تحميل رواية «جريمة حب» PDF
بقلم سلسبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت تجلس على المائدة تتناول الطعام بجانب زوجها الذي أمسك يدها وقبلها، لتبتسم له وهي تنظر أمامها حيث زوجة أخيه. انتبهت حينما استمعت لنداء حماها الذي تساءل عن حفيدته: "فين جود؟" أجابت جوليا وهي تتناول طعامها: "في البيت عندها مذاكرة." "شكلكم مبسوطين النهاردة." نظرت جوليا إلى زوجها قصي الذي ابتسم لهم قائلاً: "عيد جوازنا النهاردة." نظر له أخيه معتز ليقول بابتسامة: "مبروك، جوليا من أفضل الناس اللي اتعاملت معاهم على مدار حياتي." نظرت له زوجته بغيرة وحقد على جوليا. تساءلت سمر والدة قصي: "وهتحتفلوا بيه...
رواية جريمة حب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سلسبيل
وضع يده على فمها في محاولة منه حتى لا يصدر منها صوت ويستيقظ البقية متسائلاً:
- مالك؟
حينما أدركت بأنه أمير هدئت من روعها وابتعدت عنه وهي تلتقط أنفاسها قائلة بداخلها:
- لقد توفى لا تفكري كثيرا.
ومن ثم نظرت لأمير وأردفت بغضب:
- أنت جيت ورايا ليه؟
- حسيت أنه في حاجة غريبة في البيت.
عاد شعورها بالخطر مرة أخرى لتنظر إلى غرفتها ومن ثم له، لتقول:
- شوف كدة في أوضتي.
تقدم منها بينما هي كانت تنظر باتجاه الغرفة، لتجد بأنها أصبحت محاصرة بين ذراعيّ أمير الذي ينظر لها وابتسامة تزين شفتيه قائلاً بخبث:
- بالسرعة دِ! أحنا ملحقناش نتعرف على بعض.
كاد فكها أن يسقط أرضاً من هول الصدمة وتلك الفكرة التي سيطرت على عقله بمجرد تفوهها ببعض الكلمات البسيطة، لتشعر بمدى تفكيره المنحرف على عكس شخصيته لتقول وهي تحاول أن تلملم شتات نفسها أمام ذلك المختل وترفع سبابتها في وجهه قائلة:
- باعتبارك حارس شخصي وأنا حسيت إن في حد في أوضتي سمحت ليك تدخل أوضتي.
- ولكن واضح إن تفكيرك مليان بالأشياء المنحرفة زيك بالظبط.
وقفت كالصنم حينما رأتهم بتلك الوضعية وكأنه يحتضنها بين ذراعيه، كادت أن تكمل حديثها حتى وجدت أمامهم ملك التي تطالعهم بصدمة احتلت تعابير وجهها لينظر أمير هو الآخر لها ليعود بنظره مرة أخرى لجوليا التي ولأول مرة كانت تشعر بالإحراج الشديد وأنها ليست على مقدرة كافية من تخطي الأمر.
ابتعدوا على الفور عن بعضهم البعض، لتردف جوليا وهي تعبث في شعرها في محاولة منها لتخفيف توتر الموقف:
- حسيتِ أنتِ كمان بحاجة في البيت؟
نظرت لها ملك بتساؤل، لتردف جوليا وهي تتقدم منها:
- أنا وأمير حسينا إن في حد غريب في البيت.
- أه فهمت.
- لا أنا كنت نازلة أجيب ماية.
- روحي جيبي ماية، وأنا هدخل أوضتي عشان هنام.
تركتهم ودلفت على الفور لغرفتها لتغلق الباب في وجه أمير ولكنها لم تتخطى ابتسامته لها قبل أن تغلقه لتشعر بالغضب الشديد من نفسها ومنه لتطرق برأسها على الحائط عدة مرات.
عاد أمير لغرفته وهو يضع يده على قلبه في محاولة منه لعصره بين يديه حتى يهديء، فهو ينبض بعنف لأول مرة منذ سنوات لم يكن يشعر بذلك الشعور من فترة، لما عاد مرة أخرى له فهو يشعره بالضعف.
ارتفع رنين هاتفه ليتعجب من قد يهاتفه في ذلك الوقت المتأخر، ليجد المتصل أدهم ليشعر بأن هناك خطب ما.
ليأتي صباح جديد مليء بالأحداث، استيقظت جوليا باكراً لتستقبل ناصر والذي هاتفته سكرتيرة ميادة حتى لا تتعامل معه.
جلست على مائدة الطعام ولكنها وجدت أن ابنتها قد سبقتها وغادرت لمدرستها، جلس أمير بجانبها وبدأ في تناول طعامه لتشعر بأن هناك خطب ما به فهو صامت منذ أن جلس لتنظر له وتجده ينظر لطبق طعامه ولكنه لم يتناول، لتأتي ريهام وهي تقف بجوارهم قائلة:
- عايزة حاجة تانية يا هانم؟
- لا، تقدري تروحي.
نظر أمير لـريهام ليقول وهو يشير على المقعد أمامه:
- اقعدي كُلي ونادي ملك وحامد.
نظرت ريهام لجوليا بحذر وتساؤل لتجد جوليا تنظر لأمير ومن ثم لتومأ لها بأن تفعل مثلما أخبرها، ذهبت لتخبر كل من ملك وحامد الذين تعجبوا وأتوا ليجلسوا جميعاً على مائدة الطعام ويبدأوا في تناول طعامهم جميعاً تحت تساؤلات كثيرة تدور بخاطرهم.
ليدلف أحد الحراس من الخارج قائلاً:
- في بنت اسمها ميادة عايزة حضرتك بره.
- ادخليها.
نهضت جوليا على الفور لتخرج من المنزل وتذهب حيث الحديقة لتستقبل ميادة ولكنها وجدته غاضب لتعقد حاجبيها واضعة يدها في جيب بنطالها ليتقدمها قائلاً:
- ابقي شغلي ناس عدلة.
شهقت ميادة لتجري نحوه وهي تصرخ قائلة:
- أنت مجنون!!! وقعت عليا كوباية شاي وبوظت فستاني وفي الأخر أنا اللي غلطانة.
تبادلت النظرات بينهما وقد ارتفع حاجبها الأيسر بتلقائية لتردف بتساؤل:
- ممكن أفهم في إيه؟
لم يجيب عليها أحدهم لتتركهم وتدلف للداخل ليذهبوا خلفها ومن ثم لغرفة المكتب الخاصة بها لتجلس واضعة قدم فوق أخرى، بينما هم جلسوا أمامها لتنظر جوليا لناصر تحثه على الحديث بينما هو نظر على ميادة وأشار عليها بسبابته قائلاً:
- أنا مش هتكلم في حضور دِ.
- نعم!! ومالها دِ؟ ناقصة إيد ولا ناقصة رجل و.
قاطعتها جوليا وهي تردف بحدة:
- أنا مش قدامي اتنين هنا في رابعة إبتدائي.
- وحضرتك دِ بمثابة مديرة أعمالي، و.
قاطعها وهو يقول:
- وجاسوسة ليكِ، و زي ما هي جاسوسة ليكِ وفي صفك دلوقتي مش بعيد في أي وقت تكون في صف غيرك وتقلب عليكِ.
صُعقت ميادة حينما استمعت لحديثه، أهو أتى لهنا فقط ليجعل جوليا تشك بها أم ماذا؟
نظرت له جوليا لتردف ببرود استفزه مع كلماتها:
- وحضرتك جاي هنا ليه، تشرب عصير بالليمون!!
- أنت بنسبة تسعين في المية جاي هنا عشان تبيع قصي وتقف في صفي وإلا مكنتش جيت أصلا.
نقر بأصبعيه على المكتب أمامها، ليردف:
- عندك حق، أنا فعلاً جاي أقف في صفك.
أراحت بجسدها للخلف وتطلعت به لدقيقة حتى أردفت:
- إيه اللي يضمن ليا إن دِ مش لعبة من قصي؟
- أنا مش بخاف من حد ولما حاولت أقتلك مرة واتنين وتلاتة وكنتِ في كل مرة بتنجي جيت وبلغتك وقولتلك أنتِ مش بتموتي ليه.
- وأنا بحب ألعب على الورقة الكسبانة وأنتِ أكثر قوة ونفوذ من قصي.
كانت تفكر في حديثه، هي تعلم بصدق كلماته وأيضاً صدق قراره لذا أردفت قائلة:
- يشرفني إنك شايفني ورقة مربحة ليك ولغيرك.
كانت ميادة تستشيط غضباً منه، لتردف قائلة:
- أجيب عقد ونكتبه يا هانم، لأن اللي زي دول ملهمش أمان.
- أو الرجالة كلها أصلاً ملهمش أمان.
- إيه رأي واحدة في أولى إبتدائي دِ! اتعلمي من سيدة عملك عندها خبرة كبيرة.
نظرت له بفتور وملل، لتقول:
- هي بتتكلم عن الرجالة مش اللي أنا قابلتهم.
نهضت لتردف وهي تغادر:
- شرفت، وصليه يا ميادة.
غادروا ثلاثتهم الغرفة، لتجد أمير يجلس يطالع التلفاز وبجواره كل من حامد، وريهام، وملك لتشعر بالغرابة من تصرفاته الغير واضحة والتي لا يوجد لها مبرر لتتقدمهم بعدما غادر كل من ميادة وناصر قائلة:
- متجمعين كدة ليه؟
نهضوا جميعاً بعنف سوى أمير الذي كان يضع قدم فوق أخرى ويشاهد التلفاز باهتمام وصمت، أردف حامد بتوتر:
- أنا أسف يا هانم.
- أنا هروح أجهز الغداء.
- وأنا هطلع الجنينة أشوف جود جت ولا لسة.
عقدت حاجبيها لتشير لهم أن يذهبوا، ليغادروا جميعاً وكل منهم يعمل ما لديه لتردف قائلة وهي توجه حديثها نحوه:
- أنت مهتم أوي كدة ليه بيهم!؟
أردف بهدوء لا تعتاده في نبرته إلا وقت الجد:
- عادي، هما أربعة وعشرين ساعة بيشتغلوا بدون رحمة منك عشان كدة قررت أوديهم راحة عشان يقدروا يكملوا.
- "لا راحة لا عمل".
أردف ذلك المثل بالإنجليزية ومن ثم عاد اهتمامه نحو التلفاز لتتركه وتغادر للخارج مستقلة سيارتها وذاهبة نحو الشركة وهي تفكر ما سبب التغير الجذري هذا.
كانت تجلس على مكتبها حتى وجدت جوليا تستدعيها لمكتبها لتطرق الباب وتدلف للغرفة قائلة:
- نعم يا فندم؟
- عايزاكِ تبعتي ليا كل ملفات قصي القديمة، وتروحي الشهر العقاري تسجلي الفيلا باسم جود وإن أنا الواصية عليها.
- وعايزاكِ تبعتي حتى يراقب تحركات ناصر الفترة الجاية.
- طالما حضرتك مش واثقة فيه اتفقتي معاه ليه؟
- ناصر فرصة مش هتتكرر وبالذات بالمعلومات اللي عنده عن قصي، يعني هيبقى ضربة قاضية.
- حاضر يا فندم، أي أوامر تانية؟
نفت جوليا برأسها لتغادر ميادة إلى مكتبها، بينما جوليا انغمست في العمل حتى دلفت لها السكرتيرة الخاصة بها تبلغها بأن قصي ينتظرها بالخارج.
- ربع ساعة ودخليه.
- حاضر.
رجعت بجسدها لتستند على خلفية المقعد واضعة قدم فوق أخرى تفكر في سبب مجيئه إلى هنا، ليدلف قصي بعد مرور ربع ساعة وهو يعلم بأنه ليست منشغلة ولكنها أصرت على انتظاره بالخارج، ليجلس أمامها واضعاً قدم فوق أخرى قائلاً:
- وحشاني.
- المفيد؟
- هعمل معاكِ صفقة.
- تشتغلي معايا.
- مقابل؟
- جود.
- قصي ممكن مكنش عندي فرصة أقولها ليك، ولكنك راجل فاضي وعنده عقدة نقص وأنا صراحةً لو مكانك مش هروح أطلب مساعدة بالعكس هقف على رجلي من تاني وأتحدى كل اللي قدامي ولكن واضح إنك إنسان فارغ وفاضي عشان كدة كل شوية تنط ليا بسبب شكل وأنا صراحةً مش فاضية لـلعب العيال ده.
شعر بالإهانة في حديثها لينهض ويقترب منها مستنداً على المكتب ومقعدها وقد كان حاوطها بجسده ليقول:
- وأنتِ فاكرة إنك هتفضلي واقفة على رجلك كدة من غيري!
- وأنت فاكر إني هسيبك عايش بعد موت والدتي!!
ارتفع حاجبها الأيسر ونظرت له بتحدي ليشعر بلهيب الانتقام يغلفها، ليردف قائلاً:
- طبعا ما أنتِ جايبالي حارس شخصي يخلصلك كل أعمالك ال.
سبّ وشتم أمير الذي كان يجلس الآن وتجلس جود على قدمه.
- وهو بيخلصلي أعمالي أنا بس!
- جوليا أنتِ خلتيني على الحديدية وأنا مش هسمح بده.
- كان ممكن ترفضي!
غضب قصي ليهتف بوجهها صارخاً:
- أرفض إزاي وهو حاطط قدامي مسدس ومعاه رجالته وأنا لوحدي متكتف!
- المشكلة مش فيه أو في رجالته، المشكلة فيك أنت أنت ضعيف ومريض وبتحب نفسك وأنا بندم إني ربطت اسمي باسمك قبل كدة.
- أنت خسارة.
- لا وأنا متجوزك صاغ سليم أوي يعني!
- أنتِ واحدة دارت على كل الرجالة اللي تعرفهم واللي متعرفهمش.
ليبتعد عنها قائلاً:
- وجعتك أوي!
رمشت بعينيها لتعتدل في مقعدها وتنظر له قائلة:
- المقابلة انتهت، ولو فاكر إنك في كل مرة هتضغط عليا بكلامك ده تبقى غلطان شوفلك طريقة جديدة.
كاد أن يكمل حديثه لتشير على الباب قائلة بحدة:
- خلي منظرك لطيف قدام الموظفين، عشان مطلبش الأمن.
نظرت له بابتسامة حتى غادر ليعبس وجهها وتشعر بأنها محاصرة من تلك الزاوية من قِبل عائلة الأدهم، لتنظر لهاتفها ومن ثم شعرت بالقليل من التعب لتقرر العودة للمنزل باكراً.
عادت لمنزلها لتجد الجميع يرتدي ثيابه وجود تردف:
- اطلعي ألبسي يا مامي.
- رايحة فين يا جود؟
- أمير قال هنروح نتفسح.
- روحوا أنتوا.
تركتهم وصعدت لغرفتها ليعبس الجميع سوى أمير الذي صعد حيث غرفتها وطرق الباب لتجيب جوليا، دلف لغرفتها لتنظر له وتتعجب من زيارته لها لتتساءل:
- خير؟
- متكسريش بخاطر البنت.
نهضت جوليا وهي ترفع بسبابتها أمامه لتقول:
- أنا مش محتاجة لنصايحك.
- وأتفضل أطلع بره.
- أنا أسف.
نظرت له وشعرت بالغرابة من اعتذاره لها، لتعلم بأن هناك خطب ما به بالفعل ولكنها وجدته يتقدم نحوها ليحملها على كتفه قائلاً:
- أنتِ اللي اخترتي الطريقة دِ.
شهقت جوليا لتضربه بقبضتها على ظهره ولكنه لم يتأثر لتردف بحدة:
- نزلني حالا.
- هنتفسح النهاردة ومفيش رفض للأمر.
- منظري قدام الموظفين أنت اتجننت، نزلني.
أخفضها أرضاً لتستند على الحائط من خلفها وتنظر له وهي غاضبة لتدفعه بقوة قائلة بحدة وغضب:
- أنت مين أداك الحق إنك تلمسني أو تشيلني، أنت مجنون!
- أنت مش مسموح ليك تقرر نيابةً عني.
- أنا هنا صاحبة القرار.
كان يتفحص تعابير وجهها والتي تدل على مدى إرهاقها اليوم وشدة تعبها التي لم تُشفى منه بعد، تركته وذهبت لغرفتها لتغلق الباب خلفها وتجلس على فراشها.
هبط أمير لأسفل وعلى وجهه علامات العبوس ليردف بهدوء:
- يلا بينا أحنا.
كان كل من حامد وملك وريهام وجود تجهزوا من أجل الذهاب في نزهة كما أخبرهم أمير والذي كان على غير العادة ليس مهتم بالشغل، استقلوا جميعاً السيارة ليجدوها قد خرجت من بوابة البيت بعدما بدلت ثيابها الرسمية لأخرى شبابية لتستقل السيارة بصمت بينما جود كانت تجلس على أقدام أمير الذي بدأ في القيادة.
توقف أمام مطعم ليتناولوا العشاء به جميعاً، كانت تنظر للجميع والذي كان يشعروا بالتوتر من حدة الموقف وكم تبدو قاسية القلب حتى أثناء النزهة والمواقف التي تتطلب بهجة وسرور.
نظرت لطعامها لتبدأ في تناوله ليبدأ الآخرين في تناول طعامهم أيضاً بعدما أشاحت بنظرها عنهم ليشعروا بالقليل من الراحة، كان كل من ملك وريهام يضحكن سوياً ويشعرن بالفرح؛ لأنهم لم يغادروا المنزل منذ فترة كبيرة حتى أنهم لم يذهبوا لرؤية أولياء أمورهم.
كانت تطعم ابنتها التي تبتسم لها من حين لآخر، أردف حامد قائلاً:
- قبل ما أمد إيدي الحساب على مين؟
ضحك أمير ليربت على كتفه قائلاً:
- عليا متخافش، كُل براحتك.
مدت ريهام يدها بقطعة من الطعام نحو جوليا التي تبادلت عدة نظرات ما بين الطعام وبينها، لتجد أمير قد جذب الشوكة من بين يديّ ريهام وأطعمها لجوليا على الفور التي شعرت بالتفاجيء وبدأت في مضغ طعامها ببطء وهي تنظر له بينما هو لم يعيرها انتباه وقام بتناول طعامه.
- تسلم إيدك يا عمو أمير.
- أنتِ لسة شوفتي حاجة،
هنروح ملاهي يا ستي عشان خاطر عيونك.
تساءلت ملك بقولها:
- ملاهي دلوقتي!
- أنا أعرف مكان فيه ملاهي بيفتح طول اليوم، يلا بينا.
نهضوا جميعا وتقدم أمير من الكاشير ليحاسب ليجد جوليا قد أخرجت بطاقتها الائتمانية وقامت بالدفع قبله لتقول:
- مقبلش حد يصرف عليا.
عقد حاجبيه ليشير على عقلها قائلا:
- نفسي أفهم هنا في إيه!! حجر!
تركها وغادر لتذهب خلفه بعدما حصلت على بطاقتها الائتمانية، واستقلوا جميعا السيارة ليذهبوا نحو الملاهي والتي فرحت بها جود كثيرا، لتذهب كل من ريهام وملك ليلعبوا مع جود بينما حامد ذهب لجلب بعض المشروبات لتقف جوليا بجوار أمير تراقب ابنتها التي كانت تضحك بشدة من فترة طويلة.
لتردف وهي ترى سعادة ابنتها بسبب أمير:
- شكرا.
- شكرا مش بتتقال كدة.
جذبها نحو إحدى الألعاب الخطيرة ليقوم بحجز تذكرتين لهما سويا، لتحاول الرفض ولكنه جذبها لتستقل ذلك المنطاد الذي يرتفع لأعلى ويدور في حركة دائرية ليبدأ الجميع في الصراخ بحماس لتنظر لهم وتطلب من أمير أن يوقف تلك اللعبة، ليردف:
- لا متعة، لا سعادة.
- أكثر ما ينقصكِ السعادة، لذا استمتعي.
شعرت بأنها مكشوفة أمامه ولا توجد هالة من الغموض تغطيها، لذا شعرت بالحرج ونظرت لأسفل ليرفع رأسها لأعلى قائلا:
- كعصفور يحلق بالسماء ينتظر العودة لموطنه.
نهضت على الفور حينما شعرت بالضعف أمامه لتتعجب من ذاتها ومن تصرفها، لتتوقف اللعبة وتعلق في السماء فجأةً لتفقد توازنها وتسقط بداخل المنطاد ومن ثم أعاد تشغيلها مرة أخرى ليبدأ الجميع بالصراخ، كانت تود أن تجلس لتتوقف مرة أخرى كنوع من المرح لتجلس بين ذراعيه تتوسط يدها صدره ابتلعت لعابها لتحاول أن تبعده ولكنه تشبث بها هامسا بجوار أذنها بنبرة هادئة يقشعر لها البدن:
- يبدو بأني أصبحت مغرم بِكِ، وبات الأمر يزعجني.
أهكذا يبدو اعتراف الحب الحقيقي، أم إنها كذبة كغيرها استمعت العديد من اعترافات الحب ولكن مثلها لا تعتقد جسدها بأكمله قشعر، وشعرت بقلبها ينبض بسرعة كبيرة أثر تلك الكلمات البسيطة والمعقدة.
مازال يقترب بوجهه بجوار أذنها، بينما هي شعرت وكأنها أصبحت صنم لا يتحرك ولا يتكلم تجمدت بمكانها وكأنه سُكب عليها دلو من الماء البارد.
توقفت اللعبة لتفيق من شرودها وتنهض على الفور وهي تغادر المنطاد ليغادر هو الأخر خلفها، يبدو الأمر وكأنها عادت مرة أخرى لتلك الفتاة في السادسة عشر من عمرها التي سعدت لأن ابن الجيران بجوارهم قد أعترف لها بحبه!
اصطدمت بحامد لتعتذر له ومن ثم جلست في الجنينة ليطلب حامد منها أن يذهب للتنزة قليلا مع أمير لتوافق على الفور دون تفكير، غادرا سويا ليتساءل أمير عن أحوالها وهل هي بخير:
- الهانم طول عمرها مبتحبش أي مضيعة للوقت، أعتقد كدة إحنا بنضايقها.
- الممنوع مرغوب.
جرت جود على أمير وهي تطلب منه أن يصعد معها للعبة، لتجذبه هو وحامد ليستقلوا تلك اللعبة الخطيرة ولكنه كان يراقبها من أعلى كيف أصبحت كطفل في السادسة فقد أمه.
أصبح المكان خالي ولا يوجد به سوى قلة من الناس وهم، ليجتمعوا بجنينة المكان صامتين حتى تقدم منهم مجموعة أشخاص ملثمين لينهضوا على الفور وقامت هي بنفض التراب من يديها لتتساءل عن الأمر بعينيها وهي ترى أمير هاديء وكأنه يعلم بالأمر.
- مين أنتوا؟
تساءل حامد وهو يتعجب من هيئتهم، بينما ملك احتضنت جود لتشير لها جوليا بأن تغادر بابنتها في حال وقوع مكروه وكذلك ريهام.
أردف أحد الملثمين بالإنجليزية:
- مستر أمير يجب عليك التعاون معنا، نحن لسنا هنا لأذيتك وأنت تعلم.
أومأ لهم أمير قائلا:
- حسنا، ولكن يمكنكم الانتظار قليلا.
نظر لحامد ليقول وهو ينظر لجوليا التي تنتظر حتى يفسر لها الأمور:
- هسيب حمايتها ليك.
تفاجأت من كلماته لتتقدمه وهي تتساءل:
- في إيه؟ ومين دول؟
لينظر إلى حامد ويكمل حديثه:
- هعتمد عليك.
شعر حامد بالحزن؛ فأمير قد أخبره من فترة أنه على وشك الذهاب ليستأذن ويغادر.
تقدم منها ليحيط وجهها بين يديه قائلا:
- خدمتي ليكِ انتهت، مش هقدر أكون حارس شخصي ليكِ يا جوليا هانم الساعي.
اضطراب حدث بداخلها، كيف قام بالاعتراف لها والآن يغادر ويتركها كم يبدو متناقض.
نظرت أرضا وهي تحاول السيطرة على شعورها، لتتساءل بنبرة خافتة هادئة متناسية قربه منها ولمسة يديه على وجهها:
- وعقدنا؟
- أنتهى من بدري.
- ومين دول؟
لم يجيب عليها بل مرر إبهامه على وجنتها اليمنى، ليردف:
- قولتلك قبل كدة لو كنا اتقابلنا في ظروف أحسن من كدة كنت هكون أفضل حارس شخصي على الإطلاق.
عقدت حاجبيها معا فهي لا تستطيع أن تفسر ما معنى حديثه، شعور جديد يسيطر عليه هي تلك التي لا شعور لها.
- يجب علينا الذهاب، يجب علينا التعامل بالقوة في تلك الحالة.
اقترب أحدهم من أمير ليقف خلفه وقام بجذب ذراعيه ليضعهم بداخل الأصفاد مغلقا عليهم، لتمسك يديه بتلقائية متساءلة:
- إيه السبب؟ وليه بيعاملوك كدة؟
- الشيء الوحيد اللي ضمنته ليكِ حمايتك أنتِ وبنتك.
كانت تمسك بيده بقوة وهي تتبادل النظرات بخاصته ليحاول سحب يديه ولكنها ما زالت متعلقة بها.
غادر مبتعدا عنها، بينما هي كانت تراقبه بصمت غير قادرة على فعل شيء فهي لا تفقه شيء في تلك الامور ولأول مرة تتعامل مع أمر مشابه، لتشعر بالإحباط ولكنه عاد لها مرة أخرى ليحتضنها تفاجأت ولكنها ظلت صامتة لا تقوى على الحديث حتى أن قدميها لم تعد تحملها لترفع يدها نحو عنقه لتجده يهمس بجانب أذنها مرة أخرى:
- الأمر الذي يزعجني هو عدم قدرتي على الاجتماع بكِ وليس حبي.
رواية جريمة حب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سلسبيل
كانت تجلس في الاجتماع واضعة قدم فوق أخرى قائلة:
- هسيب ليكم وقت تفكروا، ولكني مش هتنازل عن بند من البنود.
- ولكن يا جوليا هانم البنود كلها لصالحكم.
- أنا بمشي في السليم، وشغلكم مش مضمون. كنت بتشتغلوا وتتعاملوا مع قصي قبل كده وأنا مش هقبل بأي أعمال غير شرعية.
- غير كده.
أشارت على الباب بسبابتها:
- تقدروا تتفضلوا وتشوفوا بنود تعجبكم في مكان تاني.
نظروا جميعًا لبعضهم البعض، لينهض المتحدث الخاص بهم قائلاً:
- هنشوف ونرد عليكِ.
أومأت لهم ليغادروا في صمت تام، يفكرون في تلك المعضلة التي حلت عليهم. قصي كان يوافق على شروطهم جميعًا بدون نقاش لأنه كان فقير النفس، أناني.
نهضت جوليا وهي تعدل ثيابها لتشير لميادة التي أتت خلفها وغادروا:
- ناصر بلغك بحاجة؟
- لا يا فندم، مكلمنيش من أسبوع.
- تمام، لو في جديد بلغيني.
- وابعتِ ملف صفقة.
قاطعها في الحديث دخول معتز عليها، لتؤمر ميادة بأن تغادر وتقابله بابتسامة على وجهها متسائلة عن سبب زيارته المفاجئة:
- بتوحشيني.
- التودد المبالغ فيه بيبقى وراه حاجة يا معتز، وأنا مش غبية عشان مفهمش.
جلست على المقعد الخاص بها، لتطلب له مشروبه الخاص، ليردف:
- أنا.
نظرت له لتحثه على الحديث، ليكمل حديثه بتلعثم:
- أنتِ تعرفي ملك كويس؟
عادت بجسدها للخلف لتعلم بخلفية الأمر، لتومئ برأسها لتقول:
- آه، كانت بتشتغل عند ماما وجت كملت عندي شغل بعد ما توفت. وكويسة ومحترمة.
- بتسأل ليه؟
قام بحك فروة رأسه وهو محرج كثيرًا من تلك الأفعال الصبيانية الذي يفعلها، ليقول:
- أنا عايز أستقر.
- يعني بتجيب عريس وبيت وخدامة قبل العروسة!
نظر لها متفاجئًا ليتوقف الحديث بحلقه، لتكمل هي حديثها:
- وهالة؟
- أنا مش ممكن أعرض ملك للخطر، وجوازها منك خطر عليها نفسيًا وممكن كمان جسديًا لأني مضمنش حقد هالة هيوصلها لفين.
- هحافظ عليها وهحميها.
- أنتِ مش واثقة فيا!
- مش واثقة في الظروف.
- طب ممكن تكلميها؟
- طب ما تكلمها أنت، هو أنا العريس!
- جوليا ما تساعديني مرة في حياتك.
- الاعتماد على الغير يشير لعدم المسؤولية.
- هو أنا بطلب منك تغششيني في امتحان الثانوية!!
نظرت له بحدة، لينهض وهو يلملم أشيائه قائلاً بحزن:
- خلاص يا ستي ومش شارب الحاجة السقعة.
تركها وغادر، لتنقر بسبابتها على المكتب أمامها وهي تفكر. لتدلف السكرتيرة بعد فترة قائلة:
- جوليا هانم في شخص عايز يزورك.
- مين؟
صمتت السكرتيرة قليلاً لتردف:
- هالة هانم.
- كنت منتظرة المقابلة دي من زمان، دخليها.
أومأت لها السكرتيرة لتسمح لهالة أن تدلف بغرورها، وحقدها، وكرهها الشديد لجوليا لأنها سعت لدمار بيتها ومنزلها وحبها. وكم كبير من مساحيق التجميل التي تغطي وجهها، لتجلس واضعة قدم فوق أخرى لتبرز ساقها البيضاء، لتشير لجوليا قائلة:
- قهوة مظبوط.
ضحكت جوليا بسخرية من حديثها، لتقول:
- واضح إنك وأنتِ بتتربي نسيتي تتعلمي الذوقيات.
لتتقدم نحو المكتب مشبكة أصابعها ببعضها البعض، لتكمل حديثها وهي تنظر لعينيها ببرود مما جعل هالة ترتبك:
- عشان كده نسيتي تعرفي إن أخو جوزك يبقى من المحارم، ومع ذلك روحتي ليه وكنتِ بتلعبي على الناحيتين، شوية حنية وحب وشوية.
قاطعتها هالة بنبرتها الحادة:
- مسمحش ليكِ، أنا وقصي كنا أصدقاء فقط لا غير، أنتِ اللي فسرتي رؤيتك لينا غلط.
ابتسمت جوليا بطرف شفتيها لتقوم بفتح الدرج أمامها وسحب مجموعة من الصور تضعهم أسفل الملفات لتلقيهم بوجهها قائلة:
- أنا مش واحدة عبيطة عشان أخرب أربع بيوت من مجرد مقابلة، طب ما أنا ومعتز كنا بنتقابل كتير بعلمكم أو غير، لكن بينا احترام للنفس قبل احترامنا لبعض.
- وأنتِ الست المحترمة اللي هربت مع واحد وهي على ذمة واحد تاني.
شكلت يدها على هيئة قبضة في محاولة منها للتحكم في أعصابها، لتنهض وتتقدم نحوها لتقف خلفها واضعة كلتا يديها على كتفها:
- وأنتِ بقى عرفتي المعلومات دي صدفة ولا قصي بيه اللي قالك عليها؟
- أصل أنتِ عقلك واقف بقاله كتير ومبتشغلهوش.
نهضت هالة بغضب لتقف أمامها قائلة:
- أنتِ متعرفيش أنتِ بتتعاملي مع مين و.
قاطعتها جوليا بصوت مرتفع هي الأخرى لتقول بحدة وهي تنظر لهالة باحتقار:
- أنتِ متعرفيش أنتِ واقفة قدام مين وتقدر تعمل فيكِ إيه، أنا أقدر أدمرك وأنتِ واقفة قدامي وأعترف إني قتلتك بقلب بارد أو أقدر أبوظ سمعتك بشوية الصور اللي معاكِ، بس اللي مانعني شكل معتز فقط لا غير.
