تحميل رواية «حارة تايسون» PDF
بقلم زينب سمير
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بظلمات الليل، شارع نائي بشوارع مدينة القاهرة، به عدة مباني غير مسكونة، يعمه الهدوء والسكينة. سكينة مرعبة ليست بالتي تدفئ القلب بالاطمئنان بل ترهبه أكثر، يجعلك عندما تدخل أوله تهرول لتغادره. بأحدي جانبي الطريق وقفت سيارة تضم ثلاثة رجال، طوال القامة، أقوياء الجسد تبدو على ملامحهم علامات الإجرام، يمتلكك شعور بعدم الراحة منهم والخوف عند النظر إليهم. نظر أولهم لباقيتهم وهو يردف بقلق غريب: "على واحد مثله يملك تلك القامة وهذا الجسد! الليل ليل علينا ودلوقتي مجبناش المطلوب ل البية." أردف الثاني وهو يمشط...
رواية حارة تايسون الفصل الأول 1 - بقلم زينب سمير
بظلمات الليل، شارع نائي بشوارع مدينة القاهرة، به عدة مباني غير مسكونة، يعمه الهدوء والسكينة.
سكينة مرعبة ليست بالتي تدفئ القلب بالاطمئنان بل ترهبه أكثر، يجعلك عندما تدخل أوله تهرول لتغادره.
بأحدي جانبي الطريق وقفت سيارة تضم ثلاثة رجال، طوال القامة، أقوياء الجسد تبدو على ملامحهم علامات الإجرام، يمتلكك شعور بعدم الراحة منهم والخوف عند النظر إليهم.
نظر أولهم لباقيتهم وهو يردف بقلق غريب:
"على واحد مثله يملك تلك القامة وهذا الجسد! الليل ليل علينا ودلوقتي مجبناش المطلوب لـ البية."
أردف الثاني وهو يمشط الشارع بعينيه:
"نستنى في الشارع دا شوية، لو لقينا حد معدي يبقى دا قدره، ملقناش يبقى نروحله فاضيين وأمرنا لله."
صاح ثلاثهم بزعر:
"عايزين تروحوا فاضيين روحوا، لكن أنا مهرجعش غير بـ طلبه، ياما مش هتشوفوا وشي تاني."
نظر له الأول بسخرية وكاد يتحدث، لكن توقفت الكلمات بحلقه وهو يرى فتاة تأتي من بعيد، راكبة دراجة نارية تقودها ببطء شديد يدل على خوفها وقلقها الواضح من المكان.
ابتسم بشر وعينيه مرتكزة عليهم، قائلاً لهم:
"العروسة وصلت."
نظروا لحيث ينظر فتوسعت عيونهم وهي تتقدم بالدراجة منهم، حيث وضحت الرؤية ورأوا فتاة جميلة بملابس جريئة تتقدم منهم. لم يسمحوا لنظرهم أن يتفحصها بكل تعمق، بل فقط رأوا ما أرادوا وهو أنها ضعيفة الجسد وهذا المطلوب ليسهل مهمتهم.
كان ما يفصل بينهم متراً، قطعوه هما عندما توجهوا نحوها بخطوات قوية. لمحت فتوقفت بدراجتها بقلق، أرعبها مظهرهم ولم تعرف ماذا عليها أن تفعل.
كادت تتوجه بدراجتها لناحية العودة مرة أخرى، لكن أحدهم سبقها ووقف على نهاية الدراجة وآخر بأولها، والثاني وقف جوارها تماماً.
نظرت لثلاثتهم برعب ناطقة:
"انتوا مين وعاوزين مني إيه؟"
قال واحد منهم بصرامة يأمرها:
"امشي معانا."
صرخت بوجل وهي تستعد لترك دراجتها:
"أمشي معاكوا فين، انتوا مجانين ولا إيه؟"
لم تكمل عبارتها ووجدت واحد منهم ترك مكانه ووقف خلفها مباشرة. صرخت برعب وهي تنظر له، لم تعرف ماذا تفعل، كل ما جاء على أفكارها أنها تركض، ولكن قبل أن تفعل، كبل وثاق يديها الرجل وجاء الاثنان الآخران وساعدوه بتحكيم تكبيله حولها. ظلت تتحرك بين أيديهم في محاولة منها للهرب، لكن لم تستطع.
هتفت بضعف:
"سيبوني وهديكم اللي انتوا عايزينه، سيبوني والنبى."
لكن واحد منهم رد بأسف:
"للأسف البية مش عايز فلوس، البية عايز واحدة نسوان وحظك وقعك في إيدين."
لم تفهم عبارته، حاولت أن تتحدث لتفهم، أن تصرخ لعل أحداً يسمعها، لكنه أغلق فمها بلاصق أخرجه من جيب بنطاله بلحظة سريعة وهو يردد:
"شكلها فارعة وصوتها فيه الروح وأنا معنديش خلق لـ كهن البنات دا."
ومن كثرة حركتها وصراخها خمدت قواها بعد دقائق وغابت عن الوعي.
حملوها الثلاثة من داخل السيارة وأخرجوها منها، بعدما وصلوا للمكان المنشود، منزل عبارة عن طابقين مساحته ليست بهينة، له طلة حجرية تعطيك إشارة عن كونه منزل ذات أثاث قديم أثري فخم.
ترك أحدهم جسدها بيد الاثنان الآخرين وتوجه للباب طارقاً عليه، لحظات وطلت الخادمة "أم السعد". لم تكد تتحدث ولمحت الفتاة رمقته بعدم فهم وقلق ونظرت للطارق الذي ما كان سوى "جعفر" بنظرات مستفهمة، إلا أنه تلاشاها وكأنه لم يفهمها هاتفا:
"الـ بية جوه؟"
ردت مختصرة:
"مستنيك من زمان في أوضة المكتب."
أشار للاثنين الآخرين أن يتبعوه وهي نائمة بين أيديهم. هتف واحد منهم وهو يرمق الفتاة التي بين ذراعيه:
"الباشا هيفرح أوي بالعروسة."
نظر لها الآخر بعيون وقحة مردداً:
"البت الحقيقة وتكة أوي."
طرق جعفر على باب غرفة المكتب ثم دخل بعدما أذن له سيده بذلك. قبل أن يدخل أشار لهم أن يقفوا أمام الباب ولا يدخلوا إلا إذا نادهم. قطع الخطوات الفاصلة بين الباب ومكتب السيد حتى وقف أمامه.
نظر لسيده فوجده يطالعه بنظراته التي تشعرك بالتعرية أمامه، يشعرك كأنه يقرأ دواخلك.
جعفر وقد رجفت جفونه:
"تايسون بية..."
قال اسمه وتوقفت الكلمات بحلقه، فهو أتى بالمطلوب ولكنه ليس واثقاً إذا كان محققاً لشروط السيد تايسون أم لا.
"إممم."
هكذا كان رده، وتابع:
"جبت اللي عايزه؟"
جعفر يماؤه برأسه:
"أيوة ياباشا."
ودون أن يترك مجالاً للقلق ليراوده، نادى الرجلين الواقفين أمام الباب بالخارج ليدخلا لهم. لحظات وكانا يدخلان وهي بيدهم. تعلقت عيون تايسون بها وهي بين أذرعهم. أشار لهم أن يضعاها على الأريكة الموجودة بغرفة المكتب. وضعاها، فأشار لهم بالمغادرة.
نطق جعفر:
"أمشي أنا كمان؟"
أشار له بنعم، فغادر مع الآخرين وهو يتنفس الصعداء أخيراً.
وعاد هو بنظراته نحوها، جالس ببصره عليها من أول خصلات شعرها البنية الحريرية القصيرة التي تصل بالكاد لمنتصف عنقها، لحتى عنقها المرمري الأبيض، لكنزتها القصيرة ذات الأكتاف المعراة، مرتدية عليه بنطال قصير "شورت" يصل لقبل الرقبة بقليل وحذاء رياضي. كانت طلة جريئة رياضية، أعجبته الطلة وبالتالي صاحبتها أعجبته. حيث عاد بنظره لوجهها مرة أخرى يتفحصه هذه المرة بكل تركيز.
عيونها واسعة ظهر هذا رغم جفونها المغمضة، رموشها كثيرة وكثيفة، أنفها رفيعة منحوتة، شفتيها... آه من شفتيها لم يستطع أن يمررها مرور الكرام بلونها الأحمر الطبيعي وصغرها. كانت صغيرة لكنها مكتنزة.
لم يفكر كثيراً، بل هبط بوجهه نحوها عارفاً ما سيفعله، سيقبلها، سيقبلها.
كادت أن تصل شفتيه لخاصتها لكنها فتحت عيونها فجأة بتلك اللحظة.
فابتعد وانتفضت هي جالسة في مكانها خائفة. نظرت للمكان حوله وله بعيون مرتعبة صائحة:
"أنا فين وانتوا عايزين مني إيه؟"
كانت خائفة ولها الحق، فهي غابت فجأة عن جنة الحياة لتستيقظ في جحيمها.
لم يرد، كان يراقبها بعيون لا تحتوي على أي تعابير، ووجهه جامد كذلك. حاولت أن تنهض عن مكانها لكن يده منعتها. نظرت له بغضب صائحة:
"انت مين؟ وعاوز مني إيه؟ ومين جابني هنا؟"
أجابها ببرود بعد صمت دام للحظات:
"مين جابك؟ رجالي. أنا مين؟ تايسون. عايز منك إيه؟ ولد مني صلب..."
هي هنا لأمر ما، هل ستستطيع تنفيذه؟ هل ستوافق عليه من الأساس؟ أم ستفعل المستحيل لتهرب من براثنه!
نقلت أبصارها من على باب المنزل لزوجها الجالس بقلق يحاول إخفاءه. عيونها كانت دامعة وهي تنطق بحزن:
"نصر."
نظر لها مستفهماً، فتابعت بقلب أم تشعر بخطر على فتاتها:
"حاسة إنها مش بخير."
نفس إحساسه، بل تفكيره كان يتخيل الأعظم وما يوجعه فكرة أنه من الممكن أن يكون السبب. عمله كضابط رَبي له كثيراً من الأعداء، فهل من الممكن أن يكون أحدهم ينتقم منه في ابنته؟
كأنه كان ينتظر كلماتها حيث نهض وهو يردف:
"أنا استنيت بما فيه الكفاية لكن فعلاً دلوقتي معادش عندي صبر، الساعة عدت اتنين الفجر والبنت لسة مفيش عنها خبر."
كان ما زال مرتدياً ملابس الشرطة، فعندما جاء أخبرته زوجته بتأخير ابنته فجلس من وقتها ينتظرها. توجه لباب المنزل وقبل أن يغادر أوقفه صوت زوجته "نشوى" الباكي:
"نصري متجيش من غير بنتي."
نظر لها بعيون حانية محاولاً أن يطمئنها بنظراته و:
"متخفيش، إن شاء الله هرجع بيها."
وهل سيفعل؟ هل سيعود بها؟ هل سيجدها من الأساس؟
عودة لحارة تايسون.
كلماته أوقفت عقلها عن التفكير للحظات، ظلت تنظر له بصدمة دون حراك ودون رد فعل. بقي هو يراقبها بلا تعابير تُعتبر. أخيراً فاقت من صدمتها فصاحت بدهشة ممزوجة بعدم فهم:
"وأنا مالي بأبنك؟"
ابتسم مجيباً بثقة غريبة بكلمات ينطقها بكل بطء:
"ما أنا عايزه منك انتي."
أومأت بالنفي عدة مرات كأنها تحاول أن تدخل حديثه لعقلها أو تطرده منه. حركاتها الطفولية بالنسبة له مسلية، تحوذ على إعجابه وتقطع ملله. لقد أحسنوا رجاله في اختيارهم، لأول مرة يقوموا بعمل يطلبه منهم بكل هذا الإتقان والتفوق.
رددت بغضب:
"أنا عايزة أمشي، انت شكلك مجنون أو شارب حاجة، الكلام اللي بتقوله دا مستحيل يكون طبيعي أو خارج من حد عاقل."
ابتسم بسمة مخيفة وهو يقترب منها، قاطعاً ما بينهم من خطوات قليلة حتى صار جسده وجسدها يفصل بينهم فقط عدة سنتيمترات قليلة لا تحتسب. لفحت أنفاسه الساخنة بشرتها فبلا شعور رجف قلبها خوفاً منه وزاد الخوف وتحول إلى رعب عندما استمعت لكلماته:
"اللي بيدخل حارة تايسون مبيخرجش منها غير على كفنه. شوفي بقى اللي بيدخل بيته؟"
باقي كلامك مش هحاسبك عليه لأنك لسة معرفتنيش، لكن بعد ما تعرفيني لو لسانك طول...
ترك حديثه معلقاً وقد اصطدمت عيونه السوداء الكحيلة بنظراتها المخيفة التي تبث بالقلب الرعب بعيونها العسلية الممزوجة بالاخضرار المرتعبة وتابع:
"هقصه، وصدقيني الكلمة اللي بقولها بنفذها من غير ما يرجف ليا جفن."
ودون شعور منها رجف جفنها هي.
بأي جحيم بالله دخلت هي؟
بأي نار ألقت نفسها فيها هي؟
بنار تايسون يا عزيزتي، بجحيم تايسون يا عزيزتي.
ها هي الإجابة قد وصلت لكِ.
رواية حارة تايسون الفصل الثاني 2 - بقلم زينب سمير
بعد صراخ طويل منها لم يجدي نفعه وارهاق ازهق روحها سقطت في النوم اخيرا علي اريكته بغرفة المكتب.
كانت الساعة تصل لـ الثالثة فجرا ولان لا نوم بحارة تايسون خرج من المكتب وصرخ عاليا:
- ام السعد
لم تفوت لحظات وكانت ام السعد تأتي راكضة نحوه.
قال امرا اياها:
- اطلبيلي جعفر
- حاضر ياتايسون بية
اختفت من امام ناظريه لعشر دقائق تقريبا.
اثناءهم توجه هو لـ فرندة المنزل الموجودة بالطابق الاول المطلة علي حديقته.
كان يجول بعقله كثيرا من الافكار كلها تتمحور حول تلك النائمة بالداخل.
لكن جعفر لم يجعل تفكيره يطول حيث جاء صوته اخيرا:
- امرك يابية
تايسون بينما مازال ينظر لحديقته بعيون شاردة:
- احكيلي جبتوها كيف؟
لم يكاد ينهي جملته وكان جعفر يحكي له كل شئ من اول ما قابل الفتاة حتي اتي بها الي هنا.
واخيرا انتهي فجاءه صوت تايسون الهادئ والهدوء دوما في قاموس تايسون يعني ان بعده ستكون هناك عاصفة ترابية لن يطول احدا النور بعدها:
- طالب واحدة لا ليها اهل ولا صاحب علشان اعرف اطلب واؤمر براحتي تروح تجبلي واحدة لبسها يوكلك انت واهلك شهر!
صمت وتابع بنبرة متضايقة:
- زمان الدنيا مقلوبة عليها دلوقتي
التف بجسده فجأة ناحية جعفر فارتعش الاخر بتوتر بيّن وقلق.
فتابع تايسون:
- لو كانت واحدة غيرها كان احتمال يكون انهاردة اخر يوم في عمرك، لكن من حُسن حظك ان البنت دخلت دماغي
بعدما كاد ان يقع من فرط خوفه، سكن فجأة بعد اخر عبارة والتي كانت ك طوق النجاة له.
اكمل تايسون بتخطيط:
- تروح دلوقتي تجيب الموتسيكل وتخفيه خالص
اومأ بحسنا عدة مرات وهو يردد:
- امرك ياباشا
تايسون:
- فين حاجتها؟
- كان فيه شنطة معاها كانت في العربية
نطق بكلمة واحدة يأمره:
- جيبهالي حالا
بعد قليل، كان يجلس علي مقعد مكتبه وعلي سطح المكتب بقيت محتويات حقيبتها جميعها عليه.
نظر لها وهي نائمة امامه نظرة سريعة ثم عاد ينظر لمحتوياتها.
مغلف زجاجي من عطر انثوي له ريحة مثيرة، انعشته وتمني ان يشتمه من علي جسدها هي.
بعض الادوات التجميلية التي لا تتخلي عنها اي انثي.
حافظة اموال وردية اللون تحوي علي عدة وريقات كثيرة من فئة المئتين مما يدل علي مـدي ثراءها.
بطاقة تعريفية عنها مدون فيها اسمها " وعد نصري خالد ".
طال تطلعه لـ الاسم كثيرا، يرمقه باهتمام جلي.
