنسيك كل ده بس ارجعيلي يا عمري. يا رب ماتوجعها أكتر من كده، هي ماتستاهلش اللي إحنا عملناه فيها."
قبل رأسها وتركها وخرج والهم يثقل قلبه، وخصوصاً أنه يعرف أنها عنيدة وممكن تؤذي نفسها بقرارات عصبية.
مرت فترة لتستيقظ حنين وتذهب إلى أختها لتعلم أنه آن أوان ذهابها إلى المشفى. وذهبوا جميعاً إلى المشفى، ودخلت العمليات. أتى عمر ليقف بجوار خطيبته، فهو علم منها أنها بالمشفى. ويامن ينظر إليه بحقد، ولم يرد أن يفتعل المشاكل لأن حنين ليست في حاجة لأي شيء.
ظلت سمر فترة في الداخل ليخرج الطبيب ويخبرهم أن الله رزقهم بفتاة جميلة، وأن سمر تعاني بعض الشيء ولكنها ستتعافى. فرح الجميع، وحضنت حنين والدة يامن وظلا يبكيان، وأحست بأن روحها ردت إليها وأن أختها ستتعافى.
وهنا اقترب عمر وأخذ يدها وقبلها، فأحست بالحرج. ولا شعورياً نظرت إلى يامن الذي رأتـه يشتعل من الغضب. فسحبت يدها بهدوء. واقترب يامن وقال:
"إزيك يا عمر؟ وشكراً على وقوفك جنبنا، نورت."
فبهت عمر وارتبك وقال لحنين:
"ممكن دقيقة؟"
هنا هتف يامن غاضباً:
"هيا هتسيب أختها وتيجي تقف معاك؟ ده إيه ده؟"
هم عمر أن يتكلم، فخاطبته حنين:
"عمر، أنا تعبانة، معلش."
فهتف وقال:
"مش طريقة دي يا حنين؟ أنا ما عدتش عارف ألم عليكِ."
هنا غضب يامن، وأحست حنين بأن الوضع سينفجر، وعلى الفور أخذت عمر من يده وابتعدت، وكان يامن على وشك أن يقتلهم معاً وهو يراها تمسك يده وصوتها يستعيده في داخله أنها ستتزوج عمر.
اقتربت حنين من عمر وهو غاضب وقالت:
"عمر، أرجوك، إحنا كده مش هينفع نكمل بعصبيتك دي."
فهتف وقال:
"فيه إيه يا حنين بينك وبين يامن؟"
فهتفت:
"هحكيلك يا عمر، بس مش دلوقتي، أرجوك."
فتنهد وقال:
"طيب، هكلمك نتقابل، لأن الأمور خرجت عن حدها."
فهتفت له ممتنة:
"شكراً يا عمر."
فمسك يدها وقبلها، ويامن يحس أن شياطين العالم تلبسته. وخرج عمر. فاتجه إليها ومسك ذراعها بقوة:
"انت مخلياه نازل بوس في إيدك؟ هو إيه ده بالضبط؟ ليلة العيد ولا فرح أمه؟"
فهتفت غاضبة:
"مالكش صالح بيا، خطيبي وخلاص. هنتجوز وحددنا الميعاد، يبقى تنسي وتشيلني من دماغك."
وزقت يده وهي غاضبة. لم تكن تعلم أنها جعلته على حافة الهاوية، وأن بداخله غضب لا يعرف كيف سيسيطر عليه. هنا قال:
"طب يا حنين، إن ما كنت أربيكِ وأعرفك إني أنا راجلك الوحيد، مابقاش يامن الصايغ."
ذهبت هيا إلى أختها وظلت بجوارها. ومر يومان ويامن لا يقربها، ولكن نظراته لا تطمئن. وأحست أن هناك شيئاً به، فتمنت أن تطمئن عليه، ولكنها خافت. ورحلوا جميعاً إلى الفيلا، واستأذنت حنين أن ترجع بيتها رغم اعتراض الكل، إلا أنها صممت ورجعت إلى بيتها.
ومرت الأيام ما بين زيارة أختها وعملها، ويامن مبتعد وهادئ، هدوء غريب، لا يقترب منها ويعاملها برسمية، وهي لا تفهم شيئاً. هل زهدها؟ هل تركها لحال سبيلها؟ فأحست بالقهر الشديد، فهي تحبه، ولكن وجود ماجد والضغط عليها جعلها تنفجر.
وفي يوم، دخلت عليه بهدوء، أرادت أن تتكلم معه، لعله يفصح عما بداخله. اقتربت منه بشدة، لعلها تؤثر عليه، وقالت:
"يامن، من فضلك، انت بقالك فترة متغير، انت كويس؟"
فنظـر إليها ساخراً:
"كويس طبعاً، ليه؟ شايفة حاجة تانية؟"
فأحست بالغيظ، فقالت له:
"طب من فضلك، أنا عايزة دبلتي عشان هقابل عمر النهارده."
لمحت في عينيه نظرة غضب، ولكنه محاها وأعطاها ابتسامة باهتة:
"بس كده، دانتي تأمري."
وأخرج من جيبه الدبلة واقترب منها وأخذ يدها بهدوء، وهي مبهوتة، ووضع الدبلة في إصبعها وظل ينظر إليها وهي مصعوقة. وقبل يدها بحنية وقال:
"مبروك عليكي عمر يا حنين."
وابتعد عنها وأدار وجهه للنافذة وقال:
"أظن كده خلاص."
أحست بوجع في قلبها وسقطت دموعها دون إرادتها، فحبيبها تخلى عنها. وظلت واقفة متسمرة. فنطق وقال:
"فيه حاجة تانية؟"
هنا استدارت وخرجت بهدوء وقلبها يئن، فهو قرر التخلي عنها، هو قرر أن يتركها من عنادها وكبرياءها عليه. هيا أذلته كثيراً، فلم يصمد أكثر من ذلك. كانت تبكي على حالها، فهي تحبه بشدة.
"طب إيه دلوقتي؟ خلاص سابني؟ خلاص ما عدش فيه يامن؟ طب قهرتي دي مالهاش تمن؟ مش من حقي يصبر عليا؟ لا قادرة أسيبه ولا قادرة أسامحه. هموت."
وكانت تشهق بالبكاء. كان في ذلك الوقت ينظر إليها من وراء الزجاج المبطن ويرى حالها وبكاءها وقلبه يتقطع من منظرها. وأراد أن يذهب إليها ويشبعها حباً، ولكنه قرر قراراً لن يرجع فيه. ليعرفها أنه الرجل الوحيد في حياتها وسيجعلها تعترف بذلك.
مر اليوم كئيباً وصعباً عليها، فكان يامن يعاملها ببرود شديد. ومر على حالهم هذا أسبوع، حتى انهارت تماماً وكانت تبكي يومياً على بعد حبيبها عنه، وهو صامد يعاملها ببرود شديد، لا ينحني أبداً.
حتى أتى يوم وطلب عمر مقابلتها. هنا عرف يامن أنها ستقابله. دخلت حنين إلى المطعم لتقابل عمر، ليمسك يدها ويقبلها، وبدأ يثرثر ويتكلم، وهيا صامتة. ليتكلم أخيراً في ميعاد الزواج ويصر أن توافق على ذلك، فليس هناك سبب للتأخير.
