تحميل رواية «جراح الروح» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دلفت إلى الشركة التي تعمل بها تتحرك على عجل وتوتر. استمعت إلى رنين هاتفها معلنًا عن وصول مكالمة من أحدهم. أخرجته من داخل حقيبتها سريعًا ونظرت لشاشته. ضغطت فوق زر الإجابة وإذ بها تستمع لصوت أحدهم وهو يصيح بتوتر. "أيوة يا فريدة إنتي فين، الاجتماع فاضله دقايق ويبدأ!" تنفست الصعداء بقلق وأجابته بنبرة مطمئنة. "خلاص يا هشام أنا وصلت الشركة وبدخل الأسانسير حالًا، دقيقتين بالظبط وهكون عندك في قاعة الاجتماعات!" دلفت سريعًا إلى المصعد وضغطت زر الإغلاق وبعدها زر الصعود. كل هذا كان يحدث تحت أنظار ذلك الدالف...
رواية جراح الروح الفصل الحادي عشر 11 - بقلم روز امين
داخل كافيتريا الشركه، كانت فريدة تحتسي قهوتها بصحبة هشام ويتبادلان الآراء سوياً في التجهيزات الخاصة بمسكن الزوجية الخاص بهما.
دلف فايز ونظر للجميع بترقب وتحدث بصوتٍ عالٍ يملؤه الحماس:
"ليكم عندي خبر مهم جداً."
نظر جميع الموظفين إليه بتمعن واهتمام يترقبون إكمال حديثه، ثم أردف هو قائلاً:
"الشركه الألمانيه..."
وصمت لمدة ثوانٍ، ولكنها مرت على الجميع ك دهر. ثم نظر إليهم بحماس وهو يرفع يداه لأعلى وأردف قائلاً بنبرة حماسية:
"الشركة وافقت على دمج شركتنا لمجموعة شركاتها."
وقف الجميع وصاحوا وهللوا بحماس وصوتٍ عالٍ، وبدأوا بتبادل التهاني بينهم وبين مديرهم.
ثم أكمل فايز وهو يشير إلى فريدة بفخر:
"وطبعاً مش لازم ننسى دور الباشمهندسة فريدة في طريقة تقديم شغلها المميز وإظهار أعلى إمكانيات شركتنا قدام العضو المنتدب، واللي أشاد به سليم الدمنهوري بذات نفسه."
نظر الجميع إلى فريدة وهم يصفقون بحرارة كتحية لها ويردفون بالشكر والتهاني.
عدا تلك الواقفة التي تغلي من داخلها على مدح فايز لصديقة دراستها التي دائماً ما تظهر تفوقها عليها وبمراحل، إنها نورهان. التي حدثت حالها بغضبٍ مشتعل:
"بالطبع لابد من أن يغمرها بالشكر لدي سيدي، ولما لا وذلك الأبله عاشق لعيناها حتى النخاع."
ثم نظرت إلى هشام وأكملت داخلها بإستهجان:
"يا لك من مغفل أيها الأبله، ألم تر عشق ذلك الوسيم داخل عيناها اللعينة وهي تتطلع إليه؟ أريد رؤية ملامح وجهك حينما تكتشف تلك الحرباء المتلونة على حقيقتها، وأريد رؤية معالم وجهك حينما تكتشف أنك لم تكن سوى مغفلاً."
وأكملت بغل دفين:
"لو كان الأمر بيدي لأخبرتك في التو واللحظة، ولكن لسوء حظي أنني مقيدة ولن أستطيع إخباركَ على الأقل بالوقت الحالي."
ثم وجهت بصرها إلى فريدة وحدثت حالها بغل:
"لما يختارك ذلك الفايز لتلك المهمة اللعينة التي ستحصلين منها على مبلغ من المال لم ولن تحلمي به قط؟ أنا من كنت أحق منك بذلك المال، أنا من أستحق هذا الإطراء، لما الجميع دائماً يشيدون بكِ وبذكائكِ؟ لما لا أكون أنا البديل، لما؟"
ثم نظرت إلى فريدة وهزت رأسها بتحية مزيفة منها وابتسمت لها بتخابث. قابلتها فريدة بابتسامة بشوشة وأمالت رأسها بإيماء.
ابتسمت فريدة وسعد داخلها لأجل إتمام تلك الشراكة التي ستكون بمثابة خيط رفيع بينها وبين سليم. أينعم هي من طلبت منه الإبعاد، ولكن ما زال قلبها مشتعلاً بنار فراقه. تريد رؤية عيناه الساحرة، تريد الاستماع إلى نبرة صوته الولهان وهو ينطق بحروف اسمها بتلذذ. يعلم الله كيف مر هذا الأسبوع على قلبها المسكين، ولكن ما بيدها لتفعله، فهذه إرادة الله وهذا قدرها وما عليها إلا الرضوخ والقبول به بنفس راضية.
ثم نظرت إلى هشام وجدته مكشعر الوجه، حدثته بتساؤل:
"مالك يا هشام، معقولة مش مبسوط للنقلة الكبيرة اللي هنتنقل لها كلنا دي؟"
زفر بوجه كاشر وتحدث بضيق:
"أنا فعلاً مش مبسوط يا فريدة، وكل يوم كنت بدعي لربنا إن الشراكة دي ما تتمش."
ححظت عيناها بذهول وأردفت متسائلة:
"انت سامع نفسك بتقول إيه يا هشام، معقول بتدعي إن ربنا يحرمنا كلنا من زيادة مرتباتنا للضعف، ده على الأقل ده إذا ما كانش أكتر؟ انت متخيل حجم النقلة اللي أنا وانت على الأقل هنتنقل لها؟"
أجابها باقتضاب:
"أنا مش متخيل غير رخامة وغرور اللي اسمه سليم وهو جاي الشركة ينظر ويعدل علينا بما فينا مستر فايز بنفسه."
زفرت بضيق وأردفت قائلة بتملل:
"يا سلام عليك يا هشام، هو أنت ما بتعرفش تفرح أبداً، دايماً تسيب الجانب الإيجابي لأي موضوع وتبص على الجانب السلبي حتى ولو كان تأثيره علينا لا يذكر."
وأكملت:
"ثم اطمن يا سيدي وريح نفسك، سليم الدمنهوري مش فاضي لنا أساساً، عنده زيارات لشركات تانية، ده غير زيارته وسفره لدبي."
نظر إليها بضيق وأردف قائلاً بنبرة حادة:
"وحضرتك عرفتي منين بقى إن شاء الله المعلومات دي كلها؟"
نظرت إليه باستغراب وأجابته بتلقائية:
"عرفت من مستر فايز طبعاً، وكمان عرفت من خلال شغلي معاه، انت ناسي إني اشتغلت معاه أسبوع بحاله وكان من الطبيعي إني أعرف جدول أعماله الفترة الجاية."
أتى إليهم فايز بابتسامة سعيدة على ثغره وأردف قائلاً ببشاشة موجهاً حديثه إلى فريدة:
"برافو عليكي يا فريدة، عمرك ما خيبتي نظرتي فيكِ أبداً. مستنيكي في مكتبي كمان نص ساعة، ليكي عندي مفاجأة حلوة جداً."
ابتسمت له وأجابت بسعادة وقلب يتراقص من شدة سعادته:
"أشكرك يا أفندم، ويا رب دايماً أكون عند حسن ظن حضرتك فيا."
ابتسم لها ثم نظر باستغراب لذلك الواقف بوجه مكشر:
"مالك يا هشام، فيه حاجة مضيقاك؟"
أجابه باقتضاب:
"لا يا أفندم مفيش حاجة."
أردف قائلاً بتعجب:
"أومال مكشر كده ليه؟"
وأكمل ساخراً:
"أوعى تكون بتخاف تضحك لو وشك يكرمش يا إتش؟"
ضحكت فريدة بشدة. نظر لها هشام بتعجب مصطنع وأردف:
"مبسوطة سيادتك طبعاً."
ضحكت وأردفت بمداعبة:
"جداً بصراحة."
ضحك فايز ثم تحدث وهو يتحرك ويشير إلى فريدة بإصبع يده:
"مستنيكي في مكتبي، أوعي تنسي!"
أجابته بابتسامة وحديث ذات معنى:
"أكيد مش هنسي طبعاً."
بعد ذهاب فايز نظرت فريدة بتعجب إلى هشام وتحدثت بتساؤل:
"أنا مش فاهمة يا هشام إنت ليه مكشر كده؟"
وأكملت بدلال:
"طب ياسيدي لو مش فرحان علشان مرتبك اللي زاد، افرح علشاني وعشان المكافأة اللي مستر فايز وعدني بيها، واللي هتسهل عليا موضوع العربية."
أجابها بابتسامة سعيدة لأجل سعادتها وأجاب:
"أكيد طبعاً فرحان علشانك يا حبيبتي، أنا بس متضايق من اللي اسمه سليم مش أكتر."
نظرت له بأسى وأردفت قائلة:
"ليه كل ده يا هشام، الراجل في حاله وطول الأسبوع اللي قعده هنا ما حاولش يضايقك أبداً، بالعكس إنت اللي كنت بتستفزه بتصرفاتك معاه."
أخذ نفساً عميقاً وتحدث بضيق:
"بصراحة كده يا فريدة أنا بحس إن اللي اسمه سليم ده حاطط عينه عليكِ."
وأكمل بنبرة يكسوها الغضب:
"دايماً بيبص لك نظرات غامضة من تحت لتحت، نظرات ما يفهمهاش غير راجل زيه."
ارتعبت أوصالها واقشعر بدنها مما استمعته للتو وأردفت قائلة بنبرة مرتبكة:
"ايه التخاريف اللي بتقولها دي يا هشام؟"
أجابها بقوة وتأكيد:
"دي مش تخاريف يا فريدة، الكلام اللي بقوله ليكي ده أنا متأكد منه زي ما أنا متأكد إني واقف بتكلم معاكي حالاً."
وأكمل بتمني:
"علشان كده أنا بطلب منك إنك تتجنبي أي فرصة شغل تجمعك بالشخص ده تاني، أرجوكِ يا فريدة."
هزت رأسها بإيجاب وأخرجت صوتها وهي تحاول الثبات:
"حاضر يا هشام."
وأكملت بكذب كي يزيل تلك الأفكار من داخل رأسه:
"بس أنا عايزة أقول لك إن إحساسك ده ملهوش أي أساس من الصحة، ياريت تخرج الأفكار دي من دماغك علشان ترتاح."
وأكملت سريعاً كي لا تعطي له فرصة التحدث من جديد:
"أنا لازم أطلع مكتبي علشان هبعت إيميل مهم خاص بالشغل، وبعدها هروح للباشمهندس فايز."
وتحركت هي إلى أعلى متهربة من نظرات هشام.
تحرك إليه أدم صديق العمل بالشركة وحدثه بمداعبة:
"أيوا يا سيدي مين قدك، إنت وخطيبتك هتقفشولكم قرشين حلوين يروقوكم."
نظر له هشام وأكمل بمداعبة:
"والله ما جايبنا لورا غير نقكم ده، أرحمونا أنت وزمايلك من عنيكم اللي راشقة جوة حياتنا موقفينها."
ثم ضحكا معاً وأكملا حديثهما.
وصلت فريدة إلى مكتبها ووضعت يدها على صدرها الذي يهبط ويعلو ويدق بوتيرة عالية من شدة رعبها. حدثت حالها:
"يا الله ساعدني فيما هو آت."
ثم أخذت نفساً عميقاً هدأت به حالها، وخرجت مرة أخرى متجهة إلى مكتب فايز الذي رحب بها وتحدث بابتسامة فرحة:
"مبروك عليكي المكافأة يا فريدة."
ابتسمت بوجه بشوش وأردفت بابتسامة عرفان:
"متشكرة جداً لحضرتك يا أفندم."
نظر لها وأجابها بمداعبة:
"طب مش تسألي الأول المكافأة قد إيه؟"
أجابته بمداعبة منها:
"والله يا باشمهندس أنا قنوعة جداً، يعني لو حضرتك هتديني مليون جنيه بس أنا راضية بيهم."
فتح فاهه مدعياً الذهول ثم حدثها بمداعبة:
"لا فعلاً قنوعة يا باشمهندسة، ده أنا نفسي اللي اسمي مدير الشركة، مش هتحصل على نص المبلغ ده."
ثم أكمل بابتسامة مطمئنة:
"بس ما تقلقيش، مكافأتك حلوة برضه مش وحشة، وكمان ليكي عندي خبر حلو."
أردفت بلهفة وتساؤل:
"خير يا باشمهندس، قول حضرتك وفرحني."
أجابها بنبرة جادة:
"بصي يا ستي، أنا ليا صديق مدير بنك، كلمته عن موضوع القروض الخاصة بالعربيات والراجل كتر خيره قالي إنه هيساعدك ويخرج لك قرض بفايدة ضعيفة جداً، وكمان مش هيبقى باسمك ودي الخدمة اللي قدمهالي. قالي إنه هيخلي موظف عنده من البنك يعمل القرض باسمه، لإن زي ما هو معروف إن موظفين البنوك ليهم امتيازات مخصوصة ليهم."
وأكمل بابتسامة:
"بس ده طبعاً بعد ما أنا ضمنتك عنده وقولتله إني أضمنك زي نفسي بالظبط، فكده مش مطلوب منك غير إنك تروحي مع الموظف بتاع البنك وتختاري الموديل واللون بتوع العربية، وباقي الإجراءات هيخلصها الموظف، وإنتي هتدفعي مقدم بسيط للعربية وده هيتحدد بناءً على سعر العربية اللي هتختاريها، وبعدها هتدفعي مبلغ معين كل شهر كتسديد للقرض."
انفرجت أساريرها وتحدثت بسعادة:
"بجد مش عارفة أشكر حضرتك إزاي يا أفندم، متشكرة جداً على وقفتك معايا بالشكل ده."
أجابها بابتسامة:
"مفيش داعي للشكر يا فريدة، إنتِ زي أختي الصغيرة، وبعدين لازم أعترف إن لولا ذكائك وتميزك ما كنتش الشركة حصلت على الاتفاقية دي من الأساس، يعني أنا اللي المفروض أشكرك."
ابتسمت له وشكرته وخرجت إلى مكتبها لتستكمل عملها.
***
مساءً.
داخل غرفة فريدة ونهلة المشتركة.
كانت تجلس فوق مكتبها سانده ظهرها إلى الخلف ممسكة بيدها هاتفها تتحدث إلى عبدالله.
سألها عبدالله عبر الهاتف:
"طمنيني يا حبيبتي، قولتي لفريدة زي ما اتفقنا؟"
أغمضت عيناها بأسى وتحدثت بصوتٍ هادئ:
"للأسف لا يا عبدالله، فريدة مشغولة جداً الفترة دي في شغلها، وأنا شايفة إنه مش هينفع أفاتحها في التوقيت ده خالص، وبصراحة أكتر أنا شايفة إن الموضوع مش هينفع يتفتح في الوقت الحالي."
أجابها عبدالله عبر هاتفه:
"يا بنتي هو إنتِ كنتِ فاتحتي أهلك في الموضوع أصلاً علشان تقولي إنه مش هينفع؟"
أردفت نهلة بتعقل:
"الموضوع مش محتاج إني أفتحهم فيه علشان أعرف إنه مش هينفع يا عبدالله، ما هو بالعقل كده، إزاي بابا هيوافق على خطوبتك ليا وفريدة لسه بتجهز نفسها؟"
أجابها بهدوء:
"يا حبيبي إنتِ بنفسك قولتيها، فريدة هي اللي بتجهز نفسها، يعني عمي فؤاد مفيش عليه أي مسؤولية من ناحية جهازها، وبعدين إنتِ كمان فاضل لك كام شهر وتخلصي جامعتك وتشتغلي، وأنا خلاص حجزت لك مكانك من دلوقتي في شركة محترمة ومرتباتها كويسة جداً، يعني إنتِ كمان هتجهزي نفسك ومش هنلزم عمي فؤاد بحاجة."
وأكمل بقناعة:
"ثم أنا مش عاوز منك حاجة يا نهلة، اللي تقدري عليه هاتيه واللي يفضل نبقى نكمله بعد جوازنا، ربنا سبحانه وتعالى خلق الكون في سبع أيام."
تنهدت باستسلام وأردفت:
"أنا خايفة بابا يرفض مبدأ ارتباطي نفسه يا عبدالله وساعتها هنكون خسرنا كل حاجة."
أجابها بنبرة تحفيزية:
"اسمعي كلامي إنتِ بس وقولي لفريدة وهي أكيد هتساعدنا، فريدة عقلها كبير وباباكي بيحترمها وبياخد رأيها في كل حاجة."
وأكمل بحب:
"يا نهلة أنا بحبك ونفسي ناخد خطوة جادة في علاقتنا دي علشان ربنا يبارك لنا في حياتنا، وبعدين بصراحة بقا أنا متضايق من نفسي جداً إني بكلمك في التليفون من غير علم عمي فؤاد وطنط عايدة، وده شيء جارحني أوي ومحسسني إني مش راجل محترم ولا أمين عليكي، فهماني يا نهلة؟"
أجابته بهدوء:
"فاهماك يا عبدالله، خلاص أنا هكلم فريدة النهارده وأقول لها وربنا يعمل لنا اللي فيه الخير."
***
أما فريدة التي كانت تجلس بجانب والدها ووالدتها يحتسون مشروب الشاي في جو يغلب عليه طابع الألفة والسكينة.
تحدثت عايدة بسعادة:
"حلوة أوي المكافأة يا فريدة، وكمان موضوع العربية أهو اتحل من عند ربنا."
وأكملت بعملية:
"أنا شايفة إنك تشيلي المكافأة على جنب مع باقي فلوس جهازك وكده تقريباً هيكفوا إن شاء الله وتبقي خلصتي."
أجابتها فريدة بهدوء:
"إن شاء الله يا ماما."
تحدثت عايدة:
"طب ما تعرفيش مرتبك هيزيد قد إيه؟"
أجابتها فريدة:
"لسه يا ماما، الموضوع ده لسه هتنسقه الشركة مع الشركة اللي انضمينا ليها، يعني الموضوع هياخد شوية وقت."
أجابت عايدة باستغراب:
"أومال إنتِ عرفتي فلوس المكافأة إزاي؟"
أجابتها فريدة:
"مبلغ المكافأة شركتي هي اللي مكافئاني بيه يا ماما، مكافأة تحفيزية منهم على تعبي في الأسبوع اللي فات، ملهوش علاقة بالشركة الجديدة."
ثم نظرت إلى والدها الجالس يستمع بصمت تام وأردفت متسائلة:
"مالك يا بابا، حضرتك ليه ساكت من وقت ما قعدنا؟"
تنهد مطولاً وتحدث بأسى:
"متضايق علشانك يا بنتي، فكراها سهلة عليا إني أحملك هم جهازك؟"
ونظر لها بعيون حانية وأردف بحب ظهر بعيناه:
"بس والله يا بنتي غصب عني، أديكي شايفة الظروف بنفسك، البيت ومصاريفه، ومصاريف جامعة أختك، ودروس أسامة اللي عايزة ميزانية لوحده."
تألمت بشدة من تلك الكسرة التي تكسو صوت والدها وعيناه التي تتهرب من النظر إليها لضيق حاله.
أجابته بابتسامة بشوشة:
"ومين اللي كان السبب في إنه وصلني وخلاني باشمهندسة وبقبض وبعرف أجهز نفسي، مش حضرتك وفلوسك برضه يا بابا؟ حضرتك صرفت علينا وعلمتنا أحسن تعليم، والحمد لله مش مخلينا ناقصنا أي حاجة، يعني كله من خير ربنا علينا وخيرك يا حبيبي."
تحدثت عايدة بلوم:
"ما أنت لو سمحت لنهلة إنها تشتغل زي ما كانت عايزة، كان زمانها على الأقل بتصرف على نفسها ومش محملك هم مصاريف تعليمها ومواصلاتها ولبسها."
احتدم صوته وتحدث بنبرة صارمة:
"أنا قولتلِك 100 مرة ما تجيبيش سيرة شغل الولاد طول ما هما بيدرسوا."
وأكمل بنبرة حزينة:
"مش كفاية اللي حصل مع فريدة نتيجة شغلها وهي بتدرس، إنتِ وهي فرحتوا بالقرشين اللي كانت بتاخدهم في المكتب اللي كانت بتشتغل فيه والنتيجة كانت إيه؟"
تألم قائلاً:
"حلم عمري وعمرها في إنها تبقى دكتورة جامعية اتهد في يوم وليلة."
نزلت كلمات والدها على قلبها شرخه وصرخ قلبها، وفي لحظة انهمرت دموعها على وجنتيها حين تذكرت أسوأ ذكرى مرت بحياتها وعصفت بكيانها بالكامل.
وقفت معتذرة واتجهت سريعاً إلى غرفتها.
تنهدت عايدة وأردفت بحزن:
"كان لزمته إيه بس الكلام ده دلوقتي يا فؤاد، كده تكسر فرحتها."
نظر لها وتنهد بألم وبصمت.
***
أما داخل غرفة فريدة وبعد مدة، هدأت فريدة كثيراً بعدما أخذتها نهلة بين أحضانها وواستها.
وبعد قليل تحدثت نهلة بارتباك:
"فريدة، كنت عايزة أقول لك على حاجة، بصي هو الموضوع حصل من وقت طويل، لكن أنا بصراحة كنت محرجة أفاتحك فيه."
وكادت أن تكمل، ولكن أوقفها حديث فريدة الحاد:
"هتقعدي تبرري كده كتير، ما أنتِ عرفاني يا نهلة خلقي ضيق وما بحبش المقدمات الطويلة، اتفضلي ادخلي في الموضوع مباشرة."
أخذت نفساً عميقاً وأردفت بإحراج:
"أنا وعبدالله محسن بنحب بعض من حوالي سبع شهور وهو عاوز يتقدم لي."
ححظت عيون فريدة وأردفت قائلة بتساؤل:
"عبدالله محسن عبدالحي؟ عبدالله اللي هو جارنا ابن طنط اعتماد؟"
نظرت أرضاً وأردفت بنبرة خجلة:
"أيوة هو."
أردفت فريدة بتساؤل:
"أوعي تكونوا بتخرجوا لوحدكم يا نهلة؟"
ردت سريعاً:
"خالص يا فريدة والله، كل اللي بينا تليفونات مش أكتر، حتى لما ببقى واقفة في البلكونة وهو يخرج لبلكونته ويلاقيني بيدخل بسرعة، بيخاف علشان ما حدش يشوفنا ويتكلم علينا."
نظرت لها فريدة بترقب وتساءلت:
"وهو عرف رقم تليفونك منين؟"
نظرت لها بخجل وأجابت:
"أخده من على فون طنط اعتماد."
نظرت لها ثم ابتسمت ببشاشة وأردفت بتساؤل:
"بتحبيه؟"
أطالت النظر لشقيقتها وابتسمت وأجابتها بعيون هائمة:
"أوي يا فريدة، بحبه بجنون."
أمسكت فريدة كف شقيقتها وملست عليه بحنان وأردفت وهي تنظر لها بعيون حانية:
"كبرتي يا قلبي وحبيتي، خلي بالك على نفسك يا نهلة، قولي له لو حابب ييجي يتقدم يتفضل وأنا هكلم بابا وأقنعه يوافق."
تحدثت نهلة بلهفة:
"بجد يا فريدة، بجد هكلمي بابا وتقنعيه؟"
أجابتها بنبرة جادة:
"عبدالله حد محترم وابن أصول وشرف لأي عيلة إنها تناسبه، كفاية إنه عارف حدوده معاكي ومتخطاها."
سعدت نهلة بشدة وبدأت تقص لشقيقتها كل ما حدث لها من مواقف مع عبدالله.
***
داخل شركة الحسيني لصناعة الأدوية.
كان يمر داخل إحدى أفرع شركات والده الخاصة بصناعة الأدوية، يتفقدها باهتمام وعملية وهو يباشر عمله كمدير لهذا الفرع ومراقب على جودة صناعة الأدوية.
إنه دكتور مراد صادق الحسيني، شاب في بداية العقد الثالث من عمره، تخرج من كلية الصيدلة وعمل مع والده دكتور صادق الحسيني بشركاته الشهيرة ذات السمعة الطيبة.
كان يتحرك بهيئته المنمقة وأناقته المعهودة وغروره اللامتناهي.
وأثناء مروره لتفقد إحدى المعامل، توقف فجأة وهو ينظر لإحدى الفتيات التي تتحدث بإنسجام عبر هاتفها تاركة ما يجب عليها فعله وهو المساعدة في صناعة وتركيب الأدوية.
ذهب إليها وتحدث بحدة وغرور:
"إنتِ بتعملي إيه عندك يا أستاذة؟"
نظرت له باستغراب، ثم أنهت حديثها مع حسام سريعاً وتحدثت بتساؤل:
"أفندم؟"
أجابها بحدة وكبرياء:
"هو أنتِ كمان مسمعتيش سؤالي؟"
وأكمل بتهكم:
"طبعاً، وهتسمعيني إزاي وسياتك مشغولة في الرغي في التليفونات."
نظرت له باستتهجان وتحدثت بحدة بعدما نجح غروره باستشاطة داخلها الهادئ:
"إنت مين وإزاي تسمح لنفسك تكلمني بالطريقة دي؟"
أمسكتها صديقتها سارة من يدها وهي توشي بجانب أذنها:
"بتعملي إيه يا مجنونة، ده دكتور مراد الحسيني ابن صاحب الشركة والمدير التنفيذي للفرع اللي إحنا موجودين فيه ده."
أجابتها بحدة وصوت عالٍ ليصل حديثها إلى مسامع ذلك المغرور:
"ولو، ده ميدلوش الحق إنه يكلمني بالطريقة المتعجرفة دي."
تحرك إليها ووضع يداه داخل جيب بنطاله وضيق عيناه قائلاً بتكبر:
"إنتِ بتتكلمي عني أنا بالشكل ده؟"
"منين جبتي الجرأة اللي تخليكي تقفي قدام مراد الحسيني وبكل بجاحة تنتقدي كلامي وتراجعيه؟"
وقفت أمامه قائلة بكبرياء وبنبرة ساخرة من حديثه:
"من نفس المكان اللي جبت منه جرأة جلالتك اللي خلتك تكلمني بالطريقة دي وتدي لنفسك الحق إنك تقف قدامي وتحاسبني."
نظر الجميع لبعضهم البعض بذهول وبدأوا يتهامسون بنبرة ساخرة وهم ينظرون على مديرهم المغرور وتلك الفتاة تكيل له وابلًا من الكلمات اللاذعة.
نظر للجميع نظرة صارمة أخرستهم، ثم حول بصره لتلك الواقفة بشموخ وتحدث بكبرياء وهو يوجه حديثه للطبيب المسؤول الذي يترأس ذلك المعمل وتلك المجموعة:
"البنت دي تخرج برة الشركة حالاً ومشوفش وشها هنا مرة تانية، مفهوم."
هز له رأسه بالإيجاب. بينما نظرت له ساخرة وتحدثت بقوة:
"أنا اللي ميشرفنيش أقعد في مكان بيرأسه واحد عديم مهنية زيك."
قالت كلماتها ونزعت عنها الزي الأبيض المسمى بـ "البالطو" وألقت به بعنف فوق المنضدة الموضوعة.
استشاط داخله من تلك الوقحة التي تتحدّاه وتقف بوجهه بدلاً من أن تنحني أمامه وتترجاه كي يعيدها إلى العمل مرة أخرى.
كاد أن يتحدث إلا أنه وجد صوت أباه يصدح من خلفه:
"فيه إيه يا دكتور مراد، مزعل دكتور ريم مننا ليه؟"
اعتدل إلى والده لينظر إليه بذهول وتحدث:
"مزعل دكتور ريم؟"
وأكمل ساخراً:
"وتطلع مين بجلالة قدرها الدكتورة؟"
نظرت عليه بقلب مشتعل ووجه عابس، فقد نجح ذلك المستبد المتعجرف لتحويل هدوئها إلى عاصفة.
تحدث والده بهدوء ووقار وهو ينظر لولده نظرة تحذيرية بألا يتحامق:
"دكتور مراد، دكتورة ريم، من فضلكم خلينا نتكلم في مكتبي أفضل."
ونظر للحضور وتحدث بحدة صارمة:
"كل واحد على شغله يا حضرات."
تحركت هي بجانب صادق تحت استشاطة وذهول ذلك المصدوم من أفعال أبيه.
نظر لهما صادق وهو يتوجه إلى مقعده وأشار لهما يدعوهما للجلوس وتحدث:
"اتفضلوا ارتاحوا يا دكاترة."
نظر مراد بذهول إلى والده الذي حذره وأمره بنظرة عيناه بأن يصمت.
ثم تحدث صادق بعملية:
"خليني الأول أعرفكم على بعض."
وأشار إلى ولده وهو يتحدث إلى ريم:
"دكتور مراد الحسيني، المدير التنفيذي للفرع ده والمسؤول عن سلامة صناعة الأدوية، وفي نفس الوقت يبقى ابني الوحيد."
وأشار إلى مراد وأكمل تعارف:
"ودي دكتورة ريم الدمنهوري، بنت سعادة قاسم بيه الدمنهوري، مسؤول كبير في الهيئة الدبلوماسية المصرية، والدكتورة موجودة هنا بقرار مني أنا شخصياً."
احتقنت ملامحه بالغضب من نظرات تلك الصغيرة الشامتة به وتحدث:
"بس يا باشا."
قاطعه والده بنبرة جادة:
"خلاص يا دكتور، بقول لك الدكتورة تحت إشرافي أنا شخصياً وفي حمايتي."
ردت ريم باعتراض:
"أنا متشكرة جداً لاهتمام حضرتك يا دكتور، بس أنا آسفة، أنا مش هقدر أكمل تدريب في الشركة بعد اللي حصل من الدكتور المبجل."
نظرت له صادق وتحدث بابتسامة هادئة:
"خلاص بقا يا دكتورة، ويا ستي لو الدكتور تجاوز معاكي في الكلام خليها عندي أنا، هو أنا مش في مقام قاسم بيه عندك ولا إيه؟"
نظر إلى والده بأعصاب تغلي من نصرته لتلك الفتاة التي استطاعت أن تجعل داخله يغلي استشاطاً وغضباً.
وتحدث بنبرة حادة إلى حد ما:
"هو حضرتك كمان بتترجاها يا دكتور؟ الدكتورة كانت سايبة شغلها ومقضياها رغي في التليفونات."
أجابه بقوة غير معتادة عليها ولكنه بفضله استطاع إخراج الجانب الشرس المدفون بداخلها والتي لم تكن تعلم هي شخصياً بوجوده من الأساس:
"أولاً أنا مسمحش لحضرتك تتكلم عني بالشكل ده."
"ثانياً أنا كنت مخلصة الشغل المطلوب مني وده تقدر تسأل فيه دكتور حسن المسؤول عن تدريبي."
جاء ليتحدث ولكن أوقفه والده وتحدث ناهياً للجدال الدائر:
"خلاص يا دكاترة لو سمحتم، الموضوع بسيط وما يستاهلش كل الشد والجذب اللي بينكم ده."
وأكمل بعملية:
"ودلوقتي اتفضلي يا دكتورة على شغلك لو سمحتي،"
وأكمل بمجاملة وابتسامة هادئة:
"وياريت تبلغي تحياتي وسلامي ل قاسم باشا، وتشكري لي الباشمهندس سليم بالنيابة عني على جودة وكفاءة الأجهزة اللي وردها لي من شركته في ألمانيا."
هزت رأسها بإيجاب وتحدثت باحترام:
"يوصل يا أفندم، بعد إذن حضرتك."
ورمقت ذلك المغرور بنظرة شامتة انتصارية وتحركت للخارج.
ثم تحرك هو إلى والده وتحدث بنبرة غاضبة حاول التحكم بها إلى أبعد الحدود وذلك احتراماً لوالده:
"ممكن بقا يا دكتور تفهمني إيه اللي حصل من شوية ده؟"
وأكمل بغرور:
"حضرتك باللي عملته ده كسرت كلمتي قدام الموجودين كلهم، ومحدش بعد كده هيحترم كلمتي ولا هياخد قراراتي على محمل الجد."
تنهد أباه بهدوء وتحدث:
"إنت اللي حطيت نفسك في المأزق ده مش أنا يا دكتور، كام مرة نبهتك لعصبيتك الزايدة وقولت لك لازم تتأنى وتفكر كويس قبل ما تتخذ أي قرار، وخصوصاً لو كان خاص بالشغل. إيه الجريمة الكبرى اللي اقترفتها البنت لما تكلمت في التليفون، تفتكر حاجة تافهة زي دي تستاهل إنك تفصلها من التدريب وتطردها برة الشركة؟"
أجابه والده بقوة:
"أنا ما طردتهاش عشان كده يا دكتور، أنا طردتها لما وقفت قدامي واتحدتني وسخرت من أسلوبي وكلامي قدام كل الموجودين."
أجابه صادق باعتراض:
"وهي البنت عملت كده من نفسها يا دكتور ولا بعد ما حضرتك تهكمت عليها وسخرت منها قدام اللي موجودين كلهم؟"
وقف بشموخ وتحدث بغرور:
"أنا آسف يا دكتور، بس لو حضرتك يهمك شكلي ووضعي في الشركة يبقى لازم البنت دي تسيب الشركة وحالاً."
أجابه بهدوء:
"يا خسارة يا دكتور، على قد ما ربنا أدا لك ذكاء وعبقرية في مجال شغلك، على قد ما أدالك غباء اجتماعي، وده السبب في إنك لحد النهارده مش عارف تكون شبكة اجتماعية حواليك بسبب غطرستك وتسرعك في الحكم على الأمور."
أجاب والده بعناد:
"أنا مرتاح كده حضرتك، وبعدين أنا نفسي أفهم حضرتك متمسك بالبنت بالشكل ده ليه؟"
تحدث صادق:
"ببساطة لأني بستفاد من منصب باباها يا أستاذ."
مراد باستفهام:
"بتستفاد إزاي يعني؟"
أجابه صادق:
"أنا اتعرفت على قاسم الدمنهوري في اجتماع شامل لرأسة الوزرا، كانوا بيناقشوا فيه أهمية صناعة الأدوية في مصر وكيفية تصديرها للقارة الأفريقية. اتعرفنا وبقينا بنتكلم كل فترة، ولما سألت عنه عرفت إن ابنه بيشتغل مهندس إلكترونيات وماسك منصب مهم جداً في شركة عالمية. قولت أستفاد منه في تجديد الأجهزة اللي عندنا في الشركات، وبالمرة أخليه يساعدني بخبرته في اختيار أجهزة متطورة تقدر تفيدنا في تطوير صناعة الأدوية، وبالفعل قاسم اداني رقمه وتواصلت معاه، وساعدني جداً وبعت لي مجموعة أجهزة متطورة وبسعر ما كنت أحلم بيه."
وتنهد وتحدث بهدوء:
"وعلى فكرة، قاسم ما طلبش مني أدرب بنته معانا هنا، أنا اللي طلبت ده منه لما بالصدفة عرفت إن عنده بنت في صيدلة."
وأكمل لذلك المستشاط:
"فهمت أنا ليه مينفعش أمشيها يا مراد."
وأكمل بمرارة وعيون حزينة:
"وياريت يا ابني تحاول تنسى وتريح نفسك وتريحني معاك، بطل تبص لكل البنات على إنهم القذرة اللي خانتك وهربت مع أعز أصحابك."
صاح بغضب وتحدث باشتعال ظهر بعيناه:
"بابا لو سمحت."
تحدث صادق سريعاً:
"خلاص يا ابني حقك عليا، اتفضل على شغلك وياريت تحاول تتحكم في أعصابك أكتر من كده."
خرج كالإعصار المدمر وتوجه مباشرة إلى مكتبه بعدما أغلق بابه بشدة. توجه إلى مقعده وجلس وهو في قمة غضبه، وكل ذرة بجسده متشنجة نافرة وبشدة وهو يتذكر تلك الخائنة التي كان يعشقها منذ أن كانا يدرسان معاً بكلية الصيدلة، ثم ارتبط بها وأتم خطبته عليها. وبعدما أنفق عليها الغالي والنفيس هربت للخارج بصحبة صديقه المقرب، عشيقها والذي كانت قد تزوجته عرفياً في الخفاء، وذلك بعدما استغلت مراد أسوأ استغلال واستنزفت منه أموالاً طائلة بحجة شراء شقة الزوجية والإشراف على تجهيزها بنفسها. هربت للخارج بصحبة صديقه محملين بأمواله وشبكته الباهظة الثمن، ومنذ ذلك اليوم تحول مراد من شخص هادئ الطباع وودود مع البشر، لشخص كاره وساخط على كل ما هو مرتبط بتاء التأنيث.
***
بعد منتصف الليل.
كانت تتمدد فوق تختها تحاول أن تغفو ولكن هيهات، من أين يأتي النوم ونار الاشتياق قد اجتاحت روحها وتملكت منها. زفرت بضيق واعتدلت وجلست ثم أسندت ظهرها على ظهر التخت. نظرت على شقيقتها وجدتها غافية بسلام.
تنهدت باستسلام ونظرت لسقف الغرفة وأغمضت عيناها تحاول الاستجمام، لكن غلبها الشوق له. فتحت عيناها من جديد وأمسكت هاتفها وبدأت تتصفح صفحات التواصل الاجتماعي عبر حسابها التمويهي التي أنشأته بعد اختراق حسام لحسابها السابق.
أغمضت عيناها من جديد وزفرت بضيق تحاول مجاهدة حالها بألا تضعف أمام ذلك القلب العنيد الذي وما زال يئن بعشقه، بل أنه وصل به الأمر بأن أصبح لا يدق إلا لأجل عشقه، ولا يعطي الفرصة لها بنسيانه.
فتحت عيناها من جديد وبيد مرتعشة، وقلب تتسارع دقاته، دلفت لحساب سليم وجدت صورة الحساب. نظرت لعيناه بوله ودقات متسارعة وعيون عاشقة هائمة وهي تنظر له وتتحسس بيدها ملامح وجهه بصدر يهبط ويعلو.
سحبت شاشة هاتفها لأعلى وجدت له صورة أشعلت صدرها بنار الغيرة حين وجدته يتوسط فتاتين ويضع يده في خصر إحداهن. تيقنت أنها ريم شقيقته، فقد شاهدت صورتها من قبل مع سليم. نعم، لقد مرت أعوام وتغيرت ملامحها، ولكن تبقى منها بعض الملامح والشبه الذي يربط بينها وبين سليم. أما الفتاة الأخرى والتي كانت ترتدي ثياباً تظهر كم أنوثتها الهائلة، بالإضافة إلى نظرتها العاشقة التي كانت تنظر بها إلى سليم، تلك النظرات تعرفها هي جيداً.
جن جنونها واشتعلت نيران قلبها وثارت روحها بغضب هائل. ولولا ستر الله علينا بأن نار القلوب تظل قاطنة بالقلوب لأشعلت الغرفة بأكملها من شدة حرارتها. وهذا ما أراده سليم بالفعل حينما نشر تلك الصور وجعل مشاهدتها للعام للتأكد من أن لها حساباً لم يتوصل هو إليه وذلك لشدة حرصها. وتيقن أنها تراقبه به للتطلع على أخباره. نعم، فهو يحفظها ويحفظ تفكيرها عن ظهر قلب. ومن غير الحبيب يحفظ تفاصيل معشوقه؟
وبلحظة نزلت دموع عيناها وسرت تجري على وجنتيها وكأنها ناراً حارقة تكوي كل ما يقابلها.
حدثت حالها بألم ودموع:
"أفعلتها سليم؟ أعشقت غيري بتلك السرعة؟ أين عشقك لي يا رجل؟ أكُنت تخدعني من جديد؟ اللعنة عليك سليم! اللعنة عليك مدمرى ومدمر أحلامي! كيف لك أيها الحقير أن تحطم قلبي هكذا؟ كيف لك أن تجعلني أتألم من جديد بتلك الوحشية؟ لقد اشتعل داخلي من مجرد صورة يا رجل! كيف لي أن أتحمل فكرة زواجك وإنجابك أطفالاً من امرأة غيري؟ اااه سليم، لما فعلت بنا ما فعلته بالماضي أيها الحقير، لو أنك لم تتركني لأصبح الحال غير الحال."
وصرخ داخلها مناجياً ربه:
"يا الله، قلبي يتألم يا الله! فلتساعدني أرجوك، فلترحم قلبي الضعيف من تلك النيران المشتعلة بداخله. يا الله."
تحاملت على حالها ووقفت وتوجهت إلى المرحاض، توضأت وأرتدت ثياب الصلاة وشرعت بتأدية صلاة قيام الليل. وسجدت تناجي ربها بدموع وتترجاه أن يرحمها وقلبها من تلك النيران المشتعلة التي لا تهدأ أبداً.
وبعد مرور أكثر من ساعة كانت فوق تختها تغمض عيناها وتغفو بثبات عميق بعد أن هدأت واغتسل قلبها بالمناجاة مع الله، ومن لنا غير الله ل نلتجأ إليه عند ضيقتنا.
***
ترى ما قصة تلك الحياة الجديدة التي وهبها الله عز وجل إلى لبنى كما ذكرتها منى؟
***
داخل منزل حسن نور الدين.
كان الأشقاء الثلاث يجلسون في حديقة منزلهم يتناولون مشروباً بارداً مع بعض التسالي والمقرمشات.
نظر حازم إلى هشام الذي يمسك هاتفه ويبتسم بسعادة وهو يراسل فريدة على تطبيق الواتساب وأردف بتساؤل ملح:
"هو أنت يا ابني ما بتزهقش، طول اليوم معاها في الشغل ولما تروح يادوب تتغدى وتنام لك شوية، وبعدها تقوم تكلمها واتس، وبالليل تكلمها علشان تنام على صوتها."
وأكمل ساخراً:
"بالراحة على نفسك يا نجم، خف شوية واعمل حساب البوساء اللي زي حالاتي اللي مقضيها نكد صبح وليل."
ابتسم هشام وترك هاتفه قائلاً بمداعبة:
"وأديني يا سيدي قفلت معاها، إيكش ترتاح يا سي حازم وتبطل قر."
أردف حازم متسائلاً:
"إلا قولي يا إتش، حسيت بإيه لما شفت لبنى؟"
ثم نظر إلى هادي وغمز بعينه وأردف ساخراً:
"أصل بصراحة البنت شكلها راجعة مشتاقة أوي وحابة ترجع الماضي اللي كان."
انفجرا هادي وحازم ضاحكين وأبتسم هشام وأردف ساخراً:
"لا والله، وهي بقا اللي قالت لك إنها حابة ترجع الماضي اللي فات؟"
أردف هادي قائلاً بدهاء:
"ودي محتاجة حد يقول له عليها يا إتش، البنت جايبة لك رولكس يا معلم."
وأكمل ساخراً بمداعبة:
"دي جايبة للمسكين حازم جوزين شربات من الرويعي."
انفجرا ثلاثتهم من الضحك وأردف حازم مازحاً:
"والفردتين طلعوا شمال يا باشا."
ثم أكمل بنبرة جادة:
"لا بجد يا إتش عايز أعرف إحساسك لما شفتها وسلمت عليها."
وأكمل بعيون متسائلة مبرراً:
"أصل دايماً أسمع عن الحب الأول وأنه من أصدق المشاعر اللي الإنسان بيعيشها، وعمره ما يقدر ينساها مهما حب وعاش بعدها."
ابتسم هشام وتحدث بعيون سارحة هائمة رغماً عنه:
"هو أنا ما أنكرش إني اتخطف لما شفتها، وكمان حسيت برعشة لمست في جسمي كله وفي قلبي بالأخص، هزت مشاعر مش عارف لها وصف، تقدر تقول كده هزة قوية بتهز مشاعرك وكيانك كله، ده غير الحنين للماضي اللي في لحظة بيتملك منك ويرجعك لسنين ورا، بتحس نفس المشاعر ونفس رعشة القلب والجسد اللي كنت بتحسها زمان."
وأكمل حين وعى على حاله:
"لحظات،،،،، مجرد لحظات بتعدي عليك كعمر بحاله وبعدها بتحصل صدمة الإفاقة، ودي الحمد لله ما أخدتش معايا ثواني ورجعت لوعيي من جديد."
كانا شقيقاه ينظران إليه بتمعن يراقبان حركة عيناه وشفتاه المبتسمة حين تذكر الماضي.
وجه هادي الحديث إليه مردفاً باهتمام:
"هشام، هو أنت فعلاً نسيت لبنى وحبيت فريدة؟"
وعند ذكر أخاه لنطق أحرف كلمة فريدة تحول وجه هشام إلى وجه عاشق ولهان في التو واللحظة، وأجاب أخاه بعيون عاشقة لم يستطع السيطرة عليها:
"أنا بعشق فريدة، مش بحبها يا هادي."
نظر له حازم ذلك المسكين الذي لم يحالفه الحظ بمقابلة ذلك الذي يسمونه العشق، نطق مستفسراً:
"ودي تفرق يا هشام؟"
أجابه بنبرة هائلة:
"تفرق كتير أوي يا حازم، العشق هو تخطيك الحب بمراحل، العشق معناه إنك وصلت لأعلى درجات الحب، لما بتوصل لدرجة عاشق عمرك ما بتشوف عيب في حبيبك، دايماً تشوفه أجمل حد في الكون شكلاً وموضوعاً، كلامه أحلى كلام، أفعاله أحلى أفعال، العشق بيغسل قلوبنا من أي كره وأي تفكير سلبي يا حازم."
أجابه هادي:
"وياتري فريدة هي كمان وصلت معاك لدرجة العشق دي؟"
أجابه بثقة:
"بص يا هادي، فريدة خجولة جداً وصعب إنها تعبر عن مشاعرها بأريحية، وده طبعاً بحكم تدينها وقربها من ربنا، بس أنا متأكد من إنها بتعشقني زي ما بعشقها ويمكن أكتر."
غمز حازم وتحدث بوقاحة:
"تعرف يا زومة، بيقولوا إن الست المتدينة دي بتوري لجوزها الدلع والأنوثة على حقها، زي كده الشيوخ والمتدينين."
وأكمل بنبرة جادة:
"بياخدوها من باب عفة الزوج أو الزوجة، اللي هو هدلع جوزي وأتشقلب له علشان أعفه وما يطلعش يتشقلب برة."
ضحك هادي وتحدث:
"على فكرة يا زومة إنت بتتكلم صح."
زفر هشام بحنق وأردف باعتراض وغيرة ظهرت بعيناه:
"الكلام ده ما فيهوش هزار يا رجالة، ياريت تغيروا الموضوع."
ابتسم حازم واحترم غيرة هشام على خطيبته وأردف قائلاً بمداعبة ساخراً:
"عندك حق يا إتش، نرجع بقا ل لبنى."
ضحك هادي ساخراً على شقيقه وتحدث:
"خلاص يا زومة إتش قفلك الكلام في الموضوع باعترافه عن عشق فريدة."
ابتسم هشام ونظر إلى هادي وأردف بنبرة ساخرة:
"حازم شكله كده رانيا منكدة عليه كالعادة فعايز يتكلم في أي كلام والسلام."
***
داخل شقة كمال.
كانت لبنى تجلس فوق الأريكة تشاهد جهاز التلفاز بشرود ونظرة حزن تسكن داخل عيناها.
أتت إليها منى وجلست بجوارها وتحدثت بترقب شديد:
"لبنى، عايزة أتكلم معاكي في موضوع بس أرجوكي يا بنتي تفهميني كويس وتريحي قلبي."
نظرت لها لبنى تترقب ما هو آت، فأكملت منى:
"أنا عايزكي تبعدي عن هشام خالص وما تحاوليش تقربي منه تاني،"
وأكملت بحزن:
"لأني لاحظت لما كنا عندهم إن خالتك سميحة متضايقة من قربك منه، ده غير هشام نفسه ورفضه اللي كان واضح قدامنا كلنا لأي محاولة منك للكلام معاه."
أخرجت زفيراً قوياً يدل على ثقل همومها الساكنة داخل صدرها المتألم.
ثم نظرت لها قائلة بنبرة متألمة:
"إنتِ عايزاني أتخلى عن هشام يا ماما؟"
تنهدت منى بألم وهي تنظر لحالة طفلتها المزرية نتيجة عدم نسيانها لهشام وعشقه الذي بات يؤلم قلبها الضعيف.
وتحدثت بصوت متألم:
"هشام هو اللي اتخلى يا بنتي، هشام نسيكي ورتب لحياته خلاص، سيبيه يعيش يا بنتي."
أجابتها بألم:
"مش هقدر أعيش من غيره يا ماما، أنا محتاجة له أوي في حياتي علشان أقدر أكمل."
وأكملت بدموع:
"كان نفسي أحكي له عن حقيقة سفري وأوضح له أنا ليه سبته زمان، كان نفسي أقول له إني ما اتخليتش عنه زي ما هو فاكر."
وهزت رأسها بأسى وأكملت:
"بس مش عايزاه يرجع لي مرغم، عايزاه يرجع لي علشان لسه بيحبني، مش شفقة ولا علشان صعبت عليه."
بكت منى وتحدثت بحدة:
"خلاص يا لبنى، وقت الكلام عدى وفات، الكلام ده كان ينفع من أربع سنين لما قولت لك سبيني أقول له وإنتِ وقتها اللي عندتي وصممتي إن محدش يعرف، وأجبرتيني أكذب وأقول لهم إن باباكي هو اللي مصمم وعاوزنا نروح نعيش معاه في دبي."
وأكملت بدموع:
"ياما اتحايلت عليكي إني أقول لهشام علشان ييجي معانا، لكن إنتِ اللي رفضتي وأصررتي على رأيك، وما كان مني أنا وأبوكي وأخوكي وقتها غير إننا نطيع أوامرك."
وأكملت بانهيار:
"وما اكتفيتيش بده وبس، لا، خليتينا ألفنا موضوع خطوبتك على شاب إماراتي."
أجابت والدتها بدموع وقلب متألم من تذكر تلك النكبة التي مرت بها:
"كان لازم أخليه ينساني ويكرهني يا ماما، كان لازم أقطع عنه أي أمل في إنه يستناني."
تنهدت منى وتحدثت وهي تجفف دموعها:
"خلاص يا لبنى، طالما اخترتي من الأول إنك تضحي علشانه يبقى كملي الطريق لآخره، وسيبيه يعيش حياته اللي اختارها بإيديه."
صاحت بدموع:
"حاولت والله يا ماما، حاولت، بدليل خطوبتي من علاء اللي كانت من 8 شهور، وصدقيني حاولت إني أكمل معاه وأنسى هشام لكن مقدرتش، والله العظيم مقدرتش، غصب عني مش شايفة نفسي مع حد غيره، غصب عني يا ماما."
تحدثت منى وهي تحتضن صغيرتها بحب:
"انسي يا بنتي، هشام بيحب خطيبته ومش هيسيبها عشان أي حد، حتى لو حكيتي له الحقيقة اللي خليتك بعدتي عنه وكذبتي عليه وفهمتيه إنك مش عايزاه."
هزت رأسها بدموع ونفي وتحدثت من بين شهقاتها العالية:
"مش هقدر أعيش من غير هشام يا ماما، مش هقدر."
ربتت منى على ظهر غاليتها المتألمة وتحدثت بقلب يصرخ لأجلها:
"هتقدري يا ماما، ربنا هيقويكي ويساعدك في إنك تنسيه وتكملي، ربنا مش هيتخلي عنك وهيشملك بعطفه، وزي ما شملنا قبل كده ورزقك بحياة جديدة، هيعطف عليكي ويمحي حب هشام من قلبك علشان تقدري تكملي حياتك وإنتِ مرتاحة."
بكت وبكت والدتها معها بانهيار تام وهي تحتضن صغيرتها لتضمم جرحها النازف الذي لم يجف لحظة طيلة الأربع سنوات الماضية.
رواية جراح الروح الفصل الثاني عشر 12 - بقلم روز امين
في اليوم التالي مساءً، داخل مسكن قاسم الدمنهوري، كان يجلس كل من قاسم، أمال، سليم، ريم، بصحبة عائلة عزمي الشافعي.
تحدث عزمي بابتسامة سمجة:
"أنا قولت نيجي إحنا نقضي معاكم اليوم ونشوف الباشمهندس سليم اللي ليه أكتر من أسبوعين في مصر وحتي مفكرش ييجي يسلم علي خاله بعد غياب خمس سنين بحالهم!"
نظر إليه سليم وتحدث باحترام:
"صدقني يا خالي غصب عني، أنا يعتبر مبدخلش البيت غير علشان النوم، حتى إسأل مامي."
تحدثت أمال بابتسامة مجاملة لعدم تقبلها لشقيقها وزوجته اللذان ظلماها هي وشقيقتها ومنعوهما من ميراثهما الشرعي.
وأردفت قائلة بغرور:
"الحقيقة سليم من وقت ما وصل مصر وكل يوم بيمر علي الشركات ويقيمها، وفعلا مبيجيش غير وقت النوم."
وأكملت بكبرياء:
"ما أنتوا عارفين منصب الباشمهندس كبير ومهم إزاي، الشركة بتثق فيه ثقة عمياء، ده كمان مسافر بعد كام يوم دبي علشان يقيم كام شركة هناك مقدمين طلبات دمج شركاتهم مع شركته!"
اشعل الغيظ داخل سميرة من تلك المغرورة المتسلطة وكادت أن تقف وتمسك بتلك الفاز الكريستالية الموضوعة جانباً، وتفتك برأس تلك الشمطاء المتكبرة.
حدثت نفسها بغل:
"من يستمع لحديثك يظن أنها شركة العائلة التي أسسها له ذلك الأبله القاطن بجانبك والذي يدعي قاسم، يا لكِ من شمطاء حمقاء، رحم الله تلك الأيام حينما كنتي لا تجدين ما تسدي به جوعك، أتتكبرين على سيدتك وسيدة عائلتك بالكامل أيتها الخنفساء، حقاً عائلة رعاع."
ثم تلاشت وعت على حالها وتحدثت بنفاق:
"وهو فيه زي الباشمهندس سليم في الدنيا كلها، ربنا يعلي قدرة كمان وكمان."
ثم تحدثت برياء:
"مش عارفه يا أمال هتصدقيني ولا لأ، بس أنا فعلاً بحب سليم وبتمنى له كل الخير، ودايماً بدعيله أكتر ما بدعي لأولادي نفسهم."
كانت تنظر لها مستشفه كذبها وريائها.
حدثت نفسها بضيق:
"ماذا دهاكِ أيتها الساحرة، أتظنين أنني بذلك الغباء لأصدق مشعوذة شريرة مثلك؟ ثم عن أي دعاء تتحدثين أيتها الحرباء المتلونة؟ أكاد أجزم أنك حتى لا تتذكري أولادك بذلك الدعاء التي تتحدثين عنه، هذا وإن كنتي تركعين لربك من الأساس، أيتها الشيطانة بالعة السحت وأموال اليتامي داخل كرشك اللعين!"
ثم تحدثت بابتسامة مزيفة قائلة بكبرياء:
"أكيد طبعاً، مهو بالنسبة لك زي حسام."
ثم صاحت بصوتها لتستدعي العاملة بكبرياء:
"ليندا، ليندا."
أتت العاملة الفلبينية.
وما إن رأتها سميرة حتى لوت فمها.
وحدثت نفسها:
"فلبينية يا ابنة عديلة، رحم الله ذلك الأيشارب الذي كنتِ تحيكين به رأسك وأنتِ تمسكين بتلك الخرقة المتهالكة وتنظفين بها أخشاب منزلك الحقير."
تحدثت العاملة بلغة ركيكة:
"أفندم مدام؟"
تحدثت أمال بغرور:
"شوفي الضيوف يشربوا إيه!"
وجه قاسم حديثه إلى أمال بإحراج:
"ضيوف إيه بس يا أمال، الجماعة أصحاب بيت."
