تحميل رواية «جراح الروح» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دلفت إلى الشركة التي تعمل بها تتحرك على عجل وتوتر. استمعت إلى رنين هاتفها معلنًا عن وصول مكالمة من أحدهم. أخرجته من داخل حقيبتها سريعًا ونظرت لشاشته. ضغطت فوق زر الإجابة وإذ بها تستمع لصوت أحدهم وهو يصيح بتوتر. "أيوة يا فريدة إنتي فين، الاجتماع فاضله دقايق ويبدأ!" تنفست الصعداء بقلق وأجابته بنبرة مطمئنة. "خلاص يا هشام أنا وصلت الشركة وبدخل الأسانسير حالًا، دقيقتين بالظبط وهكون عندك في قاعة الاجتماعات!" دلفت سريعًا إلى المصعد وضغطت زر الإغلاق وبعدها زر الصعود. كل هذا كان يحدث تحت أنظار ذلك الدالف...
رواية جراح الروح الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم روز امين
داخل رواق المشفي
تقف أسما تزرف دموعها الساخنة المنهمرة فوق وجنتيها بغزارة. يحتضنها ذلك الواقف بقلب مرعب وجسد ينتفض رعباً على صديقه الراقد بالداخل ولا يعلم عن حالته شيئاً.
وذلك بعد أن تلقى اتصالاً منذ قليل فأجاب متوقعاً أنه سليم. فتفاجأ بصوت رجل غريب يبلغه أن صاحب هذا الهاتف قد تعرض لحادث ولذا وجب عليه الحضور الفوري بعدما أملى عليه اسم المشفي وعنوانه. وقد هاتفه الرجل على أساس أن رقم علي كان آخر من حادث سليم.
أما ذلك المسكين فكان يرقد داخل غرفة الأشعة المقطعية لفحص جسده كي يطمئن عليه الأطباء بعدما أوصلته الإسعاف.
هاتف علي قاسم وأبلغه بما حدث. وبدوره أبلغ قاسم ريم لتلحق به.
بعد قليل أتى قاسم وجلس بجانبهما وقلبه يرتعب من فكرة فقدانه لابنه الوحيد.
الجميع يجلس بقلوب نازفة يترقبون أية خبر يطمئنهم على غاليه.
حول الجميع أبصارهم باتجاه مدخل الرواق، حيث تهرول كل من ريم وتلك الباكية المنهارة التي تجاورها وهي بحالة مزرية يرثى لها.
نظر إليها وإذ بقلبه يشتعل بنيران الغضب الذي تجدد في التو واللحظة عند رؤيته لها. فكانت تلك هي المرة الأولى التي يراها منذ واقعة ليلة الزفاف.
أسرع إليها بغضب عارم وجذبها من ذراعها وتحدث بفحيح وعيون تطلق شزراً.
"إنتِ أيه اللي جايبك هنا؟"
حاولت ريم تخليص ذراع والدتها من قبضة أبيها المحكمة وأردفت قائلة برجاء.
"إهدي يا بابا من فضلك، متنساش إننا في مستشفى."
أما أمال التي تساءلت بدموع عينيها الساخنة وقلبها يئن من الألم متجاهلة غضبته.
"إبني جري له أيه يا قاسم، أرجوك تطمن قلبي وتقولي إن سليم كويس؟"
هزها بعنف وتحدث بصرير من بين أسنانه.
"دلوقت بس عرفتي إن ليكِ إبن؟ وكان فين قلبك ده وإنتِ بتدبحيه بأديكي بدون رحمة أو شفقة؟!"
أسرع إليه علي وأردف قائلاً لتهدئته.
"إهدي يا قاسم بيه لو سمحت، ويا ريت تراعي حالة الهانم، دي بردوا أم ومحتاجة تطمن على ابنها."
صاح بتهكم قائلاً.
"أم، هي دي لو أم بجد كانت عملت كده في ابنها الوحيد، جايه تسألي عليه وزعلانه أوي وإنتي السبب في كل اللي حصل له."
تعالت شهقاتها تبكي بقلب يزرف دم على فلذة كبدها الراقد بالداخل ولا تعلم عنه شيئاً.
نجحت ريم وأسما في إفلات أمال من بين قبضة قاسم، وأجلساها فوق المقعد كي لا تنهار وتسقط أرضاً.
وأشار قاسم إليها بسبابته وأردف قائلاً بنبرة تهديدية.
"ادعي ربنا إن ابني يخرج من جوة سليم ومعافى، لأن لو لا قدر الله ابني جري له حاجة أقسم بالله العلي العظيم لأدمرك إنتِ وعيلتك بالكامل، وكل شخص شارك في قهرة قلب ابني ما هيسلم من شري وانتقامي!"
صاحت ريم بدموع وانهيار.
"كفاية أرجوكم، حرام عليكم كده، إصبروا لما نطمن على سليم وبعدها ابقوا ارموا التهم على بعض زي ما انتوا عاوزين."
أخذتها أسما داخل أحضانها وتحدثت لتهدئتها.
"إهدي يا ريم، إن شاء الله سليم هيبقي كويس ويقوم لنا بالسلامة."
وقفت أسما وأبتعدت قليلاً، وطلبت رقم فريدة التي كانت تجلس داخل مكتبها تبكي بحرقة على حظها العاثر وخياناتها المتكررة التي تتعرض إليها دوماً من الجميع.
نظرت بشاشة هاتفها وجففت دموعها وأخذت نفس عميق ثم أجابت.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
أجابتها أسما بدموع مريرة.
"فريدة، سليم عمل حادثة."
نزلت كلمات أسما على مسامعها كبركان زلزل كيانها ودمره بالكامل. انتفض قلبها رعباً وصاحت بصوت مرعب.
"إنتِ بتقولي أيه يا أسما؟"
بكت أسما وأجابتها.
"سليم عمل حادثة وهو الوقتِ مع الدكاترة جوة ومنعرفش عن حالته أي حاجة."
تحدثت بانهيار وروح تكاد تفارقها من هول تلك الكارثة التي أحلت بروحها.
"اديني عنوان المستشفى."
أخذت العنوان وتحركت بساقين مرتعشتين.
***
بعد قليل خرجت الممرضة من الداخل. هرول إليها الجميع وتساءل قاسم بلهفة.
"طمنيني لو سمحتي، ابني عامل أيه؟"
ابتسمت له الممرضة وأردفت قائلة بطمأنينة.
"الحمد لله يا أفندم ابن حضرتك زي الفل، الدكتور كان شاكك في نزيف في المخ، بس الحمد لله طلع عنده ارتجاج في المخ بس."
اتسعت أعين قاسم وصرخة مدوية خرجت من أمال وتحدثت بذهول.
"ارتجاج، دخلوني لإبني، أنا عاوزة أشوف سليم، سليييييم."
أسندتها ريم وأسما المنهارة.
هنا خرج الطبيب وتحدث بنبرة جامدة.
"أيه الدوشة دي، فيه أيه؟"
أسرع إليه الجميع وتحدث قاسم.
"ابني فيه أيه يا دكتور؟"
أجابه الطبيب بمهنية.
"اطمن يا أفندم، ابن حضرتك كويس جداً."
تحدث علي متلهفاً.
"كويس إزاي يا دكتور والممرضة بتقول إن عنده ارتجاج في المخ؟"
تبادل الطبيب النظر بين وجوه الجميع المترقبة وتحدث بثبات انفعالي أجاد التحكم به.
"مفيش داعي للقلق يا جماعة، المريض فاق وحالته كويسة جداً ومستقرة، إحنا عملناله أشعة مقطعية على جسمه بالكامل علشان نطمن عليه، واكتشفنا ارتجاج بسيط جداً في الدماغ، وده نتيجة الخبطة القوية اللي اتعرض لها دماغه أثناء الحادثة، والحمد لله."
"يعني ابني حالته كويسة يا دكتور؟" تساءل بها قاسم بلهفة.
أجابه الطبيب.
"ما أنا لسه قايل لحضرتك إنه كويس، هما شوية كدمات بسيطة جداً في جسمه زائد الارتجاج، وممكن يروح معاكم بس هيحتاج هدوء وراحة ويقعد في أوضة ضلمة، تقدروا دلوقتي تدخلوا تشوفوه."
وأكمل بابتسامة مجاملة وهو ينسحب.
"حمد الله على سلامته."
تنهدت أمال وتحدثت بشكر.
"الحمد لله، ألف حمد وألف شكر ليك يارب، الحمد لله."
دلف الجميع ونظروا على ذلك الممدد فوق تخت المشفي بوجه مرهق وبه بعض الكدمات، تجاوره الممرضة وتعطيه إبرة مسكنة لآلام رأسه الذي صاحبه أثر الخبطة.
جرى عليه قاسم واقترب منه، أمسك كف يده ورفعها لفمه يقبلها وتحدث بلهفة.
"سليم، إنت كويس يا ابني، طمني عليك يا حبيبي؟"
نظر إليه والده بوجه مبهم خالي من التعبير وأردف قائلاً بهدوء.
"الحمد لله، متقلقش يا بابا أنا كويس."
اقتربت ريم وتحدثت من بين شهقاتها المتعالة.
"حمد الله على سلامتك يا حبيبي."
أدار وجهه لها وابتسم بخفة وأثناء ابتسامته لاحظ وجود تلك الباكية التي تقف بعيداً متلهفة للنظر إلى عيناه، وعلى وجهها علامات الهلع والرعب.
تذكر حاله وما وصل إليه بفضلها، وبلمحة غضب داخله واشتعل وحملها نتيجة كل ما حدث. فلولاها لكان الآن يقضي رحلة إجازة زواجه غارقاً داخل بحر شهد عسل تلك العنيدة المستبدة.
أدار وجهه للجهة الأخرى وتحدث بلهجة عنيفة.
"مش عاوز حد معايا في الأوضة، عاوز أبقى لوحدي."
"إهدي يا ابني،" قالها قاسم وهو يربت على كتفه.
زادت حدته قائلاً.
"أرجوك يا بابا طلعهم بره."
زادت شهقاتها وارتفع صوت بكائها النادم على معاملة صغيرها لها فتحدثت بهدوء.
"سليم، أنا..."
لم تكمل جملتها حين استمعت لصراخه العالي.
"قلت مش عاوز حد معايا في الأوضة، اطلعوا برررررره."
جرى عليه علي وتحدث مهدئاً إياه.
"إهدي يا سليم إنت لسه تعبان والصراخ ده غلط عليك."
تعالت نبضات قلبه وانتفض صدره من شدة غضبه وتحدث إلى علي.
"مش عاوز حد معايا يا علي، اخرجهم كلهم برة وتعال ساعدني ألبس هدومي علشان أخرج من هنا."
هنا صاح قاسم في تلك الباكية ونهرها بحدة.
"إنتِ ما سمعتيش، اطلعي بره."
جرت إليها أسما وأمسكتها من ذراعها وتحدثت من بين دموعها.
"اتفضلي معايا يا مدام أمال."
أسندتها هي وريم بينما ألقت هي نظرة نادمة على وجه صغيرها الذي ينظر للجهة الأخرى رافضاً رؤيتها، وخرجت بساق تتحرك ببطء وقلب يصرخ ويئن يريد احتضان عزيز عيناها ويضمه إليه ليطمئن.
تحدث قاسم بعد خروجها.
"إهدي يا سليم وفكر بالعقل، خروج أيه اللي بتفكر فيه في حالتك دي؟"
تحامل على حاله وجلس وهو يشير إلى الممرضة كي تخلع عنه الكانيولا المسؤولة عن توصيل سائل الجلوكوز لجسده المرهق.
وتحدث بجدية.
"أنا سألت الدكتور وقالي إن ممكن أخرج وإن مفيش مشكلة."
"وافقه قاسم مرغماً وأردف قائلاً.
"خلاص يا سليم، ساعده يا علي في لبسه علشان أخده على البيت."
"البيت لاء يا بابا،" كلمات نطق بها سليم بعنف.
تساءل قاسم بحدة.
"متتكابرش يا سليم، تقدر تقولي هتقعد فين ومين هياخد باله منك وإنت تعبان بالشكل ده؟"
تحدث علي باحترام.
"أنا هاخده في بيتي يا قاسم بيه."
تحدث سليم بنبرة حادة.
"أنا مش رايح عند حد يا عَلي، أنا هقعد في الأوتيل، أنا مش محتاج غير إني أقعد مع نفسي وبس."
وبعد جدال وافق قاسم مرغماً.
خرج سليم مستنداً على كتف صديقه، يتحرك خلفه الجميع بترقب وهدوء. قاسم الحزين على ما وصل إليه فلذة كبده ولا يستثني حاله من ما حدث.
أمال محترقة الروح والكيان والتي باتت متأكدة أنها خسرت صغيرها وللأبد، بكت بحرقة ولأول مرة يتسلل داخلها شعور الندم والحسرة على ما مضى.
ريم وأسما ودموعهم الساخنة على غاليهم وحالته.
استقل سيارة علي وجلس بجانبه واضعاً رأسه للخلف، مغمض العينان بقلب يغلي ناراً، ساخطاً على جميع من أوصلوه لتلك الحالة.
وقف الجميع ينظرون إليه بقلوب منفطرة ودموع الألم تنساب فوق وجناتهم.
قاد علي السيارة وأثناء خروجه من الشارع لاحظ دخول سيارة فريدة التي تبكي ويبدو على ملامحها الانهيار التام.
"اهدئ على من سرعته وتحدث سريعاً إلى سليم.
"فريدة يا سليم، تقريباً كده حد قال لها علشان شكلها منهارة."
انتفض قلبه العاشق عند ذكر اسمها رغم عنه، ولكنه تحامل على حاله ولم يتحرك له ساكن وتحدث بنبرة هادئة ومازال على وضعيته.
"كمل طريقك يا علي."
نظر له علي وتحدث معترضاً.
"طريق أيه اللي هكمله يا سليم، بقولك البنت منهارة وجاية علشان تشوفك، خلاص بقا يا سليم، بطل عناد ومكابرة."
جز على أسنانه ونطق بغيظ وهو يمسك بمقبض باب السيارة استعداداً لفتحه.
"لو ما اتحركتش حالاً ومشيت هنزل وهاخد تاكسي يوصلني مكان ما أنا عاوز."
أشار بيده سريعاً وأردف قائلاً.
"خلاص خلاص إهدي."
وتحرك بسيارته من جديد.
ألقى رأسه للخلف مجدداً وتحدث بنبرة هادئة.
"اركن عند أي فرع اتصالات واشتري لي خط علشان نتواصل منه لأني هقفل خطي، ومش عاوز مخلوق يعرفه حتى أبويا نفسه، واحجز لنا تذاكر الطيران وحدد ميعاد السفر بعد أسبوع بالظبط، ودلوقت وديني لأي أوتيل بعيد عن دوشة المدينة، مش عاوز مخلوق يعرف مكاني يا علي، مفهوم؟"
"ليه ده كله يا سليم،" نطق بها علي باستغراب.
وأكمل مفسراً.
"أمك وندمت وقلبها كان بيتقطع وهتموت عليك النهاردة، وفريدة أول ما عرفت حالتك جت تجري منهارة، يعني خلاص."
أردف قائلاً بحده بالغة.
"وأنا مش عاوز شفقة من حد فيهم ومش هشحت حنيتهم عليا يا علي."
وأكمل بصياح عال.
"كل واحدة فيهم فكرت في راحتها وكبريائها بمنتهى الأنانية ويولع سليم، مفيش واحدة فيهم فكرت في سليم وإحساس سليم وكبرياء ورجولة سليم اللي اتهرست تحت رجليهم، وأكمل بصوت ضعيف متألم. يسبوني في حالي بقا ويبتدوا يحصدوا نتيجة أفعالهم من غير عويل."
وأكمل بحده وعناد.
"ومن النهاردة خلاص، مبقتش محتاج لوجودهم في حياتي وقلبي هدوس عليه وأفصصه بجزمتي ولا إنه يشتاق لوجود واحدة منهم تاني."
كان يستمع بقلب يئن لأجل صديقه المذبوح الذي يرقص على أنغام وتر أوجاعه المميتة التي باتت تلازم روحه.
***
أما فريدة التي لم تلاحظ مرور سيارة علي لدموعها الغزيرة وتشتت عقلها، تخطتها ووصلت إلى مقر المشفي. ترجلت سريعاً وداخل قلبها نار حارقة، تريد الاطمئنان على مالك كيانها، تريد النظر إليه والتمعن بملامحه وبجسده بالكامل كي تطمئن روحها الهرمة على خليلها.
نظرت أمامها وجدت الجميع يصطفون ويذرفون الدموع ألماً.
تقدمت بقدميها المرتعشتان ووجهت حديثها إلى قاسم.
"سليم فين يا عمو، أنا عاوزة أشوفه وأطمن عليه."
رمقه بنظرات نارية ووجه حديثه إليها بحدة.
"وصلتي متأخر أوي يا باشمهندسة، سليم ساب المستشفى ومشي علشان مش عاوز يشوف حد فيكم."
ثم تبادل النظر بينها وبين أمال وتحدث بنبرة جامدة.
"ذنب ابني في رقبتكم إنتوا الاتنين، واحمدوا ربنا إنه قام بالسلامة، لإن لو لا قدر الله حصل له حاجة مكنتش ولا واحدة منكم هتسلم من انتقامي وأذايا."
قال كلماته الحادة وتحرك إلى سيارته واستقلها ورحل.
أما تلك الباكية التي أخذت نفس عميق ثم نظرت إلى السماء وتحدثت إلى الله بدموع منهمرة.
"الحمد لله، الحمد لله."
كانت تنظر لها ولدموعها المنهمرة، تنفست بصوت عال وحزن داخلها على تدخلها وإفساد حياة فلذة كبدها وإبعاده عن تلك الحبيبة الوفية، التي بوجودها كان سيختلف وضع صغيرها الكلي.
تحركت إليها أسما واحتضنتها برعاية وطمأنتها قائلة.
"متقلقيش يا فريدة سليم كويس، هو بس غضبان ومحتاج يقعد مع نفسه شوية وإن شاء الله هيهدي ويبقا أحسن."
هزت رأسها بإيماء وتحدثت برجاء.
"ابقي طمنيني عليه يا أسما من فضلك، وأنا هكلمه وأطمن عليه بنفسي."
أتت إليها ريم واحتضنتها وبكت كلاهما بشدة من قلبيهما على حبيبهما الغالي وما وصل إليه.
وبعد قليل اصطحبت فريدة أسما وأوصلتها بطريقها وذهبت ريم بصحبة والدتها عائدين إلى المنزل بقلوب متألمة.
***
ليلاً
داخل غرفة مراد
يقف بشرفته يتحدث معها عبر الهاتف متسائلاً باهتمام وتأثر.
"وسليم فين دلوقتي؟"
كانت تقبع فوق تختها محتضنة ساقيها برعاية ودموعها تنهمر فوق وجنتيها وأجابته.
"معرفش يا مراد، محدش يعرف مكانه غير علي اللي طمنا عليه وقال إنه مسبهوش غير لما أكل وأخذ أدويته، وطبعاً مرديش يقول لنا على مكانه وده على حسب طلب سليم منه، وأكملت بصوت ضعيف باكي أشعل نيرانه لأجلها. هموت عشانة يا مراد، نفسي أشوفه وأطمن عليه."
أجابها بنبرة حنون امتصت حزنها.
"طب ممكن يا حبيبي تهدي، أنا مش قادر أسمعك بدموعك دي يا ريم."
وأكمل بثقة.
"اهدي وإديني ساعة واحدة بس وأنا هعرف لك مكانه وبكرة هنزوره أنا وإنتِ."
اتسعت عيناها بسعادة وتساءلت من بين شهقاتها بلهفة.
"بجد يا مراد، يعني إنت ممكن تعرف مكانه بجد؟"
ابتسم لسعادة صوتها وأردف قائلاً بدعابة قاصداً إخراجها من حالتها وسحبها لعالمه.
"شكلك كده متعرفيش قدرات جوزك المنتظر وكده غلط كبير في حقي، إحنا لازم نقرب من بعض أكتر علشان ما تتصدميش بعد كده."
اشتعلت وجنتيها بالسخونة واكتست بلون حبات التفاح الناضجة وشعرت بروحها تهيم في جنة عشقه.
فقد استطاع بحرفية عالية إخراجها من حالة حزنها وسحبها داخل عالمه، عالم عشق مراد الحسيني.
ضل يتحدثان ويغمرها هو بكلمات عشقه الصادق التي أذابت قلبها البريء وغمرته بالسعادة.
بعد مدة، نزل الدرج وجد والداه يجلسان في بهو الفيلا الواسعة يتسامران بهدوء وتفاهم.
اقترب عليهما وأردف قائلاً بوجه سعيد.
"عندي ليكم خبر حلو أوي."
ترقبا والداه حديثه باهتمام وأسترسل وهو يتوسطهما بالجلوس على الأريكة.
"أنا قررت أتجوز."
نزلت تلك الكلمات البسيطة وكأنها ترياق الحياة لقلب تلك الأم الحنون. اتسعت حدقة عيناها ووضعت يدها فوق وجنتيه بحنان وتساءلت بترقب.
"إنتَ بتتكلم جد يا مراد؟"
"أخيراً هتفرح قلبي."
هز رأسه بابتسامة سعيدة فأردف والده قائلاً بتوجس.
"وياتري إختارت العروسة ولا لسه؟"
أجاب والده باحترام.
"أكيد إخترتها يا بابا، معقول هاجي أبلغكم من غير ما أكون محدد وعارف أنا عاوز أيه."
تصنم قاسم وتبادلا نظرات الرعب بينه وبين هناء ثم تحدث.
"مين هي العروسة يا مراد؟"
أجابه بابتسامة ونبرة تفاخر.
"دكتورة ريم الدمنهوري."
نظر له والده وتساءلت هناء بترقب ووجه شاحب خشية رفض الفتاة لوالدها.
"بس دي مخطوبة يا ابني؟"
قهقه عالياً وتساءل.
"وهو ده بقا السبب اللي مخليكم تبصوا لبعض النظرات المريبة دي؟ ده أنا اتخضيت وقولت لنفسي أيه اللي حصل لنظراتكم دي كلها."
وأكمل مفسراً.
"اطمنوا، ريم فركشت خطوبتها يوم فرح سليم،" وبدأ يقص عليهما ندالة حسام مع صديقه ولكنه احتفظ بسر أمال لحاله، وذلك بناءً على طلب ريم كي لا ينظرا والدا مراد إلى والدتها نظرة دونية. وأحترم مراد رغبتها وأنساق إليها.
انتهى مراد من سرد التفاصيل وتحدث صادق بابتسامة سعيدة.
"ألف مبروك يا مراد، إن شاء الله أول ما يطمنوا على ابنهم هكلم قاسم الدمنهوري وأخد منه ميعاد ونروح نخطبها."
أردفت هناء قائلة باعتراض وهي تنظر لصغيرها.
"خطوبة أيه بس يا صادق، هو إحنا لسه هنتكلم في خطوبة، أنا عاوزة أفرح بابني وأشوف عياله وأخدهم في حضني."
ابتسم بسعادة وأخذ والدته داخل أحضانه برعاية وتحدث.
"ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي وتشوفي أولادي وتربيهم لي وتجوزيهم بأديكي كمان."
***
داخل منزل غادة
كانت تجلس بصحبة ولداها وتحدثت إلى نجلها محمد الذي أتى من جامعته الموجودة بأسيوط ليلة أمس.
فتحدثت هي بسعادة.
"اديني يا سيدي عملت لك كل الأكل اللي طلبته، يارب بس تاكل."
ابتسم لها محمد وتحدث بامتنان.
"ربنا يخليكي ليا يا ماما."
فأردف تميم قائلاً بمشاكسة.
"يعني حضرتك عامله الأكل ده كله علشان الأستاذ محمد وتميم لا."
ابتسمت وأجابته بدعابة.
"لا طبعاً، أنا عاملة كل ده علشان تميم باشا،" وأكملت وهي تقف.
"هقوم أجهز لكم السفرة."
صاح الشابان باعتراض بنفس واحد.
"لا يا ماما استني شوية."
نظرت لهما ببلاهة وتساءلت باستغراب.
"هستنى ليه، ده ميعاد الغدا عدا عليه نص ساعة."
لم تكمل جملتها حتى استمعوا جرس الباب، تسابق الشابان لفتح الباب مع استغراب غادة التي انتفضت وهبت صارخة بسعادة وهي ترى زوجها الحبيب يقف أمامها بابتسامته الخلابة التي تأسر قلبها وتسعده.
"خاااااالد."
جرت عليه صارخة بسعادة.
اقترب عليها مسرعاً وأخذها داخل أحضانه وبدأ يدور بها بسعادة متحدثاً من بين أحضانها.
"وحشتيني يا غادة وحشتيني."
خرجت من بين أحضانه ووضعت كفي راحتيها تتلمس وجنتاه غير مصدقة لما تراه عيناها وتحدثت بسعادة.
"أيه المفاجأة الحلوة دي؟"
ابتسم لها بسعادة وقبل راحة يدها وتحدث.
"مش أنا قلت لك قبل كده اصبري وهتلاقيني في يوم واقف قدامك وعامل لك مفاجأة."
تحدث محمد بابتسامة.
"مفاجأة لحضرتك بس يا ماما."
نظرت لنجليها متسائلة بابتسامة.
"كنتوا عارفين، صح؟"
أجابها تميم.
"بابا قال لنا منقولكيش علشان حابب يعملها لك مفاجأة."
نظرت لزوجها بحنان وتحدثت بعيون مشتاقة.
"أحلى مفاجأة في عمري كله يا خالد."
تنفس عالياً وأردف قائلاً.
"وهتفرحي أكتر لما تعرفي إني مش هسافر تاني."
تساءلت بلهفة.
"بجد يا خالد؟"
أجابها بعيون سعيدة لأجل سعادتها.
"بجد يا غادة."
وقف ينظران بهيام أخرجهما من حالتهما صوت تميم المزعج.
"هو إحنا مش هنتغدا ولا أيه؟"
فاقت غادة على صوت نجلها وتحدثت أثناء هرولتها إلى المطبخ.
"حالاً هرص الاكل، اغسل إيدك يا خالد علشان هتاكل أكلاتك المفضلة اللي غششتها لولادك من ورايا طبعاً."
ضحك الجميع وأجهزت غادة سفرتها المليئة بكل ما لذ وطاب وجلست بصحبة عائلتها يتناولون غداءهم بعيون متشوقة وقلوب تتراقص فرحاً لعودة سندهم إلى دياره سالم غانم.
***
أما حازم، الذي قد أبلغ بسمة بأسفه البالغ وعدم قدرته على الوفاء بالوعد الذي قطعه على نفسه وذلك بعدما أخبرها بما حدث، وقد عذرته بسمة وتمنت له الخير.
وتركا كلاهما قلبه مع الآخر ورحل.
دلف إلى شقته ليلاً وجد السكون يعم أرجائه.
دلف لغرفة أطفاله وجدهما يخلدان في ثبات عميق، قبلهما وأحكم عليهما الغطاء وتوجه إلى غرفته بقلب مهموم.
خطى برجله للداخل ولكنه تسمر بوقفته ينظر إلى تلك الجميلة التي تقف بانتظاره ترتدي ثوب نوم مثيراً للغاية، أما شعرها الطويل الذي يشبه الليل بسواده فقد أطلقت له العنان لينسدل خلف ظهرها بمظهر أثار ذلك المتسمر بوقفته.
تحركت إليه وأمسكت يده لتسحبه للداخل، انساق معها مستغرباً حالتها، توقفت به بمنتصف الغرفة بجانب تلك المنضدة.
نظر حازم إلى تلك الشموع وتلك الحلوى المفضلة لديه التي أحضرتها له بمساعدة سميحة، والفاكهة والمشروب.
وتحدثت هي بنعومة ولأول مرة يراها منها ذلك المحروم.
"أنا جهزت لك البسبوسة اللي بتحبها، عملتهالك بإيديا بتوجيهات ماما سميحة."
نظر لها مضيقاً عيناه وتساءل متعجباً.
"ماما سميحة؟"
أجابته بنعومة حديثة الولادة بالنسبة له.
"أيوة يا حازم، من النهارده مامك هي مامتي، وبابا حسن هيبقا أبويا."
وأكملت بنبرة صادقة.
"أنا خلاص يا حازم، فقت من غفلتي والفضل يرجع للقلم اللي إنتَ اديته لي، من النهارده مش هعمل إلا اللي يرضيك، وهعيش عشانك إنتَ وولادي وبس، أنا أسفة يا حازم، أنا كنت ماشية ورا شيطاني وساخطة على كل الناس اللي ظروفهم أحسن مني ومغمضة عنيا عن كل حاجة حلوة في حياتي،" وأكملت بنبرة حزينة.
"وأكتر حاجة قهرتني بجد، لما فوقت وسألت نفسي أنا إزاي مكنتش شايفة نعم ربنا الكتير عليا دي كلها، إزاي قدرت أغفل عنك وعن ولادي بالطريقة دي."
وضعت يدها فوق صدره وتحدثت بنبرة ناعمة أنثوية مهلكة لذلك المحروم.
"أنا بحبك أوي يا حازم، والله بحبك أوي."
وأمسكت الشوكة وغرستها بقطعة من الحلوى ورفعتها لمستوى فمه، التقطها بفمه وابتلع لعابه السائل من هيئتها المتفجرة الأنوثة، سحبته هي من يده متجهة إلى تختها بدعوة صريحة منها لإغراقه داخل شهد عسلها.
انساق مشاعره تجاهها وقرر الاندماج داخل أحضانها لبدأ حياة جديدة معها وإعطائها وحاله فرصة لإحياء قلبيهما والتقرب لبعضهما البعض.
***
في اليوم التالي
كان يجلس في غرفته ممدداً على تختهِ ناظراً لسقف غرفتهِ. استمع إلى رنين الهاتف الخاص بالغرفة، مد يده بجانبه ورفع سماعة الهاتف وأجاب بهدوء.
"ألو."
استمع لصوت موظفة الاستقبال.
"أنا آسفة للإزعاج يا أفندم، بس فيه آنسة موجودة قدامي وطالبة تقابلك وبتقول إنها أخت حضرتك وإسمها ريم الدمنهوري."
تنفس بهدوء وأجابها باقتضاب.
"تمام، أنا نازل لها حالاً."
زفر بضيق لعدم قدرته النفسية لرؤية أحدهم، هو الآن يريد العزلة، يريد الابتعاد عن الجميع وفقط.
ارتدى ثيابه وبخلال دقائق كان يخرج من المصعد. نظر للأمام وجد شقيقته تجلس بجانب أحدهم ويبدو عليهما الانسجام. عقد حاجبيه مستغرباً واتجه إلى مجلسهما.
وقفت سريعاً واقترب عليها سليم، ارتمت داخل أحضانه تحت شعور مراد بالغيرة، فكم تمنى أن يحظى هو بذلك الحضن الدافئ.
احتضنها سليم برعاية وتساءلت وهي تتطلع إليه متلهفة.
"عامل أيه يا سليم؟"
طمئنها وهو ينظر باستغراب لذلك الواقف أمامه.
"الحمد لله، علي هو اللي قالك على مكاني؟"
أجابته بارتباك وهي تترقب نظراته المتفحصة لمراد.
"لا يا سليم، دكتور مراد هو..."
لم تكمل جملتها حين اقترب عليه مراد بهيئة رجولية وتحدث ماداً يده بتعريف عن حاله.
"مراد صادق الحسيني، أظن سمعت عني."
مد سليم يده مصافحاً إياه وأردف قائلاً باحترام.
"غني عن التعريف يا دكتور، أنا اتعاملت مع والد حضرتك لكن ما حصليش الشرف بمقابلتك."
ابتسم مراد وتحدث.
"ده لأن دكتور صادق هو المسؤول عن الجانب المالي للشركة، وأنا بدير الجانب الإداري."
أشار سليم إليهما في دعوة منه للجلوس. جلسوا جميعاً وتحدث مراد بنبرة جادة.
"طبعاً حضرتك بتسأل نفسك أنا بصفتي أيه جاي مع ريم!"
وأكمل بنبرة جادة.
"أنا هجاوبك لأن مليش في اللف والدوران،" ونظر له بجدية وتحدث برجولة.
"أنا جاي أطلب منك إيد ريم وأتمنى تقف معايا وأنا بطلبها من والدك."
عقد حاجبيه باستغراب ونظر إلى شقيقته التي كست حمرة الخجل وجنتيها. بادلته النظر وابتسامة رقيقة زينة ثغرها الجميل.
ابتسم لها سليم وأمسك كف يدها وتساءل بحنان.
"أيه رأيك يا عروسة؟"
أحالت بصرها عنه وابتسمت خجلاً تحت سعادة مراد فتحدث سليم.
"ألف مبروك يا دكتور، خلي بالك من ريم، ولازم تكون عارف إنك هتاخد جوهرة نادرة، أرجوك حافظ عليها كويس."
ابتسم له مراد ونظر إلى ريم وتحدث بعيون هائمة لم يستطع التحكم بها.
"ريم هشيلها جوة عيوني، وإطمن يا باشمهندس، أنا عارف قيمتها كويس أوي."
وأخذ نفس عميق وتحدث باهتمام.
"طب موضوعي أنا وريم خلصنا منه، ندخل بقا على موضوعك إنتَ والباشمهندسة فريدة، أنا بصراحة حزين عشانكم وحابب أتدخل وأقرب وجهات النظر وأحاول أصلح بينكم."
اقشعرّت ملامح سليم وتحدث بنبرة باردة.
"أرجوك يا دكتور، الموضوع حالياً ميتحملش أي نقاش، أنا وفريدة يعتبر في فترة نقاهة ومحتاجين نرتب أفكارنا أكتر."
وأكمل مبتسماً.
"يمكن لما تعدي فترة من الوقت ونهدي، نرجع من غير أي ضغوط نفسية."
ابتسمت ريم وتساءلت.
"يعني إنتَ هترجع تاني لفريدة يا سليم؟"
ابتسم لشقيقته وتحدث.
"اللي عاوزة ربنا هيكون يا ريم،" وتنفس عالياً وتحدث.
"المهم، خلونا فيكم، أنا مسافر بعد يومين وعاوز أطمن على ريم قبل ما أسافر."
اندفع مراد قائلاً.
"وأنا مستعد أطمنك خالص ونكتب الكتاب قبل ما تسافر والفرح وقت ما يحدده قاسم بيه."
خجلت ريم من ذلك المتسرع وابتسم سليم بارتياح حينما رأى لهفة ذلك العاشق لشقيقته الغالية وتحدث.
"كتب كتاب مرة واحدة، إهدي يا دكتور الأمور مبتتاخدش بالسرعة دي."
أجابه مراد بنبرة ودودة.
"أولاً كده خلينا نشيل الألقاب علشان أنا ارتحت لك وخلاص، من اللحظة دي اعتبرتك صديقي المقرب."
ابتسم له سليم وتحدث بصدق.
"هتصدقني لو قولت لك إن أنا كمان ارتحت لك جداً."