هنا هتفت حنين:
"عمر، انت بتحبني؟"
فارتبك عمر وقال:
"اه طبعاً، أمال هتجوزك ليه؟"
فقالت:
"أمال مش حاسة بحبك ليه؟ عمر، انت عايز تتجوزني ليه بجد؟"
فمسك يدها وقال:
"حنين، إحنا بقالنا فترة مع بعض ومناسبين لبعض. انتي رقيقة وجميلة وتسر العين، وأنا ظن كويس وهعيشك كويس."
بهتت من رده:
"بس كده، ده كل اللي جواك؟ مفيش مشاعر خالص؟"
هتف عمر:
"أظن يا حنين، رغبتي في الجواز دي معناها مشاعر ليكي."
كانت غير مصدقة، وفجأة دون سابق إنذار، وجدت من يسحب كرسياً ويجلس معهم ويرسم ابتسامة باردة على وجهه ويقول:
"إزيكم يا عمر؟ إزيكم يا آنسة حنين؟ شايفكو بتتكلمو في أمور جدية، فقلت أشـارك لو تحبوا أساعدكم في شيء."
قطب عمر ونظرت إليه بذهول. وهنا أكمل:
"انتو بتحددوا الجواز صح؟ أنا فهمت من كده. والله دي حاجة كويسة."
فنظرت إليه نظرة حارقة، وهتف عمر بسرعة:
"والله قُلُّها هي بس اللي مقلقة من موضوع المشاعر ده."
وضحك. والفترة اللي قضيناها مع بعض ماحصلش مشاكل، هيا النهارده متعصبة وبتسأل أسئلة غريبة. فهتف يامن:
"طب مانشوف العروسة زعلانة ليه؟ أنا أحب لكم الخير برضه، وإلا إيه يا عروسة؟"
كانت قد تجمدت، فهو طول أسبوع كامل قد ابتعد عنها، وكان كأنه فقد الشغف بها ومنها. كانت مصعوقة وتشعر بالاشتعال والاحراج. ماذا يريد بعد أن زهدها أسبوع كامل وهي تشعر بوحدة ووجع منه؟ لم تكن متخيلة أن تراه وبهذا الهدوء.
ما إن وجه الكلام لها حتى تلـبكت ولم تعرف ماذا تقول. فهتف يامن:
"طب مانت بتسأليه عن مشاعره قبل تحديد الفرح، هو ينفع؟ طب ماهو كمان هيسألك على مشاعرك، وليه بتسألي؟ مش كده يا عمر؟"
هنا على الفور استجاب عمر وقال:
"أه يا حنين، انت كمان زي ما سألتي، هو أنا كمان هسأل."
ويامن من المنتصف يشعر بالسعادة، فكان يلعب بهم بسهولة. فاغتـاظت حنين وحاولت ألا تصرخ وتنفجر به. فهتفت حنين:
"أنا اللي بسأل يا عمر، ومن فضلك يا مستر يامن، دي حاجة شخصية وإحنا بنحدد الفرح، فلازم أعرف كل حاجة."
انحنى عليها قليلاً، وكانت يدها تحت المنضدة، فمسكها وشدد عليها، فـتـأوّهت من الوجع:
"بقي بتحددي الميعاد؟ أنا قلت كده، كان منظركم من بعيد بيقول برضه إنكم بتحددوه. طيب نحاول بقه نلم الموضوع عشان ما يكبرش وتصـارحـوا بعض وتريحها يا عمر، انت بتحبها وهي عايزة تعرف هتتجوزها ليه."
هنا صمت عمر يريد أن يفكر، حتى لا يخطئ، فهو عقله يسبق أي شيء. كانت حنين قد وضعت يدها على المنضدة، فَـسَـك يديها، فأحس يامن أنه يريد أن يقوم بـفـتـكـه أو تقطيعه أرباً. فبهدوء ويسر هتف يامن:
"إيدك بس عشان كل واحد يفكر بهدوء وما يأثرش عالتاني."
ونظر إليها نظرة جمدتها وسحبت يديها إليها. فهتف عمر:
"أنا من يوم ما شفتها عندك عجبتني، بنت جميلة ومن عيلة كويسة ومتربية كويس، فيها كل الصفات الحلوة اللي الإنسان يفكر فيها لشريك حياته."
ليتحدث ويلف ويدور على شكلها وأدبها وأخلاقها، ولم يذكر المشاعر، ثم قال:
"وعشان كده بحبها وعايز أتجوزها."
ليتحدث ويلف ويدور على شكلها وأدبها وأخلاقها، ولم يذكر المشاعر، ثم قال:
"وعشان كده بحبها وعايز أتجوزها."
هنا أطرق يامن قليلاً ونظر إليها:
"طب ماهو بيحبك، حب جميل أهوه، أمال معترضة ليه يا حنين؟ دا حب ماشفتلوش وصف. عمر ممتاز في الحب."
كان يسخر منهم، وهي تعلم. فهتف عمر:
"قوللها يا سيدي."
طب يا حنين، وانت بقه بتحبيه؟ عايزة تتجوزيه؟ قولي، قولي، دي قاعدة مصارحة."
هنا تلـبكت أمامهما، ولكن غيظها منه كان شديد، فقالت:
"عمر ما يترفضش."
فضحك يامن وخاطب عمر:
"شوف يابني، هتبتدي تـنـدع أهيه. قولي، قولي، أنا زي أخوكي برضه."
وضغط على يدها مرة أخرى. فاحمر وجهها.
"أنا طول عمري متربية بطريقة معينة، ولما عمر اتقدملي لقيت فيه الشخص المناسب، محترم وبيشتغل كويس وسمعته كويسة، أرفضه ليه؟"
فهنا هتف يامن بسخرية:
"اممم، أمال مانتي زيه أهوه بتـلـتـكـي ليه في المشاعر والكلام الفاضي ده؟"
فهتف عمر مصدقاً على كلامه:
"قلها يا يامن."
فهتف يامن:
"منا هقول، هقول. طب يا حنين، إيه بقه الاعتراض عالجواز؟ انتو مناسبين لبعض وما بتجيبوش سيرة المشاعر ولا الكلام الفاضي ده. اتنين هيتجوزوا عشان الجواز وبس، وهتبقي عيشة هادية بلا مشاعر بلا بتاع، يا شيخة. اهدي كده. يلا نحدد بقه ميعاد الفرح، ويا ستي الفرح عليا كله ومش هدفع عمر مليم."
فصعقت منه ومن كلامه وتجمعت الدموع في عينيها. فهتف عمر:
"لا، دا كتير يا يامن."
فنظـر لحنين نظرة مبهمة ثم قال:
"هو أنا عندي كام حنين؟ وأشوفها في بيت جوزها سعيدة."
هنا نزلت دموعها غصب عنها، وعلمت أن يامن تركها وأنه لم يعد له رغبة فيها. لم تعد قادرة على الكلام. فنظر يامن وظل يختار ميعاد مع عمر، ومتجاهلاً إياها تماماً، كأنها لا شيء بالنسبة إليه، وعمر سعيد، لأنه أخيراً سيحصل على مبتغاه، فتاة جميلة وتملك المال وعندها مزرعة.