وتحدث لحسها على التحرك:
"قومي بلغي المطبخ علشان يجهزوا عشا يليق بأستاذ عزمي ومدام سميرة والأولاد!"
ابتسمت ريم لحديث والدها وتحدثت بحماس:
"أنا هقوم أبلغهم يا بابا."
تحدثت سميرة:
"ملوش لزوم يا قاسم بيه، هو إحنا أغراب للكلام ده!"
أجابها سليم باحترام:
"إزاي يا طنط، حضراتكم مشرفينا إنهاردة وده أقل واجب يتقدم لكم."
تحدثت أمال مرغمة:
"تحبي أخلي الطباخ يعملكم أصناف معينة يا سميرة، ولا تاكلوا على ذوقي؟"
أجابتها سميرة بنفاق:
"أكيد على ذوقك، هو فيه زي ذوقك يا أمال."
رد عليها عزمي بنفاق:
"عندك حق طبعاً يا سميرة، أمال طول عمرها ملكة الذوق."
ابتسمت أمال على ذلك الثنائي المنافق من الدرجة الأولى وانسحبت إلى المطبخ.
ثم نظرت سميرة إلى ابنتها نظرة ذات معنى.
وقفت ندي وتحدثت بنبرة حماسية:
"ما تيجي يا سليم إنتَ وحسام نقعد في البلكون ونسيب الكبار يقعدوا براحتهم، أكيد فيه كلام كتير حابين يتكلموا فيه."
تحدثت، وياليتها لم تتحدث.
ألقى سليم نظرة حارقة على حسام الجالس ينظر إليه يترقب لردة فعله.
فتحدث سليم باحترام مفتعل:
"أتفضلوا إنتوا يا ندي وخدوا راحتكم، أنا للأسف مضطر أدخل أوضتي علشان عندي شغل مهم."
ثم نظر إلى عزمي وتحدث:
"بعد إذن حضرتك يا خالي، وإن شاء الله لما العشا يجهز أكون خلصت شغل وأجي أتعشا معاكم."
تحدث عزمي:
"براحتك يا حبيبي، ربنا يقويك."
ثم نظر إلى سميرة التي احتقن وجهها وتحدث:
"بعد إذن حضرتك يا طنط."
هزت رأسها بابتسامة كاذبة.
أما حسام وندي فقد استشاط داخلهما من عدم تقدير سليم لكل منهما.
وتحركا إلى الشرفة وقفا بجانب بعضهما.
حين نظر حسام إلى ندي وحدثها بنبرة ساخرة:
"يا بنتي سيبك بقا من كلام ماما إللي هيقلل من كرامتك ده وسيبك من إللي إسمه سليم ده كمان، صدقيني سليم عمره مهيفكر فيكي، وحتي لو حصلت المعجزة وفكر، عمتك عمرها ما هتسمح له بكده."
وأكمل بتأكيد:
"إنتِ مش شايفة قذف الجبهات اللي بالعيون بينها وبين ماما، أنا متأكد إن الاتنين لو سنحت لهم الفرصة هيقطعوا بعض!!"
أجابته بتذمر:
"وأنا قولت لك قبل كده إن سليم مش هيكون لحد غيري أنا، وبكرة هفكرك!!"
أتت ريم إليهما وتحدثت لهما وهي تشير إلى العاملة:
"أتفضلوا، أنا خليت داده رقيه تعمل لنا نسكافيه، هيعجبكم أوي على فكرة، أصل سليم جايبه معاه هو والقهوة من ألمانيا!!"
تحركت ندي وأخذت كوب النسكافيه الخاص بها وتحدثت بتخابث:
"أسيبكم بقا علشان تقعدوا براحتكم!!"
غمز لها حسام بشكر حين ابتسمت ريم خجلاً.
وتحركت هي إلى بهو الشقة واستغلت انشغال الجميع بالحديث ووجود عمتها بالمطبخ لإشرافها على العشاء.
وتحركت للداخل حتى وقفت أمام غرفة سليم ثم دقت بابها بخفة وفتحته حتى قبل أن يأذن لها هو بالدخول.
وجدته يقف بالشرفة ينظر إلى السماء شارداً.
شعر بأقدام تتحرك خلفه فهو لم يستمع لخبطها نتيجة ضعفه، وأيضاً لشروده في من ملكت عقله ووجدانه وأثرته.
نظر خلفه وتساؤل مضيقاً عيناه باستغراب:
"ندي، فيه حاجة؟!"
ثم نظر لباب الغرفة وجده موصد.
تحرك سريعاً كمن لدغته عقرب وأمسك المقبض وفتح الباب على مصرعيه.
أمالت هي رأسها باستغراب ونظرت إليه وتحدثت باستنكار:
"فتحت الباب ليه يا سليم؟!"
أجابها وهو مازال متسمراً بجانب الباب:
"علشان ميصحش وجودك هنا والباب مقفول، وميصحش وجودك في أوضتي من الأساس يا ندي!!"
أجابته بدلال وإثارة:
"هو فيه إيه يا سليم، إنتَ ليه مصر تتعامل معايا على إني غريبة عنك؟!"
أردف قائلاً بهدوء:
"بالعكس يا ندي، أنا بعتبرك زي ريم بالظبط وبخاف عليكي زيها، وعلشان كده من واجبي إني أحافظ على شكلك وسمعتك قدام الناس!!"
زفرت وأردفت قائلة بتذمر واعتراض:
"إيه حكاية بعتبرك زي ريم اللي كل شويه تقولها لي دي، أولاً أنا مش أختك، ولا عمري اعتبرتك زي حسام."
وأكملت باستعطاف ودلال:
"يا سليم أنا محتاجة فرصة أتكلم فيها معاك وأشرح لك كل اللي جوايا وبحس بيه من ناحيتك، هي فرصة واحدة بس، وإنتَ في كل مرة بحاول أخلق الفرصة دي بتصدني ومش بتسمح لي بيها."
أجابها بإصرار:
"من فضلك يا ندي اخرجي من الأوضة حالاً لإن وجودك هنا مش مقبول، وممكن يتفسر غلط."
كادت أن تتحدث ولكن أسكتها دلوف أمال التي وقفت بجانب سليم ونظرت إليها باستنكار وتساءلت بنبرة حادة متعجبة:
"سايبة مامتك وباباكي برة وجاية تعملي إيه هنا يا ندي؟!"
ارتبكت ندي وأردفت قائلة بكذب وهي تمسك هاتفها:
"أنا كنت جايه أسأل سليم عن حاجة خاصة بحسابي على جوجل يا عمتو!!"
نظر لها باستغراب من كذبها وقدرتها على تلون وجهها رغم صغر سنها.
أجابتها أمال بنبرة جادة:
"ما أنتِ سامعة سليم وهو بيقول إن عنده شغل مهم هيعمله، ثم إن وجودك في أوضة شاب عازب غلط ومرفوض، وبيتهيأ لي وقفة سليم عند الباب وفتحه ليه أكبر دليل منه على إن وجودك هنا مش مقبول وغير مرغوب فيه بالنسبة له، ده غير إنه مش فاضي لجوجل والكلام التافه ده!!"
كان يستمع لحديث والدته بارتياحية لصحتها، وأيضاً لعلمه لأغراض ندي من التقرب إليه وهو ما يرفضه شكلاً وموضوعاً.
تحركت ندي بقلب يملئه الغضب من هذه العمة التي أفسدت عليها فرصتها في التقرب من سليم.
وتحدثت بنبرة هادئة عكس ما بداخلها تماماً:
"أنا آسفة يا عمتو، أكيد مقصدتش أعطل سليم عن شغله."
ثم تحركت ووقفت مقابله لسليم وتحدثت بنبرة صوت رقيقة:
"بعد إذنك يا سليم."
هز لها رأسه بجمود ووجه خالٍ من أي تعبير.
وخرجت.
زفر هو وتحرك للداخل وتحدث إلى والدته بعتاب:
"هو إزاي خالي سايب ندي توصل للحالة دي يا ماما، إزاي توصل بيها الجرأة إنها تدخل لراجل أوضته وتقفل بابها من غير خجل ولا حياء؟ ده غير لبسها الضيق وشعرها، هو مستني إيه علشان يقول لها تلبس حجابها الشرعي وتلتزم بلبسها؟"
تنهدت وأردفت قائلة:
"وهو خالك ولا الهانم مراته فاضيين لها!!"
تحدث سليم بنبرة جادة:
"ياريت يا ماما تخلي بالك من ريم ومتسمحيش لها تخرج وتختلط معاها!!"
أجابته بجدية:
"هو أنتَ مش عارف باباك وتشدده معاها يا سليم، ده مبيسمحلهاش تخرج برة البيت من بعد أذان المغرب، ودايماً بيراقب لبسها بنفسه!!"
بعد مرور حوالي ساعة كان الجميع يلتفون حول سفرة الطعام.
نظرت سميرة إلى الطعام وتحدثت:
"حلو أوي الأكل يا أمال، بس أكيد مش في طعامه ولذاذة أكلك."
وتساءلت:
"هو أنتِ مبقتيش بتدخلي المطبخ خالص؟"
ابتسمت أمال بمجاملة وأجابتها:
"بصراحة لا بقى عندي وقت ولا صبر على وقفة المطبخ زي زمان."
ثم نظرت إلى سليم وتحدثت بحنان:
"بس ده ميمنعش إن من وقت ما سليم رجع وأنا تقريباً بدخل المطبخ يومياً، إنتِ عارفه بقا أكل دول أوروبا اللي ملوش لا طعم ولا لون!!"
تحدث عزمي بحديث ذي معنى ومقصود ناظراً إلى سليم:
"أنا شايف إن سليم لازم يستغل إجازته دي ويخطب ويتجوز وياخد مراته معاه تطبخ له هي بنفسها."
وأكمل بابتسامة سمجة:
"ولا أنتَ إيه رأيك يا باشمهندس؟"
ابتسم إلى خاله وتحدث عن قصد:
"لسه بدري على الخطوة دي حضرتك!!"
أجابته سميرة باستمة للتأكيد على حديث زوجها الموجه:
"بدري من عمرك يا حبيبي، ده كل اللي من سنك معاهم أولاد، مفيش غيرك إنتَ وحسام، بس على الأقل حسام خاطب وعذره إن ريم لسه بتكمل تعليمها، لكن إنتَ بقا عذرك إيه يا باشمهندس؟"
ثم نظرت إلى قاسم وتحدثت:
"جري إيه يا قاسم بيه، هو حضرتك مش حابب تشوف أحفادك وهما بيلعبوا حواليك ولا إيه؟"
أجابها بعيون سعيدة من مجرد ذكر اسم أحفاده:
"أكيد نفسي وجداً كمان، بس أنا في إيدي إيه أعمله إذا كان صاحب القرار نفسه شايف إن لسه شوية على الخطوة دي؟"
نظرت إلى سليم وتحدثت باستمة:
"ولا شوية ولا حاجة يا سليم، قرر إنتَ بس وسيب الباقي علينا، حتى علشان تفرح بابا وماما!!"
كانت ندي تستمع إليهم وهي تنظر إلى سليم بعيون سعيدة وقلب يتراقص.
تحدثت أمال ناهية الموضوع لمعرفة غرض أخيها وزوجته من فتح هذا الموضوع الآن:
"ياريت يا جماعة تقفلوا على الموضوع ده علشان سليم بيتضايق."
وأكملت بحديث ذي معنى:
"وبعدين خلينا نستمتع بطعم الأكل ونستمتع بلمتنا الحلوة اللي مبتتكررش كتير."
أجابها عزمي بسماجة:
"متقلقيش يا حبيبتي، إن شاء الله زياراتنا هتتكرر كتير بعد كده!!"
ابتسمت له بمجاملة وأكملوا طعامهم.
تحت أنظار ندي الجريئة إلى سليم الذي يتلاشاها وينظر إلى صحن طعامه الموضوع أمامه.
***
بعد يومان كانت تجلس بمكتبها تعمل على جهاز الحاسوب الخاص بها، وجدت هاتفها يرن معلناً عن وصول مكالمة، نظرت به واستغربت حين وجدت نقش اسم والدتها.
ردت على الفور.
ارتاعت أوصالها حين استمعت لصوت والدتها الباكي وهي تستنجد بها قائلة بصراخ:
"الحقيني يا فريدة، أبوكي أغمي عليه ومبيردش عليا!"
وقفت مرتاعة وتحدثت:
"أغمي عليه إزاي يا ماما، إيه اللي حصل، وإنتوا فين دلوقتي؟"
صرخت عايدة:
"أنا في البيت والجيران طلبوا الإسعاف ولسه مجتش ومش عارفة أعمل إيه؟"
أجابتها على الفور وهي تلتقط حقيبة يدها:
"إهدي يا ماما وأنا هكلم عمو عزيز ييجي لكم حالاً، هو جنبك وأكيد هيوصل أسرع، وإطلعي على مستشفى ******* هي أقرب لكم وكمان مستواها كويس، وأنا هسبقك على هناك حالاً."
حدثتها عايدة:
"بسرعة يا فريدة، خلي هشام يجيبك بالعربية علشان توصلي أسرع ويقف معانا."
أجابتها فريدة بأسى:
"هشام في مصلحة الضرائب بيخلص ورق ومش هييجي الوقت خالص."
أغلقت مع والدتها وهاتفت عزيز الذي طمأنها وأخبرها أنه قريب جداً من موقع مسكنهم.
وصلت إلى مكتب فايز وتحدثت إليه:
"بعد إذن حضرتك يا باشمهندس أنا لازم أمشي حالاً."
أجابها سريعاً:
"خير يا فريدة، فيه حاجة؟"
أجابته سريعاً:
"بابا تعبان شوية ولازم أروح له المستشفى!!"
أجابها وهو يتحرك ليحثها على الخروج:
"تمام، تحبي أجي معاكي أوصلك؟"
أجابته سريعاً:
"متشكرة يا أفندم، أنا هاخد تاكسي من قدام الشركة!!"
وصلت للمصعد الذي كان يصعد إليها بالفعل وانفتح بابه.
وجدت سليم بوجهها وكأنها وجدت ضالتها، وودت لو أن لها الحق في أن ترمي بنفسها داخل أحضانه ليمتص عنها رعبها وهلعها الذي أصابها من هذا الخبر المشؤوم ويتولى هو أمره.
تحدث فايز باحترام:
"أهلاً باشمهندس سليم، في ميعادك مظبوط."
وأشار بيده باتجاه مكتبه:
"اتفضل."
نظر سليم إلى فريدة المتخشبة بوقفتها وبعينيها هلع ورعب لم يرها عليه من قبل، وأيضاً قرأ بعينيها احتياجها الشديد له.
تحدث سريعاً:
"مالك يا باشمهندسة؟"
أجابهٌ فايز:
"باباها تعبان شوية!!"
فاقت على حالها وتحدثت وهي تدلف إلى المصعد لتحث سليم على الخروج منه حتى تضغط على زر الهبوط:
"بعد إذنك يا باشمهندس!!"
أجابها بقوة وهو مازال يقبع داخل المصعد:
"أنا جاي معاكي أوصلك!!"
نظرت له بذهول ولم تعترض وكأنها بالفعل تحتاجه معها ليطمئن قلبها.
تحدث سليم فايز:
"بعد إذنك يا باشمهندس، وبعد إذن حضرتك مضطر أجل ميعادنا لبكرة إن شاء الله!!"
أجابه فايز الذي أصابه الذهول من تصرف ذلك السليم المعروف بعدم اكتراثه لأي شيء خارج نطاق عمله:
"ولا يهمك يا أفندم، أهم حاجة نطمن على الأستاذ فؤاد."
ثم أشار إلى فريدة:
"ابقي طمنيني يا فريدة، ما تنسيش!!"
ضغط سليم زر الهبوط ثم نظر إليها وتحدث بحنان:
"إطمني يا فريدة، إن شاء الله هيبقي كويس."
أماطت برأسها بضعف وخرجا واستقلت سيارته وانطلق سريعاً إلى وجهتهم بعدما هاتفت والدتها وتأكدت أنهما اقتربا من المشفي.
وفجأة وبدون سابق إنذار انفجرت دموعها التي احتجزتها كثيراً ولكنها لم تعد تحتمل ادعاء القوة أكثر.
نظر لها ومازال يقود سيارته وتحدث بتألم:
"إهدي يا حبيبتي، صدقيني هيبقا كويس."
نظرت له من وسط دموعها وتحدثت بصوت متقطع:
"بابا لو جراله حاجة أنا ممكن أموت يا سليم، عمري ما تخيلت إن ييجي عليا يوم وأشوفه ضعيف ومهزوم من المرض أو..."
وصمتت وهزت رأسها بدموع وهي ترفض تلك الأفكار المتشائمة التي اجتاحت خيالها.
تنهد لأجل حالتها وتمنى لو أن له الحق ليأخذها داخل أحضانه ويمتص عنها آلامها وهمومها.
تحدث بهدوء:
"إيه اللي حصل؟"
رفعت كتفيها بعدم معرفة وأردفت:
"ماعنديش تفاصيل، كل اللي فهمته من ماما إنه أغمي عليه، محبيتش أضغط عليها لإنها منهارة ومضغوطة لوحدها!!"
أجابها ليطمئنها:
"إن شاء الله خير يا فريدة."
ردت عليه بعيون متلهفة لدعائه:
"يارب يا سليم، يارب."
وصلا للمشفي وصعدا معاً إلى مكان والدها بعدما سأل سليم عن مكان تواجده في الاستعلامات.
تحركت فريدة بجوار سليم وهي تهرول داخل الممر المؤدي إلى غرفة العناية المشددة المتواجد بها فؤاد.
وجدت والدتها تجلس وهي تبكي بانهيار تام وبجانبها عزيز وشابان من جيرانهم.
جرت عليها فريدة واحتضنتها وتحدثت باطمئنان رغم رعبها الساكن بداخلها:
"إهدي يا حبيبتي، بابا هيبقا كويس إن شاء الله."
تحدثت عايدة من بين شهقاتها وهي تحتضن ابنتها:
"فريدة، شفتي إللي حصل لبابا يا فريدة."
تحدث سليم إلى عايدة باحترام:
"ألف سلامة على أستاذ فؤاد يا أفندم."
أجابته بعدم اكتراث دون أن تنظر له:
"الله يسلمك."
نظرت فريدة إلى الشابان الواقفان وتحدثت لهما:
"متشكرة جداً يا مصطفى إنتَ ومحمد على وقفتكم مع ماما ومجيئكم معاها لحد هنا!!"
أجابها محمد باحترام:
"إنتِ بتقولي إيه يا باشمهندسة، إنتوا أهلنا ولولا إن الوقت وقت شغل ورجالة الشارع كلهم في أشغالهم كان زمان المستشفى دي اتملت بالرجالة!!"
وأكمل مصطفى مؤكداً على حديث صديقه:
"الأستاذ فؤاد خيرة على الكل يا باشمهندسة، وطنط عايدة أم لينا كلنا ونخدمها بعينينا."
تحدثت عايدة من بين شهقاتها:
"ربنا يخليكم يا حبايبي وما يحرمنيش منكم أبداً."
نظر عزيز إلى فريدة وتحدث:
"أنا هروح أكمل الإجراءات يا بنتي وأرجع لكم تاني."
وقفت فريدة وأجابته:
"أنا جايه معاك يا عمو."
حدثها سليم برجولة:
"خليكي إنتِ وأنا هنزل."
أجابته بتصميم:
"أنا إللي هنزل."
أجابها بإصرار:
"طب هاجي معاكي لتحتاجي فلوس."
أجابته بشكر:
"متشكرة، أنا معايا كفاية، وبعدين بابا موظف حكومة والمستشفى دي تبع التأمين بتاعه، يعني إن شاء الله المبلغ المطلوب مش هيكون كبير."
وبالفعل نزلت للحسابات ودفعت مبلغاً تحت الحساب من خلال بطاقة الائتمان الخاصة بها.
ثم توجهت مرة أخرى إلى الأعلى.
جلست بجانب والدتها التي مازالت تبكي بحالة هيستيرية وسليم يجلس مقترباً منها إلى حد ما.
خرج الطبيب وأسرع الجميع إليه بتلهف.
حين تحدث هو:
"إطمنوا يا جماعة، الحمدلله الحالة استقرت وبقا كويس!!"
تحدث سليم بعملية:
"تشخيص الحالة إيه لو سمحت؟"
أجابه الدكتور:
"ارتفاع عالي في ضغط الدم أدى لارتفاع نسبة السكر في الدم وده اللي سبب للمريض حالة الإغماء المفاجئة، ونظر لهما وتحدث بترقب أقلق فريدة."
"وإحنا بنعمل للمريض أشعة علشان نطمن اكتشفنا إن فيه انسداد للشريان التاجي، وده محتاج عملية بأسرع وقت علشان ميأثرش على صحته وخصوصاً في وجود مرض زي السكر."
شهقت عايدة ووضعت فريدة يدها على فمها وهبطت دموعها بشدة.
فبادر سليم بالحديث لطمئنهما:
"إهدوا يا جماعة، العملية بسيطة جداً وبتتعمل تقريباً في أقل من ساعة والمريض بيروح بيته في نفس اليوم، بابا لسه عاملها من فترة وبقا كويس جداً الحمدلله!!"
أجابه الطبيب بتأكيد على حديثه:
"كلامك صح جداً وفعلاً الموضوع مش محتاج كل القلق ده، ويا ريت تهدوا ومتظهروش خوفكم قدام المريض علشان حالته النفسية مهمة جداً الفترة دي."
وأكمل:
"ياريت تقرروا هتعملوا العملية إمتي علشان نستعد."
"بعد إذنكم."
أوقفته فريدة وتحدثت وهي تجفف دموعها:
"لو سمحت يا دكتور، إحنا ممكن نشوف بابا إمتي؟"
أجابها بعملية:
"باباكي محتاج يقعد في العناية تحت الملاحظة حوالي ساعتين كمان، وبعدها هنخرجه لغرفة عادية وهيضطر يبات معانا إنهاردة علشان نظبط له السكر والضغط، بعد ما يتنقل لغرفته تقدروا تدخلوا عنده، بس ياريت بلاش الزحمة والكلام الكتير!!"
وافقهٌ فريدة وانصرف الطبيب وجلست فريدة ووالدتها تبكيان بحرقة أمام ذلك الذي يتقطع لأجل دموعها وكأنها تنزل على قلبه كحمم تكوي كل ما يقابله.
بعد حوالي نصف الساعة تحرك سليم وجلب من كافيتيريا المشفي بعض زجاجات المياه والعصائر لهما وللحضور.
شكرته عايدة ورفضت تناول أي شيء حتى خروج شريك حياتها ورفيق دربها الغالي من داخل تلك الغرفة التي تحجب عنها رؤياه.
وأيضاً فريدة التي شكرته ورفضت لكنه أصر عليها فتناولت بعض قطرات المياه من يده.
نظرت فريدة إلى والدتها ثم تساءلت:
"إيه اللي حصل ووصل بابا للحالة دي يا ماما؟"
نظرت لها وتحدثت أمام سليم الجالس بجانبهما:
"هو من الصبح وهو حاسس بنفسه تعبان زي ما سمعتيه كده وإحنا على الفطار، اتصل بالشغل وأخد أجازة عارضة ودخل نام شوية وبعدها قام من النوم، دخلت أعمل له حاجة يشربها وهو دخل أوضة أسامة يتطمن عليه ويشوفه بيذاكر ولا إيه، لاقاه مولع سيجارة."
وبكت بحرقة وكأن توفي لها غالي:
"شفتي المصيبة اللي إحنا فيها يا فريدة، أسامة بيشرب سجاير وطول الوقت كان بيخدعنا."
شهقت فريدة وتحدثت بعدم تصديق:
"أسامة، حضرتك متأكدة من الكلام ده يا ماما؟"
تحدثت بتأكيد:
"أيوه طبعاً، أنا جريت من المطبخ على أصواتهم العالية، دخلت لقيت باباك بيزعق وضرب أسامة قلم على وشه وبعدها مسك صدره واتوجع ووقع على الأرض، قعد حوالي خمس دقايق وبعدها دخل في حالة الإغماء."
كانت تستمع لها وهي تبكي ثم أردفت قائلة:
"وأسامة فين دلوقتي؟"
أجابتها:
"جه معايا على المستشفى بس ماعرفش راح فين."
تحدث سليم بهدوء:
"أنا آسف لتدخلي، بس بعد إذن حضرتك لو تسمحي لي أنا ممكن أقول رأيي في الموضوع ده؟"
نظرت له عايدة وكأنها وأخيراً استفاقت ووعت على ذلك الجالس بجانبها منذٌ الكثير، تطلعت إليه باستغراب وتساءلت:
"مين حضرتك؟"
تحمحمت فريدة وأجابتها وهي تشير إلى سليم:
"ده الباشمهندس سليم يا ماما، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للشركة الألمانية اللي كلمتك عنها قبل كده!!"
نظرت له عايدة بعدم استيعاب وتساءل داخلها عن ما الذي يجعل العضو المنتدب يصطحب ابنتها إلى هنا؟ ولكنها تلاشت تلك الأسئلة فالآن ليس محلها ولا مجالها وتحدثت:
"آه، أهلاً وسهلاً بحضرتك!"
وأكملت فريدة لاستكمال شرح موقفها:
"الباشمهندس كان داخل لمستر فايز مكتبه ولما عرف اللي حصل لبابا من مستر فايز أصر ييجي يوصلني، وكتر خيرة فضل معانا ومرضيش يسيبنا لوحدنا!!"
ابتسمت له عايدة بجانب فمها وأردفت بعرفان:
"كتر خيرك يا باشمهندس، باين عليك ابن أصول يا ابني ومتربي كويس، ربنا ما يوقعك في ضيقة أبداً!"
أجابها باحترام:
"على إيه يا أفندم، أنا ما عملتش حاجة أستاهل عليها شكر حضرتك ده!"
وأكمل بتمني:
"ممكن بعد إذنك يا فريدة تتصلي بأسامة وتطمنيه على باباه، وكمان تطمنيه عليه، مين عارف حالته عاملة إيه دلوقتي."
ثم نظر إلى عايدة وأردف ليطمئن قلبها:
"وبالنسبة لموضوع السجاير ده حضرتك تصرف طبيعي جداً ومتوقع من شاب في سنه، متنسيش إن أسامة مراهق وأكيد شيطانه بيحدثه إنه لازم يجرب كل حاجة، وللأسف أصحاب السوء ليهم دور كبير في السن ده."
حدثته عايدة:
"بس متوصلش للسجاير يا باشمهندس، ده باباه عمره ما حطها على بقه ولا حتى يعرف طعمها إيه!!"
أجابها سليم بهدوء:
"يا أفندم أسامة في سن مراهقة، يعني طبيعي إنه يتمرد على كل حاجة في حياته، وللأسف أكيد عمره ما هيبص لباباه ويقلده، كمان هينظر على حضرتك وباباه."
وأكمل بخجل واعتذار:
"أنا آسف طبعاً في اللفظ، هينظر لكم نظرة دونية."
وأكمل شارحاً:
"بمعنى إنه هيبص لكم على إنكم مش من مستوى تفكيره وإنه أذكى من حضراتكم، وإنه بيعرف في الدنيا والناس أحسن منكم، وأي نصيحة هتتقال له سواءً من حضرتك أو حتى من باباه هيرفضها رفض قاطع ويبص لها على إنها هراء ليس إلا."
تنهدت عايدة وتحدثت مؤكدة على حديث سليم:
"عندك حق يا باشمهندس، فعلاً معظم الكلام اللي قولته بيعمله أسامة."
وأكملت وهي تنظر إليه باهتمام:
"طب والحل إيه بقا، نسيبه كده يعمل اللي هو عاوزه ونقف نتفرج عليه وهو بيضيع وبيدمر نفسه قدام عنينا؟"
ابتسم لها بخفة وأجابها بهدوء:
"لا طبعاً يا أفندم، أنا بشرح لحضرتك حالة أسامة وطريقة تفكيره وده مش معناه أبداً إني بقول لحضرتك تسبيه كده."
وأكمل بهدوء:
"أنا آسف في اللي هقوله لحضرتك، لكن للأسف أستاذ فؤاد غلط لما ضرب أسامة، عمر الضرب والعنف ما كانوا حل لأي مشكلة، بالعكس ده بيزودها."
كانت فريدة تنظر إليه بإعجاب من طريقة حديثه وفكره الناضج.
نظرت له عايدة وتساءلت:
"أومال إيه التصرف اللي ينفع مع أسامة ويجيب معاه نتيجة؟"
أجابها بثقة:
"الحب والثقة والاحترام والصداقة، هما دول اللي هتقدري تعدي بيهم مع أسامة لبر الأمان، صاحبي ابنك وأدي له قيمته قدام نفسه، حسسيه إنه كبر وخلاص بقى راجل يعتمد عليه، حمله مسؤولية في البيت، دايماً حسسيه إنك واثقة فيه وفي تصرفاته."
وأكمل:
"بس ده ميمنعش إنك لازم تدوري وراه وتراقبي تصرفاته من بعيد لبعيد ومن غير ما ياخد باله وده عشان أمانه."
تنهدت عايدة وتحدثت:
"تربية الولاد غير البنات خالص، دي فريدة ونهلة عمرهم ما غلبوني، وخصوصاً فريدة ربنا يبارك لها."
نظر هو إلى فريدة وتحدث بإطراء:
"هو فيه حد في عقل واحترام الباشمهندسة؟"
أجابته بخجل:
"متشكرة لحضرتك."
وأردفت عايدة باندماخ وكأنها تناست أمر زوجها القاطن بتلك الغرفة:
"إلا قولي يا باشمهندس، هو حضرتك عرفت كل المعلومات دي إزاي؟ اللي يسمعك وإنت بتتكلم يقول عليك عديت الخمسين سنة من خبرتك."
أجابها:
"أنا بحب أبحث وأعرف كل حاجة حواليا، وبعدين بثقف نفسي وبجهزها علشان لما أتزوج وأخلف إن شاء الله أقدر أتواصل مع أولادي كويس."
وهنا نظر إلى فريدة نظرة ذات معنى، والتي بدورها انتابتها قشعريرة سرت بجميع جسدها.
أردفت عايدة:
"ربنا يا ابني يرزقك ببنت الحلال اللي تسعدك وتخلف لك الولد والبنت إن شاء الله!"
نظر داخل عيني فريدة وأجاب بتمني:
"ربنا يتقبل من حضرتك."
ارتبكت وانتفض داخلها وسحبت عينيها عنه.
في تلك الأثناء دلفت نهلة بدموع وعيون متلهفة تبحث بكل مكان وهي تسرع ويجاورها عبدالله.
نظرت فريدة لهما باستغراب.
وصلا لمكان جلوسهم واحتضنت عايدة صغيرتها وبعد اطمئنانها على والدها.
حدثتها فريدة بهمس:
"جاية مع عبدالله منين يا أستاذة؟"
أردفت لطمئنة شقيقتها:
"روحت لقيته مستنيني هو وطنط اعتماد وطنط سامية وجينا كلنا مع بعض، بس هما واقفين مع حد يعرفوه برة وهيدخلوا دلوقتي."
هزت فريدة رأسها بتفهم.
وتحدث عبدالله:
"هو أسامة قاعد تحت في الجنينة لوحده ليه، أنا طلبت منه يطلع معانا لكن مرديش!"
أجابته فريدة بتعقل:
"أسامة مش حابب يشوف ماما وهي منهارة بالشكل ده، ففضل يقعد تحت لحد ما بابا يخرج من الرعاية."
أتت خالتها وزوجها وولدها الكبير وامتلأت المشفي بالأهل والمعارف.
وفي تلك الأثناء وقفت فريدة وتوجهت إلى سليم وتحدثت:
"متشكرة جداً على وقفتك معانا يا باشمهندس، اتفضل حضرتك شوف شغلك ومتعطلش نفسك أكتر من كده، إحنا خلاص اطمنا على بابا الحمدلله."
أجابها بهدوء:
"لما يخرج من العناية وتتأكدوا إنه كويس هبقى أمشي، وأكمل بنبرة حزينة: وبعدين للدرجة دي مش طايقة وجودي معاكي في نفس المكان؟"
نظرت له سريعاً وأجابته بنبرة متلهفة وعيون أفصحت عن ما بداخلها:
"بالعكس، لو تعرف وجودك جنبي طمني أد إيه إنهاردة."
ثم وعى على حالها وتحدثت خجلاً بارتباك:
"أقصد يعني كلامك مع ماما عن أسامة اللي طمنها، وكمان شغلها وخلاها تبطل عياط وتنسى شوية حالة بابا."
ثم نظرت له بعيون شاكرة وأيضاً عاشقة:
"شكراً يا سليم."
حدثها بهدوء:
"فريدة، تعالي معايا نشوف أسامة تحت، الولد تلاقيه مرعوب."
هزت رأسها بتفهم وتحدثت إلى والدتها:
"ماما أنا نازلة أشوف أسامة ولما بابا يخرج أبقى رني عليه."
هزت عايدة رأسها بموافقة وتحركت هي بجانبه.
وبعد مدة كانا يجلسان بحديقة المشفي بجانب أسامة يتحدثان بهدوء.
تحدث أسامة بنبرة صوت خجلة:
"صدقيني يا فريدة دي أول مرة أعمل كده، وإن شاء الله هتكون آخر مرة."
رد عليه سليم:
"يا أسامة إنتَ كبرت وبقيت راجل، مش معقول بدل ما تريح قلب بابا وتشيل عنه هم أخواتك والبيت وتكون مسؤول معاه تكون أنت سبب تعبه، بدل ما تشغل وقتك وتجرب حاجات ممكن تدمر لك حياتك اعمل حاجة تفيدك، العب رياضة مثلاً، أو اتعلم سباحة."
وافقه أسامة وبدأ يتحدث معه بأريحية متناسياً حزنه وخوفه، وشعر وكأنهما أصدقاء منذ زمن بعيد.
وقف سليم وتحرك إلى الكافيتيريا ليجلب إلى أسامة زجاجة مياه وأي شيء ليتناوله، فقد مر وقت طويل ولم يتناول الفتى شيئاً.
كانت تجلس بجانب شقيقها بالحديقة، وجدت من يتحرك باتجاههما وهو يتحدث بلهفة:
"فريدة، طمنيني عمو فؤاد عامل إيه؟"
لا تدري لما ارتبك داخلها وارتعبت أوصالها حين رأته يقف أمامها، وتساءلت:
"هشام، إنتَ عرفت إزاي إننا هنا؟"
أجابها:
"مستر فايز اتصل بيا وقال لي."
ثم أردف قائلاً بنبرة ملامة:
"هو إنتِ إزاي متكلمنيش وتقولي لي على إللي حصل ده؟"
تنهدت بألم وتحدثت بحزن ظهر فوق ملامحها:
"هو أنا كنت في إيه ولا في إيه بس يا هشام، ده أنا كنت هموت من الرعب لما ماما اتصلت بيا وقالت لي، وبعدين ما أنا عارفة إنك في مصلحة الضرائب ومش هينفع تيجي وتسيب الورق اللي لما تخلصه وتمضيه."
أجابها:
"ولو يا حبيبتي، كان لازم تديني خبر، طب يلا بينا علشان نطلع نتطمن على عمي."
لم يكمل حديثه ورأى من يتحرك إليهم بثقة عالية ثم نظر إليه وتحدث بنبرة جادة:
"السلام عليكم."
نظر له هشام بصدمة وعيون مشتعلة.
أما فريدة التي كادت أن تزهق روحها من شدة رعبها من نظرات هشام النارية الموجهه إلى سليم.
مد سليم يده إلى أسامة ببعض عبوات البسكوت مع العصائر متلاشياً ذلك المشتعل.
أخذ منه أسامة البسكوت وبدأ بفتحه على الفور وتناوله، وذلك لشدة جوعه.
تحدث هشام بحدة بالغة:
"هو أنا ممكن أفهم حضرتك موجود هنا بأي صفة، ثم إنتَ إزاي عرفت إننا هنا؟"
تجاهله وبدأ يناول أسامة قطعة أخرى من البسكوت وتحدث ببرود:
"كل دي كمان يا أسامة علشان تظبط لك مستوى السكر في جسمك."
ابتلعت فريدة لُعابها برعب وتماسكت جاهدة.
أخرجت صوتها بصعوبة متحدثة:
"الباشمهندس كان خارج من الأسانسير لما ماما كلمتني، ولما عرف اللي حصل لبابا من مستر فايز أصر ييجي يوصلني، وكتر خيرة فضل معانا ومرضيش يسيبنا لوحدنا!!"
نظر لها بنظرات مشتعلة كطلقات نارية، ولو كانت النظرات تقتل لانتتهى أمر الفتاة.
ثم وجه حديثه إلى سليم بحده بالغة:
"متشكرين يا باشمهندس وياريت حضرتك تتفضل، بيتهيأ لي وجود حضرتك مبقاش ليه لزوم بعد ما أنا جيت، مش عاوزين نعطلك أكتر من كده!!"
نظر له سليم وتحدث بابتسامة ساخرة وحديث ذي معنى:
"في دي بقا معاك حق، أنا وإنتَ فعلاً مينفعش نكون موجودين في نفس المكان!!"
وأكمل ليُشعل داخله:
"أنا كده كده كنت ماشي بعد ما اطمنت على الباشمهندسة واتأكدت إنها خلاص بقت أحسن بعد ما اطمنت على والدها."
وأكمل وهو ينظر إلى فريدة:
"بعد إذنك يا باشمهندسة، وياريت توصلي سلامي لمدام عايدة وتتأسفي لها إني مشيت من غير ما أسلم عليها."
ونظر إلى أسامة وأردف قائلاً بابتسامة:
"لو احتاجت أي حاجة في أي وقت كلمني، رقمي هتلاقيه مع الباشمهندسة وهستنى مكالمتك، تمام!"
وقف أسامة ومد يده ليصافحه وتحدث:
"أكيد، بس ياريت ما تزهقش مني لاني خلاص من النهارده اعتبرتك صديقي!"
أجابه سليم بابتسامة:
"خلي بالك على نفسك!"
ونظر للجميع وتحدث وهو يتحرك للمغادرة:
"بعد إذنكم."
كانت تتابع انسحابه من المكان بقلب يكاد يصرخ ويحتضنه ويتشبث به ليمنعه من الرحيل، فبرغم من ارتباكها الذي أصابها من وجود هشام إلا أنها كانت تشعر بالأمان في وجوده وحضرته.
كاد هشام أن يتحدث لكن أوقفه رنين هاتف فريدة التي أسرعت بالرد وكانت والدتها تخبرها بخروج والدها وإفاقته.
تحركت سريعاً للأعلى متناسية العالم أجمع وأصبح كل ما يشغل تفكيرها هو الاطمئنان على عزيز عينيها وغاليها والدها الحبيب وفقط.
تحرك خلفها هو وأسامة الذي تشجع بعد حديث سليم له وحثه على أن يستدعي شجاعته ويصعد إلى والده ويطلب منه العفو والسماح!
***
كانت تجلس داخل غرفتها تضع طلاء الأظافر كي تذهب إلى منزل خالتها غادة.
استمعت لرنين هاتفها أمسكته وتحدثت بعدما رأت ال private number:
"كنت مستنية مكالمتك علشان أعرف الخطوة الجاية إيه؟"
أجابها المتصل بهدوء وعملية:
"أول حاجة لازم نعملها هي إنك تحاولي تخلقي مواقف شبه اللي كانت بتحصل بينكم زمان، ولازم يشوفك كتير ويسمع صوتك في الفون أكتر، علشان يشتاق ويحن لماضيه."
تأففت لُبنى وأجابت بملل:
"أيوا بس هشام مش مديني فرصة أقرب منه خالص، إمبارح مثلاً رنيت عليه كذا مرة ومردش عليا، ولما لقيته أون لاين كلمته واتس وأتدللت عليه وقولت له أني زعلانه منه، تخيلي رد عليا وقالي إيه."
وأكملت بحزن:
"قال لي معلش أصل كنت بكلم فريدة، زي ما يكون قاصد يقول لي إنه بيحبها وإني أخلي عندي دم وأبعد عنه!"
أجابها المتصل بهدوء وتفهم:
"كل ده طبيعي جداً، هو خايف يتكلم معاكي ويقرب منك عشان ما يحنش ليكي ولماضيه الجميل معاكي، هشام خايف على نفسه ليضعف في قربك يا لُبنى."
"إنتِ بقا خليكي أشطر منه وحاوطيه من كل الاتجاهات، ما تديلوش فرصة يفكر ويبعد، لاحقيه في كل مكان ممكن يتواجد فيه، عند غادة، في بيته، حتى في خروجاته."
تساءلت بتعجب:
"وأنا هعرف منين خروجاته وتحركاته؟"
أجابها:
"دي بقا سيبها عليا، أنا عارف كل خطواته وهبلغك بيها أول بأول، بس إنتِ فرغي لي وقتك اليومين الجايين علشان هنبدأ الشغل الصح!"
تساءلت لُبنى بفضول:
"بردوا مش ناويه تقولي لي إنتِ مين؟"
رد عليها المتصل بامتعاض:
"مش شغلك، وخليكي في اللي مطلوب منك وبس، ولا إنتِ مش عاوزة هشام يسيب فريدة ويرجع لك؟"
أجابتها سريعاً:
"طبعاً عاوزاه يرجع لي، أنا آسفة، يلا قولي لي المطلوب مني بالظبط وأنا كلي أذان صاغية!"
رد المتصل بتأكيد:
"أيوا كده خليكي شاطرة واسمعي الكلام علشان ننجز مهمتنا ونخلص!"
رواية جراح الروح الفصل الثالث عشر 13 - بقلم روز امين
دلفت فريدة إلى حيث والدها بمفردها، وذلك حسب إرشادات الطبيب. وجدته يقبع باستسلام فوق تخت المشفى وتجلس بجانبه عايدة، ممسكة بيده بعناية وحب.
نظر إليها وأبتسم بوهن. تحركت إليه، وبرغم ادعائها التماسك إلا أنها لم تستطع حينما وجدته يرقد بجسد ضعيف. وعلى الفور نزلت دموعها رغماً عنها. صرخ داخلها رافضاً مكثه بتلك الحالة الممزقة لقلبها الضعيف تجاهه. إنه والدها، سندها وعزيز عيناها، بطلها ورجالها وفارسها الأول. كيف له أن يكون بهذا الوهن والضعف وهي التي دائماً تستمد منه قوتها وثباتها.
وصلت إليه وانحنت إلى مستوى كف يده وقبلته بعناية، ثم أردفت بابتسامة خرجت حزينة عنوة عنها، وعيون متألمة رغم محاولاتها المستميتة لمداراة وجعها الساكن روحها.
"حمد الله على سلامتك يا حبيبي."
وأكملت بدعابة: "كدة يا سي بابا تخضنا عليك بالشكل ده، أيه، حضرتك كنت عايز تعرف مقدار غلاوتك عندنا؟"
ابتسم بوهن وأخرج كلماته بصوت ضعيف متعب متألم: "بالظبط كده."
تحدثت عايدة وهي تقبل جبهته وتتحسس شعر رأسه بحنان: "وهو أنت لسه محتاج تعرف غلاتك يا فؤاد، ده أنا والولاد كنا هنموت من الرعب عليك."
نظر إليها بعيون محبة وظل يتبادلان نظرات العشق. وبعدها نظر إلى فريدة وتساءل: "أخوكي فين؟"
تحدثت عايدة بنبرة قلقة: "قاعد برة مرعوب، خايف يدخل عندك بعد إللي حصل." وأكملت لتهدئته وامتصاص غضبه من ناحية صغيرها: "علشان خاطري متزعلش نفسك يا فؤاد، والله الواد من ساعة إللي حصل وهو دموعه ما نشفت."
أغمض فؤاد عيناه بألم، ثم بادرت فريدة بالحديث بتعقل: "الحمد لله يا بابا، المفروض نحمد ربنا على كل إللي حصل ده." وأكملت بيقين لتهدئة والدها من اتجاه أخاها: "ده لولا إللي حصل من أسامة واتسبب لحضرتك في التعب ده مكناش عرفنا إن حضرتك عندك مشاكل في الشريان التاجي ومحتاج تدخل جراحي فوراً. سبحان الله، كلها أسباب ربنا بيسببها علشان نوصل للي ربنا سبحانه وتعالى عاوزه، واللي أكيد فيه نجاتنا."
هز فؤاد رأسه وأردف برضا ويقين: "ونعم بالله العلي العظيم."
أردفت عايدة قائلة بترقب لوجه زوجها: "والله عندك حق يا بنتي."
تحدثت فريدة بهدوء: "بابا، بعد إذنك أنا هخرج أجيب أسامة علشان يطمن عليك، وياريت حضرتك متضايقش. اتفقنا يا حبيبي؟"
هز رأسه بموافقة. وبعد قليل كان أسامة يقف أمامه بدموع، ممسكاً بيده يقبلها قائلاً بندم: "أنا آسف يا بابا، أرجوك سامحني. صدقني عمري ما هعمل حاجة تزعلك مني تاني. والله يا بابا ما هحطها في بُقي تاني."
نظر له فؤاد وتحدث بصوت ضعيف يكاد يسمع: "وعد؟"
أجابه أسامة: "وعد يا بابا صدقني."
هز فؤاد رأسه. وتحدثت عايدة إلى فريدة: "خدي أخوكي واطلعوا علشان بابا ميتعبش."
تحدثت وهي تقبل جبهة والدها: "هشام برة وحابب يطمن على حضرتك."
هز رأسه بموافقة. وتحدثت هي إلى والدتها: "هدخل هشام بس يا ماما ومحدش تاني هيدخل. الناس برة كتير جداً وإدارة المستشفى بدأت تضايق، تقريباً المنطقة كلها برة. ده غير أعمامي وولادهم اللي جايين في الطريق وزمانهم على وصول."
تحدثت عايدة: "الناس كلها بتحب أبوكي يا فريدة، دخلي هشام وأنا هقوله يقول لهم أيه."
خرجت فريدة ودلف هشام لهما. فعايدة وفؤاد يعتبرانه ابنهما البكري ولديه غلاوة كبيرة بقلب كل منهما. وبعد مدة خرج هشام للجمع المتواجد بالمشفى وأخبرهم أن عليهم الرحيل حتى لا تنزعج إدارة المششفى من شدة الزحام. وذهبت نهلة وأسامة إلى منزلهما بصحبة عبدالله ووالدته. وتبقت عايدة وفريدة وهشام.
في المساء، خرجت فريدة إلى حديقة المشفى لاستنشاق بعض الهواء النقي بعيداً عن رائحة المستشفيات التي تكرهها منذ صغرها.
تحرك خلفها هشام وتحدث بصوت عالٍ يطغى عليه الغضب: "بيهيء لي خلاص اطمنتي على باباكي والوقت ممكن نتكلم؟"
نظرت له بوجه مرهق وتساءلت بهدوء ونبرة متعبة: "هنتكلم في أيه يا هشام؟"
أجابها بقوة: "نتكلم مثلاً على البيه اللي كان سارح بينكم في المستشفى وكأنه واحد من العيلة؟" وأكمل بنبرة غائرة: "مرة يتكلم مع مامتك اللي قاعدة جوة يقول فيه وفيه تفكيره شعر، ومرة مع أسامة اللي كان ناقص ياخده بالأحضان وهو ماشي. لا وكمان بكل وقاحة واقف قدامي يقول له ابقى خد رقمي من فريدة." وأكمل بغضب ونبرة حادة: "سؤالي بقى يا هانم، رقم البيه بيعمل إيه معاكي لحد دلوقتي؟ كان حجته الشغل والمعلومات اللي كان عاوز يعرفها بخصوص اتفاقية الزفت دي، وأهي تمت وخلصنا." وأكمل بنبرة غاضبة: "رقمه بقى لسه بيعمل إيه مع سيادتك؟" وأكمل: "والسؤال الأهم يا أستاذة، إزاي واحدة محترمة زيك تقبل تركب عربية مع راجل غريب عنها. ده انتِ مطلعة عين أمي في الموضوع ده يا فريدة، وأقدر بكل سهولة أعد لك المرات اللي ركبتي فيهم معايا عربيتي؟"
وضعت كف يديها فوق وجهها وفركته بتعب وإرهاق، ثم رفعت له عيناها وأردفت باستنكار: "هو أنت فعلاً شايف إن ده وقت ومكان الكلام اللي بتقوله ده؟" وأكملت بنبرة ملامة: "يعني بدل ما تقعد تطمني على أبويا اللي مرمي جوة على سرير وقلبه موصل بأسلاك وداخل على عملية يا عالم هيقوم منها ولا لأ، جاي تحاسبني؟ واقف تحاسبني وتلومني على واحد وقف معايا وساعدني وقت شدتي واحتياجي؟" وأكملت بعيون ضعيفة: "ده أنا كنت خارجة من الشركة منهارة وربنا وحده يعلم إيه اللي بيا وهأوصل للمستشفى إزاي؟" وأكملت مبررة: "وجوده في اللحظة دي كان طوق النجاة بالنسبة لي، وصلني لبابا في وقت قياسي ووقف معانا وقعد يهدي في ماما اللي كانت منهارة، ولا أسامة العيل الصغير اللي كان هيموت من رعبه بعد اللي حصل قدام عيونه. جاي تلومني على إيه يا هشام؟ ده بدل ما تحمد ربنا وتفرح إن ربنا سخر لنا حد يقف معانا في شدتنا؟ أنا بجد مستغرباك ومش قادرة أستوعب تفكيرك ده."
وأكملت بنبرة لائمه: "إزاي قادر تكون أناني أوي كده في تفكيرك؟ إزاي مفكرتش فيا وفي حالتي وألمي ورعبي على أبويا اللي مليش سند غيره في الدنيا بعد ربنا؟ إزاي مفرقش معاك خوف أسامة ورعبه اللي كان مالي قلبه ولا أمي اللي كانت هتموت من رعبها على رفيق عمرها وحبيبها. يا خسارة يا هشام، افتكرتك أعقل من كده بكتير."
صمت رهيب حل بهما وجلسا صامتان. شعر بخزي عميق بعد حديثها الذي أحزنه وبيّن له كم هو حقاً أناني وتفكيره محدود داخل نطاق حاله فقط.
بعد مدة تحدث بنبرة هادئة ونظرات خزي: "أنا آسف يا فريدة، أنا بعترف لك إني فعلاً كنت أناني في تفكيري، بس أنا حقيقي مقدرتش أشوف غير نار غيرتي عليكي وأنا متخيلك راكبة العربية جنب اللي اسمه سليم ده."
تنهدت بقلة صبر وتحدثت باستسلام: "أنا طالعة أشوف ماما لتكون محتاجة حاجة وبعدها هروح لأني بجد فقدت طاقتي ومش قادرة أقعد أكتر من كده."
حدثها هو بهدوء: "أنا جاي معاكي وهأوصلك وأرجع هنا تاني."
صعدت لوالدها، اطمأنت عليه، وتحدث عمها الذي أتى من السويس هو وولداه حين علموا بما حدث لشقيقهم. تحدث أحمد إلى عايدة: "يلا أنتي كمان يا أم أسامة روحي مع فريدة وأنا هبات مع فؤاد."
رفضت عايدة وتحدثت بعيون تكسوها غشاوة دموع: "أنا مش هسيب فؤاد ومش هروح البيت غير وإحنا مع بعض زي ما خرجنا!"
حدثتها فريدة: "عمي بيتكلم صح يا ماما، حضرتك مش هتعرفي تتصرفي لو لا قدر الله بابا احتاج لدكتور أو أي مساعدة، عمي الأنسب إنه يبات مع بابا."
وبالكاد أقنع فؤاد والجميع عايدة على مغادرة المشفى مع فريدة وهشام. تحدث هشام إلى أبناء عم فريدة: "طب اتفضلوا باتوا معايا في بيتي يا شباب، إحنا عندنا شقة فاضية في البيت وإن شاء الله هتأخذوا راحتكم فيها."
أجابه زياد، الابن الأكبر، باحترام: "متشكرين يا أستاذ هشام على كرم أخلاقك، بس إحنا عندنا شقة هنا في القاهرة، شارينها للطوارئ اللي زي دي!"
وشكره أحمد أيضاً.
وصلت عايدة وفريدة بصحبة هشام إلى مكان السيارة. بادرت فريدة وتحركت نحو الباب الخلفي وصعدت بالكنبة الخلفية. نظرت لها والدتها باستغراب ثم حولت بصرها إلى هشام الذي كسى الحزن وجهه. تحركت هي غير مبالية بهما، فالآن ليس وقت هذه المهاترات بالنسبة لحالتها. وفتحت الباب الأمامي وجلست بجانب هشام الذي جلس خلف مقود القيادة وتحرك. ووجه المرآة وسلطها على ملامح فريدة الحزينة.
تحدث هشام بهدوء وهو ينظر إلى عايدة: "تحبوا تأكلوا إيه يا ماما؟"
أجابته عايدة برفض قاطع: "ولا أي حاجة يا حبيبي، روحنا بس علشان محتاجة أغير هدومي وأريح جسمي شوية علشان أجي لعمك بدري إن شاء الله."
أجابها بإصرار: "يا حبيبتي مينفعش تقعدي طول اليوم من غير أكل، وكمان علشان فريدة وأسامة ونهلة يأكلوا أي حاجة معاكي." ثم وجه حديثه لتلك الحزينة الشاردة في حالة والدها: "تحبي تأكلي حاجة معينة يا فريدة ولا أجيب لك على ذوقي؟"
نظرت له وتنهدت بتعب: "متجيبش حاجة يا هشام، محدش ليه نفس للأكل، أنا عن نفسي تعبانة وكل اللي محتاجاه هو إني أنام."
تحدثت عايدة: "يا ابني متتعبش نفسك، أنا كنت سالقة اللحمة وعاملة خضار وسلطة وكنت بجهز للرز وحصل إللي حصل، يعني أكيد نهلة كملت عمايل الرز وأكلت هي وأخوه."
لم يستمع لهما، وصف سيارته وتوقف أمام مطعم للمأكولات المشوية وجلب بعض الأصناف المحببة لديهم مع بعض السلطات والمقبلات، واستقل السيارة من جديد.
أتتها رسالة على هاتفها. نظرت بها تحت أنظار هشام المسلطة عليها. كانت من سليم يطمئن بها على حالة والدها ووالدتها المنهارة. أجابته بإختصار أنهما بخير. ففهم هو أنها بوضع لم يسمح لها بفرصة الحديث.
أغمضت عيناها بتألم لحالة أبيها وألقت رأسها بإهمال، مستندة على زجاج النافذة تحت بصر ذلك المستشاط.
ثم رن هاتفها مرة أخرى. نظرت لشاشته ووجدته فايز. ردت بهدوء تحت أنظار هشام المترقبة: "أهلاً يا باشمهندس!"
انزعج هشام بشدة ظناً منه أنه سليم. فأكملت فريدة بهدوء: "متشكرة لحضرتك يا أفندم. وبعدين حضرتك كلمتني كذا مرة برغم انشغالك، يبقى فين التقصير إللي حضرتك بتقول عليه ده؟"
لاحظت فريدة نظرات هشام فردت متعمدة ليطمئن قلبه ويستريح من تلك الشكوك التي انتابته مؤخراً: "هيعملها بكرة إن شاء الله، وبجد متشكرة جداً لاهتمام حضرتك مستر فايز!" وأغلقت تحت ارتياح هشام.
أخيراً وصلوا لمنزلهم. صعدت فريدة ووالدتها وتحرك هشام عائداً إلى منزله. أخذت فريدة حماماً دافئاً وتناولت بعض اللقيمات القليلة هي ووالدتها ونهلة وأسامة. واتجهت إلى تختها وغفت بعمق لتعب عقلها وجسدها المنهكان.
في اليوم التالي، أُجري فؤاد جراحته بنجاح وخرج بنفس اليوم من المشفى واستقرت حالته كثيراً. وبعد أربع أيام، استلمت فريدة سيارتها تحت سعادتها أنها أخيراً سيرتاح بالها من ذهابها للعمل بهدوء نفسي وأيضاً المال المهدر التي كانت تنفقه على السيارات المستأجرة.