- لكن والله العظيم يا هالة لو ما اتعدلتي لأدمرك مع قصي وسمر وهخلي عائلتك تلبس الأسود عليكِ.
- أنتِ عارفة بتخرجي إزاي مش محتاجة أقولك.
تركتها وتقدمت من الزجاج المطل على الشارع لتعطيها ظهرها، وتقول:
- قولي للي بعتك إن نهايته قريبة.
غادرت هالة وهي غاضبة؛ هي رفضت كثيرًا أن تأتي إلى هنا ولكن مع إلحاح قصي وضغطه وافقت على مضض لتأتي لها وهي لا تعلم ما سبب إصراره على زيارتها وإجراء تلك المحادثة.
***
كان يتودد أدهم إلى بيتر لعله يتمكن من مساعدة أمير، ليهتف بيتر باسم صارخًا ليكمل حديثه بقوله:
- لا داعي لمحادثتي والتودد لي، يمكنك التودد لإلكسندرا أو أبيها.
- أو التنازل عن كامل ثروته للمافيا.
- تعلم أن هذا غير عادل، أمير فعل لك الكثير.
- مقابل ما فعله لي كنت أدفع له المال.
- لا تتودد لي مرة أخرى، حتى لا أجعلهم يحجزونك معه.
- ارحل.
أردف أدهم بغضب وهو يشير على القصر الخاص به:
- ستندم بيتر حينما يعود ويدمر لك كل ما تمتلكه.
نظر له بيتر بسخرية ليبتسم وكأن الأمر لا يعنيه ليردف:
- وأنا في انتظاره.
غادر أدهم ليستقل سيارته ويذهب لمقابلة إياد الذي كان ينتظره بأحد المطاعم في أمريكا.
- لما تبدو عابس؟
- وكأن أمير ذهب للزواج!!
- إن كنت ستأخذ الأمر على محمل الجدية بذلك الشكل ستنتهي حياتك قبله، كما أنني أفعل ما بوسعي لإخراجه ولكنهم يرفضون أي مقابلات.
- هل يمكننا التفاوض مع ألكسندرا؟
- والدها هو من أمر بحبسه وأنت تعلم جيدا ما قيمته لديهم.
- ماذا إن قمنا بدفع كامل ثروته؟
- حينها سيخرج وسنكون فريسته الأولى.
على الجهة الأخرى،، كان يقف عاري الصدر في تلك الغرفة، كانت بأكملها بيضاء حتى الفراش وليس لديه ما يكفي من الماء والطعام. يعلم هو ذلك السجن أنه خاص بالمميزين مثله يجلبونه لهنا للتخلص منه تدريجيا؛ لأن المكان منعزل يوجد تحت مبنى كبير. على الرغم من معرفتهم لقوته، ولكنها لن تضاهي قوتهم بأسلحتهم. هذا سجن خاص لهؤلاء الذين قدموا للمافيا الكثير ولكنهم يودّوا التخلص منهم.
حان موعد الانصراف ليغادر الغرفة ويذهب حيث ساحة المعركة والذي ينفث بها الجميع عن غضبه وكرهه لهذا المكان وللشخص الذي أمامه. كان ينظر لهم بهدوء لا يختلط بأحد، فقط ينتظر ذلك اليوم الذي سيخرج به من هنا حتى ينتقم من والد ألكسندرا.
ليتساءل بداخله لما تعود تلك الذكرى في رأسه، لما كلما تذكرها تذكر فرحتها العارمة بطلاقها وامتلاكها لكافة ممتلكاته شعر وكأنه ملك الدنيا بأكملها من خلال ابتسامتها الجذابة. ربما لا تكون بذلك القدر من الجاذبية ولكنه لم يراها تبتسم من قبل لذا كانت ابتسامتها ساحرة للغاية بالنسبة له.
كان شارد الذهن ولكنه انتبه حينما لكمه أحدهم بقوة ليسقط أرضًا أثر تلك اللكمة المفاجئة، ليجد خط من الدماء يسيل من شفتيه ليمسحه وينظر لذلك الشاب والذي يمتلك بنية ضخمة تفوق أضعاف أمير بمراحل. نهض أمير ليردف بحدة:
- ماذا تريد؟
- حقاً! لما لا تشاركنا اللعب؟
- لا أريد، يمكنك الذهاب.
لكمه الرجل مرة أخرى، ليشعر أمير بالغضب ويقوم برد الضربة هو الآخر. ثم حاول ضربه عدة مرات في بطنه ولكن الرجل لم يتأثر لتقوم معركة شنيعة بين كلا الطرفين، ليراهن الجميع بأن أمير سيخسر أمام ذلك الضخم والذي يدعى شارلوت.
ليجذبه شارلوت ويرفعه لأعلى ومن ثم ألقاه أرضا بقوة ليشعر أمير بألم شديد يجتاح عموده الفقري، ليضحك شارلوت ويعطيه ظهره رافعا يديه لأعلى ليخبرهم بأنه هنا المنتصر الوحيد. ليزحف أمير نحو مطفأة الحريق ليقوم بجذبها وضربه بها على رأسه عدة مرات حتى سالت الدماء منه. ألقى المطفأة بعيدًا وقام بتسديد العديد من اللكمات على وجهه حتى فقد وعيه. ليصعد أمير وقد غُرقت الدماء جسده ووجهه لينظر للجميع الذين صُدموا من شارلوت وما حدث له. ليضحكوا جميعًا بفرح؛ لأنهم سيتخلصوا منه أخيرًا. وقام شخص بهزيمته بينما هو غادر المكان بصمت نحو غرفته.
دلفت للغرفة لتراه يتأوه من الألم، لتتقدم منه وتبدأ في لمس جسده ليبعدها على الفور وهو يردف بحدة:
- ماذا تفعلين هنا؟
- جئت لمساعدتك، لن يمكنك معالجة جروحك بمفردك.
نظر لها مطولاً ليجلس على ذلك المقعد وهي أمامه تقوم بمسح الدماء من جسده ومن ثم معالجة جرحه لتردف وهي تخيط جرحه:
- لقد قمت بعمل عظيم اليوم، التخلص من شارلوت لم يكن بالأمر السهل ولكنك استطاعت الفوز.
- سيعمل الجميع لدى أمرك من اليوم.
لترفع رأسها نحوه وتتفحص ملامح وجهه والتي مُلئت بعدة جروح، ليردف أمير بعدما رأى نظراتها الحالمة:
- لا تفكرين، لدي زوجة.
ارتبكت الفتاة وقامت بالإنتهاء من عملها لتردف وهي تغادر من باب الغرفة:
- يبدو بأنها محظوظة لامتلاكها زوج مثلك.
غادرت بينما أمير وقف أمام المرآة لينظر إلى وجهه وجسده. تنهد بعمق ليذهب للفراش ويقوم بالنوم عليه من شدة التعب.
***
كانت تصرخ على أبيها بغضب شديد قائلة:
- اخرجه.
- لا يمكنني.
- أبي، أمير لا ذنب له أنا أحبه.
- لذا سأجعله يتعفن في ذلك السجن حتى تتمكني من نسيانه.
- اجعلني أراه.
- لا.
- إن لم تجعلني أراه سأنتحر.
- حسنا افعلي ما يحلو لك.
كاد أن يغادر حتى وجدها جذبت سكين من المطبخ وقامت بجرح يدها لتسقط الدماء بغزارة وتسقط هي الأخرى أرضًا فاقدة الوعي.
على الجهة الأخرى،، كان يصرخ بوجهها قائلاً:
- ما عملتيش اللي قوللتلك عليه.
- أنا عرفت!! دي كانت واقفة فوق رأسي معرفتش أحط الجهاز عندها.
- أنتِ مبقتيش نافعة.
دفعها بقوة على الأريكة بغضب، ليشير لها بسبابته ويقول:
- اطلعي بره ومش عايز أشوف وشك في أي حتة يا هالة، ولو اتكلمتي عن حاجة تخصني هفضحك قدام الكل أنتِ وعائلتك.
نظرت له بصدمة أحقًا سيتركها تغادر! هو من قامت بالتخلي عن منزلها وزوجها من أجله وجلست تحت قدميه تخدمه تخلى عنها ويهددها الآن بأنه سيفضحها.
- واقفة عندك بتعملي إيه؟ أمن أمن.
أتى الأمن على صوت هتافه العالي ليأمرهم بأخذها للخارج، ليجذبها موظف الأمن بعنف لتغضب وتصرخ بوجه قصي قائلة:
- بعد كل اللي عملته ليك يا زبالة ترميني أنا الرمية دي!
- بره بره.
- هوريك يا قصي هوريك.
لم تعلم إلى أين ستتجه. عائلتها؟ قاموا بالتخلي عنها هي الأخرى وتبروا منها. قصي؟ قام برميها للخارج وتخلى عنها هو الآخر. ما الذي ستفعله الآن.
لا تعلم لما ذهبت لمنزله لتجده يغادر وهو في أبهى صوره ليبتسم للخادم لديه ويتركه ليستقل السيارة. ولكنه توقف حينما رأها تتقدم نحوه والدموع تتساقط على وجنتيها.
- عايزة إيه؟
- أنا أسفة.
نظر لها يتساءل بداخله عما إن كانت بخير، يبدو بأنها ليست في كامل قواها العقلية. كيف تخونه وتحبه في آنٍ واحد. أردف بحدة قائلاً:
- اعتذارك غير مقبول يا مدام.
استقل السيارة وقادها للخارج ولكن نظراته متعلقة عليها من خلال تلك المرآة حتى اختفت صورتها. ابتلع لعابه يفكر متسائلاً أتلك دعابة جديدة؟
***
دلفت للمنزل وجدت ابنتها تجري نحوها لتهبط لمستواها وتحتضنها، لتنظر لها جود وهي تتساءل عن موعد عودة أمير لتجيب:
- عمو أمير عنده شوية شغل ممكن ميرجعش تاني، لأن هو عنده حياته الخاصة بعيد عننا.
حزنت جود لتتقدم منها ريهام قائلة:
- يلا يا جود ورانا مدرسة بكرة.
صعدت جود مع ريهام للأعلى حيث غرفتها، نهضت جوليا لتجلس على الأريكة وتقوم بخلع الحذاء الخاص بها لتردف ملك:
- أجهز العشاء؟
- تمام.
صعدت لغرفتها لتخلع ثيابها وتبدلها بأخرى متذكرة أول ليلة حينما عادت من التنزه بعدما رحل. كم أرهقها التفكير حينها ولم تنم ليومين حتى استعادت مركزها مرة أخرى وكأن لم يمر في حياتها شخص باسمه.
وجدت من يطرق بابها لتسمح له بالدخول، لتجد ملك تقول:
- أستاذ معتز منتظر حضرتك تحت.
- تمام روحي أنتِ.
غادرت ملك لتهبط جوليا لأسفل وتجده يجلس بأريحية تامة على الأريكة يشاهد التلفاز. وقفت أمامه لينهض على الفور قائلاً:
- مساء الخير؟
- جاي في الوقت ده تعمل إيه؟
- وحشتني جود قولت أشوفها.
- جود نامت.
شعر بالحرج ليحك رأسه بقوة قائلاً:
- آه فاهم، طيب أجيلها يوم تاني بقى.
أتت ملك مرة أخرى لتهمس بجوار أذنها:
- العشاء جاهز.
أومأت لها لتشير لمعتز نحو مائدة الطعام قائلة:
- تعالي اتعشى.
- مين قالك إني جعان؟ بنت حلال والله.
جرى نحو مائدة الطعام وخلفه جوليا التي جلست في مقدمة الطاولة وبدأت في تناول طعامها، ليتحدث بصوت منخفض وهو ينظر لملك الواقفة أمامهم تنظر أرضًا:
- شوفتي الدنيا معاها؟
- مش أنا اللي هتجوزها اللي عايز يتجوزها يفاتحها في الموضوع.
- هو أنتِ مش أختي؟
- أنت اسمك معتز الأدهم، وأنا اسمي جوليا الساعي.
- ملك لو سمحت هاتي ماء.
غادرت ملك بينما معتز شعر بالحزن اتجاه جوليا ليردف وقد امتدت شفتيه للأمام قليلاً:
- و ههون عليكِ؟
- آه.
تعالى رنين هاتفها لتنظر إلى هوية المتصل لتنهض على الفور وهي تخبر معتز أن يكمل باقي طعامه وتتركه لتغادر وتذهب لغرفة مكتبها وتجيب على الهاتف متسائلة عن الأمر بقولها:
- إيه الأخبار؟
- لسة موصلتش لحاجة، كل اللي أعرفه إن الأمر سري.
أردفت بحدة وهي تعبث بشعرها:
- ومين اللي جبته لهنا؟ وأجرته عشان يقتلني إزاي متعرفش عنه حاجة.
- أنتِ اللي حظك وقع فيه لكن كان وارد جدًا أي إنسان تاني يبقى هو المسؤول عن قتلك وممكن ده سبب توقيفه عن العمل بسبب مخالفته للأوامر وعدم قتلك.
- اختيار القتلة بيبقى على أساس معايير خاصة، وكذلك إرسال كافة المعلومات الخاصة ليهم.
حاولت التحكم بأعصابها لتغلق الهاتف في وجهه ليضيء هاتفها معلنة عن مكالمة أخرى ولكن من رقم مجهول وخارج حدود مصر لتجيب بلهفة حتى وجدته يتحدث قائلاً:
- أتريدين إنقاذه؟
استطاعت تمييز صوته ولم يكن سوى أدهم الذي هاتفها على مضض بعد إلحاح من إياد لإنقاذ أمير من ذلك السجن المظلم.
- وما المقابل؟
- أنه حاول حمايتك أكثر من مرة، ألا يمكنكِ إنقاذه تلك المرة؟
- وحتى إن كنتِ لا تريدي نحن لسنا بحاجة لكِ سنضمن له طريقة أخرى.
- كيف سأتمكن من إنقاذه وأنا لست على دراية بالأمر؟
- إن كنتِ جادة حقًا سأنتظرك في أمريكا صباح الغد.
أغلق بوجهها الهاتف لتشعر بالغضب من أسلوبه ولكنها كتمته حينما دلف معتز لغرفة المكتب متسائلاً:
- ليه اتأخرتي؟
- كان عندي مكالمة شغل مهمة.
- معتز.
- نعم؟
صمتت قليلاً وهي تفكر ما الذي عليها فعله أحقًا ستوافق على ما تفوه به لإنقاذه.
- مالك يا جوليا هي المكالمة عصبتك ولا إيه؟
- أنا مضطرة أسافر بكرة الصبح، ممكن تخلي بالك من جود وتخليها عندك؟
- ومين؟ وباقي الموظفين؟
- هياخدوا إجازة.
- طيب ماشي.
غادرا سويا غرفة المكتب لتهتف باسم ملك ولكنها لم تأتي لتجد ريهام أمامها قائلة:
- نامت يا هانم، حضرتك عايزة حاجة؟
- جود هتقعد مع معتز يومين جهزي شنطتها، وأنتِ والباقي إجازة.
تركتها وصعدت للأعلى لتقوم بحجز تذكرة طيران لأمريكا أونلاين ومن ثم قامت بإحضار حقيبة سفرها لتضع بها كل ما هو مهم وبعض الثياب التي ستحتاجها.
ذهبت لتبدل ثيابها لأخرى وكانت بسيطة غير مكلفة كعادتها بل كانت ثياب مكونة من قطعتين بنطال وقميص مع حذاء رياضي.
ليأتي صباح اليوم التالي وقد كانت لتوها غادرت المطار الدولي للولايات المتحدة الأمريكية. كان يستند على سيارته يرتدي نظارته السوداء في انتظارها متعجبًا من موافقتها للأمر.
حينما رأته قامت بخلع نظارتها هي الأخرى لتشير له بيدها ليعتدل هو الآخر في جلسته وتقدم منها قائلاً:
- ألا ترين أمر غريب؟
لم تجيبه لتتركه وتتقدم من السيارة تستقلها وقد تركت له الحقيبة ليحملها ويضعها بسيارته ويعود ليقود سيارته نحو تلك الشقة التي ستمكث بها ولم تكن سوى شقة أمير.
عقدت ذراعيها وهي تتقدم من الشباك الزجاجي لتشاهد الموقع أمامها ومن ثم نظرت له لتتساءل:
- ما هو دوري في تلك القصة؟
- البرود.
- عفوا!
- أراكِ هادئة للغاية.
ابتسمت له ببرود لتردف قائلة:
- حينما يثور الجميع، كن هادئًا.
- ولكنك لم تخبرني بعد ما هو دوري.
- خالف قانوننا من أجلك، لذا ستعوضينهم عن تلك الأموال التي فقدوها.
جلست على الأريكة واضعة قدم فوق أخرى وقد ارتفع حاجبها الأيسر، لتقول باستنكار:
- أجلبتني لهنا لكي أدفع مال! ألا يمتلك ذلك القاتل الشهير الكثير من المال!!
- ستذهبين لمقابلة جايك.
- يمكنكِ التفاوض معه بطريقتك.
- سأتي لكِ في مساء اليوم.
شعرت جوليا بأن أدهم يخفي أمرًا ما وأنه يعطيها القليل من المعلومات التي لن تفيدها في شيء. نهضت وهي تتفقد المكان بصمت حتى وجدت غرفة لتجلب بها حقيبتها وتقوم بتبديل ثيابها لتنام بعدما قامت بإغلاق الباب عليها بإحكام؛ فهي لا تأمن لذلك المدعو أدهم.
على الجهة الأخرى،، استيقظت ملك لتجد ريهام ترتدي ثيابها لتتساءل عن الأمر والوقت، أجابتها ريهام بقوله:
- جوليا هانم سافرت وهتسيب جود مع معتز بيه وأحنا خدنا إجازة.
نهضت ملك على الفور وهي تقول:
- إجازة!!! وأنا هروح فين؟
- يعني هتروحي فين؟ هتروحي بيتك عائلتك موحشتكيش؟
أردفت ملك بحزن وهي تفرك يديها بارتباك:
- أنا معنديش أهل.
شعرت ريهام بالحزن عليها لتتقدم وتجلس بجوارها لتتساءل:
- ليه كده؟
- يتيمة.
ربتت ريهام عليها، لتردف قائلة:
- غيري هدومك وتعالي نشوف حل.
غادرت ريهام الغرفة لتنهض ملك لتبدل ثيابها وتترك الغرفة من خلفها لتجد أمامهم معتز حاملاً بين يديه جود التي تضحك بينما هو يداعبها، لتتقدم منه ريهام وهي تقول بخفوت:
- أستاذ معتز، كان في مشكلة كدة.
- قولي.
- ملك مش هينفع تأخد إجازة؛ لأنها يتيمة فلو ينفع يعني هي تقعد هنا.
صمتت ريهام حينما وجدت ملك تجري نحوها وتقوم بنغزها في جانبها عدة مرات لتقول وهي تنظر لمعتز في محاولة منها لتبرير الأمر:
- أنا هتصرف مفيش داعي تشغل بالك.
نظر لها من أعلى رأسه حتى أخمص قدميها، ليردف بنظرة تملؤها الانبهار:
- تقدري ترعي جود في البيت عندي وكمان عندي كذا شخص بيشتغل يعني متقلقيش.
- لا شكراً لحضرتك.
قاطعه بقوله:
- أنا مش بعرض عليكِ الأمر، لو سمحت اجهزي عشان نتحرك.
تركها وغادر نحو الخارج ليستقل السيارة هو و جود، لتغضب ملك وتردف:
- ينفع كده يا ريهام؟
- أنا كنت بحاول أساعدك وكنت هقوله يخليكِ تقعدي هنا في الفيلا وأكيد جوليا هانم مش هترفض.
- أنا أتصرف إزاي دلوقتي؟
شعرت ملك بالضيق وذهبت لغرفتها وتغلق خلفها الباب لتبدأ في البكاء لشعورها بالعجز لكونها يتيمة وليس لديها أحد تلجأ له. قامت بتجهيز ثيابها وذهبت للخارج لتستقل السيارة معه وبجوارها جود التي كانت تتحدث معها قليلاً ومن ثم تنظر للشارع من خلال زجاج السيارة.
***
سقطت مغشياً عليها حينما علمت بخبر طلاق علي لها؛ قد سئم من تصرفاتها اللئيمة هي وابنها قصي الذي علم بأنه خسره لحبه الشديد للمال حتى لو كان الأمر معارضًا للأخلاق والفضيلة. بينما هي ساعدته على الأمر ولم تقم بالاهتمام به وتربيته على الأخلاق الحميدة، فقط الغل والحقد لأخيه حتى أنه قام بخيانة أخيه مع زوجته. أحقًا تلك هي التربية السليمة التي تسعى الأم لغرزها بداخله!!
جرى قصي عليها ليتفقد النبض ووجده سريع للغاية ليقوم بمهاتفة الإسعاف وهو قلق على أمه من أن يصيبها شيء. ليكره أبيه حينما رأى تلك الورقة بيديها وجواب قد كتبه بخط يديه مضمونه: "لا سامحكِ الله ولا عفى عنكِ، ستحصدين ما زرعتيه بداخل ابنك قمتِ بتربيته على الرذيلة والحقد والمال بينما أنتِ اهتميتِ بذاتك أكثر من منزلك وزوجك وأبناءك أنتِ من قمتِ بخراب بيتك وبيوت أبناءك بتربيتك الخاطئة."
استيقظت للتو حينما تعالى رنين هاتفها معلنا عن السادسة مساءً، لتنهض وتذهب نحو المرحاض الملحق بالغرفة وتقوم بغسل وجهها ومن ثم عادت للغرفة لتبدل ثيابها ولكنها استمعت لخطوات أحدهم تقترب من الغرفة لتنظر حولها بخوف وهي تبحث عن شيء حاد تهاجمه به ليحاول فتح الباب ولكنه وجده محكم. ابتلعت لعابها وقامت بجذب تلك الأباجورة لحماية نفسها.
ابتعد مصدر صوت الخطوات عن الباب لتقوم بفتحه والتقدم نحو ذلك الشخص الذي يعطيها ظهره ليلتفت لها حينما شعر بوجودها، لتشعر بالغضب وقامت بإلقاء تلك التحفة نحوه بقوة.
رواية جريمة حب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سلسبيل
___________________________
تساءلت بحدة وهي تتقدم نحوه:
-لِمَا حاولت فتح بابي؟
كان يشعر بالصدمة من إلقاء تلك الأباجورة عليه ليتساءل وهو يضع يده على رأسه قائلا:
-أصابت رأسي!!
-ألقتها لتُصيبك.
جلست على الأريكة لتقول:
-أودّ تناول شيئا ما.
-حسنا، يمكنكِ تبديل ثيابك حتى نغادر ستقابلين جايك.
ذهبت للغرفة لتقوم بجذب حقيبتها على الفراش وجذبت ثوب باللون الأحمر متناسقا ومرتب جعلها جذابة كان يصل للركبة بأكمام طويلة، وقامت بتصفيف شعرها الذي ازداد طولا؛ لأنها لم تهتم به لفترة تركت الغرفة وتقدمت من أدهم الذي نظر لها منبهرا قائلا:
-أحقا تمتلكين جانب من الأنوثة كبقية الفتيات!!
نظرت لثيابها لتلقي بحقيبتها على الأريكة وتتقدم منه حتى وقفت أمامه مباشرةً لتقوم بجذب ياقة قميصه قائلة بهدوء ونظرات حادة:
-ألا يمكنك التفوه بغير الكلمات اللاذعة كوجهك!
-إن نطقت بكلمة أخرى لن تعجبني سأقوم بقتلك حينما أنتهي.
ابتسمت له ليتفاجيء من تحولها المفاجيء وسرعة التحكم في ملامح وجهها، لتبتعد عنه وتجذب حقيبتها لتغادر المنزل مستقلة المصعد وخلفها أدهم الذي قام بعدل ياقة قميصه وهو غاضب منها يسبّ بداخله إياد على تلك الفكرة المجنونة.
بعد عدة محاولات استطاعوا الحصول على موعد من جايك، هي من أفسدت الأمر؛ لتصلحه.
دلفت لذلك الفندق وقاموا بحجز غرفة به، لتجده جوليا يجذبها لأسفل السلم حيث مصعد صغير يتواجد به ليستقلوه سويا.
وجدت صالة قمار وبجانبه غرفة مكتب ذلك المدعو جايك والذي كان بإنتظار أدهم الذي دلف مصطحبا معه جوليا لينظر لها يتفحص جسدها، لتجلس واضعة قدم فوق أخرى وبجوارها حقيبتها الصغيرة لتنظر له قائلة:
-يمكننا الدخول في صلب الموضوع مباشرةً، لا أحب تضييع الوقت.
-نودّ إخراج ذلك المدعو أمير.
تراجع بجسده للخلف ليستند على المقعد الخاص به قائلا متعجبا:
-ومن أنتِ؟ وما دورك هنا؟
-ليس من شأنك، لن نخرج أمير دون مقابل.
-أتعلمين خطورة الأمر؟ ثم أن أمير ليس بحاجة لتدخل امرأة في حياته.
حاول أدهم تهدئة الأمور بقوله:
-جايك نحن هنا لحل الأمر، لا يمكنكم التخلي عن أمير.
-نحن لم نتخلى عن أمير، فقط نعاقبه عما اقترفه.
-عميل مقابل عميل.
-أي أن أمير تخلى عن عميل مقابل عميل أخر أكثر قوة ومالا، ألا يهمكم المال؟
-ماذا تكونين؟
-جوليا الساعي.
-ماذا تريدون مقابل أمير؟
عم الصمت بالغرفة حتى قطعه بقوله:
-أمير خان عملنا.
-وإن تخليتم عن أمير الآن، أتخالون أنه سيعود لكم مرة أخرى!
-يا لطيبة قلبكم!!
أردفت جملتها بسخرية لتجذب حقيبتها وتنهض قائلة بهدوء يتناسب مع شخصيتها ونبرة اللامبالاة التي وصلت له:
-لقد خسرت لتوك صفقة كبيرة للغاية، لست الخاسرة هنا فأمير سيخرج على أي حال إن كان الآن أو غدا أو بعد حين سيخرج.
أعطته ظهرها وتحركت نحو الباب ليقف أمامها أدهم بذعر قائلا:
-لم نتفق على الأمر!
نظرت له بحدة لتتقدمه في محاولة منها لمسك المقبض حتى أوقفها صوته بقوله:
-سأجعلك تقابلين الزعيم.
صدمة احتلت وجه أدهم من هول ما سمعه، بينما هي ابتسمت بطرف شفتيها لتلتفت له قائلة:
-لن أضييع وقتي إني كان سيرفض الأمر بالنهاية، بدلا من التفاوض معكم سأفكر في طريقة أخرى لإخراجه.
-سأدبر لكِ الموعد في الصباح الباكر.
أومأت له بابتسامه لتقول وهي تصافحه بيدها:
-يمكنك التواصل مع أدهم لترتيب الموعد والمكان.
غادرت المكان وخلفها أدهم الذي لم يتوقع فعل أمر مماثل كهذا، كيف كيف تمكنت من التغلب على جايك! أو كفى عن التفكير كادت دماغه أن تنفجر ليسير بجوارها متساءلا:
-كيف تمكنتِ من إقناعه؟
-الممنوع مرغوب.
-هم يريدون منك التذلل لهم لمساعدتك، وأنت لا تريد إذا لما لا نساعدك لنشعر ببعض الانتصار!
استقلت السيارة مع أدهم الذي قادها متجهها نحو المنزل ولكنه أردف في منتصف الطريق:
-أعتقد أنك لا تودّين النوم الآن، لما لا نذهب للتنزه قليلا؟
-التنزه مع شخص غير مرغوب؟ حسنا لا بأس.
شهق بصدمة، لـيقول:
-ألا تخافين على شعوري من اعترافك بكرهي الآن؟
-لما قد أخاف على شعورك! ماذا تمثل لي؟
توقف بالسيارة أمام حديقة صغيرة يجتمع بها الكثير من الناس، ليهبطا من السيارة متقدمين نحوها كانت تشعر جوليا بالملل من عدم قدرتها على ممارسة حياتها بشكل طبيعي.
-دقيقة وسأعود.
تركها تجلس على مقعد عام ليعود لها بعد فترة حاملا بيده بعض الطعام ليضعه بجانبها ويجلس هو الأخر قائلا:
-لا داعي لشكري، يمكنكِ الأكل.
-ولما الشكر؟ لم تفعل بالأمر المعقد.
-ألا يتفوه ثغرك ببعض كلمات المدح والإطراء؟
-يبدو حقا أنه يلتهم الطعام فقط.
نظرت له وكان فمها امتلىء بالطعام لتنظر له بحدة وتكمل طعامها، لـيردف متساءلا:
-أشك بأن لديكِ بعض الأنوثة.
ضحكت لتقوم بمضغ تلك القطعة في فمها قائلة:
-لا تحاول التحدث بالعربية مرة أخرى، رؤيتك كأحمق لا تعجبني.
عبس وجهه ودفعها برفق بقبضة يده بينما هي لم تعيره انتباه فقط أكملت طعامها.
_____________________________
كانت في المشفى تتلقى العلاج وحدها، بينما معتز لم يعلم بعد بأنها مصابة ومريضة بالمشفى وقصي كان يعمل حتى يستطيع استرداد أمواله مرة أخرى من جوليا والانتقام منها حتى أنه قام بترتيب حبكة تمكنه من التخلص منها بسهولة؛ لتشعر سمر بالعجز لكونها وحيدة لم يأتي أحد ليطمئن عليها حتى هؤلاء الأصدقاء التي كانت تتنزه معهم طيلة الوقت حينما علموا بالأمر لم يقوموا بالاطمئنان عليها هاتفيا.
على الجهة الأخرى،،
كانت ترفض رؤية أبيها؛ لأنه قام بسجن أمير بينما أبيها كان غاضب للغاية ولم يتراجع عن قراره بل رأى أن أمير داء يجب أن تتعالج منه لنسيانه ونسيان ألامه، داء سيطر على ابنته وانتشر بداخلها بالبطيء ولكنه سيقوم بالتخلص منه نهائيا يبدو بأن سجنه لن يكفي ولن يطفيء نيرانه يجب عليه قتله في الوقت الحالي.
_______________________________
كانت تحمل جود على كتفها وتتقدم من الأتوبيس الخاص بمدرستها لتجده حملها بدلا عنها وقبّلها على وجنتيها يداعبها قائلا:
-خلي بالك من نفسك يا كتكوتة.
-حاضر يا عمو.
وضعها بداخل الأتوبيس ولوح لها بكف يده وكذلك ملك، كادت أن ترحل حتى هتف باسمها متساءلا:
-مرتاحة هنا؟
أومأت برأسها بالايجاب ورحلت، ليهتف قائلا:
-طب مال وشك طيب؟
لم تجيب عليه بل جرت للداخل على الفور، بينما هو شعر باليأس ليذهب نحو سيارته ويستقلها ذاهبا لمقر عمله.
حان الآن موعد خروج جود من مدرسته لتجد أبيها بسيارته في انتظارها، جرت بأقصى سرعتها نحوه لتدفعه بقوة ألمته قليلا لتقول بغضب طفولي:
-ليه مكنتش بتيجي ده كله؟
احتضنها بقوة مقبّلا وجنتها اليمنى قائلا:
-حبيبة بابي وحشتيني.
-مكنتش بتيجي ليه؟
عبس وجهه لتتساءل عن الأمر وهي تملس على وجنته بحب تنظر له بحب شديد، كم تشتاق لأبيها:
-عشان مامي بتمنعني إني أشوفك.
-وهي بتمنعك ليه.
-عشان مبقتش تحبني، ينفع يا جود؟
-خلاص يا بابي، تعالى شوفني عند بيت عمو معتز أنا قاعدة عنده الفترة دِ.
رُفِع حاجبه الأيسر باستنكار قائلا:
-وليه يا جود؟
-عشان مامي مسافرة يومين.