ظل عمر ويامن يتناقشان وحددا كذا موعد للزفاف، وكأن حنين غير موجودة، التي أصبحت أعصابها قد انتهت تماماً ولم تعد قادرة أن تكمل هكذا. هنا لم تحتمل حنين وصرخت بهم وقالت...
رواية حب بالاكراه الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ميفو السلطان
رواية حب بالاكراه الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ميفو السلطان
رواية حب بالاكراه الفصل السادس عشر 16 - بقلم ميفو السلطان
نظر يامن في وجه حنين وهتف بحرقة:
ارفعي وشك وبصيلي في عيني وقوليلي أنا مابحبكش يا يامن. بصيلي وخلي عندك الشجاعة إنك تقولي اللي في قلبك. أنت ليه بتهربي؟ الهروب مش حل. واجهيني، أنت أقوى من كده.
كانت خافضة رأسها، فصرخ بها:
بصيلي وقوليلي مابحبكش. قلبي ما عادش متحمل يا حنين بعدك عني. وساعتها هسيبك يا حنين.. دا لو قدرت أصلاً أتنفس بعدها. أنت خايفة من عدم الأمان؟ أنا حاسس بده وده بيدبحني من بعدك بسببه. والله يا حنين أنا مش كده. تقدري تتركيني عليا وأنت مغمضة؟ أنا مش خسيس ولا عويل.
كانت صامتة، فهتف:
بطلي سكوت، أرجوكي اتكلمي.
وحنين لا تجرؤ على رفع وجهها. وهنا مد يده ورفع وجهها ليرى الدموع في عينيها، فأحس بوجع شديد. فاقترب منها وأخذ يدها وضعها على قلبه.
قولي حاسة بإيه؟ قولي اللي جواكي. سيبي نفسك لإحساسك.
هنا تساقطت دموعها بغزارة. كان يريد أن يأخذها في أحضانه ولكنه لا يستطيع. فأحس بالوجع وبدأت تشهق وتقول:
انت بتعمل فيا كده ليه؟ مابتسيبنيش من سكات ليه؟ ما عدتش قادرة.
فهتف فيها:
عشان عارف اللي في قلبك وعارف إننا اتخلقنا لبعض. قولي يا حنين لو تقدري قولي. مابحبكش يا يامن. قوليلي في عيني، أنت خلاص مابقيتش جوايا، طلعت من قلبي. رميتك على طول دراعي.
ظل يضغط عليها ويضغط عليها حتى انهارت وصرخت:
بس بقى حرام عليك! أيوه أنا بحبك يا أخي بحبك، ارحمني بقى.
وهنا انهارت ووضعت يدها على وجهها وأجهشت بالبكاء. فاقترب ليلمسها فرفعت يدها إشارة لأن لا يقترب. ظلت تحاول أن تهدأ ولكن كان كل ذلك فوق احتمالها، فهي تحبه وتقاوم ذلك بعنف.
هنا رفعت عينيها ونظرت إليه وقالت:
أيوه بحبك وعندي الشجاعة إني أقولها. أهو ببص في عينك ومش هكدب وبقولك بحبك.
ودموعها تتساقط بشدة.
ماهو أنا مش هضحك على نفسي وأنا غرقانة في حبك. بس أنا بكامل عقلي وإرادتي بقولك مش عايزة الحب ده، مش عايزاه يا أخي ارحمني بقى.
وضعت يدها على قلبها.
حبك بيوجعني، أعمل إيه في نفسي؟ نفسي أموت وأرتاح.
هنا هتف:
طب ما أنت سامحتي ماجد وحبيتيه وقربتي منه؟ يبقى أنا لا ليه؟ ماجد وجعك آلاف المرات، أنا لا ليه؟ قوليلي عمل إيه وأنا أعمل زيه. طب حاولي حتى تقربي وأنا أوعدك إني مش هاذيكي. والله اتعلمت واتربيت بجد. ولا عمري هاجرحك تاني.
هتفت بوجع:
ماجد عمره ما اداني الأمان أصلاً ولا اداني حب. ماجد ماخدتش منه حاجة. إنما أنت اديتني أمان وحب وغرقتني ورجعت نزعتهم مني، ونزعت معاهم روحي.
قالت له:
المشكلة إني مش قادرة.
اقتربت منه والدموع في عينيها.
أيوه بحبك أوي بس هنا بيوجعني أوي. نفسي أسيب نفسي وأترمي في حضنك وأقولك خلاص، بس أنا واحدة مريضة، ما عدتش عايزة حد في حياتي، عايزة أبقى لوحدي. أنا تعبانة أوي، أنت مش متخيل اللي أنا فيه. اتنين بيموتوا بعض جوايا، واحدة بتكره الدنيا دي ومش عايزة لا تحب ولا تقرب. ولا تتوجع.
ثم صمتت واقتربت منه ووضعت يدها على قلبه وهتفت ودموعها تنزل:
وواحدة نفسها في ده وحبه وكل اللي جواه.
كانت حركتها تلك قد جعلته يهدأ، لأن من همسها تأكد أنها تعشقه، ولكن خوفها ورعبها من العودة والخذلان يمنعانها.
فهتف:
طب براحة كده وبهدوء وندي نفسنا فرصة من غير ضغط. ولا هعمل حاجة والله. اديني بس فرصة أبقى جنبك وتحسي بيا وبوجودي ومش هطلب منك حاجة. اديني فرصة أحسسك بالأمان. طب حتى نبقى أصحاب وفترة وأول ما تحسي بالأمان هفضل مستنيكي العمر كله.
مسك يدها وهي أصبحت بلا حول ولا قوة. وهمس واقترب منها أكثر لعله يؤثر عليها.
اديني فرصة يا حنين حرام الحب ده كله ونبعد. أنا عن نفسي هموت لو بعدت. أنت تقدري تكملي كده.
وكان قد بدأ يأخذ يدها ويضعها على قلبه ويدا أخرى يقبلها. فاطرقت بخجل والدموع تتساقط وهزت رأسها نفياً بهدوء وسكينة.
هنا ابتسم وظل صامتاً حتى لا يفسد لحظة الود هذه. ومر بعض الوقت وبدأ يتكلم مرة أخرى.
طب بصي يا قلبي، إحنا هنبتدي من الأول. وقام واقفاً.
يامن الصايغ معاكي غلبان وطيب وتقدر توديه وتجيبيه. واد لقطة والله ما هتلاقي في طيبته. من إيدك دي لإيدك دي. من الشغل للبيت. من البيت للشغل.
ابتسمت رغماً عنها. وأكمل:
إيه ده؟ يا ساتر يا شيخة. مدي إيدك دا جبر الخواطر على الله. والا حتى كرمشي خمساية وقوليلي يحنن.
فضحكت على كلامه. فجلس فوراً وقال:
والله بحبك.
هنا قطبت جبينها وتنهدت وهمست:
طب ممكن تسيبني شوية؟
فقام وهتف:
يا دين النبي! دانا هسيبك زي ما تعوزي وأنا تحت الطلب.
ثم تركها ومشى بسرعة. فقطبت جبينها. كيف يذهب ويتركها؟ ولف مرة أخرى وعاد.
أهو سيبتك ها؟ خلاص كده وبقي سمننا على عسلنا يا قشطة يا أبو عيون عسلية. إلا عيونك دي حلوة لمين كده؟
فضحكت من أفعاله وحاولت أن تكون جادة.