ضحك مراد بسعادة وأكمل.
"تمام، كده يبقا متفقين،" استرسل مراد حديثه بحكمة وعقل اكتسبهم من عمله.
"اسمعني كويس يا سليم وخليني أكلمك بصراحة، من الآخر كده أنا خايف على ريم من اللي اسمه حسام الشافعي، وبصراحة أكتر هو اتجرأ وجالها عندي قدام الشركة."
نظر سليم سريعاً بريبة إلى شقيقته، فأكمل مراد بطمأنينة.
"متقلقش يا سليم، أنا اديته تمامه واللي يستحقه وأظن إنه شاف مني اللي يخليه يفكر ألف مرة من إنه يكررها، لكن علشان أكون مطمن أكتر لازم ريم تبقي مراتي ومسؤلة مني في أقرب وقت، وبعد ست شهور تكون ريم اتخرجت."
وهنا حول بصره لتلك الخجولة وأكمل.
"وأعملها أحلى وأكبر فرح اتعمل في مصر كلها."
هز سليم رأسه بموافقة وأردف قائلاً.
"كلامك مظبوط، بس أنا ليا شرط."
عقد مراد حاجبيه وانتظر باقي الحديث فأسترسل سليم قائلاً بحديث ذات مغزى ومعنى.
"كتب الكتاب يفضل كتب كتاب وبس، أكيد فاهمني يا مراد!"
انتفض داخل تلك الجالسة خجلاً من تلميحات شقيقها وأكمل سليم.
"وإن شاء الله بعد التخرج نتمم الجوازة."
تحدث مراد بنبرة رجولية تنم عن أصله الطيب وتربيته الحسنة.
"عيب يا سليم، الكلام ده ما يتقلش لمراد الحسيني، أنا راجل متربي وأفهم في الأصول كويس أوي، وعارف إني داخل بيت رجاله وواخد بنت متربية كويس، وأكيد مش هقبل على مراتي ولا على رجولتي نتحط في موقف زي ده."
ابتسم له سليم وحول بصره لشقيقته واحتضنها مقبلاً جبهتها تحت سعادة قلبها الذي يكاد يتوقف فرحاً.
وأكمل.
"خلاص، خلي دكتور صادق يكلم بابا إنهاردة علشان تشرفونا بكرة بالليل إن شاء الله."
تراقص قلبي العاشقين وتبادلا نظرات الهيام تحت نظرات ذلك المسكين، التي استوطنت داخله جراح الروح.
***
كانت تجلس بغرفتها وحيدة بعد أن أصبحت منبوذة من الجميع، تبكي كعادتها، فمنذ ذلك اليوم ولن تجف دموعها.
استمعت إلى طرقات فوق الباب، جففت دموعها سريعاً بكبرياء وسمحت للطارق بالدلوف. توجهت ريم وجلست بجانبها وتحدثت بصوت هادئ.
"أنا شفت سليم النهارده."
انتفضت بجلستها وتساءلت بلهفة.
"شفتيه فين يا ريم؟ طب هو كويس وصحته كويسة؟"
وأكملت بدموع تقطع نياط القلب.
"قولي لي على مكانه وأنا أروح له وأبوس إيده وأترجاه يرجع البيت تاني."
ربتت ريم على يد والدتها وتحدثت بدموع.
"وكان ليه كل اللي حصل ده من الأول ده يا ماما، سليم مكنش يستاهل منك كده أبداً."
بكت أمال وأجابت ابنتها بنبرة نادمة.
"شيطاني عما ني يا ريم وكنت فاكرة إني بعمل كده لمصلحته، أوعي يا بنتي تكوني فاكرة إني تعمدت أذيته، أنا قولت هينساها ويكمل حياته مع اللي يستاهله بجد."
قاطعتها ريم بحدة.
"ومين قال لحضرتك إن فريدة ماتستاهلهوش؟"
جففت دموعها وأردفت بهدوء.
"خلاص يا ريم، أنا مبقاش عندي مانع إنه يتجوزها، ولو عاوزني أروح أعتذر لها هي وأهلها في مقابل إنه يرجع لحضني ولبيته تاني أنا موافقة."
أجابتها ريم بنبرة لائمة.
"بعد أيه يا ماما، سليم وفريدة اتدمروا وخرجوا من اليوم ده بأسوأ ذكرى مرت في حياتهم، واللي أكيد عمرهم ما هينسوها."
أنزلت أمال بصرها خجلاً فأكملت ريم بنبرة خجلة.
"ماما، بابا بيبلغك إن فيه ضيوف جايين لنا بكرة وعاوزك تخرجي وتتابعي مع الشغالين وتحضري كويس للزيارة."
ضيقت عيناها باستغراب وتساءلت وهي تجفف دموعها.
"ضيوف مين دول؟"
ابتسمت ريم وقصت على والدتها ما حدث.
ابتسمت أمال بسعادة وتحدثت بغرور كعادتها.
"أيوة كده يا ريم، أهي هي دي الجوازة اللي طول عمري كنت بتمناهالك، جوازة تشرف ونسب يضيف لنا، ده غير المستوى المادي والنقلة الكبيرة اللي هتتنقلي لها."
كانت تنظر إليها بقلب حزين وتحدثت بنبرة معترضة.
"بس أنا حبيت مراد وده السبب الوحيد اللي خلاني وافقت عليه يا ماما، مش المستوى المادي."
***
مساء اليوم التالي
داخل منزل قاسم الدمنهوري
دلف سليم للداخل، قابله قاسم واحتضنه بحنان، واحتضن ريم أيضاً، ثم نظر بجانب عيناه لتلك الواقفة تنظر إليه متلهفة سلامته ونظرت عيناه فتحدثت بنبرة صوت مر تجفة.
"إزيك يا سليم."
تجاهل سؤالها وتخطاها وجلس بجانب والده متجاهلين وجودها بالمرة وبدأوا بالتسامر.
نظرت ريم إلى والدتها بقلب ينزف دم على حالها وما أوت إليه بفعل يداها.
بعد قليل أتت عائلة صادق محملين بالهدايا الثمينة والورود، قابلهم قاسم وأمال وسليم بحفاوة هائلة.
وجلس الجميع وبعد مدة من الوقت اتفقت العائلتان على كل شيء.
وطلت عليهم ريم التي أبهرت الجميع بطلتها البهية.
وقف ذلك العاشق وتحدث إلى والدته وهو يشير إلى ريم بعيونه الذائبة عشقاً بتلك الجميلة.
"ريم يا ماما."
نظرت إليها هناء بانبهار لجمالها وجمال روحها وحجابها المنمق وملابسها المحتشمة حتى أنها شككت في أن تكون تلك الملاك ابنة تلك المتعالية أمال.
احتضنتها هناء بسعادة قائلة.
"بسم الله ماشاء الله، زي القمر يا حبيبتي."
ثم نظرت إلى مراد وأردفت بحنان.
"يسلم ذوقك يا مراد، ربنا يتمم لك بخير يا حبيبي."
ونظرت إلى تلك الواقفة تتطلع إليهم بوجه مرتفع ورأس شامخة وتحدثت برجاء.
"محدش هنا بيعرف يزغرط يا مدام أمال، نفسي أسمع زغروطة تفرح قلبي."
أجابتها بغرور.
"للأسف يا هناء هانم، محدش هنا بيعرف."
قطع حديثها قاسم الذي صاح بصوته.
"رقية، يا رقية."
جاءت رقيه على عجل وتساءلت باحترام.
"أفندم يا قاسم بيه؟"
نظر قاسم إلى هناء باحترام وأردف قائلاً.
"هناء هانم حابة تسمع زغروطة حلوة."
ابتسمت رقيه تحت استشاطت تلك المغرورة التي تنظر بكبرياء إلى تلك العادات الجميلة وتعتبرها عادات لا ترقي بمستواها الحالي.
تحدثت رقيه بسعادة.
"إنتِ تؤمري يا هانم."
وأطلقت رقيه الزغاريط واحدة تلو الأخرى تحت انتعاش قلب هناء وسعادتها التي تخطت عنان السماء فرحاً بصغيرها التي كانت قد فقدت الأمل بأن يتزوج ويكمل حياته كباقي البشر.
أخرجت هناء من حقيبتها علبة كبيرة وفتحتها وإذ بها طقم من الألماس الحر نادر الصنع.
ووجهته لولدها وبدأ مراد بوضع أول حجر في بناء أساس رباطه الشرعي ليعلن للجميع عن ملكيته الخاصة لتلك الجميلة نادرة الوجود.
وضع الخاتم داخل إصبع يدها ثم رفعها وقربها من فمه ووضع قبلة أذابت كلاهما تحت ارتعاش جسدها بالكامل، التقت العيون وانتفضت القلوب عشقاً.
تحرك سليم ليفض ذلك الاشتباك الذي استشاط ناره ونار قاسم ولكنه عذر قلب ذلك العاشق الهائم.
سحب يد شقيقته الرقيقة من قبضة ذلك المراد وأدخلها داخل أحضانه مباركاً لها وتحدث.
"ألف مبروك يا حبيبتي."
ثم اقترب علي مراد واحتضنه هامساً بقرب أذنه.
"ما تهدي شوية يا عمنا، لا وزعلان مني أوي وأنا بقولك كتب الكتاب يفضل كتب كتاب."
ابتسم مراد وهمس هو الآخر.
"استر على أخوك وألتمس العذر لقلبه العاشق."
ابتعد إثنينهم وتحدث صادق إلى ريم.
"ألف مبروك يا دكتورة، أنا كده خلاص بقيت مطمئن على الشركة في وجودك مع مراد."
ابتسم مراد وأردف قائلاً بمرح جديداً على شخصيته.
"طب مش تطمن على مراد الأول يا دكتور؟"
ابتسم صادق وأردف قائلاً بحديث ذات مغزى.
"مراد عارف مراده ومقصده وما يتخافش عليه، إنما الشركة هي اللي بقا يتخاف عليها من بعد انشغالك عنها يا دكتور."
ضحك الجميع بسعادة وأنقضى اليوم وغادر سليم مباشرةً بعد مغادرة عائلة صادق كي لا يعطي لوالدته فرصة للحديث من جديد، ولا يعطي لحاله فرصة للرضوخ لها.
***
قبل سفر سليم بليلة واحدة
كانت تجلس بغرفتها حزينة شاردة بعدما علمت من أسما أن ميعاد إقلاع طائرتهم غداً. وتجاورها نهلة التي تحدثت بنبرة ملامة.
"كلميه يا فريدة وقولي له إنك مسامحاه ومستنياه."
تحدثت بهدوء عكس نارها المشتعلة داخلها.
"خلاص يا نهلة مبقاش ينفع، أنا وسليم حكايتنا خلاص انتهت، يمكن يكون اللي حصل ده خير لينا."
وأكملت بهدوء.
"أنا بعت له رسالة لما لقيت تلفونه مقفول، لو كان لسه عاوزني أكيد كان هيكلمني."
تنهدت نهلة لحال شقيقتها وأردفت.
"طب ما تروحي له الأوتيل اللي نازل فيه."
"وكرامتي يا نهلة؟" صاحت بها فريدة بكبرياء.
وأكملت بنبرة حزينة.
"وبعدين هو غير مكان الأوتيل وقفل تليفونه، هحتاج أيه أكتر من كده يثبت لي إنه خلاص نسيني وخرجني من حساباته."
***
يوم الرحيل!!!
"يوم الرحيل، يفضل لي أيه بعدك، يا غربتي في بعدك."
كانت تقف بسيارة نجوى التي استعارتها منها كي لا يتعرف إليها أحد، إصطفت بالسيارة في الطريق المقابل للمطار لتكون بعيداً عن الأبصار.
لمحت سيارة قاسم التي توقفت أمام المطار، نزلت منها ريم وتلتها أسما التي باتت تتلفت حولها متأملة وصول فريدة بعدما أبلغتها بميعاد سفرهم.
ثم وقفت سيارة مراد التي تعرفت إليه فريدة وتذكرته في التو.
وترجل علي من السيارة وبدأ هو ومراد بتنزيل الحقائب معاً.
وأخيراً نزل سليم.
آتت وما أن رأته تلك العاشقة حتى انتفض داخلها معلناً عليها العصيان، انفطر قلبها ونزلت دموعها الحارة لتعلن عن عدم قدرتها تحمل ابتعاده عن أحضانها. صرخ قلبها معنفا إياها وطالبها بالإسراع إليه والارتماء داخل أحضانه ومنعه من الابتعاد. هي تريده، تريد حبيبها بجانبها، ستفقد صوابها عند الابتعاد.
ولكن، ألا لعنة الله على الكبرياء الذي حطم كيانها ودمر كيانه.
احتضن سليم والده وهو يترقب المكان ويمشطه بعيناه تأملاً بحضورها. أقسم داخله لو أتت سيلغي سفره ويأخذها لأقرب مكتب مأذون شرعي ويعقد عليها قرانه في التو واللحظة، ليأخذها وينطلقا بعيداً عن عيون البشر وتدخلاتهم البغيضة وليسبح معها داخل بحر عشقهما المميز.
ولكنها كالعادة خذلته وأشعرته بخيبة أمل ليست جديدة عليه.
ودع شقيقته تحت دموعها الغزيرة ودلف لداخل المطار بجانب علي وأسما.
وهنااااا، صرخ داخلها متحدثاً.
"سليييييم، عٌد يا رجل، لا ترحل، حباً في الله لا ترحل، تراجع يا رجل، سأفقد روحي في التو عند الرحيل، أرجوك حبيبي فلتعد، عد إلى أحضاني وأقسم بربي لم أمانع تلك المرة، عد حبيبي وأعقد قرانك بي وسأوهبك حالي في التو واللحظة، سينتهي عليّ الاشتياق يا فتى، أين ضميرك سليم، أطاوعك قلبك على تركي بهذه السهولة، أبتلك البساطة هنتُ عليك حبيبي، لا سليم، لا تفعلها أرجوك."
شهقت بصوت عال وقلب نازف يصرخ متألماً، غاب عن عيناها ودلف للداخل. شعرت بأن روحها قد فارقتها للتو، وضعت يدها فوق صدرها وأغمضت عيناها وبكت بمرارة، مرارة ملأت حلقها لتخبرها عن طعم أيامها القادمة.
أما هو فقد استقل الطائرة وجلس بمقعده محطم الآمال، عائداً خالي الوفاض كما أتى.
***
بعد مرور ثلاثة أشهر!!!
كانت تتحرك برواق الشركة بخطوات واثقة متجهة إلى المصعد، ومنه تحركت إلى مكتبها وجلست فوق مقعدها بهدوء. فتحت جهاز الحاسوب لديها، وجدت رسالة نصية من الشركة الألمانية، تطالبها بالسفر العاجل لأجل اجتماع هام يخص مستشاري الشركة ولابد من الحضور الفوري.
انتفض داخلها فرحاً من فكرة رؤيته من جديد، فرصة انتظرتها وباتت تحلم بها طيلة الفترة المنصرمة، وها هي أتتها فرصتها، نعم كانت تنتظر تلك الفرصة ليجمعهما مكان ولتسنح لهما فرصة للحديث وشرح كلاهما موقفه للآخر، وذلك بعدما هدأت النفوس ووضحت الرؤية.
تحركت إلى مكتب فايز وأخبرته والذي وافق على الفور، وبدورها اتصلت بإحدى شركات الطيران وحددت السفر بعد يومان، يومان فقط وسترى سارق قلبها وخاطف أنفاسها مرة أخرى!!!
تُرى ما الذي سيحدث داخل ألمانيا لتلك القلوب التي أذابها الهوى وأشعلها؟
رواية جراح الروح الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم روز امين
فتحت عايدة باب غرفة ابنتها لتحثها على التعجل كي لا تتأخر على موعد طائرتها. وجدتها جالسة فوق سجادة صلاتها تختم أذكار ما بعد الصلاة.
تحدثت عايدة بنبرة صوت متأثرة من فكرة ابتعاد غاليتها عنها.
"حرمً يا حبيبتي."
نظرت إليها فريدة وأردفت قائلة بنبرة قلقة متوترة.
"جمعاً إن شاء الله يا ماما."
وقفت وهندمت ثيابها وعدلت من حجابها وتحركت للخارج بصحبة والدتها. وجدت فؤاد وعبدالله ونهلة وأسامة ينتظرونها بوجوه حزينة متأثرة من فكرة سفر تلك الجميلة وابتعادها عنهم ولأول مرة.
احتضنها والدها وتحدث بحنان.
"خلي بالك من نفسك يا فريدة، وأول ما توصلي تتصلي عليا وتطمنيني."
ونظر لها وتحدث ليبث داخل روحها الاطمئنان.
"فريدة، أنا مخلف بنت بـ 100 راجل، هتاخد بالها من نفسها كويس أوي وهترجع لي بألف سلامة."
ارتمت داخل أحضانه الحانية وتحدثت.
"متقلقش عليا يا عم فؤاد."
وخرجت من أحضانه وأكملت بحنان.
"خلي بالك من صحتك يا حبيبي!"
واحتضنت أسامة الذي تحدث بطفولة.
"أوعي تنسي اللاب توب بتاعي يا فريدة!"
ابتسمت له وأجابت.
"مش هنسى يا أستاذ، بس ياريت تذاكر وتخلي بالك من نفسك ومتتعبش بابا وماما معاك."
حولت بصرها إلى والدتها وجدتها تبكي، فأبتسمت لتخفف عنها وتحدثت.
"ممكن بقا أعرف حضرتك بتعيطي ليه، دول كلهم خمس أيام وهرجع لك على طول."
هزت عايدة رأسها وأجابت.
"إن شاء الله يا حبيبتي، خلي بالك من نفسك يا بنتي!"
تحدث عبدالله.
"يلا يا فريدة كده هتتأخري."
ابتسمت له وذهبت بصحبته هو ونهلة وأسامة إلى المطار. وبعد مدة وصلت وودعتهم تحت دموع نهلة التي تحدثت بنبرة متأثرة.
"هتوحشيني أوي، خلي بالك على نفسك!"
هزت لها رأسها بدموع وتحركت للداخل تحت أنظارهم.
واستقلت الطائرة متجهة إلى حيث تواجد الحبيب.
بعد مرور حوالي 6 ساعات قضتهم فريدة داخل الطائرة بين توتر وقلق واشتياق، وصلت أخيراً إلى مطار برلين الدولي. وجدت بانتظارها موظف من الشركة مكلف بتخليص جميع أوراقها بيسر. وبالطبع تلك التوجيهات بناءً على أوامر ذلك العاشق الولهان الذي أذابه الحنين لمعشوقة عيناه.
بعد مدة خرجت إلى صالة الانتظار بصحبة ذلك الموظف الذي أخبرها أنه سيصطحبها بالسيارة الخاصة التي أرسلتها لها الشركة ويقوم بإيصالها إلى الأوتيل.
تفاجأت بوجود علي وأسما وطفلهما بانتظارها. جري عليها الصغير وهو يهلل باسمها بسعادة غامرة. ابتسمت بسعادة وجثت على ركبتيها وأدخلته داخل أحضانها وبدأت بتقبيل كل إنش بوجهه وهي تتحدث إليه بسعادة.
"يا سولي، وحشتني!"
قابلها الصغير برد قبلاتها وتحدث بحب.
"وحضرتك كمان وحشتيني أوي!"
اقترب عليها علي بوجهه البشوش وتحدث بترحاب.
"حمد الله على السلامة يا فريدة."
أجابته بابتسامة هادئة.
"الله يسلمك يا علي."
اقتربت عليها أسما واحتضنتها بسعادة بالغة وتحدثت.
"وحشتيني، نورتي برلين وألمانيا كلها."
أجابتها بابتسامة بشوشة ووجه سعيد.
"إنتي أكتر يا أسما."
وتساءلت بابتسامة.
"إنتوا إزاي عرفتم معاد وصولي؟"
أجابها علي بدعابة.
"عيب عليكِ تسألي سؤال زي ده، هو أنا قليل في الشركة ولا إيه؟"
وأكمل حديثه بجدية.
"المهم اعملي حسابك إنك جاية معانا البيت وهتقضي مدة إقامتك في ضيافتنا."
أكدت أسما على حديثه.
"هو أنتَ بتاخد رأيها، طبعاً جايه معانا."
أجابتهما معتذرة بلباقة.
"معلش يا جماعة خلوني على راحتي، وبعدين الشركة حجزالي Suite في أوتيل جنب مبنى الشركة على طول، وده هيسهل عليا الحركة."
وبعد مجادلات أقنعتهما فريدة بأن مكوثها بالأوتيل سيريحها أكثر. طلب علي من الموظف المكلف بإيصال فريدة الانصراف، وتحركت معهم خارج المطار لتذهب معهم بسيارة علي.
خرجت تتلفت حولها بإنبهار تنظر إلى معالم تلك المدينة الجميلة الهادئة.
كان يجلس داخل السيارة ذات الزجاج المفيم والتي استأجرها خصيصاً حتى ينتظرها ويرها عن قرب دون أن يلاحظه علي وأسما أو حتى هي. يجلس متوتراً يترقب خروجها بين الثانية والأخرى متأهباً على أحر من الجمر.
وفجأة طلت عليه كشمس ساطعة أنارت ظلمة ليله الحالك الذي طال ببعدها. شمس انتظرها مراراً وتكراراً. أخذ شهيقاً عالياً بانتشاء كمن كان يلفظ أنفاسه الأخيرة وأتاه ترياق الحياة ليعيده إليها من جديد.
تسارعت دقات قلبه بوتيرة عالية حتى أنها كادت أن تخرج من قلبه وتتركه محتضنه إياه.
نظر عليها باشتياق وقد تجمع حنين العالم أجمع داخل عيناه العاشقة.
انتفض كامل جسده برؤيتها البهية وأبتسم تلقائياً حين رأى ابتسامتها الجذابة وهي تتطلع على المكان بإنبهار وتحادث أسما.
كاد قلبه أن يتركه ويذهب إليها محدثاً إياه.
"هيا سليم، تحرك يا رجل لتأخذها بين أحضانك وتشُق ضلوعك كي تخبئها داخلها. لا تكابر سليم، فقد اشتقتها كثيراً ولم يعد لدي التحمل بعد."
ابتسم وأجاب قلبه الذائب.
"أهدئ أيها الأحمق، الأمور لا تحل بتلك البساطة، ألم تكف عن تهورك هذا أيها الأرعن؟"
ثم نظر إلى وجهها الملائكي الذي يراه عن قرب لتواجده أمامها مباشرة وتحدث بحنين وعشق وقلب منتفض.
"مرحباً صغيرتي، أنرتي حياتي مجدداً. كم اشتقتك واشتقت تلك البسمة وهاتان العينان الساحرتان، كم اشتقت النظر والغوص داخل بحرهما العميق أميرتي."
أسند ظهره للخلف باسترخاء، تنفس عالياً وشعر بتخدر لذيذ سري بجميع أجزاء جسده وحدث حالة.
"أحبك غاليتي بل أعشقك، أحبك وأذاب قلبي الفراق. فهل اشتقتني أميرتي مثلما أذابني البعاد؟"
أما عن فريدة التي كانت تنظر حولها بإنبهار بقلب يرفرف من شدة سعادته لمجرد تواجده بنفس مكان مكوث معشوقها.
نظرت لأعلى وأخذت نفس عميق ملأت به رئتيها. شعرت برائحته وكأنها ممزوجة برائحة هواء البلدة!
نعم تعترف لحالها أنها ومنذ رحيله لم تعد تتنفس براحة لشعورها الدائم بعدم الاكتمال بكل شيء حولها حتى الهواء!
كانت تتمنى رؤية وجهه فور وصولها، لكن، متى تحققت أحلامنا لمجرد التمني!
تحركت ثم استقلت سيارة علي وجلست بالخلف بجانب ذلك الملاك الصغير الذي ابتسم لها بسعادة.
تحرك علي تحت أعين ذلك العاشق الذي أخذ نفساً عميقاً ثم أخرجه بشدة وتحرك إلى وجهته.
وصلت فريدة إلى الأوتيل وتناولت غداءها بصحبة علي وأسما ثم صعدت لغرفتها وأخذت حماماً دافئاً زالت به عناء يومها وتوترها وغفت بثبات عميق بعد أن هاتفت والديها وطمأنتهم أنها بخير.
أتى الليل!
أفاقت من نومها وتوجهت إلى المرحاض، توضأت وشرعت بأداء صلاتها بخشوع تام، حتى انتهت وجلست تناجي ربها وتدعوه أن يصلح لها شأنها وألا يكِلها إلى نفسها طرفة عين.
وناجته أن يرحمها من شدة اشتياقها لعاشقها وعاشق روحها. طلبت من ربها أن يجمعها به على خير وأن يجعل لها نصيباً معه ليستريح ذلك القلب الذي هرم من شدة الاشتياق ولم يعد لديه القدرة على الانتظار.
انتهت من مناجاتها لله وخلعت عنها إسدال صلاتها وتوجهت إلى التخت.
جلست تتصفح جهاز اللاب توب وتتابع عملها بحرفية كعادتها.
وفجأة دق قلبها بوتيرة عالية وانتفض جسدها واتسعت عيناها بذهول وذلك حينما استمعت إلى صوته الحنون وكأنه يحادث أحدهم.
وقفت تتلفت حولها بجنون لتستدل على مصدر الصوت، وجدته يقترب من شرفتها. جرت سريعاً وأخذت حجابها ولفته جيداً بإحكام ووقفت تضع يدها فوق صدرها حتى تنظم أنفاسها وتهدئ من روعها. ستخرج في التو والحال، فقد أذابها الاشتياق وتريد الآن أن تكحل عيناها برؤيته البهية.
تحركت للخارج تتطلع إليه وجدته يجاورها بالشرفة يضع هاتفه على أذنه موليها ظهره متحدثاً.
"أكيد يا حبيبتي، إن شاء الله، خلي بالك على نفسك."
وختم حديثه مع شقيقته بالتوحيد.
"لا إله إلا الله."
ثم تنهد والتف باتجاهها ووضع هاتفه جانباً. نظر بجانب عينه وجد طيفها فتلائم وتصنع عدم رؤيتها ونظر أمامه بشرود ينظر لتلك السماء الصافية بنجومها اللامعة وكأنها تحتفل معه بقدومها السعيد.
انتفض داخلها بشدة وأصابت القشعريرة جسدها. تريد رؤية عيناه لتذوب داخل سحرهما، تريد النظر إلى وجهه والاستماع لصوته وهو يناديها بحبيبي. اشتاقته، اشتاقت كل ما به حد الجنون.
تحمحمت حتى ينتبه لوجودها ويستدر إليها ويبدأ هو بالحديث وتحفظ هي ماء الوجه. ولكنه تبارد لأبعد الحدود حتى يشعل داخلها أكثر ويجعلها ترفع له راية الاستسلام وتعلن عن انهيارها أمامه حتى يسترد كرامته التي دهست تحت قدميها سابقاً.
اتخذ قراره وانتهى الأمر بالنسبة له!
اقشعرت ملامحها وحزنت من ذلك غير المبالي بوجودها بالمرة. فقررت التنازل للوصول إلى مبتغاها.
تحدثت بصوت خجول.
"أزيك؟"
نظر إليها باستغراب وكأنه متفاجئ بوجودها بجواره.
وأجابها ببرود وهدوء حتى يشعل روحها.
"حمد الله على السلامة يا باشمهندسة."
وتساءل بخبث.
"وصلتي إمتي؟"
ابتلعت لُعابها من هيئته، فكانت هذه هي المرة الأولى التي تراه بها بملابس بيتية. كان يرتدي تي شيرت من القطن يصل لنصف كتفيه ويظهر كم عضلاته الرائعة، وشعر رأس مبعثراً بطريقة جعلت منه وسيماً وجذاباً للغاية.
تحدثت وهي تنظر للأسفل لتغض بصرها عنه حتى لا تصرخ وتطلب وده وعشقه وتبادر هي بطلبها بعقد قرانه عليها.
"والآن؟"
أجابت فريدة بصوت مرتبك أسعده.
"وصلت النهارده."
أجابها بنبرة عملية باردة أشعلتها.
"جهزي نفسك، بكرة عندنا اجتماع مهم."
وتحدث بنبرة جادة وهو يتحرك للداخل.
"تصبحين على خير!"
قال جملته وتحرك إلى الداخل وتركها لذهولها واشتعال روحها من تلك المعاملة الباردة.
ودلفت هي للداخل بخيبة أملها تحت قهقهة سليم من منظرها وذهولها الذي تقاسم فوق ملامحها بطريقة مضحكة.
قضى إثنتيهم ليلتهما في اشتعال واشتياق حار من تجاورهما المهلك لروحيهما.
***
***
***
***
أتى الصباح!
تحركت فريدة إلى أسفل بعدما تناولت فطورها بغرفتها.
واتجهت للخارج باتجاه الشركة. وجدت موظفة الاستقبال التي أوصلتها إلى غرفة الاجتماعات حيث استقبلتها جينا بترحاب عال وود. وبعدها أدخلتها.
دلفت للداخل وجدت سليم جالساً بمفرده حول طاولة الاجتماع.
أخرجت صوتها برقة أذابت داخله لكنه تصنع البرود وأجاده.
"صباح الخير يا باشمهندس."
قابلها ببرود وعملية متحدثاً.
"صباح النور، اتفضلي ارتاحي لما الفريق كله يوصل، وبعدها هنبدأ الاجتماع إن شاء الله."
تحمحمت خجلاً وجلست تحت انشغاله بعمله على جهاز الحاسوب بجدية متجاهلاً إياها!
حزن داخلها وألـتـمعت عيناها بالدموع التي تريد الفرار ولكنها تحاملت على حالها وتماسكت.
دلفت كاميليا، تلك الجميلة الشقراء فارعة الطول منـشـوقـة القوام. وجهت حديثها إلى سليم بوجه سعيد بلغتها الأم.
"كيف حالكَ أيها الوسيم؟"
رفع بصره إليها سريعاً وبلـهـفـة أشعلت قلب فريدة. وقف منتصباً الظهر ماداً يده ليصافحها قائلاً بابتسامة ومداعبة.
"حالي أصبح أفضل برؤيتك أيتها الجميلة."
ابتسمت بدلال وتحدثت.
"بالطبع أنا محظوظة لأبدأ يومي بوجهك البشوش وأستمع لكلماتك الساحرة أيها الوسيم."
قهقه عالياً وأجابها بإطراء.
"إذا كنتِ محظوظة جميلتي، فماذا أكون أنا؟"
استشاط داخلها وشعرت بنار الغيرة تسري داخل جسدها وهي ترى تلك الجريئة تداعب رجُلها بلا حياء. واستشاطت أكثر من معاملة ذلك الوقح لها.
نظرت كاميليا إلى فريدة باستغراب وتحدثت.
"أرى وجوهاً جديدة قد انضمت إلى فريقنا؟"
أشار سليم بيده بإهمال وتحدث إلى كاميليا.
"فريدة، تُدعى فريدة وقد انضمت إلينا مؤخراً."
هزت كاميليا رأسها وأردفت قائلة بنبرة باردة.
"مرحباً فريدة."
هزت لها فريدة رأسها وتحدثت بجمود ووجه خالٍ من التعبير.
"أهلاً بكِ."
أراد إحراق روحها أكثر فوجه حديثه إلى كاميليا وأردف باهتمام.
"لما تقفين هكذا كاميليا؟"
وأشار بيده إلى جواره.
"يمكنكِ الجلوس بجانبي كي أرى بعض نماذج ما قمتِ به من أعمال."
أجابته بابتسامة وهي تجلس بجانبه.
"على الرحب والسعة أيها الوسيم."
جاء علي وإيهاب صديقهما المصري والذي قدمه علي إلى فريدة قائلاً.
"باشمهندسة فريدة، وده باشمهندس إيهاب صديقي أنا وسليم يا فريدة."
ابتسمت له بهدوء وأردفت قائلة.
"أهلاً يا باشمهندس، اتشرفت بمعرفتك."
أجابها إيهاب باحترام.
"الشرف ليا يا باشمهندسة، نورتي ألمانيا."
كان يستمع إليهم بتمعن مستشيطاً لحديثها مع غيره، فحتى إن كانا صديقيه ويثق بهما كل الثقة إلا أنها خاصته، امرأته، تلك الفاكهة اللذيذة المحرمة على غيره.
حضر باقي فريق العمل واكتمل العدد وبدأ الاجتماع، والتي سرعان ما اندمجت به وكعادتها أبهرت الجميع بذكائها المميز.
نظر لها رئيس الشركة برضا وانبهار وهنأ سليم الجالس يشعر بفخر لأجلها على اختياره الموفق لتلك الذكية.
انتهى الاجتماع وتحرك سليم بجانب تلك الجميلة تاركاً إياها لنارها المشتعلة. كانت تقف متسمرة تنظر بشرود لطيفه.
أخرجها من شرودها صوت علي الذي تحدث إليها بتخابث لعلمه ما يقوم به صديقه حتى يشعل روحها ويجعلها ترفع راية الاستسلام.
"مالك يا فريدة، إنتِ فيه حاجة مضايقاكي؟"
ارتبكت بوقفتها وتحدثت بجمود.
"وأنا إيه اللي هيضايقني يا علي، كل الحكاية إني لسه ما أخدتش على المكان ولا على الناس اللي موجودين هنا."
تحدث وهو يشير إليها بيده.
"طب يلا بينا علشان نروح نتغدا، زمان أسما وسولي ميتين من الجوع وهما مستنين."
تحركت معه إلى منزله وتناولت طعام غدائها بصحبتهم وقضت معهم اليوم بعقل شارد ينتظر قدومه بين الثانية والأخرى، ولكنه خذلها ولم يأتِ فتحركت هي إلى الأوتيل بخيبة أمل جديدة تضاف إلى طابور خيباتها التي تلازمها منذ الوصول!!!
***
***
***
***
أما ريم ملاكنا البريء
وبعد مرور ثلاثة أشهر على عقد قرانها.
كانت تجاور ذلك العاشق الولهان سيارته، متجهاً بها إلى مسكن عائلته كي يريها جناحهما التي خصصته والدته الحنون لزواجهما الذي اقترب موعده. فلم يتبق سوى الخمسة أشهر فقط.
أوقف سيارته داخل الحديقة الواسعة وتحدث مراد محتضناً كف يدها برعاية قائلاً.
"يلا يا حبيبي!"
ابتسمت له وترجل هو من سيارته وتحرك إلى الاتجاه الآخر وفتح لها الباب ممسكاً يدها بعناية. تطلعت بإنبهار تام وهي تنظر لتلك الحديقة الواسعة وذلك المبنى الذي أقل ما يوصف به أنه قصراً.
خرجت والدته باستقبال زوجة وحيدها بحفاوة وتحدثت.
"نورتي بيتك يا عروسة."
خجلت تلك الرقيقة وتوردت وجنتاها وتحدثت بابتسامة صافية.
"ميرسي يا ماما، البيت منور بوجود حضرتك وعمو صادق!"
احتضنتها تلك الحنون وتحدثت.
"يلا يا مراد خد عروستك وفرجها على الجناح."