-وهي مسافرة فين؟
-مقالتش.
نظر لها ليرفع كف يده لوجنتها اليسرى قائلا:
-طب وعمو اللي كان بيبقى مع مامي علطول مع موجود معاكم؟
-عمو أمير؟ لا سافر قبل مامي.
-أه.
قام بتفسير الأمر كما أراد بذلك التفكير السلبي والذي ينتج عنه سوء جوليا التي تخلت عن ابنتها من أجل حارس سافرت من أجله لقضاء بعض الوقت معه، حقا!!
حملها بين ذراعيه بقوة ليدفعها بداخل سيارته قائلا:
-أنتِ من هنا ورايح هتبقي معايا.
شعرت بقليل من الخوف حينما رأت نظرة الشر بداخل عينيه كم يبدو مخيف وقاسي بتلك النظرة، لتردف قائلة:
-عايزة أروح البيت.
-هتيجي عندي.
أردفت بخوف وهي ترى غضبه:
-لا عايزة أروح عند عمو وملك.
صرخ بوجهها قائلا:
-مفيش مرواح أنتِ بنتي أنا وهتعيشي معايا أنا وأمك دِ أنا هعرف أخلص منها بطريقتي إزاي.
كان يهزها بعنف من كتفيها لتبكي جود من قوة ضغطه على ذراعيها وصراخه الغاضب وتلك النظرة المخيفة، لما أصبح ذلك المختل أبيها!
______________________________
الوقت يمر بسرعة البرق، ها هي الآن ترتدي ثوبها الأبيض أمام المرآة وقامت بتغيير قصة شعرها لتجعله يميل لليمين بدلا من جعله تقليدي كعادتها، جلست على فراشها لترتدي حذائها الأحمر تعالى رنين هاتفها لتلتقطه من جوارها.
-ألا يمكنكِ الاستعجال قليلا؟
-أنا أمامك.
أغلقت بوجهه لتنهض جاذبة حقيبة بيدها اليسرى مغادرة المنزل وهي تحاول أن ترتب حديثها مع ذلك الرجل المسؤول ماذا يجب عليها أن تفعل حتى تخرجه وتساعده كما قام بمساعدتها من قبل، لوح لها إياد بيده لتلقي التحية عليهم مستقلة السيارة بالمقعد الأمامي ليجلس إياد بالخلف قائلا:
-لم تكذب في وصفك.
استقل أدهم السيارة بجوارها ليقودها نحو المنزل الأبيض والذي به المصدر الرئيسي لإنتشار الفساد بالبلد أجمعها بدايةً من الكوكايين، والأسلحة، والدعارة، وتجارة الأطفال، والقتل حتى أن زعيمهم قام بإنشاء مدرسة لتعليم القتل بأكثر الطرق احترافا.
هبط أدهم من السيارة ليلقي التحية على جايك الذي كان بانتظارهم، ولكنه كان مصوب كل اهتمامه بجوليا تلك الفريدة من نوعها ليس لجمالها فقط بل لغموضها كلما ازداد غموضك كلما ازدادت حيرة الجميع قام بالبحث عنها وعن هويتها ولكنه لم يستطع سوى الوصول لكافة المعلومات التي يعلمها الجميع.
قاموا بتفتيش السيارة بأكملها ليتقدموا للداخل بها ومن ثم قاموا بتفتيش أخر لهم، لتتساءل الفتاة عن هوية جوليا لتجيبها:
-جوليا الساعي.
-تفضلِ بمفردك.
نظرت لأدهم الذي تعجب و تقدم منها متساءلا عن الأمر لترفع كف يدها في وجهه قائلة:
-تلك هي أوامر السيد، يمكنكم الرحيل إذا.
ليقول جايك متساءلا وهو يشير على ذاته:
-و أنا؟
-نعم، يخبرك السيد بأنه علم بكافة المعلومات منك لذا لن يكون بحاجتك الآن.
-يمكنكم الانتظار الآن.
-تفضلِ معي سيدة جوليا الساعي.
أشارت لأدهم أن يهدأ لتتقدم معها لداخل ذلك المنزل خطوات متزنة وواثقة، يبدو أنه يحاول زعزعة ثقتها ولكنها تعاملت مع هذا من قبل لذا لن يخافها شيء الآن.
جلست بغرفة المكتب في الطابق الثالث واضعة قدم فوق الأخرى، بينما الأخر كان يجلس على مقعده ناظرا للزجاج أمامه يعطيها ظهره طال صمته جلست صامتة هي الأخرى تتفقد هاتفها بلامبالاة وبرود.
التفت لها يطالعها بنظرات غامضة ثاقبة تتفحص ما بداخلها أيضا، لتقاطع تأمله بها بقولها:
-ألا يمكننا الدخول في صلب الأمر، تضييع الوقت ليس في صالحنا وأيضا يمكن لكاميراتك إلتقاط بعض الصور لي حتى تتمكن من تأملي دون إزعاج.
جريئة حسنا لا بأس بها يبدو بأنها تستحق ألا تنتهي حياتها مبكرا هكذا، ليشبك كفيّ يده سويا متساءلا:
-ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟
-خالف أمير القانون و.
قاطعها بقوله:
-ألا تعلمين من هو أمير في الأصل؟
-أمير بمثابة جندي يعمل لدي فقط يفعل ما يُؤمر به ولكنه خالف ذلك الأمر، ألا تعتقدي عقابه عدل؟
-لما ظننتك ذكي!! إن عُرِضت عليك السلطة والمال أيهما تختار؟
تراجع للخلف مستندا بظهره على مقعده يحاول التفكير في إجابة صحيحة، دلفت الخادمة بصينية عليها مشروب وضعته أمام جوليا التي لم ترتشف منه بل كانت تنظر بعمق داخل عينيه في محاولة منها لإرباكه.
-إن كانت الإجابة بتلك الصعوبة يمكنني حلها، قصي كان المال وأنا السلطة.
-السلطة أقوى من المال إن ملكت السلطة ملكت المال ولا يمكن أحد أن يضاهيك، لذا أمير اختار الطريق السليم لم يخون ولا تجب معاقبته.
-إن كانت حياتي أنتهت لكان الكون فقد قوته.
ابلتع لعابه من قوتها في الحديث وثقتها الزائدة بالنفس ليقول:
-لا يمكنكِ العيش بذلك الدور مطولا.
-ألا يمكنك التفرقة بين الحقيقة والتمثيل!!
-يمكنك النظر لعيني.
قدمت وجهها قليلا نحوه لينظر لعينيها شعر بالغرابة بهما كم تبدو أنثى بتلك القوة والبرود معا، مثلها يجب أن تكون ملكة على عرش ذلك المنزل ليقول:
-تعملي معي ولأجلي؟
-لا أعمل لأجل أحد فقط لنفسي ولمصلحتي.
-لا يمكنني تضييع الكثير من الوقت.
نظر لهاتفه بجواره ومن ثم لها متعجبا من قوة تأثيرها التقط هاتفه وقام بالتحدث لمساعده ليفكوا أسر أمير، ابتسمت جوليا وجذبت ذلك الكأس لترتشف منه ببطء وتمهل وهي توجه بصرها أمامها بنظرة ثقة تزعزت حينما دلف ذلك الشاب بنبرته التي تحفظها عن ظهر قلب قائلا:
-أبي اشتقت لك.
وجههت نظرها نحوه في محاولة منها لتكذيب الأمر، نهضت على الفور ببطء وخمول كم شعرت بأن جسدها قد تراخى سقط الكأس منها على قدمها مسببا جرح سالت منه الدماء.
تقدم منها الشاب قائلا وهو يخرج منديل من معطفه:
-كيف لفتاة جميلة مثلك أن يتلطخ ثوبها هكذا؟
قام بمسح المشروب من ثوبها لتبتعد عنه على الفور وتتراجع للخلف، حاولت إستعادة وعيها لتقوم بالرمش كثيرا وابتلاع لعابها.
-ابني ستيڤ، تلك فتاة جيدة للغاية تُدعى جوليا تمكث هنا لفترة وجيزة وستغادر قريبا.
مد يده نحوها ليصافحها بتلك الابتسامه التي لم تتغير منذ سنوات كم تبدو ساذجة في نظرها وبغيضة، ارتعشت يدها بقوة لتمسك في ثوبها في محاولة منها لإخفاء رعشة جسدها وحاولت التحكم في ملامح وجهها كعادتها ولكن احمرت وجنتيها بقوة من شدة الغضب.
يبدو بأنها نسيت لما أتت لهنا متذكرة تلك الليلة التي علقت بذهنها طوال تلك الفترة، لتنظر لذلك الرجل العجوز أمامها واضعا قدم فوق أخرى متعجبا من تصرفها الغير مبرر هبطت لتجذب حقيبتها من الأرض قائلة وهي تحاول التحكم في انتفاضات جسدها لتنظر له قائلة:
-أشكرك على مساعدتك.
-لن تكون الزيارة الأولى، جوليا.
أومأت له مع ابتسامه صغيرة برزت رجفة شفتيها، وغادرت متجهة نحو الباب ولكن أوقفها ندائه لم تلتفت له فقط نظرها مصوب باتجاه الباب وهي تفكر أن تلكمه بحقيبتها بقوة للتو ولكنها تماسكت لتجده يقف أمامها رافعا يده نحو شعرها وقام بوضع خصلة شعرها خلف أذنها قائلا:
-كم يوم ستمكثين هنا، جوليا؟
نطق اسمها بهمس مثير قامت بدفع كف يده بقوة كبيرة لا تعلم من أين استمدتها لتقول بحدة وهي ترفع سبابتها بوجهه:
-انتبه على حديثك مستر ستيڤ لا أعلم لأي مدى سأصبر.
تخطته لتغادر غرفة المكتب وهي تحاول البحث عن السلالم حتى وجدتها لتهبط عليها بسرعة وكأنها تهرب من وحش مخيف يلاحقها ولم يكن سوى ماضيها هو ذلك الوحش اصطدمت بأحدهم ولكنها لم تنتبه له لتتركه وتغادر على الفور خارج ذلك المنزل، جرت على السيارة بخطوات مرتجفة على عكس تلك التي دلفت بهم لنفس المنزل استقلتها وهي تحاول لفظ أنفاسها بطبيعة لتقول بحدة:
-غادر.
استقل كلاهما السيارة ليقودها أدهم خارج ذلك المنزل الكبير، لـتردف قائلة:
-يمكنكم إيصالي للمنزل ومن ثم جلب أمير.
ضحك أدهم بقوة بينما إياد فرح كثيرا؛ لأنهم سيقوموا بإخراج أمير من السجن ليس من المقنع بأن ذلك العجوز أُعجب بحديث جوليا فقط وقامت بالتأثير عليه كما أنها وضعت مباشرةً قبل مهاتفته لمساعده دفتر شيكات به مبلغ بقيمة كبيرة جدا بمثابة نصف ثروتها لذا العرض أغرى الرجل كثيرا.
كانوا مستمتعين كثيرا طيلة الطريق على عكس تلك الفتاة التي تصارع حتى لا تنهار الآن أمامهم، والتي ربما سينتهي بها الأمر متوفية أثر كتمانها لكافة المشاعر والأحاسيس التي تشعر بها.
توقف أدهم بالسيارة أمام المنزل قائلا بمرح:
-يجب عليّ التزوج منكِ ستفيديني كثيرا.
لم تجيب عليه فقط تقدمت من مدخل العمارة ولكنها شعرت بدوران لتستند على الجدران بأعصاب منهارة لتتقدم للداخل بخطوات بطيئة ضعيفة، دلفت للمنزل لتغلق الباب خلفها وتتطلق العنان لألمها.
على الجهة الأخرى،،
تعجب أمير كثيرا حينما تم الإفراج عنه، ذلك السجن من يدخله لا يخرج منه حيا أو على قيد الحياة ويُحذف اسمه بالخارج وكأنه لم يُولد.
خرج من السجن ليجد كل من أدهم وإياد ليحتضنهم بقوة وابتسامه عريضة على ثغره قائلا:
-يمكنني الاعتماد عليكم كثيرا يا رفاق.
ابتعد أدهم عنه قليلا لينظر لإياد قائلا:
-إياد من وجد الحل.
-ماذا فعلت؟
شعر إياد بالخوف قليلا من ردة فعل أمير الغير متوقعة قائلا:
-لقد استعنا بمساعدة خارجية ولم تكن سوى جوليا.
-لم نكن نعلم بمكان المال ولم تكن ستخبرنا لذا استعنا بها.
شعر أمير بالغضب ليدفع أدهم بالقوة ويتقدم من إياد يصرخ بوجهه قائلا:
-أجننت!!!
-أتخبرني الآن أنك لجأت لفتاة لتدفع لي المال ومقابلة أفراد عصابة!! عار عليكم.
-هي من وافقت يا أمير لم نجبرها.
-أهناك فرق؟
كاد أن يبرر الأمر ليقاطعه أمير بقوله:
-لا أريد أن يتفوه أحدكم بحرف.
تقدم من السيارة ليقودها إياد ويستقل بالخلف أدهم، ليتساءل أمير عما حدث ليحكي له أدهم كل ما حدث بالتفصيل فإن علم أمير أنه أخفى عنه شيء سيضعه طعاما لبعض النمور والأسود الجائعة.
ضرب جبهته بكف يده وهو غاضب من تلك الفكرة، أهناك سبيل أخر لها؟ ولما؟
-اذهب للشقة.
توقف إياد أمام العمارة ليدلفوا ثلاثتهم للداخل مستقلين المصعد نحو الشقة، وقفوا جميعا أمام الباب يفكر أمير كيف سيتعامل معها أو بما سيخبرها حتى استمع لصوت حطام قوي يصدر من الداخل وصراخ ليجذب المفتاح من أدهم على الفور وقام بفتح الباب دون سابق إنذار ليسقط قلبه بين قدميه من شدة ألمه عليها؛ كـبركان حاول الصمود كثيرا ولكن أنتهى به الأمر ليشعل الأرض بالنيران.
رواية جريمة حب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سلسبيل
بدأت في تحطيم كل ما تقابله بصراخها المستمر في محاولة منها للتنفيس عن غضبها.
جذبت شعرها بيدها اليسرى وضربت رأسها بيدها اليمنى على هيئة قبضة بقوة لتمسح تلك الذكرى من عقلها.
صرخت بقوة:
- انسي.
قامت بتكسير كراسي مائدة الطعام بأكملها، واحدًا تلو الآخر.
ضربت المائدة بقبضتيّ يديها.
توقفت قليلًا تلتقط أنفاسها، ليرتجف جسدها بقوة.
كم اعتدى عليها بوحشية.
فتحت عينيها لتقوم بضرب رأسها عدة مرات، وتجذب شعرها حتى كاد يقتلع بين يديها من شدة جذبها له.
كان المكان بأكمله محطمًا.
كانت تبحث بعينيها عن شيء سليم تقوم بتحطيمه هو الآخر.
كانت توزع النظرات هنا وهناك، ولكنها في كل مرة تراه أمامها بابتسامته الساذجة.
ابتلعت لعابها وصرخت بقوة دون التفوه بحرف، في محاولة منها لإخراج تلك الذكرى القاسية من عقلها.
كانت يدها تنزف بقوة.
رفعتها نحو وجهها برجفة قوية وهي تتفحص وجهها وملامحه.
جرت أمام تلك المرآة المتواجدة في منتصف الصالة لتنظر لوجهها.
كم يبدو شاحبًا ومتعبًا.
خوف، كلمة خوف لا توجد في قاموسها، إذًا لما تشعر بالخوف وقلبها يرتجف؟
رفعت يدها نحو موقع قلبها لتعتصره بقوة.
تلطخ ثوبها بالدماء.
قامت بجذب تلك القطعة لتحطم المرآة بأكملها وهي تصرخ.
تكره رؤيتها بذلك الضعف.
تراجعت للخلف حتى استندت على الحائط لتجلس أرضًا.
تحاول البكاء بشدة، إنها بحاجة لتفريغ حزنها وألمها.
قامت بالصراخ بقوة وهي تنظر للأعلى وقد أصبحت الرؤية مشوشة من تلك الدموع التي تجمعت بعينيها.
فُتِح الباب ليشعر بالألم يصدع بداخله من منظرها.
بينما أدهم شعر بالصدمة من منظرها.
كيف أصبحت بذلك الضعف ولما؟!
كان يعلم أمير بأنه سيأتي ذلك اليوم.
تقدم منها بخطوات بطيئة.
لينظر كل من إياد وأدهم لبعضهما البعض ليغادروا ويقوموا بغلق الباب.
جلس أمامها على ركبتيه ليرفع كف يده نحو وجنتها.
فدفعته بقوة وقامت بالانكماش على نفسها.
يطالع تلك الدماء عليها بقلق.
ليحاول التحدث ولكن خانته الكلمات.
اقترب منها وحاول احتضانها ولكنها دفعته بقوة وهي تصرخ.
قامت بضربه بقبضتيّ يدها.
ابتلع لعابه.
كم يحزن لرؤيتها بذلك الضعف.
ليهمس بجوار أذنها قائلًا:
- أقوى.
كانت تضربه بأقصى قوتها.
لم تميزه بل كانت غاضبة وتريد التنفيس عن ذلك الغضب وبشدة.
لقد قامت بكتمه بداخلها لسنوات عديدة.
لما لا يحق لها كالبقية للبوح بمشاعرها!!
انهارت قوتها لتسقط القليل من الدموع على وجنتيها ببطء وتمهل.
لتسكن بداخله للحظات تنظر للاشيء.
قد استنفذت كل طاقتها قبل قليل.
لتدفعه بقوة وتنهض وهي عارية القدمين.
لتضغط بهما على ذلك الزجاج المتناثر.
يبدو بأن ألمها كان أقوى من بعض قطع زجاج اخترقت قدمها.
لتدلف لغرفتها مغلقة الباب خلفها.
استلقت على الفراش بعشوائية لتظل تحلق بسقف الغرفة بصمت.
كاد أن يشغلها تفكيرها مرة أخرى.
ليتقدم أمير من الباب ويقف بجواره.
كان يشعر بالارتباك لمواساتها ولكنه أردف بالأخير:
- كان سيأتي ذلك اليوم؛ الآن، غدًا، بعد الغد، شهر، سنة، سنتين ولكنه بالأخير كان سيأتي.
جلس بجوار الباب واضعًا كف يده الأيسر عليه.
وأكمل بقوله:
- كُتب شعور الحزن علينا، ليس عليكِ اصطناع تلك البسمة المزيفة طيلة الوقت لإخبار العالم بأسره بأنكِ قوية ويمكنكِ محاربة العالم بمفردك.
- حينما تشعرين بالسعادة عبري عن الأمر، وحينما تشعرين بالحزن عبري عنه؛ الإنسان بلا شعور كجسد بلا روح.
رفعت كف يدها نحو قلبها.
شعرت بنغزة قوية به.
لتُحاول إخراج كلماته من عقلها.
لتشعر بتشتت قاطعها بقوله:
- أنا هنا بجانبك، ولأجلك.
- يمكننا تخطي الأمر معًا، أريد مقاسمتك لآلامك أريد الشعور به كفى عن تحمل الأمر على عاتقك طيلة الوقت.
قاطعته بقولها بصوت خافت وقامت بهز رأسها بالنفي:
- لا يمكنك الشعور، لا يمكنك.
- وجودك سيزيد ألمي.
غفت بمكانها من شدة التعب والإرهاق والمجهود البدني الذي بذلته في تحطيم كل شيء قابلته أمامهم.
لتحول تلك الشقة لدمار.
بينما هو ظل بمكانه بجوار الغرفة طوال الليل.
كان يتحدث بغضب عارم عن كيفية خروج ذلك المدعو أمير دون إذن منه.
ليقوم بتحطيم الهاتف وينظر لابنته التي عادت لتوها للمنزل بعدما أوصى الطبيب بالراحة التامة من أجلها والاعتناء بها جيدا حتى لا تقدم على الأمر مرة أخرى.
غبية تلك الفتاة التي تعلق آمالها على ولد.
كيف تبني حياتها بأكملها على شخص.
يا لها من مضيعة للوقت!
بدلًا من إنشاء منزل بأساس واحد، يجب علينا البناء على طموحاتنا، أحلامنا، إنجازاتنا البسيطة التي نسعد بها، الأقربون؛ منزل بعدة أعمدة بدلًا من عمود واحد.
لتصبح حياتنا كمنزل جديد نقوم بإنشائه.
تقدم أبوها منها وجذبها من ذراعها نحوه لينظر لداخل عينيها قائلًا مؤكدًا على كل حرف تفوه به:
- ستتزوجين من ستيڤ، ذلك أمر.
هتف باسم الخادمة ليقوم بدفعها قائلًا:
- خذيها للأعلى، على الفور.
تقدمت الخادمة من ألكسندرا لتجذبها للأعلى حيث غرفتها.
بينما هي كانت تنظر لأبيها والدموع بدأت تتجمع بعينيها لتصعد للأعلى وهي تفكر في حياتها.
لم تكن تتمنى أن يكون زوجها ذلك المعتوه ستيڤ.
ولكن أمير يجعل زوجته ملكة عرشه.
على الجهة الأخرى،،
كان معتز منشغلًا بالعمل حتى علم بمرض والدته.
ليستقل سيارته على الفور تاركًا العمل وما فيه.
ليدلف لغرفتها وهو ما زال غير مستوعب لتلك الفكرة.
أمه مريضة منذ فترة ولم يعلم بالخبر إلا الآن.
يا له من ابن!
جرى نحوها ليجدها مغمضة العين.
يبدو أنها نائمة.
قام قصي بمهاتفته حينما شعر بثقل الأمر عليه بمفرده.
جذب يدها ليقبّلها برفق قائلًا:
- آسف لأني مقصر معكِ.
اغورقت عيناه بالدموع ليقوم بإزالتهم على الفور قبل أن يهبطا على وجنتيه.
ظل بجوارها طيلة اليوم ولكنها لم تستيقظ بعد من نومها.
نهض ليطمئن على حالتها من الطبيب ليصبح المشفى في حالة غريبة.
ليعلن الطبيب عن موعد وفاة تلك السيدة سمر الأدهم.
لم يدلف للغرفة بل ظل واقفًا بالخارج يشاهد ما يحدث حوله بصمت وحزن.
قامت الممرضة بوضع الغطاء الأبيض على وجهها.
ليسقط أرضًا من شدة الصدمة.
أحقا تركته أمه وغادرت دون أن تودعه حتى.
كم الأمر مؤلم.
كيف سيتمكن من السير للأمام بدونها بدون أن تخبره بخطواته.
ليرفع رأسه نحو السماء صارخًا بقوة عدة مرات وكأنه يخرج حزنه على هيئتها.
أتى الصباح محملًا بالعديد من الأحداث.
لتزعج أشعة الشمس جوليا النائمة على السرير بعشوائية وقدميها تتدلى خارج الفراش وقد جفت الدماء في يدها.
حاولت الهروب من أشعة الشمس ووضعت يدها على وجهها.
طُرق الباب لتنتبه له ولكنها ما زالت مغمضة العين.
ليدلف أمير دون الاستماع لردها ليجدها ما زالت كالأمس.
وضع بجوارها على الفراش علبة الإسعافات الأولية وقام بالنقر على كتفها برفق.
لتنتفض على الفور ولكنها حينما رأته هدأت من روعها.
اعتدلت في جلستها لتجلس على حافة الفراش وتشعر بالألم في قدمها أثر تلك القطع الزجاجية الصغيرة.
جلس أمامها على ركبتيه وجذب الحقيبة بجواره وأخرج معداته ليبدأ في تنظيف جروحها بدايةً من يديها حتى قدميها.
كانت صامتة تنظر للاشيء تتأوه من حين لآخر حينما يقوم بجذب تلك القطع من قدمها.
اقتلع لعابه وهو يتفحص قدمها ليقوم بإزالة الدماء ببطء ورفق.
ليردف قائلًا بنبرة رسمية:
- يمكنكِ الاستحمام وسأقوم بربطهم لكِ.
رفع رأسه نحوها كم ملامحها بريئة الآن وكأنها لم تخطئ أبدًا.
الأمر هنا أنها وجدت آثار جروح على وجهه وبعض الكدمات حتى أن عنقه قد تضرر.
لتشعر بالفضول حيال الأمر.
نهض أمير ووقف أمامها لتقوم هي الأخرى ولكنها شعرت بدوران.
لتتمسك به وتجلس مرة أخرى على الفراش.
تراجعت للخلف حينما وجدته يميل عليها حتى كادت تلتصق وجوههم.
ابتلعت لعابها ببطء.
ليراقب هو حركة عنقها ومن ثم انتقل لعينيها قائلًا:
- تودّين زيارة الطبيب؟
أردفت بارتباك وأحرف مبعثرة:
- لا، ولكني أودّ الذهاب للمرحاض سأستخدمه يمكنني.
نظرت باتجاه المرحاض ومن ثم له لتجده ما زال مصوب نظره اتجاهها.
لتشعر بالارتباك الشديد وكل من وجنتها بدأوا في الاحمرار قليلًا.
ابتعد عنها برفق وبطء.
وكم كان الأمر مزعجًا.
كان يودّ الاقتراب أكثر ليتوسط أحضانها.
غادر الغرفة بينما هي شعرت بالغرابة من تصرفاته هذا الصباح.
لتنهض ولكنها شعرت بالألم من قدمها.
لتذهب نحو المرحاض بعد معاناة لتنظر لوجهها بالمرآة وتتفحصه بعينيها.
كم أصبحت مرهقة في الآونة الأخيرة.
يجعلها الأمر لا تفكر بجدية واتزان.
يتساءل الجميع عن ثباتها وما سره.
من أين تجلب كل تلك القوة؟
سؤال يراود الجميع.
حتى هو كان يقف بالمطبخ يعد طعام الفطور متسائلًا بداخله عن سبب انهيارها بالأمس وسر تحولها اليوم.
ليستمع لصوت خطواتها بالخارج.
لم يستطع إنهاء تنظيف المنزل بأكمله.
خرج من المطبخ وجدها تقبض على حقيبتها وقد ارتدت ثيابها مستعدة للمغادرة.
لترفع يدها إلى جبهتها بإحراج قائلة:
- اعتبر إنها ثمن اللي دفعته لزعيمك.
- والفطار اللي بعمله؟
نظرت له باستفهام.
ليتقدم منها وهو يرتدي ثياب المطبخ.
لتتراجع للخلف بالرغم من شعورها بالألم في قدميها.
ألا أنها ارتدت كعبًا عاليًا وقامت بالمشي وإرهاقهما.
أشار على حقيبتها بسبابته وهو ينظر لوجهها:
- راحة فين؟
- هسافر، هرجع لجود.
لم تعير لنظراته انتباه لتتقدمه وهي تتجه نحو الباب وتقوم بفتحه.
ليشعر بالغضب ويقوم بإغلاقه بكف يده الأيسر هامسًا بجوار أذنها حيث أنها كانت تقف أمامه:
- في مشوار لازم تروحيه معايا قبل ما تمشي.
ليجذب حقيبتها للداخل ويدلف ليجلب الأطباق الذي قام بتحضيرها.
ليضعها على طاولة الطعام وقام بالإشارة لها لكي تأتي له وتتناول فطورها الذي قام بإعداده.
شعرت بالألم لتتقدم من الطاولة وتجلس عليها وتبدأ في تناول طعامها بصمت.
ليصبح الجو متوترًا أثر صمتهما وكل منهما بداخله الكثير من الأحاديث.
أتمت طعامها لتنظر له متسائلة:
- إيه المكان اللي هنروحه؟
- الميعاد الساعة خمسة.
نظرت لساعة يدها لتجدها العاشرة صباحًا.
لتنظر له متعجبة من ذلك المشوار وأيضًا أحقًا ستبقى كل تلك المدة.
لتردف:
- طيارتي الساعة واحدة.
- حجزت واحدة الساعة خامسة.
تركها وقام بجذب الأطباق بعدما قاموا بانتهاء طعامهم.
ليضعهم بالمطبخ ويقف به يتساءل عما يجب عليه فعله وكيف سيتصرف معها وما هي الطريقة الأفضل.
وجدها تدلف للمطبخ واضعة ما تبقى من الأطباق في الحوض وبدأت في غسلهم.
ليحاول توقيفها ولكن نظرة واحدة منها كانت كفيلة بأن تجعله أبكم.
كانت تقوم بتنظيف الأطباق وهي شاردة الذهن.
بينما هو كان يتأملها حتى أفاقت من شرودها وهي تقول:
- ممكن أفهم طبيعة المكان اللي أحنا هنروحه؟
- في الوقت الحالي لا.
تركها وذهب لغرفة جانبية وقام بتبديل ثيابه.
ليتساءل أصدقاؤه عن سبب تغير جوليا ولما كانت بذلك الحزن.
ولكنه لم يجيبهم.
توقف بالسيارة أمام المطار لتتعجب لكونه قام بحجز تذكرة لألمانيا.
لتردف بحدة:
- أعتقد ده مش وقت هزار، أنا مش فوت طيارتي عشان أسافر لمكان تاني بنتي محتاجاني.
كانت ستهبط من السيارة ولكنه تمسك بيدها ليردف قائلًا:
- أمر مهم، يمكنكِ الرحيل بعد رؤيته.
جذبت يدها منه وفكرت بالأمر لتوافق.
على أي حال هي تودّ فقط الابتعاد عن هنا.
استقلا الطائرة سويا لتجلس بجواره وبجوار الشباك الزجاجي.
بينما هو ابتسم وأردف مازحًا:
- علفكرة خدتي مكاني.
لم تجب عليه فقط اكتفت بالاستناد على الزجاج وأغمضت عينيها.
ليشعر أمير بالحرج والحيرة عن طبيعتها وكيفية التصرف معها.
ليتفاجأ بها تردف وهي ما زالت على حالها:
- يبدو بأن وجود الرجال في حياتي كان أسوأ ما حدث لي.
انتبه لها ليعتدل في جلسته وينظر لها في انتظار تكملة حديثها.
ولكنها صمتت حينما شعرت به يتحرك بجوارها في المقعد.
لتشعر بأنفاس قريبة منها وتعلم بأنه يميل بجسده نحوها.
وكأن ما تسردّه قصة خيالية جميلة.
أكملت حديثها بقولها:
- أبي، وزوجي، وصديقي.
ابتسمت بسخرية لتردف بقولها:
- يا لسخرية القدر!
قام باختيار رجال سيئة للغاية.
شعرت بالصداع يجتاحها لتقوم بتدليك جبهتها وعنقها وتعود برأسها للخلف مغمضة العين.
لتذهب بعدها في سبات.
أما هو كان ينظر لها متفحصًا ملامحها القاسية وتعبير الحزن الذي يعلو وجهها.
كم أصبحت امرأة في الخمسين من عمرها؛ لطالما جعلتك الظروف عجوزًا.
كانت تقف أمام تلك الشقة متعجبة من سبب حضوره لذلك المنزل ولما سافر إلى هنا.
اقترب منها ولكنها تراجعت مشيرة على الباب بسبابتها:
- إحساسي بيقول إنك جايبني لغرض مش لطيف خالص.
- وافرضي؟ مش هتقدري تدافعي عن نفسك!
طرق على الباب لتفتح له الممرضة التي صرخت باسم سديم وهي تخبرها بأن أمير لقد أتى لرؤيتها أخيرًا.
لتخرج سديم مهرولة من غرفتها وتجر المقعد الخاص بها.
لتنظر له كيف يقف بجوار الباب وخلفه تلك الفتاة التي تنظر حولها بتفحص.
ومن ثم ارتكز بصرها عليها.
لتجد أمير يتقدم نحو تلك الفتاة يحتضنها بقوة حتى أنه قام بحملها وتقبيل وجنتيها وجبهتها.
لتشعر بالضيق المفاجئ متذكرة اعترافه لها حينما غادر وتركها.
أكان يلعب بها وبتفكيرها حقًا!
كانت سديم متعلقة برقبة أمير قائلة بفرحة:
- لقد اشتقت لك كثيرًا، لما تأخرت؟
ابتسم لها أمير وقام بتقبيلها مرة أخرى.