فهتفت:
يامن.
فقاطعها:
بصي كده، أهو جوا قلبه وعقله وهتهبلي قريب. ولا هينفع ليكي ولا لغيرك. خيره شباب الصايغ هيقلب حسحس. ارحمي اللي جابوني وبلي ريقي بقى.
همست وقالت:
طب اصبر عليا يا يامن أرجوك. خلينا نشوف إن كنت هقدر والا لا، بس من غير ضغط يا يامن أنا قلبي مش مستحمل. وأوعدني لو ماقدرتش تسيبني.
قالها:
أوعدك إني مش هسيبك لأنك هتقدري وهترجعي عشان أنا جواكي زي ما أنتِ جوايا.
تنهدت وقالت:
طب أنا عايزة أروح وأنت روح بقى.
فهتف:
يلا يا ماما بلا تروحي. يلا عالفيلا. أنا قاعد مبلط عندكوا أما نشوف آخرتها.
فاستغربت:
يابني مش عندك شغل؟
فهتف:
يكش يولع. المهم الشغل اللي ملوعني أخلصه الأول.
فقامت أمامه وهي تشعر بالخجل والرهبة مما هو آتٍ. وهو من ورائها يدعو ربه تعود حبيبته إليه. ذهبا إلى الفيلا ودخلا وكانت هيئتهما رائعة. كان روحهما ردت إليهما. وظل الجميع معاً وهو لا يفارقها بعينيه ويجلس بجوارها والجميع يشعر بالألفة. ثم قامت لتعد العشاء. فقام هو معها ليلتصق بها ويربكها، وهي تنهره وتحاول أن تبعده وتتماسك حتى لا يبدو عليها شيء.
فاقترب منها هامساً:
عقبال ما تحضريلي أحلى عشا في بيتنا يا قلبي.
فقطبت ورفعت المعلقة محذرة:
يامن.
وبعدين؟
فقاطعتها:
بعدين هيبقي الحلو كله ونعيش في تبات ونبات ونخلف صبيان وبنات. بس أنا عايز بنوتة حلوة زيك.
فرفعت عينها بدهشة:
دانتي جوزتنا وخلفتنا كمان.
فقترب منها وقال:
ولحد آخر نفس وشعري مبيض كده وأنا قلبي هيفضل يدق وبيجري ورا القمر بتاعي. بتاعي أنا وبس.
ابتسمت وأطرقت. كانت تحب كلامه وتحب قربه وتنهدت وهتفت:
طب يلا يا بابا ودي الأكل.
فنظر إليها غامزاً:
عيوني. دانا أشيلهم وأشيلك جوا عيني من جوا. يا لهوي يا يامن هتموت محروق من الشوق.
فزقته وذهب ضاحكاً. وجلسا جميعاً يأكلان وهو بجوارها لا يفارقها. ثم تمنى كل للآخر الخير وذهبوا لينتهي اليوم بتعبه وإرهاقه وكل يفكر في الآخر والأيام القادمة ماذا ستكون عليه.
في الصباح استيقظ الجميع وكان يامن يقف في المطبخ يحضر فطورا عاليا ويدندن من السعادة. والكل كان مستغرباً. فهتف وقال:
أنا قلت صحيت بدري أعمل حاجة مفيدة.
وكان يثرثر بمرح وهيا تبتسم وأمه سعيدة وتدعو له بصلاح حاله. وماجد ينظر لابنته ويعلم أنها لانت إليه. أما سمر كانت تجلس مع طفلتها وتداعبها لا تفعل شيئاً، بينما مازن في الشركة لأن يامن ليس معه فلابد لأحد أن يكون هناك.
وبينما هما جالسون ويامن يقف في المطبخ وهو مفتوح على الريسيبشن، إذا بشيء سخيف يدخل من باب الفيلا. حاجة كده كمية بيض وهتتحدف علينا.
من يا ولاد؟
طبعاً كلنا في نفس واحد. الدكتورة وفاء.
دخلت وفاء وسلمت على الجميع وكانت تتصرف كأنها صاحبة البيت. كانت علاقتها بماجد معقولة. وعندما رأت يامن يقف في المطبخ ذهبت مسرعة لتقف بجواره وتسأله:
إيه ده؟ وكمان ليك في الطبخ. واو. دانت كده ماسبتش حاجة.
وكان كل من سمر ووالدة يامن ينظرون باستعجاب. أما الأخرى فهي تأكل في نفسها خاصة، ووفاء تلتصق بيامن. وتحوم حوله. فنهضت سمر بغيظ بعد أن رأت أختها تشتعل وذهبت وقفت بجانبهم وقالت:
روحي أنت يا وفاء اقعدي جنب ماما ماتتعبيش نفسك.
وأخذت مكانها بجوار يامن والتصقت هي بيامن لعلها تتركه بسلام. فحنين تحس بأنها ستنقض على تلك السخيفة وتقتلها.
نظر يامن ليجد الجو متوتراً، لينهي عمله بسرعة ويقترب من أمه ويأخذها لتجلس على المنضدة، ثم يطلب منهم أن يجلسوا جميعاً. لكنه اعترض طريق حنين وهتف:
لا أنت معايا هنخدم عليهم، ما هو لازم نتعود على كده وإلا إيه النظام في المستقبل.
وغمز إليها وشدها من يدها وظلا ينقلان الطعام وهو يهمس بأذنها:
والله هيبقى بيت حنين وحلو كده ومعايا القمر ده، يا هناه يا واد يا يامن.
فهتفت بصمت:
يامن اتلم. الناس بتبص.
وذهبا ليجلسا ووفاء لا تترك مجالاً إلا وتقحم يامن في الموضوع وحنين تحس بالقرف منها ولكنها لا تحس ولا تشعر.
ثم هتفت وفاء:
بقولك إيه يا يامن ممكن تيجي تعلمني ركوب الخيل أصلي هموت عليه.
هنا قامت حنين وتركت المكان بأكمله وخرجت مغتاظة لتذهب مسرعة لتتفقد المزرعة وتحاول أن تهدئ من نفسها، فهي لا تطيق أن تقترب تلك الحقيرة من يامن.
ولكن ماجد لحق بها وانتظرت حتى أتاها وقال:
لحد إمتى يا حنين هتعذبي نفسك؟ اللي عملته فيكي السنين دي بتعذبي نفسك بيه. أنا عارف إني خدت منك أمان الدنيا ويامن حسسك بيه ونزعتهم منك نزع، بس يامن مش زيي يا حنين. يامن بيحبك. أنا كنت مرتبط بمراتي، كنت بني آدم بشع وأنت تقبلتيني لأنك عارفة إنك مش أماني، وإن أمانك هو يامن. لازم تعترفي لنفسك وتقفي قصادها وتواجهيها. لو سبتي نفسك هتبقي نسخة مني، ما بتعرفش تحب وتصحي تلاقي الوقت فات. تبكي وتندم على إنها خسرت حب كبير زي ده. حنين أنتِ قلبك بيشع حب وعارفة إن يامن قلبه زيك، بس أنا اللي واقف بينكم عملي وقساوتي وغلبك مني هو السبب في كل ده. فكري يا بنتي وفكري في دنيتك من غيره. فكري في سنينك اللي هتصحي تلاقي نفسك لوحدك. أنا أكتر واحد اتعذبت بالوحدة وحاسسها.