ما كاد يبعد انظاره عنه حتي ارتفع رنين هاتفها.
ما ان امسكه حتي انتهي الرنين فوجد عدة رنات من ارقام كثيرة " MaMy , DaDy " واخيرا المتصل الاخير كان مدون بـ " HaPiPy ".
وعند كلمة ' حبيبي ' تركز بصره، كان يطالع الاسم بدون تعابير علي وجهه تُذكر، لكن بداخله .. كانت هناك نيرانا مشتعلة ان خرجت ستحرق الجميع بلا شـك!
لم يفكر كثيرا بل لحظات وكان يغلق الهاتف نهائيا، ليكون غير متاحا لوالدها ووالدتها وذلك الذي يُدعي حبيبها.
انتهي الليل بين عدة مشاعر مختلطة، حزن، خوف، قلق من مجهول محتوم، معلق بأيد الله والذي سينفذ علي ايـد تايسون.
لم تترك نشوي الهاتف لحظة مازالت كل ربع ساعة تقريبا تهاتف زوجها الذي كانت توتره تلك الاتصالات لكنه لم يستطع ان يفعل شيئا.
فهو خير عليم بحاله زوجته التي قاربت علي الانهيار بالفعل وهي تهمس بقلق داخلي " فينك يابنتي؟! "
لكن .. لا يوجد جديد، تحريات بلا هدف!
عَلي رنين المنزل بتمام الساعة السابعة صباحا، توجهت نشوي نحو الباب بلهفة وفتحته لكن خابت امالها عندما رأت الطارق والذي لم يكن سوي " رامز " خطيب ابنتها المختفية والمفترض بأنه حبيبها.
هتفت باسمه بحزن:
- رامز
هتف بتساؤل قلق وهو يمشط المنزل الظاهر خلفها بعينيه:
- طنط .. فين وعد، من امبارح برن عليها ومبتردش
وعندما جاءت سيرتها تجمعت الدموع بعيونها، قلبها يؤلمها علي صغيرتها المختفية تشعر وكأنها ستسقط باي لحظة.
وبالفعل كادت ان تسقط لولا انه مسكها من اكتافها هاتفا بقلق:
- طنط ..
اسندها حتي ادخلها واراحها علي الاريكة.
حاولت ان تتماسك وهي تجيبه بدموع:
- وعد مختفية من امبارح يارامز
انصدم عندما استمع لتلك الحقيقة.
توقف عقله عن العمل وفقط ظلت كلمة واحدة تتردد داخل ثنايا العقل " وعد مختفية .. وعد مختفية ".
اين انتي ياوعد؟ في اي اراضي العالم تسكنين؟
تأوهت بآلم وهي تتحرك علي تلك الاريكة، فتحت عيونها بضيق من اشعة الشمس المتوجهة علي عيونها.
لكن الرؤية لم تُوضح، فتحتها عدة مرات واغلقتها حتي استطاعت ان تضبط الوضع.
ففتحتها اخيرا علي وسعها فوقعت علي الجالس امامها علي مقعد وضعه امام الاريكة تماما.
اعتدلت في جلستها سريعا تنظر له بقلق.
اذن هي لم تكن تحلم، بالفعل تم اختطافها بالامس!
هتف ببسمة مستفزة بعدما طال تبصرها له:
- صحي النوم ياعروسة
قالت وهي تستعد لتنهض من مكانها:
- انا عايزة اروح
جاء ليتحدث فقاطعته بحدة:
- ومتفتحش حوارات مفيش مشيان والكلام الاهبل دا، انا همشي يعني همشي
حرك كتفيه بلامبالاة ناطقا:
- انا كنت ممكن امشيكي في حالة واحدة وهي لو انك معجبتنيش
مشط جسدها بعيون وقحة ماكرة متابعا:
- لكن للاسف انتي عجبتيني واوي كمان، فمش هتمشي من هنا حتي لو هتجيبيلي وجع راس وصداع
كانت كلماته مدروسة، يعرف ما سيقوله وواثقا بحروفه كذلك.
وعرفت ان اسلوب العند لن يجدي نفعا.
اذن فلتجرب اسلوب المحايلة:
- طيب عايز مني اية؟ عايز فلوس انا عندي استعداد اعطيك اللي عايزها
اومأ بالنفي هاتفا بتلذذ واضح:
- الفلوس متهمنيش، اللي عايزه ميتقدرش بتمن وانتي عرفتيه كويس
قالت برجفة:
- بس انا مقدرش اعمل كدا، اولا انا مخطوبة و....
لم تكمل حديثها وكان قد نهض عن مجلسه ووقف امامه.
امسك يدها التي تحمل الدبلة التي تربطها بخطيبها ونزع الخاتم منها.
وضع حلقة الخاتم امام عيونها و:
- لو علي الخطوبة فالخاتم مش في ايدك، يعني مفيش رابط يجمعك بيه
قالها بسهولة شديدة!
كأنه سيرغمها علي تناول وجبة لا تحبها! ليس يغرمها علي امر سيعود عليها بكل الخسائر.
وجودها معه الان اساسا يعد اول تلك الخسائر!
حسنا .. ستكمل الحوار لحتي نهايته لذا .. تابعت بهدوء:
- من كلامك ومن طريقة مجيبتكم ليا انك عايز اي حد والسلام تجيب منه طفل، مش هامك مين هو بالتالي مش هتتجوزه، انا مقدرش علي كدا
كأنه فهم ما تحاول فعله واي سياسة ستتخذها معه في الحوار.
وكأنه جهز لكل شئيا مسبقا وعلم بكل الاسئلة التي ممكن ان تطرحها عليه فجهز لها الاجابة.
لذلك قال:
- هنتجوز علي سنة الله ورسوله
نظرت له بذهول فتابع هو:
- انا مكنتش ناوي ابدا علي الجواز بس انتي عجبتيني واللي يعجبني لازم اريحه علشان يريحني
قالها وهو يغمز لها فصرخت بغضب من حديثه ومن الحال كله:
- انت شكلك اتجننت
وبالحقيقة .. تايسون لديه استعداد ان يتحدث معك مـدي اليوم وطوال الحياة لكن بصوتا منخفض.
اذا ارتفع فقط الي حد لا يستطيع تحمله، ستري منه ما لا تستطيع ان تتحمله انت ايضا.
ولذا عندما ارتفع صوتها امامه احكم قبضة يده حول ذراعها ليقربها نحوه جاعلا وجهه يقابل وجهها وعينيه تتواصل مع عيونها.
وهو يردف بتحذير:
- نصيحة رقم واحد .. في حضرة تايسون صوتك ميعلاش علشان ميخفهوش من وش الدنيا خالص وانتي معاه كمان
اجفلت من حديثه ورغم قوتها التي ظهرت رغم قليل دمعت عيونها، وظهر فيهم حيرتها من الامر الذي تعيشه لاول مرة ولم تتوقع يوما انها ستحي فيه ولا حتي بأحلامها واسواء كوابيسها.
لم يعطيها مجالا لـ التفكير او الرد وهو يقول:
- مفيش مهرب مني، دخلتي الحارة فملكيش طلوع ولو طلعتي يبقي لازم تدفعي قبل ما تطلعي تمن حريتك دي
صمت لـ لحظة وتابع بقسوة:
- والتمن هو طفل منك يكون من صلبي.
وثم .. لا حديث اخر قيل بعد الذي قاله!
ابتعد عنها كما اقترب فجأة مرددا:
- هسيبك انهاردة تفكري واتمني مسمعش غير اللي عايزه لانه كدا كدا هيحصل سوا وافقتي او رفضتي، الفرق انه هيحصل بالغصب يا...
ابتسم هاتفا بأستفزاز:
- عروسة.
ما حدث بعد ذلك لم تفقه هي، حيث جاءت لها سيدة كبيرة بالعمر اخذتها من يدها وصعدت بها لـ الطابق العلوي ادخلتها لغرفة موضبة بأثاث عصري عكس الطابق السفلي ذو الاثاث الاثري.
وجدت علي الفراش منامة حريرية ذات ماركة مشهورة بـ بنطال طويل وكنزة طويلة بأكمال لونها ازرق.
نظرت لها بتعجب فقالت ام السعد:
- الباشا جابهالك هي وكام طقم في الدولاب
واشارت لـ خزانة الملابس الموضوعة بإحدي اركان الغرفة متابعة حديثها:
- علشان تتشطفي وعقبال ما تخلصي هجهزلك الفطار
لم ترد ولم تنتظر ام السعد الرد فلا يهمها ما ستقوله، الاهم هو تنفيذ اوامر تايسون وفقط.
بعدما كادت تخرج وقفت عند الباب وكأنها تذكرت شيئا يجب ان يُقال، حيث ضربت بيدها علي جبهتها وهي تردف بتذكر:
- الباشا بيقولك متنسيش تفكري في اللي قالهولك
ثم خرجت واغلقت الباب.
ما ان خرجت حتي توجهت هي نحو شرفة الغرفة، مشطت المكان حولها وجدت هناك رجلين يقفا عند بوابة المنزل الخارجي واثنين عند الداخلي.
كانت الشرفة كبيرة تطل علي المنزل من الامام وباقيتها تطل علي الجانب الاخر من المنزل.
من الجانب الاخر استطاعت ان تري الجانب الخلفي لـ المنزل ايضا.
وهناك كان يوجد بابا ايضا لكنه بلا حراس!
اذن .. ما جال بخاطرها تنفيذه سيكون سهلا جدا.
ستهرب منه، ستهرب من ذلك التايسون باسرع وقت واقرب فرصة.
لن تجعله ينال منها فليست هي من تستسلم لقدرا ظالما سيبوء عليها بالمصائب.
ستهرب من ذلك الرجل مهما كلفها ذلك من جهد وتعب، وان لم تفلح تلك المرة ستظل تحارب الي ابـد الدهر حتي تهرب من براثنه.
رواية حارة تايسون الفصل الثالث 3 - بقلم زينب سمير
خرجت من المرحاض بعدما انتهت من الاستحمام.
كانت تستحم وعيونها علي كل مكان خائفة من ان تكون مراقبة.
فلا شئ يبدو غريبا هنا، عالم الخيالات يتحقق امامها.
خطف وطلب غريب، فبالتالي كاميرات المراقبة لن تكون شيئا غريبا.
نظرت لبنطال منامتها، وجدته طويل يصل لبعد مشط قدمها بكثير، يسبب لها اعاقة في الحركة.
فلم تفكر كثيرا قبل ان تجلس علي الارض وتقوم بطيه عدة مرات.
حتى انه وصل لبعد ركبتيها بمسافة قصيرة.
هكذا صار افضل.
وقفت وتوجهت للمرآة لتصفف شعرها.
لا تعلم رغم كونها مختطفة، الا انها تشعر بالراحة ورهبة الامس اختفت.
يبدو انها جنت.
امسكت فرشاه وجدتها علي تسريحة الغرفة، وبدأت بتصفيف شعرها القصير ذو اللون البني.
لكن ما ان وضعت الفرشاه علي شعرها حتي ارتفع صوت صراخ نابع من الاسفل.
صرخات سيدة وبكاء اطفال، وامتزج ذلك بهمهمات اناسٍ كثيرة.
بعدما كان يعم الهدوء علي المكان، تحول الي ضجة.
هرج.. ومرج خلال لحظات لا تعد.
انتفضت تاركة فرشتها وتوجهت بخطواتها نحو الاسفل، بخصلاتها المبللة وبنطالها القصير، حافية القدمين ايضا.
وصلت لبداية الدرج فوجدت ام السعد تهرول من المطبخ لخارج المنزل لتري ما يحدث.
فأخذت السلم ركضا هي الاخري وتوجهت لخارج المنزل عن طريق الباب الذي تركته ام السعد مفتوح، مقررة الهرب من براثنه شاكرة الفرصة التي ساعدتها على فعل ذلك.
لكن وصلت لها توسلات سيدة باكية التي كانت موجهاها نحو تايسون.
"سامحه ياتايسون بية والله هنرجع الدّين اديني مهلة اسبوعين بس والنبي"
اشارت لاطفالها الصغار الصارخين بفزع مكملة:
"ترضالهم ياتيتّموا ويعيشوا من غير اب؟"
لكن كأنها تحادث ثرابا.
بعدما كادت تغادر، توقفت قدماها ونظرت من خلف الاشجار التي كانت تتسرب من خلفها لتهرب.
لتري مشهد كالتالي:
رجل بالثلاثين من عمره تقريبا يحاوطنه مجموعة من رجال تايسون اقوياء الجسد.
بعض اهالي الحارة يتابعون المشهد بعيون فاحصة شاهدة فقط.
سيدة تبكي وتنوح باحضانها اطفال صغار، والرجل مكدس رأسه في الارض بخزي.
خرج صوته البارد ردا على حديث المرأة:
"اها يرضيني، مادام ابوهم مش قد وعده ولا كلمته يبقي دي غلطته وانا معنديش استعداد اتحمل نتيجة غلطته"
قالت ببكاء:
"سيبلنا مهلة اسبوعين ووالله هنرجعلك الالف جنية"
نطق مصححا:
"خمسة، خد الف وقال هيرجعهم خمسة، بس لا الالف رجع ولا الخمسة"
وهكذا كان اساس الاتفاق بينهم، يستلف منه الرجل الف جنية ويرجعه خمسة.
يرجع خمس اضعاف المبلغ وهذا قليل بالنسبة لـ تايسون.
في قانونه لا شئ بلا مقابل، خذ.. واجلب لي الفائدة.
شددت المرأة من احتضانها لابناءها وكأنها تاخذ منهم الدعم وهي تنطق بضعف:
"خلال اسبوعين هرجعهم خمسة"
لم ياتي لها ردا، فعلمت ان العرض لم يعجبه.
نظرت للارض لـ لحظات تفكر قبل ان ترفع عيونها متابعة بخزي:
"هنرجعهم سبعة ونص"
وهنا فقط.. اشار لرجاله الذي يحاوطون الرجل بتركه ونظر لها.
كاد يتحدث وينطق، لكن استوقفه صوت "وعد" التي خرجت اخيرا من مخبئها.
"حرام عليك عايز تاخد ضعف المبلغ سبع مرات! انت معندكش دمة"
تعلق العيون بها وهو اولهم، الجميع يناظروها بدهشة وتعجب منها ويتساءلون بداخلهم "من تلك" التي تجرأت ورفعت صوتها بحضرة السيد.
وعيونه هو كانت تطلق شرارات خاصة وهو يمشط هيئتها بعينيه، فطلتها لم تحوذ على رضاءه اطلاقا.
حذرها بعينيه ان تختفي من امامه فورا، لكنها لم تفهم مقصده بل تابعت:
"الست هتموت قدامك من القهرة وانت مش بتحس، مش من حقك تاخد دا كله هي مفروض تدفع الف"
تعلق عيون السيدة بها بنظرات امل، وهي تكمل:
"وانا هدفعهولك مكانها لحد ما تقدر ترجعه"
بدون ان يحيد بصره عنها صرخ:
"ام السعد"
ردت برجفة ظهرت في صوتها جليا:
"اؤمرني يابية"
نطق بعبارة من كلمتين فقط:
"دخليها جوه"
ورغم ان ام السعد سيدة عجوز، الا انها لديها قوة ليست عند احد، حيث استطاعت ان تجرجرها جرا من مكانها الى الداخل رغم محاولات الاخري بالانفكاك منها والهرب.
نظر هو لـ العيون التي تطالع وعد بنظرات شرسة، فأخفضوا عيونهم فورا.
نظر لـ السيدة و:
"خودي جوزك"
"والدّين يابية؟"
"لو مختفتوش من وشي دلوقتي لا هتشوفيه هو ولا عياله"
مر دقيقتين وكان بالفعل المكان فارغا منهم.
نظر لباقي التجمع وصاح بجعفر دون النظر له:
"شكل الوقفة عجبتهم ياجعفر"
وكما اختفت السيدة وزوجها، اختفت باقي الاهالي.
صعدت بها ام السعد لغرفتها مرة اخري، اوقفتها بقلب الغرفة وهي تردد بتوتر:
"ربنا يستر، البية مش هيعدي طلعتك دي على خير ابدا"
صاحت نازقة:
"لية يعني! دا كله علشان قولت كلمة الحق"
جاءها صوته الشرس الذي ينبئ على ما يوجد بداخله من عواصف حارقة:
"لا.. علشان اتجرأتي وطلعتي كدا قدام رجالة"
نظرت لطلتها، ووجدتها عادية، نعم غريبة قليلا لكن ليست بسيئة، فالمنامة ليست بيتية بشكل كبير، بل ربما يستخدمها احدهم كملابس لـ الخروج والتنزة.
