تحميل رواية «جوازة ابريل» PDF
بقلم نورهان محسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد مرور شهر. في قاعة أفراح فخمة، تسبح في بريق الأضواء المعلقة في السقف العالي كأنها نجوم متلألئة تُشع بوهج يخطف الأنفاس. الأرضية مكسوة برخام أبيض ناصع، يلمع تحت الأقدام كمرآة تعكس بريق الثريات الذهبية المتدلية بانسيابية من السقف المزخرف بنقوش فنية بديعة. الجدران كانت مزينة بأقمشة حريرية باللون العاجي، ومرصعة بزهور طبيعية متناغمة بألوان الباستيل الهادئة. رائحة الورود تعبق في الأرجاء، تحمل معها لمسة من الفخامة والأصالة. الطاولات مصطفة بعناية، مفروشة بأقمشة مخملية مترفة، تتوسطها شمعدانات مذهبة، تح...
رواية جوازة ابريل الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم نورهان محسن
مرت سنوات عديدة قارنتها بحماقة بالنساء اللواتي عرفتهن، النساء اللواتي خذلنك، والنساء أولئك الذين خذلتهم...
لقد فات الأوان لإدراك كم كانت مختلفة، وكم كان حضورها يغنيك عن جميع النساء الأخريات.
مرت سنوات وأنت تفكر مرارًا وتكرارًا كيف فقدتها ولماذا رحلت، وتبحث عن مبررات لهجرانها لك، ثم تتهمها بالجبن والخيانة رافضًا الاعتراف بأن السبب الحقيقي هو أنت وأنك كنت ضعيفًا.
أضعف من أن تحتوي امرأة بجنونها وحنانها.
تقف الآن مندهشًا أمام امرأة ذات ملامح صلبة.
بالماضي كنت ترى ملامحها في وجهك، وضحكتها على شفتيك، وعيونها تتألق في عينيك.
كيف يمكنك الآن هزيمة حصونها المنيعة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في المنصورة
عند أحمد في منزل زينب
"يعني إيه راحت لأمها من غير ما تعرفني؟ إزاي تخرج برا بيتها منها لنفسها كده تستأذني؟"
زمجر بغضب وبلهجة حادة، وهو يتحرك بين الأثاث في غرفة المعيشة يكاد أن ينفجر أمام والدته التي كانت تراقبه بتوتر، ثم صدح صوتها:
"استهدي بالله يا أحمد يا بني، هي برضه معذورة."
رفع أحمد حاجبيه مستنكرًا كلامها الذي لم يعجبه، معقبًا بصوت ساخط:
"معذورة إيه وقرف إيه بس؟"
زينب بنبرة معاتبة:
"أيوه معذورة، هي واخدة على خاطرها وساكتة وشايلة في قلبها ومابتشتكيش، طبيعي يبقى فاض بيها، عايزها يعني تقعد محروق دمها وهي عارفة إنك رايح ملهوف على ست أبريل يا ابن بطني؟"
تضخمت عروق حلقه حنقًا عند ذكر سيرتها، إذ كان لا يزال يشعر بالغضب المشتعل في أوردته، كلما ترددت كلماتها المسمومة في فضاء عقله، يضاهي لهيب سيجارته المشتعلة بين أصابعه، قبل أن يرد عليها بقسوة، مدركًا المعنى الخفي وراء كلماتها:
"ده مالوش دعوة بده يا ماما، ماتخلطيش الأمور ببعضها، مهما كان السبب ليها راجل تعرفه خط سيرها مش من دماغها تمشي، وده كان بيحصل وأنا مسافر مش كده؟!"
سرعان ما أجابت زينب على سؤاله بالنفي:
"أبدًا ورب الكعبة يا بني دي أول مرة، هي لا بتروح ولا بتيجي، وحتى عدت عليا واستأذنتني ساعتها، حتى خالتك كانت عندي لو مش مصدق اتصل عليها واسألها."
نفث الدخان من سيجارته بضيق، فهذا هو الشيء الوحيد الآن الذي يجعله يشعر بالصبر قليلًا حتى لا يفعل شيئًا سيندم عليه لاحقًا، بينما زينب تابعت برجاء:
"بالله عليك سايق عليك النبي وأهل بيته تروح وتراضي مراتك وترجعها لبيتها، ماتسيبهاش مكسورة الخاطر كده، دي مهما كان مراتك وأم بنتك، أنت لو لفيت الدنيا مش هتلاقي في أصلها ومحبتها ليك."
نبس بنبرة هادئة بعض الشيء، وهو ينهض من مقعده:
"هشوف ربنا يسهل، أنا طالع دلوقتي أستريح من السفر."
سألته بلطف:
"طيب يا حبيبي مش عايز تاكل لقمة، أتلاقيك على لحم بطنك؟"
"ماليش نفس."
في غرفة أبريل
كانت أصابعها تعبث بوشاح جدتها الحبيبة، وهي لا تزال مسترخية على ظهرها، وأفكارها تسبح في بحر مظلم، لم تكن تتخيل في حياتها أنها ستقع في فخ كهذا، لتتمركز أفكارها عند اللحظة التي رأته فيها، حيث كان الأمر بمثابة مفاجأة إضافية لصدمات هذا اليوم الطويل، لكن بالنسبة لهذا اللقاء على وجه الخصوص، لم تكن مستعدة له على الإطلاق، فهي تشعر بإحساس مثقل بالألم يتغلغل في قلبها، وتشكل الدموع الكثيفة سحبًا بلورية فوق عينيها، كلما تذكرت كلماته.
ألم يكن كافيًا استنزف طاقتها وروحها، ليأتي ظهوره ويطيح بما تبقى من صمودها الضعيف، مما يجعل عقلها يستحضر التفاصيل الكاملة لهذا الحدث؟
flash back
منذ بضعة ساعات
داخل سيارة باسم
نظر إليها بزاوية عينه أثناء قيادته، ثم أشار إليها وهو يتمتم بنبرة آمرة:
"اربطي الحزام، اربطي الحزام."
حاولت سحب حزام الأمان من مكانه، لكنها لم تنجح لأن أعصابها كانت متوترة، فقالت بضيق:
"مش بيطلع معايا."
"اوعي إيدك..."
نبس باسم بهدوء بعد أن أوقف السيارة على جانب الطريق، وانحنى نحوها واضعًا حزام الأمان عليها.
أخفضت بصرها بعد أن حبسها بين ذراعيه، تشعر بمراقبته لملامحها الناعمة بنظرات جعلت نبضها يرتفع من شدة قربه، بينما لم يفوته الشعور بتوترها، ليسألها بهمس رجولي خبيث:
"أومال فين أعصابك؟"
رفعت إليه فيروزيتها، وأجابت بصوت منخفض، وعيونها مليئة بالسخرية، لتغطي خجلها:
"قطعوا تذكرة هجرة على المريخ من بعد ما شوفتك على طول."
ضحك باسم بلؤم:
"وزعلانة أكيد عشان مش هتعرفي تحصليهم وباسبورك تحت إيدي."
دفعته بعيدًا وهتفت بغيظ يلوح في نظرتها، بالإضافة إلى لهجتها المستنكرة:
"تصدق أنت واحد مستفز."
عاد ليجلس منتصبًا في مقعده، مقلمًا بغطرسة ياقة قميصه، وهو يمطرها بنظراته الماكرة بعد أن نجح في إغاظتها وإثارة غضبها، وهو ما يروقه جدًا.
بعد فترة قصيرة، كانا لا يزالان على قارعة الطريق.
"أبريل هاتي تليفونك عايز ألعب عليه جيم."
حدقت أبريل عبر المرآة بأسف، ووجهت حديثها إلى عمر الذي كان يجلس في المقعد الخلفي للسيارة:
"التليفون مش معايا."
أدار الطفل عينيه بضجر، ثم مد ذراعه إلى الأمام إلى حيث يوجد مشغل الموسيقى في السيارة، وبسرعة أبعد باسم أصابعه عن الجهاز وهو يحذره ببرود:
"عيب يا حبيبي."
تذمر عمر بملل:
"زهقان عايز أسمع حاجة تسلينا."
تنهد باسم تنهيدة عميقة تشير إلى مدى إرهاقه، مصاحبة لصوته بالرفض:
"مفيش حاجة هتشتغل أنا مصدع."
ساد صمت قصير قبل أن يقطعه عمر الذي قال:
"عايز أعمل التويلت."
باسم ببلاهة:
"تويلت؟!"
هز عمر رأسه مؤكدًا:
"أيوه ودلوقتي حالًا."
وجه باسم نظره الحائر إلى أبريل التي كانت تحبس ضحكتها بصعوبة قبل أن يسألها مستاء:
"ما أنت كنت في المستشفى من عشر دقايق ما عملتهاش هناك ليه؟"
رفع عمر كتفيه، وأجاب بعفوية استفزت حواس باسم:
"ما جاش على بالي، يلا بسرعة عشان ما بعرفش أمسك نفسي."
ضرب باسم المقود بغضب، مما جعلها تبتعد عنه قليلًا خوفًا من ردة فعله، بينما نظر إليها بحاجب مرفوع وتمتم بتجهم:
"مش طالع لك صوت ليه ما تشوفي حل؟!"
لوحت أبريل بيديها في الهواء بارتباك، وهتفت بقلة حيلة:
"أصلها مالهاش غير حل واحد، ما تفضلش مصدوم كده، إلحق قبل ما يبدل لك العربية."
أحس بالسخرية في لهجتها، حك فروة رأسه بعنف، وتمتم بكلمات غاضبة غير مفهومة، مما جعل أبريل تضع كفها على فمها لتخفي ضحكاتها حتى لا يتفاقم الموقف أكثر.
بعد مرور فترة وجيزة
تساءلت أبريل بذهول، وهي تلتفت إليه:
"أنت وقفت هنا ليه؟"
تنقل باسم ببصره خارج السيارة، وهو يجيبها بفظاظة:
"بدور على أي زنق يصرف نفسه فيه."
ضيقت أبريل عينيها باستنكار، وهدرت بتوبيخ:
"أنت اتهبلت عايزو يعمل كده في الشارع؟"
وعاملي فيها مخرج وشياكة وحركات، طلعت بتتصرفي زي الكلاب والقطط في الخرابات.
اقترب منها لا إراديًا، وهو يشعر بأنه على حافة الجنون. تقلصت ملامحها وهو يزمجر باستياء، مشيرًا إلى أنفه:
عايزاني أعمل إيه يعني؟! أنا روحي بقت هنا منك ومش مستحمل أسمع صوت، كفاية اللي استعملته منك لحد دلوقتي، فالسانك هيطول كمان هـ...
قاطع عمر تلك المشاجرة بينهما، مذكّرًا إياهم بتذمر طفولي:
ممكن تتخانقوا وقت تاني؟ أنا عايز أروح التويلت دلوقتي، هنعمل إيه؟
نظر إليه باسم بانزعاج، قبل أن يقلب عينيه عليها عندما قالت باحتجاج عنيد يتناقض مع ارتعاشها الداخلي خوفًا من فورة غضبه:
مبدئيًا كدا ماتشوحليش في وشي تاني وإيدك تفضل جنبك لو سمحت.. وبعدين ما الماركتات في كل حتة، اقف عند أي ماركت قريب مش قصة هي.
تجاهلها متمتمًا باستشاطة:
اللهم طولك يا روح.
بعد مرور دقائق
داخل إحدى متاجر التسوق
دخل باسم عنوة إلى دورة مياه الرجال مع الطفل الصغير بعد مشاجرة كلامية مع خالته صعبة المراس، التي سارت بين الرفوف العالية تتفحص مختلف المنتجات بذهن شارد، حتى سمعت صوتًا ينادي باسمها جعل جسدها يتسمر مكانه بسبب وقع الصدمة، ثم استدارت تزامنًا مع حبسها أنفاسها فور أن وجدت حالها تواجه أحمد مباشرة الذي قال بصوت منخفض أجش:
لسه على عنادك ومش عايزة تتحجبي.
رمشت بعينها دون أن تركز على أقواله، وكأنها جاءت من بعيد، وشعرت أن لسانها مقيد من الدهشة التي سيطرت على ملامحها الجميلة، لم تصدق أنها تراه واقفًا أمامها، وهو يطوف ملامحها، وعيناه تلمعان بلهفة، ليتحدث بنبرة تشتعل في ثناياها بنيران حنينه الغامر:
وحشتيني يا توتة.. وحشني كل حاجة فيكي، رغم إن كلك على بعضك مطبوعة بختم من نار جوة قلبي اللي ما بيفكرش غير فيكي.
تغيرت ملامحها المشدوهة إلى حجرية، وهي تخرج من عباءة الصمت لتسأل بحاجب مرفوع:
أحمد!!! أنت هنا بتعمل إيه؟!
ظهرت على وجهه ابتسامة ساحرة، وهو يميل رأسه إلى الجانب، وينظر إليها بعمق وشوق كبير فأضافت أبريل بثقة:
دي مش صدفة أنت...
بلل شفتيه بطرف لسانه، ليرد بهدوء:
جيت وراكي من المستشفى على هنا.
عاودت أبريل تسأل، وهي لا تزال تشعر بالريبة نحوه:
وإزاي عرفت مكاني أصلًا؟!
أحمد باختصار:
اللي شغالين في بيت أبوكي.
أومأت أبريل بفهم، فأردف باهتمام ممتزج بالحيرة:
أنا اللي عايز أفهم إيه اللي حصلك خلاكي تدخلي المستشفى، وإزاي يكتبوا عنك كلام زي دا، مين اللي عمل كدا؟!
زفرت الهواء بتهمل، لتفرغ رئتيها بعد أن أحست بضيق فيها وردت بنبرة ثقيلة الحروف:
شوية تعب وراحوا لحالهم.. وبخصوص المكتوب.. باختصار أنا ومصطفى فسخنا الخطوبة، ومنافسين له هما سربوا الخبر دا بالقصد عشان يبوظوا شغل مصطفى، يعني مجرد إشاعات واتكذبت خلاص.
_مين اللي كان خارج شايلك من المستشفى؟!!!
طفى غضبها على السطح في سؤالها المتبادل بغطرسة:
وأنت دخلك إيه؟!
دحرجت قلبه داخل فوهة بركان على وشك الانفجار بمجرد سماعه ردها، نفث شيطان الغيرة النار على بارود أفكاره المتضاربة، ليهتف بإصرار شديد:
محدش له دخل بيكي قدي ومش دا المكان اللي هأناقش فيه كلام زي دا.. بس دي النهاية يا أبريل أنا سيبتك براحتك كتير قوي.. كفاية لحد كدا، أنتِ مالكيش مكان عند فهمي وهترجعي معايا، ابعدي عن القرف دا كله بقى كفاياكي عناد.. إحنا هنتجوز وأعملك فرح ما يتعملش لبنت قبلك، وهتعيشي معززة مكرمة معايا وهأحميكي منهم، وإذا على نادية مش هتحسي بوجودها نهائي في حياتنا أنا بوعدك.
انفلتت منها ضحكة ساخرة، ليعقد حاجبيه بانزعاج، بينما تقول هي باستنكار:
أنت بناءً على إيه بتخطط وترسم مسارات لحياتي وعايز تنفذها كمان.. أنت مين قالك أصلًا إني لسه بفكر فيك أو عايزاك يا أحمد.. إحنا انتهينا من سنين.
تلألأ العذاب داخل عدستيه، وقال بصوت مخنوق:
دي جزاتي، دا اللي أستاهله منك عشان بحبك ولسه عايزك يا أبريل.
صرخة رفض مع شعور غريب بالنفور ارتفع في أعماقها وظهر في صوتها بمجرد أن هسهست بقوة نابعة من قلب مقهور:
أنت لا عمرك حبتني ولا قدرت تعرفني كويس.. كل مرة بنتكلم فيها بتأكدلي أنك ما تفرقش حاجة عن أبويا.. نفس أنانيته بالظبط.
تنبهت حواسه لحديثها الذي جعل أنفاسه تتضارب في صدره، ولأول مرة يجد صورته تنعكس في عينيها بهذا التعكر والقتامة نضحت في قولها بصوت زاخر بالخيبة:
ولآخر مرة بقولك ما تدخلش في حياتي بأي شكل.. اللي اتخلى عني زمان مستحيل أصدق إنه هيبقى ليا دلوقتي سند.
صعقت من وقاحته بمجرد أن منعته قبضته من الفرار، فارتبكت أنفاسها أمام نظراته السوداء الغاضبة قبل أن يهسهس بحدة خطيرة:
رايحة على فين.. إيه الكام سنة اللي عشتيهم مع أبوكي نسوكي سنين عمرك كله في حضني..
خرج عمر من المرحاض، وهو يهندم ملابسه قائلًا بابتسامة:
على فكرة أنت عجبتني.
باسم بعدم فهم:
عجبتك في إيه؟!
أخبره عمر بحماس مقلدًا إياه:
لما ضربت أنكل مصطفى كنت جامد قوي.. بتعملها إزاي دي؟
باسم بضحكة:
أنت شمتان فيه كدا ليه.. ما بتحبوش ولا إيه؟!
عمر بتعبيرات عابسة:
لا ما بحبوش.. هتعلمني الحركة دي؟
ضيق عيناه بشكل غريب من تلك النخزة المفاجئة التي أصابت قلبه بالانزعاج، حاول أن يصرفها بسرعة وهو يداعب شعر الصبي بخفة، ويحثه على الحركة وهو يتمتم بهدوء:
هأعلمهالك يا لمض زي خالتك.
عند أبريل
سرعان ما استعادت وعيها، وأزاحت يده وارتدت خطوتين إلى الوراء، وقالت بين أسنانها بصوت منخفض لا يسمعه إلا هو:
مش هأسمحلك تشقلبلي حياتي.. لمجرد إني جيت على بالك فجأة وجاي تشوفني.. لآخر مرة بقولك بالذوق امشي من هنا وسيبني في حالي.
تجاهل حديثها بالكامل، وأبرز الضوء على الكلمة الأخيرة، ممسكًا معصمها وهو يتحدث بجنون، لعله ينجح في كسر الجليد الذي يغلف مشاعرها تجاهه:
أنا حالك.. مين بقى حالك غيري.. ما تردي مين؟! أنتِ ما حبتيش غيري يا أبريل وبطلي تعملي عبيطة أنتِ متأكدة إني هأسيبك بالبساطة دي.
أبعدت يده عنها بحدة صدحت في صوتها الهامس:
ممكن توطي صوتك الناس بدأت تتفرج علينا.. أنت عايز توصل لإيه باللي بتعمله دا؟!
أحمد بصرامة:
عايزك ترجعي معايا على المنصورة حالًا.
أمسكت لسانها في اللحظة الأخيرة حتى لا تشتبك معه، فلا تنقصها فضيحة أخرى، فالفضائح التي تلقتها اليوم كانت كافية لها، لذا أجابت باستخفاف:
مش كل حاجة هتعوزها لازم تحصل.
ثبتت بجوابها الغامض سكينًا مسنونًا بالحيرة على رقبته، لكنه رد بعبوس يشوب ملامحه:
لا هيحصل أنا مش هأسيبك تاني هنا لوحدك.
_هي مش لوحدها!!
صدح صوت باسم باردًا من خلفهم فانقبض فك أحمد بشدة حالما التفت إليه، وهو يشاهد عمر يندفع نحو أبريل، ويقف بجانبها قبل أن يسأل بحدة:
وتطلع مين سيادتك.. يبقى من قرايب أبوكي؟!!!
_باسم.
منعت باسم من الرد بمجرد أن نطقت اسمه بنعومة متعمدة، وأذهلت من نفسها، فلم تتوقع أنها ستسعد برؤيته هكذا من قبل، ربما لأنه جاء في الوقت المثالي لتتحرك تلقائيًا نحوه، ثم أضافت بنفس النبرة الرقيقة:
باسم خطيبي وشبكتنا كمان كام يوم و..
باسم الذي يلعب دور المراقب في هذا المشهد الغامض بالنسبة له، استطاع أن يلاحظ مدى غضب أحمد الواضح فور أن قاطعها باستهجان مصعوق:
نعم خطيبك يعني إيه؟! إزاي بتفسخي وبتتخطبي كدا على كيفك من غير ما تعرفي حد من أهلك؟
ارتفعت حواجب باسم، وزاد شعوره بالريبة تجاه هذا الشخص قبل أن يخرج عن صمته، وهو يستفسر بخشونة رجولية:
أهلها اللي هما مين.. ويا ترى بقى بصفتك إيه تقف وتحاسبها بالعشم دا كله؟!
رد أحمد عليه بنبرة أجش واثقة:
أهل أمها...
ارتسمت على شفتيها الممتلئتين ابتسامة زائفة تخفي الضيق وراءها الذي يستوطن قلبها، وقالت بتوتر حاولت إخفاءه وهي تضغط بخفة على أصابع عمر الذي كان واقفًا هناك لا يفهم شيئًا:
دا..
دا ابن خالي يا باسم.
رفعت فيروزيتها نحو أحمد، واستطردت بصوتها الواثق، مصحوبًا بضحكة مرحة:
كل حاجة حصلت بسرعة أوي تخيل، لسه إمبارح كانت هتتحدد قراية فتحتي، ولسه لسه أنا كنت هعرف ستي، بس ملحقتش ودخلت المستشفى.
عقد أحمد حاجبيه بعبوس أكبر من كلامها وحركاتها المدللة نحو هذا الشخص الفارع الطول بجوارها، مما جعله يشيح بوجهه جانبًا دون رد حتى لا يرتكب جريمة القتل العمد فيهم، فأكملت مبررة بعدم اكتراث:
معلش يا باسم، أصل أحمد كان مسافر برا مصر ولسه واصل وبقالنا سنين ما تقابلناش عشان كدا كان مستغرب.
هز باسم رأسه وهو يسأل مرتابًا:
هو الأغرب الصدفة دي.
رد أحمد سريعًا، موجهًا لأبريل رسالة مبطنة بالتحدي:
لا كنت جاي مخصوص عشانها من المنصورة، جدتها بعتتني أجيبها هي مش هتطمن عليها إلا لما تشوفها قدامها و..
استقبلت حديثه بذكاء:
ستي أنا هكلمها وأطمنها عليا، وكمان عشان أقولها على معاد شبكتي وتيجي تحضرها.
ابتسمت له متظاهرة بالود، لكن البرود كان واضحًا في صوتها بمجرد إضافتها:
صحيح إذا قاعد شوية في مصر ياريت تحضر أنت كمان، وتجيب نادية مراتك معاك هنستناكم.
عض أحمد باطن خده بقسوة، ليردع ردًا لاذعًا بسبب استفزازها الصريح له، كان الأمر كما لو أنها ترمي عود ثقاب في فم البركان داخل قلبه، فتفجرت حممًا حارقة غير مرئية، العلامة الوحيدة على حالته هي انعكاس نظرته المظلمة التي تعادل طلقات نارية يريد أن يفرغها في صدورهم.
غفلت أبريل مكانها من شدة التفكير والإرهاق.
في نفس التوقيت بالمنصورة.
انطلقت صرخات نادية، وهي تهرع إلى غرفة والدتها:
ماما الحقي.
انتفضت مرجانة من مكانها، ونظراتها المذعورة تتوافق مع نبرة صوتها المتسائل:
جرى إيه يا بنت المسروعة حرامي نط علينا؟!
رددت نادية من بين لهاثها:
أحمد أحمد.
عقدت مرجانة حاجبيها، وهتفت بتعجب:
يخربيت سنينه ماله المحروس إيه بعتلك ورقتك ولا إيه؟!
نادية بشهقة:
لا لا تفي من بوقك يا مرجانة، دا أنا لقيته اتصل بيا يجي أربع مرات لما كنت بحمي زينب، ولقيته بيقولي هيجي هنا هو في السكة دلوقتي وعايزني أجهز حاجاتي أنا وبس وهنسيب البت معاكي هنا.
هزت مرجانة رأسها بعجز أمام جنون ابنتها، وجلست بتعب وقالت بتشدق ساخر:
مش كنت لسه بقولك يا بنت الهبلة أول ما هيكلمك هتروحي تجري عليه.
التفتت نادية في حيرة حول نفسها، رددت كلمات مبعثرة من شدة سعادتها:
مش وقته مش وقته يا ماما جوزي جاي يصالحني وأنا لسه عايزة آخد دوش وألبس.
هتفت بريبة من خلفها:
استني هنا هو عايز ياخدك لوحدك ليه!! مصيبة يا بت لا يكون ناويلك على نية سودة.
نادية باستنكار:
ما تبطلي تخاريف آخر الليل دي يا مرجانة.
مرجانة بخوف:
أنا مش مطمنة لابن زينب والفار بيلعب في عبي، أنتِ ما بتسمعيش عن الجرايم اللي مالية الدنيا يمكن يعمل فيكي حاجة يا بت.
نادية باستعجال:
أنتِ هتقلقيني ليه بس، يا لهوي الوقت بيجري هجيبلك زوزو على ما أخلص يا ماما.
فرت من أمامها فور انتهائها من الحديث، فضربت مرجانة يدًا بيد، وتمتمت بانشداه:
يا مهبوشة والله أنتِ اللي هتجيبيلي الشلل ربنا يسترها معانا.
في صباح اليوم التالي.
داخل شقة ذات طراز حديث.
- آسفة يا ريم إني جبتلك بدري كدا بس ما قدرتش أستنى معاد العيادة، بجد حاسة أعصابي تعبانة وما بقتش عارفة أعمل إيه، حاسة إني تايهة.
أنهت أبريل كلامها بقشعريرة، إذ شعرت أنها على وشك الانهيار.
قدمت لها ريم، الطبيبة النفسية، فنجانًا من القهوة ليساعدها على الاسترخاء، وقالت بلطف:
اشربي دا هيهديكي.
جلست ريم بالمقعد المقابل لها، قائلة بصوتها الهادئ:
شوفي لازم تاخدي المهدئ اللي كتبته ليكي دا هيريحك، وتواظبي على كورس التأمل اللي ماشيين عليه عشان تصفي ذهنك والصداع دا يروح.
أبريل مغمغمة:
حاضر.
رفعت حدقتاها الدامعتين إليها، وأردفت بتساؤل مقلق:
بس أنتِ شايفة إني اتسرعت في فسخ خطوبتي من مصطفى شكلي اتهورت لما عملت كدا وورطت نفسي.
خاطبتها بحنان، في محاولة للتخفيف من القلق الواضح على ملامحها الرقيقة:
مش مهم خالص اللي أنا شايفاه، المهم اللي أنتِ حاسة بيه.
- أنا حاسة إن في حاجة جوايا استريحت بعد ما طلعت كل اللي في قلبي وجرحته، بس دلوقتي بعد ما هديت حاسة إني قاسية حاسة إحساس وحش، أنا ما شوفتش حاجة وحشة من مصطفى طول السنة اللي عرفته فيها بالعكس كان كويس معايا، بس فكرة إنه يخبي عليا موضوع مهم زي إنه متجوز وعنده ولاد صدمتني وخلتني بأجرحه من قهرتي وصدمتي فيه، ياريته هو اللي جه وصارحني.
صمتت لعدة ثواني تجمع أنفاسها المسلوبة، والعبرات الساخنة تتساقط بهدوء على خديها، لكنها أكملت بخفوت حزين:
بس اللي حسيته من كلام مراته إنه ممكن جدًا يرجعوا لبعض، وقتها كل إحساس بالراحة والأمان اللي كنت برسمهم لحياتي معاه اتبخروا، والأكيد ما بقتش أقدر أثق في أي كلام هيقوله ولا قدرت أحطله أي أعذار.
استمعت إليها ريم باهتمام، وأعطتها الوقت الكافي لتقول كل ما لديها دون مقاطعة حتى تفرغ شحنة الحزن الذي كان يجثو على صدرها، بينما تابعت بمرارة تجرح حلقها:
دا غير صدمتي في أهلي، إزاي قدروا يخبوا حاجة مهمة زي دي عليا طول الفترة دي.
زينت شفتي ريم ابتسامة رزينة وهي تقول:
أول حاجة احمدي ربنا إنك عرفتي كل دا في الوقت المناسب قبل الفاس ما كانت وقعت في الراس واتورطتي ورطة أكبر.
واصلت حديثها بنبرة أكثر جدية:
ثانيًا أنتِ من جواكي لازم تتقبلي فكرة إن الراجل المتجوز من حقه يتجوز على مراته دا شرع ربنا وحلال، بس كمان ربنا سبحانه وتعالى قال حقه يتجوز في حالات معينة، ولازم تكون الزوجة الأولى عندها علم والثانية عندها علم برضه وموافقة تبقى ضرة، وأكيد أنا معاكي طبعًا في إنك مش عايزة تحسي بقلة قيمة ولا عدم كرامة وتقللي من نفسك ولا تسمحي لحد يدوس عليكي، كل دا تمام بس أنتِ جرحتي كرامته جدًا لما وافقتي على العريس اللي أنتِ برضه حشرتيه في قصتك من غير أي ذنب.
أبريل بمعارضة:
أيوه بس هو كمان استغلني يا ريم و...
قاطعتها ريم، وهي تخبرها بابتسامة واثقة:
وما تنكريش إن جزء كبير منك كان مبسوط بحمايته ليكي رغم أفعاله الجريئة معاكي.
عضت أبريل شفتيها بحرج، لتستكمل ريم برزانة:
أبريل محدش هيجي من برا يحل مشاكلك يا حبيبتي، سواء أحمد أو مصطفى وحتى باسم كمان لازم تواجهيهم وتطلعي اللي جواكي وتبطلي تنسحبي في صمت، بمعنى أصح بطلي تهربي لمجرد إن الدنيا خربت لأن دايمًا في حلول، بدل ما تهربي دوري على حل وتناقشي مرة واتنين يمكن تلاقي أسباب عندهم تعذريهم بيها، ما تظلميش حد مالوش ذنب في مشاكلك النفسية اللي سببها مامتك وباباكي ليكي من طفولتك، إنهي كل علاقة فيهم بشكل سليم بعد ما تدي نفسك فرصة تفكري كويس في اللي أنتِ عايزاه فعلًا.
في فيلا الشندويلي.
داخل غرفة باسم.
استيقظ باسم على صوت رنين هاتفه باسم خالد، فأجاب بصوت نائم:
الدنيا اتهدت عشان تصحيني من النجمة كدا؟!
انتفض من نومه، وهو يمسح آثار النعاس عن وجهه براحة يده، ليتساءل في حيرة مشوشة:
بتقول إيه!! مستشفى إيه؟!
اتسعت مقلتيه بتفاجئ، وغمغم بتعجب:
حادثة!!
استمع إلى صوته المتعب عبر الهاتف قبل أن يردد باستنكار:
ولميس بتعمل إيه معاك من إمبارح يا خالد؟!
عند أبريل.
أوقفها صوت رجولي ينادي باسمها فور خروجها من منزل ريم.
التفتت أبريل في ذهول، لتجد ثلاثة رجال بأجساد عملاقة يحدقون بها بنظرات غامضة قبل أن يشرع أحدهم في التحدث بصوت غليظ رغم هدوئه:
"تسمحي تتفضلي معانا بهدوء ومن غير شوشرة."
تسارع نبضها مع قلق، أنجلي من سؤالها بعد أن ابتلعت ريقها بصعوبة:
"أتفضل معاكو على فين؟ انتوا عايزين مني إيه؟!"
أحس الخوف والحذر من نظراتها الشفافة، فتحدث بنبرة تحذيرية مفعمة بثقة عالية:
"مافيش داعي للخوف يا باشمهندسة.. ولآخر مرة بطلب منك بلطف تركبي معانا."
رواية جوازة ابريل الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم نورهان محسن
نريد كل شيء للأبد، نريد الجمال أن يبقى للأبد، والصحة للأبد، والنجاح للأبد، والحب والشغف للأبد، والسعادة للأبد. وهذا سبب معاناتنا، رغبتنا الشديدة ببقاء أشيائنا للأبد، ومقاومة النهايات، والتمسك بالأموات، والتعلق بالشظايا. نرفض تصديق أن بعض الأشياء تموت وتنتهي صلاحيتها. قد يموت لنا أحبة وهم ما زالوا على قيد الحياة، وقد يموت حلم كتبناه منذ طفولتنا، قد تموت نسخة منا وتبدأ نسخة جديدة لا نفهمها ولا نعرفها ولا ننتمي إليها. عبور الحياة أصعب ما في الحياة، فالرحلة ليست سهلة على أحد منا، جميعنا ننمو وننكسر، نرتقي ونسقط، نحب ونفقد، ننجح ونفشل، نتعافى ونمرض، نتأمل وتخيب آمالنا. كم من الأحلام التي زرعناها وسقيناها بقلوبنا ورعيناها بكل قدراتنا وماتت في النهاية بدون اختيار منا. إنها الحياة لا تصفو لأحد وليست وردية على الدوام، ما يجعلنا نستمر فيها هو الإيمان، الذي يجعل من كل التفاصيل الصعبة ممكنة، ويحول المستحيل إلى يقين بتحقيقه. وما علينا سوى أن نزرع حلمًا كلما مات حلم، وإن اغتالوا كل أحلامنا، سنحلم ونحلم ما دمنا أحياء وللحلم بقية.
عند هالة
"ناوية تقولي امتي ليهم انك فسختي الخطوبة؟!"
وصلها صوت لميس وهي تتساءل بهدوء عبر الهاتف:
"طبعًا ماقدرتش أقول حاجة، الجو كان مكهرب على الآخر وكمان عز ومامته بايتين هنا من إمبارح فأجلت الكلام في الموضوع، ومش رايحة المستشفى النهاردة ويدوب ألحق أكلم مع بابا قبل ما يروح شغله."
ردت هالة باضطراب:
"ادعيلي بس ربنا يستر ويعديها على خير."
لم تتلقَ إجابة من لميس التي شردت قليلًا في كلماتها، مخاطبة نفسها سرًّا بجزع:
"يعني دعاء وصلاح في نفس البيت، إزاي وسام ساذجة كدا."
"روحتي فين؟!"
لميس بانتباه:
"معاكي، طيب أخبار عز إيه بعد اللي حصل؟!"
ختمت لميس جملتها بسؤال، إذ أرادت أن تغير مجرى الحديث هربًا من التفكير فيهما، بمجرد أن تسلل إليها شعور بالاشمئزاز منهم، لتسمع رد هالة بصوت حزين:
"صعبان عليا من لحظة ما رجعنا وهو قافل على نفسه ومش عايز يكلم مع حد."
أضافت هالة تستفسر باهتمام:
"بس انتي اللي ما قولتليش إيه اللي حصل مع خالد وحالته إيه دلوقتي؟!"
خلال ذلك الوقت
في مقهى راقٍ على ضفتي النيل
عند أبريل
"مراد، اسمي مراد، طبعًا بعتذر عن الطريقة اللي طلبت ندردش مع بعض بيها."
هكذا تحدث معها بلباقة، وهو يجلس على مقعده المقابل لها، بينما تنصب نظراتها عليه بتركيز بعد أن نزع النظارة الشمسية، لتكشف عن عينيه البنيتين الحادتين، مرتديًا حلة رسمية من مزيج من اللونين الأسود والرمادي أضافت تميزًا لملامحه الرجولية المهيبة، فخرج صوتها هادئًا لا يخلو من التوتر:
"حصل خير، ممكن أعرف إيه سبب المقابلة الغريبة دي؟!"
قالت أبريل ذلك لتحثه على الإكمال، قيّمها بنظرته الثاقبة قبل أن يلقي كلامه، ولم تفارق الجدية ملامحه:
"احنا اللي ورا تسريب الإشاعات عن خطيبك السابق وخطيبك الحالي."
راقب مراد بتمعن وقع الجملة عليها، بينما بهتت ملامحها لثوانٍ معدودة من تصريحه الذي كان بمثابة قنبلة اخترقت أذنيها، وندمت على الفور على مجيئها من الأساس، إذ أنها تقف الآن على حافة الهاوية بوضع نفسها في هذا المأزق الجديد الذي جعلها تشعر بصعوبة في الاسترخاء.
ساد صمت قصير قبل أن تكسره أبريل، قائلة بذهول مفعم بالتوجس:
"وبالبساطة دي بتقولها؟!"
هز مراد منكبيه العريضين، قائلًا بنبرة هادئة قوية:
"سبق وقولت لحضرتك ما عنديش نية للّف والدوران وبحب الطرق المستقيمة."
ارتفعت حاجباها الجميلتان دهشة، لتسأل بتأنٍ ونبرة متجهمة، استشفها من تعابيرها الساخرة التي لا تخلو من اللطافة العفوية:
"فين الاستقامة باللي بتقول عليها؟ دا اسمه تشهيرك بسمعة بنت."
أخبرها مراد بلهجة متلهفة موضحًا لها:
"ما كنتيش أنتِ المقصودة، طلبي منك إنك تحطي إيدك في إيدينا عشان مصلحتنا أولًا."
استوقفتها نقطة ما في جملته، وهي تقطب حاجبيها لتتساءل بفطنة، ومسحة من القلق خيمت على فيروزيتيها:
"بتتكلم بصيغة الجمع! مين اللي ورا الإشاعات دي؟"
رمقها مراد ببرود قبل أن يحتسي قليلًا من قهوته بتعبير عابس يعلو قسماته، ثم أجابها بنبرة ثابتة يشرح لها بتأنٍ:
"مش في صلاحياتي أقول مين، لكن أنا طلبت نقعد ونتكلم عشان أعرض عليكي عرض شغل في دبي، نفس الشركة اللي كنتي هتشتغلي فيها، وبالنسبالك دي فرصة كويسة عشان تخلصي من كل المشاكل اللي هنا وهتكوني تحت حمايتنا من مصطفى وغيره."