ظلت تفكر في كلام ماجد وتذكرت وفاء. وعلمت أن وفاء لن تترك يامن، فهو شخصية تجري وراؤها النساء.
مرت فترة وهي تحاول أن تعمل ولكنها لم تطق نفسها، فهي تتخيله يأخذها في أحضانه فوق الفرس ويتهاادى بها. فاتجهت إلى الكوخ لتريح أعصابها، ثم ذهبت إلى تلك الشجرة لتجلس بمفردها. وظلت تفكر وهي تحترق من الغيرة والوجع، لتعلم أن يامن لا ينفع أن يكون لأحد غيرها وأن كلام ماجد حقيقي. ولكن قلبها لا يطاوعها، فهي تحترق من قرب أي أنثى منه، ولكنها ما زالت تشعر بالرهبة من قربه.
ظلت جالسة تتنهد وجلست على أحد الصخور ووضعت رأسها بين يديها. تشعر بالقهر على حالها. والتمزق الذي تشعر به.
وإذ فجأة تجد من يمسكها من يديها ويرفعها ليشدها إليه لتشهق بقوة. لينظر إليها ويهتف:
آه يا وجعة قلبي. ممكن أعرف كنتي فين وسيبتي البيت ليه وأنا دايخ عليكي.
ظلت تنظر إليه ببلاهة:
دايخ عليا ليه؟ مش كنت مشغول مع الست وفاء بتعلمها الخيل.
فشدها أكثر وهي تحاول أن تبتعد.
أنت هبلة يا حنين؟ عرق الهبل زايد عندك ليه يا قلبي؟ وفاء إيه دي لآخرة اللي هركب معاها خيل؟ أنت عقلك ده ماله؟
قلب عيالي كده. أحست بالغضب:
أنا عقلي عيالي؟ وإلا عشان مش راضية بالمهزلة اللي حصلت.
فقال بهدوء:
طب هيا بت مهزلة أنا مالي. والله أنا إيه ذنبي بلاوي وبتتحدف أعملها إيه.
فهتفت بسخرية:
تروح تعلمها يا أخويا ماهي كانت ناقصاها هي كمان.
تنهد وقال:
طب بذمتك أنا عملت حاجة تخليكي مضايقة كده أو فتحت بقي؟ والنبي. يا شيخة.
لم تعلق عليه. نظرت إليه بتذمر. فاقترب منها:
بلاش البصة دي. أنا قدامك أهو لا علمت حد ولا جيت جنب حد. ماشي مؤدب بالقلم والورقة.
فرفعت حاجبها:
والله؟ أمال البت دي بتحوم حواليك ليه؟ وإلا عشان أنت حليوة حبيتين وشايف نفسك؟ عادي يعني على فكرة، أنت حر.
اقترب منها:
أنا حليوة حبتين وشايف نفسي دي حقيقة مش هنكرها.
فنظرت له بغضب:
بس باجي عند القمر وأقف كده تمام. ببقى أعيى من الأعيى وماشي ورا قلبي زي الأبلة.
فأطرقت وصمتت.
فهتف مداعباً:
حنين على فكرة أحبالك زمانها تعبانة.
فقطبت وقالت:
أحبال إيه؟
فاقترب من وجهها وضرب بإصبعه على ذقنها:
أحبالك الصوتية يا قلب يامن. مابتزهقيش من السكات.
فنظرت إليه غاضبة:
هنتريق؟ هسيبك وأمشي.
وهمت أن تتركه فمسكها وهتف مسرعاً:
خلاص خلاص اهدى كده يا وحش. يخربيت اللي يزعلك.
فنظرت له بنصف عين فضحك وقال:
مش يخربيته أوي يعني. أمال هنعيش منين بعد كده؟ أهون عليكي بيتي يتخرب ومالقاش أصرف على حبيبي ونمشي نشحت في الشوارع. أنت حرة. أنت متربية في العز.
فابتسمت من كلامه.
وأنت بتبقى قمر كده وأنت زعلانة وقمر وأنت فرحانة. قمر في كل حالاتك وخصوصاً وأنا شامم يعني شامم ريحة غيرة.
فخبطته وقالت:
لا والله مالك شايف نفسك كده. ما تروح أنت حر يلا.
فتنهد وقال:
آه يا ني يا غلبك يا يامن يا بنتي أنت. أنا راجل بيتهزله شنبات وبهز السوق والدنيا وأنا ماشي. ما تحترمني شوية يا لهوي يا يامن. الخب ده بهدله.
فابتسمت في صمت.
فأردف قائلاً:
حنين أنا مش هقدر أقعد كتير هنا. كلها يومين تلاتة بالكتير وأمشي وأنت عارفه. وعايزك ترجعي تبقي معايا. أنا سايب الشركة لمازن.
هتفت بوجع:
امشي يا يامن. مانا قلتلك امشي.
فتنهد ومسك يديها تاني.
هنعيّده تاني يا حنين. مش خلاص قلنا ندي لبعض فرصة وأنت وافقتي يا حبيبتي؟ أنا قلتلك مش هضغط عليكي بس عايزك جنبي. ما أقدرش أمشي وأسيبك. ما أقدرش.
رفعت عينيها وقالت:
وأنا ما أقدرش أسيب المزرعة دلوقتي. بص يا يامن. أنا آه فكرت ووافقت بس مش معنى كده إننا رجعنا. سيبني براحتي وأنت أكيد هتيجي تشوف ماما يعني أكيد هتيجي. وأنا في الفترة دي هشوف أنا مشاعري تبقي إيه.
فقاطعها:
لا يا حلوة. طول ما أنا مش جنبك ما أضمنكيش هتبعدي وتقسي وتقسي قلبك. أنا عارف وما أقدرش أجازف بإنّي أخسرك.
هتفت:
مش هينفع يا يامن صدقني. بس أنا وعدتك هحاول بجد لأني تعبانة بجد ومش هضحك على روحي أكتر من كده.
ظل يفكر ولا يعرف ماذا يفعل. لو تركها فربما تقطع معه ولا يستطيع أن يبتعد عن عمله كثيراً، فقرر أن يمكث أسبوعاً آخر لعلها تلين وتعود معه.
هنا هتف:
يعني أنت عايزاني أمشي بجد؟
ومد يده ورفع عينيها. فصمتت، فهي لا تريده أن يبتعد ولكن هناك شيء يكبلها.
فابتسم وقال:
طب أنا يا ستي مش ماشي. فلاحت شبه ابتسامة على وجهها وأكمل:
يلا بلا شغل بلا بتاع خليني قاعد جنبك زي خيبتها لحد ما تحني عليا.
فضحكت عالياً.
فهتف:
والله وهتحلو يا واد يا يامن يا غلبان.
وااقترب منها:
مش أنا غلبان برضه؟
فقالت مشاكسة:
آه طبعاً، هو فيه حد زيك.
فاقترب منها:
لا يا ماما. مفيش حد حليوة وشايف نفسه زيي كده طبعاً. يلا قومي أما نشوف هنعمل إيه. مش وراكي شغل؟ وإلا أقعد أحب فيكي للصبح ما عنديش مانع.
فقامت مسرعة:
أنت تبطل قلة أدبك دي. وتتعدل.