ابتعد سليم ولم يتصل بها نهائياً من بعد اليوم الذي أُجري والدها به الجراحة وحدثها ليطمئن عليه، تحت استغرابها من ابتعاده. أحقاً قرر نسيانها أو لم يكن يعشقها من الأساس؟
***
وصلت لبنى إلى مسكن غادة بعدما أخبرها المتصل المجهول أن هشام سيذهب بعد قليل إلى غادة ليتناول غداءه بصحبتها. استقبلت غادة لبنى التي أتت محملة بالحلويات الشرقية التي يعشقها هشام، باستغراب. فتحدثت: "لبنى، مقولتيش إنك جايه يعني؟"
أجابتها بتملل وانزعاج: "أرجع تاني يعني ولا أيه؟"
ضحكت غادة وتحدثت بدعابة: "ادخلي ادخلي يا قماصة، لسه زي ما أنتِ ومتغيرتيش، بتتأمصي من أقل كلمة." ثم نظرت إلى العلبة التي بيدها وأردفت بسعادة: "وكمان جايبة لي الحلويات اللي بحبها."
وضعت العلبة بين يدي غادة، وفكت لبنى شعرها من ربطته لينساب فوق ظهرها في مظهر مبهر. ثم أجابتها بدعابة: "وهو أنا عندي أغلى منك يا دودَه!!"
ثم اشتمت بأنفها وأغمضت عيناها بتلذذ وأردفت بتساؤل: "أيه ريحة الأكل اللي تجنن دي، إنتِ عازمة حد من ورايا ولا إيه يا دوده؟"
نظرت لها بترقب وأردفت قائلة: "مستنية هشام على الغدا، اتصل من الشغل وقال لي إنه هيعدي عليا يتغدا ويقضي اليوم معايا."
تصنعت الاندهاش وتحدثت بلؤم: "طب أمشي أنا ولا أيه؟"
أجابتها غادة بهدوء: "وتِمشي ليه يا بنتي، هو أنتِ غريبة؟" وأكملت بحديث ذي مغزى: "وبعدين هشام خلاص بقى زي أخوكي، عادي يعني لما تقعدوا مع بعض تتغدوا."
حزن داخلها من إلقاء تلك الكلمة على مسامعها. هزت رأسها بإيماء وتحدثت بأسى: "عندك حق يا غادة."
استمعا إلى جرس الباب. تحركت غادة وفتحت الباب ومازالت بيدها علبة الحلويات. نظر لها هشام وتحدث: "يعني مكلفة نفسك وعازماني على الغدا وكمان جايبة لي الحلويات اللي بحبها؟" وأكمل بدعابة وهو يقبل وجنتيها بالتبادل: "كتير عليا كده والله يا غادة."
ثم دلف للداخل وفجأة تسمر مكانه حين وجدها أمامه تبتسم له بعيون متلهفة وكأنها كانت تنتظر قدومه بفارغ الصبر. عاد به الزمان إلى ما قبل الأربع سنوات، حين كانت تنتظره هنا، بنفس المكان ونفس الهيئة ونفس الابتسامة الجذابة، ونفس لهفة العيون الهائمة بعشقه.
ولكن...
ولكن ما تغير هو الزمان...
فلا أصبح الزمان هو الزمان...
ولا عاد هو يشعر بها كما كان...
ولا بقي كيانه متيم بعيناها وولهان...
ولا أصبح قلبه يشعر في حضرتها بالأمان...
مثل زمان...
نظرت له بابتسامتها الرائعة وعيناها الولهة بطلتها عليه، تلك النظرات الولهة التي تخصه هو فقط. نظر لها بعد لملمة كيانه من حضوره لذلك الموقف المهيب وتلك الذكرى التي أرجعته للوراء سنوات وسنوات. وأردف بهدوء بعدما تحدى حاله واستقوى عليها: "أزيك يا لبنى، أخبارك وأخبار خالتي إيه؟"
أجابته بصوت أنثوي جذاب: "أنا كويسة يا هشام، إنتِ اللي عامل إيه، طمنيني عليك وأخبارك."
أجابها بهدوء وهو يتجه إلى الأريكة ليجلس: "كله تمام الحمد لله."
ثم نظر إلى غادة الواقفة تتطلع على ابنة شقيقتها بألم وتحدث هو: "أيه يا دودو، طابخة لنا أيه النهارده؟"
أجابته بهدوء: "كل الأكل اللي انت بتحبه يا حبيبي، بس شكل لبنى حماتها هتحبها إن شاء الله، علشان كده جت وهتشاركنا."
تحدثت لبنى بدلال أنثوي مقصود: "بس أنا عاوزة ابنها هو اللي يحبني يا دودو!!"
تجاهل هشام دلالها وأنوثتها المتعمدة وأردف ناظراً إلى غادة عن قصد ليلغي أي أفكار قد تطرأ بمخيلتها ومخيلته: "على فكرة يا غادة، ديدا بتسلم عليكي كتير."
استشاط داخلها وهبت نار الغيرة داخل قلبها المسكين. أجابته غادة بهدوء: "الله يسلمها. باباها أخبارة إيه دلوقتي؟"
أجابها بهدوء: "الحمد لله صحته اتحسنت كتير، ده حتى ماشاء الله بقى أحسن من قبل ما يتعب، يظهر إن موضوع الشريان اللي كان مسدود ده كان مؤثر على صحته."
تحدثت غادة وهي تتجه إلى المطبخ: "طب كويس، لما رحنا نزوره أنا ومامتك كان لسه تعبان." وأردفت من داخل المطبخ: "قوم بدل هدومك يا إتش علشان تاكل براحتك، هتلاقي بيجامتك في أوضة الولاد على السرير." ثم وجهت حديثها إلى لبنى: "وإنتِ يا لولو تعالي ساعديني."
بدل ثيابه واستغل وجود لبنى بجانب السفرة لتوضيبها، وتحرك هو إلى المطبخ ووقف أمام غادة ينظر لها بامتعاض وضيق وعيون متسائلة. فهمت هي وأجابته: "والله ما قولت لها حاجة ولا كنت أعرف إنها جايه أصلاً."
أردف قائلاً بضيق: "طب ليه مكلمتنيش لما وصلت هي؟ مكنتش جيت؟"
أجابته بنبرة مفسرة: "ملحقتش يا هشام، وبعدين مالك مكبر الموضوع كده ليه؟"
زفر بضيق وأردف بتعجب: "هو إنتي شايفة الموضوع عادي يا غادة؟ يعني عادي أنا ولُبني نرجع نجتمع هنا تاني بعد كل اللي كان بينا زمان؟ طب ولو فريدة عرفت ساعتها يبقى إيه موقفي؟"
أجابته: "وفريدة هتعرف منين بس يا هشام؟" وأكملت: "وحتى يا سيدي لو عرفت، هي أصلاً تعرف إللي كان بينك وبين لبنى منين؟"
أجابه بتأكيد: "تعرف طبعاً، أنا حكيت لها كل حاجة عن الموضوع قبل الخطوبة."
دَلفت لبنى فَصَمَ كلاهما وتحدثت هي بتساؤل: "فيه حاجة؟"
أجابتها غادة: "مفيش حاجة يا حبيبتي، ده هشام كان بيسألني عاملة أكل إيه، يلا يا هشام خد بولة السلطة خرجها على السفرة وإحنا هنجيب باقي الأكل ونحصلك."
تحرك وأجتمعوا حول مائدة الطعام وحاوطته لبنى بنظراتها واهتمامها به ووضع الطعام أمامه باهتمام وحب. مما جعل داخله مبعثر ولكنه تدارك حاله ولملم كيانه سريعاً حتى أنه أنهى طعامه وبدل ثيابه وذهب سريعاً كي لا يعطي إليها ولحاله أية فرصة للضعف.
بعد رحيله، وقفت غادة أمامها وربعت يديها فوق صدرها وأردفت بتساؤل: "وبعدين معاكي يا لبنى، ناوي على إيه يا بنت أختي؟"
ضحكت وتحركت إلى الأريكة مكان جلوس هشام وأمسكت كوب الشاي الخاص به ومدت شفتاها مكان شفتيه وتلمستها بوله دون خجل وتحدثت: "ناوية أرجع حياتي اللي ضاعت مني تاني، ناوي أرجع هشام لحضني من جديد يا غادة."
أجابتها بصياح: "وهو كان مين اللي ضيع حياتك زي ما بتقولي يا لبنى، مش إنتِ؟" وأكملت لتحبطها: "وبعدين ريحي نفسك، هشام بيعشق فريدة وبيتمنى لها الرضا ومستحيل يسيبها عشان أي حد."
تحدثت بابتسامة وعيون عاشقة: "وهو أنا بالنسبة لهشام أي حد برضه يا دودو؟ ثم أنا معرفش حاجة اسمها مستحيل في قاموس حياتي." وأكملت بإصرار وعيون حزينة: "هشام حبيبي أنا، ومش هسمح لأي حد ياخده من حضني."
تنهدت غادة وظلت تحادثها وتحثها على التراجع عن خطتها التي ستبوء بالفشل بالتأكيد، ولكنها لن تبالي.
***
في اليوم التالي، كان يجلس بصحبة فايز بمكتبه. تحدث فايز بهدوء: "كله تمام يا باشمهندس، الموضوع تم زي ما حضرتك رتبت له بالظبط. الموظف راح معاها وهي اختارت العربية اللي عاوزاها واستلمتها خلاص، وإن شاء الله المبلغ الشهري اللي هتدفعه فريدة هيتحول في الحساب اللي اتفقنا عليه مع مدير البنك." وأكمل مستغرباً: "بس أنا مش فاهم ليه حضرتك أصرت إن الباشمهندسة فريدة متعرفش حاجة عن الموضوع ده؟"
أجابه سليم بهدوء: "الباشمهندسة فريدة عندها عزة نفس واعتزاز عالي بكرامتها، وعمرها ما كانت هتقبل مساعدتي ليها." وأكمل بجدية: "الموضوع من ناحيتك إنتَ طبيعي أكتر ومقبول."
نظر له فايز باستغراب وبدأ الشك يتسلل لقلبه بأن ذلك السليم يعشق تلك الفريدة من نوعها.
أما فريدة التي كانت تعمل داخل مكتبها حين أتاها اتصال من مكتب سكرتارية فايز يخبرها بأن عليها القدوم لأمرٍ عاجل. دلفت إلى المكتب تفاجأت بوجود سليم. ارتبك داخلها ولم تستطع التمالك من إظهار مشاعرها، فتغلبت عليها مشاعر الأنثى التي بداخلها ونظرت إليه بعيون معاتبة لعدم تقديره لها وإهمالها وعدم الاتصال بها بأي شكل من الأشكال طوال الفترة الماضية.
تمالكت من حالها ولملمت روحها وتحدثت بكبرياء حاولت به تخبئ ما بداخلها: "مساء الخير."
أجابها بهدوء ونبرة باردة أحرقت روحها: "أهلاً يا باشمهندسة."
تحدث فايز الذي بدأ يتأكد من عشق ذلك الثنائي وهو يشير إليها بالجلوس: "اتفضلي يا باشمهندسة اقعدي."
تحركت بهدوء وجلست بالمقعد المقابل لسليم ونظرت عليه بارتباك. تحدث فايز الذي يجلس خلف مقعد مكتبه: "باشمهندس سليم عنده مفاجأة حلوة ليكي، أحب تسمعيها منه هو شخصياً."
نظرت إليه بتيه وعيون متسائلة، قابلها هو ببرود ونبرة صوت عملية موجه حديثه إلى فايز: "هي مش مفاجأة على قد ما هو حق واجب ومشروع للباشمهندسة." ثم نظر إليها بنظرات مبهمة جافة تخلو من أي تعبيرات وأردف بنبرة جادة وعملية: "أول حاجة الشركة خصصت لك مكافأة على تعبك ووقتك اللي مبخلتيش علينا بيه، وإن شاء الله المكافأة تكون مرضية ليكي."
نظرت له وتنهدت من شدة ألمها الذي تملك من روحها من تلك المعاملة الجافة وأردفت بهدوء: "أنا متشكرة جداً يا باشمهندس، بس أنا شايفه إني ما عملتش حاجة لشركة حضرتك أستاهل عليها مكافأة، أنا كل اللي عملته هو إني قمت بشغلي الخاص بشركتي، واللي بالفعل أخدت عليه مكافأتي اللي أستحقها من الشركة."
أجابها بنبرة جادة: "إزاي بقى يا باشمهندسة، حضرتك كرستي معظم وقتك وساعدتيني في حسم اختياري بوقت قياسي، وده ليه تقديره عندنا. إحنا شركة عالمية وبنقدر وقت ومجهود الأشخاص جداً، وحضرتك اديتينا من وقتك ومجهودك ما يكفي لاستحقاق المكافأة. وزي ما فيدتي شركتك كمان أفدتي شركتنا، مش بس شركتكم اللي ربحت من خلال اتفاقية الشراكة، كمان شركتنا أكيد كسبانة من ورا الموضوع." وأكمل بنبرة عملية: "تاني حاجة ودي الأهم، هي إني رشحتك للشركة علشان تكوني عضو معانا في اللجنة الاستشارية للشركة الألمانية، والحقيقة هما رحبوا بالاختيار بعد شهادتي أنا والباشمهندس علي في حق قدراتك، وإن شاء الله آخر الأسبوع وإحنا بنمضي عقود إتمام اتفاقية الشراكة بين الشركتين هنمضي معاكي عقد انضمامك لي."
سعد داخلها وطارت من شدة فرحها من ترشحها لذلك المنصب ذي الأهمية والشأن العظيم. وسعدت لتلك الخطوة المهمة لبناء تاريخ اسمها في مجال عالم الإلكترونيات. وتحدثت بابتسامة سعيدة ووجه بشوش نستهما ما أصابها من جفاء معاملته: "أنا بجد مش عارفة أشكر حضرتك إزاي يا باشمهندس."
تحدث بعملية ووجه غامض يحاول خلفه تخبئة شدة سعادته وروحه الهائمة لأجل سعادة خليلته: "الموضوع مش مستدعي أي شكر يا باشمهندسة، ولولا أنك تستحقي المنصب ده عن جدارة عمري ما كنت هرشحك ليه لا أنا ولا الباشمهندس علي غلاب."
أردف فايز بسعادة لأجل فريدة فهو دائماً يراها متميزة ودؤوبة بعملها وحقاً تستحق الأفضل: "ألف ألف مبروك يا فريدة، حقيقي تستحقي المنصب وبجدارة." وأكمل بإطراء وهو ينظر إلى سليم: "اختيار موفق يا باشمهندس، أحييك عليه."
ابتسمت له فريدة وأردفت: "مٌتشكرة جداً يا أفندم، كله بفضل توجيهات سعادتك."
وأكمل سليم: "متشكر يا فايز بيه. نيجي بقى لموضوع الحفلة الخاصة بتوقيع عقد الشراكة، ودي هتتم في نهاية الأسبوع علشان يكونوا مديرين الشركة وصلوا من ألمانيا، وبالنسبة للحفلة مش عايز حضرتك تشغل بالك بيها خالص، أنا اتفقت مع شركة تنظيم حفلات وهي اختارت المكان وهترتب كل حاجة على أعلى مستوى."
أردف فايز بنبرة متسائلة محرجة: "طب بالنسبة لنفقات الحفلة ها؟" ولم يكمل حديثه حين قاطعه سليم بجدية: "كل النفقات الخاصة بالحفلة هتتكفلها الشركة عندنا."
وقفت فريدة باعتذار وأردفت: "أستأذن حضراتكم لو مش محتاجيني في حاجة تانية علشان عندي شغل."
وقف سليم هو الآخر متحدثاً إليها: "إحنا خلاص خلصنا كلامنا وأنا مضطر أستأذن لإن مرتبط بمواعيد مهمة."
تحدث إليه فايز: "شرفتنا يا باشمهندس وإن شاء الله هجهز لحضرتك المكتب لو حبيت في أي وقت تيجي تشوف شغلك منه."
خرجت وخرج هو خلفها وتحدث بجدية وهو يتحرك بجانبها: "أستاذ فؤاد أخباره إيه؟"
أجابته بخيبة أمل وعيون حزينة لسؤاله بتلك الجدية: "الحمد لله، أحسن كتير."
أجابها وهو يتجه إلى المصعد: "الحمد لله، حمد الله على سلامته، بعد إذنك."
تركها وانطلق وضغط زر المصعد وهبط تحت نظراتها وشرودها وذهولها من تغييره المفاجئ. دلفت إلى مكتبها وصفقت خلفها الباب بشدة من أثر غضبها العارم وبدأت تتحرك داخل المكتب ذهاباً وإياباً وهي تفرك يديها ببعضهما بغضب تام. ثم توقفت فجأة وحدثت حالها: "مابكِ أيتها الغاضبة؟ لما بركان الغضب الثائر بداخلك هذا؟ لما غضبتي من تلك المعاملة، أولم يكن هذا بطلبك أنتِ؟ أولم تترجيه بأن يتركك وشأنك، أنتِ من بادرتي بطلب الابتعاد، إذاً لما العويل والغضب الآن؟ استفيقي وعودي لوعيكِ فريدة، اتقي الله في هشام ونفسك، جاهدِي نفسك وأدبيها يا فتاة، وأكملت بيقين: استعيذي بالله من شيطانكِ الرجيم، ارجميهِ بذكر الله والتحلي بالصبر والقرب من الله. ليس لديكِ طريقة للنجاة سوى القرب من الله عز وجل."
تنهدت واستعاذت بالله وجلست خلف مكتبها وبدأت بإشغال روحها ولهيها بالانغماس بالعمل.
***
داخل شركة الحٌسيني. كانت تقف داخل المعمل الخاص بصناعة الأدوية بجانب أصدقائها والكميائي التي تعمل تحت إشرافها. دلف إليها مراد بكل ثقة بعدما استدعاه الكيميائي المختص بتدريبهم. وقف بجوارهم يتطلع على تلك التجربة الناجحة التي أبهرت الصيدلي الكيميائي عن اكتشاف إحدى العقاقير الجديدة. تحدث مراد بهدوء واتزان: "هايل يا دكتور، الاكتشاف ده ممكن يبقى نقلة كبيرة للشركة ويخلينا نتبوأ مكانة عالية ويجعل من شركتنا رائدة في مجال صناعة الأدوية!" ثم نظر إلى الكميائي وتحدث بجدية: "حقيقي برافوا دكتور حسين."
ابتسم ذلك الكميائي الذي تعدى عامه الخمسين وتحدث وهو يشير إلى ريم الواقفة تبتسم بسعادة لا يضاهيها شيء: "الحقيقة يا دكتور مراد اللي تستحق الشكر هي دكتورة ريم صاحبة الفكرة، أنا ما عليا غير إني شاركتها تنفيذ التجربة واللي الحمد لله أثبتت نجاحها الباهر."
نظر ليتطلع إلى التي يشير إليها الكميائي وإذ به فجأة تنقبض عضلات جسده وتتيبس، وتكشعر ملامح وجهه ويظهر عليها الغضب، ثم رمقها بنظرات نارية وانسحب من المكان دون أن يتفوه بكلمة واحدة، مما استشاط غضبها وجعل الدموع تترقرق داخل مقلتيها البنيتان ذوات الرموش الكثيفة.
تحدثت إليه الكميائي بهدوء بعدما لاحظ دموعها الأبية: "معلش يا دكتورة ريم، دكتور مراد يمكن مبيعرفش يعبر كويس بالكلام، بس يكفي إن التجربة عجبته وأكيد كمان هيعمل لك شهادة تضاف لك في مشروع تخرجك."
جهزت رأسها بإيماء ولم تستطع إخراج صوتها من شدة خجلها وحزنها معاً، وأكملا من جديد ما كان يفعلاه.
وبعد قليل كانت تخرج من الشركة بصحبة صديقتها سارة. وقفت وتحدثت بنبرة غاضبة: "بني آدم مريض، المفروض يروح يتعالج."
ضحكت سارة وتحدثت: "يا بنتي انسي بقى، إنتِ هتفضلي طول اليوم تاكلي في نفسك كده، اللي حصل حصل كبري دماغك."
أجابتها ريم بضيق: "أنا مش فاهمة هو حاططني في دماغه وبيكرهني كده ليه؟"
ردت عليها سارة بانتشاء: "طب اسمعي الجديد بقى."
نظرت لها ريم بترقب فأكملت سارة: "فاكرة اليوم اللي اتخانق معاكي فيه، لما روحتي عملتي عنه سيرش لقيت الجرايد الصفرا كاتبة بالبونط العريض، تفاصيل فضيحة ابن الحسيني، الفضول جنني ودخلت أشوف، لقيتهم كاتبين إن خطيبته سابته وهربت مع صديق عمره قبل فرحهم بتلات شهور."
شهقت ريم ووضعت يدها فوق فمها بذهول وتحدثت: "معقولة؟"
تحدثت سارة بتأكيد: "أيوه يا بنتي زي ما بقولك كده، وعرفت كمان إن من يومها وهو بقى معقد ستات ورافض الجواز، والدليل على كده معاملته ليكي يوم التليفون وكمان النهارده، الواد اتعقد يا حرام وكرة الصنف كله."
هزت ريم رأسها وتحدثت بنفي: "يا بنتي متصدقيش كلام الجرايد اللي من النوعية دي، تلاقيهم كانوا قابضين من منافسين شركة بوه وبيشهروا بيه مش أكتر."
أكدت سارة: "ودي حاجة تفوتني برضه، أنا بحثت عن البنت المذكور اسمها وفعلاً الموضوع طلع حقيقي."
نظرت اثنتيهما لذلك المغرور الذي يخرج من باب الشركة متوجهًا إلى سيارته التي أتى بها العامل إليه بكل احترام. وتحرك هو يتخطاهم بكل غرور وكبرياء دون النظر إليهما واستقل سيارته.
فتحدثت ريم وهي تنظر إليه: "والله مجنون، وكلامك ده أكد لي أكتر إنه فعلاً مريض نفسي وإن المفروض ياخدوه يعالجوه، مش يسيبوه كده يقرف في خلق الله ويعقدهم في حياته."
نظرت عليه سارة وتحدثت بإعجاب: "بس بصراحة الواد قمر، طول بعرض بعضلات، حاجة كده من الآخر."
ضحكت ريم وتحدثت وهي تتحرك باتجاه سيارتها لتستقلها: "أهو قدامك، روحي فكي له عقدته وحلال عليكي."
ضحكت سارة التي استقلت بجانبها وتحدثت: "ياااريت كان ينفع، بس للأسف مليش في الصعب، أنا بتاعة التجارب السهلة المستقرة، والحمد لله ده كله لقيته في أحمد خطيبي، بس ربنا يبعد عني أمه ورزالتها."
ضحكت الفتاتان تحت أنظار ذلك الجالس بسيارته يدعي مهاتفة لأحدهم، وهو يراقب تعبيرات وجهها ويقرأ حركة شفتيها من تحت نظارته الشمسية الذي يحجب بها عيناه. كان غاضباً إلى حد كبير بعدما فهم من حركة شفتيها ونظرات عينيها عليه أنها وصديقتها يسخران منه ووصفته هي بالجنون. فتوعد لها وأنتوي على أن يضيق عليها الخناق بالشركة ويريها كيف يكون الجنون حتى تفر هاربة من الشركة ولا تعود إليها من جديد، وحتى لا يرى وجهها الذي بات يؤرقه ويصيبه بالاشمئزاز والتشنج كلما نظر إليها ورآها أمامه.
***
في المساء، جاء هشام إلى منزل فؤاد ليطمئن على حالته الصحية. جلست معه فريدة وقصت لهم ما حدث، مما أشعل النار من جديد داخل صدر هشام ولكنه فضل الصمت مؤقتاً.
هلت والدتها وسعدت كثيراً وأردفت بسعادة: "ألف مبروك يا فريدة، ربنا يا بنتي يكتب لك السعد والهنا كله."
على عكس والدها الذي تحدث بقلق: "أيوا يا بنتي بس الكلام ده معناه إنك ممكن تسافري برة البلد في أي وقت؟"
أجابته فريدة بهدوء: "موضوع السفر مش وارد في الوقت الحالي يا بابا، أنا معظم شغلي معاهم هيكون عبر مشاركتي ليهم أون لاين، واحتمال السفر هيكون ضعيف جداً."
تحدثت نهلة بسعادة قائلة: "حتى لو فيه سفر يا بابا إيه المشكلة، حضرتك عارف النقله دي لفريدة معناها إيه وهي لسه في بداية مشوارها كده، ده غير إن أكيد المرتب هيكون مجزي جداً." ثم نظرت إلى شقيقتها وتحدثت بدعابة: "شكلك كده عديتي خلاص يا فيري."
ابتسمت لشقيقتها وترقبت ردة فعل والدها وهشام على الموضوع.
تنهد فؤاد باستسلام ثم نظر إلى هشام الصامت وأردف بتساؤل: "وإنتَ إيه رأيك في الموضوع ده يا هشام؟"
ابتسم هشام بجانب فمه بطريقة ساخرة وأردف قائلاً أيضاً بنبرة ساخرة: "كتر خيرك والله يا عمي إن حضرتك أخدت بالك إني موجود."
نظر له الجميع خجلاً، فحقاً هم تغافلوا وجوده أو على الأقل فريدة هي من تغافلت! وأكمل هو معاتباً: "وبعدين أظن إن رأيي ملوش أي أهمية بالنسبة للباشمهندسة، بدليل إنها أدت موافقتها للباشوات من غير حتى ما تقولي أدوني وقت أعرف البني آدم اللي أنا مخطوبة له، وأشوف رأيه إيه في موضوع السفر."
ابتلعت لُعابها خجلاً، فحقاً هي مخطئة وأردفت بتعقل ونبرة هادئة: "أنا حقيقي آسفة يا هشام، بس أكيد أنا مقصدتش أضايقك أو حتى أوصلك الإحساس اللي حسيته ده، وأكملت مبررة: "أنا وافقت علشان عارفة إنك أكيد مش هتكره لي الخير، ثم إن سليم الدمنهوري زي ما أنتَ عارف، تفكيره عملي ومعندوش حاجة اسمها لما أسأل خطيبي، كده كنت هخلي شكلي وحش جداً قدامه يا هشام."
أجابها وهو يهز رأسه ساخراً: "لا إزاي، أهم حاجة إن شكلك ميبقاش وحش قدام سليم الدمنهوري، لكن بالنسبة لهشام الغلبان يتفلق ويولع."
نظرت له بهدوء، فأكمل والدها: "إنتَ إيه بس اللي مزعلك كده يا هشام؟"
أجابه بنبرة هادئة عكس ما يدور بداخله من بركان: "لازم أزعل لما ألاقي نفسي آخر اهتمامات خطيبتي، لما فريدة تاخد قرارات مصيرية زي دي من غير ما ترجع لي يبقى أنا مليش أي قيمة ولا لازمة عندها يا عمي!!"
تحدثت عايدة بنفي قاطع: "متقولش كده يا حبيبي، ده أنت على العين والراس ورأيك بالنسبة لفريدة أهم رأي، ده أنت هتبقى راجلها وسندها بعد ربنا يا هشام."
أجابه بجدية: "مش باين يا ماما، لو فعلاً فريدة بتعتبرني إني هكون راجلها مكنتش تجاهلت وجودي ورأيي بالشكل المهين لرجولتي ده، وأكمل بضيق: يعني إيه ميكونليش رأي في موضوع يخصني من الدرجة الأولى بالشكل ده!!"
تحدثت فريدة بهدوء: "بس الموضوع ميخصش حد غيري يا هشام، ده شغلي ومستقبلي وأظن إنه ميزعلكش إن يبقى لي كارير في شغلي."
أجابها بقوة ونبرة حادة: "لما مراتي اللي هتبقى في بيتي وأبقى مسؤول عنها تيجي في يوم وتقولي إنها مسافرة برة مصر في شغل ضروري، يبقى ساعتها الموضوع يخصني ولا لأ يا باشمهندسة؟ إنتِ مش هتعيشي حياتك لوحدك يا فريدة، وأكمل بحدة ظهرت بصوته رغم محاولاته المستميتة في السيطرة على غضبه: أنا شريكك في الحياة دي، وبالتالي قراراتنا لازم ناخدها بتنسيق وموافقة مننا إحنا الاتنين، وإلا وقتها حياتنا هتتحول لفوضى."
تحدث فؤاد بهدوء: "اقعد مع فريدة يا ابني واستقروا على رأي، وفي الآخر مش هيتم إلا اللي يرضيك."
وقف وأشار إلى غرفة الضيافة وتحدث: "تمام يا عمي، وأنا بعد إذن حضرتك محتاج أقعد حالاً مع فريدة لوحدنا."
وافق فؤاد ودلفت فريدة مع هشام داخل الغرفة وبقيا بابها مفتوحاً. وتحدثت عايدة بنبرة صوت ملامة: "ملكش حق تقول له مش هيحصل إلا اللي يرضيك، كده طمعته في بنتك يا فؤاد."
أجابها بهدوء: "متقلقيش يا عايدة، فريدة هتعرف تقنعه وهيأتفقوا من غير مشاكل إن شاء الله."
أما بالداخل تحدث ذلك المستشاط بعيون غاضبة ليعلن عن إخراج غضبه الذي كتمه بالخارج مضطراً: "هو ده وعدك ليا يا فريدة؟ إنتِ مش وعدتيني إنك هترفضين أي عرض ممكن يخليكي تشتغلي تاني مع اللي اسمه سليم ده؟"
تحدثت بأسي وعيون حزينة لما أصابه من حزن عند استماعه لذلك الخبر: "من فضلك يا هشام اهدى علشان نعرف نتفاهم كويس، طول ما أنتَ متنرفز بالشكل ده مش هنعرف نسمع بعض."
ابتسم ساخراً وأردف: "أديني هديت يا أستاذة، اتفضلي اتكلمي، أنا سامعك."
أخذت نفساً عميقاً وأردفت بهدوء: "هو أنتَ تكره لي الخير يا هشام؟"
أجابها بهدوء: "أكيد لا، بس لو الخير ده هيكون سبب في خراب حياتنا وخلق مشاكل إحنا في غنى عنها يبقى مش خير من الأساس."
أردفت بهدوء: "المشاكل دي ملهاش وجود غير في دماغك وبس يا هشام، ده خير وفرصة عمري اللي هثبت للكل إني أكبر غبية لو فرطت فيها وسيبتها، ده مستوي وظيفي تاني، عارف يعني إيه أكون مستشارة لشركة عالمية زي دي في سني ده، طب إنتَ عارف مرتبتي كام من الوظيفة دي؟"
أجابها بضيق: "وإحنا مش محتاجين فلوس يا فريدة، إحنا مرتباتنا اتضاعفت وتقريباً خلصنا جهازنا، وأكمل بحب: وأنا بعد كده مش هخليكي محتاجة لأي حاجة خالص، حتى لو هضطر أشتغل شغل تاني بالليل هعمل كده علشان أعيشك في المستوى إللي يليق بيكي وتستحقيه."
هزت رأسها باعتراض وأردفت مفسرة: "يا هشام إنتَ ليه مش قادر تفهمني، أنا مش هاممني الفلوس على قد ما هاممني المستوى الوظيفي وتقدم مستوايا في شغلي بالشكل السريع ده."
وقف بغضب وتحدث بعناد: "وأنا مش موافق يا فريدة."
تنهدت بألم وتحدثت بنبرة حزينة وصوت مختنق: "يا خسارة يا هشام، كان نفسي توفي بوعدك ليا اللي قطعته على نفسك أول ما ارتبطنا، وأكملت بتذكير: لما قولت لي إنك هتقف دايماً في ضهري وهتدعمني لحد ما أوصل لأعلى المناصب في وظيفتي."
أجابها بحده: "وأنا لسه عند وعدي ليكي، لكن بعيد عن سليم الدمنهوري، قلتي إيه؟"
أجابته بنبرة جادة قاطعة وحزينة: "أنا مش هعتذر عن المنصب ده يا هشام."
نظر لها بعيون حادة وأردف قائلاً: "ده آخر كلام عندك؟"
صمتت ولم ترد، ففهم هو وخرج كالإعصار من الغرفة بل ومن المنزل بأكمله.
خرجت إلى والدها الذي تحدث باعتراض: "إنتي كده ممكن تخسري هشام يا بنتي!"
أجابت بقوة: "مش هتوصل للخسارة إن شاء الله يا بابا، هشام طيب، هما يومين وهيهدي ويراجع نفسه تاني."
أردفت عايدة: "ربنا يهديه."
دلفت إلى غرفتها فلحقتها نهلة التي أردفت بحديث ذي مغزى: "أنا شايفة إن القدر بيخدمك وبيعمل معاكي أحلى واجب."
نظرت لها باستغراب فأكملت نهلة بدهاء: "الشغل اللي هيخليكي قريبة من سليم وممكن كمان تسافري معاه، وهشام وغضبه ورفضه للموضوع كله من الأساس، وإنتِ وإصرارك اللي عكس رغبة هشام، واللي ممكن يخليه ينهي موضوع خطوبتكم بمنتهى السهولة، وأكملت بذكاء: وكده تبقى اتحلت من عند هشام نفسه وريح لك ضميرك اللي كان موقفك محلك سر."
نظرت لها بذهول وأردفت بقلب منتفض: "إنتِ بتقولي إيه يا نهلة، إزاي تفكري بالطريقة دي؟"
كادت نهلة أن تكمل فأسكتها حديث فريدة: "من فضلك يا نهلة، سيبيني لوحدي واخرجي."
وبالفعل خرجت نهلة وخرجت هي إلى الشرفة لتشم بعض الهواء لعله يهديء نبضات قلبها وروعه وحزنها على هشام وما أصابه من حزن لأجل ذلك الموضوع.
انتهى البارت.
رواية جراح الروح الفصل الرابع عشر 14 - بقلم روز امين
توالت الأيام والوضع يزداد سوءًا بين فريدة وهشام. هناك من يراقب وضعهما من بعيد. بدأت لبنى ترمي شباكها حول هشام، وذلك حسب الخطة الموضوعة من قبل ذلك المجهول. لكن هشام مازال يبتعد ويضع بينهما حدودًا، حفاظًا على كرامته وكبريائه اللتين أهدرتهما لبنى بالماضي، وأيضًا احترامًا لفريدة.
كانت سميحة تجلس بحديقة منزلها بصحبة زوجتي ابنيها بعدما انتهين من أعمال المنزل. تحدثت سميحة إلى دعاء التي أوشكت على وضع جنينها الثالث.
"لسه الألم اللي كان عندك امبارح موجود يا دعاء؟"
أجابتها دعاء بألم ظهر على وجهها: "لسه والله يا طنط، ده أنا مدوقتش طعم النوم امبارح من كتر الوجع."
أردفت سميحة قائلة بأسى: "معلش يا حبيبتي اتحملي شوية، هما كلهم يومين زي الدكتور ما حدد لك وإن شاء الله يعدوا على خير!"
أردفت رانيا بتساؤل: "لسه بردوا ما استقرتوش على الاسم يا دعاء؟"
أردفت دعاء قائلة بهدوء ووجه بشوش: "هادي اختار له اسم هشام إن شاء الله!"
لوت فمها وأردفت ساخرة: "كنت متأكدة إنه هيسمي هشام، طبعًا، ماهو الأخ الأقرب لقلب هادي."
نظرت لها سميحة وتحدثت بعتاب: "إيه يا بنتي الكلام اللي بتقوليه ده، ولادي كلهم نفس الغلاوة عند بعض، ومش معنى إن هادي اختار اسم أخوه لابنه إنه بيفضلهم على باقي إخواته، كل الحكاية إن الاسم عجبه مش أكتر!"
انتبهن على صوت الجرس للباب الحديدي ونظرن، وجدن لبنى ووالدتها تقفان بالخارج بانتظار فتح الباب. وبالفعل تحركت رانيا ودلفتا للداخل.
كانت لبنى تمسك ببعض العلب المعبأة بالحلوي وأيضًا كيس مملوء ببعض الحلوي الخاصة بالأطفال.
نظرت لهما سميحة وتحدثت: "إيه اللي انتوا جايبينه معاكم ده، تعبتوا نفسكم ليه بس!"
أجابتها منى بهدوء: "يعني إحنا جايبين إيه، دول يدوب حبة بيتي فور على حبة حلويات شرقية!"
تحدثت إليها سميحة بابتسامة شكر: "تسلم إيدك وتعيشي وتجيبي يا حبيبتي!"
نظرت لبنى إلى الأطفال وأردفت قائلة بابتسامة حانية، فهي تعشق الأطفال وتشعر في حضرتهم بالسعادة: "الحلويات دي بقا علشان الأبطال، اتفضلوا يا حلوين!"
هلل الصغار وأخذوا منها الكيس وبدأوا بتفريغ ما به ليتناولوا بعضه.
جلست منى فوق المقعد وتحدثت إلى دعاء: "عاملة إيه يا دعاء في حملك؟"
أجابتها بوجه بشوش: "الحمد لله يا طنط، هانت إن شاء الله!"
ثم نظرت إلى رانيا وتحدثت: "أزيك يا رانيا وإزي حازم؟"
أجابتها بابتسامة: "الحمد لله يا طنط كلنا كويسين!"
تحدثت سميحة إلى شقيقتها: "وحشتيني أوي يا منى، طمنيني كمال أخبارة إيه؟"
أجابتها بهدوء: "الحمد لله يا سميحة، كلنا بخير!"
نظرت رانيا إلى لبنى وأردفت قائلة بتخابث: "متيجي معايا يا لبنى نعمل لهم شاي ونجيب معاه حبة بيتي فور." وأكملت مفسرة طلبها: "أصل دعاء الحمل تاعبها زي ما أنتِ شايفة وأنا بصراحة مش بحب أدخل المطبخ لوحدي!"
وبرغم عدم تقبل لبنى لشخص رانيا التي يبدو على وجهها علامات الخبث، إلا أنها وافقت ودلفت معها للداخل.
تبادلت سميحة مع دعاء نظرات الأسى لعلمهما بشخصية رانيا الثرثارة.
وفي الداخل جلبت رانيا إلى لبنى بعض الصحون ووضعتهم أمامها فوق المنضدة وتحدثت: "اقعدي انتِ ارتاحي ورصي البيتي فور والحلويات على ما أعمل أنا الشاي."
أجابتها لبنى بابتسامة مجاملة: "اوكي."
تساءلت رانيا بفضول: "هو أنتِ هتشتغلي هنا زي ما كنتي بتشتغلي في دبي يا لبنى؟"
أجابتها لبنى بتأكيد: "أكيد طبعًا هشتغل، وقدمت كمان في كذا شركة لكن لسه مستنية الرد."
أردفت رانيا بتساؤل: "هو أنتِ كنتي بتشتغلي إيه في دبي؟"
ردت لبنى باختصار: "كنت بشتغل في الـ HR."
ردت عليها رانيا بتخابث: "طب متخلي هشام يساعدك ويقدم لك في الشركة اللي بيشتغل فيها، على فكرة، هشام علاقته كويسة جدًا بالمدير بتاعه، ده حتى لسه معين ابن عمته مهندس عندهم، يعني لو عرف إنك بتدوري على شغل أكيد ما هيصدق عشان تكوني معاه."
نظرت لبنى إليها وضيقت عينيها بعدم استيعاب وأردفت بتساؤل واستغراب: "تقصدي إيه بـ 'ما هيصدق عشان أكون معاه' دي؟"
ابتسمت وأردفت قائلة بنبرة خبيثة: "على فكرة يا لبنى، أنا عارفة قصة الحب القديمة اللي كانت بينك وبين هشام، وعارفة كمان ومتأكدة إن انتِ مش مجرد قصة وعدت بالنسبة لهشام، بدليل نظراته اللي بتتحول أول ما يشوفك ولهفة عيونه وهو بيبص عليكي!"
انتبهت لها بكل حواسها وأردفت قائلة والسعادة تشع من داخل عينيها، فبرغم أنها ذكية إلا أنها عاشقة حتى النخاع: "بجد الكلام اللي بتقوليه ده يا رانيا؟ يعني انتِ فعلاً شايفة إن هشام لسه بيحبني، ولا بتقولي كده عشان تفرحيني؟"
ابتسمت بخباثة بعدما تأكدت من أن تلك اللبنى مازالت تحب هشام، بل أن الأمر قد وصل بها لدرجة العشق والهيام، وهذا ما كشفته عيناها وأخبرت عنه.
تحدثت رانيا بضحكة خبيثة: "صدقيني يا بنتي زي ما بقولك كده، أنا خبيرة في لغة العيون، وعيون هشام فضحتُه وقالت اللي جواه ومخبيه." وأكملت لدغدغة مشاعرها: "طب انتِ عارفة، أنا عمري ما شفت نظرة الحب اللي بيبص لك بيها دي وهو بيبص على فريدة!"
نظرت لبنى لها وتساءلت بفضول: "هو هشام بيجيبها هنا كتير؟"
أجابتها بوجه مكشر: "وحياتك مجتش هنا ولا مرة، أصل الهانم بتستكبر علينا، عاملالي فيها مهندسة وباصة لنا من فوق أوي." وأكملت بغل ظهر على وجهها: "واللي هيجنني إن خالتك دايماً معاها وبتحبها، أصلها واكلة عقلها ولابسة لهم وش البراءة على طول، بس على مين، أنا الوحيدة اللي عارفة حقيقتها وكاشفاها."
ضحكت لبنى وأردفت ساخرة: "ده انتِ شكلك بتحبيها أوي!"
أجابتها رانيا باقتضاب: "أحبها، ليه، حد قال لك عليا إني مغفلة!"
ضحكت لبنى وأردفت: "شكلنا هنبقى أصحاب أوي يا رانيا، مليني رقم تليفونك عشان أسيفه!"
انتهت من صنع الشاي وصبته داخل الأكواب وحملته بين يديها وتحركت بجانب لبنى التي حملت بين يديها حامل الحلوي. وخرجتا من المطبخ ثم أوقفتها رانيا وأردفت قائلة بتنبيه: "أوعي تسيبي هشام يضيع من بين إيديكي يا لبنى، مش كل يوم هتلاقي راجل يحبك بالشكل ده، هشام فرصتك الأخيرة، أوعي تسبيه للي اسمها فريدة دي تتهني بيه!"
أجابتها لبنى بلؤم: "ودي أعملها إزاي وهو خاطب واحدة غيري؟"
ردت عليها رانيا بغمزة من عينيها: "الراجل من دول زي الطفل الصغير، بيقع من أقل كلمة وضحكة من أي ست، ما بالك بقى لما تكون الحاجات دي كلها من البنت اللي كان بيحبها زمان وبيتمناها؟"
ابتسمتا اثنتيهما وتحركتا للجالسين في الحديقة.
***
داخل مسكن قاسم الدمنهوري.
خرج سليم من غرفته وجد والده يجلس فوق الأريكة يتابع نشرة الأخبار على شاشة جهاز التلفاز. تحرك إليه وجلس بجانبه وتساءل عن والدته. أخبره والده أنها دلفت إلى غرفتها لأخذ قسط من الراحة.
ونظر إليه والده وأردف بنبرة ملامة: "مزعل أمك منك ليه يا سليم؟"
ابتسم وأردف قائلاً: "هي لحقت تشتكي لحضرتك مني؟"
ضحك قاسم وأردف قائلاً: "هي الستات حيلتها غير الندب والشكية يا ابني، دول لو يوم بطلوا يشتكوا ميزان الكون يختل!"
ابتسم سليم على دعابة والده وأكمل قاسم بنبرة جادة: "هي مش بردوا البنت اللي انت مصمم عليها دي مخطوبة يا سليم؟"
نظر له سليم وتحدث قاصدًا بتفاخر: "أيوه يا بابا، الباشمهندسة فريدة فعلاً مخطوبة، لكن ده وضع مؤقت إن شاء الله وهينتهي قريب!"
ابتسم قاسم على صغيره المشاكس وتحدث بنبرة ساخرة إلى حد ما: "هو مش المفروض يا باشمهندس إن المسلم حرام يبص لواحدة مخطوبة لراجل غيره ويحاول يفرق بينهم؟ أومال بتصلي وتقرأ قرآن إزاي بقى؟"
نظر إليه والده وأردف بهدوء: "أكيد طبعًا دي حاجة مكروهة في الدين، وأكيد كمان هأثم عليها من ربنا، لكن في الحقيقة هي هتمنع غلط أكبر هيحصل لو الجوازة كملت!!"
واسترسل حديثه بكلام ذات مغزى ومعنى: "بس تعرف إيه هو اللي حرام أكتر يا بابا؟"
نظر له قاسم باهتمام، فأكمل سليم بأسى: "لما تبقى عارف إن فيه قلبين حياتهم وسعادتهم متوقفة على إنهم يكونوا مع بعض، ومع ذلك تعمل المستحيل وتخطط عشان يتفرقوا، وبالفعل يتفرق بينهم وينتج عن كده إن الحلم يتهد والبنت تتخطب!!"
وابتسم ساخرًا وأكمل بصوت حزين: "وجاي حضرتك تقولي حرام، أنا اللي حرام عليا بردوا يا بابا، حرام عليا عشان بحاول أصلح غلطة هتدمر معاها ثلاث قلوب، طب إزاي؟"
تنهد قاسم بألم ونكس رأسه خجلًا من حديث ولده المحق بكل حرف نطق به، وصمتا كلاهما لعدم وجود أي مقال يقال.
وفي تلك الأثناء جاءت إليهما ريم وندي وتحدثت ندي باستعطاف: "سليم، هو ممكن أجي معاك انت وريم الحفلة بكرة؟"
أجابها مفسرًا: "دي حفلة تبع الشغل يا ندي، صدقيني مش هتكوني مرتاحة فيها، أنا واخد ريم عشان مدخلش لوحدي مش أكتر!"
أجابته بحزن واستماتة: "بس أنا نفسي أحضر معاكم."
تحدث قاسم إلى سليم: "خدها معاك يا سليم عشان خاطري."
هز رأسه بإيماء بعدما فكر جيدًا واستشعر بأن ذهاب ندي بصحبته سيشعل غيرة فريدة وهذا هو المطلوب لإنجاز مهمته.
فتحدثت ندي إلى قاسم بسعادة: "ربنا يخليك ليا يا أنكل!"
ابتسم لها قاسم وأردف: "يلا بقى روحي حضري الفستان اللي هتروحي بيه الحفلة."
ابتسمت وذهبت إلى منزلها متحمسة للغد المنتظر!
نظرت ريم إلى سليم وأردفت بنبرة توسل: "طب ممكن يا سليم عشان خاطري توافق إن حسام هو كمان يحضر معانا الحفلة؟"
أجابها بضيق: "وبعدين معاكي يا ريم، مش اتكلمنا امبارح في الموضوع ده كتير." وأكمل حين رأى الحزن الذي سكن ملامحها من رفضه: "خلاص، هديكي دعوة ليه بس بشرط!!"
نظرت له بلهفة فأكمل هو: "ملوش دعوة بيا خالص ولا عاوز أحس إنه موجود أساسًا."
أردفت بسعادة وهي تحتضنه وتقبل وجنتيه كطفلة صغيرة: "انتَ أحن وأحسن أخ في الدنيا دي كلها."
ابتسم لسعادة شقيقته الوحيدة.
***
كانت تقود سيارتها بحذر لعدم حرفيتها القيادة بعد. تجلس بجانبها شقيقتها نهلة ممسكة بيدها بعض الأكياس المتواجد بداخلها ثيابًا عصرية محتشمة باهظة الثمن. ويجلس بالأريكة الخلفية للسيارة أسامة وهو يفتح بعض الأكياس كيساً يلو الآخر قائلاً بسعادة: "أيوا بقى يا فريدة يا جامد، هو ده اللبس ولا بلاش، مش التي شيرتات اللي ماما كانت بتجيبهالي من أسواق الجيزة والموسكي!!"
أجابته فريدة باعتراض وأمتعض وجهها: "أوعى تقول الكلام ده قدام بابا ولا ماما يا أسامة عشان متجرحهومش، وبعدين مالهم أسواق الجيزة والموسكي، ما معظم البلد بتلبس منهم والحمد لله مستواهم كويس." وأكملت بيقين: "احمد ربنا يا حبيبي عشان ربنا يزيدك خير ونعمة!!"
اعترضت نهلة وأردفت بسعادة: "بصراحة بقى يا فيري الفرق بينهم وبين المحلات اللي اشترينا منها دي، فرق السما من الأرض، وأكملت بذهول: ده مستوى تاني وذوق تاني وأسعار تانية خالص، دي حتى البنات اللي بتبيع مستواهم غير." وأكملت بدعابة وهي تنظر للخلف على أسامة: "أوعا يا أسامة تقول لماما على أسعار اللبس ده، للمسكينة يا حرام تروح مننا."
ضحك ثلاثتهم وأكملت فريدة: "ماما لو عرفت تمن اللبس اللي اشتريناه ليها مش هتحطهم على جسمها."
تحدث أسامه بسعادة: "ربنا يخليكي لينا يا فريدة ويخلي لنا الشركة الألمانية ومكافأتها الجامدة."
ابتسمت وسعد داخلها لسعادة أشقائها التي ملأت قلوبهم وعيونهم من مجرد اقتنائهما مجموعة ثياب عصرية وغالية الثمن.
تحدثت نهلة بإطراء: "بس عاوزة أقولك إن الفستان اللي اشتريتيه لحفلة بكرة رهيب، أنا متأكدة إنك هتبقي أشيك وأجمل وأرق بنوتة في الحفلة كلها!"
أردف أسامة قائلاً بتذمر: "بردوا مش موافقة تاخديني معاكي الحفلة يا فريدة برغم إن الباشمهندس سليم عزمني بنفسه؟"
تنهدت وأردفت بضيق: "يا حبيبي قلت لك مينفعش، دي حفلة خاصة بالشركة وكل اللي معزوم فيها رجال أعمال وموظفين، هتروح تعمل إيه هناك؟ وبعدين انتَ ناسي يا أستاذ إنك ثانوية عامة السنة دي ولازم تذاكر كويس!"
أردفت نهلة: "متبقاش طماع يا أسامة وكفاية عليك اللبس الجامد ده."
أردف أسامة بنبرة طفولية: "طب أنا عاوز أتعشى بيتزا وكمان عاوز تورتة آيس كريم نحلي بيها."
ابتسمت له وأردفت بسعادة ورضا: "بس كده، أحلى بيتزا وأطعم تورتة آيس كريم للباشمهندس أسامة." وأكملت بتحذير: "بس بقولكم إيه، خلوا بالكم من كلامكم لما نروح عشان بابا ميزعلش، إحنا مصدقنا إنه وافق نخرج وأجبلكم لبس معايا، مش عاوزاه يحس إنه كان مقصر معانا ولا كان ناقصنا حاجة، اتفقنا؟"
أردف كلاهما: "تمام يا فيري!!"
صفت سيارتها أمام منزلها بعدما ابتاعت ما اشتهته شقيقها وشقيقتها وصعدا إلى مسكنهم وأنقضا يومهم بخير. وباتت هي تتجهز لحفلة الغد التي سترى بها سليم الذي بدأ بتجاهلها التام وتجاهل وجودها من الأساس، وأيضًا هشام الذي أخذ منها موقفًا مؤخرًا ليحثها على التراجع في قرار قبول تلك الوظيفة التي ستقربها أكثر وأكثر من ذلك السليم الذي يكن له عداوة لا يعلم مصدرها.
***
جاء مساء اليوم التالي.
دخلت عايدة إلى غرفة ابنتها بعدما ارتدت ثوبها الذي ابتاعته خصيصًا لارتدائه خلال حفل التوقيع. نظرت عايدة إلى ابنتها وأردفت بإنبهار وعيون متسعة غير مصدقة جمال ابنتها الفتان التي تخفيه طيلة الوقت خلف تلك الملابس العملية: "الله أكبر ماشاء الله عليكي يا فريدة، ربنا يا بنتي يحميكي من العين."
ابتسمت لوالدتها بحب وأردفت بتساؤل: "عجبك الفستان يا ماما؟"
أجابتها عايدة بعيون مبتسمة ووجه سعيد: "اللي أجمل من الفستان هي اللي لابسة الفستان وزادته جمال وحلا."
دخلت نهلة من باب الغرفة وتحدثت بدعابة: "طبعًا يا ست عايدة، ومين هيشهد للعروسة غير أمها."
ابتسمت فريدة بهدوء فأكملت نهلة: "مش كنتي روحي الكوافير أحسن عشان الشياكة تكمل!"
تحدثت عايدة وهي تنظر إلى فريدة: "وهي فريدة محتاجة كوافير، دي الله أكبر بدر منور ليلة تمامه!"
أردفت فريدة بثقة ورضا: "أنا حطيت كحل وملمع شفايف وده كفاية جدًا."
تساءلت عايدة: "مش كنتي كلمتي هشام ييجي ياخدك معاه؟"
تنهدت بألم وأردفت قائلة بنبرة حزينة: "هو مين اللي المفروض يكلم مين يا ماما؟ المفروض لو مهتم وهامه شكلنا قدام رؤسائنا وزمايلنا في الشغل كان كلمني وعدي عليا أخدني ودخلنا الحفلة سوا، بدل ما أنا رايحة كده لوحدي."
نظرت نهلة إلى عايدة وأردفت بتأكيد: "فريدة معاها حق يا ماما، هشام زودها أوي وبين قد إيه هو أناني بتصرفه ده."
أردفت عايدة باستسلام: "ربنا يا بنتي يهديه ويرجعه لصوابه، وإن شاء الله زوبعة فنجان وهتعدي على خير!"
تنهدت فريدة ووضعت لمساتها الأخيرة وذهبت إلى الحفل لحالها.
***
توقفت فريدة بسيارتها أمام المكان المقام به الحفل وترجلت من سيارتها بنفس اللحظة التي ترجل سليم من داخل سيارته باصطحاب فتاة فائقة الجمال ترتدي ثيابًا مثيرة وتضع ميك أب صارخ. لا تدري لماذا تألم داخلها واشتعلت به النيران عند رؤيته باصطحاب تلك الجميلة. انتبهت لهيئة الفتاة وتذكرت أنها هي من كانت بصحبته بتلك الصورة التي نشرها عبر حسابه من عدة أيام.
جاء إليها العامل الخاص باصطحاب سيارات الحضور وصفها لداخل الجراج المختص بالحفل، أمأت له وأعطته مفتاح السيارة.
أما سليم الذي ظل متسمرًا ينظر إليها بانبهار هائل، صرخ قلبه معنفًا إياه يحثه على الركض إليها واحتضانها وتخبأتها داخل ضلوع صدره ليحجب عنها عيون البشر، حتى لا يراها غيره وهي بتلك الهيئة وذلك السحر المبهر للعيون.
وبلحظة عاد لوعيه ونظر إلى ندي التي ترقص من شدة سعادتها لتواجدها معه. تحرك إليها وأخرج صوتًا جادًا ليكمل خطته: "مساء الخير يا باشمهندسة."
ابتلعت لعابها من هيئته وطلته بتلك الحلة السوداء التي تشبه نجوم السينما، وأجابت بنبرة هادئة: "أهلاً يا باشمهندس."
أشار إلى ندي وأردف ناظرًا إلى فريدة ببرود اصطنعه بإعجوبة: "باشمهندسة فريدة، ودي بقى ندي بنت خالي."
نظرت إلى ندي وأردفت بابتسامة مجاملة عكس داخلها: "أهلاً يا أفندم!"
ردتها لها ندي بضيق لعلمها من حسام من هي فريدة وما هي بالنسبة لسليم: "أهلاً."
وتحدث سليم بتساؤل خبيث: "أومال فين أستاذ هشام؟"
تماسكت حالها وأردفت بهدوء: "هشام عنده مشوار ضروري هيخلصه وييجي على الحفلة."