فركت أبريل حاجبيها بتفكير في الرد، وهي تلجم اندفاعها المتهور لارتكاب أي حماقة تضيفها إلى قائمة تصرفاتها الأخيرة، لكن هذا عرضًا سخيًا للغاية، وسيكون من الصعب عليها تجاهله بهذه السهولة، خاصة حين تابع بنفس الثقة:
"إذا موافقة التأشيرة هتكون جاهزة خلال أيام."
انطلقت من فمها تنهيدة عميقة، لكبح ثرثرة عقلها المرتبك، وقالت له بنبرة منخفضة لم تخلو من التردد:
"أنا مش معايا باسبوري، ضاع مني."
أمال جذعه إلى الأمام، وعلى شفتيه ابتسامة منتصرة عندما استشعر استجابتها، وأخذ يطمئنها بنبرته الواثقة:
"حتى دي حلها في منتهى السهولة، بعلاقاتي أطلعلك غيره وعليه التأشيرة."
رمقها بذات الثقة، وقد ارتسمت ابتسامة رائعة على شفتيه، قبل أن ينبس بسؤال:
"ها، إيه ردك؟!"
عند لميس
جلست في كافتيريا المستشفى، وأطراف أصابعها تضغط على فنجان القهوة، وهي تائهة بين أمواج أفكارها المتضاربة حول أحداث الأمس، عندما ذهبت لزيارة منى بعد أن علمت بدخولها المستشفى، رغم أنها أرادت تجنب لقاء صلاح ودعاء، يليها الليلة التي قضتها هنا في المستشفى، بين القلق والخوف.
flash back
في اليوم السابق
ترجلت لميس من سيارة الأجرة، لتقوم بمساعدة أختها الصغرى على الخروج أيضًا، ثم أغلقت الباب بهدوء واستدارت ممسكة بيد الطفلة وهي تحذرها بنبرة لطيفة:
"ساندي هتكون شطورة ومش هتعمل شقاوة عشان الدكتور مش يديها حقنة كبيرة خالص زي بتاعت الحصان."
تحدثت بطفولة محببة لا تخلو من الذعر:
"لا حقنة لا، ساندي هتقعد مؤدبة."
قالت لميس بضحكة خفيفة:
"أما نشوف، ما أضمنكيش الصراحة."
وقبل أن تعبر الطريق، رأت الجميع يغادرون باب المستشفى، وتجمدت أنظارها المصدومة على باسم الذي كان يحمل بين ذراعيه تلك الدمية السخيفة التي تدعى أبريل، فاحتدمت جمرات القهر في قلبها الذي صرخ منبهًا إياها بما يعتريه من ألم.
نفضت لميس تلك الأفكار من عقلها، تزامنًا مع تحول ملامحها الحزينة إلى أخرى حائرة فور سماع اسمها بصوته العميق من خلفها، بينما رائحة عطره الفاخر تتقدمه بعدة أمتار، لتعلن عن حضوره المميز:
"آنسة لميس؟!"
على الفور أدارت لميس رأسها، لترى خالد الذي تابع مبتسمًا:
"شكلنا جينا متأخر..."
ولم يتلقَ أي رد منها، وهو ينظر بحاجبين مجعدين إلى لمعان دموعها الخائنة على أطراف مقلتيها المكحلتين، ليبرز الاهتمام والقلق في صوته عندما يسألها:
"في حاجة حصلت ولا إيه؟!"
نفت لميس برأسها، وهي تبرر له بشيء من الصدق:
"لا أنا بس حاسة إني تعبانة شوية."
عاجلها خالد على الفور:
"خير إن شاء الله، خلينا ندخل تكشفي ونطمن..."
قاطعته لميس متمتمة باعتراض رقيق:
"مالوش داعي، دول حبة صداع من قلة النوم."
أذعن لرغبتها قبل أن يسأل بابتسامة جذابة، وهو يتحدث إلى الطفلة:
"اللي يريحك..."
الجميلة عاملة إيه؟
ساندي بلطافة: كويسة يا أونكل.
حثتها لميس على القول الصحيح برفق: قولي الحمد لله يا نانو.
_ الحمد لله.
ابتسمت شفتاه لا إراديًا بهيام اشتعل في نظرته نحوها، مما جعلها تضطرب، لتقول بسرعة وهي تنوي الرحيل من أمامه: عن إذنك.
استوقفها بنبرته العذبة: رايحة فين؟ استني هوصلكم.
أطرقت نظراتها أرضًا، رافضة بكياسة: ما تتعبش نفسك.
خالد مبتسمًا: ما فيهاش تعب ليا خالص بالعكس.
أرجعت لميس خصلات شعرها خلف أذنها بتوتر أنجلي حينما نطقت: ميرسي.. بس أنا أصلي هرجع الفيوم دلوقتي، هطلب أوبر يوصلني للمحطة.
عبست ملامحه الوسيمة، وهو يسأل مستفسرًا بهدوء خطير: هتسافري لوحدك؟
ردت لميس ببساطة استنكرها بشدة: عادي متعودة على كده.
لوى خالد فمه بامتعاض قبل أن يتحدث إليها، وقد عقد حاجبيه في رفض حاسم: لا اسمحيلي ما فيش حاجة اسمها تسافري لوحدك.. ما بتسمعيش كمان عن حوادث التحرش اللي بتحصل للبنات من سواقين الأوبر.. بعد إذنك اتفضلي اركبي وأنا هوصلكوا بالعربية.
سيطرت على ارتعاش جسدها الطفيف نتيجة استشعارها لاهتمامه بها، مما كان له وقعًا معزوفيًا على أوتار إحساسها البتول، فحاولت التغلب على تلك المشاعر، قائلة ببعض التوتر: بس ده سفر طويل عليك مش عايزة أتعبك معايا..
منحها خالد ابتسامة راضية عندما أحس باقتناعها، قبل أن يقول بنبرة جادة زاخرة بالحنان: كل التعب فداكي.. وأهون ألف مرة من إني أفضل قلقان عليكي وأنا سايبك تسافري لوحدك والدنيا هتليل علينا.
تلألأت عيناها بوميض متأثر بكلامه وإلحاحه عليها، مما جعلها تشعر بمدى اهتمامه بها وخوفه عليها.
_ عايزين أقوالك في المحضر يا مدام.
خرجت من بحور هذه الذكرى على صوت ذكوري غليظ يخاطبها، لتجد رجلًا بالزي العسكري يقف على بعد خطوات منها.
صاحت لميس له بحرج، وهي تتنحى عن مقعدها: آنسة لو سمحت.
أومأ لها بفهم: تمام اتفضلي من هنا.
في منزل خال ياسر:
هتف ياسر ممتعضًا من استمرار خاله بالضحك: بقالك نص ساعة بتضحك يا خالي.. هو إيه الكوميدي في اللي عمال أحكيهولك!!!
_ أصل حاجة من اتنين.. أنت يا إما غبي يا إما عبيط!!
خرجت تلك الكلمات الهازئة من بين ضحكاته بعد أن روى له الآخر ما حدث بالأمس، فرفع ياسر حاجبيه بغضب ظهر في سؤاله: كمان ليه الغلط ده بس دلوقتي؟!
مسد على لحيته الطويلة بتفكير، ثم تحدث بعدم رضا: أصل مش معقول بعد كل اللي حكيته ده وتبقى أنت اللي زعلان ومستغرب هي رمت الدبلة في وشك ليه..
ياسر أدار وجهه في حرج قبل أن ينظر إليه مرة أخرى، ليقول بانزعاج: هو أنا جايلك عشان تقطمني يا دكتور ولا إيه؟
استغرق بضع ثوانٍ لتقييمه بنظرات عملية، وهو مسترخٍ في مقعده ثم قال بجدية: خلاص خلاص مش هعمل عليك دور الخال الواعظ.. أنا كنت واخد الموضوع بتريقة عشان متأكد إنك مش جايلي دلوقتي عشان تسمع رأيي بصراحة.. بس لو أنت عايز حد يقولك أنت صح وما غلطتش يبقى روح لحد تاني ينافقك.. إنما طالما جيتلي يبقى غصب عن عين أهلك هتسمع الصح.. والصح إنك فعلًا غلطان عشان بنات الناس مش لعبة في إيدينا يا دكتور.. وعندها كل الحق طبعًا تضايق من الهبل اللي عملته ده.
حك طرف أنفه بإصبعه السبابة دون أن ينظر إليه قبل أن يهتف بصوت مستنكر: إيه ده كله.. هو أنا عملت إيه لكل ده!!! محسسني إني كنت بخونها يا خالي.
مماطلته في الكلام كعادته دفعته إلى عقد حاجبيه وتوبيخه: تبقى بجد مصيبة سودة لو شايف إنك ما عملتش حاجة يبقى أنت عندك مشكلة يا بني.. ده أنا كنت معاك في خطوبتك.. وشوفت بعيني شوية بترقص مع دي وشوية مع دي.. ومشغول عن المسكينة التانية خالص..
_ بس يارا دي أعز صديقة ليا.. إيه يزعلها إني مهتمة بيها وبقدر الصداقة بينا دي مجاملات عادية جدًا.. عايزني يعني كنت أسيبها ترقص مع حد غريب أنا ما أقبلش كده على القريبين مني.
زفر خاله بقوة ليحاصره في خانة اليك، حالما سأله بلهجة قوية: وتقبل على خطيبتك إنها تقف مكسوفة وسط أهلها وصحابها من تصرفاتك اللي هي مش متقبلاها دي.
حاوره ياسر بمراوغة متمسكًا بآخر كلمة خرجت من فم الأخير: أيوه بقى لما هي مش متقبلاها.. ليه قبلت بالخطوبة من الأساس وأنا معرفها على يارا من البداية ومصارحها بكل حاجة.
هز رأسه بعجز لأن هذا الأحمق متشبثًا بأفكاره الحمقاء بعناد، ليغمغم عابسًا، وهو يميل رأسه إلى الجانب قليلًا: تفتكر إيه يخلي إنسانة في جمالها ومن عيلة كبيرة وكمان دكتورة وناجحة.. ترضى إنها تتخطب لواحد عنده البيست فريند بتاعته أهم من اللي هتكون شريكة حياته إلا لو ما كنتش بتحبك.. أنت خسرتها بغبائك يا ياسر!!!
عند خالد:
فور خروج وكيل النيابة، بعد أن أخذ أقواله في المحضر، اعتدل في نومته قليلًا، وهو يعقد حاجبيه من شدة الألم، في أجزاء متفرقة من جسده نتيجة الكدمات التي أصيب بها، بالإضافة إلى قدمه اليسرى التي حولت أنظاره نحو الجبيرة المحيطة بها بإحباط، أنه الآن مجبر على الراحة وعدم التحرك بحرية، وهو أمر لا يتحمل حدوثه، ولكن الذي يهون عليه مصيبته أنه لم يحدث لها مكروه.
اشتعلت نيران الغضب في عينيه العشبيتين، وتصلبت ملامحه القاسية ما إن هاجمت ذاكرته هذا الشعور بالخوف عليها الذي سيطر على كامل عقله، حالما بدأ يتذكر ما حدث، وكأنه شريط سينمائي يمر داخل رأسه.
Flash back:
أثناء توجههما إلى الفيوم، توقفا أمام محطة بنزين، ثم خرجت لميس وشقيقتها للذهاب إلى المرحاض، وصدم خالد بثلاثة شبان يستقلون السيارة، وهددوه باستخدام السلاح حتى يخرج من السيارة في صمت.
في البداية كان يعاملهم ببرود حتى يفكر في إيجاد حل لهذا المأزق، لكنه فوجئ بقدوم لميس واقترابها من السيارة، لذا كان عليه التصرف قبل ركوبها، فأخذ يفكر في شيء يمنعها من ذلك، لكنه لم يجد شيئًا، إلا أنه يندفع بسرعة بالسيارة تحت نظراتها المصدومة دون أن تفهم ما يحدث.
تحدث أحدهم بغرابة: ده رايح على فين ده؟
سأل بذعر حاول إخفاءه وراء لهجته القاسية، وهو يوجه المسدس نحو رأس خالد: بتعمل إيه يا جدع أنت.. وقف العربية وانزل منها.
_ هتوقف ولا هموتك!!!
_ لا احنا نموت كلنا..
صدحت كلمات خالد الأخيرة في أرجاء السيارة مثل سكين حاد بجدية شديدة، أحدثت ارتعاشًا في أجسادهم، فصرخ الرجل عليه بحدة: لا ده شكله مجنون ده ولا إيه وقف وإلا.....
لم يكمل جملته، حيث كان خالد يقود السيارة بسرعة فائقة قبل أن ينحرف بمقود السيارة، مما أدى إلى انقلابها، ولم يعِ شيئًا بعد ذلك حتى استيقظ في إحدى غرف المستشفى.
أفاق من شروده، متنهدًا بعمق، وهو يعترف أن ما فعلوه كان جنونًا في حد ذاته، لكن جزءًا منه أراد اغتنام هذه المخاطرة، يعلم أنه كاد أن يفقد حياته أثناء قيامه بهذا الفعل الخطير من أجل كسب محبة قلبها، حينما تتأكد أنه يحبها ويخاف عليها وأنه جدير بها.
في الإسكندرية عند أحمد:
خرجت من الشاليه بإطلالتها الساحرة، مرتدية فستانًا صيفيًا يناسب قوامها باللون الأبيض، على طراز عصري، ويحتوي على نقاشات ملونة.
تقدمت نحو الذي كان يجلس ناظرًا بعمق في اتجاه البحر، يهيم بأفكاره في عينين فيروزيتين، رغم الضيق الذي يشعر به في صدره منها.
عاد إلى الواقع على صوت زوجته، التي وقفت أمامه مباشرة بعض الوقت دون أن يشعر بوجودها، لتسأله بابتسامة لطيفة وداخلها تحترق من الغيرة:
سرحان في مين؟!
رد هو:
مفيش.
حبست أنفاسها بمجرد أن أربكتها إجابته الباردة، ثم تحلت بالشجاعة وجلست بجانبه على كرسيه، وسألته بصوت محرج لا يخلو من ترقب:
أنت لسه زعلان مني؟
أحاطت بها ثمة طمأنينة دافئة حينما لف ذراعه حول جسدها، ثم خاطبها بنبرة هادئة لا تخلو من اللوم:
يعني عارفة إن اللي عملتيه كان يزعل يا نادية..
رفع وجهها بسبابته يجبرها على النظر له، وقال بهدوء حازم:
أنا ما رجعتش من الغربة عشان تسيبيني وتقعدي عند أمك.
قضمت نادية شفتها في اضطراب ما جعلها تتلعثم في حروفها:
حقك عليا يا حبيبي.. عارفة إن ما كانش المفروض أروح لماما من غير ما أقولك.. بس أنا ما كنتش أُقصد.. أنا أنا بصراحة اتضايقت قوي لما سبتني ورحت لها..
تغضنت معالم وجهه فور نطقها بآخر عبارة قبل أن يقاطعها قائلًا...
رواية جوازة ابريل الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم نورهان محسن
وإن خيروكِ فاختاري من يُحسن إليكِ،
من يتشبثُ بكِ مهما كلفه الأمر،
من يراكِ الأجمل دومًا،
من لا يرى غيرك وكأن الأرض خلت إلا منك،
من لا يستطيع الاستغناء عنكِ لأنك أثمنُ ما لديهِ،
من يُقدر كل تفاصيلك الصغيرة التي تجعلكِ سعيدةً للحد الذي لا حد لهُ،
من لا يجعلكِ تتساءلين كل يومٍ بعديدٍ من الأسئلة التي تُنهي على ما بينكما،
من يُحيي تلك المشاعر الدفينة بداخلكِ الخائفة من زيف المشاعر،
من يُعرج بكِ من أراضي الخيبة إلى سماوات الطمأنينة.
إن خيروكِ فأحسني الاختيار.
عند أحمد
"حقك عليا يا حبيبي، عارفه إن ما كانش المفروض أروح لماما من غير ما أقولك، بس أنا ما كنتش أقصد، أنا أنا بصراحة اتضايقت قوي لما سبتني ورحت لها."
تغضنت معالم وجهه فور نطقها بآخر عبارة قبل أن يقاطعها، قائلًا بنبرة ثقيلة:
"غيرتي عليا؟"
"غصب عني، أنت مش جوزي وحبيبي ده حقي مش كده؟"
"عارف إنك أخذتِ على خاطرك عشان سافرت."
صمت أحمد لبضع ثوان وهو يقرأ بتأنٍ تعابير وجهها المندهش من اعترافه، ليستكمل جملته بما جعل قلبها ينبض بجنون عاشقة متلهفة لذلك الحنان الذي نادرًا ما يمنحها إياه:
"أنتِ خاطرك عندي كبير وغالية عليا أكثر ما أنتِ متخيلة يا حبيبتي، ومش عايز ده يتكرر تاني مهما يحصل تمام؟!"
تدفقت الدموع من عينيها فرحًا، وتأثرت بكلماته بعد أن أثلج روحها المشتعلة بنيران الغيرة بصوته الرجولي الهامس الذي كان كالبلسم الذي نزل على قلبها ليهدئ جراحه، لتحتضن خصره وتضع رأسها على صدره وهي تهمهم برقة مبحوحة:
"حاضر، حاضر يا حبيبي."
طبع قبلة هادئة فوق وجنتها ذات الملمس المخملي، وهو يقترح عليها:
"طيب إيه ما جوعتيش؟ عجبك السمك بتاع الصبح؟ تيجي نتغدى سمك؟!"
استغربت نادية لتقول بغنج مغرٍ، وهي تحرك أناملها الرقيقة بنعومة فوق شعر صدره:
"حمودي! أنت إيه حكايتك مع السمك؟ وهو حد في الدنيا يفطر سمك، ودلوقتي عايز تغدينا سمك برده؟!"
ضحك أحمد بخفة قبل أن يضغط على أصابعها وهو ينحني نحوها، ويهمس في أذنها بتثاقل مغرٍ بعد أن استثارت غرائزه من دلالها الفطري:
"بعد حمودي بتاعتك دي العشا هيبقي سمك كمان."
قاطعت نادية بقية جملته بشهقة خفيفة، إذ شعرت بأصابعه تستكشف منحنيات خصرها وظهرها الفاتنين بلمسات جريئة من فوق فستانها، لتسري كهرباء الشوق في جسدها:
"كمان عشا لا كدا كتير قوي!"
مرر طرف لسانه على شفتيه بشهوة، وتمتم بوقاحة صارخة:
"أومال أعملك إيه! مش لازم أشحن بور عشان أعرف أمتعك يا كوكتيل حلويات عايز أعصرك جوا حضني، ما تجيبي بوسة سريعة."
غمغم أحمد بالعبارة الأخيرة بإغواء مثير، وهو يقرص خصرها على حين غفلة، فخرجت من بين شفتيها شهقة خافتة تذمرت بانتفاضة:
"يا قليل الأدب الناس رايحة وجاية قدامنا!"
ارتفعت ضحكته الرجولية التي أهلكت قلبها هيامًا، فيما يقضم شحمة أذنها برفق، هامسًا لها بأنفاس ساخنة:
"خلاص تعالي نكمل قلة أدبنا، قصدي كلامنا جوا عشان ناخد راحتنا وأفهمك على السرير ليه ما بشبعش من السمك لا ليل ولا نهار..."
ضحكت نادية بتعجب منه، فالتمعت الرغبة في نظراته المفتتنة بها أكثر، ثم قام فجأة ليحملها بين ذراعيه، فتشبثت برقبته مستمرة بالضحك في سعادة غامرة، وهي تراه يتجه نحو الشاليه، ليطفئ نيران جسده المحترق في نعيم أحضانها المثيرة، وبدون مقاومة منها انصهرت، مثل شمعة رقيقة تذوب ببطء شديد في نيران أشواقه.
عند لميس
أنهت مكالمتها الهاتفية مع والدها الذي أبلغها بقدومه إليها برفقة باسم، ثم دخلت الغرفة فرأت أختها الصغيرة متعمقة في سبات عميق على الأريكة الصغيرة، وعلى السرير ينام خالد بسكون يحتل ملامحه التي تنضح بالرجولة الممزوجة بعنفوان يأسر القلب.
تابعت لميس سيرها نحوه بخطوات حثيثة، ثم جلست على الكرسي بجانب السرير وظهره للحائط، ضاقت عيناها، تتفحص الكدمات على وجهه الوسيم والجرح في جبهته الذي كان مخفيًا برقعة لاصقة.
انتبهت لميس على حالها عندما وجدته يفتح عينيه ببطء مما أربك نبضات قلبها، أما هو فكان نائمًا من تأثير الدواء، حتى تنبأت خلاياه الحسية بوجودها بمجرد دخول عطرها الآسر داخل أنفه.
نمت على شفتي خالد ابتسامة منتشية سعيدًا برؤيتها، وبدأ يمرر عينيه اللامعتين بانجذاب لا إرادي على وجهها المتورد خجلًا من تحديقه بها الذي زاد من دقات قلبها الخجول، قبل أن تقرر بشجاعة كسر هذا الصمت المربك بصوت رقيق يحمل في طياته لمحة من الاهتمام أسعدت قلبه المتيم بها عشقًا:
"على فكرة الدكتور قال تقدر تخرج النهارده، بس تاخد بالك من مواعيد الأدوية وما تحملش على رجلك كتير عشان تشفى بسرعة بإذن الله."
"لو وجودي هنا هيخليكي تفضلي جنبي كدا مستعد أفضل في الرقدة دي إن شاء الله سنة."
تمتمت لميس بذهول، وهي تهرب بنظراتها بعيدًا عنه:
"بعد الشر، إيه اللي أنت بتقوله ده؟!"
ابتسامة خفية ارتسمت في قلبه ملاحظًا أن خدودها تحولت إلى اللون الأحمر بسبب كلامه الغزلي، فتظاهر بالانشغال بالجلوس على السرير، وهو يعدل وضع الوسادة خلف ظهره قبل أن يصدر تأوهًا خفيفًا جعلها تنهض سريعًا، وتتحرك نحوه لتقوم بتعديل وضعيتها له غير منتبهة، لتشنج جسده من اقترابها منه، وأنفاسها التي تضرب جانب وجهه بحرارة ألهبت عواطفه.
ابتعدت لميس قليلًا مستقيمة بوقفتها قبل أن تستفسر:
"مستريح كدا؟"
"على الآخر."
همس لها بنغمة رجولية أثارت بداخلها أحاسيس غريبة زلزلتها، والتقت أعينهما طويلًا في حديث عجزت الألسنة عن نطقه، بينما ظلت هي متيبسة في مكانها، تفرك كفيها بتوتر ملحوظ، قبل أن يأتي إنقاذها من نظراته الساحرة بطلقات متتالية على الباب، فأذنت للطارق بالدخول، ثم ظهرت ممرضة تحمل صندوقًا صغيرًا، يحتوي على مستلزمات طبية، قالت بابتسامة ناعمة للغاية:
"إزيك دلوقتي؟ طالما صحيت خلينا نغير الشاش على جرح إيدك."
في تلك الأثناء
داخل غرفة إبريل
جلست إبريل بارتياح في حوض الاستحمام، وجسدها مغطى برغوة الصابون، التي انتشرت روائحها في أنحاء الحمام، فشعرت بمزيج من الاسترخاء والهدوء داخل نفسها.
أغمضت عينيها، تتنقل ببلورة ذاكرتها إلى ما حدث بينها وبين ذلك الرجل الغامض اليوم.
Flash back
"إيه ردك؟!"
تطلعت إبريل نحوه مرة أخرى بابتسامة متكلفة على ثغرها قبل أن تنطق، بما جعل أسهم توقعاته يهبط بقوة:
"للأسف أنا ما عنديش نية أسيب مصر، فمعلش اعذرني عرض حضرتك مرفوض."
استعجب مراد كليًا من رفضها السريع، دون أن تكلف نفسها عناء التفاوض معه ليقول بهدوء:
"على حسب مصادري أنتِ محتاجة للفرصة دي وفي التوقيت ده بالذات، إذا محتاجة وقت للتفكير ما فيش مشكلة، بس يا ريت الرد يكون في أسرع وقت الفرصة مش بتستنى حد."
أومأت إبريل برأسها بالنفي، وهي تشعر بعدم الارتياح تجاه هذا الشخص، قبل أن ترد عليه بحزن مصطنع:
"مالوش داعي ردي النهائي أنت خلاص أخذته، عن إذنك."
أنهت إبريل جملتها بسرعة، ثم همت بالنهوض من مقعدها، لكن استوقفها صوته الحائر في أمرها:
"لحظة من فضلك ما كملناش كلامنا، أقدر أعرف طيب إيه سبب رفضك؟"
ضاقت عيناها الفيروزية بنظرات جامدة، وبقيت صامتة لعدة ثوان قبل أن تخبره:
"مبدئيًا حضرتك مش واضح معايا، ولا مش عايز تقول لي مين اللي وراك فعلى أي أساس هثق فيك؟"
أومأ لها مراد ليقول بفهم، محتفظًا بملامحه الجادة:
"حقك إذا ما وثقتيش فيا بسرعة وتحت أمرك مستعد أقدم لك كل الضمانات اللي أنتِ عايزاها الوظيفة والمبلغ اللي تطلبيه هيكونوا تحت أمرك."
زادت مخاوفها بمجرد وصوله إلى هذه النقطة، لقد شعرت بالغموض تجاهه في البداية، لكن جملته الأخيرة أثارت المزيد من الشك بداخلها، فزمت شفتيها بالتفكير متابعة توجس:
"ياه!!"
انتوا باين هتستفيدوا بحاجات كتير من ورا اللي انتم بتعملوه ده؟!
تشابكت أصابعه مع بعضها فوق الطاولة، وأجابها بصوت متزن:
كل ده مش مهم خالص ولا هتفيدك معرفته قدام اللي احنا هنقدمه لك.
أخذت ابريل نفسًا عميقًا ولفظته ببطء لتسيطر على الحالة الغريبة التي بدأت تصيبها، وهي تفكر في كل إغراءات هذا العرض.
قالت:
هو فعلًا العرض بتاعك ما يترفضش، لكن أنت بتعرضه على الشخص الغلط يا أستاذ. أنا ما تربطنيش بمصطفى بيني غير صلة قرابة من بعيد، وحتى الإشاعات اللي أنتم طلعتوها ما بقاش ليها أي أساس صحة لإن أنا دلوقتي مخطوبة.
هكذا تشجعت ابريل مستجمعة كل أفكارها في هذه العبارة الحاسمة وهي تنكر الأمر برمته، فتنحنح في حرج، ثم أخرج شيئًا من جيبه ومد يده إليها:
عمومًا إذا غيرت رأيك في أي وقت ده الكارت بتاعي اتصلي بيا.
صمت مراد للحظة، ثم استكمل حديثه بنبرة شبه مهددة:
بس إذا مش هتوافقي على عرض تعتبري إن المقابلة دي ما كانتش وما تحكيش فيها مع أي حد ده لمصلحتك.
ضحكت ابريل بفتور ظاهري، ثم أخبرته بعدم اكتراث:
مفيش حاجة تتحكي يا فندم زي ما فهمتك أنا وخطيبي مش طرف في الموضوع اللي حضرتك بتتكلم فيه.
قام مراد من مقعده، ليتمتم بصوت هادئ، قبل أن ينصرف أمامها:
تمام فرصة سعيدة وشكرًا لوقتك.
شعرت بأن ثقلًا كبيرًا قد انزاح عن صدرها بعد أن تمكنت من تجاوز هذا الفخ الذي نصبه لها مصطفى، وهذا ما توصلت إليه من ترابط الأحداث ببعضها.
مصطفى كان على علم بعرض العمل الذي جاءها من دبي، مما جعل الشك يساورها حياله، ليطرأ لها حينها بفطنة أن المقصود ليس سوى باسم، لإن أول من سيتضرر من سفرها هو من أعلنت خطوبته الرسمية عليها في الصحف والأنباء، فإذا هجرته فإن ذلك سيسبب له فضيحة كبرى، مما يعني أن الضرر سيلحقه بالذات، وهذه الاحتمالية هي الأقرب لتفكيرها الآن، ربما أراد مصطفى أن يخدعها بهذه الفرصة التي كانت تتمنى أن تتاح لها، لذلك لا تستبعد أن يتبين في النهاية أنه وراء هذه الحيلة المدبرة من أجل إبعادها عن باسم، وبذلك يكون حقق هدفه بمنتهى السهولة كما تواعد لها قبل يومين.
أغمضت ابريل عينيها بابتسامة صغيرة تنمو على شفتيها في استرخاء، وشعرت بالحيوية تسري في خلاياها، مؤكدة لنفسها أنها اتخذت القرار الصائب هذه المرة، لكنها الآن في حاجة ماسة إلى عمل حتى يستقر وضعها المالي، خاصة أن الأموال التي تدخرها لن تكفي بعد أن تعيد ثمن الفستان المحروق بالإضافة إلى خاتم مصطفى له.
قالت:
كان لازم يعني تاخدني الجلالة وأولعله في الفستان والدبلة، أهو مفيش جواز وكمان بقيت مفلسة!
حركت قدميها بتململ في الماء بمجرد أن بدأ عقلها يتزاحم بالعديد من الأفكار المغرية، فأراد جزء منها اغتنام هذه الفرصة التي أفلتتها بإرادتها الحرة، وهي لا تنكر أنها أحيانًا متناقضة في تفكيرها، يمكنها أن تفعل الشيء والعكس، والدليل أنها على الرغم من أنها لا تزال لا تطيق باسم، إلا أنها لن تنسى أيضًا أنه دعمها بالأمس عدة مرات متتالية.
زمت فمها بعبوسة خفيفة ممزوجة بالعزم على حجب وساوس الشيطان عن أفكارها، فإذا كان مصطفى يعتقد أنه ذكي لأنه تمكن من خداعها مرة، فلن تسمح له باللعب معها مرة أخرى.
عند خالد
تجلس لميس على السرير مقابل خالد الذي يرمقها بنظرات حب، مستمتعًا بلمساتها الناعمة، وهي تلف الشاش الأبيض حول يده ببطء مرتجف.
تذكرت نظرات الإعجاب الواضحة في عيني تلك الممرضة الوقحة، وهي تعرض تغيير الشاش عليه بنعومة فائقة عندئذ شعرت كأن بركان يغلي في قلبها حممًا ببوادر الغيرة، وجدت نفسها تدفع تلك الممرضة لا شعوريًا إلى الخارج، بينما تخبرها أنها طبيبة وستعتني بتغيير جرحه بنفسها، تحت نظرات خالد الذي كان شعر بنبضات قلبه تتراقص فرحًا بغيرتها كما ظن، أما هي فكانت غاضبة من حالها، كيف تغار على شخص وهي تحب شخصًا آخر غافلة عن حقيقة أن الغيرة هي الوجه الآخر للحب؟
تنهدت لميس بعمق، وهي تربط له أخيرًا هذا الشاش بقوة لا شعوريًا جعلته يتأوه من الألم بصوت خافت، فسارعت تقول بأسف:
معلش أنا آسفة.
قال خالد:
باين عليكي متصعبة، في حاجة مضايقاكي؟!
قال خالد ذلك مدعيًا التعجب من حالها، وبالرغم من محاولاتها إخفاء ما يدور في ذهنها، فارتعاشة يديها وحركاتها التي تعبر عن انزعاجها وغضبها، كانت تفضحها أمام عاشق يراقب أدنى إيماءة منها.
همهمت لميس بلامبالاة ظاهرية:
لا أبدًا مفيش حاجة.
استفهم بخبث:
طيب ما سبتيش ليه الممرضة تغير على الجرح؟!
رفعت لميس وجهها إليه بسرعة، وعيناها تلمعان بحدة، لتقول باقتضاب:
لو عايزاها ممكن أروح أناديهالك.
اختتمت لميس جملتها، وهي تنهض من مكانها، لكن منعتها أصابعه التي التفّت حول رسغها، تسحبها نحوه بخفة، هامسًا بنبرة ذات مغزى لا تخلو من الاستمتاع بارتباكها:
غيرة عليا؟!
غمغمت لميس باستنكار متوترة من قربه ولمسة يده:
وأنا بصفتي إيه أغير عليك؟!
تأملها خالد بحاجب مرفوع، وسألها بنبرة احتجاجية وهو سعيد بهذه المناغاة بينهما:
هنقضيها في الاستعباط ده كتير، كنتِ قلقانة عليا لما عملت الحادثة؟
هكذا سألها بلهجة جادة، فحمحمت تجلى حلقها، وهي تحاول إزاحة هذا الارتباك الذي يصيبها أمامه:
طبيعي أي إنسان هيتحط في موقف زي اللي كنا فيه يحس.. يحس بقلق وخوف.
جعد خالد حاجبيه ولم يعجبه ردها، فسألها مرة أخرى بصوت عميق:
يعني كنتِ هتزعلي عليا لو كان جرالي حاجة؟
ظهر الترقب الشغوف جليًا في عشبيته الساحرتين، آملًا منها إجابة واضحة، فارتجفت شفتاها رغمًا عنها من هذه الفكرة، لكنها لم تمنحه ما يريد، انحدرت بنظرها إلى يده التي قبضت على أطراف أصابعها وهي تجيبه:
شكل تأثير الدواء مش مخليك مركز في اللي بتقوله، ممكن تسيبني؟!
لم يزيح عشبيته الداكنين من بنيتها، بينما يرد مبتسمًا:
عمري ما هعمل كده لو فيها موتي.
قطبت حاجبيها متأثرة بشكل واضح بكلماته، فهو هنا الآن بسببها، إذ لم يغب عنها حقيقة أنه عرض نفسه لهذا الخطر الكبير من أجلها، لتسأل بصوت أبح:
ليه بتجيب سيرة الموت كتير؟!
أجاب:
لإنها الحاجة الوحيدة اللي ممكن تفرقني عنك بعد ما لقيتك يا لميس، أنتِ ما تعرفيش أنا قد إيه بحبك وقد إيه بتمنى تكوني مراتي.
أنهى خالد حديثه، وهو يتأملها بنظرته العاشقة المتوازية مع نبرته الصادقة التي أجبرت قلبها العذري على الوقوع بين أحراش هذا الليث العاشق الذي بدأ عشقه يزحف بين نياط قلبها، فخفضت عينيها وهي تهمس بخجل:
بس إحنا ما نعرفش عن بعض أي حاجة، معرفش عنك أي معلومات خالص!
مد خالد أنامله يقبض على ذقنها، يرفع وجهها إليه، وقال بابتسامة هادئة:
هيكون عندنا كل الوقت اللي تعرفي فيه كل حاجة عني وأنا كفاية عليا إني عارف إني بحبك وعايز أكمل عمري معاكي.
تعاقبت فصول العواطف على وجهها المحمر خجلًا، وهي تتمتم بنعومة أذابته:
خالد.
استطاعت أن تهتز كيانه بقوة مشاعر عميقة، حالما نطقت حروف اسمه بصوتها الناعم، وبدون إرادته ضغط على أصابعها المتشابكة مع بأصابعه، وألح عليها بحب بالغ:
ليه حرب الأعصاب ده، ارحمي قلبي المسكين، ردي عليا قولتي إيه!
جاء إليهم صوت باسم المتلاعب من خلفهم، فبادرت لميس على الفور بالنهوض من السرير، وأزاحت شعرها خلف أذنها، وتساءلت في حرج:
أومال بابا فين؟!
باسم بتخابث:
سبقته على هنا قلبي كان حاسس، حمد لله على سلامتك يا بطل.
رمقه خالد بازدراء وحاجب مرفوع قبل أن يرمقها بضيق، منزعجًا منها لأنها انتزعت أصابعها عنه بغتة.
قالت:
أنا طالعة أشوفه عن إذنكم.
قالت ذلك قبل أن تهرب خارج الغرفة وهي تشعر بالخجل الشديد من هذا الموقف المحرج، فيما جلس باسم على الكرسي بجوار خالد قائلًا بطرافة ماكرة:
حرارة الأوضة بتقول إن الحب كان مولع في الدرة على الآخر.
طب استنى لما تقوم على حيلك الأول يا فان ديزل الشرق.
أعقبت كلماته غمزة شقية من رماديتيه المتلألئة بتسلية.
عض خالد شفته من الداخل بقهر مكبوت، ثم هسهس بغيظ: في حد يدخل دخلة المباحث اللي دخلتها علينا دي؟ حرام على أهلك يا أخي، كانت خلاص هتنطق.
أردف باسم مازحًا بتسلية: بذمتك ما قلتلهاش أنا مش محتاج لأدوية، أنتي علاجي الوحيد. تبقى كارثة لو قلتلها كده بجد!
حدجه خالد بنظرات نارية، وانفجر الآخر بالضحك عليه بمرح بعد أن اطمأن عليه.
في الخارج
لميس تمشي في الردهة ذاهبة إلى الكافيتريا لتحضر لوالدها فنجان قهوة، منبسطة الأسارير، ونبضات قلبها تتلاحق بزهو، بينما لا تزال تشعر بلمسة يده التي أخضعت جوارحها له.
اتسعت الابتسامة على شفتيها الرقيقتين، وتخللت أصابعها خصلات شعرها بسعادة وأمل جديد.