مسك يدها وقال:
عيوني. أنت بس تأمر.
حاولت سحب يدها ولكنه تثبت بها وهتف في أذنها:
ماتحاوليش. وزقي يومك إلا أنا قلبي موجوع كفاية. فرق قلبها له.
ثم ذهبا معاً وقضيا اليوم كله وهي سعيدة وبدأت تشعر ببعض الراحة والأمان. ولم يكن ينغص عليها أوقاتها على مر الأيام إلا تلك السخيفة التي وضعت يامن في دمغها ولا تعرف كيف تبعدها.
ما دون ذلك كانت فعلاً تشعر بالسعادة والقرب منه. لتستمر الأيام وهما في تقارب. ليأتي يوم رحيله. ليتضح في ذلك اليوم هل ستتركه يرحل وينسى أيامهم أم سيكون هناك أمل لعودة القلوب إلى بعضها تنبض مرة أخرى بعشق وحب.
رواية حب بالاكراه الفصل السابع عشر 17 - بقلم ميفو السلطان
مر الأسبوع سريعًا. شعرت حنين بكم المشاعر التي ستفتقدها إذا تركت يامن يبتعد عنها. كان أسبوعًا ألهبها، يا من عشقها، كان ملتصقًا بها ولا يرى غيرها، ويحاول أن يعوضها ويزيل إحساس عدم الأمان الذي انغرس بداخلها.
جاء اليوم الذي كان سيرحل فيه. يامن ليأخذها من يدها. ظلا يتجولان في صمت إلى أن وصلا لمكانهما عند الشجرة. جلسا معًا وظلا صامتين لفترة، وكل منهم يشعر بمشاعر الآخر. كانت مشاعر جياشة. فيامن شعر بالتمزق من أن يتركها بعد أن قضى معها أسبوعًا. أحس أنها لانت بين يديه. كان خائفًا بعد كل هذا أن يرحل ليعود مرة أخرى لتتركه وتنهي ما بينهما، وبذلك تنتهي حياته.
أما هي، فكان ذلك الأسبوع عبارة عن إنعاش لقلبها وروحها، ولتحس فيه أن يامن مختلف تمامًا عن أبيها، وأن كل ما حدث بينهما كان خارجًا عن إرادتهم، ولكنه كان لابد أن يرحل من أجل عمله. لتحس أن روحها تنسحب، وأنه سيذهب ويتركها وحيدة تشعر بالخواء.
وهنا بدأ يامن يتكلم، وقد أمسك يدها وقربها منه وهتف قائلاً:
"عارفه يا حنين، الأسبوع ده كنت حاسس إني في الجنة. كنت حاسس إن حنين حبيبتي رجعت ليا. أنا قلبي واجعني وأنا ماشي لأني سايب روحي معاكي، وهارجع عشان آخدها تاني. بس أوعي يا حنين، أوعي أوعي ما ترديش روحي ليا. حنين، أنا هامشي وعايزك توعديني إن ما تنسيش الأسبوع ده، ما تنسيش الحب اللي بينا. ما تخليش الشيطان يخش ما بينا ويصور لك حاجات مش ممكن تحصل. أنا يا حنين وانتِ حاجة واحدة، عمرنا ما هنبقى حاجتين. فـ أنا سايب نصي التاني وماشي، بس يوم ما أرجع لازم الاثنين يكملوا بعض. انتِ عمري كله والله. روحي عايشة عشانه. اوعديني يا حنين إن الأسبوع ده لما أرجع ما توجعيش قلبي تاني، لأن أنا فعلاً اتوجعت بما فيه الكفاية، بس والله صابر وساكت عشان باحبك."
كانت حنين تشعر بالقهر الشديد، فهي لا تريده أن يذهب ولكنه يجب أن يذهب. كانت تعلم جيدًا، بل أيقنت أن يامن حبيبها، وأنه هو الرجل الوحيد الذي ستشعر معه بالأمان.
وهنا بدأت تتكلم بهدوء:
"أوعدك يا يامن، أوعدك إني أحاول أسيطر على نفسي. أنا مش عايزاك تفكر إني باعمل كده بكيفي. أنا باعمل كده غصب عني، غصب عني اللي أنا فيه. اللي شفته في حياتي مختلف وصعب، بس العيشة معاك الأسبوع ده رجع لي جزء كبير من روحي. أوعدك إني هافضل مستنياك، وهافضل أحاول وأحاول عشان إحنا نستاهل فرصة تانية."
ليهدأ يامن ويبتسم. ابتسمة ساحرة وقبّل يديها. لم يكن قادرًا أن يتركها، ولكنه كان عليه الذهاب. أوصلته إلى العربة وظل واقفًا لبعض الوقت، لا يستطيع أن يتركها وهي تذرف الدموع لفراقه. فهتف هامسًا:
"ممكن آخر حاجة أشوفها ابتسامتك؟ عشان خاطري، عشان خاطري، ما أقدرش أستحمل أمشي ودموعك دي هتموتني."
ابتسمت له، ليقبّل يدها ويقول:
"راجع يا قلبي إن شاء الله. ويوم ما أرجع مش هافرقك أبدًا مهما عملتي."
وركب عربته بصعوبة ورحل، وهي تنظر إليه وهو يبتعد ودموعها تتساقط بشدة. وهنا أدركت أنه هو حبيبها وأمانها، وأنها لا تستطيع أن تبعد عنه. أدركت حنين أنه هو الأمان بعد رحيله، فشعورها بالخواء الداخلي. أدركت أن برحيله روحها ستنسحب منها مرة أخرى، وقد استكفت مما هي فيه. لقد كَلَّ قلبها وتعب وطلب قربه، وهي استجابت وتنتظره على أحر من الجمر.
لتنحل عقدة حنين بالعطاء، فيامن أشبعها حبًا ورحل، لتدرك أن برحيله سيشح العطاء في حياتها. لتعود مرة أخرى أدراجها إلى البيت محملة بالهموم، فقد جاءت عليها الدنيا كثيرًا، وقد آن لها أن ترتاح وقلبها يهدأ ويتنفس. قالت في نفسها إنها ستعطي نفسها هذا الأسبوع فرصة عظيمة لتعرف مدى عشقه لها، ولتدرك أنها قادرة على أن تتغلب على مخاوفها مرة أخرى.
مرت أيام الأسبوع شديدة عليها، وهي تحس أنها لا تعيش، وأن أيامها كلها مثل بعضها. وأن شغفها الذي كان يسقيها يامن إياه قد فقدته. وكان هو يكلمها كل يوم ولا يتركها إلا على النوم. كان يوصلها عشقه باشتياق، وهي كانت تستجيب له بشدة، وكان هو سعيدًا أن أخيرًا أصبح فيه أمل كبير أن تكون له وحبيبته إلى الأبد.
في نهاية الأسبوع حدثت مشكلة كبيرة في عمل يامن، واضطر إلى أن يسافر ليحل تلك المشكلة. ليمر أسبوعان آخران، لتحس أنها لم تعد قادرة على بعده أكثر من ذلك. وفي تلك الأثناء، كانت قد تحسنت الأمور ورحلت سمر وهي إلى بيتهم، وظلت هي وماجد بمفردهما، وأصبحت تشعر بالبؤس الشديد من وحدتها، وأنه قد طال عليها وحدتها، وأنها تشتاق كثيرًا لعودته.