أردف هو ساخرًا متعمدًا: "هو فيه أهم من إنه يدخل معاكي الحفلة في يوم زي ده، دي الليلة ليلتك والمفروض يكون ساندك وواقف معاكي في لحظة زي دي، ولا إيه يا باشمهندسة؟"
نظرت إليه بضيق وتحركت أمامهم تاركة إياهم بانتظار العامل ليصف لهما السيارة. ودلفت هي للداخل تترقب المكان بحذر وبدأت بالنظر حولها لاستكشاف الحضور. وجدت هشام يقف بجانب صديقه علاء. تجاهلت وجوده ودلفت للداخل ووقفت بجانب نورهان وبعض زميلات العمل.
نظر لها هشام بعيون متألمة وقلب حزين لأجل عدم تقديرها له. ثم تفاجأ بدلوف سليم باصطحاب فتاة فاتنة. ارتاح داخله وارتخت أعضاء جسده المشدودة قليلاً عندما وجد داخل عيني تلك الفتاة حب واهتمام بسليم واضحين.
تحرك إلى فايز وقدم له ندي تحت اشتعال فريدة المراقبة له بعينيها ولكن بحذر تام حتى لا يشعر بها هشام.
تفاجأ سليم بوجود هشام داخل الحفل وطار قلبه فرحًا عندما لاحظ تفرق الثنائي ويبدو على وجهيهما الخلاف والضيق.
تحدثت نورهان بفضول: "هي إيه الحكاية يا فريدة، انتِ داخلة لوحدك وهشام داخل قبلك بعشر دقايق، وكل واحد فيكم واقف على ترابيزة لوحده، هو أنتم متخانقين؟"
أردفت فريدة بنبرة هادئة: "خلاف بسيط يا نور."
ردت نورهان باستغراب: "خلاف يوم الحفلة، طب حتى لو فيه خلاف المفروض كنتم تجاوزتوه وحضرتم الحفلة مع بعض عشان شكلكم قدام أصحابكم."
زفرت فريدة وردت باقتضاب من تدخل تلك النورهان: "من فضلك يا نور، مش حابة أتكلم، ياريت تغيري الموضوع!"
أجابتها نور بتصنع الحزن والخجل: "أنا آسفة يا فريدة، أنا كنت حابة أطمن عليكي مش أكتر، بس يظهر إنك زعلتي من اهتمامي!!"
تجاهلتها فريدة لعدم استطاعتها لمجابهة تلك الثرثارة حاليًا.
نظرت أمامها وجدت فايز يشير إليها لتذهب إليه. تحركت بالفعل.
فأردف فايز قائلاً: "إيه يا بنت الجمال والشياكة دي كلها؟ كنتي مخبية الشياكة دي كلها فين يا أستاذة؟"
ابتسمت له وتحدثت بإطراء مشيرة إلى زوجته صفاء: "وأنا هاجي إيه في جمال وأناقة دكتور صفاء، منورة المكان كله يا دكتور."
أردفت صفاء بابتسامة بشوشة: "ده نورك يا باشمهندسة، وألف ألف مبروك على المنصب الجديد، الحقيقة تستاهليه وبجدارة."
ابتسمت فريدة وأردفت: "ميرسي يا دكتور، كلام حضرتك شهادة أعتز بيها."
دخلت أسماء تتشابك الأيادي مع زوجها الحبيب. نظرت إلى علي وتحدثت: "حلو أوي الترتيب يا علي، ده أكيد تحت إشراف سليم الدمنهوري؟"
أجابه بتأكيد: "أكيد طبعًا، ما انتِ عارفة سليم، مبيرضاش غير بالحاجة الكاملة!!"
تحدثت بانتشاء: "فريدة هناك واقفة أهي، تعالي يا حبيبي نسلم عليها."
وبالفعل اتجهوا إليها، أخذت أسماء فريدة داخل أحضانها وأردفت بتودد قائلة: "فريدة، وحشتيني جدًا."
أجابتها بابتسامة بشوشة: "إنتِ كمان يا أسماء وحشتيني."
مد علي يده إلى فريدة وأردف: "أزيك يا باشمهندسة، أخبارك إيه؟"
أجابته بابتسامة: "الحمد لله، أنا تمام، أومال سليم مش معاكم ليه؟"
أجابها علي بلؤم قاصدًا وهو يشير إلى صديقه: "سليم واقف هناك مع مدير الشركة!"
نظرت له بضيق وأجابته بنبرة ساخرة: "أنا بقصد سليم ابنكم على فكرة، وآخر همي هو الباشمهندس بتاعك، مش ناقص كمان غير إني أسأل عنه!"
لم تكمل جملتها واستمعت إلى من يتحدث من خلفها بنبرة مداعبة: "وياتري بقى هشام نور الدين هو أول همك يا باشمهندسة؟"
أجابته هي بنبرة قوية: "بالتأكيد هشام أول وآخر اهتمامي، زي ما أنا بالنسبة له أول وآخر اهتماماته!"
أجابها بنبرة ساخرة: "لا ما هو واضح فعلاً، بدليل إنه بدل ما يدخل الحفلة وإيده في إيدك، فضل إنه ييجي قبلك ومعملش حساب حتى لشكلِك قدام الناس وإنتِ داخلة لوحدك في يوم مهم زي ده!"
أجابته بنبرة ساخرة وحديث ذات مغزى: "بيتهيء لي حضرتك آخر واحد بتفكر وتعمل حساب لشكل أي حد قدام الناس، وأكملت ساخرة: فياريت تبطل تنظير لأن ببساطة فاقد الشيء لا يعطيه يا حضرت!"
لم تستطع أسماء تمالك حالها من قصف جبهة سليم على يد فريدة، فضحكت بصوت عالٍ.
ونظر لها سليم وأردف بتعجب: "يظهر إن ألش الأستاذة عليا عجب أسما هانم!"
ضحكت أكثر وهزت رأسها بإيجاب.
وأردفت فريدة بنبرة جادة: "العفو يا أفندم، هو أنا أقدر حضرتِك."
نظر لعيناها بعيون هائمة بجمالها، وأردف بحديث ذات مغزى هز داخلها: "إنتِ الوحيدة اللي قدرتي على اللي محدش قدر عليه قبلك ولا هيقدر يا فريدة يا فؤاد."
نظرت داخل عيناه وجدته ينظر لها بعيون مستعطفة مترجية بأن ترحم قلبه مما تفعله به.
سحبت عنه نظرها وكادت أن تتحرك من بينهم لولا صوت هشام الذي ثبت حركتها متحدثًا بصوت جاد: "مساء الخير!!"
رد عليه الجميع ومد علي يده له وأردف باحترام: "أستاذ هشام، أزيك."
أكمل بتعارف وهو يشير إلى زوجته: "أقدم لك مدام أسما، مراتي!"
أماء لها هشام برأسه باحترام وأردف: "أهلاً وسهلاً يا أفندم، اتشرفت بمعرفة حضرتك!"
ردت أسما عليه بابتسامة مجاملة: "الشرف ليا يا أفندم!"
نظر سليم إلى هشام وأردف بابتسامة مستفزة وحديث ذات مغزى أراد به معرفة ما إذا كان هذا الخلاف الذي يراه بأم عينيه بسبب تلك الوظيفة أم لا: "ألف مبروك للباشمهندسة فريدة على المنصب الجديد يا أستاذ هشام، وإن شاء الله تبقى نقلة كبيرة ليها وخطوة مميزة في مستواها الوظيفي." وأكمل بابتسامة سمجة مستفزة: "وزي ما بيقولوا، وراء نجاح كل امرأة عظيمة، رجل يُدعى هشام نور الدين!"
نظر له هشام بابتسامة حاول خلفها تخبأة ما يدور بداخله من اشتعال لروحه وكيانه بالكامل. وأردف بهدوء وحديث ذات مقصد: "كله بفضل تخطيطك يا باشمهندس، ولا إيه؟"
ضحك سليم وأردف بنبرة مستفزة: "متتقولش كده يا سيادة المحاسب، كله بشطارة ومجهود الباشمهندسة، أنا ما إلا سبب لتوجيه بوصلتها لطريق نجاحها العالمي إن شاء الله!!"
اشتعل داخل هشام من حديث سليم المستفز بالنسبة له، فcakes تجاهله، ونظر إلى فريدة الحاضر الصامت وأردف قائلاً بهدوء وهو يشير إليها باحترام ويحثها على التحرك أمامه: "بعد إذنكم، مضطر آخد فريدة منكم."
تحركت هي وجاورها الخطوات وتحدث بفحيح: "يا ترى عاجبك تلقيح البيه عليا ده يا أستاذة؟"
أجابته بقوة ونبرة ملامة: "وهو مين اللي أدى الفرصة ليه ولغيره أنه يتكلم يا أستاذ هشام؟ مش سيادتك لما دخلت للحفلة لوحدك ووقوفك بعيد عني لما وصلت ولا كأنك شفتني؟"
تحدث بلهجة حازمة: "فريدة، مش وقت مين السبب ومين اللي غلطان، أنا بطلب منك ولآخر مرة إنك تعتذري عن المنصب ده!!"
نظرت له باستغراب وأردفت بنبرة معاتبة: "يااااه على أنانيتك يا هشام، للدرجة دي مش شايف غير نفسك وغضبك؟ للدرجة دي آخر همك نجاحي وحصولي على منصب بالأهمية دي وأنا لسه في بداية مشواري؟"
أجابها بتأكيد على حديثها: "أديكي انتِ قولتيها بنفسك، منصب بالأهمية دي وإنتي لسه في بداية مشوارك العملي، يبقى إزاي بقى يا باشمهندسة؟" وأكمل بتأكيد: "سليم هو اللي قاصد يرشحك للمنصب ده عشان يخلق مشاكل بينا، فُوقي يا فريدة قبل فوات الأوان."
نظرت له بذهول وأردفت بنبرة منكسرة حزينة: "هو أنا صغيرة أوي كده في نظرك لدرجة إنك شايفني مش جديرة وما أستحقش المنصب، للدرجة دي مش مأمن بقدراتي وبعقليتي؟ كل اللي في دماغك إنك تضايق سليم الدمنهوري وتخليني أرفض المنصب لمجرد إنه هو اللي رشحني ليه؟" وأكملت بنبرة معاتبة وحزينة: "إيه اللي جرالك يا هشام، إزاي اتحولت لإنسان أناني فجأة كده ومبقاش يهمك غير رغباتك وآرائك وبس، حتى لو كانت آرائك دي غلط ونتائجها سيئة بالنسبة للي حواليك."
صاح بها بقوة ولا مبالاة لحديثها وأردف أمرًا: "لآخر مرة بقولك وبنبهك يا فريدة، لو فعلاً عاوزانا نكمل في هدوء يبقى لازم تعتذري عن المنصب ده!!"
نظرت له بكل شموخ وأردفت قائلة بقوة: "وأنا لآخر مرة بقولك أرجوك راجع نفسك وقرارك ده يا هشام."
نظر داخل عينيها الحزينة مطولًا، ثم انسحب من جانبها بهدوء متوجهًا إلى صديقيه علاء وأكرم المتواجدان على منضدة يحتسيان مشروبهما بهدوء!
أما أسما التي وما أن تحركا هشام وفريدة من جانبهما حتى نظرت إلى سليم وأردفت قائلة: "إيه يا ابني الجبروت اللي انت بقيت فيه ده؟"
أكمل علي حديثها قائلاً بنبرة مستفزة: "جبروت إيه اللي بتتكلمي عنه يا أسما، ده الموضوع عدى معاه ووصل لدرجة البجاحة، وأكمل بنبرة ملامة: حرام عليك يا سليم، إنتَ كده ولعت الدنيا أكتر ما هي والعة بينهم، وأكيد بعد كلامك المستفز ده هشام هيجبر فريدة على إنها تعتذر عن المنصب، وبكده هتكون اتسببت في أذية فريدة."
ضحك ساخرًا على حديث صديقه الساخر بالنسبة له وأردف قائلاً: "تفكيرك عقيم ومحدود جدًا يا باشمهندس، فريدة مين اللي هشام هيجبرها على الاعتذار عن المنصب؟" وأكمل بيقين: "فريدة لو أبوها نفسه طلب منها تعتذر وتنسحب مش هتعملها، فريدة عندها حلم ومش هتسمح لأي مخلوق ايا كان هو مين على إنه يعطلها ويوقفها عن تحقيقه!"
نظرت له أسما وأردفت بيقين: "يبقى انتَ قاصد تعمل كده فعلاً عشان فريدة ترفض وهشام يصر على موقفه، ولما فريدة تمضي العقد هشام يسيبها وينهي الخطوبة!!"
نظر له مصدومًا وأردف قائلاً باستهجان: "هي دي فكرتك عني يا أسما؟ إنتي متخيلة إني ممكن أخالف ضميري وأرشح فريدة لمنصب هي متستحقهوش لمجرد إني أحقق أغراض شخصية في نفسي؟" وأكمل باعتراف: "أنا منكرش إني فرحت لما لقيت إن الموضوع ممكن يخدمني في إنه يتسبب في مشكلة ما بينهم، لكن صدقيني أنا كانت نيتي كلها خير وأنا برشحها للمنصب، وفي نفس الوقت مجاش في تفكيري أبدًا إن ممكن هشام يبقى بالأنانية دي ويقف قدام مستقبلها!!"
نظرت له أسما خجلًا وأردفت بأسف: "أنا آسفة يا سليم لو كان كلامي ضايقك، بس بصراحة ومن غير ما أكذب عليك أنا شكيت إن الموضوع مترتب منك من كتر ما هو مظبوط أوي!"
أجابها علي بهدوء: "ده بس عشان ما تعرفيش مبادئ سليم الدمنهوري في شغله!"
***
أما فريدة التي تسمرت بمكانها بعدما تركها هشام شاردة الذهن فيما تفعله، وبدأ عقلها يتساءل، هل هي على صواب أم أن هشام هو من على الصواب؟
فاقت من شردها على صوت هي تتذكره جيدًا قائلًا: "والله زمان يا باشمهندسة، شفتي الدنيا صغيرة إزاي؟"
نظرت إليه نظرات مبهمة وتذكرته، إنه حسام، ذلك الذي أهانها وجرح كبرياءها بحديثه ذاك اليوم المشؤوم، عندما استهان بوجع روحها وحزنها من ما حدث لها على يد صديقه وبمشاركته هو وصديقه علي.
نظرت إليه بكبرياء وأردفت بقوة: "فعلاً يا باشمهندس، صغيرة لدرجة إنها تجمعني في مكان واحد بأكتر ثلاث أشخاص كنت بدعي من قلبي إن وشوشنا متتلاقيش غير في الآخرة، وإحنا بين أيادي رب العالمين!"
نظر لها وضحك ساخرًا وأردف: "إنها سخرية القدر عزيزتي!!" وأكمل معترضًا على حديثها: "بس الحقيقة ومن اللي أنا شايفه إن المفروض الموضوع ميزعلكيش خالص، بالعكس، أنا شايف إن رجوع سليم وظهوره في حياتك من جديد أفادك جدًا مضركيش، بدليل المكافآت اللي نازلة ترف عليكي زي المطر من الشركتين." وأكمل وهو يخمس بيديه بحركة دعابية: "ده غير الله أكبر مرتبك اللي اتضاعف مرتين ونص."
ابتسمت ساخرة وأرادت حرق روحه أكثر بعدما رأت الغل يظهر من بين ابتسامته الماكرة: "ونسيت بالمرة تحسب لي مرتب اللي هيضاف لي من المنصب الجديد، يلا، عشان تكمل الحسبة بالمظبوط."
ضيق عينيه وتساءل بفضول: "منصب جديد؟ هو أنا شكلي فايتني معلومات ولا إيه؟"
نظرت له وأجابت بتسلي: "هو قريبك مبلغكش إنه رشحني لمنصب انضمامي للمجموعة الاستشارية بالشركة ولا إيه؟، لا وكمان اللجنة وافقت واحتمال أمضي العقد كمان شوية!"
انصدم من حديثها هذا وخصوصًا أن عمته كانت قد طلبت سابقًا من سليم ترشيحه هو لهذا المنصب، ولكن كالعادة اختار غيره وفضله عليه.
تمالك حاله وأردف قائلاً بشرود: "مبروك يا باشمهندسة، الحقيقة قريبي مبلغنيش بحاجة." وانسحب معتذرًا لعدم قدرته على الصمود أكثر!
أما هي فاستغربت حالته التي تحولت ووجهه الذي لا يبشر بخير أبدًا.
أما حسام فقد تحرك وهو مشتعل الكيان، ووقف بعيدًا وأمسك هاتفه وأبلغ عمته بكل ما أخبرته به فريدة للتو!!
***
تحركت ريم وندي بجانب سليم.
ابتسم سليم لشقيقته وأحاطها بذراعه وأخذها بين أحضانه برعاية.
نظرت ندي إليهما واشتعلت نار الغيرة بداخلها، كم كانت تتمنى أن تدلف هي داخل أحضانه محلها وتنال شرف عشق وقرب سليم الدمنهوري الذي سينقل حياتها إلى حياة الطرف التي تريدها.
***
داخل فيلا صادق الحسينى.
كان يجلس هو وزوجته الجميلة هناء ووحيدهما مراد، يلتفون حول سفرة الطعام يتناولون عشائهم في هدوء.
مدت هناء يدها لصحن صغيرها تضع بداخله بعض شرائح الجبن!!
نظر لها مراد وتحدث بهدوء: "تسلم إيدك يا حبيبتي!"
ابتسمت له وتحدثت بحنان: "بألف هنا يا حبيبي."
ينظر له والده ويتحدث: "مقولتليش يعني عن تجربة ريم الدمنهوري اللي تمت في المعمل امبارح؟"
امتعضت ملامح وجهه وتشنجت عندما استمع لاسمها الذي بات يؤرقه ويصيبه بالتشنج، ثم تمالك من حاله وتحدث بهدوء ولامبالاة افتعلها لحاله: "مجاتش فرصة!!"
ثم نظر إليه وتساءل: "حضرتك عرفت منين الموضوع ده؟"
أجابه صادق بعتاب: "من دكتور حسين، هو مش المفروض إن حضرتك كنت تبلغني بموضوع مهم زي ده؟"
نظر لصنعه وبدأ بتقطيع الطعام وتناوله بلامبالاة ثم تحدث: "إيه يعني المهم في موضوع زي ده، تجربة ونجحت زيها زي تجارب كتير غيرها، مش أول مرة تحصل يعني." وأكمل بتشكك: "ثم أنا شاكك أصلًا إن التجربة تكون بتاعت البنت دي، دي شكلها بنت مدلعة وفاشلة، واللي يدور عليها يلاقيها سرقاها من طالب زميلها أهبل كانت راسم عليه دور الحب وبتخدعه."
استشاط داخل صادق وتحدث بحده: "مش هتبطل طريقتك السخيفة دي وإنتَ بتتكلم على الناس، وبعدين إحنا في إيه ولا في إيه يا حضرة المهني." وأكمل بلوم: "بكلمك عن اختراع وتجربة ناجحة ممكن تنقل شركتنا واسمنا لمكانة تانية وإنتَ تكلمني عن حب وسرقة وخداع وكلام أهبل، وبعدين ريح نفسك وبطل ترمي الناس بتهم باطلة، البنت محترمة وبنت ناس وكمان مخطوبة لمهندس قد الدنيا."
انقبض داخله حينما استمع من والده قصة ارتباطها. لما شعر بتلك الانقباضة؟ هو لا يدري!
تحدثت هناء مستفهمة: "بنت مين دي اللي بتتكلم عنها يا صادق؟"
تنفس بهدوء وأجابها: "بنت قاسم الدمنهوري، اللي كنا معزومين معاهم من أسبوع عند سيادة وزير الخارجية."
تحدثت هناء بتذكر: "آه، بنت أمال الشافعي، ماشاء الله هي أمال عندها بنت في صيدلة؟"
أجابها صادق بتفاخر: "عندها ريم في صيدلة، وسليم مهندس إلكترونيات، شغال في أكبر شركة ألمانية في مجال الإلكترونيات، هو اللي ورد لي آخر طلبية لتحديث أجهزة مجموعة الشركات." ثم نظر لمراد وتحدث أمرًا: "المهم يا مراد، بكرة تمضي لي معاها عقد تضمن لنا بيه الأحقية بخصوص براءة الاختراع، بما إن التجربة تمت في معاملنا وتحت إشرافنا يبقى لنا أحقية الاستفادة منها." وأكمل: "وعشان نضمن إنها تشتغل معانا بعد تخرجها إن شاء الله، وأنا بلغت دكتور حسين إنه يبدأ في إجراءات تسجيل براءة الاختراع باسمها من بكرة، وبلغتها هي كمان بكده."
تملك الغضب داخله لكنه رد بهدوء اصطنعه بإعجوبة: "أوامرك يا دكتور."
***
داخل شقة قاسم الدمنهوري.
كانت تجوب البهو إيابًا وذهابًا وتفرك يديها ببعضهما من شدة غضبها.
تحدث قاسم الجالس فوق الأريكة بهدوء: "إهدي من فضلك يا أمال، إنتِ كده ممكن يحصل لك حاجة!!"
دارت حول نفسها وتحدثت بغضب تام: "إنتَ لسه بتطلب مني أهدي بعد كل اللي حكيته لك ده؟ البيه ابنك راسم ومخطط لكل حاجة يا قاسم، وظف البنت في منصب مهم في الشركة عشان لو اتجوزها غصب عننا وأخدها معاه لألمانيا الهانم تبقى موظفة ومؤهلة للعيشة هناك." وأكملت بصوت غاضب ولائم لحالها: "أنا اللي غلطانة اللي مسمعتش كلام أماني ورحت لأهلها عرفتهم مقامهم ووقفتهم عند حدّهم!!!"
أردف قاسم باعتراض: "والبنت وأهلها ذنبهم إيه يا أمال عشان تروحي لهم، ابنك هو اللي بيخطط وبيعمل المستحيل عشان يوصل لها، ولا نسيت الكلام اللي وصل لحسام من قلب الشركة اللي البنت شغالة فيها، مش حسام قال لك إن العميلة بتاعته قالت له إن البنت مش مديّة لابنك أي أهمية وبتحترم خطيبها جدًا وبتقدره!"
صاحت بنبرة غاضبة ومازالت تتحرك بجنون: "وإنتَ بقا بتخيل عليك حركات بنات الحواري دي؟ دي واحدة متربية في بيئة متدنية يا قاسم، يعني أكيد راسم وش البراءة والاحترام قدام الكل وهي مش أكتر من حرباية." وأكملت بغل: "بس على مين، إذا كانت هي حرباية وبتعرف تتلون وتخطط، أنا بقا هعرفها هي بتلعب مع مين؟"
نظر لها قاسم بارتياب وتساءل بترقب: "مش مرتاح لكلامك يا أمال، ياترى ناوية على إيه؟"
أجابته بابتسامة ساخرة: "ناوية أواجه العدو وأروح له لحد خندقه بنفسي، وكفاية عليا دور المدافع لحد كده!"
***
داخل الحفل.
تجهز الجميع لإمضاء عقد اتفاقية الشراكة بين الشركتين وإدماجهما معًا. وقف سليم بجانب مدير الشركة الألمانية ويليه من الجانب الآخر فايز مدير الشركة المصرية. وبدأ بإمضاء العقود مع التصفيق الحار من جميع الحضور. وجاء الدور على فريدة لإمضاء التعاقد مع الشركة لاستلام منصبها الجديد، تحت استغراب زملائها بالعمل لعدم علمهم مسبقًا بتلك الخطوة، وخصوصًا نورهان التي كانت على وشك الإصابة بنوبة قلبية من شدة غضبها وحسرة قلبها على ما وصلت إليه غريمتها بالعمل من علو شأن!
أمسكت فريدة بقلمها وكادت أن تضع إمضاءها فوق ذلك العقد اللعين. توقفت فجأة ورفعت بصرها إلى هشام الواقف بعيدًا يترقب ما إذا كانت ستلقي بكلمته عرض الحائط وتمضي هذا العقد اللعين، أم ستشتري خاطره ورضاه؟
نظرت له وجدت بعينيه تحذيرًا وغضبًا ولأول مرة تراه.
فتنهدت واهتز قلمها.
نظر إليها سليم الواقف بجانبها وتنفس بهدوء مترقبًا قرارها الأخير!!
هل ستتراجع فريدة عن إمضائها لذلك العقد لأجل إرضاء هشام؟ أم أنها ستتجاهل اعتراضه وتمضي قدما في تحقيق حلمها؟
رواية جراح الروح الفصل الخامس عشر 15 - بقلم روز امين
نظرت إلى هشام، وجدت في عينيه تحذيراً وغضباً، ولأول مرة تراه.
تنهدت واهتز قلمها.
كادت أن تتراجع لإرضائه وإرضاء خاطره، لكنها في لحظة حسمت أمرها.
يكفيها خسارتها لحلمها السابق على يد سليم، فلن تتنازل هذه المرة عن وصولها لذلك المنصب العريق لأجل هشام الذي لم يهتم سوى بحاله وغيرته وفقط.
أخذت نفساً عميقاً وأخرجته بهدوء، وبكل قوة وثبات.
أمسكت بقلمها من جديد ووضعت إمضاءها على ذلك العقد تحت سعادة سليم التي تخطت عنان السماء.
استشاط هشام داخلها وشعر بطعنة في صدره، وخصوصاً عندما لاحظ سعادة ذلك الواقف بجوارها.
تحرك لخارج المكان بأكمله، تاركاً الحفل الذي لم يبدأ بعد.
استقل سيارته وقادها بغضب تام.
أما سليم، الذي انتفض داخله بسعادة وتراقص قلبه فرحاً.
ثم نظر إليها بعيون تشع سعادة لأجلها ولأجل وضع قدميها على أول درجة بسلم صعودها المهني.
وأردف بعيون سعيدة وصوت عاشق:
"مبروك يا فريدة، ألف مبروك. الوقتِ بس ابتديتي أول خطوة في مشوار صعودك لسلم المجد في مجالك."
نظرت له بتيه، مستغربة شدة سعادته ولمعة عينيه السعيدة لأجلها.
وأردفت بسعادة:
"متشكرة يا باشمهندس، بجد ميرسي على وقوفك معايا."
أجابها بصوت حنون:
"عمري ما أسيبك يا فريدة، هفضل واقف جنبك طول الوقت حتى لو كان غصب عنك."
فاقت على صوت فايز الذي صافحها مٌهنئاً بسعادة.
وأيضاً معظم زملائها، حتى الحاقد منهم.
أتت إليها أسما التي احتضنتها وهنأتها.
تلاها علي وأيضاً نورهان.
***
كانت تجلس فوق مقعدها داخل شرفتها.
استمعت لهاتفها فأردفت سريعاً وبلهفة:
"اتأخرتي ليه؟ أنا مستنية تليفونك ده من بدري."
أجابها المتصل:
"اسمعيني كويس وركزي علشان معنديش وقت. هشام خرج غضبان من الحفلة، هو حالياً عامل زي الطفل الغضبان اللي لعبته اللي متعود عليها ضاعت منه ومش عارف يوصل لها. علشان كده لازم نهديه ونشغله بلعبة جديدة وتكون مختلفة، علشان ينشغل معاها وينسى بيها لعبته اللي اتعود عليها."
أردفت لبنى باستغراب:
"هو أنتِ ليه كل كلامك ألغاز كده، أنا مش فاهمة منك حاجة؟"
أجابها المتصل:
"هشام حالياً وحيد وحزين وغضبان من فريدة لأنها فضلت شغلها عليه. حالاً تتصلي بيه وبصوت كله حنان تحاولي تحتويه."
وأكمل بتحذير:
"بس أوعي تجيبي له سيرة فريدة بأي شكل من الأشكال. خليكي دايماً حريصة وذكية في التعامل معاه. اطلبي منه إنه يخرج معاكِ دلوقتي وتسهروا."
تساءلت لبنى:
"طب ولو رفض؟"
أجابها المتصل بنبرة واثقة:
"هيقبل. هو حالياً محتاج يثبت لنفسه إنه مرغوب."
وأكمل بنبرة أمرة:
"حالاً تتصلي بيه."
وبالفعل أغلقت مع ذلك المجهول وهاتفت هشام الذي كان يقود بسرعة جنونية.
فاستمع هاتفه، نظر به ووجدها لبنى.
رد باقتضاب ونبرة حادة:
"أهلاً يا لبنى."
ردت بصوت أنثوي مثير:
"أزيك يا هشام. آسفة لو كنت أزعجتك، أصلي قاعدة متضايقة وقولت أتصل بيك لو فاضي نتكلم شوية، أو حتى لو حابب نخرج نقعد في مكان مفتوح نشم فيه شوية هوا."
أجابها باقتضاب:
"معلش يا لبنى تعبان وبجد مش هينفع."
ثم فكر قليلاً وأردف قائلاً بعناد:
"خلاص يا لبنى، البسي وأنا هعدي عليكِ حالاً."
طار قلبها فرحاً وأغلقت معه وقفزت من سعادتها لترتدي أجمل ما لديها من ثياب.
***
داخل الحفل!
اشتغلت الموسيقى للإعلان عن رقص كل ثنائي معاً.
تحرك فايز مع زوجته الجميلة دكتورة صفاء، وأيضاً مدير الشركة الألمانية مع زوجته، وعلي مع أسما، وأيضاً نورهان وزوجها.
وجميع موظفي الشركتين إلا سليم الواقف بجانب ندي.
وهو ينظر على تلك الفريدة الواقفة تنظر للأمام بشرود وحزن.
نظرت ندي إلى ما ينظر بحقد وغل وأردفت قائلة بتمني:
"بليز يا سليم ممكن ترقص معايا؟"
نظر لها ثم أجابها بهدوء:
"معلش يا ندي، أنا مبرقصش مع حد."
ضيقت عيناها باستغراب وأردفت قائلة بنبرة ساخرة:
"لا والله، طب ده أنا ياما سمعت عنك حكايات مع بنات تملي مجلدات. حسام ياما حكالي إنكم كنتم بتخرجوا يومياً وبترقصوا مع بنات وكنتم كمان بتسهروا لوش الصبح."
أجابها بعيون حزينة:
"ده كان قبل ما ربنا يهديني وأفهم ديني كويس يا ندي. لما سافرت تعمقت في دراسة ديني وبقيت أدخل على مواقع إسلامية وأبحث في آراء شيوخنا الأجلاء في إزاي نعيش حياتنا ونستمتع بيها وبنفس الوقت ما نغضبش ربنا منا."
ضحكت ندي وأردفت بنبرة ساخرة:
"يعني الناس بتسافر دول الغرب وتنفتح على ثقافات العالم المختلفة وتعيش حياتها بحرية، وإنتَ رحت هناك علشان تبحث في الدين؟"
وأكملت بجهل:
"وبعدين مال الدين بالرقص، إنتَ ليه محسسني إني واقفة قدام شيخ، مش لايق عليك الكلام ده يا سليم."
أجابها بهدوء:
"أنا عارف إني موصلتش لحالة التدين اللي تسعدني كمسلم وتخليني أفتخر بنفسي، بس الحمد لله أنا واصل لدرجة راضاني وبحاول أوصل للأعلى. ويكفيني إني مبقربش من الكبائر، ولا بقرب من حقوق الناس، لأن أكبر الذنوب هي حقوق الناس بكل أنواعها."
وأكمل:
"يوم البعث ربنا سبحانه وتعالى ممكن يغفر لنا أي ذنوب إلا المرتبطة بحقوق البشر، لازم هما بنفسهم يسامحوا في حقوقهم. وده طبعاً نادراً لو حصل لأن معظمنا وقتها هيكون بيفكر في المكانة الأعلى عند رب العالمين، وبالتالي محتاجين لكل حسنة وكل عمل صالح يقربنا من كده، فهمتي يا ندي."
وأكمل:
"والرقص حرام طبعاً. رقص يعني راجل يقف قدام ست ويقرب منها، يلمس إيديها وكمان كتفها واحتمال وسطها."
ونظر لها بأسف وأكمل:
"تفتكري ده يصح ولا يرضي ربنا؟"
ونظر إلى شقيقته وأردف قائلاً:
"عمرك شفتي ريم رقصت مع حسام؟ طبعاً لا، لأني أنا وبابا قعدنا معاها قبل كده وشرحناها كل الكلام ده."
وأكمل:
"وعلى فكرة يا ندي، أنا مش راضي عن نفسي كل الرضا وأكيد فيه حاجات بعملها غلط، لكن على الأقل بحاول. ما لا يدرك كله لا يترك كله، بمعنى إذا مكناش صالحين بما يكفي ونفذنا أوامر دينا بحذافيرها، منبقاش مفسدين ونهمل نفسنا وننسى تأديبها ونوصل نفسنا بأيدينا للهلاك."
هزت رأسها بإيجاب حتى يصمت لعدم إرادتها الحديث معه بهذه المواضيع أكثر، فقد زين لها شيطانها دنياها فقط وأنسى أخرتها.
***
في تلك الأثناء
كان حسام يقف بجانب ريم وتحدث إليها بغضب تام:
"عرفتي وأتأكدتي إن سليم فعلاً مبحبنيش؟"
أجابته بهدوء تحاول تهدئته:
"متقولش كده يا حسام. أكيد سليم شاف إن فريدة أحق بالمنصب ده منك وأنها هتحقق مكاسب للشركة من خلال وجودها معاهم. واحتمال يكون هيرشحك في أقرب فرصة. وبعدين مش يمكن يكون بيحاول يعتذر لها عن اللي حصل منه زمان."
وأكملت:
"وبصراحة كده يا حسام فريدة دي شكلها متمكنة جداً في شغلها."
نظر لها بضيق وأردف قائلاً باستخفاف:
"شكلها متمكنة، هو بقا بالشكل كمان ولا إيه يا دكتورة ريم؟"
أجابته بتأكيد:
"أه طبعاً. الإنسان الذكي بيبان من نظرة عيونه ومن خلال تعامله مع المحيطين بيه."
في تلك الأثناء أشار إليها شقيقها فذهبت إليه.
جذبها من يدها وتحرك بها إلى مكان وقوف فريدة التي بدورها استغربت.
وبدأ هو بتعريفهما وأردف باحترام وهو يشير بيده إلى فريدة:
"أحب أعرفك بالباشمهندسة فريدة فؤاد، طالبتي النجيبة سابقاً، صديقة العمل حالياً."
وأكمل التعارف وهو ينتقل بيده ليشير إلى شقيقته:
"ودي بقا أختي وصديقتي ريم، طالبة صيدلة في الفرقة الرابعة."
نظرت لها فريدة بابتسامة جذابة وأردفت بنبرة سعيدة:
"أهلاً يا ريم، اتشرفت جداً بمعرفتك."
بادلتها ريم ابتسامتها وأردفت قائلة باحترام:
"الشرف ليا يا باشمهندسة، كان نفسي أتعرف عليكِ من زمان من كتر ما سمعت عنك."
نظرت فريدة إلى سليم بعيون متسائلة وأردفت بدعابة:
"وياترى اللي سمعتيه عني شيء يحسب لي ولا..."
ضحك سليم برجولة أثارت داخل فريدة.
وأردف بابتسامة ساحرة:
"على فكرة إنتِ دايماً ظلماني. أنا عمري ما اتكلمت عنك غير بكل خير، حتى اسألي ريم."
ابتسمت له برضا، وأردفت ريم:
"ده حقيقي على فكرة يا باشمهندسة."
ردت فريدة بوجه بشوش:
"خليها فريدة وبس، ولا عاوزاني أقول لك يا دكتور؟"
ابتسمت بوجه جميل وأردفت بسعادة:
"ده شرف ليا إنك تشيلي الألقاب ما بينا، ويا ريت لو نبقى أصحاب."
ابتسمت فريدة بوجع وأجابتها بقلب حزين لعدم استطاعتها لتحقيق تلك الرغبة:
"إن شاء الله يا ريم."
ثم انسحبت بهدوء تحت تألم سليم ووجع روحه.
تنهد بأسف فحدثته ريم بصوت حزين:
"أنا آسفة يا حبيبي، والله آسفة."
نظر لوجه شقيقته وقبل رأسها وأردف قائلاً بهدوء:
"متتأسفيش يا ريم، ده قدر ربنا، وإن شاء الله اللي جاي كله خير."
***
وقفت بجانب أسما التي حدثتها بأسف:
"هو خطيبك مشي خلاص وساب الحفلة؟"
أخذت نفساً عميقاً وأخرجته كي تهدأ، ثم أردفت بنبرة حزينة لم تستطع السيطرة عليها:
"للأسف."
نظرت لها بأسف وأردفت بتردد:
"فريدة، ممكن أتكلم معاكي بصراحة؟"
نظرت لها فريدة وهزت رأسها بتأكيد فأكملت أسما حديثها بنبرة هادئة:
"أنا عارفة إني مليش الحق في إني أتكلم في موضوعك مع خطيبك، بس بصراحة إنتِ وهو وكمان سليم صعبانين عليا أوي."
وأكملت بتيقن:
"على فكرة خطيبك حاسس بحب سليم ليكي، وممكن كمان يكون حاسس باللي في قلبك ناحية سليم واللي غصب عنك مقدرتيش تتخلصي منه وتنسيه."
نظرت إليها بأسف وأردفت بنبرة صوت تتألم ويكاد أن يصرخ:
"وتفتكري أنا مبسوطة بكده يا أسما. أنا قلبي جواه نار والعة مبتهداش، نار وجعي على حالي واللي وصلت له، ونار وجعي ووجع ضميري على هشام اللي بجد ميستاهلش مني كده، و..."
وكادت أن تكمل ولكنها تراجعت وفضلت الصمت.
فأكملت أسما:
"ونار وجعك على وجع سليم وتيهة حياته من بعدك. سيبي هشام وريحيه وريحي نفسك يا فريدة، صدقيني إنتوا التلاتة هترتاحوا لو الخطوبة دي انتهت."
ابتسمت بجانب فمها بطريقة ساخرة ثم أردفت لإنهاء الحديث:
"إيه رأيك في ترتيبات الحفلة، حلوة مش كده؟"
تيقنت أسما من أنها تريد إنهاء المحادثة فأحترمت رغبتها وغيرت مجرى الحديث.
وبعد مدة قرر ذلك العاشق أن يهدي حبيبته غنوة علها تشرح ما يكنه داخل قلبه العاشق لها ويجعلها تفكر فيما عليها فعله لأجل إحياء قلبيهما معاً.
وقف أمام الجميع وأمسك بالميكروفون وظبط صوته ببعض التقنيات الحديثة التي يجيدها بحكم مجاله، ليتلائم مع صوت الموسيقى.
مع انتشاء جميع الحضور وانتباه أذهانهم مع ذلك الوسيم.
عدل من وقوفه ليكون باتجاه بوصلتها، ولكنه نظر للسماء لعدم جذب الانتباه إليهما وذلك حفاظاً على مظهرها العام أمام الجميع.
وبدأ بالغناء غنوة "عارفة" ذات اللحن الرائع والرقيق.
وتغنى بصوته العاشق العذب:
عارفة، من يوم ما قابلتك إنتِ، واحتل هواكِ مدينتي
وبقيتي في لحظة أميرتي، أيوه أميرتي أميرتي
وعارفة، أن نفسي تكوني حلالي، وحبيبتي وأم عيالي
ونعيش العمر أنا وإنتِ، بس أنا وإنتِ أنا وإنتِ
وعارفة، أنا هفضل طووول العمر معاااكِ، معاااكِ
مهما الأياااام طالت وياكِ، طالت ويااااكِ
هو أنا مجنون علشان أنساكِ، أنسااااكِ
آه يا أول فرحة تمسح دمعة عيني
وأستغرب لييييه طولتي علياااا
لا متجاوبيش استني شوية، شوية
أصل أنا برداااان دفي لي إيديا
وخديني في حضنك وبوسيني على جبيني
كانت تستمع إلى صوته الهائم وكلماته الموجهة كسهام إلى ذلك القلب العاشق حتى النخاع.
فما بيدها لتفعله؟
فدائماً ما يخونها ذاك القلب العنيد.
كان ينزف ويصرخ ألماً، يريده، يريد قاتله وجارح نبضاته، يصرخ ويكاد يجذبها عنوةً عنها ويومي بها داخل أحضانه الدافئة لتنعم بها.
لكن عقلها يحثها على الرجوع ويصرخ بذلك القلب الساذج ويحدثه:
"استفق أيها المغفل، فهذا السليم هو من جعلك تنزف خلال تلك السنوات الحزينة الماضية، هو من جعلنا نعيش تلك الليالي الحالكة الخالية من النجوم، تلك الليالي قاسية البرودة."
"أبعد كل ما عايشته من آلام تريد الارتماء داخل أحضانه الخائنة تلك؟ استفق وعد لرشدك أيها الأحمق."
تنهدت بألم لما أصبحت عليه.
أمسكت حقيبتها وتحركت للمغادرة فأوقفها علي بتساؤل:
"رايحة فين يا فريدة، الحفلة لسه مخلصتش."
أجابته بصوت يكسوه الألم:
"بالنسبة لي خلصت من بدري يا باشمهندس."
نظر بأسف لحالتها المزرية فأردف بهدوء:
"طب تعالي كملي سهرتك معانا أنا وأسما وسليم وريم. هنخرج نقعد في أي مكان هادي. إنتِ أكيد محتاجة تهدي أعصابك وتغيري جو."
أجابته بابتسامة شاكرة:
"متشكرة يا علي، بس أنا للأسف تعبانة وكل اللي محتاجاه حالياً هو إني أروح مش أكتر."
نظرت على ذلك الذي ينظر إليها باهتمام يترقب قرارها، فأصابه الإحباط حين رأى تعبيرات وجهها الحزين.
وأكملت بعيون حزينة تنم عن مدى ألمها الداخلي الساكن روحها:
"علي، أرجوك قول لسليم يبعد عني لأني مش هقدر أتخلى عن هشام ولا أسيبه لأي سبب كان. قوله يكمل حياته وينساني ويعتبرني ذكرى حلوة، كل ما يفتكرها يبتسم، ويفتكر إن فيه واحدة حبته بكل ما فيها، لكن القدر كان ليه رأي تاني. قوله كمان إن فيه حاجات لما بيروح وقتها ويعدي، مينفعش ترجع تاني."
أجابها علي معترضاً على حديثها:
"وليه توجعيه وتوجعي روحك بالبعد لما فيكم تكونوا مع بعض. إنتوا فعلاً بتحبوا بعض وتستحقوا تعيشوا إحساس السعادة."
قاطعته بقوة واعتراض:
"حتى إحساس السعادة في حالتنا دي مرفوض لأنه هيتبني على أنقاض قلب كل ذنبه إنه حب وأخلص."
وأكملت بنبرة صوت ضعيف وحزين:
"أرجوك يا علي، قول لسليم فريدة بتقول لك وحياة حبك ليها تنساني وتسيبني أكمل مع هشام في هدوء، وبلاش تتدخل تاني في حياتي."
وأكملت برجاء:
"قوله إنه كده بيوجع روحي وبيحرقها وإني بجد ما أستاهلش منه كده."
ثم تنفست بتألم ونظرت إلى سليم بأسف ينِم عن احتراق روحها وتألمها الشديد.
واستأذنت من علي وتحركت باتجاه فايز وزوجته واستأذنت منهما.
واتجهت من جديد إلى الباب الخارجي تاركة المكان بأكمله.
استقلت سيارتها عائدة إلى منزلها بقلب محمل بالأثقال عكس ما كان يجب أن يكون عليه.
فكان من المفترض أن يكون اليوم هو أسعد أيامها.
ولكن من أين تأتيها السعادة وهي حائرة ومكبلة ما بين سليم وهشام!
انفطر داخلها ولم تستطع التمالك من حالها أكثر فأجهشت ببكاء مرير لقلب حزين لم يعد يستطيع التحمل بعد.
***
في مكان آخر من المدينة
تجلس تلك العاشقة تستند بإحدى ساعديها فوق المنضدة، واضعة كف يدها فوق وجنتها، تنظر له بعيون هائمة تراقب كل كلمة تخرج من شفتيه بقلب عاشق وروح طائرة في سماء عشقه.
كان يخبرها عن كل ما حدث معه خلال فترة سفرها، وكأنه يحتاج من تلهيه من غضبه وألمه من ما فعلته به فريدة أحلامه.
انتهى من حديثه ومازالت هي على وضعيتها وهي تنظر له بعيونها المتلهفة للنظر لعينيه ولشفتيه ولكل إنش به.
ابتسم لها وأردف قائلاً:
"إيه يا بنتي، بتبصي لي كده ليه؟"
أجابته بعيون عاشقة وصوت هائم:
"أقولك بصراحة، للحظة شفت قدامي هشام اللي كنت معاه قبل أربع سنين. وحشني كلامك ونبرة صوتك، وحشني عيونك وإنتَ بتتكلم، وحشني سردك لتفاصيلك. شفتك هشام بتاع زمان، هشام اللي كنت لما بغيب عنه يومين وبعدها نتقابل كان يجري عليا ويقعد يبص جوة عيوني ويبدأ في سرد تفاصيل يومه اللي قضاه بعيد عني."
ابتسم لها بمرارة وأردف قائلاً بتوضيح:
"يمكن الشكل فعلاً شكلي، لكن لا أنا بقيت هشام بتاع زمان، ولا إنتِ فضلتِ على حالك يا لبنى."
ثم ابتسم بعيون ملئها العشق متذكراً معشوقة عيناه.
نعم هي معشوقته ومعشوقة عيناه وقلبه، حتى ولو أغضبته ولم تستمع إليه إلا أنها ما زالت ولا تزال معشوقته المفضلة التي أنسته آلام الماضي بقلبها البريء.
أجابها بنبرة عاشقة كي يقطع عنها أي أمل ممكن أن يجعلها تبني آمالاً وأوهاماً داخلها:
"هشام اللي قدامك قلبه بقى مليان بالغرام، قلبه بقى ملك لفريدة وبس يا لبنى. أنا حبيتها أوي، حبيتها لدرجة إن قلبي مبقاش يدق غير علشانها."
نزلت كلماته عليها وكأنها سواط نزل على جسدها جلد كل إنش به بلا رحمة.
وأردفت بنبرة حزينة:
"أنا عارفة إنك بتحبها، وعارفة إنه مش بإيدك، لكن كمان مش بإيدي أبطل أحبك ولا أخرج حبك من قلبي. الحب قدر، وهو اللي بيختار قلوبنا مش هي اللي بتختاره يا هشام. ياريت كان بأدينا نقدر نعشق ونقدر كمان بسهولة ننسى، أكيد كنا هنبقى أحسن من كده، لكن للأسف، لا بإيدك تبطل تحبها، ولا بإيدي أبطل أتنفس حبك."
نظر لها بتيه وأردف متسائلاً:
"إنتِ لسه بتحبيني يا لبنى، أقصد لسه بتحبيني بنفس درجة الحب بتاع زمان؟"
هزت له رأسها نافية وأردفت قائلة بأسف وعيون شبه دامعة:
"لا يا هشام، أنا مش بس بحبك زي زمان، أنا اتخطيت معاك درجة الحب ووصلت لدرجة عشق الهوس والجنون."
وأكملت بهيام:
"مبقيتش عاوزة ولا قادرة أتخيل نفسي مع راجل غيرك، أنا بقيت بتنفسك يا هشام."
شعر بإحساس متناقض غريب وصراع داخله، ما بين سعادته وشعوره بالفخر برجولته لسماعه اعتراف لبنى بعشقه، هو دون غيره من الرجال.
وما بين كرامته التي تأبى الخضوع لتلك المخادعة من جديد.
وما بين رفضه لحديثها وشعوره بخيانته لفريدة التي لم تستحق منه مجرد شعوره بالسعادة من اعتراف غيرها بعشقه.
هل ستستسلم لبنى بعد اعتراف هشام الصريح بعشقه الهائل لفريدة؟
أم أنها ستظل تحارب من أجل الوصول إلى مبتغاها وهو قلب هشام لا غير.
***
قضى الجميع ليلتهم بقلوب حائرة تائهة وأرواح تملأها الجراح.
فريدة وسليم وهشام ولبنى وحتى ريم التي حزنت لأجل حال شقيقها وما والت إليه هي بأيديها إليه.
صباح اليوم التالي، يوم الجمعة.
تلملمت فريدة فوق تختها تحاول أن تفتح عيناها بتثاقل لتصحو من غفوتها القصيرة التي كانت غير مريحة بالمرة.
مدت يدها بجانبها لتلتقط هاتفها الموضوع فوق الكومود لترى به كم أصبح الوقت.
وجدت الساعة قد تخطت العاشرة.
نهضت واتجهت خارج الغرفة باتجاه المرحاض.
توضأت وصّلت فريضة الضحى وتضرعت إلى الله لتدعوه أن يصلح شأنها ويوجهها للطريق المستقيم.
خرجت من جديد وجدت بهو المنزل خالياً من الجميع.
استمعت لصوت والدتها وشقيقتها يخرجان عليها من داخل المطبخ.
اتجهت إليهما وأردفت قائلة بوخم وصوت متحشرج:
"صباح الخير."
نظرت كلاهما إليها وردوا الصباح وأردفت والدتها بابتسامة:
"تعالي يا حبيبتي اقعدي علشان تفطري."
اتجهت إلى المنضدة الموضوعة بمنتصف المطبخ وسحبت مقعداً وجلست فوقه بتراخي وأردفت باستفهام:
"هو بابا فين؟"
أجابتها والدتها بتوضيح:
"راح مع عمك عزيز يزور واحد صاحبه في الشغل تعبان."
هزت فريدة رأسها بتفهم وتحركت نهلة إليها وأردفت قائلة بتساؤل وهي تجلس بمقابلتها:
"يلا بقا احكي لي على كل اللي حصل في الحفلة، امبارح قولتي لي إنك راجعة مرهقة ومش قادرة تحكي، أظن النهارده بقا مليكيش حجة."
أجابتها عايدة وهي تضع الطعام لصغيرتها:
"يعني هيكون إيه اللي حصل فيها، أهي حفلة زي باقي الحفلات اللي كانت بتحضرها قبل كده."
أردفت نهلة قائلة باعتراض:
"لا طبعاً يا ماما مش زي باقي الحفلات. أولاً الحفلة فيها ناس مختلفة وأجانب من الشركة الجديدة. ثانياً بقا فريدة في الحفلة دي مضت عقد منصبها الجديد، يعني كانت محط الأنظار كلها وملكة الليلة."
تنهدت عايدة بألم وأردفت متسائلة بأسف لعلمها الإجابة مسبقاً وذلك من الحزن الظاهر على وجه ابنتها:
"اللي أهم من ده كله إن هشام يكون ربنا هداه واتكلم معاكي ونهيتوا الزعل اللي بينكم."
صمتت ففهمت والدتها ألم ابنتها ونظرت إلى نهلة بحزن وصمت.
تحدثت فريدة بنبرة جادة:
"ماما، المكافأة اللي أخدتها من الشركة الألمانية مش محتاجة فلوسها في حاجة، وكنت بفكر لو تقنعي بابا في إننا نغير فرش الشقة ونجدد ألوان الحيطان."
هلت نهلة قائلة بحماس:
"ياريت يا فريدة، الشقة بجد محتاجة شوية تجديدات."
غمزت لها فريدة بعينها وأردفت بمداعبة:
"أيوة طبعاً يا نانا، لازم حبة تجديدات علشان لو حد زارنا كده ولا كده الشقة تبقا فخامة وتشرف."
نظرت لها نهلة سريعاً بنظرات تحذيرية تحسها على الالتزام الصمت حين.
تنهدت عايدة بأسف وأجابت بصوت قلق:
"أيوة يا بنات بس تفتكروا بابا هيوافق؟"
ثم نظرت إلى فريدة وأكملت بنبرة حزينة:
"ده أنتِ لو شفتي حالته كانت عاملة إزاي لما أخدتي إخواتك ونزلتي تشتري لهم لبس جديد."
تأففت نهلة وأردفت بتملل:
"بصراحة يا ماما بابا مكبر الموضوع أوي، فيها إيه لما فريدة ربنا فرجها عليها وبقا معاها فلوس وحبت تفرحنا معاها."
أجابتها عايدة:
"بابا واخد الموضوع من ناحية إنه حاسس إنه قصر معاكم ومكانش الأب اللي عرف يسعد أولاده ويسد حاجتهم، مع إني اتكلمت معاه في الموضوع ده أكتر من مرة وفهمته إنه عمره ما قصر معاكم في حاجة، بس تقولوا إيه بقا لدماغه اللي زي الحجر."
استمعن لجرس الباب وقفت فريدة وأردفت بابتسامة:
"ده أكيد بابا، أنا هروح أفتح له."
تحركت إلى بهو الشقة وأخذت حجابها وضعته على شعرها بإهمال فهربت خصلة من شعرها لتزيدها جمالاً وتجعل من هيئتها جذابة إلى حد كبير.
فتحت الباب ونظرت باستغراب عندما وجدت أمامها سيدتان جميلتان ومنمقتان في هيئتهما ويبدو عليهما الثراء.
نظرت أمال إليها وصدمت عندما رأت جمال عينيها الساحرة ووجهها الذي ينم عن شخصية قوية.
كانت ترتدي إحدى البيجامات البيتيه التي تجسد منحنيات جسدها بطريقة تجعله مثيراً ويشهي لكل من ينظر إليه.
بدأتا السيدتان بالنظر إليها باشمئزاز وأردفت إحداهما بغرور وكبرياء وهي تشير إليها بسبابتها باشمئزاز واضح:
"إنتِ بقا اللي اسمك فريدة؟"
استغربت فريدة إلى طريقة هذه المتعجرفة التي لم تسمي لها حتى معرفتها لكي تحدثها بتلك الطريقة المهينة.
فأردفت فريدة باستنكار:
"أيوة أنا فريدة، مين حضراتكم؟"
أردفت أمال بكبرياء وهي تشير من جديد بسبابتها بوجه مكشر ولكن هذه المرة تشير إلى داخل الشقة وأردفت قائلة:
"مش تقولي لنا اتفضلوا الأول وبعدين تسألينا."
أجابتها بقوة ومازالت تمسك بيدها الباب بحركة تعني عدم السماح بالدخول:
"مش لما أعرف الأول مين حضراتكم؟"
تأففت أماني وأردفت قائلة بملل:
"دي تبقى أمال هانم الشافعي، مامت الباشمهندس سليم الدمنهوري. أظن عارفاه كويس."
وأكملت بغرور وهي تشير على حالها بمنتهى الكبرياء:
"وأنا أختها، أماني هانم الشافعي."
ابتلعت فريدة لعابها بتوتر من أثر هذه الزيارة الغريبة والغير متوقعة بالمرة.
تحركت من أمام الباب وأشارت لهما بالدخول وأردفت باحترام:
"أهلاً وسهلاً، اتفضلوا ادخلوا وأسفة لو ضايقتكم."
خطت أمال للداخل بخطوات بطيئة وهي تتناقل بصرها حولها يميناً ويساراً تتطلع إلى المكان باشمئزاز.
وأردفت بكبرياء ووقاحة:
"برغم جهدكم اللي باين في توضيب المكان وريحة النظافة اللي واضحة، إلا إني متأكدة إن شقة رقية اللي بتنظف لي الشقة أرقى وأحسن من كده بكتير."
في تلك اللحظة خرجتا عايدة ونهلة من المطبخ حينما استمعتا لأصوات غريبة داخل منزلهما.
وأردفت عايدة بضيق عندما استمعت لتلك الترهات التي خرجت من فم تلك المتعجرفة التي تقف وتنظر لكل ما حولها باشمئزاز.