لتحمحم جوليا بقولها:
- يمكنني العودة مرة أخرى.
كادت أن تغادر ليوقفها ويضع سديم على المقعد الخاص بها.
فتساءلت عن هوية جوليا ليغمز لها أمير ويهمس:
- إنها جوليا التي أخبرتك عنها من قبل.
ابتسمت سديم حينما تذكرت مهاتفته لها من فترة وأخبرها عن جوليا.
لتتقدم سديم من جوليا التي تراجعت للخلف وهي تنظر لها مستفسرة عن سبب ترحيبها الكبير بها.
لتنظر لأمير الذي تقدم من الممرضة ليخبرها أن تقوم بطلب بعض الطعام لثلاثتهم.
- مرحبا.
أومأت لها جوليا برأسها لتردف قائلة:
- ممكن أفهم سبب مجيئي لهنا يا أمير؟
ابتسمت سديم لتردف بالعربية هي الأخرى:
- هو جايبك غصب؟
اندهشت جوليا من لغتها لتنظر لأمير الذي اقترب من سديم ووقف خلفها مستندًا على مقعدها ليقول:
- أقدم لك سديم أختي.
أردفت سديم بقولها:
- يجب علينا تناول الطعام سويا.
- لما تتقني الألمانية هكذا، تحدثي بالعربية سديم.
ابتسمت سديم لتشير للممرضة حتى تتقدم منها وتترك لهم مساحة شخصية لقليل من الوقت.
أخفت تلك البسمة حينما علمت بكونها أخته وليست حبيبته أو زوجته.
ليتقدم منها وحاصرها بينه وبين الباب من خلفها متسائلًا:
- ما سبب تلك الابتسامة؟
- لن أجيبك حتى تخبرني بسبب زيارتي لهنا، وأيضًا لما قدمت لي، أختك وكيف هي تعرفني؟
- حسنا تقدمي.
ابتعد عنها ليشير بيده حتى تتقدمه لتذهب أمامه وهو خلفها جاذبًا حقيبتها منها ليضعها على الأريكة ويذهب نحوها حتى جذبها لإحدى الغرف وأغلق الباب خلفه وتقدم من دولابه ليقوم بفتحه ويشير لها عليه.
لتسخر منه بقولها:
- حقًا!! وما الذي سأنتظره منك؟
كادت أن تغادر ليجذبها نحوه ويدفعها نحو الدولاب ويقوم بإزاحة تلك الثياب جتى ظهرت له لوحة أرقام وقام بكتابة رقم سري.
بينما جوليا كانت جاهلة عما يفعله ومتعجبة من الأمر وما تلك الغرفة السرية!!
حينما أدخل كلمة المرور فُتِح باب خفي لتجد العديد من الدرجات ليشير لها أن تهبط.
التفتت له لتقول:
- ولو كانت لعبة؟
شهقت حينما حملها لتتعلق بعنقه حينما بدأ في النزول لأسفل.
وكانت الدرجات ضيقة للغاية بالكاد تتسع لقدم الإنسان فقط.
كانت تنظر للدرجات بخوف لتعود ببصرها نحوه قائلة:
- أنت بتعمل إيه؟
وقف أمام ذلك الباب الزجاجي والذي فُتِح حينما تعرف على هوية أمير.
ليدلف للداخل وتجد جوليا العديد من الأموال الهائلة، وبعض قطع الآثار، والذهب.
ليخفضها أمير ببطء.
بينما هي كانت تنظر حولها بصدمة من هول كمية الأموال المتواجدة أمامها.
يبدو بأنه ليس قناصًا وحسب وسارقًا أيضًا.
من أين قد يجلب تلك الأموال؟
عاد من عزاء ودفن أمه لمنزله ليجد ملك تقف تنتظره.
ليتبادلا النظرات ولكنهما صمتوا.
ليتركها ويصعد لغرفته.
بينما هي غضبت من نفسها؛ لأنها كلما وقفت أمامه تبقى الكلمات بحلقها ولا تتحرك.
كانت تود مواساته ولكن مرة أخرى وقف الحديث في حلقها.
صعد لغرفته ليسقط الجاكت منه أرضًا ويذهب للمرحاض.
ليقوم بفتح صنبور المياه ويقف داخل حوض الاستحمام لتسقط المياه عليه مختلطة بتلك العبرات.
ابتلع لعابه ليغلق عينيه وهو يحاول استيعاب تلك الفكرة.
أمه قد فارقت الحياة وتركته بمفرده.
اللعنة على تلك الدنيا تأخذ منا أعز ما نمتلكه.
رُبما الأمر يبدو هكذا ولكن الحقيقة تكمن داخل حكمة المولى.
يأخذ منا ما لا نتوقع فقده ليعطينا ما لا نتوقع أخذه؛ هذا هو العوض عزيزي.
ولكن في حزننا لا نستطيع تمييز الأمور ولا تقبل تلك الفكرة حتى يأتينا العوض.
لذا كلما تقبلت الأمر سريعًا كلما كان الألم أقل.
ليتذكر كيف كان قصي يصرخ في الدفن يخبرهم بأن جوليا من قامت بقتلها.
جوليا قامت بخيانته وقتل أمه وأخذ ابنته من بين أحضانه.
كيف لإنسانة أن تفعل هكذا.
ليقف الجميع في صفه مطالبًا بتواجد جوليا لترد على إدعاءاته.
فقد تعجب الجميع من عدم حضورها بجوار زوجها وعائلته في ذلك اليوم.
كيف فعلت هذا الأمر!
كان يقف علي طيلة الدفنة يفكر أحقًا طلاقه لها سبب وفاتها أم جوليا أم إنه قضاؤها؟
كان ينشغل عقله بالكثير من التساؤلات والأفكار.
لنعود مرة أخرى لتلك المندهشة من كم المال الذي يمتلكه ولم يقوم بالدفع لزعيمه في العمل.
استعادت توازنها مرة أخرى لتنظر له وهي تحاول اختيار الكلمات المناسبة لتقول:
- حسنًا، ما سبب جلبي لهنا؟ ول.
صمتت حينما وجدته يقترب منها ويحاوط خصرها بذراعه الأيسر ليجذبها منه برفق.
ابتلعت لعابها بحرج.
كلما اقترب منه كلما ازدادت ضربات قلبها.
كم تبدو كالبلهاء بجواره!
حاولت استعادة تركيزها وحاولت التحدث وهي ترفع سبابتها بوجهه لتقول بخفوت:
- بتعمل إيه؟
كان مصوب اهتمامه بعينيها لتخجل وتنظر لأسفل على الفور.
اللعنة قام بإحياء بعض المشاعر بداخلها قد دُفنت بداخلها منذ زمن بعيد.
حاولت الابتعاد عنه لتقوم بدفعه حتى أفاق من شروده وتأمله لها مردفًا:
- جوليا.
سكنت عن الحركة حينما نطق باسمها.
ليككمل حديثه:
- المكان ده محدش يعرفه غير اتنين، سديم وأنتِ.
- وجودك هنا في اللحظة دي بيدل على مدى قربك مني.
أوقفته بقولها متسائلة:
- أنت جبتني لهنا عشان تأمني على فلوسك؟
كاد أن يُصاب بجلطة أثر كلماتها.
حقًا! أهذا كل ما جال بخاطرها وماذا عن اعترافه؟
ابتعدت عنه وهي تحك جبهتها.
بينما هي تصدمه مرة أخرى بإجابتها وكلماتها الغير مناسبة للموقف تمامًا.
ليضع يده اليسرى على خصره مقتربًا منها مشيرًا عليها بسبابته:
- ده كل تفكيرك!! أنتِ دماغك مبتفكرش في حاجة اسمها مشاعر، رومانسية، اكاد أن يكمل حتى صدر صوت رنين مزعج في الغرفة بأكملها.
لينظر لتلك الشاشة الصغيرة خلفه ليجد سديم تسقط أرضًا وتمسك بقدم الممرضة التي تحاول الدخول للغرفة.
ليصرخ باسمها ويجري على الفور للأعلى.
- سديم..
رواية جريمة حب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سلسبيل
صعد للأعلى وخلفه جوليا ليجد أخته أرضا وأمامها الممرضة تضربها.
ليقوم ليدفعها بقوة ويهبط لأخته يساعدها على الوقوف بينما هي كانت تبكي والدماء تنزف من شفتيها.
نهضت الممرضة لتخلع زيّها الرسمي وتقف أمامه مستعدة للقتال.
يبدو بأنهم أرسلوا فتاة متدربة.
ليقترب منها ولكنها ضربته بقدمها في وجهه.
ليبدأوا في معركة قوية ومؤلمة للطرفين.
إنها ليست فتاة عادية وضعيفة بل يبدو أنها تدربت كثيرا حتى تصل لذلك المستوى.
اقتربت جوليا من سديم لتهبط لمستواها وتقوم بمساعدتها لتجعلها تجلس على مقعدها مرة أخرى.
كانت تنظر لكل من أمير والممرضة.
يبدو بأنها تتغلب عليه وتحاصره.
لتتقدم جوليا منهم وتجذب ذلك البرواز المُعلق على الحائط لتقوم بضربها به على مؤخرة رأسها ولكنها لم تتأثر حقا!
تراجعت جوليا للخلف.
كان أمير يشعر بالألم لينهض ويجذبها من شعرها.
ولكنها ضربت جوليا بقدمها لتسقط أرضا.
قبض أمير على عنقها بقوة بدأت تختنق.
ولكنها أخرجت تلك السكين لتجرحه في صدره.
تراجع أمير لتركض تلك الفتاة لخارج المنزل.
تألم أمير ليسقط أرضا.
بينما جوليا سقطت أرضا ولم تقف مرة أخرى أثر ألم قدميها.
اقترب أمير من أخته التي تبكي ليقف أمامها على ركبتيه.
وقام بإزالة تلك الدماء وأيضا عَبراتها ليردف قائلاً:
"متخافيش".
تراجع ليستند على الحائط بجوارها وهو يتألم من جرحه.
لتتقدم جوليا منه وهي تردف قائلة:
"اخلع ثيابك".
نظر لها بدهشة.
لتقوم بفك أول زر لقميصه ولكنه ابتعد عنها وهو يقفله مرة أخرى قائلاً:
"حقا! أتعنين الأمر؟"
أومأت له برأسها.
لتحاول فكه مرة أخرى ولكنه دفع يديها بعيداً ليقول:
"التوقيت ليس مناسباً، الآن؟"
"لما تختارين الوقت الغير مناسب".
استند على الحائط لينهض ووجدها تقف أمامه.
لتردف وهي تقوم بفك الزر مرة أخرى:
"لما لا تريد؟"
وضع يديه على شفتيه وتعتلي ملامحه الدهشة.
ليردف:
"لم أعلم بأنكِ بذلك الإنحراف!"
نظرت له لتفهم الآن مقصده وتشهق بقوة.
ابتعدت عنه على الفور.
أحقا هذا ما جال بخاطره يا له من فاسق.
لتضغط على جرحه بقوة ألمته لتقول:
"يبدو بأن الإنحراف يجرى في دمائك بكثرة".
بالرغم من بكاء سديم ألا أنها ضحكت بقوة عليهم.
لتطالعها جوليا بحدة.
نظرت سديم أرضا.
بينما هو كان يتألم من ضغطها على جرحه ليفهم ما كان مقصدها للتو.
قام بخلع قميصه وجلس على الأريكة.
لتتقدم منه سديم وهي قلقة على أخيها.
بينما جوليا كانت ترى مدى عمق الجرح لتقول:
"مش محتاج مستشفى".
أردفت سديم وهي تشير نحو غرفة بالجوار:
"يوجد بداخل تلك الغرفة علبة إسعافات".
أومأت لها جوليا لتذهب للداخل وتجلب علبة الإسعافات الأولية.
بينما أمير كان يربت على قدم سديم بحنية وهو يطمئنها ويخبرها بأن ليس هناك ما تخاف وتقلق بشأنه.
وضعت العلبة أمامه وجلست بجواره على الأريكة.
ولكنها لم تتحرك نحوه لكي تعالج جرحه.
ليتعجب من تصرفها ويردف متسائلاً:
"مش هتعالجيني؟"
عقدت حاجبيها لتقول:
"جوزي، ابني، أبويا، صاحبي؟"
تقدمت سديم من أمير لتقوم هي بتعقيم جرحه.
فهي كلما كانت تُصاب بجرح أو خدش كانت تعالجها الطبيبة وتعلمها أساسيات الإسعافات الأولية.
فهي على ذلك الحال منذ عدة سنوات لذا لديها خبرة لا بأس بها.
كانت تعقم جرحه وتعالجه لتهبط دموعها على وجنتيها قائلة:
"تبدلت تلك الممرضة منذ شهر.
وكانت تعاملني على غير الممرضة الأولى.
وحينما تساءلت عن سبب تغيير الممرضات أخبرتني بأن الممرضة الأولى مريضة لذا لن تتمكن من الحضور.
والطبيبة في سفر لذا لن تعود خلال تلك الأيام.
ودوما كانت تسألني عنك أنت وأدهم.
حتى لمعت عينيها حينما وجدتك تأتي لهنا.
وحينما دلفت أنت وجوليا للداخل كانت تريد الدخول.
حاولت منعها ولكن."
صمتت لترتعش يديها ويزداد بكائها.
كاد أن يحتضنها ويربت عليها حتى وجد جوليا تأخذ القطن لتكمل تعقيم بدلاً منها.
ابتسم لها أمير ليقول:
"حسناً، سديم."
"لا بأس أنا هنا بجوارك."
"ولكني شعرت بالعجز".
توقفت جوليا حينما وجدته يمسك يدها ليوقفها عن العمل.
وتقدم من أخته ليقف على ركبتيه أمامها ويقبّل وجنتها قائلاً:
"لا تقلقِ، ستتحسنِ عما قريب."
"اذهبي لترتاحي بالداخل".
أومأت له لتجر مقعدها وتذهب للداخل حيث غرفتها.
بينما هو جلس أمام جوليا مرة أخرى التي أكملت تعقيم الجرح ومعالجته.
لتتركه وتذهب للمرحاض التي رأته حينما دلفت لهنا لأول مرة.
عاد رأسه للخلف وهو يشعر بالتعب لينام بمكانه من شدة إرهاقه.
بينما هي كانت تغسل وجهها عدة مرات بالمياه لعلها تشعر ببعض الراحة.
ولكن الألم كان يغزو قلبها.
أخرجت هاتفها لتطمئن على ابنتها ولكن الهاتف مغلق.
لذا أغلقت هاتفها واستندت على الحوض أمامها لتأخذ شهيق وزفير.
كانت تعلم ما يقصده وما يريد إخبارها به.
ولكن هي إنسانة لا تصلح للحب؛ إنه يطلب منها شيء لا تملكه.
خرجت من المرحاض لتجده غفى بمكانه.
لتنظر حولها وتجد المكان بأكمله محطم.
لتحاول تنظيفه بقدر إمكانه وقامت بجمع الزجاج المتناثر أرضاً حتى لا يُصيب أحد.
وأعادت ترتيب كل شيء.
لتذهب لتلك الغرفة بحقيبتها وتختار ثياب نظيفة وأكثر راحة.
لتغفو على الفراش من شدة تعبها هي الأخرى.
كان معتز يقف أمام قصي الذي أتى لمنزله حينما علم بوجود جود عنده.
أردف معتز قائلاً:
"ملكش بنات هنا يا قصي".
"ابعد يا معتز بقولك".
"قولتلك ملكش بنات هنا، أنا مش هسمحلك تستخدمها طُعم لجوليا".
"وأنت مالك؟ كنت أبوها".
"أنا عمها وبحميها من طيش أبوها، عندك مانع؟"
"وأتفضل اطلع بره بدل ما أطلب البوليس ليك".
"وهتقولهم إيه!"
"أنت مش مكسوف من نفسك! والدتك لسة متوفية من كام يوم وأنت عايز تنتقم من جوليا لكونها خدت منك البنت".
"وأنت متعرفش الحقيقة!"
"جوليا هي اللي قتلت أمُنا وأنت فاكر هي هربت وسابت البنت عندك ليه؟"
"عشان متثبتش التهمة عليها، بس أنا ورحمة أمي لأخليها تعترف وبنفسها وهقدمها للنيابة يا معتز".
شعر معتز بصحة كلامه.
ليتساءل بداخله لما قررت السفر المفاجيء وترك ابنتها عنده.
أحقا هي المسؤولة عن وفاة أمه مثلما أخبره ذلك المختل؟
"جود أمانة عندي يا قصي ووجودك هنا مش هيخليك تأخدها".
غضب قصي ليهتف باسم جود كثيرا ولكنها لم تأتي له؛ لأنها لم تكن تتواجد بداخل المنزل.
فأخذتها ملك ورحلت كما أخبرتها جوليا أن تفعل إن علم قصي بوجودها لدى معتز.
تأخذها وترحل بعيداً عنهم.
كانت تجري ملك وهي ممسكة بيد جود لتستقل سيارة أجرة وتخبره بعنوان ليذهب له.
أتت الخادمة على الفور وهي تقول:
"البنت مش هنا".
نظروا لبعضهم البعض ليجروا جميعاً يبحثوا عنها في المنزل بأكمله.
ليتساءل معتز عن ملك وتجيبه الخادمة بقولها:
"برضو مش هنا".
ليغضب قصي ويقول بنبرة مرتفعة:
"لو بنتي ضاعت هقتلك يا معتز".
جرى للخارج ليبحث عنها.
بينما معتز شعر بأنه طُعِن من كلٍ من جوليا وملك.
على الجهة الأخرى،،
توقفت ملك أمام ذلك المنزل والذي تمتلك مفتاحه.
لتذهب نحوه وبيدها جود التي تساءلت عن سبب هروبهم.
لتخبرها ملك:
"أمان ليكِ".
فتحت باب المنزل ليدلفوا سوياً وتجد بداخله العديد من الصور لجوليا وهي صغيرة.
كم كانت بريئة والبسمة لا تفارق وجهها، وشفتيها.
يا لها من فتاة محظوظة لديها كل ما تمتلكه عائلة، مال، جمال، صحة.
ولكن التعاسة كانت من نصيبها.
ابتسمت جود وهي تدور حولها لتقول:
"مامي كانت حلوة أوي".
ابتسمت ملك لجود ولكنها استمعت لصوت قوي من خلفها يتساءل عن هويتها وسبب وجودها.
التفتت ملك له لتجده البواب الذي أخبرتها جوليا عنه.
لتقول ملك:
"أنا ملك ومعايا بنت جوليا هانم جود".
"وأنا أعرف منين بقى أنه أنتِ ملك!"
"مش جوليا هانم كلمتك؟"
"وقالتلي إنك معاكِ مفتاح الفيلا وريني".
أخرجت له المفتاح ليراه.
ليومأ لها ويرحب بهم كثيرا وينظر لجود ليقول:
"نورتِ البيت يا جود هانم".
أومأت له جود وهي تمسك بثياب ملك.
ليتساءل:
"محتاجين حاجة أجيبها؟"
"شوية طلبات كدة".
أومأ لها وذهب لشراء ما طلبته منه.
بينما كل من ملك وجود قاموا بتنظيف المنزل سوياً.
نهضت من مكانها لتزغرط بقوة وفرحة.
بينما هو كان يشعر بالحرج منها ومن تصرفاتها.
فهو أخيرا تجرأ وتقدم لطلب يديها من ولي أمرها.
شعرت ريهام بأنه سيغشى عليها من شدة فرحتها وصدمتها في آنٍ واحد.
فقد تقدم حامد لخطبتها وتحدث إلى والدتها التي رحبت بالأمر كثيرا.
فهي أتت عدة مرات لمنزل جوليا ورأت أخلاقه الحميدة.
لذا وافقت حينما شعرت بفرحة ابنتها واتفقا على ميعاد الخطبة.
كان يهتف باسمها بخفوت حتى انتفض من مكانه.
يبدو أنه كان يحلم بكابوس.
نظر حوله ليجد المكان نظيفاً ولكن لا أحد هنا بجواره.
نهض ليتفقد المكان بأكمله.
وجد أخته نائمة بفراشها ولكنها استيقظت حينما هتف أمير باسم جوليا.
"إلى أين ذهبت؟"
"لا أعلم".
ذهب أمير للغرفة الثانية ليجدها بداخل الغرفة نائمة على الفراش بعشوائية من كثرة إرهاقها.
تنفّس الصعداء حينما وجدها مازالت هنا.
ليغادر الغرفة ويخرج هاتفه ليتصل بأحدهم يعلم منه من تلك الفتاة ومن أرسلها لأخته؛ فلا أحد يعلم بمكان أخته سوى القليل.
وقام بعدها بطلب طعام لهم.
جلسا سوياً في الشرفة لتتحدث سديم مع أخيها بالإنجليزية؛ فهي اضطرت لتعلم اللغة حتى تتمكن من التواصل مع الآخرين.
لذا اعتادت على تلك اللغة.
"ما التالي؟"
"لا أعلم بعد، جوليا ا."
قاطعته أخته حينما رأتها قادمة نحوهم لتقول:
"يبدو أنها استيقظت".
جلست جوليا في الشرفة بجوار أمير لتتساءل:
"امتى هنمشي؟"
"عايزة أحجز تذكرتي".
"قريب لما اطمن على سديم".
"أنا سايبة جود طول الفترة دي مش هقدر أسيبها أكتر من كدة".
"الأكل وصل".
تركها ونهض ليحاسب صاحب التوصيل ويأخذ الطعام منه.
ليضعها أمامهم ويبدأوا جميعاً في التناول.
لتقول سديم:
"تبدو وكأنكم حديثي الزواج".
سعلت جوليا بقوة.
بينما أمير ابتسم لأخته البالغة من العمر ثلاث وعشرون.
قدم لها بعض المياه لترتشف منها وتضعها مرة أخرى وتكمل تناول طعامها.
بعد فترة،،
غمز أمير لسديم لتستأذن وتغادر وتتركهم بمفردهم.
كانت شاردة الذهن حتى أفاقت من شرودها حينما وجدته يميل نحوها بوجهه.
لتبتعد عنه متسائلة:
"في إيه؟"
"يبدو إنك جاهلة".
عقدت حاجبيها وكادت أن تتحدث حتى قاطعها بقوله:
"جوليا أنا عايز أتجوزك".
أصبح الأمر واضحاً كوضوح الشمس لا مفر الآن منه.
حاولت التحدث ولكن يبدو أن الكلام علق.
صمت دام لدقائق يحاصرها بعينيه.
بينما هي تحاول الهرب منه ومن طلبه لتحاول النهوض.
ولكنه أعادها مرة أخرى للمقعد قائلاً:
"مفيش مفر".
ابتلعت لعابها وكادت أن تتحدث ولكن اختفت الإضاءة.
كاد أن يتحرك من أمامها يلعن الضوء بداخله.
ولكنه وقف كالصنم حينما وجدها تتشبث به بقوة.
شعر بأنه ملك الحياة بأكملها من خلال احتضانها له.
ليرفع ذراعيه يحاوطها بهم.
ولكنه وجد جسدها يرتجف.
ليتساءل بداخله أحقاً تخاف من الظلام.
يبدو بأنه سيستغل تلك النقطة.
حاول المغادرة حتى يرى الضوء.
ولكنه وجدها تتشبث به مرة أخرى قائلة بخوف:
"متسبنيش".
جذبها من شعرها بقوة ليدفعها أرضاً لداخل تلك الغرفة المظلمة بعدما انتهى من فعلته بها.
لتزحف لأخر الغرفة بخوف وضعف وتجلس بزاوية الغرفة تضم ساقيها نحوها وترتجف من شدة الخوف.
تبكي على حالها وما حدث بها.
ليستمر الحال لعدة أيام حتى فُتِح الباب وظهر نور قوي كاد أن يعميها.
شهقت بقوة حينما فتحت عينيها وسقطت مغشياً عليها بين ذراعيه.
رواية جريمة حب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سلسبيل
بدأ في البحث عن ابنة أخيه وملك التي فرت من المنزل دون الرجوع له أو إخباره، لذا تملكه الغضب منها. يشعر بأنه عندما يراها سيقتلها بيديه، فهي تجعله كتائه يبحث عن إبرة في كومة قش. لا يعلم عنها أخبار ولا يوجد لديها أثر.
على الجهة الأخرى، كان علي يجلس في منزله ينظر حوله وإلى تلك الفوضى التي حلت بعائلته. خسر ابنه قصي بأفعاله الطائشة، ومعتز مازال في صدمة وفاة أمه، وخسر زوجته التي كانت مقدمة على فعل سوء. كان يدخن الكثير من السجائر بشراهة وهو يفكر في حياته التي مُلأت بالفوضى، ليتساءل بداخله: أحقا جوليا هي سبب تلك الفوضى أم عائلته بأكملها لم تكن سوية نفسياً؟
تقدم من الشرفة الخاصة به لينظر حوله وإلى هؤلاء الذين يتواجدون أسفل عمارته وفي الشارع. الكثير منا لديه حكايات وأسرار ومشاكل يخوض فيها تجارب ويتعلم منها دروساً.
وضعها على الفراش وهو ينظر لها حتى وهي نائمة. تعابير الحزن تبرز على ملامحها. يا لها من تعيسة! ولكن لما خافت كثيراً حينما انطفأت الأنوار؟ يبدو وكأنها لا تخشى شيئاً.
عاد ببصره نحوها ليجلس أمامها على ركبتيه ممسكاً بكف يدها متسائلاً عن هويتها الحقيقية. لما هي مختلفة عن الجميع؟ ليحدث حوار بداخله عن ماهية حبه لها وهل حقاً هو يحبها كما يعتقد أم مجرد إعجاب بغموضها.
كان ينظر لهاتفه من فترة لأخرى، ينتظر أدهم ليخبره عن ماضيها كما أمره أن يفعل. يبدو بأنها عاشت في ماضي مظلم لا يوجد به ضوء ولن تخبره عنه، لذا سيحاول اكتشاف كل ما يتعلق بها وبماضيها وعن انهيارها في تلك الليلة. يبدو وكأنها لم تنفث عن غضبها منذ فترة بعيدة.
لم يأتيه الرد من أدهم الذي أخبره بأنه لا يستطيع الوصول لتلك المعلومات بهذه السهولة، لذا يجب عليه الانتظار. فهو ليس متفرغاً فقط لجوليا وأمورها، يجب عليه الاهتمام بالعمل قليلاً.
ظهرت تعابير الانزعاج على ملامحها، يبدو بأنها تواجه كابوساً الآن تحاول التحرر منه. اقترب منها ليملس على شعرها ببطء ورفق. لا يعلم سبب حبه لها، ولكنه يعلم بأن حياته لن تسير بدونها لسبب مجهول.
جذبت تلك السكين وطعنته بها بقوة ودموعها اختلطت بدمائها لتهبط على وجنتيها. شهقت بقوة وهي تطالعهم باندهاش وصدمة لتسقط أرضاً من صدمتها القوية، بينما هو وضع يده على جرحه بألم وهو يتفقد الدماء ليسقط أرضاً يتأوه من الألم. تراجعت للخلف بخوف لتترك ذلك السكين يسقط أرضاً وتغادر ذلك المنزل، ولكنها اصطدمت بمدير أعماله لتسقط مغشياً عليها بين يديه.
لينتقلوا ثلاثتهم للمشفى وفي غرفة واحدة كل منهم يحمل بداخله الكثير من المشاعر المختلفة.
فتحت عينيها وقد تصببت الكثير من العرق، لتحاول النهوض ولكنها شعرت بثقل على رأسها لتجده أمير قد غفى بجوارها لتدفعه بقوة وتنهض. بينما هو فتح عينيه ليراها أمامه وهي تنظر له بغضب لينتفض من مكانه ويبتسم لها بمجاملة ليقول:
- طبعاً لو قلتلك إني نمت غصب عني مش هتصدقي صح!
نهضت جوليا لتقترب منه بينما هو تراجع للخلف وهو ينظر لها بخوف مصطنع. أمير لا يخاف أبداً، وخاصةً من امرأة. استند على الباب بجسده لتحاصره جوليا بيديها قائلة:
- ممنوع تدخلي أوضتي لحد ما أمشي من هنا، ممنوع تتكلمي معايا و...
أحاط خصرها بذراعيه ليجعلها هي بمكانه وهو أمامه يحاصرها بجسده قائلاً:
- طب وهتقولي إيه لقلبي؟
جذب يدها ليرفعها نحو موضع قلبه. تبادلت النظرات بينه وبين يديها لتبتلع لعابها. حينما يقف أمامها تعجز عن الحديث، تشعر بأن لسانها يُلجم، حتى أن قدميها لا تتحرك وأنفاسها تُكاد تقطع. إنها تمر بشيء غريب، شيء لم تمر به قط.
فُتح الباب وكادت أن تسقط ولكنها تمسكت بثيابه. تراجعت سديم بمقعدها للخلف فهي لم تعلم بأنهم يقفا خلف الباب مستندين عليه. كانت تريد أن تتحدث لأخيها ولكنه لم يخرج منذ أن وضعها بالغرفة حينما أُغشي عليها.
ابتسم أمير لجوليا وتركها لتسقط أرضاً وتقدم من أخته قائلاً:
- أعلم بأنك تريدين التحدث معي، تعالي.
دهشة احتلت ملامحها. مَن ذلك المختل؟ لتشعر بالألم في ظهرها ولكنها لم تستطيع النهوض لتجد أمير يقف أمامها قائلاً:
- أتودين مساعدة؟
مد يده لها ولكنها نهضت لتدلف لغرفتها وتغلق الباب في وجهه وهي غاضبة منه ومن تصرفه.
دَلفت للمرحاض لتأخذ حماماً بارداً وتخرج لتبدل ثيابها لأخرى. وقامت بتجميع أغراضها التي أخرجتها من قبل وقررت السفر به أو بدونه.
غادرت المشفى وعادت إلى منزلها وكان أبوها يعاملها بسوء لرفضها لتناول الطعام وغضبها من نفسها. كانت تفكر كيف فعلت ذلك الأمر، قامت بالتخلي عن حياتها من أجل رجل لا يبالي لها ولا يعلم بما فعلته من أجله. كم كانت ساذجة وحمقاء حينما أنهت حياتها من أجل إنسان لا يبالي بها ولا بحياتها ولا يحبها.
ماذا إن خسرت حياتها؟ من المُستفاد؟ من يقدم على الانتحار من أجل شخص، لا بارك الله له ولا لحياته.
على الجهة الأخرى، وجدها تخرج من غرفتها ممسكة بحقيبتها ليتقدم منها متسائلاً عما تنوي فعله، لتجيبه:
- همشي.
- لفين؟
- لمصر.
- لسة بدري.
- أنا قدمت ليك خدمة مقابل خدمتك ليا، فمش مضطرة أفضل هنا.
تركته وغادرت. لم تعييره انتباه، يكفي إلى هنا ما حدث. لقد زال الخطر عنها لذا هي ليست بحاجته بجوارها، وأيضاً لا يجب أن تبقى هنا بجواره بلا صلة بينهم.
تساقطت الأمطار لتتراجع لداخل العمارة مرة أخرى، بينما هو كان يقف بالشرفة بجوار أخته التي أردفت:
- ألا يجب أن تستغل تلك الفرصة؟
نظر لها بعدم فهم ولكنه سرعان ما فهم حينما نظرت للمطر وإلى تلك المظلة المتواجدة بجوار الباب. ولكنه أردف:
- لا يمكنني تركك هنا بمفردك.
- لا تقلقي عليّ، سأكون بخير ولكن يجب عليك الذهاب.
جرى نحو الباب ليقوم بفتحه بعدما قام بالتقاط تلك المظلة ليهبط لأسفل. وجدها تقف منتظرة أن ينتهي المطر ليأتي من خلفها وقام بفتح المظلة ليضعها فوقها. بينما هي حينما شعرت بظل خلفها التفتت لتجده أمامها مرة أخرى، لتتساءل عن السبب بداخلها، سبب وجوده هنا الآن أمامها. ولكنها أردفت:
- أنا كنت همشي.