بعد مرور بعض الوقت
خرجت أبريل من الحمام مرتدية بيجامة صيفية وردية شاحبة نصف كم، وسارت بخطوات هادئة، وهي تمشط شعرها ذو الخصلات الذهبية.
وقعت نظرتها بغرابة على شيء ما، وهي تتحرك نحو السرير، ضيقت نظرتها على هاتفها، ورفعته من أعلى الطاولة، ارتفعت زاوية فمها بابتسامة ساخرة عندما أدركت أن زوجة أبيها دخلت، ووضعته ثم غادرت، لكن ما جعلها تقطب حاجبيها بدهشة هو هذا الكتاب الموجود بجانب الهاتف، فالتقطته تقرأ العنوان بعينين جاحظتين، قبل أن تتهلل أساريرها بفرح، وهي تتفحص أوراقه بعدم تصديق.
_كل سنة وأنتِ طيبة يا أبريل.
اختفت الابتسامة من شفتيها تدريجيًا فور سماعها صوت أخيها يقول بهدوء، فالتفتت إليه بتعبير غامض على وجهها بعد أن ازدردت رمقها، إذ لم تلتقِ به منذ الأمس، وبصوت حاولت أن تجعله منخفضًا سألت باستنكار: بمناسبة إيه؟ عيد ميلادي لسه باقي كتير عليه.
أشارت أبريل إلى الكتاب الذي تحمله بين يديها، ليخبرها بنبرته الرجولية المرحة: أنا قولت لازم نحتفل بعد ما عرفت أعطّر لك فيه أخيرًا، عشان كده هنقدم عيد ميلادك، ما أنا بصراحة مش حمل أجيب هديتين في سنة واحدة.
تركت الكتاب على السرير بإهمال مرئي، قبل أن تحتضن إحدى الوسائد ضاغطة عليها بأظافرها بقوة، وكأنها بذلك تقمع بركانًا على وشك أن يعلن عن ثورانه، قالت بصوت خافت: تعبت نفسك على الفاضي، تقدر ترجعه من مطرح ما جبته.
تساءل يوسف بحيرة: إزاي ده! أنتي كنتي نفسك تقرئي الرواية دي جدًا، وبعدين هتكسفيني..
قاطعت أبريل جملته بهدوء ما قبل العاصفة: ممكن تبطل تمثيل!
انفصلت شفتاه عن بعضهما البعض، وابتلعته وحوش الصدمة نتيجة اتهامها، مشيرًا إلى نفسه وهو يتمتم مشدوهًا: أنتي شايفة إني بمثل يا أبريل؟
هبت أبريل على قدميها بعد أن ارتفعت عواصف الغضب في فيروزيتها الغائمة بالدموع، وهي تردد بسخرية مريرة: أيوه بتمثل، بطل تعمل نفسك مهتم بيا بالكذب.
انعقد لسانه عن الرد، وهو يتطلع إليها بنظرة حزينة، ساد الصمت لثوانٍ معدودة حتى استطاع أن يجد صوته قائلًا في حرج: أنا عارف أنك متضايقة وزعلانة مني وحقك، بس أنتي مش فاهمة إ...
قاطعته أبريل مجددًا بانفعال، وهي تلكمه صدره: لو مش فاهمة، فهمني، اشرح لي، بس هتشرح تقول إيه! أنا اتخدعت فيك أنت بالذات، إزاي قدرت تغشني وتنافقني كده! إزاي قدرت تضحك في وشي وتطبطب عليا وتفرح لي وأنت عارف إني مضحوك عليا ها إزاي!
هدرت أبريل بالكلمة الأخيرة بغضب، وهي تنظر إلى عيون يوسف النادمتين فيما ينبس بصوت يملأه الألم: والله العظيم يا أبريل أنا ما كنت موافق واعترضت كتير على اللي كان بيحصل، وكنت عايز أفهمك على كل حاجة والله، بس لو تفتكري أنا كنت في سفرية تبع الشغل، لما رجعت وعرفت أن فتحتك هتتقري على مصطفى وشوفتك مبسوطة وبتتكلمي عنه بفرحة وانبهار، ما عرفتش أنطق، ده غير ضغطهم عليا يا أبريل افهميني عشان خاطري أنا ما كنتش..
أكملت أبريل بدلًا عنه: أنا اللي ما عنديش ليك غير رد واحد دلوقتي على كل اللي حصل ده...
علقت أبريل كلماتها في الفضاء، لأنها رفعت يدها لتهوي بها على جانب فكه.
لم تكن صفعة قوية، بقدر ما كانت قاسية، لن تترك أي علامة على وجهه، لكنها شمت روحه بنيران الخزي من نفسه.
أغرورقت عيناه بالدموع، وهو يحتوي جسدها بسرعة، ويضم رأسها إلى صدره بيد، ويربت على شعرها بحنو باليد الأخرى، أما هي فقد طوقت خصره، واستطردت بنحيب مكتوم: بتكدبوا عليا ليه؟ عملت لكوا إيه بس!
انهمرت العبرات من عينيه متأثرًا ببكائها المرير، وهيئتها الضعيفة، وأحس بانقباض يشتد حول قلبه حزنًا وندمًا وأخذ يردد باعتذار: أنا آسف والله العظيم، آسف قوي يا أبريل آسف والله آسف سامحيني.
تركها لبضع دقائق تبكي بحرية، حتى بدأت شهقاتها تهدأ شيئًا فشيئًا، وساعدها على ذلك ضمه إليها بقوة وحنان.
كم كانت في حاجة إلى ذلك الحديث، لتضمد بعض جراحها العميقة من طعنات الخذلان، ظلت متشبثة به، تستمد منه قوتها وصمودها من جديد.
_أسهل كلمة آسف دي سهلة ممكن وأنت بتنطقها يا يوسف، بس للي عملته معناه أنك جبان، خونت ثقتي فيك.
رفعت فيروزيتها الدامعة لتثبتها في عينيه البنيتين، ثم تركت العنان للغضب وخيبة الأمل التي استقرت في أغوار قلبها أن تخرج من صدرها المنقبض، وتصعد إلى لسانها، وهي تلفظ كلمات مليئة بالسخط والضيق الكامن في ذهنها بصوت مختنق بالعبرات: أنا كنت خايفة قوي من وجودي وسطكم، كنت خايفة من حياتي معاكوا، وكنت خايفة ما ألاقيش من ناحيتكم قبول ليا، فرحت قوي من جوايا لما طنط سلمى حضنتني أول مرة شافَتني فيها، ولما أنت قربت مني وعاملتني كأنك تعرفني من سنين اتعلقت بيك ودخلت قلبي، عارف أن ماما ما سمحتليش أقرب من ولادها، كانت دايمًا بتخليني أتعامل معاهم من بعيد، وبطريقة سطحية قوي، وأنا كل اللي كان نفسي فيه أحس أن ليا أخوات بجد أفرح وأضحك وأبكي معاهم وأشاركهم حياتهم وأروح معاهم المدرسة وننزل نلعب مع بعض في العيد، كان نفسي يبقى ليا أخ عايش معايا أحس أنه سندي وضهري وأمان ليا في وقت أزماتي ويخاف عليا.
استوحشت برودة غريبة على صوتها، بعدما أفرغت ما بجعبتها: بس اكتشفت في الآخر أن أخواتي دول عمرهم ما حبوني ولا كان يهمهم مصلحتي، أخواتي اللي اعتبرتهم حياتي كلها وأنا فضلت بالنسبة لهم ضيفة وغريبة، أنت بسكوتك ده كنت هتتسبب في ظلم كبير قوي كان هيحصل لي وده أنا مش هسامحك عليه.
_مهما قلتي وعملتي فيا أنا راضي عشان الحق عندك، بس أنتي أختي يا أبريل أنا مش بمثل، ربنا وحده اللي عالم قد إيه معزتك كبيرة عندي، وأنتِ هتسامحيني ومش هتقدري تكرهيني، اعتبريها غلطة ومش هتتكرر، هتشوفي هقف معاكي من هنا ورايح في أي حاجة هتشوفي بعينك.
حافظت على ادعاء التماسك أمام توسلاته ودموعه، لكنها لا تستطيع أن تتجاهل ألم قلبها الضعيف تجاهه، فهو الأخ الذي تمنت أن تحظى به، لا يمكنها أن تقسو عليه، لكن قلبها مجروح بشدة، ولا تشعر بالأمان، ويصعب عليها أن تسامحه على ما اقترفه بحقها، ستدع الأيام ترمم ما حطمه سلبيته.
في وقت متأخر من الليل
_آه معلش التليفون كان فاصل مني طول اليوم يا مراد، أنا لسه راجع البيت، ها طمني إيه الأخبار؟!
صمت باسم للحظات يستمع الرد من الطرف الآخر، ثم سأله باستغراب: بسرعة كده؟
تعالت ضحكاته المرحة في أرجاء غرفته، نافيًا بهدوء: لا ما تعملش حاجة وأنا هكلمك بعدين.
شكره باسم بامتنان: تمام يا حبيبي متشكر جدًا على الخدمة دي، أكيد في أقرب فرصة هشوفك، مع السلامة.
في صباح اليوم التالي
داخل منزل فهمي الشندويلي
في غرفة ريهام
_الحقيني يا ريهام اللي كنت خايفة منه حصل!!
هكذا صرخت سلمى بتوتر، وهي تقتحم غرفة ابنتها.
لوت ريهام شفتيها بحيرة، وهي ترتدي حذاءها باهظ الثمن ذو الكعب العالي:
خير على الصبح في إيه؟!
جاورتها سلمى على الفراش مغمغمة بصوت لاهث:
ما فاتش يومين.. ومصطفى باعت بيطالبنا بالمتأخرات اللي علينا لشركته..
عقدت ريهام حاجبيها باندهاش، وقالت بعدم تصديق متوجس:
مش معقول مصطفى يعمل كدا.. أكيد من عصبيته وأكيد هيهدى ومش هيضرنا، إحنا قرايبه برضه.
التمعت عيناها بحسرة لاذعة صدحت في قولها:
مش هيضرنا.. ده لغى الدفعة اللي كنا هناخدها نسد بيها بوق المهندسين المسؤولين عن تنفيذ التجديدات في الأوتيل بيهم.. وتقوليلي مش هيضرنا، ده هيدور انتقامه فينا كلنا.
اهتزت نبرتها بخوف من مصداقية هذه الاحتمالية، لتربت ريهام على كتفها مهدئة إياها:
هدي أعصابك أنتي بس كدا.
استقامت ريهام تهندم كنزتها البيضاء قليلًا، لتتابع بثقة استنكرتها والدتها:
أكيد هنلاقي حل ما تقلقيش.
مسحت سلمى على وجهها القرمزي من شدة غضبها، ويكاد الألم يفتك برأسها قبل أن تهتف بنفاذ صبر لا يخلو من الخوف:
حل منين بس، بأقولك بيتنا هيتخرب، هيطردونا منه لو ما سددناش الأقساط.. حاسة الضغط والسكر عليو عليا.. هلاقيها من أبوكي ولا من بنته ما بقتش عارفة أفكر.. لو عرفنا ندبر كام قسط هنعمل إيه مع البنك، كل ما بنتأخر في دفع القرض بتزيد الفوايد علينا.. نتصرف إزاي دلوقتي يا ريهام، خلاص هنتفضح قدام الناس، هنعلن إفلاسنا يا دي المصيبة.
أجابتها ريهام باختصار خبيث:
مش هتحصل مصيبة يا ماما.. أبريل هترجع لمصطفى وقريب أوي...
رواية جوازة ابريل الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم نورهان محسن
كنت كطائر الكناري الطليق يتلولب في الهواء، حيث كان واثبًا فوق الشجرة عالية، ويغني للأغصان بصوته الرائع كل صباح، فصادفت أن شاهدته من بين الأغصان، فأعجبت به وانجذبت نحوه، مما جعلك لا تستطيع أن تقاوم جماله الرقيق، فأحببت أن تحظى بامتلاكه، لذا فكرت بصيده، فألقيت فتافيت الخبز إليه بمنتهى الرقة والحنان حتى اطمأن إلى يدك الممدودة إليه، ثم على حين غرة أدخلته في قفص ذهبي وأغلقته بقفل وردي، حارمًا إياه من الغناء والحرية مرة أخرى يا ملاذي الملعون....
أما بعد...!!
نحن لا نقع في الحب باختيارنا، لكن الابتعاد عمن نحب قرار يمكن اتخاذه.
عند ريهام
_مش هتحصل مصيبة يا ماما.. ابريل هترجع لمصطفى وقريب أوي.
جحظت عيناها بدهشة، وهي تتساءل بسرعة: هي قالتلك حاجة؟!
رفعت ريهام حاجبها بغطرسة مجيبة إياها بثقة: من غير ما تقولي.. ابريل مش هتكمل مع باسم؛ لإن لو مش واخدة بالك هي وافقت على الخطوبة مش حبًا فيه زي ما هي عايزة تقنعنا.. كل الحكاية إنها عايزة تضايق مصطفى مش أكتر.. يعني فترة بسيطة وهيسيبوا بعض.
عبست ملامحها في استنكار، وأسندت مرفقيها على فخذيها، وشبكت أصابعها ببعضها البعض، وهي تتساءل بنفاذ الصبر لا تخلو من الارتعاب: وأنتي جايبة الثقة دي منين؟!
نهضت سلمى من مكانها، وهي تتحرك ذهابًا وإيابًا، وقصفتها بالمزيد من الاستفسارات التي كانت تتماوج في رأسها بتوتر: ما هي حتى لو سابته هنضمن إزاي إنها ترجع لمصطفى.. وتفتكري مصطفى أصلًا هيبقي لسه عايزها بعد اللي عملته فيه؟
وقفت ريهام في وجهها، ورفعت يديها لتضعهما فوق ذراعي والدتها، وشرحت لها بنفس النبرة الواثقة، ممتصة غضبها: دي بقي سيبيها عليا.. أنا كلمت مصطفى إمبارح ورايحة أقابله النهار ده.. ومش بعيد أقدر أخليه يغير رأيه ويتمسك بيها أكتر.
انفرجت أساريرها بتفاجئ، وقرع قلبها ينبض بأمل جديد، فهتفت تشجيعًا: تبقي بنت أمك بصحيح إذا نجحتي في كدا يا ريمو.
تعالت ضحكاتها بخبث، وهي تطمئنها بغرور: ما تخافيش يا ماما الأفكار عندي كتير أوي بس محتاجين شوية صبر.. يلا يدوب أروح الأتيليه أخلص اللي ورايا وبليل هروح أقابله أوكي.
وهكذا أنهت حديثها معها، وهي تتحرك من أمامها، تأخذ حقيبة اليد من فوق طاولة الزينة، بينما سلمى جالسة على السرير تتنفس الصعداء، ثم قالت بابتسامة: طيب يا حبيبتي ما تنسيش تطمنيني بأخبار كويسة.
خلال هذا الوقت
عند عز
تململ في نومه، وهو يعقد حاجبيه بانزعاج من تلك اللمسات الناعمة، كما لو كانت تخبره بهدوء أنها بجانبه.
فتح عز عينيه ببطء، فوقع بصره على كف يدها، الذي تداعب به خده صعودًا وهبوطًا بنعومة.
أدار عز رأسه إليها، فأغلقت عينيها على الفور متظاهرة بالنوم، تأملها بحاجبين معقودين، قبل أن تلوح شبه ابتسامة متعجبة على فمه من هيئتها، عيناها مغلقة، وإحدى يديها تحت رأسها، ولا تزال تمرر أطراف أصابعها على لحيته في آن واحد.
ساورها الفضول حيال صمته، ففتحت عين واحدة ببطء، لتراه يحدق بها قبل أن يهمس بصوت خشن ممزوج ببحة النعاس: صباح الخير.. بطتي الشقية قايمة من بدري وعاملة تعاكس فيا.
نظرت إليه من خلف جفونها نصف المغمضة، ثم غمغمت بهمس: أنا لسه نايمة.
_والله.. من يوم ما اتجوزنا دي أول مرة أعرف إنك بتتكلمي وأنتي نايمة..!!
جاراها عز بذهول، مستمتعًا بسحر لمساتها الرقيقة، بالإضافة إلى حركاتها اللطيفة التي تخطف الأنفاس من صدره.
أجابته منى بابتسامة، وجفونها لا تزال مغلقة: دي غلطتي عشان خبيت عليك مرضي اللي مالوش علاج.
رفع أحد حاجبيه الكثيفين في دهشة مما زاده وسامة، ثم غمغم متسائلًا: ومن إمتى وأنتي على الحال ده؟!
_من أول يوم اتجوزتك فيه.
تلقى منها الجواب بنفس الهمس بجانب أذنه، ثم ما لبث أن مالت بوجهها نحوه، وقبلت خده بحنان، مع ابتسامة كسولة علقت على زاوية فمه من حلاوة قبلتها، فيما عادت للنوم على جانبها كما كانت.
ضم شفتيه معًا في خط مستقيم، وهز رأسه بخيبة أمل وآسي مصطنعين: لساني مش مطاوعني أقولك ربنا يشفيكي منه.. أنا عايزك كدا مريضة بيا على طول.
ابتسمت منى بهيام وهي تراه ينحني عليها ليضع رأسه على صدرها، ويلف ذراعه حول خصرها مثل طفل يتودد إلى حنان أمه: أنا مش بس مريضة بيك أنت الميه والهواء والنفس ليا يا حبيبي.
بادر عز بسؤال، وهو يرفع وجهه إليها: يعني تقدري تعيشي من غيري قد إيه كدا بأقصى حد؟
زمت شفتيها المغروتين بتفكير مصطنع، لتقول بتمتمة ناعمة: يعني يوم أو يمكن يومين كدا.
_ما تصيعيش تقدري تعيشي من غير ميه أسبوع عادي.
قالها بنبرة مرحة ممزوجة بالضحك، وهو يطبع قبلة خفيفة على شفتيها المزمومتين، ثم سرعان ما غمس وجهه في صدرها مرة أخرى، ليصله صوتها المتحشرج من فرط المشاعر التي تعصف بقلبها النابض بقوة تحت رأسه: بس ما قدرش أستغنى عن الهواء لو دقيقة واحدة.. وكل ما يخطر على بالي.. إني ممكن أصحي في يوم وما تبقاش في حياتي بتجنن وأترعب.
نظرته العاشقة تركزت على مقلتيها الدامعتين بعد أن رفع نفسه نحوها، ليهمس لها بحزم حنون: راسك الحلوة دي مش عايزها تفكر في الأفكار دي تاني.. إحنا هنعيش سوا.. ونكبر سوا ولا تقدر أي حاجة هتبعدني عنك.
اتسعت ابتسامتها، فازدادت جمالًا مع إشراقة وجهها الجميل، وأحاطت وجهه بين يديها قائلة بنبرة منخفضة جعلت انتظام نبضات قلبه يضطرب ولهًا وعشقًا من أجلها: بحبك أوي.
اقترب عز متصنعًا عدم سماع همسها، ليغمغم بجانب شفتيها: إيه.. ما سمعتش؟!
تعالت ضحكاتها بنعومة، ثم ما لبثت أن نطقت بحب: بحبك أوي.
التمعت عيناه بغرام جارف، مجمجمًا بنفس اللهجة: علي صوتك أكتر.
مررت بأطراف أصابعها على لحيته قبل أن تطبع فوق خده بقبلة هادئة، لتكرر بهمس مفعم بالعشق: بحبك أوي.
أغمض عز جفنيه، وهو يشعر بالنعيم يغلفه وهي بين ذراعيه، مستمتعًا بنبرة صوتها الكناري، وتنهداته المنتشية تشق فمه، وهو يعانق جسدها له أكثر: أيوه كدا سمعت.
اتسعت عيناه من الصدمة، وهو ينتشل نفسه من خضم ذكرياته فور أن شعر أنه لا يحتضن سوى الفراغ.
نظر حوله بتيه، ليكتشف أخيرًا أن ما كان يعيشه قبل بضع ثوانٍ، لم يكن سوى ذكرى قديمة مدمجة في دفتر ذكرياتهم.
بعد فترة وجيزة
عند عز
سمع عز طرقًا على باب الغرفة، وقبل أن يسمح بالدخول، وجده ينفتح، ليظهر باسم بطول قامته خلفه.
وقعت نظراته على الشخص الجالس على السرير، وتحيط به موجة من الدخان المتصاعد من احتراق سيجارته.
شعر بالأسى على حالته، فأخذ نفسًا طويلًا قبل أن يهتف بنبرته الهازئة، وعلى فمه ابتسامة جانبية: جرا إيه في الدنيا يا أبو الصحاب كل ما أسأل عليك يقولولي معتكف.. أنت لو واخد سويت في أوتيل مش هيجيلك التلت وجبات جوا الأوضة كدا.
داس عز بقايا سيجارته في منفضة السجائر الموضوعة على الطاولة قبل أن يلتفت إليه، صائحًا بصوت منزعج: الله يخليك يا باسم مش ناقصك اخرج واقفل الباب وراك.
كتف باسم ذراعيه أمام صدره بعدم رضا، وقال بصوت ذي مغزى: لحد إمتى هتفضل راكب دماغك كدا ومش عارف تهدي من عصبيتك المتخلفة دي شوية.
صاح عز بصوت غاضب: استغفر الله العظيم.. باسم أنا على آخري.. يا تتكلم عدل يا تغور برا..
القرف اللي فيا يكفي بلد بحالها.
لاحظ باسم نظرات عز الزائغة على الهاتف بتوتر، فاتجه إليه، ليجلس على السرير أمامه قبل أن يبادر بسؤاله:
"عايز تكلمها مش كدا؟!"
اندلعت شرارات من اللهب، يغلفها الشوق الغامر لها في مقلتيه، وهو يتململ في مقعده كأنه جالس فوق نيران تحرقه، وأخبره بنبرة معذبة يملؤها الحزن:
"حايش نفسي بالعافية.. هاين عليا أقوم أروح أجيبها من عند أمها ولو بالغصب.. أنا أصلاً معرفش إزاي فاتوا عليا اليومين دول من غير ما أشوفها.. أنا مش متخيل أصلاً إني عايز أكلمها ومش عارف هكلمها بأنهي وش هقولها إيه.. دماغي هتشت مني!"
هكذا تكلم عز، والدموع الحارقة تلمع في عينيه ليربت باسم على قدم الآخر بمؤازرة، وهو يخاطبه بجدية:
"تعالى على نفسك شوية واستحمل عشانك وعشانها.. سيبها تقعد مع نفسها كام يوم عشان تفكر كويس وتحس بغيابك وتسأل نفسها أنت روحت فين وليه ما حاولتش تكلمها أو تروحلها، ساعتها هي من جواها هتحس لإنها محتجالك.. لكن طول ما أنت اللي هتفضل تطاردها هي هتهرب منك."
هز رأسه له بالموافقة على مضض، ثم سأله بسرعة بنفاذ صبر:
"يعني أعمل إيه؟"
تطلع باسم حوله بنظرات غير راضية، وهو يدلك ذقنه بأطراف أصابعه مفكرًا، ثم أخبره بهدوء:
"تطلع من الحالة الكئيبة اللي حاطط نفسك فيها دي.. وقوم البس هتيجي معايا نروح لخالد.. الراجل متخرشم على الآخر."
عقف حاجبيه باستغراب احتل سؤاله:
"ليه هو إيه اللي جراله؟!"
استقام باسم واقفًا، ليسير ناحية الباب، معقبًا عليه بعجل:
"أنجز أنت وفي السكة هبقى أحكيلك."
أنهى باسم كلامه في نفس الوقت الذي أغلق فيه الباب خلفه.
تنهد عز بقوة، ونهض من السرير بعد أن أزال الغطاء عنه، ثم توجه إلى الحمام استعدادًا للخروج.
في الساعة السابعة مساءً، داخل إحدى المقاهي.
جلست ريهام أمام مصطفى بمظهرها الأنيق، وعينيها الزرقاوين تتلألأ ببريقهما الخلاب، وقالت بابتسامة ساحرة ينخدع بها أعتى الرجال:
"ميرسي ليك يا مصطفى إنك وافقت تيجي ونتقابل."
ابتسم مصطفى مجاملًا إياها بهدوء:
"رغم إني مش راضي وعلى آخري من اللي بيحصل من أختك وأبوكي.. بس أنتِ معزتك عندي كبيرة يا ريهام."
بادلته الابتسامة، وهي تتحدث بلطف:
"وأنت كمان إحنا مش بس قرايب إحنا أصحاب وطول عمرنا متربيين مع بعض.. عشان كدا مش عايزاك تاخد قرار متسرع يا مصطفى تظلم أبريل بيه."
دلت ملامح وجهه الرجولية التي يكسوها احمرار طفيف إلى استيائه فور انتهاء جملتها، أعقبه تفوهه الغاضب:
"أختك حولت لي تمن الفستان والدبلة الصبح.. وكل المواقع والأخبار ناشرة صورها في حضنه وتقولي لي ما أظلمهاش دا عبث يا ريهام."
صمتت ريهام لعدة ثوانٍ، بحثًا عن إجابة ترد بها عليه وهي توبخ أبريل سرًا في عقلها، قبل أن تنظر إليه وقالت بنبرة دبلوماسية:
"شوف يا مصطفى أنا هكون طرف محايد زي ما هي غلطت.. أنت كمان غلطت.. أبريل بنت حساسة جدًا وكرامتها فوق كل حاجة وأنت عارف دا كويس."
رمقها بنظرة ممتعضة، هاتفًا بنبرة محتدة:
"حساسة إيه وزفت إيه بقولك في حضن غيري؟!"
زمت شفتيها بضيق من لهجته معها، لكنها بصبر بدأت تنسج خيوط قصتها الخيالية حول ذهنه:
"الموضوع مش كدا خالص.. دا جارنا من زمان وكانت عينه مني لما صديته حب يستفزني.. وطلب في حفلة أخته إيد أبريل قدام الكل وهي وافقت في لحظة انفعال بعد صدمتها بموضوع جوازك.. لكن هي ما بتحبوش ولا تعرف حاجة عنه أصلاً."
زوى مصطفى حاجبيه بحنق تطابق مع تلفظه:
"أنا كنت عارف إنه واحد حقير ومستغل بس ما تصورتش يبقى منحط لدرجة دي.. وأنتِ إزاي ساكتة عليه.. ما عرفتيهاش الحقيقة وقولتي لباباكي؟"
سأل مصطفى مستفسرًا في نهاية عبارته، عبست ملامحها الفاتنة بحزن مصطنع ينضح بصوتها الناعم المملوء بالمكر الخفي:
"ماكنتش عايزة أعمل مشكلة بينا وبين عيلته هما أصدقاء لعيلتنا من زمان جدًا وكمان بعد اللي حصل هي ثقتها فينا انعدمت ماكنتش هتصدقني."
هتف مصطفى محتجًا:
"كل اللي قولته ما ينفيش إنها غلطانة في حقي أكتر ما غلطت في حقها بكتير أختك واتحدتني بكل بجاحة وأنا لآخر وقت كنت كويس معاها واستحالة أنسى لها اللي عملته."
طالعته ريهام بقلق بمجرد ظهور غضبه من أبريل مرة أخرى، وسرعان ما غيرت دفة الحديث بحزن مزيف:
"باسم إنسان خبيث أنا خايفة عليها منه ممكن يضحك عليها ويضرها من غير ما تحس."
نفخ مصطفى باستياء قبل أن يرد من بين شفتيه المضغوطتين:
"أنا هعرف بطريقتي أخليه يبعد عنها غصبن عنه."
تجعدت ملامحها على الفور من كلامه التهديدي، من المؤكد أنها لم تكن تريده أن يؤذي باسم، فغمضت عينيها واستفسرت بصوت يملؤه القلق:
"يعني إيه.. أنت ناوي على إيه يا مصطفى؟"
ارتشف مصطفى قليلًا من فنجان قهوته قبل أن يجيب بغموض غير مريح:
"هتعرفي في الوقت المناسب."
تجنبت نظراته الثاقبة لها، حينما نظرت إلى ساعة هاتفها بتوتر، ثم خاطبته بنبرة لينة:
"طيب ممكن تيجي معايا على البيت ونكمل كلامنا هناك بليز يا مصطفى ماما أعصابها تعبانة جدًا من بعد اللي حصل وأنا قلقانة يجرالها حاجة."
أومأ مصطفى إليها بالموافقة على مضض.
بعد مرور ساعة، بداخل غرفة منى.
"أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.. يا رب سامحني واغفر لي ذنبي.. أنا عارفة إني غلطانة وارتكبت إثم في حق نفسي لما حاولت أنتحر.. كانت النتيجة إني خسرت هديتك ليا.. أنا أستاهل عقابك بس سامحني واهديني للطريق الصحيح يا رب.. اشفيني منه وخرج حبه الملعون من قلبي يا رب.. دي غلطتي أنا اللي حبيته بالشكل دا أنا اللي أذيت نفسي وأنا مش حاسة يا رب سامحني وعوضني خير من عندك يا كريم."
أنهت منى صلاتها، وطوت سجادتها قبل أن تنزع الإسدال عنها، ثم توجهت إلى شرفة غرفتها، تمسح الدموع عن وجهها بأطراف أصابعها المرتجفة، إذ لم تفعل شيئًا منذ يومين إلا البكاء على حالها وعلى قلبها الذي كاد أن يتوقف من شدة الحسرة وألم الفقد الذي تشعر به.
جلست منى على المقعد، وهي تضع يدها لا إراديًا تتحسس بطنها بابتسامة مريرة، هي ليست غافلة عن حقيقة كونها السبب فيما آلت إليه حياتها، فهي التي تخلت عن أشياء كثيرة لإرضاء زوجها، قلبها هو الذي لف حبلًا خانقًا حول رقبتها حتى زهدت روحها بابتسامة عريضة على وجهها.
ابتلعت تلك المرارة التي استقرت في جوفها، والذكريات تتضارب في ذهنها، لتغرقها في أعماق بحره العميق.
Flashback
كانت منى تجلس في حضن عز على الأريكة في غرفة المعيشة داخل منزلهما، بينما كانت تتصفح أحد مقاطع الفيديو على هاتفها أثناء مشاهدة عز لأحد البرامج على التلفاز.
جذبت منى انتباهه بصوتها المتحمس مشوبًا بالحنين:
"شايف يا عز البنوتة السكرة دي جميلة أوي أوي ما شاء الله.. شايف شايف ضحكتها العسل والله دي الواحد ما يشبعش منها أبدًا طول الوقت."
"زي ما أنا مش بشبع منك أبدًا كدا؟"
همس عز لها بتلك الكلمات بصوت أجش مثير بجانب أذنها، بينما يميل نحوها، وعض وجنتها برفق، فأبعدت رأسها عنه، وهي تتذمر برقة:
"يووه من حركاتك دي يا عز.. الفيديو هنا شوف."
أدارت منى وجهه نحو الشاشة بيدها، فأخذ منها الهاتف وقال بنبرة غاضبة:
"أشوف إيه بس!! دول شوية ناس مستعبطة أصلًا.. مش فاهم ليه بيستعرضوا عيالهم بالمنظر دا.. كل دا عشان كام ألف لايك وكومنت في الآخر؟!"
أنا لما يبقى عندي بنوتة قمر كده، من خوفي عليها هخبيها عن عيون الناس. محدش عارف النفوس شايلة جواها إيه لبعض.
ابتسمت منى بحبور، وتسارعت نبضات قلبها شوقًا، سألت بنبرة ثقيلة:
"يعني أنت نفسك في بنت؟"
غمز لها عز وهو يحدق بها بنظرة وقحة، شعرت بأنها عارية أمامه، وهو يقول بخفوت عابث:
"جدًا، أنا بموت في البنات، هو في أحلى منهم؟"
لطمت خده بغيظ، ووبخته بشفتين مزمومتين أثارت فيه رغبات غير أخلاقية:
"احترم نفسك، أنا بتكلم بجد دلوقتي."
لانت ملامحها، وأخفضت بصرها، مع ارتباك شعر به في صوتها فور أن قالت:
"يعني أنت موافق إننا نجيب بيبي يا عز، وننهي موضوع تأجيل الخلفة اللي اتفقنا عليه في أول جوازنا؟!"
شعرت بقبلته الناعمة على جبينها، وهو يحرك خصلات شعرها خلف ظهرها ليسألها هامسًا:
"أنتِ مستعدة لكده؟!"
حدقت منى فيه بسرعة، مبتهجة أساريرها، وعيناها تتلألأ بوميض متلهف، ردت مندفعة:
"أوي يا عز، ما تتخيلش قد إيه نفسي أوي أجيب منك بيبي.. ها موافق؟!"
طال عز النظر إلى عينيها بغموض قبل أن يجيبها بجمود:
"مش عارف، لسه حاسس إني هأندم أوي لو وافقت."
تضاءلت البسمة فوق ثغرها الفاتن، وهي تسأله بتمهل به لمحة خوف:
"ليه بتقول كده؟ هو أنت مش..."
ظهرت البسمة على شفتيه قاطع بقية جملتها بتقبيل خديها بقبلات ناعمة متتالية، وهو يتمتم ببحته الرجولية الزاخرة بالشغف:
"أنا كمان نفسي أوي في طفل منك.. بس خايف!"
سألت بعينيها الساحرتين اللتين أذابت روحه في طبقات البندق اللذيذة في مقلتيها، وسرعان ما لف ذراعيه من حول جسدها أكثر بتملك عاشق، ليتابع عبارته بنفس النبرة:
"أنا بس متعود إن اهتمامك كله ليا أنا لوحدي.. فعلى قد ما أنا عايز أخلف منك على قد ما أنا غيران من فكرة إنه لما يجي الطفل ده هيشاركني فيكِ وممكن يلهف كل وقتك وتنسيني أنا."
أنهى عز كلامه بتذمر طفولي حاد مليء بالتملك، عقدت حاجبيها من جدية كلامه غير المنطقي، لكنها في النهاية تعشق هذا الرجل بقلبه العفوي، فقاربت جسدها منه داخل حضنه، وشرعت في استرضائه بلطافة:
"هو أنت هتغير من ابنك من قبل ما يجي يا مجنون.. أنا وأنت هنبقى شركاء في النونو.. هنربيه ونحبه ونهتم بيه مع بعض يا زوز."
لمعت عيناه بوميض ملتحفًا بالشغف، وهو يهز رأسه بالموافقة فيما يسحبها من خصرها لتعانق رقبته بكلتا ذراعيه بابتسامة مليئة بالفتنة، فهمس فوق شفتيها بإغواء رجولي جذاب:
"قدام زوز دي من شفايفك الحلوة تسقط كل أسلحتي وبرفع لك الراية البيضاء بكل حب واستسلام يا بطة قلبي."
اقترب عز منها حتى اختلطت أنفاسهما سويًا، حركت وجهها يمينًا ويسارًا، في محاولة للتمنع عليه بدلال، لكن قبلاته المحمومة بالجنون، وهمساته لها بهذه العاطفة الجياشة جعلت قلبها يستجيب له بنفس الشغف الملتهب.
خرجت من الانغماس في أفكارها عند شعورها بلمسات ناعمة على قدميها. خفضت نظرتها إلى القطة الصغيرة التي يمتلكها ابن أخيها، فانحنت والتقطتها بلطف من الأرض، ووضعته في حجرها، ودبت رأسه الناعم، وهي تنظر إلى الأمام مرة أخرى في صمت.
لها هي الآن فقدت بآن واحد جنينها وزوجها الذي أحبته أكثر من حياتها، حتى باتت تشعر بأنها لا قيمة لها بدونه، فهو ملاذها ولعنتها في نفس الوقت، لذا لن تلقي اللوم عليه وحده، هي أيضًا ملامة بشدة، ولكن تسمح لنفسها بأن يستهلكها الحزن وتظل عالقة بذكرياته إلى الأبد، عليها أن تتقبل الواقع يكفي عناد ودموع.
أخذت منى نفسًا عميقًا، وقررت المضي قدمًا وتغيير هذا الشعور المرير إلى شيء إيجابي قريبًا.
ما حدث لن يكون نهاية العالم، ولن تتوقف الحياة حزنًا عليها، ولن ينفعها الاستمرار في البكاء على الأطلال، وعند وصولها إلى هذا الحد من التفكير، قامت من مقعدها عازمة على فعل شيء ما.
في ذلك الوقت
عند أبريل
كانت تجلس على الأريكة في غرفتها، وفي يدها الكتاب الذي أهداها إياه أخيها.
فجأة أغلقته وانحنت إلى الأمام في مقعدها، وقدميها متقاطعتان، وهي تمضغ قطعة الشوكولاتة في فمها بملامح مستاءة قائلة في دهشة من حالها:
"هو أنا شاغلة دماغي وملهوفة إني أشوفه كده ليه أصلًا.. وإيه القلق اللي حاسة بيه ده؟! ما خلاص الجرايد كلها ناشرة صورنا مع بعض.. يعني خلاص بقينا مرتبطين وما يقدرش يخلع."
أدارت أبريل مقلتيها بضجر، وهي تلعب بأطراف ضفيرتها وأردفت باغتياظ:
"بس ده باين عليه لعبي وأنا مش مطمنة ليه خالص.. يا ترى هيكون راح فين؟! ده بقى له يومين ولا حاول يجي ولا شوفته في الكومباوند كله.. حتى لما مامته شافتني الصبح ما جابتش سيرة عنه وسألت على صحتي وخلاص.. أووف يحصل اللي يحصل بقى أنا شاغلة دماغي بيه ليه أصلًا؟!"