أردفت عايدة قائلة بنبرة حادة متسائلة:
"إنتِ مين يا ست إنتِ؟ وشقة مين دي اللي شقة الست اللي بتنظف لك أحسن منها يا عنيا؟"
نظرت أمال إليها باشمئزاز ثم حولت بصرها لشقيقتها وابتسمتا ساخرتان وأردفت أمال وهي تشير إلى فريدة:
"إنتِ أكيد مامتها، صح؟"
أجابتها عايدة بقوة وشموخ:
"أيوة يا روحي، أنا مامت الباشمهندسة فريدة. ممكن بقا أعرف إنتِ مين وبأي حق داخلة بيتنا وبتكلمينا بالطريقة دي؟"
أجابتها أماني بنبرة قوية:
"دي تبقى أمال هانم الشافعي، مامت الباشمهندس سليم الدمنهوري اللي الهانم المحترمة اللي بتقولي عليها باشمهندسة دايرة تحوم حواليه ومشغلاه."
وأكملت بوقاحة:
"فيا ريت بدل ما إنتِ واقفة تتفردي علينا كده تربي بنتك وتعلميها متبصش لأسيادها وتخليها في خطيبها الكحيان، أهو على الأقل شبهها ومن مستواها، ولما تتجوزوا مش هتحس بالنقص لا ليها ولا لأهلها."
وأكملت وهي تتناقل الإشارة بين عايدة وأمال قائلة بكبرياء وغرور موجهة حديثها إلى فريدة:
"أظن إنتِ شايفة بعينك الفرق الشاسع بين أمال هانم الشافعي وبين..."
وضحكت ساخرة وهي تنظر إلى عايدة نظرات تنم على الاستخفاف والاشمئزاز.
هنا لم تتحمل فريدة إهانة والدتها بهذا الشكل المهين من تلك العقربة التي تبخ سمها بوجه البشر دون الاكتراث إلى مشاعرهم.
وقفت بكل شموخ ورأس مرفوعة وأردفت بنبرة حادة:
"اعرفي حدودك كويس وياريت تراعي إنك موجودة في بيتنا، وللأسف ده الشيء الوحيد اللي هيمنعني إني أرد عليكي الرد المناسب اللي يليق بواحدة قليلة الذوق والأخلاق زيك، وأحمدي ربنا إنك وقعتي في وسط ناس محترمين ومتربيين على إنهم يحترموا الضيف حتى لو كان هو مش محترم نفسه ولا محترم الناس اللي موجود في بيتهم. بس لحد كده وكفاية أوي."
ثم نظرت إلى أمال وأردفت بنبرة حادة:
"أنا بصراحة مستغربة إزاي جت لكم الجرأة تيجم لحد هنا وتتكلموا الكلام الفارغ ده برغم إنكم عارفين إني مخطوبة."
ابتسمت أمال بطريقة ساخرة وأردفت:
"وتفتكري إن ده سبب يمنعك في إنك تسعي وتحاولي تخطفي سليم علشان ينقلك من حالة العدم اللي إنتِ عايشاها إنتِ وأهلك دي؟"
وأكملت بإطراء:
"أنا منكرش إنك جميلة وكمان ذكية، بس تفتكري ده كفاية علشان تنولي شرف لقب حرم سليم قاسم الدمنهوري؟"
وأكملت بنبرة تهديدية:
"فوقي لنفسك قبل ما تصحي على صدمة أكبر من صدمتك الأولى."
وأكملت بنبرة شامتة:
"فاكرة، لما سابك ورماكي وسافر لألمانيا؟"
صاحت نهلة بها وتحدثت بكبرياء:
"وأهو راجع لها من تاني ندمان وعمال يلف حواليها ويترجاها إنها تسيب خطيبها ويتجوزها ويسفرها معاه ألمانيا، وهي اللي بتصده ومش معبرة."
وأكملت نهلة بحدة:
"بدل ما إنتِ تاعبة نفسك وجاية لحد هنا تقولي الكلام الفارغ ده لفريدة، روحي قولي لابنك اللي داير يتحايل عليها في كل مناسبة يحترم نفسه ويسيبها في حالها هي وخطيبها."
فتحت عايدة فاها قائلة بعدم استيعاب:
"ابنك مين وسليم مين ده اللي بتتكلموا عنه؟"
وتساءلت:
"الست دي بتتكلم عن إيه يا فريدة، ومين ده اللي سابك وسافر؟"
ضحكت أماني وأردفت قائلة بنبرة ساخرة:
"يا حراااام، بنتك يا مدام شكلها استغفلتك ومقالتلكيش على سليم اللي اداها قلم عمرها ورماها وسابها وسافر لألمانيا."
صرخت بهما فريدة وصاحت بنبرة غاضبة:
"كفاية أوي لحد كده واتفضلوا من غير مطرود، وياريت تطمني على ابنك يا هانم، لإن ببساطة ابنك مكنش راجل معايا بالدرجة الكافية اللي تخليني أفكر إني أسيب راجل بجد زي هشام، علشان أرجع لواحد عمره ما كان راجل معايا."
وأكملت بنبرة ساخرة:
"وأطمني أوي حضرتك، حتى لو كان شيطاني بيوزني إني أحاول أصدق كلامه من تاني، فصدقيني بعد ما شفت حضراتكم أصبح مجرد التفكير في الموضوع مستحيل بالنسبة لي."
وأكملت وهي تشير إلى باب الخروج:
"وياريت بقا تتفضلوا وكفاية أوي لحد كده."
تحدثت أمال:
"ياريت تبقي قد كلامك ده وتنفذيه فعلاً، ساعتها بس صدقيني هحترمك جداً وأبتدي أبص لك نظرة تانية."
قاطعتها فريدة بحدة:
"وأنا مستغنية عن احترام سيادتك الجليل وكل اللي محتاجاه منكم إنكم تنسوني خالص وتخرجوني من تفكيركم."
وتحركت إلى الباب وفتحته بقوة ولكن ارتعبت عندما وجدت والدها بوجهه.
دلف والدها ونظر إلى السيدتين وأردف باحترام:
"هو إحنا عندنا ضيوف؟"
أجابته عايدة بقوة وهي تنظر إلى أمال بنظرة تحذيرية:
"دول غلطانين في العنوان وكانوا خارجين حالاً."
نظرت لها أمال بتفهم وأردفت:
"إحنا آسفين للإزعاج يا مدام."
ونظرت إلى شقيقتها وأردفت بهدوء:
"يلا بينا يا أماني."
أومأت لها أماني بطاعة وخرجا معاً وأغلقت فريدة خلفهما الباب بهدوء، ثم نظرت إلى والدتها بعيون متألمة ودلفت إلى غرفتها.
تبعها نهلة وأغلقت الباب خلفهما.
فتساءل فؤاد:
"بناتك مالهم يا عايدة، ومين الناس دول؟"
سحبت بصرها عنه ومالت على طبق الفاكهة الموضوع فوق المنضدة الصغيرة وأخذت ثمرة موز وبدأت بتقشيرها وتناولها لإلهائه.
وأردفت بلامبالاة مصطنعة:
"أنا عارفة يا فؤاد، إحنا كنا قاعدين في أمان الله ولقينا دول بيخبطوا وبيسألوا عن واحدة."
وأكملت بإلهاء:
"ده أنا حتى مش فاكرة قالوا اسمها إيه، شكلهم كده تايهين وغلطانين في العنوان."
نظر لها وتساؤل بشك:
"طب ولما هما غلطانين في العنوان مدخلاهم الشقة ليه يا أم البنات؟"
تنهدت وأردفت بضيق:
"طلبوا كباية ميه يشربوا، جري إيه يا فؤاد، هو تحقيق ولا إيه؟"
وأكملت وهي تتحرك لداخل غرفة نومهما:
"تعالى غير هدومك على ما أجهز لك الحمام علشان تجهز قبل الشيخ ما يبدأ في خطبة الجمعة وتفوتك."
***
نظرت نهلة إلى فريدة التي وما إن دلفت لداخل الغرفة حتى هبطت دموعها بغزارة وكأنها كانت مكبلة وفك الآن وثاقها.
أسرعت إليها وشددت من احتضانها وحاولت تهدئتها قائلة:
"إهدي يا فريدة ومتخليش كلام ستات تافهة وفاضية زي دول يأثر فيكي بالشكل ده، وعلى فكرة بقا وجودهم هنا النهارده أكبر دليل على رعبهم وخوفهم منك، وده طبعاً مش من فراغ. أكيد مجوش غير لما حسوا بتمسك سليم بيكي وإصراره على حبك."
جرجت من بين أحضان شقيقتها وصاحت كمن لدغتها عقرب:
"متجبليش سيرة البني آدم ده تاني، مش عاوزة أسمع اسمه ولا حتى طايقة أشوفه قدامي."
وأكملت بانهيار:
"أي إهانة حصلت لي في حياتي كلها كانت بسببه وبسبب وجوده في حياتي."
أردفت نهلة وهي تمسك كف يدها بحنان قائلة:
"خلاص يا حبيبتي إهدي ومتعمليش في نفسك كده."
ترجتها فريدة بدموع:
"من فضلك يا نهلة عاوزة أبقى لوحدي شوية."
هزت رأسها بإيجاب وتفهم وخرجت من الغرفة وأغلقت بابها عليها.
وبخروجها انفجرت فريدة وأخذت تبكي بشدة وظلت هكذا مدة حتى استكانت وهدأت وشعرت ببعض الراحة.
أمسكت هاتفها ونظرت باسمه.
لم تعِ لما جاء بخاطرها في ذلك الوقت بالتحديد.
شعرت بالاحتياج إليه وإلى التحدث معه.
كل ما شعرت به في هذا التوقيت أنها تحتاج إلى التقرب منه أكثر.
فحقاً كان قد ابتعدا كثيراً في الآونة الأخيرة ولكنها لن تسمح لذلك السليم بأن يبعدها عنه أكثر.
فكفى بأنه دمر لها حياتها السابقة، لن تعطي له الفرصة من جديد ليُفسد عليها حياتها القادمة مع هشام.
لابد أن تستقوي بنفسها على حالها وتبدأ برفع راية العصيان على ذلك القلب العنيد الفاقد الوعي بكل ما يحدث من حوله، وكل ما يهمه ويشغل دقاته هو عشق سليم وفقط لا غير، ولا يبالي بأي كان.
وبلحظة حسمت أمرها وضغطت زر الاتصال وانتظرت الرد.
كان يجلس وسط عائلته داخل حديقة منزلهم يحتسون الشاي وسط أجواء يوم الجمعة المبهجة وضحكات أشقائه وأصوات أطفالهم وهم يلعبون من حولهم لتضيف بهجة وسعادة للمكان.
وبالداخل توجد نساء العائلة ووالدة دعاء التي أنجبت طفلها الثالث منذ يومين.
يجلسن بجانبها ليطمئنوا عليها.
استمع لصوت هاتفه معلناً عن وصول مكالمة.
نظر لشاشة الهاتف بإهمال وفجأة أجحظت عيناه وتراقص داخله وانتفض قلبه فرحاً عندما شاهد نقش اسمه.
نظر إليه حازم وأردف وهو يوشي له بجانب أذنه ويهمس:
"يلا أجمد شوية مش كده، البت كده هي اللي هتمسك الدفة وتسوق يا إتش."
ابتسم لأخيه بسعادة لم يستطع مداراتها وأردف بعيون هائمة:
"متقلقش على إتش يا حازم، أخوك مسيطر وماسك اللجام كويس."
ضحك حازم برجولة وأردف بفخر:
"راجل يا إتش، تربية حسن نور الدين بجد."
وقف سريعاً ولكن كان الاتصال قد انتهى.
فبادر هو واتصل من جديد وهو يتحرك إلى داخل غرفته التي أوصد بابها خلفه وجلس فوق تخته.
كانت تتقوقع فوق تختها تبكي بشدة على عدم تفهم هشام لحالتها وعدم الإجابة على اتصالها.
حتى استمعت لرنين الهاتف.
فأمسكت الهاتف بلهفة وأردفت بدموع وتساؤل:
"إنتَ فين يا هشام وليه سايبني لوحدي؟"
انفطر قلبه حين استمع لصوتها الباكي وأردف سريعاً بنبرة قلقة متناسياً غضبه منها:
"فريدة، مالك يا قلبي بتعيطي ليه؟"
أجابته بشهقات متقطعة لم تستطع السيطرة عليها:
"أنا آسفة يا هشام والله ما كان قصدي أزعلك، أنا بس كان صعبان عليا منك وكان نفسي تفرح لي وتقف معايا، كنت محتاجة لك تكون واقف جنبي وأنا بحقق أحلامي مش أكتر والله."
أجابها بصوت حنون:
"أنا اللي آسف إني كنت أناني ومفكرتش غير في غيرتي العمياء عليكِ، بس أنا كمان كان صعبان عليا منك لما حسيت إن زعلي مش فارق معاكي، ولا أنا نفسي كنت فارق معاكي يا فريدة."
أجابته بدموع:
"متقولش كده يا هشام، إنتَ غالي، وغالي أوي كمان."
وأكملت بدموع وترجي:
"أنا محتاجة لك أوي يا هشام، أرجوك متبعدش عني وتسيبني لوحدي."
أردف هو قائلاً بذهول:
"يا حبيبتي، للدرجة دي فرق معاكي بعدي عنك اليومين اللي عدوا يا فريدة؟"
وأكمل بحماس:
"خلاص يا حبيبتي، إنسي كل اللي حصل واعتبريه كأنه محصلش."
وأكمل بصوت عاشق:
"أنا بحبك أوي يا فريدة، بحبك ومقدرش أبعد عنك أبداً."
أردفت وهي تجفف دموعها بصوت مترجي:
"هشام هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟"
أجابها بلهفة:
"أؤمريني يا فريدة."
تنهدت وأردفت بانتشاء:
"أنا عاوزة أخرج معاك إنهاردة، نفسي نخرج في مكان فيه ميه وخضرا وهوا نضيف، نفسي أتنفس، حاسة إني مخنوقة أوي يا هشام."
انتفض داخله بسعادة وأردف بدعابة:
"لو أعرف إن بعدي عنك هيغيرك لدرجة إنك تطلبي مني إننا نخرج مع بعض، كنت بعدت من زمان، على الأقل كنت عرفت إني غالي أوي كده عندك."
ابتسمت لسعادته وأردفت بصوت حنون:
"إنت تستاهل كل حاجة حلوة يا هشام."
أجابها بهيام:
"يبقا أنا فعلاً أستاهلك يا فريدة، لأن مفيش أحلى منك، ولا أسعد مني بوجودي معاكي."
وأكمل بتفكر:
"إيه رأيك أتصل دلوقتي حالاً وأحجز لك يخت في النيل لمدة 3 ساعات وأخليهم يجهزوا لنا غدا. بيتهيأ لي النيل هو المكان اللي إنتِ فعلاً محتاجة له."
أجابته بعيون دامعة وصوت حنون:
"ربنا يخليك ليا يا هشام، هو ده فعلاً المكان اللي أنا محتاجة أروحه معاك."
أردف هشام قائلاً بحماس:
"خلاص يا قلبي، أنا هقفل دلوقتي علشان صلاة الجمعة وإن شاء الله هعدي عليكِ بعد أذان العصر."
وتساءل:
"هتيجي معايا بعربيتك؟"
أردفت سريعاً قائلة بنفي:
"لا يا هشام، أنا حابة أروح معاك بعربيتك، محتاجة لك تكون جنبي."
ابتسم بسعادة وأردف قائلاً بصوت مغروم:
"أنا بحبك أوي يا فريدة، خليكي فاكرة كده كويس أوي."
استمعت لطرقات خفيفة فوق الباب فسمحت للطارق بالدخول وأنهت المكالمة مع هشام.
دَلفت ووالدتها تنظر لها بملامح جادة وتساءلت بنبرة حادة:
"بتكلمي مين؟"
نظرت لها بأسف لهدم الثقة بينهما وأردفت:
"ده هشام يا ماما."
تساءلت عايدة وهي مازالت واقفة متصلبة الجسد:
"إنتِ اللي كلمتيه ولا هو اللي كلمك؟"
أجابتها بهدوء:
"أنا اللي كلمته، وهو اعتذر لي وطلب مني ننسى كل اللي حصل، وكمان عازمني على الغدا إنهاردة، ياريت تبلغي بابا إني خارجة معاه بعد أذان العصر."
أومأت برأسها بإيجاب ثم تحركت وسحبت مقعداً وجلست فوقه بجسد مشدود وتساءلت:
"الست اللي كانت هنا دي مامت الباشمهندس سليم اللي جابك المستشفى بعربيته وقت ما كان بابا تعبان، صح يا فريدة؟"
هزت رأسها بإيماء وصمت تام أصابها.
فأكملت والدتها بذهول:
"يااااه يا فريدة، تصدقي إني كنت فاكرة إني عارفة بناتي كويس ومصحباهم، بس طلعت مغفلة بالظبط زي خالة البيّه المحترم ما قالت عليا."
لم تقو فريدة على رفع عينيها في وجه والدتها وأكملت عايدة بتساؤل حاد:
"عرفتيه إمتى وإزاي؟"
تطلعت لوجه والدتها وأردفت بهدوء:
"كان المعيد بتاعي في آخر سنة في الكلية."
شهقت والدتها ونظرت لها وأردفت بعتاب:
"علشان كده مجبتيش تقدير في السنة دي وضيعتي حلمك وحلم أبوكي اللي عاش عمره كله يحلم بيه."
وأكملت بأمر:
"أتفضلي يا أستاذة احكي لي الموضوع كله من أوله لآخره."
أخذت فريدة نفساً طويلاً وأخرجته وبدأت بقص الرواية لوالدتها إلا من بعض التفاصيل الخاصة جداً التي ستزعج والدتها.
وبعد مدة تنهدت عايدة بألم لأجل حال ابنتها ونصحتها بالابتعاد عن ذلك السليم نهائياً والتمسك بخطيبها فهو يشبهها وأيضاً يعشقها وهذا يظهر للعلن.
انتهى البارت
رواية جراح الروح الفصل السادس عشر 16 - بقلم روز امين
وصلت أمال وأماني إلى منزل قاسم الدمنهوري وجلستا معًا.
تحدثت أمال بنبرة قلقة: "أنا قلقانة أوي البنت تتصل بسليم وتقول له على اللي حصل."
زفرت أماني بضيق وأردفت بتعقل: "وإيه المشكلة لو حصل وقالت له؟ هيزعل له يومين وياخد موقف وبعدها يرجع يصفي لك من جديد زي عادته. مش أحسن ما كنا نقعد نتفرج لحد ما تلعب على عقله وتشوفي خيبة أملك في ابنك وهو مدخل عليكي بنت الحواري دي وفارضها عليكي زوجة ابنه."
أكملت بوجه مٌشمئز: "تقولي لي وقتها كنتي هتعملي إيه وتقدميها للناس هي وأهلها إزاي؟"
تنهدت أمال براحة وأردفت بتأكيد: "عندك حق يا أماني. كده أحسن، وعلى رأيك لو عرف هينسى ويسامحني زي كل مرة. سليم طيب ومحترم ومش بيحب يزعلني، وأكيد مش هيخسرني عشان واحدة زي دي."
أردفت أماني بحماس: "المهم دلوقتي إننا اتأكدنا إن البنت مش هتسمح لسليم يقرب منها تاني بعد اللي عملناه فيها قدام مامتها، وكده قفلنا الموضوع وصعبناه عليها خالص."
أكملت بتعقل: "المفروض بقى تحاولي تضغطي على سليم انتِ وقاسم عشان يخطب قبل ما يسافر. لازم سليم يخطب يا أمال عشان ينشغل بخطيبته وينسى البنت دي خالص."
أجابتها أمال: "ده اللي بحاول أعمله فعلاً يا أماني."
في ذلك التوقيت، استمعا لصوت جرس الباب. فتحت العاملة ودلف سليم ووالده، حيث كانا يؤديان صلاة الجمعة داخل المسجد المتواجد في تلك المنطقة الراقية التي يقطنون بها.
ألقيا عليهما السلام وردوه.
ثم اقترب سليم من خالته ومال عليها مقبلاً وجنتيها بحنان وأردف قائلاً باحترام: "إزيك يا حبيبتي، عاملة إيه وعمو عاطف ورامي أخبارهم إيه؟"
أجابته بحب: "بخير يا حبيبي الحمد لله، طمني عنك إنت؟"
وأردفت وهي تغمز له بعينيها: "مفيش خبر سعيد كده يفرحنا قريب؟"
أجابها وهو يقبل جبين والدته باحترام وأكمل: "إن شاء الله قريب جداً يا خالتي."
أردف قاسم وهو ينظر إلى أماني: "الكلمة دي ليا سنين بسمعها، لما خلاص حاسس إنها بقت حلم بعيد المدى."
تحدثت أماني باستماة: "لا، بعيد المدى إيه، إحنا عاوزين نفرح بالباشمهندس قبل ما يرجع لألمانيا."
وأكملت بتفاخر: "ليك عندي حتة عروسة، لما تشوفها هتقضي باقي عمرك كله تشكرني إني كنت السبب في جوازك منها."
سألتها أمال بكبرياء: "بنت مين دي يا أماني؟"
كادت أن تتحدث ولكن قاطعها سليم منهياً الحديث: "يا حبيبتي أنا مش حابب أتعبكم معايا، على العموم قريب جداً هفرحكم زي ما أنتوا عاوزين."
تحدثت أمال بتخابث: "وعد يا سليم؟"
أجابها بثقة: "وعد إن شاء الله يا أمي."
تحدث قاسم لإنهاء تلك المحادثة التي دائماً ما تنتهي بالخلافات الحادة: "متتصلي بعاطف ورامي يجوا وتقضوا اليوم معانا هنا يا أماني."
أجابته: "متشكرة يا قاسم، بس الحقيقة مش هينفع خالص لإن عاطف عازمنا على العشا برة."
***
داخل النيل الساحر وبالتحديد فوق يختٍ صغير، كانت تقف بجانبه يستندان على سور اليخت ويتطلعان بسحرٍ إلى مياه النيل الساحرة وأمواجه العالية المرتفعة للأعلى، وذلك من تأثير مداعبة هواء شهر أكتوبر لأمواجه. حيث كان الهواء يرتطم بالمياه بعنف ويرتفعان سوياً ويتناثران في مظهر رائع يشد البصر والبصيرة.
أغمضت عيناها ورفعت وجهها للأعلى، وأخذت نفسًا عميقًا وأخرجته بهدوء، وكررت تلك العملية عدة مرات حتى حصلت على بعض الاستجمام. ثم ابتسمت بهدوء وهي مازالت مغمضة العينين.
كان كل هذا يحدث تحت أعين ذلك العاشق الذي ينظر عليها بعيون هائمة في سحر وجهها ومظهرها البديع.
أفتحت عيناها بهدوء وحولت بصرها إليه براحة، وجدته ينظر إليها بعيون تشع سعادة وعلى ثغره ابتسامة خفيفة.
ابتسمت له خجلًا وأردفت بنبرة صوت رقيقة: "بتبص لي كده ليه؟"
ابتسم لها وأردف قائلاً بسعادة: "مبسوط وأنا شايفك مستجمعة وأد إيه سعيدة."
انفرجت أساريرها وأجابته بابتسامة سعيدة: "تعرف يا هشام، النيل ده ساحر، ليه تأثير السحر في إنه يغير مودي في لحظات."
نظر لها وتساؤل باهتمام: "بقيتي أحسن؟"
أجابته بابتسامة: "الحمد لله يا هشام، بقيت أحسن كتير."
أتى إليهم العامل وأردف باحترام: "الأكل جاهز يا أفندم."
أجابه هشام بوجه بشوش: "تمام، متشكر جدًا."
ونظر إلى فريدة وأشار لها بالتقدم، وبالفعل تحركا إلى منتصف اليخت حيث المنضدة الموضوع عليها الطعام بعناية.
تقدم هشام وسحب لها المقعد، نظرت له بابتسامة وجلست وأردفت: "ميرسي."
ابتسم لها وتحرك وجلس بمقابلها وبدأ بتناول طعامهما المحبب الذي اختاره هشام بعناية من إحدى المحلات المشهورة.
نظرت له وهي تمضغ قطعة الاستيك الغارقة في صوص الدمجلاس المحبب لديها وابتلعتها ثم أردفت بإعجاب: "الاستيك تحفة يا هشام، هما عاملينه هنا؟"
أجابها وهو ينظر إليها بسعادة: "بألف هنا يا حبيبي، لا يا قلبي هنا مبيعملوش أكل، هما بس بيتعاملوا مع مطاعم معينة وبيطلبوا منهم اللي الزبون بيطلبه، وأنا اللي اخترت لك المنيو عشان عارفك بتحبي الاستيك وورق العنب."
ابتسمت له وأردفت بامتنان: "متشكرة يا هشام، بجد متشكرة على كل حاجة عملتها علشاني النهارده."
أردف بدعابة: "إنتِ تؤمري يا قلبي، أول ما تحسي إنك متضايقة اديني رنة وأنا أظبط لك مودك في دقايق، وأكمل بوقاحة وجرأة: "بس بعد الجواز بقى مش هنحتاج نخرج لو المود اتغير، هنظبطه بعون الله من غير ما نخرج من أوضتنا."
سعلت من شدة خجلها وتوقف الطعام داخل حلقها مما استدعى هشام الإسراع في إعطائها كوب الماء الموضوع أمامها، وتناولت هي القليل منه حتى هدأت، تحت ضحكات هشام الساخرة من هيئتها التي أصبحت عليها من مجرد بضعة كلمات.
وأردف: "خلاص خلاص اهدى يا فيري، كل ده من كلمتين، اومال يوم الدخلة هتعملي فيا إيه، ولا..."
أسكتته بحديثها التحذيري: "هشام، لو مبطلتش كلامك ده هخلي القبطان يلف ويرجعنا تاني للمرسى."
ضحك برجولة وأردف بمداعبة: "إنتَ تأمر يا مالك القلب، الصبر يا إتش، هانت، كلها أربع شهور وتنوري لي حياتي، وساعتها هنقول أحلى كلام وبدون رقابة."
ابتسمت له بقلبٍ مهموم من مجرد ذكره لموعد زفافهما.
وأكملت طعامها ثم أردفت لتغيير مجرى الحديث: "دعاء والبيبي عاملين إيه؟"
علم أنها تريد تغيير الحديث ففهم ذلك جيداً وأجابها: "كويسين الحمد لله، تعرفي إن هادي سمى البيبي هشام؟"
ابتسمت بسعادة لسعادته قائلة: "ماما سميحة قالت لي لما كلمتها من يومين عشان أطمن عليه."
نظر لها وأردف بتأكيد: "إنتِ جاية السبوع طبعاً؟"
أجابته بتأكيد: "إن شاء الله يا هشام، هاجي عشان دعاء."
وأكملت بدعابة: "وكمان عشان أشوف الأستاذ هشام الصغير."
أجابها بسعادة وتمني: "عقبالنا يا فريدة."
ابتسمت خجلًا وأحالت بصرها عنه، وابتسم هو لخجلها الذي يعشقه.
ثم أردف قائلاً بجدية: "إن شاء الله هنعدي على أي جواهرجي واحنا مروحين عشان ننقي الهدية بتاعة البيبي مع بعض."
ردت عليه بتأكيد: "بس بشرط، أنا اللي هحاسب على الهدية بتاعتي، وأرجوك متتنشّفش دماغك وتحجرها زي كل مرة."
نظر لها وتحدث بدعابة: "لا اصحي لي كده وفوقي، هديتك إيه وهديتي إيه، إنتِ عايزاهم يطمعوا فينا كده من أولها، هي هدية واحدة باسمنا إحنا الاتنين وإنتِ اللي هتقدميها، إحنا داخلين على جواز ومحتاجين مصاريف كتير يا ماما."
ابتسمت له وأكملا تناول طعامهما مع حديثهما الشيق معاً.
***
آخر الليل كان يجلس فوق سريره ساندًا برأسه بإهمال مغمض العينين، يتنفس بغضب ويحادث حاله:
"وماذا بعد فريدة؟ ألن تكتفي من العناد والغباء بعد؟ ألم يكفيكِ بعد ما تذوقناه من الآلام والحرمان؟ ماذا تظنين نفسكِ فاعلة أيتها الغبية؟"
وأكمل بغل: "أبكل جرأة ووقاحة تطلبين وده وقربه؟ ماذا دهاكِ يا فتاة، وإلى أين تظنين حالكِ ذاهبة؟"
وأكمل بحنان: "لو أنكِ تيقنتِ أنكِ ملكيتي الخاصة لأرحتِ حالكِ وأرحتني من ذلك العناء! هل صور لكِ غبائكِ أنني سأترككِ ترحلين لأحضان رجلٍ غيري؟ إذاً فحينها قد تثبتين لي أنه ليس لديكِ عقلٌ من الأساس."
وأكمل بقلبٍ يشتعل نارًا: "أنتِ لي بكل ما لديكِ فريدتي، قلبك، عقلك، روحك، وحتى جسدك لم يمتلكه غيري من البشر، وإن حكمت سأقتلك قبل أن يمتلككِ غيري من الرجال، نعم فريدة سأقتلك قبل أن أنهي حياتي معك. فلـيس من العدل أن تحيي أنتِ وأزول أنا."
وأكمل بعشق: "سأمتلككِ فريدتي وقريبًا جدًا ستغفين داخل أحضاني الدافئة، وهذا وعدي لكِ غاليتي، فترقبيه في القريب العاجل، ترقبي اللقاء بعد الفراق. الوصل بعد الهجران. السلام بعد الحرب. التسلم والتراخي بعد العصيان. نعم غاليتي ستوهبيني جسدكِ بكامل الرضا مثلما وهبتيني روحكِ وقلبكِ وكيانكِ. ستوهبيني إياه لنتنعم معًا ولنلتقي في دروب العشق ولنقم بجولاتنا الممتعة سوياً. أنتظرك حبيبتي حين تفوقين من غفلتكِ تلك. سأنتظركِ تأتين إلي وتعلنين عن رفع راية الاستسلام بعد العصيان الذي أدمى قلوبنا. سأنتظرك حبيبتي بقلبٍ صبور هادئ، حتى ثورة اللقاء."
***
داخل منزل فريدة مساءً.
كان الجميع يجلسون بصحبة عائلة عامر التي أتت لخطبة نهلة لولدهم عبد الله، وأيضًا هشام الذي دعته فريدة إلى جلسة الاتفاق، حيث بدأت بتقريبه إليها حتى تحتمي به من تفكيرها الدائم بسليم.
تحدث الأستاذ عامر باحترام: "طبعًا يا فؤاد إحنا جيران وأخوات وأصحاب من زمان، وإنت عارفنا وعارف عبد الله كويس، وعلشان كده أنا يشرفني إني أطلب إيد نهلة لعبد الله ابني، وإحنا تحت أمركم في أي طلبات تطلبوها."
ابتسم فؤاد وأردف قائلاً: "طلبات إيه بس يا عامر اللي بتتكلم عنها، ده أنا أجهز بنتي وأجيبها لحد باب بيتك عشان خاطرِك وخاطر عبد الله اللي يشرف أي بيت يدخله."
أجابه عبد الله باحترام: "ربنا يبارك في حضرتك يا عمي، وأوعدك إني إن شاء الله هحافظ على نهلة وأشيلها جوة عيني."
ابتسمت فريدة وأمسكت كف شقيقتها التي نظرت إليها بحنان وابتسمت بعيون سعيدة.
وأردف عامر قائلاً: "ده من أصلك يا فؤاد، نتكلم بقى في تفاصيل الشبكة والمهر."
أجابه فؤاد بابتسامة وتأكيد: "ما أنا قلت لك يا عامر مليش طلبات، الشبكة دي هدية عبد الله لنهلة وأي حاجة منه أكيد هتفرحها وتسعدها، أما بقى الشقة وفرشها هما اللي هيعيشوا فيها، واللي يريحهم فيها يعملوه."
نظر هشام إلى فؤاد وأردف قائلاً باحترام: "ما شاء الله على بساطة حضرتك ومرونة تفكيرك يا عمي، لو كل أب فكر بطريقة حضرتك صدقني مش هيكون فيه أزمة جواز في البلد أبدًا."
ابتسم له فؤاد وأردف قائلاً بتقدير: "يا ابني أنا لما وافقت عليكم لبناتي، وافقت وأنا متأكد إني هسلمهم لأولاد أصول ورجالة متربيين على طبلية أبوهم، إنت وعبد الله رجالة بجد ويعتمد عليكم، وكفاية إني هكون مطمن على بناتي وهما في بيوتكم."
وأكمل بتساؤل: "تفتكر يا هشام بعد كل ده، ممكن يكون فيه حاجة تستاهل إننا نتكلم فيها ولا نختلف عليها؟"
أجابه هشام وعبد الله معًا: "ربنا يكرم أصل حضرتك يا عمي."
تحدثت اعتماد وهي تنظر إلى نهلة بابتسامة: "نهلة ست البنات وتستاهل أحلى حاجة في الدنيا كلها، وعبد الله هيجيب لها شبكة تليق بأدبها وتربيتها اللي تشرف."
ردت عليها عايدة بوجه سعيد: "ربنا يجبر بخاطرك يا أم عبد الله."
وظلوا يتسامرون ويتبادلون الأحاديث الممتعة لهم جميعًا.
وبعد ذهاب الجميع كانت نهلة تجلس فوق سريرها بسعادة مذهلة. أما فريدة كانت تقبع فوق سجادة الصلاة تقيم صلاة قيام الليل وتتضرع إلى الله داعية بإصلاح أحوال جميع أحبائها.
***
أما داخل منزل كمال وبالتحديد داخل غرفة لُبني.
كانت تجلس حزينة بجانب شقيقها الذي دلف إليها ليطمئن عليها بعدما رفضت خروجها من غرفتها لتناول عشائه.
تحدث ماجد متأثرًا من حالة شقيقته: "أنا مش فاهم إنتي بتعملي في نفسك كده ليه؟ انسى هشام وحاولي تكملي حياتك مع حد تاني يا لُبني، هشام بيعشق خطيبته مش بس بيحبها، وده أنا شفته بنفسي اليوم اللي رحت له فيه الشغل عشان أقابله، أخدني وعرفني عليها، وساعتها شفت في عيونه حب ولهفة عمري مشفته عليها قبل كده."
وأكمل بتذكير: "وبعدين إنتِ اللي سبتيه زمان بمزاجك ومحدش أجبرك، كان فيكي تحكي له الحقيقة، راجعة تاني تبكي على اللبن المسكوب ليه؟"
تململت بجلستها وأكشعرّت ملامح وجهها وأردفت قائلة بنبرة معاتبة: "إنتَ جاي تحاسبني وتلوم عليا يا ماجد؟"
وأكملت بنبرة حزينة مستسلمة: "على العموم وفر كلامك لأني فعلاً خلاص، نويت أكمل حياتي لوحدي، من غير أي حد يا ماجد، لأني بجد مش هقدر أعيش وأكمل حياتي مع حد غير هشام."
نظر ماجد إلى شقيقته بحزن وكاد أن يتحدث، أسكته رنين هاتف شقيقته التي ارتبكت حين نظرت لشاشته ونظرت سريعًا إلى شقيقها وأردفت: "ماجد من فضلك سيبني لوحدي عشان أكلم صاحبتي."
خرج ماجد وضغطت هي زر الإجابة على الفور وأردفت قائلة باقتضاب: "أفندم."
رد المتصل المجهول الهوية بتساؤل: "إيه، بتكلميني كده ليه؟"
أجابتها بنبرة ثائرة: "ولا تكلميني ولا أكلمك، أنا الحق عليا اللي صدقتك ومشيت ورا كلامك واقتنعت إن هشام هيسيب خطيبته ويرجع لي من جديد، بس يظهر إني كنت مغفلة."
ضحك المتصل وأردفت بنبرة ساخرة: "مكنتش أعرف إنك شخصية انهزامية وضعيفة أوي كده، إيه، تعبتي وسلمتي كده من أول جولة؟"
صاحت به لُبني وأردفت بنبرة غاضبة: "طبعًا ما أنتِ مش خسرانة حاجة، أنا اللي حسيت بمنتهى الإهانة اليومين اللي فاتوا في كل مرة اتصلت عليه وكنسل عليا ورفض المكالمة، أنا اللي كرامتي اتبهدلت في الأرض مش إنتِ."
أجابها المتصل بقوة: "في قانون الحب مفيش حاجة اسمها كرامة، فيه حاجة اسمها أحارب بكل السبل والطرق عشان أوصل لقلب حبيبي وأرجعه لحضني من تاني."
وأكمل بنبرة حادة شبه أمر: "فوقي لي كده عشان الموضوع دخل في الجد، هشام لو مش حاسس إن قلبه ابتدى يلين ويحن لك من تاني مكنش هرب من مكالماتك، هشام خايف يسمع صوتك لينهار ويسلم يا لُبني."
انفرجت أساريرها ودلف شعاع الأمل إلى قلبها من جديد وأردفت قائلة بنبرة متلهفة: "تفتكري يكون ده تفكير هشام فعلاً، يعني ممكن فعلاً يكون هشام ابتدى يرجع في حبي زي زمان؟"
أجابها المتصل المجهول على عجل: "ده أكيد، هشام غضبان منك بسبب كرامتك اللي فرمتيها تحت جزمتك زمان، عشان كده قافل على قلبه بميت مفتاح وواهم نفسه وبيحاول يوهم كل اللي حواليه بعشقه لفريدة، هشام كذب الكذبة وصدقها يا لُبني."
وأكمل بإصرار: "وإحنا بقى لازم نفوقه ونرجعه لصوابه."
وأكمل بعملية: "خلينا في المهم، هشام رجع زي الأول مع فريدة وبدأ يرتاح من جديد، هو حاليًا مطمئن وضامن حب فريدة له وحاسس معاها باستقرار، وهنا يبدأ دورك بمحاصرته وبإحياء مشاعره ورجوعها ليكي من جديد، خليه يحس إنه شهريار زمانه اللي الستات كلها هتموت عليه، ومن هنا هيبدأ غروره يصور له ونفسه تحدثه إنه ليه لأ، ليه ميرجعش يعيش إحساس الحب اللي كان معاكي من جديد، وفي نفس الوقت هو مع فريدة وهيتجوزها."
ردت لُبني باعتراض: "بس هشام مش من النوع ده من الرجالة."
أجابها المتصل المجهول بقوة وثقة: "صدقيني كل الرجالة كده، الواحد منهم أول ما يشوف نظرة الرغبة له في عيون الأنثى بيتغر وينساق ورا رغبته الرجولية ويرضي غروره، ويحاول يثبت لنفسه إنه الدكر الوحيد اللي ملوش مثيل في الكون ده كله."
"تخيلي بقى لو النظرة دي كانت من أول حب في حياته، بل والوحيد، وده اللي هشام بيحاول ينكره."
أردفت لُبني بنبرة متحمسة وانسياق تام: "تمام، قولي لي إيه المطلوب مني وأنا هنفذه بالحرف الواحد."
***
داخل منزل حسن نور الدين.
كانت تصعد لسلم الطابق الرابع وجدت رانيا تفترش درجات السلم وتتحدث في هاتفها، أغلقت سريعًا حين وجدت سميحة بوجهها.
نظرت لها سميحة بريبة وأردفت متسائلة: "رانيا، إيه يا بنتي اللي مقعدك هنا، وبتكلمي مين في الوقت المتأخر ده؟"
ارتبكت وأردفت قائلة: "كنت عايزة أكلم ماما والشبكة ضعيفة تحت فقولت أطلع أكلمها هنا، منه الشبكة قوية ومنه كمان أكون بعيدة عن الدوشة اللي تحت دي كلها."
وأكملت بضيق: "بصراحة يا طنط أهل دعاء مزودينها أوي، كل يوم مامتها وأخواتها وولادهم هنا، لدرجة إني بقيت حاسة إننا قاعدين في شارع مش في بيت."
أجابتها سميحة وهي تضع مفتاحًا داخل باب الشقة الخالية وتدلف للداخل: "مش أهلها يا بنتي وبييجوا يطمنوا عليها."
أجابتها رانيا وهي تدلف خلفها داخل الشقة وتتطلع حولها باستطلاع وفضول: "أنا مقولتش ميجوش يا طنط، بس يعني مش كل يوم ييجوا من بعد أذان الظهر وميمشوش غير آخر الليل، المفروض يراعوا إن البيت فيه ناس ومحتاج يرتاح."
تنهدت سميحة وصمتت لصحة حديث رانيا.
فأردفت رانيا قائلة بتساؤل: "ساكتة ليه يا طنط؟"
تحدثت سميحة بهدوء: "هتكلم أقول إيه بس يا رانيا، أدينا متحملين لحد السبوع ما يعدي ودعاء تبقى أحسن، وأكيد بعد كده مامتها بس هي اللي هتيجي تطمن عليها."
وأكملت: "تعالي شيلي معايا طقم الصيني ده ننـزله عشان نستخدمه يوم السبوع."
أردفت رانيا قائلة بنبرة متسائلة: "هي فريدة جاية مع أهلها تحضر السبوع يا طنط؟"
أجابتها بتأكيد: "إن شاء الله جاية."
أردفت بنبرة لئيمة: "مظنش إنها هتتنازل وتوافق تيجي عندنا هنا."
زفرت سميحة بضيق وأغمضت عينيها باستسلام وأردفت قائلة: "أنا مش فاهمة إنتِ حاطة فريدة في دماغك ليه يا رانيا، ياريت تشيليها هي وهشام من دماغك وتعالي ننزل الحاجات دي عشان نغسلها ونجهزها ليوم السبوع."
اغتاظت من دفاع والدة زوجها المستديم لتلك التي تدعي فريدة وحملت معها الأشياء وقامت بتنزيلها للطابق الأرضي.
ثم صعدت من جديد ودلفت لداخل مسكنها الخاص وجدت الشقة هادئة.
دلفت غرفة طفليها وجدتهما غافيين بسلام فوق سريرهما مندثران تحت غطائهما، حيث اهتم بهما حازم.
قبلتهما وخرجت متجهة إلى غرفة نومها.
دلفت وجدت زوجها يقبع فوق السرير ساندًا ظهره براحة على ظهره، واضعًا جهاز اللاب توب فوق ساقيه وينظر به حيث يستمع إلى فيلم سينمائي وهو مبتسم.
نظرت له بضيق وأردفت قائلة بتهكم: "خليك إنتَ قاعد لي كده طول الوقت قدام اللاب توب وسايب الدنيا تضرب تقلب."
نفخ بضيق ونظر إليها باشمئزاز وأردف ساخرًا: "أهلاً بخميرة عكننة حياتي."
نظرت إليه بوجه غاضب وأردفت قائلة بصياح: "حااازم، إمسي ولم نفسك، وبدل ما تقعد تتمسخر عليا روح شوف إخواتك واللي بيعملوه."
نظر لها بضيق وأردف: "وعملوا لك إيه بقى إخواتي هما كمان إن شاء الله؟"
تحركت بعد أن بدلت ثيابها، جلست بجانبه وتحدثت: "قصدي على هشام اللي بابا قرر يدي له الفلوس اللي كان شايلها في البنك، عشان البيه يجيب فرش يليق بالليدي فريدة فؤاد."
أجابها بهدوء: "طب وإنتِ إيه مشكلتك مش فاهم، واحد هيساعد ابنه في جوازه وده الطبيعي، إيه بقى اللي مزعل جنابك؟"
ردت عليه باقتضاب ونبرة غاضبة: "يساعده على حسابكم؟ هي الفلوس دي مش المفروض بتاعت شقة فيصل اللي عمي باعها السنة اللي فاتت، يعني المفروض كلكم ليكم نصيب فيها، إزاي بقى يديها كلها لهشام؟"
أجابها بضيق: "أولاً محدش له حاجة طول ما بابا موجود وعلى وش الدنيا، ثانيًا بقى هو حر يدي فلوسه للي هو عاوزه، وبعدين ده حق هشام عليه، بابا ساعدنا كلنا في جوازنا وكل واحد فينا له شقة هنا حتى مصطفى اللي لسه بيدرس، هشام الوحيد اللي اشترى شقة لنفسه، يبقى من الطبيعي إن بابا يساعده في الفرش اللي هيفرش بيه شقته."
اغتاظت وأجابته بغيرة واضحة: "كان ممكن يدي له جزء يساعده بيه ويجيب أي فرش وخلاص، لكن إزاي، البيه أخوك عاوز يفرش شقته من أفخم محلات الموبيليا، على أساس إن فريدة هانم عايشة في جاردن سيتي مش في العمرانية."
زفر بضيق وأردف وهو يتحرك بغضب واضعًا اللاب توب فوق الكومود: "خليكي إنتِ اهرى كده مع نفسك وأنا نازل وسايب لك الشقة كلها تشبعي بيها."
وارتدى ثيابه ونزل للأسفل يجلس بجانب والده ووالدته المتواجدان داخل حديقة المنزل.
***
بعد يومين كانت فريدة تعمل داخل مكتبها.
دلت عليها نجوى تتحرك بدلال قائلة: "أنا قلت طالما إنتِ ما بتسأليش أسأل أنا وأجي أشرب معاكي مج نسكافيه."
وأكملت بدلال: "هو إحنا مش أصحاب ولا إيه يا فريدة؟"
تفاجأت فريدة بزيارتها غير المرحب بها بالمرة.
نظرت إليها وأردفت بهدوء وهي تشير بيدها: "أهلاً يا باشمهندسة، اتفضلي."
ورفعت سماعة هاتف المكتب وطلبت من عامل البوفيه كوبًا من النسكافيه.
فأردفت نجوى بدلال: "مطلبتيش لنفسك نسكافيه ليه؟"
وأكملت بدعابة: "ولا مش حابة تشربي حاجة معايا؟"
أجابتها فريدة بنبرة جادة: "مش قادرة أشرب حاجة يا باشمهندسة، ويا ريت تدخلي في الموضوع على طول عشان عندي شغل مهم لازم يخلص النهارده."
اشعلت داخلها من معاملة تلك فريدة التي لا تتقبلها كصديقة أبدًا.
وأردفت قائلة بابتسامة سمجة: "تمام، أنا فعلًا ليا عندك طلب وكنت حباكي تخدميني فيه."
نظرت لها فريدة وأردفت قائلة بترقب: "اتفضلي أنا سمعاكي، ولو في إيدي أساعدك أكيد مش هتأخر."
انفرجت أسارير نجوى وتشجعت قائلة: "بصي يا فريدة، أنا شايفه إن علاقتك بالباشمهندس سليم بخصوص الشغل هايلة، فده شجعني إني أجي وأطلب منك تتوسطي لي عنده بإنه يعينى معاه في الفرع الرئيسي لشركتهم في ألمانيا، نفسي أسافر أشتغل هناك أوي."
ابتسمت فريدة بجانب فمها بطريقة ساخرة وأردفت: "أولاً أنا علاقتي بالباشمهندس سليم علاقة جافة جدًا، ومش معنى إنه رشحني للمنصب اللي اتعينت فيه إنه جامّلني، أو إني طلبت ده منه، وأكملت نافية: "خالص يا نجوى صدقيني، الباشمهندس سليم عمره ما دخل العلاقات الإنسانية في الشغل، هو مرشحنيش للمنصب ده غير لما أتأكد إني هفيد شركته في الجزئية دي، ده غير إن علاقتي بيه متسمحليش إني أطلب منه طلب زي ده، لا ليكي ولا حتى ليا أنا شخصيًا."
وأكملت بأسف: "أنا أسفة جدًا بس مش هقدر أفيدك، وأكملت بلؤم: "طب متروحي له المكتب وتطلبي ده منه بنفسك؟"
زفرت نجوى بضيق وأردفت: "مكذبش عليكِ يا فريدة، أنا فعلاً حاولت أعمل كده بعد ما رجع لمكتبه بعد دمج الشركتين، بس مسمحليش بالدخول أساسًا، الرخمة مديرة مكتبه اللي اسمها جينا كل ما أروح له تقولي الباشمهندس عنده شغل مهم، وحتى لما بيكون في الـ Break بلاقيه بيصدني، مش فاهمة اتغير كده ليه معايا مرة واحدة، من آخر مرة روحت له المكتب لما كنتِ موجودة معانا وهو اتغير ومبقاش بيسمح لي حتى أحاول أقرب من مكان وجوده."
انتفض داخل فريدة فرحًا وشعرت بسعادة لا متناهية، وتنهدت بارتياح وأردفت قائلة بإخلاص: "عاوزة نصيحتي يا نجوى، سليم الدمنهوري مش سكتك، هتضيعي وقتك معاه على الفاضي، سليم الدمنهوري راجل جد وملتزم جدًا في شغله وعمره ما بيقبل بالتهاون فيه."
ردت نجوى بوقاحة: "يا خسارة، كنا هنعمل أنا وهو أحلى دويتو."
توضحت فريدة بنبرة ساخرة وأردفت قائلة باستفهام: "إلا قولي لي يا نجوى، إنتِ اتطلقتي من جوزك التاني ليه؟ رغم إني سمعت إنه كان بيحبك جدًا، وكمان كان راجل غني وهيحقق لك كل أحلامك؟"
ضحكت نجوى وأردفت قائلة: "هو فعلاً حقق لي كتير من أحلامي وكنت عايشة معاه ملكة، وحتى بعد الطلاق أخدت لي منه شقة وعربية وقرشين حلوين في البنك، بس بيني وبينك كده يا فيري أنا مش بتاعت جواز، جواز يعني خنقة وتحكمات وأنا مليش في الجو ده، أنا واحدة عاملة زي الفراشة، عاوزة أطير وأفرح وأعيش حياتي زي ما أنا عاوزة وبالطريقة اللي تريحني."
تنهدت فريدة بأسى على تفكير تلك نجوى وأردفت: "بس الكلام اللي بتقوليه ده ضد الشرع والعرف وكمان الطبيعة يا نجوى، إنتِ محتاجة تقربي من ربنا أكتر من كده وكمان محتاجة تفهمي دينك كويس، ومع فهمه هتعرفي وتفهمي طبيعة الحياة اللي بجد، الحياة اللي تستحق تعيشيها، فكري في الاستقرار وإن يبقى عندك أطفال وتهتمي بيهم وبحياتهم، أكيد هتحسي بالفرق."
نظرت لها نجوى وأردفت بنبرة ساخرة: "أجيب ولاد وأربيهم، طب ما أنا كنت طفلة يا فريدة لما بابا وماما اتطلقوا وكل واحد راح عاش حياته واتجوز ورموني عند جدتي أم بابا أواجه مصيري بنفسي."
ثم وقفت متهربة وأردفت قائلة: "أخدت من وقتك كتير يا فيري، وأسفة لو عطلتك عن شغلك."
وقفت فريدة ونظرت لها بوجه بشوش وأردفت قائلة بصدق بعدما تعاطفت معها وتفهمت أن أفعالها ما هي إلا نتيجة ظروف نشأتها: "ولا يهمك يا نجوى، لو حبيتي تيجي وتقعدي معايا، مكتبي مفتوح لك في أي وقت، نورتي يا نجوى."
نظرت لها نجوى باستغراب من تحولها السريع وأردفت قائلة بوجه سعيد: "متشكرة أوي يا فريدة، أكيد هاجي لك تاني."
وتحركت للخارج في حين ظلت فريدة ناظرة بشرود على أثرها بأسى وحزن على حال تلك الفتاة التي كانت ضحية أنانية أب وأم غير ناضجين فكريًا، دمروا ابنتهم وشوهوها نفسيًا إلى هذا الدرجة.
***
بعد خروج نجوى مباشرةً استمعت فريدة إلى رنين هاتفها.
أمسكته لتري من المتصل، ابتسمت حين وجدت نقش اسم أسما زوجة علي.
ضغطت فوق زر الإجابة وأردفت قائلة بنبرة سعيدة: "الناس الرايقة اللي قاعدة تستجم في شرم الشيخ."
ضحكت أسما بسعادة وأردفت قائلة بتمني: "ياريتك كنتِ معانا يا فريدة، بجد الجو هنا يجنن."
ابتسمت فريدة وأردفت قائلة: "أهم حاجة انبسطي إنتِ والباشمهندس وسولي ومتفكريش في أي حاجة تانية."
أجابتها أسما: "فيري، إحنا نازلين القاهرة بكرة عشان عيد ميلاد سولي، وكنت حباكي تكوني معايا في اليوم ده عشان أفرحه، إنتِ عارفة في ألمانيا مفيش حد معانا غير سليم، والسنة دي أول سنة يحضر عيد ميلاده في مصر، فحابة أعمل له عيد ميلاد كبير وأجمع فيه كل أهلنا وأصحابنا وحبايبنا."
ارتبكت فريدة من دعوة أسما لعلمها بوجود سليم المؤكد فأردفت بهدوء: "هو أنا لو اعتذرت ممكن تتفهمي موقفي وتعذريني يا أسما؟"
أجابتها أسما بنبرة محبة: "أكيد هزعل طبعًا، وخصوصًا إن رفضك غير مبرر بالنسبة لي، عشان سليم اللي مش حابة تحضري عشان خاطره إنتِ كده كده بتشوفيه كل يوم في الشغل."
أردفت فريدة قائلة بنبرة مستسلمة: "أوكِ يا أسما، بس بعد إذنك أنا هاجي مع هشام."
أردفت أسما بالموافقة بترحاب رغم ارتباكها لانتوائها من البداية عدم رغبتها بحضور هشام كي لا تزعج صديقها وصديق زوجها سليم، ولكنها وافقت مرغمة لأجل حضور فريدة التي احتلت مكانًا ومعزة داخل قلبها بدون استئذان.
***
جاءت الساعة الثانية عشر لتعلن عن بدء موعد الـ Break المخصص لموظفي الشركة.
تحركت فريدة متجهة إلى المصعد للهبوط إلى الكافتيريا بعد أن هاتفها هشام وأخبرها أنه بانتظارها داخل الكافتيريا.
وصلت للمصعد وضغطت فوق زر استدعائه.
استمعت لصوت أقدام أحدهما خلفها، التفت لتستعلم عن صاحب تلك الأقدام، وجدته سليم يقترب عليها هو ومساعدته الخاصة جينا التي ما أن رأت فريدة حتى انفرجت أساريرها.
وأردفت بابتسامة بشوشة: "إزيك يا باشمهندسة."
ردت فريدة بنفس تلك الابتسامة: "أهلاً أستاذة جينا، أخبارك إيه؟"
ردت ببشاشة وجه.
حين نظر سليم إلى فريدة نظرة باردة واكتفى بإيماءة رأسه لها كتحية منه.
ردتها فريدة بنفس إيماءة الرأس الباردة مع تجاهل كلي للنظر إليه وضيق ظهر بملامحها مما استدعى استغراب سليم.
أتى المصعد ودلف إليه ثلاثتهم مع تحفظ فريدة النظر أو الحديث إلى سليم حتى توقف المصعد.
خرجت هي سريعًا واتجهت أمامهما ناحية الكافتيريا.
دلف وتحركت باتجاه هشام الذي ما أن رآها حتى انفرجت أساريره ووقف احترامًا لها ليستقبلها تحت نظرات سليم المستشاطة حين وجدها تبتسم ببشاشة وراحة وهي تتحرك إليه.
جلست مع هشام بطاولته، كان قد طلب الطعام ووضعه فوقها وانتظر حضور فريدة التي ما أن حضرت حتى أشرعوا بتناول طعامهما معًا تحت سعادة هشام وألم سليم الناظر لهما من خلف نظارته الشمسية التي لم يخلعها عنه حتى ينظر إليهما ويراقب أفعالهما دون لفت النظر إليهما.
نظرت جينا إليه وأردفت قائلة بتذكير وهي تشير إلى عينيها: "نظارة حضرتك يا أفندم."
نظر إليها من خلفها وأردف ساخرًا بضيق: "بتركز في حاجات غريبة إنتِ يا جينا."
وانتزعها عنه مرغمًا بعد ملاحظة جينا.
وأردف قائلاً لها بإهمال: "شوفي هتأكلينا إيه، إنا سايب لك نفسي النهارده تطلبي لي على ذوقك."
ابتسمت له وأردفت بعملية: "من امتى يا باشمهندس وحضرتك بتسمح لحد إنه يوجهك أو يفرض عليك اختياره؟"
نظر لها بتأفف وأجاب بملل مصطنع: "طب إيه رأيك بقى أنا اللي هاكلك على ذوقي، وهطلب لك أكتر حاجة مبتحبيهاش."