كادت أن تخطو للخارج حتى وجدته يشبك يده بيدها لتتفاجئ وتنظر نحو يده. كادت أن تتحدث ولكنه جرى للخارج ممسكاً بالمظلة بيد واليد الأخرى بيدها. أوقف سيارة أجرة وحثها على الركوب ولكنها رفضت ليدفعها للداخل ويغلق المظلة ويستقل بجوارها قائلاً:
- اذهب لـ...
ابتسم الرجل لهم وهو يردف:
- يمكنكم تقضية الكثير من الوقت الممتع سوياً.
أومأ له أمير لينظر لجوليا التي أردفت بحدة:
- شنطتي.
- متخافيش، هي في أمان.
اعتدلت في جلستها لتنظر له قائلة:
- أنت بتحاول تعمل إيه؟ ليه كل ما أحاول أمشي ترفضي وتعترضي طريقي؟
- ممكن لأني عايزك تفضلي جمبي.
لُجِم لسانها مرة أخرى أمامه لتبتلع لعابها في محاولة منها لرفع الحرج عنها، لتردف:
- نزلني عند المطار.
- الرحلة اتلغت.
غضبت جوليا لتضربه في مقدمة صدره قائلة:
- أنت اتجننت!
نظر لهم السائق بريبة ليبتسم له أمير وهو يقبض على يديّ جوليا وأردف:
- مشاجرة صغيرة، لا تقلق.
توقف السائق أمام ذلك المكان السياحي ليدفع له أمير ويجذبها خلفه، لينظر حوله ولكنه وجد الكثير من الناس ليختار مكان هادئ لا يوجد به أحد. لتذهل من روعة المكان، كان يوجد به الكثير من الأعشاب والأشجار وتلك المياه التي تهبط من الشلال بقوة. لا تستطيع إنكار إعجابها بذلك المنظر الطبيعي الخلاب.
أردف وهو يقف خلفها واضعاً يده اليسرى بجيب بنطاله:
- يمكنكِ البقاء الليلة.
شعرت بالريبة من نبرة صوته لتلتفت له وتجده ينظر لها بصدق نابع من داخله. ولأول مرة في حياتها ترى رجلاً ينظر لها هكذا بنظرة تملأها حب. يا لها من كلمة سخيفة وشعور أسخف!
- ممكن تبطل تبص ليا كدة!
قطع تلك المسافة التي بينهما لينظر لموضع قلبها ويشير عليه متسائلاً:
- ليه؟ بيتحرك في كل مرة ببصلك فيها بحب؟
أردفت ببرود في محاولة منها لتخطي ذلك الشعور الذي سيطر عليها. كم أصبح وجوده بجوارها يشكل خطر:
- أنا مجتش هنا عشان تكلمني عن الحب وكلامك الغريب اللي بقيت تقوله في كل مرة بتشوف وشي فيها.
- أحنا عقدنا اتفاق، حماية مقابل فلوس وتميت مهمتك على أكمل وجه وأنا ممتنة ليك.
بدأت تدور حوله لتضع يديها على كتفيه قائلة:
- لقد تخطيت الحد، أمير.
تركته وغادرت. لا حاجة لها للبقاء بجواره حتى وإن انجذبت له قليلاً. لا يمكنها البقاء معه ولا الموافقة على طلبه. لا تعلم لما أصبحت مختلفة في الآونة الأخيرة.
غابت عن أنظاره ليركل تلك الأعشاب بقدمه وقد تملكه الغضب. ولكنها لم تغب عن نظر تلك الفتاة التي كانت تراقبهم، وهي أيضاً تلك الفتاة التي هاجمتهم من قبل.
أوقفت سيارة أجرة وكادت أن تفتح الباب لتجد من يقفله. كادت أن تغضب عليه ولكنها تفاجأت حينما رأت تلك الفتاة التي تملأ جسدها بالكثير من الوشوم، لقد تذكرتها. نظرت حولها بتفحص ولكنها لم تراه. تراجعت للخلف ببطء لتنظر لها الفتاة وتشير لذلك الخنجر الذي يتوسط خصرها:
- لا تنفعلي حتى لا تموتي.
- افعلي ما شئتِ.
حاولت الهرب منها والجري لمسافة طويلة. كانت الفتاة تلاحقها بكل سرعتها. تعثرت جوليا لتسقط أرضاً وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة لتنظر خلفها وتجد الفتاة تتقدم منها بابتسامة تعلو ثغرها. لتحاول إخراج هاتفها من الحقيبة بينما جبينها كان يتصبب عرقاً أثر الجري. لتقف الفتاة بقدمها على يدها لتصرخ جوليا من الألم.
أخرجت الفتاة هاتفها لتتصل بأحد رجالها والذين على مقربة منها مستقلين سياراتهم. هبطت الفتاة لمستوى جوليا لتقول وهي تغرز تلك الحقنة في عنقها:
- يمكنكِ النوم الآن.
شعرت بدوران في رأسها ولم تعد قادرة على فتح عينيها بشكل طبيعي حتى غابت عن الوعي تماماً ليضعوها بداخل تلك السيارة.
على الجهة الأخرى، حاول الحفاظ على هدوئه ولكنه كلما تذكر رفضها المستمر له يزداد غضبه. لم يطلب منها معصية، فقط إعطائه فرصة.
عاد للمنزل ليجد أخته في انتظاره ويبدو أن أدهم قد أتى لها ليطمئن على الأحوال. اقترب أدهم منه ليحتضنه، بينما سديم أردفت متسائلة:
- أين جوليا؟
- لقد غادرت.
تعجب أدهم من نبرة صديقه الحزينة ليتساءل عن الأمر بدهشة:
- أحقا أُعجبت بها؟
شعر بالحرج ليتركهم ويدلف لغرفته ويغلق الباب خلفه. بينما سديم ضربت أدهم بقوة لينظر لها متسائلاً:
- ماذا فعلت لكِ؟
- وماذا إن قام بحبها؟ لما تعترضين؟
- حسناً، أنتِ لا تعرفينها جيداً، إنها فتاة متحجرة القلب وباردة، إن عُرض عليها قتل أمير ستوافق.
- أتعلم أمراً؟
نظر لها يحثها على الحديث لتكمله بقولها:
- يبدو بأنك لا تمتلك قلباً، لذا اذهب لزيارة الطبيب قريباً. الحب لا يهتم بالمظاهر.
- حسناً، وماذا تعرفين أنتِ عن الحب؟
- حسناً، أعرف ما لا تعرفه.
تركته وذهبت غرفتها هي الأخرى ليقف أدهم في حيرة من أمره وتعجب من حالة صديقه الذي تبدل.
أُنير هاتفه دلالة على وصول رسالة له ليقوم بفتحها. انتفض من مكانه حينما رآها مقيدة في ذلك المقعد الخشبي. غادر غرفته سريعاً ليقوم بارتداء حذائه على عجل ليتعجب أدهم وينهض متسائلاً:
- ما الأمر؟
- سديم.
شعرت سديم بالخوف حينما هتف باسمها لتجده يجلس أمامها قائلاً:
- أخبرِ أدهم عن المكان وانتقلي من هنا.
- حسناً، ولكن اهدأ.
تركهم وجرى للخارج ليحاول الاتصال بذلك الرقم الذي أرسل به صورتها ولكنه لم يجب ليشعر بالغضب. حتى تعالى رنين هاتفه وأجاب:
- ماذا؟
- شعرت بالخوف.
- يا له من شعور رائع أن أراك خائفاً أيها القناص.
- أين هي؟
- ما الذي يجبرني أن أخبرك بمكانها؟
- لكي لا تموتي.
ضحكت بسخرية لتردف قائلة:
- لا تقلق عليّ.
- ماذا تريدين؟
- خزنتك.
- حقاً! يا له من هراء!
- حسناً، ربما سأقتلها.
ليستمع أمير لصوت طلق ناري يدوي بأذنه، ولكنه يعلم بأنها تقوم بتهديده فقط لا غير، ليحاول التحكم في غضبه ويردف:
- تأكدي من الاختباء جيداً، حينما أجدك سأقتلك.
أغلق الهاتف ليقود تلك السيارة بأقصى سرعته، بينما سديم جلبت ذلك الرقم لأدهم ليهاتفه وأخبرته ماذا يقول.
ليمر القليل من الوقت حتى وجدت من يطرق الباب. أخرج أدهم مسدسه ليفتح الباب بحذر ولكنه وجد العديد من الأفراد التابعين لأمير لينحنوا لأدهم وسديم باحترام. أشارت لهم سديم إلى حيث الغرفة لتتقدم من الخزانة وتخبر أدهم كلمة المرور الخاصة بالخزنة.
انبهر أدهم من تصميم الخزنة وموقعها ليجدهم بدأوا في نقل الأموال والذهب بسرية تامة.
على الجهة الأخرى، استطاع العثور على مكانها بعد العديد من المحاولات والكثير من الوقت ليتوقف بسيارته السوداء أمام تلك البوابة الضخمة. كان عبارة عن مصنع يعمل به الكثير ولكن اليوم يوم عطلتهم لذا اختطفوها لهنا. استطاع معرفة هوية المختطف الأصلي. قاد سيارته نحو ذلك المصنع ولكنه توقف على بُعد منها لينهض ويخرج من حقيبة سيارته معداته ليقوم بارتداء قفازات سوداء. بدأ يتسحب حتى وصل خلف حائط اختبأ بجواره حتى أخرج سلاحه وقام بالتصويب نحو ذلك الحارس الذي يحمي المكان من الخارج وبجوار زميله ليقوم بالتصويب على مؤخرة رأسه. فُزع زميله وتقدم منه ليصوب أمير على قدمه ويتقدم منه.
صرخ ذلك الحارس بقوة متألماً ليضغط أمير على قدمه التي تنزف متسائلاً:
- كم عددكم بالداخل؟
كان يصرخ الحارس بقوة وهو يهتف باسم أصدقائه، ليأتي أحدهم من خلف أمير ويدفعه. سقط أمير أرضاً لينظر له ذلك الحارس والذي كاد أن يتقدم منه ليقوم بالفتك به، ولكن أمير سحب مسدس الحارس الذي قُتِل وقام بالتصويب نحوه.
نهض أمير ليتراجع الحارس الذي نزف للخلف ليلكمه أمير عدة مرات بمسدسه حتى أُغشي عليه.
نهض أمير وجذب حقيبته ليدلف للداخل حتى استمع لصوت تلك الممرضة والتي هتفت بصوت مرتفع لأنها تبتعد عنه بمسافة حتى لا يؤذيها:
- قدم لي كل أموالك وسأتركها على قيد الحياة.
- وماذا إن رفضت؟
- سأقتلها.
- حسناً، فلتفعلي، ولكن لتعلمي أمراً، إن أصابها أذى سأقوم بتمزيق أطرافك بأكملها وإرسالها لديف الذي لن يشفق عليكِ أبداً.
- إن كنتِ تودين التجربة فلا بأس؛ فلتؤذيها.
استطاع أمير العثور عليهم، فهو كان يقوم بتشتيتهم بالحديث حتى يستطيع الوصول لهم ليقف أمامهم رافعاً سلاحه للأعلى وأردف قائلاً:
- اتركِها.
كانت تجلس على مقعد خشبي مقيدة وهناك لاصق على فمها يمنعها من الحديث، وكانت تقف بجوارها تلك الفتاة وخلفها ثلاث حراس. أردفت:
- لن أتركها وافعل ما شئت.
قامت بدفعها أرضاً لتتأوه جوليا بألم أثر الدفعة. تبادل النظرات بينها وبين تلك الواقفة ليردف قائلاً:
- إن كنتِ تودين المال فلتذهبي لعشيقك.
- لا أريد، ولا أريدك أن تكثر في الحديث.
أخرجت مسدسها لتصوبه باتجاه جوليا التي أغمضت عينيها وهي تفكر فقط في ابنتها التي تركتها. كان أمير سريع البديهة ليقوم بإطلاق النار على يديها. صرخت تلك الفتاة بألم لتتراجع للخلف ويتقدم ذلك الحراس من أمير الذي عاد عدة خطوات للخلف ببطء وهو يركز بصره نحوها، تلك التي ارتجفت حينما استمعت لصدى الرصاصة يبدو بأنها تمتلك بعضاً من مشاعر الخوف.
استفاق من شروده أثر تلك اللكمة التي تلقاها على يد أحدهم. فتحت جوليا عينيها وهي تنظر حولها لتجد لا أحد بجوارها، فتلك الفتاة غادرت المكان وهي تصرخ أثر جرحها وقامت بمهاتفة ديف ذلك الذي خان أمير من قبل وكان يطمع في ثروته.
حاولت الاعتدال ولكن من الصعب أن تقوم بنفسها. حاولت التدحرج ولكن كان الأمر أصعب. ضربت رأسها بالأرض الصلبة وهي تحاول أن تحرر يدها ولكنها لم تستطيع لتحاول الصراخ ولكن أيضاً ذلك الشريط اللاصق يمنعها من الحديث. اللعنة! ماذا عليها أن تفعل لتخرج من ذلك المكان.
كان يجري أمير واثنان خلفه؛ فالثالث قام أمير بضربه ليسقط أرضاً ينزف. كان المصنع للحديد والصلب لذا قام أمير بسحب تلك الحديدة المستقيمة وضربهم بها بقوة عدة مرات ليتألموا. جروا للخارج على الفور في محاولة منهم للإبقاء على حياتهم.
كان يلتقط أنفاسه حتى وجد من تضربه على رأسه ليتألم أمير وينحني للأسفل. جرت الفتاة للخارج على الفور حينما رأته ينظر له بغضب. جلس أمير على ركبتيه وهو يشعر بالألم ولكنه نهض حينما تذكر جوليا ليعود لها ويجدها مازالت تحاول التخلص من قيدها.
جلس أمامها ليقوم بفك قيدها ببطء لتعتدل في جلستها ويقوم بإزالة ذلك الشريط لتتأوه. قامت بجذب خصلاتها للخلف لتتساءل:
- إيه اللي خلاهم يخطفوني؟
نهض أمير وغادر بصمت لتتبعه هي ولكنها كانت تشعر بالألم أثر قيد وجرح قدميها لتجده عاد لها مرة أخرى وحملها. تفاجأت كثيراً ولكنها لم تعلق لتجده يضعها بالسيارة الخاصة به ويستقل مقعده ويغادر.
كان ستيف يجلس مع أبيه واضعاً قدم فوق أخرى متسائلاً عن هوية تلك الفتاة التي رفضت التعامل معه. كم غضب من تلك الفكرة، فتاة وقامت برفضه حقاً! هو من تسقط النساء من أجله وتحت قدميه بسبب ثروة أبيه ومكانته ترفض هي حتى التحدث معه.
- ما يشغل بالك؟
- حسناً، تلك الفتاة التي أخبرتني عنها جوليا.
- لماذا أتت لهنا؟ ولما كانت حادة الطباع هكذا؟
- أوه! تلك الفتاة كانت هنا من أجل أمير. لقد قابلته من قبل، ذلك الفتى الماهر الذي قدمته أكيرا ولكنه ارتكب خطأ لذا عاقبناه ولكنها أتت لهنا لتخرجه.
- وكيف أقنعتك أبي؟
- حسناً، كانت فتاة ذات تأثير كبير حيث أن لديها أسلوب مقنع وأيضاً قامت بالدفع.
شرد ستيف قليلاً ليقول وهو ينظر لأبيه والإصرار يحتل عينيه:
- أريدها أبي، أريدها لي.
دلف ذلك العجوز إلى تلك الغرفة. لم يكن عجوزاً تماماً بالرغم من سنه إلا وأنه مازال جميلاً ليقف أمامهم باحترام. هو من قام بخدمتهم لأعوام.
- ماذا تريد، سيدي؟
- أيمكنك جلب صورة لتلك الفتاة التي تُدعى جوليا والتي أتت لهنا قبل أيام؟
- حسناً، سيدي.
- أكرم.
نظر أكرم لستيف والذي نهض ليقف خلفه واضعاً يده على كتفه قائلاً:
- تُدعى جوليا.
أكمل حديثه متسائلاً:
- ألا يذكرك اسمها بإحداهن؟
ابتلع أكرم لعابه وابتعد عن ستيف بعدة خطوات، ليردف ستيف وهو يطالعه بثقب:
- ألا تتذكر ابنتك جوليا...
رواية جريمة حب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سلسبيل
غادر الغرفة وقلبه يعتصره من الألم. استند على الحائط بضعف، ولكنه قاوم شعور الإغماء والألم ليغادر ذلك المنزل الملعون الذي قضى به سنوات حياته المؤلمة يحيا على الذكرى. يا له من مسكين وبائس!
هتف باسمها لعلها تستمع له، ولكن كيف وهو جعل بينه وبينها آلاف المسافات.
ذهب إلى الإسطبل الخاص بالخيول ليقترب من مهرة تُدعى جوليا، قام بتسميتها على اسم ابنته التي هجرها. أردف والدموع تهبط على وجنتيه قائلاً بأسف:
"أنا آسف، آسف إني ما كنتش جنبك، آسف إني آذيتك."
بما يفيد الاعتذار حينما يحدث كسر بقلب أحدهم.
ارتدت ذلك الثوب الذي يبرز مفاتنها. فهي أصبحت فتاة بالغة في السادسة عشرة من عمرها. ستذهب لزيارة أبيها في شركته لذا متحمسة كثيراً لتأخذ رأيه في ثوب عيد ميلادها. كانت تنظر جويرية لسعادة ابنتها لتبتسم وهي تراها منبهرة بجمال الثوب عليها.
غادرت المنزل مع أمها ودلفت لتلك الشركة لتجد بأن عدد موظفي الشرطة قل للنصف. لتتساءل عن الأمر:
"كيف لا أهتم وأنا من سأمتلك تلك الشركة حينما أتقدم في العمر كما أخبرني أبي."
ابتسمت جويرية لتمسد على شعر ابنتها الذي يصل لمنتصف ظهرها، لتستأذن جوليا للذهاب للمرحاض. لتومئ لها جويرية وتذهب هي في انتظار زوجها في غرفة مكتبه لأنه في اجتماع الآن.
اصطدمت جوليا به لتسقط أرضاً وتتألم. اقترب منها ليتساءل قائلاً:
"أأنتِ بخير؟"
"نعم."
استطاعت ترجمة كلماته البسيطة، فهي ما زالت تدرس اللغة الإنجليزية. حاولت النهوض لتجده يقوم برفعها من الأرض ويساندها لتقف على قدميها. كانت جوليا تنفض ثوبها، بينما هو كان يتفحص جسدها بملامحها البريئة ليتساءل:
"ما اسمك؟"
ارتبكت جوليا حينما وجدته يسألها عن اسمها وأيضاً يتحدث معها بكل أريحية. وأمها قد أخبرتها ألا تتحدث لغرباء، لتجيب قائلة بتلعثم:
"جو جوليا."
"يا له من اسم رائع."
أومأت له وتركته لتجري على الفور. بينما هو ابتسم وهو يتخيل تلك الفتاة بين أحضانه مع براءتها تلك. عاد للاجتماع ليجلس بجوار أبيه الذي يستغل إفلاس أكرم وامتلاك تلك الشركة.
أنهوا الاجتماع ليغادروا قاعة الاجتماعات. جرت جوليا لأبيها واحتضنته بقوة وابتسامة واسعة تظهر على ثغرها.
ربت أكرم على كتفها ونظر لوالد ستيڤ المدعو فيكتور، والذي كان حينها عضو في المافيا وليس رئيسهم.
استأذن فيكتور ليغادر. بينما ستيڤ اقترب من جوليا ليقبلها على وجنتها قائلاً لأكرم:
"ابنتك رائعة."
شهقت بقوة حتى جحظت عيناها. انتفضت من مكانها حينما رأت ذلك الكابوس في حلمها. لتنظر حولها متفحصة المكان لتجد جميع الركاب يجلسون بمكانهم. فهي حزمت أمتعتها وغادرت بعدما ألقت التحية على سديم. بينما أمير لم يتفوه بحرف وتركها تغادر كما تريد، حتى أنه وضع حقيبتها داخل التاكسي وقام بالدفع له رغم رفضها.
نظرت لساعة يدها لتجد بأن الطائرة ستصل بعد نصف ساعة. لتعود بجسدها على خلفية المقعد وهي تتذكر تلك الأيام، تلعن بداخلها كل من قام بإيذائها. لتعلن الطائرة عن الإقلاع لتعود إلى منزلها بوجه جامد خالٍ من التعبير. ليردف حامد حين رؤيتها:
"الحمد لله على سلامتك يا هانم."
أشارت له جوليا بيدها ومن ثم أردفت:
"جهز العربية، هنجيب جود."
"أنا هروح أجيبها مفيش داعي."
قاطعته لتقول بحدة:
"جهز العربية وبس يا حامد."
دلفت لداخل المنزل لتجد ريهام في انتظارها تخبرها بما حدث في غيابها. تحدثت بتلقائية:
"حامد جه وطلب إيدي."
"واتخطبنا."
لم تعيرها انتباه لتصعد لغرفتها. بينما شعرت ريهام بالإحباط والحزن وتجد بأن لا قيمة لها بداخلها.
أبدلت جوليا ثيابها وقامت باقتناء ثوب باللون الأسود يصل لـِ كاحلها وقامت بترتيب شعرها لتجده ازداد طولاً في الآونة الأخيرة. لتجلب المقص وتقوم بإزالة الخصل الزائدة.
جلبت حذاءها لترتديه وتهبط على الدرج به مصدراً صوتاً عالياً أثر الكعب. قام حامد بجلب السيارة أمام المنزل لتستقلها ويقود السائق نحو المنزل القديم كما أخبره حامد. دلفت السيارة من البوابة الكبيرة حينما رآها البواب صُدم كثيراً كم تغيرت ملامحها وأصبحت فتاة في بداية العقد الثلاثين، وجهها جاد، حاد لا يقبل النقاش.
هبطت من السيارة ليغلق السائق الباب. بينما هي تفحصت المكان ببصرها. تقدم البواب منها قائلاً:
"الڤيلا نورت يا هانم، بقالك سنين رجلك مجتش هنا."
أخرجت من حقيبة يدها ظرف أبيض ممتلئ لتضعه بكف يده وتتقدم نحو المنزل لتصعد على الدرج بخطوات بطيئة كم تبغض ذلك المنزل. دلفت للداخل لتجد صورها وهي صغيرة مُعلقة على الحائط. لتقترب من تلك الطاولة وتلتقط صورة لها كانت ابتسامتها جميلة وبريئة، كانت تعيش حياة الرفاهية والراحة. ألقت بتلك الصورة أرضاً ليتحطم الزجاج وتقف بقدميها على صورتها.
فُزِع كل من البواب والسائق الخاص بها منها. هتفت بصوت حاد:
"جهزوا جود عشان نمشي."
غادرت الفيلا لتتقدم من السيارة وتستند عليها وهي تلتقط أنفاسها. لتشعر بأنها ليست على ما يرام لتتماسك حينما هتفت جود باسمها. التفتت لها وابتسامة صغيرة تزين ثغرها لتجري نحوها جود وتحتضنها قائلة:
"وحشاني أوي أوي."
"وأنتِ كمان."
أردفت جود بحماس وهي تنظر للمكان من حولها:
"المكان هنا حلو أوي، خلينا نقضي هنا أجازتنا."
ابتسمت جوليا بسخرية ولكنها حافظت على تعابير وجهها وأردفت:
"يلا بينا."
استقلوا السيارة سوياً ليقود السائق نحو المنزل. ولكنه وجد سيارة تقف أمامهم وتقطع عليهم الطريق. كاد أن يهبط من السيارة. لتردف جوليا:
"شوف طريق تاني، اختصر وقت."
كاد بالفعل أن يعود بسيارته للخلف حتى اصطدم بسيارة أخرى. احتضنت جوليا جود بقوة وهي تردف:
"اتصلي بحامد أو أتصرف."
هبط السائق من السيارة ليحاول التحدث إلى أحدهم. بينما جوليا أخرجت هاتفها وهي تحاول مهاتفة حامد ولكنها صرخت حينما وجدت السائق غارقاً في دمائه على زجاج السيارة الأمامي.
ابتلعت لعابها لتتمسك جود بأمها. لتقوم جوليا بغلق الباب بجوارها وذهبت لتجلس بمقعد السائق. ولكن فتح أحدهم باب جود ليأخذونها بالقوة.
صرخت جود بقوة وهي تنادي أمها التي هبطت على الفور من السيارة لتحاول أن تأخذها من بين أيديهم. ولكن أحدهم قام برفعها من الأرض بقوة لتصرخ جوليا فيهم وهي تهتف باسم جود التي ترتجف من الخوف وتبكي على أمها.
دفع الرجل جوليا أرضاً بقوة لتصطدم بالأرض الصلبة متألمة. ولكنها حاولت النهوض مرة أخرى لتتقدم من ابنتها. ولكنهم وضعوها بسيارتهم بالفعل. أردفت جوليا بضعف:
"جود."
لتتلقى تلك الضربة القوية على مقدمة رأسها وتسقط الدماء على وجهها، ليُغشى عليها على الفور وقد تمردت دمعة على وجنتيها قبل أن تغمض جفنيها.
***
كان يجلس على طاولة الطعام وبجواره هدفه الذي نهض ليتجه نحو المرحاض. ولكنه لم يتمكن أثر تلك الطلقة التي اخترقت صدره وسقط أرضاً تسيل منه الدماء. وضع مسدسه بجوار مرة أخرى وحافظ على هدوئه. ليقترب من ذلك المقتول ويتفحص نبضه بعملية ويقول:
"لقد توفى."
نظر الجميع لبعضهم البعض وتم الإبلاغ عن الحادث لتأتي أفرد الشرطة التي قامت بتفتيش جميع كل الزبائن. حتى هو قاموا بتفتيشه ولكنهم دعوه يخرج. ليعدل ياقة قميصه وينظر لذلك الشرطي قبل أن يستقل سيارته ويقودها نحو مقر الرئيس. ابتسم فيكتور حينما رأه ليردف:
"أمير، لا تحزن حينما وضعتك بالسجن."
ابتسم أمير بسخرية وأردف:
"لا تقلق لا أحمل اتجاهك ضغينة."
"فعلت هذا بناءً على طلب والد ألكسندرا، طلب مني ذلك المعروف لذا وضعتك بالسجن."
"أتساءل حقاً ألم تطمع في أموالي؟"
ضحك فيكتور بقوة كبيرة استفزت أمير الذي كان يقف أمامه واضعاً يده في جيب بنطاله واليد الأخرى حرة. لينظر فيكتور إلى أكرم الذي يقف بجواره ويقول:
"أخبره بأن ديف هو من قام بالهجوم عليه وعلى أسرته."
أصبحت ملامحه جادة وأكمل حديثه:
"ألا تمتلك أختاً تُدعى سديم، قمت بتخبأتها طيلة الوقت."
طرق أمير على المكتب بقوة قائلاً بغضب:
"لا تتعدى حدودك فيكتور."
"أنا هنا للعمل لا للتحدث عن عائلتي."
"وإن كان هذا تهديداً صريحاً منك، فلا تلومني حينها."
"أنا عملت من أجلك لكثير من السنوات، فضلت العمل عن رؤية عائلتي وأيضاً جنيت لكم الكثير من الأموال الطائلة بدوني لما أصبحت تلك المنظمة مستمرة؛ لذا لن أسمح لك بتهديدي مرة أخرى."
غضب فيكتور من تمرد أمير عليه، ليردف بحدة:
"أتقوم بتهديدي؟"
"لا سيدي، أخبرك بمكانتي هنا فبدوني لما أصبحت أنت بمكانك الآن وعلى قيد الحياة وددت تذكيرك فقط."
نظر أكرم إلى أمير وابتسم بفخر من ذلك المتمرد الشجاع الذي لا يهاب أحد. هو الذي أخبره كيف يصعد سلم المفضلين ليكون صاحب كلمة عليا في تلك المنظمة وبالفعل أصبح ذو شأن مرتفع وعالي هنا.
دلف ستيڤ وبيده تلك التفاحة ليتساءل:
"لم ترفع صوتك على أبي؟"
"لأنك ما زلت طفلاً رضيعاً لا تقوم بأي عمل، فقط تعيش حياة الرفاهية تنعزل في غرفتك وتأتي لك النفوذ والسلطة والمال على طبق من ذهب."
أردف فيكتور بحدة:
"أمير، يكفي إلى هنا."
"سنتحدث عن تمردك فيما بعد والآن اذهب في أجازة لبضعة أيام ولا تثير المشاكل في الأرجاء وأنا أعلم جيداً دورك في المنظمة لذا لا داعي لتذكيري."
أخرج فيكتور دفتر الشيكات الخاص به ليكتب مبلغاً مالياً أكبر من الأموال التي دفعتها جوليا لإخراج أمير من السجن. ليجذب ذلك الشيك ويغادر بعدما اصطدم كتفه بكتف ستيڤ ليلحق به أكرم وهو يهتف باسمه.
توقف أمير وألقى عليه التحية. ليرتب أكرم على كتفه مع ابتسامة تعلو ثغره قائلاً:
"أنا فخور بك، أمير."
ابتسم أمير له وأردف:
"الفضل لك."
"ما أخبارك؟ ألن تترك ذلك المنزل والعمل؟"
حزن أكرم ليقول:
"أتمنى ولكن."
أردف أمير وقال:
"أخبرني ما الأمر الذي يجعلك تجلس هنا تحت رحمتهم يمكنني مساعدتك."
ابتسم أكرم بحزن وعجز ظهر في نبرة حديثه:
"أنا أضع نفسي هنا كعقاب لي."
كاد أن يتحدث ولكن قاطعه رنين هاتفه ليجد المتصل أدهم. استأذن من أكرم ليُجيب.
ابتعد عنه قليلاً ويجيب على أدهم الذي أردف:
"لقد جلبت لك سر جوليا."
تحمس أمير كثيراً وأردف متسائلاً:
"أخبرني ما الأمر؟ ماذا لديها؟"
"لا يمكن التحدث عبر الهاتف."
"ولكن."
صمت أدهم ليتساءل أمير بقوله:
"ما الأمر؟ أهناك خطب ما!"
"يبدو بأنك ستخوض حرباً لكسب قلبها."
ابتسم أمير على وصف صديقه، ليردف:
"تلك الحرب بداخلي منذ أن وقعت عينيّ عليها."
ليتذكر أول لقاء حينما فاجأته بقدومها لمنزل قاتلها دون خوف أو جُبن. كم كانت جريئة تنظر له بتحدي وكأنها تخبره بأنها لا تمانع الموت حتى حينما وضع السكين على عنقها. تقدمت منه بلا حذر وأكملت حديثها لتسمح له تفحص ملامحها الجميلة عن قرب أكثر تحت ضوء القمر المضيء فوقهما.
ابتسم أمير وهو يتذكرها ليستعيد رشده وينظر لأكرم ليعتذر. ولكنه وجده قد رحل ليلعن جوليا بداخله لأنها تسيطر بكامل جاذبيتها عليه.
***
كانت جود تبكي وتصرخ باسم أمها لعلها تأتي وتنقذها. بينما جوليا كانت لا حول لها ولا قوة ما زالت مستلقية أرضاً تتأوه من حين لآخر بصوت أنين ضعيف يسعى للخروج من ذلك المأزق التي وُضعت به.
وقفت أمام ذلك الباب الأسود الضخم وهي تتصبب عرقاً أثر هروبها من تلك الغابة المظلمة. لتقوم بالقبض على مقابض البوابة وتفتحها لتجد نوراً قوياً أسقطها أرضاً من شدته.
نهضت مرة أخرى لتدلف عبر تلك البوابة. ولكن بمجرد دلوفها أُغلقت لتجد نفسها في ذات الغابة المظلمة مرة أخرى.
شعرت بالخوف والفزع لتمسك بطرفي ثوبها وتجري مرة أخرى حينما رأت أحدهم يحاول الهجوم عليها. لتستمع لصوت ابنتها يناديها. توقفت في مكانها لتهتف بصوت مرتفع:
"جود، جود."