ثم حولت بصرها إلى تلك الرقيقة وأردفت قائلة بنبرة حنون.
"اطلعي يا حبيبتي مع مراد وشوفيه ولو فيه أي حاجة مش عاجباكي بلغيني بيها وأنا هخلي مهندس الديكور يعدلها زي ما تحبي بالظبط."
تحدثت ريم بهدوء واحترام.
"أكيد هيعجبني طبعاً يا ماما، مش ذوق حضرتك!"
ابتسمت هناء وتحدثت بحب.
"أنا طبعاً كنت أتمنى إنك تفرشيه على ذوقك، بس إنتِ ومراد اللي كلفتوني علشان دراستك متتأثرش، وإن شاء الله تتخرجي بإمتياز مع مرتبة الشرف يا مرات الغالي."
ابتسمت لها وتحدثت.
"حبيبتي يا ماما."
كان يستمع لحديثهما الودود بسعادة بالغة وهو يشاهد تقارب وتفاهم والدته وزوجته الحنون. فماذا يتمنى أكثر من هذا!
احتضن مراد كف يدها وقبله تحت خجلها وتحدث.
"يلا يا حبيبي!"
دلفوا لداخل الفيلا وتحدثت هناء بسعادة.
"اطلعوا اتفرجوا على الجناح وعلى ما تنزلوا هتكون السفرة جاهزة للغدا."
أجابها مراد وهو يتجه بصحبة حبيبته إلى الدرج.
"ياريت يا ماما، أنا ميت من الجوع."
انزعجت هناء وتحدثت باعتراض لرعبها الشديد على صغيرها.
"بعد الشر عليك يا حبيبي، قلت لك ميت مرة ما تقولش الكلام ده."
قالت كلمتها واتجهت إلى المطبخ لمساعدة العمال في تجهيز وجبة الغداء.
صعد بزوجته وخطي بها للداخل تحت انبهارها بكل ما حولها، فحقاً كان كل شيء مبهر ومبدع ومنظم بشكل مثير.
وبلحظة انتفض جسدها حين حاوطها ذلك الولهان من خلفها دافناً أنفه داخل عنقها، يتنفس رائحتها التي بات يعشقها.
ارتبكت وانتفض جسدها وتحدثت بنبرة متلبكة.
"أرجوك يا مراد ابعد، ممكن حد يدخل علينا."
شدد من احتضانها أكثر وتحدث بجانب أذنها بهمس بعثر كيان الأنثى بداخلها.
"أولاً مفيش مخلوق يقدر يتجرأ ويدخل مكان أنا موجود فيه من غير ما يستأذن وأسمح له بنفسي."
ثم لفها لتواجه وجهه وجذبها بعنف جعلها ترتضم بصدره بقوة زلزلت كيانها، وألصقها بشدة وقرب أنفه مداعباً به أنفها الصغير وتحدث أمام شفتاها المهلكة.
"ثانياً بقا وده الأهم، لو حد دخل وشافك كده في حضني هيقول واحد ودايب في سحر عيون مراته اللي جننته."
"مراد."
قالتها بدلال.
أجابها.
"عيون مراد."
ابتلعت لعابها ومال هو على شفتاها ليلتهمها بقبلة طويلة أخبرها بها كم يشتاقها بجنون. اندمجت هي معه.
فصل قبلته بعد مدة ثم نظر لذلك التخت وتحدث بوقاحة.
"ما قولتليش، إيه رأيك في السرير؟"
ابتلعت لعابها من حديثه وأبعدت جسدها عنه سريعاً وتحدثت بنبرة متلبكة.
"يلا بينا ننزل يا مراد."
ضحك برجولة وتحدث.
"على فكرة فهمتيني غلط، أنا قصدي لو ليكي عليه أي تعليق نقول للباشمهندس عليه."
اقترب عليها وتحدث بهيام.
"يعني نجيبه الناحية دي، ولا دي؟"
بلحظة أفلتت حالها من بين أحضانه وأسرعت للخارج.
قهقه عالياً وأردف منادياً عليها بدعابة.
"استني يا جبانة."
وتحرك للخارج للحاق بها لينزلا معاً، وبالفعل التحق بها عند الدرج واحتضن يدها بتملك أسعدها وأشعرها برضى ربها عليها، ونزلا سوياً وقضت باقي يومها في حضرت تلك الأسرة الدافئة.
***
***
***
***
رواية جراح الروح بقلمي روز آمين
كانت تقف بشرفة غرفتها.
خرج ذلك العاشق وتحدث.
"وحشتيني."
لفت نهلة بصرها إليه وتحدثت بابتسامة خجولة.
"وإنتَ كمان."
أردف قائلاً باهتمام.
"ليكي عندي خبر حلو أوي!"
أردفت قائلة بنبرة متلهفة.
"خير يا عبدالله، فرحني معاك."
أجابها بابتسامة.
"استلمت عقد الشقة إنهاردة."
وأكمل وهو ينظر داخل عيناها بهيام.
"يعني خلاص يا نهلة، قربنا أوي من حلمنا، وكده إن شاء الله مش هنحتاج نستنى نكمل السنتين."
أجابته بوجه عابس.
"أيوة يا عبدالله بس أنا لسه ما خلصتش جهازي، أنا لسه حتى متخرجتش ولا اشتغلت، دي لولا فريدة هي اللي ساعدتني بالفلوس اللي حطتها لي في حسابي مكنتش هعرف أبدأ في جهازي إزاي."
أجابها بعيون عاشقة ونبرة صادقة.
"وأنا مش عاوز منك أي حاجة يا نهلة، أنا ربنا وسع في رزقي والحمد لله بدأت حالتي المادية تتيسر، وإن شاء الله هكمل جهاز الشقة واللي يتبقى نبقى نكمله وإحنا متجوزين."
وأكمل بنبرة عاشقة.
"المهم نكون مع بعض يا نهلة وأي حاجة بعد كده مقدور عليها."
ابتسمت له وتحدثت.
"ربنا يخليك ليا يا عبدالله، أنا حقيقي محظوظة بيك."
أجابها بهيام.
"بحبك يا نهلة، والله العظيم بحبك."
ابتسمت خجلاً وانسحبت هاربة للداخل تحت ضحكاته وسعادة قلبه وانتشائه.
***
***
***
***
رواية جراح الروح بقلمي روز آمين
جاء المساء!!!
ارتدت ثوباً ناعماً ورقيقاً للغاية ولفّت حجابها ورسمت رموشها الكثيفة وحددت عيناها بكحلها العربي، مما جعلها ساحرة ومشرقة وجميلة للغاية وتوجهت إلى أسفل حيث موعد العشاء الخاص بموظفي الشركة وعائلتهم.
دلفت داخل المطعم وجدت الجميع، اقتربت عليهم بوجه بشوش وألقت عليهم التحية، ردها الجميع باهتمام.
عدا ذلك الجالس بجانب تلك كامليا الحسناء وهو يميل بجانب أذنها ويهمس لها حين تطلق الأخيرة ضحكاتها الأنثوية الجذابة.
استشاط داخلها غضباً وهي تنظر عليهما كالبلهاء ومازالت واقفة.
فاقت على صوت أسما التي أردفت قائلة باستغراب.
"إيه يا ديدا واقفة ليه، ماتقعدي!"
انتبهت لها وتحاملت على حالها وجلست بجانبها مقابلة لذلك الذي لم يعر لوجودها أية اهتمام.
كانت تشعر بانسحاب أنفاسها واشتعال نيران الغيرة تتأكل من قلبها حتى أنها كادت تصرخ متأوهة من شدة ألمها غير المحتمل الناتج عن غيرتها على رجُلها. نظرت عليه وجدته مندمجاً لأبعد الحدود مع تلك كامليا.
جاء النادل إليهم ليستمع إلى طلباتهم ويحضره.
نظرت تلك كاميليا إلى سليم وتحدثت بلغتها.
"ماذا ستأكل أيها الوسيم؟"
أجابها سليم كي يحرق روح تلك العنيدة التي لم تحل عنه ناظريها منذ جلوسها.
"سأترك لك الخيار، أريد تناول وجبتي اليوم حسب ذوقك الراقي."
ابتسمت بسعادة وتحدثت وهي تضع إصبع يدها على مقدمة رأسها بتفكر.
"أمممم، ما رأيك بطبق من المعكرونة بالجبن المطبوخ مع قطع الدجاج الحار؟"
ابتسم لها وتحدث بموافقة.
"قلت لك سأترك لك اليوم حالي، فلتفعلي بي ما تريدين."
أطلقت ضحكة أنثوية مثيرة.
نظر علي إلى تلك الجالسة بجوار أسما وصدرها يعلو ويهبط من شدة اشتعاله، وهي مسلطة عيناها على تلك كاميليا حيث تمنع حالها بصعوبة من رغبة قوية تلح عليها وتطلب منها التحرك إليها والفتك برأسها بشراسة.
فتحدث بخبث كي يشعلها أكثر ويساند صديقه فيما يفعله بتلك العنيدة.
"اخترتي هتاكلي إيه يا فريدة، ولا إنتِ كمان حابة تاكلي على ذوق كاميليا زي سليم؟"
حولت بصرها تنظر له بشراسة فتحدث هو سريعاً.
"قصدي يعني مكرونة وفراخ حارة!"
أجابته باقتضاب بنبرة رخيمة.
"مبحبش المكرونة بصوص الجبنة، بتبقى مايعه وملهاش طعم، والشطة بتخلي الفراخ تفقد نكهتها وتضيع طعمها الأصلي."
أجابها سليم وهو ينظر إلى كاميليا كي يشعل قلبها بنار الغيرة.
"بس بتميزها عن غيرها، تبقى سبايسي وملهلبه وتشد."
ثم حول بصره إليها وأكمل بنبرة حادة وكلام ذات مغزى.
"مش باردة!"
نظرت إليه بعيون متسعة غاضبة فأكمل هو بنبرة ساخرة.
"الفراخ قصدي!"
كتم علي وأسما ضحكاتهما فتحدثت هي هامسة.
"إنتِ كمان بتضحكي يا أسما، عاجبك تلقيح البيه ده عليا؟"
ابتسمت أسما وتحدثت باستسلام.
"والله إنتم الأثنين دماغكم حجر، متخلصونا وتريحونا من لعبة القط والفار دي بقا."
نظرت لها فريدة بضعف أثار حزن أسما عليها!!!
تناولوا عشائهم تحت تبادل الأحاديث المثمرة من الجميع عدا تلك الحزينة ذات القلب المتألم. كانت تتناول طعامها دون تذوق أو شهية وهي تشاهد حبيبها يتسامر مع تلك الجميلة بإندماج تام.
بعد مدة انتهوا من عشائهم، وقف الجميع وذهبوا حيث المكان المخصص للرقص وبدأ كل ثنائي رقصته مع حبيبه، عدى ذلك الجالس يقابلها ومن بجواره، والتي وقفت وطلبت منه بكل جرأة أن يشاركها رقصتها.
ابتلعت فريدة لُعابها ونظرت عليه والرعب يدب داخل أوصالها خوفاً من أن يوافقها ويمزق قلبها من قربه متلاصقاً من امرأة غيرها.
كان يشعر بنيران صدرها المشتعل التي تصل إليه حيث مجلسه، نظر لتلك الواقفة وتحدث معتذراً بلغتها.
"آسف كاميليا، أعتذر منكِ بشدة، فالحقيقة أنا لا أراقص النساء."
ضحكت متفهمة وداعبته.
"لا تراقص النساء مطلقاً؟"
أجابها بهدوء.
"ديني ينص على ألا أقرب من أجنبية عني، ولكن وعداً، سأرقص مع تلك التي ستخطفني وتأخذني من عالمي إلى عالمها، والتي بالطبع ستكون زوجتي حينها."
ابتسمت كاميليا وتحدثت بإطراء.
"هنيئاً لها، أتيقن أنها ستكون سعيدة بوجودها داخل أحضان رجل جذاب وقوي ووفي مثلك أيها الوسيم."
هز لها رأسه وتحدث.
"أشكرك على تلك المجاملة."
كانت تستمع لهما بنيران مشتعلة وجسد ينتفض ويتشنج من كثرة غضبه.
تحركت كاميليا وطلبت رجلاً كان يجلس لحاله للرقص وبالطبع وافق مرحباً لطلب تلك الجميلة.
جلس ذلك الثنائي العنيد بمفردهما يسترقان النظر لبعضهما، وبلحظة وهي تسترق النظر منه وجدته مسلطاً أنظاره عليها، كادت أن تسحب بصرها عنه ولكنها لم تستطع، وكأن مغنطيس جذبها وأجبرها على التدقيق إلى عيناه والغوص في بحرهما العميق.
ظل يطيلان النظر وقد قالت العيون وشرحت ما لم يستطع أي لسان شرحه مهما كانت لباقته وفـقـاهـتـه.
تحدثت عيناه لعيناها، لماذا فعلتي هذا بنا غاليتي؟
أسعيدة أنت بما وصلنا إليه الآن؟
أجابت عيناها باعتذار، التمس لي العذر حبيبي وسامحني أرجوك، فقد أعماني غضبي وكل ما فكرت به هو الأخذ بالثأر لكرامتي وأهلي وفقط.
حل صمت رهيب بينهما، كسرته هي بصوتٍ مرتجف نادم.
"أنا آسفة."
سقط السد المنيع الذي أجاد رسمه منذ مجيئها السعيد.
أجابها بقلب ينتفض ويفيض من شدة الاشتياق.
"وحشتيني."
برقت عيناها بسعادة وتحدثت ولأول مرة بجرأة.
"وإنتَ كمان."
انتفض داخله من كلماتها البسيطة التي أشعلت نيران جسده بالكامل وتحدث بعيون هائمة.
"أنا لسه بحبك، ولسه عاوزك، ياتري إنتِ كمان لسه عاوزاني؟"
لم تدري بحالها إلا وهي تهز رأسها بإيجاب ودموع الفرح تجري فوق وجنتيها.
ابتسم بسعادة وتحدث بحماس.
"خلينا نتجوز إنهاردة يا فريدة، تعالي معايا نروح حالاً السفارة ونكتب كتابنا هناك وعلي وإيهاب يبقوا شهود!"
ابتسمت بدموع لحماس رجل حياتها المتعجل لأمر زواجهما وتحدثت بابتسامة وهي تجفف دموعها.
"إتجننت خلاص يا سليم!"
أجابها بابتسامة جذابة وصوت رجل عاشق.
"بعدك جنني وخلاني فاقد الأهلية والعقل يا فريدة، قلب سليم في بعدك بيبقى خارج نطاق الحياة."
وأكمل بنبرة حماسية وهو يستعد للنهوض.
"هروح أبلغ علي وإيهاب وإنتِ اطلعي هاتي باسبورك علشان كتب الكتاب!"
أوقفته بصوتها المعترض.
"إهدي يا سليم، الأمور متتاخدش بالبساطة دي."
أجابها برغبة ظهرت بعيناه.
"مش قادر يا فريدة."
خجلت وأجابته بهدوء.
"طب اقعد وخلينا نتفاهم الأول."
جلس يترقب حديثها فأكملت هي.
"اصبر لما ننزل مصر ونتجوز هناك!"
أجابها بصوت هائم وعيون تملؤها الرغبة.
"افهميني يا فريدة، بقولك وحشاني ومش هقدر أصبر، إنتِ ليه مش قادرة تحسي بيا."
وأسترسل حديثه بتفكير عقلاني.
"ده غير إني عاوز أضمن جوازنا وإنه يتم من غير أي مشاكل ولا مؤامرات تانية، وياستي لو عاملة على الفرح، هعملك أحلى وأجمل فرح لما نرجع مصر."
وأكمل بعيون متلهفة راغبة.
"بس خلينا نتجوز النهارده ونقضي أسبوع عسل هنا مع بعض، وبعدها ننزل مصر وأعمل لك كل اللي إنتِ عاوزاه."
ردت على حديثه باعتراض.
"طب وبابا يا سليم، أقول له إيه؟"
أجابها مفسراً بنبرة يملؤها الحماس.
"هكلمه دلوقتي حالاً وأخد موافقته، وأظن إنه مش هيمانع، إحنا كده كده كنا هنتجوز ولولا اللي حصل كان زمانك مراتي."
أجابته باعتراض.
"لا يا سليم أرجوك، إنتَ كده هتخلي شكلي وحش جداً قدام بابا."
نظر لها بذهول غير مستوعب رفضها لتقربه منها بتلك الطريقة.
"شكلك قدام بابا؟ هو ده كل اللي عاملة حسابه يا فريدة، وأنا وقلبي اللي هنموت عليكي مش فارقين معاكي؟"
صبري السنين دي كلها وأنا مستني اليوم اللي هاخدك فيه في حضني وأمتلكك ونريح قلوبنا مش فارق معاكي؟
وأسترسل حديثه باتهام وتعجب.
"إنتِ إزاي أنانية أوي كده؟ كل تفكيرك في بابا وشكلك قدامه وقدام الناس؟ الأول ورتيني مرار الدنيا كله وإنتِ متمسكة بخطوبتك من هشام علشان ميزعلش وعلشان شكلك قدام بابا وقدام الناس.
ودلوقتي عاملة على شكلك قدام بابا وقدام الناس."
وصاح بغضب أرعبها.
"طظ في الناس اللي ضيعتي مننا أجمل لحظات كان ممكن نعيشها وإنتِ عاملة لهم حساب كداب."
وتساءل بحدة.
"أنا فين من حياتك وحساباتك يا فريدة، عمرك ضحيتي علشاني؟ أنا اللي دايماً ببدأ وببادر، أنا اللي رجعت لك ندمان، أنا اللي تخطيت قناعاتي وأخلاقي وقبلت أكلم لبنى وأتفق معاها علشان أبعد هشام وأريح ضمير سيادتك إللي كان قاتلك أوي ومش عايزة تسيبيه عشانه."
ثم نظر لها مطولاً وأردف قائلاً بخيبة أمل وإحباط.
"إنتِ مبتحبنيش يا فريدة."
كانت تستمع له وهي تهز رأسها بدموع ونفي قائلة من بين شهقاتها.
"إزاي بتقول كده؟"
نظر لها بعيون معاتبة حزينة فنطقت هي بغرام ملء صوتها وشعاع عشق انطلق من عيناها وصل لعيناه.
"أنا بحبك يا سليم، بحبك وحبك إتملك من روحي ووجداني لدرجة إنه إمتلكني وأمتلك كل جوارحي، روحي بتعشق كل ما فيك، بتنفس عشقك، قلبي مبقاش يدق غير ليك ولحبك وبس، أنا بحبك يا سليم، والله بحبك."
كان يستمع لها بعيون متسعة فاتح فاهه بذهول، انـقـلـب حاله من هول ما استمع، نعم فقد تخيلها كثيراً وهي تعترف له بعشقه.
كم تمنى أن يستمع منها كلمة حبيبي، كم حلم بتلك الكلمة وتخيلها وهي تخرج من بين شفتاها المهلكة.
ولكن مهما تخيل وتخيل لم يكن تخيله بذلك الحس وتلك المشاعر وتلك الرعشة التي هزت كيانه وجعلت منه حالم يهيم في سماء العشق، يمرح بأريحيه وسعادة لم يضاهي مثلها بكامل عمره المنصرم.
أجابها من بين ذهوله وسعادته الظاهرة بعيناه.
"إنتِ قولتي إيه؟"
وتساءل بجنون وعدم تصديق.
"فريدة هو اللي أنا سمعته ده حقيقي، إنتِ فعلاً قولتي حبيبي، قولتيها يا فريدة صح؟"
وأكمل بتيه.
"يعني أنا مش بيتهيأ لي، ردي عليا وريحيني."
ابتسمت من بين دموعها الخفيفة وتحدثت.
"بحبك يا سليم."
تأوه بصوت مسموع أثارها وتحدث وهو يتنهد براحة.
"آااااااه، يا الله، أخيراً، أخيراً قولتيها يا عيون سليم ونبض قلبه."
ثم تحدث بإصرار وحماس ولهفة.
"وافقي يا فريدة، علشان خاطري خليني أكلم بابا وأستأذنه ونروح السفارة دلوقتي، وأكمل وهو يهز رأسه بنفي.
"ما أنا بعد اللي سمعته منك ده مش هقدر أروح الأوتيل لوحدي وأنام كده عادي وكأن مفيش حاجة حصلت!"
وأمال رأسه بدلال بحركة أذابتها، قائلاً برجاء.
"وحياة سليم عندك توافقي، خليني أنام في حضنك النهارده يا فريدة، وحياة سليم."
اكتسى وجهها بحمرة الخجل وبللت شفتاها في حركة أثارت جنونه أكثر وأكثر، وتحدثت.
"إهدي من فضلك يا سليم، خلينا نستنى اليومين اللي فاضلين لنا هنا، وبعدها تعالي معايا على مصر وكلم بابا، علشان خاطري يا سليم تعذرني، مش حابه أكون أنانية وأكسر فرحة ماما بيوم فرحي اللي بتستناه ليها زمان."
أطلق تنهيدة شقت صدرها قبل صدره وتحدث بأسى واستسلام.
" حاضر يا فريدة، هضغط على نفسي وأصبر روحي على أمل القرب، بس يكون في علمك، أنا مش هصبر كتير، هما اليومين اللي هتقعديهم هنا وأول ما نرجع مصر هما يومين بالكتير وتكوني في حضني، مفهوم!"
ابتسمت خجلاً واستفاقت لسماع صوت أسما المرح ويجاورها زوجها.
"شكلنا كده هنبل الشربات على رأي علي."
نظرا إثنتيهم لها بسعادة وتحدثت هي بتساؤل ملح.
"هااا، ردوا عليا، نقول مبروك؟"
ابتسمت فريدة وتحدث سليم برجولة وفرحة سكنت عيناه.
"الله يبارك فيكي يا أسما."
ابتسم علي وتحدث.
"الله أكبر، أخيراااااا."
واقترب علي صديقه واحتضنه بشدة وهو يربت فوق ظهره بحنان وتحدث بصوت تـضـغـي على نبرته السعادة.
"ألف مبروك يا سليم، مبروك يا صاحبي."
احتضنت أسما فريدة وتحدثت بدعابة.
"وكان لزمته إيه وجع القلب ده كله من الأول، مش كنتي ريحتي قلب المسكين ده وجيتي معانا من تلات شهور."
ابتسمت لها وتحدثت بيقين.
"الحمد لله، قدر الله وما شاء فعل يا أسما."
جاءت إليهم كاميليا تطلق ضحكاتها وتحدثت وهي تغمز بعينيها إلى سليم.
"أرى خطتنا قد أتت بثمارها أيها الوسيم."
أجابها بضحكات وهو ينظر إلى فريدة.
"نعم صديقتي، شكراً لمساعدتك."
قهقه سليم واتسعت عين فريدة متسائلة.
"يعني كل ده كنت بتمثل عليا يا سليم؟"
هز رأسه بإيجاب تحت سعادتها ووجهت كاميليا حديثها إلى فريدة.
"هنيئاً لكِ بذلك العاشق عزيزتي!"
ابتسمت فريدة بسعادة وتحدثت إليها بنبرة ودودة.
"أشكرك، حقاً أشكرك!"
اقترب عليها ذلك العاشق ووقف مقابلها ثم مد يده داخل جيب سترته وأخرج علبة صغيرة وأخرج منها ذلك الخاتم بذاته الذي ألبسها إياه يوم قراءة الفاتحة بمنزلها.
ابتسمت بدموع الفرح وتساءلت.
"لسه محتفظ بيه؟"
أجابها بثقة.
"من يوم ما رجعتهولي وهو في جيبي ما فارقنيش، كنت مستني اللحظة دي وعارف إنها هتيجي."
نظرت له وأبتسمت بسعادة، أخرج الخاتم فمدت يدها وألبسها إياه ورفع كف يدها وقربه من شفتيه وتلمسه بقبلة رقيقة أذابت روحيهما وأنعشته.
لم يشعرا على حالهما إلا على صوت تصفيق الحضور الذين وقفوا احتراماً لتلك اللحظة الحالمة بين هذا الثنائي العاشق.
***
***
***
***
رواية جراح الروح بقلمي روز آمين
صعدا معاً داخل المصعد.
كان يقف مقابلها ينظران بعيون مشتاقة وابتسامات رقيقة.
استفاقا كلاهما على فتح باب المصعد خرجا وتحركا بجانب بعضهما حتى وصلا لغرفتها، توقف وظل متسمراً ناظراً إليها باشتياق.
دلفت وأمسكت باب غرفتها وألـتـقت العيون بنظرات هائمة فصلها صمت الباب التي أغلـقـتـه فريدة بهدوء وتوجه هو إلى غرفته المجاورة.
أسرعت للداخل تدور حول حالها واضعة يدها فوق صدرها وسعادة الدنيا تحوم حولها.
بعد قليل خرجت إلى شرفتها وجدته بانتظارها وتحدث هو بعيون متشوقة.
"اتأخرتي عليا."
ابتسمت وأجابته بهدوء.
"كنت بكلم ماما."
تساءل باهتمام.
"قولتي لها؟"
هزت رأسها بإيجاب وابتسمت.
"ورأيها إيه؟" تساءل باهتمام.
ضحكت هي وتحدثت.
"مبسوطة طبعاً، ما أنتَ عارف قد إيه ماما بتحبك."
تساءل بدعابة.
"ماما بس هي اللي بتحبني؟"
ابتسمت خجلاً وبعد حديث طويل بينهما لن يكلا ولن يملا منه، قررت أن تشعل قلب حبيبها قبل الذهاب لترد له بعض جمائله عليها وبعض ما فعله بها طيلة الفترة المنصرمة.
"سليم."
أجابها بنبرة ناعمة أذابتها.
"يا عيونه."
ابتسمت خجلاً وتساءلت.
"هي أوضة الجاكوزي لسه موجودة زي ما هي؟"
نظر لها ببلاهة وعيون متسعة غير مستوعب ما نطقت به تلك الشقية.
ألقت بدلوها وبسرعة البرق اختفت إلى الداخل.
صاح منادياً عليها بنبرة تحمل الكثير من المشاعر الحالمة.
"فريدة، تعالي بس هقولك، اخرجي بس هقولك على حاجة، يا فريدة."
وأكمل بنبرة هائمة.
"يا حبيبي مينفعش تدخلي وتسبيني بالشكل ده بعد ما تفجري قنبلتك، يا فريدة."
كانت تستند على الجدار الملاصق للشرفة تستمع إلى كلماته وهي واضعة يدها فوق فمها مبتسمة برقة وعيونها تطلق قلوب تتمايل وتتراقص حولها.
وظل ذلك الولهان يصيح باسمها متمنياً إياها بالخروج من خلف تلك الجدران اللعينة.
انتهى البارت.
رواية جراح الروح الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم روز امين
داخل منزل عزمي الشافعي
كان يجلس فوق سريره ممسكًا بجهاز اللاب توب، ينظر بحقد دفين إلى صورتها وهي تتسلم جائزة الدولة على براءة الاختراع الخاص بها. كان ذلك الغائر يجاورها وهو يحتضن يدها برعاية وتملك ظاهرين للعلن.
التفتت والدته إليه وتحدثت باقتضاب:
"وبعدين معاك يا حسام؟ هو أنت يا ابني هتفضل قاعد لي في البيت كده كتير؟ ما تطلع تدور على شغل بدل ما أنت قاعد لي ليل ونهار في أوضتك كده."
تململ في جلسته وأردف قائلاً بحدة توطدت في شخصيته مؤخرًا:
"هو أنتِ مبزهقش من الكلام ده خالص، كل يوم تعيدي وتزيدي في نفس النغمة."
"وياريته جايب معاك نتيجة." جملة صاحت بها سميرة.
جاورته الجلوس وأكملت بهدوء:
"إيه اللي جرى لك بس يا حسام؟ من يوم اللي اسمه قاسم ما أجبرك وخلاك بعت الدوبلكس ورجعت له الفلوس بتاعة ابنه، وانت مخرجتش من أوضتك."
أجابها بعيون تطلق شررًا:
"وديني لأندمه هو وبنته وابنه على كل اللي عملوه معايا."
صاحت سميرة بنبرة غاضبة:
"هو أنت مابتوبش أبدًا؟ مش كفاية اللي حصل لك من اللي اسمه مراد والعلقة اللي إدهالك؟ وبعدين البنت اتجوزت خلاص، عاوز منها إيه تاني؟"
أكملت بحقد وهي تنظر أمامها:
"طلعت بنت أمال بجد ووقعت واقفة، رسمت على الواد وسحبته وهتغرق في العز هي وأمها."
أكملت باشمئزاز:
"مش زيك أنت وأختك."
استمعت إلى صوت ندي التي تقف ممسكة بالباب تتحدث بنبرة ساخطة:
"ممكن تخليكي في خيبة ابنك وتسبيني في حالي، لأن محدش ضيعني غير طمعي. لولا خطته الخايبة وأنانته كان زماني متجوزة سليم ومسافرة معاه ألمانيا."
نظر إليها وزفر بضيق وتحدث بوعيد:
"تصدقي بالله أنا قررت أسافر وأسيب لك البلد كلها علشان أخلص من ندبك ده."
انفرجت أسارير سميرة وتحدثت بإشادة:
"ربنا يكملك بعقلك يا حسام، هو ده الكلام المظبوط. سافر واشتغل علشان تثبت للكل إنك أحسن وأنجح منهم كلهم."
زفر بضيق مستسلمًا لمصيره المعتم بعدما قرر السفر بعيدًا عن قبضة مراد ومحاصرة سليم له، واللذان ضيقا عليه الخناق للغاية، فقرر الانسحاب والهرب، وذلك بحكم شخصيته الجبانة التي لا تستطيع المواجهة كالرجال.
***
داخل مدينة برلين
هاتف سليم فؤاد وحدد معه ميعاد الزفاف بعد يومين من رجوعهما. اتصل بوالده الذي طبع له دعوات الزفاف وقام بتوزيعها على الأقارب والأحباب والأصدقاء. قام سليم عبر الإنترنت بحجز مكان مفتوح لإقامة الحفل بداخله بعيدًا عن الفنادق وما باتت تحمله من ذكرى مؤلمة لفريدة. وقرر العروسان أن يكون الحفل نهارًا وليس ليلاً، كنوع من التغيير والتفاؤل.
تأهب الجميع لرجوع العشاق وإتمام زواجهما الذي طال انتظاره.
***
بعد انتهاء اليومين
خطت بساقيها لداخل المطار بجوار عاشقها، أسما وعلي، والصغير، وكلها أمل بغد أفضل مع عاشق عيناها.
بعد قليل، كانت تجلس بجانبه فوق مقعد الطائرة، مستلقية للخلف، تنظر إليه بعيون سعيدة يبادلها إياها بمتلهفة عاشقة. تساءلت هي باندهاش:
"إمتى جهزت فستان الفرح؟"
ابتسم لها وأجاب:
"من أول أسبوع جيت فيه هنا وأنا بجهز لفرحنا. اشتريت الفستان واشتريت بيت وجهزته بكل سبل الراحة علشان حبيبي يكون مبسوط فيه ومرتاح."
ابتسمت له ثم تساءلت بحزن ظهر في عينيها:
"ليه مكلمتنيش قبل ما تسافر يا سليم؟ كنت مستعدة أسيب الدنيا كلها وأجي معاك لو كنت حسيت إنك لسه عاوزني."
أجابها بهدوء وابتسامة جميلة زينة ثغره:
"أنا وأنتِ كنا محتاجين وقت نهدي فيه ونرتب أفكارنا من جديد يا فريدة. لو رجعنا على طول مكناش هنعرف قيمة بعض وأهميتنا في حياة بعض، ومع أول خلاف بينا كنا هنرمي بعض بالاتهامات. حاليًا إحنا هدينا ورجعنا لبعض بكامل شوقنا ومن غير أي ضغوط علينا."
ابتسمت له ووافقتته الرأي وأكملا أحاديثهما التي لا تنتهي ولا يكلا ولا يمل منها.
وبعد مدة، وصلوا إلى مطار القاهرة الدولي، وجدوا المكان مكتظًا بالأحباب المنتظرين عودة العشاق.
كانت تتحرك بجانبه وسعادة الدنيا تملأ قلبها البريء. نظرت أمامها وجدت الجميع بانتظارهم:
"عايدة، فؤاد، نهلة وعبدالله وأسامة، قاسم وريم ومراد العاشق."
أسرعت وارتمت داخل أحضان والدها الذي بدوره ضمها إليه باحتواء وتحدث وهو يربت على ضهر صغيرته بحنان:
"مبروك يا باشمهندسة، ألف مبروك يا بنتي."
خرجت من بين أحضانه تنظر إليه خجلًا وأجابته:
"الله يبارك فيك يا حبيبي."
أما عايدة، فكانت سعادتها تتخطى عنان السماء من ذلك الخبر السعيد. اقترب عليها سليم وأمسك كف يدها وأردف قائلاً وهو يضع قبلة احترام:
"ادعي لي ربنا يتمم لي فرحتي يا ماما."
ابتسمت له عايدة وأجابته بتفاؤل ويقين:
"إن شاء الله هتكمل على خير يا حبيبي، أنا قلبي دليلي وقلبي بيقول لي إن سنين العجاف انتهت خلاص واللي جاي كله حصاد الخير والصبر."
انتش تع داخله من كلمات تلك المتفائلة وتحدث بانتشاء:
"يارب يا أمي، يارب."
***
ليلاً
داخل فيلا سليم
كان يجلس هو وقاسم وريم. انتفض في جلسته كمن لدغته عقرب وأردف قائلاً بنبرة رافضة صارمة:
"لا يا بابا، أنا مش حاببها تحضر."
أكمل غاضبًا بجمود:
"كل اللي فرق بيني وبين سعادتي وحرمني في آخر لحظة من حضن حبيبتي مش عاوز يكون له وجود وأنا بكمل فرحتي."
"بس دي أمك يا سليم." قالها قاسم وهو يحاول إقناعه بحضور أمال لحفل زفافه.
وقف منتصب الظهر وأجابه بملامح جامدة متشنجة:
"وأنا خلاص، خرجتها من حساباتي ومش محتاج لوجودها تاني في حياتي. كفاية اللي جرى لي من ورا تخطيطها طول السنين اللي فاتت."
تنهد قاسم بأسى لصحة حديث نجله، وتحدث كي يقنعه:
"إنت فاكرني نسيت اللي عملته فيك ولا سامحتها عليه؟ أنا مبقتش بشوف أمال غير في وجود مناسبة تستدعي وجودنا مع بعض وببقى مرغم ومضطر كمان. بس أنا عامل على شكلنا الاجتماعي قدام الناس وخصوصًا أهل جوز أختك اللي ميعرفوش حاجة عن اللي بينا ومش لازم يعرفوا."
نظر سليم إلى تلك الصامتة التي تستمع حديثهما بحزن عميق على ما أوصلت به غاليتها حالها وما آوت إليه بفضل تعاونها مع شيطان الإنس المسمى بحسام، لعنة الله على أمثاله.
تنهد وتحدث بتأثر لأجل غاليته:
"أنا هوافق علشان خاطر ريم بس بشرط."