تحدثت سريعًا باستعطاف مصطنع: "أرجوك تقبل اعتذاري يا أفندم وتعتبر كلامي جهل مني وذلة لسان مش أكتر."
أما عند فريدة، كانت تتناول طعامها تحت سعادة هشام بتغير فريدة الهائل معه واهتمامها الواضح به وبما يرضيه.
تحدثت فريدة باستحياء: "هشام، كنت عايزة أقول لك على حاجة، بس أرجوك توافق."
نظر لها باستغراب وأردف قائلاً بترقب: "قولي يا حبيبتي، وأكيد لو أقدر أنفذ لك اللي إنتِ هتطلبيه مش هتأخر."
نظرت له وأردفت بترقب: "أسما مرات الباشمهندس علي، اتصلت بيا النهارده وعزمتني أنا وانتَ على عيد ميلاد سليم ابنها."
استمع هو اسم سليم يخرج من بين شفتيها واشتعل جسده بالكامل غضبًا وأردف قائلاً: "لا يا فريدة، الناس دي ولا شبهنا ولا يخصونا أساسًا عشان نحضر أعياد ميلادهم، تطلع مين أسما دي ولا إيه اللي يربطنا بيها عشان علاقتنا توصل بيها إننا نحضر حفلة عيد ميلاد ابنها."
نظرت له باستعطاف وأردفت بنبرة حنون رصدها سليم وصرخ قلبه حينها، وأكملت فريدة: "ممكن تهدي يا هشام أرجوك."
انتفض داخل هشام حين استمع لصوتها الحنون ونظراتها المستعطفة فأردف بهدوء وطاعة: "حاضر يا فريدة، أديني هديت، بس أنا يا حبيبتي عايزك تقدري ظروفي أكتر من كده."
ونظر إليها بتوتر ثم أخذ نفسًا عميقًا وأكمل بشجاعة: "أكلمك بصراحة أكتر."
هزت رأسها وأردفت بهدوء وترقب: "ياريت يا هشام."
أردف قائلاً وهو ينظر إلى عينيها برجاء: "أنا مش حابب يكون لنا أي صلة بأي حد ممكن يقربنا خطوة واحدة من اللي اسمه سليم الدمنهوري، أنا مبرتحش للراجل ده يا فريدة، ياريت يا حبيبتي تقدري الجزئية دي."
نظرت له بتيه ومشاعر مختلطة ما بين ألم لأجله وما بين إحساس بالذنب والعتاب لحالها لما أوصلت إليه هشام وجعلته يشعر بذلك الإحساس.
وأجابت بنبرة هادئة: "أنا فاهمة ومقدرة شعورك كويس أوي، بس أرجوك يا هشام اتحمل المشوار ده عشان خاطري."
أسما حد كويس أوي وأول مرة تعمل عيد ميلاد لابنها في بلده، وحابة تجمع له أكبر عدد من الناس اللي بتحبهم حواليها عشان تفرح ابنها، وأكملت لتهدئته: "وبعدين يا سيدي دول هما أسبوعين ويسافروا ومش هنشوفهم تاني ولا حتى بالصدفة."
أخذ نفسًا عميقًا ليهدئ من روعه ويحاول تقبل الأمر لأجلها وأبلغها الموافقة تحت سعادتها.
واشتعال ذلك المراقب لهما بقلبٍ لو خرجت منه تلك النار المشتعلة بداخله لأحترق المكان بأكمله.
***
داخل إحدى النوادي الاجتماعية.
حيث تجلس أمال وأماني بصحبة حسام.
تحدثت أماني موجهة حديثها إلى حسام: "إنتَ متأكد يا حسام من الكلام اللي بتقوله ده، يعني فعلًا البنت وسليم بعدوا نهائي عن بعض؟"
أجاب عمته بانتشاء وتأكيد: "طبعًا يا عمتو متأكد، البنت اللي بتبلغني بأخبار فريدة لسه مكلماني قبل ما أجي لكم حالًا، وأكدت لي إن فريدة علاقتها مع هشام بقت أعمق وأحسن من الأول بكتير، قالت لي كمان إن سليم مبقاش بيستدعي فريدة لمكتبه نهائي، وكمان فريدة بقت تتجاهل وجود سليم، يعني مثلاً امبارح كانت رايحة مكتب مدير الشركة لكن لما عرفت إن سليم موجود عنده، رجعت لمكتبها واستنت لما سليم خرج وبعدها راحت للمدير."
ضايقت أماني عينيها باستغراب وأردفت قائلة: "أنا مستغربة إنها مقالتش لسليم على زيارتنا ليها بيت أهلها، بصراحة كنت متخيلة هتجري عليه وتشتكي له مننا وتحاول تقلبه علينا لصالحها."
تنهدت أمال بارتياح وأردفت بكبرياء: "شكلك كده كان عندك حق لما أصرتي إننا نروح لها البيت ونهددها، وأهو التهديد جاب نتيجة وعرفها قيمة نفسها هي وأهلها كويس أوي."
أكدت أماني على حديثها وأردفت بغرور: "طبعًا، وخصوصًا لما شافتنا قدامها، شكلنا، لبسنا، لبقتنا في الكلام، قارنت بينك وبين مامتها أكيد وعرفت حجمها الطبيعي، من الآخر كده طلعت ذكية وصانت كرامتها هي وأهلها اللي كنا هنمسح بيها البلاط لو تمادت أكتر من كده مع سليم."
نظر حسام إليهما وأردف بتعقل: "صدقوني يا جماعة إنتوا بتلعبوا مع الخصم الغلط، فريدة مش خصم ليكم أصلًا ومفيش منها أي خوف، الخوف كله من سليم نفسه، هو ده اللاعب الأساسي واللي المفروض تحاصروه من كل الاتجاهات، عشان المفاجآت الغير متوقعة كلها هتبقى من سليم."
"إنتوا متخيلين إن فريدة ممكن تفكر في إنها تسيب خطيبها وترجع لسليم، طب بأمارة إيه؟ دي تبقى في منتهى الغباء لو فكرت بالشكل ده، فريدة أذكى من إنها تسيب الراجل اللي بيحبها وراح خطبها من باباها وترجع لواحد مشفتش منه غير الغدر."
أجابته أمال بنبرة واثقة: "وتخطيط سليم هيفيد بأيه لما تكون البنت رافضة موضوع الرجوع أصلًا، وبعدين مش البنت اللي بتنقل لك أخبارها في الشركة قالت لك إن سليم هو كمان بعد جدًا عنها؟"
رد حسام بدهاء: "وهو ده اللي قالقني ومخليني مش مطمن يا عمتو، سليم مش هو الحد اللي بسهولة يستسلم ويعلن هزيمته وخصوصًا لما يكون الموضوع متعلق بفريدة اللي وقف حياته عشانها خمس سنين بحالهم."
توترت أمال وتبادلت النظرات بينها وبين أماني لاقتناعهما بصحة حديث حسام عن شخصية سليم غير الهزيمة بالمرة.
***
داخل مكتب مراد الحُسيني.
كان يجلس باسترخاء ملقي برأسه للخلف مغمض العينين.
استمع إلى طرقات خفيفة فوق الباب، فأذن للطارق بالدخول وما زال على وضعيته.
دلت ريم بجانب محامي الشركة الذي تحدث بهدوء: "صباح الخير يا دكتور مراد."
تنفس براحة وتحدث بصوت هادئ ينم عن استرخائه وراحته وهو ما زال على وضعيته: "صباح النور أستاذ سامح."
مما أثار استغرابها وهي تنظر إليه ببلاهه وحدثت حالها ساخرة: "ما بك اليوم أيها المتعجرف، أم مريض أنت أم خارت قواك من كثرة الغل والتكبر؟ أين لسانك السليط وكبرياؤك ووجهك الكشر؟"
فتح مراد عينيه واعتدل في جلسته ينظر إلى سامح وما أن رأى تلك الواقفة بجانبه حتى احتلت نظرة عينيه واقشعرّت ملامح وجهه وتحولت من هادئة حنونة جذابة، إلى مكشعرة محتقنة مكتظة.
حدثت حالها بدعابة: "نعم، هاهو ذلك الفظ قد أتى، كنت أستغرب من ذلك القانط بهدوء واستكانة، فمرحًا بك من جديد أيها الفظ صاحب أسوء طباع مرت عليّ بحياتي، وأكملت بدعاء: يا الله ساعدني أرجوك كي أتحمل ذلك الوجه العكر."
تحدث بملامح مكتظة محتقنة وهو ينظر إلى تلك الواقفة ترتسم فوق وجهها ابتسامة سمجة بلهاء وتحدث هو من بين أسنانه بضيق: "خير يا أستاذ سامح على الصبح؟"
ارتاع داخل سامح من هيئة ذلك الرجل الذي يتحول بلحظة من أثر رؤيته لإحدى بنات حواء.
"أنا جبت دكتورة ريم لحضرتك عشان تتفقوا على بنود العقد اللي بلغني به دكتور صادق."
"نتفق؟" قالها مراد بنبرة ساخرة.
وأكمل باقتضاب وتهاون وهو يشير بيده بعدم أهمية: "نتفق على إيه، أعمل لها عقد زي عقد أي موظف عادي."
نظرت إليه وقد كسي الغضب وجهها من تلك المعاملة السيئة التي لا ترتقي بها ولا بمستوى ذكائها وتحدثت: "يعني إيه زي أي عقد لموظف عادي، وأكملت بعملية: دكتور صادق لما كلمني فهمني إن ده عقد احتقار للتجربة بتاعتي لشركتكم، وده معناه إننا لازم نقعد ونتفق على بنود العقد والنسبة اللي هتطلع لي من دخول التجربة وإضافتها لخط الإنتاج."
ثم نظرت إلى سامح وتحدثت: "مش هي دي أصول الشغل بردوا ولا إيه يا أستاذ سامح؟"
نظر لها مراد بذهول وتسائل داخله: كيف لتلك الصغيرة أن تكون بكل ذلك الوعي والدراية بتلك الأمور الإدارية.
ثم استفاق على حاله وتحدث بنبرة ساخرة: "ما شاء الله عليكي، شكلك سألتي محامي وعرفتي حقوقك كويس جدًا."
وأكمل بنظرة ساخطة ونبرة متهكمة: "كلكم نفس النوعية، الفلوس عندكم أولاً وأخيرًا، بتتنفسوها بدل الهوا."
استشاط داخلها لعلمها ما يقصده وتحدثت بنبرة حادة: "أنا مسمحلكش تكلمني بالطريقة المهينة دي، أولاً يا حضرة المبجل ده شغلي ومجهودي ولازم أسأل فيه وأعرف حقوقي كويس جدًا، وده اللي أكد عليه دكتور صادق للباشمهندس سليم أخويا لما اتصل بيه يستعلم عن حقوقي هتتحفظ إزاي في بنود العقد. ثانيًا أنا دكتورة وبشتغل وده حق مشروع ليا."
وأكملت قاصدة كي تحرق روحه: "أنا لا جايه أتسول منك، ولا جايه أستغفلك وأسرق فلوسك وأهرب."
أما مراد الذي وبمجرد سماعه لما تفوهت به وبتيقنه ما تقصده، شعر باشتعال يسري بكامل جسده وتحولت ملامحه للغضب وانتفض من جلسته كالأسد الذي يستعد للانقضاض على فريسته.
مما جعل الرعب يدب داخل أوصالها وتراجعت للخلف رعبًا من هيئته، وأيضًا ذلك سامح الذي انتفض رعبًا من ذلك الذي تحول إلى مجنون بلحظة.
شهق سامح مما رأى.
جحظت عين ريم ووضعت يدها على فمها شاهقة من هول ما رأت.
ترى ما الذي سيفعله مراد بريم بعدما تهورت وذكرته بأكثر نكبة حدثت له وجعلته يشعر كيف كان مغفلاً حين أمن لإحداهن؟
وما الذي فعله مراد كي يجعل ريم وسامح يذهلان هكذا؟
رواية جراح الروح الفصل السابع عشر 17 - بقلم روز امين
بعد عدة أيام
داخل مدينة السلام كما لُقبت مدينة شرم الشيخ، مدينة السحر والجمال،
حيث الهواء النقي والمناظر الطبيعية الخلابة التي تجذب البصر إليها وتريح النفوس.
كانت تتحرك أمام البحر بأصوات أمواجه الهائجة المتمردة.
أمسكت هاتفها وضغطت زر الاتصال وانتظرت ليجيب سليم عليها كي تطمئن عليه.
أما عند سليم، الذي كان يقبع فوق سريره متسطحاً يغفو بجسد منهك، داخل الـ Suite المتواجد بالفندق الذي انتقل إليه فور سفر عائلته مع عائلة علي للاستجمام.
استمع إلى رنين هاتفه، بدأ بفتح عينيه بتثاقل.
زفر بضيق لعدم أخذه القسط الكافي من النوم وعدم راحة جسده المنهك.
مد يده والتقط الهاتف من فوق الكومود ونظر به وأجاب على الفور حين وجد اسم والدته.
سليم بصوت ناعس متحشرج: صباح الخير يا ماما.
أجابته أمال بحب ولهفة: أم صباح النور يا باشمهندس، صوتك بيقول إنك لسه نايم؟
تنهد سليم وهو يتمطى وأجابها وهو يجلس فوق السرير: لسه والله يا ماما، كان عندي شغل كتير بالليل ونمت متأخر.
وأكمل مضيقاً عينيه بتساؤل وفضول: خير يا حبيبتي، إيه اللي مخليكي تتصلي بدري كده؟ بابا وريم كويسين؟
أجابته بهدوء ليطمئن: كلنا بخير يا حبيبي، أنا بس حبيت أقول لك إننا حجزنا وراجعين القاهرة النهارده بالليل، فياريت تجهز شنطتك وتعمل check out قبل ما تنزل على شغلك وترجع من الشغل على البيت.
أجابها بهدوء: خليها لبكرة يا ماما، مش هتفرق من يوم.
أردفت بحنين ومشاعر صادقة: يا حبيبي وحشتني وعاوزة أملي عيني منك، مش كفاية إن أجازتك قربت تخلص وملحقتش أقعد معاك ولا أشبع منك، ده أنت حتى مرضيتش تيجي تقضي معانا الأسبوع بتاع شرم يا سليم!
سعد داخله من مشاعر والدته الصادقة التي وصلته.
وأردف قائلاً بسعادة: أمال هانم تؤمر وأنا عليا التنفيذ، وصدقيني يا حبيبتي لو عاوزاني آخد أول طيارة رايحة شرم وأجي لك حالاً مش هتأخر!
ابتسمت وانتشت داخلها بسعادة وأردفت بحب: ربنا يخليك ليا يا حبيبي، متنساش تروح على البيت على طول، أنا خليت هنيه تعمل لك الأكلات اللي بتحبها، وكمان خليتهم يملوا الثلاجة فواكه وحلويات، يعني البيت فيه كل حاجة ممكن تحتاج لها.
أغلق مع والدته وتحرك من سريره ووقف بوسط الـ Suite وبدأ بممارسة تمارين الصباحية.
وبعد مدة كان يقف تحت صنبور المياه ليستحم، وخرج من جديد وبدأ في ارتداء ملابسه.
وبالفعل لملم أشياءه وأغلق حسابه بالفندق ووضع حقيبته بالسيارة وتحرك ذاهباً إلى مقر الشركة التي تعمل بها فريدة.
***
كانت تجلس خلف مكتبها منهمكة في عملها، منكبة على أوراقها الموضوعة أمامها.
استمعت إلى طرقات خفيفة فوق الباب، سمحت للطارق بالدخول قائلة بصوت جاد: أدخل.
دلف سليم وتحرك إليها وبلحظة توقف عن الحركة.
نظر إليها بوله وقلب هائم فقد اشتاقها حقاً واشتاق الحديث معها.
اشتاق النظر لعيناها، الوقوف أمامها والقرب من جسدها المنهك لروحه، النظر لكريزتيها المنهكة لرجولته.
صرخ قلبه مطالباً إياه بالركض إليها وجذبها من خصرها وإلصاقها بصدره وضمها بقوة ليشبع روحه العطشة لها ولرائحتها المميزة.
أما فريدة التي كانت تجلس منكبة على أوراقها، لا تبالي بذلك الواقف أمامها وروحه تحترق من شدة الاشتياق.
وبلحظة حسم أمره ونظف حنجرته وتحدث بصوت غلب عليه طابع الحنان رغماً عنه: صباح الخير يا باشمهندسة!
كانت منشغلة لأبعد الحدود بفحص أوراقها وبلحظة اشتعلت جميع حواسها وانتفض قلبها بنشوة وبسرعة البرق رفعت بصرها تنظر إليه بعيون مشتاقة متفحصة لكل شبر بوجهه.
اشتعل داخلها من هيئته المنهكة لروحها، فقد كان يرتدي حلة سوداء وقميص أبيض يطلق العنان لزرائره العلوي ليظهر منه صدره الملفت للنظر والمنهك لروحها العاشقة.
وبلحظة عادت لوعيها وغضت بصرها بسرعة البرق واستغفرت ربها وطلبت منه العفو والمغفرة.
أما هو فقد طار داخله وسعد وتفاخر برجولته حين رأى عشقها ولهفتها الظاهرة بعينيها التي تنطق غراماً ولهفة.
وبلحظة تذكرت هي وجه والدته وهي تكيل لها وابل الإهانات والاتهامات الباطلة.
فحسمت أمرها سريعاً واعتدلت بجلستها ورسمت على ملامحها الجمود وأردفت قائلة بصوت جاد: أهلاً يا باشمهندس، خير؟
هز رأسه باستسلام لتحولها السريع وكبتها لمشاعرها الصادقة.
ابتسم لها وأردف قائلاً بهدوء: أكيد خير يا باشمهندسة.
وأكمل متحججاً: كنت عاوزك تبعتي لي ملف *****.
وعلى فكرة كلمت مستر فايز عليه قبل ما أدخل لك على طول!
هزت رأسها بتفهم وأردفت قائلة بعملية: ومن غير ما تستأذنه يا باشمهندس، حضرتك بعد توقيع الشراكة أصبحت عضو رسمي معانا ومن حقك تطلع على أي ملف خاص بالشركة، ومستر فايز بلغني إن أي حاجة حضرتك تحتاج لها أنفذهالك فوراً.
تحرك إليها ووضع كفيه فوق المكتب سانداً عليه بساعديه القويتين ومال برأسه عليها حتى اقترب منها كثيراً.
ومرر لسانه فوق شفتيه بطريقة مثيرة أذابت حصونها وجعلت داخلها يتهاوى وأردف قائلاً بإثارة ووقاحة: أي حاجة أي حاجة؟
ابتلعت لُعابها بصعوبة من هيئته المنهكة لأنوثتها وأردفت قائلة بتلعثم ونبرة خجل: من فضلك ابعد يا باشمهندس، وياريت بلاش أسلوب المراوغة في الكلام ده لأني مبحبهوش!
ابتسم لها وتحدث بمراوغة وعيون ساحرة: طب متجربي تحبيه، مش يمكن يعجبك؟
ارتبكت بجلستها من تلميحاته وأردفت بتساؤل بنبرة جادة: هو إيه ده حضرتك اللي ممكن يعجبني؟
اعتدل بوقفته ووضع يداه داخل جيب بنطاله وأصبح جذاباً بطريقة جعلت قلبها المسكين يصرخ طالباً منه الرحمة.
وضحك برجولة هدمت ما تبقى من حصونها قائلاً: أسلوبي يا باشمهندسة.
وأكمل بوقاحة: ولا،،،،، إنتِ فهمتي حاجة تانية من كلامي!
وقفت بحزم ورسمت الجمود فوق ملامحها وأردفت بقوة: ولا تانية ولا تالتة، اتفضل حضرتك على مكتبك وأنا خمس دقايق وهبعت لسيادتك الملف حالاً.
وأكملت بحدة وعملية: أي أوامر تانية حضرتك؟
ابتسم لها وتحدث بنبرة صوت هادئة: حالياً لا، لكن أكيد هاجي لك تاني، وقريب أوي.
وأردف قائلاً بحنان وهو يتحرك نحو الباب: شكراً يا فريدة.
تحرك خارجاً وأغلق خلفه الباب.
تنفست هي الصعداء وكأنها كانت ممنوعة من التنفس وألقت بحالها فوق مقعدها وأغمضت عيناها بارتباك.
***
أمام جامعة القاهرة.
كان يقف عبدالله بانتظار نهلة ليصطحبها كي يتناولان الغداء سوياً بإحدى المطاعم وذلك بعد أن استطاع أخذ الإذن من والدها بالخروج معه.
تحركت وهي تخطو خطواتها خارج الحرم الجامعي تحت سعادتها اللامتناهية.
رأته يقف بعيداً بطلته الساحرة لقلبها العاشق.
تحركت إليه سريعاً.
قابلها هو بفرحة عارمة، فها هو أول لقاء لهما معاً بالخارج ومصرح به من والدها أيضاً!
مد يده لها محتضناً كف يدها الصغير بحنان ونظر بعينيها الخجلة قائلاً: أزيك يا نهلة.
أجابته وهي تنظر داخل مقلتيه البنيتين قائلة بصوت يرتجف من شدة خجلها وسعادتها معاً: أزيك إنتَ يا عبدالله!
ابتسم لها وأردف قائلاً بحب: تعرفي إني طول عمري بحب اسمي ومعتز بيه أوي، لكن حبيته أكتر وحسيت قد إيه هو مميز لما سمعته من بين شفايفك!
نظرت له وأردفت قائلة بملامح محببة: وبعدين معاك يا عبدالله!
أجابها بعينيه الساحرتين: عيون وقلب عبدالله.
ابتسمت خجلاً فأشار لها بالتحرك إلى السيارة وبالفعل تحركت واستقلت بجانبه سيارته البسيطة الحال وهي بقمة سعادتها!
وصلا معاً إلى إحدى المطاعم المتوسطة الحال.
سحب لها المقعد بكل احترام تحت شدة سعادتها.
جلست بهدوء وتحرك عبدالله وجلس بالمقابل ونظر لها بابتسامته البريئة.
أتى إليهما النادل وتحدث باحترام: مساء الخير يا أفندم، نورتونا.
ومد يده إلى عبدالله وناوله قائمة الطعام.
نظر عبدالله إلى حبيبته وأردف قائلاً بحنان: ها يا حبيبتي، تحبي تاكلي إيه؟
ابتسمت له وأردفت خجلاً: عادي، إللي تختاره!
رد عليها بتصميم وهو يناولها قائمة الطعام باحترام: أنا نفسي هاكل على ذوقك، يلا اختاري ليا ولكي!
ابتسمت وهي تنظر إليه بعيون هائمة سعيدة من اهتمامه بها.
ثم نظرت إلى القائمة وأردفت قائلة وهي تنظر إلى النادل وتحادثه باحترام لشخصه: ياريت لو سمحت تجيب لنا إسكالوب بانيه وبطاطس محمرة ومعاهم اسباجتي وسلطة خضرا.
ابتسم لها عبدالله لمعرفته أنها طلبت تلك الوجبة خصيصاً لمعرفتها بعشقه لها!
انصرف النادل ونظر لها ذلك العاشق بعينيه البنية اللون الساحرة وأردف قائلاً: طلبتي الاسباجتي والاسكالوب علشاني، صح يا نهلة؟
أجابته بعيون هائمة وروح طائرة سعيدة: لو قلت لك إنهم بقوا وجبتي المفضلة أنا كمان هتصدقني؟
أجابها سريعاً بصدق: هصدقك لسبب واحد، إن أنا كمان بقيت بعشق كل تفاصيلك وكل حاجة بتحبيها.
وأكمل بعيون مغرمة وصوت هائم عاشق: بحبك يا نهلة، بحبك وبقيت بحسب الأيام والليالي اللي فاضلة على ميعاد جوازنا.
وأكمل باشتياق: سنتين كتير أوي يا نهلة، ياترى هقدر أتحملهم؟
أجابته بوجه يشع احمراراً من شدة خجلها: إن شاء الله هيعدوا بسرعة يا عبدالله.
رد بلهفة: يارب يا قلبي، يارب.
ظلا يتحدثان بسعادة وقلوب متراقصة حتى أتى النادل إليهما وأنزل لهما الطعام وبدأ بتناوله تحت نظراتهما العاشقة لبعضهما!
***
في مساء اليوم التالي!
وبالتحديد داخل النيل، كانت فريدة وهشام يصعدان إلى يخت فخم مخصص لإقامة الحفلات والمناسبات وذلك لتلبية دعوة علي وزوجته أسما لحضور حفل يوم ميلاد طفلهما السعيد سليم.
كانت أسما وعلي يقفان عند مقدمة اليخت لاستقبال باقي الضيوف حتى يكتمل العدد ويبلغا القبطان بالتحرك داخل المياه ليبدأ الحفل.
كان الجميع بانتظار آخر شخصان حتى يتحرك اليخت ويبحر.
وفجأة طلعت هي وهشام بطلتهما البهية.
كانت أشبه بحوريات الجنة بثوبها الحريري الناعم الملمس، بلونه الأزرق الأخاذ للبصر، ومطرز بتطريز رقيق للغاية وحجابها الأوف وايت الذي جعل منها ملكة متوجة.
كانت مبهرة بمقلتيها الرمادية وشفتاها الكريزية ووجهها الصافي غير المتكلف.
جذبت انتباه الجميع حين دلفت بجوار ذلك الأنيق ذو الطلة الرجولية بجسده الرياضي ومظهره المنمق.
اشتعل داخل سليم وصرخ قلبه حين رأى ذلك هشام وهو يمسك يدها لتصعد سلم اليخت.
ابتسمت فريدة إلى أسما واقتربت عليها وقبلتها بود قائلة: كل سنة وسليم بخير وسعادة.
أجابتها أسما بوجه بشوش: وإنتِ طيبة يا فريدة، مبسوطة جداً إنكم جيتوا!
ثم نظرت إلى هشام وهزت برأسها كتحية له وتحدثت بترحاب: نورتنا أستاذ هشام!
أجابها باحترام ووجه بشوش: متشكر يا أفندم وكل سنة وأنتم طيبين!
ثم حول بصره إلى علي وتحدث باحترام: أزيك يا باشمهندس!
أجابه علي بابتسامة ترحاب: تسلم أستاذ هشام،، نورتنا يا باشا!
وأشار لهما بالدخول والجلوس ثم أخبر مساعد القبطان باكتمال العدد.
وتحرك اليخت.
في تلك الأثناء أسرع الصغير إلى فريدة التي رآها مسبقاً ولكنه ظل متذكراً إياها.
قابلته فريدة بحب شديد وترحاب!
ثم تحركت فريدة وهشام وجلسا بعد أن ألقوا التحية على الحضور دون سلام باليد، عدا والدة علي ووالده وأيضاً عائلة أسما.
كان ينظر أمامه بلامبالاة اصطنعها لحاله حتى لا يشعر عليه أحد ولا لألمه!
أما أمال التي نظرت إلى فريدة بكبرياء وغرور مما استدعى فريدة إلى رد تلك النظرة لها وبنفس درجة الكبرياء والتحدي.
نظر سليم عليهما مضيقاً عينيه باستغراب وهو يرى تبادل نظرات التحدي الظاهرة بعينيهما بعضهما البعض.
وبلحظة ودهاء معهود هو عليه بدأ يربط بين تغير فريدة الكلي بمعاملته، وبين هدوء واستكانة والدته في الفترة الأخيرة.
وفهم أن لقاء الجبابرة الذي كان يخشاه قد حدث بالفعل.
ولكن كيف وأين، هو لا يدري.
تلك المرة قد جرى الماء من تحته ولن يشعر هو به!
فاحتقر غباءه وحزن ولعن حاله ولامه على عدم رؤيته ورصد كل ما يدور من حوله من جميع الاتجاهات.
لاحظ قاسم هو أيضاً صراع النظرات المتبادلة بين سليم، أمال، فريدة التي تعرف على شخصيتها من نظرات الوله التي تنطلق من مقلتي ولده باتجاه تلك فريدة.
مال على أذن أمال وهمس بذكاء: بردوا نفذتي اللي في دماغك ورحتي هددتي البنت يا أمال!
التفتت إليه سريعاً بنظرات حائرة ونطقت بتساؤل: وإنتَ عرفت منين يا قاسم؟
ابتسم ساخراً وأجابها بدهاء: من أسلحة الدمار الشامل المتبادلة اللي خارجة من عيونكم لبعض إنتِ وهو.
وأكمل بإطراء: بس تصدقي إن ابنك معذور، البنت فعلاً زي القمر وجذابة جداً، ده غير إنها شيك ومنمقة في نفسها والذكاء باين أوي من نظرة عينيها!
ابتسمت ساخرة وتحدثت بتهكم: وتفتكر إن دي مقومات تشفع لها وتخليني أتنازل وأتغاضى عن أصلها ونشأتها؟
تنهد قاسم براحة وأجابها بتأكيد على حديثها: عندك حق طبعاً، أنا كنت بحاول أشوفها بعيون سليم مش أكتر!
ابتسمت بانتصار وتنفست بهدوء وراحة!
أما سليم الذي تابع بتدقيق ملامح والديه وحركة شفاههما وحاول جاهداً قراءة ما يدور بينهما وفهم من حركة الشفاه والنظر إلى فريدة أن والدته قد اقترفت كارثة.
ماتحرك سليم إلى فريدة ووقف قبالتها هي وهشام وأردف قائلاً بابتسامة يخبئ خلفها ناره المشتعلة: مساء الخير،، أزيك يا باشمهندسة!
أجابته باقتضاب وملامح جامدة فهم منها أن ما كان يخشاه قد تم بالفعل: أهلاً بحضرتك.
ثم حول بصره إلى هشام وتحامل على حاله وابتسم بزيف وتحدث من بين أسنانه: أزيك يا أستاذ هشام، أخبارك إيه؟
أجابه هشام بنظرة تحدي: الحمد لله، أنا تمام جداً!
أتى علي إليهم بعدما لاحظ ضعف سليم داخل عينيه، وعدم سيطرته على حاله وقدرته على الابتعاد عن فريدة وتركها لحالها بصحبة هشام.
اقترب علي عليهم وأشار إلى سليم بالجلوس على نفس الطاولة بعدما رحب بهما، وجلس هو الآخر مما أسعد سليم من تصرف صديقه وشعوره به وبقلبه المتألم.
ارتاع داخل فريدة من تواجد سليم وهشام على نفس الطاولة.
بادر علي بالتحدث حتى يذيب جبل الجليد المتواجد بين هشام وسليم، ونظر للثلاثتهم موجهاً الحديث إليهم: أخبار الشغل إيه يا أساتذة؟
أجابه هشام: كله تمام الحمد لله!
أسترسل سليم حديثه بنبرة جادة: إن شاء الله فيه اجتماع مهم بعد يومين لكل كوادر الشركة، وفيه قرارات مهمة لازم تتخذ علشان محتاجين نظبط الشغل أكتر من كده.
ضيق هشام عينيه وتحدث بتهكم: قرارات إيه دي اللي هتتخذ، بيتهيأ لي إن نظام الشركة عندنا ناجح جداً ومش محتاج لأي قرارات إضافية، والدليل على كده إن شركتنا محققة مكاسب مالية عالية جداً السنة دي!
ابتسم له سليم ساخراً وأردف قائلاً بتهكم: أديك قلتها بنفسك، بيتهيالك.
وأكمل بنبرة عملية جادة: عود نفسك يا أستاذ هشام إن دايماً كل نقطة بتوصل لها فيه اللي أعلي منها واللي لازم تحارب علشان تطولها، وبعدها تبص على اللي يليها، النجاح ملوش سقف يا حضرة المحاسب الناجح!
ثم حول بصره إلى الجالسة تستمع لهم بصمت تام وكأن الأمر لا يعنيها وأكمل متسائلاً لها باهتمام: أنتِ إيه رأيك في الكلام ده يا باشمهندسة؟
كانت تستمع إليه وشعور الذنب يتأكل داخلها لإحساسها الدائم بخيانتها لهشام في حضور سليم.
تحاملت على حالها ونظرت إليه وأردفت بهدوء ومهنية: كلام حضرتك صحيح ويُحترم طبعاً، لأن من أسباب نجاح أي كيان إن القائمين عليه ميشعرش بالكمال أبداً، ودايماً يسعوا للتطوير والتقدم فيه أكتر وأكتر!
نظر لها سليم بإعجاب لم يستطع مداراته تحت اشتعال صدر هشام الغائر.
ثم حول بصره إلى هشام وأشار إليها بكف يده محدثاً هشام بتأكيد: شوفت يا أستاذ هشام، هو ده الرأي الصحيح للشخص الناجح اللي معندوش نقطة نهاية للنجاح.
ثم تبادل نظراته بين ثلاثتهم وأردف قائلاً: الطموح والنجاح مالهمش سقف يا أساتذة.
أتت إليهم أسما ووضعت يداها فوق كتفي زوجها بحنان ونظرت للجميع وأردفت بابتسامة: ممكن بقا تبطلوا كلام في الشغل وتقوموا علشان نطفي الشمع.
وقف هشام ومد يده إلى فريدة كي يشعل داخل سليم ويثبت للجميع ملكيته لتلك الجميلة الفاتنة.
استشاط داخل سليم وغلي عندما وجد فريدة تنظر إلى يده بتردد.
ولكنها بلحظة حسمت أمرها وسلمت له يدها بترحاب كي تقطع الأمل أمام سليم.
تحرك الحضور والتفوا حول قالب الحلوى المخصص للاحتفال وبدأ الجميع بالتصفيق الخفيف والغناء.
أما هشام فقد أتاه اتصال فاضطر أن يتحرك بعيداً ليجيب على والده.
اقترب سليم مستغلاً الوضع وانشغال الحضور بالغناء.
قرب فمه من أذنها وتحدث بهمس عابث مثير أرعب جسدها قائلاً بتوعد: وحياتك عندي لأحاسبك على كل مرة سمحتي له فيها إنه يلمس حاجة متخصوش،، حسابك تقل معايا أوي يا فريدة، بس ولا يهمك،، الحساب يجمع، ووقته قرب أوي!
ارتعبت أوصالها من همسه واقترابه بهذا الشكل المثير.
ولكنها تماسكت وظلت ناظرة أمامها بثبات مزيف حتى لا تلفت الأنظار إليها.
ولكن كان هناك من يراقب تقاربه منها والغل يتأكل قلبه، إنها أمال لا غيرها التي تأكدت من عشق ابنها الهائل لتلك اللعينة.
أتى هشام بعدما ابتعد سليم قليلاً عن فريدة وأطفأ الطفل شموعه الثلاث تحت تصفيق حار من الجميع وبدأت الهدايا تنهال عليه من الحضور.
اقتربت فريدة من الصغير وقبلته وأعطته هديتها هي وهشام تحت سعادة الطفل وشكره لها.
وبعد مدة كانت تقف عند سور اليخت هي وهشام وهما منسجمان بالحديث ويضحكان بسعادة والارتياح يظهر على ملامحهما.
كان يقف بعيداً ذلك العاشق الولهان صاحب القلب الدامي الذي اشتعل قلبه واحترقت روحه مما يراه أمامه.
نظر عليه قاسم وتألم قلبه على حال صغيره وحالة الاشتعال الذي يداريها تحت ملامحه الجامدة الذي أتقن رسمها ببراعة.
ولكن لم تنطلي على والده فهو أدري الناس به.
تحرك إلى ابنه ووقف بجانبه ووضع يده مربتاً على كتفه قائلاً بحديث ذي مغزى: متزعلش على حاجة مش من نصيبك يا ابني، أكيد ربنا شايل لك الأحسن والأفضل علشان يكافئك!
نظر إلى والده وأردف بنبرة قوية واثقة: ومين اللي قال إنها مش من نصيبي يا قاسم باشا، يا عالم بكرة هيحصل فيه إيه، ربك خلاف الظنون!
نظر قاسم إلى ولده وتحدث بنبرة قلقة متسائلاً: ناوي على إيه يا سليم، ياريت يا ابني تفكر بعقلك قبل قلبك، فكر في مستقبلك وفي أولادك اللي هييجوا بعد كده.
نظر إلى فريدة وتحدث بعشق يملأ صوته وعيناه وأردف قائلاً بتفاخر: طب بذمتك فيه أطهر من دي أم لأولادي، ولا أجمل من كده مستقبل؟
ثم نظر إلى والده وأردف بعيون عاشقة متخلياً عن كبريائه: ابنك عاشق ولهان وبيتمنى القرب والرضا.
وأكمل بوله: سليم داب قلبه وانتهى الأمر يا أبو سليم.
تنهد قاسم بحزن وشعر بغصة تقتحم صدره، وغضب من حاله ومن زوجته على عدم شعورهما بقلب صغيرهما الذي أدماه الهوى وأذابه.
وبدلاً من أن يصطفا بجانب ولدهما ويدعماه، يقفان بوجهه ويحاربان قلب صغيرهما العاشق بكل ما أوتوا من قوة!
أما عن ريم التي كانت تنظر إلى أخيها بقلب حزين يتألم لأجله.
اقتربت من فريدة وأردفت بابتسامة ووجه بشوش: أزيك يا باشمهندسة!
نظرت إليها فريدة وابتسمت ومدت يدها لها وأردفت بترحاب: أهلاً وسهلاً يا ريم،، إزيك،، أخبارك إيه؟
أجابتها ريم: أنا تمام الحمد لله.
نظرت فريدة إلى هشام وأشارت بيدها إلى ريم وبدأت بتقديمها: دي ريم الدمنهوري يا هشام، اخت باشمهندس سليم، اتعرفت عليها في حفلة الشركة.
ثم نظرت إلى هشام وأردفت قائلة: وده أستاذ هشام يا ريم،، خطيبي وزميلي في الشركة.
نظر لها هشام باحترام وأردف قائلاً: اتشرفت بمعرفتك أستاذة ريم.
ردتها ريم له.
وبعد مدة تحرك علي وأسما ووقف بجانب فريدة وهشام.
وأثناء انشغال علي وهشام بالحديث واندماجهماتحدثت أسما إلى فريدة قائلة وهي تنظر إلى أمال: فريدة، تعالي أعرفك على مامت سليم!
هزت فريدة رأسها برفض سريعاً وأردفت باعتراض وقوة: لا يا أسما لو سمحتي، أنا مش حابة أتعرف على حد!
نظرت لها أسما واستغربت طريقة رفضها العنيف والتي هي عكس طبيعتها الهادئة.
ولكنها احترمت رغبتها وغيرت مجرى الحديث كي لا تزعجها أكثر!
انقضى اليوم ورحل الجميع كل باتجاهه تحت مشاعر مختلفة ومختلطة أيضاً.
***
بعد انتهاء الحفل عاد سليم بصحبة أسرته إلى منزلهم.
كادت أمال أن تتحرك داخل غرفتها إلى أن أوقفها صوت سليم الحازم: لو سمحتي يا ماما.
استدارت أمال ونظرت إليه فأكمل هو بقوة وملامح جامدة: بيتهيأ لي إحنا محتاجين نتكلم مع بعض شوية!
نظرت إليه أمال وأردفت بنبرة متهربة: مش شايف إن الوقت متأخر على الكلام يا باشمهندس؟
أجابها بحدة وحديث ذي مغزى: بالعكس، ده هو ده الوقت المناسب للكلام يا أمي!
أغمض قاسم عينيه بأسى لعلمه ما سيتحدث به ابنه.
فنظر إلى ريم وتحدث: ادخلي أوضتك إنتِ يا ريم،، غيري هدومك ونامي.
ثم نظر إلى سليم وأمال وتحدث بنبرة جادة: اتفضلوا نتكلم جوة بدل ما الشغالين يتفرجوا علينا زي المرة اللي فاتت.
تزفرت أمال بضيق وتحركت للداخل وتحرك خلفها قاسم وسليم وأغلق سليم باب الغرفة وتحدث: اتفضلي يا ماما، أنا سامعك!
ضحكت بطريقة ساخرة وتحدثت: اتفضل أقول إيه يا سليم، هو مين فينا اللي طالب يتكلم؟
أجابها بقوة: حضرتك اللي هتتكلمي يا ماما، هتقولي لي شفتي فريدة امتى وإزاي وفين؟
ونظر لها بتدقيق راصداً ردة فعلها.
كانت تتهرب من نظراته المتفحصة لها وأردفت بإنكار: فريدة مين دي كمان اللي شفتها و...
كادت أن تكمل لكنه قاطعها بحدة: شفتي فريدة فين وامتى يا أمي؟
رمقته بنظرة حادة وصاحت بنبرة غاضبة: روحت لها بيتها ياسليم، روحت هددتها هي وأمها وعرفيتهم مقامهم، عريتهم قدام نفسهم و وريتهم حجمهم الطبيعي!
جحظت عيناه من هول ما استمع إليه وتحدث بذهول: هو حضرتك بتتكلمي بجد؟ يعني إنتِ حقيقي روحت اقتحمتي على الناس بيتهم واتهكمتي عليهم؟
ضحكت وتحدثت بنبرة ساخرة: بيت إيه اللي اقتحمته عليهم يا سليم، وأكملت باشمئزاز: أنا كان نفسي تيجي معايا علشان تشوف المزبله اللي عايشة فيها ست الحسن والجمال بتاعتك هي وأهلها وبيسموه بيت.
وأكملت بنبرة جادة: تعرف يا سليم، أنا كنت شاكة إنها ممكن تكون بتحبك، لكن بعد ما رحت أنا وخالتك وشوفنا عيشتها المؤرفة هي وأهلها، اتأكدنا إنها فعلاً طمعانة فيك علشان تنشلها من القرف اللي هي عايشة فيه.
ونظرت إلى قاسم الذي يجلس يستمع فقط ولا يعقب وأكملت بتعال وغرور: لو شفت المنطقة اللي عايشة فيها يا قاسم،،، Oh No!
وأقشعرت بوجهها باشمئزاز مكملة: ولا مامتها،، ياااااي، طالعة علينا من المطبخ رابطة شعرها بإيشارب ولابسة جلبية مرضاش أخلي رقيه تنظف لي البيت بيها!
نظر لها باندهاش وتحدث بذهول: امتى وإزاي اتحولتي وبقيتي بالصورة الشنيعة اللي ظاهرة قدامي دي؟ معقولة إنتِ أمي الست المكافحة اللي ضحت عشان أولادها وحرمت نفسها حتى من الاكل الكويس عشان تعلمهم؟ أول ما ربنا يدينا تتكبري وتسخري من خلقه بالطريقة البشعة دي؟
وأكمل: وعلى فكرة بقى يا ماما، أنا شفت مامت فريدة، ست محترمة ومنمقة في لبسها ونظيفة جداً، حتى كلامها كلام ست واعية وفاهمة الدنيا كويس جداً، وأحسن من ناس كتير عاملين فيها سيدات مجتمع وهما جواهم فاضي.
ثم حول بصره إلى والده وأردف مستغرباً صمته: حضرتك ساكت ليه يا بابا، معقولة حضرتك كنت عارف اللي ماما عملته وسكت وعجبك تصرفها؟
تنهد قاسم وأردف قائلاً بنفي: طبعاً ما كنتش أعرف يا سليم، ولو عرفت كنت أكيد منعتها إنها تعمل كده.
واكمل بنبرة هادئة: بس ده ميمنعش إن أمك من حقها تدافع عنك وتختار لك الأفضل، يمكن الطريقة اللي اتصرفت بيها كانت غلط، لكن الدافع معنديش أي اعتراض عليه، أمك خايفة عليك يا سليم وده حقها.
أفحمه رد والده البارد وسحقه داخله.
وقف ينظر إليهما بشموخ وأردف قائلاً بحسم: أنا كمان من حقي أدافع عن اختياراتي وأحفظ كرامة البنت اللي بحبها واللي إن شاء الله هتكون مراتي وأم أولادي.
ونظر إلى والدته وتحدث بقوة وحزم: قدام حضرتك اختيار من اتنين ملهومش تالت، الأول هو إن حضرتك تيجي معايا بكرة ونروح للست اللي حضرتك أهنتيها في بيتها وتعتذري لها، وأظن ده أقل شيء نقدر نعمله عشان نرد لها اعتبارها.
أجابت بقوة ونبرة مستفزة قبل أن يكمل: على جثتي يا سليم.
وأكمل والده معترضاً بحدة: إنت اتجننت يا سليم، عاوز أمك تروح تهين نفسها وتعتذر لواحدة في بيتها؟
رد سليم بقوة: الست اللي حضرتك مستكثر إن أمي تروح تعتذر لها دي، أمي بنفسها هي اللي راحت لها نفس البيت ده واهانتها واهانت بنتها فيه.
وأكمل بحدة: إحنا بنصحح أوضاع ليس إلا يا قاسم باشا!
تحدث قاسم برفض قاطع: وأنا قلت مش هيحصل يا سليم!
ابتسم لأبيه وتحدث: يبقى مفيش غير الحل التاني، وهو إني هسيب البيت ده دلوقتي حالاً ومش راجع هنا تاني.
ردت بصياح: إنتَ بتهددنا يا سليم، بتحطني قدام الأمر الواقع، يعني يا إما أروح أتذل لأم الشرشوحة بتاعتك وأعتذر لها، يا إما هتقاطعنا وتسيب البيت؟
أجابها بقوة رافعاً رأسه بشموخ: بالظبط كده يا أمي!
ابتسمت ساخرة وأردفت بقوة مماثلة وتحدي: وأنا مش هروح يا سليم.
ابتسم لها وهز رأسه بإيجاب وتوجه إلى الباب وذهب لغرفته وبدأ بجمع أشياءه.
دلف والده قائلاً وهو ينظر إليه: اعقل يا سليم وبلاش تهور، مش معقول كل ما تختلف إنتَ وأمك تلم هدومك وتروح تقعد في الأوتيل، أظن إنتَ كبرت على حركات الأولاد دي.
جمع أشياءه ونظر إليه قائلاً: أنا فعلاً كبرت يا بابا، وده اللي حضراتكم مش قادرين تشوفوه ولا تفهموه، وعشان كبرت فاسمح لي، من النهارده هكون مسؤول عن اختياراتي، ومن غير ما أشارك فيها أي حد.
حتى إحنا يا سليم؟ قالها قاسم بتساؤل.
أجابه سليم: حضراتكم اللي اخترتم وحكمتم بكده، مش أنا يا بابا.
وحمل حقيبته وخرج من الشقة إلى الأوتيل مباشرة تحت اشتعال أمال وكرهها أكثر وحقدها على تلك فريدة.
ترى ما الذي يجعل سليم متأكداً طوال الوقت أن فريدة هي دون غيرها من ستكون زوجته وأم أطفاله المستقبلية؟
رواية جراح الروح الفصل الثامن عشر 18 - بقلم روز امين
داخل شركة الحٌسيني وبالتحديد بمكتب دكتور مراد
كان يجلس داخل مكتبهٌ يفحص أوراقه الموضوعه أمامهٌ بعناية.
إستمع إلي طرقات خفيفه فوق الباب فتحدث بهدوء:
٠٠٠ أدخل.
خطت بساقيها المرتبكة للداخل ووقفت أمامهُ تنظر إليه خجلاً وتحدثت:
٠٠٠ صباح الخير يا دكتور.
نظر إليها بجمود وتسائل بحدة بالغه:
٠٠٠ خير يا دكتورة؟
تنهدت من طريقتهِ الحادة ولكنها تحاملت علي حالها بعدما عاهدت نفسها علي أن لا تغضب منه بعد الأن،، وذلك لتعاطفها مع ظروف مرضه وحالتهِ الإنسانية وأيضاً تضامناً مع حالة والديهْ.
وتحدثت بإبتسامة هادئة وصوتٍ رقيق:
٠٠٠ أنا كٌنت حابه أشكر حضرتك علي موقفك النبيل معايا قدام دكتور صادق،، الحقيقه أنا كٌنت محرجه جداً ومش عارفه هواجه دكتور صادق إزاي لما يعرف إني كٌنت سبب مباشر في إللي حصل لحضرتك يومها.
كان ينظر إليها بجمود وقلبٍ مٌشتعل غضبً منها وتحدثَ بحده بالغه:
٠٠٠ مكنش ليه لزوم تتعبي نفسك وتيجي لحد هنا تتحفيني برؤيتك البهية دي.
وأكملَ بوقاحه لازمتهٌ مؤخراً:
٠٠٠ والموضوع مش زي ما جنابك فاهمه،، أخر همي شكلك قدام دكتور صادق أو قدام أي حد،،، كل الحكاية إنك ساعدتيني في اليوم ده وبقالك عندي دين ،، وأنا بقا محبش حد يبقا ليه عليا جمايل،، وخصوصاً إنتِ بالذات.
وأكملَ مٌشمئزاً:
٠٠٠ فياريت متديش لنفسك حجم أكبر من اللي تستحقيه.
وأكملَ مهدداً:
٠٠٠ وبالمناسبة،،،،، لازم تحمدي ربك علي اللي حصل لي في اليوم ده ،، لأن لولا اللي حصل لي ولولا مساعدتك ليا وإني مبأذيش ولا بغدر بحد ساعدني وليه في رقبتي دين،، كان زماني موريكي مقامك صح واللي تستحقة واحدة زيك.
وأكملَ شبه طارداً إياها:
٠٠٠ ودالوقتِ ياريت تتفضلي علي مكتبك لأن وقتي ضيق ومعنديش إستعداد أضيعه في كلام فارغ.
ألم داخلها من تلك المعاملة التي أشعرتها بدونيتها وهي التي تربت علي الكرامة وعزة النفس،، إقشعر بدنها وحزن قلبها وشعرت بغصة مٌرة وقفت بحلقها وأختنقت عيناها بالعبرات،، حتي أنها لم تستطع التحدث وأكتفت بهزت الرأس وتحركت للخارج بساقين تهتزان ألماً وخجلاً.
شعر بغصة تملكت من قلبه وألمته،، نظر إلي طيفها بشرود وقلبٍ يتألم لأجله.
دق علي مكتبه بعنف ،، و باتَ يٌعنف حالهٌ بشدة علي إطلاقهِ لتلك الكلمات الأشبه بطلقات الرصاص الذي أطلقها علي تلك الرقيقه التي يبدوا عليها الرقه والطيبه والحنان !
ثم بلحظه أستفاق علي حاله وحدثها:
،،، مابك مراد،، إستفق أيها المغفل،، لاتدع الفرصة لتلك المخادعه أن تلعب عليك وتخدعك بمكرها وقناع البراءة التي ترتدية بمهارة.
من تلك التي يرق قلبك لأجلها ؟ ماهي إلا مخادعة صغيرة حقيرة كباقي بنات جنسها.
إستفق بالله عليك وعٌد لرٌشدك وصوابك.
أما ريم التي ما إن خرجت من مكتبهِ حتي أسرعت إلي المرحاض وأغلقته وشرعت في بكاءٍ مرير علي كرامتها التي دٌهست تحت أرجل ذلك الغاضب،، والذي زادَ من ألمها وكسرَ كبريائها أنها لم تقويّ علي صَدهِ وردعهْ،، وذلك لأخذها وعداً علي حالها لعدم إزعاجه من جديد لتعاطفها الشديد مع حالته وأيضا إكرامً لضعف والدةِ أمامه.
داخل شقة غادة التي كانت تٌحادث زوجها عبر تطبيق الفيديو كول.
أردفت غاده قائلة بعيون مترجيه:
٠٠٠ أرجوك يا خالد كفاية غربه لحد كدة وأرجع بقا،، أنا خلاص تعبت ومش قادرة أتحمل أكتر من كده،، ولادك كبروا ومحتاجين أب يعملوا حسابه ويخافوا منه،، وأنا محتاجه لوجودك جنبي يطمني.
تنهد خالد ونظر إليها بحنين وأردفَ قائلاً:
٠٠٠ إهدي يا غادة أرجوكِ،، صدقيني أنا كمان تعبت ويمكن أكتر منك،،،، تعبت من الغربه والوحده والإشتياق،،، يا غادة أنا نفسي أرجع وأعيش في بلدي وسط أهلي ،، نفسي أرجع من شغلي علي بيتي ألاقي مراتي مستنياني وفتحالي دراعتها بحب وحنان،، ألاقي ولادي حواليا،،، نفسي أقعد علي سفرة وأكل أكل بيتي من أيد مراتي وحواليا ولادي وأحس بعزوتي.
وأكمل بحب:
٠٠٠ أصبري يا غادة،،، صدقيني قريب جداً هتلاقيني بتصل بيكِي وأقول لك إني راجع خلاص.
تنهدت بأسي وأردفت بتمني:
٠٠٠ ياريت يا خالد لأني بجد تعبت ومش هقدر أكمل بالطريقه دي.
إستمعت لرنين جرس الباب،، إتجه تميم إلي الباب وفتحهٌ وتفاجأ بوجود لٌبني أمامه.
تحدثت إليه وهي تدلف للداخل:
٠٠٠ أزيك يا تيمو،، خالتو فين؟
أجابها الفتي ببشاشة وجه:
٠٠٠ أهلاً يا لٌبني،، ماما جوة بتكلم بابا فيديو كول،،، أدخلي لها تلاقيها خلصت.
دلفت لٌبني بالفعل إليها وأشارت إلي خالد بيدها قائلة:
٠٠٠ أنكل خالد،،، وحشتني،، أخبارك أيه؟
رد عليها خالد:
٠٠٠ لٌبني أزيك،، بابا وماما عاملين أيه،، سلمي عليهم كتير !!
أجابته وهي تٌشير إلي غادة:
٠٠٠ يوصل إكيد ،،، غادة أنا هقعد برة مع تميم لما تخلصي مكالمتك.
وتحركت بالفعل ووقفت بالشرفة بجانب تميم حتي أتت إليهما غادة موجهه حديثها إلي تميم بنبرة هادئة:
٠٠٠ يلا يا باشا علي أوضتك شوف مذاكرتكت.
كملَ الفتي بوقفته وأردف قائلاً بإعتراض وتذمر:
٠٠٠ هو إنتِ يا ماما كل ما تشوفي وشي تقولي لي ذاكر ،، معندكيش كلام تاني غير ده تقوليه؟
تحدثت غادة بنبرة تحذيرية:
٠٠٠ تميم،،، إتفضل روح أوضتك !!
ذهب الفتي ونظرت لها لٌبني وأردفت بضحكات:
٠٠٠ بالراحة علي تيمو يا غادة،، الولد مش حمل شدتك دي !!
نظرت لها غادة وأردفت بتساؤل:
٠٠٠ وإنتِ بقا أيه حكايتك إنتِ كمان؟
ضيقت لٌبني عيناها وتسائلت بإستغراب:
٠٠٠٠ حكايتي أنا ،،، هو أنتِ هتسيبي إبنك وتستلميني مكانه؟
تحدثت غادة بنبرة جادة:
٠٠٠٠ إنتِ عارفه أنا أقصد أيه كويس يا لُبني ،،، فياريت متتلائميش عليا،، أيه حكايتك مع هشام بالظبط،، و وصلتوا لحد فين؟
وأكملت بحزم:
٠٠٠ وقبل متنكري أنا شفتكم مع بعض من شباك المطبخ يوم السبوع بتاع إبن هادي !!
تنهدت لٌبني ورفعت كتفيها بإستسلام وأردفت قائلة بنبرة حزينه:
٠٠٠ مش عارفه أنساة يا غادة، ،، بحبه ومش قادرة أخرجه من قلبي وأحط حد مكانه،، حاولت،،، والله العظيم حاولت بس مقدرتش !!
تسائلت غادة:
٠٠٠٠٠ وقولتي له الكلام ده؟
هزت رأسها بتأكيد فأكملت غادة:
٠٠٠ وهشام ،،، رد عليكي بأيه؟
اجابتها بعيون متألمة:
٠٠٠ هشام ملهوش ذنب يا غادة،،، أنا اللي طلبت منه يسبني أحبه من غير ما يبعد نفسه عني،،، طلبت منه يسمح لي أكون قريبه منه ،،، مش أكتر صدقيني !!