ولذا نطقت بتعجب:
"وماله لبسي؟"
كانت ام السعد انسحبت من بينهم بهدوء، فبقيت هي وهو فقط.
قطة بمواجهة اسد، فريسة بمواجهة صياد، شمس وقمر، ليل وظلام، خير وشر.
مسميات عديدة تصفهم، بالاخير يجمعهم مرادف واحد.. هما مضاديين لبعضهم البعض.
اقترب منها بخطوات خطرة، كل خطوة يقتربها تزيد من رعشتها خاصة وهي تري نظرات عينيه المخيفة التي يزداد سوادها تدريجيا.
وصل لمقرها اخيرا، فأرتعش بدنها برعب وهي تطالعه بنظرات قطة خائفة.
"ملهش لبسك، كل الحكاية ان...."
ترك حديثه معلقا وهو يمرر يده على ذراعها العارية حيث كانت رافعة اكمامها ايضا لما قبل العضد، يمررها ببطء مستفز.
نطق وعينيه بعيونها ويده مازالت تلامس ذراعها بطوله:
"درعاتك الحلوة دي باينة"
ترك ذراعيها وصعد بيده لخصلات شعرها المبللة ومرر يده بخصلاتها بخفة و:
"شعرك الحلو المبلول دا شافه كل خلق الله"
بعد عيونه عنها وركزها على قدميها، نظرت لما ينظر له، فتابع وهو يرفع بصره لها مرة اخري بخبث:
"تحبي انزل المسهم؟"
"هـاقالتها بعيون ساهمة"
فأتسعت بسمته الماكرة وكاد بالفعل يهبط ليلمس اقدامها، الا انها فاقت اخيرا فابتعدت عنه صائحة:
"انت مش محترم وقليل الادب وانا لا يمكن اقعد هنا دقيقة واحدة"
بعد كلماتها عزمت على الرحيل، فصارت بخطواتها نحو الباب، لكن ما ان مرت بجواره حتي امسك ذراعيها واعادها لتقف امامه مرة اخري.
"سيب ايدي متلمسنيش"
لكن محاولاتها باءت بالفشل، فهل ستستطيع عصفورة ان تتحدي الصقر؟
جسد قطة سيماثل جسد اسد؟
بالطبع لا.
ظلت تحاول وتحاول ان تنفلت من بين ذراعيه، لكن بكل مرة كانت تفشل.
صاحت اخيرا بقهر:
"انت معندكش دمة"
جاب ساخرا وعيون ماكرة:
"لا عايش بـ مية وسكر"
نظرت له شزرا و:
"علي فكرة كل محاولاتك دي ملهاش فايدة لاني مستحيل اتجوزك لو اطربقت السما علي الارض ومستحيل اسمحلك تقرب مني"
بعدما خفت حدة نظراته، عادت ابشع من ذي قبل، بل هناك اشباح وعفاريت بدأت تتراقص ايضا بعيونه.
عصر ذراعها بيديه القويتين حتى انها اصدرت "آه" متالمة قوية وهو يصرح بـ:
"مش معني اني قولت هتجوزك يبقي تتغري في نفسك وتفتكري انك حاجة، انا هتجوزك علشان اضمن اني املكك لوقت اطول بس في الاخر برضوا همل وهسيبك، لكن لو مصره قوي على انك متتجوزنيش فعادي.. انا لسة عند قراري هاتيلي عيل وامشي، وبلاها جواز وقرف"
اتسعت عيونها ذهولا من حديثه ونبرة الجدية التي يتحدث بها.
كان واثقا من حروفه وكأنها كلمات طبيعية تخرج من شخص عاقل.
لم تشعر بنفسها وهي تردد بدهشة:
"انت اكيد مجنون"
ورده كان سريعا وهو يدفعها نحو الفراش لتسقط عليه، ثم يسقط هو بجسده كله عليها حتى كبلها كلها بكامل جسده وهو يهتف بكلمات تنذر بالخطر:
"تحبي اوريكي جنوني دلوقتي ممكن يوصلك لفين؟"
والتي كانت تتحدث منذ قليل بقوة تحولت لعصفور مبلل الان.
تجمعت الدموع بعيونها من الخوف وهي تنظر له بنظرات مستعطفة تحاول ان تستعطفه بها.
لكن.. لم تهتز شعرة فيه حتى.
نطقت برعب:
"ارجوك ابعد"
"لما تعتذري الاول"
آبت ان تفعل، فزاد من ضغطه عليها.
شعرت بالقهر من ما يحدث، فوجدت لسانها ينطق:
"انا آسفة"
"ياتـايسـون"
نظرت له بغل، فبادلها نظراتها بأخرى تحذيرية فتابعت بضيق:
"انا آسفة ياتـايسـون"
وكانت تلك اول مرة تنايبه باسمه هذا، وكم كان لطيفا وهو يخرج من بين شفتيها المكتنزة المغرية.
حتى انه اراد ان يسمعه الى ابد الدهر، ليصل لاعمق اذنيه، وبالتالي لخلايا عقله، تاركا اثره هناك.
يبدو انه جـن.
هل هذا تايسون؟
ذلك الذي ظن الجميع انه جاهل بمشاعر الحب والاعجاب وكل ما هو لطيف.
من يتسطح على جسد وعد الان يبدو كرجل سيقارب على الوقوع في العشق قريبا بلا شك.
حتما سيقع، فتلك الفتاة تفعل به الكثير.
لا يعلم ما اصل ما جذبه لها، لكنه اعلم بنفسه واعلم بما يعصف بداخله من مشاعر مجنونة نحوها.
والغريب انه لا يريد الهروب من تلك المشاعر، بل يريد ان تجتاحه اكثر فاكثر.
ابتعد اخيرا عنها كما اقترب، فهي اعتذرت وانتهي الامر.
نطق قبل ان يغادر:
"فكري كويس في عرض الصبح، هتتجوزيني برضاكي ولا نمشيها غصب، ومش عايز اقولك قد اية انا بحب اخد اللي عايزه بالغصب"
التف لها يغمز بمكر مكملا:
"بيبقي ليه طعم تاني وطالعة منه ريحة الانتصار كدا"
فتح نصري باب منزله ودخل بوقت العصرية، فوجد زوجته على اريكة المنزل تبكي وبجوارها السيدة لمياء والدة رامز تحاول ان تهديها.
وبالقرب منهم سكن جسد رامز على مقعده، لكنه هو لم يسكن، حيث منذ الصباح وهو يقوم باتصالاته في محاولة منه لايجاد خطيبته وحبيبته المفقودة.
نطقت نشوى بدمع وهي تنظر له:
"نصري"
كانت نظراتها تحمل كثيرا من الرجاء، منتظرة منه خبرا ليطمئنها، لكنه نظر للارض بخزي محاولا الابتعاد عن عيونها المرتكزة عليه وهو يجيبها:
"مش لاقينلها اي اثر يابشري، مش عارفين ندور فين ولا فين.. حتى تليفونها مغلق"
نطق رامز عند تلك اللحظة:
"التليفون كان مقفول وعلي الساعة تلاتة اعطاني جرس وبعدين قفل خالص، معني كدا في حد قاصد انه يقفله"
وبالحقيقة كلماته لم تفعل شيئا سوى انها زادت من رعب نشوى.
يحاول نصري ان يغير مجرى الحوار كي لا يقلق نشوى بقصة ان هناك قاصدا قفل الهاتف، وبالتالي من الممكن ان تكون وعد بالفعل مختطفة.
فقال بتساؤل جادي:
"هي وعد كانت جاية من تمرين التنس، صح يانشوي؟"
أومأت بالنفي مصححة معلومته:
"لا كانت قالتلي انها هي وراجعة من التمرين هتعدي على صحبتها مين"
ينظر نصري لرامز نظرات ذات معنى ودون كلام، وقف رامز وتجهزا الاثنان لـ المغادرة الى وجهة محددة والتي لم تكن سوى منزل مي وجميع المنطقة التي تحيط بـ منزل مي.
رواية حارة تايسون الفصل الرابع 4 - بقلم زينب سمير
مرت ساعات النهار عليها كجلاد يجلدها بسوط من نار. كادت تحترق من فرط الانتظار للساعات بأن تمر. يظنها تفكر بعرضه وهي تستعد لتهرب.
بدأت ويلات الليل تظهر من خلف شرفتها المفتوحة، وكم كانت تنتظر أن يحل هذا السواد على العالم. نهضت متجهة نحو خزانة الملابس، أخرجت منها بنطالًا من القماش الجينز أسود اللون ويعلوه قميص فيروزي. طالعت الملبس الذي بين يديها بإعجاب واضح، لم تستطع أن تنكر إعجابها بذوقه الرفيع.
بدأت برفع أجزاء منامتها عن جسدها وارتداء تلك الملابس. للغرابة وجدت أن الحركة بتلك الملابس سهلة، وهذا سيساعدها كثيرًا. خصلات شعرها لأنها قصيرة لم تحيرها ولم تهتم لربطها، فطولهم القصير المحبوب لقلبها لا يعد بالنسبة لها عائقًا أبدًا. ارتدت حذاءها الرياضي الذي مازال موجودًا، وهكذا صارت جاهزة.
توجهت للشرفة، نظرت من خلالها وجدت الحراس ليسوا موجودين من الأساس. لو كان فيها وقت لكانت أخبرت تايسون أن حراسه لا ينفعون لتلك المهمة. عدم وجودهم منحها شعورًا بالاطمئنان. توجهت للجزء الآخر من الشرفة المطل على جانب المنزل ونظرت من خلاله للأسفل.
كانت المسافة ليست بالقصيرة لتقفزها مرة واحدة. جالت ببصرها بأرجاء المكان فلمحت شجرة بالقرب من الشرفة. لم تفكر كثيرًا بل اقتربت من مكانها وبلحظة كانت واقفة على سور الشرفة. تمسكت بطرف قوي من الشجرة وألقت بجسدها كله عليه، بدأت بالهبوط للأسفل ببطء وهي تشعر بروحها تكاد تنسحب.
لأول مرة تجرؤ على فعل أشياء كهذه، ولكن بحارة تايسون يبدو أنها ستحارب كل ما هو غريب قبل أن تفارقها. وصلت أخيرًا لأرض المنزل بسلام، لم تفكر كثيرًا بل أسرعت بخطواتها نحو الجهة الخلفية للمنزل.
كان منزله عبارة عن طابقين يتوسطان حديقة تلتف حوله من جميع الجهات، وإن كانت مساحة الحديقة من الأمام أوسع من باقي الجهات. وهناك باب خلفي وباب أمامي وهي الآن تقترب من الباب الخلفي.
وصلت له فناظرته بنظرات مطولة وكأنه طريق الخروج من الجحيم أو أن خلفه تقبع جميع أحلامها. توجهت له وحاولت فتحه لكنه كان صعب الفتح. حاولت ولم تستطع، فأبتعدت عنه ترمقه بضيق ونظرت للأسوار المنزل لعلها تكون قصيرة وتستطيع أن تتسلقها، لكن آمالها تحطمت على أرض الحقيقة حيث كانت أسوار شاهقة تحيط بالمنزل.
لم تجد حلًا سوى المحاولة بفتح الباب مرة أخرى. ظلت تحاول وتحاول حتى بدأت تتكون حول جبينها قطرات من العرق، لكنها لم تستسلم. أخيرًا جاء صوت من خلفها ساخرًا:
"تحب أساعدك؟"
التفت بفزع للخلف فوجدته واقفًا خلفها تمامًا يفصل بينهما خطوتين فقط، واضعًا يديه في جيب بنطاله الأسود. وقفته كانت عنجهية جدًا وقد ارتسمت على شفتيه بسمات سخرية وفي عينيه نظرات عابثة متسلية.
لم يطل الصمت قليلاً حيث أردف وهو يقطع الخطوات الفاصلة بينهما:
"طبيعي قطة شرسة زيك كدا تحاول تهرب."
وصل أخيرًا لها. مد يده وأمسك خصلة من خصلاتها قد سقطت على عينيها ووضعها خلف أذنها متابعًا:
"والطبيعي كمان إن تايسون مبيسمحش لقطط تخرج برة حارته."
اقترب من أذنها فلفحت أنفاسه الساخنة بشرتها مما جعل الرعشة تصيب عمودها الفقري و:
"لأنه بيخاف على قططه أوي.. أوي ياقطتي."
نطقت بغل:
"هرب.. في يوم ههرب وهحقق المستحيل في حارتك وهتشوف."
تلاعبت السخرية على شفتيه ولم يجيب، فتابعت:
"ولو مهربتش فبرضوا مش هتجوزك حتى لو عملت إيه."
غابت السخرية والتسلية عن وجهه، فهي وإن كانت تعجبه وتؤثر فيه إلا أنها هنا أساسًا لسبب واحد، هي هنا لأجل إنجاب طفلًا وفقط.
"قولتلك أنا بحب آخد الحاجة بالغصب وكمان قولتلك مفيش هرب من هنا وقولتلك إنك عجبتيني ودلوقتي بقولك إنك تخصيني وملكي. ومعنى كلمة تخصيني في قاموسي إن حتى نفسك محسوب عليكي لأن روحك بقيت تهمني أكتر ما بتهمك. ودلوقتي..."
أشار لغرفتها التي تقبع بالأعلى و:
"تروحي زي الشاطرة لأوضتك هتلاقي فستان ألبسيه علشان نكتب الكتاب ياعروسة."
جاءت لتتحدث فقاطعها بعيون منذرة بالشرر:
"لو مش موافقة معنديش اعتراض إنك تجيبيلي عيل بالحرام صدقيني، بل بالعكس دا هيساعدني إني أخلي الولد معايا دايما ووريني هتعرفي تشمي ضفره كيف."
قالت بسخرية:
"دا باعتبار إني هخليك تلمسني أصلًا!"
تايسون بجمود:
"تخافي تخليني ألمسك؟ وفي قلب الجنينة هنا وأثبتلك إن كل كلمة بقولها هتتنفذ؟ صدقيني معنديش اعتراض."
"إنت.. إنت..."
رد بلامبالاة:
"حقير، وقح، معندوش دم، قليل الأدب، كلها مسميات لذيذة جدًا بتوصفني وبتمثلني جدًا."
لم تستطع أن تتحدث، فقال بنبرة صارت جدية أكثر:
"اطلعي اجهزي ياعروسة."
وتابع غامزًا:
"أقصد يامراتي المستقبلية."
وكم تلذذ وهم ينطق حروف تلك العبارة، زوجته ستصير زوجته عما قريب.. أي ملكه. بالله يسكنه شعور من النشوة الآن، شعور لذيذ للغاية ومنعش!
***
طرقات الباب العالية أفزعت مي ووالدتها. انتفضت مي واقفة من مقعدها الجالسة عليه بقلب صالة منزلهم متوجهة نحو باب المنزل الذي كاد أن ينكسر نتيجة لطرق رامز القوي عليه. صاحت وهي تحاول أن تفتحه فقد كان بابًا قديمًا صعب قليلًا في الفتح:
"دقيقة يا اللي بتخبط، دقيقة الدنيا مش هتطير."
فتحته أخيرًا فظهر أمامها رامز والسيد نصري. نطقت بتعجب وهي ترمقهم بعدم فهم:
"رامز.. عمو نصري!"
لمح نصري فزعها الذي كان سببه طرق رامز القوي على الباب، فقال ليظهر لها سبب فعلته الهوجاء تلك:
"إحنا آسفين يا مي يا بنتي، بس وعد مختفية من امبارح واللي عرفناه إن آخر مكان كانت فيه هو عندك، فجينا نسألك لو تعرفي حاجة عنها؟"
صاحت بزعر:
"اختفت، اختفت إزاي يعني؟"
رامز بملامح جامدة:
"شاكين إنها اتخطفت."
صاحت برعب أكثر:
"إيه.. اتخطفت!!"
يبدو أن صبر رامز بدأ في النفاذ لذا صاح متضايقًا:
"مي دا مش وقت ذهول، قولي لنا تعرفي عنها حاجة ولا لأ؟ وخرجت امتى من عندك؟"
ارتعشت بخوف من صريخه فيها، لكن حاولت أن تتماسك و:
"مشيت على الساعة عشرة تقريبًا، لما طنط اتصلت بيها وقالت لها إنها اتأخرت. محاولتش أتصل بيها للأسف لأني نمت على طول بعد ما مشيت."