نظر إليه كلاهما، فأكمل هو مشيرًا بسبابته بنبرة حادة:
"ملهاش دعوة بيا أنا وفريدة ومتقربش مننا نهائي. تخليها في ضيوفها وتترسم عليهم براحتها، وأظن إن هي بتجيد وبتتفنن في رسم دور المهمة وملكة الليلة."
تنهد قاسم لجل نجله وما وصل إليه من عدم تقبله لوالدته ودخولها مرة أخرى إلى حياته. ووافقاه على شرطه مرغمين.
***
كانت تجلس داخل شرفة غرفتها التي تظل حبيستها طيلة الوقت، تتحدث عبر الهاتف إلى شقيقتها بنبرة نادمة حزينة لأجل حالها التي أصبحت عليه:
"إهدي إزاي بس يا أماني؟ بقولك مكنش عاوزني أحضر فرحه، لولا قاسم هو اللي ضغط عليه علشان نكمل الشكل الاجتماعي مش أكتر."
تنهدت أماني وأردفت قائلة بأسى:
"أنا مش عارفة سليم جاب القسوة دي كلها منين؟ هو مش عمل اللي في دماغه وهيتجوز البنت اللي كانت السبب في المشكلة، زعلان منك ليه بقا؟"
بكت أمال وأردفت قائلة:
"متكبريش نفسك واعترفي بالحق يا أماني، أنا اللي وصلت ابني بأنه يكرهني ويخرجني من حياته. غروري وكبريائي عماوني عن إني أشوف الحقيقة. أنا تجاهلت مشاعر ابني ومشيت ورا هوس حبي لاختيار الأفضل ليه من وجهة نظري وتجاهلت رغبته وصوت قلبه."
أكملت بنبرة نادمة متألمة:
"وأدي النتيجة، ابني بعد عني وكرهني، وجوزي حرمني عليه كزوجة ونفاني من بيتي ووصل بيا الحال إنه يطبق عليا نظام الإقامة الجبرية في أوضتي."
شعرت أماني بالذنب المشترك والحزن داخلها لما آوت إليه شقيقتها الغالية، ولكن بما يفيد الندم وقد فات الأوان.
***
وأخيرًا جاء اليوم الذي طال انتظاره.
كان الجميع متواجدون وسط أجواء سعيدة من الجميع، حتى تلك الآمال التي وبرغم حزنها على عدم تقبل ولدها لوجودها ووضع شرطه بألا تقترب منه ومن عروسه، إلا أنها تشعر بسعادة لا مثيل لها.
أما مكان إقامة حفل الزفاف، فكان أشبه بالأماكن المذكورة داخل حكايات الأساطير والروايات، حيث الحديقة الواسعة للغاية، يتواجد بها مبنى داخلي تقطن بداخله فريدة بصحبة شقيقتها وابنة خالتها وفريق التجميل الخاص بتزيينها ليلتها المميزة تلك.
أما الحديقة، فكانت عبارة عن قطعة من الأرض الواسعة مفرشة بنبتة النجيلة بلونها الأخضر الجذاب. يتوسطها حمام سباحة مزين بالورود والبالونات باللونين الأبيض والموف. وباقي المساحة وضعت بها الطاولات المستديرة ذات المفارش البيضاء والزهور الموضوعة عليها بعناية فائقة بلونينها الممزوجين الأبيض والموف، مما أعطى للمكان رونقًا مميزًا ومبهجًا للغاية.
ويُحاط المكان بأكمله بالستائر البيضاء المنسدلة، يتدلى منها عناقيد الزهور بلونيها الممزوجين الموف والأبيض، تداعبها نسائم إبريل برقة فتجعلها ترفرف بمظهر يسر البصر والبصيرة.
تحرك قاسم إلى الطاولة المستطيلة المخصصة لعقد القران وسأل المأذون:
"جاهز يا مولانا؟"
أجابه المأذون وهو يفتح ذلك الدفتر الموضوع أمامه:
"جاهز يا أفندم."
أشار قاسم إلى سليم الذي يبتعد قليلاً بصحبة علي ومراد وإيهاب. أتى إليه سليم فتحدث قاسم:
"نادي على أستاذ فؤاد ويلا علشان نكتب الكتاب."
هز سليم رأسه وتحرك إلى قاسم وأشقائه وأبلغهم. ضحك أحمد شقيق فؤاد وتحدث إلى سليم بدعابة:
"كويس إنك جيت إنهاردة، وإلا المرة دي مكنش حد هيعرف يخلصك من إيدي."
ضحك سليم وتحدث بدعابة مماثلة:
"لا ما أنا عملت حسابي المرة دي، وعلشان كده بايت هنا من امبارح أنا وأبويا."
ضحك فؤاد وصالح وأحمد وتحركوا جميعًا بصحبة سليم.
اصطف الجميع وتوسط المأذون فؤاد وسليم وبدأ بمراسم بدء عقد القران. وبعد مدة، تحدث فؤاد بناءً على تعليمات المأذون:
"زوجتك ابنتي البكر الرشيد فريدة فؤاد شكري على سنة الله ورسوله وعلى الصداق المسمى بيننا."
تحدث المأذون موجهًا حديثه إلى سليم وكرر سليم قائلاً وهو ينظر إلى فؤاد بقلب ينتفض فرحًا وروح منطلقة تكاد تصل لعنان السماء:
"وأنا قبلت الزواج من موكلتك."
تحدث المأذون:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير، بالرفاق والبنيين إن شاء الله."
اختطف علي المحرم سريعًا وانطلقت الزغاريد من نساء الحفل معلنة عن إتمام عقد القران.
اقترب قاسم من نجله واحتضنه في عناق طويل بث به كم سعادته ومشاركته لفرحة نجله الحبيب.
أخرجه مرة أخرى وتحدث:
"ألف مبروك يا ابني، ألف مبروك."
أجابه وكأن سعادة الدنيا تكونت وتجمعت داخل مقلتيه فجعلت بها لمعة براقة:
"الله يبارك فيك يا حبيبي."
احتضنه فؤاد وأردف قائلاً:
"ألف مبروك يا ابني."
أجابه مبتسمًا:
"الله يبارك في حضرتك يا عمي."
أما عايدة، التي اقتربت عليه محتضنة إياه وأردفت قائلة بنبرة حنون:
"مبروك يا سليم، ألف مبروك يا ابني،" وأكملت برجاء أم: "خلي بالك من فريدة."
رفع يدها مقبلاً إياها وأردف قائلاً بامتنان:
"فريدة في عيوني يا أمي."
كانت تقف بعيدًا وكأنها أحد المدعوين الغرباء. صرخ قلبها معنفًا كبرياءها وغباءها الذي أوصلها إلى تلك المكانة المهينة لكرامتها. أحست بطعنة شقت صدرها وتعمقت به عندما رأت صغيرها أمسك كف يد عايدة وقبله بكل حب تحت سعادة عايدة وهي تربت فوق كتفه بحنان. فرت دمعة هاربة من عينيها، جففتها سريعًا كي لا يراها أحد في لحظات ضعفها وتحركت بين صفوف الحضور كي ترحب بهم وتتناسى حالها وهمها الكبير.
احتضن علي صديقه وربت على ظهره بحنان وتحدثت أسما وسعادة الدنيا سكنت مقلتيها لأجل صديقها وحبيبته الغالية:
"مبررررروك يا سليم، وأخيرًا."
ابتسم لها وأردف قائلاً:
"الله يبارك فيكي يا أسما، عقبال سولي."
صعد فؤاد إلى الأعلى لجلب ابنته كي يسلمها إلى الرجل التي اختارته بنفسها ليكون رجُلها وسندها وشريكها بالحياة.
نظرت أمال إلى سليم وجدته يقف بانتظار عروسه والقلق يظهر على وجهه. شعرت بالذنب وتيقنت أنها من أوصلت ولدها إلى هذه الحالة من عدم الطمأنينة. وأكثر ما زاد الحسرة والألم داخل قلبها هو وقوف عايدة الحميمي بجانبه في انتظار ابنته.
تحرك مراد حيث مكان سليم وهمس بجانب أذنه بدعابة:
"الباشا اللي هيشرفنا إنهاردة ويرفع راسنا."
انتبه إليه سليم وأبتسم بهدوء ثم حول بصره مرة أخرى باتجاه المبنى حيث ترقب وصول غاليته والقلق سيد موقفه.
تحدث إليه مراد متسائلاً:
"مالك يا سليم؟"
نظر إليه بعيون زائغة وأردف قائلاً بنبرة متوترة:
"قلقان يا مراد، اللي حصل المرة اللي فاتت سايب أثر سلبي جوايا ومش مخليني عارف أطمن."
أحاطه مراد بوضع يده حول كتفه باحتواء وأردف قائلاً باطمئنان:
"إهدي يا سليم ومتخليش القلق يسيطر عليك، وبعدين فريدة خلاص بقت مراتك رسمي." وأكمل بهدوء كنوع من المؤازرة: "أنا حاسس بيك، ومعاك في إنها كانت تجربة قاسية، بس حاول تتخطاها وتكمل."
أجابه سليم بألم ظهر في نبرة صوته:
"دي مكنتش تجربة يا مراد، دي كانت عاصفة عصفت كل كياني وأخدت معاها حاجات حلوة كتير أوي، أخدت غلاوة ناس وثقة عمرها ما هترجع تاني، وأخدت معاها فرحة حلم عشت عمري كله أتمناه وأحلمه، وفجأة صحيت منه على كابوس عمري."
يرد مراد بأسى:
"حاسس بيك طبعًا."
أجابه سليم بأسى:
"إنك تحس بحد وتقدر موقفه اللي اتحط فيه حاجة، وإنك تتعايش وتعيش الحدث دي قصة تانية خالص. ده شعور مميت، ودي فعلاً أقل كلمة توصفه."
انتبه كلاهما على صوت تلك البريئة التي أتت إليهما بابتسامتها الجذابة ووجهها البشوش. وقفت أمام شقيقها وأمسكت يده وتحدثت بابتسامتها البريئة:
"ألف مبروك يا حبيبي، أنا فرحانة أوي علشانك يا سليم."
تمالك من حاله وابتسم لها كي لا ينقل إليها توتره وأجابها وهو يدخلها داخل أحضانه:
"الله يبارك فيكي يا حبيبتي."
ثم أخرجها وحاوط وجهها بكفيه وتحدث بحنان:
"عقبالك يا ريم."
ابتسمت برقة وهي تنظر لذلك المستشاط الذي تحدث من بين أسنانه:
"ما تهدي يا هندسة، هو أنا مش مالي عينك ولا إيه؟"
ابتسمت ريم حين تحدثت عايدة إلى سليم بلهفة أم:
"جهز نفسك يا سليم، عمك فؤاد اتصل وبيقول إنهم نازلين حالًا."
شد من انتصاب ظهره وأخذ نفسًا عميقًا ملأ به رئتيه وصوب بصره على مدخل المبنى يترقب ظهور أميرته.
اشتغلت الموسيقى الهادئة المعدة لدخول العروس.
وبلحظة تسمر بوقفته واتسعت عيناه بذهول وانبهار حين وجدها أمامه كحورية هبطت عليه من الجنان.
تنفس عاليًا وانتفض داخله بشدة وتسارعت دقات قلبه بوتيرة سريعة.
وحدث حاله: "غاليتي وأميرتي، كم انتظرت وصولي إلى لحظتي تلك وكثيرًا تمنيتها، كم تخيلت طلتك البهية بثوبك الأبيض وحجابك الشاهد على عفتك وطهارتك، ولكن، دعيني أعترف لكِ صغيرتي، أنني وبرغم براعتي في رسم صورتكِ، إلا أنني أعترف أنني لم أصب التخيل."
أما تلك الجميلة الراقية، فكانت تتأبط ذراع والدها وتتحرك بجانبه بفخر واعتزاز به. نظرت أمامها وجدت عاشقها يقف بانتظارها بهيئته الجذابة بتلك الحلة السوداء التي جعلت منه وسيمًا للغاية، ممسكًا بيده باقة من الزهور النادرة.
تحركت بجانب والدها حتى وصلت إلى ذلك العاشق. نظر له فؤاد وبنبرة صوت متحشرجة تأثرًا بالموقف حدثه قائلاً برجاء أب:
"خلي بالك من فريدة يا سليم، بنتي أمانة عندك يا ابني، حافظ عليها وأكرمها."
تأثرت بنبرة صوت أبيها فاللمعت مقلتاها بالدموع واحتضن سليم فؤاد وربت على قلب الأب بداخله وأردف قائلاً بنبرة مطمئنة:
"أمانتك جوة عيوني وهتتصان وتتشال على الراس يا عمي، وأوعا حضرتك تقلق على فريدة طول ما أنا موجود على وش الدنيا."
ربت فؤاد على ظهره بحنان وتحدث بامتنان:
"ربنا يكرم أصلك يا ابني."
حول بصره لفريدته، ملكة حياته وأميرته، مبتغاه وجوهرته الثمينة الذي طالما حلم باقتنائها، وها هو أخيرًا قد فعلها وامتلكها.
أمسك فؤاد يدها وسلمها إلى سليم بقلب يتمزق وانسحب بهدوء. لمس سليم كف يدها الرقيق ورفعه إلى فمه وقبله، وأعطاها باقة الزهور، ثم حاوط وجنتيها بكفيه والتقت الأعين.
وقالت حديثها، ثم وضع قبلة فوق جبهتها، تلمس بشفتاه بشرتها الناعمة ولأول مرة. "يا الله، يا له من شعور رائع لم يحظ به من ذي قبل."
اقشعر بدنها لملامسة شفتاه لبشرتها. أبعدها من جديد وتحدث ومازال محاوطًا وجهها بيداه:
"مبروك يا حبيبي."
ابتسمت برقة وأردفت قائلة بنبرة هادئة مرتبكة:
"الله يبارك فيك يا سليم."
وقف بجانبها وكبل يدها داخل راحته بتملك وتأبط ذراعها وتحرك متجهاً إلى المكان المخصص لجلوسهم تحت الموسيقى الهادئة وأوراق الورود التي تتناثر فوق رؤوسهما من المحبين. كانت تتحرك بجانبه وسعادة الدنيا سكنت بداخلها. أما هو، فكان يشعر وكأنه ملك قد تسلم عرشه في التو واللحظة.
وصل لمكانهما المخصص التي انبهرت به فريدة. جلسا وتهافت عليهم المهنئون من الأهل والأحباب عدا تلك الحزينة التي تدفع ثمن ما فعلته يديها. كانت الحسرة والندم والنفي جزاءها لما اقترفته يديها وما آوت إليه بفضل كبريائها وعدم إدراكها لبشاعة فعلتها.
تحركت سميحة بصحبة حسن إلى مكان فريدة التي وما أن رأتهما إلا وأنفرجت أساريرها وسعد داخلها وتحدثت بنبرة سعيدة:
"ده إيه المفاجأة الجميلة دي يا طنط."
احتضنتها سميحة بحب وتحدثت:
"مكنش ينفع أحضر فرح بنتي، ألف مبروك يا فريدة، ربنا يتمم لك بخير يا بنتي."
وأردف حسن قائلاً بابتسامة وهو يشير إلى سليم المبتسم بسعادة:
"الباشمهندس اتصل بينا وعزمنا وأكد على ضرورة حضورنا علشان يفرحك ويعملهالك مفاجأة."
نظرت لحبيبها بسعادة وشكرته عيناها بامتنان وتحدثت إلى حسن بنبرة حماسية:
"أحلى مفاجأة يا عمو، حقيقي مبسوطة جدًا بوجودكم حواليا في يوم مهم بالنسبة لي زي ده."
نزل ذلك الثنائي وصعد إليهما حازم متأبطًا بسعادة تلك رانيا التي قد تغيرت مائة وثمانون درجة خلال الثلاثة أشهر المنصرمة حتى أنه بات يعشقها بعدما وجد منها ما كان ينقصه، وهو الاحتواء والاهتمام والحب والرعاية.
اقتربت رانيا من فريدة وهنأتها بحفاوة هي وحازم وهمست لها جانبًا متحدثة بنبرة خجل:
"سامحيني يا فريدة، أنا آذيتك كتير بكلامي وأفعالي، بس أنا فوقت واتغيرت وأتمنى متكونيش زعلانة مني."
ابتسمت لها فريدة وتحدثت بوجه بشوش وطيبة:
"ولو إني معرفش بتقصدي إيه بكلامك ده إلا إني طول عمري بحبك وبعتبرك زي نهلة، وأكيد مسامحاكي على أي تجاوز قلتيه في حقي."
خجلت رانيا من جميلة الشكل والروح تلك، وتحدثت بنبرة صادقة:
"ربنا يسعدك يا فريدة ويديكي خير على قد ما في قلبك حب وسماحة للناس."
وبعدها صعدت دعاء بجانب هادي وهنئهما.
بعد مدة اشتغلت الموسيقى لتعلن عن بدء رقصة العروسين، فتلربكت فريدة وتحدثت إلى سليمها بنبرة معترضة ويسيطر عليها القلق:
"مش هينفع يا سليم، أنا مبعرفش أرقص."
ابتسم لها برقة وأردف قائلاً باطمئنان وهو يسحبها بجانبه:
"طول ما أنتِ معايا مش عاوزك تقلقي من أي حاجة، أنا معاكِ يا حبيبي وواحدة واحدة هعلمك، كل اللي عليكي تبصي في عيوني وتتحركي معايا مش أكتر."
هزت رأسها بطاعة بعدما اطمأنت ووصلت معه إلى المكان المخصص للرقص. وقفا فوق الدانس فلور. بدأت أغنية "أوعديني" لرامي جمال.
أمسك كف يدها بإحدى يديه والأخرى لفها حول خصرها في حركة أذابت جسدها وأصابته بالقشعريرة.
وبدأ بحرفية عالية يخطو بها في حركات هادئة سلسة جعلتها سرعان ما تناست قلقها واندَمجت معه، وخصوصًا أنه أذابها بنظرات عينيه الهائمة التي تُنسيها عالمها بأكمله.
رقصا سوياً على كلمات تلك الأغنية الرومانسية التي أذابت كلاهما.
بعدما انتهت من رقصتهما الأولى، أشار إلى العامل المختص بتشغيل الموسيقى. أتى إليه ممسكًا بيده الميكروفون بناءً على اتفاق سليم المسبق معه. أمسك الميكروفون وتحدث إليها برقة:
"دي غنوتك يا فريدة، كل كلمة فيها كأنها متفصلة على شعوري ناحيتك بالمقاس."
وبدأ بالغناء:
"وأناااا، من غيرك الدنيا لما أتخيلها، بلاقيني صعب أكملها. وأنا لو قدرت أعيش بعدك، دا أنا أموت ولا إني أعملها. وأنااااا، من غيرك أحلامي مش عايز أحلمها، تبقي الحياة زي عدمها. كلمة حبيبي استحرمها، مع حد تاني غيرك أقولها. بس وأنا معاك أنا نفسي عمري ما يخلص. جوايا كلام ما بيتقالش لكن يتحس. لو فيه حاجة مش حلوة في عينيك. كفاية أشوفك بس، علشان تحلي في عيني لما إنت تبص لها. وأناااا من غيرك، فكرة أما بتاخد ليها، بحس إني هروح فيها. وبخاف كمان أوي من بكرة، واللي هيجري لي بعديها. وأنااااااا من غيرك دي فكرة لازم أستبعدها. وأنا من زمان قلبي رافضها، قضيت كتير أيام قبلك أنا بدعي ربنا لا يعيدها. بس وأنا معاك أنا نفسي عمري ما يخلص. جوايا كلام ما بيتقالش لكن يتحس. لو فيه حاجة مش حلوة في عينيك. كفاية أشوفك بس، علشان تحلي في عيني لما إنت تبص لها."
كانت تستمع له ودموع الفرح سيدة موقفها. وعايدة التي تبكي بدموع الفرح لعشق ذلك الولهان لابنتها وتحتضنها نهلة وعفاف اللتان تشاركانها دموعها فرحهم بغاليتهم فريدة.
انتهى من غنوته ثم احتضنها وشدد من ضمتها تحت تصفيق حار من جميع الحضور. دفن وجهه داخل عنقها حتى يختبئ كي لا يبكي ويعلن انهياره وانهيار جدران قوته التي دكت حصونها من تلك الرقيقة.
ثم رفعها لمستواه واحتضنها بشدة وبدأ يدور بها بسعادة بالغة وقلوبهما تتراقص على أنغام عشقهما. صفق الجميع وبدأوا بالصفير أيضًا تشجيعًا لسليم.
ثم أنزلها وقبل وجنتها بحنان تحت خجلها. انضم إليهما ثنائيات الحفل ليشاركهما رقصتهما وفرحتهما.
اتسعت عيناها بذهول حينما رأت هشام ولُبنى يقتربان عليهما بابتسامات عذبة جميلة.
اقترب هشام ومد يده مصافحًا سليم بابتسامة:
"مبروك يا باشمهندس."
قابله سليم بابتسامة جذابة قائلاً:
"متشكر يا أستاذ هشام إنك قبلت دعوتي وشرفتني."
تبادلت النظر بينهما ببلاهة ونظرات غير مستوعبة ما يحدث حولها.
انتبهت على هشام الذي تحدث إليها بابتسامة سعيدة:
"مبروك يا فريدة، ماتتصوريش فرحت إزاي عشانك."
ابتسمت له وأجابته بسعادة:
"متشكرة يا هشام، حقيقي فرحتوني بوجودكم معايا إنهاردة."
ابتسمت لها لُبنى وتحدثت:
"مبروك يا باشمهندسة."
بادلتها فريدة. ثم أشار هشام إلى لُبنى وتحدث مداعبًا سليم:
"مش هتسلم على شريكتك الإلكترونية ولا إيه يا باشمهندس؟"
ضحك الجميع وتحدث سليم إلى لبنى مشيرًا بأصبعه متسائلاً:
"أستاذة لبنى؟"
هزت رأسها بابتسامة مؤكدة فتحدث هشام مستغربًا:
"معقولة متعرفوش بعض؟"
ابتسم سليم وتحدث نافيًا:
"تخيل."
وأكملت لُبنى بابتسامة:
"أنا أصلاً كنت فكراه واحدة مش واحد."
ضحك الجميع وتحدث سليم موجهًا حديثه إلى هشام باعتذار:
"أتمنى متكونش لسه زعلان مني يا أستاذ هشام."
ابتسم هشام ونظر بعيون هائمة إلى لُبنى وتحدث بنبرة صوت عاشقة:
"أزعل منك إزاي وانت رجعت لي حياتي اللي كانت ضايعة مني."
نظرت له فريدة غير مستوعبة لما استمعت له أذناها، وسعد داخلها بشدة لأجل هشام التي دومًا ما كانت تشعر تجاهه بالذنب.
تحرك الثنائي للرقص وتشابك سليم الأيدي مع فريدة يتابعون رقصتهما وتحدثت فريدة بتساؤل حنون:
"كل ده عملته علشاني يا سليم، قد كده بتحبني؟"
أجابها بعيون يملؤها الغرام:
"ومستعد أعمل أي حاجة علشان بس أشوف الفرحة دي وهي ساكنة عيونك يا ضي عيوني."
"بحبك يا سليم"، قالتها بعيون مغرومة وهائمة في عشق مغرومها ومالك كيانها.
انتفض داخله بشدة ونظر إليها وتحدث بعيون ذائبة بعشقها:
"حرام عليكِ يا فريدة، بتعملي فيا ليه كده؟"
ابتسمت وتساءلت بنبرة لئيمة:
"وأنا كنت عملت لك إيه بس يا سليم؟"
"دوبتي قلبي يا نبض سليم"، قالها بنبرة ذائبة عشقًا.
ضحكت برقة أذابته فأكمل هو بحب:
"اتغيرتي أوي يا فريدة."
تساءلت باستفسار:
"إزاي يا سليم؟"
أجابها بحب:
"بقيتي حنينة ورومانسية وشقية أوي، مبقتيش فريدة الغامضة اللي مخبية عشقها جواها ودفناه بعيد عن كل العيون."
ابتسمت برقة وأجابته بعقلانية:
"مكنش ينفع زمان يا سليم، لكن حاليًا خلاص، أنا بقيت حلالك وانت بقيت جوزي حبيبي."
نزلت كلمة "جوزي حبيبي" على قلبه أنعشته وزلزلت كيانه.
تحدث بنبرة جادة:
"طب اسمعيني كويس أوي يا فريدة واحفظي الكلمتين دول، من اللحظة اللي إحنا فيها دي لحد ما نروح بيتنا مش عاوز أسمع منك كلمة حبيبي أو جوزي أو أي كلمة غير سليم، تندهي لي كأنك واحد صاحبي، مفهوم يا فريدة؟"
ابتسمت وتحدثت برقة أذابته:
"مفهوم يا سليم."
تنفس عاليًا وأردف قائلاً بهدوء:
"ولا حتى سليم، مش عاوزك تنطقي اسمي خالص النهارده." وأكمل بإحباط: "بصي، من الآخر كده ماتتكلميش خالص لحد ما نوصل بيتنا وبعدها عاوزك تفتحي على الرابع، جوزي وحبيبي وسُلمو."
غمز بعينيه وأكمل:
"وحتى الجاكوزي يا مجرمة."
ابتسمت برقة وأردفت قائلة:
"قلبك أسود أوي يا سليم، لسه فاكر؟"
أجابها بغمزة وقحة:
"ودي حاجة تتنسي بردوا يا بنت عايدة، اصبري بس وأنا هعرفك قيمة اللي عملتيه فيا وقتها وهدفعك حسابه بالكاااامل."
ضحكت وأردفت بنبرة شقية لتزيدها عليه:
"طب لعلمك بقا، أنا مبحبش يبقى عليا ديون لحد."
أردف قائلاً بغمزة من عينيه:
"قد كلامك ده؟"
ابتسمت وفاقت على صوت والدتها المحب والحنون:
"كفاية رقص لحد كده يا سليم وخد فريدة ويلا اقعدوا علشان متتعبوش وكمان علشان العيون ماتصيبكمش."
ابتسم لها وأخذ فريدة وأتجه بها إلى المكان المخصص لهما، وبعد مدة اقترب منهما هناء وصادق الذي تحدث إلى فريدة بسعادة:
"ألف مبروك يا باشمهندسة."
وتحدثت هناء بنبرة حنونة صادقة:
"ألف مبروك يا بنتي، ماتتصوريش فرحت إزاي عشانك."
ابتسمت لهما فريدة وشكرتهما كثيرًا.
وجاء المصور الفوتوغرافي لالتقاط بعض الصور التذكارية معًا. فأشارت هناء للمصور وتحدثت:
"ثواني لو سمحت."
ثم أشارت إلى قاسم وتحدثت بابتسامة:
"قاسم بيه، ممكن تجيب مدام أمال وريم ومراد، حابة ناخد صورة جماعية للذكرى."
احتقنت ملامح سليم وشعرت به فريدة فهمست بجانب أذنه كي تهدئه رغم غضبها الذي أصابها هي الأخرى:
"إهدي يا حبيبي علشان محدش ياخد باله."
نظر لها وأومأ برأسه وصعدت أمال بجانب قاسم تترقب ملامح صغيرها التي تحولت إلى الجمود.
وقف الجميع والتقطت لهم بعض الصور. فتحدث المصور مشيرًا إلى أمال وذلك حسب طبيعة عمله:
"مامت العريس، اتفضلي حضرتك في وسط العروسة والعريس علشان أصوركم."
نظرت إلى سليم بترقب فتحدثت هناء بسعادة:
"يا بختك يا مدام أمال، ادعي لي أقف وقفتك دي قريب إن شاء الله."
ابتسمت لها وتحركت. أفسح سليم لها المجال ووقفت تتوسطهم والتقطت لهم الصورة التي تخلو من أية مشاعر أو أية صور للبهجة.
نظرت إلى فريدة وتحدثت بنبرة صوت منكسرة خجلة:
"مبروك يا فريدة، خلي بالك من سليم."
اقشعر داخلها تأثرًا بنبرة تلك السيدة المسكينة التي حرمت من احترام وحضن ومجاورة صغيرها في أسعد ليلة بحياته، ولكنها هي من اختارت وجهتها ومكانتها لدى صغيرها الغالي.
أجابتها فريدة بهدوء:
"متشكرة لحضرتك، ومتقلقيش على سليم، سليم في عيني."
أما سليم، الذي لف سريعًا من خلفها كي لا يعطي لها المجال للتحدث إليه. تحرك متجاهلاً وجودها واحتضن فريدة ليلتقط لهما المصور بعض الصور بمفردهما.
شعرت وكأن أحدهم طعنها بخنجر مسموم داخل قلبها. تحركت بسيقان تجر بهما أذيال خيبتها.
نظر قاسم إليها بهدوء وحدث حاله: "لا تحزني رفيقة العمر، وحدك من أوصلتي حالك إلى هذه المكانة، فلا تلومن إلا حالك."
نظرت ريم إليها وصرخ قلبها متألمًا لأجل والدتها وما آوت إليه، وبرغم حزنها الشديد عليها إلا أنها لم تستطع إلقاء اللوم على شقيقها الغالي من معاملته تلك.
تحركت ريم إلى والدتها وأمسكت يدها بحنان وقبلتها كنوع من الدعم النفسي، وتحركتا إلى مقعديهما وجاورتها بالجلوس.
صعد فايز هو وزوجته ونجوى إلى العروسين وهنئوهما. وتحدث إلى فريدة:
"مبروك يا باشمهندسة، هتسيبي فراغ كبير أوي في الشركة يا فريدة."
ابتسم سليم واحتضن فريدة باحتواء وأردف قائلاً:
"كفاية عليكم لحد كده يا فايز بيه، جه الدور عليا علشان تنور لي حياتي زي ما كانت منورة لكم الشركة."
تحدثت زوجته الجميلة:
"ربنا يسعدكم يا باشمهندس."
اقتربت نجوى من فريدة وتحدثت هامسة بنبرة دعابة:
"بقا أقول لك الباشمهندس عاجبني تقوم تخطفيه لنفسك يا فريدة، هو ده بردوا حق الصداقة عندك."
انفجرت فريدة ضاحكة. نظر إليها سليم وتساءل:
"ما تضحكوني معاكم."
تحدثت نجوى قائلة بمراوغة:
"بوصيها عليك يا باشمهندس، متقلقيش."
هزت فريدة رأسها باستسلام تحت ضحكات نجوى.
بعد مدة ذهب مراد إلى ريم وأصطحبها للرقص، وبدأ برقصتهما وتحدث بعيون ذائبة:
"عقبال ليلتنا يا حبيبي."
ابتسمت خجلًا وتحدثت:
"إيه رأيك في فكرة الفرح بالنهار، حلوة مش كده؟"
غمز بعينيه قائلاً بوقاحة:
"طبعًا حلوة وأحلا ما فيها إنهم هيلحقوا اليوم من أوله."
ابتسمت خجلًا وتحدثت كي تغير مجرى الحديث:
"مراد، أنا زعلانة أوي علشان معاملة سليم لماما، وفي نفس الوقت مش قادرة أزعل منه أو ألوم عليه."
أجابها بهدوء كي يطمئن قلبها:
"متحمليش نفسك فوق طاقتها ياريم، أكيد سليم هيرجع مع ماما زي الأول وأحسن، بس الموضوع محتاج وقت." وأكمل بعقلانية: "وبعدين لو حسبتيها صح هتعرفي إن ده أحسن لمامتك."
ضيقت عيناها بعدم استيعاب فأردف هو مفسرًا:
"بصي يا حبيبي، خلينا متفقين إن ماما غلطتك غلطة كبيرة جدًا دفع تمنها سليم وفريدة وأهلها، فمن الطبيعي ومن العدل إن مامتك تتعاقب على فعلتها عشان تحس بحجم غلطتها وتندم، عشان بعد كده تفكر قبل ما تعمل أي حاجة وتحسب عواقب أي خطوة هتخطيها."
أومأت له بهدوء فتحدث هو غامزًا بعينه بشقاوة:
"هو إنتِ حلوة أوي ليه كده إنهاردة."
ابتسمت له فتحدث هو بعيون عاشقة:
"بحبك يا ريم، والله بحبك."
وبعد مدة جاء العاملين بحمل حلوى الزواج وتحرك سليم وفريدة إليها وأمسكت فريدة وسليم السكين وقاما بتقطيعها تحت التصفيق الحار. أمسك سليم الشوكة وغرسها بقطعة من الحلوى وقربها من فم حبيبته. التقطتها فريدة بفمها تحت خجلها وسعادة سليم، وتبادلت هي الشوكة وأطعمت سليم.
وقفت أمال وتحدثت إلى الجميع بابتسامة صافية:
"اتفضلوا على البوفيه يا جماعة."
تحرك الجميع إلى البوفيه ووقف سليم بجانب فريدة وأمسك الشوكة وغرسها بالطعام ثم أطعمها إياه. قضى الجميع يومًا رائعًا ومميزًا ثم انتهى الحفل وتحرك الجميع إلى إيصال العروسان لمنزلهما، ثم توجه كل إلى وجهته.
***
داخل فيلا سليم
دلفا من الباب وأغلقه ثم حملها وصعد بها الدرج سريعًا حتى وصل بها أمام غرفة نومهما وأنزلها بهدوء.
وقف مقابلًا لها ينظر لعيناها وتنظر. اختفت لغة كلام اللسان واحتل محلها لغة العيون. وآه من لغة العيون وسحرها، فللغة العيون سحرها ورونقها الخاص.
ابتسم لها برقة وبحركة لم يتوقعها منها، وبدون سابق إنذار رمت حالها داخل أحضانه الدافئة، ملاذها التي طالما حلمت به وبالدلوف إليه.
تصلب جسده بالكامل واتسعت عيناه بذهول غير مستوعب ما حدث. "يا إلهي، أحقًا تلك الفتاة هي فريدتي."
لم يشعر بحاله إلا وهو يضمها إليه بشدة كادت أن تسحق عظامها. لفت فريدة ذراعيها حول جسده برعاية، ووضعت كفي يديها الحانية فوق ظهره، وبحركة حانية بدأت تطبطب على ظهره وتتلمسه بحنان كأنها بتلك الحركة تطيب جراحه وتطبطب على قلبه الذي عانى الكثير والكثير.
دفن وجهه داخل عنقها وتنفس براحة وكأنه طفل صغير تاه بدروب الحياة وفقد مصدر حنانه وفجأة وجد ضالته، حضن أمه الحنون، حصنه الأمين.
تنفس عاليًا وأخرجها من بين أحضانه، وضع كفي يديه وحاوط بهما وجهها الملائكي وتحدث برقة:
"مبروك يا حبيبي، نورتي بيتك." وأكمل بنبرة جادة: "ادخلي أوضة النوم وغيري هدومك واتوضي علشان نصلي، عاوز أشكر ربنا على رحمته بيا ولطفه بقلبي."
ابتسمت خجلًا وتحدثت بهدوء:
"حاضر يا حبيبي."
انتفض داخله لنطقها لحبيبي بتلك الروعة وذلك الإحساس.