نفخت أبريل وجنتيها بامتغاض، ثم تذكرت مكالمتها مع جدتها أمس..
flash back
"إزيك يا سبورة عاملة إيه؟"
اختتمت سؤالها بنبرة مرحة، وتلوى شدق صابرين بتذمر زائف قبل أن تضحك بخفة وهي تسأل بمحبة:
"هعدي لك سبورة دي يا كلبة المرة دي.. طمنيني كنا قلقانين عليكِ أوي."
أجابت أبريل بهدوء:
"أنا تمام والله."
رأتها أبريل تجلس بجوار تحية، وتضع الهاتف على بعد مسافة حتى ظهرت صورة جدتها أمامها وهي تهتف بلهفة:
"أبريل يا حبيبتي أنتِ كويسة؟"
ابتسمت أبريل بشوق كبير، هاتفة بحب:
"يا توحا وحشتيني أوي."
"وأنتِ يا روح قلب توحا، كان قلبي هينخلع من خوفي عليكِ."
"بعد الشر على قلبك يا ستي.. ما تعيطيش أنا كويسة والله العظيم زي ما أنتو شايفين أهو."
عارضت تحية بعدم اقتناع نابع من خوفها عليها:
"كويسة إيه بس أنتِ لونك مخطوف يا بنتي وصوتك كمان باين عليه التعب."
تدخلت صابرين مستفسرة بعدم فهم:
"إيه اللي حصل يا أبريل؟ ليه تعبتِ جامد كده إحنا مش فاهمين حاجة، وأحمد تليفونه مقفول من إمبارح ولا بيرد علينا؟!"
تجاهلت أبريل الرد على كلامها الأخير، ولم تخمّن كثيرًا، إذ عرفت أن ذلك بسبب استفزازها له، لكنها اضطرت لذلك حتى لا يتصاعد النقاش بينهما، ويؤدي إلى مشاجرة مع باسم، كان عليها أن تجعله يستيقظ على حقيقة أنها لم تعد بحاجة إليه منذ فترة طويلة.
نفضت أبريل تلك الأفكار من ذهنها، مبررة بكذب:
"كانوا شوية تعب خفاف، أنتو عارفين تغيير الجو بيأثر عليا، وكمان أنا فسخت خطوبتي من مصطفى."
اتسعت أعينهم من الصدمة، وقبل أن يطرحوا عليها المزيد من الأسئلة، بدأت تروي لهم أحداث اليومين الماضيين، وعندما انتهت صاحت صابرين باشتياط:
"ابن الـ... منه لله اللي ما عندوش ضمير.. هو فاكر إن بنات الناس لعبة.. وإزاي أبوكِ ومراته الحربوقة يعملوا كده؟!"
تحية بقلق:
"أبريل ارجعي يا بنتي وخليكي هنا معانا ووسطنا.. أنا مش هستحمل يجرى لك حاجة وأنتِ معاهم لوحدك.. ما بقتش أأمن تقعدي مع الناس دول بعد عملتهم السودة دي."
فركت أبريل طرف أنفها متوترة من جدية جدتها في الحديث، ثم همهمت بخفوت:
"مش هينفع يا ستي."
ردت صابرين بدلًا من والدتها بامتغاض:
"استني أنتِ يا ماما.. يعني إيه مش هينفع يا أبريل.. أنتِ بتفكري ترجعي له ولا إيه؟!"
هزت أبريل رأسها بقوة نافية على الفور:
"استحالة أرجع للبني آدم ده.. أنا بعت له كل حاجته وموضوعه بالنسبالي اتقفل."
صابرين بتصميم:
"يبقى خلاص واحد ما فيش حاجة اسمها تفضلي عندهم يوم واحد تاني."
ربتت تحية على ذراع صابرين، حتى تسيطر على انفعالها قبل أن تتحدث إلى أبريل بحنان:
"خالتك بتتكلم صح يا حبيبتي تعالي وعيشي معانا بقى وبكره يجي لك عدلك يا حبيبتي وتتهني."
ازدردت أبريل بارتباك وتردد:
"ما هو في حاجة كده حصلت لسه ما حكت لكوش عليها..."
تكلمت صابرين بعدم ارتياح من تحركات أبريل المضطربة، التي تعرفها جيدًا كلما ارتكبت كارثة:
"إيه حصل تاني ما تتكلمي على طول يا مزغودة.. أنا أعصابي ساحت منك."
فركت أبريل كفيها معًا قبل أن تتحدث بسرعة، كما لو كانت على وشك أن تلقي نفسها في البحر:
"أنا هتخطب."
صابرين بانشداد:
"تتخطبي؟!"
هو أنت لحقتي؟
ابريل بتذمر: يا ستي ما تسكتيها بقى كل شوية بتقطعني.. ما تسمعي للآخر يا صابرين.
لوحت صابرين بكلتا يديها مستاءة بعبوس: أسمع إيه ونيلة إيه! تفسخي وتتخطبي وأهلك ما عندهمش خبر.. هي دي آخرتها يا جزمة.
تضاحكت ابريل بخفة، وردت بسلاسة: هو أنا بقولك اتجوزته! هو كلم بابا من يومين بس.
رمقتها صابرين بزاوية عينيها بنظرة ذات مغزى، فيما استفسرت الجدة بصوتها الهادئ: ويطلع مين ده يا ابريل؟
ابريل بمراوغة: شاب ابن ناس كويسين ومحترمين قوي جيراننا.. لما تعبت هما اللي اهتموا بيا وجابوني على المستشفى.. يبقوا جيراننا بالكومباوند هو أصلاً بتاعهم وعندهم شركة مقاولات كبيرة.
صابرين بسؤال مباشر: المهم هو إيه نظامه؟
رددت ابريل بثقة كاذبة: هو كويس ومحترم جدًا ووسيم كمان.
ابريل: يلا أنا هقفل شوية عشان أستريح وهرجع أكلمكم تاني.
زفرت أبريل بقوة، وهي تضرب إحدى كفيها بأخرى، ساخرة من نفسها: ما أعرفش أنا هقصر أكثر من كده إيه ثاني من كثر الكذب اللي عمالة بأكذبه من ساعة ما شفت البني آدم ده.
وصل إلى أذنيها صوت غريب من خلف شرفة غرفتها المفتوحة، فأدارت رقبتها إلى الوراء في دهشة لتعرف ما هذا الصوت.
اتسعت مقلتيها بذعر يدب في قلبها، حالما رأت ظلاً طويلاً يتحرك من خلف الستائر البيضاء، فنهضت من مكانها بهدوء، وعقلها يتخيل العديد من السيناريوهات السيئة حول هوية ذلك الشخص الذي يختبئ في الظلام ويريد اقتحام الغرفة بهذه الطريقة.
بدأت تفكر بسرعة إذا كان عليها أن تصرخ طلبًا للمساعدة ممن في المنزل، سيمر قدر لا بأس به من الوقت حتى يتمكنوا من الوصول إليها، مما يمنح هذا الشخص المجهول وقتًا كافيًا لإيذائها فعليًا، لذلك ليس أمامها وسيلة للدفاع عن نفسها سوى مهاجمته أولاً، لتسرع في خطواتها، وتلتقط مضرب بيسبول شقيقها بجوار الخزانة، وتغلق مقبس الكهرباء، فتغرق الغرفة في الظلام باستثناء شعاع ضوء خافت يتسرب من فتحة الشرفة، والتي بمجرد أن استدارت نحوها مرة أخرى، وجدت أنه على وشك الدخول منها، فمشت على أطراف أصابع قدميها حتى لا تحدث أي ضجيج، ووقفت خلف الجدار، بجانب باب الشرفة، ورفعت المضرب بين يديها، وفور أن دخل الغرفة، هبطت على رأسه بكل قوتها فخرج صوت أنين متألم من فمه، تزامنًا مع سقوطه على الأرض كجثة هامدة.
ركضت إلى الزر الكهربائي، وضغطت عليه، ثم عادت إلى مكانها ببطء، ممسكة بالمضرب بشكل دفاعي، تريد أن تعرف من هو قبل أن تنادي من في المنزل.
جحظت عيناها بهلع، وعلامات الصدمة بادية على ملامحها، وهي تشهق بحشرجة مرتعبة: يااااالهوي!!!!
رواية جوازة ابريل الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم نورهان محسن
تستطيع المرأة أن تفارق الرجل الغني،
وتستطيع أن تفارق الرجل الوسيم،
ولكنها لا تستطيع أبدًا أن تفارق الرجل الذي طيّب خاطرها،
الرجل الذي أشعرها بالأمان وأنه لا يستطيع أن يستغني عنها،
الرجل الذي كان سندًا لها،
ومسح دموعها في لحظات ضعفها،
فالقلوب لا تُشترى بالمال ولا بالقوة ولا بالوسامة،
فالقلوب تُشترى بالمعاملة الطيبة.
عند ابريل:
يخربيت سنينك السودة يا ابريل.
قالتها بهلع ممزوج بطعم الدموع التي بدأت تتساقط على خديها من الخوف، وأخذت تضرب خده براحة يدها بخفة، تحاول إيقاظه: فوق يا باسم.. فوق أبوس إيدك.. الله يخليك.. ما تودنيش في مصيبة.. والنبي قوم.
ظلت ابريل تناديه بذعر مرتجف يعادل دقات قلبها المدوية من الرعب، على أمل أن يستفيق، لكن لا حياة لمن تنادي.
وضعت إصبعها السبابة أمام أنفه، وشعرت بأنفاسه الدافئة، فأطلقت على الفور تنهيدة عميقة ممزوجة بالارتياح، حينما تأكدت من أنه لا يزال على قيد الحياة.
تمكنت أخيرًا من النهوض، وسارت بخطوات مرتعشة نحو طاولة التجميل الخاصة بها، وسحبت زجاجة عطرها من فوقها، لتعود إليه مرة أخرى، ثم ركعت بجانبه، وهو لا يزال فاقدًا للوعي، وبدأت في نثر بعض العطر على ظهر يدها لتبدأ بتمريره بالقرب من أنفه ببطء ليستنشقه، وهي تهزه بلطف.
رأته يتململ برأسه، ويعقد حاجبيه انزعاجًا بمجرد استنشاقه لرائحة العطر التي تسللت إلى أنفه، مما جعله يبدأ بالخروج من غيبوبته المؤقتة، وهو يستمع إلى همسها الخائف: الحمد لله.. أنت كويس؟!
فتح جفنيه ببطء قبل أن ينظر إليها لبضع لحظات بتيه صامتة أخافتها، فسألت بسرعة: ساكت كدا ليه؟! رد بأي حاجة تطمني عليك.
اعتدل بظهره مع بعض الألم الذي يعصف برأسه، وهو يمسك مكان الضربة على الجانب الأيمن من جبهته، بينما ينظر حوله في نفس الصمت، تابعت بسؤال آخر: طيب أنت جيت هنا ليه؟
أنتِ مين؟
وقع سؤاله المباغت على أذنيها، مثل صعقة عنيفة شلت أطرافها.
في ذلك الوقت، في فيلا صلاح الشندويلي:
كانت هالة تجلس على أحد الكراسي المريحة أمام حوض السباحة، تستمع إلى الموسيقى الهادئة عبر السماعات الصغيرة في أذنيها، وتنظر إلى الماء الذي عكست داخله صورة السماء بستار ليلي مرصع بالنجوم الساطعة، والنسيم يداعب شعرها البني حول وجهها الباهي، بينما عقلها شاردًا فيما حدث هذا الصباح.
فلاش باك:
اطمنتي على لميس؟
طرحت وسام هذا السؤال بصوتها الأنثوي الهادئ، بينما تجلس مع هالة على طاولة الطعام تتناولان الإفطار لوحدهما.
جاءها الجواب منها بعد أن ارتشفت القليل من عصير البرتقال: آخر مرة كلمتها كانت بليل وهي تمام هتيجي من الفيوم آخر الأسبوع.
سلمى بهدوء: تيجي بالسلامة.. صحيح خلصي فطارك وادخلي لباباكي في مكتبه لما صحي سألني عليكي.
هالة بتوتر: طيب ما قالكيش عايزني في إيه؟
أجابتها بتخمين: لا يا حبيبتي بس على ما أعتقد هيكلمك في موضوع ياسر.
ربنا يستر!
ما تقلقيش.
هكذا تمتمت وسام بنبرة مطمئنة، فأومأت لها هالة برأسها قبل أن تغادر من أمامها متجهة نحو مكتب والدها.
صباح الخير يا بابا.
صباح النور.
طرقت الباب بهدوء، فجاءها صوته يسمح لها بالدخول: أخبارك إيه؟!
هالة ببساطة رقيقة: كله تمام الحمد لله.. كنت عايزني في حاجة مش كدا؟!
مرت دقيقة من الصمت، قام خلالها من مقعده، ثم دار حول المكتب، ليجلس مقابلها قبل أن يتحدث بلهجة جدية: سبق من يومين لما جيتي وقولتي لي إنك رجعتي له دبلته رديت عليكي وقلت لك مش هسمع قرارك النهائي دلوقتي وهديكي فرصة يومين تفكري كويس يمكن تغيري رأيك ودلوقتي بسألك للمرة الأخيرة أنتِ متأكدة من القرار اللي بلغتيني بيه؟
أومأت هالة برأسها بينما لسانها يؤكد له بتهذيب: بصراحة يا بابا أنا اديت لنفسي أكتر من فرصة معاه.. بس هو مشكلته إنه مش شايف نفسه غلطان أو عامل حاجة مزعلاني وأنا بقى صعب عليا أتجاهل اللي بيحصل.
خفضت وجهها إلى الأسفل، وضد إرادتها، تجمعت العبرات في زوايا مقلتيها، وأضافت بصوت منخفض، كأنها توجه هذا الحديث لنفسها: بس بجد إذا في حد فعلًا غلطان فهو أنا.. أنا اللي فشلت في اختياري من الأول.. كنت غلطانة لما افتكرت إن ممكن أقدر أغيره.. الجواب كان باين من عنوانه وهبقى غبية إذا كملت يا بابا وأنا جوايا شك إن الحال ممكن يفضل زي ما هو.. فأيوه يا بابا أنا مش هقدر أستمر في الخطوبة دي.
عانق صلاح كف يدها بحنان يؤزرها، وهو يقول بهدوء: تمام يا هالة.. أنا سبق وقلت لك إني معاكي في أي قرار هتاخديه.. ومش ممكن هسمح إنك تعيشي باقي حياتك متعذبة مع واحد ما فيش بينكو تفاهم.
هالة بابتسامة ممتنة: شكرًا يا بابا.
عادت هالة من أفكارها إلى الواقع، والابتسامة ترتسم على شفتيها، زفرت أنفاسها بارتياح وهدوء غريب لم تحظَ به في الآونة الأخيرة، ربما لأنها تمكنت من اتخاذ قرار الابتعاد عما يؤلمها بمفردها دون تدخل من أحد.
عند باسم:
أنتِ مين؟
وقع سؤاله المباغت على أذنيها، مثل صعقة عنيفة شلت أطرافها.
خرجت ابريل من أفكارها المرتبكة على صوته الحائر، بمجرد أن كرر نفس السؤال: أنتِ مين وأنا بعمل إيه هنا؟!
ابريل بلا استيعاب لا تخلو من الصدمة: مش فاهمة قصدك.. يعني أنا مين..؟
انتابها القلق الشديد عليه فور أن أمسك برأسه، وتجعد جبينه من الألم، فاقتربت منه دون وعي، ناسيه ما كانت تفكر فيه قبل أن تتساءل بصوت مفزوع: مالك أنت حاسس بإيه؟
تحسس باسم بأطراف أصابعه مكان الإصابة بحذر منزعج من الألم، قبل أن يجيبها بضيق: وجع جامد في راسي.
شكل الخبطة كانت جامدة.
جمجمت ابريل بخفوت، وازدردت لعابها بتوتر، وهي تخفض يده إلى الأسفل، وعينيها تتفحص رأسه بعناية قبل أن تزفر بشيء من الراحة: الحمد لله ما فيش نزيف.. هتبقى كويس بعد شوية ويروح الوجع.. بس هو أنت بجد مش عارف أنا مين؟!
ترددت في طرح سؤالها الأخير بخوف لم يخفَ على عيني الجالس أمامها على الأرض، الذي مرر عينيه اللامعتين على ملامحها الطفولية، وهمس بإعجاب: كل اللي أعرفه إنك حلوة قوي بالضفرتين دول يا بندقة.
اتسعت عيناها حتى كادت تخرج من محجريها من الصدمة التي ألجمت لسانها للحظات، ثم حركت رأسها بعدم التصديق تطابق غمغمتها: لا أنت مش طبيعي.. مش طبيـ...
سألها بحيرة طريفة: أنتِ متعودة تقابلي الضيوف بالترحيب الشديد دا؟! ودا بتعملي بيه إيه هنا أصلًا؟
قال باسم السؤال الأخير باستنكار شديد، وهو ثنى ساقه، ممسكًا بالمضرب الخشبي فأجابته بعفوية: بتاع أخويا.
جذبته ابريل من يده بغتة، وهي تهاجمه مستفهمة: أنت اللي بتعمل إيه هنا في أوضتي في وقت متأخر زي دا أنت مجنون ولا بتستهبل...؟!
احتبست الحروف في جوفها حالما وضع إصبعه على شفتيها، قائلًا بتوبيخ هامس: هيسمعونا..
حد قالك إني أطرش؟!
أوعي كدا..
أبعدت يده عنها، وهي تنفخ الهواء من فمها بضيق، ووضعت يديها على مكان قلبها الذي كان يؤلمها من شدة خفقاته، وأردفت بتقريع:
حرام عليك قلبي كان هيقف من الخوف عليك يا بارد وأنت مرمي قدامي ومابتنطقش.
أربكت نبضات قلبه، وكأن عاصفة صحراوية استهدفت كيانه، حالما أحس بخوفها عليه للمرة الثانية، باديًا على ملامحها وتصرفاتها ليتمتم باندفاع:
خوفتي عليا؟
سألت أبريل مستنكرة:
وأنا هخاف عليك بأمارة إيه؟
رفع باسم يده، ومسح بخفة دمعة هاربة على خدها المحمر، وسأل مستفسرًا بتعجب ماكر:
أومال الدموع دي كلها على مين؟!
أدركت أبريل على الفور أنها كانت تبكي دون وعي من خوفها، فأجابت عليه بسرعة بديهة تتحلى بها:
على مستقبلي اللي كان هيضيع بسببك.
ارتفعت ضحكاته الرجولية، مشاكسًا إياها بمرح:
واطية يا بندقة.
وكزته أبريل في كتفه، وهي تمتم بغيظ من هذا المحتال:
احترم نفسك.
شعر باسم بألم طفيف، لكنه رسم على ملامحه مزيدًا من الألم المزيف، وهو يئن بتحذير:
آي حاسبي...
نبست أبريل بقلق، وهي تكور قبضتيها بقوة تحت ذقنها قبل أن تقول بمبرر يتناقض مع توبيخها له، مما جعله يحبس ضحكته بصعوبة من جنونها:
آسفة ماقصدش والله.. ماهو أنت اللي بتستفزني وقايم فيك حيل تستظرف كمان!!
غمز باسم لها بعبث عفوي، وهو يجيبها مبتسمًا:
فيا حيل لحاجات كتير تحبي تجربي.
اعتلت فيروزيتها نظرة شرسة، مشيرة إليه بتهديد، وهي تهسهس من بين أسنانها في استهجان محبب له:
أنت لو مابطلتش والله هـ...
تأملتها رماديتيه، التي تهيم على ملامحها بتأنٍ، تلائم مع نبرته التائقة:
وحشتيني ووحشتني شراستك.
تلاشت نظراتها الغاضبة حالما سمعت همسه الرجولي الذي لامس شغاف قلبها لا شعوريًا، فيما هو يرى الخجل يرتسم كلوحة فنية مليئة بالألوان القرمزية الرائعة على صفحة وجهها ذو الملامح البريئة، وهي ترد بتلعثم خجول:
هقوم أجيبلك حتة تلج تحطها مكان الخبطة قبل ما تورم.
سرعان ما وجدت قبضته تلتف حول معصمها، تمنعها من النهوض، وهو يرفض باعتراض:
لا خليكي ماتخرجيش.
أخفت أبريل رجفة سرت في أعماقها خلف الاحتجاج الذي ظهر على ملامحها، فسحبت يدها منه قبل أن تستفسر بريبة:
اشمعنا؟
مصطفى قاعد برا...
اندهشت أبريل من إجابته، وكأنه يحدثها عن أحوال الطقس، ولا إراديًا حركت رأسها نحو باب غرفتها قبل أن تثبت نظرها عليه من جديد بتوتر، وقالت بتعجب:
وأنت عرفت منين!!!
أجاب باسم موضحًا إليها، وهو ينهض ببطء من الأرض، وهو لا يزال يشعر بصوت يشبه الطنين في جمجمته:
ماهو دا اللي جابني الأمن بلغوني إنه دخل مع أختك فجيت اطمن عليكي.. بس أنت كده طمنتيني عليكي قادرة تقومي بأي حد.. ومجهزة السلاح كمان.
قال جملته الأخيرة مازحًا، عندما رآها تستقيم هي الأخرى، وهي تمسك المضرب، فتصاعدت ضحكتها العفوية، التي يسمعها لأول مرة منذ أن التقى بها.
كنت عايزني أعمل إيه وأنت داخل عليا دخلة الحرامية دي.. بس الحمد لله جت سليمة.
رفع يده ليلمس جبينه بحسرة، وتمتم على مضض مضحك:
آه جت سليمة جبتيلي ارتجاج في المخ ودشدشتي نفوخي من جوا بس.
ضحكت أبريل برقة فشلت في إخفائها، ثم أخبرته بمزحة:
أحمد ربنا إني ماكنتش طويلة شوية كانت دماغك دي اتفلقت نصين من قوة ضربتي.
باسم بحاجب مرفوع، مغتاظًا من ثقتها غير المنطقية:
إيه الفرعنة اللي أنت فيها دي يا بت أنت.. أومال لو ماكنتيش شبر ونص هتعملي فينا إيه؟!
تحولت ملامحها إلى الجدية التي بدت في قولها الذي يكاد يكون متوسلًا:
إحنا اللي هيتعمل فينا لو حد دخل دلوقتي وشافك.. ممكن تخرج بقى قبل ما نتورط في مصيبة جديدة!!
مش قبل ما تجاوبيني؟!
قال باسم ذلك وهو يجلس على سريرها باسترخاء، فسألت مستفسرة بفضول:
على إيه؟!
ماوحشتكيش اليومين اللي فاتوا؟
أدارت عينيها بملل واضح من تلاعبه، ثم نظرت إليه بسرعة مرة أخرى، ووضعت يديها على خصرها، وأجابته بامتعاض:
وهتوحشني ليه؟! هو أنا أعرفك منين ما تخليك منطقي في كلامك؟!
رفع باسم يده يحك بها مؤخرة عنقه، مدمدمًا بحرج:
يخربيت أم الدبش اللي طالع من بوقك.
نهض من مقعده متوجهًا إليها، مهدئًا قليلًا من روعها وهو يتابع قائلًا:
خلاص ماتتوتريش أنا جنبك.
طالعته أبريل لثوانٍ، ثم لوت فمها بتهكم، وهي تردد داخلها:
وجودك أنت هنا موترني أكتر من اللي قاعد برا.
في نفس المنزل
تحديدًا على طاولة الطعام
كانوا يتبادلون أطراف الحديث، وهم يتناولون العشاء.
أنت ما أكلتش يا مصطفى الأكل مش عجبك ولا إيه؟!
أنهت سلمى سؤالها باستغراب مرتبك من صمته، ليرد عليها بلامبالاة:
ماليش نفس للأكل.. أبريل فين إيه مش حابة تشوفني؟
بررت ريهام له بدلًا من والدتها بنبرة لينة:
لا هي من ساعة ما خرجت من المستشفى وهي جوا أوضتها ماتطلعش منها إلا بسيط قوي حتى مابقتش تقعد تاكل معانا.
تلفظ مصطفى بلهجته الآمرة:
عايز أشوفها.
بس هي مش عايزة.
وصل رد يوسف الساخر بجمود إلى أذنيه لكنه لم يعلق عليه، فيما تدخلت سلمى في الحديث بصوت هادئ معتذر بعد أن نظرت لابنها بنظرة تحذيرية:
معلش يا مصطفى اديها فرصة تستوعب وتهدا ماتنساش هي صحتها لسه ضعيفة.
ردد مصطفى باقتضاب:
اديها فرصة!!
أخذ مصطفى نفسًا عميقًا، وهو يبتسم ببرود، وتابع بهدوء خطير لا يخلو من السخرية:
بالمناسبة سمعت إنكم اتفقتم مع صلاح على ميعاد الخطوبة بعد أسبوعين.. معلش عشان أكون فاهم ناويين تثبتوني لحد بعد فرحها يعني مش كدا!!!
رواية جوازة ابريل الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم نورهان محسن
الفصل الحادي والعشرون (اعتذار من الذئب) ج2
_تداهمني ثمة مشاعر غامضة اتجاهك!
_إذن، لا عليك أن تبحث لها عن تفسير، ولا تقحمني بها.
_كيف على ذلك؟ ونظرة خاطفة إلى فيروزيتك المستهجنة أضحيتا ملاذي، والارتشاف من رحيق شفتيك المغرية هي مطمعي وهنائي.
_لن أصدق ملاعيبك أيها الذئب الماكر، كحال رماديتيك المجنونتين كالبرق، عليك التراجع من حيث أتيت.
_فات أوان التراجع أيتها الهرة الشاردة، فقد عزمت على أني لن أدق جدران قلبك بمنتهى الرقة لأحصل على حبك، بل سأشعل نيراني في حصونك العاصية بضراوة مغرم لم تلتقِ بمثل عشقه أحدًا.
_لن أخضع لك بتاتًا حتى إن أحرقتني، فأنت تخوض مسارًا نحو المستحيل.
_ستنصهرين بين ذراعي كالشمعة التي وقعت في غرام اللهب.
_سأظل أبحث بين الدروب مهربًا، من حبك عاجلًا أو آجلًا.
_هذا التحدي يدفعني أكثر لأتبعك حتى النهاية أيتها العنيدة.
_سوف أتصدى لك ولهذا الشعور الغريب الذي يرتعد في قلبي حيالك.
_أخشى أن أفزعك بندقتي، لكن فرارك المستمر مني سينتهي به المطاف إلى هاوية الغرام معي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عند أبريل:
_إيه، على فين؟!
سأل باسم مستغربًا، وهو يتحرك خلفها فور رؤيته لها تتجه نحو باب الغرفة، لتجيبه بخفوت:
_على المطبخ.
استطردت أبريل موضحة، وهي تلتفت صوبه:
_هو بعيد عن الريسبشن يعني مش هيشوفوني، بس ضروري نحط تلج على الخبطة عشان بدأت تزرق وكدا هتكبر وتبقى قد الكورة الكفر.
ضحك باسم بخفة على مزاحها، وضيق عينيه الرماديتين بمكر يتناسب مع نبرة تساؤله:
_اشمعنا بالليل بس بتبقي دكتورة في نفسك وقلبك رقيق أوي كدا؟!
عبست ملامح وجهها من سخريته، وردت بسخط:
_تصدق أنا غلطانة.. خلاص خد بعضك وارجع مطرح ما كنت.
همت أبريل بالتقهقر عنه، لكنه أحكم قبضته على ذراعها، ومتلفظًا من بين ضحكاته الرجولية الخافتة:
_خلاص ماتبقِيش قموصة كدا.. أجي معاكي؟
أنهى باسم جملته بذلك الاقتراح، لكنها قابلته بالرفض القاطع:
_ما ينفعش، أنت مجنون افرض حد شافك.
مرر إصبعه على جسر أنفه الشامخ، وهو يقول بهدوء:
_طيب ما تتأخريش.
أومأت أبريل له بالإيجاب محذرة إياه:
_ماشي، اوعى أنت تخرج من هنا.
نظر باسم حوله بعد خروجها، وهو يمرر بصره حول المكان بملل من الانتظار، وهذا من أكثر الأشياء التي يكره تجربتها.
تنهد بعمق قبل أن يحدق في باب الغرفة بنظرة غامضة، وظهرت على شفتيه ابتسامة خطيرة لا تبشر بالخير.
خلال ذلك الوقت
عند مصطفى:
_بالمناسبة، سمعت إنكو اتفقتوا مع صلاح على معاد الخطوبة بعد أسبوعين.. معلش عشان أكون فاهم، ناويين تثبتوني لحد بعد فرحها يعني مش كدا!!!..
سلمى مبررة الموقف بصوت لا يخلو من الاضطراب:
_يا مصطفى، إحنا كنا مضطرين نوافق وإلا الجرايد ما كانتش هتسكت وتسيبنا في حالنا.
ابتسم مصطفى ببرود موازيًا لنبرته حالما تحدث:
_ما أعرفش ليه عندي إحساس إن الحكاية دي مطبخة من وقت طويل وأنا كنت آخر من يعلم يا سلمى.
تدخل فهمي محتجًا بصوت لا يخفى ارتباكه:
_ما يصحش الكلام اللي بتقوله دا!!
هز مصطفى منكبيه العريض بلا مبالاة، مغمغمًا بجمود:
_والله دا مش كلامي دا كلام الإعلام؟!
تلقفت ريهام الحديث من فم بمحايد:
_دي فبركة صحافة وأنت سيد العارفين، مش معقول هتاخد بكلامهم ولا إيه؟!
تحفز جسد يوسف، وهو يقول بدفاع عن أخته:
_وأبريل ما كانتش تعرف باسم ولا كان ليها أي علاقة بيه وهي مخطوبالك.
مصطفى بفتور:
_الكلام دا ما بقاش له أي قيمة عندي.
انقبضت ملامح الجميع باستثناء يوسف الذي تابع بصمت الحديث الدائر بينهما، فيما بدا الارتباك في سؤال سلمى المهتز:
_يعني إيه الكلام دا يا مصطفى؟
_يعني هأعرف كويس آخد حقي منها ومن اللي فضّلته عليا.. وأنت لازم تعرف إذا ما رجعتليش فلوسي اللي عندك يا فهمي هأنسى إننا قرايب يا سلمى وهأخلي المحامي بتاعي يمشي في الإجراءات القانونية ضدكم.
جفلت سلمى من إنذار مصطفى المباشر لهم، ثم استفهمت بارتياع:
_أنت بتقول إيه يا مصطفى.. أنت عايز تسجن جوزي؟!
احتدت لهجته قائلًا:
_جوزك اللي حط إيده في إيد ابن الشندويلي ووافق على خطوبته لبنته ورجع في كلمته معايا.. مستغربين ليه لما أرجع في كلامي أنا كمان.. أنا هأعرف أرد كرامتي اللي اتبعزقت تحت رجل عيلة صغيرة ما عرفتوش تسيطروا عليها.
سأله يوسف مستهزئًا:
_كنت عايزنا نعملها إيه!! هنجوزهالك غصب عنها..!!!
زجرته سلمى موبخة إياه:
_يوسف اسكت أنت ما تدخلش.
تجاهل يوسف تحذير والدته، متأهبًا للنهوض من مقعده، وهو يهتف بصوت ناقم:
_مش ساكت وأي حاجة هتمس بيها أختي من قريب أو من بعيد.. محدش ساعتها هيحاسبك غيري.
شعر فهمي بالتوتر السائد في الأجواء، فقال بصوت هادئ بعض الشيء:
_اتفضل معايا يا مصطفى نكمل كلامنا على انفراد.
استقام من مقعده بنظرة متعالية، وهو ينظر إلى ساعة معصمه ببرود:
_انتهى خلاص وقت الكلام ومن هنا ورايح هتشوفوا مني الفعل وبس.
انذهل الجميع من صرخات سلمى الحاقدة بوعيد بمجرد خروج مصطفى محاولة السيطرة على خوفها:
_أقوم دلوقتي أجيبلك بنتك دي من شعرها وأفرجها مقامها.
_أنا اللي هأقوم ألحقه.
هذا ما قالته ريهام بإيجاز، وهي تنهض من مقعدها تريد الهرب قبل أن تصب والدتها غضبها عليهم، لتستكمل سلمى بلوم غاضب:
_عجبك كدا بقى أنا أتهزق التهزيق دا من تحت راسها قليلة الرباية.
_والله أنتو اللي تاعبين دماغكم معاه على الفاضي.. دا آخره يهدد وبس.. الحكاية مادام وصلت للإعلام ما يقدرش يقدم أي شكوى ضدنا هيربطوا في ثواني بين الموضوعين وهيتأكد الكلام اللي اتنشر عليه.
تحدث يوسف بهذه الكلمات بنبرة جدية، ليؤكد فهمي بسرعة:
_يوسف معاه حق في اللي بيقوله.
اقترب يوسف من والدته، مردفًا بذات النبرة:
_يا ماما.. أبريل مش صغيرة مش هينفع تضحكوا عليها تاني.. فهو دلوقتي بيضغط علينا عشان نضغط عليها.. كل اللي يهمه إنه يكسرها بعد اللي عملته فيه.. وأنتوا بتساعدوا على كدا بالخوف الزيادة منه.
في ردهة المنزل:
_استني بس يا مصطفى هو دا اللي اتفقنا عليه؟!
توقف مصطفى عن المشي، حالما سمع صوت ريهام التي تهرول خلفه بسرعة، التفت إليها وقد استوحشت قسماته، وهو يرد عليها بلهجة قوية:
_أنا ما اتفقتش على حاجة يا ريهام.. كرامتي خط أحمر وأنتي عارفة كدا كويس.. ممكن أحرق أي حد إذا فكر يمسها وأختك ما توصتش وعملت كل حاجة تخليني مش بس أكرهها وأحقد عليها وبس لا.. أنا مش هتهاون لحظة واحدة في إني أرد اعتباري وكرامتي.
جاء جوابها فوريًا:
_هي غلطانة في حقك وإحنا كلنا متفقين على كده.. بس أنت كمان راعي إن الموضوع ما بقاش في إيدينا زي ما ماما قالت.. الكل بقى عارف إنها هتتخطب لباسم.. أنت ممكن تديها فترة كده يعني لغاية ما...
احتقن وجهه غضبًا، فور أن ذكرت اسم ذلك الباسم أمامه، لكنه تمالك نفسه ولم يعلق على كلماتها السامة، فقاطعها باقتضاب بارد:
_من الآخر أنتوا كل اللي يهمكم في الموضوع.. إن أبوكي ما يتسجنش.. وأنا ممكن أؤجل الإجراءات وأديكم فرصة تجمعوا المبلغ اللي عليكم بس مش هأصبر مش كتير.
أومأت ريهام له بالموافقة، وهي تحرك شعرها خلف ظهرها بنعومة، وهي تتحدث بوداعة خبيثة قاصدة استفزازه:
_ميرسي يا مصطفى.. وياريت تستنى على الأقل لحد موضوعها مع باسم ما يعدي والحكاية تتقفل..
يمكن وقتها تغير رأيها وهي اللي بتبقى عايزة ترجع لك.
رفع مصطفى حاجبيه بنظرة استنكار، قبل أن يرد بقسوة نابعة من عينيه مع نبرة صوته الممزوجة بالغطرسة:
"على أساس إني تحت أمرها؟ وقت ما تكون هي عايزة؟ وقت ما هي تقرر؟ ماتعقلي كلامك يا ريهام."
ابتسمت ريهام بنعومة تشبه خبث الثعابين، وقالت برجاء كاذب:
"معلش عشان خاطري يا مصطفى، اعتبرها آخر فرصة ليها."
منح مصطفى ذاته ثلاث ثوان في التفكير، قبل أن يومئ لها على مضض، بينما غافلاً عن وجود طرف ثالث كان يقف على بعد مسافة بسيطة منهم، يستمع إلى هذا الحديث الذي دار بينهما.
بعد عدة دقائق، عند أبريل.
غادرت أبريل المطبخ، وفي يديها قطعة من الثلج ملفوفة في كيس بلاستيكي. تطلعت حولها بحذر، لا تريد أن يراها أحد، ثم اتجهت بهدوء نحو الممر المؤدي إلى غرفتها.
في لحظة غفلة، وقبل أن تصل إلى الغرفة، وجدت من يسحبها إلى حضنه بزاوية خفية، فيما لم تتمكن شهقة ذعر من الهروب من حلقها بسبب اليد التي كممت فمها، ومنعتها من الصراخ، لكن ما هدّأ روعها هو معرفتها بهويته بمجرد أن اخترقت رائحة عطره القوية أنفها، مع وصول صوته الهامس إلى أذنها:
"ده أنا.. أنا باسم، ماتتخضيش."
ابتلعت لعابها بتوتر يجتاح جسدها، وهي تشعر بضغط ظهرها على عضلات بطنه القوية من الخلف، ليخبرها بتحذير خافت:
"هشيل إيدي ماتطلعيش صوت."
أومأت أبريل برأسها بالموافقة عدة مرات متتالية، فأزاح كفه من فوق شفتيها المتباعدتين قليلًا من الدهشة.
مرت عدة لحظات، عبرت خلالها تقى الممر المؤدي إلى المطبخ دون أن تلاحظ أي شيء غريب، بينما تنفست أبريل الصعداء، وقبل أن توشك على التحدث، شعرت بقبضة يده على معصمها، يجذبها بلطف خلفه، ليدلف بها غرفتها سريعًا، ثم تفاجأت بجسدها محصورًا بين جسده الصلب الذي أمامها والباب خلفها.