توجه نصري لشرفة منزلهم، فتحها ونظر من خلالها على كل جوانب الشارع. نظر لها بعد ذلك مردفًا:
"مفيش غير الطريق دا اللي بتطلعوا منه للشارع الرئيسي صح؟"
قالها مشيرًا على الفتحة الموجودة ببداية شارعهم والتي تسوقك للشارع الرئيسي.
أومأت بالنفي واقتربت من الشرفة أيضًا، أشارت لشارع بين أزقة المنازل هاتفة:
"في الشارع دا كمان طريقه مختصر، ووعد بتحب تعدي منه رغم إني حذرتها كذا مرة."
نطق رامز بنفاذ صبر ومشاعر منفلتة:
"حذرتيها من إيه؟"
"الشارع دا فاضي ومحدش بيرضي يعدي فيه علشان مشاكله كتيرة ومليان لبش، بس أنتوا عارفين وعد عنادية."
نطق نصري بتأكيد:
"أكيد عدت منه."
ثم نظر لرامز قائلًا وهو يستعد ليرحل:
"يلا يا رامز."
ووجهتهما كانت لذلك الشارع الذي بالفعل تم اختطاف وعد منه، لكن ما الدليل على ذلك؟ لا يوجد، فالمختطفة ليست موجودة وكل ما يخصها ليس موجود. ما بقي فقط مكان حدوث الجريمة بدون دليل على وجود الجريمة.
***
عودة لـ حارة تايسون.
لم يكن يتمازح معها عندما أخبرها بأنهم سيقومون بكتب الكتاب، فبالفعل وجدت فستانًا يفترش فراشها وهناك جلبة بالأسفل تدل على التجهيز المقام لاستقبال المأذون. صرخت بكتوم بخنقة من الحال برمته، ماذا تفعل بحق الله؟ كيف تكون بين حياة رغدة هنيئة وبلحظة تصبح بأخرى عبارة عن جحيم.
ذلك الرجل الذي قام باختطافها يظهر عليه ومضات الذكاء والنباهة، لن تستطيع أن تتلاعب به، بل يبدو أنه هو من سيتلاعب بها كقطعة من الشطرنج. لا هربًا سيجدي نفعًا ولا صراخًا. لكن.. ربما الموت يجدي!
ربما الموت ينقذها من بين براثنه المتوحشة ومن مستقبل بات وشيكًا على الحدوث، ومن هنا تستطيع أن تجزم أنه مستقبلًا ناصعًا في السواد.
بـ منزل جعفر.
ارتدى جعفر ملابسه بعجلة شديدة وبينما يفعل ذلك كان يقوم بعدة اتصالات. حالته المربكة تلك أربكت شقيقته، والتي تعد الفتاة الوحيدة التي تقربه في تلك الحياة. مما دفعها للتساؤل بدهشة:
"إيه يا جعفر مالك متسرع كدا ليه ومش على بعضك؟"
أجابها بعجلة:
"البيه عايزني."
علا بتعجب:
"ما طول عمره البيه بيعوزك ومبتكونش متسرع كدا."
نطق وهو يقطع الخطوات الفاصلة بينه وبين باب الخروج من المنزل:
"النهاردة غير كل مرة."
"فيها إيه المرة دي زيادة عن كل مرة؟"
أجابها قبل أن يختفي ويغلق الباب خلفه:
"علشان إنهاردة هيكتب كتابه يا علا."
وتركها تنظر لمكان اختفائه بذهول واضح وعيون مجحظة. من الذي سيكتب؟ وماذا سيكتب بحق الله؟ هل ما سمعته حقيقيًا؟ لا.. لن تسمح بحدوث هذا أبدًا. لن تسمح بأن تلقى فتاة ما بجهنم تايسون الواعرة.
***
كان يجلس بمكتبه بكل برود، عالمًا بأن تلك التجهيزات لن تصيب هدفه هذه المرة، متأكدًا مئة بالمئة أن هناك ما سيجري ليوقف تلك المراسم. فهو خير عليم بالنساء ومكرهم، خير عليم بعندهم وقوتهم القابعة بقلب ضعفهم. ومن خلال نظرته لتلك الفتاة التي بالطابق العلوي المسماة بوعد، علم أنها لن تستسلم بسهولة أبدًا. ستحرق اليابس قبل الأخضر. ستفعل المستحيل للنجاة من براثنه، وعندما تفشل بكل تلك المحاولات هنا فقط ربما تستسلم وترفع الراية البيضاء.
وبالحقيقة بال أول كان يريد طفلًا وفقط، لكنه الآن أعجبه الحال وأعجبته لعبة القط والفأر الذي يلعبها وسيلعبها معها، بالإضافة لمشاعره التي تثيرها نحوه، مشاعر تجتاحه لأول مرة وتثير على إعجابه. لذا سيؤجل حكاية الطفل لأيام بعد.. أيام قليلة يستمتع فيهم بشراسة تلك القطة.. قطته وفقط.
قطع تفكيره المستمع صراخ أم السعد العالي:
"تايسون بيه.. الحقنا يا تايسون بيه العروسة واقعة على الأرض قاطعة النفس."
ألم يقل لكم أنها ستفعل المستحيل قبل أن تستسلم له؟
رواية حارة تايسون الفصل الخامس 5 - بقلم زينب سمير
دخل لغرفتها فوجدها متسطحة أرضاً، فارده جسدها على أرضية الغرفة، مغمضة العينين.
ومن معصم يدها تتقاطر نقط الدماء. رغم أن المنظر يُفزع، إلا أنه كان بارداً.
توجه نحوها وحمل جسدها. فأصابتها قشعريرة اعتادت عليها بوجوده. وشعر هو بذلك، فأبتسم بخبث، عالماً بأنها تمثل عليه.
نطق آمراً أم السعد:
"خلي جعفر يجيب الدكتور بسرعة."
قالت بعجلة وهي تستعد لتغادر الغرفة:
"حاضر ياتايسون."
بما أنها من المفترض غائبة عن الوعي، إذن ليعبث معها قليلاً. مستغلاً ذلك، عالماً بأنها لن تعترض. سطحها على الفراش أخيراً وجلس بجوارها.
رفع يده واضعاً إياها على جبهتها، وأخذ يحرك يده ببطء من أعلى جبهتها حتى وصل لأنفها. كان يتحرك ببطء مثير، عاملاً على إنفاذ صبرها.
تعالت أنفاسها تدريجياً غضباً وخجلاً من فعلته، ولكن لم تستطع أن تفعل شيئاً.
وصل أخيراً بيديه لشفتيها. ابتسم وهو يمرر إصبعه الإبهام على شفتيها العلوية ببطء. انزعجت ملامحها باصطناع، كأنها تضايقت من حركته، لعله يبتعد.
لكنه لم يفعل، بل ترك الشفاه العلوية وتوجه للأخرى. واقترب بوجهه من وجهها، جاعلاً أنفاسه تضرب وجهها بقوة، حتى أنها احمرت خجلاً.
لكن لم تحاول أن تبتعد كي لا يكتشف خدعتها. كاد يلصق شفتيه بخاصتها، لكن طرق الباب أوقفه.
ابتعد وهو يهمس بنزق:
"مكنتش بوسة دي اللي كل ما أجي أديهالها حد يدخل."
سمح للطارق بالدخول، فدخل الطبيب ومعه أم السعد. اقترب الطبيب منها. نظر لتايسون سائلاً:
"بتعاني من تعب معين؟"
نطق تايسون ببرود:
"لا.. دي محاولة انتحار."
ظهرت الدهشة على وجه الطبيب من الخبر، وكذلك من الناطق للخبر الذي قاله بكل برود، كأنه يعلن عن طقس اليوم.
الطبيب بهدوء:
"طيب تقدروا تتفضلوا برة وأنا..."
قاطعه تايسون بجمود:
"إكشف عليها وأنا موجود، مش هتحرك من هنا."
الطبيب:
"بس يافندم...."
"أنا جوزها."
قالها هكذا وفقط. وأمام نظراته التي تحذر الطبيب بألا يغضبه، صمت الطبيب فعلاً وبدأ بالكشف عليها وعلى يدها المصابة.
كان جرحاً سطحياً جداً. من فعله يعلم جيداً أنه لن يضره، فقط سيحدث جلبة لمن يراه. لكنها لم تؤذِ أي شريان من شرايينها بعد.
أخرج الطبيب لاصقاً طبياً وقام بلفه حول معصمها بعناية. انتهى أخيراً، فقام بلم حوائجه وهو يردد:
"الجرح مش خطير خالص، متقلقش عليها."
نظر لتايسون نظرة فيما معناها أن يتبعه، وبالفعل خرج تايسون معه.
وقفا أمام باب غرفتها من الخارج، منتظر تايسون أن يتحدث الطبيب ليقول ما لديه، والذي توقعه بطبيعة الحال.
لحظات وخرج صوت الطبيب رادفاً:
"أنا كشفت عليها، مفيش أي آثار لصدمة عصبية أو غير تدفعها للانتحار. من طريقة الجرح باين أوي إنها عارفة هي بتعمل إيه."
سأل تايسون بهدوء:
"بمعنى؟"
الطبيب:
"هي عاملة جرح زي أي جرح أي حد بيتجرحه من سكينة مثلاً، بس اختارت إنه يكون في المكان الصح. وأعتقد عملت كدا كتهديد أو هرب من حاجة."
أومأ بتفهم وأشار لجعفر الواقف بعيداً عنه قليلاً بأن ينزله لأسفل. عندما اختفيا الاثنان، ظهرت بسمة شيطانية مرحة على شفتيه. قطته الشرسة تتلاعب به أذناً.
حسناً، وهو بالحقيقة رجل يعشق اللعب واللهو، لكن بشرط واحد. أن يكون هو سيد اللعبة الوحيد المتحكم بخيوطها.
قال لـ أم السعد بعدما دخل الغرفة:
"قولي لجعفر يلغي كتب الكتاب."
قال تلك الكلمات وعيونه متعلقة عليها. فلمحها تكاد تصرخ من فرط ساعدتها، لكنها تماسكت بآخر لحظة حتى لا تنكشف أمامه.
غادرت أم السعد وبقيت القطة في مواجهة الأسد.
اقترب بخطواته فجأة منها. أمسكها من معصمها المجروح وجعلها تعتدل في جلستها غصباً. انتفضت بين يديه بذهول من ما حدث خلال ثوانٍ، وتعلقت عيونها به بدهشة واضحة.
خرج صوته المنذر بالشر لها:
"حركات العيال الهبلة دي مش عليا. انتي لو معدية عليكي عربية أربع مرات وفرماكي وعايز أكتب عليكي كنت هعملها ومش هيهمني، ولو هتموتي بعد ما أكتب. لكن بما إنك رافضة الحلال قوي كدا، يبقي شكلك ليكي في الحرام."
ودون سبق إصرار، قيد يديها الاثنين خلف ظهرها بيد واحدة، والأخرى بدأت تعبث بخصلاتها وهو يكمل:
"مكنش ليها لازمة تعوري نفسك على الفاضي يا وعدي. كنتي قولتيلي اللي نفسك فيه وأنا كنت هنفذه على طول."
صرخت به:
"انت بتقول إيه؟ ابعد عني."
حاولت أن تبعده لكن لم تستطع. حاولت أن تفلت يديها من بين يديه لكنها أيضاً لم تستطع. مستمتع هو بذلك الدور، أن يجعلها تظن أنها تنجح بمخطوطاتها، ثم بلحظة يجعلها تقف كعصفور مبلل من الخوف، كالآن مثلاً.
حيث كانت ترجف بين يديه رجفاً من الرعب منه. ظنت أنه استسلم وسيغادر بعد ذهاب الطبيب، فتستطيع أن تهرب مرة أخرى، لكن محاولاتها فشلت.
"انتي عايزة إيه؟"
قالها وهو يبتعد عنها فجأة. بكل هدوء نطقها. نظرت له فوجدته شخصاً آخر غير الذي كان يتكلم، كأنه تحول أو تبدل. لا تعلم هل هو فعلاً شخصان، أم أنه يتلاعب بأعصابها ليصيبها بالجنون. كان هادئاً.. صار وحشاً.. ثم عاد لإنساناً في غاية الرقي يسألها: "ماذا تريدين؟"
استغلت هدوئه وهي ترد بلهفة:
"اخرج من هنا، أنا واحدة مخطوبة وبحب خطيبي وفرحنا قرب والله، مش هينفع أنفذ اللي بتقوله دا. مينفعش أتجوز واحد معرفوش. ولو حصل مقدرش أجيبلك طفل وأسيبه وأمشي. مقدرش أستحمل فكرة إن راجل غريب يلمسني. أرجوك افهمني، عايز طفل دور على واحدة غيري تنفعك."
سمع حديثها حتى الآخر، لم يعلق. وبهذا ظنت أنه ربما تأثر. ربما سأم منها ومن محاولاتها في الهرب فقرر تركها والبحث عن أخرى. بداخلها انفتحت نافذة أمل، لكنها سرعان ما انغلقت وهي تسمعه يردد:
"فهمتي سؤالي غلط يا وعدي، أنا قصدي عايزة إيه عشان توافقي على جوازنا من غير شوشرة. أصل بعيد عنك أنا مفاصلي وجعاني ومش في حمل إني أشيلك كل شوية، وإنتي برضوا تخينة مش رفيعة."
تركت كل حديثه وهي تردد بذهول، بينما تنظر لجسدها:
"أنا تخينة!"
توسعت عيونه ذهولاً هو تلك المرة، وهو يراها تترك كل ما قاله وتمسك بعبارته الأخيرة.
لكنه تذكر أنه يقف أمام فتاة، فتبدد ذهوله فوراً.
تايسون:
"سيبنا من حوار التخن والرفع دلوقتي، وهقولك على حاجة تمشي عليها طول عمرك."
همتفت بانتباه:
"إيه هي؟"
أجاب ضاحكاً:
"رجلك."
رغماً عنها، تعالت ضحكاتها أيضاً. تناست ما تعاني منه وما يحدث حولها وضحكت على مزحته السخيفة تلك. ضحكت حتى برزت غمزتان كانتا مغمورتين في وجنتيها ولم تظهرا له من قبل. تعلقت عيونه بضحكتها، فأزدادت ضربات قلبه دون شعور منه، ورفرفت فراشات الحب أجنحتها في معدته، فتأوه بخفوت من لذة الشعور الذي يغمره بتلك الثواني تحديداً.
واستطاع أن يجزم أن ضحكاتها تستطيع أن تدفعه لفعل أي شيء ليستطيع أن يسمعها مرة أخرى.
توقفت عن الضحك أخيراً، فتعلقت عيونها بعيونه الناظرة لها بنظرات مختلفة عن كل مرة، فصمتت وهي ترمق النظرات تلك بتعجب. نظرات ليست مخيفة أو كريهة، بل نظرات لطيفة أربكت قلبها دون شعور منها.
فاق أخيراً من حالته، فتنحنح بخشونة، وقد عاد لتايسون بجبروته وهو ينطق بجمود:
"متبقيش سذاجة وتفكري كل الناس زيك. أما أجلت كتب الكتاب النهاردة مش إثبات على نجاح فكرتك، دا برهان ليكي إنك هتندمي لو مكتبناش الكتاب وقربت منك وحملتي. لأن وقتها الولد هيكون يلزمني وبس ومش يخصك، ووقتها هتندمي عشان هتخسريه، وهتندمي عشان وصمة العار اللي هتلتصق فيكي طول العمر. متفكريش كلمة إنك مخطوبة وبتاع هيأثر فيا، ولا الهوا. آخر فرصة هدهالك دلوقتي إنك تفكري إنتي عايزة إيه مقابل إنك توافقي تتجوزيني من غير شوشرة؟ شوفي عايزة إيه وقدامك الليل بطوله، وبكرة الساعة سبعة ونص بالدقيقة هكون مستني قرارك الأخير في مكتبي يا وعدي."
وكاد يغادر، إلا أنه توقف وعاد لها مكملاً:
"على فكرة عندي استعداد نكمل لعبة القط والفار دي، وتهربي وأجيبك كل مرة، بس... بعد ما أضمن إنك حامل يا وعدي، عشان ألعب ساعتها بنفسي."
كلامه متناقض! أفعاله متناقضة! شخصيته ليست مفهومة وقراراته متبدلة. يفكر في شيء ولا ينفذه. ينفذ أشياء لم يفكر فيها أساساً. يقول يريد اللعب وفجأة يتغير قراره، ويبقى فقط راغباً شيئاً واحداً... أن يكون أباً لطفلها!