حامل على حاله ودلف للداخل معها. فك لها حجابها وساعدها بسحب سحاب الثوب وهو مغمض العينان كي يساعده الله على تخطي تلك اللحظة دون ضعف. أخذ منامته وخرج سريعًا للمرحاض الخارجي وخلعت هي عنها ثيابها ودلف للداخل. أخذت حمامًا دافئًا زال عنها عناء اليوم وتوتره وتوضأت وخرجت.
وقف أمامها يؤم بها للصلاة وبعد مدة ختم صلاتهم. استدار لها واقترب عليها ثم وضع كف يده فوق رأسها وبدأ بالدعاء إلى الله بأن يبارك لهما بحياتهما سويًا وأن يرزقه منها بالذرية الصالحة وأمنت هي على دعائه.
وقف ومد يده لها. اقترب منها وبهدوء خلع عنها إسدال صلاتها ليظهر شعرها الحريري الذي أبهرته وأذهلته. ثم احتضنها بشوق سنين عمره الضائع.
طال احتضانه لها ثم أخرجها ونظر لها بعيون متشوقة هائمة وتحدث بصوت متحشرج:
"نورتي حياتي يا فريدة."
تحمحمت وأنزلت بصرها. أمسك ذقنها ورفع وجهها إليه ومال برقة ليقتطف منها أول قبلة في زواجهما الحلال. طالت قبلته فصلها هو كي يأخذا نفسيهما ثم سحبها من يدها برقة وأوصلها لتختهما وغاصا معًا داخل عشقهما الحلال. ظل يسبحان في بحر الشوق والغرام الذي طال انتظاره من كلاهما.
بعد مدة كانت تقطن داخل أحضانه الحانية، حيث كان يشدد من ضمتها، غير مستوعب أنه وأخيرًا نال مراده ومبتغاه.
نظر لها ثم مال على شفتاها اختطف قبلة سريعة واعتدل ينظر لها قائلاً بعيون عاشقة وصوت هائم:
"مبروك يا حبيبي."
ابتسمت وسحبت بصرها للأسفل خجلًا وتحدثت بهدوء:
"مبروك يا سليم."
ابتسم لجمال خجلها وحدثها بهدوء:
"فريدة."
رفع بصرها إليه تترقب حديثه فاسترسل هو حديثه قائلاً:
"خليكي دايماً حنينة معايا، ماتبعدنيش عن حضنك تاني مهما حصل، حتى لو حصل بينا خلاف متسبنيش، ازعلي مني بس وإنتِ جوة حضني." وأكمل بنبرة حنون: "أنا بتوه من نفسي وأنا بعيد عنك يا فريدة."
كانت تستمع له بابتسامة حانية تهز رأسها بطاعة فأكمل هو:
"عارفه، أنا مصدقتش نفسي لما أخدتيني في حضنك أول مدخلنا هنا." وأكمل بعيون متأثرة: "لمسة إيديكي وهي بتطبطب عليا وتلمس على ظهري مسحت مع كل لمسة تعب وألم وحرمان السنين اللي فاتت كلها."
ابتسم وأكمل بحنين:
"وبعد ما كان إحساسي بيكي ذكوري بحت زيي زي أي راجل وإحساسه بمراته في ليلة دخلته، حولتيه بلمسة إيدك لإحتياج من نوع تاني، إحتياج روحاني أكثر من شهوة وإحتياج جسماني." وأكمل بنبرة حنون عاشقة: "إنتِ حنينة أوي يا فريدة."
وضعت كف يدها على موضع قلبه وتحدثت بابتسامة جذابة:
"أنا بحبك أوي يا سليم وحبك مستوطن جوة روحي، لما حضنتك النهاردة حضنتك عشان حسيت إنك محتاج لحضن الاحتواء ده أكتر من أي شيء تاني." وأكملت بتأكيد: "احتياجنا لبعض عمره ما كان احتياج جسماني يا سليم، أنا وإنت أرواحنا اتقابلت والتحمت ببعض من سنين."
وتساءلت بعيون هائمة:
"هو أنت فاكر إنك بعدت عني يوم واحد طول السنين اللي فاتت دي؟ إنت كنت ساكن روحي وبتجري في دمي يا سليم."
عقد حاجبيه باستغراب فابتسمت هي وأكملت حديثها:
"ما تستغربش يا حبيبي، برغم حزني ووجع قلبي من اللي عملته فيا إلا إن كل يوم كان بيعدي عليا روحي كانت بتتعلق بروحك أكتر لدرجة إني كنت بقعد أشتكي لك منك وأتخيل إنك موجود، وكنت لما يفيض بيا الحنين وأعيط من شدة اشتياقي واحتياجي ليك، ألاقي إيدك بتمسح دموعي وبتطبطب عليا."
وابتسمت وأكملت باعتراف بلمعة دمعة ظهرت بعينيها:
"علشان كده أول ما دخلنا هنا حضنتك وطبطبت عليك عشان أشكرك وأرد لك جزء من حنيتك عليا."
اتسعت عيناه وأطلق تنهيدة عالية وتحدث بتأثر:
"يااااااه يا فريدة، قد كده حبيتي، وقد كده أنا كنت مغفل وحرمت نفسي من عشقك ده كله."
ابتسمت واكمل هو بنبرة صوت حنونة:
"إنتِ جميلة ومشاعرك راقية أوي يا فريدة."
"فريدة"، قالها بنبرة هائمة.
أجابته برقة:
"نعم."
"بحبك"، قالها وهو يسحبها من جديد داخل عالمه الحالم، عالم العاشقين الذي طال انتظاره.
رواية جراح الروح الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم روز امين
كانت غافية بين أحضانه بسلام واطمئنان، وكأنه ملاذها الآمن الذي تعتاده منذ عقود. واضعة كف يدها الرقيق فوق موضع قلبه النابض بعشقها، دافنة وجهها داخل عنقه تتنفس رائحته العطرة بهدوء.
أما هو، فكان مٌكبلاً إياها بين ذراعيه، محاوطاً خصرها بتملك وجسدها ملتصقاً بجسده.
تمطأت بدلال أيقظه. حاول فتح أجفانه بصعوبة بالغة، ويرجع ذلك لقلة عدد ساعات نومه. فتح عينيه بهدوء ثم أغلقهما، وفي لحظة فتحهما باتساع يدقق النظر فيما رآه. انتفض داخله بسعادة حين رأى وجهها الملائكي وتذكر ليلته الأولى معها، وكم كانت ليلة رائعة بكل تفاصيلها. ابتسم سريعاً وتعالت دقات قلبه منتفضة بسعادة.
مال على شفتيها ووضع فوقها قبلة رقيقة. تململت بنومها وتمطأت بدلال أذاب قلب ذلك العاشق.
فتحت عيناها بثقل ونعاس، وإذا بها ترى أكثر وجه تمنت على مدار سنواتها الخمس المنصرمة أن تصحو كل صباح من غفوتها وتراه أمامها. ظهرت على وجهها بوادر السعادة وتحدثت بصوت متحشرج.
"صباح الخير."
أمسك خصلة هاربة من شعرها الحريري وأرجعها خلف أذنها، ثم مال على أنفها وداعبها بأنفه وتحدث بصوت هائم بعشق حبيبته.
"صباحية مباركة يا حبيبي."
خجلت وأنزلت بصرها عنه. أمسك ذقنها ورفع وجهها ونظر داخل عينيها وتحدث بأمر.
"مبقاش من حقك على فكرة."
ابتسمت برقة وأكمل هو.
"عيونك وإبتسامتك وكل ما فيكي بقوا ملكي، يعني مبقاش من حقك تحرميني منهم. وكفاية عليا حرمان لحد كده يا فريدة. أنا عاوزك تغرقيني في بحر عسلك مطلعنيش منه تاني."
ابتسمت له بإيماءة خجلة، ثم وضعت يدها فوق ذقنه النابتة وتحسستها برقة وأردفت قائلة بتساؤل.
"هو أنتَ ليه محلقتش دقنك؟"
غمز لها بعينيه وتحدث بحديث ذي مغزى.
"سبتها عشانك!!"
اتسعت عيناها بذهول وتساءلت بتعجب.
"عشاني أنا؟!"
أردف قائلاً بحنان.
"آه يا حبيبي عشانك. أنا سبت دقني عشان عارف إنك بتعشقيها."
اتسعت عيناها بذهول وأردفت قائلة بنبرة متسائلة خجلة.
"هو أنا كنت باينة أوي كده ومشاعري كانت مكشوفة؟"
أجابها بنبرة هائمة وعيون عاشقة.
"لا يا فريدة، أنا إللي كنت قاري جواكِ قوي وعارف كل اللي بيدور في عقلك وقلبك من قبل حتى ما تفكري فيه."
سحب حاله من بين أحضانها واعتدل بجلسته. مد يده وسحب درج الكمود المجاور له، أخرج منه ظرفاً وسلمها إياه متحدثاً بابتسامة جذابة.
"إتفضلي يا قلبي."
ضيقت عيناها باستغراب وأردفت قائلة بتساؤل.
"إيه ده يا سليم؟"
أجابها بنبرة حنون.
"ده عقد الفيلا بتاعتك يا عروسة."
ردت عليه قائلة بتعجب.
"بس أنا خلاص مش عاوزاها يا سليم، وبعدين أنا كتبت لك تنازل عنها."
ابتسم لها وأردف قائلاً.
"ده حقك يا حبيبي. وبالنسبة للتنازل اللي بتتكلمي عنه ده أنا قطعته بمجرد ما خرجتي من باب الأوتيل."
تحدثت إليه بنبرة هادئة.
"بس أنا حقيقي مش عاوزاه يا سليم، أنا كفاية عليا حبك وحنيتك اللي مالهومش حدود، ودول عندي يساووا الدنيا كلها."
أجابها بتذمر مصطنع.
"وبعدين معاكي بقا، معنديش أنا ستات تراجع كلمة ورا جوزها. بعد كده تسمعي الكلام واللي أقولك عليه تقولي حاضر وبس، مفهوم يا حرمنا المصون؟"
ضحكت بخفة وأردفت بطاعة.
"حاضر يا حبيبي."
ثم نظرت له بحنان وأردفت قائلة بنبرة هائمة.
"أنا بحبك أوي يا سليم، ربنا يخليك ليا."
"وأنا بعشقك يا روح سليم."
قالها بنبرة حنون ثم سحبها لداخل أحضانه الحانية المتشوقة من جديد.
***
بعد مدة، كانت تجلس فوق ساقيه أمام حمام السباحة المتواجد بالحديقة. يطعمها بيداه بدلال يليق برقتها وجمالها.
قرب من فمها إحدى اللقيمات فتحدثت معترضة.
"كفاية يا سليم، شبعت خلاص يا حبيبي."
هز رأسه نافياً وأردف قائلاً بنبرة صارمة.
"مفيش حاجة اسمها خلاص شبعت، الدلع ده هناك عند عايدة لكن معايا هتسمعي الكلام وتاكلي."
مد يده مقرباً قطعة التوست من جديد فأعترضت بتذمر لطيف.
"مش قادرة بجد يا حبيبي، والله شبعت."
"طب ولو قولت لك تاكليها عشان خاطر سليم؟"
جملة قالها بنبرة حنونة.
ابتسمت له وأجابته وهي تستعد لتناولها من يده.
"عشان سليم أعمل أي حاجة في الدنيا كلها."
وتناولتها من يده تحت سعادته.
وتحدثت إليه باستفسار.
"إحنا هنسافر ألمانيا إمتى يا حبيبي؟"
أجابها بهدوء.
"كمان أسبوع بالظبط، هنقضي أسبوعين Honey moon في ألمانيا قبل مانرجع لشغلنا، وإن شاء الله في إجازة الصيف هحجزلك في المكان اللي تختارية بنفسك."
أجابته بابتسامة سعيدة.
"وأنا مش عاوزة غير إني أكون معاك وبس يا سليم."
***
داخل شقة محمد زوج نورهان.
كان يجلس هو ووالدته يتناولون قدحين من القهوة قد صنعتهما والدته السيدة امتثال.
خرجت نورهان من غرفتها بهيئة مزرية ووجه عابس وشعر مشعث من عدم اهتمامها به، حيث أنها منذ واقعة الشركة وافتضاح أمرها أمام زملائها ومديرها وقد تملكت منها حالة من عدم اللامبالاة تجاه الجميع وأصبحت لا تكترث لأي شيء حتى لأناقتها واهتمامها بنفسها كامرأة. وخصوصاً بعدما تقدمت للعمل بأكثر من شركة وجميعهم رفضوا تعيينها، والسبب يرجع إلى إقالتها من شركة كبيرة ولها اسم ضخم في مجال الإلكترونيات مثل شركتها السابقة، وهذا ما كان يريده سليم بالفعل حين اشترط الإقالة وليس الاستقالة.
تحدثت نورهان بصوت متحشرج كسول.
"صباح الخير."
لوت امتثال فمها وتحدثت بنبرة ساخرة.
"ناموسيتك كحلي يا برنسيسة، الساعة عدت من 12 وإنتِ لسه نايمة ولا سائلة عن أي حاجة، لا على جوزك ولا بنتك ولا على البيت، وأكملت بنبرة ساخرة. إيه يا أختي، تكونيش فاكرة نفسك عايشة في لوكاندة؟"
تذمرت نورهان وتحدثت بضيق.
"ولازمته إيه الكلام ده على الصبح يا طنط، ولا هي اسطوانة وبقى مقرر عليا أسمعها كل يوم؟"
ردت عليها امتثال بحدة.
"وياريتها يا أختي جايبة معاكي نتيجة."
وأكملت بنبرة جامدة.
"اسمعي يا بنت الناس، أنا خلاص جبت آخري منك. الأول كنت بستحمل أفعالك اللي تنقط عشان كنتي شغالة وبتساعدي في مصاريف البيت، لكن دلوقت بعد ما بقيتي قاعدة ولا شغالة ولا مشغالة أستحمل عمايلك دي ليه؟"
وأكملت بلهجة آمرة.
"من بكرة تقومي بدري زي الستات اللي خلقها ربنا ما بتعمل، تجهزي الفطار وتنضفي الشقة والمطبخ، مش تسيبي البيت بالمنظر ده لحد ما سيادتك تقومي براحتك، وده آخر كلام عندي هقوله لك."
نظرت بغضب إلى زوجها الصامت وتحدثت بحدة.
"إنتَ ساكت ليه يا محمد، ولا تكونش موافق على كلام مامتك ده؟"
أجابها ببرود وهو يحتسي قهوته.
"آه يا نورهان موافق."
وأكمل بنبرة تهديدية.
"اسمعي يا بنت الناس، يا تنزلي تدوري على شغل وترجعي تشتغلي تاني، يا إما تنفذي كلام ماما بالحرف الواحد وبدون نقاش."
صاحت به قائلة.
"وأنا كنت لقيت شغل وقولت لاء يا محمد، ما على إيدك كل الشركات اللي بقدم فيها بترفض الطلب."
أجابها ببرود.
"مش لازم تشتغلي في نفس مجالك."
ضيقت عيناها بتساؤل.
"يعني إيه الكلام ده؟"
أجابتها امتثال بنبرة حادة.
"يعني تشتغلي أي حاجة تجيب فلوس يا حبيبتي، إن شاء الله حتى تقفي تبيعي في محل ملابس."
نظرت إليها باستنكار وتحدثت بتعالٍ وغرور.
"إنتِ عاوزاني أنا، الباشمهندسة نورهان أقف أبيع هدوم لزباين ما تسواش؟"
أطلقت امتثال ضحكة ساخرة ووقف محمد وتحدث بحدة.
"الكلام اللي بقولهولك ده يتنفذ بالحرف، ومن بكرة ياتنزلي تدوري على أي شغل وتشتغلي، يا إما تقومي من الساعة سبعة تعملي كل طلبات البيت."
ربعت يداها وتساءلت بترقب.
"ولو معملتش اللي بتقول عليه، هتعمل إيه يا محمد؟"
وقف مقابلًا لها وتحدث بنبرة حادة.
"لو كلامي ما اتنفذش يبقى كل واحد فينا يروح لحاله."
جحظت عيناها بذهول وصدمة وخرج هو وصفق خلفه الباب بشدة.
أما امتثال فرمقتها بنظرة شامته وذلك رداً على معاملة تلك نورهان المتعالية لوالدة زوجها طوال الوقت. تركتها بغيظ دفين ودلفت إلى المرحاض.
وهذا ما استحفته تلك التي أغواها الشيطان وجعلها تبيع صديقتها من أجل حفنة من الأموال.
***
داخل شقة علي.
كانت تقطن داخل أحضان زوجها الحانية ممددة بجانبه فوق تختها بعد جولة غرامية أخذها بها حبيبها وأذاقها من شهد عسله ألواناً.
تحدث علي مبتسماً.
"مش مصدق إن سليم وفريدة خلاص الدنيا ضحكت لهم والقدر أخيراً جمعهم."
ضحكت أسما قائلة بدعابة.
"سليم يا حرام مكنش مصدق نفسه لدرجة إنه قفل في وشنا باب الفيلا من غير حتى ما يستأذن."
قهقه على وأجابها ساخراً.
"معذور بردوا يا أسما، الراجل قاسي كتير والصبر مل منه."
ابتسمت له ثم شدت من احتضانه قائلة برجاء.
"حبيبي، خلينا قاعدين شوية كمان في مصر، أنا ماما وحشاني أوي ونفسي أشبع منها."
ابتسم لها وتحدث بنبرة عاقلة.
"مش هينفع يا قلبي، لازم نرجع ألمانيا بعد يومين عشان مش هينفع أنا وسليم منبقاش موجودين في الشركة."
وأكمل بوعد.
"بس أوعدك إن في أقرب وقت تسمح بيه الظروف هنيجي نقعد لو حتى أسبوع واحد."
ابتسمت له وتحدثت.
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي."
شدد من احتضانها وأردف قائلاً بنبرة حنون.
"ويخليكِ ليا يا نور عيوني."
***
داخل شقة فؤاد.
كانت تجلس فوق تخت غالية وتجاورها نهلة تبكيان لفراق عزيزة عيناهما الغالية الذي لم يكمل يومه الأول.
دلف إليهما فؤاد والحزن ساكن عيناه لبعد فلذة كبده عنه.
وتحدث متحملاً على حاله بنبرة لائمة.
"جري إيه يا عايدة، ده بدل ما تهدي بنتك قاعدة تعيطي معاها، قومي يا عايدة اعملي أكل صباحية بنتك عشان نروح لها."
أجابته بصوت ضعيف من بين دموعها.
"كل حاجة جاهزة وعفاف بتسوي باقي الأكل في المطبخ."
اقترب منها وجلس بجوارها وربت على كف يدها بحنان وتحدث.
"ادعيلها إن ربنا يهدي سرها ويسعدها."
ردت عليه بدموع غزيرة.
"داعيلها وقلبي وربي إن شاء الله راضيين عنها يا فؤاد، بس صعبان عليا إني مش هشوفها كل يوم وأصطبح بوشها البشوش وضحكتها اللي ترد الروح."
وهنا بكت نهلة وأردفت بحنين.
"أنا معرفتش أنام طول الليل من غير وجودها، الأوضة وحشة أوي من غيرها يا بابا، فريدة كانت نسمة الهواء اللي بترطب على قلبي في عز الصيف."
وقف فؤاد وتحدث بحزم مصطنع.
"قومي يا عايدة إنتِ وبنتك شوفوا هتعملوا إيه وكفاية نواح على الصبح."
دلت إليهم عفاف وتحدثت بنبرة لائمة.
"وبعدين معاكِ يا عايدة، سيبك من اللي إنتِ فيه ده وقومي معايا شوفي هنرص الأكل ده إزاي؟"
تحدث إليها فؤاد وهو يتحرك إلى الخارج.
"قوليلها وفوقيها من اللي هي فيه ده يا أم أحمد."
خرج فؤاد وتحاملت عايدة ونهلة على حالهما وتحركا بجانب عفاف لتوضيب ورص كل ما لذ وطاب من الأطعمة التي جهزتها عايدة وعفاف لغاليتهم الجميلة.
***
داخل مكتب مراد الحسيني.
كان يجلس منكب على أوراقه يعمل بجد وعزيمة. استمع إلى طرقات خفيفة فوق الباب. سمح للطارق بالدخول ومازال على موضعه ينظر بأوراقه بعناية.
وبلحظة اشتم رائحة ذكية يحفظها هو عن ظهر قلب. انتعش داخله وانتفض. رفع رأسه سريعاً ليرى شمسه المنيرة قد طلت وأنارت حياته كما المعتاد.
انتفض من جلسته وتحرك سريعاً إلى تلك المبتسمة التي تحدثت برقة.
"ممكن أدخل يا دكتور؟"
أمسك يدها وقبلها برقة وتحدث بعيون لامعة.
"ده إيه المفاجأة الحلوة دي يا ريم؟"
أمسك يدها وتحرك بها إلى الأريكة وجلسا سوياً.
وتحدثت هي.
"كنت محتاجة دكتور محمود يفهمني حاجة في المنهج فجيت له وشرحهالي، ولقيت نفسي جعانة، قولت أجي أشرب النسكافيه بتاعي معاك وبالمرة تطلب لي حاجة آكلها."
وأكملت بحنين.
"يا ترى ممكن ألاقي عندكم في البوفيه بسكوت أو كيك؟"
ابتسم لها بحنين لأجمل ذكرى له معها وتحدث.
"موجود طبعاً، والفضل في ده كله يرجع لدكتورة جميلة قدرت بعفويتها ورقتها تدوب جبل الجليد وترجع الحياة والبسمة من جديد لقلب كان بيحتضر."
وأسترسل حديثه بعيون شاكرة.
"غيرتيني أوي يا ريم، رجعتيني لآدميتي بعد ما كنت قربت أنساها وأتحول لآلة إلكترونية."
ابتسمت له وتحدثت بنبرة صوت رقيقة.
"إنتَ أحن وأرق قلب أنا قابلته في حياتي يا مراد."
"بحبك يا ريم."
قالها بغرام.
ابتسمت هي وردت بحنان.
"وأنا بحبك أوي يا مراد."
رفع سماعة الهاتف وطلب من البوفيه كل ما تريد حبيبته.
ثم اقترب منها وأدخلها بين أحضانه وشدد من احتضانها وأخذ نفس عميق يدل عن مدى اشتياقه لحبيبته وتحدث.
"وحشتيني أوي يا ريم."
خجلت منه ولكنها استسلمت لاحتضانه الحاني لها.
ضل محتضناً إياها لفترة لم تكن بالقليلة حتى أصابها القلق منه. تململت وحاولت الفكاك من بين أحضانه فشدد هو أكثر وأكثر وتحدث بنبرة صوت متحشرجة.
"إهدي يا ريم وخليكي جوة حضني ومتخافيش مني."
فتحدثت هي بنبرة معترضة.
"مراااااد، إحنا في الشركة."
أجابها بلا مبالاة.
"إيه المشكلة مش فاهمك."
كادت أن تتحدث لولا صوت دقات الباب التي جعلتها تفلت حالها بقوة من بين أحضانه.
قهقه هو بقوة ناعتاً إياها بالجبن وتحدث للطارق.
"ادخل."
دلف عامل البوفيه واقترب ووضع لهما ما بيده وتحدث.
"أي خدمة تاني يا مراد باشا؟"
أجابه بوجه بشوش.
"شكراً يا محمد، لو احتجت حاجة هكلمك."
خرج العامل وقام هو بفتح عبوة البسكويت وأخذ قطعة ووضعها بفمها بحنان.
التقطتها منه بفمها تحت خجلها وتحدثت برقة.
"تسلم إيدك يا مراد."
أجابها بحنان.
"بألف هنا يا حبيبي، كلي تصبيرة صغيرة وأنا هقوم أخلص الشغل الضروري بسرعة ونخرج نتغدا مع بعض، وبعدها هوصلك عشان عاوز أقعد مع طنط شوية."
ابتسمت له وتحدثت بسعادة.
"إنتَ حد جواه حلو أوي يا مراد وأنا حقيقي محظوظة بيك، مبسوطة جداً عشان بتحاول تقرب من ماما عشان تخرجها من عزلتها ومقدرة موقفك ده جداً."
ابتسم لها وأردف قائلاً بعيون هائمة.
"أنا مستعد أعمل أي حاجة عشانك يا ريم، المهم أشوفك سعيدة ومرتاحة."
أمسكت كف يده برعاية وأردفت قائلة بامتنان.
"ربنا يخليك ليا يا مراد."
ابتسم لها وقبل يدها. وقف وأتجه إلى مكتبه وجلس ليكمل أعماله بسرعة كي يتحرك معها للخارج.
***
داخل حديقة منزل حسن نور الدين.
كان المنزل مزدحم للغاية حيث الجميع حاضر بناءً على دعوتهم من تلك المتسامحة ذات القلب الكبير، تلك السميعة صاحبة القلب الأبيض. فقد جهزت لعزيمة كبيرة دعت بها شقيقتيها وزوجيهما وأنجالهما.
تحرك الجميع إلى الحديقة وجلسوا بمقاعدهم حول الطاولة المستطيلة المليئة بكل ما لذ وطاب من صنع أيادي سميحة ودعاء ورانيات.
تحدث حسن ببشاشة وجه مرحباً بالجميع.
"منورينا يا جماعة."
رد عليه كمال والد لبنى.
"ده نورك يا أبو هادي."
وأردفت مني موجهة حديثها إلى حسن.
"ربنا يجعل بيتك دايماً مفتوح وعمران بالخير يا أبو هادي."
ابتسم لها وتحدثت غادة إلى زوجها باهتمام.
"أحط لك بط يا خالد؟"
ردت عليها سميحة بنبرة لائمة.
"إنتِ بتسأليه يا غادة، حطي له طبعاً."
رد عليها خالد.
"تسلمي يا أم هادي وتسلم إيدك، طول عمر أكلك ليه نكهة مميزة خاصة بيكِ لوحدك، ودايماً بتميزك عن غيرك."
ابتسمت له وتحدثت.
"بألف هنا على قلبك يا خالد."
نظرت له غادة متصنعة الحزن وتحدثت.
"وأنا أكلي ما بيعجبكش ولا إيه يا أستاذ خالد؟"
ضحك الجميع وتحدث خالد بإطراء محب.
"إنتِ بقا أكلك ليه نكهة تالتة خالص يا غادة."
تحدثت مني إلى غادة.
"بصراحة بقا يا غادة خالد قال الحق، طول عمر سميحة نفسها في الأكل لا يعلى عليه."
ردت عليها غادة بوجه بشوش.
"أكيد يا أبله، أبلة سميحة ورثت النفس من ماما الله يرحمها."
نظرت لهما سميحة وتحدثت بوجه سعيد.
"ربنا يجبر بخاطركم يا بنات."
نظرت رانيا إلى حازم وتحدثت.
"أغرف لك محشي يا حبيبي؟"
هز لها رأسه بإيجاب وسعادة من اهتمامها التي باتت تغمره به. وأردف قائلاً.
"آه يا حبيبتي."
أما ذلك الثنائي العاشق فكانا يتناولان طعامهما تحت نظرات يملؤها العشق والغرام.
تناول الجميع طعامهم وسط أجواء عائلية سعيدة ومرحة.
بعد انتهاء وجبة الطعام لملمت نساء المنزل الصحون والأواني ودلفت رانيا ودعاء إلى المطبخ.
تحدثت رانيا إلى دعاء بحنان وهي ترتدي مريول المطبخ وتشرع في جلي الأواني.
"اعملي إنتِ الشاي يا دعاء وأنا هغسل المواعين وأشطب المطبخ."
ردت عليها دعاء.
"بس المواعين كتير أوي عليكِ يا رانيا، اغسلي نصها وأنا هكمل الباقي."
ردت رانيا بوجه بشوش.
"خليكي إنتِ عشان هشام الصغير وأنا هشطبهم على طول إن شاء الله."
نظرت لها دعاء بشكر واستغربت في حال نفسها، فسبحان الذي يغير ولا يتغير.
بعد قليل، كان يقف جانبًا بصحبتها يحتسون مشروب الشاي وتحدث هو.
"على فكرة يا لبنى، أنا أخدت لك إجازة من فايز بيه هتبدأ من بكرة."
أردفت قائلة بهدوء.
"مش لسه بدري على الإجازة يا هشام، ده فاضل على الفرح أسبوع بحاله، ولسه كمان إجازة شهر العسل؟"
أردف قائلاً باطمئنان.
"متقلقيش يا حبيبتي أنا اتفقت مع فايز وظبط كل حاجة."
واسترسل حديثه بنبرة سعيدة.
"سيبك إنتِ من ده كله، أنا مش مصدق نفسي إنك خلاص بعد أسبوع هتكوني مراتي."
ابتسمت وأردفت قائلة بنبرة سعيدة.
"أنا مبسوطة أوي يا هشام."
وأكملا حديثهما في سعادة.
***
داخل فيلا سليم.
حضرت عايدة وفؤاد ونهلة وأسامة وعفاف، محملين بالهدايا والأطعمة المتنوعة وجاءوا كي يطمئنوا على غاليتهم.
استقبلتهم العاملة التي حضرت صباحاً باحترام وصعدت لسيدها تبلغه.
دقائق معدودة وكانت تجاور معشوقها يتدليان الدرج سوياً بأيادي متشابكة وقلوب تتراقص على أنغام عشقهما الفريد.
رفعت عايدة عيناها تنظر لملاكها البريء التي تتدلي بثوبها الرقيق بلونه الأحمر الصارخ بأكمامه الطويلة الذي يصل طوله لنصف ساقيها، تاركة لشعرها الحريري العنان، وكانت قد وضعت بعض مساحيق الزينة التي جعلت منها أيقونة جمال متحركة على الأرض.
تحركت إليهم بوجه يشع احمراراً من شدة خجلها من والدها وأخاها والجميع.
اقتربت من وقوف والدها وارتدت داخل أحضانه الحانية. ربت فؤاد على ظهرها بحنان متحدثاً بسعادة.
"وحشتيني يا فريدة."
تحدثت من داخل أحضانه.
"وحضرتك كمان يا حبيبي وحشتني أوي."
أخرجها من بين أحضانه وحاوط وجهها بكفيه وتحدث مبتسماً.
"ألف مبروك يا حبيبتي."
ردت عليه خجلاً.
"الله يبارك فيك يا بابا."
أما عايدة التي احتضنت سليم وربتت على ظهره بحنان أم وتحدثت.
"مبروك يا حبيبي، ألف مبروك يا ابني."
خرج من بين أحضانها وأمسك كف يدها وقبلها وأردف قائلاً بنبرة صوت سعيدة.
"الله يبارك فيك يا أمي."
اقترب عليه أسامة واحتضنه سليم بأخويه وتحدث هو.
"ألف مبروك يا باشمهندس."
أما نهلة التي احتضنت شقيقتها وشددت من احتضانها وأردفت قائلة بنبرة حنون.
"وحشتيني يا فريدة، البيت وحش أوي من غيرك."
ابتسمت لشقيقتها وأردفت قائلة.
"وإنتِ كمان وحشتيني أوي يا نهلة."
أما عايدة التي احتضنت فلذة كبدها واطمأنت عليها، جلست عائلة فريدة بصحبة العروسان في جلسة يسودها الحب والود وبعد مدة اعتذروا وذهبوا.
اقترب سليم على حبيبته وأخذها بين أحضانه ثم تناولا غداءهما من أكلات عايدة اللذيذة وصعدا من جديد إلى غرفتهما.
***
ليلاً داخل غرفة الجاكوزي الذي أعدها سليم كي يرفه بها عن حاله وعروسه الجميلة.
كان مستلقياً على ظهره على حافة المغطس مسترخياً مغمض العينان ومحتضن تلك الجميلة من ظهرها بعناية، تغمر جسديهما المياه الساخنة برائحتها الذكية ودفئها المهدئ للأعصاب، ساكنين داخل الماء وكأن جسديهما تخدر.
أما عن المغطس فكان محاط بشموع متفرقة بألوان حمراء طغت ألوانها على ضوء الغرفة فجعلت الإضاءة خافتة بلون أحمر محبب للعين، وكانت تلك الشموع تفرز رائحة عطرة ملأت المكان بعبقها الرائع المحبب.
سحبت فريدة شهيقاً عميقاً وزفرته براحة وتحدثت بنبرة مسترخية ووجه منعش وعينان مغمضتان.
"سليم."
أجابها ذو القلب العاشق الهائم مٌهمهماً.
"امم."
ابتسمت وأردفت متسائلة.
"إنتَ نمت؟"
أجابها بهدوء واسترخاء.
"تؤ تؤ، بس حاسس إن جسمي كله متخدر."
وأكمل هائماً.
"إنتِ حلوة أوي يا فريدة، جمالك فاق كل توقعاتي وشقاوتك فاقت تخيلاتي."
ابتسمت وأردفت قائلة.
"شقاوة أنا بردو يا باشمهندس؟"
تحركت من داخل أحضانه وهي تسبح للداخل. انتفض جسده وفتح عينيه بلهفة حين ابتعدت عن أحضانه. ابتسم لشقاوتها حين رآها تتحرك داخل الماء بدلال أنثوي أثار داخله وزاد من جنونه بها. تحرك إليها محتضناً إياها وتحدث.
"مش ناويه تبطلي شقاوة إنهاردة ولا إيه؟"
حركت رأسها يميناً ويساراً وأردفت.
"تؤ تؤ، مش ناويه!!"
ضحك هو وأخذها داخل أحضانه وغاص معها من جديد داخل بحر عشقهما الحلال.
كانت السعادة دارهما الجديد وسكنيهما، والراحة والطمأنينة مكافأتهما من الله على صبرهما ودعائهما الذي لن يكل ولن يمل منه كلاهما، فحقاً من صبر زفر.
رواية جراح الروح الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم روز امين
ليلاً !!!
داخل إحدي المطاعم الفاخرة المتواجده داخل مدينه برلين
كانت تجاور زوجها الحبيب ويجاورهما ذاكَ الثنائي الوفي عَلي وأسم
تحدث عَلي إلي فريدة بتساؤل:
بمناسبة مرور أول إسبوع ليكِ معانا في الشغل يا فريدة،، يا تري نظام الشغل هنا عجبك ؟؟
أجابتهْ بنبرة جاده:
هو بعيداً عن إن الشغل هنا أكثر وبيحتاج منى مجهود ذهني وتركيز أعلي، وكمان برغم جدية المعاملة وإن مفيش أدني تهاون في حق الشغل إلا إني مرتاحه جداً،،يمكن البسبب في ده يرجع إلي إني شخصية جاده في شغلي وبحب النظام
أجابها عَلي بتأكيد:
ده أكيد
ثم نظر لها عاشقٌ عيناها وتحدث بنبرة جادة:
أحلا حاجه هنا في بلاد الغرب هي التقدير للعقليات والمعاملة علي حسب مجهودك وإجتهادك،،يعني كل ما تدي لشغلك حقه كل ما هتلاقي تقدير معنوي ومادي،، وعلي العكس
تحدثت أسما ردً علي حديث سليم وأردفت قائلة:
بس أكتر حاجة وحشه فيهم هي برودهم المٌميت، البرود هنا واخد حقه معاهم وزيادة، كل واحد في حالة، مفيش حد بيهتم بمشاعر حد ولا فيه اللمه الحلوة والقعدة الصافيه اللي من القلب،،،من الأخر كدة مفيش حياة
رد عليها عَلي بإبتسامة سعيدة:
أهي فريدة جت لك علشان ماتشتكيش من الوحدة وعدم الإختلاط،، إختلطي إنتِ وهي زي ما أنتم عاوزين !!