وفي إحدى الأيام، كانت منهمكة في العمل، إذا بأبيها يستدعيها إلى الكوخ، فاستغربت كثيرًا. لتكمل طريقها إلى ذلك المكان. وفي الطريق، قبل أن تصل إلى الكوخ، تتفاجأ بمنظر أوقف قلبها. لتجد على الجانبين ممرًا مزينًا بالورود وشموع. نظرت بدهشة إلى جمال ذلك الشيء، وأحست برقصة في قلبها. وكان الطريق يلهمها أن تتقدم إلى مكان المكان. وكان الطريق وطول الممر كان طويلاً ومزينًا بالورود والبالونات والكريستالات المضيئة. فكان كأن الليل يبدو كأنه نهار رائعًا. وكانت تمشي مسحورة في ذلك الممر حتى وصلت إلى الكوخ.
لتجد الكوخ مزينًا عن آخره بالورود الحمراء والبيضاء، وكان يشبه كوخ الأميرات. وقلبها يرجف بشدة، وأحست بسعادة لا توصف. وفتحت باب الكوخ، لتجد في المنتصف دائرة كبيرة من الورد، يتدلى منها بعض الكلمات التي كتبها يامن إليها، وتدل على حبه الشديد إليها. كانت كأنها تحلم، وكأنها دخلت في عالم الخيال.
اقتربت من الدائرة الكبيرة لتمسك الكروت المتدلية، والتي كانت مزينة بالورود ومرصعة باللؤلؤ. وكل ما فتحت كارتًا، تجد فيه من العشق ما يجعل قلبها يرجف ويهوي، ودموعها تنزل. وظلت تفتح كارتًا وراء آخر، حتى وصلت إلى آخر الكروت، والذي أخبرها أن تستدير بهدوء.
لتستدير، لتجد يامن يقف أمامها في هيئته الرائعة، يرتدي حلة رائعة. كان ساحرًا رائعًا. أحست بقلبها سيخرج من مكانه من السعادة. فقد مرت ثلاثة أسابيع دون أن تراه. ل تدرك مدى عشقه، وقد استوحشته كثيرًا، واشتاقت إليه بشدة.
ليمُسك يدها فجأة ويقبلها، ثم ينحني ويجلس على ركبتيه، وقد أخرج علبة صغيرة من جيبه. لينظر إليها بعشق ويقول لها:
"وحشتيني يا نور عيني... تقبلي تنوري حياتي وتدخليها ملكة على دنيتي... تقبلي تتجوزيني؟ تقبلي أن أبقى شريك حياتك؟"
هنا أحست بالدموع تتساقط من عينيها، ولم تعرف ماذا تقول. لتبتسم له ولا تعرف ماذا تفعل. ليقوم بهدوء، وياخذ الخاتم ويمسك يدها، ويضعها في إصبعها. لتنظر وهي غير مصدقة أنها تشعر بكل هذه السعادة. فهي حقًا أيقنت أنها سعيدة. وظلت تنظر إلى الخاتم فترة ودموعها تنزل. ثم نظرت إليه وابتسمت ابتسامة ساحرة.
ليتقدم منها بسرعة ويحملها ويظل يدور بها، وهي تضحك، وهو يقول:
"أخيرًا يا عالم! أخيرًا حبيبي خلاص بقى بتاعي وهيفضل جنبي. أنا حاسس إن قلبي هيقف من الفرحة. وحشتيني يا عمري، ووحشني كل حاجة فيكي. كنت حاسس إني سايب روحي، ودلوقتي رجعتلي."
وظل يلهبها بكلمات السعادة والحب، وأخذها في أحضانه، وأحس أنه ملك الدنيا وما فيها. ليظهر الجميع فجأة، والدته وسمر وماجد وبعض المقربين من المزرعة، وظلوا يصفقون بشدة.
ويتجه يامن بحنين إلى والدها ليقول له:
"اسمح لي يا عمي أطلب يد أميرتي وحبيبتي حنين تبقى زوجة لي طول عمري."
هنا ابتسم والدها واقترب واحتضنه وقال له:
"انت أخذت جوهرة، خلي بالك منها."
اقترب من ابنته، والدموع تنزل من عينيه:
"أنا عارف يا بنتي إنك هتبقي سعيدة، لأنك خلاص وصلت لبر الأمان. وأمانك هو يامن يا حبيبة أبوكي."
واحتضنها وقبلها، لتبكي من فرط سعادتها. كان الجميع سعيدًا. ليتفقا على موعد الزفاف. وكان قرر يامن أن يأخذ حنين معه، وهي وافقت على مضض، حتى يعدا للزفاف. وظل طوال الأسبوع منشغلين في إعداد متطلبات الزفاف. وكانت هي مشغولة في إعداد فستانها وأشيائها الخاصة، لتصبح عروسًا أخيرًا بعد تلك السنين التي لم تكن تتخيل أنها في يوم ما ستكون أنثى تدخل دنيا فيه الحب.
جاء يوم الزفاف، وانتظر يامن عروسه بفارغ الصبر، فهو لم يعد يستطيع أن يتحمل بعدها أكثر من ذلك. لتدق الموسيقى مرة واحدة، ليرى أميرته الرائعة تلبس فستانًا مثل الملائكة، فستانًا يليق بها وبجمالها. وتضع يدها في يد أبيها، ويبدو على وجهها السعادة والفرح. ليبتسم بحب ووعدها في نفسه أن الابتسامة وتلك السعادة لن تفارقها أبدًا.
ظلا ينزلان، هي وماجد، وقلب يامن يخفق بشدة، إلى أن وصلت إليه. ليسلمه إياه ماجد ويتركهما معًا.
أخذها بين يديه وهو لا يصدق أنها أصبحت حلاله وملكه، وأنها بعد الآن لن تفارقه أبدًا. أخذها من يدها وظل يرقص معها ويضمها إليه بشدة، وكان هما بمفردهما، لا يحسا بشيء. ينظر هو إليها بحب شديد وهو لا يستطيع أن يفارق عينيها عينيه. أما هي، فكانت في حال غير الحال. كانت سعيدة، حالمة، جميلة، مستسلمة أخيرًا، تشعر بالأمان، أخيرًا وجدت نصفها الآخر. أخيرًا اكتملت حنين لتصبح أنثى كاملة بحب زوجها الشديد، وهو يحيطها من كل جانب.
مر الزفاف كالاحلام وانتهى، وأخذها زوجها إلى بيته، إلى بيتهم. كان قد جهز جناحًا كاملاً في البيت لهم، مجهز بكل شيء، كأنه شقة كاملة بداخل الفيلا، لا تحتاج حبيبته إلى شيء آخر. وكان ذلك تحت إشرافها واختيارها تمامًا. ليحملها ويصعد بها إلى جناحهم، وهو غير مصدق أن زوجته، حبيبته حنين، أصبحت له. إنه وأخيرًا سينام قرير العين وهي في أحضانه.