زفرت غاده بضيق وتحدثت:
٠٠٠ بس ده أكبر غلط يا لُبني،، إنتِ كده بتهيني نفسك وبتقللي من كرامتك معاه،،، ثم إزاي البيه ده كمان يوافق علي حاجه زي كدة،، إتجنن ده ولا أيه.
وأكملت بتعقل:
٠٠٠ لازم تبعدي عن هشام وفوراً علشان تدي لنفسك فرصه تنسيه،، وكمان علشان متخربيش حياته اللي بناها مع فريدة.
هدرت بكامل صوتها بحده وألم وغيرة:
٠٠٠ متولع فريدة،، فريدة الأهم عندك ولا أنا يا غادة؟
اجابتها بتعقل:
٠٠٠ يا بنتي إفهمي،،، أنا عامله عليكي إنتِ وعلي كرامتك ،،، هشام مش هيسيب فريدة علشانك لسبب بسيط جداً،،، وهوه إنه فعلاً بيحبها بجد !!
أجابتها بإنكار شديد:
٠٠٠٠ هشام محبش حد غيري يا غادة،، هشام وهم نفسه وكان بيحاول ينساني بيها لكن معرفش،،، بدليل إني أول مقولت له يسمح لي أقرب منه وأكلمه فون معترضش أبداً ،،، كادت غادة أن تتحدث ولكن أسكتتها لُبني بإستعطاف:
٠٠٠٠ أرجوكِ يا غادة متتكلميش تاني في الموضوع ده لا معايا ولا مع هشام.
ونظرت لها برجاء وأستعطاف:
٠٠٠ أرجوكِ.
لبت غادة طلبها وبالفعل غيرت مجري الحديث وضلا تتحدثتانإلي أن أستمعتا لجرس الباب،، تحركت لُبني سريعً وفتحت الباب وأردفت بسعاده عندما وجدته أمامها وذلك بعدما أتفقا بمكالمتهما معاً بالإلتقاء هٌنا وكأنها صٌدفه.
نظرت لعيناهْ وأردفت بسعاده وعيون عاشقه مٌتفحصه لكل إنشٍ لوجههِ التي تعشق ملامحه:
٠٠٠ وحشتني ♡.
إبتسم برجوله وأنتشي داخله وشعرَ بفخرٍ شديد من شدة عشقها لهْ الظاهر بعيناها.
وتحدث مٌتسائلاً:
٠٠٠ غادة هنا؟
إجابته وهي تٌغلق الباب سريعً وتتحرك خلفهٌ للداخل بلهفه:
٠٠٠ أه جوة.
نظر لها بعيون سعيدة وتحدث:
٠٠٠ عاوز أشرب فنجان قهوة من إديكي !!
طار داخلها وسعدْ وأردفت قائلة بطاعه عمياء:
٠٠٠ بس كدة،،، من عنيا يا هشام.
تنفس براحه ودلف لخالته إلي الشرفة وأقترب عليها قبل وجنتيها تحت نظرات غادة التي بدأ الشك يتغلغل داخلها من ناحية ذلكَ الثنائي.
تحركا معاً إلي غرفة الجلوس وجلسا سوياً.
قررت غادة أن تٌصارح هشام وتٌخبرهٌ بشكوكها وأيضاً بما رأته من ولهْ وعيون سعيده أثناء حديثهما معاً داخل الحديقه يوم السبوع وذلك لخوفها عليه وعلي لٌبني وأيضاً فريدة.
وبالفعل بدأت بالحديث ،، وتوقفا حين دلفت لٌبني بالقهوة ،، فطلبت منها غادة الذهاب للمطبخ مجدداً لصنع عصير الليمون المحبب لدي هشام،، فتوجهت مرةً أخري.
وأسترسلت غاده حديثها وبعد مدة.
نظرت إليه غادة وأردفت بتساؤل ونظرات لوم:
٠٠٠ ليه كدة يا هشام،،، أنا كنت فكراك أكبر وأعقل من كده؟
أجابها بإقتضاب وإنكار:
٠٠٠ الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمه خالص علي فكرة، ،،، تواجدنا هنا في نفس الوقت مجرد صٌدفة مش أكتر يا غادة !!
طالعتهٌ بنظرات مٌشككه:
٠٠٠ صٌدفكم مع بعض كترت أوي يا أبن أختي،،، حابه بس أفكرك إن فريدة لو عرفت حاجه زي دي ممكن تخسرها للأبد،،،، وأكملت بشك:
٠٠٠٠ إلا إذا ،،،.
إنتفض بجلسته ووقفَ غاضبً وأردف قائلاً بضيق مٌستنكراً تفكيرها ورافضاً إياه:
٠٠٠ أيه التخاريف اللي بتقوليها دي يا غادة،،، أيه إلا إذا دي كمان.
وقفت غادة تٌطالعه بترقب وتحدثت لتهدئته:
٠٠٠ خلاص خلاص،،، أقعد وكمل قهوتك ،، وأنا يا سيدي هسكت خالص وهعمل نفسي مش واخدة بالي لو ده إللي هيريحك !!
زفر بضيق وتحدثَ بوجهِ عابس:
٠٠٠ أنا ماشي يا غادة،، وبعد كدة لو وجودي هيضايقك بالشكل ده مش هاجي هنا تاني !!
نظرت لهْ مُضيقتاً عيناها بإستغراب لغضبتهِ الغير مبررة بالنسبةِ لها وقالت:
٠٠٠ جري أيه يا هشام،،، هو أيه إللي حصل لقلبتك وزعلك بالشكل ده،، وبعدين إنتَ عارف كويس أوي إن ده بيتك ومرحب بيك في أي وقت،،، يعني ملوش لازمه تحريف الكلام وقلب الموازين بالشكل ده !!
أجابها بإنسحاب وهروب وهو يٌلملم أشيائه الخاصة:
٠٠٠ غادة من فضلك،،، أنا مش حابب ولا قادر أتكلم ،، أنا ماشي ،،، سلام.
وتحركَ سريعً ليخرج تحت نظرات غادة المتطلعه إليه بأسي،،، تقابل بوجههِ مع لٌبني التي نظرت إليه بإستغراب وحٌزن ظهر بعيناها وأردفت قائلة:
٠٠٠ رايح فين يا هشام؟؟
لم ينظر إليها وتابع السير مٌتجهاً إلي الباب وتحدثَ:
٠٠٠ أنا ماشي يا لُبني ،،، إفتكرت مشوار مهم لازم أروحه.
أشارت إلي الحامل الذي بيدها والموضوع عليه بعض أكواب العصير:
٠٠٠٠ طب إشرب العصير الأول.
لم يٌعيرها ولا لحديثها أية إهتمام وخرج وصفق الباب خلفه بقوة !!
حولت بصرها إلي غادة ونظرت لها بعيون مغيمة بالدموع ،،، وفهمت أنها حدثته بموضوعهما،،،، تراجعت إلي المطبخ و وضعت الحامل وخرجت وحملت أشيائها هي الأخري وخرجت كالإعصار دون حديث.
تنهدت غادة وهي تنظر بشرود وحيرة إلي أثرهما !!
نزلت لٌبني سريعً وأستقلت سيارتها وهاتفت هشام الذي رد عليها بعد عدة محاولات منها.
وبعد محايلات وافق ان يتقابل معها داخل إحدي الكافيهات،، وبالفعل حدث وجلسا يتثامران وقد إستطاعت أن تٌنسيهِ حزنه الذي أصابهٌ من حديث غادة الصريح وأندمج معها لأبعد الحدود.
في اليوم التالي بعد إنتهاء الدوام اليومي داخل الشركة.
كانت تتحرك إلي خارج الشركة لتستقل سيارتها عائدة لمنزلها.
وجدت نورهان بوجهها والتي تحدثت بإبتسامة زائفة:
٠٠٠ أزيك يا فيري.
إقتربت عليها فريدة مٌقبله إياها بود:
٠٠٠ أهلاً يا نور،، وحشتيني.
أردفت قائلة بنبرة مٌعاتبة:
٠٠٠ لو وحشاكي فعلاً زي مبتقولي كٌنتي سألتي ،، مش تطنشيني بالشكل ده ولا تسألي.
أجابتها فريدة وهي تتحرك بجانبها إلي خارج الشركة:
٠٠٠ صدقيني غصب عني يا نور،، الباشمهندس فايز مديني شغل كتير جداً محتاج يخلص قبل إنتهاء الشهر،، ده غير ضغط الشغل إللي أتحطيت فيه بسبب المنصب الجديد.
إشتعل داخل نورهان حين ذكرت فريدة ذلك المنصب وتحدثت برياءٍ:
٠٠٠ قدها وقدود يا باشمهندسه،، مستر فايز بيثق فيكي لأبعد الحدود ودايماً بيسند لك المهام الصعبة و الحساسة.
ثم أكملت بنبرة جادة:
٠٠٠ طمنيني عنك إنتِ وهشام،، قربتوا تفرحونا معاكم؟
إبتسمت فريدة وأجابتها:
٠٠٠ الحمدلله ،، هشام أخيراً إستلم الشقه وهنبتدي من أول الشهر نجهزها.
إبتسمت وأردفت قائلة:
٠٠٠ ده خبر هايل ،، الف مبروك يا فريدة.
هٌنا أتي العامل المسؤول عن إسطفاف السيارات بالجراچ وتحدثَ إلي فريدة قائلاٍ بإحترام وهو يترجل من سيارتها:
٠٠٠ إتفضلي يا أفندم.
إبتسمت فريدة إليه وتحدثت ببشاشة وجه:
٠٠٠ متشكرة يا رفعت.
كانت نورهان تشتعل داخلياً من فريدة وأمورها الماديه التي بدأت تستقر وتعلو.
وأردفت قائلة بتشكيك:
٠٠٠ تعرفي إني طلبت من فايز بيه يتوسط لي في قرض زي بتاعك علشان أشتري عربية ورفض ،، قالي إن مدير البنك مش هيوافق.
وأكملت بنبرة تشككيه:
٠٠٠ أقول لك الحق يا فريدة ومتزعليش.
نظرت لها فريدة بترقب فأكملت هي:
٠٠٠ مش عارفه ليه عندي إحساس إن موضوع العربية ده وراه إنَ.
نظرت لها فريدة بإستغراب وتحدثت:
٠٠٠ وراه إنَ إزاي يعني؟
وأكملت بتعقل:
٠٠٠ كل الحكاية إن فايز بيه حب يخدمني بعد موضوع إتمام الشراكه مش أكتر ،، ما أنتِ عارفه مستر فايز عملي قد أيه،، الحياة عنده خد وهات.
ومش معقول كل يوم هيكلم مدير البنك ويخلي موظفينه يجيبوا قروض بأسمائهم لموظفينا !!
ثم نظرت إليها بإستغراب وتسائلت:
٠٠٠ نور،، هو أنتِ عرفتي منين موضوع إن مستر فايز هو إللي أتوسط لي في تسهيل قرض العربية؟
تنهدت نور ثم أردفت قائلة:
٠٠٠ من هشام يا فريدة ،، كنا بنتكلم من يومين والكلام جاب بعضه !!
وهٌنا إنتبها إثنتيهما لخروج ذلك الوسيم من الشركة بهيئتهِ الخاطفة لأنفاس أية أنثي،، وطلتهِ المهلكة علي وجه الخصوص لقلب تلك العاشقة،، مما جعلها ترتبك قليلاً بوقفتها ونظرة عيناها الحائرة التي تنطق عشقً وأشتياقً يطلان منهما عنوةً عنها مهما حاولت تخبأتهم.
وقد لاحظت نورهان هذا الإرباك والتشتت وسعدَ داخلٌها بشماته وأبتسمت بتشفي في تلك العاشقة الذي أذابها الغرام وأنهي علي قلبها ورٌغم ذلك العشق الهائل لم تستطع أن تغفو بأحضان ذلكَ الوسيم وتتذوق معهُ شهد الغرام،، وتٌكحل عيناها برؤيته صباحاً ومساءً.
إقترب هو وعَلي من وقفتهما إنتظاراً لإحضار سيارتهما ونظر هو من خلف نظارتهِ الشمسية التي يرتديها خصيصاً حتي يٌشبع عيناه برؤية من ملكت الفؤادَ والوجدان بأريحيه.
تحدثَ سليم بنبره جاده يٌجيدها:
٠٠٠ مساء الخير.
نظرت إليه إثنتيهما وأجابتا:
٠٠٠ مساء النور.
وتحدثت نورهان بتملق:
٠٠٠ أزي حضرتك يا باشمهندس.
أجابها بنبرة بارده وجاده:
٠٠٠ الحمدلله يا باشمهندسه.
نظر عَلي إلي فريده وأردفَ قائلاً بود:
٠٠٠ أزيك يا باشمهندسه ،، أخبارك أيه؟
أجابته ببشاشة وجه ونبرة هادئة:
٠٠٠ الحمدلله.
هٌنا خرج هشام الذي إشتعل داخله لمجرد رؤيتهٌ لتواجدها بجانب ذلك المستفز ،، إقترب عليها وتحدث للجميع:
٠٠٠ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ردو الجميع وأستقلت هي سيارتها وأنسحبت علي الفور منعاً لمضايقة هشام وأيضاً لتعطي المجال لحارس السيارات بجلب سياراتهم.
وأستقلت نورهان سيارة الأجرة التي كانت تنتظرها.
وكٌلٍ ذهبَ إلي وجهتهِ.
هاتفت فريده هشام علي الفور وتسائلت:
٠٠٠ إنتَ إزاي يا هشام تقول لنورهان إن مستر فايز هو اللي إتوسط لي في موضوع قرض العربية؟
أجابها ببرود:
٠٠٠ وأيه المشكلة في إني قولت لها يا فريدة،،، هي نورهان دي مش بردوا صاحبتك؟
أجابته بحده:
٠٠٠ أيه دخل صاحبتي بإنك تقولها علي موضوع شخصي زي ده؟ طب أهي راحت طلبت من فايز إنه يتوسط لها في قرض ،، وأكملت بضيق:
٠٠٠ الراجل يقول عليا أيه دالوقتِ يا هشام؟
أردف هشام مٌتعجبً:
٠٠٠ معقول نورهان عملت كده،، أنا أسف يا حبيبتي ،، أكيد مكنتش أقصد إن كل ده يحصل.
تنهدت هي وأردفت بهدوء:
٠٠٠ خلاص يا هشام حصل خير،، بس من فضلك بلاش تتكلم مع أي حد تاني في أي حاجه تخصنا.
أجابها بهدوء:
٠٠٠ حاضر يا حبيبتي.
أنهيا الإتصال بينهما وأكملا طريقهما كٌلٍ إلي وجهته.
وبعد عدة ايام من واقعه ما حدث بمنزل غادة كانت لُبني قد إستطاعت أن تٌجذب هشام إليها وتعيد معهُ الذكريات من جديد،،، ولكن هشام كان أناني لأبعد الحدود ،،، فقد قرر أن يحتفظ بحبها وذكرياته السعيدة معها،، وأيضاً يحتفظ بعشقهِ إلي فريدة وزواجه منها.
كانت لٌبني تحادث ذلكَ المجهول من غرفتهاتحدثَ المجهول مٌحذراً:
٠٠٠ خلي بالك بكرة كويس جداً،، بكرة اللقاء المنتظر،،، اللقاء الحاسم اللي هينهي كل حاجه بين هشام وفريدة ،، لاازم تبقي حذره وتليفونك ميفارقش إيدك لحظه واحده،، هنتواصل عبر الرسايل علشان مياخدش باله.
وأكمل بتحذير:
٠٠٠٠ لٌبني ،،، دي فرصتك الأخيرة في رجوعك ل هشام،، أوعي تسبيها تضيع من بين أديكي.
أردفت لٌبني قائلة بحماس:
٠٠٠٠ إطمني ،،، إذا كنتِ إنتِ بتعملي كل ده وتخططي له علشان تنتقمي من فريدة،،، فأنا برجع حلم عمري الضايع لقلبي من جديد،، واللي أكيد هكون حريصه علي تحقيقه أكتر من أي حد.
بنفس التوقيت بمنزل فؤاد.
كان يجلس بصحبة فريدة وعائلتهاتحدث هشام إلي فؤاد بإحترام:
٠٠٠ بعد إذن حضرتك يا عمي،، كٌنت حابب أخد فريدة بكرة علشان نروح نتفرج علي الشقه لأني خلاص الحمدلله إستلمت مفتاحها ،، وكمان علشان نشوف الفرش المناسب ليه.
تحدث فؤاد طبقاً للشرع والدين والعرف:
٠٠٠ وماله يا أبني،، بس خليها بعد بكرة علشان أرتب حالي ،، لأني هاجي معاكم إن شاء الله.
خاب أمل هشام الذي كان يريد الذهاب بمفردهِ مع فريده ليٌعبر لها عن مشاعرهِ تجاهها داخل مسكنهم الخاص الذي سيشهد علي أجمل لحظات الهوي التي طالما حلٌمَ بها معها.
كانت تجلس داخل غرفتها تقبع فوق مكتبها تراجع دروسها.
إستمعت إلي طرقات خفيفة فوق الباب سمحت للطارق بالدلوف.
دلفت والدتها وتحركت إليها قائلة:
٠٠٠ بتعملي أيه يا ريم؟
نظرت لوالدتها وأجابت بإقتضاب وذلك لحٌزنها الشديد منها بعد عِلمها بما فعلته بفريدة ووالدتها،، وذلك بعدما ذهبت إلي سليم تطلب منه العودة إلي المنزل فأضطر أن يقٌص لها سبب إبتعاده.
تحدثت:
٠٠٠٠ زي ما حضرتك شايفه،، بذاكر.
تنهدت أمال ثم تحدثت:
٠٠٠ هي البنت مش دخلت لك من شوية وقالت لك إن حٌسام برة؟
أجابتها بتملل:
٠٠٠ أه يا مامي قالت لي،، بس زي ما حضرتك شايفه، ، ورايا مذاكرة كتير ومش فاضيه.
ضيقت أمال عيناها وتسائلت بإستجواب:
٠٠٠ هي أيه الحكاية بالظبط يا ريم ،، هو أنا ليه ملاحظه مؤخراً إنك بدأتي تتلاشي وجودك مع حٌسام وتضايقي من زياراته ،، وحتي لما بتقعدي معاه،، بحس إنك مجبرة علي القاعده وطول الوقت ساكته؟
زفرت بصيق وتحدثت:
٠٠٠ أقول لك الصراحه يا مامي،،، حٌسام مؤخراً بقا خنيق جداً،، وبدأ يتدخل في شغلي وكل تفاصيل حياتي بطريقه تخنق،، ده غير كلامه علي سليم اللي كله لوم وعتاب ،، لدرجة إني إبتديت أحس إنه بيغير من سليم وبيحقد عليه.
نظرت إليها بضيق وتحدثت بلوم:
٠٠٠ مش هو ده حبيب القلب إللي فرضتيه عليا وقولتي بحبه يا مامي ومش هقدر أعيش من غيرة،، وأكملت بجديه وتحذير:
٠٠٠ إسمعي يا ريم،، أوعي تسمحي له يتعدي حدوده معاكي ويتحكم فيكي،، وبالنسبه لكلامه عن سليم أوعي تدي له فرصة يتكلم عن أخوكي قدامك تاني،، وأكملت:
٠٠٠ لو مش حابه تكملي معاه ياريت تقولي لي من دالوقتِ ،، علشان أعرف هتصرف إزاي؟
إرتبكت ريم وتحدثت:
٠٠٠ أيه الكلام اللي حضرتك بتقوليه ده يا مامي،، أسيب حٌسام إزاي يعني،،، أنا بس بشتكي لك منه لما حسيت إنه زودها،، لكن أكيد هيراجع نفسه لما يلاقيني بعدت وأتغيرت ،، ويرجع معايا تاني زي الأول وأحسن.
أجابتها أمال بهدوء:
٠٠٠ تمام يا ريم،، شوفي اللي يرضيكي ويريحك أيه وأنا أكيد معاكي فيه مش ضدك ،، وأكملت بضيق:
٠٠٠ وياريت تتصلي بالبية أخوكي تاني وتحاولي تعقليه وتخليه يرجع البيت ،،، أنا مش فاهمه هو جايب العند ده كله منين؟
وأكملت وهي تستعد للخروج:
٠٠٠ علي العموم ذاكري وأنا هخرج وأقول لحسام إني لقيتك تعبانه ونايمه.
وتحركت للخارج ،، أما ريم التي ألقت برأسها للخلف وبدون وعي بدأت تتذكر ذلك الوسيم حين دلفت إليه مكتبة بصحبة سامح المحامي،، حين كان شارداً وهادئ الروحْ ومستكين الملامح.
إبتسمت وتحدثت،، يالك من وسيم أيها المراد،، كم كان صوتك هادئً مستكيناً ذلك اليوم.
وتنهدت بسعاده لا تدري ولا تعلم من أين مصدرها.
أما ذلكَ الذي كان يتحرك داخل حديقة منزلة بشرود،، يفكر دون وعي بتلك البريئه التي بدأت تٌشغل حيزاً كبيراً من تفكيرة اليوم.
يحزن داخلهِ حين تذكر دموعها الحبيسه وهو يٌكيل لها وابل الإهانات الذي إنهال بها عليها وهي التي أتت لتشكرة وتطمئن علي حالته.
تذكرَ هلعها ورٌعبها عليه حين وقع صريعً ،، وتذكر كيف طمئنتهُ وشددت علي يده ولم تتركه حتي عادَ إلي وعيهِ من جديد.
ثم زفر بضيق وحدث حالهِ بغضبٍ تام:
،،،، مابكَ مراد؟
ماذا تظنٌ حالكَ فاعلاً يا فتي؟
إستفق بالله عليك،، فقلبكَ لم يعٌد لديهِ القدرة لتحمل الخيباتٌ بعدْ.
لاتدع لدموع عيناها الزائفة بأن تخدعك وتنطلي عليك ،، ففي النهايةِ كلهنَ خائنات مخادعات ملعونات،، يٌجيدنَ اللعب بالمشاعر والقلوب مثلما يتنفسن.
زفر بضيق وبدأت أصابع يده تتخلل خصلات شعرةِ الأسود الحريري الملمس في حركة عصبيه يحاول بها تهدأت روعهِ ومنع حالهِ من التفكير بتلك المستفزة التي إقتحمت حياتهٌ مؤخراً عنوةً عنه.
في تلك الأثناء أتت إليه والدتهٌ وتصاحبها العامله التي تحمل كوبً من العصير الطازج والتي أحضرته خصيصاً لأجل صحة صغيرها الحبيب.
وتحدثت بحنان:
٠٠٠ أيه يا حبيبي،، قاعد لوحدك ليه وسايبني أنا وبابا جوة؟
قبل رأسها بحنان وتحدث:
٠٠٠ مفيش يا حبيبتي،، حسيت إني مخنوق شويه فقلت أخرج في الجنينة أشم شوية هوا.
تحدثت بقلق وهي تناولهٌ كأس العصير:
٠٠٠ طب أيه،، حاسس نفسك بقيت أحسن؟
تناول منها الكأس وأردفَ قائلاً بطمأنة:
٠٠٠ تسلم إيدك يا حبيبتي،، الحمدلله أحسن كتير.
وبدأ بتناول مشروبهٌ وهو يتحرك بجانب والدتهِ ويتسامران سوياً.
كان يجلس داخل غرفته يتصفح جهاز اللاب توب الخاص به.
دلفت وتحركت إليه وجلست بجانبه فوق التخت وتحدثت بدلال أخوي:
٠٠٠ وبعدين معاك يا حٌسام،، هتفضل سايبني أحارب لوحدي كدة كتير؟
ضحك ساخراً وأجابها:
٠٠٠ تحاربي،، أيه يا بنتي الكلام الكبير ده؟
أردفت قائلة بضيق ولوم:
٠٠٠ بدل ما أنتَ قاعد تتريق عليا كده إتفضل ساعدني علشان أقدر أقرب من سليم وأخلية يتقدم لي قبل ميشافر لأمانيا ،، وأكملت بإستعطاف:
٠٠٠ أرجوك يا حسام تساعدني،،، سليم لو رجع ألمانيا قبل ميخطبني هيكون من الصعب إني أوصل له تاني.
تنفس طويلاً ثم أردفَ قائلاً بهدوء:
٠٠٠ يا ندي إفهمي ،، صدقيني يا حبيبتي أنا لو شايف إن فيه أمل ولو واحد في المية من إن سليم يفكر فيكي كزوجة ،، كنت عملت المستحيل وقربتك منه،، بس لا سليم عمرة هيفكر فيكي كزوجة ولا عمتك هتفكر تقرب تاني من بابا وتناسبه،، لأسباب إنتٍ عرفاها وفي غني إني أقولها لك.
تأفأفت وتحدثت بنبرة حاده:
٠٠٠ إنتَ واحد أناني ومبتفكرش غير في مصلحتك وبس يا حٌسام،، وكل إللي يهمك هو إن إزاي تخلي عمتو ترضي عنك علشان تتم جوازك من ريم وبس.
وأكملت بإشمئزاز:
٠٠٠ إنتَ واحد عايش بمبدأ أنا ثم أنا ثم يذهب الجميع إلي الجحيم.
تملل بجلستهِ وأجابها:
٠٠٠ يابنتي إفهميني،، سليم بيحب فريدة،، ولو متجوزهاش عمرة ماهيفكر في الجواز من أي واحده تانية.
وأكملَ بجدية:
٠٠٠ واللي أنا متأكد منه إن عمتك عمرها ماهتسمح لفريدة إنها تقرب من دلوع عينها ،، وهتقف لهْ بكل قوتها علشان الجوازة دي متمش.
وأكملَ بنبرة مؤكدة:
٠٠٠ يعني من الأخر كده سليم لا هيتجوز فريدة ولا غيرها.
نظرت له وابتسمت ساخرة:
٠٠٠ وطبعاً ده إللي إنتَ عاوزة وبتتمناه،، علشان في الأخر ندي وأولادها اللي هما هيبقوا أولادك يكوشوا علي كل أملاك سليم وقاسم ،، وأكملت بذكاء:
٠٠٠ ملعوبه صح يا حٌسام.
نظر لها بإستغراب وتحدث نافيً:
٠٠٠ هو أنتِ علشان تفكيرك كله في الفلوس فاكرة إن كل الناس زيك؟
لعلمك بقا،، أنا بحب ندي جداً،، وكل حاجه عملتها ولسه هعملها ،، عملتها علشان تقربني منها وبإسم الحب ليس إلا.
ضحكت ندي وتحدثت وهي تتحرك بإتجاه الباب:
٠٠٠ الكلام ده تروح تضحك بية علي أي حد إلا أنا ،، لأني فهماك كويس أوي يا حٌسام،، إنتِ بتلعب علي كل الحبال وبيتهئ لك إنك هتكون الرابح في الأخر ،، وأكملت بتأكيد:
٠٠٠ بس متنساش يا باشمهندس إن كل ذكي فيه إللي أذكي منه.
ثم نظرت له وتحدثت بنبرة حادة:
٠٠٠ و بكرة هفكرك وأثبت لك إن سليم مش هيتجوز حد غيري أنا.
وخرجت وصفقت خلفها الباب بعنف.
نظر لطيفها وزفر بضيق وأكمل ما كان يفعله دون إكتراس.
مساء اليوم التالي !!!
كانت تجلس ببهو مسكنهم بصحبة والديها وأخويها ،، يلتفون حول جهاز التلفاز وهم يستمعون لإحدي البرامج التوعوية داخل جو أسري دافئتحدثَ أسامة إلي فريدة:
٠٠٠ فريدة ،، تليفونك بيرن.
صمتت قليلاً فأستمعت لصوت رنين الهاتف ،، تحركت إلي غرفتها وأمسكت هاتفها ونظرت بشاشتة وجدت إتصال private number.
إستغربت وتجاهلته،، فتكرر الإتصال مرةً أخري.
فقررت أن تٌجيب وأردفت قائلة:
٠٠٠ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رد عليها المتصل السلام وتحدثَ قائلاً:
٠٠٠ أستاذة فريدة فؤاد معايا؟
ردت فريدة بإرتياب مٌستغربة نبرة الصوت التي أشبه بجهاز منها إلي صوت إنسان:
٠٠٠ مين حضرتك؟
اجابها المتصل:
٠٠٠ أعتبريني حد مبحبش أشوف واحده بتتخان وبيتلعب بمشاعرها وكرامتها وأقف أتفرج من غير ما أعمل لها حاجه !!
تحدثت فريدة بإستغراب:
٠٠٠ إنتَ مين،،، وأيه الألغاز إللي بتقولها دي؟
أجابها بهدوء:
٠٠٠ بخصوص أنا مين،، فظن ده ميخصكيش ولا هيفرق معاكي في أي حاجه.
أما بقا بخصوص الألغاز،،، فيٌأسفني إني أقولك إن هشام خطيبك بيخونك،، ولو حابه تتأكدي هو موجود دالوقتي حالا مع لٌبني بنت خالته في مطعم******.
وأكملَ ليحثها علي التحرك:
٠٠٠ ياريت تتحركِي بسرعه وتيجي تشوفيه وهو قاعد مسبل لها بعيونه وماسك إديها وعمال يسمعها أحلا كلام في الغرام !
إشتعل داخل فريدة وأجابته بعدم تصديق:
٠٠٠ إنتَ واحد كذاب وحقود،،، هشام إنسان محترم ووفي لحبي ولا يمكن يخون !!
ضحك المتصل وأردف بنبرة مٌستفزة لها:
٠٠٠ والله تقدري تتأكدي من كلامي ده لو حبيتي،،، أما بقا لو حابه تفضلي مغفله دي حاجه ترجع لك.
وأغلق الهاتف بوجهها دون إستئذان.
وقفت فريدة تتحرك وتدور حول حالها ونيران الشك تنهشُ داخلها ،، وبنفس التوقيت عقلها يرفض تصديق ما قيلَ من قَبّل ذلك المتصل ذو النبرة المريبة !!
إنتهي البارت.
هل ستستمع فريدة إلي عقلها وتستكين وتٌزيل ذلك الشك الذي ملئ قلبها؟
أم أنها ستتحرك خلف إشتعال قلبها وتذهب لتتحري بنفسها عن حقيقه ما أستمعت إليه؟
رواية جراح الروح الفصل التاسع عشر 19 - بقلم روز امين
وبعد دقائق معدودة، كانت فريدة قد حسمت أمرها وقررت الذهاب حتى تقطع الشك باليقين.
ارتدت ثيابها واستقلت سيارتها متجهة إلى ذلك العنوان الذي أملاه لها ذلك المجهول غريب الأطوار.
وصلت إلى مقر المطعم المذكور، أوقفت سيارتها.
كان هناك من يجلس داخل سيارته يراقب عن كثب مدخل المطعم.
وجدها تدلف إلى الداخل بسيقان مرتجفة ووجه تسيطر على ملامحه علامات الارتباك والتوتر.
أمسك هاتفه وضغط فوق زر لإرسال رسالة نصية، والتي وصلت في التو واللحظة إلى هاتف لبنى التي كانت تجلس أمام هشام يحتسيان مشروبًا تحت سعادتهما اللامتناهية.
فتحت لبنى الرسالة بحرص شديد، وجدت نصها كالتالي:
"فريدة وصلت، جهزي نفسك للوضع اللي اتفقنا عليه!!"
أغلقت الهاتف بارتباك تحت نظرات هشام المستغربة.
وبلحظة لملمت شتاتها ونظرت إلى هشام بعيونها العاشقة وأردفت قائلة بهيام:
"أنا مبسوطة أوي يا هشام إننا رجعنا مع بعض تاني، مبسوطة وراضية باللي إنت سمحت لي بيه منك حتى ولو كان بسيط."
"أنا ليه عيوني مبقتش بتشوف في الدنيا كلها راجل غيرك، إنت إزاي خلتني أختزل كل رجالة العالم فيك بالشكل ده؟"
وتساءلت بهمس عابس أثار رجولته:
"هشام، يا ترى لسه بتشوفني حلوة زي زمان؟"
وصلت فريدة إلى الداخل وبدأت تحرك عيناها هنا وهناك، تبحث ما إذا كانت هذه أكذوبة كما يتمنى داخلها، أم أنها حقيقة ستفقدها الثقة من جديد بحالها وبكل من حولها.
وبلحظة تسمرت بوقفتها حين رأت وجه لبنى يقابلها هشام الذي تيقنت من شخصه.
ابتلعت لعابها وشعرت بانهيار الكون بأكمله من تحت قدميها.
تحركت ببطء حتى وقفت خلف هشام وأمام لبنى التي تظاهرت بعدم رؤيتها حتى تكمل الخطة التي وضعت لها من خلال ذلك المتصل المجهول.
مد هشام كف يده وحاوط به كف لبنى بلمسة حنونة وأردف بصوت هائم:
"طول عمري وأنا بشوفك أجمل بنت في الدنيا كلها يا لبنى."
وأكمل بإثارة متأثرًا بابتسامتها ونظرتها الجذابة المليئة بالأنوثة التي يفتقدها مع فريدة:
"يا بنتي إنت تجسيد حي لمعنى الأنوثة!"
نزلت تلك الكلمات على قلبها المصدوم كصاعقة كهربائية دمرته وبعثرت داخلها بأكمله.
نعم، لم تكن له العشق داخل قلبها بيوم من الأيام، لكن يكفي أنها وثقت به وبقلبه، ويكفي أنها فضلته وفضلت راحته وسعادته على سعادة قلبها وقلب حبيبها الممزق الروح.
تمسكت به لأجل عدم جرح روحه للمرة الثانية على يدها، ولكن...
أنظر ماذا فعل هو؟
تحاملت على حالها وأخرجت صوتها بصعوبة قائلة بنبرة صوت مرتجفة:
"ولما هي عاجباك أوي كده وبتمثل لك المعنى الحقيقي للأنوثة، كنت بتخطبني أنا ليه يا محترم؟"
انتفض بجلسته بهلع حين استمع إلى صوتها واهتز كمن لدغته عقرب.
وقف سريعًا والتف إليها بجسد مرتجف وعيون جاحظة، وتلعثم بكلماته قائلاً بتبرير:
"ف، فريدة، أ، أنا كنت بهزر على فكرة."
وبدأ بالهذيان تحت دموعها التي انهمرت رغما عنها وهي تنظر إليه بصدمة وذهول وخذلان وألم يعتصر داخلها ويزلزله:
"إوعي تكوني صدقتي اللي سمعتيه ده يا فريدة، صدقيني أنا بهزر مع لبنى، هي كانت متضايقة ونفسيتها تعبانة وطلبت مني نخرج وأنا جيت عشان..."
قاطعته هي بدموعها وصوت ضعيف مهزوم:
"جيت عشان تأزريها وتقفي معاها وتخرجيها من الاكتئاب، مش كده يا هشام؟"
التفت هو ونظر إلى لبنى التي تجلس بهدوء وتحدث بنبرة متلبكة:
"قولي لها يا لبنى، قولي لها إن اللي بتفكر فيه وفهمته ده مش حقيقي، قولي لها إن مفيش بينا أي حاجة!"
وصاح بها عالياً:
"متتكلمي إنت ساكتة ليه؟"
كادت لبنى أن تتحدث، أوقفتها فريدة بإشارة من يدها وأردفت قائلة بكبرياء:
"وأنا مش محتاجة حد يقولي حاجة يا محترم، اللي شوفته بعيوني وسمعته بوداني كافي أوي في إنه يمحي أي صورة مثالية رسمتها لك في يوم من الأيام!"
وأطالت النظر إليه وهي تهز رأسها بأسف، ثم انتزعت خاتم خطبتها من يدها بعنف وألقته بإهمال فوق المنضدة بجانب هاتفه وأشيائه الموضوعة.
أردف هو قائلاً برجاء وعيون متوسلة:
"فريدة، أنا عمري ما حبيت حد غيرك وإنتي عارفة كده كويس، أرجوكي بلاش تدمريني وتضيعي كل اللي بينا في لحظة غضب!"
رمقته بنظرة احتقار ثم جففت دموعها بكبرياء وانطلقت سريعًا للخارج.
التقط أشيائه وخاتمها سريعًا وتحرك وهو يلهث خلفها ويترجاها أن تعطيه فرصة وتستمع إليه.
أما لبنى التي انتابتها مشاعر مختلطة مبعثرة ما بين سعادة وحزن، سعادة لأجل نجاح مخططها مع ذلك المجهول ورجوع هشام إليها وإحياء قلبها الممزق من جديد.
وبنفس اللحظة شعرت بحزن عميق يغزو قلبها ويعتصره لأجل تلك فريدة ودموعها وآلامها التي نزلت على صدرها ومزقته.
فبالنهاية لبنى ليست سيئة، كل ما في الأمر أنها عاشقة تقطعت بها الطرق بينها وبين حبيبها، فكان من البديهي أنها تتمسك بأية فرصة لإحياء قلبهما معًا ووصل الطريق بينهما من جديد.
وها قد كان.
تحركت فريدة بغضب حتى وصلت لمكان اصطفاف سيارتها وكادت أن تفتح بابها إلى أن أوقفها هشام ممسكًا يدها برجاء متحدثًا:
"أرجوك يا فريدة اديني فرصة أشرح لك وأفهمك اللي حصل جوه بالضبط."
نفضت عنه يده بحده بالغة وأردفت بغضب تام وهي تنظر إليه بنظرات يملأها الاحتقار والاشمئزاز:
"إبعد إيدك عني لأكسرهالك، وأوعى تفكر تيجي ورايا أو حتى تلحقني بعربيتك، ولو لسه عندك ولو ذرة كرامة تحترم نفسك ومتخطيش خطوة واحدة في البيت عندنا."
رمقته بنظرة اشمئزاز قائلة:
"كل اللي بينا انتهى يا محترم، وشبكتك وحاجتك بالكامل هتوصل لك لحد باب بيتك في أقرب وقت."
وأردفت بعيون حزينة ونبرة منكسرة:
"يا خسارة، أنا إزاي انخدعت فيك وافتكرتك حد محترم، إزاي؟"
تحدث بلهفة مستعطفًا إياها:
"يا فريدة صدقيني الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة، علشان كده بقول لك لازم نقعد ونتكلم!"
تحدثت بدموع:
"أنا كل اللي محزني إني اكتشفت أنا قد إيه كنت غبية لما افتكرتك بتحبني بجد، ده أنا فضلتك على نفسي، كنت بخاف عليك وعلى قلبك أكتر ما بخاف على قلبي."
"أنا معملتش فيك اللي أستاهل عليه غدرك وخيانتك."
وأكملت بضعف ودمعة هاربة:
"أنا ما أستاهلش منك كده أبداً، والله ما أستاهل."
نظر لها بعيون مغيمة بدموع الحزن والألم والندم وهز رأسه متوسلًا إياها قائلاً:
"أرجوكي يا حبيبتي متدبحنيش ببعدك عني، بعدك عني فيه هلاكي يا فريدة."
أجابته بقوة:
"وقربك مني فيه دبح لكرامتي وكبريائي، وده اللي عمري ما هقبله."
واسترسلت حديثها بذهول:
"تعرف يا هشام، أنا لو حد حكى لي اللي حصل من شوية أكيد مكنتش هصدقه مهما كان هو مين، لكن علشان ربنا بيحبني بعت لي اللي يكتشف خيانتك ويتصل بيا ينبهني، وكمان يديني العنوان."
ثم أكملت بنبرة وابتسامة حزينة ساخرة:
"قال وأنا من تغفلي وسذاجتي مكنتش مصدقاه ومكنتش هاجي، لكن الحمد لله إن ربنا نور بصيرتي في آخر لحظة وخلاني أجي عشان أشوفك وإنت بتجسد لي أبشع صور الخيانة!"
ضيق عينيه وتساءل باستغراب:
"واحد، واحد مين دي اللي اتصل بيكي يا فريدة؟"
ابتسمت بجانب فمها بطريقة ساخرة وأردفت قائلة بتهكم:
"الحقيقة الصوت كان غريب ومقدرتش أحدد إذا كان واحد ولا واحدة، بس الأكيد إنها واحدة من اللي كنت بتستغفلني معاهم ولما سبتها ورجعت لبنت خالتك حبت تنتقم منك!"
كان يجلس براحة واسترخاء داخل سيارته ينظر إليهما بسعادة وضحكات متتالية تصل لحد القهقهة، وبالأخص بعدما هاتف لبنى بحكم أنه المتصل المجهول وأبلغته بما حدث بالداخل.
نعم يا سادة!!!
إنه سليم الدمنهوري لا غير.
فالحرب خدعة وما أجمل الحرب لأجل عيناك.
ولو عاد بي الزمان لفعلتها مرارًا لعيون مولاتي.
فأنا الصريع الذي قاتل باستماته.
لأجل انتزاع الترياق، والعودة بحياتي.
ومن غيره ذلك العاشق الولهان.
هو من فعل كل هذا لأجله.
لأجل استرجاع معشوقة عيناه.
عشقه الأبدي.
فريدته.
إنه العشق يا سادة، وعندما يتحدث القلب، فما من العقل إلا الانقياد والاستجابة لأمر الهوى.
---
فلاش باك!!!!
كان يقود سيارته عائدًا من عمله إلى منزله.
استمع إلى رنين هاتفه فضغط زر الإجابة قائلاً بدعابة:
"لحقت أوحشك بالسرعة دي، إحنا يا ابني مش لسه سايبين بعض من ربع ساعة؟"
ضحك علي وأردف بدعابة:
"يا باشا إنت بتوحشني حتى وإنت معايا."
قهقه سليم وأردف بمرح:
"آه لو أسما سمعتك، هتحرم عليا أدخل بيتكم تاني."
قهقه علي وأجابه بدعابة مماثلة:
"لا ما أنا اعترفت لها إنك كنت أول حب في حياتي وهي مقدرة النقطة دي."
وأكمل بنبرة جادة:
"المهم، أسما عزماك على العشا النهارده، ومش هتقبل أي أعذار، أوعى تتأخر!"
ابتسم سليم وتحدث بإيجاب:
"مش هتأخر، أنا أساسًا كنت هاجي عشان أشوف سولي لأنه وحشني جداً."
اتفقا معًا وأغلق هاتفه، وبالفعل ذهب في المساء إلى منزل علي.
دلف للداخل يحمل معه بعض الأكياس المحملة بالألعاب والحلوي للصغير.
رآه الصغير وجرى عليه بلهفة وهو يهتف باسمه:
"عمو سلييييم."
حمله سليم بذراعيه وبدأ بتقبيله وأردف قائلاً بدلال:
"يا قلب عمو سليم إنت، وحشتني يا سولي!"
ثم حول بصره إلى أسما الواقفة باستقباله ببشاشة وجهها الضاحك:
"أسما، إزيك، أخبارك إيه؟"
أجابته بابتسامة بشوشة:
"الحمد لله يا سليم،" وأشارت بيدها إلى الداخل قائلة:
"صاحبك مستنيك جوه، ادخل له!"
أعطاها الأكياس وتحرك للداخل وهو يحمل الصغير ويداعبه بدلال ويكيله القبلات، وفجأة تسمر بوقفته وعبس وجهه حين وجد حسام يجلس بجانب علي!
أنزل الصغير بهدوء وعاد للخارج مرة أخرى.
حين جرى إليه الصغير وأمسكه من ساقه متحدثًا بنبرة طفولية بريئة:
"عمو سليم، رايح فين؟"
دنا من مستوى الصغير وحدثه بوجه بشوش:
"أنا آسف يا حبيبي، بس أنا لازم أمشي حالاً لأني افتكرت إن كان عندي مشوار ضروري وناسيه!"
وكاد أن يتحرك إلى أن ألحق به علي وأمسك معصمه قائلاً:
"رايح فين يا سليم؟"
أفلت معصمه ونفضه من قبضة علي ونظر له بعيون تطلق شرزًا:
"بتحطني قدام الأمر الواقع يا علي؟"
وأكمل بحدة:
"إنت إزاي تدي لنفسك الحق إنك تخدعني وتجبني لحد هنا وتجبرني إني أقعد مع البني آدم ده في مكان واحد؟"
تحركت أسما إليه وتحدثت برجاء:
"اهدأ يا سليم من فضلك وتعال اقعد مع حسام وحاولوا تصفوا الخلاف اللي ما بينكم، إنتم أهل يا سليم، وحسام خطيب أختك ومش معقول هتفضلوا متخاصمين العمر كله!"
صاح سليم قائلاً بغضب عارم:
"ده بني آدم خاين يا أسما وأنا ولا يشرفني إنه يبقى صاحبي ولا حتى خطيب أختي!"
وقف حسام وتحرك إلى حيث وقفة سليم وتحدث برجاء:
"من فضلك يا سليم خلينا نقعد ونتكلم بهدوء واللي يرضيك كله أنا هعمله لك، وياسيدي لو على فريدة أنا مستعد أروح لها وأحكي لها على كل اللي حصل وأقول لها إن أنا السبب في البعد اللي حصل ما بينكم!"
نظر إليه بعيون غاضبة وأردف قائلاً بصياح:
"وإنت بقى فاكر إنك بالكلام الأهبل ده ممكن تكفر عن اللي عملته معايا ولا حتى تخليني أغفر لك خيانتك ليا؟"
تدخل علي لتهدئة الوضع:
"اللي فات انتهى يا جماعة ويا ريت منتكلمش فيه عشان منفحتش في الجراح من جديد، أنا شايف إنكم تنسوا كل اللي حصل وتفتحوا مع بعض صفحة جديدة،"
ونظر إلى سليم متحدثًا:
"في النهاية يا سليم حسام هيبقى جوز أختك ومش معقول هتفضلوا كده!"
وتحدث حسام بانتشاء:
"وأنا زي ماقلت لك هروح لفريدة وهقول لها على كل اللي حصل!"
تحدث علي بجدية:
"للأسف يا حسام أنا اتكلمت مع فريدة وهي رافضة فكرة الرجوع أساسًا، بتقول إنها لا يمكن تغدر بخطيبها!"
نظر حسام إلى علي وتحدث بجدية:
"طب وبعدين، هنقف كده نتفرج؟ طب إيه رأيكم لو نساوم خطيبها على منصب كبير في شركة من اللي نعرفهم، أو مبلغ كده محترم يخليه يسيبها؟"
ونظر سليم إلى حسام مضيقًا عينيه بتساؤل:
"هو أنت فعلاً عاوز تساعدني يا حسام؟"
أجابه حسام بتأكيد وعلل:
"أيوه طبعًا يا سليم، بصراحة ريم زعلانة جداً عشان خصامنا ودايمًا حزينة وأنا نفسي أنهيه بجد عشان أفرحها!"
سأله سليم بنبرة جادة:
"طب ولو طلعت دي مؤامرة من مؤامراتك مع عمتك؟"
أجابه حسام بنبرة حزينة:
"أنا مش وحش أوي كده يا سليم، أنا يمكن آه مش مثالي وعندي عيوب كتير، لكن مش معنى كده إني شيطان!"
أطال سليم النظر إليه بتشكيك ثم تحدث:
"وأنا هديلك فرصة تحاول تصلح غلطك يا حسام وتثبت لي إنك فعلاً راجل وتستحق ريم!"
تحدثت أسما بانتشاء:
"برافو عليك يا سليم، وأكيد حسام هيحاول بكل جهده يرجع ثقتك فيه تاني،" ثم حولت بصرها إلى حسام وتساءلت:
"مش كده يا حسام؟"
أجابها بتأكيد:
"أكيد أنا مش غبي لدرجة إني أغلط نفس الغلطة مرتين يا أسما!"
وأكمل:
"بس عشان نبقى واضحين من الأول أنا هفضل زي ما أنا مع عمتي وهحاول أفهمها طول الوقت إني لسه على اتفاقي معاها، بس طبعًا ده هيبقى مجرد كلام عشان مترجعش في اتفاقها معايا وتفركش خطوبتي من ريم!"
نظر له سليم وأردف بتفهم:
"وأنا معنديش أي مانع،" وأكمل بوعيد:
"لكن قسماً بربي يا حسام لو اكتشفت إنك نقضت اتفاقك معايا مهخليك تطول شعرة واحدة من ريم طول ما أنا عايش على وش الأرض!"
توافقوا جميعًا وبدأوا بالتفكير سويًا.
وتحدث سليم:
"أنا شايف إن الحل الوحيد هو إننا نراقب هشام ونمسك عليه أي غلطة، وساعتها فريدة هي بنفسها اللي هتضطر تسيبه، لأن للأسف فريدة قافلة موضوع الرجوع من ناحيتها نهائي، عشان كده لازم نلاقي سبب قوي ومقنع يخليها تسيبه وهي ضميرها مرتاح!"
نظر له علي وأردف متسائلاً باهتمام:
"عندك خطة؟"
أجابه بتأكيد:
"عندي، وأساسًا كنت هنفذها الأسبوع ده، بصوا، مبدئيًا كده إحنا محتاجين حد شغال في شركة الاتصالات ويكون شخص موثوق فيه!"
تحدث حسام بجدية:
"موجود يا هندسة، فاكر مهندس إيهاب عبداللطيف اللي كان معانا في الكلية، شغال دلوقتي في شركة الاتصالات وماسك فيها منصب مهم، قابلته صدفة من حوالي سنتين وأنا وهو بقينا أصحاب جداً!"
تحدث سليم بانتشاء:
"كده حلو أوي، يا ريت تاخد لنا منه معاد في أسرع وقت عشان نحاول نقنعه إنه يسجل لنا كل مكالمات هشام ويبعتها لي، يمكن نلاقي له أي ثغرة نحاول بيها نمسك خيط ونمشي وراه!"
هز حسام رأسه بطاعة وأكملوا وضع خطتهم بالإيقاع بهشام داخل براثينهم!
وبالفعل استعانوا بصديقهم وجعلوه يسجل لهم كل محادثات هشام على هاتفه ويرسلها إلى سليم، كي يتعرف على مستجداته وأسراره عله يجد ثغرة يمكن له عن طريقها الوصول إلى المستحيل.
وقد كان، فقد وجد مكالمة ابنة خالته له وتذكيره دائمًا بالماضي، فقرر اللعب مع تلك العاشقة التي كانت بمثابة الحصان الرابح بالنسبة له، وقد كان بالفعل.
خططوا معًا لكل شيء، وحينما استمع سليم مكالمة لبنى مع هشام تنفس بانتشاء كمن كان خارج نطاق الحياة وها هو عاد إليها من جديد!!!
جلب شريحة هاتف private number، ووضع على هاتفه برنامج خاصية تغيير الأصوات وبدأ بالتواصل مع لبنى التي ظنت وتعاملت معه على أنه فتاة حينما أخبرها أنه يكن العداء لفريدة كي يقنعها بالاتفاق معه بتلك الخطة!!!
---
عودة للحاضر!!!!
شاهدها وهي تستقل سيارتها بغضب تحت محاولات من ذلك المغفل الذي سقط بين براثين سليم بمنتهى الغباء والسهولة!
قهقه بسعادة وتحرك بارتياح متجهاً إلى الأوتيل الذي يسكن به حالياً.
وصلت لمنزلها ودموعها تنهمر من مقلتيها وصدرها يعلو ويهبط من شدة شهقاتها العالية.
أسرع إليها والدها ووالدتها ونهلة يسألونها بقلق عن ما حدث وأوصلها لتلك الحالة.
جلست وقصت لهم ما حدث تحت استغرابهم جميعًا وعدم تصديقهم لما بدر من هشام نحو فريدة التي كان يظهر مدى عشقه لها للكفيف.
***
***
***
***
أما هشام الذي ضل واقفًا ينظر بشرود إلى أثر فريدة.
أخرجه صوت لبنى التي وقفت أمامه بأسى مدعية الخجل والأسف قائلة:
"أنا مش عارفة أقول لك إيه يا هشام، أنا بجد آسفة على اللي حصل."
فاق من شروده وأحال بصره إليها كأنه استرد وعيه للتو، أمسكها من يدها ساحبًا إياها بعنف حيث وقوف السيارة وفتح بابها وألقاها بحدة، ثم أغلق الباب وتحرك للإتجاه الآخر وصعد بجانبها.
وتحدث بفحيح يشبه فحيح الأفعى:
"مين اللي كلم فريدة في التليفون وقالها إننا هنا؟"
تلبكت وتوترت بجلستها وأردفت قائلة بارتباك:
"معرفش يا هشام، صدقني معرفش إنت بتتكلم عن إيه!"
صاح بغضب مريب أرعب أوصالها:
"قولي لي الصراحة ونجي نفسك، أنا كده كده هعرف وساعتها صدقيني مش هرحمك!"
ارتعب جسدها من هيئته الغاضبة وقصت له كل ما حدث معها، فطلب منها رقم تلك المتصلة وللأسف أخبرته أنه Private number.
فلعن حظه وغباءه بعدما تأكد أنه وقع في فخ قد أعد له بمهارة عالية وهو كالأبله وقع داخله بكل سذاجة.
***
***
***
***
دلف هشام إلى منزله وجد والده ووالدته وهادي وحازم بانتظاره.
ابتلع لعابه بتوتر وبالأخص عندما رأى نظرات الغضب تتطاير من مقلتي والده الذي تحدث سريعًا بنبرات غاضبة:
"حمد الله على السلامة يا دنچوان عصرك وأوانك، تعال هنا يا محترم وفسر لي الكلام اللي فؤاد اتصل وقاله لي ده!"
انتفض حسن في جلسته وتحدث بنبرة غاضبة:
"إهدي يا حسن عشان صحتك، وهشام يا أخويا هيحكي لنا على كل اللي حصل، واللي أنا متأكدة إنه مش أكتر من سوء تفاهم."
ثم نظرت إلى هشام وأردفت متسائلة:
"مش كده يا هشام؟"
أكد هادي على صحة حديث والدته لتهدئة والده:
"أكيد طبعًا يا ماما، تعال اقعد يا هشام واحكي لنا إيه اللي حصل بالضبط."
جلس هشام بارتباك وبدأ يقص على مسامعهم ما حدث وما قصته لبنى على مسامعه.
بعد مدة تحدث حسن بنبرة غاضبة:
"وإنت فاكر يا بيه إن الكلام اللي إنت قلته ده يعفيك من الغلط، بالعكس، ده يدينك أكتر ويبين قد إيه سيادتك تافه ومفعول بيك، حتة بت شاورت لك بصباعها، سبت خطيبتك المحترمة بنت الأصول اللي وقفت جنبك وسندتك في وقت احتياجك، وجريت تلهث وتجري على اللي رمتك زمان واستكبرت عليك."
ابتلع هشام غصة مريرة داخل حلقه من حديث والده الموجع لكرامته ولرجولته.
وتحدث ناظرًا لأسفل قدميه:
"أنا عارف إني غلطان واتصرفت بغباء."
وأكمل مترجياً:
"بس أرجوك يا بابا اقف جنبي وكلم عمي فؤاد عشان نحاول نحل الموضوع بسرعة وأراضي فريدة، لأنها رافضة تسمعني."
أجابه حسن بنبرة صوت غاضبة:
"عندها حق طبعًا ترفض تبص في خلقتك بعد عملتك السودا دي."
ثم وقف بغضب واتجه للداخل وتلته زوجته وذلك بعدما حدث فؤاد وطلب منه تحديد موعد لزيارته هو وهشام كي يشرح إلى فريدة ملابسات تلك المؤامرة وليتصافوا من جديد.
تحدث حازم بعد دخول والديه للداخل:
"وأما أنت واقع لشوشتك ودايب فيها كده داير تعُط من وراها ليه؟ يا جبروتك يا أخي، الواحد يستنى أما يتجوز ويضمن اللي بيحبها في بيته وبعدين يعُط براحته، إنت بقى قلبت بجبروتك كل الموازين."
نظر إلى أخيه وتحدث بحدة وهو يزفر بغضب وضيق:
"حاااازم، نقطني بسكاتك أنا مش ناقصك، كفاية عليا اللي أنا فيه!"