رمقهما سليم بنظرة حادة قائلاً:
لا بقول لك أيه إنتَ ومراتك إهدوا كده وإستكنوا في بيتكم،،إختلاط أية يا حبيبي إللي بتقول عليه ؟!
ثم نظر إلي فريدتهٌ بعيون يملؤها الغرام وأردفَ هائمً:
إحنا لسه عرسان جٌداد ومحتاجين للإسترخاء والعزله عن الجميع
قهقهَ علي وأردف قائلا بنبرة ساخرة:
حقك يا بااااشا،،كل واحد فينا بياخد له يومين ،،وإنتَ يومينك وجبوا يا حبيبي ،،كلها شهر وتنضم لقائمة البوساء
رمقته أسما بنظرة حارقه وإقشعرت ملامح وجهها
وتساءلت بنبرة حادة:
ويا تري بقا سيادتك من البوساء دول يا باشمهندس ؟
ضحك سليم وتحدثَ إليها بنبرة ساخرة:
سيادتك ده إسمه محطوط في أول القائمة،، وطول الوقت مقضيها هو ورٌفقاء السوء نواح وعويل وسخط علي الجواز واليوم اللي إتجوزا فيه
وضعت فريده كف يدِها الرقيق فوق كف يد معشوقها الأبدي وتحدثت بنبرة مٌحذرة:
سليم ما تهزرش في المواضيع دي،،أسما ممكن تصدق علي فكرة
أما عَلي فرمقهٌ بنظرة حارقه وتحدث بفحيح من ببن أسنانه موجهً حديثهٌ إلي فريدة:
سبيه يهزر براحته ويعمل كل اللي علي كيفه
ثم حول بصرهِ إليه وأسترسل بتهديد:
وليك يوم يا حبيبي وواجبك هيترد لك وبزيادة
قهقه سليم وأردف قائلا بغرور:
مش أنا يا حبيبي اللي يتقال له الكلام ده،،أنا سليم الدمنهوري يا باشا
نظر عَلي إلي أسما وأمسك كف يدها بحنان وأردفَ قائلا بنبرة عاشقه:
وأنا حبيبتي واثقة فيا لأبعد مدي وأكيد مش هتصدق مجرد كلام مٌرسل،،مش كده ولا أية يا قلبي ؟؟
إبتسمت له بهيام وهزت رأسها بطاعه:
أكيد يا حبيبي !!
تحدث سليم إلي أسما:
بلفك بكلمتين علي غلاب
إبتسمت أسما وتحدثت إليه فريدة برجاء ووجهٍ شاحب:
خلاص بقا يا سليموه
هنا جاء إليهم النادل يحمل بين يديه حاملً موضوع فوقهٌ بعض الصحون المملؤة بالأطعمه المحببه لديهم بناءً علي طلبهم،، وبدء برص الصحون فوق الطاولة برتابه ورحل هو
أمسك سليم الشوكة والسكين وبدأ بتقطيع الطعام ثم غرس قطعة لحم وقربها من فمْ حبيبته،، نظرت إليه وقد بدا علي وجهها الإرهاق والتعب
إقشعرت ملامحها وتحدثت برفضٍ قاطع:
أرجوك يا سليم إبعد الأكل،،مش قادرة حتي أشم ريحته
قربها أكثر من فمها وأردفَ قائلاً بإصرار:
مش قادرة أيه يا حبيبي،،إنتي مأكلتيش حاجه من الصبح
شعرت بحاجتها إلي التقيؤ،، أبعدت يدهٌ بحده ووضعت يدها فوق فمها ثم وقفت وأسرعت بإتجاه المرحاض،، جري خلفها ذلك العاشق وتلاهٌ أسما وعَلي اللذان تحركا سريعً خلفهما
وصلت أسما إلي سليم الواقف أمام المرحاض الخاص بالسيدات والقلق ينهش داخله ويظهر فوق ملامحهٌ
تحدث بلهفه إلي أسما:
إدخلي شوفيها بسرعه يا أسما
هزت لهٌ رأسها بطاعه ودلفت سريعً
وقف علي بجانبهٌ مربتً علي كتفهِ وحدثهُ بطمأنينة:
ماتقلقش يا سليم،،أكيد أخدت برد في معدتها من تغيير الجو هنا
هز لهٌ رأسهٌ بإيماء والصمت والقلق يسيطران عليه
أما بالداخل،،جرت أسما إلي فريدة التي تقف أمام الحوض تتقيئ بإرهاق والتعب يظهر فوق ملامحها،، وقفت تٌساندها حتي أفرغت ما بداخل معدتها وأنتهت،، ثم غسلت وجهها بالماء الفاتر
وقفت منتصبة الظهر ورفعت وجهها للاعلي،، سحبت شهيقً عالياً وزفرته بهدوء
أطالت أسما النظر إلي وجهها تتمعن ملامحها وتساءلت:
بقيتي أحسن ؟؟
هزت رأسها بإيمائة بسيطه وأجابت بهمهمه:
أم
إبتسمت لها أسما وتحدثت بغمزة من عيناها:
مبروك يا ديدا
ضيقَت عيناها بإستغراب وأردفت بتساؤل مٌتعجب:
مبروك علي أية ؟!
ضحكت أسما وأردفت قائلة بنبرة دٌعابيه:
مبروك علي سليم الصغير اللي هيشرفنا قريب
نظرت لها ببلاهه،، ثم إستوعبت حديثها وأردفت قائلة وهي تضع يدها فوق أحشاءها:
تقصدي إني ٠٠
لم تٌكمل جملتها لمقاطعة تلك الأسما التي أردفت قائلة بنبرة سعيدة:
حامل يا فريده،،وشك أصفر والحمل باين أوي عليه
إبتسمت فريده حين تذكرت أن دورتها الشهرية قد تغيبت عنها منذُ خمسةُ أيام ولكنها أرجعت ذلك السبب للخبطت الهرمونات من جراء الزواج ليس إلا
إحتضنتها أسما بسعاده،،وبعد مده خرجتا من الباب،، جري عليها سليم وأمسك كتفيها بعناية وتساءل بلهفة ورعب ظهر بعيناه:
مالك يا حبيبي،،إنتِ تعبانه،،طب حاسه بأيه قولي لي ؟؟
ثم حاوط كتفه وهو يحثها علي التحرك معهْ وتحدث:
يلا يا حبيبي نروح المستشفي علشان أطمن عليك
نظرت له خجلاً وهزت رأسها بالنفي وكادت أن تتحدث سبقتها اسما التي تحدثت بإبتسامة سعيده:
إهدي يا سليم ومتخافش أوي كدة،، اللي حصل لفريدة ده طبيعي جداً للي زيها،،ومش مستاهل كل القلق ده
من كتبادل النظر بينهٌ وبين علي الذي فهم مغزي حديث زوجتهٌ وأبتسم،، ثم نظر سليم إلي فريدة التي إكتسي وجهها باللون الاحمر جراء خجلها العالي
حول بصرهِ إلي أسما ونظر لها بعدم إستيعاب فتحدثت أسما وهي تطلق ضحكاتً خفيفه:
مبروك يا سليم،،هتبقا بابي قريب
نزلت تلك الكلمات البسيطه علي قلبهِ المٌشتاق لذلك الخبر والذي طالما حَلٌمَ به علي مدار سنوات وزلزلهْ،فكمْ من المرات التي سرحَ به خيالهٌ وتخيلَ وجود طفلً لهٌ بالحلال داخل أحشاء أميرته الغالية وفريدته
حول بصرهِ إلي تلك الخجلة وطال النظر بينهما وبدون سابق إنذار وصمتٍ تام جذبها وخبأها داخل أحضانه مٌتملكً إياها برعاية
إنسحب علي من المكان هو وزوجته إجلالاً وأحترامً لخصوصية تلك اللحظه المقدسة، وأنتظراهما بالخارج
بعد مده وعا علي حالهما وأخرجها هو ثم حاوط وجهها بكفي يداه برعايه ونظر داخل عيناها وتساءل بنبرة هائمة:
فريده،،الكلام اللي بتقوله أسما ده صحيح ؟؟
هزت رأسها بإيمائة بسيطة وتملكَ الخجل منها فتساءل هو بفرحة عارمة:
يعني حبيبي فعلاً شايل جواه حته مني،،حامل يا فريدة،،حامل في إبني ؟؟
إبتسمت خجلاً وتحدثت بنبرة صوت ضعيفه خجله:
مبروك يا سليم
إنفرجت أساريرهٌ وأجابها بعيون عاشقه ونبرة حنون:
يا عٌمر وقلب سليم إنتِ
كاد لو يود أن يحتضنها ويٌميل علي عٌنقَها وشفتاها ويٌقبلهما بشده لكنهٌ تمالك حالهٌ لأبعد الحدود،، ثم إحتضنَ كف يدها بتملٌك
وتحركا للخارج حتي وصلا إلي مجلس أسما وعَلي الذي وقف سريعً ونظر إليهما وتحدث بإبتسامة عارمة وفرحة أخويه:
مبرك يا فريدة
أجابته بنبرة خجِلهْ:
مٌتشكرة يا عَلي
ثم تحرك إلي سليم وجذبهٌ داخل أحضانه وبات يٌربت علي كتفهِ بحنان وتحدثَ مهنئً صديق عٌمرهِ:
ألف مبروك يا سليم،،مبروك يا صاحبي
بادلهٌ سليم الحضن وشدد منه قائلاً بسعاده:
تسلم لي يا عَلي
وقفت أسما بجانب فريده وأمسكت يدها وتحدثت بفرحة عارمة:
مبرررروك
إبتسمت لها فريدة وأجابتها بفرحة عارمة:
الله يبارك فيكِ يا أسما
أشار لهما عَلي متحدثً:
ماتقعدوا،،واقفين ليه ؟؟
أجابهٌ سليم وهو ينحني لمستوي المقعد ليلتقط معطف معشوقة عيناه وحقيبة يدها مٌعتذراً بلباقة:
معلش يا جماعه،،إحنا هنضطر نمشي علشان هاخد فريدة وأوديها المستشفي واطمن عليها،، وكمان علشان نتأكد من الخبر وبعدها هنروح علشان فريدة ترتاح
عرضت أسما المساعدة مُتحدثه:
طب أنا هاجي معاكم علشان أكون مع فريدة
أشار لها سريعً:
لا يا أسما أرجوكِ،،خليكم إنتم إتعشوا علشان ما تتأخروش علي سليم الصغير
أكد عَلي علي حديث زوجته ولكن سليم أصّر على موقفهٌ الرافض وأخذ زوجته وذهبا إلي المشفي حيث قامت الطبيبة النسائيه بفحصها وإجراء الإختبار اللازم للتأكٌد من حملها ،،وبالفعل تأكدت من الحمل الذي إكتملَ إسبوعهٌ الخامس ،،حيثٌ أنهٌ تم مٌنذ أول ليلة بالزفاف
وبعد مٌدة كانت تقطن داخل أحضانهِ الحانية تغفوا بسلام فوق تختهما ، أما هو فكان ينظر إليها ويمسح بحنان فوق شعرها الحريري ويفكر بإستيعاب عطايا الله الهائلة له ، وكم أن ربهٌ رضي عليه وأكرمه وأعطاهٌ الراحه والسعادة بسخاءٍ وكرمٍ ليس ببعيد علي قدرة وعظمة الله عز وجل
أخذ شهيقً عميق وزفرهٌ براحه وهدوء،،
وبلحظة غفي بسلام بجانب أميرتهٌ حاملة حٌلمهٌ الغالي
***☆***☆***☆***☆***
بعد مرور خمسة أشهر
داخل ألمانيا
كانت تجاورهٌ الجلوس بإرتخاء فوق الأريكة المتواجده ببهو منزلهما السعيد ، تسترخي للخلف ببطنها المٌنتفخ جراء حَملِها بتؤمها الأول والذي أسعدهٌ وأشعرهٌ بقمة الشٌكر لله عندما علم أنهما صبي وفتاة !!
أمسك قطعة من ثمار التفاح الشهي وقربها من فمها ،،نظرت لهٌ بحنان وإقتضمت نصفها وإقتضم هو باقي القطعه
كاد أن يٌقدم علي تقطيع ثمرةً أخري أوقفته هي بإشارة من يدها قائلة بتملل ودلال:
كفاية يا حبيبي،، شبعت ومش قادرة أكل أكتر من كده
إبتسم لها وأبعد صَحن الفاكهه واضعاً إياه فوق المنضده وسند ظهرةِ خلفاً ثم سحبها داخل أحضانه وتحدثت هي علي إستحياء:
سليم
أجابها علي الفور:
نعم يا قلب سليم
تحدثت بنبرة مٌتلبكة:
إحنا طبعاً هننزل الإسبوع الجاي مصر علشان نحضر فرح ريم
أجابها بهدوء:
إن شاء الله يا حبيبي
تلبكت مرة أخري وخرجت من بين أحضانه تنظر إليهِ بتوتر فتساءل هو بإستغراب:
مالك يا فريدة ؟؟
أجابتهْ بنبرة مٌترقبه:
بصراحه كده أنا عوزاك تصالح مامتك وتعتذر له
نعم،، قالها وهو يتراجع بجلسته وينظر إليها بإستغراب
ثم أكمل بتعجب لحديثها:
أصالحها وأعتذر لها كمان،، ليه،، هو مين اللي غلط في حق التاني يا فريده ؟!
اجابتهٌ سريعً:
يا سيدي عارفه إنها غلطت وغلطها كبير كمان، بس خلاص يا سليم،،مش هنفضل نعاقبها العمر كله علشان غلطة
تحدث بهدوء محاولاً تمالك أعصابه كي لا يٌحزنها:
خليكي بعيد عن الموضوع ده أحسن يا فريده
ردت عليه برفضٍ وإصرار:
لا مش هخليني يا سليم،،بصراحه أنا مش عاجبني إنك تقاطع مامتك الفترة دي كلها،، إنتَ كدة بتغلط وبتغضب ربنا يا سليم
إتسعت عيناه ونظر لها بذهول وأردف مٌتساءلاً:
أنا بغضب ربنا يا فريده ؟!
ردت عليه بنبرة جاده:
أيوة بتغضب ربنا يا سليم،،ربنا قال في كتابهٌ العزيز،، بسم الله الرحمن الرحيم،، "وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًانظر لها بملامح حزينه وأجابها مٌفسراً لموقفهٍ:
بس أنا عمري ما كٌنت وحش في أمي يا فريدة،، أنا بقَوم سلوكها علشان بعد كده تفكر بدل المرة ألف قبل ما تٌقدم علي أي خطوة
أجابته بنبرة هادئة ولكن معترضه:
مش مطلوب منك كده علي فكرة،،دي أمك، يعني كل اللي مطلوب منك هو إنك تبرها وتودها وتديها كامل الإحترام
أجابها مفسراً لموقفهٌ:
وأنا عمري ما كنت عاق في معاملتي لأمي يا فريدة ، حتي بعد ماعرفت إنها كانت السبب في بعدي عنك طول السنين دي كلها ، مأذتهاش بكلمة واحده وكل اللي عملته هو إني بعدت عنها علشان مأذيهاش حتي بالنظرة ،،لكن للأسف مفهمتش رسالتي ، بعدها راحت لكم البيت وغلطت في حقك إنتِ وأهلك ،،وبردوا سكت
وأكملَ مٌعترضً:
لكن لما يوصل بيها الحال إنها تمشي ورا الشيطان اللي إسمه حُسام وتعمل اللي عملته ده،، هنا بقا Stop ونقطة ومن أول السطر يا باشمهندسة !!
لحد هنا وكان لازم أقف لأمي وامنعها من إنها تأذي نفسها قبل غيرها ، للأسف أمي الفلوس خلتها إتجبرت وبقت محتاجه لضرورة التقويم لسلوكها وتفكيرها الخاطئ ، وخصوصاً بعد ما إبتدت تدوس علي مشاعر وقلوب الناس من غير حتي ما تحس بالذنب
وأسترسلَ مٌفسراً:
والتقويم ده مكنش هيحصل غير لما تحس إنها فقدت القوة اللي وصلتها لحالة التجبر دي،،،وأول قوة أمي كانت بتستقوي بيها هي أنا يا فريده
وأكملَ بتيقن:
وجودي معاها وطاعتي ليها وغفراني المتساهل لكل ذنب بتعمله هما اللي وصلوها لكده
ردت علي حديثهٌ بهدوء وحكمه إكتسبتهم من أصلها الطيب:
مش مطلوب منك كل ده،،،أهلنا هما اللي المفروض يربونا ويقومونا،، مش العكس يا سليم
أجابها بقوه وإصرار على موقفهٌ:
أنا عملت اللي أنا شايفه صح من وجهة نظري ولمصلحة أمي،،وجهة نظرنا للموضوع مختلفه يا فريدة، وعلي فكرة،، أنا أستشرت دكتور نفسي قبل ما أخد الخطوة دي وهو اللي شجعني
ثم نظر لها وتحدث بهدوء:
ممكن بقا تهدي ومتفكريش في أي حاجه علشان خاطر اللي في بطنك
أجابته بهدوء:
ما اللي أنا بقوله ده علشان اللي في بطني يا سليم
وضعت يدها تتلمس وجنتهٌ بحنان وأردفت قائلة بنبرة هادئة:
أرجوك يا حبيبي تفهمني ، أنا مش حابه ولادي ييجم للدنيا ويلاقوا علاقة بباهم بجدتهم مقطوعه،، إزاي هيجي لي عين أدعي ربنا واطلب منه إنه يبارك لنا في ولادنا ويجعلهم بارين بينا وإنت مقاطع مامتك يا سليم
وأكملت برجاء:
علشان خاطري يا سليم،،وحياة فريده عندك كفاية بٌعد وجفا لحد كدة
إحتضن كف يدها الموضوع فوق وجنته وقبلهٌ بحنان وتفاخر بزوجتهِ ذات المعدن الطيب وتحدث هامسً:
وحياة فريدة لأعملك كل اللي إنتِ عوزاه
ثم أكمل بنبرة حزينه:
وبعدين مين اللي قال لك إني مش هتجنن علشان أشوفها وأخدها في حضني وأراضيها ،،إنتِ فاكرة إن بٌعد أمي عني مش فارق معايا ؟؟بالعكس يا فريدة،،أنا طول الوقت حاسس بالذنب وحاسس إن ربنا زعلان مني ، وده بالفعل ظهرلي في عدم توفيقي في شغلي الفترة اللي فاتت،، وكأن ربنا بينبهني وبيقول لي فوق من غفلتك قبل فوات الأوان
وأكمل بهدوء:
وبرغم إن بعمل كده غصب عني وعلشان مصلحتها وربي شاهد وعالم بصحة كلامي،، إلا إني زعلان من نفسي جداً ،،بس هانت يا حبيبي،،والله هانت
تنفست عالياً وأبتسمت لزوجها الحنون وتحدثت:
أنا بحبك أوي علي فكرة
إبتسم لها وسحبها من جديد داخل أحضانهْ الدافئة وسحب عليها الغطاء وردَ قائلاً:
وأنا بعشقك يا فريدة
***☆***☆***☆***☆***
بعد إسبوع وصل فريده وسليم وعلي وأسما إلي أرض الوطن بسلام كي يحضروا حفل زفاف ريم ومراد
أوصل سليم فريدة إلي منزل والدها حيث إقترحت هي عليه أن يذهب إلي والدتهِ بدونها كي تٌفسح لهم المجال بالعتاب والحديث براحه دون حساسية وجودها
وصل سليم إلي منزل والدهِ قابلهٌ قاسم بحفاوة وأحتضنهٌ بحنان قائلاً:
حمدالله على السلامه يا باشمهندس !!
أجابهٌ سليم بحنان:
الله يسلم حضرتك يا بابا
خرجت ريم من غرفتها علي صوت أبيها رأت شقيقها الغالي جرت عليهْ صارخه بإسمهِ بسعادة،،إحتضنته بحنين قائلة:
حمدالله علي السلامه يا حبيبي،،وحشتني أوي يا سليم
رد سليم عليها وهو محتضن وجهها بكفيهِ بعنايه:
وإنت كمان وحشتيني أوي يا حبيبتي،،وأكملَ بحنان:
مبروك يا عروسة
ألتهبت وجنتيها خجلاً وتحدثت:
الله يبارك فيك يا حبيبي !!
وجه قاسم سؤالهٌ لنجلهِ بإهتمام:
أومال فين مراتك يا أبني ؟!
اجاب والدهٌ بهدوء:
وديتها عند بباها
كانت تقبع داخل منفاها ودموع الحنين تنهمر فوق وجنتيها بغزارة وذلكَ حين أستمعت لصوتهِ التي إشتاقته بجنون،،إشتاقته وأشتاقت رائحتهٌ العطرة ، نظرة عيناهٌ الحانيه ، صوتهٌ الحنون المنادي بأمي
وبرغم إشتياقها الحاد له لن يحق لها الخروج لإستقباله وأخذهِ بين أحضانها
إستمعت لطرقات خفيفه فوق الباب،،إعتدلت بجلستها وجففت دموعها سريعً إمتثالاً لكرامتها وتحدثت بنبرة ضعيفه:
أدخل
فتح الباب بهدوء ونظر لغاليتهٌ التي إشتاقها حد الجنون،، ولكن ما منعهٌ عنها غير إرادتهِ القوية في تقويمها وتعديل سلوكها الذي أصبحَ مؤخراً أناني وغير مبالي بقلوب البشر بطريقة غير مقبوله ولا مٌرضيه له ولا لرب العالمين
إنتفض قلبها بشده حين رأتهْ متواجداً أمامها ينظر إليها بقلبٍ مٌنفطر لأجل هيئتها التي تبدوا عليها ، حيثٌ فقدت كثيراً من وزنها وذبلَ وجهها وكٌسر كبريائها الذي إعتاد عليه منها
إنتفض قلبهٌ صارخً لأجلها وتحرك إليها بساقين مرتعشتين ،،جلس بجانبها فوق تختها ،،فأنزلت بصرها خجلاً وفرت دمعه هاربه من بين جفنيها
صرخ قلبهٌ لاجلها
أمسك كف يدها بعنايه وأشتياق وأردف قائلاً بنبرة حنون:
أزيك يا ماما
رفعت إليه بصرها وتعمقت داخل مِقلتيهْ بحنان وبدون سابق إنذار إنهمرت دموعها بشدة وشهقة عالية خرجت من صدرها شقت بها صدرهْ
صرخ قلبهٌ مٌتالمً لأجلها،،جذبها بعناية وأدلفها لداخل أحضانه وبدأ بتهدأتها قائلاً وهو يتحسس ظهرها بعناية:
أنا أسف يا حبيبتي،،والله أسف،،والله أسف،، حقك علي راسي يا أمي
كانت تبكي داخل أحضانه مٌتشيثة بكتفيه بشده وكأنها تخشي رحيلهٌ وإبتعادهٌ من جديد
فتحدثت بنبرة مٌستعطفة قطعت بها نياطَ قلبهِ:
أنا اللي أسفه يا سليم،،أنا اللي أسفه يا أبني
وخرجت من داخل أحضانه وتحدثت من بين شهقاتها وبنبرة ذليله أردفت بلهفه:
أنا أسفه ومستعده أبوس إيدك وإيد مراتك بس إرجع لي زي الأول يا سليم،،إرجع لحضني تاني يا ابني
إتسعت عيناه بذهول ورفض عقلهٌ تصديق ما تراه عيناه من ذل وأستهانة والدتهٌ الغاليه بتلك الطريقه المهينه لكبريائها
هز رأسهٌ نافياً وأردفَ برفضٍ تام:
لا عِشت ولا كٌنت لو خليتك تهيني نفسك ليا أو لأي مخلوق في الدنيا دي كلها،،إنتِ غالية أوي يا أمي وغلاوتك ماتتقارنش بأي حد أصلاً ، إنتِ أغلي عندي من مراتي ومني أنا شخصياً
يعني إنتَ خلاص مش زعلان مني يا سليم،،،كلمات تساءلت بها أمال بنبرة مٌتلهفه ونظرة مترقبه
صرخ قلبهُ لأجلها وأردفَ قائلا بنبرة حنون ولمعة دمعة سكنت مقلتيه:
أنا مقدرش ازعل منك يا حبيبتي ،،بٌعدي عنك كان مجرد تعبير عن إعتراضي علي تصرفاتك الأخيرة مش أكتر، ، لكن ربنا يعلم أنا قضيت الكام شهر اللي فاتوا دول وعدوا عليا إزاي !!
مالت برأسها وبكت بفرحه ،،وضعت يدها فوق ذقنهِ النابته تتحسسها بحنان وتساءلت:
يعني خلاص سامحتني ومش هتبعد عني تاني يا حبيبي ؟؟
هز رأسهٌ نافياً وأمسك كف يدها مٌقبلاً إياه بحنان وتحدث:
أوعدك إن عمري ما هبعد عنك تاني يا حبيبتي
طب ومراتك ؟،،قالت جملتها بترقب قلق
إبتسم لها وأجابها بإبتسامه:
فريدة هي اللي اترجتني علشان أجي أعتذر لك يا أمي !!
إختفت إبتسامتها وحزن داخلها وتساءلت:
يعني لولا مراتك قالت لك مكنتش هتسامحني يا سليم؟؟
إبتسم لها وتحدث بنبرة صادقة:
هتصدقيني لو قٌلت لك إني كٌنت مقرر أرجع لك وأعتذر لك قبل ما هي تفاتحني ؟؟
إبتسمت وأردفت قائلة بنبرة حنون:
المهم إنك رجعت لي ،،ريم قالت لي إن فريدة حامل
إبتسم لها وأردفَ قائلا بتأكيد:
جهزي نفسك يا أمال هانم،،هتبقي أجمل وأصغر وأشيك تيتا لأجمل توينز،، ولد وبنوته
إتسعت عيناها بذهول وآنبهار وتحدثت بنبرة صوت سعيدة:
مبروك يا حبيبي،،ربنا عوض صبرك إنتَ ومراتك خير
وقف وأوقفها معهْ وتحدث قائلاً لها بهدوء:
أنا خارج أتكلم مع بابا شوية علي ما حضرتك تاخدي شاور وتتشيكي وتظهري في أبهي صورة ليكِ علشان تخرجي تعملي لي الأكل اللي بحبه من أديكي
أجابته بنبرة حزينه وملامح مٌنكسرة ذليله:
مش هينفع يا سليم،، أنا ممنوع أخرج من أوضتي طول ما بباك موجود في البيت
قبل وجنتها قائلاً بإطمئنان وتحدث:
كل حاجه هترجع زي الأول وأحسن يا حبيبتي ،،متقلقيش يا امي
نظرت له ببارقة أمل وتحرك هو للخارج وأسرعت هي إلي المرحاض لتفعل ما طلبهٌ منها نجلها العزيز وغاليها
***
جلس بجانب والدهٌ وأستسمحهُ وطلب منه إرجاع والدتهٌ إلي مكانتها الاولي
فتحدثَ قاسم محاولاً التماسك:
أيوة يا أبني بس أنا حالف يمين وحرمتها علي
أرد عليه سليم مٌفسراً:
أنا سألت في مشيخة الأزهر وعرفت إن يمين التحريم ليه كفارة بتندفع وكأن الأمر لم يكٌن،،صيام شهرين متتاليين أو إطعام أو فلوس ،،الأمر محلول بإذن الله يا بابا
تحدث قاسم بتمنع مٌصطنع وذلك لحفظ ماء الوجه:
أمك معملتش حسابي وصغرتني قدامك وقدام الناس يا سليم،،وأنا خلاص،، مبقتش عاوزها تاني في حياتي
أجاب والدهَ ناهياً النقاش في ذلكَ الموضوع:
خلاص بقا يا بابا علشان خاطري ،،مش قولنا ننسي اللي فات ؟
واكملَ مٌداعبً إياه:
وبعدين ملوش لزوم تعاند نفسك وتكابرها اكتر من كده،،أنا عارف يا قاسم بيه إنك تعبان وتايه من غير ماما،،بأمارة عينك اللي كانت هتسيب حضرتك وتجري جوة الاوضه تدور عليها وأنا بفتح الباب وخارج من عنده
تحمحمَ خجلاً وأردف قائلاً بنبرة صارمه:
وبعدين يا ولد
غمز سليم بعيناه وتحدث:
خلاص بقا يا أبو سليم قلبك أبيض
بعد مده من الوقت كانت ريم تجاور شقيقها بالوقوفوكان قاسم يقف مقابلاً لوقفة أمال التي تنتفض داخلياً وتحدثت بنبرة صوت ضعيفه:
أنا أسفه يا قاسم
إنتفض داخلهٌ بسعاده وتحدث إليها بنبرة حاول التحكم بها كي لا يصرخ بإسمها ويأخذها داخل أحضانه وذلك لشدة إشتياقه لها:
ولا يهمك يا أمال،،يلا أدخلي المطبخ إعملي لنا الغدا علشان سليم وحشه الأكل من إديك
نظرت له بحنين وتحدثت بنبرة هادئة رقيقه متحمسه:
حاضر يا قاسم ، ساعه بالكتير والأكل يكون جاهز
وتحركت إلي المطبخ إلي أن أوقفها صوت قاسم الحاني:
أمال
إستدارت له فاسترسل هو حديثهٌ ذات المعني:
إعملي إنتِ الأكل وخلي رٌقيه تاخد البنات وينقلوا حاجتي من أوضة سليم لأوضتنا
نظرت ريم إلي سليم وأبتسما بسعادة وإنتفض داخل أمال بفرحة عارمه
فأكمل قاسم مفسراً موقفه بإحراج:
يعني ، أنا بقول نفضي الأوضه علشان سليم لو حب يجيب مراته ويباتوا هنا
ثم نظر إلي سليم وتساءل:
ولا أيه يا سليم ؟
رد سليم سريعً لمساندة والدهٌ:
كلام حضرتك مظبوط يا بابا،،أنا فعلاً هجيب فريدة اليومين الجايين ونبات هنا وأكيد هحتاج لأوضتي
إبتسمت أمال وتحركت سريعً لداخل المطبخ وأخبرت العمال بسرعة نقل كل الاشياء الخاصه بقاسم ووضعها من جديد إلي غرفتها
وبعد مده جلس الجميع حول مائدة الطعام وتناولوا طعامهم بشهيه مفتوحه وأحاديث مثمرة ونظرات متشوقه وعاشقه بين قاسم وآمال ومشاعرهم الجياشه التي ولدت من جديد
إنتهي البارت
رواية جراح الروح الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم روز امين
داخل إحدي الأوتيلات الفخمه التي تم تجهيزها للزفاف الضخم، أشرف صادق بنفسه على التجهيزات كي يظهر الحفل بشكل يليق بنجل الدكتور الكبير صادق الحسيني.
كانت تقف بقمة سعادتها باستقبال المعازيم وهي تتوسط زوجها الحبيب ونجلها الغالي، بعدما سامحها كلاهما وبث لها كل منهما حبه وعبر لها عن مشاعرهما الغالية تجاهها.
أمسك قاسم كف يدها وقبّلها بعيون متلهفة وتحدث إليها:
"مبروك يا أم العروسة."
ابتسمت له وأجابته بحب:
"ميرسي يا حبيبي."
أكمل بعيون مغرمة وكأنه أصبح ابن العشرين في عشقه:
"هو انتِ حلوة أوي كده ليه النهارده؟"
ضحكت بدلال وأجابته بنبرة محذرة:
"ابنك يسمعك يا قاسم!"
رد عليها بنبرة قوية:
"ما يسمع، أنا هخاف من ابني ولا إيه؟"
ضحكا وتبادلا النظرات العاشقة بينهما.
كان يتحدث في هاتفه الجوال ثم أغلقه ونظر إليهما وأردف قائلاً:
"بابا، فريدة وصلت بره هي وأهلها، هروح أستقبلهم."
أجابه قاسم بموافقة:
"تمام يا سليم، بس متتأخرش علينا."
وبالفعل خرج لاستقبالهم. وبعد مدة وقفوا جميعاً أمام أمال وقاسم وتبادلوا التهاني الحارة مع قاسم. أما أمال فكان السلام من الجميع بارداً. تحرك بهما سليم لإحدى الطاولات العائلية وأجلسهم باحترام.
بعد مدة ذهبت أمال إلى فريدة وتحدثت بحنين وهي تنظر إلى أحشائها المنتفخة التي تحمل أولاد غالية. تحدثت بنبرة صوت حنون تحمل بين طياتها أسفًا غير مباشر:
"أزيك يا فريدة؟"
ابتلعت فريدة لعابها وتوترت ثم تحاملت على حالها وذلك لتعبها من جراء الحمل. وقفت احترامًا لوالدة زوجها الغالي وتحدثت بنبرة رسمية:
"الحمد لله يا أفندم."
نظرت لأحشائها بحنين وتحدثت:
"مبروك، خلي بالك من أحفادي وغذيهم كويس، عاوزاهم يطلعوا في جمال وحنية مامتهم وأقوياء زي سليم."
ابتسمت فريدة فأردفت أمال باعتذار مباشر:
"أنا آسفة يا فريدة، أرجوكِ تقبلي اعتذاري على كل اللي بدر مني ناحيتك وناحية أهلك."
أجابتها فريدة بوجه بشوش ونبرة صوت صادقة:
"مفيش داعي للأسف حضرتك، أنا نسيت كل حاجة إكرامًا لسليم وغلاوته."
تحدثت أمال وهي تنظر لها باستحياء:
"انتِ حلوة أوي من جوه يا فريدة، ومحدش غيرك فعلاً كان يستاهل ابني."
فتحت لها ذراعيها في دعوة منها لاحتضانها، فدلفت فريدة لداخل أحضانها تحت سعادة سليم الذي ينظر إلى غاليتاه من بعيد بترقب شديد، وعايدة وفؤاد ونهلة الذين اطمأنوا على غاليتهم وسط تلك العائلة.
خرجت فريدة من بين أحضانها، ثم نظرت أمال إلى عايدة وأردفت قائلة بنبرة صادقة معتذرة:
"أنا آسفة."
وقفت عايدة ومدت يدها لها وربتت على كف يدها وتحدثت بنبرة حنون:
"حصل خير واللي فات مات يا مدام عايدة، إحنا خلاص بقينا أهل ومفيش بينا الكلام ده!"
شكرتها أمال وتوجهت مرة أخرى لزوجها ونجلها بصحبة فريدة التي جلبتها لتقف بجانب زوجها في يوم مهم كهذا.