دخل كل منهم وغير ملابسه، وأدى صلاتهم. لياخذها ويقبل يدها، وبدأ يتكلم معها هامسًا:
"أنا مش مصدق نفسي إني أخيرًا بعد العذاب ده كله بقيتي قدامي وهتبقي ليا. صدقيني يا حنين لو قلت لك قد إيه باحبك، لو قلت لك قد إيه انتِ الدنيا بتاعتي، انتِ مش هتتخيلي اللي جوايا عامل إزاي. من يوم ما شفتك وانتِ انغرزتي في قلبي. كنت بتحنن عليكي، وبالأيام عرفت إنك الدنيا اللي عايزها ولازم تبقي بتاعتي. عافرت وكل أملي إني أغرز خبي جوامي. كنت بتصديني، ومل ما تصديني اتحنن عليكي أكتر. كنت تحدي في الحب، لأني لو فقدته هفقد روحي. ولما آذيتك كان غصب عني واتوجعت ومت كل ده، وعمري ما قدرت إلا إني أحبك. شهور بعدك حسستني إني خلاص هوصل لمرحلة الجنون. كل حاجة بتوجعني من بعدك، مش متخيل إنك مش موجودة. بس لما لقيتك حسيت إني بتنفس، وحلفت إنك هتبقي بتاعتي حتى لو خدتك غصب. أنا كل اللي أتمناه إنك تنسي كل القسوة اللي أنا عملتها، كل الوجع اللي أنا وجعته لك، وأوعدك من دلوقتي لحد ما نفسي يروح مني، إن ما فيش يوم هيعدي وإحنا زعلانين من بعض. حتى لو حصل، أوعدك إنك هتزعلي وأنتِ في حضني، مش هأسيبك إلا وإحنا كل اللي بينا هو كل الحب. عارفة يا حنين، أنا حاسس إني ملكت الدنيا، وأنا حاسس إني بقيت عند ثقتك، وعمري ما أتخلى عنك، وعمري ما هبقى إلا أمانك ودنيتك."
كانت تسمعه والدموع تنزل من عينيها، ثم بدأت تشد على يديه وابتسمت وقالت:
"عارف يا يامن، من يوم ما شفتك وأنا قلبي رجف رجفة غريبة. من يوم ما شفتك حسيت إنك أقوى مني، وإنك تقدر على الكبر اللي جوايا. أنا كنت واحدة تانية، شديدة وقوية، وبأعمل إني قوية وشديدة عشان قلبي يعرف يعيش. ولما شفتك حسيت إنك تقدر على الشدة دي، وإنك هتخشلي جوه قلبي. وحاولت كتير أبعدك، حاولت كتير. بس انت ما ادتنيش فرصة. كنت سعيدة، أنا أول مرة أكتشف حاجات في نفسي أنا ما اعرفهاش. كنت سعيدة إني بنت تقدر تحب وجواها مشاعر، أنا كنت فاكرة إن أنا ما عندي مشاعر. كنت فاكرة إني ميتة، بس انت أول ما دخلت حياتي حسيت إني عايشة، وإن نفسي والله وروحي بتترد ليا. لحد ما حصل اللي حصل أول مرة، واتوجعت منك قوي، وما صدقتش انت بتعمل ليه كده. كنت متأكدة إنك عايزني، بس ما عرفتش انت ليه عملت كده. ولما عرفت فقدت الأمان تاني، لأنه ممكن بسهولة أي حد يفرق بيننا. ورجعت انت تاني تحاول وتحاول، وكنت قربت أرجع لحد ما وجعتني تاني مرة. المرة دي بقى هي اللي خلتني أموت بجد، لأني باحبك قوي قوي قوي. أنا باحبك فوق الوصف، وتوجعت منك عشان الحب ده. مكنتش متخيلة إني هقدر إنه يروح كده بالساهل. كنت حاسة إني هتجنن، محتاجاك في حياتي، محتاجة حضنك، بس مش قادرة إلا إني أبعد عشان الوضع كان صعب. بس انت يا حبيبي أجمل حبيب، تحملتني وصبرت عليا. حسستني بأمان الدنيا كله، وإني ما أقدرش أعيش من غيرك. انت يا حبيبي السبب في إن أنا موجودة دلوقتي بين إيديك، وانت معايا وأنا معاك، وهافضل طول عمري ممتنة لك إنك ما سبتنيش، لأنك لو كنت سبتني كنت هاموت وهافضل طول عمري لوحدي، ميتة من غير روح، لأنك روحي. ما ينفعش نبعد عن بعض. أنا مش عارفة انت إيه الحب اللي جواك ده اللي خلاك تستحمل ده كله. أنا عارفة إني كنت شديدة، بس غصب عني، كان فوق مقدرتي. بس صدقني، انت دلوقتي قدام عيني بقيت عشقي. ما بشوفش حاجة تانية، مش عايزة حاجة تانية، ولا هاعوز. أنا أخذت كل اللي أنا عايزاه، أخذت حبيبي اللي بحبه، وخدت حبيبي اللي بعشقه، أخذت الدنيا. لو كنت فاكرة إني ما ليش فيها مكان، بقيت بأحب وبتحب، بقيت بنوتة ليها نصيب إنها تعيش سعيدة بسببك. انت السبب يا يامن، كل حاجة أنا عشتها وهاعيشها وباحبها. بأقولها لك في الآخر، أنا حاسة معاك بأمان الدنيا كله، وإني أنام على صدرك وأغمض وأرتاح، وعمري ما أفكر في حاجة تانية، لأن إيديك هاتحضني، هاتحوطني وتحميني طول عمري."
كان ينظر، ينظر إليها، ولا يصدر حركة، كان مبهوتًا بكم المشاعر التي ألقاها عليه كلماتها الرائعة. واقترب منها وهو يهيم بها. أحسست بالخجل الشديد، ليحتضنها لفترة طويلة، وبدأ يقبل رأسها ويتنهد. وبدأ يتلمسها في حنان. ذابت معه خجلًا، وبدأ يضمها، وانفعالاته فيها، وهيا قد أصبحت حالمة، محبة، أشعلته بشدة. فلم يعد قادرًا على بعدها أكثر من ذلك. ليحملها بين يديه، فهو تخيل كونها بين يديه، ولكنه لم يكن يتخيل أن الواقع بهذا الجمال. بحب وشغف رهيب، وهو مغيب بمشاعره، وهيا قد تحولت لفاتنة خلبت لبه وعقله. لينخرط معها وبها، ليذهب بها إلى عالم الحب الذي سيطفئ به لهيب قلبه. ليظلا يهيمان ببعضهما فترة من العشق الصريح، ليطمئن لوجودها أخيرًا، سعيدة، حالمة، تلهبه بحبها، وتوقظ مشاعره، وتسقيه منها على أكمل وجه.
كانت ملحمة حب رائعة، أفرغا كل مشاعرهما فيها. وكان هو ينهل من عشقها حتى ارتوى، وناما هانئين. ليبدأ حياتهما معًا، ليتحقق أخيرًا حب كل منهما للآخر. وتعود حنين الأنثى التي لها الحق وكل الحق أن تأخذ نصيبها من الدنيا، وأن تأخذ نصيبها من الحب، وأن تجد في دنياها من يحبها ويعشقها، وتحبه وتعشق، ويفضل يامن هو المحب الذي كافح وصبر حتى وصل إلى حبيبته. ليتحول الإكراه إلى إدمان، ويصبح حبهما هو الشعله التي سيعيشان عليها ويبنيا عليها سعادتهما.