اندفعت حرارة الخجل إلى وجنتيها وهي محدقة فيه بحرج وعدم فهم، ولم تستفق من أفكارها إلا على صوت إغلاقه للباب بالمفتاح.
استجمعت أبريل رباطة جأشها بصعوبة، لتتمكن من دفعه بخفة في صدره بقبضتيها، فيما تارك باسم جسده يتراجع بمجرد أن أدرك خطورة قربه منها، لتهمس بصوت يشوبه الخوف والتعجب:
"أنت رعبتني.. إيه اللي خرجك؟"
أجابها بأنفاس لاهثة، وهو لا يزال على نفس وضعه:
"قلقت لما اتأخرتي."
تجاهلت باستصعاب خفقات قلبها العنيف داخل صدرها، الذي كان لا يزال يرتفع وينخفض من أثر المفاجأة، فاستنكرت بخفوت:
"هو أنا لحقت؟ كنت هتودينا في مصيبة..."
هذا ما قالته بنبرة قلقة، وهي تلوذ بالفرار من براثن ذراعيه بخوف استشعره باسم وهو يراها تقف في منتصف الغرفة تعدل حافة بيجامتها، حتى جاء إليها صوته المتسائل بعدم رضا:
"ليه نظرة الخوف اللي كانت في عينك دي مني وأنا ماسكك برا؟ أنا مش هاكلك؟"
ارتفع حاجباها باستعجاب قبل أن تغمغم بغضب مستنكر، وهي لا زالت توليه ظهرها:
"بجد بتسأل؟"
عقدت أبريل يديها على صدرها، وهي تتجه نحوه، لتستأنف حديثها بسخرية لاذعة:
"لحقت تنسى بالسرعة دي تحرشك بيا واللي عملته فيا؟ ولا أنت متعود على كدا فمابقتش مركز؟"
تركزت عيناه على خاصتها، وخرجت منه تنهيدة حارقة، مع اعترافه الهامس بصوته الرجولي الحاد:
"عارف إني زفت وصايع.. بس عمري ما كنت حيوان عشان أفرض نفسي على بنت، فهمتي؟ اللي حصل مني في حقك غلطة وندمان عليها وبحاول أكفر عن ذنبي معاكي.. بس مش هسمحلك تفضلي تهينيني بالشكل الجارح ده تاني."
أنهى باسم جملته موليًا ظهره لها، بينما اعتراها الندم على تسرعها، بعد أن لاحظت نبرة الألم في صوته.
فغرت فمها عازمة على الكلام، لكن شعرت بالحروف منحصرة داخل جوفها، فأغلقته وقد أصابها الإحباط بعض الشيء، قبل أن تسير بهدوء نحو الأريكة، لتلتقط شيئًا منها، ثم عادت إليه ومدت يدها نحوه، لينظر بعينين ضيقتين إلى قطعة الشوكولاتة بين أصابعها وابتسم رغمًا عنه متسائلًا بذهول:
"بترشيني؟"
أطرقت أبريل رأسها، وهي تبتسم في حرج، لا تقوى على رفع عينيها إليه، ثم غمغمت له بمرح خجول:
"لا، بضيفك عشان أول مرة تشرفني هنا."
ارتفعت زاوية شفتيه بابتسامة جانبية على طريقة مراوغتها اللطيفة في الاعتذار:
"مقبولة منك مع أنك بتعزمي عليا من شوكولاتي."
رفرفت رموشها بارتياح، وهي ترى الابتسامة الخفيفة التي زينت ملامحه الحادة بالوسامة المهلكة، وهو يلتهم قطعة الشوكولاتة في فمه بتلذذ، لتجلي حلقها بخفة رافعة يدها أمام عينيه بكيس الثلج، لتذكره بما يجب عليهم فعله.
بعد قليل.
باسم يجلس على الأريكة قاطبًا حاجبيه بألم، وهي في مواجهته على الطاولة الخشبية، ممسكة بيدها مكعب ثلج على جبهته.
"عارف أن ده جه متأخر بس أنا متشكر على إنقاذك ليا مرتين.. مرة لما كنت بطلع في الروح والمرة الثانية لما أنقذتيني من الموقف البايخ كنت هتحط فيه."
خرجت تنهيدة حارقة من أعماقه، واستكمل بصدق:
"وأي كلمة آسف هتخرج مني مش هتكون كفاية على اللي عملته معاكي.. بس معرفش إذا هتصدقي ولا لا.. لكن والله العظيم معرفش إزاي عملت كدا معاكي دي.. أول مرة أقرب من بنت بدون رغبة منها.. ومستحقر نفسي ومش طايقها عشان مكنش من حقي أعمل كدا معاكي.. كنت زي أعمى لا لا كنت أعمى حقيقي.. ومتخيلتش إن ده كله هيجرالك بسببي.. شيطاني صورلي إن دي كانت لعبة بتلعبيها عليا.. يمكن لأنه صادف في أيام قليلة إننا اتجمعنا أكتر من مرة.. عارف ده مش عذر ليا.. وبجد دلوقتي ندمان وحقك لو شوفتيني واحد منحط.. أنا آسف على أي كلمة خرجت مني جرحتك ساعتها."
انتفض قلبها بين ضلوعها بلين، فور أن أحست أن هذا الاعتذار نابع من صميم قلبه، بالإضافة إلى ظهور ندمه جليًا على محياه، على الخطأ الذي ارتكبه في حقها والألم الذي سببه لها، ووجدت نفسها تقول بلهجة مترددة:
"كانت في حاجة حصلت عاوزة أحكيلك عليها!"
رواية جوازة ابريل الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم نورهان محسن
لمس بلطف جزءًا في قلبي، بينما كان كل شيء من حولي قاسيًا ومؤذيًا.
فتحت أبريل عينيها بعد أن استيقظت من نومها العميق، في صباح اليوم التالي على صوت رنين هاتفها.
نظرت إلى الساعة من خلال جفنيها المغمضين، وعلى الفور جحظت عيناها خوفًا من تأخرها في النوم حتى العاشرة صباحًا.
أخذت نفسًا طويلًا قبل أن تضغط على زر الرد، ليأتيها صوت رجولي جذاب يقول:
صباح الجمال.
عقدت أبريل حاجبيها اندهاشًا، وردت بنبرة ناعسة:
صباح النور .. مين معايا؟
أتاها صوته ببحة جذابة ممزوجة بالمكر:
بقي في واحدة تنسي صوت خطيبها حبيبها يا بندقة .. هتزعليني منك وأنا زعلي صعب قوي.
استقامت بظهرها على السرير بمجرد أن أدركت هويته، لتسمعه يتابع بنبرة أكثر خبثًا:
مجرباه أنتِ .. ولا دي كمان نسيتيها؟
جفلت خفقات قلبها خجلًا فور سماعها كلماته الوقحة، ثم دمدمت سخطًا من بين أسنانها:
أظاهر إن مفيش حل في قلة أدبك دي .. ثم أنتَ جبت رقمي منين؟
ختمت أبريل حديثها بذلك السؤال بحيرة، ليجيب عليها بشفافية:
لما سيبتيني عندك لوحدي في أوضتك وروحتي تجبيلي التلج.
استولت الدهشة على نطقها بسؤال مضحك:
يعني نشلت الرقم؟!
استمعت أبريل إلى ضحكاته الرجولية قبل أن يرد عليها بهمس ساحر أربك نبضها:
أعمل إيه في اللي مغلباني ومكنتيش راضية آخد رقم تليفونها .. مالقيتش غير إني اعتمدت على نفسي عشان أوصل لأرق بندقة شافتها عينيا.
انتفضت أبريل من الفراش واقفة بتوتر، وصاحت بنفاذ صبر:
ممكن تجيب من الآخر وتقولي متصل من النجمة عشان إيه؟
وحشتيني .. ربع ساعة وهعدي عليكي تكوني جاهزة عشان رايحين مشوار.
أنهى باسم كلامه بنبرة آمرة، وجاءها صوتها مستنكرًا ببحتها الناعمة:
دا إيه العشم اللي بتتكلم بيه دا وأنا أجي معاك مشاوير بأمارة إيه؟!
رد عليها ساخرًا:
بأمارة إني خطيبك يا قرة عيني .. ومش كل مرة هتقومي من النوم مشدودة فيشة مخك كدا.
قهقهت أبريل بشكل مصطنع، وهي تلعب بأطراف ضفيرتها الأشعث، وتضع يدها على خصرها قبل أن تخبره بترفع:
لذيذ قوي .. سوري مضطرة أحرجك وأرفض .. عندي انترفيو مهم خلي مشوارك دا يوم تاني.
حادثها باسم بصيغة مماثلة:
ماينفعش مشغول الكام يوم دول وبالعافية فضيت نفسي عشان نعمل المشوار دا.
استفهمت أبريل بفضول:
ويطلع إيه مشوار المستعجل دا؟
باسم بإيجاز:
لما أشوفك هقولك.
أبريل بحدة:
والانترفيو؟
باسم بتفكير:
هو ضروري يعني؟
هتفت أبريل بإصرار:
طبعًا ومهم جدًا كمان .. دا مستقبلي مش كفاية السفرية اللي فوتها عليا.
صمت باسم عدة ثوانٍ مفكرًا، ثم قال بهدوء:
خلاص جهزي نفسك وهعدي عليكي أوديكي الانترفيو .. وبعد الضهر نشوف مشوارنا يا روح قلبي.
هزت رأسها نافية، وكأنه يراها، قبل أن تهتف باعتراض متكهم:
لا ماتعديش .. مش عيلة هتوديني المدرسة؟
باسم بنبرة متسلطة:
لو بعد 15 دقيقة ماكنتيش قدام باب البيت واقفة ومستنياني الدقيقة الـ 16 هكون جوا أوضتك.
ما...
نظرت إلى الهاتف بعينين جاحظتين بعدم تصديق، حالما انقطعت المكالمة فجأة، وتمتمت بترنيمة غاضبة:
دا قفل في وشي بجد ماشوفتش حد قليل الذوق وبجح زي البني آدم دا .. يا لهوي لا يعملها المجنون دا!!!
هكذا أنهت حديثها مع نفسها بتوتر، وهي تتجه نحو خزانتها، وفي داخلها علامات استفهام كثيرة حول هذا الباسم الذي يبدو أحيانًا دافئًا وحنونًا عند الحديث معها، وأحيانًا أخرى يتحول إلى شخص جريء ومستفز ومتسلط، بينما بدأ عقلها في استعادة ما حدث بينهما الليلة الماضية.
flash back
جلسا كلاهما على العشب الأخضر في الحديقة الأمامية عند باب شرفة غرفتها، بناء على طلب أبريل، التي شعرت بالهواء من حولهما ينسحب بسبب حرجها من انفراده بها في غرفتها.
وما هربتيش ليه لما جبتلك الفرصة دي .. إيه غيرلك رأيك في يومين بس؟!
باغتها بهذا السؤال المباشر، حالما انتهت من سرد ما حدث في مقابلتها مع مراد، فيما صبغ الارتباك ملامحها واستملك بالقوة على نغمة صوتها عندما قالت:
يعني خطر في بالي إنه يكون فخ من مصطفى .. عشان كدا أنكرت خالص أي حاجة تربطني بيه .. وفهمت اللي اسمه مراد دا إن اللي اتكتب فعلًا إشاعة أنا...
تمركزت نظراته الثاقبة داخل فيروزيتها، محاورًا إياها بثقة:
حتى لو فخ .. أنتي متأكدة إنه كان هيسفرك .. وكان هيقدملك فرصة الشغل اللي بتحلمي بيها .. كان هيعمل أي حاجة يخليكي بيها تبعدي عني وتقربي منه تاني.
برمت أبريل شفتيها، وهي تفكر في صدق كلامه، ثم تمتمت بهدوء مخالفًا لاضطراب عقلها:
أقرب من واحد عايزني نزوة في حياته .. وكل الاحتمالات اللي قولتها أنا فكرت فعلًا فيها .. بس هو كان هيعمل كدا لوقت معين ولما يوصل لغرضه هيسيبني يعني في كل الأحوال هيرجع يغدر بيا.
تابعت بصوت يملأه العزم:
وأنا مش هرضاها على نفسي مهما كان التمن اللي هيقدمه ليا.
مرت ثوانٍ، وهو يفكر في شيء ما قبل أن يمد يده إلى جيب بنطاله الخلفي، ليخرج دفترًا، ثم أخذ يديها ووضعه بينهما، وهو يتحدث بصوت هادئ:
باسبورك دلوقتي بين إيديكي وليكي حرية الاختيار عايزة تكملي ولا لسه عايزة تهربي؟!
أخفضت بصرها إلى جواز السفر بين كفيها للحظات قبل أن تعيد نظرتها المتفاجئة من موقفه الذي تغير تمامًا في يومين فقط، ثم أجابته بنبرة صادقة:
لما كنت بهرب زي ما أنت مسميها دا عشان مكنش جنبي حد ولا في إيد بتتمد وتلحقني .. فكان لازم أعتمد على نفسي وآخد القرار لوحدي .. حتى لو هيوجعني .. حتى لو من جوايا مش عايزة أمشي .. يمكن اللي خلاني مهربتش المرة دي .. عشان مابقتش حاسة شايلة الشيلة لوحدي .. عشان بقي موجود للي يقاسمني فيها..
ولا أنت ناوي تخلع؟
مازحته همسًا مرتعشًا، تبعث الرعشات في جسدها فور أن مال بجذعه نحوها، ليمسح قطرات دموعها التي سقطت دون وعي منها، بينما هي محدقة في ابتسامة ذات جاذبية لا تقاوم تعلو فمه بعينين مهتزتين، ووجنتاها مشتعلتين خجلًا من صمته المربك، قبل أن تكمل قائلة بعذوبة مبحوحة نقشت على جدران ذاكرته:
إيه البصة دي خلاص ماتتغرش في نفسك قوي كدا .. يا رب ما نندمش على قراري دا بعدين.
ضحك بصوت عالٍ على مزحتها، قبل أن يخبرها بلهجته الواثقة الجذابة:
مش هتندمي .. تعرفي عجبتيني لما سمعت بحكاية حرقك لفستان فرحك قبل ما تهربي وكمان بتعجبني قوي نظرة القطة الشرسة اللي جوا عيونك دي انتقامها مش هين خالص.
تحولت نظراته اللينة إلى أخرى غامضة، وهو يتابع حديثه بهدوء يتخلله تحذير جدي:
بس القطط معروفة بغدرها .. وأنا الغدر عندي خط أحمر يا أبريل.
ضيقت أبريل عينيها بنظرات حائرة من تناقضه الغريب، لتقول بدهشة ملحوظة:
هي مش حاجة تضحك إن واحد بأخلاقك وطباعك بيكره الغدر؟
هب الهواء اللطيف من حولهم، مداعبًا شعره الناعم، ليرفعه عن جبهته كما يفضله، ثم سأل بصوت متعجب:
لدرجة دي فكرتك عني هباب قوي كدا!! ممكن أكون بكدب كتير وبخترع قصص أكتر عشان أمشي أموري وبعرف أتعامل مع البشر كويس وخصوصًا مع الستات .. بس عمري ما غدرت وصدقيني معنديش أي نية وحشة ناحيتك .. كل اللي محتاجه منك إنك ماتغدريش.
لمع الصدق في عينيها تحت ضوء القمر الذي يسطع عليهما من السماء المرصعة بالنجوم:
أنا مش غدارة .. لما عملت اللي عملته .. كنت في عز صدمتي .. مش سهل أبدًا تحط أملك وإيمانك في شخص ويخونك أو يغدر بيك أو يبيعك.
بس أنتي مكنتيش حاطة كل أملك في مصطفى ماتنكريش عشان شايفاها في عينيكي ..
والا ما كنتيش قدرتي بسهولة أوي كدا تسيبيه، ودا اللي مخليه محروق أوي منك.
تابع مؤكدًا، حينما لم يأتيه أي رد منها:
مادام ما جادلتِيش زي عوايدك يبقى أنا كلامي صح.
للمرة الثانية لم تعقب على ما قاله، بل وجهت له سؤالًا حذرًا:
ممكن سؤال وتجاوبني بصراحة؟
وافق بإيماء من عينيه، فتساءلت بحيرة:
إيه خلاك تسكت قدام الصحافة مع إن كان عندك فرصة تسكتني؟
يمكن اللعبة عجبتني.
رد عليها بلهجته العبثية بعد أن قرر أن يلعب معها قليلًا لتلطيف الجو الحزين الذي سيطر عليهم، فنفخت خدودها بتذمر محبب، وهي تقوم من الأرض:
تاني بتراوغ، مفيش فايدة فيك.
نهض خلفها على الفور، ولف أصابعه حول عضدها بعد أن دلفت إلى الداخل، جاذبًا إياها نحوه بخفة، وقال بغضب مكبوت:
ما انتي كمان بتمشي من دماغك وأنا ما كلمتش.
ارتجف جسدها نتيجة اقترابه الشديد، فتقهقرت خطوة إلى الوراء بعد أن سحبت ذراعها من قبضته مع الدهشة الواضحة في سؤالها:
يعني إيه مش فاهمة؟!
ضاقت عيناه الرماديتان بنظرة خطيرة، واقترب منها خطوة مجيبًا سؤالًا بسؤال مستعجب:
بتركبي عربية مع ناس غريبة ليه؟! تعرفيهم قبل كدا عشان يقولوا لك تركبي تروحي تركبي ببساطة كدا!!!
تراجعت أبريل خطوة إلى الوراء، وسألته وهي تشير إليه بإصبعها السبابة باستهفاف استفزه:
أومال كنت هتصل بيك قبلها عشان أستأذن منك مثلًا؟!
أنهت عبارتها بسخرية تامة، ففرك ذقنه الخشنة بأصابع يده مرددًا بهدوء غريب يحتوي على الغضب والسخط من هذا التصرف الأحمق من جانبها، حتى لو كان هذا الموقف من تخطيطه الخاص:
بتتريقي صح.. وفيها إيه لو اتصلتي تاخدي إذني قبلها؟!
مع كل كلمة كان يخطو نحوها خطوة، وهي تتراجع خطوة مماثلة إلى الخلف، ناظرة إليه بعينيها الساحرتين بتحدٍ يتناسب مع لهجتها الساخرة:
وأنا آخد إذنك عشان إيه فاكر نفسك مين..؟
أخذ خطوة أكبر إليها، فابتعدت بسرعة إلى الخلف، فاصطدم ظهرها بالحائط مما جعل صرخة خافتة تهرب من بين شفتيها، وهو يدنو إلى مستواها، في مواجهة عينيها بخاصته الرماديتين اللتين أشعل بداخلهما شغفًا غريبًا، وهو يتمتم بهمس تحذيري:
وبعدين في لسانك اللي أطول منك دا...
حبست أنفاسها في صدرها بترقب خائف لمع بفيروزيتها، فأضاف بحزم صارم:
مهما حصل بعد كدا ما تركبيش عربيات مع أي حد ما تعرفيهوش فهمتي ولا أعيد من الأول؟
أدارت رقبتها إلى اليسار بانزعاج، وهي تمسح الرذاذ الذي خرج من فمه أثناء حديثه متطايرًا عليها، مرددة على مضض، وهي تدفعه بعيدًا عنها بنفاذ صبر:
طيب.. بس كفاية تفافة بقى.. كفاية هتخرم عيني!!
نفخت الهواء من صدرها بارتياح عندما ارتفع بقامته، وتراجع خطوتين إلى الخلف، فنظرت إليه متحدثة بصوت مرتبك، مغيرة مجرى الحديث:
إيه حكاية البنت اللي كانت معاك في المطعم.. أنت كنت بتقدملها خاتم خطوبة مش كدا؟
نظر إليها باسم بصمت للحظات، مصدومًا من سؤالها، قبل أن يدير لها ظهره، ويتجه نحو الأريكة، ليجلس عليها ويجيبها بهدوء:
حاجة زي كدا.. بس أنا كنت ناوي في الحفلة أعرفها بعيلتي.
تقدمت منه أبريل، وجاورته على نفس الأريكة، ولكن حرصت على ترك مسافة بينهما، ثم تابعت أسئلتها بتوجس:
وليه ما كانتش موجودة؟
استرخى في جلسته، شابكًا يديه خلف رأسه، ونظر إلى الأمام، وخرجت من جوفه تنهيدة عميقة:
عشان غدرت بيا.. وما جتش في الميعاد وسافرت.
اتسعت عينيها بدهشة، ثم وجهت إليه اتهامًا مندفعًا:
دلوقتي بس فهمت أنت استغليتني عشان تنقذ موقفك قدام عيلتك.
أعاد عدستيه الفضية إلى فيروزيتيها متلاطمة الأمواج، يتعمق في بحورها، ليقول بصوت أجش:
أنا وأنتِ استغلينا بعض.. أنا وأنتِ احتاجنا نفس الحاجة في نفس اللحظة.
أربكها تحديقه المستمر لها، فعقفت حاجبيها، وقالت باستفهام ناعم النبرة:
وهي سابتك ليه؟
رفع باسم كتفيه العريضتين متظاهرًا بأنه لا يعرف، ثم تمتم بذات النبرة، وهو يتأمل ملامح وجهها الرقيق:
بس عارفة أنا حاسس دلوقتي نفس إحساسك ناحية مصطفى.. عشان ما كنتش حاطط أملي الكامل فيها.
انكمشت ملامحها باعتراض على حديثه، وردت بلهجة حانقة:
ما تقارِنش نفسك بيا أنا كنت هتجوز ودلوقتي كان زماني بخطط لجوازي.. كنت مبسوطة وأنا بختار جهازي.. بس أنت كان باين عليك إنك بتستغل البنت دي لغرض في دماغك.. تقدر تنكر؟
ابتسم لها ببرود مستفز، قبل أن يتمتم بخفوت:
لا ما بانكرش.
حمحم باسم بخشونة، وتابع بنبرة أكثر اتزانًا وعمقًا:
خلينا في الأهم لازم نحاسب كويس جدًا على تصرفاتنا قدام الناس ونبقى مخططين لخطواتنا وكلامنا مع أهالينا فهمتِ.. إذا حصل أي غلطة أو غدر من واحد فينا للتاني دا هيخسرنا كتير.. الطريق دا اتجاه واحد يا أبريل وهنكملُه مع بعض للآخر.. لحد ما تعدي فترة معقولة وكل واحد مننا يروح لحاله بكل احترام ومن غير فضايح.. والا ناس كتير جدًا هيشمتوا فينا وأولهم خطيبك السابق.
ابتسمت أبريل بخفة لانعكاس صورتها في المرآة، ولسانها يردد مع كلمات الأغنية التي تسمعها من خلال هاتفها، ثم مررت أصابعها على جديلتها الشقراء ذات اللون البني الداكن، ونفضتها خلف ظهرها، وهي تتساءل بداخلها بشرود هل حقًا كانت تظلمه؟ هل من الممكن أن يكون فعلًا جديرًا بالثقة؟
لما لا تعطيه فرصة لتختبر مصداقيته معها؟
ألقت نظرة أخيرة على ملابسها التي تتكون من بدلة باللون الأخضر نسقتها مع حذاء أبيض وحقيبة سوداء صغيرة، ثم استدارت وأخذت الملف الذي يحتوي على أوراقها، وغادرت الغرفة بهدوء.
في شقة حازم الأخ الأكبر لمنى:
ناوي تكلم عز على إمتى يا حازم؟
هذا ما سألته سوسن، وهي تجلس في غرفة المعيشة بجانب زوجة ابنها، فيما يرشف حازم من كوب الشاي قبل أن يجلي صوته ويتحدث بلهجة رصينة:
أنا شايف يا ماما إننا نصبر شوية عليهم.. خصوصًا إنه هو مستعد يستناها أعصابها تهدى.. يبقى خلينا نصبر ونشوف هي عايزة إيه وإيه قرارها النهائي على راحتها؟!
وافقت زوجة حازم على هذا الكلام بصوتها اللطيف:
أنا مع حازم في رأيه يا ماما.. خلينا نستنى لحد ما منى تشد حيلها وتقوم بالسلامة في الأول..
سوسن باعتراض:
لا لا أنا بنتي مش ممكن ترجع تاني للبني آدم دا.. كفاية اللي جرى لها لحد كدا على إيده إيه هستنى لما تروح مني خالص.
بعد الشر عليها يا ماما.. بس يكون في علمك منى غلطانة هي كمان اللوم مش عليه لوحده عشان ما نظلمش.
عارفة إنها غلطانة.. بس مش شايفة الحالة اللي هي فيها قلبها محروق ومكسورة من بعد اللي جرى لها..
مساء الخير.
قالتها منى بصوتها الناعم، فتهللت أسارير وجه سوسن البشوش من رؤيتها لها، وقالت بنبرة قلقة:
حبيبتي أخيرًا طلعتي من أوضتك حاسة بحاجة حاجة وجعاكي.
جلست منى على المقعد المقابل لها، مغمغمة بابتسامة هادئة:
ما تخافيش عليا يا ماما أنا الحمد لله أحسن دلوقتي.
سوسن بحنان:
دايمًا يا رب يا عيني تعالي اقعدي.
اتجهت بنظراتها صوب شقيقها، قائلة بنبرة متحشرجة:
حازم.. ممكن لو سمحت تكلمه وتحدد معاه ميعاد نروح فيه للمأذون عشان نطلق رسمي في أسرع وقت.
غلف صوتها جمودًا، وهي تنهي جملتها، مما كان له تأثير صادم في ذهن شقيقها الذي كان يعلم جيدًا مدى حبها لزوجها، لذا تأهب في جلسته إلى الأمام يتلفظ مستفهمًا:
أنتِ متأكدة يا منى دا اللي أنتِ عايزاه؟!
ردت بإيماءة تأكيد من رأسها، وفي داخلها تصميم على حرق ما بقي بينهما في أسرع وقت، متغافلة عن ردة الفعل التي سيتخذها هذا العاشق المجنون بمجرد وصول قرارها النهائي بالانفصال إليه.
رواية جوازة ابريل الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم نورهان محسن
لن يستمر قلبك المتمرد في العصيان أمام أفعالي المغموسة في العسل المسموم، الذي لا أصنعه خصيصًا لك فحسب، بل سأطعمك إياه بمنتهى الحنان حتى تخضعي لي، محيكًا مؤامرة عليك حتى تقعي في مكيدة حبي بكل إرادتك، ثم أتركك عاجزة عن النبض إلا بأمري.
داخل إحدى المقاهي الراقية.
تحدثت أبريل مبتسمة بامتنان:
"ميرسي على التوصيلة."
فرد عليها بالمثل قائلًا بصوته الجذاب الأجش:
"يا نصابة ميرسي واحدة بس دول مش كانوا ثلاث مشاوير؟"
ابتسمت بعذوبة، وهي تميل نحوه بجذعها عبر الطاولة، وأجابت بهدوء:
"ميرسي.. ميرسي.. ميرسي.. عشان الحق حق."
مال باسم صوبها بالمثل مغمغمًا بمكر رجولي:
"حاف كدا.. مفيش ميرسي بحضن.. ميرسي ببوسة أو بوستين أنا مش هأمانع."
تدحرجت عيناها إلى الجهة الأخرى في اليأس من نهجه الجريء معها، وهي تعود بظهرها على مقعدها، وبتجاهل تداري به ارتباكها، نادت على النادل الذي كان يقف أمام طاولة أخرى بجانبهم:
"لو سمحت."
التفت بإيماءة قبل أن يأتي إليهم قائلًا باحترام:
"تحت أمرك يا فندم."
أبريل بهدوء:
"ممكن شاي أخضر."
أومأ الشاب بابتسامة قبل أن يوجه سؤاله إلى باسم، الذي أشار بموافقته بإيماءة من عينه:
"تمام يا فندم والقهوة بتاعت حضرتك."
بعد قليل.
يجلس باسم يرتشف رشفة أخيرة من قهوته، وهو يتجاذب معها الأسئلة بهدوء:
"وانتي حابة تكوني مع أنهي شركة فيهم أكتر؟"
ردت أبريل بجدية:
"المختار جروب من ناحية الجودة والسمعة كويسين ومحترمين جدًا واشتغلت معهم فترة بسيطة في تدريبي."
سألها بحيرة:
"وليه مش حابة تبقي في الشركة عندنا؟"
هز حاجبيه قبل أن يردف بمشاكسة:
"ولا مش شايفانا قد المستوى المطلوب لمهاراتك؟"
كتمت أبريل ابتسامتها، ولوحت بكفها بلا مبالاة، تليها كلماتها الهادئة:
"بصرف النظر عن إنك بتتريق.. بس لعلمك كنت بتمنى أشتغل في الشندويلي جروب بعد التخرج."
واصل باسم أسئلته محاولًا فهم ما يدور برأسها العنيد:
"طيب ما إحنا لسه فيها إيه المانع؟!"
هزت رأسها رافضة لما يقوله، ثم شرحت له بصوتها الرقيق الذي لا يخلو من الجدية:
"ما بقاش ينفع خلاص أنا وإنت ارتباطنا مؤقت مش عايزة يحصل أي حساسيات قدام وبعدين أنا حابة أعتمد على نفسي إذا اتعينت عندكم هيعاملوني على إني خطيبة نجل السيد صلاح الشندويلي مش عشان مهندسة شاطرة."
قهقه باسم عليها بخفة، وهو ينظر إليها بعينين لامعتين بالإعجاب لعدة لحظات طويلة في صمت، قبل أن يمد يده إلى صندوق صغير على الطاولة مرددًا بابتسامة مهلكة:
"طيب يا خطيبة نجل الشندويلي.. اتفضلي."
رمشت أبريل عينيها عدة مرات باستغراب، وهي تنظر إلى الهاتف الذي أخرجه من الصندوق قبل أن ترد عليه دون أن تفهم:
"أعمل بيه إيه؟ معايا بتاعي؟"
باسم ببساطة:
"اعتبريه هدية."
ضيقت عينيها بدهشة، وسألته مرة أخرى باستنكار:
"هدية بأمارة إيه؟ بيني وبينك إيه عشان أقبل منك هدايا؟!"
رد عليها ضاحكًا:
"لسه حالا قايلة إنك خطيبتي.. اعمليها رنة لتليفونك.. عشان كل ما تنسي هي تفكرك وتوفري عليا أفكرك كل شوية."
تمتمت أبريل بصوت منخفض، وعلى شفتيها ابتسامة ساخرة:
"بس خطيبة مؤقتة."
تجاهل باسم الرد على جملتها الأخيرة، متنهدًا بصوت مسموع قبل أن يقول بحزم:
"القديم اللي معاكي دا ترميه.. وماتستعمليش غير دا وبس."
عضت شفتيها بغيظ من لهجته المتسلطة قبل أن تستفسر بامتعاض:
"أفندم.. ودا ليه إن شاء الله؟"
باسم ببرود:
"ياريت تنفذي اللي بقوله من غير سين وجيم."
احتدت نظراتها الغاضبة معارضة إياه بنبرة عنيدة:
"لا بقى مش منفذة غير لما أفهم.. إيه هو دا أنت شايفني بقرة قدامك عشان أهز دماغي وخلاص من غير ما أفهم."
رمقها بنظرات لامبالية مخاطبًا إياها بهدوء خطير:
"ما جاش في بالي تبقي بقرة.. كنتي في عيني قطة وديعة إمبارح بس قلبتي قطة شرسة تاني.. خلينا حلوين وبلاش تنرفزيني بكلمة لا بتاعتك دي ولا أسمعك بتنطقيها تاني."
أبريل بتحدي:
"ولو سمعتها واتنرفزت هتعمل إيه يعني.. ها؟!"
تأفف باسم بسأم:
"آه على العناد اللي مالوش أي مبرر."
دنت بظهرها عاقدة ذراعيها على الطاولة، وقالت بمشاغبة مندفع:
"لا بجد عندي فضول أعرف.. إيه هتسكتني ببوسة زي ما عملت قبل كدا لحد ما نفسي يتقطع وتوديني على المستشفى."
كتم باسم ضحكته بصعوبة، متعجبًا من تصريحها الجريء، لكن الأمر لم يفلت منه وهو يهمس بلؤم ماكر:
"ما تتحدنيش وافتكري كويس.. إنتي أغم عليكي من بوسة وإحنا مداريين تخيلي لو بوستك وسط العالم دي كلها هيجري فيكي إيه؟!"
تلونت وجنتاها باللون الأحمر القاني من جرأته الصارخة، وتسارعت نبضات قلبها من توترها الشديد، بمجرد أن نظر إليها بعزم، فنظرت إليه شرزًا وزمجرت بحدة:
"أنا قلتها لك قبل كدا إنت ما شوفتش بربع جنيه تربية.. واسمع كدا دي.. لا.. لا.. لا.. لا.. لا."
زوى حاجبيه بانزعاج من تعمدها إثارة جلبة حولهما، فاتسعت البسمة على شفتيها بعد أن نجحت في استفزازه، فيما نطق باسمها بتحذير لم تبالي به، مرددة بوتيرة بطيئة قاصدة مشاغبته:
"لا ولا.. ولاااا..."
باسم بانزعاج:
"افصلي.. خلاص.. عرفت في يوم خطوبة أختي إن تليفوني متهكر.. وفي نفس اليوم غيرته.. وعشان كدا مش مستبعد إن تليفونك كمان يبقى متهكر."
كادت عيناها أن تقفزا من محجريهما، شاهقة بصدمة:
"يا خبر أسود.. ومين اللي ممكن يكون عمل كدا؟!"
"ما أعرفش.. ودا مش موضوعنا التليفون دا عليه نظام حماية كويس يعني أمان خليه معاكي وفي شريحة."
تدحرجت فيروزيتها إلى الهاتف، وعيناها تلمعان بالحماس، ثم أجابت بأسف:
"بس دا أحدث موديل وغالي جدًا.. وأنا مش معايا تمنه دلوقتي."
هتف باسم مستنكرًا:
"أنتي عبيطة يا بنتي وهو حد كان طلب منك تمنه؟"
أومأت برأسها في استياء معلقة على حديثه باغتيظ:
"نعم يا أستاذ.. إنت هتبدأ من دلوقتي في التنطيط عليا عشان جايبلي تليفون ولا إيه.. قلت لك ما أقدرش آخده.. لو كان ضروري يعني شوفلي واحد تمنه في الحنين."
"دا الموجود.. وكويس ومضمون وهتاخديه كفاية فرهدة أنتي بتحرقي كتير في المناهدة بتاعتك دي."
"طيب ما دام مصمم خلاص.. بس لما نخلص من الحكاية السودة دي هرجعهولك."
أومأ باسم لها بالموافقة، وصمت لعدة ثوان وهو يفكر في شيء ما، قبل أن يميل نحوها فجأة، وهمس من بين شفتيه المضغوطتين:
"ماشي.. بس عارفة لو كان مصيره زي الفستان ورجعتيه محروق ولا مدشدش.. مش عارف ممكن أعمل فيكي إيه؟"
قضمت أبريل شفتيها بتوتر، إذ اقترب وجهه من وجهها وامتلأ رئتيها برائحة عطره المميزة أربكها بشدة، بينما لمعت عيناه بنظرة غريبة متابعًا حركة شفتيها الممتلئتين بإغراء، فيما ابتسمت مستفسرة بصوت مختنق:
"إنت هبيت فجأة كدا ليه الناس بتبص علينا؟"
استوى في جلسته وتحدث أخيرًا بعد صمت طويل نوعًا ما، ليخرج صوته متشققًا بمشاعر متضاربة:
"أنا بس بعرفك."
بعد عدة أيام.
سارت هالة في طرقات المستشفى بخطوات متوازنة، فأقبلت عليها طبيبة زميلة مبتسمة بلطف:
"صباح الخير يا هالة."
بادلها هالة التحية، وهي تبتسم بعذوبة:
"صباح الورد."
"ما كنتيش بتيجي ليه انشغلنا عليكي؟!"
"كنت واخدة في إجازة كام يوم و..."
قاطعها صوت رجولي من خلفها:
"صباح الفل."
التفت كلاهما نحو مصدر الصوت، وأجابت الطبيبة الأخرى:
"صباح النور يا دكتور ياسر."
ابتسم لها بود قبل أن يوجه سؤاله إلى هالة بلطف:
"إزيك يا هالة؟"
عاملة إيه؟
ردت هالة عليه مبتسمة بإيجاز: الله يسلمك.
استأذنت الطبيبة بهدوء، لتترك لهم مجالًا للتحدث، بينما تنحنح ياسر يجلي حلقه قبل أن يقول بلباقة: مش عايزك تكوني لسه واخدة على خاطرك مني بعد آخر حديث ما بينا.
أومأت برأسها متفهمة ولم ترد، فزفر الهواء من فمه بتوتر، مواصلًا حديثه: أنا مقدر إن أعصابك كانت مشدودة وأنا كمان يا هالة، بس أنا فعلًا مش حابب يطول سوء التفاهم بينا.. إحنا مهما كان زملاء في مكان واحد يا هالة.. ولا إنتي خلاص مش حابة تتعاملي معايا بعد كدا؟
نظرت هالة حول المكان قبل أن تعيد نظرها إليه، ليخرج صوتها من عباءة الصمت، تنتقي حروفها بجدية: مش هكذب عليك وأقولك إن الموضوع بالنسبالي عادي وعدى ببساطة.. لكن بفضل الله قدرت أتقبلت اللي حصل ومش حابة تكون في حساسية بينا لمجرد إن مفيش بينا نصيب.. إحنا هنفضل زملاء عمل زي ما أنت قولت يعني هنشوف بعض كتير.. وضروري نحافظ على الاحترام في التعامل مع بعض.