أما مراد الذي كان يقف بانتظار عروسه الجميلة بعدما صعد قاسم كي يأتي بها ليسلمها لزوجها.
اقتربت ريم من مراد التي كانت سعادته تتخطى عنان السماء، تسلمها من بين أيدي قاسم وقبّل جبينها ناظرًا لعيناها بشوق العالم أجمع.
وأردف قائلاً لها بنبرة حنون متأثرة:
"مبروك يا قلبي، نورتي حياتي كلها يا ريم!"
أجابته من بين خجلها الشديد:
"الله يبارك فيك يا مراد."
تحرك بها قاصدًا المكان المخصص لجلوس العروسين تحت التصفيق الحار وتناثر الورود فوق رأسيهما. جلسا العروسان وأنهالت عليهما المباركات والتهاني.
احتضنته هناء ودموع فرحها تنهال فوق وجنتيها بسعادة وتحدثت:
"مبروك يا قلب ماما، مبروك يا مراد."
شدد من احتضانها متأثرًا بدموعها ثم أخرجها وأمسك كف يدها وقبّلها باحترام وأردف قائلاً بنبرة حنون:
"الله يبارك فيكِ يا أمي."
احتضنت ريم وتحدثت بنبرة مترجية:
"خلي بالك من مراد يا ريم، مراد أمانتي الغالية ليكِ، حافظي عليها وراعيها بحنيتك عليه وطبطبتك على قلبه!"
ابتسمت لها ريم وتحدثت خجلًا بكلمات مطمئنة إياها بها:
"مراد في عيوني يا ماما، متقلقيش عليه."
نظر لها مراد بعيون هائمة بعشقها.
وبعد مدة بدأت رقصتهما الأولى. تحرك بها حيث الدنس فلور وبدأ برقصتهم بحرفية عالية، من ذلك المراد الذي قام برفعها واحتضانها مرة واحدة وبدأ يدور بها بسعادة تحت سعادة ريم وانتشائها وتصفيق حار من الجميع.
ثم أنزلها وقبّل وجنتها تحت خجلها وتحدث وهو ينظر داخل عيناها:
"بحبك يا ريم، بحبك."
أجابته خجلًا بابتسامة سعيدة:
"بحبك يا مراد."
انتهى الحفل بسلام وأخذ مراد عروسه الجميل وصعد بها إلى جناحه حاملاً إياها بين ساعديه القويتين كفراشة رقيقة.
دلف للداخل ومازال يحملها، نظر لداخل عيناها بشوق وحنين قائلاً:
"نورتي حياتي يا كل حياتي."
خجلت ريم ودفنت وجهها داخل عنقه وهي لا تعلم أنها وبتلك اللمسة قد أشعلت جسد ذلك المراد بالكامل.
تحدث ومازال يحملها:
"ريم، ارفعي وشك، عاوز أشوف عيونك."
رفعت له وجهها فإذا به يميل على شفتيها وينهل من شهدهما بجوع شديد لعشقها الحاد المتعمق داخله.
ثم تحرك بها ووضعها فوق التخت بهدوء. خلع عنه حلة بدلته ورماها بإهمال فوق مقعد جانبي ثم جلس بجانب تلك التي تشعر بأنفاسها ستنقطع من شدة خجلها.
فزعت وهلعت من تقربه بها وتحدثت متهربة:
"هو إحنا مش هنتعشى؟"
ضحك بخفة من أفعال تلك المتهربة وتساءل بنبرة زلزلت كيانها:
"هو حبيب جوزه جعان؟"
ابتلعت لعابها من جاذبيته العالية ونبرة صوته الحنون ونظراته العاشقة الراغبة.
هزت رأسها بإيجاب وتحدث هو غامزًا بعينه:
"ما أنا هاكلك حالاً."
وأقترب منها. هزت هي رأسها بنفي ووقفت بفزع وتحدثت بنبرة متلبكة:
"مراد، إحنا لازم نبدأ حياتنا بالصلاة علشان ربنا يبارك لنا فيها."
أخذ شهيقًا عميق وزفره بهدوء وأجابها معتذرًا عن سهوته تلك:
"عندك حق يا حبيبي."
واقترب عليها وأمسك كف يدها وقبّلها باشتياق وتحدث:
"أنا آسف، نسيت نفسي من كتر اشتياقي ليكِ، جننتيني يا ريم."
ابتسمت له وتحرك وتوضأ كلاهما وصلى بها مراد ودعا الله أن يبارك لهما زواجهما وأن يجنبهما الشيطان.
انتهى من صلاتهما وخلعت عنه إسدال صلاتها وبدون سابق إنذار أسرع إليها ذلك المتسرع وحملها وتوجه بها إلى تخته مباشرة ليقطفا معًا أول ثمار عشقهما الحلال تحت جنون مراد وخجل ريم الذي أثاره أكثر وأكثر وزادها من عشقه الثائر المجنون التي عشقته وتقبلته منه تلك الخجولة.
***
داخل منزل قاسم.
خطت فريدة خطوتها الأولى داخل منزل عائلة زوجها الحبيب.
نظر لها قاسم وتحدث مرحبًا بزوجة صغيره وأم أحفاده الغوالي:
"نورتي بيتك يا فريدة."
ابتسمت له بسعادة وأجابته بوجه بشوش:
"متشكرة يا عمو، البيت منور بناسه الطيبين."
أكدت أمال على حديث زوجها الحبيب:
"نورتي بيتك يا بنتي."
وأكملت:
"هجيب لك بيجامة من عندي تنامي بيها على ما سليم يجيب لك شنطة هدومك من بيت باباك بكرة."
غمز سليم لوالدته وتحدث بوقاحة جديدة عليه:
"مش لازم يا ماما، إحنا هنتصرف."
التهبت وجنتاها خجلًا وضغطت بشدة على كف يده المتملكة لكف يدها.
ابتسمت والدته وأردفت قائلة بنبرة دعابة:
"أخلاقك باظت خالص بعد الجواز يا سليم."
أجابتها فريدة مدافعًة عن حالها:
"لا والله يا طنط، أنا واخداه بأخلاقه زي ما هي كده."
ضحكت أمال وأجابتها بدعابة:
"تقريبًا كده عيب تقفيل."
نظر لكلتيهما مضيقًا عيناه وتحدث ساخرًا:
"هو أنا بيتروشن عليا وأنا مش واخد بالي ولا إيه؟"
ضحك الجميع وتحدثت أمال:
"خد مراتك وادخلوا أوضتكم، وهبعت لك البيجامة تغيري علشان تاخدي راحتك على ما رقيه تجهز العشاء."
قاطعتها فريدة برفض:
"بلاش عشا يا طنط، أنا مش جعانة، كل اللي محتاجاه هو إني أنام وبس."
رفضت أمال ولكن فريدة أصرت على موقفها فطلب سليم من والدته أن تتركها على راحتها.
دلف بجواره إلى غرفته تتلفت حولها بحنين. كم تمنت أن ترى غرفة معشوق عيناها، وكم من المرات التي حلمت وتخيلت كيف هي شكل غرفته؟ والآن تحقق حلمها وهي الآن بين يديه داخل غرفته.
احتضنها بشدة وتحدث بنبرة هائمة:
"نورتي دنيتي يا نور عيوني."
ابتسمت له وتحدثت:
"بحبك يا سليم."
نظر لها بعيون راغبة وتاه بجمالها ثم نزل على شفتيها ليشرب من شهد عسلهما، ثم حملها واتجه بها باتجاه تخته ووضعها فوقه برقة، وبات يزيقها من وابل عشقه التي اعتادت عليه وأدمنته من معشوقها زوجها الغالي ورفيق دربه.
بعد مدة من الوقت كانت تستكين داخل أحضانه الدافئة، واضعة رأسها براحة فوق صدره الحنون الذي أصبح ملاذها الآمن.
وتحدث هو بحنين:
"ياااه يا فريدة، متتصوريش قد إيه تمنيت اللحظة اللي إحنا فيها دي، ياما عدت عليا أيام وأنا نايم فيها على سريري ده وأتخيلك وإنتِ جنبي."
نهد براحة وتحدث وهو يشدد من احتضانه لها:
"الحمد لله، ربنا حقق لي كل أحلامي، وأغلى وأكبر أحلامي كان الوصول ليكِ يا غالية، واللي أخيرًا اتحقق."
شددت من احتواءها له وتحدثت بنبرة حنون:
"الحمد لله يا حبيبي، أيام عدت بحلوها ومرها، واللي جاي بإذن الله كله خير."
أجابها بتأكيد:
"بإذن الله يا قلب سليم، بإذن الله."
***
صباح اليوم التالي.
طرقت هناء باب جناح غاليها بخفة. تحرك مراد وفتح لها الباب، وجد والدته الغالية وبصحبتها إحدى العاملات تحمل بين يديها حاملاً كبيراً موضوع عليه كل ما لذ وطاب من الأكلات التي تناسب تلك المناسبة السعيدة.
أفسح مراد لهما الطريق ودلفت العاملة ووضعت ما بيدها فوق الطاولة الموضوعة بوسط بهو الجناح وخرجت سريعًا.
أما هناء التي احتضنت صغيرها بفرحة عارمة حين وجدت سعادته محفورة فوق ملامحه فتحدثت:
"ألف مبروك يا حبيبي."
أجابها بسعادة:
"الله يبارك فيكِ يا حبيبتي."
أردفت متسائلة بنبرة حنون:
"أومال فين عروستك يا مراد؟"
ابتسم لها وأجاب:
"مكسوفة يا ماما."
وبعد مدة خرجت ريم عليها بصحبة مراد وقدمت لها هناء التهنئة وانسحبت بهدوء للأسفل.
جلس مراد أمام طاولة الطعام وأجلس حبيبته فوق ساقيه بعناية تحت خجلها الشديد.
وبدأ بإطعامها من بين يداه تحت سعادتها البالغة وتحدثت هي بدلال:
"كفاية يا مراد، أنا شبعت."
أجابها بعيون عاشقة وغمزة شقية من إحدى عيناه:
"بس أنا لسه مشبعتش يا ريم."
وقف وحملها من جديد واتجه بها للداخل إلى تختهما ليكمل وصلة غرامهما الحلال.
***
بعد بضعة شهور أخرى.
داخل ألمانيا ليلاً.
كانت تتمدد فوق إحدى أسِرّة المشفى تصرخ بشدة جراء آلام المخاض المؤلمة.
تحدثت إليها أسما المجاورة لها:
"إهدي يا فريدة وأتحملي شوية."
"مش قااااادرة، هموت يا أسما هموووووت"، كلمات تفوهت بها تلك الصارخة المتألمة.
وأكملت حديثها بسخط على سليم:
"هو البيه راح فين، سايبني بموت وهو ولا على باله وراح فين؟"
ابتسمت أسما على أمر النساء العجيب وأجابتها:
"هيروح فين يعني يا بنتي، أهو برة مع الدكتور هو وعلي بيشوف الإجراءات اللازمة وبيمضي على أوراق الولادة، هو انتِ ناسيه إننا وافدين ولا إيه؟"
وبعد قليل دلف ذلك المنتفض وأسرع إليها بسيقانٍ مرتعشة.
أمال بجسده إلى موضع رأسها وأمسك كف يدها مؤزرًا إياها وتحدث بصوتٍ مرتعش حنون:
"سلامتك يا نور عيني."
نظرت إليه وتحدثت بدموع حانية قطعت بها أنياط قلبه:
"هموت يا سليم."
وضع يده سريعًا فوق فمها مانعًا إياها من إكمال جملتها وأردف قائلاً برفض:
"إوعي تقولي كده تاني، انتِ فاهمه؟ انتِ هتولدي وتقومي لي بألف سلامة انتِ وفريدة وعلي."
وأكمل بنبرة مختنقة بدموع القلق والرعب:
"اتفقنا يا فريدة؟"
هزت رأسها بتعب وهي تتلوى من شدة الألم:
"حاضر يا حبيبي، حاضر."
بكت أسما تأثرًا بذلك المشهد ثم تحدثت بدعابة كي تخرجهما من تلك الحالة:
"أنا أعترض يا صديق العمر، إزاي يا حضرة تسمي فريدة وعلي وتنساني؟"
ابتسم لصديقة غربته وأردف قائلاً بدعابة:
"أوعدك صديقتي الغالية إن التوينز الجاي اسمك هيكون أول الكشف."
ابتسمت أسما وصرخت به فريدة بعدما أغاظها حديثه وخرجها عن شعورها:
"انتوا بتهزروا وأنا بمووووووت، توينز تااااااني، مش لما تخلصني من الزنقة اللي أنا فيها دي تبقا تفكر في اللي جاااااي، آااااااااه."
انتفض داخله برعب من صرخاتها ودلفت إليها الممرضات وألبسوها الثياب الخاصة بغرفة العمليات.
وبعد قليل كانت داخل غرفة الولادة وبجوارها رفيق رحلتها وعاشق عيناها، يرتدي الثياب الخاصة بالعمليات، ممسكًا بيدها يؤازرها.
وهي تصرخ بأعلى صوت لها، نظرت له وتحدثت:
"بموت يا سليم بموووووووت، آااااااااه."
تحدث إليها بنبرة صوت مهدئة:
"إهدي يا حبيبي، إهدي يا قلبي وخدي نفس طويل، هانت يا فريدة، خلاص يا حبيبي هانت."
صرخت بأعلى صوتها وهي تقّص من ملامحها وتشدد على يده بحده:
"خلاص مش قادرة، خلااااااص،"
وبلحظة استمعوا لصوت طفلهما الغالي وهو يصرخ معلنًا عن وصول رحلته إلى الحياة بسلام.
هدأت قليلاً وأبتسمت ثم عادت للصراخ من جديد لآلام مخاض الطفل الثاني تحت تهدئة سليم لها ومؤازرته لحبيبة العمر حتى استكانت بهدوء بعد نزول الطفل الثاني.
بعد مدة طويلة من الوقت، كانت تتمدد فوق سريرها داخل غرفتها بالمشفى وبجانبها أسما الجميلة التي لم تتركهما أبدًا وسليم. أما علي فكان بالخارج وذلك لمحافظة سليم على الحدود الدينية والثوابت التي لم يتخطاها أبداً حتى مع صديق عمره.
مال على حبيبته وقبّل وجنتها بعيون عاشقة وأردف قائلاً بنبرة سعيدة:
"ألف مبروك يا حبيبي."
ابتسمت له بعيون سعيدة وأردفت قائلة بنبرة حنون:
"الله يسلمك يا حبيبي، ولادي فين يا سليم؟"
ابتسم لها وتحدث:
"في حضانة الأطفال يا قلبي بيطمنوا عليهم."
تحدثت أسما بانتشاء:
"مبروك يا فريدة، أنا هخرج أقعد برة مع علي."
خرجت بالفعل وأكمل هو بسعادة:
"لكِ عندي خبر يجنن."
نظرت له متشوقة فأكمل هو:
"قدمت طلب انتداب لمدة سنتين لينا لفرع الشركة اللي في مصر علشان نبقى وسط أهلنا وإحنا بنربي ولادنا، وكمان علشان منحرمش أمال وعايدة من فرحتهم بأحفادهم."
وأكمل بدعابة:
"وأهو نستغلهم ويساعدوكي في تربية فريدة وعلي."
والطلب اتوافق عليه وهنسافر الأسبوع الجاي.
اتسعت عيناها بسعادة وأردفت قائلة بنبرة سعيدة:
"أنا بحبك يا سليم، بحبك أوي."
مال على جانب شفتها ووضع قبلة حانية وتحدث:
"وأنا بعشقك بجنون يا قلب سليم."
***
بعد حوالي أسبوعين.
داخل فيلا سليم.
حيث المكان مكتظ بالحضور والزائرين الذين أتوا للمباركة بقدوم كلا المولودين السعيدين.
كانت تجلس فوق الأريكة مثل الفراشة، محتضنًا إياها ذلك العاشق لها بجنون ينظر لعيناها بلهفة لم تقل يومًا عن سابق أبدًا.
أما أمال فكانت تحمل الصغير علي وتهدهده بحنو ودلال يليق بحفيدها الغالي.
تتحدث إلى قاسم الواقف بجانبها واضعًا ذراعه فوق كتفها بحنان:
"شفت يا قاسم جماله، بذمتك مش كله سليم وهو صغير؟"
أجابها قاسم وهو ينظر إلى حفيده الغالي بحنان:
"فعلاً يا أمال، سبحان الله واخد كل ملامح سليم."
ثم نظر إليها بعيون متشوقة بحنين للذكريات:
"فاكرة يا أمال اليوم اللي اتولد فيه سليم؟"
نظرت لعيناه باشتياق لأيام صباهما وأردفت قائلة بنبرة حنون:
"وأنسى إزاي أجمل سنين عمرنا وصِبانا يا قاسم."
ابتسم لها ثم ربت على كتفها بحنان وتحدث:
"ربنا يبارك لنا في سليم وزريته ويقوم لنا ريم بالسلامة."
أجابته بحنان:
"يارب يا قاسم."
أما عايدة التي تحمل تلك الملاك البريئة التي تشبه والدتها بجمالها الأخاذ وعيونها الجذابة بلونها المميز.
اقتربت منها نهلة ومالت على وجنة تلك البريئة وقبّلتها بحنان وتحدثت إلى والدتها:
"جميلة أوي يا ماما ماشاء الله."
نظرت لها عايدة ورددت:
"عقبال ما ربنا يتمم لك بخير انتِ وعبدالله وبعدها أشوف عوضك وأشوفكم انتِ واخواتك متهنيين يا نهلة."
أردفت قائلة بنبرة حنون:
"ربنا يبارك لنا فيكِ انتِ وبابا يا ماما ويرزقكم بركة العمر وخيرته."
اقترب أسامة على فريدة وقبّلها فوق وجنتيها وأردف قائلاً بسعادة وهو يعطي لشقيقته هدايا الصغيران:
"مبروك يا باشمهندسة، يتربوا في عزكم إن شاء الله."
أجابه سليم بحنان:
"الله يبارك فيك يا باشمهندس."
وأكمل محفزًا إياه:
"اتشطر بقا في الهندسة وشد حيلك، كليتك صعبة ومحتاجة شغل ومجهود كبير، وإن شاء الله مكانك محفوظ معايا أنا وفريدة."
أجابه أسامة بنبرة حماسية:
"أكيد بعد كلامك ده هذاكر بجدية وأخد السنة من أولها بحماس إن شاء الله."
أما مراد فكان يقف بجوار حوريته الجميلة محاوطًا إياها بذراعه الموضوع فوق كتفها بحنان. تحدث بجانب أذنها مما جعل القشعريرة تصيب جسدها بالكامل:
"عقبالنا يا حبيبين."
نظرت له ثم تحسست أحشائها التي تحوي جنينها الذي تم شهره الثاني وتحدثت بنبرة متشوقة:
"يارب يا مراد، مشتاقة أوي إني أشوف ابني، يا ترى هيكون شكله إيه؟"
ضيق عيناه وتساءل:
"وإنتِ مين اللي قال لك إنه هيكون ولد؟"
أجابته بيقين:
"أنا دعيت ربنا إنه يكون ولد وإن شاء الله ربنا هيستجيب لي."
وأكملت بنبرة عاشقة:
"ونفسي كمان يكون شبهك وياخد نظرة عيونك وطيبة قلبك وحنيتك اللي ملهاش مثيل، نفسي ابني يكون شبهك في كل حاجة يا مراد."
كان يستمع لها بقلبٍ ينبض بعشقها وذائب بغرامها وتساءل:
"للدرجة دي بتحبيني يا ريم؟"
"وأكتر يا مراد، حبك تخطى جوايا كل الحدود"، كلمات قالتها ريم بنبرة صوت عاشقة.
وأثناء حديثهما اقتربت منهما هناء وتحدثت بسعادة وهي تمسك بكفي يداهما معاً:
"عقبال ما البيبي بتاعنا يوصل بالسلامة وينور دنيتي كلها."
تحدثت إليها ريم متسائلة بنبرة رقيقة:
"ياترى نفسك في ولد ولا بنت يا ماما؟"
ابتسمت لها هناء وأردفت قائلة بنبرة حنون:
"كل اللي يجيبه ربنا خير يا بنتي، أهم حاجة الخلقة الكاملة والصحة."
ثم نظرت إلى مراد وتحدثت بنبرة حنون:
"هو أنا كنت أتخيل إن مراد يريح قلبي ويتجوز وكمان ينور دنيتي أنا وابوه بأولاده."
حاوط مراد رأسها بكفيه بعناية ثم أمال بطوله الفارع عليها ووضع قبلة حانية فوق رأسها وتحدث متأسفًا:
"حقك عليا يا ماما، أنا عارف إني تعبتك معايا كتير انتِ وبابا."
ابتسمت له وتحدثت بحنان:
"تعب إيه بس يا مراد اللي بتتكلم عنه، أنا وأبوك فداك وفدي صحتك يا حبيبي."
ثم حولت بصرها إلى ريم وتحدثت بابتسامة بشوشة:
"وأهم حاجة إن ربنا عوضك بزوجة زي النسمة وتستاهلك بجد وعوضك وعوضنا بالخلف الصالح اللي إن شاء الله هيملي علينا حياتنا وهيكون لنا العوض الجميل من رب العالمين ورضاه علينا."
ابتسم كلاهما لتلك الحنون ذات القلب الطيب وأمنوا على كلامها.
تحدث صادق إلى قاسم الجالس بجانبه:
"أخبار البلد إيه يا قاسم باشا."
أجابه قاسم بنبرة متفائلة:
"البلد بخير وفي تقدم طالما فيها ناس لسه ضميرها صاحي وبيحركها للبوصلة الصحيحة."
اقترب الثنائي عبدالله ونهلة من فريدة يقدمان لها الهدايا الخاصة بالطفلان وتحدث سليم إلى عبدالله بنبرة أخوية:
"مكنش ليه لزوم التعب ده كله يا عبدالله، كانت كفاية أوي هدية واحدة وخصوصًا إنكم داخلين على جواز ومحتاجين لكل مليم."
أجابه عبدالله بنبرة هادئة ووجه بشوش:
"الحمد لله خير ربنا ونعمة عليا كتير يا باشمهندس، وبعدين إحنا عندنا كام فريدة وكام علي علشان نجيب لهم هدايا."
أجابه سليم بأخوية:
"تسلم يا عبدالله، نردهولك في فرحك بعد أسبوعين إن شاء الله."
خجلت نهلة وتحدثت إليها فريدة:
"مبروك يا نهلة، ربنا يتمم لك بخير يا حبيبتي."
أجابتها نهلة بنبرة حنون:
"تسلمي لي يا فريدة."
أما هناء التي تحدثت إلى أمال:
"كبرنا خلاص يا أمال والولاد خلونا تيتات."
اقشعر وجه أمال وتحدثت برفض ودلال:
"لا كبرنا ده إيه يا هناء، اتكلمي عن نفسك يا حبيبتي، أنا عن نفسي لسه صغيرة وهفضل كده لأخر يوم في عمري، أنا أصلاً متجوزة وأنا صغيرة جداً."
ضحكت هناء وعايدة التي تحدثت برضا:
"أنا بقا موافقة جداً ومرحبة إذا كان الكبر هيخليني تيتا لملايكة زي دول."
وقبلت الصغيرة بحنان وابتسمت لها هناء وآمال التي أصبحت مؤخرًا صديقة لتلك العايدة وروحها المرحة وطبعها الحنون.
اجتمع الجميع وبدأت مراسم السبوع كما المعتاد، دق الهون ووضع الصغار داخل ذلك الشيء المخصص لهما المسمى ب ( الغربال ).
وبدأت عايدة بدق الهون بهدوء شديد كي لا تؤثر على سمع الصغار وإزعاجهما وتحدثت بسعادة:
"اسمعوا كلام أمكم واسمعوا كلام أبوكم علشان بحبه."
أرسل سليم إليها قبلة عبر الهواء قابلتها بابتسامة حانية.
وأكملت هي بخفة ظلها:
"واسمعوا كلام جدو قاسم بس تيتا أمال لأ."
أطلق الجميع ضحكاتهم وأشارت أمال على حالها ونظرت بعتاب مصطنع إلى عايدة فأردفت عايدة قائلة:
"خلاص اسمعوا كلام تيتا أمال علشان متزعلش وكمان علشان تيتا عايدة بتحبها."
وأكملت وهي تنظر إلى فؤاد روحها وأمانها وسندها الحقيقي بعد الله وتحدثت بنبرة حنون اقشعر لها أبدان الجميع:
"واسمعوا كلام جدكم فؤاد، الراجل الطيب المحترم ابن الأصول، اللي عاش عمره كله في رضا ربنا."
ابتسم لها فؤاد وأردف قائلاً بتأثر:
"تسلمي يا بنت الأصول."
أما فريدة ونهلة اللتان كانتا بجوار عزيز عيناهما فألقتا بحالهما لداخل أحضانه الحانية وقبّل هو جبهتي صغيرتاه الجميلتان وشدد من ضمته الحنون لكلتيهما.
وابتسمت عايدة لهم ثم أكملت وهي تهز صغير ابنتها بحنان وهدوء:
"واسمعوا كلام خالكم الباشمهندس أسامة."
ابتسم لها أسامة وتحدثت نهلة بنبرة معترضة:
"وأنا يا ست ماما، نستيني خلاص."
أردفت قائلة بنبرة حنون:
"أنساكي إزاي يا قلبي، واسمعوا كلام خالتو نهلة وخطيبها عبدالله الراجل المحترم."
نظر عبدالله إلى نهلة وتبادلا النظرات العاشقة بينهما.
ونظرت عايدة إلى شقيقتها عفاف:
"واسمعوا كلام تيتا عفاف علشان دي أختي حبيبتي."
ثم نظرت إلى ريم ومراد وأكملت:
"وكمان عمتو ريم وجوزها الدكتور مراد تسمعوا كلامهم."
أطلق الجميع الضحكات وأنطلقوا يتناولون الأطعمة والحلوي المخصصة لتلك المناسبة السعيدة.
وبعد مدة كانت تجاور فوق الأريكة تحمل صغيرها ويحمل هو صغيرته وينظرون لجميع الوشوش السعيدة التي تشاركهم سعادتهم بقلوبٍ نقية وسعيدة.
مالت على خد طفلها ولامست بشرته الرقيقة بحنان، تنفست بعمق وهي تشتم رائحته الذكية.
ثم رفعت عيناها تتطلع إلى رفيق درب الهوى الذي ينظر بحنان لصغيرته التي تشبه أمها وتساءلت غير مستوعبة:
"هو اللي إحنا فيه ده حقيقي يا سليم؟ معقول ربنا عوضنا بالصورة العظيمة دي بعد كل البعد والحرمان اللي عشناه في سنين عجافنا؟"
أجابها بعيون سعيدة:
"ربنا كبير وعظيم أوي يا فريدة وحب يكافئنا على صبرنا وتقبلنا الحسن لسنين عجافنا، خلاص يا فريدة، انتهت سنين العجاف وبدأت سنين الحصاد والرخاء."
وأكمل بعيون عاشقة ونبرة صوت هائمة:
"بحبك يا فريدة، بحبك يا حلم كان عن عيوني بعيد، يا نجمة في سما عالية وبصبري ويقيني بربنا قربت ونزلت لي ولمستها بإيدي وشقيت ضلوعي وخبيتها جواه بعيد عن عيون الناس."
"سليم"، قالتها بنبرة عاشقة.
رد عليها بنبرة هائمة متأثرة بجنون عشقها:
"عيون سليم."
ابتسمت له وأردفت قائلة بنبرة أنثوية حنون:
"بحبك يا سليم، بحبك."
رد عليها بنبرة عاشقة:
"وجوزك بيعشق تفاصيلك يا قلب سليم."
وإلى هنا عزيزاتي ينتهي سرد حكايتنا وينتهي وسمها بـ "جراح الروح" ويتم وسمها بـ "اندماج الروح" ووصل أرواح العاشقين.
وتحققت عدالة رب العالمين.
فحقًا كل اجتمع بمن يستحق وكل استحق الجزاء المناسب، وألتئمت جراح الأرواح المتعبة منذ الكثير وهي الآن في
موسم حصاد العشق والهوى.
رواية جراح الروح الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم روز امين
بعد مرور أربعة أعوام، كانت تجلس باسترخاء بجانبه فوق المقعد المخصص لها على متن الطائرة، حيث الرحلة المتجهة إلى مطار القاهرة الدولي.
قام الثلاثي سليم وفريدة وعلي بأخذ إجازة لمدة شهر ونصف، وذلك لغرض قضاء شهر رمضان المبارك بين الأهل والأحباب، حيث التجمعات العائلية وتبادل العزائم بين الجميع وأجواء احتفالية لم يحظوا بها إلا داخل الأراضي المصرية الحبيبة.
جرت الصغيرة ذات الأربع أعوام داخل رواق الطائرة تشتكي إلى أبيها قائلة ببراءة وغضب طفولي:
"يا بااااابي، ياريت تفهم سليم إني مش بكلمة، وكمان تقول له ملهوش دعوة بيا خااالص."
عقد سليم حاجبيه باستغراب وكاد أن يتحدث لولا ظهور ذاك الفتى الذي أتم عامه الثامن. ولكن من يرى غيرته وتحكماته يظن أنه ابن الخامسة والعشرين.
تحدث بحدة لا تناسب سنه الصغير:
"هو ده آخرك يا فريدة؟ كل ما نختلف تيجي تشتكي لبباكي؟!"
نظرت فريدة إلى سليم وبدون سابق إنذار أطلقت ضحكة وتحدثت موجهة حديثها إلى معشوق عينيها:
"أنا نفسي أفهم الولد ده بيجيب الكلام ده منين؟"
نظر إليها سليم بغيظ وتحدث متسائلاً بتعجب:
"هو ده بس اللي شاغل دماغ سيادتك، مش شاغلك إن ابن علي بيحاول يفرض سيطرته على بنتك ويكبت حريتها؟"
ثم نظر إلى سليم الصغير وتحدث إليه متسائلاً بنبرة ساخرة:
"مالك يا ابن علي، فارد عضلاتك علينا الصبح كده ليه يا حبيبي؟"
أجابه الصغير بنبرة حادة:
"من فضلك يا عمو ماتدخلش، ده موضوع خاص بيني وبين فريدة ومش حابب حد يتدخل فيه."
"نعم يا أخوياااا."
جملة تفوه بها سليم بنبرة مذهولة.
ثم حول بصره إلى علي الذي يجلس في المقعد الخلفي له بجوار أسما الراقية وتحدث سليم بنبرة غاضبة مصطنعة:
"ماتخلي ابنك يلم نفسه يا علي بدل ما ألمهولك بالغصب يا حبيبي."
نظر له علي وتحدث بنبرة ذات مغزى:
"وإنت كنت لميت نفسك زمان لما يلم هو نفسه؟"
وأكمل مشيراً بيده إليه:
"وبعدين أهو تربيتك، إشرب إنت وبنتك بقى."
تساءل سليم:
"بتخلع يعني؟"
ضحكت أسما وتحدثت:
"وإنت كمان المفروض تخلع يا سليم، واحد وخطيبته تتدخل بينهم ليه؟"
ووجهت تساءلاً إلى فريدة:
"ولا إيه رأيك يا فريدة؟"
ضحكت فريدة وتحدثت:
"كلامك في محله طبعاً يا أسما!"
تبادل سليم النظر بين الجميع بغيظ تام، ثم نظر لابنته وتساءل:
"قولي لي يا قلبي، عمل لك إيه سليم ضايقك بالشكل ده؟"
تلمست شعرها الحريري التي ورثته عن والدتها وتحدثت:
"بيخنقني يا بابي، عاوزني أربط شعري ومش أفردة كده، وأنا بقول له أنا بحبه كده. يقول لي اربطيه عشان ما تزعليني. أنا بس اللي حقي أشوفه مفرود."
"الله الله، وإيه كمان يا ابن علي،"
جملة تفوه بها سليم وهو ينظر إلى الصغير بغيرة قاتلة.
ضحك الجميع وتحدث الصغير بتبجح وغيرة لا تناسب سنوات عمره الضئيلة:
"ده حقي على فكرة يا عمو، وكمان ياريت لو تلبس حجاب زي طنط فريدة يكون أفضل."
فتح سليم فاه بتعجب وتحدث قائلاً:
"ده أبوك ميجرأش يطلب الطلب ده من أسما اللي متجوزها من 9 سنين، جاي إنت تطلبه من بنت؟"
تحدثت أسما سريعاً:
"مالك ومال أسما يا باشمهندس، ما تخليك محضر خير."
ضيق علي بين حاجبيه ونظر إلى زوجته قائلاً:
"صحيح يا أسما، إنا إزاي تاه عني موضوع مهم زي ده."
ثم تساءل:
"هو إنتِ ليه يا هانم ما لبستيش حجاب لحد إنهاردة؟"
نظر له سليم مضيقاً عيناه وتحدث بنبرة ساخرة:
"صح النوم يا باشمهندس، هو إنت كنت مسافر ولسه راجع ولا إيه؟"
ثم نظر إلى الصغير وتحدث بلهجة جامدة:
"بص بقى يلا عشان تتقي شري ومتخلنيش أحطك في دماغي، فريدة ملكش دعوة بيها نهائي، فاهمني يا حبيبي."
احتدمت ملامح الصغير وكاد أن يتحدث إلا أن سبقته تلك الصغيرة الجميلة بنبرة معترضة:
"لا يا بابي مش للدرجة دي، خليه يكلمني بس حبة صغيرين مش كتير."
قهقه الجميع على تلك الجميلة وسحبها علي إلى أحضانه وقبلها، وحملتها أسما داخل أحضانها.
أما الصغير الذي نظر إلى سليم بتشفٍ ونظرة انتصار ملأت عيناه وتحرك بكل غرور حيث مجلسه بجانب أميرته وبجانب علي الصغير.
نظر سليم إلى فريدة وتحدث بعيون هائمة:
"بنتك طالعة لك يا هانم، أموت فيه وأخيه عليه."
أجابته بحديث ذي مغزى:
"البنت معذورة يا سليم، الولد كاريزما برضه ويتحب!!"
ابتسم لها وتراخت أعصابه حين علم أنها تتحدث عنه.
"وحشتيني،"
قالها هامساً بجانب أذنها فأربكها وزلزل كيانها.
ابتسمت خجلاً وشددت من تشابكها ليده المحتضنة كفها برعاية فائقة.
وأكملا رحلتهما.
***
داخل مسكن هشام، كان يجلس فوق الأريكة المتواجدة وسط بهو مسكنه الخاص وبجانبه طفلته "ليلي" التي أتمت عامها الثالث والنصف، يستمعان إلى التلفاز والأغاني الخاصة بشهر رمضان التي صدحت في أرجاء المكان لتعلن للجميع عن أن غرة رمضان غداً.
خرجت لبنى من المطبخ متجهة إليهما.