هذا هو تايسون!
بعض القوات أتت ومنذ الساعة الثامنة ليلاً حتى الحادية عشرة والنصف ليلاً وهي تبحث هنا وهناك عن أثر خاص لـ وعد بقلب تلك المنطقة. لكن لم يصلوا لشيء. مر والدها من جوار المكان الذي حدث فيه الاختطاف ولم يشعر بشيء.
وكاد يجن، لكن من جن بالفعل هو رامز، الذي شعر باقتراب فقدانه التماسك بأعصابه، وبكل لحظة تأتي بمخيلته كثيراً من الأفكار السيئة حول الذي من الممكن أن يكون جرى لـ وعد، خطيبته وحبيبته.
هتف سائلاً إحدى سكان المنطقة:
"كل الأماكن اللي حوالين المنطقة أمان صح؟ مفيش غير الشارع دا اللي لبش؟"
أجابه الرجل باستنكار:
"ياباشا الشارع دا فاتح على ناصيتين، الأولى تطلعك للشارع الرئيسي، والتانية توصلك لقلب اللبش أصلاً. هناك توصل للحارات وجوه الحارات هتشوف العجب يابيه، هناك مفيش كبير يحكمه."
تساءل بمنطق:
"ممكن يخطفوا؟"
هتف معداً على أصابعه:
"ويقتلوا ويسرقوا وينهبوا ويغتصبوا، وكل اللي قلبك يكرهه ياباشا."
أشار لعسكري أن يتقدم منه، وعندما أتى أمره بحدة هاتفا:
"عايزك تفتشلي كل الحارات اللي هنا حتة حتة، واللي يمنعك تفتش بيته تخربهوله فوق دماغه. خد معاك قوة وابدأوا شوفوا شغلكم."
أجابه بخضوع:
"حاضر يابيه."
دخل جعفر منزله مساءً بإرهاق، فوجد شقيقته علا تنتظره بملامح متضايقة. وعندما لمحته قالت بتساؤل:
"كتبوا الكتاب يا جعفر؟"
كانت تسأولاً مليئاً بالقلق والخوف بأن تكون الإجابة هي الإيماء بنعم، لكنه عندما نفى الخبر، توسعت بسمتها براحة كبيرة وهي تهمس بداخلها "الحمد لله". فهي لا تريد أن يدخل أحد جهنم تايسون الوعرة، لا تريد أن يقع أحد بشباكه. ستفعل المستحيل كي لا يحدث هذا ويملك تايسون أي فتاة ويجعلها ملكه.
وبصباح جديد، كانت هناك حكاوي تنتظر لتحكى.
رواية حارة تايسون الفصل السادس 6 - بقلم زينب سمير
الساعة السابعة ونصف صباحا بحارة تايسون.
كانت وعد تقف أمام باب غرفة مكتب تايسون. ملامحها تسيطر عليها تعابير الجمود، لا حياة بعيونها. بريق الأمل الذي ما كان يفارقها اختفى الآن من بؤبؤ عينيها. تنهدت وهي تطرق على بابه. كأنه كان ينتظرها، حيث وجدته يفتح الباب لها وبسمة واثقة مرتسمة على شفتيه.
دخلت وسارت أمامه بخطوات هادئة وهو خلفها يسير بخطوات أقل من البطيئة. يتابعها من الخلف بنظرات معجبة.
لم يستطع أن يكبح إعجابه فأطلق صفيرًا عاليًا. نظرت بفزع خلفها فلم يستحِ حتى ويبعد أبصاره عنها، بل ظل مركزًا بصره عليها وعلى وجهه ابتسامة عابثة.
رددت بصوت مسموع قليلاً:
- وقح.
وصلت همستها له فزادت بسمته وكأنها تمدحه بنعتها له بذلك اللفظ.
جلست على أقرب مقعد قابلها فجلس هو أيضًا على المقعد المقابل لها. وضع قدمًا على الأخرى بعنجهية واضحة. تنهدت بضيق من الحال برمته لكنها تماسكت وهي تنطق بصوت جامد:
- أنا موافقة.
نطق بعدم فهم مصطنع:
- على إيه؟
رمقته برفعة حاجب ساخر لكنه لم يهتم بل قال بتذكر مصطنع:
- أها، قصدك على جوازنا يا وعدي.. صح؟
سيطر الجمود عليها وهي تؤمي بنعم. فتغيرت ملامحه هو أيضًا للجدية و:
- كلمة موافقة بعدها مفيش رجوع، لو رجعتي لبطن أمك هجيبك.. بعد الموافقة مفيش هرب مني.
وعد:
- وأنا مش هرجع في قراري.
نهض عن مجلسه وارتسمت على وجهه بسمة منتصرة:
- يبقى نجهز بقى لفرحنا يا وعدي.
- هو النهارده؟
علق بجدية:
- لأ.. النهارده مش فاضي، بكرة كتب الكتاب والدخلة يا عروسة.
وبكل فظاظة أرسل لها قبلة في الهواء.
وجدت الباب يطرق وتدخل منه أم السعد ومعها حامل به طعام. تذكرت الآن أنها لم تأكل منذ زمن وشعرت بجوع قوي يغمرها. معدتها أيضًا أصدرت أصوات سائمة من كل هذا التأخير، لذا لم تعترض بل ما إن وضعت الطعام أمامها حتى بدأت بألتهامه بشهية كبرى.
جلست أم السعد معها تنتظرها حتى تنهي طعامها. لاحظت نظراتها المبتسمة التي تناظرها بها فرمقتها بتعجب مستفهم و:
- بتبتسمي ليه؟
أم السعد بصدق:
- فرحانة إن تايسون بيه هيتجوز.
وعد بضحك:
- ما صدقتي هتخلصي منه وتلاقي غيرك تستحمل غضبه.
ضحكت أم السعد بقوة وأومأت بالنفي عدة مرات:
- لأ متخفيش، لو جت ألف واحدة هيدي كل واحدة حقها من عصبيته وغضبه.
وعد بسخرية وهي تتناول رشفة من الحساء الساخن:
- لأ وهو الحقيقة حكيم أوي.
أم السعد بعيون صادقة محبة:
- لما تعرفي تايسون بيه هتعرفي إنه مفيش في طيبته وكرمه وحكمته.
علقت بدهشة مذكرة إياها بإحدى المواقف التي تعايشتها بحارته:
- ده بأمارة الألف اللي كان عايز ياخده من الراجل خمسة!
تنهدت أم السعد وهي تفهمها ما حدث:
- أبو محمد أب لأربع عيال غير الخامس اللي مراته حامل فيه عايشين كلهم في أوضة وصالة.. مفروض يعمل إيه؟
علقت بتلقائية:
- يحاول يوسع على نفسه وعلى عيالها.
أكملت أم السعد:
- هو بيتداين بقى ويضيعه على القمار، اتسلف من رجالة الحارة كلها ومكنش بيرجع غير بطلوع الروح لحد ما لجأ لـ تايسون فـ حب يعلم عليه يمكن يفوق ويتكسف على دمه.
- وفاق؟
قالت أم السعد مبتسمة:
- تايسون بيه مبقاش فاضي يشوفه ويشوف غيره، جيتي إنتي شغلتيه عن كل حاجة.
كلماتها من المفترض أن تخجلها لكنها لم تفعل! بل ظهر الضيق عليها وقد ذكرتها تلك الكلمات بواقع سقوطها بين يديه وتملكه التدريجي لها.
بوقت العصرية تقريبًا، علا رنين الجرس بمنزل تايسون. أسرعت أم السعد باتجاه الباب لتفتحه بوقت نزول وعد من الأسفل. فتحته فوجدت أن الطارقة هي علا. تغيرت ملامحها للضيق وهي تسمح لها بالدخول:
- اتفضلي يا علا.
وصلت أخيرًا وعد لهن فنظرت لـ علا بتعجب ثم لـ أم السعد باستفهام. فقالت أم السعد معرفة إياها بـ علا:
- دي علا أخت جعفر دراع تايسون بيه اليمين..
صمتت ونطقت مرة أخرى كلماتها بتعمد:
- وهي خدامة هنا بس مبتجيش كتير، بتيجي يومين بس في الأسبوع علشان تساعدني في التنضيف.
قالت علا بغرور:
- برغبة تايسون بيه.
صححت أم السعد عبارتها باستفزاز:
- بعد ما أنا قولتله يجيبك علشان تساعدي أخوكي في المصاريف.. يعني علشان هو طيب.. عطف عليكم يا حبيبتي.
رمقتها بضيق فبادلتها أم السعد نظارتها ببسمة استفزاز. وكانت وعد تحرك عيونها بينهم بعد فهم بالحرب الكلامية التي تجمعهم.
كانت أم السعد أكثر واحدة تعلم بدواخل علا ونواياها، لذلك هي أكثر واحدة تبغضها في الحارة. أكملت أم السعد معرفة علا بـ وعد:
- ودي وعد هانم، بكرة هتبقى مرات البيه وسيدة الحارة.
قالت آخر كلماتها بفخر كبير، فأستشاطت نظرات علا المتضايقة واقتربت منها. مدت يدها لها و:
- أهلا يا هانم.
كادت وعد تسلم لكن أم السعد سحبت علا بعيدًا وهي تردف:
- تعالي يا علا ومتكسفيش، وعد هانم يمكن مش عايزة تسلم علشان إيدك مش نضيفة بس مكسوفة تحرجك، أصل الست وعد زي ما إنتي شايفة شكلها بنت أكابر وإنتي فاهمة بقى.
يزداد الغيظ بقلب علا، أما وعد فرمقت أم السعد بدهشة وكادت تتحدث لكن نظرات أم السعد المحذرة أصمتتها.
أم السعد:
- كنتي عايزة تايسون بيه صح؟
- ا..
الم تكد ترد حتى أكملت أم السعد:
- البيه شوية وجاي، استنيه في المكتب عقبال ما يجيب.
بعدما كادت ترفض.. وافقت!
لمحت الغيظ والضيق بعيون علا فـ بـ مكر أنثى أحبت أن تزيد غيظها. فتحركت بخطوات متدلعة نحو غرفة المكتب وهي تلعب بخصلات شعرها القصير بيدها بحركات بطيئة مستفزة. وقد أعجبتها تلك الحرب الخفية التي تمارسها وإن لم تفهم سببها من الأساس.
فتحت الباب ودخلته، تاركة خلفها علا تتميز من الغيظ والكيد.
جلست لمياء بجوارها وبيدها كوبًا من الحليب الساخن. مدت لها الكوب وهي تردف بحزن عليها:
- نشوى اشربي اللبن ده علشان خاطري.
لم ترد ولم تلتفت لها حتى.. فتابعت لمياء:
- طيب لو مش علشان خاطري يبقى علشان خاطر وعد بنتك يا نشوى.
وهنا فقط.. عند تلك السيرة.
نظرت لها نشوى بعيون محمرة متجمعة فيها دموع غزيرة. قالت بقلب متقطع من الحزن على ابنتها المختفية:
- وهي فين بس وعد يا لمياء، فينها بس؟
أخذت تكرر العبارة بصوت يتعالى تدريجيًا بانهيار. أعصابها المتماسكة بدأت تنفلت بألم. تفكيرها يكاد يفقدها باقي فصوص تعقلها. الأفكار تكاد تعصف بها.. كلها أسوأ من بعضها البعض.
هل اختطفت؟ وإن اختطفت ماذا يا ترى فعلوا بها؟
بأي حال هي؟
أما زالت تتنفس؟
أما زالت حية ترزق؟
أم أنها قد فقدت حياتها.. !!
فلأطمئنك وأخيفك بذات الوقت يا سيدة نشوى وأقول لكِ أنها مازالت حية لكنها تعيش كالميتة.. !!
دخلت الغرفة والبسمة على وجهها تشعر وكأن القدر فتح لها طاقة من الأمل الجديد. توجهت سريعا لـ مكتب تايسون. فتحت أول أدرجه فوجدت به أوراقًا فارغة وأقلامًا كثيرة، لن تفيدها بشيء. تركت الأول وفتحت الآخر وجدت فيه أوراقًا خاصة بعمله هو ظلت تعبث بها قليلًا لم تجدها مهمة بالدرجة التي قد تفيدها. فتحت آخر درج وقد وضعت فيه جميع آمالها.
ولم يخيب الله آمالها، حيث وجدت فيه محتويات حقيبتها جميعها وأول تلك الأشياء كان هاتفها العزيز.
رواية حارة تايسون الفصل السابع 7 - بقلم زينب سمير
مدت يدها سريعا لتلتقط الهاتف.
امسكته وهي لا تصدق نفسها أنها وجدته أخيرا.
كان مغلقا، عبثت به قليلا وقبل أن تضغط على زر الفتح وجدت من يمسك يدها بتحكم.
نظرت لصاحب اليد التي كبلتها.
وجدت أنه تايسون.
زاغت نظراتها بتوتر وهي تردف:
_كنت .. كنت
أمسكه منها ببرود ثلجي ونطق بنفس البرود:
_كنتي عايزة إيه؟
قالت وعد بقوة زائفة حاولت أن تتحلى بها:
_كنت عايزة أكلم أهلي وأطمنهم عليا.
رفع أحد حاجبيه بسخرية وهو ينظر لها كأنه يخبرها:
أتتلاعبين بي؟ من الطبيعي أن تحاولي الهرب، مرة وراء الأخرى، أن تبحثي عن ثغرة لتخرجي منها. وبالطبع لم يفلح الخروج من المنزل ففكرت أن تأتي بأهلك إلى هنا.
قال تايسون بجدية:
_أنا مبحبش لعب العيال، أنتي قولتي الصبح بلسانك إنك موافقة تتجوزيني، يبقى ليه دلوقتي عايزة تهربي؟
نطقت باندفاع:
_أنا مكنتش عايزة أهرب، الصبح نسيت أقولك إن عندي شرط عشان أوافق.
رفع حاجبه كالعادة عندما استمع لكلمة "شرط".
تنحنت مصححة عبارتها:
_قصدي طلب، وهو إني أكلم أهلي وأطمنهم عليا. وجيت دلوقتي أقولك بس لما مكنتش لقيتك، قولت أدور على التليفون عقبال ما تيجي، ومتوقعتش إني هلاقيه بالسهولة دي.
قال تايسون بجمود:
_لأني مفكرتش أخبه، لأني وثقت فيكي.
تجمعت الدموع في عينيها.
_أنا عايزة أكلم ماما وأطمنها عليا.
كان رده سريعاً:
_لأ.
"لأ" في قاموس تايسون يعني "لأ"، قرار لن يتغير مهما حدث وإن فعل من أمامه المستحيل.
نبرته الصارمة التي نطق بها حروف الكلمة أصابتها بالقلق منه ومن كل قادم ستراه معه.
يبدو أنها سقطت في بئر عميق بات الخروج منه مستحيلاً.
تابع حديثه بسخرية:
_مفكراني مش عارف إن أبوكي وخطيبك المبجل ظباط. يعني أبسط حاجة إنهم هيراقبوا موبايلك أول ما تكلميهم وهيعرفوا طريقك ويوصلولك. وكده أنتي أنقذتي نفسك، بس يا حرام من طيبتك مخلفتيش وعدك معايا.
قالت وعد بدموع:
_أنا ماجاش في بالي.
قاطعها:
_اومال الأفكار دي هتيجي في بال مين لو مجتش في بال المحامية وعد نصري؟
ردت بذهول وقد استعجبت معرفته بوظيفتها:
_انت عرفت إزاي إني محامية؟
قال تايسون ببسمة استفزاز ونبرة تملك:
_معقول هتجوز واحدة معرفش عنها أي حاجة.
قالت وعد باشمئزاز ونفور:
_ما أنت كنت عايز تخلف من أي واحدة والسلام، دلوقتي بتدور على الأصل والفصل؟
اقترب منها قاطعاً بعض الخطوات التي تفصل بينهما وهو يقول بصوت بطيء مثير للأعصاب:
_لأني كنت عايز عيل وبس، مش مهم من مين، المهم ييجي. لكن زي ما قولتلِك، أنتي عجبتيني، فـيهمني أعرف عنك كل حاجة. ثم إني هتجوزك يعني هتشيلي اسمي، فلازم أشوفك تستحقي ده ولا لأ.
قالت وعد باستفزاز محاولة أن تثير أعصابه:
_وانت شايف إني أستحق أشيل اسمك وفي قلبي غيرك!
ابتسم وقد كان وصل لها.
مسك خصلة من خصلات شعرها القصير وقام بلفها حول أصابعه عدة لفات دائرية.