لتحاول البحث عن مصدر الصوت حتى وجدت ابنتها ترتدي فستاناً أبيض يجعلها كالأميرة. لتقترب جوليا منها وثيابها ملطخة بالدماء. لتحاول أن تلمسها ولكنها اختفت.
صرخت جوليا وهي تتفحص المكان من حولها بحثاً عن ابنتها. لتهض وتصرخ باسمها حتى وجدت ابنتها مرة أخرى تبتسم لها. كانت بينهما مسافة بسيطة لتتنهد جوليا عند رؤيتها مرة أخرى. وتتقدم منها لترى بأن السماء أشرقت. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن. لتجد رجلاً ملثماً يرتدي ثياباً سوداء بالكامل يحمل بيده سكيناً ويقف خلف جود ويقوم بذبح عنقها.
صرخة قوية صدرت من جوليا التي ترى ابنتها الملطخة بالدماء أمامها. سقط قلبها بين قدميها من هول المشهد. ابنتها التي عملت من أجلها كل تلك السنين وحاربت الجميع من أجلها حتى نفسها ستخسرها بتلك الطريقة!
لتسقط من على تلك التلة والدموع تغرق وجنتيها معلنة عن انهزامها.
استيقظت جوليا في تلك الغرفة البيضاء وعينيها قد اغرورقت بالدموع. لتحاول النهوض ولكن وجدت يدها بها محلول. لتمتد يدها للضغط على زر الاستقبال. لتأتي لها الممرضة وتخبر الطبيب المتابع ليقوم بفحصها بشكل تقليدي ويسألها الأسئلة المعتادة.
لتردف جوليا بصوت خافت ضعيف:
"بنتي."
"إيه؟"
"بنتي كانت معايا، خطفوا بنتي."
"أحنا بالفعل بلغنا البوليس وهيعملوا معاكِ تحقيق."
"أنا عايزة بنتي."
أردفت الممرضة:
"السواق مات وبنت حضرتك إن شاء الله هنلاقيها المهم أنتِ اهتمي بصحتك وركزي."
قاطعتها جوليا بقولها الحاد:
"بقولك بنتي اتخطفت."
"يا فندم متفهمة موقفك ولكن طول ما أنتِ مريضة مش هتقدري ترجعي بنتك."
أخبر الطبيب الممرضة بدواء جوليا. التي أغمضت عينيها وهي تحاول تحمل ذلك الألم الذي يجتاح مقدمة رأسها أثر الجرح.
***
مرت عدة أيام. كانت تقف أمام المرآة تستمع لصراخ وغضب قصي بالأسفل الذي يتهمها بأنها أم مهملة، وإن كانت ابنته معه لم يكن ليصيبها خطب ما. ما يؤلم قلبها ليست كلماته ولكن فقدان ابنتها التي لم تستطع حمايتها. خبطت برأسها عدة مرات بتلك المرآة وهي تفكر كيف ستستعيد ابنتها ومن الذي قام باختطافها. لقد مرت خمس ليالٍ من يوم اختفائها والخاطف لم يطالبها بفدية، فهدفه ليست البنت بل جوليا.
كان يصرخ بغضب ويودّ أن يصعد ليفتك بها. ولكن حامد ورجاله يمنعونه من الصعود لأعلى.
ذهبت لخزانة الثياب وأخرجت منها ذلك المسدس المخفي لتمسكه بيدها وتهبط لأسفل بخطوات رزينة على الرغم من جرحها.
سكن عن الحركة حينما رأى ذلك المسدس بيدها وكذلك رجال حامد. بينما كل من ملك وريهام شهقا بخوف من الذي ستقوم به.
لتشير بيدها لرجال حامد أن يبتعدوا عنه وتتقدم من تلك الأريكة وتقف خلفها مستندة عليها بكوعي ذراعها والمسدس بيدها اليمنى. لتردف بقولها:
"كمل كلماتك."
استفزته كثيراً ليصرخ بوجهها قائلاً:
"أنتِ فاشلة وهتفضلي طول عمرك فاشلة أنتِ أم وزوجة فاشلة وهندمك."
"لما ترجع جود بنتي هأخدها منك وهقدم فيكِ محضر. أنتِ متستاهليش تكوني أم، هأخدها وهأخد تعويضها منك أنا أولى بيها."
كان وجهها خالياً من التعبير جامد. لتردف إلى ملك قائلة:
"هاتي دفتر الشيكات من أوضة المكتب، يا ملك."
ذهبت ملك باتجاه غرفة المكتب لتحضر لها دفتر الشيكات الخاص بها وتضعه على الطاولة أمامها كما أشارت لها.
"الشيك هيتكتب بالرقم اللي تحدده لو قدرت ترجع جود."
لتتقدم منه وما زال المسدس بيدها لترفعه نحو وجهه قائلة:
"ولكن في صوت قوي جوايا بيقول إن التصرف ال.. يطلع منك أنت وأمك يا ابن أمك، ولما أتأكد من الأمر صدقني هستعمل سلاحي لأول مرة وهيكون الضحية أنت و الهانم."
"وهتتمنى لو إنك كنت قتلتني من زمان يا ابن الأدهم."
كان يشعر بالخوف، ففواهة المسدس مصوبة نحو عنقه وجوليا منظرها مخيف من قريب مع ذلك الوجه الجامد.
تراجع للخلف ليصطدم بجسد أمير الصلب ليُفزع حينما رآه أمامه؛ لأن ناصر أخبره بأنه تم اعتقاله وسيتم حسابه حسب قوانينهم.
"إزاي رجعت!!"
تشتت حينما رأته لتجلس على الأريكة تتمالك أعصاب قدميها وتقول:
"وقتك انتهى معايا يا قصي."
غادر قصي وهو يتبادل النظرات مع أمير الذي ينظر له بنظرات حادة تودّ قتله.
"حامد خد رجالتك وروح شوف شغلك."
غادر كل منهما لمكانه حتى ريهام وملك، ليبقوا سويا. لتنظر له جوليا متسائلة:
"أعتقد نهينا كل حاجة هناك."
"قصي ده كان عايز إيه منك؟"
"أمر ميخصكش."
نهضت وكادت أن ترحل لتجده يجذبها نحوه بغضب وعنف يهتف في وجهها بحدة:
"كل أمر يخصك يخصني يا جوليا."
نظرت له بصدمة وارتباك سيطر على معالم وجهها. ولكن تبدلت ملامحها للجمود حينما أكمل حديثه:
"أنا هنا عشانك عشان متعودتش حد يرفضني."
أردفت بخفوت وهي تنظر باتجاه ثغره الذي نطق لتوه بكلمات لاذعة:
"وأنا مش هسمحلك تمتلكني يا أمير، أنا مش مِلكك ولا هكون."
دفعت يداه التي تحيط خصرها وتركته لتذهب نحو غرفة مكتبها مغلقة الباب خلفها. لتتقدم من المكتب وتستند عليه بيديها. ولكن لِمَا دقات قلبها تنبض بعنف كلما كانت بجواره؟ لِمَا تشعر بالارتباك؟ ولِمَا تسيطر عليها تلك المشاعر؟
استعادت توازنها لتفكر في ابنتها المفقودة. بينما ريهام تقدمت من أمير وأخبرته بما حدث وإن كان هناك ما يستطيع القيام به.
***
كان يجلس مع أمه وأمامه تلك الورقة التي سيلعبها عما قريب حينما يتخلص من جوليا ويمتلك كل ما يخصه. أردفت سمر:
"اللعبة خطيرة يا قصي وأنا خايفة عليك."
"متخافيش، جوليا دلوقتي خِصم ضعيف هنهي عليها في لحظة وساعتها أقدر أمتلك كل حاجة."
"متتقولش لعلي على اللي أنت ناوي عليه، أنت عارفه بيحب الخير ودايماً بيقف في صف الحق ولما يعرف أنك ناوي تقتل جوليا هيخليها تاخد بالها."
"خليه مع الخير لنفسه، الزمن ده لُغته الفلوس مش بالقيم والأخلاق."
عاد برأسه للخلف وهو يتذكر آخر حديث بينه وبين والدته ليخرج ذلك المستند أمام عينيه وهو يحلم بتلك اللحظة التي سيمتلك بها كل نفوذها ونفوذ أمه ويستعيد نفوذه ونفوذ ابنته وأيضاً وِرثه من كل من أبيه وأخيه. اللعنة أنه يطمع بالكثير!
على الجهة الأخرى،،
كان يجلس كل من علي وابنه معتز يضحكان بقوة على تلك الدعابة التي يلقيها ويخبره عن ذكريات الماضي والتي كانت مليئة بالحب والودّ والسماح. على عكس جيلنا الآن الذي يُبنى على كل معالم الفساد الحقد، والضغينة، والكره مسميات أصبحنا نتداولها فكرياً على عكس الماضي المليء بمعالم القيم والأخلاق. البيوت التي تُبنى على الحب، تلك البشاشة في وجه الإنسان، الكلمات الطيبة، العاطفة الكثير والكثير من المعاملات اللطيفة.
ليربت علي على كتف ابنه قائلاً:
"سامحني يا معتز."
ابتسم معتز لأبيه ومسك كف يده ليقبّلها بحب وسعة رحب ويقول:
"ربنا يديمك في حياتي يا حاج وتفرح بيا قريب."
تساءل علي بقوله:
"أنت هتتجوز؟"
"ادعيلي الأمر يكمل على خير، وصدقني البنت محترمة وهادية وتتوزن دهب."
"ربنا يديمها ليك."
فرح معتز بقبول أبيه على الرغم من عدم معرفته من هي تلك الفتاة التي استطاعت سرقة قلبه من جديد.
***
كانت تستعد للمغادرة بعدما أبدلت ثيابها لفستان باللون الأبيض يختلط به نقاط حمراء صغيرة. لترتدي ذلك الحذاء الرياضي وتخرج هاتفها لتتحدث لذلك المجهول الذي هاتفها مساء أمس يخبرها بأنه يعلم بمكان ابنتها.
هبطت لأسفل لتجده يجلس ويتناول الفطور بكل أريحية وكأن المنزل مِلك له.
هتفت باسم ملك التي أتت لها ووجدتها تضع بيدها ورقة صغيرة مكتوب بها عنوان. لتتعجب ملك ولكنها وجدتها تميل نحو أذنها لتهتف بهمس:
"لو اتأخرت عن تلت ساعات أو مردتش على تليفوني ابعتي حامد ورجالته على المكان ده."
لتنظر إلى أمير وتعود لها مرة أخرى تكمل حديثها:
"متبلغيش أمير بحاجة."
غادرت المنزل واستقلت السيارة ولكنها قادتها بمفردها. ليست جيدة في القيادة ولكن لا بأس بقيادتها. توقفت أمام محل صغير لتهبط من سيارتها وتهاتف الرقم الذي اتصل بها من قبل. لتجد طفلاً يهتف باسمها. التفتت له وهي تتساءل عن هويته:
"تعالي معايا."
ذهبت جوليا خلفه حتى دلفت لحارة ضيقة ودلفت لأحد المنازل المتهالكة لتجد أمامها شاباً عمره لا يتخطى السابعة والعشرين من عمره تظهر عليه أعراض المدمنين.
غادر الولد الصغير ليتقدم الشاب من جوليا التي تراجعت للخلف ليردف قائلاً:
"متخافيش مني أوي كدة."
"أنا هيما ركزي في وشي كويس هتفتكريني ولا الهوانم اللي زيك مبيفتكروش أمثالي."
"أنا كنت شغال عند قصي بيه."
"ولكنه كان بيعاملني معاملة أسوأ من الكلاب اللي في الشارع."
أردفت جوليا بحدة وهي تنوي الرحيل:
"معنديش وقت عشان أسمع قصتك المؤثرة."
جذبها لتستند على الحائط لتنظر له بحدة. بينما هو ابتعد عنها قائلاً:
"قبل ما أمشي قدرت أعرف حاجة تخص بنتك ولكن."
تساءلت جوليا بحذر:
"ولكن إيه؟"
صمت لتفهم جوليا بأنه يودّ المال. لتخرج من حقيبتها ظرف أبيض ممتلئ بالمال لتمسكه بيدها قائلة:
"كمل الأول."
نظر الشاب للظرف بلهفة وأكمل حديثه:
"سمعته بيتكلم عن فلوس الست الصغيرة في بنوك هنا وهناك وأنه ناوي يستولي عليهم كلهم ده بعد ما يخطفها وطبعاً."
صمت ليكمل حديثه حينما وجد جوليا تحرك يدها المليئة بالمال:
"وطبعاً بعد ما يقتلك ويخلص منك."
الحقيقة مؤلمة صحيح، ولكن ما تأثيرها على جوليا التي توقعت ذلك الأمر من البداية. ابتسمت بسخرية لتضع المال بين يديّ المدعو هيما قائلة:
"أنا وأنت متقابلناش النهاردة."
تركته وغادرت المكان ليطمئن قلبها قليلاً بأن ابنتها بحوزة قصي وليس رجلاً غريباً قد يفعل بها ما يحلو له. ليرتفع رنين هاتفها وتجده أمير. لتتجاهل مكالمته. أعاد الاتصال مرة واثنين وعشرة حتى أجابت عليه. ولكنها استمعت لصراخه متسائلاً عن مكانها. ابتعلت لعابها بارتباك لتجيب:
"أنا راجعة البيت لما أوصل."
ليقاطعها بقوله:
"أنا في طريقي ليكِ خليكِ مكانك بس بلغيني بموقعك."
شعرت جوليا بأن هناك خطب ما. ولكنها أردفت:
"مفيش داعي تيجي أنا راجعة البيت لما أرجع نشوف أنت عايز مني إيه."
في النهاية أخبرته جوليا بمكانها تحت إصراره الشديد ونبرة صوته الغير طبيعية على العادة. لتهبط من السيارة وتستند عليها حينما رأته يتقدم نحوها بسيارته. خرج من السيارة وذهب باتجاهها لتتساءل جوليا:
"ممكن أفهم إيه لازمة ا."
صمتت متفاجئة من احتضانه لها. لتظل يديها معلقة في الهواء لم تستوعب بعد احتضانه لها. ليهتف بجوار أذنها بحزن:
"جود البقاء لله.."
رواية جريمة حب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سلسبيل
كاد أن يخرج من المنزل حتى تعالى رنين هاتفه ليجيب على الفور حينما وجده ذلك الشخص الذي قام بتكليفه بمهمة البحث عن جود.
- أمير، البنت اللي طلبت مني أدور عليها لقيناها.
- كويس، فين؟ أنا جاي حالا.
صمت الرجل قليلا ليكمل حديثه.
- ولكن لقيناها ميتة وأعضائها مأخوذة.
توقف فجأة حينما كان سيستقل سيارته للتو لتنزل الكلمات عليه كالصاعقة، متخيلا ردة فعل جوليا حينما تعلم بالأمر. ليمسح وجهه بيده وهو يفكر كيف سيخبرها، ليحاول التمسك بذرة أمل متسائلا.
- متأكد إنها نفس البنت اللي بعتها ليك؟
- أه، كانت عصابة بتاجر في البنات الصغيرين ولما وصلنا لمقرهم لقينا كذا بنت بنفس التشويه.
- لو مش مصدق تعالى شوف، المستشفى.
قاطعه أمير قائلا.
- فلوسك تقدر تاخدها بكرة الصبح، وابعت مكان المستشفى.
أغلق أمير المكالمة وأستقل سيارته متسائلا ما الذي يجب عليه فعله وكيف سيخبرها بخبر موتها. قاد السيارة نحو تلك المشفى لعله يخيب ظنه، تساءل عن حادثة الفتيات قائلا بأنه لديه ابنة مختفية منذ فترة لذا هو هنا للتأكد، لتسمح له الممرضة بالذهاب للتأكد.
ليتقدم أمير من كل فتاة ولم يستطع التعرف عليهن حتى وجد ذلك الانسيال بيد فتاة صغيرة. تقدم منها وجثى على ركبتيه أمامها لتمتد يده نحوها ليرى ذلك الانسيال والذي قد أعجبها منذ فترة وقرر شراؤه لها لتسعد وتفرح به كثيرا لتخبره حينها بسر ليحفظه لها.
كم الأمر صعب عليه، فكيف سيكون عليها. لذلك قرر الذهاب لها والبقاء بجوارها، يجب أن يظل بجانبها حتى تستعيد قوتها مرة أخرى.
غادر المشرحة وأخرج هاتفه ليتصل بها وبعد محاولات عدة استطاع الوصول لها ولمكانها. كانت متفاجئة كثيرا من احتضانه المفاجئ لها. إنه لا يستطيع المواساة بالحديث لذا هذا ما يمكن فعله. كادت أن تبتعد حتى أردف بجوار أذنها كلماته التي كانت بمثابة سكين ذبح قلبها بألم وقسوة.
- أنت بتقول إيه؟ أنت عارف أنت بتقول إيه!
- أنت إزاي تقول حاجة مش متأكد منها!
صرخت في وجهه بقوة قائلة.
- رد عليا.
صمت أمير وهو يرى بداية انفعالها وانهيارها، يعلم بأن القادم أسوأ. ليهتف باسمها بهدوء.
- جوليا.
نظرت له وقد امتلأت عينيها بالدموع لتردف بضعف.
- كلامك مش صح، مش كدة؟
صمت ليؤكد لها دقة كلامه لتصرخ وتدفعه عدة مرات حتى أختل توازنها وسقطت أرضا بين يديه، ليجذبوا انتباه المارة من حولهم. ليهتف أمير باسمها.
- جوليا، خلينا نمشي من هنا الأول.
قام بإسنادها ليجعلها تستقل سيارته وقام بجذب متعلقاتها وإغلاق سيارتها ليعود لها مرة أخرى ويقود السيارة نحو المشفى، بينما هي كانت توجد الكثير والكثير من النيران بداخلها تودّ الفتك بكل من أذى ابنتها الصغيرة. إنها غريزة الأمومة حتى وإن كانت تبين عكس هذا، فقلبها يحترق قهرا على أذى أبنائها.
حاولت التماسك ولكن كيف تستطيع. فأخر سبيل لقوتها انتهى، كيف ستتمكن من المواجهة وترى ابنتها جثة هامدة أمامها لا حول لها ولا قوة.
توقف بسيارته أمام المشفى ليحاول الحديث ولكن لسانه لُجم. كيف سيخبرها بأنهم قاموا بتشويه جثة ابنتها الحبيبة. أردف أخيرا بعد فترة صمت طالت كانت شاردة الذهن بها.
- يلا بينا.
أردفت الممرضة بحنق.
- ومين دِ كمان يا أستاذ؟
- والدتها، عندك مانع؟
- لا، الأول تمليء الاستمارة دِ.
عادت جوليا لجمودها من تلك الفتاة التي تحيل بينها وبين ابنتها ببضعة أوراق، لتردف متسائلة.
- فين المدير؟
- والمدير هيعمل إيه؟ هو أي حد يدخل يقولي فين المدير يا أبلة، هنا في أوراق لازم تتمضي الأول.
كاد أن يتحدث أمير حتى وجدها تقبض على عنق الممرضة وتدفعها على الحائط بقوة قائلة وهي تنظر لداخل عينيها.
- كلمة زيادة كمان وصدقيني هطردك من المستشفى كلها وأي مستشفى تانية.
ظلت تضغط على عنقها بقوة وهي تتذكر موت ابنتها وأمها، لتجده يدفعها نحوه برفق حتى ابتعدت عن الممرضة التي سقطت أرضا تسعل بقوة وقد احمر وجهها بشدة.
هتف بهمس بجوار أذنها.
- تمالكي نفسك.
جذبها معه حيث وجود ابنتها، بينما الممرضة كانت تلتقط أنفاسها من قبضة تلك المجنونة. لم تكن الأم الوحيدة هنا تتحسر على ابنتها، كان الجميع يصرخ على فقدان أبنائهم سواها. تلك التي أغمضت عينيها وهي تحاول تهيئة نفسها ولكن كيف. كيف ستقوم بالتمثيل مجددا عند وفاة ابنتها، كيف ستكون بخير وهي ترى ابنتها مشوهة بتلك الطريقة الأكثر بشاعة على الإطلاق.
أُغلق باب المشرحة في وجهها قبل أن تلمس ابنتها. لتردف قائلة بضعف.
- عايزة أشوفها.
ليردف الطبيب قائلا.
- في الوقت المناسب حضرتك أتفضلِ اقعدي، هنعمل شوية إجراءات و.
هتفت جوليا بحدة.
- أنا من حقي أشوف بنتي.
حاولت دفع الطبيب عدة مرات حتى يسمح لها زيارة ابنتها، ولكنه رفض. ليستطيع أمير التحدث للمسؤول والموافقة على الزيارة. لتدلف جوليا للداخل بمفردها. كم الغرفة مخيفة وباردة.
توقفت في منتصف الغرفة والخوف والذعر سيطر على قلبها. تمالكت ذاتها وتقدمت من ابنتها تجثو على ركبتيها أمامها وقد اغرورقت عينيها بالدموع وبدأت في الهبوط على وجنتيها لأول مرة منذ سنوات على فراق ابنتها مصدر قوتها.
لتمسد على شعرها ببطء وأردفت قائلة بشفاه مرتجفة.
- سعيت كثيرا لأجلك لأجل أن ترثيني وترثِ قوتي، لم أكن أعلم بأني سأراكِ جثة هامدة قبلي.
- يؤلمني قلبي على فقدانك، صغيرتي.
- ألا يمكنكِ البقاء قليلا بجواري، أمك تحتاجك كثيرا وتعتذر على اختيارها لذلك الأب القاسي.
اقتربت من أذن ابنتها لتهمس بعدما قامت بإزالة عَبراتها.
- سأنتقم من كل شخص أذاكِ، صغيرتي.
- سأجعلهم يندمون على العبث معكِ.
نظرت لوجه ابنتها المشوه مطولا. كيف قاموا بالتخلص من ملامح ابنتها الجميلة تلك الوردة الصغيرة التي لا ذنب لها في تلك الحياة سوى أنها وُلدت ابنة لكل من جوليا وقصي. كانت ضحية لكليهما.
صمتت جوليا لا تعرف بما ستتفوه. قلبها ينزف دما وروحها تُطالب المغادرة والدموع تشق طريقها على وجنتيها.
دلف الطبيب ليخبرها بأنه حان وقت رحيلها. نهضت بخطوات بطيئة وضعيفة قامت بإزالة عَبراتها بيدها لتغادر الغرفة بقلب مفتت منكسر يصرخ مطالبا بمغادرة تلك الحياة.
كانت تمشي مستندة على الحائط صامتة لا تبديء بأي تعبير على وجهها بينما هو يسير خلفها يؤلمه قلبه على حزنها وفراق تلك الطفلة الصغيرة التي لا حول لها ولا قوة.
"أنا، أنا جوليا الساعي، تلك الفتاة التي تعلمت درس الحياة القاسي من أبيها. تلك التي أقسمت ألا تبكي على أحدا أبدا. تلك التي رأت القوة في النفوذ والسلطة فقط. تلك الفتاة التي كتمت حزنها بداخلها لسنوات. أنا جوليا أكرم الباجوري، أعلن هزيمتي فقد تركتني قوتي الوحيدة بتلك الحياة. ابنتي التي أتت لي بمثابة طوق نجاة لكي أستمر وأعيش وأسعى. لا يؤلمني فراقها بل أنه يقتلني ببطء. حتى وإن لم أمت معها سأموت كل ليلة بدونها، تلك الوردة البيضاء الوحيدة في غابتي المظلمة. لقد فقدتها وفقدت روحي معها".
سقطت أرضا مغشيا عليها لتصطدم رأسها بالأرض الصلبة وتستسلم للظلام من حولها. جرى نحوها وهو يصرخ باسمها لتأتي له تلك الممرضة التي رأتها وهي تسقط. أحاطها بذراعيه ليحاول إفاقتها ولكنها لم تستجيب له. لتردف الممرضة.
- لازم ننقلها الطواريء.
حملها أمير بين ذراعيه ليذهب خلف تلك الممرضة التي قادته لغرفة الطواريء ليضعها على فراش المرضى ويتراجع للخلف عدة خطوات ليفسح المجال للطبيبة لفحصها.
على الجهة الأخرى.
كان يقبض على عنقه بقوة وهو يصرخ في وجهه قائلا.
- أنت اتجننت! أنا أمرتك بس تخطفها.
كاد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بين قبضته ليحاول دفعه ولكنه لم يستطع. ليدفعه قصي بقوة على الحائط ليسقط الرجل أرضا. بينما قصي أخذ في ركله عدة مرات بقدمه ليصرخ بهستيرية.
- هموت بسببكم يا كلاب.
- مفيش هروب من انتقام جوليا.
أردف الرجل بخوف وألم.
- أحنا عملنا اللي أمرت بيه ولكن الغبي اللي شغال عندي جه وخدها من ضمن البنات اللي هيتاجر في أعضائهم.
اقترب من قدم قصي ليتمسك بها قائلا.
- ارحمني يا بيه ده مش ذنبي.
دفعه قصي وابتعد عنه عدة خطوات وأصبح يتصبب عرقا أثر المجهود وانفعاله. ليقترب من الرجل أمامه وهبط لمستواه ليقبض على خصلات شعره بقوة قائلا.
- اسمعني كويس.
- أنت مشوفتنيش ولا تعرف أنا مين.
- أنت اللي خططت وأنت اللي نفذت وأنت اللي هتتعاقب.
- لو بوقك نطق بحرف من اسمي هقتلك قبل ما جوليا تقتلك لأنك في كل الحالات هتموت.
- لكن لو كنت شاطر ومذكرتش اسمي هقدر أساعدك وأسفرك بره مصر وساعتها ولا جوليا ولا غيرها هيقدر يوصلك.
كان يتلوى الرجل تحته من قبضة قصي على خصلاته. ليدفع قصي رأسه بالحائط لتهبط الدماء من رأسه. امتد ذراع قصي نحو مساعده ليلتقط ذلك المسدس ويصوب باتجاه الرجل قائلا.
- ولا الحياة مش فارقة معاك وحابب تموت من دلوقتي.
فزع الرجل ليصرخ بقوة قائلا.
- لا لا هعمل اللي تؤمرني بيه أنا أسف أنا تحت أمرك.
دلف ناصر إلى ذلك المخزن المتواجد بداخل مصنع للحديد والصلب متعجبا من تواجده بذلك المكان وسبب جلب قصي له لهنا. لينظر ناصر إلى ذلك الرجل الغارق في دمائه. جذب ذلك المقعد الفارغ ليجلس عليه واضعا قدم فوق أخرى متسائلا.
- جبتني لهنا ليه؟
نظر حوله لينسحب الجميع للخارج مع ذلك الرجل الغارق في دمائه. ليبتلع ناصر لعابه متسائلا بداخله أحقا علم بأمر خيانته له ولكنه كان ثابت برغم تلك الأفكار التي سيطرت على عقله. ليقترب قصي منه وقد ثنى أكمام قميصه للأعلى بعدما خلع المعطف الخاص به ليقبض على كتفي ناصر من الخلف قائلا.
- ناصر، هديك اتنين مليون جنيه لو خلصت من الواد اللي ملازم خيال جوليا.
- قولتلك ده قناص محترف و.
قاطعه قصي بصراخ.
- مش مهم، هو ده نقطة قوتها وأنا مش هسمح ليها تنهي كل حاجة.
- ومستعد أدفع ليك ضعف الرقم حتى ولكن لو قدرت تخلص منه.
- هعيشك في نعيم يا ناصر.
- هعيشك في هنا وفلوس كتير.
شرد ناصر في ذكرياته قليلا متذكرا ميادة حينما بكت أمامه ترجوه أن يبتعد عن كل مصائبه وعمله حتى تطمئن له وتسمح له باقتحام حياتها وحصون قلبها. لا تنكر على الرغم من كونه كان وقحا في حديثه معها وتصرفاته ألا أنه شغل جزء من تفكيرها حتى ذلك اليوم الذي عرض عليها الزواج به.
تتساءلون كيف تم الأمر. كان يعمل معها ليلا ونهارا سرا من أجل القبض على مخلفات قصي والايقاع به تحت قدميّ جوليا حتى تثأر لموت أمها. كان يرى بها أمه التي توفت منذ زمن ليس بقريب. كانت تتعامل بلطف على غير أول مقابلة بينهما وأيضا كانت تضع الكثير والكثير من الحدود بينهم. ليتساءل بداخله لما لا يمتلك حياة بسيطة مليئة براحة البال مثلها ومثل عامة الشعب. لما اختار ذلك الطريق الصعب الشاق على عتقه ليختارها لتكون رفيقة دربه تعلمه طريقة العيش الصحيحة دون سفك دماء وقتل.
كانت تقرأ ذلك الملف بعناية حتى وجدته يتقدمها وتعابير وجهه مترددة على غير عادته. لتتساءل بقولها.
- في مصيبة حصلت!
تفحص المكان من حوله ليجد بأن ليس هناك أحد قد يستمع لحديثهم. ليخرج تلك العلبة والتي تحتوي على خاتم بسيط غالي الثمن ووضعها على المكتب أمامها بشكل غير رومانسي يعبر عن أهمية الموقف ومشاعره قائلا.
- أنا عايز أتجوزك.
جحظت عينيها من تصرفه الغير لائق وطريقه عرض زواجه. وما زاد صدمتها أن يتقدم لها ناصر.
نهضت سريعا من مقعدها لتردف وقد ارتبكت على عكسه الآن الذي ارتاحت تعابير وجهه قليلا بعدما عرض عليه الزواج كما يدعى.
ابتلع لعابه حينما وجدها تشير بذاك القلم في يدها قائلة بحدة.
- حضرتك بتهزر! جاي تسخر مني! أنا مسمحلكش.
- جاي تعمل عليا تمثيلية!
قبض على العلبة ليفتحها ويظهر أمامها ذلك الخاتم الذي اختاره بعناية فائقة حتى يليق بها. أردف سريعا.
- أنا عايز أتجوزك فعلا، ممكن معرفش إيه الطريقة المناسبة للكلام ده ولكني عايزك تعلميني كلامي ملغبط ولكن أنا.
صمت قليلا لا يجد الكلمات المناسبة لوصف طلبه وشعوره ليكمل حديثه.
- ميادة أنا عمري ما فكرت في بنت كله كان للشغل ولكن من ساعة ما شوفتك عمري ما اتخيلت إني هفكر فيكِ ليل نهار وهكون عايزك جمبي علطول، أنا جاهل في أمور الحب والجواز ولكني متأكد إنك هتكوني معايا وجمبي في كل خطوة.
نادرا ما تجد أن يراك أحدهم بتلك الصورة. ولكن لما انهمرت في البكاء الآن ليشعر بأنه تفوه بأمر غير لائق ليرتبك ويتساءل.
- أنتِ كويسة؟ في إيه؟ أنا قولت حاجة غلط؟
نفت برأسها عدة مرات ولكنها مازالت تبكي لتردف.
- وشغلك؟ وكل اللي عملته زمان؟ مستعد تتخلى عنه؟
صمت قليلا يفكر في حديثها. أحقا سيتمكن من التخلي عنه. ليجيب.
- مستعد أتخلى عنه عشانك لو ده اللي هيخليكِ توافقي.
نفت برأسها لتمسح عَبراتها قائلة.
- وأنا مش موافقة، أنا عايزاك تتخلى عن شغلك عشانك مش عشاني. عايزاك تتخلى عن شغلك وكل حاجة وحشة عشان ربنا مش عشاني.
- لو هتتخلى عن حاجة عشاني يبقى لو مُت الصبح ممكن ترجعله. لكن لو اتخليت عن أمر عشانك عشان نفسك وعشان ربنا عمرك ما هترجعله تاني وحتى لو رجعتله تاني هتقدر تقاوم نفسك. لكن لو عشاني فده تخلي مؤقت.
أردفت لتنهي حديثها.