حك ياسر طرف أنفه دليلًا على حرجه من هدوئها وكلماتها الرقيقة معه، ليؤكد بضيق: طبعًا يا هالة، ربنا وحده العالم أنا قد إيه بحترمك ومكنتش حابب إني أخسرك.
هالة بابتسامة هادئة تنهي بها هذا النقاش: ربنا يوفقك ويسعدك.. معلش هستأذنك عايزني في الطوارئ.
ياسر بهدوء: بالتوفيق وهشوفك عن قريب تاني.
في فيلا صلاح الشندويلي
داخل غرفة باسم
_ باسم.. باسم.. فوق لي بسرعة.
هكذا صرخ عز بصوت صاخب، فغمس باسم رأسه في الوسادة أكثر، وهو يهمهم خلال نومه: سيبني وهقوم بعد شوية.
رفض عز بتصميم: لا انجز محتاجك حالًا.
قطب باسم حاجبيه منزعجًا من صوته العالي، ليهتف بتذمر ممزوج بالنعاس، وهو يلوح بيده في ضيق: يا أخي ما تسيبني أنا مش فايق لك.
لكزه عز بقوة على كتفه، قائلًا بلهجة مستهجنة: في حاجة ضروري، ما تصحى يخربيت برودك.
_ خلاص اتزفت..
صاح بهذه الكلمات بحنق، متكئًا على ظهر السرير وجفونه شبه مغمضتين، وهو يرفع يده ويعيد شعره إلى الخلف بعيدًا عن عينيه: ها عايز إيه من أهلي على الصبح؟
ضيق عز عينيه في دهشة تنضح في سؤاله، وهو يتفحص الكدمة الزرقاء الداكنة التي تزين جبين باسم: مين عامل فيك كدا؟
تأوه باسم بضجر، وهو يحك مؤخرة رأسه بنفاذ صبر، ليقول بوقاحته المعتادة: ما يخصكش.. ها انجز إيه المستعجل بتااا...
توقف باسم فجأة عن الكلام، وكادت عيناه أن تخرجا من محجريهما بمجرد أن قاطعه عز بهدوء، عاكسًا الحمم البركانية التي كانت تثور بداخله وهي على وشك الانفجار، وحرق الأرض الخضراء واليابسة: حازم لسه قافل معايا.. منى طالبة نطلق رسمي.
في غضون ذلك الوقت داخل المستشفى
_ شيء صعب لما تحسي بقلة اهتمام وأنانية من حد المفروض يهمه أدق تفاصيلك.
تحفزت حواس هالة عندما سمعت تلك الكلمات الغامضة منه بنبرته الرخيمة التي باتت تميزها، فالتفتت إلى مصدر الصوت بنظرة دهشة منه، فإذا رأته يقف خلفها مباشرة، ينظر إليها بنظرات ثابتة لا تستطيع أن تفك طلاسمها المعقدة، وهذا الأمر أحدث ارتباكًا في خلاياها، فسألته بتعجب: مش فاهمة تقصد إيه؟
أوضح فريد لها بلهجة تدل على عدم رضاه: أقصد من الشفقة على نفسك تفضلي متمسكة بوهم ولا عادي تسمحي لأنانية اللي بتحبيه إنها تأذيكي وتأثر عليكي وتصممي تتجاهلي وتصبري نفسك بأمل كداب.
ضاقت عيناها حنقًا قبل أن تهدر بنبرة خفيضة، وهي تلوح بيدها في الهواء احتجاجًا وتحذيرًا: أنا مقدرة اللي حضرتك عملته معايا يا دكتور.. بس مالكش أي حق تدخل في شؤوني.. دي حياتي وخصوصياتي وما أسمحلكش تتجاوز حدودك إحنا مش صحاب ع..
_ عارف كويس حدودي..
سيطر على فريد الغضب مع سماعه ردها، فقاطعها بنبرة صارمة جعلتها تبتلع لعابها بتوتر، وهو ينظر عن كثب إلى ملامحها الغاضبة التي كشفت عن سخطها التام، لكنها أضافت لها رونقًا جميلًا، وهذا لا إراديًا زاد من إعجابه بها أضعافًا مضاعفة، ثم استطرد بصوت رجولي بارد: بس أظاهر محتاج أفكرك إنك جراحة.. عشان شكل تاه عنك قد إيه شغلتنا حساسة وفي أرواح مسؤولين عنها مالهاش أي ذنب في مشاكلنا الشخصية اللي وسطيها نسيتي إن في مصاب مسؤولة عن حالته معايا وما كلفتيش نفسك حتى تعرفي إيه كان مصيره.
تباطأت نبضاتها وهي تشعر بقلق غريب من الجملة الأخيرة التي قالها، فأعادت كلماته بتوجس: تقصد بإيه تعرفي إيه كان مصيره؟!
فريد بقسوة باردة نابعة من شعور غريب، غزا أعماق قلبه حالما رآها واقفة تبتسم إلى ياسر: المصاب حصلت له مضاعفات وتوفى إمبارح بالليل يا دكتورة.
في تلك الأثناء
عند باسم
_ أنت هتفضل رايح جاي كدا كتير؟
انطلقت كلمات باسم موجهة لذلك الثائر الذي يطوف الغرفة ذهابًا وإيابًا كأسد محاصر وسط أعمدة قفص حديدي، يحاول أن يجد منفذًا يستطيع من خلاله المرور إلى العالم الخارجي دون جدوى، لينطق بصوت مختنق بما يراود عقله: حاسس نفسي متكتف وعقلي عطلان.
حثه باسم على الجلوس بجواره، وهو يشير إليه: طيب تعالَ اقعد خلينا نعرف نفكر..
نفخ عز بضيق، وهو يتجه نحوه، ويجلس على مضض بجواره على السرير، ليهتف بتعبير عابس: اترزعت.. أقسم بدين الله هاين عليا أخطفها وأخدها في أي حتة ومحدش يعرف لينا سكة ونبعد عن أي مشاكل.
علق باسم على حشو ابن عمه بتهكم ازدراه: تصدق بالله أنت تستاهل إنها تسيبك متلسوع كدا عشان تتربى.. فكك من التفكير المريض بتاعك دا؟!
هز عز رأسه بالسلب، وهو يرد بنبرة خفيضة معذبة: أنت ما جربتش تحب بحق وحقيقي يا باسم يعني صعب تفهم اللي حاسس بيه.
أخرج من فمه زفيرًا بمثابة نفحة من نسيم الجحيم الذي فتح بابه مرحبًا به في أحضانها الحارقة، مواصلًا بلوعة نابعة من قلب العاشق: جوا صدري نار قايدة من كتر ما بتجي لي أفكار مجنونة عايزة تتطلق وتبقى حرة وتبعد عني ومش بعيد بعد فترة تحب تاني وتتجوز وتعيش مع راجل غيري ويكون له نفس الحقوق بتاعتي عليها الفكرة دي لوحدها بتموتني والله ما هتردد لحظة ساعتها وممكن أرتكب جريمة فيه وفيها وأقتل نفسي بعديها.
_ أنت ما تفكرش نهائي بنرفزتك دي مش هتوصل لحاجة.. وموضوعك ليك عندي حله..
_ الحقني بيه.. أروح لها وأكلم معاها جايز..
قالها عز باندفاع، مما جعل الآخر يرمقه من زاوية عينه باستياء بدا واضحًا في صوته، عندما قاطعه بجدية: مش هتسمع لك ومش بعيد تصمم على اللي في دماغها أكتر والدنيا هتتعقد أكتر ما هي.. منى جابت آخرها منك وأنت متأكد من كدا.
أقر له بألم مشوب بالعذاب يتصاعد بقلبه: دا اللي مخوفني وأنا مش ضامن نفسي قدامها ممكن أعمل إيه؟! خايف أغلط وأعك الدنيا بزيادة..
هز باسم رأسه مؤكدًا، ثم بابتسامة خبيثة ارتسمت على مبسمه تشابهت مع نبرة صوته قائلًا: يبقى تاخدها على الهادي وبالطبطبة.. ومفيش مانع لو لاعبتها بشوية حركات لئيمة بس هتيجي في صالحك.
سارع عز بالقول: طيب ما تلحقني بشوية من أفكارك يا عم الداهية!!
عض باسم على طرف شفته بابتسامة شيطانية لا تليق إلا بدهائه، بينما الأفكار الخبيثة تدغدغ عقله: اتصل بيهم وبلغهم إنك موافق على طلبها.. بس هتأجل شوية عشان مشغول ووراك سفرية تبع شغلك مهمة.. هتقعد فيها مش أقل من أسبوعين تلاتة على حسب..
حرك عز رأسه بإيماء يوزن هذا الحديث في عقله، مستفهمًا بهمهمة: وبعدين؟
استكمل باسم بإيضاح نافد الصبر: ولا قبلين تاخد بعضك وتسافر لك كام يوم في أي حتة.. أنت لو فضلت هنا مش هتبطل زن عليك.. خليك ذكي واكسب وقت بتثبيتك ليها لحد ما تلاقي الوقت المناسب عشان تتصالحوا..
وانتهزها فرصة، غير جو وروق على نفسك عشان تقدر تفكر بتكتيك.
نظر عز إلى الأمام، وهو يفكر فيما سمعه، وخيم الصمت على الأجواء لعدة ثوانٍ قبل أن يمزقه باسم ضاربًا الآخر بكوعه في جنبه، وهو يزمجر بانزعاج:
"أنتَ لسه قاعد؟ قوم فز من هنا خليني أكمل نومي!"
"ماشي يا أبو الأفكار الجهنمية."
تمتم عز بهذه الكلمات بهدوء، وأشرقت ملامحه بابتسامة عريضة أظهرت أسنانه، مما جعله وسيمًا أكثر، منحنِيًا عليه، ممسكًا بوجهه، ليطبع قبلة قوية على خده الشائك.
دفعه بقوة في صدره، صارخًا في اشمئزاز غاضب، وهو يفرك خده بطرف الغطاء بقوة:
"الله يقرفك! هفضل أقولك لحد امتي مابحبش الحركة دي يا ابن الـ***!"
ضحك عز بصوت صاخب، متناقضًا مع حالته البائسة قبل دقائق قليلة، ثم اتجه نحو الباب ينوي الخروج، لكنه التفت إليه، وهو يغمز مازحًا على غرار أسلوب باسم، ليقول بتسلية:
"معلش اعذرنا، مااحناش في مستوى مززك يا فالنتينو زمانك."
في مساء نفس اليوم.
"مش فاهمة ليه العناد دا كله؟ هو أنتِ لسه واخدة موقف مني يا حبيبتي؟"
أنهت ريهام جملتها بسؤال هادئ لا يخلو من الضيق، حيث جلست مع أبريل في بهو المنزل، وتتجاذب معها أطراف الحديث منذ دقائق.
أجابتها أبريل نافية بابتسامة صغيرة:
"ماتفهمينيش غلط يا ريهام، أنا عارفة إنك حابة تساعديني، بس أنا وباسم هنكون كدا مرتاحين أكتر."
ريهام مستنكرة بغيظ:
"وهو إيه دخله دا؟ فستان خطوبتك ماله بيه؟ ما تفهميني فيها إيه لما تاخدي الفستان من الأتيليه بتاعي؟"
استوضحت أبريل بتنهيدة يتخللها اللامبالاة الخفية بالأمر برمته:
"الموضوع مالوش علاقة بيكي، الأتيليه اللي هو هيديني ليه صاحبته عايزة تجامله عشان شغل بينهم، هو دا كل الموضوع."
زفرت ريهام في استشاطة من خروج أبريل معه يوميًا، والبقاء معه لفترات طويلة، وهذا يعني أن هناك تقاربًا حقيقيًا بينهما، لتتمتم بلامبالاة زائفة ممزوجة بالحقد:
"طيب يا أبريل على راحتك، بس ما أخبيش عليكي أنا قلقانة عليكي."
لفت كلام الأخرى انتباه أبريل، لتعقد حاجبيها الرفيعين باستفهام بزغ في سؤالها:
"قلقانة من إيه؟"
"من موضوع ارتباطك بباسم، أنا عارفة إنك بتحبي الإنسان الصادق والواضح، وباسم مش كدا خالص، هو مش مناسب ليكي، يعني واحد زيه علاقاته بالبنات الكتير اللي بيعرفهم مش هيريحك، وكل كام يوم والتاني بيطلع عليه إشاعة أنقح من اللي قبلها، دا غير إنه لعبي قوي ومستهتر."
ابتسمت ريهام بمكر خفي، وهي ترى الوجوم الساطع على ملامح أختها التي كانت تنظر إليها بتركيز منتظرة أن تكمل حديثها، وهذا ما فعلته متظاهرة بعدم الاهتمام بالأمر وأضافت بنعومة:
"أنا أعرفه من وهو عيل صغير، طول عمره مدلع جدًا، لو كان يطلب أي حاجة أو يشاور عليها على طول بيجيبهاله، وبعد كام يوم يرميها أو يركنها ويقول مش عجباني وزهقت منها."
ربتت على كتفها بلطف مبالغ فيه، وبتخابث أنثوي ينضح في ثنايا كلماتها المسمومة تابعت:
"عشان كدا خايفة وقلقانة لا يكون منبهر بيكي عشان لسه علاقتكم في أولها وبعدها يتغير معاكي وترجعي تزعلي."
جاء رد أبريل الواثق، محطمًا سقف آمالها في تخريب علاقتها به فوق رأسها:
"لا ماتقلقيش عليا يا حبيبتي، أنا وهو لسه بنعرف بعض، وكمان حاسة إن في بينا تفاهم، واللي عجبني فيه إنه كان واضح وصارحني بكل حاجة لسه قايلها من البداية."
حوالي الساعة الحادية عشر مساءً.
عند باسم.
داخل الفناء الخارجي لمقهى في حي يعج بالحشود والتجمعات.
"أخيرًا يا أخي نزلت وشوفت ناس من عشر أيام، أنا كنت قربت أنتحر من قعدة البيت دي لوحدي، والله لميس هي اللي كانت مصبراني على اللي أنا فيه."
خرجت هذه العبارة من فم خالد، أعقبها نفس عميق من صدره، وعلى وجهه ابتسامة رائعة مليئة بالحب، فضحك باسم عليه قائلًا بسخرية:
"ما أنتَ اللي عامل فيها روميو بقى وعايش الدور قوي."
سأله خالد بخبث مماثل:
"وأنتَ مش عايشه يعني؟!"
ارتفعت ضحكاته عندما تبادر إلى ذهنه تلك القزمة المتمردة، قبل أن يخبره بنبرة شفقة عن حاله الذي لم يخلو من المرح:
"عايش إيه! دي مطلعة عيني، بس والله جنونها كدا ليه لذة ومسلي."
"ماشي يا عمنا، ها إيه بقى الحاجة اللي قولتلي في التليفون إنها مهمة قوي كأنها سر قومي دي؟!"
"مش سر ولا حاجة، بس مابقتش برتاح للكلام في التليفون في حاجات مهمة بعد حركة ريهام معايا ومع أبريل كمان."
قهقه خالد بتعجب:
"والله دماغها سم حتى أختها ما سلمتش منها، وماقولتلهاش طبعًا."
هكذا استفهم خالد في نهاية عبارته، فأجابه باسم بالنفي:
"أكيد لا ما جبتش سيرة ليها بحاجة."
"طيب ما علينا خلينا في المهم، إيه الموضوع؟"
دنى باسم بيده ليمسك كوبًا من مشروبه الغازي، ورفعه إلى فمه، متجرعًا منه ليروي حلقه الجاف من العطش، قبل أن يقول له ببرود مبحوح:
"في احتمال كبير إن أبريل ترجع لمصطفى تاني."
اندهش خالد من حديثه بحاجب مرفوع:
"ترجع له إزاي يعني؟ قالتلك حاجة؟"
"لا سمعت."
أجاب باسم بإيجاز، وهو يطوي ذراعيه على صدره، موزعًا نظره في المكان فتمتم خالد بسؤال مهتم:
"سمعت إيه؟"
صمت قليلًا يعود بذاكرته إلى ذلك اليوم الذي كان فيه مع أبريل في غرفتها قبل أن تتركه لتذهب حتى تأتي له بالثلج، فتبعها إلى الخارج، ليسمع الحديث الذي دار بين مصطفى وريهام دون أن يشعرا بوجوده، قبل أن ينفض هذه الأفكار من عقله، وهو يجيب بشرح جدي:
"مصطفى له فلوس عندهم، لما دورت ورا الموضوع فهمت إنه كان داخل شريك في البناء مع سلمى في الأوتيل بتاعها، دا غير ديون على فهمي وشيكات بتمن توريدات من شركة مصطفى للأوتيل وطبعًا كله متقيد على النوتة ما بيدفعوش، وبعد حركة أبريل بدأ بيساومهم يا يدفعوا أو يتجوزها، مش حبًا فيها طبعًا، بس عشان ياخد حقه من اللي عملته فيه، وتخيل بقى كل ده بمساعدة مين! أختها حبيبتها، ريهام."
اتسعت عينان خالد من الصدمة، وهتف مستنكرًا:
"يخربيت أبو جحودها! الست دي إيه! ملهاش آخر خالص!!!"
جاب المكان بنظرات هادئة تعكس الغضب الذي يدور بداخله، قبل أن يعلق على كلامه بسأم:
"لا ملهاش، ولا دا اللي بفكر فيه، أنا دلوقتي اللي شاغلني إني مش ضامن رد فعل أبريل لما تعرف."
"دي مش محتاجة تخمين، لو عرفت هتكون بين اختيارين يا تكمل في لعبتك، يا تنقذ أبوها من السجن، وما أعتقدش إنها تختار الخيار الأول مهما كان ده أبوها."
رد عليه بهدوء يغلفه البرود:
"عشان كده مش عايزها تعرف أي حاجة عن اللي بيحصل حواليها، عشان لو عرفت من حد منهم ساعتها هيقدروا يأثروا عليها، ووقتها مش هعرف أخلص من ريهام، وكمان أنا مش هدي لمصطفى فرصة إنه يكسبني في التحدي ده، خصوصًا إن بدأت خيوطها تتلف حوالين صوابعي وتطمنلي يعني قريب هعرف أرقصها لمصلحتي زي ما أنا عاوز."
أضاف بجحود يلائم الابتسامة الجانبية التي ارتفعت من زاوية فمه، مليئة بدهاء الذئب الذي قرر الانتقام بطريقته الخاصة، وهو على ثقة كبيرة من نجاح خطته الماكرة:
"كل اللي محتاجه بس شوية وقت، على الأقل ليوم خطوبتنا، بعد كدا هتلاقي نفسها قصاد أمر واقع بعد ما تنصدم بالمفاجأة اللي محضرها لها."
رمقه خالد بعينين ضيقتين بعدم ارتياح صدح في نبرة صوته الخشنة، وهو يقول محذرًا:
"ألغازك كترت وشكلك هتعك جامد قوي يا باسم الفترة الجاية، بس افتكر أنا حذرتك لو اللعبة اللي بتلعبها قلبت بجد، أنتَ أول واحد هتطلع منها بخسارة كبيرة."
رواية جوازة ابريل الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم نورهان محسن
قلبي وروحي في بحارك سابحه
وشراع عيني في عيناك ساريه
إني رسمتك في خيالي جنانًا عاليه
فيها الطيور بكل لحنٍ صادحه
والشعر يروي من عيناك
سحر القوافي للفؤاد مصافحه
كلي عشقتك وقد ملكت الفؤاد والمُقل لم يبقَ مني في الجوارح جارحه
وإذا بليت من الأنام بحاسدٍ
أرقيك بالآيات بعد الفاتحه
كن واثقًا بالحب دومًا
للحب يابن الناس أيدٍ صالحه
حين القلوب من المحبة ترتوي
تمسي وتصبح للحبيب مسامحه
بالحب تاجر في حياتك كلها
إن التجارة بالمحبة رابحه
في توقيت الظهيرة
داخل مقر لأزياء العرائس
قالتها سيدة في الأربعينيات من عمرها، أنيقة المظهر، بترحيب بالغ، وهي تنهض من خلف مكتبها لتصافح باسم الذي قال مبتسمًا بلطف:
"منور بيكي يا كاميليا، مبروك على التجديدات."
"وأنت كمان ألف مبروك على الخطوبة."
أردفت مبتسمة بثناء:
"عروستك زي القمر ما شاء الله."
قالت أبريل بلطافة:
"ميرسي أوي، كلك ذوق."
تدخل باسم في الحديث بهدوء، مشيرًا إلى المرأة وهو يضع يده في جيب بنطاله:
"اشتغلنا كتير مع بعض، وهي من أحسن تلاتة فاشن ديزاين ناجحين في مصر."
ضحكت كاميليا بنعومة، وهي تمسد على شعرها قبل أن تقول بامتنان:
"ميرسي أوي يا باسم، هو على طول كده مجامل بزيادة، اتفضلوا استريحوا."
وبعد فترة قصيرة، انخرطا في أحاديث جانبية قبل أن تستثني كاميليا نفسها منهما بلباقة ودودة:
"معلش مضطرة أقوم، في ميعاد مع عميلة، هخلصه وأرجعلكم، وعلى ما تشربوا العصير يكون الكولكشن الجديد عندكم، وطبعًا مش محتاجة أقولكم المكان بتاعكم، خدوا راحتكم."
وفور خروجها، ارتشفت أبريل من كوب العصير الخاص بها، وهي توزع نظراتها في المكتب بهدوء، بينما كان باسم يحدق بها في صمت، وهو يجلس على الأريكة الجلدية، وهي في مقعد فردي، فسمعته يسألها بصوت هادئ:
"إيه مقعدك بعيد كده؟ تعالي جنبي عشان نعرف نختار مع بعض."
أومأت أبريل له بالموافقة، ونهضت من مقعدها، لتتجه نحوه وحالما وقعت عينيها إلى المكان الصغير في نهاية الأريكة بجانب حافتها حيث يشير إليها، تجعدت حاجبيها بعدم رضا، وردت هازئة بخجل:
"والله ما تاخدني على رجلك أحسن."
عبست معالم وجهه الوسيم، قبل أن يمسك رسغها، وسحبها نحوه، في الوقت نفسه تحرك قليلًا من مكانه ليهيئ لها مكانًا جيدًا لتجلس بجانبه، معلقًا على حديثها بوقاحته المعهودة، وهو يحاوطها بذراعه:
"دعوة حلوة وجريئة منك، بس أنا عامل حساب لإحراجك يا أم لسان زي المبرد."
بعد قليل
"اخترتي إيه؟"
قالها باسم بتساؤل، فأجابت أبريل بإحباط، وعيناها تفحصان التصاميم باهتمام:
"ولا واحد لافت نظري."
أشارت الفتاة بيدها نحو المجلة، مقترحة عليها بذوق:
"طيب شوفي ده يا آنسة، تصميمه هادي زي ما أنتي حابة ومناسب لطولك."
أومأت أبريل برأسها مجيبة عليها، وهي تضم يديها الاثنتين معًا بتوتر:
"هو موديله شيك وحلو أوي بس مش حباه."
رجع باسم إلى الخلف، ليتكئ بأريحية على ظهر الأريكة، ويضع ساقًا فوق الأخرى، وهو يقول للفتاة بكياسة:
"يا ريت توريلها كولكشن غيره."
"تمام يا فندم."
التفت باسم نحوها برأسه، وهو يسألها سؤال مباشر بصوت أجش:
"بصراحة كده أنتي مش حابة المكان ومش عايزة تنقي الفستان من هنا عشان عايزة نروح لأتيليه أختك؟"
رفعت أبريل حاجبيها مستغربة من سؤاله الذي لم تفهم معناه الذي قصده، إذ هزت رأسها سلبًا، وهي تجيبه بنبرة صادقة:
"لا خالص، أنا مش حابة أروح هناك."
تنهدت أبريل بقوة، وخاطبت نفسها سرًا:
"بالعكس أنت اديتني حجة تعفيني من إني أروح عندها مع إنها عارفة الحاجة اللي بفضلها ومناسبة ليا، بس كده أفضل للكل."
"طيب إيه الذوق اللي يناسبك قولي عشان ما نضيعش وقت الناس في الفاضي، الألوان مش عاجباكي؟"
"المشكلة مش في الألوان."
تعجب باسم مما سمعه منها أكثر، ليسألها باندهاش:
"أومال إيه فهمني بدل الحيرة دي؟"
دحرجت أبريل عينيها عنه بتوتر، ليراقب هو شفتيها ترتجفان، وهي تجيب بصوت منخفض متذمر لا يخلو من حرج:
"كلهم يا كتافهم عريانة، يا إما بعد رقبة باين أوي."
تفاجأت أبريل بصمته، فنظرت إليه مرة أخرى، لتجده يتأملها بنظرة غامضة لم تفهمها، فسألته قائلة:
"بتبصلي كده ليه؟"
أجابها باسم متنهدًا بعد برهة:
"كل شوية بتفاجئيني بحاجة مش متوقعها."
رمشت أبريل بأهدابها عدة مرات قبل أن تقول باستفسار:
"زي إيه؟"
مط باسم شفتيه، ثم رد بهدوء يكسو ملامحه:
"يعني معروف إن البنت في يوم خطوبتها أو جوازها بتحب تلبس حاجة ملفتة وجريئة عشان تبان في أجمل صورة."
رفعت أبريل ذقنها، وسألته بخفوت حذر:
"أفهم من كده أنت تقبل إن خطيبتك تقعد جنبك وهي لابسة فستان زي ده كده؟"
"في عريس يوم خطوبته ينفع يجي ناسي يلبس كرفتته؟"
رفعت أبريل كتفيها، وأجابت ببساطة:
"لا!"
نظر باسم إلى داخل فيروزيتيها التي تتلألأ بترقب، منتظرة كلماته التالية، ليهدر بثبات مزين بشيء من الحدة:
"لا ممكن ينفع في حالة واحدة لما أشنق كرامتي بالكرافته قبل ما أجي آخدك من بيت أبوكي بقصاصيص فستان زي اللي في الكتالوج ده."
ارتفعت ضحكاتها برقة على تعبيره الساخر، ثم ردت بحيرة وتهكم:
"قصاصيص! ولما أنت معترض كده كنت بتخليني أتفرج عليهم ليه؟ افرض كان واحد فيهم عجبني وصممت أخده؟"
شقت الابتسامة ثغره، وهو يدنو منها، ويجيبها بنبرة واثقة:
"لو مش واثق إنك هترفضي ما كنتش خليتها توريهولك."
اهتزت حدقتاها من قربه الذي يخطف أنفاسها، وشعرت بحرارة قوية تسري في جسدها من شدة التصاقه بها، إلى جانب ثقته الغريبة في حديثه، وعلى الفور أشاحت بوجهها عنه، وسألت بارتباك ملحوظ:
"وأنت جبت منين الثقة دي؟"
أدار وجهها إليه بأطراف أصابعه، وهو يهمس أمام شفتيها المرتجفتين غامزًا بمكر ممزوج بالغموض:
"ما أقدرش أقولك على مصادري."
خلال ذلك الوقت
في مطعم على ضفاف النيل
"تحبي تتغدي إيه؟"
أنهى خالد سؤاله باهتمام، فرفعت كتفيها ببساطة وقالت بصوتها الهادئ:
"مش جاي على بالي حاجة معينة، اللي هتطلبه هاكل منه."
أغلق خالد قائمة الطعام، ووضعها على الطاولة، قائلًا بابتسامة:
"خدي وقتك في التفكير وقوليلي حابة إيه؟"
التوى فم لميس ببسمة غاية في الجاذبية والسحر تطابقت مع نبرة صوتها الناعمة بمجرد نطقها:
"قول على طول إنك عايز تعرف أنا بحب إيه في الأكل."
رفع حاجبيه في تعجب، وهو يداعب شعره ببعض الإحراج قبل أن يتمتم بصوت رجولي حلو:
"باين عليا أوي لدرجة دي أنا شفاف قدامك."
نظرت لميس إليه عدة لحظات قبل أن تهمس بصدق:
"ودي أكتر حاجة مريحاني من ناحيتك يا خالد."
أخفض عينيه الخضراوين مستمتعًا بنبرة صوتها التي تنطق حروف اسمه بحنان طبع في ذاكرته، وجعله يزفر أنفاسه الساخنة من صدره المثقل بمشاعره القوية تجاهها، ثم قال بنبرة دافئة مغايرة مع خشونة صوته:
"خالد حابب يعرف عنك كل حاجة."
من أصغر تفصيلة لأكبر تفصيلة فيكي، وأكون أقرب ليكي من كل الناس.
بللت لميس شفتيها بخجل، وتحدثت بخفوت رقيق:
واحدة واحدة وهنعرف عن بعض كل اللي محتاجين نعرفه، ماتستعجلش.
بعد مرور فترة وجيزة، داخل حجرة صغيرة لقياس الملابس (بروفا)، تقف أبريل تتنفس باضطراب، وهي تتذكر بتوتر ما حدث معها هذا الصباح، عندما أعلن هاتفها عن وصول رسالة نصية على موقع التواصل الاجتماعي.
فور أن قرأت كلماتها شعرت بنبضها يتسارع بعنف خلف قضبان ضلوعها:
العقاب لسه في أوله يا أبريل.. كرامتي اللي دوستيها قصادها هيكون أغلى حاجة عزيزة عليكي يا باشمهندسة.. مستقبلك وطموحك اللي كنتي بترسمي وبتتعبي عشان تحققيه ودعيه عشان كل سنين تعليمك وشهادة التخرج بتاعتك آخرها هتتعلق في ركن على حيطة أوضتك وبس.. نصيحة مني ايأسي وماتدوريش عشان مفيش ولا شركة هتعرفي تحطي رجلك فيها طول ما أنا حطك في دماغي.
هذه الكلمات السامة المفعمة بالحقد كانت مضمون رسالة مصطفى الشامت لتدرك من خلالها أنه السبب الحقيقي لعدم الرد من كل الشركات التي قدمت لها أوراقها.
نفضت أبريل تلك الأفكار من رأسها، ثم شرعت في ارتداء الفستان، وبعد عدة دقائق وقفت أمام المرآة الطويلة، تتأمل نفسها شاردة.
خرجت من دوامة الأفكار العاصفة في عقلها على صوت فتح باب الغرفة الصغيرة من خلفها، واتسعت عيناها ذهولًا عندما رأته في المرآة، فالتفتت نحوه بانصعاق.
في تلك الأثناء، عند خالد:
- يا رب ذوقي المتواضع يعجبك.
أنهى خالد جملته بابتسامة جذابة، وهو يقدم لها سوارًا ذهبيًا يأتي في منتصفه مشبك عريض على شكل حدوة حصان مرصع بأحجار الزركون الدائرية، مع مشبك كلاسيكي متصل بطبقات متعددة من السلاسل الرفيعة. فأعجبت بإطلالته الأنيقة والمميزة، مغمغمة في إعجاب مذهول:
جميل أوي يا خالد.
سألها خالد بشك:
يعني بجد عجبتك ولا بتجامليني؟
أومأت لميس بجفنيها مؤكدة له، وهي تردد بلطافة:
والله ذوقك رقيق بجد.
خالد بحب:
مفيش أرق منك.. لما شوفتها فكرتني بأول مرة اتقابلنا فيها لما افتكرتيني دكتور وخلتيني أساعدك.
تبسمت لميس بإحراج:
أيوه ساعتها كنت متغاظة أوي من جدتي وطلعت عينك أنت.
خالد بنفي محب:
أبدًا.. دي كانت من أحلى لحظات حياتي.
شعرت لميس بالغيرة نوعًا ما، لتتساءل بترقب:
وإيه هي أحلى لحظة في حياتك؟
- اللحظة اللي هتبقي فيها مراتي يا لميس.
أصيبت نبضات قلبها بالارتباك من لمسة يده على كفها بحنان مع إجابته المباغتة لها، لتسري السعادة في أوردتها، وصعدت بنظراتها إليه، لتجده يحدق بها بعمق، فلم تتمكن من الرد من الحرج، مما جعله يخرج عن صمته ويستأنف حديثه بعشق ممتزج بالجدية:
أنتِ ما تعرفيش أنتِ غالية في عيني قد إيه.. بس أنا عايز أكون صريح معاكي من البداية.. أنا ما بأحبش أعتمد غير على نفسي وشغلي أنتِ عارفاه كويس وعندي حتة أرض ورث من الحاج أبويا الله يرحمه وإيرادها مكفيني والحمد لله.. يمكن مش هقدر أوعدك إنك هتعيشي في نفس المستوى اللي اتعودتي عليه.. بس صدقيني هحاول بكل طاقتي أطور من نفسي عشان أخليكي مش نفسك في حاجة أبدًا.
ضيقت لميس عينيها، وعلقت على حديثه بذات الجدية:
خالد.. أنا عمري ما بصيت للحاجات دي ولا دورت عليها خالص كفاية إنك تتقي ربنا فيا وتحبني ونكون مبسوطين مع بعض.
ارتخت تعابير وجهه بارتياح، وفور أن زفر أنفاسه قال بنبرة تقطر هيامًا تزينت بخشونة:
بأحبك يا لميس.. أنتِ النجمة البعيدة اللي أتمنيت أخطفها من السماء وأخلي مسكنها في قلبي وجوا عيوني وأحافظ عليكي بدمي وروحي.. وصدقيني هحاول بكل طاقتي أطور من نفسي عشان أخليكي مش نفسك في حاجة أبدًا.
لميس بصوت خجول:
ربنا يخليك ليا يا خالد.
- ويخليكي ليا يا روح قلب خالد.
أضاف خالد بنبرة غلب عليها الحماس:
نيجي بقى في للأهم.. شوفي يا ست البنات شقتي جاهزة ومتشطبة بس أي حاجة حابة تغيريها على ذوقك ابدئي فورًا وما تاخديش رأيي حتى.
اعترضت لميس برقة لا تخلو من الاندفاع:
لا لازم تكون معايا في كل خطوة دا هيبقي بيتنا إحنا الاتنين مع بعض.
التوى فمه بابتسامة مفعمة بالحب قبل أن يرد بفرحة لم يخفيها:
هو دا الكلام الحلو كان فين من بدري.
في هذا الوقت، عند أبريل:
- نهارك أسود!!! أنت إيه اللي مدخلك هـ...!!!
اختنق صوتها المصدوم في حلقها، وهو يضع يده بسرعة على فمها يكممه، بينما يهمس بالقرب من أذنها في هسهسة منخفضة:
ششش هتفضحينا.
- هشيل أيدي وإوعي تطلعي صوت!!
أنهى باسم كلامه بتحذير، لتهز إبريل رأسها بإيماءات صغيرة، فرفع يده ببطء من فوق فمها، وهو يحس بملمس شفتيها الناعمة ضد يده الخشنة، مما جعل جسده يحترق بمشاعر متضاربة، وهو يبتلع لعابه ويأخذ خطوة إلى الوراء، يتأمل مليًا في تفاصيلها فهي لديها جمال طفولي محبب، لكنها الآن تبدو مختلفة تمامًا عن ذي قبل حيث اعتاد على رؤيتها ترتدي البنطلونات والبلوزات، لكن ذلك الفستان جعلها أكثر سحرًا وجمالًا، بالإضافة إلى بشرتها البيضاء الكريمية، وشعرها المموج الذي تركته منسدلًا على ظهرها بتمرد يليق بصاحبته، فأضحت أنثى فاتنة للغاية.
اختطفته من أفكاره السابحة بها على صوتها المصدوم بحدة:
أنت زودتها أوي افرض كنت لسه بأغير؟
باسم بانزعاج مستفز:
مكبرة الدنيا أوي.. يعني كنت هشوف إيه يا شبر وأقطع أنتِ؟
رفعت أبريل سبابتها محذرة إياه، وهناك احمرار مغرٍ يكسو ملامحها الرقيقة، وتلعثمت بحنق:
احترم نفسك بليز وما تغلطش.. ها ممكن تفهمني إيه الكارثة الجديدة اللي مخلياك داخل عليا البروفا بالهمجية دا؟
مال باسم بجسده نحوها أكثر رافعًا أحد حاجبيه، وهو ينظر إليها بطريقة تدل على إعجابه بجاذبيتها المذهلة، فتوافقت أفكاره مع كلماته الهامسة بنبرة دافئة خالية من العبث:
وليه بتحسبيها كارثة؟ ليه ما يكونش شوقي هو اللي جابني على هنا عشان أشوف جمالك في الفستان قبل أي مخلوق.. خصوصًا إنك ما كنتيش هتخرجي تفرجيني عليه.
تململت أبريل بتوتر في وقفتها، وهي تهدر بخفوت نافذ الصبر:
أنت هتبطل لف ودوران عليا ولا أااا.
تلاشت الحروف من طرف لسانها، حالما اتسعت ابتسامة جذابة على فمه، وهو يرفع أطراف أصابعه ويداعب خصلات شعرها التي انسدلت على جانب وجهها برقة، فترنحت نبضاتها بإحساس غريب، وهو يعلق على كلامها بعتاب حانٍ:
عيب أنا خطيبك ما يصحش تكلميني كدا.
رددت بصوت مرتبك:
وما يصحش نفضل في البروفا كدا يقولوا علينا إيه؟
ارتسمت على فمه ابتسامة غامضة، مستطردًا بصوته الرجولي الهامس الوقح:
هيقولوا من لهفته على حبيبته ما طاقش يقعد لوحده برا من غيرها وهي ما صدقت تكون في حضنه و...