كما أنه راح يتنفس أنفاسه الساخنة على طول وجهها بإثارة.
_لأ حكاية الحب دي سيبيها عليا، أنا هخليكي تنسي رامز بتاعك ده خالص ومتفتكريش حتى اسمه.
اقترب بوجهه منها أكثر وتابع بعبث:
_مش هخليكي فاكرة غير تايسون وبس.
وكما اقترب فجأة.. ابتعد!
هكذا هو كالبرق، سريع المجيء وسريع الذهاب.
ابتعد فترك لها مساحة لتتنفس أخيراً براحة بعدما كان يكبت على أنفاسها.
كانت تتنفس بقوة وهي تشعر بأعصابها تُكاد تنهار.
أحاديثه وقربه بتلك الطريقة تترك بقلبها عواصف لاول مرة تختبرها، وبالحقيقة تلك العواصف تقلب كيانها رأساً على عقب.
_يعني مش هينفع أكلمهم؟
قالتها بدموع بعد صمت طويل حاولت فيه أن تجمع شتاتها.
فرد:
_لو محاولتيش تعملي شغب من هنا لكتب الكتاب يا وعدي، هخليكي تكلميهم طول بعد ما نكتب.
قالت بنظرات قطة متأملة:
_وعد؟
رد باسمًا بصدق:
_وعد يا وعدي.
وها هي تغير قانون من قوانينه. كان يرفض الأمر فيستحيل أن يوافق عليه، لكن معها وأمامها وافق خلال بضع دقائق لا تُعد.
يبدو.. أنها ستتمكن منه وستتمكن من امتلاك قلبه.
يبدو!!!
صعدت لغرفتها بعدما انتهت من حديثها معه.
جلست على فراشها متربعة، بيدها صحن كبير ملئ بالفاكهة التي أحضرتها لها أم السعد بناءً على أوامر تايسون.
وحولها أطباق من المكسرات والتسالي.
أشياء وأكلات غالية جداً، متعجبة هي لوجودها في حارة.
لكن كل عجب وغريب عليها وجدته في حارة تايسون، لذا هذا الغنى أيضاً الذي تعيش فيه هنا لم يكن لتتعجب، خاصة وهي بمنزل كبير الحارة.
تايسون.
طرقات على الباب أفاقتها من حبل أفكارها.
فسمحت للطرق بالدخول.
دخلت علا وبيدها أدوات التنظيف.
نطقت وهي تضعهم بجوار الباب:
_هنضف الأوضة يا هانم.
سمحت لها بالدخول وهي تؤمي بنعم.
بدأت بتنظيف الغرفة وعيونها كل لحظة والأخرى تنظر لـ وعد بنظرات غير مفهومة لها.
عندما طال تبحلقها بـ وعد نطقت وعد متسائلة بفضول:
_في حاجة؟ بتبصيلي ليه كده؟
علا:
_مستغربة إزاي واحدة زيك كبيرة وعاقلة وباين إنها بنت ناس توافق تتجوز تايسون بيه.
قالت وعد بتعجب:
_ومالك مستغربة ليه كده، قصدك عشان هو في حارة وكده.
أردفت بتسرع وقد وجدت أنها الفرصة التي ستجعل تلك الوعد تنفر وتفز من المكان:
_لأ مش ده السبب، انتي شكلك راقية وبنت ناس محترمين، إزاي رضيتي تتجوزي واحد زي ده.
قالت وعد بنفاذ صبر:
_أيوه يعني ماله.
قالت علا بملامح جامدة:
_قتال قتلة.
صرخت وعد بزعر:
_إيه؟
قالت علا بشفقة مصطنعة:
_انتي مكنتش تعرفي ولا إيه؟ كل الهيلمان اللي عايش فيه البيه.. من شغلانته دي. البيه أحسن واحد يجيب الحريم لحد بيته، عيل ومعيلش وخلف وبعدين البت تختفي. بس حوارك انتي غير، انتي يا فعلًا احلويتي في عينه، يا أما ناويلك على نية تانية.
وجدتها تطالعها بعيون متسعة ذاهلة.
فتابعت:
_هفهمك بيحصل إيه.. أخويا يجيبها وهي ترفض زي كتير، بعدين بسحره ووعوده ليها توافق على طلباته ومعرفش ليلة التنفيذ يعني بيروحوا ويختفوا فين!!
قالت وعد برعب وهي تنظر لها بعدم تصديق:
_انتي مستوعبة انتي بتقولي إيه؟
أومأت بنعم وهي تؤكد حديثها:
_الحارة كلها عارفة بالحكاية دي وإنه سفاح.
ابتلعت ريقها بقوة ولم تعرف ماذا تفعل.
بأي جحيم بالله أوقعت نفسها هي.
هل فعلاً ما تقوله تلك الفتاة صحيحاً؟
علا:
_وعلشان كده بنات الحارة كلهم مبيقربوش لبيته، مبتشتغلش عنده غير أم السعد، عضمها طري وملهاش فايدة في سوقه.
قالت وعد بنظرات متشككة:
_وانتي مبتخافيش منه ليه؟
ارتبكت علا لكنها حاولت أن تخفي ارتباكها هذا وهي تقول بثقة واهية:
_أنا أخت دراعه اليمين والبية طالما حد في أمانه يبقى يفاديه بعينيها.
اطمأنت علا أنها قالت كل ما تريد.
لذا لملمت كل أدوات التنظيف بعدما انتهت من تنظيف الغرفة.
_هسيبك دلوقتي وهروح أنضف باقي البيت يا وعد.. هانم.
لم ترد عليها، فهي لم تسمعها من الأساس.
كل ما كان يجول بخاطرها هو.. كيف تهرب من هنا؟
كيف تفر من بين براثن ذلك تايسون؟
كلما تقرر أن تخضع له تسمع ما يجعلها تخشاه أكثر.
لن تستطيع أن تحيا معه، لن تتحمل أن تحيا مع قاتل.
أو كما قالت علا... سفاح.
ثلاثة أيام مروا على اختفائها، كانوا كالكابوس على كل أحبابها.
لا يعلم نصري كيف هو متماسك لتلك الدرجة لحتى ذلك الوقت.
ربما لأنه غير مستوعب الأمر لحتى الآن، أو ربنا يمنحه الله القوة ليجدها ثم يسقط صريع الخوف عليها.
لا يعلم السبب بالفعل.
ما يعلمه أنه يفعل وسيفعل المستحيل ليجد ابنته.
قطعة من قلبه.. روحه وكل ما له.
مَن كانت منهارة هي نشوى التي من كثرة الخوف بدأت تهذي بكلمات غير مفهومة وكأنها قاربت على الجنون.
ابنتها الوحيدة التي لا تملك غيرها بالحياة على وشك الضياع، أو ربما تكون بالفعل ضاعت.
نطق نصري بجنون:
_طيب اللي عايزها، عايزها ليه؟ لو عايز فلوس كان اتصل، لكن محدش عبرنا. ياتري فينها دلوقتي ومع مين وهيعمل فيها إيه!!
القوة التي بعثها رامز للبحث بكل الحارات الملتفة حول الشارع التي قد تكون وعد اختفت منه.
كان رئيسها يقف أمام رامز هاتفا بكل المعلومات التي حصل عليها أخيراً بعد بحث طويل:
_لفينا كل الحارات وكل بيوتها بيت بيت يا بيه وكل نقرة فيه وزاوية، بس مفيش حاجة غريبة ولا حاجة. بس....
قال رامز بنفاذ صبر وتساءل:
_بس إيه؟
الرجل:
_في حارة ليها بيبان خاصة بيها، رجالتها منعونا ندخل. استخدموا العنف، رفعوا علينا السلاح. عددنا كان قليل للأسف فانسحبنا.
قال رامز بغضب:
_إزاي يعني يمنعوكوا تدخلوا، اسمها إيه الحارة دي ومين كبيرها؟
نطق الرجل:
_اسمها حارة تايسون وكبيرها جاسر الصاوي، لكنه معروف في حارته باسم تايسون يا بيه.
قال رامز وهو يأمر الرجل بالانصراف:
_طيب انت امشي من قدامي دلوقتي.
توقف الرجل وظهر عليه التردد وكأنه يريد أن يقول شيئاً لكنه متردد من قوله.
نظر له رامز بتساءل فـ قال:
_في حاجة كمان يا بيه.
_إممم.
همهم بمعني "قل ما لديك".
_اللي عرفته واللي متداول كحوار بين أهالي المناطق اللي حوالين حارة تايسون دي، إنه كان بيدور على واحدة يجيب منها عيل وفعلاً لقوا واحدة و.....
صاح بنفاذ صبر:
_وإيه؟
_تقريباً لقوها في نفس اليوم اللي اختفت فيه الآنسة وعد.
أقد تكون هي بالله؟
رواية حارة تايسون الفصل الثامن 8 - بقلم زينب سمير
لا تعلم ما الذي دهاها، لكنها تشعر بالجنون والاختناق لجلوسها بهذا المكان، بعد كل ما سمعته، تحيا مع قاتل وغداً ستصبح زوجته! لن تسمح بأن يحدث هذا مهما كلفها الأمر. ستهرب هذه المرة، وإن فشلت حتماً ستقتل نفسها، لكن هذه المرة لن تمثل الانتحار، بل ستحقق الأمر فعلاً. بالهربة الماضية كانت متسرعة وحاولت في بداية الليل، لكن الآن الظلام بعد منتصف الليل قد انتصف. السكون كان يعم الحارة، وخاصة المنطقة الملتفة حول منزله. لذا، استعانت بالشجرة لكي تنزل كالمرة السابقة. لمحت من قبل درج "سلّم" قصير موجود بإحدى أنحاء الحديقة، فقررت أن تستعين به لتقفز من فوق السور. حركته ووقفته أمام السور الخلفي للمنزل. صعدت ثماني درجات منه، فرأت العالم من خلف أسوار منزله أخيراً. ابتسمت وهي تشعر كأنها تقارب على نيل الحرية.
كادت تصعد درجة أخرى، لكن بدلاً من أن تضع قدمها على الدرجة، وضعتها في الهواء! فترنح جسدها واختل توازنها، كادت تسقط فتعالى صراخها وهي تفكر بما سيحدث بعد ثوانٍ قليلة. أغمضت عيونها كذلك برعب، لكن.. لم تسقط.
أرضاً فقط حال بين جسدها والأرض ساعدين قويين تلقفا جسدها قبل السقوط. عندما اطمأنت أنها لم تسقط، فتحت إحدى عينيها بقلق، فوجدت ما خافت منه. إنها أمامه، هو من يحملها وأنقذها، لم يكن سوى تايسون!
ابتعلت ريقها وهي ترى غابات عينيه تحترق بالغضب، ملامحه جامدة، لكنها تشعر بأعصابه التي يفعل المستحيل ليتحكم بها بدلاً من الفتك بها هي.
همست بصوت خاشع:
- تايسون أنا...
همس:
- إش إش.
حاولت أن تتحدق، فترك جسدها! فسقطت أرضاً وهي تتأوه بألم وصدمة من فعله. ردد بقسوة:
- لما أقول كلمة تتسمع، فاهمة؟
أومأت بنعم بخوف بيّن. هتف هو بسخرية:
- إيه فكرتي إني أعطيتلك الأمان لما وافقتي تتجوزيني، فقولتي تجربي تهربي؟
رمقها باستهجان وهي تنهض بألم و...
- معلومة كمان لازم تعرفيها عن تايسون.
اقترب وتقابلت عيناها بعينيه، الماء مع النار، الجنة مع جهنم، وهو يتابع:
- إنه مبيثقش في حد، حتى صوابع إيديه.
ولعب بأصابعه أمام عيونها، بحركة رغم أنها عادية، إلا أنها أخافتها!
عَلى صوته فجأة مما تسبب بإرعاشها وهو يصرخ:
- جعفر!
جاء له جعفر ركضاً، فأمره وعيونه عليها:
- هات مأذون الحارة.
اتسعت عيونها وعيون جعفر ذهولاً، فتابع هو باسمًا باستفزاز:
- علشان هكتب على وعدي دلوقتي.
صرخت ببكاء:
- أنت وعدتني إنه بكرة!
تايسون بلامبالاة:
- وإنتي وعدتيني إنك مش هتعملي أي حركات مجنونة ومشاغبة، بس خلفتي وعدك، فمن حقي إني ألغي وعدي كمان يا وعدي.
أشار لجعفر بيده أن يذهب وينفذ ما طلبه، فغادر جعفر وبقيت هي في مواجهته. قالت بارتعاش وغضب:
- بس أنا مقدرش أتجوزك.
رفع إحدى حاجبيه بسخرية:
- إيه لعب العيال ده، ما إنت الصبح كنتي موافقة يا وعدي.
صرخت أخيراً بانهيار متذكرة حديث تلك المدعاة بعلا:
- كنت موافقة عادي علشان كنت مفكراك إنسان.
تايسون بضحك:
- أومال أنا إيه؟ كائن فضائي ومعرفش!
صرحت أخيراً بكره:
- لا.. قاتل قتلة وسفاح.
رفع حاجبيه بذهول واضح من حديثها، تغيرت نظراته وتلاعبت السخرية والمرارة على شفتيه و:
- ما شاء الله، الواحد يختفي ساعتين يرجع يلاقي نفسه قاتل قتلة!
وعد:
- أنا مقولتش كده من نفسي..
قاطع حديثهم جعفر يخبرهم بوصول المأذون، فهتف هو بصرامة:
- نأجل كلامنا في الحوار ده لبعد كتب كتابنا يا وعدي.
نطقت بدموع حقيقة وقهر:
- بس أنا مش عايزة أتجوزك.
أحكم قبضة يده حول ساعدها، ناطقاً بقسوة شديدة زلزلت كيانها:
- مابقاش يفيد رأيك دلوقتي، هكتب عليكي يعني هكتب عليكِ.
نظرت له بانهيار مرددة:
- هنتحر.
تايسون بلامبالاة:
- تعالي نكتب الكتاب دلوقتي، وبعد كتب الكتاب ننتحر أنا وإنتي وناهد وكلنا.
حاول رامز الاتصال بنصري عدة مرات ليخبره بكل ما وصل له، لكن الأخير لم يكن يرد، فلم يجد رامز حلاً سوى الذهاب له، ليخبره بكل جديد وصلوا له. وصل للمنزل وطرق الباب. لحظات وفتحت نشوى له.
المنزل لم يكن صامتاً، بل تعالت فيه عدة أصوات، علم أنهم خاصون بأهل وعد.
يبدو أن العائلة تجمعت بعد معرفتها بخبر اختفاء وعد.
رغم عدم أهمية وجودهم، رغم أنهم لن يفعلوا شيئاً سوى أنهم سيزيدون من انهيار نشوى، إلا أنهم حضروا!
هتفت نشوى وهي تسمح له بالدخول:
- اتفضل يارامز يابني.
قال بتساؤل:
- عمي نصري فين؟
نشوى:
- جوه.. عايزة في حاجة؟
نظر لكل العيون التي تطالعه باهتمام، لم يعرف أيقول ما لديه أم يصمت؟ لكن.. راحت نشوى تلح عليه بأن يتحدث، خاصة بعدما رأت في عينيه الحيرة، والحيرة بتلك الأمور تعني أنه يعلم شيئاً، فزاد إلحاحها.. إلحاحاً بلهفة وشوق.
نطق أخيراً:
- في مكان شاكك إن وعد ممكن تكون فيه، بس شكي ميعديش الـ ثلاثين في المية.
أزهر وجهها فجأة كأن الحياة عادت لها وهي تصرخ بسعادة:
- بجد يابني؟ طيب واقف هنا ليه يلا روح هاتـ...
تحركت حول نفسها وهي تردد:
- لا استنى أنا كمان هاجي معاك، استنى دقيقة واحدة وبس وهتلاقيني جاهزة، لو مستعجل هنزل معاك طول ومش مهم ألبس أنا.. أنا.
أمسكها من أكتافها ليفيقها من حالة الهذيان التي أصابتها وهو يصرح بـ:
- مش هينفع تروحي معايا يا طنط، المكان لبش هناك وحارة وحوار.
وكلماته لم تهدئها، بل زادت من قلقها وخوفها. كان يستمع نصري لهذا الحديث منذ البداية، فقد خرج عند لحظة نطق رامز بشكه، اقترب منهم مردفاً بجدية يحاول فيها أن يخفي دقات قلبه المتسارعة أثر استماعه لذلك الخبر، خبر قرب واحتمالية وجود ابنته.