نظر هادي إلى هشام بتعجب وأردف قائلاً بنبرة ملامة:
"عاوز الصراحة يا هشام، إنت غلطان، أنا بجد مصدوم من تصرفاتك دي، إيه اللي جرى لك يا لا؟ إنت طول عمرك عاقل وبتحكم عقلك قبل أي خطوة بتخطيها، إيه اللي حصل لك خلاك تتصرف بالغباء ده؟"
أجابه حازم بنبرة ساخرة:
"اعذره يا هادي، البت لبنى بجبروتها دخلت عليه داخلة شديدة وحطت عليه بكل ثقلها، إنت مش شفت يوم السبوع كانت محوطاه ودايرة وراه وبتبص له إزاي،" ثم نظر إلى هشام وأكمل مستفزًا إياه:
"والله يا إتش أنا لو مكانك في اليوم ده كنت أعلنت استسلامي ورفعت الراية البيضا وكتبت كتابي عليها وشن."
نظر له هشام وزفر بضيق ووقف قائلاً بحدة:
"أنا داخل أوضتي أحسن ما أرتكب جناية حالاً."
وخطا خطواته للداخل حين نظر هادي إلى حازم نظرة صارمة وأردف بنبرة حادة ملامة:
"يا أخي إنت مش هتكبر أبداً، شايف أخوك في المصيبة دي وقاعد تهزر وتضحك ولا هامك."
نظر إليه هادي وابتسم بجانب فمه بطريقة ساخرة وتحدث بلامبالاة:
"مصيبة، وهو كان مين اللي عمل كده فيه، مش هو؟"
وأكمل بتعقل:
"وبعدين مصيبة إيه اللي بتتكلم عنها دي، يا باشا أخوك في كلا الحالتين كسبان، سواء فريدة فهمت الموضوع ورجعت له وعاش مع اللي بيحبها، أو حتى سابته وخطب هو لبنى واتجوزها، وقتها هيعيش مع اللي بتحبه، واللي أكيد هتوريه الدلع ألوان، وهو كمان هيرجع معاها أمجاده القديمة."
ثم قهقه عالياً وأردف:
"الواد هشام ده طول عمره محظوظ وأمه داعية له."
ضحك هادي وهز رأسه باستسلام قائلاً:
"ده أنت مسخرة والله يا حازم!!!"
***
***
***
***
أما عن لبنى التي عادت إلى منزلها وجدت والدتها بانتظارها وما أن رأتها حتى جذبتها من معصمها بشدة ودلفت بها لغرفتها وأغلقت الباب حتى لا يستمع أباها وأخاها حديثهم.
نظرت لبنى إلى والدتها بريبة وتحدثت بنبرة لئيمة:
"فيه إيه يا ماما؟"
نفضت مني يدها بعنف وأردفت بنبرة متسائلة غاضبة:
"إنتِ اللي هتقولي لي فيه إيه، وإيه الكلام اللي غادة متصلة بيا تقوله لي ده؟ إنتِ فعلًا كنتي خارجة مع هشام وخطيبته شافت البيه وهو ماسك إيدك ونازل فيكي غزل وغرام؟"
وقفت بشموخ وأجابتها بقوة وتبجح:
"أيوه يا ماما حصل، ويمكن ربنا عمل كده عشان هشام يرجع لي تاني ونتجوز."
نظرت لها مني بذهول:
"وكمان بتعترفي قدامي بكل بجاحة، هي دي آخرة الحرية والثقة اللي أدتهم لك يا لبنى؟ تروحي تخربي حياة ابن خالتك اللي إنتِ سبتيه من الأول،" وأكملت وهي تشير إلى حالها بسبابتها:
"طب وأنا، مفكرتيش أختي ممكن تقول إيه عليا ولا حتى تفكر فيكي إزاي؟"
تحركت وهي تخرج هاتفها من حقيبتها وتضعه على جهاز الشاحن.
ثم نظرت إلى والدتها وتحدثت ببرود ولا مبالاة مصطنعة:
"متكبريش الموضوع أوي كده يا ماما، خالتو سميحة حنينة وهتنسى كل حاجة بسرعة، صدقيني كلها أسبوع ولا اثنين وتلاقيها جاية بنفسها تطلبني لهشام."
نظرت مني إلى ابنتها وبرودها الغير طبيعي بالمرة وقررت الانسحاب من أمام تلك الباردة الغير مبالية بما اقترفته من خطأ كبير، حتى لا يشعر عليهما كمال أو ماجد.
خرجت والدتها ونظرت هي بشرود لأثرها وبدون مقدمات أجهشت في بكاء مرير وانهار قناع القوة التي كانت ترتديه.
انهارت لحزنها على مظهر فريدة وكسرتها التي لم تفارق مخيلتها من وقت ما حدث.
وحدثت حالها: سامحني يا الله، لم يكن لدي خيار آخر، خيرت بين إحياء قلبي أم قلبها، وبطبيعة البشر اخترت قلبي.
***
***
***
***
عند منتصف الليل داخل غرفة فريدة.
كانت منكمشة على حالها حاضنها ساقيها بساعديها باحتواء ودموعها تسيل فوق وجنتيها بحرارة.
تجلس بجانبها نهلة ووالدتها يحتضناها برعاية ويبكيان لأجل ألم غاليهتم.
استمعن لبعض الطرقات الخفيفة فوق الباب.
جففت فريدة دموعها سريعًا وتحدثت عايدة إلى الطارق:
"أدخل."
دلف فؤاد وهو يتطلع بحزن إلى غاليته وحزنه.
تحرك وجلس بجانبها بعدما ابتعدت نهلة وأفسحت له المجال.
وضع يده بحنان على وجنتيها وجفف لها دمعة هاربة.
نظرت لعيناي والدها بضعف ثم ارتمت داخل أحضانه باشتياق.
حاوطها والدها ولف ساعديه حولها وشدد من احتضانها بحنان.
ثم تحدث بنبرة حنون:
"كفاية يا بنتي، متعمليش في نفسك كده،" ثم أخرجها من بين أحضانه ونظر لها وأردف قائلاً بترقب:
"حسن نور الدين اتصل عليا دلوقتي وبيقول إنه عاوز يجيب هشام بكرة وييجوا يوضحوا لك سوء التفاهم اللي حصل."
تحدثت نهلة بنبرة غاضبة:
"هو لسه ليه عين ييجي هنا تاني بعد اللي عمله؟"
رد عليها والدها بهدوء:
"بيقول إن هشام بيقول إنها لعبة واتعملت عليه، وبيقول إن فيه واحدة كانت بتكلم البنت ولعبت عليها وهي اللي حرضتها عشان تعمل كده، وهي كمان اللي اتصلت بفريدة وبلغتها بالمكان."
نظرت له فريدة وأردفت قائلة بدموع:
"وحضرتك صدقته؟"
تنهد فؤاد وتحدث بقلب محمل بالأثقال:
"أنا بقول تقعدي معاه وتسمعيه، مش يمكن فعلًا تكون مؤامرة واتعملت عليكم."
أكدت عايدة على حديثه وهي تنظر بترقب إلى فريدة:
"كل شيء ممكن يا بنتي، وخصوصًا إن هشام محترم وبيحبك ومن وقت ما خطبك عمرنا ما شفنا منه حاجة وحشة!"
أجابتها بصوت ضعيف منكسر:
"وتفتكري يا ماما إنها لو مؤامرة بجد زي ما بيقول دي حاجة ممكن تشفع له ولا تبرر له خيانته ليا؟"
أجابها فؤاد بقلة حيلة:
"يا بنتي اديله فرصة، الولد فعلًا بيحبك وشاريكي، وحتى يا بنتي لو فرضنا إنه فعلاً غلط وضعف وقابل بنت خالته، ده مش معناه إنكم تفسخوا الخطبة، إحنا بشر يا فريدة وكلنا خطائين."
نظرت له فريدة بذهول وأردفت قائلة بغضب:
"معقولة يا بابا حضرتك بتطلب مني أرجع له وأسامحه بعد اللي عمله؟"
وأكملت بدموع:
"ده واحد خاني وعاش قصة حب عليا وإحنا لسه مخطوبين وعلى البر، أومال بعد الجواز هيعمل فيا إيه؟"
أجابها فؤاد بضعف:
"يا فريدة أنا كبرت وإنتِ كمان يا بنتي كبرتي، أنا نفسي أطمن عليكِ قبل ما يجرالي حاجة."
تحدثت عايدة بلهفة:
"بعد الشر عنك يا فؤاد، ربنا يخليك لينا يا حبيبي وتجوزهم وتشوف ولاد ولادهم كمان!"
بكت فريدة بحرقة وهزت رأسها بأسف وأردفت قائلة:
"أرجوك يا بابا بلاش تضغط عليا لأني أخدت قراري والموضوع منتهي بالنسبة لي!"
تساءل فؤاد بنبرة حزينة:
"ده آخر كلام عندك يا بنتي؟"
أردفت بنبرة جادة واثقة:
"أيوه يا بابا، آخر كلام!"
تنهد فؤاد وتحدث بأسف:
"خلاص، يبقى هكلم حسن نور الدين بكرة وأقوله إن كل شيء نصيب!"
تنهدت عايدة بأسف وذلك لمعزة هشام ومكانته الكبيرة داخل قلبها، وتحدثت إلى فريدة بترقب:
"طب ادي لنفسك فرصة كمان يومين تفكري فيهم يا بنتي."
نظر إليها فؤاد وأجابها برد قاطع:
"خلاص يا عايدة، متضغطي عليها أكتر من كده."
وأشار لها ولنهلة وأردف:
"يلا بينا نخرج وسيبوها ترتاح شوية!"
خرج الجميع وجلست هي تبكي بحسرة وألم يتملكان من قلبها على الخيانة والخزلان التي تعرضت لهما على يد هشام التي كانت تظنه السند التي ستتوكئ عليه من غدر الحياة.
---
أما ذلك العاشق المنتصر، فكان يقف بانتشاء داخل شرفة غرفته الموجودة داخل الأوتيل، يتنفس بارتياح وينظر للسماء مراقبًا لنجومها اللامعة بهدوء.
أخذ نفسًا عميقًا بسعادة وحدث حاله بانتشاء:
"هانت صغيرتي، لم يتبق على دخولك عالمي سوى القليل، فأصبري غاليتي، اصبري لنظفر معًا بنتيجة صبرنا وتحملنا لكل تلك الصعاب."
وأكمل بهيام:
"أعشقك فريدة، أعشقك وأشتاقك حد الجنون، كاد صبري أن ينفد صغيرتي، أكاد أجن من ويل الاشتياق."
"فساعدني إلهي لأتحمل ما تبقى."
ثم أغمض عينيه ونظر للأعلى وبدأ بالتنفس الشديد وإخراجه بهدوء، كي يهدئ من اشتعال نيران الاشتياق الساكنة بداخله.
رواية جراح الروح الفصل العشرون 20 - بقلم روز امين
فاقت من نومها بأجفانٍ منتفخة ووجهٍ ذابلٍ وقلبٍ مهمومٍ، محملة بثقل الخذلان والخيبات المتتالية. غصةٌ مرةٌ تلازم حلقها ولم تفارقها منذ البارحة. تحركت لتتدلى من فوق تختها بخمولٍ، شعرت بآلامٍ مبرحةٍ تسكن جميع جسدها. يبدو أن حالتها النفسية قد أثرت على جسدها المسكين.
تحاملت على حالها وهاتفت فايز وأبلغته أنها مجهدة ولن تستطيع الذهاب إلى العمل خلال اليومين القادمين. وبالفعل وافق لها على طلب الإجازة.
أما عن سليم، الذي ذهب إلى العمل وعلم أنها لم تأتِ اليوم إلى عملها، كان يجلس داخل مكتبه وقرر الاتصال بها للاطمئنان عليها. وبالفعل أمسك هاتفه.
كانت حبيسة داخل غرفتها، وحيدة، حزينة، شاردة، وذلك بعدما ذهب والدها وأشقاؤها إلى دوامهم اليومي. أما عن والدتها، فقد كانت متواجدة داخل المطبخ لإعداد وجبة الغداء لعائلتها، بقلبٍ مهمومٍ لأجل غاليتها.
استمعت لرنين هاتفها. نظرت لشاشته، وإذ بقلبها ينتفض ويدق بوتيرة سريعة متزايدة. ابتسمت بمرارة وتذكرت خيباتها معه هو الآخر، وشعرت كم أنها عديمة الحظ مع ذلك الثنائي. تنفست الصعداء وضغطت زر الإجابة وأردفت بنبرةٍ جادة:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
استمع لرنين صوتها وشعر وكأن روحه تحوم في الفضاء، هائمةً في عشق صوتها الخلاب. أجابها بصوتٍ حنونٍ أذاب قلبها رغم حزنه وآلامه:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أزيك يا فريدة؟"
خانها قلبها وانتفض رغمًا عنها بعدما استمعت لنطق حروف اسمها بكل هذا السحر والهيام. فأجابته بصوتٍ هادئٍ متأثرةً بنبرته الحنون:
"الحمد لله يا باشمهندس."
أردف هو بنبرةٍ تخابثية:
"صوتك ماله يا فريدة؟ انتِ كنتِ بتعيطي؟"
تنفست بهدوء وأغمضت عينيها وأردفت قائلةً بإنكار:
"لا طبعًا، وهعيط ليه. كل الحكاية إني كنت واقفة في البلكونة بالليل وشكلي أخدت دور برد."
ابتسم على تلك العنيدة ذات الرأس اليابس وأكمل:
"سلامتك. فريدة، أنا بصراحة محرج منك جدًا ومش عارف أبدأ كلامي منين."
وأكمل بألمٍ ملأ صوته:
"أنا بجد آسف على التصرف اللي عملته أمي. وصدقيني أنا معرفتش غير يوم عيد ميلاد سولي، وده عن طريق الصدفة البحتة، لما لاحظت نظرات عدم الارتياح اللي كانت متبادلة بينك وبين أمي."
انقبض صدرها حين ذكرها بذلك اليوم وإهانات تلك المتعالية لها ولوالدتها. وأكمل هو حين لاحظ تنفسها بصوتٍ عالٍ مما يدل على تشنجها:
"وعلى فكرة بقى، أنا زعلان منك أوي."
استغربت حديثه وأردفت قائلةً باستنها:
"زعلان مني أنا؟ انتَ غريب أوي يا باشمهندس. ده بدل ما تزعل من اللي مامتك عملته فينا وتهكمها علينا في وسط بيتنا، جاي تزعل مني أنا؟"
أجابها بنبرةٍ صادقةٍ ومتأثرة:
"زعلان لأني كنت فاكر إني قريب منك أكتر من كده. وإن لما حاجة زي كده تحصل أكيد كنتِ هتتصلي بيا وتبلغيني على الأقل علشان أقدر أتصرف."
تنهدت بضيق وأردفت:
"هتتصرف تعمل إيه يعني؟"
وأكملت بضيق:
"على العموم حصل خير والموضوع بالنسبة لي انتهى."
أجابها بصدق:
"بس بالنسبة لي لسه منتهوش يا فريدة. أنا مدين ليكِ انتِ وطنط باعتذار شديد بالنيابة عن أمي."
وأكمل باستئذان:
"علشان كده لو تسمحي لي أنا حابب أجي عندكوا بالليل علشان أعتذر لطنط وأتأكد إنها خلاص مش زعلانه."
ارتبكت حين استمعت لحديثه وأردفت قائلةً بتلبك:
"خلاص يا باشمهندس قلت لحضرتك الموضوع انتهى. وبعدين بابا ميعرفش الموضوع ومش لازم يعرف علشان الضغط ميعلاش عليه."
انتهزها فرصة وأردف بحماس:
"خلاص، أنا هاجي حالًا أعتذر لطنط قبل ما الأستاذ فؤاد يرجع من شغله."
لم تجد ما تجيبه به بعد إلحاحه هذا فوافقت مرغمة. وخرجت وأبلغت والدتها تحت استغراب عايدة التي أردفت قائلة:
"وإشمعنا إنهاردة بالذات اللي افتكر كلام أمه وجاي يعتذر عنه؟"
ثم نظرت إلى فريدة بنظراتٍ تملؤها الريبة قائلة:
"التوقيت مش غريب شوية يا باشمهندسه؟"
تلعثمت فريدة وأردفت قائلةً بتهرب:
"الحكاية كلها مش أكتر من صدفة يا ماما. اللي في دماغ حضرتك ده بقى أبعد من تفكيره وتفكيري. وبعدين هو ميعرفش أصلًا إني سيبت هشام. أنا داخلة أبدل هدومي علشان أقابله. بعد إذن حضرتك."
دلفت فريدة إلى غرفتها. نظرت عايدة إلى طيفها بشرودٍ وتنهدت باستسلام ودلفت هي الأخرى لتبديل ثيابها.
***
داخل إحدى المعامل الخاصة بشركة الحسيني للأدوية، كان يمر ليطمئن على سير العمل. دلف لداخل المعمل، وجدها تجلس بجانب صديقتها سارة، غير واعية لذلك الواقف خلفها بقلبٍ مستشيطٍ غاضب. كاد أن يعنفهما على تركهما للعمل وجلوسهما ملتهيتان بالحديث، لكنه توقف حين استمعها تتحدث بنبرة صوتٍ حزينةٍ ومتأثرة:
"حسام اتغير أوي يا سارة، مبقاش الراجل الرومانسي الشهم اللي حبيته واتحديت أهلي عشانه. أنا حقيقي كل يوم بتصدم فيه أكتر من اليوم اللي قبله، لدرجة إني مبقتش عارفة أحدد مشاعري من ناحيته."
وأكملت بتيه:
"أنا حاسة إني مشتتة ومش قادرة آخد قرار في موضوعنا."
أجابتها سارة متأثرةً بحالة صديقتها:
"كل التشتت اللي انتِ فيه ده بسبب كلامه المستفز عن سليم يا ريم. بس أنا مش عايز اكي تبصي للموضوع على إن حسام بيكره سليم."
وأكملت بتعقل:
"مش يمكن يكون زعل منه لما فضل البنت اللي بيحبها عليه وأداها الوظيفة اللي كان واعده بيها قبل كده؟"
وأكملت بإخلاص:
"عايزة نصيحتي يا ريم، خلي حبك لأخوكي واحترامك ليه بعيد عن علاقتك بحسام."
كاد أن يتحرك ويعود إلى مكتبه كي لا يزعجهما ويتلصص على حديثهما، لكن من العجيب أنه تسمر بوقفته وأصر على الاستماع لحديثها ومعرفة الكثير عنها وعن حياتها مع خطيبها. لما؟ هو لا يعلم.
هزت ريم رأسها بنفي وتحدثت بتفسير:
"مش بس كلامه عن سليم يا سارة، حسام بدأ يتدخل في حياتي بطريقة مستفزة ومرفوضة بالنسبة لي. تخيلي إنه لامني وزعل مني علشان مقلتلوش على موضوع التجربة؟"
نظرت لها سارة، فأكملت ريم:
"حسام طلع مادي بطريقة قلقتني منه. تخيلي إن الأمر وصل بيه إنه بيلومني علشان مضيت مع شركة الحسيني. بيقولي إن كان ممكن نعرضها على شركات الأدوية الكبرى ونتفاوض معاهم ونمضي مع الشركة اللي هتدفع أعلى سعر."
وأكملت باستنكار:
"حسسني إن دماغي دي سلعة وبيفكر إزاي يستغلها ويستفيد منها."
تنهدت سارة وأردفت قائلةً بهدوء:
"مش يمكن خايف عليكي وعاوز يحفظ لك حقوقك؟"
هزت رأسها بنفي وتحدثت:
"لو خايف عليا زي ما بتقولي كان فرح لي إني مضيت عقد مع شركة محترمة وليها وزنها في سوق الأدوية زي شركة الحسيني. لو فعلاً بيحبني كان آخر حاجة فكر فيها هو العائد المادي. كان فكر في مستوايا العلمي والأدبي وإيه اللي ممكن يعود عليا من الموضوع ده."
تنهدت سارة وتحدثت:
"بس على حد علمي إن حسام مرتاح مادياً ومش محتاج لفلوسك يا ريم؟"
أجابتها ريم بأسى:
"يمكن حسام فعلاً مش محتاج فلوس ومستواه المادي كويس، بس تفتكري إن ده سبب يمنعه إنه يبص لفلوسي؟ فيه ناس مبتكتفيش باللي معاها وبس يا سارة."
ونظرت لها وأردفت قائلة:
"هل من مزيد يا دكتورة؟"
وأكملت بشرود:
"تعرفي يا سارة، أنا بدأت أسترجع كل مواقف حسام معايا من يوم ما اتخطبنا. حسيت إني كنت غبية أوي وزي ما بيقولوا مراية الحب عامية."
وأكملت مستشهدة:
"يعني مثلاً موضوع الدوبليكس اللي اشتراه لجوازنا، ماما دفعت أكتر من 70% من تمنه، وهو بكل بجاحة طلب إنه يتكتب باسمه، وللأسف ماما وافقت."
كان يستمع إليها بإعجاب بتفكيرها العقلاني وغير المادي بالمرة، وشعر بتعاطف معها ومع حيرتها، وبدأ قلبه يلين لها ويحن. وفي لحظة استفاق على حالة وطرد من عقله ذلك الإحساس اللعين الذي دائمًا يطالبه بالتفكير بها والتقرب إليها. وانتفضت وتجددت داخله نيران الحقد على كل ما هو مرتبط بتاء التأنيث.
وبدون سابق إنذار تحدث بنبرةٍ حادة:
"دي بقت قعدة مصاطب مش شركة محترمة دي أبدًا."
ارتاع الفتاتان وانتفضتا بجلستيهما واعتدلتا تنظران بهلعٍ إلى ذلك الغاضب. نظرت إليه وتساءلت بهدوء:
"فيه إيه يا دكتور؟"
نظر لها بعينين تطلقان شررًا وأجابها:
"فيه إن دي مستشفى محترمة يا أستاذة، مش جلسة مصارحة نفسية هي."
حاظت عيناها بضيق من حديثه الذي يوحي بأنه استمع لحديثها الخاص:
"ده حضرتك واقف تتسمع علينا بقى؟"
انتفض غاضبًا وأردف قائلاً وهو يتطلع إليها بغرور:
"الظاهر إن سيادتك ناسيه إنك موجودة في شركتي، وإن من حقي أتحرك في المكان والزمان اللي يعجبني. وأكمل بحدة: اللي مرفوض بقى يا حضرة الدكتورة المحترمة هو اللي سيادتك عاملينه انتِ وزميلتك."
خرج الدكتور محمود من داخل غرفة المعمل الداخلية حين استمع لتلك الأصوات المرتفعة واستغرب حين وجد مراد وهو يتحدث بتلك النبرة المتعصبة. فتحدث باستفهام:
"خير يا دكتور مراد، إيه اللي حصل؟"
أجابه بنبرةٍ غاضبة:
"وهيجي منين الخير يا دكتور والهوانم سايبين شغلهم وقاعدين يتكلموا بمنتهى الأريحية ولا اللي قاعدين على المصطبة."
نظرت إليه باستغراب وتحدثت بنبرة صوتٍ حادة لم تستطع السيطرة عليها، راميةً بالوعد الذي قطعته على حالها بعرض الحائط:
"هو حضرتك ليه محسسني إننا شغالين في مشغل تريكو وفصلين المكن وموقفين الإنتاج لحضرتك وقاعدين نرغي."
وأكملت باعتزاز ورأسٍ مرفوع:
"حضرتك إحنا دكاترة ولينا احترامنا وتقديرنا، والمفروض إن سيادتك تعاملنا بأسلوب أرقى من كده."
نظر إليها بعينين تطلقان شررًا مما ينم عن اشتعال داخله وأجابها متهكمًا:
"المفروض،،، ده انتِ هتعلميني الذوق واللي يصح واللي ميصحش كمان."
ثم أكمل وهو ينظر إلى الدكتور محمود وتحدث آمرًا:
"دكتور محمود، من أول الأسبوع الجاي تبعت الأستاذة لأي فرع تاني للشركة. مش عايز أشوفها في الشركة قدامي هنا تاني، رؤيتها بقت كفيلة إنها تعصبني وتقفل لي يومي من أولها."
نظرت له بتهكم وردت بقوة:
"لو حضرتك مش متحمل وجودي هنا قدامك ورؤية جلالتك لوشي، فأحب أقول لسيادتك إنه شعور متبادل."
وحولت بصرها إلى الدكتور محمود وتحدثت بقوةٍ وحدة:
"وياريت يا دكتور تنفذ أوامر سعادته وتسرع في إنك تنقلني لفرع تاني."
وأكملت بتحدٍ كي تحرق روحه:
"بس ياريت ده يكون من بكرة، مش من الأسبوع الجاي زي ما حضرته أمره."
هنا قد أتى الدكتور صادق الذي أبلغه أحد العاملين بالشركة بما يحدث، وذلك بناءً على توجيهات من صادق بنفسه. وتحدث باستسلام من أفعال ولده التي أصبحت عدائية مع تلك الريم بشكلٍ ملحوظ:
"خير يا دكاترة، إيه اللي حصل تاني؟"
وبعد مدة كان قد استمع لجميع الأطراف كلٌ لوجهة نظره. فتحدث بتعقل ناظرًا إلى ريم:
"أولاً يا دكتورة أنا بتأسف لكِ على سوء فهمك لموقف دكتور مراد. أكيد الدكتور ميقصدش يضايقك بكلامه. كل الحكاية إن دكتور مراد جاد جدًا في شغله وبيقدر وقت العمل وميحبش يشوف حد مقصر فيه، وأكيد فهم قعدتك انتِ وصديقتك غلط."
ومن هنا حصل سوء التفاهم.
نظر إلى والده بعينين مشتعلتين وكاد أن يتحدث. أوقفته إشارة من عين والده تطالبه بالصمت. وأكمل صادق بهدوء ومهنية:
"ثانيًا حضرتك مش هينفع تسيبي الشركة هنا وتتنقلي لأي فرع تاني، لأن فرع الشركة ده هو الفرع الرئيسي واللي هتتنفذ فيه تجربتك واللي بالفعل بدأنا نستعد لدخولها على خط الإنتاج الجديد."
وأكمل لتحفيزها:
"فمش من الطبيعي إنك تبعدي ومتشرفيش بنفسك على خط سير العمل وتشوفي وتفرحي بنجاح تجربتك ودخولها لأرض الواقع."
نظرت له بتيه، فحقًا حديثه به كل الصحة. وفي لحظة حسمت أمرها وتحدثت بهدوء:
"وأنا موافقة على أي حاجة حضرتك تشوفها في صالح الشغل يا دكتور."
نظر لها ذلك المراد بغضبٍ وتحرك كالإعصار متجهًا إلى مكتبه.
***
مساءً، بعد مرور حوالي ساعة من محادثة سليم إلى فريدة، كانت تقف بجانب والدتها أمام سليم الذي بدا على وجهه الإشراق والراحة مهما حاول تخبئتهما. تحدثت عايدة وهي تشير إليه بيدها لتحثه على الدخول:
"أتفضل يا باشمهندس."
تحرك خلفها بقلبٍ يتراقص فرحًا. ولما لا؟ فإنه ولأول مرة يخطو داخل قصر أميرته المصانة ويأمل بأن تكون تلك هي البداية. فكم من المرات التي حلم بتواجده معها بمكان نشأتها والنظر إلى غرفتها الخاصة.
وبعد جلوسه نظر إلى عايدة باحترام وأردف قائلاً بأسى:
"أنا حقيقي آسف لحضرتك على سوء التفاهم اللي حصل بين حضرتك وأمي. أنا طبعًا مش جاي أبرر اللي عملته أمي، أنا جاي وطمعان في كرم وأخلاق حضرتك إنك تتعطفي وتسامحيها وتقبلي اعتذاري بالنيابة عنها."
نظرت له عايدة بغيظٍ كتمته داخلها وذلك لشدة احترامه الزائد عن الحد. فكم تمنت أن تُكيل إليه بعض الكلمات التي تليق بتلك الحرباء المسماة بوالدته، ولكنها للأسف الشديد لم تستطع الآن لما رأته من احترام بكلمات ذلك الراقي الذي يختلف كليًا عن تلك المتعالية.
أردفت قائلةً بهدوءٍ وابتسامةٍ باردةٍ تخفي خلفها نارًا مشتعلة:
"وماما ليه مجتش بنفسها علشان تعتذر يا باشمهندس؟ مش المفروض اللي غلط هو اللي يعتذر بردوا ولا إيه؟"
وأكملت بتأكيد على حديثها:
"الأصول بتقول كده، وانت سيد من يفهم في الأصول."
ابتسم لها وأردف بهدوءٍ ووجهٍ بشوش:
"أكيد كلام حضرتك مظبوط وجدًا كمان."
وأكمل مفسرًا:
"لكن خلينا أكلمك بصراحة، أمي من نوعية الناس اللي بيخجلوا لما بيغلطوا، وللأسف مبتعرفش تواجه غلطها."
واسترسل حديثه مترجياً:
"فلو تكرمتي عليا تقبلي أسفي بالنيابة عنها، وبكدة أكون اتأسفت لحضرتك عن الغلط الغير مقصود، وأكون عفيت أمي من حرج اللحظة."
تنهدت عايدة ثم حولت بصرها إلى فريدة لتسألها كيف هو الحال، فمالت لها فريدة بعينيها بمعنى الموافقة. فأبتسمت عايدة وأردفت بهدوء:
"وأنا مجيتك لحد هنا وكلامك وذوقك محوا كل الزعل يا باشمهندس."
أجابها بسعادة:
"أنا بجد مش عارف أشكر حضرتك إزاي على كرم أخلاقك الزايد ده."
وأكمل بتمني:
"هو أنا ممكن أتجرأ وأطلب من حضرتك طلب؟"
ردت عايدة بترحاب:
"طبعًا يا باشمهندس، اتفضل."
رد عليها بتمني وابتسامةٍ بشوشة:
"ممكن حضرتك تعتبريني زي ابنك وتندهي لي باسمي من غير ألقاب، سليم كفاية أوي."
هزت رأسها بموافقة وتحدث:
"ده شيء يشرفني إن يكون عندي ابن في احترامك وذوقك."
نظر سليم إلى فريدة وأردف بتساؤل:
"أتمنى متكونيش زعلانه انتِ كمان يا فريدة."
هزت رأسها بإيماءٍ وابتسامةٍ باهتة، فسألها سليم بتخابث:
"مالك يا فريدة، هو أنا ليه من وقت ما دخلت وأنا ملاحظ إنك ساكتة وشاردة. كمان عيونك دبلانة أوي. لو فيه حاجة أقدر أساعد بيها ياريت تقولي."
تنهدت عايدة وأجابت بنبرةٍ حزينة:
"للأسف يا سليم، فريدة سابت خطيبها."
تهللت أساريره ولم يستطع تمالك حاله. فبرغم أنه يعلم مسبقًا، ولكن استماعه إلى هذا الخبر من والدتها والتأكيد عليه أسعده كثيرًا وأراح قلبه.
تمالك حاله بعد نظرات عايدة المستغربة من ذلك الأبله الفاتح الفاه بسعادة وهو يتلقى خبرًا محزنًا كهذا، مما جعلها تنظر إليه باستغراب. وأردف هو قائلاً بصوتٍ هادئٍ وحنونٍ بعض الشيء وهو ينظر إلى فريدة:
"وهو ده اللي مزعلك بالشكل ده، أكيد ربنا شايل لك الأحسن."
أجابته عايدة وهي تقف:
"ونعم بالله. متأخذنيش يا ابني، الكلام أخدنا ونسيت أقدم لك حاجة تشربها."
وتساءلت:
"تحب تشرب إيه؟"
تحدث وهو يقف:
"ياريت متتعبيش نفسك، أنا خلاص ماشية."
تحدثت عايدة بإصرار:
"ريح نفسك، مش هتخرج من هنا غير لما تاخد واجب ضيافتك. قولي بقى تحب تشرب إيه؟"
ابتسم سليم وأردف بهدوء:
"طالما حضرتك مصممة يبقى فنجان قهوة مظبوط."
أجابته بوجهٍ بشوش:
"بس كده، من عنيا، وعاملة كيكة برتقال لسه سخنة هتعجبك أوي."
أجابه وهو يجلس من جديد:
"تسلم إيد حضرتك."
دلفت عايدة وتحدث هو بوجهٍ مبتسمٍ وسعيد:
"أخيرًا خلصتينا من الكابوس اللي اسمه هشام ده."
نظرت إليه باستنكار وتحدثت باستنكار ولهجةٍ حادة:
"أوعا يكون خيالك صور لك إني سيبت هشام عشانك. لا، دانت تبقى موهوم أوي يا باشمهندس."
ضحك برجولة بعثرت داخلها ونظر إليها بعيونٍ عاشقةٍ لكل إنشٍ بها قائلاً:
"أومال حبيبي سابه وروق لي الجو ليه؟"
أجابته بحدة:
"علشان طلع زيك بالظبط، خاين وكذاب، النسخة المكررة من سعادتك. انتم الاتنين بتمثلوا الخيانة في أبشع صورها، بس كل واحد منكم محتفظ بطريقته الخاصة."
نظر لها بعيونٍ عاشقةٍ وأردف قائلاً بنبرةٍ مثيرةٍ أذابتها وبعثرت داخلها:
"حد بردوا يقول على حبيبه اللي هيكون جوزه في خلال أيام خاين وكذاب؟"
وأكمل بصوتٍ هائمٍ أذابها:
"ما يصحش كده يا ديدا، لازم تحترمي جوزك أكتر من كده. أنا زعلي غبي على فكرة وبحذرك من أولها."
وأكمل بوقاحة:
"وعشان ترضيني هتضطري تدلعيني كتير، وسليم من دلع مراته مش هيشبع يا قلب سليم."
ارتبكت بجلستها وارتعش جسدها بالكامل على أثر كلماته التي نزلت على قلبها العاشق أنعشته وزلزلت كيانه. تحدثت بتلبكٍ ونبرةٍ أنثويةٍ لم تستطع التحكم بها:
"اعقل يا سليم، ماما ممكن تسمعك."
أجابها بصوتٍ حنونٍ وعيونٍ مشتعلة:
"هي ماما بس اللي هتسمع، ده أنا هصرخ بأعلى صوتي وهسمع الدنيا كلها. هقول لهم إني بعشقك وقلبي دايب في غرامك وبحر عيونك. هقول لهم إني تعبت في بعدك ونفسي أرتاح جوه حضنك. هقو..."
كاد أن يكمل إلا أن استمعوا لطرقاتٍ عاليةٍ وسريعةٍ فوق الباب. وقفت فريدة والقلق ينهش داخلها وتحركت سريعًا نحو الباب وفتحته. وجدت أمامها آخر شخص تمنت أن تراه بتلك اللحظة الحالمة.
نظرت إلى الطارق وتفاجأت به واقفًا أمامها، ينظر لعيناها بغضبٍ تام لم يستطع التحكم به. إنه هشام لا غير، فقد جاء ليتحدث معها ووالدتها ويقص عليهما ما أخبرته به لبنى. ثم حول بصره إلى الداخل باحثًا بجنون عن سليم بعدما رأى سيارته المصطفة أسفل البناية أثناء صعوده. وجده يجلس فوق المقعد ويظهر على وجهه كم من الراحة والاسترخاء.
فدلف دون الاستئذان ناظرًا إليه بعيونٍ تطلق شررًا، قائلاً بغضبٍ واتهام:
"أنا كده بقى اتأكدت إن ظنوني كلها في محلها."
نظر له سليم بابتسامةٍ مستفزةٍ ووضع ساقه فوق الأخرى مما استشاط غضب الآخر. أغلقت فريدة الباب وذهبت إليه وتحدثت بحدةٍ بالغة:
"انت لسه ليك عين تيجي لحد هنا. هو أنا مش قولت لك امبارح إني مش عاوزة أشوف وشك تاني؟"
وأشارت بيدها للخارج قائلةً بنبرةٍ حادة:
"اتفضل يا محترم لو سمحت، ويا ريت متضطرنيش إني أفقد أعصابي معاك أكتر من كده."
نظر إليها هشام وتحدث باستماةٍ وهو يشير إلى سليم:
"مش همشي قبل ما أعرفك حقيقة المؤامرة الحقيرة اللي لعبها علينا البيه المحترم."
في تلك اللحظة خرجت عايدة من المطبخ تحمل بين يديها حاملاً موضوعًا عليه بعض أقداح القهوة مع بعض الحلوى. وقف سليم سريعًا وحمل عنها ما بيدها تحت استشاطة هشام واستغرابه. وتحدث سليم بهدوءٍ واحترام:
"تسلم إيد حضرتك يا أفندم، تعبتك معايا."
ثم وضعها فوق المنضدة وجلس من جديد بمنتهى البرود. هزت رأسها له وأردفت قائلةً بهدوء:
"مفيش تعب ولا حاجة يا ابني، ده واجبك."
ثم حولت بصرها إلى هشام ونظرت إليه بنظراتٍ يملؤها اللوم والعتاب وتنهدت بأسى وتحدثت:
"أهلاً يا أستاذ هشام."
نظر لها بحزن وأردف متألمًا:
"أستاذ هشام؟"
وابتلع غصة داخله ثم تحدث بنظراتٍ مترجية:
"ممكن يا ماما حضرتك تقولي لي البني آدم ده بيعمل إيه هنا؟"
قاطعته فريدة بحدةٍ فقد طفح الكيل بها:
"وانت بأي صفة إن شاء الله بتسأل؟"
وأكملت بنبرةٍ حادة:
"ياريت يا محترم تتفضل بقا لأن وجودك غير مرحب بيه بالمرة."
قاطعتها عايدة بحدة:
"عيب كده يا فريدة، مش تربية فؤاد اللي تتعامل مع ضيوفها بالشكل ده."
نظر لها هشام بحزن وأردف قائلاً بنبرةٍ حزينة:
"هو أنا خلاص بقيت ضيف يا ماما؟"
تنهدت عايدة وأزاحت بصرها عنه. حول بصره هو إلى فريدة وتحدث بإصرار:
"أنا قولت لك إني مش هخرج من هنا غير لما أكشف لك المؤامرة اللي اتعملت علينا من الحقير اللي قاعد قدامك ده."
تساءلت عايدة باستغراب:
"مؤامرة، مؤامرة إيه اللي بتتكلم عنها دي؟ وتقصد مين بكلامك ده؟"
أجابها بقوةٍ وهو يشير بسبابته إلى الجالس بمنتهى البرود يتناول قهوته ويرتشفها بتلذذ يظهر على وجهه دون الاكتراث بما يدور من حوله:
"المؤامرة اللي الحقير ده عملها عليا عشان يبعدني عن فريدة يا أمي."
تحدثت عايدة بحدة:
"عيب كده يا هشام، مينفعش تهين الراجل وهو في بيتي."
ربعت فريدة ساعديها أمام صدرها وتساءلت بنبرةٍ ساخرة:
"لا برافو، ويا ترى بقى هو اللي جرك من إيدك وخلاك تروح تقعد مع حبيبتك القديمة؟ وهو كمان اللي أجبرك تقول لها كل كلام العشق والغرام اللي أنا بنفسي سمعته بوداني؟"
أجابها بنبرةٍ قوية:
"أيوه يا فريدة، البيه خلى واحدة تكلم لبنى على أساس إنها واحدة بتكرهك وحابة تنتقم منك وتخليني أسيبك."
وبدأ بسرد كل ما حدث على أسماعهم تحت نظرات سليم الباردة وفريدة المشمئزة وعايدة الحزينة. وجه حديثه إلى سليم بعدما انتهى من سرد التفاصيل:
"لو راجل بجد اعترف وقولها على مؤامرتك الدنيئة."
وأخيرًا تحدث سليم ببرودٍ وهو يضع قدح القهوة فوق المنضدة:
"من الطبيعي جدًا إنك تحاول تبرر موقفك وعملتك الغير أخلاقية بالمرة، بس اللي مش طبيعي ومش مقبول عندي إنك تفترى عليا وتتهمني عشان تخلص نفسك."
وأكمل مضيقًا عينيه باستجواب:
"وبعدين حتى لو افترضنا إن كلامك ده فعلاً حصل، المفروض إنك بتحب فريدة جدًا، وبناءً عليه مبدأ الخيانة المفروض إنه مرفوض ومستبعد بالنسبة لك."
وأبتسم بطريقةٍ مستفزةٍ قائلاً:
"ولا إيه؟"
صاح به هشام وأردف قائلاً بغضب:
"ده المفروض، بس لما يكون المخرج شيطان زيك ولعبها بمنتهى البراعة والدناءة، لازم النتيجة تكون ممتازة وغير متوقعة."
تحدثت عايدة بهدوءٍ وكأنها كانت تنتظر تلك الكلمات:
"أنا طبعًا مصدقاك يا هشام ومصدقة إن فيه لعبة اتعملت عليكم من ناس معندهاش ضمير."
وأكملت برفض:
"بس يا ابني مظنش إن الباشمهندس سليم له صلة بالموضوع."
تحدث هشام بحدةٍ وهو ينظر إلى سليم:
"طب لو مش هو اللي خطط ودبر لكل ده تقدري تقولي لي هو هنا بيعمل إيه، وبيأي مناسبة جاي يزوركم في البيت وكمان في غياب عمي فؤاد، وإشمعنا في التوقيت ده بالذات يا ماما؟"
حدثه سليم بنبرةٍ جادة:
"ياريت يا أستاذ هشام لو عندك مشكلة تحلها بعيد عني وما تقحمنيش فيها ولا تحملني ذنب تصرفاتك الصبيانية ومرقبتك المتأخرة."
نظر له بحقدٍ وتحدث غاضبًا:
"متحترم نفسك يا أستاذ انتَ ونقي ألفاظك، إيه مراهقتك المتأخرة دي كمان، على العموم أنا هفضل ورا الموضوع لحد ما أثبت إنك ورا الحقيرة اللي اتصلت وعملت كل ده."
وأكمل بإصرار:
"وهنتقابل تاني وقريب أوي، أوعدك."
ابتسم سليم ساخرًا وأردف بنبرةٍ متهكمة:
"وأنا مستنيك."
تحدثت عايدة بتهدئة:
"اهدوا يا جماعة لو سمحتم، ميصحش تتكلموا مع بعض بالشكل ده."
ثم أكملت وهي تنظر إلى هشام مفسرة:
"وعلى العموم يا هشام الباشمهندس سليم جاي في موضوع مهم ومقنع جدًا بالنسبة لي. وبيتهيأ لي أنتَ عندك ثقة في كلامي وعارف إني مش هقول لك كده من فراغ."
تساءل بفضولٍ بصوتٍ حاد:
"ممكن أعرف موضوع إيه ده يا ماما؟"
صاحت به فريدة بصوتٍ غاضبٍ فقد طفح الكيل بها:
"وانت مالك، ده شيء ميخصكش لا من بعيد ولا من قريب، ويا ريت يا أستاذ تعرف حدودك الجديدة عندنا وتتصرف على أساسها."
قاطعتها عايدة قائلةً بنبرةٍ جادة:
"اهدي يا فريدة واقعدي مع هشام وحاولوا تصفوا الزعل اللي مابينكم. هشام بيحبك وشاريكي ومينفعش تضيعوا اللي ما بينكم وتشمتوا العدو فيكم."
انتفض داخله وارتعب من فكرة موافقة فريدة لحديث والدتها. نظر إليها سريعًا بعيونٍ مترجية بألا تستجيب لحديثها. نظرت له وابتلعت لعابها ثم حولت بصرها إلى هشام وزفرت بضيق قائلة:
"الموضوع بالنسبة لي منتهي النقاش فيه يا ماما."
وأشارت بيدها نحو هشام:
"ولو على مبررات الأستاذ اللي جاي يغني عليا بيها، فأحب أقوله إن كلامك ده لو صح، فهو بالنسبة لي عذر أقبح من ذنب."
ثم أكملت بنظراتٍ معاتبةٍ موجهةً حديثها إليه مباشرةً:
"جاي بكل بجاحة تبرر لي خيانتك ليا؟"
وأكملت بنظرةٍ حزينةٍ معاتبةٍ أشعلت داخل سليم:
"يعني إيه تبقى طول الوقت مفهمني إنك بتحبني وإني أغلى حد في حياتك، وأول ما بنت خالتك تشاور لك تجري عليها بكل سهولة."
وأكملت بتساؤل:
"أما بتعمل فيا كده وإحنا لسه على البر، أومال لو كنا اتجوزنا وراحت زهوتي عندك كنت هتعمل فيا إيه؟"
نزلت دموعها رُغماً عنها وتحدثت بضعفٍ وهي تشير له بالخروج:
"أرجوك يا هشام امشي، مش عاوزة أشوف وشك تاني."
ثم تحدثت إلى والدتها:
"من فضلك يا ماما تلمي حاجة أستاذ هشام وتديها له وهو ماشي."
تحدث هشام برجاءٍ وقلبٍ يتمزق:
"أرجوكِ يا فريدة أديني فرصة أثبت لك إني ضحية مؤامرة حقيرة."
حدثته بدموع:
"أرجوكَ يا هشام كفاية ويا ريت متصعبهاش عليك وعليا أكتر من كده."
تساءل بنبرةٍ جادة:
"ده آخر كلام عندك يا فريدة؟"
أجابته بدموع:
"ومعنديش كلام غيره."
نظر إليها بحزن ثم حول بصره إلى ذلك الجالس ببرودٍ وتحدث بوعيد:
"قسماً بالله ما هسيبك ولا هدفعك تمن اللي عملته ده غالي أوي يا سليم يا دمنهوري."
وتحرك خارجًا من المكان كالبركان الذي أوشك على الانفجار. وقف سليم متحدثًا بهدوء:
"أنا آسف يا جماعة إن الظروف حطتني إني أحضر النقاش الحاد ده. أستأذن ومرة تانية بتأسف لحضرتك على كل اللي حصل من أمي."
أجابته عايدة بأسى وشرود:
"حصل خير يا ابني وأنا اللي بتأسف لك على كلام هشام اللي قاله، إنتَ أكيد عاذر طبعًا ومقدر الموقف اللي هو فيه."
هز رأسه وأجابها متفهمًا:
"ولا يهمك يا طنط، بعد إذن حضرتك ومُتشكر جدًا على القهوة."
تحرك إلى فريدة وتحدث هامسًا لها باقتضاب وعيونٍ لائمة:
"هكلمك من العربية، ياريت تردي."
غادر سليم المكان ووجهت فريدة حديثها إلى والدتها بهدوءٍ ودموع:
"أنا داخلة ألم الشبكة والهدايا كلها عشان بابا يوصلها لعمو حسن لما يرجع، خليني أخلص من الكابوس ده."
وتحركت للداخل تحت نظرات عايدة الحزينة وقلبها المتألم لأجل ابنتها ولأجل هشام أيضًا. لملمت الأشياء داخل صندوق وأخرجته لوالدتها ودلفت مجددًا إلى غرفتها.
وبدون مقدمات أجهشت في نوبة بكاءٍ مرير، إلى أن أتاها اتصاله الذي لم تُعيره اهتمامًا، فحاول مجددًا الاتصال مرارًا وتكرارًا ولكنها قررت عدم الإجابة.
جلست تبكي وتفكر بتشتت في أمرها وما يجب عليها فعله، وأيضًا فكرت في حديث هشام ومدى صحته، حتى غفت دون وعيٍ أو إدراك.
فاقت من غفوتها بعد حوالي الساعتين على صوت نهلة وهي تحدثها:
"قومي يا فريدة عشان تتغدي معانا."
أجابت شقيقتها بنعاس:
"سيبيني أنام يا نهلة، ماليش نفس للأكل."
ردت نهلة بتصميم:
"بابا قاعد مستنيكي برة ومش هيتغدى من غيرك."
تأففت بنومتها وأفاقت حالها وتحركت للخارج كي ترحب بأبيها. أخبرته أنها لملمت جميع الأشياء والهدايا الخاصة بهشام، وطلبت من أبيها أن يغلق لها ذلك الموضوع سريعًا كي يرتاح ذهنها.
وافقها أباها على مضض، وبالفعل ذهب هو وعبدالله في المساء لمنزل حسن نور الدين واعتذرا منهم تحت دموع سميحة وحزن حسن واعصار قلب هشام.
***
داخل غرفة هشام، كان يجلس فوق تخته ملقيًا رأسه للخلف بإهمالٍ وذلك أثر نوبة حزنٍ أصابته بعدما أتى فؤاد وسلمه كافة الأشياء التي أهداها إلى فريدة طيلة فترة خطبتهما.
دلفت إليه غادة بصحبة سميحة التي انتفخت عيناها من كثرة بكائها حزنًا على صغيرها وأيضًا لخسارته لفريدة التي كانت تراها زوجة مثالية لابنها.
جلست غادة وهي تمرر كف يدها فوق رأس ابن شقيقتها وتحدثت بصوتٍ حنون:
"عامل إيه دلوقتي يا هشام؟"
أغمض عينيه بتألمٍ متهربًا من عينيها وتحدث بصوتٍ مهزوم:
"الحمد لله."
جلست سميحة بجانبه ووضعت كف يديها فوق موضع قلبه وأردفت بصوتٍ حنون:
"ما تقوم يا حبيبي تغير هدومك وتخرج تسهر مع أصحابك."
نظر لها وأجابها بغصةٍ مؤلمة:
"مش عاوز أخرج يا ماما، ولو سمحتم بلاش نظرات الحزن والشفقة اللي في عينكم دي لأنها بتقتلني."
بكت سميحة وتحدثت بنبرة لومٍ وعتاب:
"مش عايزني أحزن على اللي عملته في نفسك؟ كان ليه ده كله يا هشام؟ ما كانت معاك خطيبتك يا ابني، عقل وجمال وكمال وألف مين يتمناها. سبت عقلك ومشيت ورا لبنى اللي باعتك قبل كده عشان تسافر عند أبوها وتعيش حياتها بحريتها."
تملل بجلستهِ ونظر لها بضيقٍ وأردف قائلاً:
"هو أنا ناقص كلامك ده يا ماما؟ مش هخلص أنا من التنظير واللوم ده إنهاردة."
وأكمل بصياحٍ بصوتٍ حاد:
"قلت لك اللي حصل ده مؤامرة واتعملت عليا وشاركت فيها الغبية بنت أختك ووقعتني."
نظرت إليه غادة باندهاشٍ وأردفت بعتاب:
"وهي لبنى كانت غلطت لوحدها يا هشام؟ المفروض إنك راجل واعي وعندك عقل يوزن بلد."
وتساءلت:
"كان فين عقلك وانت ماشي وراها مسير؟ أنا مش نبهتك من كام يوم لما كنتوا عندي وقولت لك إن فريدة لو عرفت مش هتسامح، وأهو حصل اللي حذرتك منه يا ابن أختي."
تحدثت سميحة بندمٍ من بين دموعها الغزيرة:
"ياريتك يا ابني كنت سمعت كلام خالتك."
نظر إليها بضعفٍ وأردف نادمًا:
"ياريت يا أمي، ياريت."
احتضنته والدتهُ وربتت فوق ظهرهِ بحنانٍ تحت استرخائه وكأنه كان يحتاج لذلك الحضن وبشدة.
***
في اليوم التالي، كانت تقود سيارتها عائدةً إلى منزلها بعد يومٍ شاقٍ ومرهقٍ داخل شركة ذلك المراد الذي بات يتعمد إسناد المهام إليها وإرهاقها بشتى الطرق، وكأنه يريد أن تمل كثرة العمل وتذهب لحال سبيلها، ليحمي قلبه من تقاربها الذي أصبح يشعر بالخطر عليه في حضرتها.
وجدت هاتفها يرن معلنًا عن وصول مكالمةٍ هاتفية. نظرت به وتأففت بتمللٍ حين وجدت نقش أحرف حسام. أجابت على مضض.
"ألو؟"
رد عليها ذلك المغروم بصوتٍ ناعمٍ ليتغلغل إلى داخلها:
"حبيبتي اللي وحشاني موت، عاملة إيه يا قلبي؟"
أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته وشعورٌ وليدٌ عليها يرفض بشدة الاستماع إلى كلمات الغزل تلك التي كانت تعشقها بالسابق، ولكن الحال قد تغير بها مؤخرًا. أجابته باقتضاب:
"أنا كويسة الحمد لله."
وأكملت بتهرب:
"حسام، ممكن نتكلم لما أروح عشان سايقة وخايفة آخد مخالفة."
زفر بضيقٍ ولكنه تحامل على حاله وأردف قائلاً بنبرة ملامةٍ وصوتٍ حزينٍ حتى يستطيع به التأثير على قلب تلك العاشقة المتمردة مؤخرًا:
"هو أنا ليه ملاحظ في الفترة الأخيرة إنك بتهربي مني وتتجنبي الكلام معايا؟"
وتساءل بنبرة صوتٍ مختنقةٍ حزينة:
"فيه إيه يا ريم، هو أنا عملت حاجة زعلتك مني وأنا مش واخد بالي؟"
أجابته بصوتٍ مختنقٍ لا يطيق التحدث إليه:
"مفيش حاجة يا حسام، كل الحكاية إني مشغولة في الدراسة والتدريب اليومين دول ومعنديش وقت لأي حد."
"حتى أنا يا ريم." قالها بنبرة معاتبة.
وأكمل ليكسب تعاطفها:
"وأنا اللي بغامر بنفسي وبأغلى حاجة في حياتي عشان أسعدك وأشوفك مبسوطة، تقومي تقولي لي الكلام ده؟"
ضيقت عينيها باستغرابٍ وأردفت قائلةً باستفهام:
"تقصد إيه بكلامك ده يا حسام، يعني إيه بتغامر بنفسك وبأغلى حاجة في حياتك؟"
أجابها بتخابث:
"بغامر بعلاقتي بيكي يا ريم."
وأكمل:
"فريدة فركشت خطوبتها وأنا كنت السبب الرئيسي في كده."
أوقفت سيارتها سريعًا وتحدثت باستفهامٍ ونبرةٍ سعيدة:
"انت بتتكلم جد يا حسام؟ فريدة سابت خطيبها فعلاً؟"
ابتسم بمكرٍ لوصوله لمبتغاه وتحدث:
"وهي المواضيع دي ينفع فيها هزار يا قلبي."
وبدأ بقص ما حدث على مسامعها مع تضخيم دوره وتجميله ليجعلها تراه فارس أحلامها من جديد.
وبعد مدة تحدث هو بنبرةٍ مستعطفة:
"أنا عملت كل ده عشان عيونك يا ريم، مقدرتش أشوف الحزن في عيونك وأقف أتفرج من غير ما أرجع البسمة لعيونك من جديد، حتى لو كان على حساب قلبي اللي ممكن يتحرم منك لو عمتو عرفت بالموضوع."
أجابته سريعًا بسعادةٍ وطمأنة:
"متقلقش يا حسام، ماما عمرها ما هتعرف، وسليم طالما وعدك يبقى أكيد هيوفي بوعده، وبعدين مش من مصلحته إنه يقول لها، وأنا عمري ما هقول لأي حد عن اللي حصل ده."
تساءل بنبرةٍ لئيمة:
"مبسوطة يا حبيبتي؟"
أجابته بسعادةٍ بالغةٍ لأجل شقيقها الغالي:
"أوي يا حسام، ربنا يخليك ليا."
تنهد بارتياحٍ للوصول لما كان يريد وتحدث بحنان:
"ويخليكي ليا يا روح قلبي."
ترى مالذي يفكر به حسام بعدما استعاد ثقة ريم به من جديد؟ وهل حقًا فعل ذلك من أجل إسعادها؟ وهل ستخضع فريدة لنداء قلبها والتسليم لقلب سليمها؟ أم أنها ستنصاع لعقلها الذي مازال رافضًا الاستسلام لذلك الذي أهان كبرياءها وكان سببًا رئيسيًا في ضياع حلمها؟