خرجت من شفتيها شهقة خجولة، وسرعان ما ضغطت بكفها على فمه لتمنعه من إكمال عبارته الجريئة، وقالت في دهشة تامة:
بس اسكت بس.. أنت معجون من مية إبليسة.. خد بالك أنت قاعد تعمل حركات مستهبلة من الصبح وأنا ساكتة.
عقب بمرح، فور أن خفضت يدها إلى جانبها، مداعبًا إياها بغمزة:
السكوت علامة الرضا.
تفوهت باندفاع:
دا علامة القرف.
حدجها بحاجب مرفوع قبل أن يلتقف خصرها بين يديه، ويقربها منه، لترفرف برموشها عدة مرات متتالية، واعترتها حالة من الصدمة ومشوبة بالارتباك فور أن تغلغلت رائحة عنقه بعمق في حنايا روحها.
تلقائيًا ارتكزت كفيها على صدره محاولةً دفعه، فارتعش جسده تحت لمساتها، وهو يردد بتعبير عابس:
قرف!!
طيب تيجي نجرب وأثبتلك قدام نفسك إنك مش حاسة بقرف.
جاهدت لانتشال ذهنها الغائب، متأثرًا بسحر قربه المغناطيسي بصعوبة، حالما التقطت أذنيها نبرة صوته الهامسة الخطيرة، بالإضافة إلى نظراته الواثقة، مما جعلها تهمس محذرة:
باسم سيبني!
وما إن فشلت في تحرير خصرها من أغلال قبضتيه، حتى تطرقت إلى التحاور معه بطبيعتها المتمردة:
طيب أنت لو مانزلتش إيدك وبعدت عني هصوت وهلم عليك الأتليه كله.
تبددت الغيوم العبثية من صوته إلى أخرى معاتبة بتيه، معمقًا النظر بفضيته الجذابة في خيوط قزحيتها المتلألئة، وكأنها صاحبة الوصاية على كيانه منذ قديم العهد:
الحق عليكي أنتِ اللي بتستفزيني وساعتها بتهور ومابكونش مسؤول عن اللي بعمله.
تزعزعت حصونها الثابتة على الأرض الهلامية بعبارة واحدة منه، فتجنبت النظر إليه بمشاعر تتجانس مع نطقها المرتبك بحروف خرجت بجهد مضاعف، مناشدة عقلانيته المفقودة:
ما تسميهاش إني بتحداك.. أنا بحذرك عشان عشان ما تتهورش وترجع تندم.
- وإذا كان عجبني التحدي معاكِ بيكون له طعم لذيذ وحلو؟
رفع وجهها بأطراف أصابعه، وهو لا يعلم إذا كان هذا السؤال موجهًا لها أم له، بهمسات ناعمة أرسلت في جسدها ذبذبات مربكة تغذيها شدة قربه منها.
خيم عليهم السكون لعدة لحظات، لم يقطعه إلا قعقعة نبضاتهم، تبادلا النظرات النافذة إلى الروح، قاطعتها هي محاولة الحفاظ على رباطة جأشها في قولها التالي:
أنا بكلمك بكل هدوء أهو.. وبقولك ممكن تشيل إيدك من عليا.. ده ما كانش ضمن اتفاقنا.
- مقاوحتك فيا ما بتساعدنيش.. بتجننيني بزيادة يا بندقة.
احتبست أنفاسها في صدرها بمجرد أن أحست بحرارة أنفاسه على بشرتها، مع همساته القريبة من أذنها، فافترقت شفتاها في حركة عفوية، كانت دعوة له منها دون أن تتعمد ذلك، لكنه لم يأبه إلا إلى تتوقه المنجذب إلى نداء شفتيها المغويتين، مما جعله يميل نحوها بشكل خطير ليجني حبتي الكرز من شفتيها بقبلات رقيقة متتالية بتأنٍ، ليشعر بها تتجاوب معه بعد لحظات، إثر استهداف كيانها رجفة مثيرة، جعلتها تكافح من أجل استحضار نقيضها فورًا، لكنها لم تنجح مع خوضه عزفًا احترافيًا على أوتارها العاصية، ليحلق بها بفائض الشوق إلى أعالي السحاب وصولًا إلى عنان السماء، لتشهد طيور السماء التي حلقت حولهما بغبطة على ثورة عشقية جمعت بينهما ذات غفلة من كلاهما.
بعد مرور ثلاث أيام
- هو طبعًا حاسس إن مجروحة كرامته بعد ما كسرتي غروره برفضك ليه عشان كده حطك في دماغه وبقى بيطاردك وعمال يقفل عليكي في موضوع الشغل.
قالت ريم هذه الكلمات خلال محادثتها الهاتفية مع أبريل بنبرة جادة، تدل على تمكنها من فهم سيكولوجية النفس بحكم عملها كطبيبة نفسية، لتتفق الأخرى مع رأيها بضيق:
أيوه هو قالهالي هيندمي.. بس اللي قلقني مش كده.. الخوف يعمل حاجة أكبر من كده!
أكدت ريم حديث أبريل، قائلة بنبرة قلقة عليها:
مش بعيد فعلًا.. عشان كده ضروري تقولي لباسم.. هو اللي في إيده يساعدك ويحل مشكلتك مع مصطفى.
تغضّن حاجبيها، وهي تفكر في صحة كلامها، لقد أخفت هذا الشيء عن باسم حتى لا يعرض عليها وظيفة في شركة والده، لكن ماذا لو خرجت الأمور عن سيطرتها؟ فلم يعد من الممكن التنبؤ بتصرفات مصطفى، تنهدت بخفة وقالت بصوت هادئ لا يخلو من اضطراب:
ربنا يستر.. يلا أنا داخلة عليه هقفـ...
تبخرت الكلمة الأخيرة على طرف لسانها تدريجيًا، حالما رأته يجلس في كافتيريا النادي الرياضي مع امرأة على الطاولة، لذا قادتها خطواتها المتوازنة إلى حد ما نحوهم، قائلة بسرعة:
سلام.
أنهت أبريل المكالمة الهاتفية، تشعر بجمر الغضب يشتعل في أعماقها، فهي طوال الطريق إلى هنا، كان يملؤها الحرج والخجل الشديد من نفسها لأنها استسلمت معه باندفاع لعاصفته الهوجاء منذ أيام، لكن هذا المتبجح يجلس الآن مع امرأة أخرى، غير مهتم بموعده معها، همست بوعيد وغيظ لنفسها، وهي تتجه نحوهم:
هو أنت إيه! ما بتضيعش وقتك أبدًا يا وش القرد.. طيب إن ما وريتك.
توقفت أبريل أمام الطاولة، وأدارت رأسها إلى اليسار، ونظرت إليه بحاجب مرفوع في استفهام، بينما وزع باسم نظراته بينها وبين المرأة الجالسة مقابله، ثم تمتم بلهجة مشوبة بالقليل من التوتر:
أبريل!
- معلش شكلي جيت قطعت اللحظة عليكم.
قالت أبريل ذلك باعتذار ساخر، وعقدت ذراعيها تحت صدرها، على الفور قام باسم من مكانه، واتجه نحوها ووقف أمامها، متسائلًا بمفاجأة وبصوت عالٍ:
هو أنتِ فهمتِ إيه.. وبعدين أنتِ رجعتِ تشتغلي هنا تاني من إمتى؟
طلب باسم بكياسة من المرأة:
معلش ثواني.
اتسعت عيناها الفيروزيتان لعدم فهمها الحقيقي لما يقوله، ونظرت خلفها بريبة، لكنها وجدت فجأة أنه اقترب منها للغاية، وأمسك كتفيها بكلتا يديه، وعيناه الرماديتان أغدقتها بنظرات مليئة بالمشاعر الشغوفة، هامسًا بنبرة خشنة جذابة أربكتها:
وغلاوتك عندي كان قلبي حاسس بوجودك حواليا يا حبيبتي.. عارفة قد إيه حاولت أوصلك.. بس كالعادة كنتِ بتهربي مني.
ابتسم باسم بغطرسة وتلاعب، وهو يرى احمرار وجهها القاني بسبب حبسها لأنفاسها من قربه منها، وهي تفكر أنها كلما أرادت رد الصاع إليه، يفاجئها هو بتصرف لا يتوقعه عقلها، وجديًا يصعب عليها فهم هذا الرجل العابث.
سألت بتوتر وذهول شديد يعبر عن استنكارها لجملته الأخيرة، بينما تبعد يديه عنها، وتراجعت خطوة إلى الوراء:
آه.. أنت إيه التخاريف اللي بتقولها دي؟
إلى متى يا نفسُ ستظلّين تكتوين بنيران عشق أهوج لم يجلب لنا سوى الشقاء؟
وما حيلة هذا القلب العليل الموصوم بهوى رجلٍ من دون الرجال عِباء!
يتناثر الحزن من عيناي جهرةً ولا يلقى صدى بروحه الجدباء!
والصمت بات مُضنيًا
والبوح نار موقدة قُدّت حروفها من العناء.
طيف الخديعة بمُقلتيك عابثًا و
طهر قلبك ما هو إلا خديعة وافتراء.
فلأي جنس تنتمي ؟ و لأي قبلية قد يُنتسب هذا البِغاء ؟
اهداء من صديقتي المبدعة الكاتبة نورهان العشري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_نورتي مملكتك يا احلي عروسة
قال مصطفى بصوته الرخيم ، راسماً على وجهه ابتسامة دافئة أبرزت وسامته الرجولية ، وهو يتنحى بجسده الفاره جانباً بعد أن فتح لها باب المنزل ، ليُفسح لها المجال للدخول أمامه.
بخطوات ثقيلة ، وقلب قلق ، وحدقتيها المهزوزيتين ، جابت زوايا المنزل بتصميماته الحديثة ، لتلهيها عن نوبة الهلع التي جعلت قلبها يقرع كالطبول ، يكاد يقفز من بين ضلوعها من شدة انفعالها على الأرض ، وهي تشد راحتيها على طيات قماش فستان زفافها الأبيض المصنوع بإتقان لتمنع ارتعاشهما من الظهور.
انتبهت ابريل من أفكارها على أصابعه الطويلة تتشابك مع أصابعها بهدوء ، فرفعت رأسها نحوه لتلتقي بها بابتسامة خافتة، ثم حثها على السير معه بعد أن أغلق الباب خلفهما.
جلسا كلاهما على الأريكة الواسعة ، فضغطت على شفتيها بأسنانها بتوتر طفيف ، وخفضت رأسها حين شعرت بنظراته تركز عليها قبل أن تسمعه يهمس لها مفتونًا : مبروك يا قلبي
ابريل بخفوت : الله يبارك فيك
مد مصطفى يده ممسكًا بخصلة من شعرها المنسدل على جانب وجهها الساحر ، مررها بين أصابعه ، مكتشفاً نعومته ، وهو يلعق شفته بطرف لسانه ، ثم حرك أصابعه تحت ذقنها ، ورفع وجهها إليه حتى التقت عيناه المتألقتان بالعاطفة والحنان بعينيها المتلألئتين بالخجل ، وقلبها ينبض بسرعة من الارتباك.
اتسعت الابتسامة على فمه ، وتثبتت عيناه على حركة أسنانها التي تعض على شفتها المرتعشة بإغراء حارق له ، فاتسعت عيناها حين رأته يميل نحوها ، وأظلمت عيناه برغبة في استكشاف شفتيها المغريتين ، لكنها في اللحظة الأخيرة أدارت وجهها للجهة الأخرى قبل أن تنهض متوترة وتتقدم إلى الأمام بخطوات مرتبكة.
أغمض مصطفى جفونه لثوانٍ بأنفاس متقطعة ، ثم مرر أصابعه على مؤخرة عنقه بتنهيدة قبل أن ينهض من مقعده ، ليذهب خلفها ، وهو يفك ربطة عنقه بسرعة محاولاً التنفس بعمق للحد من الحرارة المنبعثة من جسده ، رماها على الأرض بلا مبالاة ، ثم خلع سترته السوداء ، وألقاها على أقرب مقعد مقابل له بإهمال ، بينما استمر في متابعتها حتى الطابق العلوي.
أوقفها مصطفى في بداية الممر، ليحتضنها من الخلف بلهفة ، وهو يستشعر ارتعاش جسدها المتيبس بين ذراعيه القويتين ، ليحني رأسه نحوها ، ويهمس قرب أذنها بنبرة ناعمة خشنة : هربانة مني علي فين؟
سألها مصطفي بصوت هاديء منخفض بجانب أذنها ، فعجزت عن الرد حيث شعرت بحرارة شديدة تشع من صدره الملاصق لظهرها ، إلى جانب أنفاسه الساخنة التي أحرقت جلد رقبتها الملساء بلا رحمة ، مما تسبب لها في ارتعاشة مربكة في جميع أنحاء جسدها الضعيف ، حتى أنها تمكنت أن تهتز رأسها بالنفي بمشقة ، لتحاول أن تجد صوتها بصعوبة ، فخانتها الكلمات ، وخرجت من بين شفتيها المكتنزة بإغراء عفوى متلعثمة من التوتر : عايزة .. اروح .. الحمام
صمتت ابريل للحظات ، وهي تفرك أصابعها بتفكير ، ثم أضافت مبررة بصوت منخفض ناتج عن خجلها : الفستان ضيق عليا ومخليني مش قادرة اتنفس كويس هروح اغيره
طبع مصطفي قبلة رقيقة خلف أذنها ، مما جعل جسدها يرتعش بإضطراب بين ذراعيه المتملكتين ، لتسمعه يهمس بصوت خشن مثير يحتوي على الكثير من المشاعر والرغبات : طيب تحبيني اساعدك في قلعه؟
حركت رأسها في رفض صامت ، وبأنفاسها تكاد تكون مسلوبة من رئتيها ، فحاولت الابتعاد حتى تستعيد ربطة جأشها ، لكنه آبى أن يطلق سراحها ، فتحاملت على نفسها ، لتهمس برقة يتخللها الحرج : مالوش داعي .. ممكن تسيبني!!
اعترض بإصرار حنون ، مشددا على خصرها بكفيه مانعاً عليها أدنى فرصة للهروب منه : بس انا حابب تفضلي كدا جوا حضني شوية
أنهى كلامه غارساً وجهه فى عنقها ، مستنشقاً عبير عطرها المثير لحواسه ، قبل أن يميل أكثر يقضم شحمة أذنها بحرارة ، ولم تكن تعلم أن ما يزيد من رغبته فيها هو تململها المستمر حتى تتمكن من انتشال نفسها من حبس ذراعيه الملتفتين بإحكام حول جسدها الصغير ، مقابل جسده الضخم بطوله وعرضه الجذاب.
نثر عدة قبلات خاطفة بشغف على رقبتها المرمرية الناعمة ، ليتمتم بأنفاس متلاحقة من الرغبة المفرطة وشوقه الصارخ بإلحاح لامتلاكها بتعجل : ماتخافيش يا حبيبتي هكون هادي معاكي .. بس ماتحرمنيش منك انا بحبك اوي يا ابريل بموت فيكي .. وحتي وانتي بين ايديا هموت من كتر شوقي ليكي .. مش متخيلة قد ايه استنيت اللحظة دي من يوم ما عرفتك يا قلبي عايزك اوي اوي
غمغمت باسمه في خجل شديد حد البكاء ، لكنه لم يستطع السيطرة على نفسه إذ أدار رأسها نحوه بغتة ، ورفع وجهها إليه ، وقبل أن تدرك ما سيفعله ، انقض على شفتيها ، يلتهمهما بجوع و بشغف كاتماً أنينها المعترض ، بينما يمرر كفيه بحرية وجرأة على مفاتن جسدها ، الذي تصلب بشدة من هجومه الملحُ طلباً بقربها ، فلم يكن أمامها خيار سوى الاستسلام للغرق فى طوفان مشاعره الهائجة.
بعد لحظات ابتعد عنها قليلاً ، وأمسك وجهها بيديه ، متمتماً بصوت حنون وهو يتأمل كل شبر من وجهها : سامحيني يا حبيبتي مش قادر اشبع منك وماقدرتش اتحكم في نفسي قدام حلاوتك دي كلها .. هسيبك شوية وقت مع نفسك يا روحي
لم تبدِ سوى إيماءة خجولة بالموافقة قبل أن تدخل غرفة النوم وتغلق الباب خلفها ، أطلقت شهقة خفيفة وهي تستدير نحو الجالسة على سريرها ، فسألتها بصوت مصدوم : انتي بتعملي ايه هنا و ازاي دخلتي ...
ردت حنين بإبتسامة باردة : انا هنا في مكاني يا حبيبتي .. في اوضة جوزي انتي اللي مش في مكانك
استقامت من مجلسها وهي تردف بنبره قاسية يتخللها الشماته : دايما الاولي هي اللي في القلب يا ابريل و ليها النصيب والمعزة الاكبر .. يعني ماتخليش اوهامك الساذجة توهمك انك هتكون اهم حد في حياته .. مهما وصلت درجة تعلقه بيكي وخدعك تمسكه بيكي مستحيل هيفضلك علي ام ولاده واول حب في حياته .. انتي حاجة مؤقتة نفسه فيها مش اكتر في الاخر وبعد مايوصلك ويشبع منك هتبقي فعل ماضي
أنهت حديثها مع دخول مصطفى الغرفة ، متسائلا بهدوء : بتعملي ايه عندك يا حنين
حنين بسخرية مبطنة : ولا حاجة يا حبيبي كنت مستنية ابارك للعروسة
_يلا عن اذنكم انا هروح اوضتي
وعندما غادرت ، التفتت إبريل إليه وعلامات التعجب تحوم حول رأسها ، لتسأله بعدم تصديق : اللي هي بتقوله دا حقيقي!!
إقترب مصطفى منها وهو يجيبها بتبرير بارد لا يشفع له : انا مقدر انك مصدومة .. بس اللي احنا فيه وضع طبيعي وبكرا هتخدي عليه صدقيني مش هتحسي بوجودها ..
استندت على الطاولة خلفها ، بعد أن شعرت أن قدمها قد تخونها وتسقط على الأرض قبل أن تتحدث معترضة : احنا ماتفقناش علي كدا...
بتر باقى جملتها بلهجة حاسمة ، وهو يقف أمامها مباشرة : ابريل انتي قبلتي تتجوزيني .. خلاص ارضي واتبسطي بأيامنا مع بعض .. بلاش تخربي حياتنا بالتفكير الكتير .. لانك مش هتعرفي تغيري الواقع .. والمصير دا اهون كتير من اني كنت اسيبك يوم فرحك واسيبلك فضيحة ليكي انتي واهلك تلازمكم طول العمر بعد اللي عملتيه معايا واهانتك لرجولتي قدام الناس كلها ..
صمت مصطفى لبرهة ، وهو يحدق فيها بغموض قبل أن يخفض حدة صوته من هوج مشاعره تجاهها ، وهو يميل برأسه نحوها وتكاد شفتاه تلامسان خدها بحرارة : بس يشفعلك اني بحبك وكان نفسي الجمال دا يكون بتاعي ودلوقتي خليني اقطف من شهد جمالك واتمتع بحلاوة طعمه المسكر
دفعته بعيدا عنها ، وهي تشعر بإشمئزاز وهناك شيء يؤلم روحها بقوة تجاوزت حدود صبرها وثباتها ، بينما ارتجف صوتها صارخة بتشنج استهدف باقي جسدها : ابعد عني .. هو انت ازاي طلعت بالحقارة دي؟
ظهرت علامات الاستياء على وجهه ، وهو يقطب بين حاجبيه ليقول بصرامة : طب وليه الغلط دا بقا .. بلاش شغل جنان..
ابريل بتحفز المغادرة : الجنان بجد لو فضلت هنا لحظة كمان خليني امشي
صرخت ابريل مذعورة حين شعرت بيده القاسية تمسك بذراعها تجذبها نحوه قائلاً باستفزاز : تمشي علي فين يا عروسة هو انتي فاكرة الطلوع من هنا بالساهل كدا .. انتي خلاص بقيتي تحت ايدي وحر فيكي اخد حقي منك علي مزاجي
هدرت ابريل بإنفعال : يستحيل افضل مع واحد حقير زيك ..
أنا بكرهك وبحتقرك.
جز مصطفى على أسنانه قبل أن يتمتم بتهديد:
"لسانك دا هعمله الأدب بس خلينا الأول في دخلتنا يا عروسة أحسنلك تهدي وتسترخي كدا عشان الليلة تمر علي خير وإلا هتكون جحيم ووجع عليكي ومتعة ليا في كل الحالات."
ارتسم الرعب كل ألوانه الداكنة على ملامحها، وهي تقاوم قوته الجسدية بعجز، وهي تصرخ بجنون:
"سيبني بقولك سيبني..."
على متن يخت في نهر النيل
"بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير."
بقلب يتخبط يمينًا ويسارًا من التوتر الشديد داخل ضلوعها، عادت إلى أرض الواقع من تفاصيل ذلك الحلم الملعون الذي طاردها قبل أيام، على صوت المأذون الذي أعلن انتهاء مراسم زواجها من باسم الشندويلي، الذي نهض من مقعده، ليتجه نحوها بمظهره الرجولي الأنيق وشفتيه المزينتين بابتسامة رائعة.
قبل ظهر يدها برفق قبل أن يثبت عينيه داخل فيروزيتها المتلألئة، سارحًا في جمالها الملائكي الهادئ بفستان بيج بتصميم محتشم يناسب قوامها جدًا، حيث جاء بأكمام طويلة تصل إلى الأرض، وخصر ضيقًا بحزام رفيع وأنيق، وجاءت تنورة الفستان بقصة انسيابية، وجمع الفستان بين قماش التول والدانتيل المطرز بالورود البيضاء والفضية التي ظهرت في الفستان بأكمله.
التقت أعينهما في صمت، بينما أرسلت نظراته إليها اهتزازات جعلت قلبها ينبض بقوة حتى استطاعت أن تقطع اتصالهما البصري بأصوات الزغاريد المتصاعدة من حولهما.
لم تمر ثانية حتى اقترب الضيوف منهم، ليقدموا لهم تهنئتهم الحارة، فاستقبلتهم بابتسامة مجاملة تخللتها نظرات باهتة إلى حد ما لم يلاحظها سوى نادية التي التقت عيناها بها، وهي تهنئها بابتسامة غامضة تخفي الكثير من الامتنان لها، لكن لا أحد سواهما يستطيع فك طلاسمها.
بالإضافة إلى حضور العديد من الشخصيات، لكن الذين كانا يترصدان لها باهتمام، هم نظرات أحمد ومصطفى، وفي داخلهما مشاعر متضاربة تغلي بين المعاتبة والاستياء.
flash back
قبل عقد القران بساعتين
"ألف مبروك يا عروسة."
التفتت إبريل لتنظر إليه، رافعة أحد حاجبيها بتعجب، فاستكمل حديثه بلهجة هازئة:
"إيه متفاجئة إنك شايفاني.. إيه كنتي فاكرة إننا مش هنتقابل النهاردة."
أشاحت وجهها بعيدًا عنه بعدم اهتمام تجلى بكلماتها:
"لا عادي مابقتش اتفاجئ من حاجة.. مستغربة بس إن بعد دا كله قبلت الدعوة وجيت."
"لولا إني بفهم في الأصول.. كان هيبقا ليا رد فعل مختلف.. وكنت وريتك من العذاب أشكال وألوان عشان أكسر عينك يوم ما اتجرأتي وتحدتيني."
أكمل مصطفى جملته باستياء خطير، فرفعت ذقنها متحدية إياه:
"وفر تهديداتك دي عشان مش هتقدر تخوفني بيها.. ماتهددش إنسان معندوش حاجة يخسرها.. لكن أنت عندك كتير تخسره وأولها برستيجك ومكانتك الاجتماعية وسط الناس."
ضحك مصطفى بجمود تشابه مع نبرته حالما قال ساخرًا:
"مش قادر أنكر إعجابي بثقتك في نفسك وشجاعتك دي.. بس خسارة جت عليكي بالسلب وخلتك تخسري فرص شغل كتير كانت كويسة وكملتي في عنادك معايا."
اتسعت عيناها بتعجب مزيف، ثم استفهمت بسخرية مستفزة:
"معقولة ما وصلكش الخبر.. كنت فاكرة إن دبة النملة بتوصلك عني.. بس شكلي كنت غلطانة.. بدليل إنك ما تعرفش إني اتعينت في شركة محترمة وكبيرة من كام يوم.."
شعرت بالنصر يتراقص بداخلها فور أن رأت إمارات الدهشة ترتسم على وجهه، قائلة بحسم:
"ولتاني مرة هقولهالك أنا لا كنت ولا هكون محتجالك أو ضاغط عليا في أي حاجة.. ونصيحة مني روح اتعالج من مرض التمسك بالأشياء اللي بترفضك لأن دا اسمه نقص في الشخصية عن إذنك."
بعد مرور فترة وجيزة
"إبريل عايزاكي في كلمتين ضروري..."
إبريل باستفهام هادئ:
"وإيه اللي بينا ضروري ممكن يتقال يا نادية!"
نادية بنبرة يغلب عليها الاضطراب:
"خلينا نبعد عن الدوشة هنا الأول."
إبريل باستسلام:
"طيب."
في كابينة إبريل داخل اليخت
"اقعدي يا نادية.. عايزة تقولي إيه سمعاكي...!"
جلست نادية مقابلها، تطالعها بنظرات غريبة قبل أن تبدأ حديثًا غير مترابط:
"طول عمرك رزينة وبتتكلمي من فوق يا إبريل.. ومحدش يقدر يغلطك في حرف بتنطقيه.. وهيغلطوكي إزاي وإنتي لابسة وش الملايكة دا طول الوقت."
نظرت إبريل إليها بعدم فهم قبل أن تهتف بلهجة حاسمة:
"عايزة إيه يا نادية من غير كتر لف ودوران..؟"
صاحت نادية بنبرة منفعلة:
"ما كفاياكي تمثيل بقا يا شيخة إيه ما بتزهقيش منه؟"
أشارت نادية إلى نفسها، وارتفع صوتها باحتدام وهي تستأنف حديثها:
"أنا عملت كل حاجة عشان يشوفني ويحس بيا وكل مرة بتطلع سيرتك قدامه بيتقلب عليا ويجري عليكي.. ما كفاكيش السنين اللي فاتت وإنتي بتتمنعي عليه وهو مش قادر يشيلك من دماغه.. قومتي عزمتينا أنا وهو عشان تحرقيه وهو شايفك بين إيدين غيره."
استفسرت إبريل باستنكار:
"هو إنتي بجد اللي جاية تعاتبيني وتلومي فيا.. مين فينا يلوم التاني؟! إنتي اللي من زمان حطيتي عينك على اللي مع غيرك وإنتي عارفة إنه مش شايفك.. وبعد ما بقيتي مراته برده مش شايفك إيه ذنبي في اختيارك إنتي؟"
ردت نادية بقهر واتهام:
"إنتي السبب يا إبريل.. عشان طول ما إنتي موجودة في حياته مستحيل هيعرف ينساكي وهيفضل متعلق بيكي.. وصلت بيه إنه يطلب من مراته تخطبله حبيبته ولو رفضتي يبقى لك ضرة عادي يطلقني عشان يرضيني."
جحظت عينا إبريل صدمة حقيقية من كلماتها، فتخلت عن ثباتها الواهي، هادرة بحدة:
"إنتي اللي بني آدمة ضعيفة وسلبية يا نادية.. جاية بترمي اللوم عليا أنا لأنك جبانة ومش قادرة تواجهي نفسك.. ولا قادرة تواجهي السبب الرئيسي في وجعك."
هدرت إبريل مردفة بازدراء منفعل:
"إزاي هانت عليكي نفسك أوي كدا؟! إزاي قللتي من نفسك كدا.. إنتي اتنازلتي عن كل حاجة عشانه ولسه بعد كل وجعك منه.. مش قادرة تعترفي قدام نفسك إنه هو اللي غلطان في حقك وجاية تقولي لي إن السبب مني أنا."
"أيوه منك.."
"لا ما تلوميش غير نفسك إنتي اللي بصيتي للي عند صحبتك ورحتي اتجوزتيه وقلبه مع غيرك وإنتي عارفة إنه ما بيحبكيش."
"كنت عارفة إنه ما بيحبنيش وقابلة.. كنت مستحملة بعده عني وسفره شهور ما شوفوش.. بس كنت مصبرة نفسي بعشم كداب إن مافيش أمل ترجعوا لبعض.. وبقول لنفسي مصيره هيجي اليوم اللي يحبني فيه وينسى إبريل.. بس ما حصلش كل ماضي عيشتي معاه بتتحول لمرار وعذاب بقيت بسمعه وهو في حضني بيناديني اسمك إنتي وأتأكد أكثر إنه عمري ما شافني.."
شهقت نادية تردف بضحكة مقهورة من بين دموعها:
"ما تنكريش يا إبريل إنتي بترضي غرورك وبتنقمي منه وإنتي شايفاه بيجري وراكي زي العيل الصغير ومتمسك بيكي.. إياكي تكدبي يا صحبتي وتقولي إنك مش عايزاه لو الدنيا صدقتك أنا مش هصدق."
مسحت إبريل عبراتها عن خديها المبللة بأصابعها، وأخذت نفسًا عميقًا، لتتحكم في انفعالاتها قبل أن تنظر إليها، ثم أجابتها بقلب لا يقل قهرًا عن الجالسة أمامها:
"أيوه يا نادية قلبي مانسيهوش.. بس ملعون أبو الحب على أبو قلبي اللي يذلني عشان راجل قدر يبص لغيري ويفكر في واحدة غيري ويتجوز ويلمس واحدة تانية عشان يعاقبني إني قلت له مش هتنازل عن إن يكون ليا قيمة."
شعرت نادية ما إن أنهت إبريل حديثها، وكأن سكينًا باردًا طعن في قلبها، فرفعت عينيها إليه، ورغم القسوة الصادرة من كلماتها، إلا أن نظراتها إليها كانت مليئة بالتعاطف والشفقة، فتحدثت نادية بارتعاش ممزوج بالحزن:
"أعمل إيه يا إبريل أعمل إيه أنا وسط النار بيتي هيتخرب وحاسة إني مذلولة ومهانة أنا عمري ما هسامحك يا إبريل إنتي ما خسرتيش واحد على عشرة من اللي خسرته."
بعد حوالي ساعة
"فهمني إيه اللي بيحصل ومأذون إيه وكتب كتاب مين اللي مامتك بتكلم عنه دا؟!"
تدفقت أسئلة إبريل في رأس باسم كالسيل الجارف، فاستقبلها بثبات، متظاهرًا بعدم معرفته بالأمر:
"أنا اتفاجئت بيها بتقولي إن المأذون موجود معانا على اليخت وعايزينا نكتب كتابنا مع حفلة الخطوبة بعد ما أخدوا موافقة باباكي.."
والفرح نقرر معاده براحتنا، ماكنش قدامي غير إني أسايرها وإلا هتشك فينا.
كانت تستمع إلى حديثه دون استيعاب، قبل أن تتسع عيناها ثم هتفت استنكارًا:
"يعني إيه تسايرها من غير من غير موافقتي؟ تصرفك ده مالوش غير معنى واحد إنك بتحطني قدام الواقع عشان مضطرة أوافق!"
رسم باسم الضيق على ملامحه بمهارة، يخفي وراءه الكثير من المكر الذي لم تلاحظه في صوته حين قال بنبرة تقريع:
"هجومك عليا بتحسسيني بيه إني مخطط للي بيحصل! لا يا أبريل، مش مضطرة توافقي. وبطلي تبصي للأمور على إنك لوحدك اللي واقفة في وش المدفع، وأنا مكنتش عايز أربط نفسي بواحدة ما بتفكرش غير في نفسها. بس لو جزائي أنا وأهلي تصغرينا اعملي كده. وقبل ما تفهمي كلامي على مزاجك، أنا مش عايزك تتقبلي ده من غير ما تفكري وتاخدي قرارك بنفسك."
أسبلت رموشها دون أن تجيبه بكلمة، وكانت خلايا دماغها تعمل بأقصى سرعة.
مرت عدة لحظات في صمت قبل أن تسمعه يقول بتخابث خفي:
"خلاص هنخترع ليهم أي حجة ونعدي اليوم."
أفرجت عن جفونها رافعة بصرها نحوه لترد بثقة:
"لا، أنا… موافقة."
رواية جوازة ابريل الفصل الخمسون 50 - بقلم نورهان محسن
تصحبك لعناتي عليكِ،
يا من يحنُ الفؤاد إليكِ،
إلى شواطئ عينيكِ،
إلى روابي مقلتيكِ.
بعمق حنيني الذي يعتريني،
بحجم اشتياقي الذي صار من الوجد نخلًا،
يهديكِ قلبي ألف لعنة ولعنة.
مر الوقت سريعًا بعد عقد الزواج، وكان تنظيم الاحتفال غاية في الأناقة والروعة، من بداية نصب تعريشة عارية في المقدمة باستخدام اللونين الأبيض والأخضر، وعلى متن السفينة الفاخرة بتصميم خارجي رائع مزين بكل جانب منه بألوان جريئة تتناسب مع أجواء الصيف بشكل متناغم وغير مبالغ فيه، والتصميم الداخلي عالي التقنية وجميل، والطابق العلوي المفتوح يسمح للحاضرين بالاستمتاع بالهواء النقي ومشاهدة المناظر الطبيعية الخلابة مع ترتيب برامج رائعة للرقص بإشراف طاقم مميز، والطابق السفلي يحتوي على المطبخ والكبائن وطاولات الحاضرين مزينة بأزهار عباد الشمس والياسمين مع المأكولات البحرية اللذيذة عليها.
كان الجو العام مزيجًا من التميز والإبداع، والبعد عن التقليد يليق باحتفال مع الأصدقاء والعائلة، وأعجب الجميع بهذه الفكرة الرومانسية خاصة عندما تبادلوا الخواتم وسط الأجواء المحيطة بنهر النيل الخلاب لإضفاء لمسة رومانسية، وكان مناسبًا جدًا لالتقاط صور تذكارية مميزة ولم يخلُ التصوير من مناوشات لطيفة بينهما، حيث استطاع بذكائه أن يسرق عدة قبلات رقيقة من خديها وشفتيها بجرأة دون أن يلتفت إلى اعتراضها الخجول، مبررًا موقفه بقوله أنه الآن زوجها، ولا خيار لها إلا السكون حتى تنتهي المهمة بسلام.
بعد مرور بضعة دقائق
_ تحت أمر حضرتك.
_ كوباية ميه بسرعة لو سمحت.
_ حالًا.
بحث في جيوب بنطاله وسترته عن شريط الحبوب، مندهشًا من اختفائه، رغم حرصه على أخذه معه مسبقًا.
قال الرجل بهدوء، وهو يناوله كوب من الماء: اتفضل يا فندم.
باسم بضيق: لا خلاص شكرًا.
غادر المطعم الداخلي لليخت، ثم جلس على الفور على أقرب مقعد، واضعًا راحة يده على عينيه المغمضتين، محاولًا مقاومة نوبة الدوار التي كانت تهاجمه منذ طفولته حين كان على متن السفن.
_ مالك يا حبيبي انت كويس؟
رد باسم على والدته بإنكار، والدوار يشتد برأسه: كويس يا ماما .. ماشوفتيش شريط البرشام بتاع الدوخة؟
ناولته وسام كوب الماء المذاب فيه قرص من الدواء الفوار، وهي تجيبه ببساطة: ابريل قالتلي إنه وقع منك وانتوا بتتصوروا واديتهولي.
_ ابريل!! هي فين؟
ردد باسم بعد وسام مندهشًا قبل أن يضيق حاجبيه في وعيد لهذه الجنية بعدما أدرك فعلتها، ثم جاءه الجواب سريعًا من والدته: أكيد فوق مع المعازيم .. خليك وأنا هبعتهالك لو مش قادر.
وقف باسم مستقيمًا، ثم قال ببرود: مافيش داعي الدوخة خفت شوية هروح أشوفها.
_ ماشي يا حبيبي.
في ذات الوقت
عند ابريل
_ مستر داغر.
استدار ببطء بمجرد أن سمع صوتها الناعم يناديه باسم أخيه دون أن تظهر عليه علامات الاندهاش، فقد اعتاد على تكرار هذا الموقف معه، ثم رد بنبرة رسمية: أفندم في حاجة؟!
رفعت ابريل حاجبيها بغرابة ممزوجة بشيء من الحرج تلون به وجنتاها إلى اللون القرمزي من عدم معرفته لها، مما جعلها تسأله بتعجب، وهي تشير إلى نفسها: حضرتك مش عارفني أنا ابريل الهادي .. اشتغلت من فترة بسيطة في شركة حضرتك.
رأت عينيه الخضراوين تتسعان بدهشة من كلماتها المفاجئة له، ففسرت تلك النظرات، وكأنه تذكرها فور أن عادت ملامحه إلى الهدوء، متحدثًا بصوته الأجش: عفوًا منك .. أيوه افتكرك ابريل مش كدا؟!
حدق في الابتسامة التي زينت وجهها الفاتن، فأصبحت رمزًا للجمال، بينما تحدثت بنبرة لبقة: أيوه مظبوط .. صدفة حلوة إني أشوف حضرتك في خطوبتي .. حضرتك من معارف عريسي؟!
أنهت ابريل عبارتها بسؤال حائر، فأجابها باختلاق: لا جاي مع أصدقاء ليا .. ألف مبروك يا ابريل.