وقف هشام سريعاً ليحمل عنه حبيبته ما بيدها وتحدث بنبرة صوت ملامة:
"ليه ما ندهتيش عليا يا حبيبتي عشان أشيل الصنية عنك؟"
تحدثت بأنفاس متقطعة وهي تجلس بحرص شديد ممسكة ببطنها المنتفخ من جراء حملها بجنينها الثاني والذي أكمل شهره الرابع:
"على إيه بس يا إتش، دول كلهم طبقين خشاف مش حكاية يعني!!"
تحدث وهو ينظر بتشهٍ إلى كؤوس الخشاف:
"تسلم إيدك يا قلبي، الخشاف ريحته تجنن."
أجابته بابتسامة حانية ونظرة عين عاشقة لم تقل يومًا لهفتها:
"بألف هنا على قلبك يا حبيبي."
جلس بجانبها وناولها كأس الخشاف، تناولته منه بسعادة ثم نظرت لصغيرتها الجميلة وتحدثت:
"تعالي يا لولا عشان آكلك."
رد عليها هشام:
"سيبيها لي أنا هاكلها."
وبدأ بالفعل إطعام صغيرته التي تساءلت ببراءة:
"بابي، نانا سميحة قالت لي في التليفون إنها عملت لي حاجات حلوة كتير أوي بكرة. أنا بحب نانا سميحة أوي."
قبل ابنته بلهفة وتحدث بسعادة:
"ونانا سميحة بتعشق ليلي الجميلة زي ما كلنا بنعشقها."
نظر لغاليته وجدها تجز على أسنانها من شدة الألم وتتلوي بجلستها فتحدث بتأثر:
"لسه تعبانة يا لبنى؟"
أجابته بابتسامة تحاول بها بث الطمأنينة داخل روحه:
"أنا كويسة يا حبيبي متقلقش."
رد عليها بنبرة صوت ملامة لحاله:
"أنا مش عارف كان عقلي فين لما طاوعتك تحملي في الفترة القصيرة دي بعد ليلي، كان لازم نستنى شوية وخصوصاً إنك تعبتي جداً في حمل وولادة ليلي."
نظرت له بحب وتحدثت بنبرة حنون لتهدئته:
"خلاص بقى يا حبيبي قلبك أبيض، وبعدين بصراحة أنا كان نفسي أجيب لك ولد، والحمد لله ربنا كرمنا وأهو جاي في الطريق."
أجابها وهو يطعم صغيرته التي تنظر إليهما ببلاهة:
"الحمد لله يا قلبي، بس أنا خايف عليكِ أوي يا لبنى."
أردفت قائلة بنبرة حنون:
"ربنا يخليك ليا يا إتش."
ابتسم لها وأمسك كف يدها وضع بهِ قبلة وأردف قائلاً:
"ويخليكِ ليا يا عيون إتش من جوة."
ابتسما لبعضهما وتبادلا نظرات العشق والهيام التي لم تقل يومًا بينهما أبدًا، بل تتزايد.
***
وصل الجميع إلى أرض الوطن بسلام.
كان مراد بانتظار سليم وفريدة وطفليهما.
أما شقيق علي فكان بانتظاره هو وأسما والصغير الذي غادر معهما مجبراً بعد أن كان يصر على الذهاب مع خاطفة قلبه الصغير. ولكن أصر والده على حضوره لأجل والديه اللذان يحترقان شوقاً لرؤية حفيدهما الغالي.
وصل سليم وفريدة وطفليهما إلى مسكنهم، وجدوا الجميع بانتظارهم يتلهفون شوقاً لرؤيتهم.
قاسم وأمال، فؤاد وعايدة، نهلة وزوجها عبدالله وولدهما إسلام، أسامة، ريم ومراد وصغيرهما محمد.
وبعد السلام والترحاب جلس الجميع حول طاولة الطعام ليتناولوا طعام سحور غرة رمضان المبارك.
تحدثت عايدة بابتسامة سعيدة وهي تضع طبق الفول أمام سليم:
"كل سنة وإنت طيب يا حبيبي."
ابتسم لها سليم بسعادة وهو يتناول طبق الفول من يدها وأردف قائلاً:
"وإنتِ طيبة يا حبيبتي."
ثم استنشق الرائحة المنبثقة من خلال طبق الفول وتحدث بإستمتاع وهو مغمض العينين:
"تسلم إيدك يا ست الكل، الفول ريحته تجنن."
ابتسمت عايدة وأجابته باعتزاز:
"بألف هنا يا سليم، ده أنا مدمساه مخصوص عشانكم وحطيته في التلاجة عشان تتسحروا منه كل يوم."
ردت عليها أمال بلهجة معترضة:
"تتسحروا كل يوم ده إيه، هو إنتِ فاكرة إني هسيبهم يتسحروا ولا حتى يفطروا هنا لوحدهم ولو يوم واحد، أنا بس وافقت على السحور هنا إنهاردة عشان محدش يزعلوا."
وأكملت وهي تقبل حفيده الغالي الجالس فوق ساقيها بنهم وتحدثت:
"لكن من أول بكرة إن شاء الله حبايب نانا مش هياكلوا ولا هيناموا إلا في حضن نانا أمال وبس."
احتضنها الصغير وبادلها قبلاتها بدلال.
ابتسمت لها عايدة وتحدثت بسعادة:
"ربنا يبارك لك فيهم إنتِ وقاسم بيه وتفضلوا منورين حياتهم دايماً."
ابتسمت أمال وأجابتها بنبرة حنون:
"ميرسي يا عايدة."
أما مراد الذي تحدث وهو يتناول حبة زيتون ويضعها بفمه:
"بس برافو عليك يا سليم، حركة حلوة موضوع السحور والفطار الجماعي عندك أول يوم ده."
ابتسم سليم وأجابه بدعابة:
"أنا عملت كده منعاً للقمص والزعل اللي كان هيحصل يا مراد، لو فطرت أول يوم عند قاسم باشا، فريدة كانت هتزعل وتقول سليم حرمني من فرحتي بوجودي وسط ماما وبابا في أول يوم. ولو فطرت عند عمي فؤاد، أمال هانم هتقول مشي ورا كلام مراته وراح وراها عند أهلها. وعلى إيه يا حبيبي، أنا كده برنس، لميت حبايبي كلهم حواليا في أول سحور، وبكرة إن شاء الله هنفطر كلنا هنا مع بعض وبعدها اللي عاوز يعزمنا يتفضل، يا أهلا بيه."
ضحك الجميع وتحدث فؤاد:
"خطة في منتهى الذكاء متخرجش غير من مخ الباشمهندس سليم الدمنهوري."
وتحدث قاسم:
"وحتى ريم ومراد لما عمل حسابهم في خطته وعزم دكتور صادق ومدام هناء بكرة على الفطار!!"
نظرت فريدة إلى عبدالله الجالس وتحدثت:
"كان نفسي عمو عامر وطنط اعتماد هما كمان يشرفونا بكرة."
نظر لها عبدالله الذي يحمل طفله الصغير إسلام فوق ساقيه وأجاب فريدة بوجه بشوش:
"معلش يا فريدة، ما إنتِ عارفة إن ماما مينفعش تسيب البيت أول يوم رمضان لأنها بتعزم إخواتي البنات وأزواجهم وولادهم، إن شاء الله تتعوض مرة تانية."
أجابه سليم بنبرة هادئة:
"إن شاء الله يا عبدالله، وبعدين كفاية نورك إنت وإسلام باشا ومامته."
ابتسمت نهلة وأجابته:
"كل سنة وانت طيب يا باشمهندس."
قضى الجميع ليلة جميلة وتناولوا خلال سهرتهم الأحاديث المثمرة المشتركة بين اهتمامات الجميع.
وانتهى اليوم وانصرف كل إلى وجهته عدا عايدة ونهلة اللتان ظلتا مع عزيزة عينهما ليستيقظا باكراً ويعدا كل ما لذ وطاب من الأكلات الخاصة بهذا الشهر الفضيل.
***
في الصباح الباكر، تمللت فريدة بنومها وهي تتمطى بتكاسل.
أفتحت عينيها بالتدريج ونظرت بجانبها وأبتسمت ككل يوم تبتسم وتحمد الله على وجود ذلك العاشق الولهان بحياتها.
كادت أن تتحرك لولا يداه التي كبلتها وسحبتها لداخل أحضانه من جديد وقد أردف قائلاً وهو مازال مغمض العينين بنعاس:
"سايبة حضني ورايحة فين يا حبيبي؟"
ابتسمت بسعادة وتحدثت لتذكيره:
"رمضان كريم يا باشمهندس، سيبني بقى عشان أنزل أشوف ماما ونهلة عملوا إيه في الأكل."
فك قيوده من حول خصرها المقرب له حينما تذكر الشهر الفضيل وتحدث بنعاس:
"كل سنة وإنتِ طيبة يا قلب سليم، خلاص يا حبيبي انزلي وخلي بالك من الأولاد كويس، وصحيني أول ما الظهر يأذن عشان ألحق صلاة الجماعة في المسجد."
أومأت له بطاعة ووضعت قبلة حانية فوق كف يده ودثرته جيداً بالغطاء الوثير ودلفت لداخل المرحاض، توضأت وصلت صلاة الضحى ثم خرجت وأغلقت خلفها الباب بهدوء تام.
نزلت الدرج استمعت لأصوات صغارها مع صغير نهلة يمرحان ويلهوان داخل البهو الكبير للفيلا.
جرى عليها علي فجثت على ركبتيها واحتضنته وبدأت بتفريق القبلات على وجنتيه وجبهته وعنقه مما أسعد الصغير وتحدث بنبرة طفولية:
"بحبك يا ماما."
"وأنا أعشقك يا قلب مامي،"
وكررت القبلات مع طفلتها الجميلة وصغير شقيقتها الغالية.
استمعت إلى صوت والدتها يناديها من داخل المطبخ فاتجهت إليها مباشرةً، وجدتها تجلس هي ونهلة حول طاولة المطبخ المستديرة تعدان الخضار لتجهيز طعام الإفطار.
تحركت إلى والدتها وشددت من احتضانها من ظهرها وقبلت وجنتها وأردفت قائلة بدلال:
"وحشتيني يا عايدة."
ابتسمت عايدة بدلال ابنتها لها وتحدثت:
"وإنتِ وحشتيني أوي يا نور عيني ووحشتني القعدة معاكي."
ثم تحركت إلى نهلة التي وقفت لها واحتضنت كلتاهما الأخرى بحنان وتحدثت فريدة بعيون متشوقة:
"وحشتيني أوي يا نهلة، وحشني كلامنا ورغينا طول الليل."
أضافت نهلة على حديثها وهي تتذكر بابتسامة جميلة:
"ووقفة البلكونة في عز الشتا ومج السحلب في إيدينا عشان يدفينا."
ابتسمت فريدة وأكملت:
"وقهوة عايدة على السبرتاية وإحنا بنذاكر."
ابتسمت عايدة لرؤية غاليتاها بذلك الود والحنان وهذا أقصى ما تتمناه أم لأبنائها.
***
داخل جناح مراد وريم عصراً، كانت تكمل ارتداء ملابسها لتذهب مع زوجها وعائلته إلى منزل سليم لحضور الإفطار الجماعي.
أما مراد ذاك العاشق الولهان فكان داخل المرحاض.
استمعت إلى صوت بهاتفها يعلمها بوصول رسالة بتطبيق الواتس آب.
أمسكت هاتفها وتفحصته لتتسع عيناها بذهول عندما رأت فيديو مسجل لذلك القذر المدعو بحسام وهو يتحدث إليها بعيون هائمة:
"وحشتيني أوي يا ريم ووحشتني عيونك، أنا لسه بحبك ومش قادر ولا عارف أنساكِ، من يوم بعدنا وأنا حاسس إني مش عايش، وكل اللي بطلبه منك هو إنك تديني فرصة أقرب فيها منك تاني ونتكلم زي زمان، مش أكتر من كده."
كانت تستمع إليه بعيون جاحظة وقلب ينتفض رعباً خشية خروج مرادها المجنون ورؤيته لذاك الجنان الذي أرسله عديم الرجولة والشرف المدعو بحسام.
وبلحظة فتح الباب وخرج منه ذاك العاري طويل القامة وهو يضع منشفة قصيرة حول خصره ويتحرك إلى الخزانة وقطرات المياه تتساقط من فوق شعره بمظهر جذاب.
وأثناء تحركه إلى الخزانة لفت انتباهه شحوب وجه أميرته وعلامات الرعب تسيطر على ملامحها الرقيقة.
تساءل باستفهام:
"مالك يا قلبي؟"
ابتلعت لعابها وأجابته بنبرة كاذبة:
"مفيش يا حبيبي."
وتساءلت كي تلهيه وهي تشد على هاتفها بتوتر ويدٍ مرتعشة:
"خلصت الشاور بتاعك؟"
ضيق عيناها وتحرك إليها وضع يداه فوق كتفيها وتساءل بنبرة حنون:
"مالك يا ريم، إنتِ فيه حاجة مضايقاكي؟"
ابتلعت لعابها وكادت أن تجيبه بكذب ولكن استمعت لوصول رسالة أخرى فتوترت أكثر ونظرت له بعيون مرعبة وجسد منتفض وملامح تدل على أن روحها تكاد أن تُزهق.
اتسعت عيناه بغضب وتحدث بنبرة تهديدية:
"مش هسألك تاني مالك وهستناكي تقولي لي بنفسك إيه اللي شفتيه على التليفون وراعبك أوي كده."
نزلت دموعها وبكت بعيون يسكنها الرعب وهي تمد له هاتفها الذي تناولهُ منها وفتحه بلهفة ليرى ذاك الفيديو ويستمع لكلام ذاك الحقير والذي بعث بفيديو آخر يقول بمحتواه:
"بما إنك شفتي الفيديو ومبلكتيش رقمي يبقى أنا كمان واحشك زي ما إنتِ وحشاني وموافقة على فكرتي."
اشتعلت عيون مراد وازدادت انتفاضة جسده وكأنه يحترق.
تحدثت ببكاء:
"والله يا مر..."
لم تكمل جملتها عندما رمقها بنظرة حارقة وأشار إليها بأن تصمت.
رجع للخلف خطوتان وضغط على زر تشغيل خاصية الفيديو المباشر.
كان يجلس داخل غرفته خارج البلاد وينظر بخبث إلى الهاتف ينتظر منها رداً.
لم يستوعب فرحته عندما رأى اتصال فيديو كول منها، ابتسم بخبث وفتح الكاميرا سريعاً وكاد أن يتحدث إلا أنه اصطدم حين رأى وجه ذاك الوحش الكاسر وهو مبتسم بسماجة ويتحدث بفحيح:
"إيه يا بيضا اتخضيتي، ولا كنتي مستنية أختك في الأنوثة ترد عليكي؟"
نظر له حسام بعيون كارهة وتحدث بتبجح:
"بصراحة كنت مستني خلقة ألطف من دي."
أجابه مراد:
"أكيد كنت مستني الست الوالدة ترد عليك يا ********."
وأسمعه وابلًا من السباب لا يليق إلا بحسام وباخلاقه القذرة.
وأكمل مراد بنبرة حادة:
"وحياة أمك لجيبك لحد مصر من قفاك وإنت لاففها كعب داير، وبعد متجيلي هنا لأخليك تصرخ ومش هتلاقي اللي ينجدك من إيدي، عشان تبقى تبص لمرات سيدك كويس."
استفزه حسام وتحدث ببرود:
"ولا هتعرف تعمل معايا أي حاجة، إنت بقى على الفاضي يا مراد."
"هنشوف..."
قالها مراد بتحدٍ.
وأكمل مراد بوابل جديد من السباب:
"إن ما خليتك تصرخ زي النسوان بعد ما أخليك أختهم ومتفرقش عنهم في أي حاجة، ما أبقاش أنا مراد الحسيني."
وأكمل ساخراً:
"تصدق يلا أنا كنت ناسيك وقاعد زهقان ومش لاقي حاجة تسليني، بس كده تمام، لقيت اللي هيسليني الفترة الجاية وهيخرجني من الملل."
ابتلع حسام لعابه بعد تهديد مراد له والذي يعلم علم اليقين أنه يستطيع تنفيذه، فأغلق البث سريعاً.
كانت تستمع بدموع وجسد مرعب.
نظر إليها بنظرات حارقة وتحدث بحدة بالغة:
"والهانم طبعاً كانت ناوية تخبي عليا اتصال الحقير ده وتخليه يضحك في سره ويفتكر إنه ختم مراد الحسيني على قفاه."
هزت رأسها بدموع وتحدثت بنفي تام:
"والله يا مراد كنت هبلك رقمه عشان ميعرفش يوصل لي تاني."
حدثها بنبرة حادة وغضب تام:
"طبعاً، وتخليه يفتكر إنه استغفلني وكلم مراتي من ورايا والهانم المحترمة خبت على جوزها عشان مبسوطة بمكالمته."
وأكمل بحدة بالغة:
"ومش بعيد إن كمان شوية الحقير كان يهددك ويجبرك عشان تكلميه يا إما هيبعت الفيديوهات لجوزك ويقوله إنك شفتيها ومعترضتيش."
لم يستمع منها غير البكاء الحاد الذي قطع أنياط قلبه العاشق.
زفر بضيق وتحرك إليها ليقابلها وتساءل بنبرة جامدة:
"ممكن أعرف بتعيطي ليه دلوقتي؟"
أجابته من بين شهقاتها:
"بعيط عشان كلامك ده فيه نسبة شك فيا يا مراد."
رد بحدة بالغة ورد قاطع:
"لو عندي ذرة شك فيكِ كنت قتلتك ودفنتك مكانك، أنا ثقتي فيكي ملهاش حدود يا ريم، وكلامي واضح وبقصد بيه تفكير الحقير فيكِ مش شك في تصرفاتك لاسمح الله."
ظلت تبكي فاقترب منها وضمها لأحضانة ثم تحدث:
"ممكن تهدي وتبطلي عياط."
ثم أخرجها من بين أحضانه متمتماً:
"اللهم إني صائم،،"
وأكمل بمداعبة:
"هلاقيها منك ولا من الحقير اللي شبه النسوان ده كمان، ضيعتوا لي صيامي خلاص."
ابتسمت بخفة وهي تتحرك إلى الخزانة وتخرج له ثياباً، ثم تحركت إليه لتساعده في ارتداء قميص حلته وتحدثت باهتمام:
"البس القميص عشان متبردش."
أدار لها ظهره وارتدى القميص من يدها ثم اعتدل لها وبدأت هي بإغلاق الأزرار باهتمام وحب.
وضع يده فوق وجنتها وجفف لها دمعتها بحنان وأردف قائلاً:
"ادخلي اغسلي وشك عشان ننزل، زمان ماما جاهزة هي وبابا ومحمد ومستنينا ننزل عشان نتحرك."
هزت له رأسها بطاعة وكادت أن تتحرك.
أمسك يدها وتحدث برجاء:
"ريم، ممكن متخبيش عليا أي حاجة تحصل معاكي؟"
هزت رأسها بطاعة فأكمل هو مؤكداً:
"أي حاجة مهما كنتي فاكرة إنها هتضايقني؟"
أجابته بهدوء:
"حاضر يا حبيبي، بس ممكن تسيبك من الحقير ده ومتحطوش في دماغك."
ابتسم ساخراً وتحدث بفحيح متوعداً:
"أسيبني من مين، ده واحد غبي وأنا شيلته من دماغي ونسيته وهو اللي جه قدام القطر ووقف، يقابل بقى ويوريني رجولته للآخر."
"مراااااد،،،"
قالتها بدلال.
نظر لها وغمز بوقاحة:
"ما قولنا رمضان كريم بقى."
ابتسمت خجلاً ودلفت للمرحاض لتغتسل وبعد مدة نزلا معاً الدرج.
جرى عليه طفله محمد الذي تخطى عامه الثالث وتحدث بصياح ومرح:
"باااابي."
فتح له مراد ذراعيه على مصرعيهما ورفع صغيره وثبته داخل أحضانه وبدأ بتقبيل كل إنش به قائلاً:
"إيه يا قلب بابي."
تساءل صادق بنبرة جادة:
"جاهزين يا ولاد؟"
أجابته ريم بابتسامة بشوشة:
"جاهزين يا عمو."
تحدثت هناء:
"طب يلا بينا عشان كده هنتاخر."
تحرك الجميع إلى منزل سليم.
***
قبل انطلاق مدفع الإفطار بنصف ساعة، داخل حديقة منزل حسن نور الدين، كان المكان يأج بالحضور، حيث غادة وزوجها ونجليها، مني وزوجها وماجد، هشام ولبني وابنتهما الجميلة، وأهل المنزل.
كانت الأجواء أكثر من رائعة حيث زينت الحديقة بالزينة المخصصة للاحتفال بقدوم الشهر المبارك، وأيضاً جهاز التلفاز الذي نقله حسن للحديقة حتى يستمع الجميع لبرنامج الشيخ الجليل محمد متولي الشعراوي.
قبل هادي رأس أبيه وتحدث إليه باحترام:
"كل سنة والبيت مفتوح بحسك يا حاج."
ربت حسن على يد نجله وأجابه بابتسامة حانية:
"وإنت طيب يا هادي."
أما بالداخل فكانت نساء المنزل تسابقن الريح في صنع كل ما يلزم لرصه على الطاولة قبل انطلاق مدفع الإفطار ليعلن عن انتهاء مدة الصوم وبدء تناول كل ما لذ وطاب.
تحدثت سميحة إلى لبنى على عجل:
"ادخلي صحي هشام عشان الفطار يا لبنى، بسرعة عشان يلحق يتوضأ ويجهز لصلاة المغرب."
تركت لبنى ما بيدها وأجابتها وهي تتحرك على عجل:
"حاضر يا خالتي."
وتوجهت سميحة حديثها إلى دعاء ورانيا:
"بسرعة يا بنات خرجوا المخلل والسلطة وأبدأوا رص الصواني على السفرة."
تحرك الجميع على قدم وساق ودلفت لبنى إلى هشام الغافي بتخته السابق وبدأت بإفاقته بهدوء قائلة:
"هشام، حبيبي اصحى المغرب خلاص هيأذن."
تململ ذاك الغافي بتعب منذ أن أتى من عمله وتحدث بعدم إدراك:
"فيه إيه يا لبنى."
"اصحى يا حبيبي، كل سنة وانت طيب،"
قالتها لبنى بابتسامة مشرقة.
ابتسم لها عاشقها وتحدث بنبرة حنون:
"وإنتِ طيبة يا روح قلبي، والسنة الجاية يكون معانا الأستاذ سيف منور سفرتنا ومزودها."
ابتسمت له وأكدت على حديثه بتمني:
"يارب يا هشام، يارب."
خرج هشام من غرفته بجانب لبنى وتوجه إلى المطبخ.
احتضن والدته وقبل رأسها وأردف قائلاً بوجه بشوش:
"كل سنة وإنتي طيبة وبخير يا حبيبتي."
ابتسمت له واحتضنته بدلال وأردفت قائلة بنبرة حنون:
"كل سنة وإنت طيب يا حبيبي والسنة الجاية يكون معاك ابنك منور دنيتنا ومزودنا."
أمنت على حديثها منى وغادة ورانيا ودعاء.
وتحدثت غادة إلى هشام وهي تحتضنه:
"وحشتني يا إتش، خلاص نسيت غادة بعد ما القلب ارتاح وحضن لبنى يا سي هشام."
ضحكت منى وأجابتها:
"سنة الحياة يا غادة، تقريباً كده اكتفوا بحبهم عن العالم كله، دول مبيجوش عندي غير كل فين وفين."
نظر لهما هشام وتحدث بتعجب:
"ها، محدش تاني عاوز يزود، إيه يا جماعة إنتوا ما صدقتم، أنا مش لسه كنت عندك من أسبوعين يا غادة؟"
أجابته بتذمر:
"أسبوعين بحالهم، ومالك جاي على نفسك كده ليه يا حبيبي."
أجابها هشام مفسراً:
"الأول كنتي عايشة لوحدك إنتِ وتميم، وعلشان كده كنا كلنا معاكي وبنزورك باستمرار، لكن حالياً ربنا يبارك لك في أستاذ خالد بقى موجود معاكي على طول وبالتالي مبقاش ينفع أزورك كل يوم زي الأول."
تحدثت سميحة على عجل:
"يلا يا هشام اتوضا وأجهز للصلاة يا حبيبي وابقى كملوا عتاب بعدين."
دقائق وانطلق مدفع الإفطار وتلاه أذان المغرب بصوت شيخنا الجليل محمد رفعت.
***
داخل فيلا سليم بعد استماع الجميع لأذان المغرب، بدأت فريدة ونهلة بتوزيع التمر المحشو بحبة اللوز على الجميع لإفطارهم.
تناول الجميع حبات التمر مع شربة مياه حسب السنة النبوية وتحرك الرجال إلى المسجد المجاور لصلاة المغرب جماعة.
وصلت النساء أيضاً.
وحضر الجميع وانضموا إلى سفرة الطعام وتحدث سليم بنبرة سعيدة:
"كل سنة وانتم طيبين يا جماعة ورمضان كريم."
رد الجميع بسعادة وبدأوا بتناول الطعام وسط أجواء سعيدة وأحاديث شيقة من الجميع.
وبعد مدة جلس الرجال بالحديقة ودلفت النساء للداخل وأعدت فريدة ونهلة مشروب القهوة للرجال وقدمتاه للجميع.
ودلفتا العاملتان التي أتت بهما أمال إلى المطبخ لجلي الصحون وتنظيف المنزل.
جلست ريم وفريدة ونهلة يتحدثون، وأيضاً عايدة وأمال وهناء.
***
داخل حديقة حسن نور الدين، كان يجلس الأشقاء الثلاث وتساءل هشام إلى حازم:
"أخبارك إيه مع رانيا يا حازم؟"
انفرجت أسارير حازم وأردف قائلاً براحة ظهرت فوق ملامحه:
"عايش ملك زماني يا باشا والسر يكمن في بسمة."
قهقه الشقيقان وتحدث هادي بدعابة:
"آه والله، من يومها وأخوك عايش ولا هارون الرشيد، رانيا بقت بتتلون مع فصول السنة الأربعة لحازم يتجنن ويعملها تاني."
تساءل هشام باستفهام:
"وياترى بسمة أخبارها إيه يا حازم؟"
ابتسم حازم وأجاب شقيقه:
"اللي عرفته بعد ما سابت الشركة إن ربنا رزقها براجل محترم وأتجوزت."
وتنهد قائلاً:
"ربنا يسعدها هي وابنها."
"هو إنت نسيتها فعلاً يا حازم؟"
جملة تساءل بها هشام أخيه.
فابتسم حازم وتحدث بنبرة صادقة:
"هتصدقني يا هشام لو قلت لك إني باهتمام رانيا بيا عشت كل مراحل حياتي من جديد، عشت مشاعر الحب وحلاوته، والخطوبة ورقة المشاعر، عشت بدايات الجواز وهناه."
وأكمل بنبرة جادة:
"وحقيقي كنت هندم جداً لو طاوعت شيطاني وخربت بيتي بإيدي."
أكمل بجدية:
"أنا اكتشفت إن الاهتمام بيغير الراجل منا 180 درجة للأفضل، واكتشفت كمان إننا كرجالة نقدر بحاجات بسيطة جداً نخلي الست اللي معانا تعيش في منتهى السعادة، وبالتالي راحتها وسعادتها هينعكسوا على حياتك كراجل."
صفق هشام مشجعاً أخاه وتحدث بإشادة:
"برافوا عليك يا حازم، هو ده الكلام الصح، فعلاً أي راجل قادر بكلمات بسيطة منه وبالمعاملة الحسنة يخلي الست اللي معاه تثق في نفسها وتنور وتحاول بشتى الطرق إنها تسعد جوزها على قد ما بيسعدها، والعكس صحيح."
أكد هادي على حديث شقيقاه:
"كلام زي الفل يا رجالة، الله ينور."
وأكملا حديثهم الشيق.
***
ودعا سليم وفريدة الجميع بعد سهرة طويلة كانت مليئة بالأحاديث المثمرة والتسامر الشيق للجميع.
خطت نهلة وعبدالله داخل عشهما الهادئ.
دلف عبدالله إلى غرفة صغيره الذي يحمله غافياً، وضعه فوق تخته ودثره تحت الغطاء برعاية وحنان.
ثم توجه لزوجته الحنون داخل غرفتهما الخاصة، وجدها تخرج ثياباً لها ويبدو أنها تستعد لأخذ حمام دافئ ليُزيل عنها عناء التعب والمشقة من يومها المنصرم.
اقترب إليها وحاصرها بذراعيه القويتين وضمها إلى جسده بشدة، ثم مال على شفتاها ووضع بهما قبلة شغوفة بث لها بها كل اشتياقه وحرمانه منها ليلة أمس.
ابتسمت له خجلاً فتحدث هو بنبرة حنون:
"وحشتيني يا قلبي، وحشتيني أوي."
ابتسمت له وبادلته قبلاته الشغوفة وبعد مدة قصيرة تحدثت:
"عبدالله، أنا عاوزة أشتغل."
تنهد بهدوء وأبتعد عنها قليلاً وبدأ بخلع ثيابه عنه وأردف قائلاً:
"مش إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده يا نهلة وأنا قلت لك إني مش موافق."
أجابته بنبرة حادة:
"لا يا عبدالله، إنت قلت لي نأجل الموضوع لما أولد وبعد الولادة قلت لي الولد صغير ومحتاج لرعايتك، وأهو إسلام كبر وماما وعدتني إنها هتهتم بيه."
"هو أنا مقصر معاكِ في حاجة يا نهلة،"
جملة تساءل بها عبدالله متأثراً.
أجابته على الفور بعيون عاشقة:
"عمرك ما قصرت معايا في أي حاجة يا حبيبي، بالعكس، إنت نعم الزوج يا عبدالله، بس أنا نفسي أحقق ذاتي وأشتغل ويكون لي كيان."
اقترب عليها من جديد ولف ساعديه حول خصرها وتحدث وهو يقبل شفتها بهدوء:
"ولو قلت لك مش قادر أتقبل فكرة إنك تخرجي وتتعاملي مع رجالة في شغلك هتقولي إيه؟"
ضيقت عيناها باستغراب فأكمل هو بعيون عاشقة ونبرة صوت هائمة غائرة:
"يا نهلة أنا بحبك وبموت من غيرتي عليكِ، مبطمنش عليكِ غير وأنا متأكد إنك في بيتي متصانة زي الجوهرة، أنا كنت بغلي طول الليل لمجرد إنك نمتي عند فريدة، ولولا إني خفت على زعل فريدة وطنط عايدة مكنتش وافقت أبداً إنك تخرجي من جوة حضني وتباتي برة بيتي."
وأكمل بنبرة صوت مترجية:
"اعذري غيرتي المجنونة عليكِ يا قلبي وحققي لي طلبي ومتفكريش في موضوع الشغل ده تاني، وأنا الحمد لله اسمي بدأ يلمع في عالم المحاماة والدنيا بدأت تحلو معايا."
كانت تستمع إليه بعيون عاشقة وقلب يتراقص على أنغام كلماته الغائرة التي تعشقها.
وأردفت قائلة بنبرة سعيدة:
"للدرجة دي بتحبني يا عبدالله."
أجابها بعيون هائمة:
"أنا أعشقك يا نهلة، مش بس بحبك."
أجابته بمنتهى الرضا:
"وأنا موافقة على كل اللي تؤمرني بيه يا عبدالله، أهم حاجة تبقى إنت مرتاح."
غمز بعيناه وتحدث:
"حيث كده بقى خدي لي غيار معاكِ عشان ناخد شاور مع بعض احتفالاً بالخبر السعيد ده."
ضحكت برقة وكادت أن تتحرك لولا كبلها وسحبها لداخل أحضانه من جديد واتجه بها إلى تختهما سوياً تحت سعادتها.
***
داخل جناح سليم، خطى للداخل بعد مهاتفته لوالدته والإطمئنان على صغيريه التي أصرا أمال وقاسم على اصطحابهما معهما إلى منزلهما.
خرجت من المرحاض وهي ترتدي الثوب الخاص بالحمام (البرنس) وتضع حول رأسها منشفة.
نظر إليها بقلب يتسارع بوتيرة سريعة من شدة جمالها الأخاذ، فقد كانت مثيرة حقاً بوجنتيها الذي جعلهما الماء الساخن متوهجتين وتشبها ثمرات التفاح الأحمر الناضج وجعلت أيضاً من شفتاها الكنزة الممتلئة تشبها حبات الكرز الناضجة في موسم حصادها.
تحرك إليها بأنفاس منقطعة ووقف يتطلع إليها بعيون عاشقة هائمة حد النخاع.
نظرت له وأبتسامة جذابة كسوت وجهها وتحدثت خجلاً:
"كل سنة وانت طيب يا سليم."
ابتسم لرقتها وأجابها وهو يزيح عن شعرها تلك المنشفة:
"وإنتِ طيبة وجوه حضن سليم يا قلب سليم."
وتحرك بها إلى حيث المرآة وأمسك فرشاة شعرها وبدأ بتصفيفه لها تحت أعين تلك العاشقة وسعادتها اللامتناهية من اهتمام ذاك الولهان.
وضع الفرشاة بمحلها بعدما انتهى، ثم حاوطها بذراعيه بعناية فائقة ومال على عنقها ودفن أنفه به وبدأ باستنشاق أكبر قدر من عبقها الذي بات يعشقه ويتنفسه.
وبدأ بتقبيل عنقها ثم تحدث قائلاً بدعابة:
"تعرفي لولا الجو متأخر وهنتأخر على السحور كنت عملت إيه."
نظرت تنتظر إكمال حديثه باهتمام فأكمل هو:
"كنت أخدتك ونزلنا الجاكوزي ونسينا الزمن فيه."
ابتسمت خجلاً وأكمل وهو ينهل من شهد شفتاها:
"إزاي قادرة تحافظي على درجة عشقي ليكي بعد كل سنين الجواز دي؟ إزاي قادرة تخليني مجنون بعشقك طول الوقت، إزاي قادرة تخليني عطشان لهواكي وعمري ما بشبع من شهد عسلك مهما شربت."
ابتسمت بسعادة وأجابته بنبرة حنون:
"لما ألاقي إجابة لسؤالي اللي دايماً شاغلني هبقى أجاوبك."
أدار وجهها إليه ولف ذراعيه حول خصرها ألصقها بجسده وتساءل:
"وأيه هو بقى سؤال حبيبي اللي دايماً شاغله؟"
أجابته بحنان وعيون مغيمة بدموع السعادة:
"إيه الحاجة العظيمة اللي عملتها في حياتي عشان ربنا يكافئني ويرزقني بحبك الكبير ده يا سليم؟"
اتسعت عيناه بسعادة وأردف قائلاً بحنان ونبرة هائمة:
"يا فريدة أنا أعشقك."
أجابته بحنان وصوت هائم:
"وأنا بحبك أوي يا سليم."
وحملها وتوجه بها إلى تختهما ووضعها فوقه برقة وبات يذيقها من شهد غرامه ألواناً وألواناً.
وهنا انتهت خاتمة جراح الروح التي لم تعد جراح بل أصبحت عشق الروح، هيام الروح.
دومتم في حفظ الله ورعايته.