نصري:
- مش هينفع تروحي معانا يا نشوى.
نظرت له بدموع مستعطفة، لكنه لم يهتز، فهو لا يضمن بأي حال سيجد وعد، لذا أكمل بنفس الجدية الممزوجة بالصرامة:
- هنروح أنا ورامز ومعانا قوة، وإنتي هتقعدي هنا.
نشوى:
- يانصري...
رفعت يده علامة على "انتهى الكلام". ولأنها تعرف زوجها، صمتت بحزن. كاد يغادر هو ورامز، لكن بعض رجال العائلة أصروا على الذهاب معهم.
رفض متعللاً بأنه لا يريد تعبهم، لكن أمام إصرارهم الشديد وافق مغلوباً على أمره.
بتمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، خرج صوت المأذون ناطقاً:
- بارك الله لكم وبارك عليكم وجمع بينكم في خير.
ابتسم تايسون بثقة عند سماعه لتلك الكلمة، بينما أدمعت عيون وعد بقهر. نطق تايسون أمراً لجعفر:
- وصل المأذون لبيته وأكرمه.
"أكرمه" بقاموس تايسون لها معنيان لا ثالث لهم.
الأول.. يجعله يعشق الفرصة التي قابل تايسون فيها.
الثاني.. يندم ندم عمره على فعل ذلك.
وعليك أن تفهم معناها من خلال نطق تايسون للكلمة، أو من خلال الموقف الذي يكون داير حوله وقتها.
والمأذون كانت من حقه معنى الكلمة الأولى، فيا هناه.
اختفت الجموع وبقيت هي وهو فقط. كانت هي ترتعش خوفاً وضيقاً مما حدث، هو كان مبتسماً بسعادة حقاً لا يعلم مصدرها. غريب ما يحدث له، هو متعجباً من حاله وسعادته الكبيرة تلك، هل فعلاً هو فرحاً باقتران اسمه باسمها! يبدو أن تلك الفتاة تؤثر به بقوة، تترك بقلبه علامات لا يستطيع أن ينكرها، ولأنه قوياً.. لا يحب الكذب حتى على نفسه.
اعترف أنه معجباً بتلك الفتاة وزادت مشاعره، فبقيت بين الإعجاب والحب، انحصرت هناك، ويعلم كما نحن نعلم أنها ستتحول قريباً إلى حب حقيقي.
وهو لا يخشى هذا!
هو لا يخشى أن يحب، خاصة وأن كانت حبيبته هي وعده.
ملكه وزوجته الآن.
طال الصمت، فقاطعه صوته:
- إيه ياعروسة، مكسوفة ولا إيه؟
رفعت عيونها وتطلعت له بدموع. تذكرت الآن رامز ووعودها له أنها ستكون ملكه، امرأته هو وفقط. الآن خلت بوعدها. أردفت بكل ما يجول بخاطرها:
- مش مصدقة إني بقيت مراتك، مش مصدقة إن اسمي اتكتب على اسم واحد غير رامز، أنا كنت وعداه إني مش هكون لغيره، بسببك خلفت الوعد.
بدأت تنهار باكية:
- بسببك خلفت الوعد.
كان يجلس بجوارها، فالتفتت له وراحت تضربه على صدره بانهيار وضعف مرددة:
- إنت السبب.. إنت السبب.
أمسك يديها وثبتها على صدره بيديه الاثنتين، بيده الأخرى أمسك ذقنها بقوة مثبتاً وجهها أمام وجهه، جاعلاً عينيه تقابل عيونها لتحرقها نظراته، وقد تحولت فجأة من الصفاء لـ الغضب الحارق وهو يصيح بتملك واضح:
- الأول.. سيرة رامز دي مكنتش بتفرق معايا لأن مكنش بيربط بينا حاجة، لكن دلوقتي إنتي مراتي مكتوبة على اسمي، شرفك من شرفي، يعني أنا بس اللي يملكك ويملك قلبك، سيرة راجل تاني هتيجي على لسانك هقطعهولك، قلبك هيدق لغيري هوقفهولك عن النبض وعن الحياة خالص.. فاهمة؟
صاحت بانهيار:
- مش هتقدر تخليني أحبك وأكرهه.
تايسون:
- وعدتك هخليكي تنسيه ومتفتكريش غيري أنا وبس، فاديني فرصة أثبتلك كلامي ووعدي بهدوء بدل ما أثبته بالعكس.
وعد:
- أنا بكرهك.
أجاب بدون شعور:
- وأنا بحبك!
ومنذ لحظات كان يقول إنه فقط يكن لها بعض الإعجاب، والآن يعترف بدون شعور بالحب. أي مشاعر بالله يكنها هو لها؟ الإعجاب أم الحب.. أم.. الاثنان معاً!
رواية حارة تايسون الفصل التاسع 9 - بقلم زينب سمير
لا تعلم كيف مر ليلها، آخر ما تذكره أنه عفا عنها بالأمس، مانحًا إياها الليل لترتاح فيه بعيدًا عنه، آمرًا إياها أنها بالغد ستسكن غرفته معه وستكون زوجته حقًا وحقيقيًا.
حاولت ألا تفكر بشيء عندما وضعت رأسها على الفراش، وبالفعل من كثرة إرهاقها طيلة الأيام السابقة غرقت بالنوم فورًا حتى حل ضوء الشمس على الكون في الصباح.
دقات مزعجة قوية تعالت على غرفة تايسون، أفزعته وأفزعتها هي الساكنة بغرفة تبعد عنه بمقدار المترين. فانتفض، وخرج هو من الغرفة باللحظة التي فتحت فيها باب غرفتها. لمحها فأشار لها بالدخول. كادت تعترض، لكن نظرات عينيه المنذرة بالشرر أخافتها فدخلت، خاصة عندما لمحت منامتها القصيرة التي ترتديها.
نظر لحارسه باستفهام، فقال الآخر:
- الشرطة قدام باب الحارة ياباشا.
كرر جملته بتعجب:
- شرطة! ودول عايزين إيه دول؟
ما كاد يتحدث وسمع سرينات سيارات الشرطة تتعالى أسفل منزله، مما بين أنهم استطاعوا عبور بوابات الحارة ودخولها بدون إذنه. اشتعلت نظراته وهو يدخل لغرفته، ارتدى ملابسه خلال لحظات تكاد لا تُعد.
ونزل للأسف، حيث سيارات الشرطة التي هبطت منها قوة على رأسها رامز، وبجوارهم نصري ومعه بعض أفراد عائلته.
رمقهم بتعجب:
- أهلًا أهلًا بالداخلية، مش تقولوا إنكم هتنورونا على الأقل كنا جهزنا استفاضة تليق بيكم.
هتف نصري بنفاذ صبر:
- فين بنتي؟
تايسون بدهشة مصطنعة:
- بنتك! وإيه اللي هجيب بنتك يا باشا عندي؟
ما كاد يتحدث وسمع سرينات سيارات الشرطة تتعالى أسفل منزله، مما بين أنهم استطاعوا عبور بوابات الحارة ودخولها بدون إذنه. اشتعلت نظراته وهو يدخل لغرفته، ارتدى ملابسه خلال لحظات تكاد لا تُعد.
ونزل للأسف، حيث سيارات الشرطة التي هبطت منها قوة على رأسها رامز، وبجوارهم نصري ومعه بعض أفراد عائلته.
رمقهم بتعجب:
- أهلًا أهلًا بالداخلية، مش تقولوا إنكم هتنورونا على الأقل كنا جهزنا استفاضة تليق بيكم.
هتف نصري بنفاذ صبر:
- فين بنتي؟
تايسون بدهشة مصطنعة:
- بنتك! وإيه اللي هجيب بنتك يا باشا عندي؟
تقدم منه رامز بغضب، كاد يلكمه وهو يصرخ:
- متستعبطش يا روح أمك.
لكن لم تصل يده لوجه تايسون، حيث أمسك يده بإحدى يديه وقد تغيرت ملامح وجهه من البرود إلى القسوة والغضب وهو يهتف:
- لما تكون في حارة تايسون، إيدك متطولش على أسيادك.
أشار لرجاله الذين أشهروا أسلحتهم على رامز بأن يخفضوها. عصر يده بين يديه بقوة حتى أن رامز تألم، متابعًا:
- وحياة أمي اللي جيبت سيرتها دي لهجيبك أنت ومستقبلك الأرض.
ثم أخيرًا ترك يده.
أشار نصري لرامز بأن يتراجع وألا يتهور، فما رآه من هذا تايسون من نظرات وملامح أثبتت له وهو رجل ذو خبرة عظيمة أن ذلك تايسون ليس سهلاً أبدًا.
نصري بهدوء محاولًا إنهاء الأمر دون مواجهات وأعاصير تجمعه مع ذلك الرجل:
- أنا بس عايز وعد.
نطقت ببرود:
- قصدك مراتي؟
طالعت بصدمة وتعالت شهقات وهمهمة من بعض أهالي الحارة الذين تجمعوا ليروا ما يحدث.
لم يستطع رامز أن يتحمل حديثه، فأقترب مرة أخرى ناويًا ضربه و:
- أنت بتقول إيه يا مجنون أنت؟
تايسون ببرود ثلجي:
- بقول الحقيقة.
وضع نصري يده على قلبه بوجع، كاد يسقط أرضًا لكن تلقفته يد ابن أخيه سامح وهو يهمس بخضة:
- عمي!
انهياره كان قليلًا على ما سمعه، يشعر وكأنه في حلم، لا بل كابوس في غاية البشاعة. تزوجت؟ تغيب عنه ثلاث ليالي وعندما يجدها يجد أن اسمها اقترن بآخر، باتت ملكًا لآخر.
تهاوى جسده بالفعل أرضًا بعدما ثقل حمله على سامح، قد غشت الدموع عينيه أيضًا. جاءه صوتها الصارخ من بعيد وهي تتقدم نحوه بخطوات راكضة:
- بابا..
مرت من جوار تايسون، فأوقفتها ذراعيه التي التفتت حول خصرها تكبلها وتوقفها. تطلعت له برجاء أن يتركها، لكن عينيه كانت استحالت فيها السواد وكأنه لا يسمعها أبدًا.
نطقت برجاء:
- سيبني أشوفه.
والنبي، لكن الرجاء لمن لا قلب له، كالمحاولة بجعل الحجر ينطق. فلا ينطق الحجر ولا يرد هو على الرجاء بإجابة مستجابة.
مرت دقائق، تمالك فيها نصري نفسه وما زالت هي تنازع لتفك يدها من أثره لكنها لم تفلح، وسط نظرات رامز المحترقة وهو يرمق تمسك تايسون المتملك ليدها وخصرها.
أخيرًا نهض نصري من مكانه، اقترب منهم بعدة خطوات يرمق ابنته برغم كل شيء باشتياق وحنين لها.
همست بدموع:
- بابا أنا آسفة والله، هو اللي...
أشار لها أن تصمت وحرك عينيه لتواجه عيني تايسون الذي رمقه بملامح عادية و:
- أنا عايز بنتي.
جاء ليتكلم، فأكمل نصري:
- هتطلقها وهترجع معايا.
تايسون ببسمة استفزاز تخفي خلفها غضبًا مكبوتًا:
- بس أنا مبطلقش يا نصري باشا، مراتك بقت على اسمي ومش هسيبها غير لما يجيلي مزاج أعمل كده، غير كده مش هطلقها ولو اتطبقت السما على الأرض.
كان يتحدث بصوت يتعالى تدريجيًا ليسمعه كل المحيطين، لكن ليريح ضميره تابع مفهمًا إياه ما جرى:
- بس عايزك تفهم حاجة وتفهمها لكل حد هيتجرأ ويتكلم عليها بعدين، هي اتجوزتني غصب عنها، بتهديد مني يعني.. بس وعد الحكاية دي هتكون لفترة معينة وبعدين هي كمان هتتمسك بجوازها مني أكتر مني شخصيًا.
غريب هو.. يقول له أن وعد ليست مذنبًا كي لا يحملها أبوها الخطأ، يعترف بطريقة أخرى أنه ظالمًا. ربما تصل به اعترافاته تلك إلى السجن ورغم هذا لا يهمه!
فاتت لحظات كانت عيون نصري تنظر بها لتايسون بملامح غير مقروءة. كانت ملامح الآخر جامدة. نظر تايسون لرجال الشرطة و:
- متفكرش يا باشا إن شوية الرجالة دول هيقدروا يعملوا حاجة، أو إني هخاف من الشرطة، حارة تايسون ملهاش كبير غير ربنا، وتايسون كبيرها اللي هو أنا مبخافش من أي حاجة على وجه الأرض. رجالتك...
أشار لرجاله بملامحهم التي تبث بداخلك الرعب متابعًا:
- رجالتي هيقدروا يخلصوا عليهم في غمضة عين.
وكانت كلماته تدل على ثقته، وعند رؤية أحدهم بكل تلك الثقة تتزعزع عزيمتك وإن كانت من فولاذ!
تَفهم نصري أن الأمر لن يَحِل بترك الطريقة أبدًا، كان عليه أن يدرس الموضوع جيدًا قبل أن يأتي لكنه لم يفعل. لذا قال:
- طيب أنا عايز أتكلم معاك بهدوء. البنت اللي بتقول عليها مراتك دي بنتي، من حقي كنت أختار عريسها وأسلمها له بإيدي، من حقي أسأل عليه وأشوفه يستحقها ولا لا. طلقها ومتحرمنيش من حقوقي وتدمرها هي.
ملامحه صخرية وكأن الآخر يتحدث مع تراب!
فمد نصري يده ليسحب ابنته من يدي تايسون بحركة سريعة، لكن يد الآخر كانت مكبلة جيدًا لحركة وعد مما أصعب مهمته.
نطقت بدموع لوالدها:
- بابا متزعلش مني أرجوك.
رمقها هو بقلة حيلة وآسف، فلا يوجد بيديه ما يفعله، وعلى لسانه ما يقوله. معلوماته البسيطة التي قرأها عن تايسون قبل أن يأتي إلى هنا أخبرته أنه يستطيع أن يحول أي ساحة حديث إلى مجزرة بلحظة، وأهالي حارته على استعداد لتلك المجزرة من صغيرها حتى كبيره.
أما معه رجال قليلة بالإضافة لبعض عائلته الذين يجهلون كل ما له علاقة بالدفاع عن النفس، إن أقام حربًا سيخرج منها خاسرًا معه العديد من الجثث.
أخرجه من شروده صوت تايسون:
- لو عايز تجوز بنتك وتسلمها ليا بنفسك زي ما تقول، فأنا هكون معاك كويس للآخر وهقولك موافق نعمل فرح بس هنا في حارتك.
كاد يتحدث، فتابع تايسون:
- بس وعد من هنا ليوم الفرح مش هتتحرك من بيتي. فكر وصدقني دي فرصة مش هقدمها ليك مرتين، بالإضافة أن اللي يكسب تايسون لازم يعرف أنه كسب كتير... كتير أوي.
قال كلماته وسحب وعد خلفه ودخل بها للمنزل، تاركًا خلفه الجميع ينظرون له بدهشة وذهول من اختفائه هكذا دون الاهتمام بهم.
علم نصري أن لا حديثًا آخر سيجدي نفعًا معه، فأشار لرجاله وعائلته أن يركبوا سيارتهم. فقال إحدى أقاربه بغضب:
- هتسيب بنتك في إيده يا نصري؟
نصري بسخرية من غضبه، فالمتحدث كان يبلع ريقه خوفًا منذ لحظات من تايسون:
- عندك حل تاني؟
لم يجد حديثًا ليقوله فصمت. وكم كان ذلك الصمت الذي سيطر على المكان بعد ذهابهم موحشًا.
ما أن ترك يدها أمام غرفتها حتى صرخت فيه بدموع:
- حرام عليك، أنت ماسيبتنيش حتى أحضنه أو أسلم عليه، أنت ليه قاسي أوي كده؟
وحديثها تفهمه بطريقة خاطئة، ويا للأسف، هي تقصد أباها وهو ظن أنها تقصد خطيبها.
فعاد يمسك معصمها ضاغطًا عليه بقوة قاصدًا إيلامها و:
- أنتِ عايزاني أسيبك تسلمي على خطيبك وتحضنيه؟ ليه مفكرة نفسك متجوزة واحد بقرون؟
قالت بدموع:
- أنا مش على رامز.
ازداد غضبه وهي يصرخ بها:
- متتطقش اسمه، قلت لك متتطقش اسمه.
وعد بألم من يده التي ما زالت تضغط على يدها بقوة:
- أنا أقصد بابا والله.