أضاف جملته الأخيرة بلطف جذاب، وهو يمد يده لمصافحتها، فردت أبريل برقة: الله يبارك فيك يا مستر داغر.
خلال ذلك الوقت
بجهة أخرى على اليخت
_ وحشتيني يا بيبي.
تمكنت من تمييز تلك النبرة الرجولية الساحرة وسط الضجيج من حولها، فبهتت ملامح وجهها الجميل من الصدمة حين رأت أسوأ كوابيسها يتجسد بعنجهية أمامها دون سابق إنذار.
تمكنت ريهام من تجميع شتات حروفها بعدم تصديق: مش معقول .. أنت!!!
تحدث صاحب المظهر الأنيق المصحوب بالهالة المخيفة، مبتسمًا بعبثية: نسيتي اسمي ولا من المفاجأة لسانك اتربط؟
ابتلعت ريهام صدمتها بصعوبة، وقالت بنبرة متحشرجة مليئة بالحيرة: هي مفاجأة غريبة بس أنت بتعمل إيه هنا يا داغر؟
اتسعت الابتسامة على فمه الغليظ، ووضع يديه في جيوب بنطاله وهو يجيبها باسترخاء: اسم أختك لفت نظري في الأخبار .. فقولت لنفسي مناسبة كويسة عشان نتقابل مرة تانية.
عقدت ريهام ذراعيها أمام صدرها، وحاورته بسخرية: آخر مرة اتقابلنا مكنش باين إنك عايزنا نتقابل تاني ..
استفزته بنبرة ذات مغزى، وهي تنظر حولها نظرات شمولية سريعة: أومال هي فين مش شايفاها؟!
أجاد داغر رسم معالم اللامبالاة على وجهه رغم تصلب جسده حين فهم ما تعنيه بكلماتها، فأجابها بإيجاز: مش معايا.
رفعت ريهام حاجبًا واحدًا باستغراب، ثم تحدثت بنبرة مستهزئة بعض الشيء: غريبة إنك جاي من غيرها بعد ما كنت بتاخدها كل مكان بتروحه؟!
داغر بصوته المتهكم الرجولي الذي يخفي الكثير من الحزن خلف جدرانه الثلجية: مفيش ميت بيحضر حفلات.
ريهام بشحوب: ماتت؟!
انحنى داغر برأسه نحوها، مضيقًا عينيه بنظرات اخترقت دواخلها، قائلًا بنبرة واثقة ممزوجة بالسخرية: نظرة الرعب اللي في عينيكي دي وفرت علينا مقدمات كتير .. خلينا في الكلام المفيد.
شعرت ريهام بقشعريرة قلق تسري في جسدها من كلامه، فهزت رأسها سريعًا بالسلب، متوسلة إليه بنبرة متوترة: بليز يا داغر ده لا وقت ولا مكان مناسب لأي كلام.
باغتها داغر بإمساكه بإحدى ذراعيها في قبضته، مما جعلها تتكئ عليه بسبب عدم توازنها، وهي تتلفت حولها بملامح مذعورة، وهو يهمس لها بشراسة: ماشي بس إياك عقلك يصورلك إنك بتهربي مني هسيبك دلوقتي بمزاجي بس عشان تستعدي للمقابلة الجاية.
_ سلام يا بيبي.
قالها داغر بسخرية تامة شعرت بها في نبرته، وهو يلمس ذقنها برفق قبل أن يتركها متجمدة من الصدمة، تستوعب كلماته بارتجاف، تكاد تبكي خوفًا من الكارثة التي ستحل عليها قريبًا من ظهوره المفاجئ.
في ذات الوقت
عند ابريل
وقفت إبريل بعيدًا عن صخب المكان، تستمتع باستنشاق الهواء النقي بينما تداعب النسمات المنعشة خصلات شعرها، حتى انتشلها صوته المنزعج من أعماق أفكارها: رجعتي لحركاتك البايخة دي تاني.
التفتت ابريل إليه متنهدة بضجر، ثم ردت بتعجب ساخر: وأنا مالي لما أنت بتدوخ ..
وافقت ليه نعمل الخطوبة على يخت في النيل ليه؟!
ضحك باسم بدهشة بزغت في نبرته، حالما علّق على كلماتها:
وهو دا بقى جزائي في الآخر عشان ما رضيتش أرفض طلبك وأزعلك.
تعلقت أنظارها عليه، وقالت بلطف مزيف ذات مغزى:
تصدق إنك طلعت مضحي أوي وأنا ظلماك.. بس عادي تديني ميعاد وأروح ألاقيك قاعد مع واحدة تانية وبتقول إنها خطيبتك.
تأفف باسم بيأس قبل أن يهتف بدفاعية:
رجعتي تفتحي نفس السيرة.. أكتر من 10 مرات قولتلك إنها مريضة ومهووسة بالمشاهير وأنتي بعينك شوفتي حركاتها اللي مش طبيعية.
لوحت أبريل بنفاذ صبر قائلة بتبرم:
خلاص انتهينا من الحكاية دي.. خلينا في المهم مين فاكر نفسك عشان تبوسني قدام الناس بالبجاحة دي وكمان نزلتها على الإنستجرام؟!
مط باسم شفته السفلى للخارج بعدم اكتراث من غضبها، ثم أخبرها بصلابة واستفزاز:
أنا جوزك.. وبعدين هي دي أول مرة.. ما حصلت قبل كدا اتعودي عشان دا هيحصل منه كتير.
علّقت بنبرة مشحونة بالتوعد من ثقته الزائدة عن الحد:
إن ما بطلتش السفالة بتاعتك دي هتلاقي رد فعل مني مش هيعجبك.
ارتدت أبريل برأسها للخلف مجفلة، حينما دنا منها، ليسأل بهمس خطير، متعمدًا إثارة غضبها المغري له:
إيه!! هتضربيني تاني.. لا تالت.. أول مرة زقتيني في صدري في حمام المطعم فاكرة!!
احمرت وجنتاها خجلاً من قربه الحميمي، لتدفعه بقبضتها في صدره بخفة، ثم تلعثمت في قولها بعناد:
والتالتة ثابتة.
- ما علينا مين اللي وقفتي تكلمي معاه والضحكة مالية وشك زي الهبلة؟!
- حاجة ما تخصكش.
- أنتي اللي اديتيني الحق في كل حاجة تخصك ولا نسيتي؟!
اغتاظت أبريل كثيرًا من استفزازه لها مما جعل فكرة شيطانية تخطر على عقلها الحانق منه، متمتمة على عجل:
عندك حق وأنا هصلح الغلط دا حالًا.
أنهت أبريل جملتها تزامنًا مع دفعها فجأة له بقوة في صدره ليفقد توازنه، فمد يديه عفويًا متشبثًا بها مما جعلهما يسقطان من على اليخت.
شهقت أبريل بعنف، وهي تخرج برأسها من الماء، وتمسكت برقبته بقوة تلتقط أنفاسها بصعوبة، وهو يمسك بخصرها بإحكام، فحدقت فيه لثوانٍ ثم التفتت بعينيها الجاحظتين في ذعر حول المكان وعقلها لا يستوعب ما حدث للتو.
- يا أم قلبك جاحد كنتي عايزة تموتيني غرقان.
رفعت أبريل رأسها إليه غير مصدقة حديثه المزاح في مثل هذا الموقف قائلة بنبرة مائلة للسخرية:
أموتك إيه!!! دا لو السمك كلك هيجيله مغص.
قطّب باسم حاجبيه بانزعاج مدمدمًا بشماتة:
واطية أدي السمك هياكلك معايا شوفتي ربنا بقى.
- أنت كمان ليك نفس تهزر.. عجبك بهدلتنا دي.
- وهو أنا اللي قولتلك ارميني في البحر وأقعي معايا.
تذمرت أبريل بحنق من بروده:
أنت اللي شدتني معاك.. منك لله الفستان باظ وشعري والميكاب ادمر.. اتفضل طلعنا من هنا.
عند داغر:
- مش هتبطل ألاعيبك دي.. واخدني على عمايا وجايبني خطوبة أخت ريهام؟!
نفخ بصوت عالٍ من تأنيب شقيقه، ووضع كفه داخل بنطاله، وصاح بنفاذ صبر:
ما أنت اللي من يوم ما نزلنا مصر وأنت عامل زي ضلي وعايش جوا الأخ الكبير.. دول ما كانوش عشر دقايق اللي بيني وبينك وكاتم على أنفاسي بيهم.
تراجع خطوة إلى الوراء بتوتر بعد أن لاحظ التفاف الانتباه نحوهم ممن حولهم، وأضاف بتمهل، وهمسًا إلى حدٍّ ما:
مش قادر تستوعب إننا كبرنا.. وأنا مسؤول عن تصرفاتي ومصالحي مش مطلوب منك كل حاجة تعدل عليا فيها.
لاحت على فم دياب ابتسامة ساخرة، وهو يعقد ذراعيه على صدره، ليتشدق بتعجب متهكم:
لا والله!! وكانت فين المسؤولية دي يا داغر بيه وأنت بتعرف واحدة على جوزها وأنت متجوز وكمان بتحمل منك وفي أول صندوق زبالة بترميها بعد ما زهقت منها.
ختم دياب كلامه بتوبيخ، وهو يرمقه بنظرة حادة جعلت داغر يدير وجهه شاردًا بخضراوتيه في قارب آخر يبحر في نهر النيل أمامهم، وأخذ نفسًا طويلًا قبل أن يبرر موقفه بنبرة حزينة:
كام مرة هعيد لك نفس الكلام.. ما كنتش متأكد ساعتها إنه ابني ولا كان فارق معايا الموضوع كله..
ولم يكد ينهي جملته حتى تلقى صفعة قوية من دياب بسوط الحقيقة حينما قاطعه بصوت بارد حاد:
مش فارق معاك ولا حبك لمريم ما كانش مخليك عايز تصدق إن الولد اللي كنت بتحلم تجيبه منها هتجيبه من غيرها وفضيحة إن يكون ليك ابن غير شرعي خلتك ترفس كل حاجة عشان ما تزعلهاش وتبقى السبب في موتها بحسرتها.
كان داغر يستمع بصمت إلى كلامه القاسي، وهو يمسك بالقضيب الحديدي للسفينة الشراعية الضخمة التي يقف كلاهما فوق سطحها بقوة كبيرة، وكان الهواء يداعب شعرهما بعنف، قبل أن يدير رأسه نحوه ويخبره من بين أسنانه بانفعال معذب:
أهي ماتت خلاص ماتت وسابتني لا بقت معايا ولا ابني كبر واتربى في حضني وقدام عيني.. اختفت بعد موت مريم وعشان كدا متأكد إن هي اللي عرفتها وموتها كان ليها يد فيه.. وخلاص بعد ما بقت تحت عيني هعرف إزاي أخليها تدفع الثمن غالي.
قطّب دياب حاجبه، وهو يضيّق عينيه بنظرات غير راضية على توأمه، قبل أن يتنهد بضجر، ويقترب منه قليلًا قائلًا بهدوء محذرًا:
ما فيش فايدة في دماغك.. اسمع أنا مش جاي لك لحد هنا عشان نقول كلام اتناقشنا فيه مية مرة قبل كدا.. أسلوب الانتقام اللي أنت عايز تنفذه دا مش هيضرها لوحدها.. أنت بتفتح علينا مية جبهة وبتدمر ناس تقيلة ومهمة إذا شموا خبر إننا ورا اللي بيحصل هتقوم حرب.
تأفف داغر بضجر:
طول عمرك عدو المرح هو إحنا لسه لحقنا نعمل حاجة.
أنهى كلماته ضاحكًا بخبث، ليوبخه شقيقه:
كفاياك تهور وتصرفات مجنونة عايز تاخد الولد في طرق كتير تاخده بيها...
توقف دياب عن متابعة حديثه بإشارة من يد داغر الذي حدّق إليه بعينيه الخضراوين المتلألئتين بوميض خبيث، قبل أن يهسهس بتوعد وقسوة:
ما تحاولش معايا عشان حكم الإعدام عليها وعلى اللي حواليها.. أنا أصدرته خلاص وبيتنفذ دلوقتي وهستمتع أوي وأنا أوقف أتفرج عليها وبحرق أعصابها وبطلعلها من كل حتة زي التعبان ما بيحزم الفريسة قبل ما يبلعها وبعدها هاخد ابني ومش هتشوفه تاني في حياتها.
دياب بحيرة:
كل دا إيه صلته بوجودنا هنا النهاردة وعايز إيه من أختها وليه تشغلها عندك في الشركة؟!
داغر بخبث وشر:
لسبب بسيط أوي.. ريهام بتغير من أختها إزاي هفوت على نفسي الفرصة دي ومحرقش أعصابها.
قال دياب بنبرة تحذيرية صارمة:
عكك زاد أوي يا داغر.. مش كفاية للي عملته في البت دي وهي مالهاش ذنب في عمايل أختها.
داغر بنفاذ صبر:
عملت إيه لكل دا!! كانت بتدور على شغل وأنا قدمتلها الفرصة.. يعني عملت فيها خدمة بتحسسني بالذنب ليه دلوقت وعشان ما تصدعنيش تاني يا أبو ضمير صاحي أبقى أتعامل أنت معاها وكون رئيسها المباشر ما عادش ليا خلق.
(داغر المسيري) يبلغ من العمر 36 عامًا رجل أعمال ومستثمر ناجح يمتلك شخصية جذابة تمتعه بالقوة والشموخ حاد المزاج العنف جزء من طبعه إذا تألم يصبح أسوأ عدو ولا يتساهل ببساطة يسعى دائمًا إلى الانتقام من أي شخص يؤذيه من دون أن يكون شرسًا، بل يفعل هذا بأسلوبه الخاص يكره الروتين والأشياء التقليدية لذا فهو كثير الأخطاء شخص عنيد للغاية ولا يحتمل آراء معاكسة لآرائه.
(دياب المسيري) يمتلك شركة أمن على أعلى مستوى من التكنولوجيا المتطورة.
توأم داغر يجمع بينهما تشابه الوجوه فقط.
لكنه عكس أخيه راقي في تعاملاته كما أنه شديد الغموض مدمن للعمل نادرًا ما يصاب بالإحباط أو اليأس يمتلك عقل ذكي للغاية يحب أن تسير على نظام ثابت لا يشوبه أي تغيير مما يجعله يفضل الهدوء والعزلة.
شعوره بالمسؤولية تجاه أخيه تحوله لشخص متسلط ومتحكم أغلب الأحيان وهذا ما يمقت به داغر بقوة.
بعد عدة دقائق:
عند أبريل:
عبست وسام بغرابة من مظهرهما المبلل تمامًا، فسألت مستفسرة:
إيه يا ولاد إيه اللي عمل فيكم كدا؟!
بادرت أبريل بالقول، وهي تبتسم بحنان لتغطي ارتباكها وهي تربت برفق على ذراعه:
شوفتي اللي حصل يا طنطا بسبب الدوخة اللي عنده يا حبيبي وقع في الميه بس أنا لحقته وهو كويس ما تقلقيش.
أصاب عقله الذهول من قدرتها الجهنمية على اختلاق كذبة في بضع ثوانٍ، متمتمًا بغيظ:
يا بنت المستعبطة.
تحدثت وسام سريعًا واضعة يدها على صدرها بقلق أمومي:
الحمد لله ربنا ستر..
يلا تعالوا تعالوا على الكابينة بسرعة، غيروا هدومكم المبلولة دي قبل ما تاخدوا دور برد. وأنا هروح أشوف حاجة تلبسوها وأجيلكم أوام.
أكملت وسام جملتها، وهي تتقدم أمامهم بينما كانا يتحركان خلفها معًا، فهمس لها باسم مرتجفًا: ضيعتي الهيبة، عاجبك المنظر الزفت اللي احنا فيه يا مؤذية.
أبريل بشماتة: تستاهل.
بعد قليل في الكابينة.
ارتجفت شفتاها وهي تقف في مكانها، متسائلة بتعب: مامتك اتأخرت كدا ليه؟ هنفضل مبلولين كدا؟
نفخ باسم بحنق: ما أنا زي زيك أهو يا بنتي، أعملك إيه يعني؟ ارحميني شوية وبطلي زن.
سعلت أبريل بشدة، غير قادرة على التحكم في ارتعاش جسدها المثلج حتى سمعته يهمهم بشيء جعل عينيها تجحظان بإنشداه: اقلعي...
مامتك اتأخرت كدا ليه؟ هنفضل مبلولين كدا؟
نفخ باسم بحنق: ما أنا زي زيك أهو يا بنتي، أعملك إيه يعني؟ ارحميني شوية وبطلي زن.
سعلت أبريل بشدة، غير قادرة على التحكم في ارتعاش جسدها المثلج حتى سمعته يهمهم بشيء جعل عينيها تجحظان بإنشداه: اقلعي...
صمتت إبريل لبرهة من الزمن ببلاهة، وهي تراه يخلع سترته، ثم سارعت مجمجمة بحدة: بطل قلة الأدب بتاعتك دي!
لم تتلق منه إجابة، فازدادت الحيرة بداخلها عندما رأته يدير رأسه حتى وقعت عيناه على شيء ما، ليتحرك نحوه يسحبه بخفة من المقعد ثم التفت ليواجهها، وهو يخبرها بهدوء: اقلعي الفستان وغطي نفسك بالبطانية دي لحد لما ماما تجيبلك حاجة تلبسيها.
رفضت أبريل بحرج: لا خليني كدا أنا هستحمل.
خرجت تنهيدة عميقة من جوفه، قبل أن يتحدث بضيق متوجهًا نحوها بخطوات غير صبورة: اسمعي الكلام مرة واحدة في حياتك بدل ما يحصلك حاجة وأشيل ذنبك.
مد يده إلى رقبتها بمشاكسة، فأزاحتها بسرعة بعيدًا محتجة بعدم الرضا: شيل ايدك.
سمعا طرقات على باب الكابينة تبعها دخول وسام التي قالت بلهفة: معلش اتأخرت شوية ما لقيت حاجة نضيفة تلبسوها تناسبكم.
تابعت مبتسمة بلطف: جبتلك دا يا حبيبتي نشفي بيه شعرك.
شكرتها أبريل بامتنان: ما اتحرمش منك كنت محتاجاه قوي.
تدخل باسم في الحديث: ماما خلينا خلاص نرجع الوقت اتأخر بينا وهي محتاجة تستريح.
أومأت وسام برأسها موافقة على كلامه، ثم غادرت الغرفة، فحولت إبريل نظرها إليه، ثم قالت باستنكار: انت هتفضل واقف؟
ارتفعت زاوية فمه بسخرية، قائلًا بفظاظة: لا هاقلع.
شهقت بصدمة من وقاحته، هاتفَة باعتراض: تقلع فين! اتفضل روح أي كابينة تانية غير فيها.
عبس باسم منزعجًا من حدة صوتها، مما جعله يفقد رباطة جأشه موضحًا بنفاد صبر: ما فيش في اليخت غير الكابينة دي وانتي أخدتيها عشان تجهزي فيها. يلا ما تضيعيش الوقت في الكلام، روحي الحمام غيري وأنا هاغير هنا.
قلبت عينيها مستسلمة، ثم دخلت الحمام لتغير ملابسها، فصاح بصوت مرتفع نسبيًا، وهو ينزع عنه ربطة عنقه: انجزي مش عايز لكاعة جوا.
أتاه صوتها من الداخل تهتف بقلة صبر: نقطنا بسكاتك وسيبني في اللي أنا فيه.
ظهرت ابتسامة شقية على شفتيه، وهو يغير بنطاله المبلل بآخر نظيف، قائلًا بجراءة: ممكن أطوع وأدخل أساعدك.
أخذ الغطاء ينظف به جسده برفق، وهو ينهي كلامه، كاتمًا ضحكته فجاءه صوتها الأنثوي بانزعاج: بطل توترني يا مستفز.
خرجت ضحكاته بخفوت، ثم تابع حديثه وهو يمسك تيشيرته بطرف أصابعه ليرتديه بحركة خاطفة: خلاص بس لو اتأخرتي هدخلك انتي حرة.
فتحت إبريل باب الحمام الصغير بعد قليل، ووقفت أمام المرآة، وهي تجفف شعرها الأشقر بالمجفف، قائلة بتبرم: أنا علقت الفستان هنا. بس محتاج يتنشف بسرعة مش معقول هاطلع قدام الناس كدا.
تأمل مظهرها في الكنزة البيضاء بتصميم أنثوي ناعم ورقيق، أكمامها من الشيفون الشفاف الذي يصل إلى المرفقين، تضعها داخل بنطال أسود بزخارف زهرية باللون العنابي، في حين أنها تعجبت من صمته غير المعتاد، فرمقته من جانب وجهها، لتراه يحدق بها، فقالت بعفوية: على فكرة محتاج انت كمان تنشف شعرك لا تاخد برد.
اللي يسمعك هيفتكرك بتخافي عليا طبعًا عشان ما شافكيش وانتي بتربيني في البحر بقلب ميت.
اغتاظت أبريل من استهزائه بها، فضيقت عينيها بعبوس قبل أن ترد بابتسامة صفراء: أحلى حاجة فيك إنك ما بتشلش في قلبك.
حدق فيها بهدوء لثوان، ثم همهم بنبرة لعوب: ما فيش حاجة تانية حلوة فيا؟
سرت رعشة في جسدها من نظراته إليها، فغيرت مجرى الحديث بارتباك ملحوظ وهي تستدير للجهة الأخرى: احنا اتأخرنا وكدا الناس هتلاحظ غيابنا، هروح أشوف طريقة أنشف الفستان بيها.
اختطف باسم ذراعها يمنعها من الهرب، فتبعته في دهشة خجولة، وهو يلتقط أحد خصلاتها المتمردة كصحبتها، ويلعب بها بأصابعه، هامسًا بصوت رجولي جذاب: نشفيلي شعري.
نسيت وضعهما الحميمي من نبرته الآمرة، وتخصرت بيد واحدة أمامه، ولوحت بالمجفف في الهواء، معقبة بنبرة تعبر عن استنكارها: دا بأمارة إيه إن شاء الله!
ضغط على كل حرف من حروف الكلمة بتعمد كأنه يريد تثبيتها داخل عقلها: جوزك..
زفرت إبريل ببطء، تخفف من قوة ضربات قلبها، وهي تشير إليه بالجلوس باستسلام، مدعية الحنق: عارفه مش هاخلص معاك.
جلس على حافة السرير الصغير بارتياحية، بينما وقفت بجانبه وبدأت مهمتها في صمت خيم عليهما للحظات ثم قطعه باسم، مغمغمًا لها وهو يستمتع بلمسات أصابعها الرقيقة في شعره: أقولك حاجة وما تفهمنيش غلط.
همهمت إبريل باستفهام، منتظرة أن يتحدث، فانفرجت ابتسامة كسولة على شفتيه، متأملًا ملامحها الرقيقة بعمق: مش بيكون لايق عليكي الهدوء والأدب. بتبقي أحلى وانتي مشاكسة وعنادية.
تطلعت إليه مبتسمة بحاجب مرفوع، وقالت بتوبيخ ساخر: وانت في قلة الأدب أستاذ ورئيس قسم.
ارتفعت قهقهاته الجذابة مرحًا، وهو يغمز لها بشقاوة ترن في نبرته: العب عشان كدا بحبك.
أرسلت كلمته الأخيرة إليها شعورًا غريبًا، رغم أنها كانت تعلم أنها خرجت منه على سبيل المشاكسة، لكن كان هناك صوت قادم من العقل يحذرها من أن هذا قد يكون مؤذيًا لها، سرعان ما نفضت هذه الأفكار عنها، وهي تجيبه بمراوغة: شكلك زي القطط ما تحبش إلا خناقك.
تيبس جسدها وهي تشعر بشفتيه تلمسان وجنتها برقة، يطبع قبلة عليها، غير عابئ بالشهقة الاحتجاجية التي عبرت شفتيها، فغمغم بصوته العميق: وهو في خناق بالطعامة دي.
تمتمت إبريل بإنذار: وبعدين!
حاولت إبريل الابتعاد، لكنه أحاط بخصرها بكلتا يديه، وجذبها نحوه، هامسًا بمكر أمام شفتيها: مش كتبنا الكتاب.
ما تيجي نصفي الحسابات المفتوحة بينا عشان محبش يبقى ليا حق برا وأسيبه.
خفق قلبها خلف ضلوعها بسرعة كبيرة من قربه منها، وتخدرت بقية حواسها عندما شعرت بأنفاسه الحارة تحرق بشرتها، فانتزعت نفسها من حصار ذراعيه المتشبثتين بها بصعوبة وتراجعت خطوتين، متخذة الهجوم درعًا تخفي به حرجها من تأثيره عليها، محذرة إياه من نفاد صبره: أنت مش هتجيبها لبر.
ضحك باسم إعجابًا بتلك الشرسة الفاتنة الساحرة حين رفعت مجفف الشعر في وجهه متوعدة إياه به، قائلة بمزح مشاكس: خلاص أنا خارج أشوف المعازيم اللي فوق وراجعلك تكوني نشفتي الفستان.
أنهى باسم جملته وهو يقوم من مجلسه، فقضمت شفتيها منشغلة بالتفكير فيما ستفعله بالفستان الذي نسيت أمره، لتتفاجأ بهيمنته عليها بطوله، يقرب وجهه منها، فتسمرت فيروزيتها عليه بترقب، ليواصل بهمس حسي مثير أمام شفتيها: ومصيرك تيجي من نفسك تدوقيني التوت المستوي من فوق شفايفك تاني.
اعتصرت جفونها خجلًا من جرأة حديثه الواثق بعدما فهمت ما يرمي إليه حين استسلمت لقبلاته المثيرة في غرفة القياس، والتي مهما تظاهرت بعدها بعدم الرضا أمامه، لكن في أعماق روحها تدرك أنها استجابت له طوعًا، ولكن الآن كيف تجرؤ على الاعتراض أو حتى التحدث وشفتاه تكادان تلتصقان بشفتيها، إن حاولت التكلم فقد تجعلهما يصطدمان ببعضهما البعض، ولا يوجد ما يضمن أنها ستستطيع مقاومته هذه المرة.
أما هو فكان ينظر باستمتاع إلى وجهها المحمر خجلًا، ثم قرر أن يرأف بحالها، فغادر الكابينة بهدوء، تاركًا إياها متجمدة في مكانها، ضائعة في موجة من المشاعر اللذيذة الغريبة، ثم سرعان ما ألقتها رياح العقل إلى شاطئ الواقع مجددًا، فركضت نحو الحمام، موبخة ذاتها بأنفاس مسلوبة: أنتي في إيه ولا في إيه أما أشوف الفستان!
بعد فترة وجيزة.
بإحدى الممرات الداخلية لليخت.
خرجت لميس من الحمام، وتبعتها هالة من خلفها، تسألها بغرابة: إيه شكلك متعكنن كده ليه! حصل مشكلة بينك وبين خالد ولا إيه؟
لميس بابتسامة صغيرة: خالص بالعكس خالد طيب وحنين أوي.. أنا بس اتخنقت من الليلة دي وعاوزاها تخلص بقى.
منعتها هالة من السير، وسألتها بارتياب: أوعي تكوني لسه بتفكري في موضوع باسم يا لميس..
هزت لميس رأسها بالنفي، وأجابتها بنبرة تدل على الاستنكار والتعجب: إيه اللي بتقوليه ده يا هالة! هفكر فيه إزاي وأنا بقيت مخطوبة رسمي لخالد وهو بأمانة عرف يحببني فيه بمعاملته الحلوة وحبه ليا.
أنهت لميس جملتها، وهي ترسم ابتسامة حالمة على شفتيها، مما جعل الراحة تستقر في قلب هالة من ناحيتها، قائلة بحب: وأنا مبسوطة لك بجد إن ربنا بعت لك الإنسان اللي يستحقك يا قلبي وربنا يسعدك معاه.
أمنت لميس دعائها، وهما يواصلان السير، فسألتها الأخرى مجددًا باهتمام: أومال إيه اللي خنقك لدرجة دي؟
لميس بضيق: معلش يا هالة أنتي عارفاني مبعرفش أكون دبلوماسية زيك بصراحة.. يا بحب يا مش بحب.. وأنا مش حاسة بقبول ناحية اللي اسمها أبريل لا هي ولا أختها.
عارضتها هالة بدفاعية: خالص بالعكس أبريل بنوتة دمها خفيف وطيبة.. وبحسها مش زي ريهام في أي حاجة.. بس بيني وبينك أنا مبسوطة لباسم إنه أخيرًا طلعها من دماغه ونسي موضوعها القديم ده.
لميس بعدم اقتناع: وتفتكري بقى هي نسيت.. أنا شفت نظراتها ليهم كان واضح أوي إنها متضايقة.. خصوصًا وقت كتب الكتاب يمكن لسه بتحبه.
هالة باعتراض: تحب مين يا بنتي؟ هي أساسًا أمتى كانت بتحبه.. ما أنتي عارفة الحكاية القديمة.. وكويس إن باسم قدر يتخطاها.
بينما كانت هالة تتحدث، لمحت لميس بزاوية عينيها أبريل في كابينتها التي كان بابها مفتوحًا، وهي واقفة منهمكة في تجفيف الفستان بمجفف الشعر، وأدارت ظهرها للخارج، فتوقفت لميس عن السير بعد خطوتين من الباب، وردت بصوت جعلته يخرج عاليًا تلقائيًا: وإيش عرفك إنه اتخطاها.. مش يمكن هو اختار أخت ريهام بالذات عشان يحرق قلب ريهام بعد رفضها ليه؟!
سارعت هالة بالنفي دون أن تدرك ما يدور حولها: لا لا مفتكرش باسم يكون بيفكر كده حرام عليكي.. باسم بيحب يعيش حر وكلنا تعبنا معاه عشان يتجوز وهو مكنش في دماغه يعني مش معقول هيتجوزها عناد في ريهام ويكون قاصد يردها لها عشان رفضته زمان.
عند أبريل.
تحاملت أبريل على نفسها، وأغلقت باب الكابينة، لتعود إلى السرير وتجلس عليه، كان الضياع واضحًا على وجهها الشاحب، وهي تكافح الدموع التي تتصاعد في عينيها مع شعورها بالألم يطرق جدران قلبها المتصدع وعقلها المشوش الذي يلح عليها بأسئلة لا تملك لها إجابة هل ما سمعته قبل لحظة صحيح أم أنها توهمت الأسماء؟
مبروك يا أبريل ولا أقولك يا مدام أبريل.
رفعت أبريل رأسها نحو الباب الذي دخل منه أحمد، وأغلقه خلفه، فضيقت عينيها عليه بعدم فهم، لتسأله بتوتر من ظهوره المفاجئ: إيه اللي جابك هنا يا أحمد؟!
تقدم أحمد باتجاهها خطوتين، ثم أجابها بصوته الأجش بتساؤل آخر: عاوز أفهم أمتى قررتي يتكتب كتابك على البأف اللي برا ده وحتى من غير ما ترجعي لأهلك!!!
لقد جاءتها الفرصة على طبق من ذهب، فاستغلتها لتخرج ما تشعر به من قهر فيه، قاصدة عمدًا إيذاءه وإفاقته، وهي ترد عليه باستهزاء أبرعت به رغم المرارة التي تشكلت في حلقها: ومين هما أهلي لو تقصد نفسك فأنت ابن خالي مش الواصي عليا ولو سمحت لما تتكلم عن الإنسان اللي بقى جوزي تتكلم عنه باحترام.
رفع أحمد حاجبه الكثيف بسخط من حديثها المستفز، ليسألها بغل مكتوم: ومحموقة عليه أوي كمان؟!
فجأة أمسك بذراعها، وجذبها لتقف بحركة خاطفة، فاصطدم جسدها الرقيق بجسده العريض، مما جعلها تفزع منه كثيرًا: بتعمل إيه.. أنت مجنون؟!
استولى أحمد على ذراعها الآخر، ليهزها بعنف وكل خلية في جسده تنتفض من شدة الغضب، وهو يردد باحتدام ناري: أيوه مجنون وأنتي اللي وصلتيني للحالة دي.. لسه حاسس بالنار قايدة في كل جسمي لما شفت واحد تاني قدام عيني بيبوسك و بيحضنك وبيرقص معاكي.. واحد تاني اتكتب اسمه جنب اسمك وأنا واقف متربط مش قادر أعمل حاجة كأني جوا كابوس.
حررت نفسها من قبضتيه بقوة، وهي تجيبه ببرود لاهث: لا مش كابوس اللي حصل من شوية حقيقة يا ابن خالي وحقك تفرح لي لو بجد بتعزني وعايز تشوفني مبسوطة.
بصي في عيني وقولي إنك مبسوطة وإنك نسيتيني.. قولي إن دقات قلبك مش باسمي ولا بقى يحس بحاجة ناحيتي يلا قوليها.
قلت لك كلامك مالوش معنى.. لو سمحت ما يصحش كده اتفضل اخرج قبل ما حد يجي ويشوفنا كده.
بتهربي من الإجابة زي ما هربتي زمان عند أبوكي وسيبتيني بس المرة دي مش هتقدري.
اللي هرب هو أنت.. اللي جوايا ناحيتك بقى رماد من كتر ما قلبي اتحرق من الوجع.. بعد ما سيبتني واتجوزت وشفت حياتك بعد شهرين بس.. بأمارة إيه دلوقتي بتدخل في حياتي وعاوز تبوظها لي؟!
كنت واقع في اختيار ما بينك وما بين أمي كنتي عايزاني أعمل إيه؟!
صرخ أحمد بالكلمة الأخيرة بقلة حيلة جعلتها تطوي ذراعيها أمام صدرها، لتضحك بازدراء: لا معلش ما تضحكش على نفسك.. حط عينك في عيني وقول إن ما كانش عندك اختيار تاني.. مش هتقدر ترد صح.. أنت رحت اتجوزت صحبتي عشان تقهرني بس كله جه فوق دماغك.
أنهت جملتها بنظرات شامتة، فهتف أحمد بحرقة: ليه لسه بتقاوحي وبترفضيني وأنا اللي مسلم قلبي وعمري بين إيديك وبرده مش راضية.. ليه عايزة تبعدي عني تاني.. عايزاني أكررها لك كام مرة أيوه أنا ندمان على جوازي من غيرك ندمان أقسم بدين الله ندمان.
مهما ندمت مفيش فايدة.. عارف كام قلب اتحرق من ورا أنانيتك وجحودك..
شعرت أبريل برغبتها في البكاء زادت فجأة، لكنها تابعت بجمود: أنت دلوقتي حد معرفهوش ولا أنا اللي كنت تعرفها ومتربية على إيدك.. خلاص فوق بقى من الوهم ده وابعد عن حياتي خالص أنا بقيت متجوزة.. خرجني من الدوامة دي بقى مفيش حد تلومه دلوقتي غير نفسك سامعني.
لم يبالِ بما تقوله، قابضًا على ذراعها بغيرة متقدة، وهمس بنبرة قاسية وخطيرة: أقول لك على حاجة..
كلمة أبرك من مليون مالهمش لازمة. هتطلبي من الـ**** الطلاق فهمتي؟
بنظرات خائفة نطقت بعدم تصديق:
إيه الجنان اللي بتقوله دا؟
_إيه عايزة تفهميني إنك حبتيه؟
ختم أحمد جملته الهازئة، مشدداً قبضتيه حول ذراعيها، وهو يحدق فيها بحنق قاتل، فدفعته في صدره بقوة حتى تراجع عنها، ووقف على بعد خطوة، وهي تهدر بانفعال وجهد:
إزاي مقرب مني كدا؟ أنا بنت خالك، اخرج حالًا قبـ...
بتر أحمد بقية عبارتها، ممسكًا بيدها يوقفها قبل أن تصل إلى الباب، وهمس بغضب أعمى، تزامنا مع دفعها نحو الحائط، فأغمضت عينيها، وشعرت بألم في أسفل ظهرها، واندفعت الدموع من عينيها لا إراديًا، مما جعله يتلعثم بقهر حزين:
ياااه إنتي مش طايقة لمستي ليكي.. لدرجة إنك بعد ما كنتي بتدوبي بين إيديا وبتبقي ملهوفة علي حضني دلوقتي بتعيطي.. مش طول عمرك بتقولي إني أمانك ومابتحسيش بالراحة غير وأنا واخدك في حضني؟ خلاص كل دا نسيتيه.. خلاص بقيتي بتكرهيني؟
هدر أحمد بالكلمة الأخيرة بجنون، فرفعت عينيها نحوه، صارخة بصوت غاضب، غير مكترثة بحالته الهستيرية، وهي تنزع يدها منه:
اللي بتعمله دا اسمه جنان؟
شعوره بالغيرة القاتلة التي تحرق قلبه وعروقه، جعلته يفقد ما تبقى من سيطرته على أعصابه، وجهر بعنف:
الجنان إنك تفتكريني هسيبك للـ**** دا.. إنتي بتاعتي أنا.. مش بعد ما فضحتلك الـ**** تاني وعرّفتك إنه متجوز عشان أمنع جوازتك تروحي تتجوزي واحد من نفس صنفه وتفضليه عليا.
حدقت فيه بنظرة عدم تصديق ستظل محفورة في عينيه، بينما لسانها تلجم من اعترافه، الذي جعلها تتجمد في مكانها من صدمتها الشديدة.
مرت عدة لحظات، وقبل أن تلملم جمع أفكارها المتناثرة حتى تتمكن من الرد عليه، وجدت يدين تسحبان أحمد من الخلف الذي لم يتمكن من تجنب ضربة باسم القوية على وجهه.