- أنا مش موافقة على طلبك لحد ما تتخلى عن شغلك مش عشاني عشان ربنا وعشانك عشان متهلكش.
كادت أن ترحل ليوقفها بقوله.
- طب ما أنا ممكن أقولك إني بطلت وأضحك عليكِ؟
أجابت على سؤاله مردفة.
- لو ضحكت عليا مش هتقدر تضحك على ربنا.
تركته وغادرت الغرفة بأكملها تدعو من قلبها أن يهديه الله من أجله وليس من أجلها. بينما هو شعر بِـحيرة شديدة تسيطر على قلبه ليغادر المكان بأكمله وتشتت عقله وكأن جزء منه يخضع لها والأخر يخضع لرغبات شيطانه.
أردف قصي قائلا.
- عايز أسمع خبر موته في أقرب وقت غير كدة هعتبرك عدوي يا ناصر.
نهض ناصر ولم يعقب على حديثه بل غادر ذلك المكان المليء بفساد قصي. ليستقل سيارته ويقودها مبتعدا عن المكان يفكر ما الذي عليه فعله الآن.
دلف لتلك المشفى ليستقل المصعد وهو يرتب ثيابه في مرآة المصعد واصطنع الحزن الشديد. ليتقدم من تلك الغرفة التي تقبع بها تلك التي تحرقها نيران انتقام تكفي لحرق الأخضر واليابس.
تقدم للداخل ليجلس بجوارها على المقعد. كانت تعتقده أمير لذا لم تلتفت له وكانت تعطيه ظهرها حتى أردف بصوته اللاذع والذي باتت تبغضه.
- البقاء لله يا جوليا، بنتنا في ذمة الله.
انتفضت من مكانها لتنظر له وعينيها احمرت من شدة الغضب حتى برزت عروقها بداخلها. ليكمل حديثه بهدوء يُحسد عليه.
- وأوعدك هنجيب حق اللي عمل كدة في بنتنا ولو هحاربهم واحد واحد.
بكى أمامها ليُصاب بالاندهاش عندما ضحكت بقوة بَدت وكأنها مريضة نفسية. لتكف عن الضحك ونظرت له نظرة دبت الرعب والذعر في قلبه. أقسم بأنها ليست بشرا مثلهم لتردف بهدوء.
- كنت ممكن أسامحك على أي حاجة يا ابن الأدهم إلا بنتي. أنت ملعبتش بالنار وبس أنت لعبت في عداد حياتك. الوقت بيمر وكل يوم هيعدي هسرق يوم من حياتك يا ابن الأدهم.
- جوليا هو أنتِ معتقدة أنه أن.
قاطعه دخول أمير للغرفة الذي تعجب من وجوده وجذبه من ثيابه ليدفعه على الحائط بقوة ويقوم بضربه بعنف وغل حتى صرخت جوليا باسمه. توقفت قبضته في الهواء ونظر له تلك التي أردفت.
- مش الوقت المناسب.
هبط أمير لمستوى قصي ليردف أمام وجهه بنبرة مخيفة. ليخبر قصي نفسه بأنه سقط بين فكيّ الأسد.
- هلاكك على إيدي يا ابن الأدهم.
- قدامك عشر ثواني لو ممشيتش فيهم هعتبر أن وقتك جه.
نهض قصي على الفور ليجري نحو الخارج ولكن قدميه انزلقت ليسقط أرضا بخوف ويتراجع للخلف على الفور حتى غادر تلك الغرفة التي مُلئِت بنيران الانتقام.
كانت تحرك وجهها بعشوائية وهي تعيد اتزان عقلها لتتحلى بالقليل من الشجاعة والطاقة حتى تتمكن من التخلص منه. وحينها، قاطع تفكيرها أمير الذي أردف.
- الدفن بكرة.
نهضت من فراشها لتردف قائلة.
- جهز العربية وأمر خروجي من هنا.
تركته ودلفت للمرحاض لتبدل ثيابها لتلك التي أتت بها لهنا. استنتدت على حوض الاغتسال لتنظر لانعكاسها في المرآة لتحاول تمالك نفسها ولكنها غير قادرة. غير قادرة على الانهيار والاستسلام وغير قادرة على الوقوف كعادتها بدون خوف وبداخلها قوة تكفي لتحمل كل الألم.
خرجت من الغرفة وقد كانت ترتدي ثوبها الأبيض الذي أتت به لهنا تستقبل خبر وفاة ابنتها بأبشع الطرق. ليشهق الجميع عند رؤياها بثوب أبيض بعد وفاة ابنتها. ليتحدث الجميع عن سوء أخلاقها وأنها ليست مسؤولة ولا تمتلك أي شعور. والبعض يحسدها على اتزانها فهي تمشي بكل ثقة وخطوات متزنة تعرف طريقها حقا.
استقلت المصعد مع مجموعة من الممرضات والأطباء لتقف في منتصفهم بكل قوة لتستمع لهمس الممرضات من خلفها بقولهن.
- كيف تمكنت من الصمود وابنتها مازالت هنا في مشفانا؟
- حتى أنها لم ترى ابنتها سوى مرة واحدة، كيف لها أن تكون أم!
- حتى أنها ترتدي ثوب أبيض ليس وكأنه زفافها!
- ولما ستحزن؟ ستتزوج بأخر وتنجب منه حتى أنها ستنسى ابنتها وكأنها لم تلدها.
فُتِح باب المصعد ليخرج الأطباء الرجال. كاد أن يخرجن الممرضات حتى عطلت جوليا المصعد والتفتت لهم بنظرات حادة مستندة على حائط المصعد بجوارهم قائلة بنبرة هادئة متزنة.
- اسمع اعتذار من كل واحدة فيكم.
هتفت إحداهن بقولها.
- وأحنا نعتذرلك بتاع إيه كنا قولنا حاجة!!
تقدمت منها جوليا لتقبض على معصمها وتثنيه لتصرخ الممرضة بتألم. لتأتي الأخرى تدافع عن صديقتها وتحاول ضرب جوليا التي صفعتها بقوة على وجنتها اليمنى قائلة بحدة.
- قدامكم فرصة واحدة لو خسرتوها صدقوني مش هتخسروا شغلكم هنا بس لا هتخسروا حياتكم وكل اللي بتمتلكوه وساعتها بس هتشوفوا مدى ضعفكم.
بدأت الفتاة تبكي أثر قبضة جوليا بها لتعتذر لها وكذلك الأخريات. لتبتعد جوليا عنهم وهي تنظر لهم باحتقار وتفتح المصعد لتجد أمامها أمير الذي يقف بانتظارها ليجدها تخرج وتتقدمه نحو الخارج.
توقفت السيارة أمام المنزل لتهبط منها وتتقدم للداخل بخطوات بطيئة هادئة تتفحص المكان بأكمله.
"ها أنا أصل لنقطة الصفر مرة أخرى وأشعر وكأن كل ما امتلكه لن ينفعني الآن، فماذا تبقى لي! لقد خسرت نفسي ومن بعدها أبي،ثم خسرت كل حلم حلمت به في الصغر،ثم أمي تلك السيدة الطيبة التي عُذبت من أجلي تلك التي حاربت الموت من أجل حمايتي تلك التي تركتني تائهة في عالم موحش كعالمنا، ثم قصي ذلك الذي حاربت الكثير لأجله بينما هو كان يستخدمي كطُعم للتخلص من صفقاته المشبوهة، ثم ابنتي مصدر قوتي كيف لي الاستمرار الآن بلا ابتسامتها البريئة تلك الفتاة التي رأيت بها نفسي تلك الطفلة التي لا تفقه شيء في عالم موحش كهذا كيف لها أن تموت بتلك الطريقة البشعة التي لا تتمناها لألد أعدائها، حسنا ماذا بقيّ لها؟تلك العقارات، السيارات، الشركات، الأموال التي تتواجد بداخل البنوك، ابتسامتها الزائفة، كره الجميع لها، ماذا ستفعل بهم إن كانوا سيشتروا السعادة فلا بأس ولكن لا يوجد سبيل لشراء السعادة بتلك الأمور".
فاقت من شرودها لتدلف للداخل وتهتف باسم ريهام التي أتت لها وقد احمرت عينيها أثر البكاء على فراق جود. تلك الفتاة الجوهرة التي لا ذنب لها سوى أنها ابنة كل من قصي وجوليا. لتردف جوليا قائلا.
- جهزي هدومي وكل متعلقاتي هننتقل.
أتت لها ملك وهي باتت تبغضها لعدم شعورها بالمسؤولية لكونها من تسببت في مقتل ابنتها. لتؤمرها جوليا بقولها.
- وأنتِ جهزي هدومك أنتِ وريهام هنتتقل النهاردة بليل.
لتخرج مرة أخرى للجنينة وتجد كل من أمير وحامد يتحدثان. ليتركه أمير على الفور حينما رأها وتقدم نحوها يتساءل عن الأمر بقوله.
- في حاجة؟
- هنتقل من هنا، بلغ الكل إن أحنا هننتقل النهاردة للبيت القديم واللي مش عاجبه الشغل معايا حاسبه ومشيه.
تقدم حامد ليردف قائلا بأسف.
- البقاء لله يا هانم.
أومأت له جوليا لتتركهم وتعود للداخل. بحلول المساء كان الجميع قد استعد للمغادرة وقاموا بحزم كل متعلقاتها المهمة فقط لا غير. وتركت المنزل بأكمله لينتقل الجميع نحو المنزل القديم الذي هربت إليه ملك وجود من قبل.
أبدلت جوليا ثيابها لأخرى سوداء وقبل أن تغادر غرفتها كانت قد حطمت مرآة غرفتها تلك التي شاهدت كل ضعفها وانهيارها وأيضا اعتداء قصي عليها في كل ليلة عكس رغبتها لتحطمها بالكامل وتلقيها أرضا. نزفت يدها اليمنى لتغادر تلك الغرفة وتذهب لغرفة ابنتها. أمرتهم أن ينقلوا كل متعلقاتها بالكامل دون شيء ناقص. لتنظر لأرجاء الغرفة الخالية تتذكر ابنتها بكامل برائتها التي لم تكن لُوثت بعد.
غادرت المنزل ووقفت أمامه تنظر له من الخارج. التقطت ذلك البنزين بجوارها تلقيه بقوة داخل الجنينة. كان كل من حامد وأمير أغرقوا المنزل من الداخل والخارج ببنزين بناءا على رغبة جوليا. التي التقطت تلك الولاعة لتلقيها بدون تردد وقوة.
كانت تقف وهي ترى النيران تأكل المنزل بأكمله ليظهر انعكاس النيران في عينيها وكم كانت مخيفة في هيئتها. تلك يبدو أنها استعادت جزء كبير من قوتها. ستقوم بحرق كل ما تقابله من الأخضر واليابس لن تبقى على حياتهم كذلك المنزل وذِكراه.
رواية جريمة حب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سلسبيل
توقفت السيارة أمام المنزل القديم الذي هربت له ملك من قبل لتهبط وتتقدم للداخل.
خرجت من كابوس لكابوس آخر.
لم يتم تنظيف المنزل بأكمله، ولكن كانت غرفة جوليا قد تم تنظيفها بالكامل ووُضعت متعلقاتها بها.
لتصعد نحوها وتغلق الباب خلفها، تاركة لعبراتها العنان.
سقطت أرضًا تستند بيديها على الفراش، تخبئ وجهها وتبكي بصوت مكتوم حتى لا يصل لمسامعهم.
كيف ستخرج من تلك الحلقة السوداء التي وُضعت بها.
ظلت تبكي لوقت متأخر.
كان الجميع قد انتهى من التنظيف ليدلفوا لغرفهم حتى ينالوا قسطًا من الراحة، عدا ذلك الذي وقف أسفل شرفتها في انتظارها حتى تُطفئ إنارة غرفتها.
فهو يعلم بأنها لن تتجاوز الأمر سريعًا كالبقية، وربما لن تستطيع تجاوزه أبدًا.
ليتملكه الغضب من نفسه؛ لأنه لا يستطيع الفتك بقصي حتى تؤمر هي.
لا يعلم متى ستخبره أن ينهي حياة قصي، يودّ ذلك الآن وسريعًا.
صعد نحو غرفتها ليطرق عليها بقوة.
أقلقتها لتزيل دموعها بقوة وتتقدم نحو الباب تفتحه لتجده أمامها مازال مستيقظًا من أجلها.
تساءلت عن الأمر بخفوت:
- في إيه؟
تقدم منها لتتراجع للخلف ببطء.
لا تتوقع ردة فعله تلك، حتى أردف بهدوء لا يتناسب مع غضبه قبل قليل:
- المرد ده مش هسمحلك تبقي لوحدك يا جوليا، مش كل مرة هسمح أكون بتفرج عليكِ من بعيد ومستنيكِ تبقي كويسة.
فهمت مغزى حديثه لتنظر للجهة الأخرى.
وقد لمعت عينيها بالدموع مرة أخرى.
حاولت ألا تضعف، ولكن كيف وهو يحاصرها بكل الزوايا.
لتنهار في البكاء مرةً أخرى.
كادت أن تسقط أرضًا حتى التقطها بين يديه، حتى أردف بهمس بجوار أذنيها:
- "عندما تحزني، افصحي عن الأمر لا تكتمينه بداخلك".
كان قد قرأ ذلك الاقتباس من قبل ليخبرها به.
وتزداد في بكائها حتى تحول بكائها لشهقات مرتفعة، وكأنها تبكي على ماضيها بأكمله.
ليشعر بالألم الشديد يغزو قلبه من انهيارها هذا.
ليربت على كتفها برقة بالغة تكفي لإخبارها بأنه هنا من أجلها فقط.
حتى لو ظل واقفًا هنا لعدة ساعات لن يشكو.
فيكفي بأنها اختارته هو لتبوح عما بداخلها من بكاء وألم.
ظلت على حالها لخمس وأربعين دقيقة حتى انتهت.
لتبتعد عنه ببطء.
بينما هو رفع يده اليمنى ليزيل تلك الدموع المتعلقة برموشها وعلى وجنتيها قائلًا بنبرة صادقة:
- تمنيت لو اتقابلنا في ظروف أفضل من كده، بس تأكدي إني هكون جمبك في كل وقت صعب بتمري بيه.
ربت على شعرها بحنو مع ابتسامة صغيرة تزين ثغره.
ليقبّل أعلى جبينها.
بينما هي ابتعدت عنه سريعًا لتؤمره أن يغادر غرفتها فورًا.
تراجع للخلف عدة خطوات وهو يطالعها بحزن.
ليغادر على الفور ويغلق الباب خلفه.
ليغادر المنزل بأكمله وهو يكره وجوده بجوارها الذي لا يغير شيئًا.
ظلت مستيقظة حتى أعلن الشروق عن بداية يوم جديد مليء بالأحداث.
مازال اليوم باكرًا للغاية.
لتذهب نحو الشرفة لتراه أمامها يقف خارج المنزل بأكمله يبتسم لها والدموع تغرق وجنتيه.
شعرت بأن قلبها سقط بين قدميها في الأسفل من هول الصدمة التي احتلتها.
لتغادر الشرفة على الفور وتقف بغرفتها تتنفس الصعداء.
ولكن كيف وهي تراه أمامها بعد سنوات عديدة.
لتجد قدميها تقودها للخارج وتخرج من البوابة الرئيسية.
لتجده يقف أمامها لا حول له ولا قوة.
يرتدي بذلة غالية الثمن ولم يبدُ عليه السن.
لتدفعه بقوة كبيرة لا تعلم من أين استمدتها.
لتردف بغضب:
- ليك حق تظهر قدامي من تاني.
قبضت على ياقة ثيابه لتتقابل أعينهم.
كل منهما يحمل بداخله الكثير من المشاعر القوية التي تكاد تغرقهم.
كانت تنظر له عكس ما ينظر لها بنظرة مليئة بالكره، والحقد، والغضب، والألم، والتعب.
وأيضًا كانت تنظر له بنظرة مليئة بخذلان.
أكبر خذلان قد تشعر به الفتاة من قبل أبيها أن يتخلى عنها ويتركها وحيدة في هذا العالم المليء بالوحشية.
تمردت عبراتها على وجنتيها لتردف قائلة:
- اللي زيك المفروض كان يموت من زمان.
- ولو رجع بيا الزمن مش هتردد إني أحاول أقتلك تاني.
بكى هو الآخر من مشاعر ابنته اتجاهه متذكرًا تلك الليلة التي رفعت بوجهه السكين لتطعنه بقوة بنظرة مليئة بالانكسار والخذلان.
كان صامتًا لا يتحدث أمام مشاعر ابنته التي ظهرت لتوها.
لتكمل حديثها بغضب وهي تهزه بين يديها بعنف:
- راجع ليه!! راجع ليه!!
- مش خايف؟ مش خايف المرة دي أقتلك بجد؟
- أوعى تكون جاي وطالب العفو والسماح! لأني ساعتها مش هشفق عليكِ ولا حتى هفكر فيك.
أردف بحنية بالغة ودموع تغرق وجنتيه وقلبه ينزف دمًا على ابنته:
- وردتي.
أغمضت عينيها حينما تذكرت ذلك اللقب.
كان دوما يدعوها به.
لتبتسم بسخرية وتعقب على حديثه بقولها:
- وردتك! بجد!
صرخت في وجهه بقولها:
- وردتك اللي سيبتها لغيرك، وردتك اللي رميتها في نص الطريق كل واحد داس عليها برجله.
- وردتك اللي بقت مليانة شوك بيجرح وأول ما جرح جرحها هي!
- وردتك اللي...
صمتت لتبتلع لعابها وتكمل بخفوت:
- اللي سيبتها لغيرك يسقيها.
صمت كلاهما.
كانت تتنفس بغضب وهي تنظر لها باحتقار.
بينما هو شعر بأنه لا يمتلك حق الندم الآن.
هو من تركها حقًا لغيره بدلاً من رعايتها.
قرر أن يكون سبب ذبولها بدلاً من إزدهارها.
دفعته بقوة ليسقط أرضًا مصطدمًا بالأرض الصلبة.
بينما هي لم يهتز لها جفن أثر سقوطه.
لتردف وهي تشير على سيارته بسبابتها:
- امشي من هنا.
- ولو تطول تمشي من البلد كلها.
- أو الأحسن ليكِ إنك تسيب العالم كله وتمشي.
- لأني أقسمت إني هرد القلم أضعاف لكل واحد أذاني في حياتي، وأنت أولهم اللي منعتني ساعتها ماتت.
استند على سيارته لينهض ويقف أمامها محاولًا الحديث.
ولكنها قاطعته بصراخها:
- اخرج بره حياتي بقى، ارحمني.
استقل سيارته بضعف وحزن على حال ابنته.
ليقودها مبتعدًا عنها يلعن نفسه وعقله في تلك الليلة.
ليعلن كل من قام بإيذاء وردته وهو أولهم.
هبطت دموعها على وجنتيها لتجلس كالقرفصاء أرضًا.
وهي تحاول تخفيف ذلك الألم الذي غزى قلبها بقوة منذ اللحظة التي رأته بها.
أزالت دموعها ولكن كيف لها أن تزيل ذلك الشعور الذي سيطر عليها.
لتستمع لصوت سيارته قادمًا خلفها.
التفتت حينما توقفت السيارة وهبط منها أمير.
الذي قلق من تواجدها بالخارج في ذلك الوقت.
ليجدها تتقدم منها وقد شحب وجهها.
تمسكت بياقة قميصه الأبيض متسائلة:
- بتحبني؟
شعر بالارتباك لأول مرة منها.
لم يستوعب سؤالها بعد.
حاول أن يستعيد توازنه ليومئ رأسه ببطء.
لم يقو على الحديث.
ليجدها تكمل حديثها بقولها:
- إذا حبّني حب يعوضني عنهم.
- حبّني حب ينسيني كل الألم، وكل ذكرى سيئة مرت في حياتي.
- حبّني كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة وكل لحظة.
- حبّني حتى لو رفضتك.
- حبّني حبّني أوي.
- حبّني حب يخليني أتولد من جديد.
هبطت عبراتها على وجنتيها.
ليعلم بأن هناك أمرًا حدث لها.
كاد أن يتحدث لتتركه وتجري نحو الداخل.
ليتنهد بيأس قائلًا بداخله:
- الوقوع في حبِّك جريمة ارتكبها قلبي، لكني لست نادمًا.
غفت على فراشها من شدة الإرهاق.
لتحاول ريهام أن توقظها بعد ساعتين من نومها.
استيقظت جوليا لتمسح وجهها بيديها وتنظر لريهام.
التي أحضرت لها ثوبًا أسود.
دلفت للمرحاض لتغسل وجهها وتتذكر ما تفوهت به لأمير.
لتشعر بالحرج منه واليأس منها.
ضربت رأسها بقبضة يدها.
أغمضت عينيها لتحاول محو تلك الذكرى.
ولكن إن محتها من داخلها أتستطيع محوها من داخله.
خرجت من المرحاض لتبدل ثيابها لثوب أسود آخر طويل وحذاء عالٍ أسود.
وكأنها ستذهب لسهرة وليس إلى عزاء ابنتها.
هبطت لأسفل لتتجاهل أمير.
والذي شعر بإحراجها.
ولكن لا بأس؛ فهي ليست في وقت يسمح له بأن يغازلها أو يضايقها.
فتح لها الباب لتستقل السيارة.
وبالأمام كل من أمير وحامد.
تعالى رنينه ليجيب على الهاتف.
وكان المتصل أدهم الذي أخبره بأنه حصل على معلومة جديدة تخص جوليا.
- حسنًا، يمكننا التحدث في وقت لاحق.
- متى ستعود أمير؟ لقد سئمت من تواجدك بجوار تلك الفتاة وأيضًا هنا العمل لن ينتظرك.
- يبدو بأني سأستقر هنا، أدهم.
تقابلت أعينهم في مرآة السيارة.
لتبتلع لعابها ببطء وهي تلعن نفسها على غبائها وتسرعها.
صرخ أدهم قائلًا:
- ما هذا الهراء الذي تفوهت به لتوك؟ أجننت!!!!
- اللعنة!
- سأتصل بك قريبًا، وداعا.
أغلق الهاتف.
لتنظر جوليا لساعة يدها وتنظر لزجاج سيارتها.
حتى وجدت السيارة تقف لتشعر بالارتباك والخوف والرغبة العارمة في البكاء.
لم تهبط بعد من السيارة.
ليقوم أمير بفتح الباب ومد يده نحوها مع ابتسامة تزين ثغره تطمئنها.
خرجت من السيارة ليغلق الباب خلفها ويحاصرها بينه وبين الباب قائلًا:
- "الابتسام في وجه عدوك فوز".
- إياكِ تستسلمي دلوقتي يا جوليا، إياكِ.
استمدت القوة منه ومن تلك النظرة التي أشعرتها بالقليل من الاطمئنان والثقة.
استعادت توازنها لتغمض عينيها وتعيد فتحها مرةً أخرى.
وهي تنظر للأمام لتتقدمهم.
لتجد الكثير يتقدم منها يسألونها عن سبب وفاة ابنتها بتلك الصورة البشعة.
والذي يشفق عليها والذين يحسدونها على اتزانها النفسي.
تجاهلت الجميع مثلما كانت تفعل في الماضي.
لتتقدم لداخل الجنازة ويقابلها معتز.
التي أدمعت عيناه وهو يردف:
- البقاء لله.
ربتت على كتفه وتقدمته نحو علي.
تبادلوا النظرات سويا حتى أردف:
- مشكلة صغيرة وصلت لإيه يا بنت الساعي!
- صاحب المشكلة كان ابنك مش أنا يا علي بيه.
لتميل على أذنه قائلة بهمس لم يسمعه سواهم:
- بس قريب هنخلص من المشاكل دي كلها بموته.
- اللي قتل حفيدتك يبقى قصي الأدهم.
ابتسمت له لتربت على كتفه قائلة:
- شدة وتزول.
لم تعير قصي انتباه ووقفت ترى جثمان ابنتها.
لتحاول الثبات ولكن كيف وهي ترى ابنتها تُدفن قبلها.
لتندم على كل لحظة انشغلت بها عنها.
كانت تعمل كثيرًا من أجلها.
ولكن ليس هذا ما كانت تتمناه جود.
تلك الفتاة التي لم تكن تعي شيئًا.
نضجت قبل أوانها نتيجة لتلك الخلافات التي نشأت بين والديها.
تقدم أمير معهم ليحمل جثمانها.
ولكن قصي صرخ في وجهه يخبره بأن ليس لديه حق أن يحمل جثمانها معهم.
ليحاول معتز تهدئة قصي.
ولكن تلك هي فرصته كيف ألا يستغلها!
دفع قصي أمير الذي حاول الثبات حتى لا يفتك به الآن وأمام الجميع من أجل جوليا وقدسية الجنازة.
دفعه قصي عدة مرات ليشير إليه قائلًا بصوت غاضب وهو ينظر لجوليا بتحدي:
- اللي قدامكم ده قاتل، حاول يقتلني ويقتل جوليا لا وكمان بكل بجاحة جاي يدفن بنتي معايا وقدام عيني.
- وهو اللي قتل بنتي كمان.
شهق الجميع بقوة عندما تفوه قصي الآن بحقيقة أمير.
ليغمض أمير عينيه ليحاول المغادرة.
ولكن قصي أكمل حديثه:
- اللي قدامكم قتل بنتي وأنا مش هسيب حقها، بطلب منكم كلكم تقفوا جمبي ونجيب حق بنتي الغلبانة الضعيفة.
بدأت الصحافة في التقاط الكثير من الصور لأمير.
الذي وضع يده أمام وجهه.
تحركت جوليا نحو قصي لتردف:
- بينقلب السحر على الساحر يا قصي.
تقدمت من أمير لتقف أمامه في وجه الجميع قائلة بحدة وهي تؤمرهم أن يخفضوا تلك المعدات.
لتشير بسبابتها على الجميع:
- دي جنازة بنتي مش هسمح لأي حد أنه يبوظها.
- حامد.
أتى لها حامد على الفور لتشير له أن يخرج كل الصحافة من هنا.
ليقوم على الفور بما أمرته.
هو ورجاله لتبتلع لعابها وتتقدم من قصي تجذبه من ذراعه الأيمن وتدفعه لخارج الدفن قائلة:
- لو كان في قاتل المفروض يخرج يبقى أنت يا ابن الأدهم.
- لو كل الناس صدقت إنك بريء، ألاعيبك مش هتمشي عليا و...
اقتربت منه تهمس بجوار أذنه:
- جه وقت حسابك على كل أفعالك يا قصي، حاول تحمي نفسك بأقصى ما يمكنك.
- حتى لو اختفيت من العالم هقدر أجيبك وأندمك على كل سوء سببته ليا.
تركته ودلفت للداخل بعدما أمرت حامد ألا يسمح لهم بالدخول مرة أخرى.
لتشير لأمير بعينيها أن يتقدم نحو جثمان جود مع معتز والأخرين.
تم دفن جود على خير ليغادر واحد تلو الآخر عدا تلك التي بقيت حتى المساء بجوار ابنتها تبكي بصوت خافت حتى لا يسمعها أحد.
ولكن إن ضحكت على الجميع بصمودها لن تضحك عليه.
كادت أن تغفو بجوارها.
ولكن أمير منعها ليساعدها في النهوض قائلًا:
- هي بين إيدين ربنا، أفضل مننا إحنا كبشر يا جوليا.
- ربنا رحمها مننا ومن كل سوء كان هيصيبها لكونها بس بنتك أو بنت ال...
سبّ أمير ذلك المختل قصي.
ليقوم بفتح الباب لجوليا التي استقلت وهي تائهة.
لا تعي شيئًا فقط هي تودّ النوم.
حتى وصولوا لبوابة المنزل.
ليحاول أن يحملها ولكنها استيقظت لتبتعد عنه على الفور وتنظر حولها.
لتردف قائلة:
- بكرة الصبح عايزك في أوضة المكتب.
تركته وصعدت للأعلى على الفور وهي تشعر بالألم في جسدها بالكامل أثر مجهودها الكبير التي تبذله.
لتحاول خلع الثوب ولكنها لم تستطع.
لتنام بثيابها ولم تشعر بشيء من حولها.
على الجهة الأخرى، وقد أتى صباح يوم جديد.
صعد لغرفته ليلملم ثيابه ومتعلقاته في حقيبة سفر.
وهو قلق وخائف من أن تستطيع جوليا الانتقام منه كما أخبرته.
ليصرخ فيه علي بقوله:
- أنت اللي عملت كده في بنتك؟ رد عليا.
- أنا معملتش حاجة، كل ده بسبب الغبي اللي أمرته أنه يخطفها.
نظر له علي بصدمة وهو يرى حصد ما زرعته سمر.
ليتساءل:
- يعني إيه؟
رمى تلك الحقيبة أرضًا ليردف بغضب مبالغ فيه:
- أنا اللي أمرتهم يخطفوا جود ولكن عصابة تجارة الأطفال جت واختارت جود من بينهم عشان كده أنا خسرت بنتي.
- أنا ممكن أخسر أي حد يقف قدام طموحي.
صفعه علي بقوة على وجنته اليسرى ليقول بغضب سيطر عليه من هول ما يسمعه.
هذا ابنه يعترف بجريمته في العلن دون خجل أو ندم:
- أنت مش ابني، أنت ابن عاق وأنا مش هسمحلك تحط اسمك جنب اسمي من هنا ورايح.
- أنت لعنة، لعنة كبيرة واتحطت فوق رأسي.
- أنت تربية سمر، وهي فين سمر دلوقتي؟
- هتنقذك؟ هتنقذك بإيه؟ وهي لا حول لها ولا قوة دلوقتي بين إيدين ربنا.
صرخ قصي في وجهه قائلًا:
- أنت اللي عملت كده، لما كنت بتفضل معتز عليا لما كنت بثق فيه عني.
- وأنا أثق فيك ليه؟ كل حياتك عبارة عن مشاكل وقرف ومن مصيبة لمصيبة عمرك ما أثبت أنك تقدر تشيل اسمي بعد ما أموت.
- إذا كان عشان جوليا وقفت قصادك قتلتلها بنتها أومال أنا أبوك اللي جابك في الدنيا دي هتعمل فيه إيه؟
- ياريتك ما جبتني يا أخي.
- يا ريت كان ينفع، ده قدر ونصيب.
- نصيبك في الدنيا أنك تيجي، لكن مش نصيبك أنك تعيش بكل الحقد والكره اللي جواك ده أنت اللي صنعته جواك وخليته يكبر كل مرة.
- بدل ما تثبت نفسك وتشيل مسؤولية، جبت لنفسك مصايب لو خرجت من واحدة التانية هتنهي حياتك.
- اطلع بره البيت ده.
- أنت قاتل وأنا عمر ما بيتي كان فيه واحد زيك.
- بره.
خفض قصي مستواه ليحمل تلك الحقيبة.
ولكن لمح ذلك المسجل بيد معتز.
ليبتسم بسخرية ويترك الحقيبة أرضًا.
ليتقدم لتلك الطاولة ويحمل بيده قطعة أثاث ثقيلة ويتقدم من معتز ويضربه بقوة بها.
ليصرخ علي به ويسقط معتز أرضًا والدماء تسقط من جبينه.
ليقع ذلك المسجل على الأرض الصلبة.
رفع قصي رأسه للأعلى وهو يضحك بسخرية.
حيث أن أخيه قام بخداعه.
لينظر لأبيه متسائلًا:
- أنتوا متفقين عليا؟
كاد أن يلتقط ذلك المسجل.
ليزحف معتز نحوه ويلتقطه قبله ويحاول النهوض مبتعدًا عنه.
ليركله قصي بقدمه ويسقط أرضًا مرة أخرى.
ليتقدم منه علي ويدفعه بقوة عن أخيه.
استند معتز على أبيه وهو ينظر لقصي بغضب قائلًا:
- أنت تستحق يبقى مكانك الحبس.
- أنت مقتلتش بنتك وبس! أنت عملت حاجات كتير قتلت وزنيت وتاجرت في حاجات غلط تستحق الموت كمان.
- وأنت بقى اللي هتحبسني!