عاد أخيرًا لتعقله وترك يدها بعدما صرحت بتلك العبارة. أين كان عقله صحيح وهو يقول هذا الحديث؟ أستفكر بخطيبها وهي حتى لم تستطع أن تحتضن أباها؟!
فركت معصمها المتألم بيدها الأخرى والدموع متجمعة في عينيها. هتفت بعبارة واحدة قبل أن تغادر من أمامه:
- أنت ظالم أوي يا تايسون.
دخل نصري لمنزله، فهرولت نحوه نشوى بسرعة تسأله بتلهف:
- فين بنتي يا نصري، فين وعد؟
رمقها بعيون معتذرة ولم يستطع أن يرد. نظرت خلفه لعلها تكون آتية لكنها لم تأتِ. سألت رامز وهي تتقدم منه:
- فين وعد يا رامز طمني يا بني.
نطق الآخر بجمود:
- مع جوزها.. وعد مع جوزها يا طنط.
عادت خطوتين للخلف بخضة من عبارته وهي تكرر:
- جوزها!
أومأ بنعم، فحركت عينيها بين أوجه جميع الذين كانوا مع نصري ووجدتها مكفهرة. تقدمت من نصري مرة أخرى تصرخ بجنون:
- إزاي مع جوزها؟ جوزها مين ده أصلًا يا نصري وإزاي سبتها معاه؟ ليه مجبتهاش بالعافية؟ حرام عليك تسيبها هناك معاه، هو إحنا نعرفه؟ هي أصلًا إزاي اتجوزت.. إزاي اتجوزت، أنا مفهمش حاجة جاوبني يا نصري.
يصرخ فيها بأعصاب مقاربة على الانهيار:
- أهي اتجوزت يا نشوى، اتحجزت وخلاص، اتجوزت قاتل قتلة. خوفت أتهور معاه فيقتلها قدام عيني ويحسرني عليها أكتر من حسرتي دلوقتي. بنتك اتجوزت واحد ولا يهمه قانون ولا يهمه حد، اتجوزت واحد ملهوش كبير غير ربنا يا نشوى.
نشوى بجنون:
- طيب اتجوزته كيف وإزاي برضوا، ليه رضيت تعمل كده؟
رامز بملامح ملتهبة بالغضب:
- أكيد غصبها توافق، هددها، عمل أي حاجة خلتها توافق عليه.
وضعت نشوى يدها على رأسها بألم فالصداع هاجمها بقوة شديدة الآن، صداع مع وجع قلب. صاحت قبل أن تسقط أرضًا:
- أنا عايزة بنتي يا نصري، أنا عايزة وعد.
التناقض والتوهان أسوأ ما قد يحتل الإنسان، فكلاهما يجعل الإنسان مشوشًا، تائهًا، غارقًا في بحور من المتاهات.
وهو رُزق بالتناقض، وهي بالتوهان.
حديثه الآن.. غير حديث الأمس.. غير حديث الغد.
قرارها الآن.. غير قرارها قبل قليل.. غير قرارها بعد قليل.
عجيب أمرهم ومن المستحيل أن تتجمع بينهم نقطة وصل تجمعهم!
فهل الماء يمكن أن يجلس بجوار النار دون أن تطفيها؟
بعد ليلة من ذلك اليوم كانت هناك مقابلة ستجمع بين نصري وتايسون، تُرى ماذا سيُقال فيها؟
رواية حارة تايسون الفصل العاشر 10 - بقلم زينب سمير
فتح باب غرفتها ودخل دون استئذان.
كانت هي جالسة على أريكتها، وعندما لمحتـه نهضت فوراً وهي تصرخ بضيق:
- إنت إزاي تدخل كدا؟ متعرفش حتى إنه من الذوق تخبط قبل ما تدخل على واحدة؟
أجابها ببرود وهو يرفع إحدى حاجبيه بتسلية:
- والـست دي تبقى مراتي وأنا سايبها في حالها لدلوقتي بمزاجي.
رمقته بضيق ولم ترد. اقترب منها متابعاً:
- أبوكي جاي كمان شوية.
رفعت عينيها تناظره بلهفة وقالت:
- هخليك تقابله بس بشرط.
تساءلت عيونها عن الشرط، فقال وهو يحاصر خصرها بيديه جاعلاً عينيها تقابل عينيه السوداء:
- تفهميه إنك موافقة على جوازنا.
كانت عينيها بدأت تتأثر بعيونه، إلا أنها مازالت مستيقظة، لم تغرق كلياً به وبسحره، فقالت:
- بس كدا ممكن يفهمني غلط وإني متخطفـتش وجيت بمزاجي.
- أنا هقولك إنك اتخـطفتي وهقوله كمان إنك حاولتي تهربي، بس إنتي هتقولي إنك بعدين رضيتي بالأمر الواقع وموافقة من قلبك كمان.
ضيقت حاجبيها بتعجب من حديثه. غريب فعلاً ما قاله. أيراضيه أن يظهر بتلك الصورة السيئة أمام والده؟ لن يخجل وهو يعترف أنه خاطفها بالفعل. ذلك الرجل حقاً محير وبالنسبة لها لغز صعب أن ينفك أبداً.
وصرحت له بأفكارها، فأجاب بلامبالاة:
- ما يهمنيش رأي حد فيا وكيف عايز يشوفني وكيف هيشوفني، اللي يهمني هو أنا ورأيي أنا فيا ورأي اللي بحبهم.
مرر يده على وجنتيها بخفة فأنقشعرّت أثر لمسته وقـال:
- وإنتي من اللي بحبهم على فكرة.
قالها بخفوت شديد وهمس أشد، لاعباً بهمسه على أعصابها فزاد هذا من توترها. لا تعلم ما يحدث لها بالضبط وهي معه، لكن بالفعل تصيبها مشاعر غريبة وتجتاحها أثر قربه وهمسه لها. غريب أن تشعر بتلك المشاعر بقرب خاطف و... قاتل.
أحاسيسها كلها تنقبض بلذة غريبة عندما يتلاعب بها بكلماته المثيرة. حقاً يكاد يصيبها الجنون أثر جميع ما يحدث معها. كيف تتحرك مشاعرها لرجل وهي تعترف بحبها لآخر؟ لرامز الذي كان ينتظر أن تنتهي من بطولة التنس ليقوما بكتب الكتاب ثم الزواج. ماذا ستقول لرامز إذا تقابلا وتواجدا بمكان يجمعهم منفردين؟ تقول إنها تزوجت بآخر بكل بساطة. صارت على اسمه ولن يتركها إلا إذا أنجبت طفلاً! والأغرب أنها لا تشعر بالكره نحوه أو النفور إلى الحد الذي تقوله عنه، بل هي تستلطفه!!
تايسون وقد تركها وابتعد فجأة كعادته:
- لو هتمشي بكلامي يبقى تنزلي لما أبعتلك مع أم السعد. لو هتخلفيه يبقى أحسن لك متنزليش عشان هتشوفي مني اللي مش هيعجبك.
قالت بإستكانة:
- هسلم عليه بس والله.
طالعها بنظرات غير مصدقة، إلا أنه لم يقل شيئاً وتركها مغادراً الغرفة.
***
بعد نصف ساعة.
دخل نصري مع جعفر لغرفة مكتب تايسون. نهض تايسون عن مكتبه ما إن لمحه وأشار لجعفر بالمغادرة. سلم عليه باليد سلاماً بارداً وهما يوجهان نظرات تحمل الكثير والكثير لبعضهما البعض. نظرات تخفي مشاعر البغض من ناحية نصري لتايسون والكرة. يطالعه كلص خطف وحيدته منه، لكن نظرات تايسون لم تكن مفهومة كالعادة.
أشار له ليجلس على إحدى المقاعد رادفا:
- اتفضل يا نصري باشا.
جلس نصري وبدون سابق إصرار قال:
- أنا عرفت عنك اللي يخليني أخاف أقرب منك يا جاسر.
لم يتأثر تايسون بحديثه، بل فقط كانت نظراته تحث الآخر أن يتابع حديثه وقال:
- إنت لو مكاني وعرفت إن بنتك مع واحد زيك... مش هتخاف عليا؟
أجاب بدون شك:
- هترعب كمان.
الغريب دوماً في الأمر أنه يتحدث عن نفسه بالسوء ولا يحاول أن يخفي ذلك!
- يبقى تقدر إحساسي وتفهمني، أنا عايز بنتي ترجع لحضني أنا وأمها.
قال تايسون ببرود، مريحاً جسده على مقعده للخلف:
- وده مستحيل.
قال نصري بنظرات محتدمة:
- أنا أقدر دلوقتي أقبض عليك بتهمة الخطف.
قال تايسون ساخراً:
- هو في حد بيخطف مراته يا باشا؟
- جواز مش شرعي تم بدون موافقة ولي الأمر وبدون موافقة العروسة أصلاً.
- بنتك عندها ستة وعشرين سنة يعني تقدر تبقى وكيلة نفسها، وهي موافقة عليه جداً وتقدر تسألها وبكده أركان الجواز تمت بما يرضي الله. عشان مكنش كذاب بس، الأول كنت مهددها لكن بعدين هي وافقت بكل رضا.
قال نصري بغضب:
- إزاي وافقت؟ وعـد مستحيل تكون موافقة، وعـد بتحب رامز.
- آهـو دا اللي مجنني، إزاي واحد زيك رضي يجوز بنته لواحد زي رامز دا؟
قال نصري بتعجب من حديثه:
- ومـوافـقـش عليه لـيه؟ ابن صاحبي ومننا وعلينا ومشفناش منه حاجة وحشة.
- كدا فهمت. يعني إنت من ثقتك بيه مفكرتش حتى تسأل عليه.
نهض فجأة من مقعده وتوجه لأحد الأرفف، سحب من عليها ملفاً وقدمه لنصري. امسكه نصري منه وهو يسأل بعدم فهم:
- إيه دا؟
قال تايسون ببرود:
- ده ملف عن تاريخ رامز الأسود.
فتحه نصري وراح يقرأه بعيون تتسع تدريجياً بصدمة أثر ما يجده من أفعال صعبة نتجت عن رامز بالدليل القاطع والصور. لم يتوقع أن يكون رامز بهذا السوء في يوم من الأيام. يستعمل اسمه ورتبته بأشياء عديدة كالتعذيب بطرق بشعة وإقامة بعض الأفعال المحرمة بالتهديد. ظهر وجهاً وقحاً له لم يتوقع نصري أن يكون رامز يملكه.
خرج صوت تايسون ليفوقه من صدمته:
- الباشا اللي عايز تجوز بنتك ليه متجوز أربعة عرفي ومطلقهم. اتنين منهم كانوا حامل وخلّـاهم بالغصب نزلوا الطفل. ولما أهلهم وقفوا ضده اشتري سكوتهم بالفلوس. في واحدة أبوها مرضيش يسكت فاستغل اسمه وطرده من شغله وفضل مطارده في كل حتة لحد ما وطّى له راسه وسكت بالفلوس. دي شوية من بلاويه. نبذة مختصرة. تحب تسمع أكتر؟
ردد نصري مصدماً:
- رامز؟
- أيوه رامز.
ساد صمت قصير على الغرفة، ثقيل على صدر نصري الذاهل بتلك المعلومات الذي يسمعها ويعرفها للتو. يعلم أن تايسون لم يكن ليكذب عليه. كل شيء أمامه بالدليل القاطع، وتايسون لم يكن شخصية من تلك التي تمزح.
لكن... هل هذا كافٍ ليوافق على تسليم ابنته لـ تايسون؟
بالطبع لا.
لذا قال:
- طيب وعايزني أرحم بنتي من لعنة أروح أسلمها بأيدي لـ لعنة أكبر؟
قال تايسون بملامح لا تقرأ، هادئة وكأنه يقول حديثاً مرفهاً ليس كارثياً أبداً:
- على الأقل أنا صريح، بل صراحتي توصل لـ الجرأة، لكن رامز لا.
- علشان إنت صريح أحمي بنتي من واحد زي رامز وأرميها في إيدك... إيد قاتل!
قال تايسون:
- بس إيدي مبتمسش اللي يقربلي، يعني هتكون في أمان.
كاد يصرخ. بالله كاد يصرخ من حديثه البارد هذا. الكارثة ليست هنا. الكارثة أنه يتحدث ببرود وكأن ما يقوله عادي!
اعتدل تايسون في جلسته أكثر وهو يقول:
- طيب عشان أنا مش عايز الموضوع يطول أكتر وعايزك ترتاح من ناحيتي... هتكلم معاك بصراحة.
طالعه نصري باهتمام فتابع:
- وعـد بنتك أنا حبيتها من أول ما شفتها. حركت فيا حاجات محدش قدر يحركها قبلها. وأنا راجل مبحبش الكذب حتى على نفسي، اللي بحس بيه بأعترف بيه. فأنا عايزها كـ مراتي وأم ابني للأبد. ومعنى إني عايزها إني هعمل المستحيل عشان متـمـشيش. فـ صدقني مهما تعمل وتتعب مش هتقدر عليا ومش هتقدر تبعدني عنها. تمام؟
أخذ نصري بعض الوقت ليفهم كلامه، وبعدما فهمه هتف:
- إنت كدا بتخوفني أكتر.
قال تايسون ببسمة باردة:
- بالعكس بطمنك إن بنتك هتكون مع واحد بيحبها.
نهض نصري من مكانه صائحاً بتعب:
- إنت اللي مش قادر تفهم إنك قاتل، وإن وجود بنتي معاك هيخليها في خطر طول الوقت.
قال تايسون ببرود:
- فين دليلك على إني قاتل وبتاجر في الأعضاء زي ما بتقولوا؟ معاك دليل؟
أومأ بالنفي بقلة حيلة، فالتحريات كلها التي قامت حول تايسون أتت بنتائج غير مرضية أبداً. لا دليل عليه أبداً، لا نقطة من الغبار. الجميع يعلم أنه بالفعل قاتل، ولكن لا يوجد دليل قاطع.
قال تايسون بصوت جاد:
- هوعدك وعد وصدقيني الوعد ده هنفذه لو فيها موتي.
طالعه نصري بإستفهام فقال:
- وعد مراتي هتفضل عندي في بيتي. جوازنا هيبقى جواز طبيعي. مش هسيبها غير يوم ما تجيب دليل على كلامك. يوم ما تجيب الدليل تعالي ومعاك المأذون وأنا هطلقها وهروح أسلم نفسي.
بدأت على وجهه علامات الرضا، لكن... ربما يتأخر في عملية إيجاده. هل ابنته ستكون بين يديه لكل تلك الفترة؟
قال تايسون:
- متحاولش تفكر في حلول تانية لأن ده أول وآخر حل هقدمه ليك. وبالنسبة لـ الفرح أنا كدا كدا كنت هعملها فرح. تحب تحضره؟
بكل برود يعزمه على فرح ابنته. كأنها ليست ابنته!
خرج صوته متعباً:
- عايز أقابله.
قال تايسون بتساؤل:
- مجاوبتش هتحضر الفرح ولا؟
رمقه بضيق. فقال بلامبالاة:
- شكلك مش هتحضر. براحتك. ده أنا حتى كنت هدبح خرفان ومقولكش على طعم الخرفان. خرافة.
***
بعد قليل.
فتحت باب المكتب بعدما طرقته ودخلت سريعاً لهم. فعندما نادتها أم السعد لم تنتظر، بل كانت تسابق الرياح بخطواتها لتصل لأبيها. عندما لمحتـه اقتربت منه راكضة واحتضنته. كان مشهداً درامياً بحت، فيه عدة مشاعر قوية، لكن ذلك البارد كان يتابع الأمر بسخرية مريرة.
ابتعد عن ابنته أخيراً، تلمس وجهها بكفيه سائلاً:
- إنتي كويسة؟
أومأت بنعم وهي تبكي بضعف. اقتربت تحتضنه مرة أخرى وقالت:
- أنا كويسة بس إنت وحشتني أوي إنت وماما. هي فين لية مجتش معاك؟
ابتلع ريقه بصعوبة ولم يرد. ابتعدت لتناظره بإستفهام، فأخفض عينيه عن عينيها ولم يتحدث.
سألته بتوتر وخوف:
- ماما كويسة صح؟ محصلهاش حاجة صح يا بابا. جاوبني يا بابا.
لم يرد، لكن صوت تايسون البارد وصل لها:
- امبارح بس اغمي عليها وودوها المستشفى وطلع عندها جلطة في القلب بس متقلقيش الدكاترة عملوا اللازم وبقت أحسن يا وعـدي.