- أنت! أشك.
أخرج قصي مسدسًا أخفاه تحت قميصه.
ليرفعه في وجه أخيه الوحيد مشيرًا على ذلك المسجل:
- هاته وأنا مش هأذيك.
- مستحيل.
- تبقى مستغني عن حياتك.
كاد أن يطلق النيران حتى وجد أبيه يجري نحوه يفديه بجسده.
لتخترق الرصاصة كتفه الأيسر من الخلف.
لتجحظ عينيّ معتز وهو يرى أبيه يسقط أرضًا بين أحضانه.
- بابا!
طُرِق الباب كثيرًا ليخاف قصي ويتراجع للخلف.
وهو يبحث عن مخرج له.
غضب معتز لينهض ويقوم بفتح الباب.
ليجد أمامه أمير الذي طلب منه أن يسجل لقصي حتى يتمكنوا من الإيقاع به.
دلف أمير للداخل ليجد علي أرضًا ينزف الدماء.
تقدم أمير من قصي الذي تراجع بذعر.
ليمْسِكَه من ياقة قميصه ويقوم بلكمه عدة مرات في وجهه.
ليدفعه قصي ويغادر المنزل بالكامل خوفًا من تلك المصيبة التي حلت عليه.
تقدم معتز من أبيه وهو يضغط على جرحه.
التقط أمير ذلك المسجل ووضعه في جيب بذلته.
وقام بمهاتفة الإسعاف لهم.
كان أمير على الهاتف الخاص بمعتز ليستمع لكل حرف تفوه به قصي.
وقد سقط في بئر أعماله المظلم.
بكى معتز خوفًا من فقدان أبيه المتبقي له في تلك الدنيا.
تم نقل علي للمشفى وظل أمير معهم خطوة بخطوة حتى اطمئن عليه.
واستأذن من معتز وعاد للمنزل.
ليجد جوليا تأخذ الحديقة ذهابًا وإيابًا.
ويبدو عليها القلق.
فحينما استيقظت كادت أن تتحدث له.
ولكنها وجدت أنه يصب كل اهتمامه في هاتفه.
ومن ثم نهض مسرعًا ليغادر المنزل حتى يتمكن من إنقاذ معتز وأبيه.
تقدم منها وهو يبتسم.
لتقابله بوجه جامد متسائلة عن سبب اختفائه وعدم إجابته على اتصالاتها.
ليردف قائلًا مع ابتسامة صغيرة زينت ثغره:
- عشان أشوف قلقك ده.
أخرج هاتفه أمامها ليغلقه قائلًا:
- وقتي كله ملكك دلوقتي.
ابتلعت لعابها وهي تراه يتحدث لها بنبرة مليئة بالحب.
تركته وتقدمته للداخل قائلة:
- حصلني على المكتب.
جرى خلفها للداخل ليغمز لريهام قبل أن يغادر.
تلك التي ابتسمت له وهي تدعو ربها أن يصلح شأن جوليا.
وجدها تجلس على مقعدها واضعة قدم فوق أخرى.
تنظر أمامها بشرود تفكر في ذلك الهراء الذي ستتفوه به الآن.
حاولت تهدئة نفسها عبر استنشاق بعض الهواء مع إغماض عين.
وقف أمامها يراقبها ويراقب تصرفها الهادئ.
لتفتح عينيها وتصوب بصرها نحوه قائلة وهي تشبك أصابعها:
- أنا عايزاك تخلص من قصي بأقسى عذاب، عايزة كل الناس تعرف حقيقته وكل الناس تهاجمه عايزة حق بنتي يرجع.
ظهرت ابتسامة مريضة على ثغره وهو يتخيل عذابه لقصي.
ليستند على المكتب أمامها قائلًا:
- والمقابل؟
نهضت لتتقدم منه.
بينما هو اعتدل في وقفته ليراها تقف على بضعة سنتيمترات منه قائلة:
- في اللحظة اللي هتنتهي مسيرة قصي، هيكون المأذون هنا بيكتب كتابنا وبكدة يبقى حققت مرادي ومرادك.
رواية جريمة حب الفصل الثلاثون 30 - بقلم سلسبيل
لا يعلم ما ذلك الشعور الذي سيطر عليه، أهو سعيد لكونه سيتمكن من الحصول عليها أم حزين لكونها تعرض نفسها عليه كصفقة.
عندما رأته شارد الذهن بلا تعابير محددة على وجهه أردفت وهي تغادر من أمامه:
- تمام، ألغي العرض وشوف أنت عايز إيه مقابل.
جذبها من ذراعها نحوه ليردف قائلا بحدة أدهشتها:
- أنا موافق ولكن الأهم إنك متتراجعيش عن قرارك وتندمي بعدين.
تركها وغادر بعد أن لملم متعلقاته وغادر المنزل بأكمله، لتتعجب من ردة فعله الغير متوقعة.
كانت تجلس على مقعد مكتبها وهي تتذكر أخر محادثة بينهم، لتتساءل بداخلها أحقا اختارت القرار الصحيح بزواجها منه أو ربما أنها لا ترفض الأمر بأكمله لتضرب رأسها بالمكتب أمامها وهي غاضبة من نفسها ومن ما تمر به لتشعر بالخنقة الشديدة تسيطر عليها وهي تنظر حولها متساءلة من بجوارها الآن؟
لقد ظلت طيلة حياتها وحيدة، وعاشت وحيدة ولربما ستموت وحيدة.
طُرِق الباب لتدلف ريهام وهي تحمل بيدها باقة ورد حمراء لتتعجب جوليا وتتساءل عن هوية المرسل، أجابت ريهام وهي تتفحص تلك البطاقة قائلة:
- معرفش، شوفي كدة من البطاقة دِ.
- سيبيه طيب.
غادرت ريهام بعدما تركت كل من البطاقة وباقة الورد أمام جوليا على المكتب لتلمس الورد برقة، فهو ورد أحمر يماثل تلك الورود التي كانت تهتم بها من الصغر وتحبها. التقطت يدها البطاقة لتجد كلمة واحدة بداخلها "وردتي"، كانت الكلمة كفيلة أن تجعلها غاضبة لأقصى حد لتنهض وتقوم برمي الباقة تحت قدمها وتضغط عليها بقدمها اليمنى بكل كره وغل وهي تصرخ بغضب من تلك المشاعر التي تسيطر عليها.
على الجهة الأخرى،،
كان معتز يجلس بجوار أبيه في المشفى يهتم بطعامه وشرابه، ابتسم علي لابنه وربت على كف يده قائلا:
- عايز أشوف حبيبتك.
ارتبك معتز قليلا، ليردف قائلا:
- أنا لسة مفتحتهاش في الموضوع وخايف ترفضني.
- أنت مش وحش يا معتز، ظروفك هي اللي كانت وحشة متسمحش لظروفك تحدد هويتك.
تحمس معتز قليلا ليبتسم لأبيه وهو يشكره على وجوده بجواره؛ فأب عن أب يختلف أصبحت هناك الكثير من العلاقات المهددة بين الأب والأبناء لا أحد منهم يستطيع فهم الأخر، كل منهما يعيش بمعتقداته المختلفة لم يحاولوا قط أن يلتقوا في نقطة المنتصف تلك من إحدى قضايا المجتمع الحقيقية التي نواجهها في عصرنا هذا.
يجب علينا توطيد وتوقير مثل تلك العلاقات لإنشاء جيل جديد يعلم معنى العلاقة الحقيقية بين العائلة.
كان أكرم يقف أمام قبر جويرية وملامحه باهتة وقد ظهر على وجهه العجز أكثر من ذي قبل، ليتحدث بالكثير من الكلمات بداخله كتمها لكثير من السنوات.
"لقد ذبلت وردتنا تلك التي اهتمينا بها كثيرا وتعبنا كثيرا لإنجابها، تلك التي لم يخلو وجهها من الابتسام أصبحت تتحدث بوجه جامد وخالي من التعبير وقلب قاسي بمشاعر جاحدة يبدو بأننا زرعنا وردتنا في بيئة غير صالحة للنمو تلك هي غلطتنا الوحيدة أو ربما الخطأ الوحيد كان من نصيبي، أنا لم أهتم لزرعتي جيدا وتركتها لغيري يرويها أنا فقط من عليه تحمل العواقب.
اما عن حبّي لكِ فلم ينقص يوما، زاد الشوق أضعاف المضاعفة في كل يوم مر بدونك أعتذر عن غيابي طيلة تلك الفترة ولكن مكاني ليس هنا بجوار الطيبين فأنا مذنب كذلك المختل الذي أذى وردتي وسمحت له بذلك".
كاد أن يبوح بالأكثر ولكنه شعر بحذائها من خلفه ليمسح عَبراته على الفور والتفت لها، لتنتقل ببصرها بينه وبين قبر والدتها لتتقدم منه وتقوم بجذبه للخارج من ذراعه.
لتتساءل بغضب عن سبب وجوده هنا أمام قبر والدتها تلك التي ضحت بالكثير من أجل كليهما:
- أنت ملكش حق تكون هنا.
- ملكش حق تدخل في حياتنا و.
قاطع حديثها باحتضانه لها تعلقت يديها في الهواء وشعرت بالارتباك المفاجيء، استعادت توازنها ودفعته ليصطدم ظهره بالسيارة لترفع سبابتها في وجهه قائلة:
- أنا مش هسمحلك تكون جزء من حياتي.
- أنا جوليا الساعي مش جوليا الباجوري يعني عمري ما هكون بنتك.
كادت أن تستقل سيارتها حتى هتف بقوله:
- أنتِ لو غيرتي اسمك مش هتغيري حقيقة أنك بنتي.
- وأنت مهما حصل هتفضل في نظري أحقر أب عرفته.
- فاكر عملت إيه! ولا ده نسيته!
- أنت اللي زيك يستحق الموت، أنت ضحيت بشرف بنتك مقابل صفقة رخيصة.
استقلت السيارة وغادرت ذلك المكان بقلب ينزف دما من شدة ما تعرضت له قادت بأقصى سرعة لها وهي تتمنى لو تستطيع الفتك بكل من قام بإيذائها، لم تستطع التحكم بقيادتها لتصطدم السيارة برصيف للمشاة بقوة.
لم تغيب جوليا عن الوعي لتلتقط الهاتف وتحاول الاتصال بأمير أول من فكرت به الآن، ولكنه لم يجيب.
على الجهة الأخرى،،
كان يجلس أمامه واضعا قدم فوق أخرى وأمامه قصي يجلس أرضا يرتجف من شدة الخوف والدماء تمليء وجهه وتوجد الكثير من الجروح التي تغطي جسده.
ابتلع لعابه حينما وجد أمير يتقدم منه وهبط لمستواه ليقول:
- هتنفذ اللي قولتلك عليه ولا أنفذه أنا؟
كاد أن يقبّل قدمي أمير لكي يرحمه من ذلك العذاب مردفا:
- بلاش تدمر حياتي، هأخد كل حاجتي وهمشي من هنا.
- أنا وظيفتي أقتلك وعمري ما خالفت وظيفتي.
- وأنت جشعك وطمعك اللي خلاك تقع تحت ايدي.
- هتنفذ ولا لا؟
أشار لأحد رجاله ليتقدم منه وقام بإخراج سكين حاد ليذعر قصي ويرجع للخلف بخوف وهو يرجوهم أن يبتعدوا عنه، قاموا بقيد أطرافه وقام بإنشاء عدة جروح أخرى في جسده ليست عميقة ولكنهم ضافوا عليها كحول ليصرخ قصي من شدة الألم.
ابتعد عنه أمير ونهض ليجذب معطف بذلته ويشير لرجاله أن يتوقفوا لهذا الحد.
غادر المكان الذي يحتجز به قصي لأكثر من أسبوع يقوم بتعذيبه بالبطيء، كان مكان مظلم تم هجره لكثير من السنوات لذا استخدمه أمير كموقعه.
استقل سيارته ولكنه أوقفه أحد رجاله الذي تفوه بقوله:
- فيكتور يريدك أن تعود لتنهي مهماك.
- يخبرك بأنه طالت فترة أجازتك، سيعتبره انقلاب.
ابتسم أمير بسخرية واستقل السيارة مردفا:
- أخبره بأن يجعلها أجازة طويلة المدى هدية زواجي.
قادها ليعود إلى منزلها القديم قابله حامد والذي أخبره بذلك الحادث الذي تعرضت له وقد تضررت قليلا.
جرى للداخل على الرغم من شعوره بالتعب لكونه لم ينام جيدا طيلة الأسبوع، وجدها تجلس على الأريكة بجوارها ميادة يتحدثان في العمل لتتفحصها بعينيه ليجد لاصق طبي أعلى جبينها ويدها اليمنى محاطة بشاش طبي.
تقابلت أعينهم لتتجاهله جوليا وهي غاضبة منه لكونه لم يجيب على اتصالاتها، أكملت حديثها مع ميادة لتنتهي في وقت متأخر من الليل بينما هو ذهب للداخل ليبدل ثيابه ويدخل في سبات عميق من شدة تعبه وإرهاقه.
كانت ملك تجلس في غرفتها تفكر في معتز وماذا يحدث معه الآن، متذكرة شهامته معاها وحمايته لها لتدعو له بالصلاح والهداية.
خرجت ريهام لحامد الذي طلب منها كوب من الشاي، ليجذبها تجلس على تلك الأرجوحة في الحديقة ويجلس بجوارها شعرت ريهام بالخجل والارتباك لتستأذن حتى تعود للداخل ولكنه أردف:
- إيه رأيك نعجل الفرح؟
ابتلعت لعابها ونهضت وقد أصبح وجهها محمر من شدة الخجل ولكنه تمسك بكف يدها متسائلا:
- موافقة؟ أتناقش مع أهلك.
- أنا شايفة أنك مستعجل على عكس شخصيتك قبل كدة.
- أحنا بنحس بقيمة الحاجة بعد ما تمشي، فالأفضل إني أحافظ على النعمة اللي في إيدي قبل ما تزول وأندم وأحس بقيمتها.
نظرت له بابتسامه لتعود وتجلس بجواره وهي فرحة من حبّه لها الذي لم يكن ظاهرا في البداية لذا كانت تشعر بالإحباط وأنها لن تكون قادرة على جعله يحبها.
تحسست تلك الدبلة التي تتوسط بُنصر يدها اليمنى، لتستأذن أنها ستغادر الآن فقد تأخر الوقت ويجب عليها النوم.
مرت عدة أيام دون اختلاط كل من جوليا وأمير، فهي كانت ترى بأنه ليس مختلف عنهم كثيرا وأنه سيهملها قريبا على عكس ذلك الحماس الذي كان يغطيه في البداية بينما هو كان يرى بأنه بلا قمية لديها وأنها ستبيع له نفسها كصفقة وليس بتراضي الطرفين لن ينكر بأن جزء منه سعيد لأنه أخيرا سيمتلكها وستصبح على اسمه فور انتهائه من عمله ولكن كان يريد أن يتزوجوا بشكل لائق.
استيقظت جوليا على صوت ريهام المقلق وهي تخبرها بأنه يوجد أفراد شرطة بالأسفل، نهضت جوليا وهي تتساءل عن سبب وجودهم لتساعدها ريهام في تبديل ثيابها وقامت باختيار ثياب بسيطة لها.
قامت ملك بإعداد مشروبات لأفراد الشرطة وذهبت وهي تبتسم لهم بخفوت وارتباك، هبطت جوليا لأسفل بهدوء على عكس قلبها الذي كان ينبض بقوة على غير العادة.
لتجلس بعدما صافحتهم ووضعت قدم فوق أخرى متسائلة عن سبب زيارتهم:
- قدرنا نوصل لقاتل بنتك.
اعتدلت في جلستها على الفور ونظرت لهم باهتمام تحثهم على الحديث.
- يؤسفني إني أقول الكلام اللي جاي ولكن.
- قصي الأدهم طليق حضرتك ليه دور في الموضوع.
عقدت حاجبيها ليجلب الضابط هاتفه ويعرض على جوليا ذلك الفيديو والذي كان اعتراف من قصي صريح بأنه من قام بتحريض بعض الرجال لخطف ابنته حتى يستطيع التخلص من جوليا.
تراجعت للخلف بظهرها لتستند بكل أريحة تامة متساءلة:
- هو فين دلوقتي؟
- على ذمة التحقيق ومش هيأخد أقل من مؤبد بسبب بعض المستندات اللي قدمها واللي كانت بتحتوي على كل صفقاته المشبوهة.
- تفتكر هو ممكن يعمل كدة؟
- محدش عارف، لكن واضح أنه تعرض لتهديد وعنف شديد.
اومأت لهم جوليا لتنهض وهي ترافقهم للخارج لتوديعهم، لتهتف باسم حامد الذي كان يتحدث لزميله ليتقدم منها وتخبره بما تريده في تمام التاسعة مساءا.
جلس في ذلك السجن بمفرده وهو يتحدث بغضب لنفسه بأنه سينتقم من جوليا وأمير وكل من قام بإيذائه لن يسمح أن يبقى في ذلك السجن بمفرده، ليتذكر حينما أتى لهنا قام البعض بالفتك به لكونه قام بخطف ابنته وساعد في قتلها يا له من أب سيء ولا يمكن أن يحتسب على الرجال؛ لذا قاموا بضربه وتم نقله لحبس انفرادي عقابا له فالجميع هنا غاضب منه حتى وإن كانوا مجرمين وقاموا بأعمال غير مشروعة ألا أن الرحمة لم تنقطع عن قلوبهم مثله.
لينظر إلى إصبع قدمه الصغير قام أمير بقطعه له كان يتعامل معه بوحشية دون رحمة حتى أنه لم يشفق على صراخه وألمه.
ليصرخ قصي ويصدم رأسه بالحائط عدة مرات ومن ثم طرق على الباب بقوة يؤمرهم أن يخرجوه قائلا:
- خرجوني من هنا.
- أنتو مش عارفين أنا مين؟
- أنا قصي الأدهم، خرجوني من هنا.
- أنا قصي الأدهم، هندمكم.
أتى إلى هنا رغما عنه فأمير أجبره على الاعتراف بجرائمه مقابل أن يبقى على حياته، لم يكن يعلم بأن موته حينها رحمة لن ينالها بعدما تم القبض عليه وفضحه على وسائل التواصل الاجتماعي وبدأت الصحافة تتحدث عن جود تلك الفتاة ضحية أبيها الذي قام بالتخلص منها نظرا لبعض المشاكل بينه وبين جوليا.
لم يكن يعلم بأن اختياره بالافصاح عن الحقيقة سيسلبه كل ما يملك سمعته، ممتلكاته، ماله، اسمه، حتى تعاطف الآخرين معه انقلب ضده وأصبح الجميع يهتف باسم جوليا تلك التي خسرت ابنتها أثر طليقها.
على الجهة الأخرى،،
كان الجميع يشاهد ذلك الخبر مندهشين من وحشية ذلك الأب القاسي الذي قام بالتخلص من ابنته ليدعو عليه كل من رأى الخبر.
أي مال سلب الرحمة من قلوب الجميع!!!
جشع المال والسلطة يسلبك نفسك وكل ما تمتلكه شيئا في شيء، يجعلك عدائي ويخسرك الأقارب والغرباء وذاتك ومبادئك حتى تخسر في النهاية كل شيء.
أغلقت التلفاز لتبتسم بسخرية وهي تعلن نهاية قصي، لتنهض مرتدية ثوب بني رائع يبرز جمالها على الرغم من كونه واسع لتتقدم من الشرفة وهي تستمع لصوت سيارته ليهبط من السيارة وقد تملك منه الإرهاق وقطرات العرق تتصبب منه ليخلع معطف بذلته ويتقدم للداخل بخطوات خافتة أغمضت عينيها وهي تفكر في تلك الخطوة التي ستقدم عليها ستصبح أسيرة لرجل أخر.
ستكون بين فكيّ أمير ستكون ضحية له أيضا، أحقا ستكون قادرة على فعل الأمر! أقسمت أن تنتقم من كل من قام بإيذائها حتى وإن كانت ستلفظ أنفاسها الأخيرة ستحارب للتخلص منهم واحد تلو الأخر، ستكون قادرة على الانتقام إن كانت في صف أمير لا غير، ذلك الذي ينظر لها بصدق لم تعهده.
دلف أمير للمنزل ليجد رجلا يجلس بجوار حامد على الأريكة بكل أريحة بالإضافة إلى زيّه التقليدي ليرجح بأنه مأذون ليتساءل بداخله بتلك السرعة!
أفاق من شروده على صوت حذائها ليرفع نظره نحوها وكم كانت جميلة! ليعتدل في وقفته وهو يتفحصها في كل خطوة تخطوها نحوه.
نهض حامد على الفور حينما رأى جوليا ليردف قائلا:
- المأذون جاهز زي ما أمرتي يا هانم.
وقفت أمام أمير على بُعد خطوتين، أردفت بصوت هاديء خافت لم يسمعه سواهما:
- أحنا لسة على البر، تقدر تغير رأيك.
لم يجيبها لتشعر بالارتباك من صمته ونظراته الثاقبة نحوها ليتقدم منها ويميل على أذنها اليسرى قائلا بنبرة خافته وأنفاس دافئة:
- أنا بحبك يا جوليا، عشان كدة الفرصة دِ لازم استغلها.
ابتلعت لعابها شعرت بأن قلبها يُكاد أن يخرج من حصونه من قوة انقباضه و سرعة نبضه، اعتراف صريح! إنها ليست المرة الأولى التي تسمع بها تلك الكلمة لقد تلقت الكثير من عروض الزواج لقد أخبرها بها قصي وجاسر وكل من تقدم لها ولكن لما تشعر بالغرابة الآن والأهم أنها تشعر بالصدق في نبرته!
تقدمها وجلس بجوار المأذون بينما هي وقفت قليلا بمكانها شاردة حتى استعادت توازنها وتجلس على الجهة الأخرى من المأذون.
لتقف ريهام بجوار حامد وملك بجوار جوليا، ليتعالى جرس المنزل ذهبت ملك نحو الباب لتفتحه وتجد أمامها معتز ابتلعت لعابها لما الآن يجب عليها رؤيتها!
تقدم معتز منها متسائلا:
- مش هتخليني أدخل؟
ابتعدت من أمام الباب وهي تنظر أرضا، تسيطر عليها بعض المشاعر المختلطة والغريبة لما تشعر وكأنها تودّ الاعتراف له بإعجابها إنها بريئة لا تفقه شيء عن الحب.
تقدم للداخل لا ينكر بأنه حزين لرؤية جوليا تتزوج ولكنها تستحق أن تتزوج غير قصي، كان يعلم بأنها ليست سعيدة معه وأنها مضطرة للتعامل معه وللاستسلام له وأيضا لإخفاء حزنها داخل جمودها ليدعو لها بالصلاح والهداية ولعلها تجد بعض السعادة في حياتها القادمة.
نهضت جوليا لتصافحه ليبتسم لها ويبارك لكل من أمير وجوليا، ليرفض أمير مصافحته وأيضا كاد أن يرفض أن يكون شاهدا على عقد قرأنهم لتخبره جوليا بأنها تثق بمعتز وأنه لن يضرها، لن ينكر بأنه حينما طلب منه الحصول على اعتراف قوي من قصي عرض حياته للخطر لأجله وأيضا كان يطمئن على جوليا من حين لأخر وساعده لإلقاء القبض على قصي لذا يبدو أنه شخص جيد.
ليبدأ المأذون في عقد قرأنهم، لتضع يدها بيده ليشعر بضغطها وكأنها تخبره بألا يخذلها هو الأخر؛ فهي لم تعهد سوى الخذلان من الأقارب في تلك الحياة لذا لن تتحمل خذلانه.
ليرددوا خلفه بتمهل ونظرة صادقة بداخل كل منهما، ليتساءل المأذون عن الشهود ليوقع كل من حامد ومعتز ويتم إعلانهم كزوج وزوجة.
- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير، بالرفاء والبنين إن شاء الله.
نهض المأذون ليرافقه حامد للخارج وبارك كل من ريهام وملك لجوليا وأمير ليغادروا للداخل، نهض معتز قائلا:
- مبروك.
- هنتظر منك رد يا جوليا على اللي طلبته منك.
اومأت له ليغادر بعدما صافح أمير، والآن لم يبقى عداهما في تلك الصالة على الرغم من كونها بمساحة واسعة ألا أنها كانت تشعر أنها محاصرة أثر نظراته لها لتقرر الانسحاب بهدوء كادت أنه تغادر من جواره لتجده يجذبها نحوه يقبّلها جحظت عينيها وابتعدت عنه على الفور، لتتركه وتصعد للأعلى سريعا وهي محاصرة بنظراته التي تتبعها حتى اختفت ليلقي بجسده على الأريكة وهو يلتقط أنفاسه بتعب وإرهاق بارز على ملامحه حاول جيدا إخفائه.
وقفت أمام المرآة وهي تتفحص ملامحها سيطرت عليها بعض المشاعر شعرت وكأنها عادت تلك الفتاة البريئة بعامها السادس عشر.
تعالى رنين هاتفها لتتعجب كثيرا فالوقت تأخر لتجد المتصل ميادة لتشعر بالقلق وتجيبيها على الفور وقبل أن تتحدث باغتتها ميادة بقولها:
- أنا تحت بيتك.
أغلقت جوليا الهاتف وهي تنظر لتلك التي ترجلت من سيارتها للتو وتقف بانتظارها أمام البوابة الكبيرة، لم تعلم الكثير بمكان انتقالها ولكن حريق منزلها تناول الألسنة في الآونة الأخيرة ولم تعلم إلا قلة بمكانها لتتنهد وتغادر من الغرفة وهي تتمنى أن يمر اليوم بسلام؛ فهي بحاجة للراحة.
هبطت لأسفل لتتقدم للخارج حيث تقف ميادة التي تقدمت نحوها وقبل أن تتساءل جوليا عن سبب تواجدها تفوهت بقولها:
- انقذي ناصر.
عقدت حاجبيها لتضع يدها في جيب ثوبها وهي متعجبة من طلبها الغريب والأغرب في الوقت ولهفتها، تساءلت:
- وأنتِ مالك بناصر؟
- مش مهم.
- بس ناصر مخنش ثقتك، فأرجوكِ متفضحهوش.
- وإيه اللي يضمن ليا؟ وكمان أنتِ جاية ليا في الوقت ده تطلبي مني مأذيش ناصر، إيه الحكاية؟
ابتلعت ميادة لعابها لتردف قائلة:
- ناصر كان في فترة هدنة مع نفسه مكنش قادر يتصرف ولا خانك ولا باعك لقصي.
- ممكن تسامحيه وأوعدك أنا وهو هنختفي من حياتك.
ابتسمت جوليا بسخرية لتتركها وتجلس على تلك الأريكة في الحديقة متساءلة:
- حبتيه؟
شعرت ميادة بالارتباك والحرج و نظرت لأسفل بصمت قطعته بعد دقيقة:
- أه.
- مجرم؟
- كان، ناصر قرر يصلح كل حاجة ويعيش برضى ربنا حتى لو معرفش أنا هقدر وهساعده هقف جمبه.
- مش هسمحلك تحبسيه، ناصر حارب نفسه كتير ناصر أخيرا وقف على أول خطوة على طريق الصح.
اقتربت من جوليا وجلست على ركبتيها وعينيها قد أدمعت وبدأت في ترجي جوليا للعفو عن ناصر ذلك الذي جاهد نفسه ليخرج من الظلمات من أجله وأجلها لن تسمح لها بأن تعيده لنقطة الصفر.
- أرجوكِ سامحيه واعفي عنه، ناصر قرر يقدم كل الورق ليكِ وكذلك أنا مش هعترض شغلك ولا طريقك ومش هكمل في الشغل لو حابة.
تعجبت جوليا من حب كهذا؛ مَنّ قد يركع هكذا من أجل حبيبهُ مجنون أو ربما.
قاطعتها ميادة وهي تنظر لها بدموع أغرقت عينيها وقلب ينزف حزنا، لتنهض جوليا بعنف وتتركها وتعود للداخل تصعد لغرفتها وتغلق خلفها الباب تشعر بالألم يغزو قلبها لم تسنح لها الفرصة لتتعلم معالم الحب وأن تجد من يحبها بصدق لأجلها هي لكونها جوليا فقط لا غير لكونها تلك الإنسانة التي عانت كثيرا.
في الصباح الباكر،،
كانت تجلس ميادة أمام البوابة في انتظار جوليا حتى تتحدث لها مرة أخرى، بينما جوليا كانت تراقبها كل هذا الوقت جالسة على مقعد من خشب في شرفتها سيطرت عليها بعض الذكريات لتغوص فيهم.
تعالى رنين ميادة لتنتفض من مكانها على الفور حينما وجدت أن المتصل ناصر والذي أخبرها أنهم أفرجوا عنه للتو لتضحك وتبكي في آنٍ واحد، التفتت لتلمح جوليا في الشرفة لتنحني لها عدة مرات دليل على امتنانها لها وتستقل السيارة لتذهب في طريقها لمقابلة ناصر.
أبدلت ثيابها لأخرى سوداء وهبطت لأسفل كان كل من ملك وريهام يحضرنّ الفطور، لتجد أمير مازال نائما على الأريكة من شدة تعبه وإرهاقه لأول مرة لم يستيقظ من أبسط صوت بجواره ربما لأنه يشعر بالأمان في ذلك المكان.
- مرضناش نصحيه يا هانم.
اومأت لهم لتهبط لمستواه على مضض وتبدأ في نداء اسمه ولكنه لم يستيقظ لتبدأ في نغز كتفه حتى فتح عينيه ببطء ليجدها أمامه اعتدل في جلسته ليشعر بألم في رأسه يجتاحه أردفت بلا اهتمام:
- الفطار جاهز.
تقدمت نحو مائدة الطعام وجلست على المقعد الثاني بجوار ذراعه الأيمن الآن أصبحت زوجته لا يحق لها بأن تجلس على رأس الطاولة، التفتت لها ليطّلع لها بتعجب ويتقدم منها يقبّل جبينها انتفضت فهي لم تتوقع تصرفه الهاديء.
جلس على رأس الطاولة وهيئته كانت مزرية لم يهتم بشكله أو حالته أو طعامه أو شرابه لعدة أيام حتى استطاع التخلص من قصي، و أخبرها أنه لم ينتهي بعد سيذيقه العذاب كما تريد.
قبض على الملعقة بقوة وهو يحاول أن يتماسك ولكن الصداع اجتاحه بقوة، هتفت جوليا باسم ملك التي أتت لها سريعا وذهبت مرة أخرى لتجلب مسكن للآلم كما أخبرتها لو كان عليها لكانت تخبر إحدهن بعمل مساج لجبينه ولكن لا يسمح لتنهض على مضض وتبدأ في تمسيد جبينه لعل الألم يخف قليلا.
بعدما انتهت كادت أن تغادر ولكنها وجدته يقبّل يدها يقول بنبرة خافتة مغرية:
- شكرا.
جذبت يدها لتعقد حاجبيها متساءلة:
- أنت غرضك إيه؟
- أنت عايز إيه مني يا أمير؟
- ليه؟ ليه؟
تراجعت للخلف عدة خطوات ليتقدم أمير منها قائلا:
- ليه إيه؟
أشارت على نفسها وهي تقول:
- ليه بتعمل معايا كدة؟ ليه بتتعامل معايا كدة؟
- ليه عايزني؟
- المفروض أثق فيك ولا لا؟
- زواجي منك صح ولا غلط؟
تقدم منها وضغط على كتفيها ليردف بحدة وقوة:
- أنتِ اللي طل.
أصبحت الرؤية مشوشة عاد الصداع الذي كان قد اختفى لقليل من الوقت، زاد من ضغطه على كتفيها حاول الصمود ولكن جسده انهار ليسقط مغشيا عليه بين أحضان جوليا تلك التي صرخت باسمه وهي تلتقطه بذراعيها لتسقط معه أرضا تحيط وجهه بكفيّ يدها.
لتتفوه باسمه بنبرة قلقة:
- أمير!